← Toutes les sourates

An-Nahl سُورَةُ النَّحۡلِ

Sourate 16 · 128 versets · Meccan

1

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ

L'ordre d'Allah arrive. Ne le hâtez donc pas. Gloire à Lui! Il est au-dessus de ce qu'on Lui associe.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ النَّحْلِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. * * يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ وَدُنُوِّهَا مُعَبِّرًا بِصِيغَةِ الْمَاضِي الدَّالِّ عَلَى التَّحَقُّقِ [[في أ: "التحقيق".]] وَالْوُقُوعِ لَا مَحَالَةَ [كَمَا قَالَ تَعَالَى] [[زيادة من ت، ف، أ.]] : ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١] ، وَقَالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [الْقَمَرِ: ١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ أَيْ: قَرُبَ مَا تَبَاعَدَ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ. يُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى اللَّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى الْعَذَابِ، وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٥٣، ٥٤] . وَقَدْ ذَهَبَ الضَّحَّاكُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى قَوْلٍ عَجِيبٍ، فَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ أَيْ: فَرَائِضُهُ وَحُدُودُهُ. وَقَدْ رَدَّهُ ابْنُ جَرِيرٍ فَقَالَ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا اسْتَعْجَلَ الْفَرَائِضَ [[في ف، أ: "بالفرائض".]] وَالشَّرَائِعَ قَبْلَ وُجُودِهَا [[في أ: "وجودهما".]] بِخِلَافِ الْعَذَابِ فَإِنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوهُ قَبْلَ كَوْنِهِ، اسْتِبْعَادًا وَتَكْذِيبًا. قُلْتُ: كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشُّورَى: ١٨] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكر عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُجيرة، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "تَطْلُعُ عَلَيْكُمْ عِنْدَ السَّاعَةِ سَحَابَةٌ سَوْدَاءُ مِنَ الْمَغْرِبِ مِثْلُ التُّرْسِ، فَمَا تَزَالُ تَرْتَفِعُ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ فِيهَا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ. فَيُقْبِلُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ: هَلْ سَمِعْتُمْ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: نَعَمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَشُكُّ. ثُمَّ يُنَادِي [[في ت، أ: "ينادي مناد".]] الثَّانِيَةَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ. فَيَقُولُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَلْ سَمِعْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. ثُمَّ يُنَادِي الثَّالِثَةَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِ الرَّجُلَيْنِ لَيَنْشُرَانِ الثَّوْبَ فَمَا يَطْوِيَانِهِ أَبَدًا، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَمُدَّنَّ حَوْضَهُ فَمَا يَسْقِي فِيهِ [[في ف: "منه".]] شَيْئًا أَبَدًا، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَحْلِبُ نَاقَتَهُ فَمَا يَشْرَبُهُ أبدًا -قال -ويشتغل [[في ت: "ويستعمل".]] الناس" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٥٣٩) : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا الحسن بن علي بن عفان، حدثنا يحيى بن آدم به، وقال: "صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ". ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٧/٣٢٥) : حدثنا الحسين التستري، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ به، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٣٨٢) : "رواه الطبراني بإسناد جيد رواته ثقات مشهورون".]] . ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ بِهِ غَيْرَهُ، وَعِبَادَتِهِمْ مَعَهُ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُكَذِّبُونَ بِالسَّاعَةِ، فَقَالَ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) ﴾ يقول تعالى ذكره: أتى أمر الله فقرُب منكم أيها الناس ودنا، فلا تستعجلوا وقوعه. ثم اختلف أهل التأويل في الأمر الذي أعلم الله عباده مجيئه وقُربه منهم ما هو، وأيّ شيء هو؟ فقال بعضهم: هو فرائضه وأحكامه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ قال: الأحكام والحدود والفرائض. وقال آخرون: بل ذلك وعيد من الله لأهل الشرك به، أخبرهم أن الساعة قد قَرُبت وأن عذابهم قد حضر أجله فدنا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: لما نزلت هذه الآية، يعني ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ قال رجال من المنافقين بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن أمر الله أتى، فأمسِكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى تنظروا ما هو كائن، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء، قالوا: ما نراه نزل شيء فنزلت ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ فقالوا: إن هذا يزعم مثلها أيضا، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء، قالوا: ما نراه نزل شيء فنزلت ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . ⁕ حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا يحيى بن يمان، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل، عن أبى بكر بن حفص، قال: لما نزلت ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ رفعوا رءوسهم، فنزلت ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو بكر بن شعيب، قال: سمعت أبا صادق يقرأ ﴿يا عِبادِي أتّى أمْرُ اللَّهِ فلا تستعجلوه". وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: هو تهديد من الله أهل الكفر به وبرسوله، وإعلام منه لهم قرب العذاب منهم والهلاك وذلك أنه عقَّب ذلك بقوله سبحانه وتعالى (عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فدلّ بذلك على تقريعه المشركين ووعيده لهم. وبعد، فإنه لم يبلغنا أن أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ استعجل فرائض قبل أن تُفرض عليهم فيقال لهم من أجل ذلك: قد جاءتكم فرائض الله فلا تستعجلوها. وأما مستعجلو العذاب من المشركين، فقد كانوا كثيرا. وقوله سبحانه وتعالى ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يقول تعالى تنزيها لله وعلوّا له عن الشرك الذي كانت قريش ومن كان من العرب على مثل ما هم عليه يَدِين به. واختلفت القراء في قراءة قوله تعالى ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فقرأ ذلك أهل المدينة وبعض البصريين والكوفيين ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالياء على الخبر عن أهل الكفر بالله وتوجيه للخطاب بالاستعجال إلى أصحاب رسول الله ﷺ، وكذلك قرءوا الثانية بالياء. وقرأ ذلك عامَّة قرّاء الكوفة بالتاء على توجيه الخطاب بقوله ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ إلى أصحاب رسول الله ﷺ، وبقوله تعالى "عما يشركون" إلى المشركين، والقراءة بالتاء في الحرفين جميعا على وجه الخطاب للمشركين أولى بالصواب لما بيَّنت من التأويل، أن ذلك إنما هو وعيد من الله للمشركين، ابتدأ أوّل الآية بتهديدهم، وختم آخرها بنكير فعلهم واستعظام كفرهم على وجه الخطاب لهم.

Al-Mukhtasar (français)

Le châtiment qu’Allah a décrété de vous faire subir est proche, ô mécréants. Ne cherchez donc pas à le hâter. Qu’Allah soit au-dessus de ce que les polythéistes Lui attribuent comme associés !

2

يُنَزِّلُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ أَنْ أَنذِرُوٓا۟ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ

Il fait descendre, par Son ordre, les Anges, avec la révélation sur qui Il veut parmi Ses serviteurs: «Avertissez qu'il n'est d'autre divinité que Moi. Craignez-Moi donc».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿يُنزلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ أَيِ: الْوَحْيِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشُّورَى: ٥٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، كَمَا قَالَ: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] ، وَقَالَ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الْحَجِّ: ٧٥] ، وَقَالَ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غَافِرٍ: ١٥، ١٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ أَيْ: لِيُنْذِرُوا ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا﴾ [كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا﴾ ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٥] ، وَقَالَ فِي هَذِهِ [الْآيَةِ] [[زيادة من ت، أ.]] : ﴿فَاتَّقُونِ﴾ أَيْ: فَاتَّقُوا عُقُوبَتِي لِمَنْ خَالَفَ أَمْرِي وَعَبَدَ غَيْرِي.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يُنزلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿يُنزلُ الْمَلائِكَةَ﴾ فقرأ ذلك عامَّة قرّاء المدينة والكوفة ﴿يُنزلُ الْمَلائِكَةَ﴾ بالياء وتشديد الزاي ونصب الملائكة، بمعنى ينزل الله الملائكة بالروح. وقرأ ذلك بعض البصريين وبعض المكيين: " يُنزلُ المَلائِكَةَ " بالياء وتخفيف الزاي ونصب الملائكة. وحُكي عن بعض الكوفيين أنه كان يقرؤه: " تَنزلُ المَلائكَةُ" بالتاء وتشديد الزاي والملائكة بالرفع، على اختلاف عنه في ذلك، وقد رُوي عنه موافقة سائر قرّاء بلده. وأولى القراءات بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأ ﴿يُنزلُ الْمَلائِكَةَ﴾ بمعنى: ينزل الله ملائكة. وإنما اخترت ذلك، لأن الله هو المنزل ملائكته بوحيه إلى رسله، فإضافة فعل ذلك إليه أولى وأحقّ واخترت ينزل بالتشديد على التخفيف، لأنه تعالى ذكره كان ينزل من الوحي على من نزله شيئا بعد شيء، والتشديد به إذ كان ذلك معناه، أولى من التخفيف. فتأويل الكلام: ينزل الله ملائكته بما يحيا به الحقّ ويضمحلّ به الباطل من أمره ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ يعني على من يشاء من رسله ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ فإن الأولى في موضع خفض، ردًا على الروح، والثانية في موضع نصب بأنذروا. ومعنى الكلام: ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده، بأن أنذروا عبادي سطوتي على كُفرهم بي وإشراكهم في اتخاذهم معي الآلهة والأوثان، فإنه لا إله إلا أنا، يقول: لا تنبغي الألوهة إلا لي، ولا يصلح أن يُعبد شيء سواي، فاتقون: يقول: فاحذروني بأداء فرائضي وإفراد العبادة وإخلاص الربوبية لي، فإن ذلك نجاتكم من الهلكة. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿يُنزلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ يقول: بالوحي. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿يُنزلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ يقول: ينزل الملائكة [[أي بنحو ما قبله، من حديث المثنى عن ابن عباس، كما جرت به عادة المؤلف في مواضع كثيرة.]] . ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله ﴿بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ إنه لا ينزل ملك إلا ومعه روح. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهد: قوله ﴿يُنزلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ قال: لا ينزل ملك إلا معه روح ﴿يُنزلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ قال: بالنبوّة. قال ابن جريج: وسمعت أن الروح خلق من الملائكة نزل به الروح ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ . ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، في قوله ﴿يُنزلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ قال: كل كلِم تكلم به ربنا فهو روح منه ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ ... إلى قوله ﴿أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿يُنزلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ يقول: ينزل بالرحمة والوحي من أمره، ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ فيصطفي منهم رسلا. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿يُنزلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ قال: بالوحي والرحمة. وأما قوله ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ فقد بيَّنا معناه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ إنما بعث الله المرسلين أن يوحد الله وحده، ويطاع أمره، ويجتنب سخطه.

Al-Mukhtasar (français)

Allah fait descendre les anges portant la Révélation aux messagers qu’Il veut et leur ordonne: Ô Messagers, avertissez contre le fait de m’associer des divinités car il n’existe pas de divinité méritant d’être adorée hormis Moi. Craignez-moi donc, ô gens, en vous conformant à Mes commandements et en délaissant Mes interdits.

3

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ تَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ

Il a créé les cieux et la terre avec juste raison. Il transcende ce qu'on [Lui] associe.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ خَلْقِهِ الْعَالَمَ الْعُلْوِيَّ وَهُوَ السَّمَاوَاتُ، وَالْعَالَمَ السُّفْلِيَّ وَهُوَ الْأَرْضُ بِمَا حَوَتْ، وَأَنَّ ذَلِكَ مَخْلُوقٌ بِالْحَقِّ لَا لِلْعَبَثِ [[في أ: "لا للعب".]] ، بَلْ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النَّجْمِ: ٣١] . ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ شِرْكِ مَنْ عَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ [مِنَ الْأَصْنَامِ الَّتِي لَا تَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ فَكَيْفَ نَاسَبَ أَنْ يُعْبَدَ مَعَهُ غَيْرُهُ] [[زيادة من ت، ف.]] ، وَهُوَ الْمُسْتَقِلُّ بِالْخَلْقِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ [[في أ: "استحق".]] أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى خَلْقِ جِنْسِ الْإِنْسَانِ ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أَيْ: ضَعِيفَةٍ مَهِينَةٍ، فَلَمَّا اسْتَقَلَّ ودَرَج إِذَا هُوَ يُخَاصِمُ رَبَّهُ تَعَالَى وَيُكَذِّبُهُ، وَيُحَارِبُ رُسُلَهُ، وَهُوَ إِنَّمَا خُلِقَ لِيَكُونَ عَبْدًا لَا ضدًا، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا * وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٥٤، ٥٥] ، وَقَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧، ٧٩] . وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ بُسْر بْنِ جَحَّاش قَالَ: بَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ فِي كَفِّهِ، ثُمَّ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ: ابْنَ آدَمَ، أنَّى تُعجِزني وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ، حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُكَ فَعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْكَ وَلِلْأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ، فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: أتصدقُ. وَأَنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ؟ " [[المسند (٤/٢١٠) وسنن ابن ماجه برقم (٢٧٠٧) وقال البوصيري في الزوائد (٢/٣٦٥) : "إسناد صحيح رجاله ثقات، ورواه أحمد في مسنده من حديث بسر، وأصله في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة".]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) ﴾ يقول تعالى ذكره معرّفا خلقه حجته عليهم في توحيده، وأنه لا تصلح الألوهة إلا له: خلق ربكم أيها الناس السموات والأرض بالعدل وهو الحقّ منفردا بخلقها لم يشركه في إنشائها وإحداثها شريك ولم يعنه عليه معين، فأنى يكون له شريك ﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يقول جلّ ثناؤه: علا ربكم أيها القوم عن شرككم ودعواكم إلها دونه، فارتفع عن أن يكون له مثل أو شريك أو ظهير، لأنه لا يكون إلها إلا من يخلق وينشئ بقدرته مثل السموات والأرض ويبتدع الأجسام فيحدثها من غير شيء، وليس ذلك في قُدرة أحد سوى الله الواحد القَّهار الذي لا تنبغي العبادة إلا له ولا تصلح الألوهة لشيء سواه.

