تَفْسِيرُ سُورَةِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ [[بعدها في م: البسملة.]] . ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ بِهَذِهِ السُّورَةِ، وَبِـ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " فِي رَكْعَتِي الطَّوَافِ. [[صحيح مسلم برقم (١٢١٨) من حديث طويل وهو منسك جابر المشهور.]] وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ بِهِمَا فِي رَكْعَتِي الْفَجْرِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، بِضْعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً -أَوْ: بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً- " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " وَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ". [[المسند (٢/٢٤) .]] وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَمَقْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ -أَوْ: خَمْسًا وَعِشْرِينَ-مَرَّةً، يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ بِ " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " وَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ". [[المسند (٢/٩٩) .]] وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ -هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الزُّبَيْرِيُّ-حَدَّثَنَا سُفْيَانُ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَمقتُ النَّبِيَّ ﷺ شَهْرًا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ بِـ " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " وَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ". وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ [[المسند (٢/٩٤) وسنن الترمذي برقم (٤١٧) وسنن ابن ماجة برقم (١١٤٩) .]] وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهِ [[سنن النسائي (٢/١٧٠) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ، وَ " إِذَا زُلْزِلَتِ " تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ [[في أ: "هشيم".]] بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ فروةَ ابْنِ نَوفل -هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ-عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "هَلْ لَكَ فِي رَبِيبَةٍ لَنَا تَكْفُلُهَا؟ " قَالَ: أَرَاهَا زَيْنَبَ. قَالَ: ثُمَّ جَاءَ فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهَا، قَالَ: "مَا فَعَلَتِ الْجَارِيَةُ؟ " قَالَ: تَرَكْتُهَا عِنْدَ أُمِّهَا. قَالَ: "فَمَجِيءُ مَا جَاءَ بِكَ؟ " قَالَ: جِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي شَيْئًا أَقُولُهُ عِنْدَ مَنَامِي. قَالَ: "اقْرَأْ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا، فَإِنَّهَا براءة من الشرك". تفرد به أحمد. [[لم أقع عليه في المطبوع من المسند، وذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٥/٤٢٥) .]] وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمرو الْقَطْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الطُّفَيْلِ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ حَارِثَةَ -وَهُوَ أَخُو زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ-أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " حَتَّى تَمُرَّ بِآخِرِهَا، فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشَّرَكِ" [[المعجم الكبير (٢/٢٨٧) ، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٢١) : "رجاله وثقوا".]] [وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] . [[زيادة من أ.]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ جَبَلَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِمْنِي شَيْئًا أَقُولُهُ عِنْدَ مَنَامِي. قَالَ: "إِذَا أَخَذْتَ مضجعَك مِنَ اللَّيْلِ فَاقْرَأْ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ". [[لم أقع عليه في المطبوع من المسند، وذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٢/٢٢٠) .]] وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ، عَنْ جَابِرٍ [[وقع في المعجم الكبير: "عن شريك وجابر" مقرونا وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.]] عَنْ مَعْقِلٍ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ [عَبَّادٍ أَبِي الْأَخْضَرِ عَنْ خَبَّابٍ] [[زيادة من المعجم الكبير (٤/٨١) .]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قَرَأَ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " حَتَّى يَخْتِمَهَا [[المعجم الكبير (٤/٨١) ورواه البزار في مسنده برقم (٣١١٣) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٢١) : "وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف".]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * هَذِهِ السُّورَةُ سُورَةُ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ الْمُشْرِكُونَ، وَهِيَ آمِرَةٌ بِالْإِخْلَاصِ فِيهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ شَمِلَ كُلَّ كَافِرٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَلَكِنَّ الْمُوَاجَهِينَ [[في أ: "ولكن المواجهون".]] بِهَذَا الْخِطَابِ هُمْ كفارُ قُرَيْشٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ مِنْ جَهْلِهِمْ دَعَوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى عِبَادَةِ أَوْثَانِهِمْ سَنَةً، وَيَعْبُدُونَ مَعْبُودَهُ سَنَةً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، وَأَمَرَ رَسُولَهَ ﷺ فِيهَا أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ دِينِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ، فَقَالَ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ، ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ وَهُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. فَ "مَا" هَاهُنَا بِمَعْنَى "مَنْ". ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أَيْ: وَلَا أَعْبُدُ عِبَادَتَكُمْ، أَيْ: لَا أَسْلُكُهَا وَلَا أَقْتَدِي بِهَا، وَإِنَّمَا أَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أَيْ: لَا تَقْتَدُونَ بِأَوَامِرَ اللَّهِ وَشَرْعِهِ فِي عِبَادَتِهِ، بَلْ قَدِ اخْتَرَعْتُمْ شَيْئًا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِكُمْ، كَمَا قَالَ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النَّجْمِ: ٢٣] فَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ فِي جَمِيعِ مَا هُمْ فِيهِ، فَإِنَّ الْعَابِدَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَعْبُودٍ يَعْبُدُهُ، وعبادة [[في م: "وعبادته".]] يَسْلُكُهَا إِلَيْهِ، فَالرَّسُولُ وَأَتْبَاعُهُ يَعْبُدُونَ اللَّهَ بِمَا شَرَعَهُ؛ وَلِهَذَا كَانَ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ" أَيْ: لَا مَعْبُودَ إِلَّا اللَّهُ وَلَا طَرِيقَ إِلَيْهِ إِلَّا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَالْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ عِبَادَةً لَمْ يَأْذَنْ بِهَا اللَّهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يُونُسَ:٤١] وَقَالَ: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الْقَصَصِ: ٥٥] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: يُقَالُ: ﴿لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الْكَفْرُ، ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ الْإِسْلَامُ. وَلَمْ يَقُلْ: "دِينِي" لِأَنَّ الْآيَاتِ بِالنُّونِ، فَحُذِفَ الْيَاءُ، كَمَا قَالَ: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٧٨] وَ ﴿يَشْفِينِ﴾ [الشُّعَرَاءِ:٨٠] وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ الْآنَ، وَلَا أُجِيبُكُمْ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِي، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٤] . انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ. [[صحيح البخاري (٨/٧٣٣) "فتح".]] وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشَّرْحِ: ٥، ٦] وَكَقَوْلِهِ: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التَّكَاثُرِ: ٦، ٧] وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ -كَابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَغَيْرِهِ-عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَوَّلُهَا مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا. الثَّانِي: مَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فِي الْمَاضِي، ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. الثَّالِثُ: أَنَّ ذَلِكَ تَأْكِيدٌ مَحْضٌ. وَثَمَّ قَوْلٌ رَابِعٌ، نَصَرَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَيمية فِي بَعْضِ كُتُبِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ نَفْيُ الْفِعْلِ لِأَنَّهَا جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ نَفْيُ قَبُولِهِ لِذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ آكَدُ فَكَأَنَّهُ نَفَى الْفِعْلَ، وَكَوْنُهُ قَابِلًا لِذَلِكَ وَمَعْنَاهُ نَفْيُ الْوُقُوعِ وَنَفْيُ الْإِمْكَانِ الشَّرْعِيِّ أَيْضًا. وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ تُورِثُهُ [[في م: "فورت".]] الْيَهُودُ مِنَ النَّصَارَى، وَبِالْعَكْسِ؛ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ أَوْ سَبَبٌ يُتَوَارَثُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَدْيَانَ -مَا عَدَا الْإِسْلَامِ-كُلَّهَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي الْبُطْلَانِ. وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمَنْ وَافَقَهُ إِلَى عَدَمِ تَوْرِيثِ النَّصَارَى مِنَ الْيَهُودِ وَبِالْعَكْسِ؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "لا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى". [[رواه أحمد في المسند (٢/١٩٥) وأبو داود في السنن برقم (٢٩١١) .]] آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
Al-Kaafiroon سُورَةُ الكَافِرُونَ
Sourate 109 · 6 versets · Meccan
بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْكَٰفِرُونَ
Dis: «O vous les infidèles!
Tafsir (3)
القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، وكان المشركون من قومه فيما ذكر عرضوا عليه أن يعبدوا الله سنة، على أن يعبد نبيّ الله ﷺ آلهتهم سنة، فأنزل الله معرفه جوابهم في ذلك: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوك عبادة آلهتهم سنة، على أن يعبدوا إلهك سنة ﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ بالله ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ من الآلهة والأوثان الآن ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ الآن ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ﴾ فيما أستقبل ﴿مَا عَبَدْتُمْ﴾ فيما مضى ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ﴾ فيما تستقبلون أبدا ﴿مَا أَعْبُدُ﴾ أنا الآن، وفيما أستقبل. وإنما قيل ذلك كذلك، لأن الخطاب من الله كان لرسول الله ﷺ في أشخاص بأعيانهم من المشركين، قد علم أنهم لا يؤمنون أبدا، وسبق لهم ذلك في السابق من علمه، فأمر نبيه ﷺ أن يؤيسهم من الذي طمعوا فيه، وحدّثوا به أنفسهم، وأن ذلك غير كائن منه ولا منهم، في وقت من الأوقات، وآيس نبي الله ﷺ من الطمع في إيمانهم، ومن أن يفلحوا أبدا، فكانوا كذلك لم يفلحوا ولم ينجحوا، إلى أن قتل بعضهم يوم بدر بالسيف، وهلك بعض قبل ذلك كافرا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت به الآثار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن موسى الحَرشي، قال: ثنا أبو خلف، قال: ثنا داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس: أن قريشا وعدوا رسول الله ﷺ أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزّوجوه ما أراد من النساء، ويطئوا عقبه، فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد، وكفّ عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل، فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح. قال: "ما هي؟ " قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزي، ونعبد إلهك سنة، قال: "حتى أنْظُرَ ما يأْتي مِنْ عِنْدِ رَبّي"، فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ السورة، وأنزل الله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ... إلى قوله: ﴿فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ . ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني سعيد بن مينا مولى البَختري [[ديوانه: ٥٨، سيبويه ١: ٣٧٥، مجاز القرآن: ١٠١ الخزانة ٢: ٣١٤، وهذا الشعر يقوله النابغة لعيينة بن حصن الفزاري. بنو أقيش: هم بنو أقيش بن عبيد. وقيل: فخذ من أشجع. وقيل: حي من اليمن في إبلهم نفار شديد. وقيل: هم حي من الجن يزعمون. وقعقع حرك شيئا يابسا فتسمع له صوت. والشن: القربة البالية. يصف عيينة بالجبن والخور وشدة الفزع، كأنه جمل شديد النفار، إذا سمع صوت شن يقعقع به]] قال: لقي الوليد بن المُغيرة والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأميَّة بن خلف، رسول الله، فقالوا: يا محمد، هلمّ فلنعبد ما تعبد، وتعبدْ ما نعبد، ونُشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا، كنا قد شَرِكناك فيه، وأخذنا بحظنا منه؛ وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يديك، كنت قد شَرِكتنا في أمرنا، وأخذت منه بحظك، فأنزل الله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى انقضت السورة. * * وقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ يقول تعالى ذكره: لكم دينكم فلا تتركونه أبدا، لأنه قد ختم عليكم، وقضي أن لا تنفكوا عنه، وأنكم تموتون عليه، ولي دين الذي أنا عليه، لا أتركه أبدا، لأنه قد مضى في سابق علم الله أني لا أنتقل عنه إلى غيره. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ قال: للمشركين؛ قال: واليهود لا يعبدون إلا الله ولا يشركون، إلا أنهم يكفرون ببعض الأنبياء، وبما جاءوا به من عند الله، ويكفرون برسول الله، وبما جاء به من عند الله، وقتلوا طوائف الأنبياء ظلما وعدوانا، قال: إلا العصابة التي بقوا، حتى خرج بختنصر، فقالوا: عُزَير ابن الله، دعا الله ولم يعبدوه ولم يفعلوا كما فعلت النصارى، قالوا: المسيح ابن الله وعبدوه. وكان بعض أهل العربية يقول: كرّر قوله: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ وما بعده على وجه التوكيد، كما قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ، وكقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ . آخر تفسير سورة الكافرون
Ô Messager, dis: Ô vous qui mécroyez en Allah,
لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ
Je n'adore pas ce que vous adorez.
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ [[بعدها في م: البسملة.]] . ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ بِهَذِهِ السُّورَةِ، وَبِـ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " فِي رَكْعَتِي الطَّوَافِ. [[صحيح مسلم برقم (١٢١٨) من حديث طويل وهو منسك جابر المشهور.]] وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ بِهِمَا فِي رَكْعَتِي الْفَجْرِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، بِضْعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً -أَوْ: بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً- " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " وَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ". [[المسند (٢/٢٤) .]] وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَمَقْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ -أَوْ: خَمْسًا وَعِشْرِينَ-مَرَّةً، يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ بِ " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " وَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ". [[المسند (٢/٩٩) .]] وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ -هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الزُّبَيْرِيُّ-حَدَّثَنَا سُفْيَانُ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَمقتُ النَّبِيَّ ﷺ شَهْرًا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ بِـ " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " وَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ". وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ [[المسند (٢/٩٤) وسنن الترمذي برقم (٤١٧) وسنن ابن ماجة برقم (١١٤٩) .]] وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهِ [[سنن النسائي (٢/١٧٠) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ، وَ " إِذَا زُلْزِلَتِ " تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ [[في أ: "هشيم".]] بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ فروةَ ابْنِ نَوفل -هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ-عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "هَلْ لَكَ فِي رَبِيبَةٍ لَنَا تَكْفُلُهَا؟ " قَالَ: أَرَاهَا زَيْنَبَ. قَالَ: ثُمَّ جَاءَ فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهَا، قَالَ: "مَا فَعَلَتِ الْجَارِيَةُ؟ " قَالَ: تَرَكْتُهَا عِنْدَ أُمِّهَا. قَالَ: "فَمَجِيءُ مَا جَاءَ بِكَ؟ " قَالَ: جِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي شَيْئًا أَقُولُهُ عِنْدَ مَنَامِي. قَالَ: "اقْرَأْ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا، فَإِنَّهَا براءة من الشرك". تفرد به أحمد. [[لم أقع عليه في المطبوع من المسند، وذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٥/٤٢٥) .]] وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمرو الْقَطْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الطُّفَيْلِ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ حَارِثَةَ -وَهُوَ أَخُو زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ-أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " حَتَّى تَمُرَّ بِآخِرِهَا، فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشَّرَكِ" [[المعجم الكبير (٢/٢٨٧) ، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٢١) : "رجاله وثقوا".]] [وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] . [[زيادة من أ.]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ جَبَلَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِمْنِي شَيْئًا أَقُولُهُ عِنْدَ مَنَامِي. قَالَ: "إِذَا أَخَذْتَ مضجعَك مِنَ اللَّيْلِ فَاقْرَأْ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ". [[لم أقع عليه في المطبوع من المسند، وذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٢/٢٢٠) .]] وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ، عَنْ جَابِرٍ [[وقع في المعجم الكبير: "عن شريك وجابر" مقرونا وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.]] عَنْ مَعْقِلٍ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ [عَبَّادٍ أَبِي الْأَخْضَرِ عَنْ خَبَّابٍ] [[زيادة من المعجم الكبير (٤/٨١) .]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قَرَأَ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " حَتَّى يَخْتِمَهَا [[المعجم الكبير (٤/٨١) ورواه البزار في مسنده برقم (٣١١٣) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٢١) : "وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف".]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * هَذِهِ السُّورَةُ سُورَةُ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ الْمُشْرِكُونَ، وَهِيَ آمِرَةٌ بِالْإِخْلَاصِ فِيهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ شَمِلَ كُلَّ كَافِرٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَلَكِنَّ الْمُوَاجَهِينَ [[في أ: "ولكن المواجهون".]] بِهَذَا الْخِطَابِ هُمْ كفارُ قُرَيْشٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ مِنْ جَهْلِهِمْ دَعَوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى عِبَادَةِ أَوْثَانِهِمْ سَنَةً، وَيَعْبُدُونَ مَعْبُودَهُ سَنَةً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، وَأَمَرَ رَسُولَهَ ﷺ فِيهَا أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ دِينِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ، فَقَالَ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ، ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ وَهُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. فَ "مَا" هَاهُنَا بِمَعْنَى "مَنْ". ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أَيْ: وَلَا أَعْبُدُ عِبَادَتَكُمْ، أَيْ: لَا أَسْلُكُهَا وَلَا أَقْتَدِي بِهَا، وَإِنَّمَا أَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أَيْ: لَا تَقْتَدُونَ بِأَوَامِرَ اللَّهِ وَشَرْعِهِ فِي عِبَادَتِهِ، بَلْ قَدِ اخْتَرَعْتُمْ شَيْئًا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِكُمْ، كَمَا قَالَ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النَّجْمِ: ٢٣] فَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ فِي جَمِيعِ مَا هُمْ فِيهِ، فَإِنَّ الْعَابِدَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَعْبُودٍ يَعْبُدُهُ، وعبادة [[في م: "وعبادته".]] يَسْلُكُهَا إِلَيْهِ، فَالرَّسُولُ وَأَتْبَاعُهُ يَعْبُدُونَ اللَّهَ بِمَا شَرَعَهُ؛ وَلِهَذَا كَانَ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ" أَيْ: لَا مَعْبُودَ إِلَّا اللَّهُ وَلَا طَرِيقَ إِلَيْهِ إِلَّا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَالْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ عِبَادَةً لَمْ يَأْذَنْ بِهَا اللَّهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يُونُسَ:٤١] وَقَالَ: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الْقَصَصِ: ٥٥] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: يُقَالُ: ﴿لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الْكَفْرُ، ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ الْإِسْلَامُ. وَلَمْ يَقُلْ: "دِينِي" لِأَنَّ الْآيَاتِ بِالنُّونِ، فَحُذِفَ الْيَاءُ، كَمَا قَالَ: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٧٨] وَ ﴿يَشْفِينِ﴾ [الشُّعَرَاءِ:٨٠] وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ الْآنَ، وَلَا أُجِيبُكُمْ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِي، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٤] . انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ. [[صحيح البخاري (٨/٧٣٣) "فتح".]] وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشَّرْحِ: ٥، ٦] وَكَقَوْلِهِ: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التَّكَاثُرِ: ٦، ٧] وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ -كَابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَغَيْرِهِ-عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَوَّلُهَا مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا. الثَّانِي: مَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فِي الْمَاضِي، ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. الثَّالِثُ: أَنَّ ذَلِكَ تَأْكِيدٌ مَحْضٌ. وَثَمَّ قَوْلٌ رَابِعٌ، نَصَرَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَيمية فِي بَعْضِ كُتُبِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ نَفْيُ الْفِعْلِ لِأَنَّهَا جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ نَفْيُ قَبُولِهِ لِذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ آكَدُ فَكَأَنَّهُ نَفَى الْفِعْلَ، وَكَوْنُهُ قَابِلًا لِذَلِكَ وَمَعْنَاهُ نَفْيُ الْوُقُوعِ وَنَفْيُ الْإِمْكَانِ الشَّرْعِيِّ أَيْضًا. وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ تُورِثُهُ [[في م: "فورت".]] الْيَهُودُ مِنَ النَّصَارَى، وَبِالْعَكْسِ؛ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ أَوْ سَبَبٌ يُتَوَارَثُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَدْيَانَ -مَا عَدَا الْإِسْلَامِ-كُلَّهَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي الْبُطْلَانِ. وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمَنْ وَافَقَهُ إِلَى عَدَمِ تَوْرِيثِ النَّصَارَى مِنَ الْيَهُودِ وَبِالْعَكْسِ؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "لا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى". [[رواه أحمد في المسند (٢/١٩٥) وأبو داود في السنن برقم (٢٩١١) .]] آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، وكان المشركون من قومه فيما ذكر عرضوا عليه أن يعبدوا الله سنة، على أن يعبد نبيّ الله ﷺ آلهتهم سنة، فأنزل الله معرفه جوابهم في ذلك: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوك عبادة آلهتهم سنة، على أن يعبدوا إلهك سنة ﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ بالله ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ من الآلهة والأوثان الآن ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ الآن ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ﴾ فيما أستقبل ﴿مَا عَبَدْتُمْ﴾ فيما مضى ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ﴾ فيما تستقبلون أبدا ﴿مَا أَعْبُدُ﴾ أنا الآن، وفيما أستقبل. وإنما قيل ذلك كذلك، لأن الخطاب من الله كان لرسول الله ﷺ في أشخاص بأعيانهم من المشركين، قد علم أنهم لا يؤمنون أبدا، وسبق لهم ذلك في السابق من علمه، فأمر نبيه ﷺ أن يؤيسهم من الذي طمعوا فيه، وحدّثوا به أنفسهم، وأن ذلك غير كائن منه ولا منهم، في وقت من الأوقات، وآيس نبي الله ﷺ من الطمع في إيمانهم، ومن أن يفلحوا أبدا، فكانوا كذلك لم يفلحوا ولم ينجحوا، إلى أن قتل بعضهم يوم بدر بالسيف، وهلك بعض قبل ذلك كافرا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت به الآثار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن موسى الحَرشي، قال: ثنا أبو خلف، قال: ثنا داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس: أن قريشا وعدوا رسول الله ﷺ أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزّوجوه ما أراد من النساء، ويطئوا عقبه، فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد، وكفّ عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل، فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح. قال: "ما هي؟ " قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزي، ونعبد إلهك سنة، قال: "حتى أنْظُرَ ما يأْتي مِنْ عِنْدِ رَبّي"، فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ السورة، وأنزل الله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ... إلى قوله: ﴿فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ . ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني سعيد بن مينا مولى البَختري [[ديوانه: ٥٨، سيبويه ١: ٣٧٥، مجاز القرآن: ١٠١ الخزانة ٢: ٣١٤، وهذا الشعر يقوله النابغة لعيينة بن حصن الفزاري. بنو أقيش: هم بنو أقيش بن عبيد. وقيل: فخذ من أشجع. وقيل: حي من اليمن في إبلهم نفار شديد. وقيل: هم حي من الجن يزعمون. وقعقع حرك شيئا يابسا فتسمع له صوت. والشن: القربة البالية. يصف عيينة بالجبن والخور وشدة الفزع، كأنه جمل شديد النفار، إذا سمع صوت شن يقعقع به]] قال: لقي الوليد بن المُغيرة والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأميَّة بن خلف، رسول الله، فقالوا: يا محمد، هلمّ فلنعبد ما تعبد، وتعبدْ ما نعبد، ونُشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا، كنا قد شَرِكناك فيه، وأخذنا بحظنا منه؛ وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يديك، كنت قد شَرِكتنا في أمرنا، وأخذت منه بحظك، فأنزل الله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى انقضت السورة. * * وقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ يقول تعالى ذكره: لكم دينكم فلا تتركونه أبدا، لأنه قد ختم عليكم، وقضي أن لا تنفكوا عنه، وأنكم تموتون عليه، ولي دين الذي أنا عليه، لا أتركه أبدا، لأنه قد مضى في سابق علم الله أني لا أنتقل عنه إلى غيره. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ قال: للمشركين؛ قال: واليهود لا يعبدون إلا الله ولا يشركون، إلا أنهم يكفرون ببعض الأنبياء، وبما جاءوا به من عند الله، ويكفرون برسول الله، وبما جاء به من عند الله، وقتلوا طوائف الأنبياء ظلما وعدوانا، قال: إلا العصابة التي بقوا، حتى خرج بختنصر، فقالوا: عُزَير ابن الله، دعا الله ولم يعبدوه ولم يفعلوا كما فعلت النصارى، قالوا: المسيح ابن الله وعبدوه. وكان بعض أهل العربية يقول: كرّر قوله: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ وما بعده على وجه التوكيد، كما قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ، وكقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ . آخر تفسير سورة الكافرون
je n’adore pas ni n’adorerai les idoles que vous adorez,
وَلَآ أَنتُمْ عَٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ
Et vous n'êtes pas adorateurs de ce que j'adore.
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ [[بعدها في م: البسملة.]] . ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ بِهَذِهِ السُّورَةِ، وَبِـ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " فِي رَكْعَتِي الطَّوَافِ. [[صحيح مسلم برقم (١٢١٨) من حديث طويل وهو منسك جابر المشهور.]] وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ بِهِمَا فِي رَكْعَتِي الْفَجْرِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، بِضْعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً -أَوْ: بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً- " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " وَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ". [[المسند (٢/٢٤) .]] وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَمَقْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ -أَوْ: خَمْسًا وَعِشْرِينَ-مَرَّةً، يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ بِ " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " وَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ". [[المسند (٢/٩٩) .]] وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ -هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الزُّبَيْرِيُّ-حَدَّثَنَا سُفْيَانُ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَمقتُ النَّبِيَّ ﷺ شَهْرًا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ بِـ " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " وَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ". وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ [[المسند (٢/٩٤) وسنن الترمذي برقم (٤١٧) وسنن ابن ماجة برقم (١١٤٩) .]] وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهِ [[سنن النسائي (٢/١٧٠) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ، وَ " إِذَا زُلْزِلَتِ " تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ [[في أ: "هشيم".]] بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ فروةَ ابْنِ نَوفل -هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ-عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "هَلْ لَكَ فِي رَبِيبَةٍ لَنَا تَكْفُلُهَا؟ " قَالَ: أَرَاهَا زَيْنَبَ. قَالَ: ثُمَّ جَاءَ فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهَا، قَالَ: "مَا فَعَلَتِ الْجَارِيَةُ؟ " قَالَ: تَرَكْتُهَا عِنْدَ أُمِّهَا. قَالَ: "فَمَجِيءُ مَا جَاءَ بِكَ؟ " قَالَ: جِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي شَيْئًا أَقُولُهُ عِنْدَ مَنَامِي. قَالَ: "اقْرَأْ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا، فَإِنَّهَا براءة من الشرك". تفرد به أحمد. [[لم أقع عليه في المطبوع من المسند، وذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٥/٤٢٥) .]] وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمرو الْقَطْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الطُّفَيْلِ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ حَارِثَةَ -وَهُوَ أَخُو زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ-أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " حَتَّى تَمُرَّ بِآخِرِهَا، فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشَّرَكِ" [[المعجم الكبير (٢/٢٨٧) ، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٢١) : "رجاله وثقوا".]] [وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] . [[زيادة من أ.]