Al-Mukhtasar (français)

Allah créa les Cieux et la Terre sans modèle préalable et avec juste raison. En effet, Il ne les créa pas vainement mais plutôt dans le but qu’elles soient des indices de Sa grandeur. Qu’Il soit au-dessus des associés qu’on Lui attribue !

4

خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِن نُّطْفَةٍۢ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌۭ مُّبِينٌۭ

Il a créé l'homme d'une goutte de sperme; et voilà que l'homme devient un disputeur déclaré.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ خَلْقِهِ الْعَالَمَ الْعُلْوِيَّ وَهُوَ السَّمَاوَاتُ، وَالْعَالَمَ السُّفْلِيَّ وَهُوَ الْأَرْضُ بِمَا حَوَتْ، وَأَنَّ ذَلِكَ مَخْلُوقٌ بِالْحَقِّ لَا لِلْعَبَثِ [[في أ: "لا للعب".]] ، بَلْ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النَّجْمِ: ٣١] . ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ شِرْكِ مَنْ عَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ [مِنَ الْأَصْنَامِ الَّتِي لَا تَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ فَكَيْفَ نَاسَبَ أَنْ يُعْبَدَ مَعَهُ غَيْرُهُ] [[زيادة من ت، ف.]] ، وَهُوَ الْمُسْتَقِلُّ بِالْخَلْقِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ [[في أ: "استحق".]] أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى خَلْقِ جِنْسِ الْإِنْسَانِ ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أَيْ: ضَعِيفَةٍ مَهِينَةٍ، فَلَمَّا اسْتَقَلَّ ودَرَج إِذَا هُوَ يُخَاصِمُ رَبَّهُ تَعَالَى وَيُكَذِّبُهُ، وَيُحَارِبُ رُسُلَهُ، وَهُوَ إِنَّمَا خُلِقَ لِيَكُونَ عَبْدًا لَا ضدًا، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا * وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٥٤، ٥٥] ، وَقَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧، ٧٩] . وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ بُسْر بْنِ جَحَّاش قَالَ: بَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ فِي كَفِّهِ، ثُمَّ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ: ابْنَ آدَمَ، أنَّى تُعجِزني وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ، حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُكَ فَعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْكَ وَلِلْأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ، فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: أتصدقُ. وَأَنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ؟ " [[المسند (٤/٢١٠) وسنن ابن ماجه برقم (٢٧٠٧) وقال البوصيري في الزوائد (٢/٣٦٥) : "إسناد صحيح رجاله ثقات، ورواه أحمد في مسنده من حديث بسر، وأصله في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة".]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن حججه عليكم أيضا أيها الناس، أنه خلق الإنسان من نطفة، فأحدث من ماء مهين خلقا عجيبا، قلبه تارات خلقا بعد خلق في ظلمات ثلاث، ثم أخرجه إلى ضياء الدنيا بعد ما تمّ خلقه ونفخ فيه الروح، فغذاه ورزقه القوت ونماه، حتى إذا استوى على سوقه كفر بنعمة ربه وجحد مدبره وعبد من لا يضرّ ولا ينفع، وخاصم إلهه، فقال ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ونسِي الذي خلقه فسوّاه خلقا سويا من ماء مهين، ويعني بالمبين: أنه يبين عن خصومته بمنطقه، ويجادل بلسانه، فذلك إبانته، وعنى بالإنسان: جميع الناس، أخرج بلفظ الواحد، وهو في معنى الجميع. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن حججه عليكم أيها الناس ما خلق لكم من الأنعام، فسخَّرها لكم، وجعل لكم من أصوافها وأوبارها وأشعارها ملابس تدفئون بها، ومنافع من ألبانها، وظهورها تركبونها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يقول: ومن الأنعام ما تأكلون لحمه كالإبل والبقر والغنم، وسائر ما يؤكل لحمه، وحذفت ما من الكلام لدلالة من عليها. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني المثنى، وعليّ بن داود، قال: المثنى أخبرنا، وقال ابن داود: ثنا عبد الله بن صالح، قاله: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ يقول: الثياب. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله. ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يعني بالدفء: الثياب، والمنافع: ما ينفعون به من الأطعمة والأشربة. ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ قال: لباس ينسج، ومنها مركب ولبن ولحم. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ لباس ينسج ومنافع، مركب ولحم ولبن. ⁕ حدثنا القاسم، قاله: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قوله ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ قال: نسل كلّ دابة. ⁕ حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل بإسناده، عن ابن عباس، مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ يقول: لكم فيها لباس ومنفعة وبلغة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، قال: قال ابن عباس ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ قال: هو منافع ومآكل. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ قال: دفء اللحف [[اللحف: جمع لحاف، وهو كل ما يلتحف به الإنسان للدفء، من عباءة، وكساء، ونحوهما.]] التي جعلها الله منها. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: بلغني، عن مجاهد ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ قال: نتاجها وركوبها وألبانها ولحومها.

Al-Mukhtasar (français)

Il créa l’être humain à partir d’une goutte de sperme vile qui après plusieurs étapes successives de croissance devient une créature qui défend le faux avec férocité et éloquence, afin d’effacer la vérité.

5

وَٱلْأَنْعَٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌۭ وَمَنَٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ

Et les bestiaux, Il les a créés pour vous; vous en retirez des [vêtements] chauds ainsi que d'autres profits. Et vous en mangez aussi.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَمْتَنُّ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِمَا خَلَقَ لَهُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، كَمَا فَصَّلَهَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إِلَى ثَمَانِيَةِ أَزْوَاجٍ، وَبِمَا جَعَلَ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْمَصَالِحِ وَالْمَنَافِعِ، مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا يَلْبَسُونَ وَيَفْتَرِشُونَ، وَمِنْ أَلْبَانِهَا يَشْرَبُونَ، وَيَأْكُلُونَ مِنْ أَوْلَادِهَا، وَمَا لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْجَمَالِ وَهُوَ الزِّينَةُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ﴾ وَهُوَ وَقْتُ رُجُوعِهَا عَشِيًّا مِنَ الْمَرْعَى [[في ت: "الرعى".]] فَإِنَّهَا تَكُونُ أمَدّه [[في ت، ف: "أعده".]] خَوَاصِرَ، وَأَعْظَمَهُ ضُرُوعًا، وَأَعْلَاهُ أَسْنِمَةً، ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ أَيْ: غُدوة حِينَ تَبْعَثُونَهَا إِلَى الْمَرْعَى. ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ وَهِيَ الْأَحْمَالُ الْمُثْقَلَةُ [[في ت، ف، أ: "الثقيلة".]] الَّتِي تَعجزُون عَنْ نَقْلِهَا وَحَمْلِهَا، ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ وَذَلِكَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْغَزْوِ وَالتِّجَارَةِ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ، تَسْتَعْمِلُونَهَا فِي أَنْوَاعِ الِاسْتِعْمَالِ، مِنْ رُكُوبٍ وَتَحْمِيلٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٢١، ٢٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُون﴾ [غَافِرٍ: ٧٩، ٨١] ؛؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا بَعْدَ تَعْدَادِ هَذِهِ النِّعَمِ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: رَبَّكُمُ الَّذِي قيَّض لَكُمْ هَذِهِ الْأَنْعَامُ وَسَخَّرَهَا لَكُمْ، كَمَا قَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧١، ٧٢] ، وَقَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٢ -١٤] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ أَيْ: ثِيَابٌ، وَالْمَنَافِعُ: مَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرْنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ قَالَ: لِبَاسٌ يُنْسَجُ، وَمَنَافِعُ تُركَبُ، وَلَحْمٌ وَلَبَنٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ يَقُولُ: لَكُمْ فِيهَا لِبَاسٌ، وَمَنْفَعَةٌ، وبُلْغة. وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن حججه عليكم أيضا أيها الناس، أنه خلق الإنسان من نطفة، فأحدث من ماء مهين خلقا عجيبا، قلبه تارات خلقا بعد خلق في ظلمات ثلاث، ثم أخرجه إلى ضياء الدنيا بعد ما تمّ خلقه ونفخ فيه الروح، فغذاه ورزقه القوت ونماه، حتى إذا استوى على سوقه كفر بنعمة ربه وجحد مدبره وعبد من لا يضرّ ولا ينفع، وخاصم إلهه، فقال ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ونسِي الذي خلقه فسوّاه خلقا سويا من ماء مهين، ويعني بالمبين: أنه يبين عن خصومته بمنطقه، ويجادل بلسانه، فذلك إبانته، وعنى بالإنسان: جميع الناس، أخرج بلفظ الواحد، وهو في معنى الجميع. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن حججه عليكم أيها الناس ما خلق لكم من الأنعام، فسخَّرها لكم، وجعل لكم من أصوافها وأوبارها وأشعارها ملابس تدفئون بها، ومنافع من ألبانها، وظهورها تركبونها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يقول: ومن الأنعام ما تأكلون لحمه كالإبل والبقر والغنم، وسائر ما يؤكل لحمه، وحذفت ما من الكلام لدلالة من عليها. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني المثنى، وعليّ بن داود، قال: المثنى أخبرنا، وقال ابن داود: ثنا عبد الله بن صالح، قاله: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ يقول: الثياب. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله. ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يعني بالدفء: الثياب، والمنافع: ما ينفعون به من الأطعمة والأشربة. ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ قال: لباس ينسج، ومنها مركب ولبن ولحم. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ لباس ينسج ومنافع، مركب ولحم ولبن. ⁕ حدثنا القاسم، قاله: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قوله ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ قال: نسل كلّ دابة. ⁕ حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل بإسناده، عن ابن عباس، مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ يقول: لكم فيها لباس ومنفعة وبلغة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، قال: قال ابن عباس ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ قال: هو منافع ومآكل. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ قال: دفء اللحف [[اللحف: جمع لحاف، وهو كل ما يلتحف به الإنسان للدفء، من عباءة، وكساء، ونحوهما.]] التي جعلها الله منها. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: بلغني، عن مجاهد ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ قال: نتاجها وركوبها وألبانها ولحومها.

Al-Mukhtasar (français)

Il créa également les bestiaux (camelins, bovins, ovins et caprins) pour que vous en tiriez profit, ô gens, en confectionnant des vêtements chauds à partir de leur laine et de leurs poils, en vous nourrissant de leur lait, en vous habillant de leur cuir ou en les montant.