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ جَبَلَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِمْنِي شَيْئًا أَقُولُهُ عِنْدَ مَنَامِي. قَالَ: "إِذَا أَخَذْتَ مضجعَك مِنَ اللَّيْلِ فَاقْرَأْ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ". [[لم أقع عليه في المطبوع من المسند، وذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٢/٢٢٠) .]] وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ، عَنْ جَابِرٍ [[وقع في المعجم الكبير: "عن شريك وجابر" مقرونا وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.]] عَنْ مَعْقِلٍ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ [عَبَّادٍ أَبِي الْأَخْضَرِ عَنْ خَبَّابٍ] [[زيادة من المعجم الكبير (٤/٨١) .]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قَرَأَ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " حَتَّى يَخْتِمَهَا [[المعجم الكبير (٤/٨١) ورواه البزار في مسنده برقم (٣١١٣) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٢١) : "وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف".]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * هَذِهِ السُّورَةُ سُورَةُ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ الْمُشْرِكُونَ، وَهِيَ آمِرَةٌ بِالْإِخْلَاصِ فِيهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ شَمِلَ كُلَّ كَافِرٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَلَكِنَّ الْمُوَاجَهِينَ [[في أ: "ولكن المواجهون".]] بِهَذَا الْخِطَابِ هُمْ كفارُ قُرَيْشٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ مِنْ جَهْلِهِمْ دَعَوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى عِبَادَةِ أَوْثَانِهِمْ سَنَةً، وَيَعْبُدُونَ مَعْبُودَهُ سَنَةً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، وَأَمَرَ رَسُولَهَ ﷺ فِيهَا أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ دِينِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ، فَقَالَ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ، ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ وَهُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. فَ "مَا" هَاهُنَا بِمَعْنَى "مَنْ". ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أَيْ: وَلَا أَعْبُدُ عِبَادَتَكُمْ، أَيْ: لَا أَسْلُكُهَا وَلَا أَقْتَدِي بِهَا، وَإِنَّمَا أَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أَيْ: لَا تَقْتَدُونَ بِأَوَامِرَ اللَّهِ وَشَرْعِهِ فِي عِبَادَتِهِ، بَلْ قَدِ اخْتَرَعْتُمْ شَيْئًا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِكُمْ، كَمَا قَالَ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النَّجْمِ: ٢٣] فَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ فِي جَمِيعِ مَا هُمْ فِيهِ، فَإِنَّ الْعَابِدَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَعْبُودٍ يَعْبُدُهُ، وعبادة [[في م: "وعبادته".]] يَسْلُكُهَا إِلَيْهِ، فَالرَّسُولُ وَأَتْبَاعُهُ يَعْبُدُونَ اللَّهَ بِمَا شَرَعَهُ؛ وَلِهَذَا كَانَ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ" أَيْ: لَا مَعْبُودَ إِلَّا اللَّهُ وَلَا طَرِيقَ إِلَيْهِ إِلَّا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَالْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ عِبَادَةً لَمْ يَأْذَنْ بِهَا اللَّهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يُونُسَ:٤١] وَقَالَ: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الْقَصَصِ: ٥٥] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: يُقَالُ: ﴿لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الْكَفْرُ، ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ الْإِسْلَامُ. وَلَمْ يَقُلْ: "دِينِي" لِأَنَّ الْآيَاتِ بِالنُّونِ، فَحُذِفَ الْيَاءُ، كَمَا قَالَ: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٧٨] وَ ﴿يَشْفِينِ﴾ [الشُّعَرَاءِ:٨٠] وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ الْآنَ، وَلَا أُجِيبُكُمْ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِي، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٤] . انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ. [[صحيح البخاري (٨/٧٣٣) "فتح".]] وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشَّرْحِ: ٥، ٦] وَكَقَوْلِهِ: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التَّكَاثُرِ: ٦، ٧] وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ -كَابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَغَيْرِهِ-عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَوَّلُهَا مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا. الثَّانِي: مَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فِي الْمَاضِي، ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. الثَّالِثُ: أَنَّ ذَلِكَ تَأْكِيدٌ مَحْضٌ. وَثَمَّ قَوْلٌ رَابِعٌ، نَصَرَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَيمية فِي بَعْضِ كُتُبِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ نَفْيُ الْفِعْلِ لِأَنَّهَا جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ نَفْيُ قَبُولِهِ لِذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ آكَدُ فَكَأَنَّهُ نَفَى الْفِعْلَ، وَكَوْنُهُ قَابِلًا لِذَلِكَ وَمَعْنَاهُ نَفْيُ الْوُقُوعِ وَنَفْيُ الْإِمْكَانِ الشَّرْعِيِّ أَيْضًا. وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ تُورِثُهُ [[في م: "فورت".]] الْيَهُودُ مِنَ النَّصَارَى، وَبِالْعَكْسِ؛ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ أَوْ سَبَبٌ يُتَوَارَثُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَدْيَانَ -مَا عَدَا الْإِسْلَامِ-كُلَّهَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي الْبُطْلَانِ. وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمَنْ وَافَقَهُ إِلَى عَدَمِ تَوْرِيثِ النَّصَارَى مِنَ الْيَهُودِ وَبِالْعَكْسِ؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "لا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى". [[رواه أحمد في المسند (٢/١٩٥) وأبو داود في السنن برقم (٢٩١١) .]] آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، وكان المشركون من قومه فيما ذكر عرضوا عليه أن يعبدوا الله سنة، على أن يعبد نبيّ الله ﷺ آلهتهم سنة، فأنزل الله معرفه جوابهم في ذلك: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوك عبادة آلهتهم سنة، على أن يعبدوا إلهك سنة ﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ بالله ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ من الآلهة والأوثان الآن ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ الآن ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ﴾ فيما أستقبل ﴿مَا عَبَدْتُمْ﴾ فيما مضى ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ﴾ فيما تستقبلون أبدا ﴿مَا أَعْبُدُ﴾ أنا الآن، وفيما أستقبل. وإنما قيل ذلك كذلك، لأن الخطاب من الله كان لرسول الله ﷺ في أشخاص بأعيانهم من المشركين، قد علم أنهم لا يؤمنون أبدا، وسبق لهم ذلك في السابق من علمه، فأمر نبيه ﷺ أن يؤيسهم من الذي طمعوا فيه، وحدّثوا به أنفسهم، وأن ذلك غير كائن منه ولا منهم، في وقت من الأوقات، وآيس نبي الله ﷺ من الطمع في إيمانهم، ومن أن يفلحوا أبدا، فكانوا كذلك لم يفلحوا ولم ينجحوا، إلى أن قتل بعضهم يوم بدر بالسيف، وهلك بعض قبل ذلك كافرا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت به الآثار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن موسى الحَرشي، قال: ثنا أبو خلف، قال: ثنا داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس: أن قريشا وعدوا رسول الله ﷺ أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزّوجوه ما أراد من النساء، ويطئوا عقبه، فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد، وكفّ عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل، فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح. قال: "ما هي؟ " قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزي، ونعبد إلهك سنة، قال: "حتى أنْظُرَ ما يأْتي مِنْ عِنْدِ رَبّي"، فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ السورة، وأنزل الله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ... إلى قوله: ﴿فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ . ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني سعيد بن مينا مولى البَختري [[ديوانه: ٥٨، سيبويه ١: ٣٧٥، مجاز القرآن: ١٠١ الخزانة ٢: ٣١٤، وهذا الشعر يقوله النابغة لعيينة بن حصن الفزاري. بنو أقيش: هم بنو أقيش بن عبيد. وقيل: فخذ من أشجع. وقيل: حي من اليمن في إبلهم نفار شديد. وقيل: هم حي من الجن يزعمون. وقعقع حرك شيئا يابسا فتسمع له صوت. والشن: القربة البالية. يصف عيينة بالجبن والخور وشدة الفزع، كأنه جمل شديد النفار، إذا سمع صوت شن يقعقع به]] قال: لقي الوليد بن المُغيرة والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأميَّة بن خلف، رسول الله، فقالوا: يا محمد، هلمّ فلنعبد ما تعبد، وتعبدْ ما نعبد، ونُشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا، كنا قد شَرِكناك فيه، وأخذنا بحظنا منه؛ وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يديك، كنت قد شَرِكتنا في أمرنا، وأخذت منه بحظك، فأنزل الله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى انقضت السورة. * * وقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ يقول تعالى ذكره: لكم دينكم فلا تتركونه أبدا، لأنه قد ختم عليكم، وقضي أن لا تنفكوا عنه، وأنكم تموتون عليه، ولي دين الذي أنا عليه، لا أتركه أبدا، لأنه قد مضى في سابق علم الله أني لا أنتقل عنه إلى غيره. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ قال: للمشركين؛ قال: واليهود لا يعبدون إلا الله ولا يشركون، إلا أنهم يكفرون ببعض الأنبياء، وبما جاءوا به من عند الله، ويكفرون برسول الله، وبما جاء به من عند الله، وقتلوا طوائف الأنبياء ظلما وعدوانا، قال: إلا العصابة التي بقوا، حتى خرج بختنصر، فقالوا: عُزَير ابن الله، دعا الله ولم يعبدوه ولم يفعلوا كما فعلت النصارى، قالوا: المسيح ابن الله وعبدوه. وكان بعض أهل العربية يقول: كرّر قوله: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ وما بعده على وجه التوكيد، كما قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ، وكقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ . آخر تفسير سورة الكافرون
et vous n’adorez pas Celui que j’adore, c’est-à-dire Allah Seul.
وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٌۭ مَّا عَبَدتُّمْ
Je ne suis pas adorateur de ce que vous adorez.
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ [[بعدها في م: البسملة.]] . ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ بِهَذِهِ السُّورَةِ، وَبِـ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " فِي رَكْعَتِي الطَّوَافِ. [[صحيح مسلم برقم (١٢١٨) من حديث طويل وهو منسك جابر المشهور.]] وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ بِهِمَا فِي رَكْعَتِي الْفَجْرِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، بِضْعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً -أَوْ: بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً- " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " وَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ". [[المسند (٢/٢٤) .]] وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَمَقْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ -أَوْ: خَمْسًا وَعِشْرِينَ-مَرَّةً، يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ بِ " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " وَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ". [[المسند (٢/٩٩) .]] وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ -هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الزُّبَيْرِيُّ-حَدَّثَنَا سُفْيَانُ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَمقتُ النَّبِيَّ ﷺ شَهْرًا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ بِـ " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " وَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ". وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ [[المسند (٢/٩٤) وسنن الترمذي برقم (٤١٧) وسنن ابن ماجة برقم (١١٤٩) .]] وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهِ [[سنن النسائي (٢/١٧٠) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ، وَ " إِذَا زُلْزِلَتِ " تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ [[في أ: "هشيم".]] بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ فروةَ ابْنِ نَوفل -هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ-عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "هَلْ لَكَ فِي رَبِيبَةٍ لَنَا تَكْفُلُهَا؟ " قَالَ: أَرَاهَا زَيْنَبَ. قَالَ: ثُمَّ جَاءَ فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهَا، قَالَ: "مَا فَعَلَتِ الْجَارِيَةُ؟ " قَالَ: تَرَكْتُهَا عِنْدَ أُمِّهَا. قَالَ: "فَمَجِيءُ مَا جَاءَ بِكَ؟ " قَالَ: جِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي شَيْئًا أَقُولُهُ عِنْدَ مَنَامِي. قَالَ: "اقْرَأْ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا، فَإِنَّهَا براءة من الشرك". تفرد به أحمد. [[لم أقع عليه في المطبوع من المسند، وذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٥/٤٢٥) .]] وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمرو الْقَطْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الطُّفَيْلِ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ حَارِثَةَ -وَهُوَ أَخُو زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ-أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " حَتَّى تَمُرَّ بِآخِرِهَا، فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشَّرَكِ" [[المعجم الكبير (٢/٢٨٧) ، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٢١) : "رجاله وثقوا".]] [وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] . [[زيادة من أ.]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ جَبَلَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِمْنِي شَيْئًا أَقُولُهُ عِنْدَ مَنَامِي. قَالَ: "إِذَا أَخَذْتَ مضجعَك مِنَ اللَّيْلِ فَاقْرَأْ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ". [[لم أقع عليه في المطبوع من المسند، وذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٢/٢٢٠) .]] وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ، عَنْ جَابِرٍ [[وقع في المعجم الكبير: "عن شريك وجابر" مقرونا وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.]] عَنْ مَعْقِلٍ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ [عَبَّادٍ أَبِي الْأَخْضَرِ عَنْ خَبَّابٍ] [[زيادة من المعجم الكبير (٤/٨١) .]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قَرَأَ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " حَتَّى يَخْتِمَهَا [[المعجم الكبير (٤/٨١) ورواه البزار في مسنده برقم (٣١١٣) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٢١) : "وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف".]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * هَذِهِ السُّورَةُ سُورَةُ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ الْمُشْرِكُونَ، وَهِيَ آمِرَةٌ بِالْإِخْلَاصِ فِيهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ شَمِلَ كُلَّ كَافِرٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَلَكِنَّ الْمُوَاجَهِينَ [[في أ: "ولكن المواجهون".]] بِهَذَا الْخِطَابِ هُمْ كفارُ قُرَيْشٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ مِنْ جَهْلِهِمْ دَعَوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى عِبَادَةِ أَوْثَانِهِمْ سَنَةً، وَيَعْبُدُونَ مَعْبُودَهُ سَنَةً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، وَأَمَرَ رَسُولَهَ ﷺ فِيهَا أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ دِينِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ، فَقَالَ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ، ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ وَهُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. فَ "مَا" هَاهُنَا بِمَعْنَى "مَنْ". ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أَيْ: وَلَا أَعْبُدُ عِبَادَتَكُمْ، أَيْ: لَا أَسْلُكُهَا وَلَا أَقْتَدِي بِهَا، وَإِنَّمَا أَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أَيْ: لَا تَقْتَدُونَ بِأَوَامِرَ اللَّهِ وَشَرْعِهِ فِي عِبَادَتِهِ، بَلْ قَدِ اخْتَرَعْتُمْ شَيْئًا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِكُمْ، كَمَا قَالَ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النَّجْمِ: ٢٣] فَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ فِي جَمِيعِ مَا هُمْ فِيهِ، فَإِنَّ الْعَابِدَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَعْبُودٍ يَعْبُدُهُ، وعبادة [[في م: "وعبادته".]] يَسْلُكُهَا إِلَيْهِ، فَالرَّسُولُ وَأَتْبَاعُهُ يَعْبُدُونَ اللَّهَ بِمَا شَرَعَهُ؛ وَلِهَذَا كَانَ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ" أَيْ: لَا مَعْبُودَ إِلَّا اللَّهُ وَلَا طَرِيقَ إِلَيْهِ إِلَّا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَالْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ عِبَادَةً لَمْ يَأْذَنْ بِهَا اللَّهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يُونُسَ:٤١] وَقَالَ: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الْقَصَصِ: ٥٥] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: يُقَالُ: ﴿لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الْكَفْرُ، ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ الْإِسْلَامُ. وَلَمْ يَقُلْ: "دِينِي" لِأَنَّ الْآيَاتِ بِالنُّونِ، فَحُذِفَ الْيَاءُ، كَمَا قَالَ: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٧٨] وَ ﴿يَشْفِينِ﴾ [الشُّعَرَاءِ:٨٠] وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ الْآنَ، وَلَا أُجِيبُكُمْ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِي، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٤] . انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ. [[صحيح البخاري (٨/٧٣٣) "فتح".]] وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشَّرْحِ: ٥، ٦] وَكَقَوْلِهِ: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التَّكَاثُرِ: ٦، ٧] وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ -كَابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَغَيْرِهِ-عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَوَّلُهَا مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا. الثَّانِي: مَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فِي الْمَاضِي، ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. الثَّالِثُ: أَنَّ ذَلِكَ تَأْكِيدٌ مَحْضٌ. وَثَمَّ قَوْلٌ رَابِعٌ، نَصَرَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَيمية فِي بَعْضِ كُتُبِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ نَفْيُ الْفِعْلِ لِأَنَّهَا جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ نَفْيُ قَبُولِهِ لِذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ آكَدُ فَكَأَنَّهُ نَفَى الْفِعْلَ، وَكَوْنُهُ قَابِلًا لِذَلِكَ وَمَعْنَاهُ نَفْيُ الْوُقُوعِ وَنَفْيُ الْإِمْكَانِ الشَّرْعِيِّ أَيْضًا. وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ تُورِثُهُ [[في م: "فورت".]] الْيَهُودُ مِنَ النَّصَارَى، وَبِالْعَكْسِ؛ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ أَوْ سَبَبٌ يُتَوَارَثُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَدْيَانَ -مَا عَدَا الْإِسْلَامِ-كُلَّهَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي الْبُطْلَانِ. وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمَنْ وَافَقَهُ إِلَى عَدَمِ تَوْرِيثِ النَّصَارَى مِنَ الْيَهُودِ وَبِالْعَكْسِ؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "لا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى". [[رواه أحمد في المسند (٢/١٩٥) وأبو داود في السنن برقم (٢٩١١) .]] آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، وكان المشركون من قومه فيما ذكر عرضوا عليه أن يعبدوا الله سنة، على أن يعبد نبيّ الله ﷺ آلهتهم سنة، فأنزل الله معرفه جوابهم في ذلك: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوك عبادة آلهتهم سنة، على أن يعبدوا إلهك سنة ﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ بالله ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ من الآلهة والأوثان الآن ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ الآن ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ﴾ فيما أستقبل ﴿مَا عَبَدْتُمْ﴾ فيما مضى ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ﴾ فيما تستقبلون أبدا ﴿مَا أَعْبُدُ﴾ أنا الآن، وفيما أستقبل. وإنما قيل ذلك كذلك، لأن الخطاب من الله كان لرسول الله ﷺ في أشخاص بأعيانهم من المشركين، قد علم أنهم لا يؤمنون أبدا، وسبق لهم ذلك في السابق من علمه، فأمر نبيه ﷺ أن يؤيسهم من الذي طمعوا فيه، وحدّثوا به أنفسهم، وأن ذلك غير كائن منه ولا منهم، في وقت من الأوقات، وآيس نبي الله ﷺ من الطمع في إيمانهم، ومن أن يفلحوا أبدا، فكانوا كذلك لم يفلحوا ولم ينجحوا، إلى أن قتل بعضهم يوم بدر بالسيف، وهلك بعض قبل ذلك كافرا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت به الآثار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن موسى الحَرشي، قال: ثنا أبو خلف، قال: ثنا داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس: أن قريشا وعدوا رسول الله ﷺ أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزّوجوه ما أراد من النساء، ويطئوا عقبه، فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد، وكفّ عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل، فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح. قال: "ما هي؟ " قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزي، ونعبد إلهك سنة، قال: "حتى أنْظُرَ ما يأْتي مِنْ عِنْدِ رَبّي"، فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ السورة، وأنزل الله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ... إلى قوله: ﴿فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ . ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني سعيد بن مينا مولى البَختري [[ديوانه: ٥٨، سيبويه ١: ٣٧٥، مجاز القرآن: ١٠١ الخزانة ٢: ٣١٤، وهذا الشعر يقوله النابغة لعيينة بن حصن الفزاري. بنو أقيش: هم بنو أقيش بن عبيد. وقيل: فخذ من أشجع. وقيل: حي من اليمن في إبلهم نفار شديد. وقيل: هم حي من الجن يزعمون. وقعقع حرك شيئا يابسا فتسمع له صوت. والشن: القربة البالية. يصف عيينة بالجبن والخور وشدة الفزع، كأنه جمل شديد النفار، إذا سمع صوت شن يقعقع به]] قال: لقي الوليد بن المُغيرة والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأميَّة بن خلف، رسول الله، فقالوا: يا محمد، هلمّ فلنعبد ما تعبد، وتعبدْ ما نعبد، ونُشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا، كنا قد شَرِكناك فيه، وأخذنا بحظنا منه؛ وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يديك، كنت قد شَرِكتنا في أمرنا، وأخذت منه بحظك، فأنزل الله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى انقضت السورة. * * وقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ يقول تعالى ذكره: لكم دينكم فلا تتركونه أبدا، لأنه قد ختم عليكم، وقضي أن لا تنفكوا عنه، وأنكم تموتون عليه، ولي دين الذي أنا عليه، لا أتركه أبدا، لأنه قد مضى في سابق علم الله أني لا أنتقل عنه إلى غيره. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ قال: للمشركين؛ قال: واليهود لا يعبدون إلا الله ولا يشركون، إلا أنهم يكفرون ببعض الأنبياء، وبما جاءوا به من عند الله، ويكفرون برسول الله، وبما جاء به من عند الله، وقتلوا طوائف الأنبياء ظلما وعدوانا، قال: إلا العصابة التي بقوا، حتى خرج بختنصر، فقالوا: عُزَير ابن الله، دعا الله ولم يعبدوه ولم يفعلوا كما فعلت النصارى، قالوا: المسيح ابن الله وعبدوه. وكان بعض أهل العربية يقول: كرّر قوله: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ وما بعده على وجه التوكيد، كما قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ، وكقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ . آخر تفسير سورة الكافرون
Je ne suis pas un adorateur des idoles que vous adorez,
وَلَآ أَنتُمْ عَٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ
Et vous n'êtes pas adorateurs de ce que j'adore.
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ [[بعدها في م: البسملة.]] . ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ بِهَذِهِ السُّورَةِ، وَبِـ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " فِي رَكْعَتِي الطَّوَافِ. [[صحيح مسلم برقم (١٢١٨) من حديث طويل وهو منسك جابر المشهور.]] وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ بِهِمَا فِي رَكْعَتِي الْفَجْرِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، بِضْعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً -أَوْ: بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً- " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " وَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ". [[المسند (٢/٢٤) .]] وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَمَقْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ -أَوْ: خَمْسًا وَعِشْرِينَ-مَرَّةً، يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ بِ " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " وَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ". [[المسند (٢/٩٩) .]] وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ -هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الزُّبَيْرِيُّ-حَدَّثَنَا سُفْيَانُ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَمقتُ النَّبِيَّ ﷺ شَهْرًا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ بِـ " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " وَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ". وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ [[المسند (٢/٩٤) وسنن الترمذي برقم (٤١٧) وسنن ابن ماجة برقم (١١٤٩) .]] وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهِ [[سنن النسائي (٢/١٧٠) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ، وَ " إِذَا زُلْزِلَتِ " تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ [[في أ: "هشيم".]] بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ فروةَ ابْنِ نَوفل -هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ-عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "هَلْ لَكَ فِي رَبِيبَةٍ لَنَا تَكْفُلُهَا؟ " قَالَ: أَرَاهَا زَيْنَبَ. قَالَ: ثُمَّ جَاءَ فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهَا، قَالَ: "مَا فَعَلَتِ الْجَارِيَةُ؟ " قَالَ: تَرَكْتُهَا عِنْدَ أُمِّهَا. قَالَ: "فَمَجِيءُ مَا جَاءَ بِكَ؟ " قَالَ: جِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي شَيْئًا أَقُولُهُ عِنْدَ مَنَامِي. قَالَ: "اقْرَأْ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا، فَإِنَّهَا براءة من الشرك". تفرد به أحمد. [[لم أقع عليه في المطبوع من المسند، وذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٥/٤٢٥) .]] وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمرو الْقَطْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الطُّفَيْلِ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ حَارِثَةَ -وَهُوَ أَخُو زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ-أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " حَتَّى تَمُرَّ بِآخِرِهَا، فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشَّرَكِ" [[المعجم الكبير (٢/٢٨٧) ، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٢١) : "رجاله وثقوا".]] [وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] . [[زيادة من أ.]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ جَبَلَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِمْنِي شَيْئًا أَقُولُهُ عِنْدَ مَنَامِي. قَالَ: "إِذَا أَخَذْتَ مضجعَك مِنَ اللَّيْلِ فَاقْرَأْ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ". [[لم أقع عليه في المطبوع من المسند، وذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٢/٢٢٠) .]] وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ، عَنْ جَابِرٍ [[وقع في المعجم الكبير: "عن شريك وجابر" مقرونا وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.]] عَنْ مَعْقِلٍ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ [عَبَّادٍ أَبِي الْأَخْضَرِ عَنْ خَبَّابٍ] [[زيادة من المعجم الكبير (٤/٨١) .]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قَرَأَ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " حَتَّى يَخْتِمَهَا [[المعجم الكبير (٤/٨١) ورواه البزار في مسنده برقم (٣١١٣) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٢١) : "وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف".]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * هَذِهِ السُّورَةُ سُورَةُ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ الْمُشْرِكُونَ، وَهِيَ آمِرَةٌ بِالْإِخْلَاصِ فِيهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ شَمِلَ كُلَّ كَافِرٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَلَكِنَّ الْمُوَاجَهِينَ [[في أ: "ولكن المواجهون".]] بِهَذَا الْخِطَابِ هُمْ كفارُ قُرَيْشٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ مِنْ جَهْلِهِمْ دَعَوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى عِبَادَةِ أَوْثَانِهِمْ سَنَةً، وَيَعْبُدُونَ مَعْبُودَهُ سَنَةً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، وَأَمَرَ رَسُولَهَ ﷺ فِيهَا أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ دِينِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ، فَقَالَ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ، ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ وَهُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. فَ "مَا" هَاهُنَا بِمَعْنَى "مَنْ". ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أَيْ: وَلَا أَعْبُدُ عِبَادَتَكُمْ، أَيْ: لَا أَسْلُكُهَا وَلَا أَقْتَدِي بِهَا، وَإِنَّمَا أَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أَيْ: لَا تَقْتَدُونَ بِأَوَامِرَ اللَّهِ وَشَرْعِهِ فِي عِبَادَتِهِ، بَلْ قَدِ اخْتَرَعْتُمْ شَيْئًا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِكُمْ، كَمَا قَالَ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النَّجْمِ: ٢٣] فَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ فِي جَمِيعِ مَا هُمْ فِيهِ، فَإِنَّ الْعَابِدَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَعْبُودٍ يَعْبُدُهُ، وعبادة [[في م: "وعبادته".]] يَسْلُكُهَا إِلَيْهِ، فَالرَّسُولُ وَأَتْبَاعُهُ يَعْبُدُونَ اللَّهَ بِمَا شَرَعَهُ؛ وَلِهَذَا كَانَ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ" أَيْ: لَا مَعْبُودَ إِلَّا اللَّهُ وَلَا طَرِيقَ إِلَيْهِ إِلَّا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَالْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ عِبَادَةً لَمْ يَأْذَنْ بِهَا اللَّهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يُونُسَ:٤١] وَقَالَ: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الْقَصَصِ: ٥٥] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: يُقَالُ: ﴿لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الْكَفْرُ، ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ الْإِسْلَامُ. وَلَمْ يَقُلْ: "دِينِي" لِأَنَّ الْآيَاتِ بِالنُّونِ، فَحُذِفَ الْيَاءُ، كَمَا قَالَ: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٧٨] وَ ﴿يَشْفِينِ﴾ [الشُّعَرَاءِ:٨٠] وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ الْآنَ، وَلَا أُجِيبُكُمْ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِي، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٤] . انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ. [[صحيح البخاري (٨/٧٣٣) "فتح".]] وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشَّرْحِ: ٥، ٦] وَكَقَوْلِهِ: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التَّكَاثُرِ: ٦، ٧] وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ -كَابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَغَيْرِهِ-عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَوَّلُهَا مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا. الثَّانِي: مَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فِي الْمَاضِي، ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. الثَّالِثُ: أَنَّ ذَلِكَ تَأْكِيدٌ مَحْضٌ. وَثَمَّ قَوْلٌ رَابِعٌ، نَصَرَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَيمية فِي بَعْضِ كُتُبِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ نَفْيُ الْفِعْلِ لِأَنَّهَا جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ نَفْيُ قَبُولِهِ لِذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ آكَدُ فَكَأَنَّهُ نَفَى الْفِعْلَ، وَكَوْنُهُ قَابِلًا لِذَلِكَ وَمَعْنَاهُ نَفْيُ الْوُقُوعِ وَنَفْيُ الْإِمْكَانِ الشَّرْعِيِّ أَيْضًا. وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ تُورِثُهُ [[في م: "فورت".]] الْيَهُودُ مِنَ النَّصَارَى، وَبِالْعَكْسِ؛ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ أَوْ سَبَبٌ يُتَوَارَثُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَدْيَانَ -مَا عَدَا الْإِسْلَامِ-كُلَّهَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي الْبُطْلَانِ. وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمَنْ وَافَقَهُ إِلَى عَدَمِ تَوْرِيثِ النَّصَارَى مِنَ الْيَهُودِ وَبِالْعَكْسِ؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "لا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى". [[رواه أحمد في المسند (٢/١٩٥) وأبو داود في السنن برقم (٢٩١١) .]] آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، وكان المشركون من قومه فيما ذكر عرضوا عليه أن يعبدوا الله سنة، على أن يعبد نبيّ الله ﷺ آلهتهم سنة، فأنزل الله معرفه جوابهم في ذلك: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوك عبادة آلهتهم سنة، على أن يعبدوا إلهك سنة ﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ بالله ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ من الآلهة والأوثان الآن ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ الآن ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ﴾ فيما أستقبل ﴿مَا عَبَدْتُمْ﴾ فيما مضى ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ﴾ فيما تستقبلون أبدا ﴿مَا أَعْبُدُ﴾ أنا الآن، وفيما أستقبل. وإنما قيل ذلك كذلك، لأن الخطاب من الله كان لرسول الله ﷺ في أشخاص بأعيانهم من المشركين، قد علم أنهم لا يؤمنون أبدا، وسبق لهم ذلك في السابق من علمه، فأمر نبيه ﷺ أن يؤيسهم من الذي طمعوا فيه، وحدّثوا به أنفسهم، وأن ذلك غير كائن منه ولا منهم، في وقت من الأوقات، وآيس نبي الله ﷺ من الطمع في إيمانهم، ومن أن يفلحوا أبدا، فكانوا كذلك لم يفلحوا ولم ينجحوا، إلى أن قتل بعضهم يوم بدر بالسيف، وهلك بعض قبل ذلك كافرا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت به الآثار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن موسى الحَرشي، قال: ثنا أبو خلف، قال: ثنا داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس: أن قريشا وعدوا رسول الله ﷺ أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزّوجوه ما أراد من النساء، ويطئوا عقبه، فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد، وكفّ عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل، فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح. قال: "ما هي؟ " قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزي، ونعبد إلهك سنة، قال: "حتى أنْظُرَ ما يأْتي مِنْ عِنْدِ رَبّي"، فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ السورة، وأنزل الله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ... إلى قوله: ﴿فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ . ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني سعيد بن مينا مولى البَختري [[ديوانه: ٥٨، سيبويه ١: ٣٧٥، مجاز القرآن: ١٠١ الخزانة ٢: ٣١٤، وهذا الشعر يقوله النابغة لعيينة بن حصن الفزاري. بنو أقيش: هم بنو أقيش بن عبيد. وقيل: فخذ من أشجع. وقيل: حي من اليمن في إبلهم نفار شديد. وقيل: هم حي من الجن يزعمون. وقعقع حرك شيئا يابسا فتسمع له صوت. والشن: القربة البالية. يصف عيينة بالجبن والخور وشدة الفزع، كأنه جمل شديد النفار، إذا سمع صوت شن يقعقع به]] قال: لقي الوليد بن المُغيرة والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأميَّة بن خلف، رسول الله، فقالوا: يا محمد، هلمّ فلنعبد ما تعبد، وتعبدْ ما نعبد، ونُشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا، كنا قد شَرِكناك فيه، وأخذنا بحظنا منه؛ وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يديك، كنت قد شَرِكتنا في أمرنا، وأخذت منه بحظك، فأنزل الله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى انقضت السورة. * * وقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ يقول تعالى ذكره: لكم دينكم فلا تتركونه أبدا، لأنه قد ختم عليكم، وقضي أن لا تنفكوا عنه، وأنكم تموتون عليه، ولي دين الذي أنا عليه، لا أتركه أبدا، لأنه قد مضى في سابق علم الله أني لا أنتقل عنه إلى غيره. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ قال: للمشركين؛ قال: واليهود لا يعبدون إلا الله ولا يشركون، إلا أنهم يكفرون ببعض الأنبياء، وبما جاءوا به من عند الله، ويكفرون برسول الله، وبما جاء به من عند الله، وقتلوا طوائف الأنبياء ظلما وعدوانا، قال: إلا العصابة التي بقوا، حتى خرج بختنصر، فقالوا: عُزَير ابن الله، دعا الله ولم يعبدوه ولم يفعلوا كما فعلت النصارى، قالوا: المسيح ابن الله وعبدوه. وكان بعض أهل العربية يقول: كرّر قوله: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ وما بعده على وجه التوكيد، كما قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ، وكقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ . آخر تفسير سورة الكافرون
ni vous, n’adorez Celui que j’adore, c’est-à-dire Allah Seul.
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ
A vous votre religion, et à moi ma religion».
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ [[بعدها في م: البسملة.]] . ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ بِهَذِهِ السُّورَةِ، وَبِـ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " فِي رَكْعَتِي الطَّوَافِ. [[صحيح مسلم برقم (١٢١٨) من حديث طويل وهو منسك جابر المشهور.]] وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ بِهِمَا فِي رَكْعَتِي الْفَجْرِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، بِضْعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً -أَوْ: بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً- " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " وَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ". [[المسند (٢/٢٤) .]] وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَمَقْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ -أَوْ: خَمْسًا وَعِشْرِينَ-مَرَّةً، يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ بِ " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " وَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ". [[المسند (٢/٩٩) .]] وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ -هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الزُّبَيْرِيُّ-حَدَّثَنَا سُفْيَانُ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَمقتُ النَّبِيَّ ﷺ شَهْرًا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ بِـ " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " وَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ". وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ [[المسند (٢/٩٤) وسنن الترمذي برقم (٤١٧) وسنن ابن ماجة برقم (١١٤٩) .]] وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهِ [[سنن النسائي (٢/١٧٠) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ، وَ " إِذَا زُلْزِلَتِ " تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ [[في أ: "هشيم".]] بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ فروةَ ابْنِ نَوفل -هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ-عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "هَلْ لَكَ فِي رَبِيبَةٍ لَنَا تَكْفُلُهَا؟ " قَالَ: أَرَاهَا زَيْنَبَ. قَالَ: ثُمَّ جَاءَ فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهَا، قَالَ: "مَا فَعَلَتِ الْجَارِيَةُ؟ " قَالَ: تَرَكْتُهَا عِنْدَ أُمِّهَا. قَالَ: "فَمَجِيءُ مَا جَاءَ بِكَ؟ " قَالَ: جِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي شَيْئًا أَقُولُهُ عِنْدَ مَنَامِي. قَالَ: "اقْرَأْ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا، فَإِنَّهَا براءة من الشرك". تفرد به أحمد. [[لم أقع عليه في المطبوع من المسند، وذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٥/٤٢٥) .]] وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمرو الْقَطْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الطُّفَيْلِ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ حَارِثَةَ -وَهُوَ أَخُو زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ-أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " حَتَّى تَمُرَّ بِآخِرِهَا، فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشَّرَكِ" [[المعجم الكبير (٢/٢٨٧) ، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٢١) : "رجاله وثقوا".]] [وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] . [[زيادة من أ.]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ جَبَلَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِمْنِي شَيْئًا أَقُولُهُ عِنْدَ مَنَامِي. قَالَ: "إِذَا أَخَذْتَ مضجعَك مِنَ اللَّيْلِ فَاقْرَأْ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ". [[لم أقع عليه في المطبوع من المسند، وذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٢/٢٢٠) .]] وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ، عَنْ جَابِرٍ [[وقع في المعجم الكبير: "عن شريك وجابر" مقرونا وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.]] عَنْ مَعْقِلٍ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ [عَبَّادٍ أَبِي الْأَخْضَرِ عَنْ خَبَّابٍ] [[زيادة من المعجم الكبير (٤/٨١) .]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قَرَأَ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " حَتَّى يَخْتِمَهَا [[المعجم الكبير (٤/٨١) ورواه البزار في مسنده برقم (٣١١٣) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٢١) : "وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف".]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * هَذِهِ السُّورَةُ سُورَةُ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ الْمُشْرِكُونَ، وَهِيَ آمِرَةٌ بِالْإِخْلَاصِ فِيهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ شَمِلَ كُلَّ كَافِرٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَلَكِنَّ الْمُوَاجَهِينَ [[في أ: "ولكن المواجهون".]] بِهَذَا الْخِطَابِ هُمْ كفارُ قُرَيْشٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ مِنْ جَهْلِهِمْ دَعَوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى عِبَادَةِ أَوْثَانِهِمْ سَنَةً، وَيَعْبُدُونَ مَعْبُودَهُ سَنَةً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، وَأَمَرَ رَسُولَهَ ﷺ فِيهَا أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ دِينِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ، فَقَالَ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ، ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ وَهُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. فَ "مَا" هَاهُنَا بِمَعْنَى "مَنْ". ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أَيْ: وَلَا أَعْبُدُ عِبَادَتَكُمْ، أَيْ: لَا أَسْلُكُهَا وَلَا أَقْتَدِي بِهَا، وَإِنَّمَا أَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أَيْ: لَا تَقْتَدُونَ بِأَوَامِرَ اللَّهِ وَشَرْعِهِ فِي عِبَادَتِهِ، بَلْ قَدِ اخْتَرَعْتُمْ شَيْئًا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِكُمْ، كَمَا قَالَ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النَّجْمِ: ٢٣] فَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ فِي جَمِيعِ مَا هُمْ فِيهِ، فَإِنَّ الْعَابِدَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَعْبُودٍ يَعْبُدُهُ، وعبادة [[في م: "وعبادته".]] يَسْلُكُهَا إِلَيْهِ، فَالرَّسُولُ وَأَتْبَاعُهُ يَعْبُدُونَ اللَّهَ بِمَا شَرَعَهُ؛ وَلِهَذَا كَانَ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ" أَيْ: لَا مَعْبُودَ إِلَّا اللَّهُ وَلَا طَرِيقَ إِلَيْهِ إِلَّا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَالْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ عِبَادَةً لَمْ يَأْذَنْ بِهَا اللَّهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يُونُسَ:٤١] وَقَالَ: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الْقَصَصِ: ٥٥] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: يُقَالُ: ﴿لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الْكَفْرُ، ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ الْإِسْلَامُ. وَلَمْ يَقُلْ: "دِينِي" لِأَنَّ الْآيَاتِ بِالنُّونِ، فَحُذِفَ الْيَاءُ، كَمَا قَالَ: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٧٨] وَ ﴿يَشْفِينِ﴾ [الشُّعَرَاءِ:٨٠] وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ الْآنَ، وَلَا أُجِيبُكُمْ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِي، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٤] . انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ. [[صحيح البخاري (٨/٧٣٣) "فتح".]] وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشَّرْحِ: ٥، ٦] وَكَقَوْلِهِ: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التَّكَاثُرِ: ٦، ٧] وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ -كَابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَغَيْرِهِ-عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَوَّلُهَا مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا. الثَّانِي: مَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فِي الْمَاضِي، ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. الثَّالِثُ: أَنَّ ذَلِكَ تَأْكِيدٌ مَحْضٌ. وَثَمَّ قَوْلٌ رَابِعٌ، نَصَرَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَيمية فِي بَعْضِ كُتُبِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ نَفْيُ الْفِعْلِ لِأَنَّهَا جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ نَفْيُ قَبُولِهِ لِذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ آكَدُ فَكَأَنَّهُ نَفَى الْفِعْلَ، وَكَوْنُهُ قَابِلًا لِذَلِكَ وَمَعْنَاهُ نَفْيُ الْوُقُوعِ وَنَفْيُ الْإِمْكَانِ الشَّرْعِيِّ أَيْضًا. وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ تُورِثُهُ [[في م: "فورت".]] الْيَهُودُ مِنَ النَّصَارَى، وَبِالْعَكْسِ؛ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ أَوْ سَبَبٌ يُتَوَارَثُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَدْيَانَ -مَا عَدَا الْإِسْلَامِ-كُلَّهَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي الْبُطْلَانِ. وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمَنْ وَافَقَهُ إِلَى عَدَمِ تَوْرِيثِ النَّصَارَى مِنَ الْيَهُودِ وَبِالْعَكْسِ؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "لا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى". [[رواه أحمد في المسند (٢/١٩٥) وأبو داود في السنن برقم (٢٩١١) .]] آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، وكان المشركون من قومه فيما ذكر عرضوا عليه أن يعبدوا الله سنة، على أن يعبد نبيّ الله ﷺ آلهتهم سنة، فأنزل الله معرفه جوابهم في ذلك: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوك عبادة آلهتهم سنة، على أن يعبدوا إلهك سنة ﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ بالله ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ من الآلهة والأوثان الآن ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ الآن ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ﴾ فيما أستقبل ﴿مَا عَبَدْتُمْ﴾ فيما مضى ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ﴾ فيما تستقبلون أبدا ﴿مَا أَعْبُدُ﴾ أنا الآن، وفيما أستقبل. وإنما قيل ذلك كذلك، لأن الخطاب من الله كان لرسول الله ﷺ في أشخاص بأعيانهم من المشركين، قد علم أنهم لا يؤمنون أبدا، وسبق لهم ذلك في السابق من علمه، فأمر نبيه ﷺ أن يؤيسهم من الذي طمعوا فيه، وحدّثوا به أنفسهم، وأن ذلك غير كائن منه ولا منهم، في وقت من الأوقات، وآيس نبي الله ﷺ من الطمع في إيمانهم، ومن أن يفلحوا أبدا، فكانوا كذلك لم يفلحوا ولم ينجحوا، إلى أن قتل بعضهم يوم بدر بالسيف، وهلك بعض قبل ذلك كافرا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت به الآثار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن موسى الحَرشي، قال: ثنا أبو خلف، قال: ثنا داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس: أن قريشا وعدوا رسول الله ﷺ أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزّوجوه ما أراد من النساء، ويطئوا عقبه، فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد، وكفّ عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل، فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح. قال: "ما هي؟ " قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزي، ونعبد إلهك سنة، قال: "حتى أنْظُرَ ما يأْتي مِنْ عِنْدِ رَبّي"، فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ السورة، وأنزل الله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ... إلى قوله: ﴿فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ . ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني سعيد بن مينا مولى البَختري [[ديوانه: ٥٨، سيبويه ١: ٣٧٥، مجاز القرآن: ١٠١ الخزانة ٢: ٣١٤، وهذا الشعر يقوله النابغة لعيينة بن حصن الفزاري. بنو أقيش: هم بنو أقيش بن عبيد. وقيل: فخذ من أشجع. وقيل: حي من اليمن في إبلهم نفار شديد. وقيل: هم حي من الجن يزعمون. وقعقع حرك شيئا يابسا فتسمع له صوت. والشن: القربة البالية. يصف عيينة بالجبن والخور وشدة الفزع، كأنه جمل شديد النفار، إذا سمع صوت شن يقعقع به]] قال: لقي الوليد بن المُغيرة والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأميَّة بن خلف، رسول الله، فقالوا: يا محمد، هلمّ فلنعبد ما تعبد، وتعبدْ ما نعبد، ونُشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا، كنا قد شَرِكناك فيه، وأخذنا بحظنا منه؛ وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يديك، كنت قد شَرِكتنا في أمرنا، وأخذت منه بحظك، فأنزل الله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى انقضت السورة. * * وقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ يقول تعالى ذكره: لكم دينكم فلا تتركونه أبدا، لأنه قد ختم عليكم، وقضي أن لا تنفكوا عنه، وأنكم تموتون عليه، ولي دين الذي أنا عليه، لا أتركه أبدا، لأنه قد مضى في سابق علم الله أني لا أنتقل عنه إلى غيره. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ قال: للمشركين؛ قال: واليهود لا يعبدون إلا الله ولا يشركون، إلا أنهم يكفرون ببعض الأنبياء، وبما جاءوا به من عند الله، ويكفرون برسول الله، وبما جاء به من عند الله، وقتلوا طوائف الأنبياء ظلما وعدوانا، قال: إلا العصابة التي بقوا، حتى خرج بختنصر، فقالوا: عُزَير ابن الله، دعا الله ولم يعبدوه ولم يفعلوا كما فعلت النصارى، قالوا: المسيح ابن الله وعبدوه. وكان بعض أهل العربية يقول: كرّر قوله: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ وما بعده على وجه التوكيد، كما قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ، وكقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ . آخر تفسير سورة الكافرون
Vous avez votre religion que vous avez inventée et j’ai ma religion qu’Allah m’a révélée.