6

وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ

Ils vous paraissent beaux quand vous les ramenez, le soir, et aussi le matin quand vous les lâchez pour le pâturage.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَمْتَنُّ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِمَا خَلَقَ لَهُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، كَمَا فَصَّلَهَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إِلَى ثَمَانِيَةِ أَزْوَاجٍ، وَبِمَا جَعَلَ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْمَصَالِحِ وَالْمَنَافِعِ، مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا يَلْبَسُونَ وَيَفْتَرِشُونَ، وَمِنْ أَلْبَانِهَا يَشْرَبُونَ، وَيَأْكُلُونَ مِنْ أَوْلَادِهَا، وَمَا لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْجَمَالِ وَهُوَ الزِّينَةُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ﴾ وَهُوَ وَقْتُ رُجُوعِهَا عَشِيًّا مِنَ الْمَرْعَى [[في ت: "الرعى".]] فَإِنَّهَا تَكُونُ أمَدّه [[في ت، ف: "أعده".]] خَوَاصِرَ، وَأَعْظَمَهُ ضُرُوعًا، وَأَعْلَاهُ أَسْنِمَةً، ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ أَيْ: غُدوة حِينَ تَبْعَثُونَهَا إِلَى الْمَرْعَى. ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ وَهِيَ الْأَحْمَالُ الْمُثْقَلَةُ [[في ت، ف، أ: "الثقيلة".]] الَّتِي تَعجزُون عَنْ نَقْلِهَا وَحَمْلِهَا، ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ وَذَلِكَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْغَزْوِ وَالتِّجَارَةِ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ، تَسْتَعْمِلُونَهَا فِي أَنْوَاعِ الِاسْتِعْمَالِ، مِنْ رُكُوبٍ وَتَحْمِيلٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٢١، ٢٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُون﴾ [غَافِرٍ: ٧٩، ٨١] ؛؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا بَعْدَ تَعْدَادِ هَذِهِ النِّعَمِ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: رَبَّكُمُ الَّذِي قيَّض لَكُمْ هَذِهِ الْأَنْعَامُ وَسَخَّرَهَا لَكُمْ، كَمَا قَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧١، ٧٢] ، وَقَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٢ -١٤] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ أَيْ: ثِيَابٌ، وَالْمَنَافِعُ: مَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرْنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ قَالَ: لِبَاسٌ يُنْسَجُ، وَمَنَافِعُ تُركَبُ، وَلَحْمٌ وَلَبَنٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ يَقُولُ: لَكُمْ فِيهَا لِبَاسٌ، وَمَنْفَعَةٌ، وبُلْغة. وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولكم في هذه الأنعام والمواشي التي خلقها لكم ﴿جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ﴾ يعني: تردّونها بالعشيّ من مسارحها إلى مراحها ومنازلها التي تأوي إليها ولذلك سمي المكان المراح، لأنها تراح إليه عشيا فتأوي إليه، يقال منه: أراح فلان ماشيته فهو يريحها إراحة، وقوله ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ يقول: وفي وقت إخراجكموها غدوة من مُراحها إلى مسارحها، يقال منه: سرح فلان ماشيته يسرحها تسريحا، إذا أخرجها للرعي غدوة، وسَرحت الماشية: إذا خرجت للمرعى تسرح سرحا وسروحا، فالسرح بالغداة، والإراحة بالعشيّ، ومنه قول الشاعر: كأنَّ بَقايا الأتْنِ فَوْقَ مُتُونِهِ ... مدَّبُّ الدَّبىّ فَوْقَ النَّقا وَهْوَ سارِحُ [[لعل الشاعر يصف حمارًا وحشيًا. يقول: إن الأتن قد عضضنه، فتركن فوق متونة آثارًا، كانت كأنها طريق للدبى، وهو صغار الجراد. فوق النقا، وهو الكثيب الأبيض من الرمل. ولم أعثر على البيت ولا قائله.]] وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ وذلك أعجب ما يكون إذا راحت عظاما ضروعها، طوالا أسنمتها، وحين تسرحون إذا سرحت لرعيها. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ قال: إذا راحت كأعظم ما تكون أسنمة، وأحسن ما تكون ضروعا. * * وقوله ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ يقول: وتحمل هذه الأنعام أثقالكم إلى بلد آخر لم تكونوا بالغيه إلا بجهد من أنفسكم شديد، ومشقة عظيمة. كما:- ⁕ حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن جابر، عن عكرمة ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ قال: لو تكلفونه لم تبلغوه إلا بجهد شديد. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن سماك، عن عكرمة ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ قال: لو كلفتموه لم تبلغوه إلا بشقّ الأنفس. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ قال: البلد: مكة. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله ﴿إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ قال: مشقة عليكم. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ يقول: بجهد الأنفس. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، بنحوه. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الأمصار بكسر الشين ﴿إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ سوى أبي جعفر القارئ، فإن المثنى حدثني، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال: ثني أبو سعيد الرازي، عن أبي جعفر قارئ المدينة، أنه كان يقرأ "لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس" بفتح الشين، وكان يقول: إنما الشقّ: شقّ النفس. وقال ابن أبي حماد: وكان معاذ الهرّاء يقول: هي لغة، تقول العرب بشَقّ وبشِقّ، وبرَق وبرِق. والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار وهي كسر الشين، لإجماع الحجة من القرّاء عليه وشذوذ ما خالفه، وقد يُنشد هذا البيت بكسر الشين وفتحها، وذلك قول الشاعر: وذِي إبِلٍ يَسْعَى وَيحْسِبُها لَهُ ... أخِي نَصَبٍ مِنْ شَقِّها ودُءُوبِ [[البيت للنمر بن تولب العكلي (اللسان: شقق) وقال أبو عبيدة في معاني القرآن (١: ٣٥٦) " إلا بشق الأنفس " بكسر أوله وبفتح، ومعناه: بمشقة الأنفس. وفي اللسان: الشق المشقة. قال ابن بري شاهد الكسر قول النمر بن تولب: وذي إبل ... البيت.]] و"من شَقِها" أيضا بالكسر والفتح، وكذلك قول العجاج: أصبحَ مَسْحُولٌ يُوَازِي شَقًّا [[البيت في ديوان العجاج (طبع ليبسج سنة ١٩٠٣ ص ٤٤٠) وهو شاهد على أن الشق بالكسر بمعنى المشقة. ومسحول: يعني بعيره، ويوازي: يقاسي.]] و"شقا" بالفتح والكسر. ويعني بقوله "يوازي شَقا": يقاسي مشقة. وكان بعض أهل العربية يذهب بالفتح إلى المصدر من شققت عليه أشقّ شقا، وبالكسر إلى الاسم. وقد يجوز أن يكون الذين قرءوا بالكسر أرادوا إلا بنقص من القوّة وذهاب شيء منها حتى لا يبلغه إلا بعد نقصها، فيكون معناه عند ذلك: لم تكونوا بالغيه إلا بشقّ قوى أنفسكم، وذهاب شقها الآخر، ويحكى عن العرب: خذ هذا الشَّقَّ: لشقة الشاة بالكسر، فأما في شقت عليك شقا فلم يحك فيه إلا النصب. * * وقوله ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يقول تعالى ذكره: إن ربكم أيها الناس ذو رأفة بكم، ورحمة، من رحمته بكم، خلق لكم الأنعام لمنافعكم ومصالحكم، وخلق السموات والأرض أدلة لكم على وحدانية ربكم ومعرفة إلهكم، لتشكروه على نعمه عليكم، فيزيدكم من فضله.

Al-Mukhtasar (français)

Vous ne cessez d’être satisfaits par la possession de ces bestiaux: le soir lorsque vous rentrez chez vous et le matin lorsque vous les emmenez paître.

7

وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍۢ لَّمْ تَكُونُوا۟ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

Et ils portent vos fardeaux vers un pays que vous n'atteindriez qu'avec peine. Vraiment, votre Seigneur est Compatissant et Miséricordieux.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَمْتَنُّ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِمَا خَلَقَ لَهُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، كَمَا فَصَّلَهَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إِلَى ثَمَانِيَةِ أَزْوَاجٍ، وَبِمَا جَعَلَ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْمَصَالِحِ وَالْمَنَافِعِ، مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا يَلْبَسُونَ وَيَفْتَرِشُونَ، وَمِنْ أَلْبَانِهَا يَشْرَبُونَ، وَيَأْكُلُونَ مِنْ أَوْلَادِهَا، وَمَا لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْجَمَالِ وَهُوَ الزِّينَةُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ﴾ وَهُوَ وَقْتُ رُجُوعِهَا عَشِيًّا مِنَ الْمَرْعَى [[في ت: "الرعى".]] فَإِنَّهَا تَكُونُ أمَدّه [[في ت، ف: "أعده".]] خَوَاصِرَ، وَأَعْظَمَهُ ضُرُوعًا، وَأَعْلَاهُ أَسْنِمَةً، ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ أَيْ: غُدوة حِينَ تَبْعَثُونَهَا إِلَى الْمَرْعَى. ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ وَهِيَ الْأَحْمَالُ الْمُثْقَلَةُ [[في ت، ف، أ: "الثقيلة".]] الَّتِي تَعجزُون عَنْ نَقْلِهَا وَحَمْلِهَا، ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ وَذَلِكَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْغَزْوِ وَالتِّجَارَةِ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ، تَسْتَعْمِلُونَهَا فِي أَنْوَاعِ الِاسْتِعْمَالِ، مِنْ رُكُوبٍ وَتَحْمِيلٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٢١، ٢٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُون﴾ [غَافِرٍ: ٧٩، ٨١] ؛؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا بَعْدَ تَعْدَادِ هَذِهِ النِّعَمِ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: رَبَّكُمُ الَّذِي قيَّض لَكُمْ هَذِهِ الْأَنْعَامُ وَسَخَّرَهَا لَكُمْ، كَمَا قَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧١، ٧٢] ، وَقَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٢ -١٤] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ أَيْ: ثِيَابٌ، وَالْمَنَافِعُ: مَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرْنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ قَالَ: لِبَاسٌ يُنْسَجُ، وَمَنَافِعُ تُركَبُ، وَلَحْمٌ وَلَبَنٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ يَقُولُ: لَكُمْ فِيهَا لِبَاسٌ، وَمَنْفَعَةٌ، وبُلْغة. وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولكم في هذه الأنعام والمواشي التي خلقها لكم ﴿جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ﴾ يعني: تردّونها بالعشيّ من مسارحها إلى مراحها ومنازلها التي تأوي إليها ولذلك سمي المكان المراح، لأنها تراح إليه عشيا فتأوي إليه، يقال منه: أراح فلان ماشيته فهو يريحها إراحة، وقوله ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ يقول: وفي وقت إخراجكموها غدوة من مُراحها إلى مسارحها، يقال منه: سرح فلان ماشيته يسرحها تسريحا، إذا أخرجها للرعي غدوة، وسَرحت الماشية: إذا خرجت للمرعى تسرح سرحا وسروحا، فالسرح بالغداة، والإراحة بالعشيّ، ومنه قول الشاعر: كأنَّ بَقايا الأتْنِ فَوْقَ مُتُونِهِ ... مدَّبُّ الدَّبىّ فَوْقَ النَّقا وَهْوَ سارِحُ [[لعل الشاعر يصف حمارًا وحشيًا. يقول: إن الأتن قد عضضنه، فتركن فوق متونة آثارًا، كانت كأنها طريق للدبى، وهو صغار الجراد. فوق النقا، وهو الكثيب الأبيض من الرمل. ولم أعثر على البيت ولا قائله.]] وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ وذلك أعجب ما يكون إذا راحت عظاما ضروعها، طوالا أسنمتها، وحين تسرحون إذا سرحت لرعيها. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ قال: إذا راحت كأعظم ما تكون أسنمة، وأحسن ما تكون ضروعا. * * وقوله ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ يقول: وتحمل هذه الأنعام أثقالكم إلى بلد آخر لم تكونوا بالغيه إلا بجهد من أنفسكم شديد، ومشقة عظيمة. كما:- ⁕ حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن جابر، عن عكرمة ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ قال: لو تكلفونه لم تبلغوه إلا بجهد شديد. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن سماك، عن عكرمة ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ قال: لو كلفتموه لم تبلغوه إلا بشقّ الأنفس. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ قال: البلد: مكة. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله ﴿إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ قال: مشقة عليكم. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ يقول: بجهد الأنفس. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، بنحوه. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الأمصار بكسر الشين ﴿إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ سوى أبي جعفر القارئ، فإن المثنى حدثني، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال: ثني أبو سعيد الرازي، عن أبي جعفر قارئ المدينة، أنه كان يقرأ "لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس" بفتح الشين، وكان يقول: إنما الشقّ: شقّ النفس. وقال ابن أبي حماد: وكان معاذ الهرّاء يقول: هي لغة، تقول العرب بشَقّ وبشِقّ، وبرَق وبرِق. والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار وهي كسر الشين، لإجماع الحجة من القرّاء عليه وشذوذ ما خالفه، وقد يُنشد هذا البيت بكسر الشين وفتحها، وذلك قول الشاعر: وذِي إبِلٍ يَسْعَى وَيحْسِبُها لَهُ ... أخِي نَصَبٍ مِنْ شَقِّها ودُءُوبِ [[البيت للنمر بن تولب العكلي (اللسان: شقق) وقال أبو عبيدة في معاني القرآن (١: ٣٥٦) " إلا بشق الأنفس " بكسر أوله وبفتح، ومعناه: بمشقة الأنفس. وفي اللسان: الشق المشقة. قال ابن بري شاهد الكسر قول النمر بن تولب: وذي إبل ... البيت.]] و"من شَقِها" أيضا بالكسر والفتح، وكذلك قول العجاج: أصبحَ مَسْحُولٌ يُوَازِي شَقًّا [[البيت في ديوان العجاج (طبع ليبسج سنة ١٩٠٣ ص ٤٤٠) وهو شاهد على أن الشق بالكسر بمعنى المشقة. ومسحول: يعني بعيره، ويوازي: يقاسي.]] و"شقا" بالفتح والكسر. ويعني بقوله "يوازي شَقا": يقاسي مشقة. وكان بعض أهل العربية يذهب بالفتح إلى المصدر من شققت عليه أشقّ شقا، وبالكسر إلى الاسم. وقد يجوز أن يكون الذين قرءوا بالكسر أرادوا إلا بنقص من القوّة وذهاب شيء منها حتى لا يبلغه إلا بعد نقصها، فيكون معناه عند ذلك: لم تكونوا بالغيه إلا بشقّ قوى أنفسكم، وذهاب شقها الآخر، ويحكى عن العرب: خذ هذا الشَّقَّ: لشقة الشاة بالكسر، فأما في شقت عليك شقا فلم يحك فيه إلا النصب. * * وقوله ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يقول تعالى ذكره: إن ربكم أيها الناس ذو رأفة بكم، ورحمة، من رحمته بكم، خلق لكم الأنعام لمنافعكم ومصالحكم، وخلق السموات والأرض أدلة لكم على وحدانية ربكم ومعرفة إلهكم، لتشكروه على نعمه عليكم، فيزيدكم من فضله.

Al-Mukhtasar (français)

Ces bestiaux que Nous avons créés pour vous, portent vos lourds bagages lorsque vous voyagez vers des pays difficiles à atteindre. Ô gens, votre Seigneur est miséricordieux avec vous en mettant à votre disposition ces bestiaux.

8

وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةًۭ ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ

Et les chevaux, les mulets et les ânes, pour que vous les montiez, et pour l'apparat. Et Il crée ce que vous ne savez pas.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذَا صِنْفٌ آخَرُ مِمَّا خَلَقَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِعِبَادِهِ، يَمْتَنُّ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ: الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ، الَّتِي جَعَلَهَا لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ بِهَا، وَذَلِكَ أَكْبَرُ الْمَقَاصِدِ مِنْهَا، وَلَمَّا فَصَلها مِنَ الْأَنْعَامِ وَأَفْرَدَهَا بِالذِّكْرِ اسْتَدَلَّ مَنِ اسْتَدَلَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ -مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى تَحْرِيمِ لُحُومِ الْخَيْلِ -بِذَلِكَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فِيهَا، كَالْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ [[في ف، أ: "رحمة الله عليه".]] وَمَنْ وَافَقَهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ [[في ت: "العلماء".]] ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَرَنَهَا بِالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَهِيَ حَرَامٌ، كَمَا ثَبَتَتْ بِهِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، أَنْبَأَنَا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مَوْلَى نَافِعِ بْنِ عَلْقَمَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَكْرَهُ لُحُومَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَكَانَ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ: ﴿وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ فَهَذِهِ لِلْأَكْلِ، ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ فَهَذِهِ لِلرُّكُوبِ [[تفسير الطبري (١٤/٥٧) .]] . وَكَذَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَير وَغَيْرِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِمِثْلِهِ. وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ [[في ت، ف، أ: "عيينة".]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[في ت: "رحمه الله".]] أَيْضًا، وَاسْتَأْنَسُوا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ --وَفِيهِ كَلَامٌ -بِهِ [[المسند (٤/٨٩) وسنن أبي داود برقم (٣٧٩٠) وسنن النسائي (٧/٢٠٢) وسنن ابن ماجة برقم (٣١٩٨) .]] . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا وَأَدَلَّ مِنْهُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ، عَنْ جَدِّهِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الصَّائِفَةَ، فقَرِم [[في ت: "فغرم".]] أَصْحَابُنَا إِلَى اللَّحْمِ، فَسَأَلُونِي رَمَكة، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِمْ فَحبَلوها وَقُلْتُ [[في أ: "فقلت".]] : مَكَانَكُمْ حَتَّى آتِيَ خَالِدًا فَأَسْأَلَهُ. فَأَتَيْتُهُ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ خَيْبَرَ، فَأَسْرَعَ النَّاسُ فِي حَظَائِرِ يَهُودَ، فَأَمَرَنِي أَنْ أُنَادِيَ: "الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُسْلِمٌ" ثُمَّ قَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ قَدْ أَسْرَعْتُمْ فِي حَظَائِرِ يَهُودَ، أَلَا لَا تَحِلُّ [[في ف: "لا يحل".]] أَمْوَالُ الْمُعَاهَدِينَ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحَرَامٌ عَلَيْكُمْ لُحُومُ الْأُتُنِ [[في ت، ف: "الحمر".]] الْأَهْلِيَّةِ وَخَيْلِهَا وَبِغَالِهَا، وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ" [[المسند (٤/٨٩) .]] . وَالرَّمَكَةُ: هِيَ الحِجْرَة. وَقَوْلُهُ: حَبَلوها، أَيْ: أَوْثَقُوهَا فِي الْحَبْلِ لِيَذْبَحُوهَا. وَالْحَظَائِرُ: الْبَسَاتِينُ الْقَرِيبَةُ مِنَ الْعُمْرَانِ. وَكَأَنَّ هَذَا الصَّنِيعَ وَقَعَ بَعْدَ إِعْطَائِهِمُ الْعَهْدَ وَمُعَامَلَتِهِمْ عَلَى الشَّطْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَلَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ لَكَانَ نصًّا فِي تَحْرِيمِ لُحُومِ الْخَيْلِ، وَلَكِنْ لَا يقاوِمُ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُحُومٍ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ [[صحيح البخاري برقم (٤٢١٩، ٥٥٢٤) . وصحيح مسلم برقم (١٩٤١) .]] . وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادَيْنِ، كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنِ الْخَيْلِ [[المسند (٣/٣٥٦) وسنن أبي داود برقم (٣٧٨٩) .]] . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ [[صحيح مسلم برقم (١٩٤٢) .]] . فَهَذِهِ أَدَلُّ وَأَقْوَى وَأَثْبَتُ، وَإِلَى ذَلِكَ صَارَ جمهورُ الْعُلَمَاءِ: مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَصْحَابُهُمْ، وَأَكْثَرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْج، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتِ الْخَيْلُ وَحْشِيَّةً، فَذَلَّلَهَا اللَّهُ لِإِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. وَذَكَرَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ فِي إِسْرَائِيلِيَّاتِهِ: أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَيْلَ مِنْ رِيحِ الْجَنُوبِ، وَاللَّهُ [[في ت: "فالله".]] أَعْلَمُ. فَقَدْ دَلَّ النَّصُّ عَلَى جَوَازِ رُكُوبِ هَذِهِ الدَّوَابِّ، وَمِنْهَا الْبِغَالُ. وَقَدْ أُهْدَيَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَغْلَةٌ، فَكَانَ يَرْكَبُهَا، مَعَ أَنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْ إِنْزِاءِ الْحُمُرِ عَلَى الْخَيْلِ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ النَّسْلُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ مِنْ آلِ حُذَيْفَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ دَحْية الْكَلْبِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَحْمِلُ لَكَ حِمَارًا عَلَى فَرَسٍ، فَتُنْتِجَ لَكَ بَغْلًا فَتَرْكَبَهَا؟ قَالَ: "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون" [[المسند (٤/٣١١) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ (٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: وخلق الخيل والبغال والحمير لكم أيضا لتركبوها وزينة: يقول: وجعلها لكم زينة تتزينون بها مع المنافع التي فيها لكم، للركوب وغير ذلك، ونصب الخيل والبغال عطفا على الهاء والألف في قوله ﴿خَلَقَها﴾ ، ونصب الزينة بفعل مضمر على ما بيَّنت، ولو لم يكن معها واو وكان الكلام: لتركبوها زينة، كانت منصوبة بالفعل الذي قبلها الذي هي به متصلة، ولكن دخول الواو آذنت بأن معها ضمير فعل، وبانقطاعها عن الفعل الذي قبلها. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ قال: جعلها لتركبوها، وجعلها زينة لكم، وكان بعض أهل العلم يرى أن في هذه الآية دلالة على تحريم أكل لحوم الخيل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيي بن واضح، قال: ثنا أبو ضمرة، عن أبي إسحاق، عن رجل، عن ابن عباس، قوله ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ قال: هذه للركوب. ﴿وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ قال: هذه للأكل. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا هشام الدستوائي، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن مولى نافع بن علقمة: أن ابن عباس كان يكره لحوم الخيل والبغال والحمير، وكان يقول: قال الله ﴿وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ فهذه للأكل، ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ فهذه للركوب. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد، عن ابن عباس: أنه سئل عن لحوم الخيل، فكرهها وتلا هذه الآية ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ ... الآية. ⁕ حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه سئل عن لحوم الخيل، فقال: اقرأ التي قبلها ﴿وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ فجعل هذه للأكل، وهذه للركوب. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، عن أبيه، عن الحكم ﴿وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ فجعل منه الأكل. ثم قرأ حتى بلغ ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ قال: لم يجعل لكم فيها أكلا. قال: وكان الحكم يقول: والخيل والبغال والحمير حرام في كتاب الله. ⁕ حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا ابن أبي غنية، عن الحكم، قال: لحوم الخيل حرام في كتاب الله، ثم قرأ ﴿وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ ... إلى قوله ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ . وكان جماعة غيرهم من أهل العلم يخالفونهم في هذا التأويل، ويرون أن ذلك غير دالّ على تحريم شيء، وأن الله جلّ ثناؤه إنما عرف عباده بهذه الآية وسائر ما في أوائل هذه السورة نعمه عليهم ونبههم به على حججه عليهم، وأدلته على وحدانيته، وخطأ فعل من يشرك به من أهل الشرك. ذكر بعض من كان لا يرى بأسا بأكل لحم الفرس. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن الأسود: أنه أكل لحم الفرس. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود بنحوه. ⁕ حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: نحر أصحابنا فرسا في النجع وأكلوا منه، ولم يروا به بأسا. والصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله أهل القول الثاني، وذلك أنه لو كان في قوله تعالى ذكره ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ دلالة على أنها لا تصلح، إذ كانت للركوب للأكل - لكان في قوله ﴿فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ دلالة على أنها لا تصلح إذ كانت للأكل والدفء للركوب. وفي إجماع الجميع على أن ركوب ما قال تعالى ذكره ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ جائز حلال غير حرام، دليل واضح على أن أكل ما قال ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ جائز حلال غير حرام، إلا بما نص على تحريمه أو وضع على تحريمه دلالة من كتاب أو وحي إلى رسول الله ﷺ. فأما بهذه الآية فلا يحرم أكل شيء. وقد وضع الدلالة على تحريم لحوم الحمر الأهلية بوحيه إلى رسول الله ﷺ، وعلى البغال بما قد بيَّنا في كتابنا، كتاب الأطعمة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، إذ لم يكن هذا الموضع من مواضع البيان عن تحريم ذلك، وإنما ذكرنا ما ذكرنا ليدلّ على أنه لا وجه لقول من استدلّ بهذه الآية على تحريم لحم الفرس. ⁕ حدثنا أحمد، ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن عبد الكريم، عن عطاء، عن جابر، قال: كنا نأكل لحم الخيل على عهد رسول الله ﷺ. قلت: فالبغال؟ قال: أما البغال فلا. * * وقوله ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: ويخلق ربكم مع خلقه هذه الأشياء التي ذكرها لكم ما لا تعلمون مما أعدّ في الجنة لأهلها وفي النار لأهلها مما لم تره عين ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر.

Al-Mukhtasar (français)

Il créa aussi pour vous les chevaux, les mulets et les ânes afin que vous en fassiez des montures et des bêtes de somme ou que vous vous en serviez comme apparat devant les gens. Allah crée aussi de nombreuses autres créatures que vous ne connaissez pas.

9

وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌۭ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ

Il appartient à Allah [par Sa grâce, de montrer] le droit chemin car il en est qui s'en détachent. Or, s'Il voulait, Il vous guiderait tous.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مِنَ الْحَيَوَانَاتِ مَا يُسَار عَلَيْهِ فِي السُّبُلِ الْحِسِّيَّةِ، نَبَّهَ عَلَى الطُّرُقِ الْمَعْنَوِيَّةِ الدِّينِيَّةِ، وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي الْقُرْآنِ الْعُبُورُ مِنَ الْأُمُورِ الْحِسِّيَّةِ إِلَى الْأُمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ النَّافِعَةِ الدِّينِيَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩٧] ، وَقَالَ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢٦] . وَلَمَّا ذَكَرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْحَيَوَانَاتِ مِنَ الْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا، الَّتِي يَرْكَبُونَهَا [[في ت: "تركبونها".]] وَيَبْلُغُونَ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِهِمْ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَهُمْ إِلَى الْبِلَادِ وَالْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ وَالْأَسْفَارِ الشَّاقَّةِ -شَرَعَ فِي ذِكْرِ الطُّرُقِ الَّتِي يَسْلُكُهَا النَّاسُ إِلَيْهِ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْحَقَّ مِنْهَا مَا هِيَ مُوَصِّلَةٌ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥٣] ، وَقَالَ: ﴿هَذَا [[في ف: "وقال: قال هذا".]] صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الْحِجْرِ: ٤١] . قَالَ مُجَاهِدٌ: فِي [قَوْلِهِ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] : ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ قَالَ: طَرِيقُ الْحَقِّ عَلَى اللَّهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ قَالَ: الْإِسْلَامُ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ يَقُولُ: وَعَلَى اللَّهِ الْبَيَانُ، أَيْ: تَبَيُّنُ [[في ت، ف: "يبين".]] الْهُدَى وَالضَّلَالِ [[في ت، ف: "الضلالة".]] . وَكَذَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْهُ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ. وقولُ مُجَاهِدٍ هَاهُنَا أَقْوَى مِنْ حَيْثُ السِّيَاقِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ ثَمَّ طُرُقًا تُسْلَكُ إِلَيْهِ، فَلَيْسَ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْهَا إِلَّا طريقُ الْحَقِّ، وَهِيَ الطَّرِيقُ [[في ت: "الطرق".]] الَّتِي شَرَعها وَرَضِيَهَا وَمَا عَدَاهَا مَسْدُودَةٌ [[في أ: "مسدود".]] ، وَالْأَعْمَالُ فِيهَا مَرْدُودَةٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ أَيْ: حَائِدٌ [[في ت: "جائر".]] مَائِلٌ زَائِغٌ عَنِ الْحَقِّ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: هِيَ الطُّرُقُ الْمُخْتَلِفَةُ، وَالْآرَاءُ وَالْأَهْوَاءُ الْمُتَفَرِّقَةُ، كَالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَمِنْكُمْ جَائِرٌ". ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَائِنٌ عَنْ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَقَالَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يُونُسَ: ٩٩] ، وَقَالَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هُودٍ: ١١٨، ١١٩] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: وعلى الله أيها الناس بيان طريق الحقّ لكم، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها، والسبيل: هي الطريق، والقصد من الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، كما قال الراجز: فَصَدَّ عَنْ نَهْجِ الطَّرِيقِ القاصِدِ [[البيت شاهد على أن الطريق القاصد معناه: المستقيم. قال في اللسان: القصد: استقامة الطريق، قصد يقصد قصدا فهو قاصد، وقوله تعالى: (وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر) أي على الله تبيين الطريق المستقيم، والدعاء بالحجج والبراهين الواضحة. " ومنها جائر " أي ومنها طريق غير قاصد. وطريق قاصد: سهل مستقيم.]] وقوله ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ يعني تعالى ذكره: ومن السبيل جائر عن الاستقامة معوجّ، فالقاصد من السبيل: الإسلام، والجائر منها: اليهودية والنصرانية، وغير ذلك من ملل الكفر كلها جائر عن سواء السبيل وقصدها، سوى الحنيفية المسلمة، وقيل: ومنها جائر، لأن السبيل يؤنث ويذكر، فأنثت في هذا الموضع، وقد كان بعضهم يقول: وإنما قيل: ومنها، لأن السبيل وإن كان لفظها لفظ واحد فمعناها الجمع. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ يقول: البيان. ⁕ حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ يقول: على الله البيان، أن يبين الهدى والضلالة. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن. قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ قال: طريق الحقّ على الله. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ يقول: على الله البيان، بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ قال: السبيل: طريق الهدى. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ قال: إنارتها. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ يقول: على الله البيان، يبين الهدى من الضلالة، ويبين السبيل التي تفرّقت عن سبله، ومنها جائر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ : أي من السبل، سبل الشيطان، وفي قراءة عبد الله بن مسعود: "وَمِنْكُمْ جَائِرٌ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَهَدَاكُمْ أجمَعِينَ". ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ قال: في حرف ابن مسعود: "وَمِنْكُمْ جَائِرٌ". ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ يعني: السبل المتفرّقة. ⁕ حدثني عليّ بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ يقول: الأهواء المختلفة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقاله: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ يعني السبل التي تفرّقت عن سبيله. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ السبل المتفرقة عن سبيله. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ قال: من السبل جائر عن الحقّ قال: قال الله ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وقوله ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يقول: ولو شاء الله للطف بجميعكم أيها الناس بتوفيقه، فكنتم تهتدون وتلزمون قصد السبيل، ولا تجورون عنه، فتتفرّقون في سبل عن الحقّ جائرة. كما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال: لو شاء لهداكم أجمعين لقصد السبيل، الذي هو الحقّ، وقرأ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ الآية، وقرأ ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ... الآية.

Al-Mukhtasar (français)

Il incombe à Allah de montrer clairement le droit chemin qui mène à Lui et ce droit chemin est l’Islam. Il existe d’autres voies menant vers Satan et déviant de la vérité, sachant que toute voie autre que celle de l’Islam est déviante. Et si Allah avait voulu vous faciliter à tous d’adhérer à la foi, Il l’aurait assurément fait.

10

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌۭ وَمِنْهُ شَجَرٌۭ فِيهِ تُسِيمُونَ

C'est Lui qui, du ciel, a fait descendre de l'eau qui vous sert de boisson et grâce à laquelle poussent des plantes dont vous nourrissez vos troupeaux.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

لَمَّا [[في ف: "كما".]] ذَكَرَ سُبْحَانَهُ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَنْعَامِ وَالدَّوَابِّ، شَرَعَ فِي ذِكْرِ نِعَمْتِهِ عَلَيْهِمْ، فِي إِنْزَالِ [[في ت: "إنزاله".]] الْمَطَرِ مِنَ السَّمَاءِ -وَهُوَ الْعُلُوُّ -مِمَّا لَهُمْ فِيهِ بُلْغَة وَمَتَاعٌ لَهُمْ وَلِأَنْعَامِهِمْ، فَقَالَ: ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ أَيْ: جَعَلَهُ عَذْبًا زُلَالًا يَسُوغُ لَكُمْ شَرَابُهُ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحًا أُجَاجًا. ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أَيْ: وَأَخْرَجَ لَكُمْ بِهِ شَجَرًا تَرْعَوْنَ فِيهِ أَنْعَامَكُمْ. كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أَيْ: تَرْعَوْنَ. وَمِنْهُ الْإِبِلُ السَّائِمَةُ، وَالسَّوْمُ: الرَّعْيُ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ السَّوْمِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ [[سنن ابن ماجة برقم (٢٢٠٦) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٢٣٤) كلاهما من طريق الربيع بن حبيب، عن نوفل بن عبد الملك، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن السوم. . . فذكر الحديث. وقال البوصيري في الزوائد (٢/١٧٧) "هذا إسناد ضعيف لضعف ابن نوفل بن عبد الملك والربيع بن حبيب".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ أَيْ: يُخْرِجُهَا مِنَ الْأَرْضِ بِهَذَا الْمَاءِ الْوَاحِدِ، عَلَى اخْتِلَافِ صُنُوفِهَا وَطَعُومِهَا وَأَلْوَانِهَا وَرَوَائِحِهَا وَأَشْكَالِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أَيْ: دَلَالَةً وَحُجَّةً عَلَى أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَمَا قَالَ تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النَّمْلِ: ٦٠] ثُمَّ قَالَ [[في أ: "وقال".]] تَعَالَى:

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: والذي أنعم عليكم هذه النعم، وخلق لكم الأنعام والخيل وسائر البهائم لمنافعكم ومصالحكم، هو الربّ الذي أنزل من السماء ماء، يعني: مطرا لكم من ذلك الماء، شراب تشربونه، ومنه شراب أشجاركم، وحياة غروسكم ونباتها ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ يقول: في الشجر الذي ينبت من الماء الذي أنزل من السماء تسيمون، ترعون، يقال منه: أسام فلان إبله يسيمها إسامة، إذا أرعاها، وسومها أيضا يسومها، وسامت هي: إذ رعت، فهي تسوم، وهي إبل سائمة ومن ذلك قيل للمواشي المطلقة في الفلاة وغيرها للرعي، سائمة. وقد وجَّه بعضهم معنى السوم في البيع إلى أنه من هذا، وأنه ذهاب كلّ واحد من المتبايعين فيما ينبغي له من زيادة ثمن ونقصانه، كما تذهب سوائم المواشي حيث شاءت من مراعيها، ومنه قول الأعشى: وَمَشَى القَوْمُ بالعمادِ إلى المَرْ ... عَى وأعْيا المُسِيمَ أيْنَ المَساقُ [[البيت للأعشى بن ثعلبة: ميمون بن قيس (ديوانه طبع القاهرة بشرح الدكتور محمد حسين ص ٢١٣) من قصيدة له قالها بنجران يتشوق إلى قومه مفتخرًا بهم. والرواية فيه " إلى الرزحى " بدل " إلى المرعى " يقول: هزل الإبل الجوع، فسقطت على الأرض من الإعياء، ومشى الناس إليها، يضعون الأعمدة تحت بطونها، ليعينوها على الوقوف. وأعيا الراعي أن يجد المراعي لاستحكام الجدب. والرزحى: الإبل، تهزل، فلا تستطيع المشي، فتسقط، وهي جمع رازح يضعون العماد تحت بطونها، ثم يرفعونها والميم: اسم فاعل من آسام الماشية: أرعاها في المرعى. وقال أبو عبيدة، في مجاز القرآن: (١: ٣٥٧) يقال: أسمت إبلي، وسامت هي: أي رعيتها.]] وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن النضْر بن عربي، عن عكرمة ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ قال: ترعون. ⁕ حدثنا أحمد بن سهيل الواسطي، قال: ثنا قرة بن عيسى، عن النضر بن عربي، عن عكرمة، في قوله ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ قال: ترعون. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ترعون. ⁕ حدثني بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، مثله. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ يقول: شجر يرعون فيه أنعامهم وشاءهم. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ قال: ترعون. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية وأبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك: فيه ترعون. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، عن الضحاك، في قوله ﴿تُسِيمُونَ﴾ يقول: ترعون أنعامكم. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن طلحة بن أبي طلحة القناد، قال: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، قال: فيه ترعون. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ يقول: ترعون. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: ترعون. ⁕ حدثنا محمد بن سنان، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة في قول الله ﴿شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ قال: تَرْعون. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ قال: تَرْعون. قال: الإسامة: الرّعية. وقال الشاعر: مثلَ ابنِ بَزْعَةَ أو كآخَرَ مِثْلِهِ ... أوْلى لَكَ ابنَ مُسِيمةِ الأجْمالِ [[البيت تقدم الاستشهاد به في الجزء الثالث من هذا التفسير (ص ٢٠٤) فارجع إلى شرحنا له في ذلك الموضع وهو هنا شاهد على أن معنى " تسيمون ": ترعون: أي تخرجونها إلى المرعى.]] قال: يا ابن راعية الأجمال.

Al-Mukhtasar (français)

Il est Celui qui fait descendre pour vous de l’eau à partir des nuages, laquelle eau vous abreuve, abreuve votre bétail et fait pousser les plantes dont se nourrissent vos bêtes.

11

يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلْأَعْنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

D'elle, Il fait pousser pour vous, les cultures, les oliviers, les palmiers, les vignes et aussi toutes sortes de fruits. Voilà bien là une preuve pour des gens qui réfléchissent.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

لَمَّا [[في ف: "كما".]] ذَكَرَ سُبْحَانَهُ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَنْعَامِ وَالدَّوَابِّ، شَرَعَ فِي ذِكْرِ نِعَمْتِهِ عَلَيْهِمْ، فِي إِنْزَالِ [[في ت: "إنزاله".]] الْمَطَرِ مِنَ السَّمَاءِ -وَهُوَ الْعُلُوُّ -مِمَّا لَهُمْ فِيهِ بُلْغَة وَمَتَاعٌ لَهُمْ وَلِأَنْعَامِهِمْ، فَقَالَ: ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ أَيْ: جَعَلَهُ عَذْبًا زُلَالًا يَسُوغُ لَكُمْ شَرَابُهُ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِلْحًا أُجَاجًا. ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أَيْ: وَأَخْرَجَ لَكُمْ بِهِ شَجَرًا تَرْعَوْنَ فِيهِ أَنْعَامَكُمْ. كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أَيْ: تَرْعَوْنَ. وَمِنْهُ الْإِبِلُ السَّائِمَةُ، وَالسَّوْمُ: الرَّعْيُ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ السَّوْمِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ [[سنن ابن ماجة برقم (٢٢٠٦) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٢٣٤) كلاهما من طريق الربيع بن حبيب، عن نوفل بن عبد الملك، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن السوم. . . فذكر الحديث. وقال البوصيري في الزوائد (٢/١٧٧) "هذا إسناد ضعيف لضعف ابن نوفل بن عبد الملك والربيع بن حبيب".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ أَيْ: يُخْرِجُهَا مِنَ الْأَرْضِ بِهَذَا الْمَاءِ الْوَاحِدِ، عَلَى اخْتِلَافِ صُنُوفِهَا وَطَعُومِهَا وَأَلْوَانِهَا وَرَوَائِحِهَا وَأَشْكَالِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أَيْ: دَلَالَةً وَحُجَّةً عَلَى أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَمَا قَالَ تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النَّمْلِ: ٦٠] ثُمَّ قَالَ [[في أ: "وقال".]] تَعَالَى:

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) ﴾ يقول تعالى ذكره: يُنبت لكم ربكم بالماء الذي أنزل لكم من السماء زرعَكم وزيتونَكم ونخيلكم وأعنابكم، ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ يعني من كلّ الفواكه غير ذلك أرزاقا لكم وأقواتا وإداما وفاكهة، نعمة منه عليكم بذلك وتفضّلا وحُجة على من كفر به منكم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ يقول جلّ ثناؤه: إن في إخراج الله بما ينزل من السماء من ماء ما وصف لكم ﴿لآيَةً﴾ يقول: لدلالة واضحة، وعلامة بينة ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يقول: لقوم يعتبرون مواعظ الله، ويتفكَّرون في حججه، فيتذكرون وينيبون. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن نِعَمه عليكم أيها الناس مع التي ذكرها قبل أن سخر لكم الليل والنهار يتعاقبان عليكم، هذا لتصرّفكم في معاشكم، وهذا لسكنكم فيه، ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ لمعرفة أوقات أزمنتكم وشهوركم وسنينكم، وصلاح معايشكم ﴿وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ﴾ لكم بأمر الله تجري في فلكها لتهتدوا بها في ظلمات البرّ والبحر ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: إن في تسخير الله ذلك على ما سخره لدلالات واضحات لقوم يعقلون حجج الله ويفهمون عنه تنبيهه إياهم.

Al-Mukhtasar (français)

Allah fait également pousser grâce à cette eau les céréales dont vous vous nourrissez ainsi que les oliviers, les palmiers, les vignes et bien d’autres arbres fruitiers encore. Cet eau et ce qu’elle engendre est certainement une preuve du pouvoir d’Allah adressée à ceux qui méditent Sa Création et en déduisent l’étendue de Sa grandeur.

12

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ

Pour vous, Il a assujetti la nuit et le jour; le soleil et la lune. Et à Son ordre sont assujetties les étoiles. Voilà bien là des preuves pour des gens qui raisonnent.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُنَبِّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ عَلَى آيَاتِهِ الْعِظَامُ، وَمِنَنِهِ الْجِسَامِ، فِي تَسْخِيرِهِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ يَتَعَاقَبَانِ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَدُورَانِ، وَالنُّجُومَ الثَّوَابِتَ وَالسَّيَّارَاتِ، فِي أَرْجَاءِ السَّمَوَاتِ نُورًا وَضِيَاءً لِمُهْتَدِينَ بِهَا فِي الظُّلُمَاتِ، وَكُلٌّ مِنْهَا يَسِيرُ فِي فَلَكِهِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ، يَسِيرُ بِحَرَكَةٍ مُقدرة، لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا وَلَا يُنْقِصُ مِنْهَا، وَالْجَمِيعُ تَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ وَتَسْخِيرِهِ وَتَقْدِيرِهِ وَتَسْيِيرِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٤] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أَيْ: لَدَلَالَاتٍ عَلَى قُدْرَتِهِ الْبَاهِرَةِ وَسُلْطَانِهِ الْعَظِيمِ، لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ عَنِ اللَّهِ وَيَفْهَمُونَ حُجَجَهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ لما نبه سبحان على معالم السماوات [[في ت، ف، أ: "السماء".]] ، نبه على مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْأُمُورِ الْعَجِيبَةِ وَالْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ، مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَالْمَعَادِنِ وَالنَّبَاتَاتِ [[في أ: "والنبات".]] [وَالْجَمَادَاتِ] [[زيادة من ف، أ.]] عَلَى اخْتِلَافِ أَلْوَانِهَا وَأَشْكَالِهَا، وَمَا فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْخَوَاصِّ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أَيْ: آلَاءَ اللَّهِ وَنِعَمَهُ فَيَشْكُرُونَهَا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) ﴾ يقول تعالى ذكره: يُنبت لكم ربكم بالماء الذي أنزل لكم من السماء زرعَكم وزيتونَكم ونخيلكم وأعنابكم، ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ يعني من كلّ الفواكه غير ذلك أرزاقا لكم وأقواتا وإداما وفاكهة، نعمة منه عليكم بذلك وتفضّلا وحُجة على من كفر به منكم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ يقول جلّ ثناؤه: إن في إخراج الله بما ينزل من السماء من ماء ما وصف لكم ﴿لآيَةً﴾ يقول: لدلالة واضحة، وعلامة بينة ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يقول: لقوم يعتبرون مواعظ الله، ويتفكَّرون في حججه، فيتذكرون وينيبون. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن نِعَمه عليكم أيها الناس مع التي ذكرها قبل أن سخر لكم الليل والنهار يتعاقبان عليكم، هذا لتصرّفكم في معاشكم، وهذا لسكنكم فيه، ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ لمعرفة أوقات أزمنتكم وشهوركم وسنينكم، وصلاح معايشكم ﴿وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ﴾ لكم بأمر الله تجري في فلكها لتهتدوا بها في ظلمات البرّ والبحر ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: إن في تسخير الله ذلك على ما سخره لدلالات واضحات لقوم يعقلون حجج الله ويفهمون عنه تنبيهه إياهم.

Al-Mukhtasar (français)

Il mit à votre disposition la nuit afin que vous vous y reposiez et le jour afin que vous y soyez en quête de votre subsistance. Il mit à votre disposition le soleil afin d’éclairer vos jours et la lune afin d’éclairer vos nuits ainsi que les étoiles à qui Il ordonna de vous guider dans les ténèbres de la terre ferme et de la mer. C’est aussi grâce à ces astres que vous vous repérez dans le temps et que vous tirez d’autres informations. Tous ces bienfaits qu’Allah a mis à votre disposition sont autant de preuves manifestes du pouvoir d’Allah adressées à des gens doués de raison, puisque ce sont eux qui comprennent la finalité de ces preuves.

13

وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ

Ce qu'Il a créé pour vous sur la terre a des couleurs diverses. Voilà bien là une preuve pour des gens qui se rappellent.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُنَبِّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ عَلَى آيَاتِهِ الْعِظَامُ، وَمِنَنِهِ الْجِسَامِ، فِي تَسْخِيرِهِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ يَتَعَاقَبَانِ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَدُورَانِ، وَالنُّجُومَ الثَّوَابِتَ وَالسَّيَّارَاتِ، فِي أَرْجَاءِ السَّمَوَاتِ نُورًا وَضِيَاءً لِمُهْتَدِينَ بِهَا فِي الظُّلُمَاتِ، وَكُلٌّ مِنْهَا يَسِيرُ فِي فَلَكِهِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ، يَسِيرُ بِحَرَكَةٍ مُقدرة، لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا وَلَا يُنْقِصُ مِنْهَا، وَالْجَمِيعُ تَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ وَتَسْخِيرِهِ وَتَقْدِيرِهِ وَتَسْيِيرِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٤] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أَيْ: لَدَلَالَاتٍ عَلَى قُدْرَتِهِ الْبَاهِرَةِ وَسُلْطَانِهِ الْعَظِيمِ، لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ عَنِ اللَّهِ وَيَفْهَمُونَ حُجَجَهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ لما نبه سبحان على معالم السماوات [[في ت، ف، أ: "السماء".]] ، نبه على مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْأُمُورِ الْعَجِيبَةِ وَالْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ، مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَالْمَعَادِنِ وَالنَّبَاتَاتِ [[في أ: "والنبات".]] [وَالْجَمَادَاتِ] [[زيادة من ف، أ.]] عَلَى اخْتِلَافِ أَلْوَانِهَا وَأَشْكَالِهَا، وَمَا فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْخَوَاصِّ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أَيْ: آلَاءَ اللَّهِ وَنِعَمَهُ فَيَشْكُرُونَهَا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) ﴾ يعني جلّ ثناؤه بقوله ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ﴾ وسخر لكم ما ذرأ: أي ما خلق لكم في الأرض مختلفا ألوانه من الدوابّ والثمار. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرْضِ﴾ يقول: وما خلق لكم مختلفا ألوانه من الدوابّ، ومن الشجر والثمار، نعم من الله متظاهرة فاشكروها لله. ⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: من الدوابّ والأشجار والثمار، ونصب قوله مختلفا، لأن قوله ﴿وما﴾ في موضع نصب بالمعنى الذي وصفت. وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يكون مختلفا ألوانه حالا من "ما"، والخبر دونه تامّ، ولو لم تكن "ما" في موضع نصب، وكان الكلام مبتدأ من قوله ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ﴾ لم يكن في مختلف إلا الرفع، لأنه كان يصير مرافع "ما" حينئذ. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: والذي فعل هذه الأفعال بكم، وأنعم عليكم، أيها الناس هذه النعم، الذي سخر لكم البحر، وهو كلّ نهر، ملحا ماؤه أو عذبا ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ وهو السمك الذي يصطاد منه. ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ وهو اللؤلؤ والمرجان. كما:- ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: أخبرنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة، في قوله ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ قال: منهما جميعا. ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ قال: هذا اللؤلؤ. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ يعني حيتان البحر. ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا حماد، عن يحيى، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الملك، قال: جاء رجل إلى أبي جعفر، فقال: هل في حليّ النساء صدقة؟ قال: لا هي كما قال الله تعالى ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ﴾ يعني السفن، ﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ وهي جمع ماخرة. وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ﴿مَوَاخِرَ﴾ فقال بعضهم: المواخر: المواقر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا عمرو بن موسى القزاز، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ قال: المواقر. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثنا به عبد الرحمن بن الأسود، قال: ثنا محمد بن ربيعة، عن أبي بكر الأصمّ، عن عكرمة، في قوله ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ قال: ما أخذ عن يمين السفينة وعن يسارها من الماء، فهو المواخر. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي مكين، عن عكرمة، في قوله ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ قال: هي السفينة تقول بالماء هكذا، يعني تشقه. وقال آخرون فيه ما:- ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن أبي صالح ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ قال: تجري فيه متعرّضة. وقال آخرون فيه، بما:- ⁕ حدثني به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ قال: تمخر السفينة الرياح، ولا تمخر الريح من السفن إلا الفلك العظام. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه، غير أن الحارث قال في حديثه: ولا تمخر الرياح من السفن. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿مَوَاخرَ﴾ قال: تمخر الريح. وقال آخرون فيه، ما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ تجري بريح واحدة، مُقبلة ومُدبرة. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: تجري مقبلة ومدبرة بريح واحدة. ⁕ حدثنا المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن يزيد بن إبراهيم، قال: سمعت الحسن ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ قال: مقبلة ومدبرة بريح واحدة، والمخْر في كلام العرب: صوت هبوب الريح، إذا اشتدّ هبوبها، وهو في هذا الموضع: صوت جري السفينة بالريح إذا عصفت وشقها الماء حينئذ بصدرها، يقال منه: مخرت السفينة تمخر مخرا ومخورا، وهي ماخرة، ويقال: امتخرت الريح وتمخرتها: إذا نظرتَ من أين هبوبها وتسمَّعت صوت هبوبها، ومنه قول واصل مولى ابن عيينة. كان يقال: إذا أراد أحدكم البول فليتمخر الريح، يريد بذلك: لينظر من أين مجراها وهبوبها ليستدبرها فلا ترجع عليه البول وتردّه عليه. * * وقوله ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ يقول تعالى ذكره: ولتتصرّفوا في طلب معايشكم بالتجارة سخر لكم. كما:- ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: تجارة البرّ والبحر. * * وقوله ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ يقول: ولتشكروا ربكم على ما أنعم به عليكم من ذلك سخر لكم ما سخر من هذه الأشياء التي عدّدها في هذه الآيات.

Al-Mukhtasar (français)

Allah a mis également à votre disposition des minéraux, des animaux, des plantes et des céréales de couleurs diverses. Ces bienfaits constituent également des preuves pour des gens capables de les comprendre et qui sont conscients qu’Allah est Omnipotent et Bienfaiteur.

14

وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا۟ مِنْهُ لَحْمًۭا طَرِيًّۭا وَتَسْتَخْرِجُوا۟ مِنْهُ حِلْيَةًۭ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

Et c'est Lui qui a assujetti la mer afin que vous en mangiez une chair fraîche, et que vous en retiriez des parures que vous portez. Et tu vois les bateaux fendre la mer avec bruit, pour que vous partiez en quête de Sa grâce et afin que vous soyez reconnaissants.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَسْخِيرِهِ [[في أ::تسخير".]] الْبَحْرَ الْمُتَلَاطِمَ الْأَمْوَاجِ، وَيَمْتَنُّ عَلَى عِبَادِهِ بِتَذْلِيلِهِ لَهُمْ، وَتَيْسِيرِهِ لِلرُّكُوبِ فِيهِ، وَجَعْلِهِ السَّمَكَ وَالْحِيتَانَ فِيهِ، وَإِحْلَالِهِ [[في ت: "وإجلاله".]] لِعِبَادِهِ لَحْمَهَا حَيَّهَا وَمَيِّتَهَا، فِي الْحَلِّ وَالْإِحْرَامِ [[في أ: "والحرم".]] وَمَا يَخْلُقُهُ فِيهِ مِنَ اللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ، وَتَسْهِيلِهِ لِلْعِبَادِ اسْتِخْرَاجَهَا مِنْ قَرَارِهَا حِلْيَةً يَلْبَسُونَهَا، وَتَسْخِيرِهِ الْبَحْرَ لِحَمْلِ [[في ت: "كحمل".]] السُّفُنِ الَّتِي تَمْخُرُهُ، أَيْ: تَشُقُّهُ. وَقِيلَ: تَمْخُرُ الرِّيَاحَ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ بِجُؤْجُئِهَا وَهُوَ صَدْرُهَا المسنَّم -الَّذِي أَرْشَدَ الْعِبَادَ إِلَى صَنْعَتِهَا، وَهَدَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ، إِرْثًا عَنْ أَبِيهِمْ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ رَكِبَ السُّفُنَ، وَلَهُ كَانَ تَعْلِيمُ صَنْعَتِهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا النَّاسُ عَنْهُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وَجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، يَسِيرُونَ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَبَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَإِقْلِيمٍ إِلَى إِقْلِيمٍ، تَجْلِبُ مَا هُنَا إِلَى هُنَالِكَ، وَمَا هُنَالِكَ إِلَى هُنَا [[في ف، أ: "تجلب ما هاهنا إلى هناك وما هناك إلى هاهنا".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: نِعَمَهُ وَإِحْسَانَهُ. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ [[في ت: "معاوية بن محمد".]] الْبَغْدَادِيِّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ [عُمَرَ، عَنْ] [[زيادة من ف، أ، ومسند البزار.]] سُهَيل بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رَفَعَهُ] [[زيادة من مسند البزار.]] قَالَ: كَلَّمَ اللَّهُ هَذَا الْبَحْرَ الْغَرْبِيَّ، وَكَلَّمَ الْبَحْرَ الشَّرْقِيَّ، فَقَالَ لِلْبَحْرِ الْغَرْبِيِّ: إِنِّي حَامِلٌ فِيكَ عِبَادًا مِنْ عِبَادِي، فَكَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ فِيهِمْ [[في ت، ف، أ: "بهم".]] ؟ قَالَ: أُغْرِقُهُمْ. فَقَالَ: بَأْسُكُ فِي نَوَاحِيكَ. وَأَحْمِلُهُمْ عَلَى يَدَيَّ. وحَرّمه الْحِلْيَةَ وَالصَّيْدَ. وَكَلَّمَ هَذَا الْبَحْرَ الشَّرْقِيَّ فَقَالَ: إِنِّي حَامِلٌ فِيكَ عِبَادًا مِنْ عِبَادِي، فَمَا أَنْتَ صَانِعٌ بِهِمْ؟ فَقَالَ: أَحْمِلُهُمْ عَلَى يَدَيَّ، وَأَكُونُ لَهُمْ [[في ف: "بهم".]] كَالْوَالِدَةِ لولدها. فأثابه الحلية والصيد [[مسند البزار برقم (١٦٦٩) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٥/٢٨١) : "رواه البزار وجادة، وفيه عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ العمري وهو متروك". ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه (١٠/٢٣٣، ٢٣٤) من هذا الطريق قال: "وتابعه أبو عبيد الله أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، فرواه عن عمه عبد الله بن وهب، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ سهيل عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بن العاص عن كعب الأحبار، وخالفهما خالد بن عبد الله الواسطي، فرواه عن سهيل عن النعمان بن أبي عياش الزرقي عن عبد الله بن عمرو موقوفا لم يجاوزه، ورفعه غير ثابت".]] . ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ سُهَيْلٍ غَيْرُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ [[في ف: "عمرو".]] وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَدْ رَوَاهُ سُهَيْلٌ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ [[في أ: "عباس".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [[في ت، أ، هـ: "عمر" وهو خطأ.]] مَوْقُوفًا [[رواه الخطيب البغدادي في تاريخه (١٠/٢٣٤) من طريق سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الله، عن سهيل بن أبي صالح به. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١/٢٠) : "قلت: الموقوف على عبد الله بن عمرو بن العاص أشبه، فإنه قد كان وجد يوم اليرموك زاملتين مملوءتين كتبا من علوم أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بأشياء كثيرة من الإسرائيليات منها المعروف والمشهور والمنكور والمردود، فأما المعروف فتفرد به عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو القاسم المدني قاضيها. قال فيه الإمام أحمد: ليس بشيء وقد سمعته منه، ثم مزقت حديثه كان كذابا وأحاديثه مناكير. وكذا ضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والجوزجاني والبخاري وأبو داود والنسائي. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه مناكير وأفظعها حديث البحر".]] . ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى الْأَرْضَ، وَمَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الرَّوَاسِي الشَّامِخَاتِ وَالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ، لِتَقِرَّ الْأَرْضُ وَلَا تَمِيدُ، أَيْ: تَضْطَرِبُ بِمَا عَلَيْهَا مِنَ الْحَيَوَانِ فَلَا يَهْنَأُ لَهُمْ عَيْشٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النَّازِعَاتِ: ٣٢] . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: لَمَّا خُلقت الْأَرْضُ كَانَتْ تَمِيدُ، فَقَالُوا مَا هَذِهِ بِمُقِرَّةٍ عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدًا فَأَصْبَحُوا وَقَدْ خُلقت الْجِبَالُ، لَمْ [[في ت، ف: "فلم".]] تَدْرِ الْمَلَائِكَةُ مِمّ خُلِقَتِ الْجِبَالُ [[تفسير عبد الرزاق (١/٣٠٦) .]] . وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادة: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْأَرْضَ، جَعَلَتْ تَمُورُ، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: مَا هَذِهِ بِمُقِرَّةٍ عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدًا، فَأَصْبَحَتْ صُبْحًا وَفِيهَا رَوَاسِيهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَال، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيب، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [[في أ: "طلحة".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ قَمَصَتْ وَقَالَتْ: أَيْ رَب، تَجْعَلُ عليَّ بَنِي آدَمَ يَعْمَلُونَ عَلَيَّ الْخَطَايَا وَيَجْعَلُونَ عَلَيَّ الْخَبَثَ؟ قَالَ: فَأَرْسَى اللَّهُ فِيهَا مِنَ الْجِبَالِ مَا تَرَوْنَ وَمَا لَا تَرَوْنَ، فَكَانَ إِقْرَارُهَا كَاللَّحْمِ يَتَرَجْرَجُ. [[في أ: "ترجرج".]] [[تفسير الطبري (١٤/٦٢) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلا﴾ أَيْ: وَجَعَلَ فِيهَا أَنْهَارًا تَجْرِي مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ، يَنْبُعُ فِي مَوْضِعٍ وَهُوَ رِزْقٌ لِأَهْلِ مَوْضِعٍ آخَرَ، فَيَقْطَعُ الْبِقَاعَ وَالْبَرَارِيَ وَالْقِفَارَ، وَيَخْتَرِقُ [[في ت، ف: "ويخرق".]] الْجِبَالَ وَالْآكَامَ، فَيَصِلُ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي سُخِّر لِأَهْلِهِ. وَهِيَ سَائِرَةٌ فِي الْأَرْضِ يُمْنَةً وَيُسْرَةً، وَجَنُوبًا وَشِمَالًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا، مَا بَيْنَ صِغَارٍ وَكِبَارٍ، وَأَوْدِيَةً تَجْرِي حِينًا وَتَنْقَطِعُ [[في ت: "وتقطع".]] في وقت، وما بين نبع وجمع، وَقَوِيِّ السَّيْرِ وَبَطِيئِهِ، بِحَسَبِ مَا أَرَادَ وَقَدَّرَ، وَسَخَّرَ وَيَسَّرَ فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ. وَكَذَلِكَ جَعَلَ فِيهَا سُبُلًا أَيْ: طُرُقًا يُسْلَكُ فِيهَا مِنْ بِلَادٍ إِلَى بِلَادٍ، حَتَّى إِنَّهُ تَعَالَى لَيَقْطَعُ الْجَبَلَ حَتَّى يَكُونَ [[في أ: "ليكون".]] مَا بَيْنَهُمَا مَمَرًّا وَمَسْلَكًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٣١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَلامَاتٍ﴾ أَيْ: دَلَائِلَ مِنْ جِبَالٍ كِبَارٍ وَآكَامٍ صِغَارٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، يَسْتَدِلُّ بِهَا الْمُسَافِرُونَ برًا وَبَحْرًا إِذَا ضَلُّوا الطَّرِيقَ [بِالنَّهَارِ] [[زيادة من ت، ف.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أَيْ: فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنْ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَلامَاتٍ﴾ يَقُولُونَ: النُّجُومُ، وَهِيَ الْجِبَالُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى عَظَمَتِهِ، وَأَنَّهُ لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَوْثَانِ، الَّتِي لَا تَخْلُقُ شَيْئًا بَلْ هُمْ يُخْلَقُونَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ثُمَّ نَبَّهَهُمْ عَلَى كَثْرَةِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: يَتَجَاوَزُ عَنْكُمْ، وَلَوْ طَالَبَكُمْ بِشُكْرِ جَمِيعِ نِعَمِهِ لَعَجَزْتُمْ عَنِ الْقِيَامِ بِذَلِكَ، وَلَوْ أَمَرَكُمْ بِهِ لَضَعُفْتُمْ وَتَرَكْتُمْ، وَلَوْ عَذَّبَكُمْ لَعَذَّبَكُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يَغْفِرُ الْكَثِيرَ، وَيُجَازِي عَلَى [[في ت: "ويتجاوز عن".]] الْيَسِيرِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَا كَانَ مِنْكُمْ مِنْ تَقْصِيرٍ فِي شُكْرِ بَعْضِ ذَلِكَ، إِذَا تُبْتُمْ وَأَنَبْتُمْ إِلَى طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَرْضَاتِهِ، ﴿رَحِيمٌ﴾ بِكُمْ أَنْ يُعَذِّبَكُمْ، [أَيْ] [[زيادة من ت، ف.]] : بَعْدَ الْإِنَابَةِ وَالتَّوْبَةِ [[تفسير الطبري (١٤/٦٤) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) ﴾ يعني جلّ ثناؤه بقوله ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ﴾ وسخر لكم ما ذرأ: أي ما خلق لكم في الأرض مختلفا ألوانه من الدوابّ والثمار. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرْضِ﴾ يقول: وما خلق لكم مختلفا ألوانه من الدوابّ، ومن الشجر والثمار، نعم من الله متظاهرة فاشكروها لله. ⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: من الدوابّ والأشجار والثمار، ونصب قوله مختلفا، لأن قوله ﴿وما﴾ في موضع نصب بالمعنى الذي وصفت. وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يكون مختلفا ألوانه حالا من "ما"، والخبر دونه تامّ، ولو لم تكن "ما" في موضع نصب، وكان الكلام مبتدأ من قوله ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ﴾ لم يكن في مختلف إلا الرفع، لأنه كان يصير مرافع "ما" حينئذ. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: والذي فعل هذه الأفعال بكم، وأنعم عليكم، أيها الناس هذه النعم، الذي سخر لكم البحر، وهو كلّ نهر، ملحا ماؤه أو عذبا ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ وهو السمك الذي يصطاد منه. ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ وهو اللؤلؤ والمرجان. كما:- ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: أخبرنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة، في قوله ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ قال: منهما جميعا. ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ قال: هذا اللؤلؤ. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ يعني حيتان البحر. ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا حماد، عن يحيى، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الملك، قال: جاء رجل إلى أبي جعفر، فقال: هل في حليّ النساء صدقة؟ قال: لا هي كما قال الله تعالى ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ﴾ يعني السفن، ﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ وهي جمع ماخرة. وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ﴿مَوَاخِرَ﴾ فقال بعضهم: المواخر: المواقر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا عمرو بن موسى القزاز، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ قال: المواقر. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثنا به عبد الرحمن بن الأسود، قال: ثنا محمد بن ربيعة، عن أبي بكر الأصمّ، عن عكرمة، في قوله ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ قال: ما أخذ عن يمين السفينة وعن يسارها من الماء، فهو المواخر. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي مكين، عن عكرمة، في قوله ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ قال: هي السفينة تقول بالماء هكذا، يعني تشقه. وقال آخرون فيه ما:- ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن أبي صالح ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ قال: تجري فيه متعرّضة. وقال آخرون فيه، بما:- ⁕ حدثني به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ قال: تمخر السفينة الرياح، ولا تمخر الريح من السفن إلا الفلك العظام. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه، غير أن الحارث قال في حديثه: ولا تمخر الرياح من السفن. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿مَوَاخرَ﴾ قال: تمخر الريح. وقال آخرون فيه، ما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ تجري بريح واحدة، مُقبلة ومُدبرة. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: تجري مقبلة ومدبرة بريح واحدة. ⁕ حدثنا المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن يزيد بن إبراهيم، قال: سمعت الحسن ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ قال: مقبلة ومدبرة بريح واحدة، والمخْر في كلام العرب: صوت هبوب الريح، إذا اشتدّ هبوبها، وهو في هذا الموضع: صوت جري السفينة بالريح إذا عصفت وشقها الماء حينئذ بصدرها، يقال منه: مخرت السفينة تمخر مخرا ومخورا، وهي ماخرة، ويقال: امتخرت الريح وتمخرتها: إذا نظرتَ من أين هبوبها وتسمَّعت صوت هبوبها، ومنه قول واصل مولى ابن عيينة. كان يقال: إذا أراد أحدكم البول فليتمخر الريح، يريد بذلك: لينظر من أين مجراها وهبوبها ليستدبرها فلا ترجع عليه البول وتردّه عليه. * * وقوله ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ يقول تعالى ذكره: ولتتصرّفوا في طلب معايشكم بالتجارة سخر لكم. كما:- ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: تجارة البرّ والبحر. * * وقوله ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ يقول: ولتشكروا ربكم على ما أنعم به عليكم من ذلك سخر لكم ما سخر من هذه الأشياء التي عدّدها في هذه الآيات.

Al-Mukhtasar (français)

C’est aussi Allah qui a mis à votre disposition la mer et vous a rendu possible de vous déplacer à sa surface et d’y puiser ce qu'elle contient afin que vous consommiez la chair tendre de ses poissons et que vous façonniez des parures pour vous et vos femmes à partir de certains de ses produits comme les perles. Vous voyagez à bord de bateaux qui se déplacent en fendant la surface de l’eau et partez en quête de la grâce d’Allah lors de vos voyages où vous réalisez des profits par le négoce. Tout ceci afin que vous soyez reconnaissants envers Allah pour les bienfaits dont Il vous a comblés et afin que vous L’adoriez Seul.

15

وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَٰرًۭا وَسُبُلًۭا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

Et Il a implanté des montagnes immobiles dans la terre afin qu'elle ne branle pas en vous emportant avec elle de même que des rivières et des sentiers, pour que vous vous guidiez,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَسْخِيرِهِ [[في أ::تسخير".]] الْبَحْرَ الْمُتَلَاطِمَ الْأَمْوَاجِ، وَيَمْتَنُّ عَلَى عِبَادِهِ بِتَذْلِيلِهِ لَهُمْ، وَتَيْسِيرِهِ لِلرُّكُوبِ فِيهِ، وَجَعْلِهِ السَّمَكَ وَالْحِيتَانَ فِيهِ، وَإِحْلَالِهِ [[في ت: "وإجلاله".]] لِعِبَادِهِ لَحْمَهَا حَيَّهَا وَمَيِّتَهَا، فِي الْحَلِّ وَالْإِحْرَامِ [[في أ: "والحرم".]] وَمَا يَخْلُقُهُ فِيهِ مِنَ اللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ، وَتَسْهِيلِهِ لِلْعِبَادِ اسْتِخْرَاجَهَا مِنْ قَرَارِهَا حِلْيَةً يَلْبَسُونَهَا، وَتَسْخِيرِهِ الْبَحْرَ لِحَمْلِ [[في ت: "كحمل".]] السُّفُنِ الَّتِي تَمْخُرُهُ، أَيْ: تَشُقُّهُ. وَقِيلَ: تَمْخُرُ الرِّيَاحَ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ بِجُؤْجُئِهَا وَهُوَ صَدْرُهَا المسنَّم -الَّذِي أَرْشَدَ الْعِبَادَ إِلَى صَنْعَتِهَا، وَهَدَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ، إِرْثًا عَنْ أَبِيهِمْ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ رَكِبَ السُّفُنَ، وَلَهُ كَانَ تَعْلِيمُ صَنْعَتِهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا النَّاسُ عَنْهُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وَجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، يَسِيرُونَ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَبَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَإِقْلِيمٍ إِلَى إِقْلِيمٍ، تَجْلِبُ مَا هُنَا إِلَى هُنَالِكَ، وَمَا هُنَالِكَ إِلَى هُنَا [[في ف، أ: "تجلب ما هاهنا إلى هناك وما هناك إلى هاهنا".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: نِعَمَهُ وَإِحْسَانَهُ. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ [[في ت: "معاوية بن محمد".]] الْبَغْدَادِيِّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ [عُمَرَ، عَنْ] [[زيادة من ف، أ، ومسند البزار.]] سُهَيل بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رَفَعَهُ] [[زيادة من مسند البزار.]] قَالَ: كَلَّمَ اللَّهُ هَذَا الْبَحْرَ الْغَرْبِيَّ، وَكَلَّمَ الْبَحْرَ الشَّرْقِيَّ، فَقَالَ لِلْبَحْرِ الْغَرْبِيِّ: إِنِّي حَامِلٌ فِيكَ عِبَادًا مِنْ عِبَادِي، فَكَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ فِيهِمْ [[في ت، ف، أ: "بهم".]] ؟ قَالَ: أُغْرِقُهُمْ. فَقَالَ: بَأْسُكُ فِي نَوَاحِيكَ. وَأَحْمِلُهُمْ عَلَى يَدَيَّ. وحَرّمه الْحِلْيَةَ وَالصَّيْدَ. وَكَلَّمَ هَذَا الْبَحْرَ الشَّرْقِيَّ فَقَالَ: إِنِّي حَامِلٌ فِيكَ عِبَادًا مِنْ عِبَادِي، فَمَا أَنْتَ صَانِعٌ بِهِمْ؟ فَقَالَ: أَحْمِلُهُمْ عَلَى يَدَيَّ، وَأَكُونُ لَهُمْ [[في ف: "بهم".]] كَالْوَالِدَةِ لولدها. فأثابه الحلية والصيد [[مسند البزار برقم (١٦٦٩) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٥/٢٨١) : "رواه البزار وجادة، وفيه عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ العمري وهو متروك". ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه (١٠/٢٣٣، ٢٣٤) من هذا الطريق قال: "وتابعه أبو عبيد الله أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، فرواه عن عمه عبد الله بن وهب، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ سهيل عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بن العاص عن كعب الأحبار، وخالفهما خالد بن عبد الله الواسطي، فرواه عن سهيل عن النعمان بن أبي عياش الزرقي عن عبد الله بن عمرو موقوفا لم يجاوزه، ورفعه غير ثابت".]] . ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ سُهَيْلٍ غَيْرُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ [[في ف: "عمرو".]] وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَدْ رَوَاهُ سُهَيْلٌ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ [[في أ: "عباس".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [[في ت، أ، هـ: "عمر" وهو خطأ.]] مَوْقُوفًا [[رواه الخطيب البغدادي في تاريخه (١٠/٢٣٤) من طريق سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الله، عن سهيل بن أبي صالح به. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١/٢٠) : "قلت: الموقوف على عبد الله بن عمرو بن العاص أشبه، فإنه قد كان وجد يوم اليرموك زاملتين مملوءتين كتبا من علوم أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بأشياء كثيرة من الإسرائيليات منها المعروف والمشهور والمنكور والمردود، فأما المعروف فتفرد به عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو القاسم المدني قاضيها. قال فيه الإمام أحمد: ليس بشيء وقد سمعته منه، ثم مزقت حديثه كان كذابا وأحاديثه مناكير. وكذا ضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والجوزجاني والبخاري وأبو داود والنسائي. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه مناكير وأفظعها حديث البحر".]] . ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى الْأَرْضَ، وَمَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الرَّوَاسِي الشَّامِخَاتِ وَالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ، لِتَقِرَّ الْأَرْضُ وَلَا تَمِيدُ، أَيْ: تَضْطَرِبُ بِمَا عَلَيْهَا مِنَ الْحَيَوَانِ فَلَا يَهْنَأُ لَهُمْ عَيْشٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النَّازِعَاتِ: ٣٢] . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: لَمَّا خُلقت الْأَرْضُ كَانَتْ تَمِيدُ، فَقَالُوا مَا هَذِهِ بِمُقِرَّةٍ عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدًا فَأَصْبَحُوا وَقَدْ خُلقت الْجِبَالُ، لَمْ [[في ت، ف: "فلم".]] تَدْرِ الْمَلَائِكَةُ مِمّ خُلِقَتِ الْجِبَالُ [[تفسير عبد الرزاق (١/٣٠٦) .]] . وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادة: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْأَرْضَ، جَعَلَتْ تَمُورُ، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: مَا هَذِهِ بِمُقِرَّةٍ عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدًا، فَأَصْبَحَتْ صُبْحًا وَفِيهَا رَوَاسِيهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَال، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيب، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [[في أ: "طلحة".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ قَمَصَتْ وَقَالَتْ: أَيْ رَب، تَجْعَلُ عليَّ بَنِي آدَمَ يَعْمَلُونَ عَلَيَّ الْخَطَايَا وَيَجْعَلُونَ عَلَيَّ الْخَبَثَ؟ قَالَ: فَأَرْسَى اللَّهُ فِيهَا مِنَ الْجِبَالِ مَا تَرَوْنَ وَمَا لَا تَرَوْنَ، فَكَانَ إِقْرَارُهَا كَاللَّحْمِ يَتَرَجْرَجُ. [[في أ: "ترجرج".]] [[تفسير الطبري (١٤/٦٢) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلا﴾ أَيْ: وَجَعَلَ فِيهَا أَنْهَارًا تَجْرِي مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ، يَنْبُعُ فِي مَوْضِعٍ وَهُوَ رِزْقٌ لِأَهْلِ مَوْضِعٍ آخَرَ، فَيَقْطَعُ الْبِقَاعَ وَالْبَرَارِيَ وَالْقِفَارَ، وَيَخْتَرِقُ [[في ت، ف: "ويخرق".]] الْجِبَالَ وَالْآكَامَ، فَيَصِلُ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي سُخِّر لِأَهْلِهِ. وَهِيَ سَائِرَةٌ فِي الْأَرْضِ يُمْنَةً وَيُسْرَةً، وَجَنُوبًا وَشِمَالًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا، مَا بَيْنَ صِغَارٍ وَكِبَارٍ، وَأَوْدِيَةً تَجْرِي حِينًا وَتَنْقَطِعُ [[في ت: "وتقطع".]] في وقت، وما بين نبع وجمع، وَقَوِيِّ السَّيْرِ وَبَطِيئِهِ، بِحَسَبِ مَا أَرَادَ وَقَدَّرَ، وَسَخَّرَ وَيَسَّرَ فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ. وَكَذَلِكَ جَعَلَ فِيهَا سُبُلًا أَيْ: طُرُقًا يُسْلَكُ فِيهَا مِنْ بِلَادٍ إِلَى بِلَادٍ، حَتَّى إِنَّهُ تَعَالَى لَيَقْطَعُ الْجَبَلَ حَتَّى يَكُونَ [[في أ: "ليكون".]] مَا بَيْنَهُمَا مَمَرًّا وَمَسْلَكًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٣١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَلامَاتٍ﴾ أَيْ: دَلَائِلَ مِنْ جِبَالٍ كِبَارٍ وَآكَامٍ صِغَارٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، يَسْتَدِلُّ بِهَا الْمُسَافِرُونَ برًا وَبَحْرًا إِذَا ضَلُّوا الطَّرِيقَ [بِالنَّهَارِ] [[زيادة من ت، ف.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أَيْ: فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنْ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَلامَاتٍ﴾ يَقُولُونَ: النُّجُومُ، وَهِيَ الْجِبَالُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى عَظَمَتِهِ، وَأَنَّهُ لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَوْثَانِ، الَّتِي لَا تَخْلُقُ شَيْئًا بَلْ هُمْ يُخْلَقُونَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ثُمَّ نَبَّهَهُمْ عَلَى كَثْرَةِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: يَتَجَاوَزُ عَنْكُمْ، وَلَوْ طَالَبَكُمْ بِشُكْرِ جَمِيعِ نِعَمِهِ لَعَجَزْتُمْ عَنِ الْقِيَامِ بِذَلِكَ، وَلَوْ أَمَرَكُمْ بِهِ لَضَعُفْتُمْ وَتَرَكْتُمْ، وَلَوْ عَذَّبَكُمْ لَعَذَّبَكُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يَغْفِرُ الْكَثِيرَ، وَيُجَازِي عَلَى [[في ت: "ويتجاوز عن".]] الْيَسِيرِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَا كَانَ مِنْكُمْ مِنْ تَقْصِيرٍ فِي شُكْرِ بَعْضِ ذَلِكَ، إِذَا تُبْتُمْ وَأَنَبْتُمْ إِلَى طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَرْضَاتِهِ، ﴿رَحِيمٌ﴾ بِكُمْ أَنْ يُعَذِّبَكُمْ، [أَيْ] [[زيادة من ت، ف.]] : بَعْدَ الْإِنَابَةِ وَالتَّوْبَةِ [[تفسير الطبري (١٤/٦٤) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن نعمه عليكم أيها الناس أيضا، أن ألقى في الأرض رواسي، وهي جمع راسية، وهي الثوابت في الأرض من الحبال. * * وقوله ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ يعني: أن لا تميد بكم، وذلك كقوله ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ والمعنى: أن لا تضلوا. وذلك أنه جلّ ثناؤه أرسى الأرض بالجبال لئلا يميد خلقه الذي على ظهرها، بل وقد كانت مائدة قبل أن تُرْسَى بها. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عباد: أن الله تبارك وتعالى لما خلق الأرض جعلت تمور، قالت الملائكة. ما هذه بمقرّة على ظهرها أحدا، فأصبحت صبحا وفيها رواسيها. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حبيب، عن عليّ بن أبي طالب، قال: لما خلق الله الأرض قمصت، وقالت: أي ربّ أتجعل عليّ بني آدم يعملون عليّ الخطايا ويجعلون عليّ الخبث، قال: فأرسى الله عليها من الجبال ما ترون وما لا ترون، فكان قرارها كاللحم يترجرج، والميد: هو الاضطراب والتكفؤ، يقال: مادت السفينة تميد ميدا: إذا تكفأت بأهلها ومالت، ومنه الميد الذي يعتري راكب البحر، وهو الدوار. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ : أن تكفأ بكم. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين. قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، في قوله ﴿وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ قال: الجبال أن تميد بكم. قال قتادة: سمعت الحسن يقول: لما خلقت الأرض كادت تميد، فقالوا: ما هذه بمقرّة على ظهرها أحدا، فأصبحوا وقد خُلقت الجبال، فلم تدر الملائكة مم خُلقت الجبال. * * وقوله ﴿وأنهَارًا﴾ يقول: وجعل فيها أنهارا، فعطف بالأنهار على الرواسي، وأعمل فيها ما أعمل في الرواسي، إذ كان مفهوما معنى الكلام والمراد منه، وذلك نظير قول الراجز: تَسْمَعُ في أجْوَافِهِنَّ صَوْرَا ... وفي اليَدَيْنِ حَشَّةً وبَوْرا [[هذا من الرجز، ولم أقف على قائله. والصور الصوت (اللسان) ، أو لعله محرف عن الضور بالضاد، والمراد به: الصوت يشبه الأنين في الجوف من شدة الجوع، قال في اللسان: الضور: شدة الجوع. والتضور، التلوي والصياح، من وجع الضرب أو الجوع. وتضور الذئب والكلب والأسد والثعلب: صاح عند الجوع. والحشة، بتشديد الشين " اليبس، يقال حشت اليد وأحشت وهو محش: يبست. وأكثر ذلك في الشلل. والبور بالفتح: مصدر بار، بمعنى هلك وفسد. والبور أيضًا: الهالك الفاسد، ولعله يريد وصف ناقته بأنه أضر بها الجوع فصاحت، وأن في يديها يبسا أي شللا وفسادا. وقد بين الإمام الطبري موضع الشاهد في التفسير.]] والحشة: اليُبس، فعطف بالحشة على الصوت، والحشة لا تسمع، إذ كان مفهوما المراد منه وأن معناه وترى في اليدين حَشَّةً. * * وقوله ﴿وَسُبُلا﴾ وهي جمع سبيل، كما الطرق: جمع طريق، ومعنى الكلام: وجعل لكم أيها الناس في الأرض سُبلا وفجاجا تسلكونها، وتسيرون فيها في حوائجكم، وطلب معايشكم رحمة بكم، ونعمة منه بذلك عليكم ولو عماها عليكم لهلكتم ضلالا وحيرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿سُبُلا﴾ أي طرقا. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿سُبُلا﴾ قال: طرقا. * * وقوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ يقول: لكي تهتدوا بهذه السبل التي جعلها لكم في الأرض إلى الأماكن التي تقصدون والمواضع التي تريدون، فلا تضلوا وتتحيروا.

Al-Mukhtasar (français)

Allah a implanté dans la Terre des montagnes qui la stabilisent afin qu’elle ne vacille pas sous vos pieds et ne chavire. Il y a fait couler des rivières dont l’eau vous abreuve, abreuve votre bétail et irrigue vos cultures, et y a dessiné des chemins que vous empruntez, vous permettant ainsi de parvenir à la destination désirée sans vous égarer.

16

وَعَلَٰمَٰتٍۢ ۚ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ

ainsi que des points de repère. Et au moyen des étoiles [les gens] se guident.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَسْخِيرِهِ [[في أ::تسخير".]] الْبَحْرَ الْمُتَلَاطِمَ الْأَمْوَاجِ، وَيَمْتَنُّ عَلَى عِبَادِهِ بِتَذْلِيلِهِ لَهُمْ، وَتَيْسِيرِهِ لِلرُّكُوبِ فِيهِ، وَجَعْلِهِ السَّمَكَ وَالْحِيتَانَ فِيهِ، وَإِحْلَالِهِ [[في ت: "وإجلاله".]] لِعِبَادِهِ لَحْمَهَا حَيَّهَا وَمَيِّتَهَا، فِي الْحَلِّ وَالْإِحْرَامِ [[في أ: "والحرم".]] وَمَا يَخْلُقُهُ فِيهِ مِنَ اللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ، وَتَسْهِيلِهِ لِلْعِبَادِ اسْتِخْرَاجَهَا مِنْ قَرَارِهَا حِلْيَةً يَلْبَسُونَهَا، وَتَسْخِيرِهِ الْبَحْرَ لِحَمْلِ [[في ت: "كحمل".]] السُّفُنِ الَّتِي تَمْخُرُهُ، أَيْ: تَشُقُّهُ. وَقِيلَ: تَمْخُرُ الرِّيَاحَ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ بِجُؤْجُئِهَا وَهُوَ صَدْرُهَا المسنَّم -الَّذِي أَرْشَدَ الْعِبَادَ إِلَى صَنْعَتِهَا، وَهَدَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ، إِرْثًا عَنْ أَبِيهِمْ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ رَكِبَ السُّفُنَ، وَلَهُ كَانَ تَعْلِيمُ صَنْعَتِهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا النَّاسُ عَنْهُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وَجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، يَسِيرُونَ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَبَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَإِقْلِيمٍ إِلَى إِقْلِيمٍ، تَجْلِبُ مَا هُنَا إِلَى هُنَالِكَ، وَمَا هُنَالِكَ إِلَى هُنَا [[في ف، أ: "تجلب ما هاهنا إلى هناك وما هناك إلى هاهنا".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: نِعَمَهُ وَإِحْسَانَهُ. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ [[في ت: "معاوية بن محمد".]] الْبَغْدَادِيِّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ [عُمَرَ، عَنْ] [[زيادة من ف، أ، ومسند البزار.]] سُهَيل بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رَفَعَهُ] [[زيادة من مسند البزار.]] قَالَ: كَلَّمَ اللَّهُ هَذَا الْبَحْرَ الْغَرْبِيَّ، وَكَلَّمَ الْبَحْرَ الشَّرْقِيَّ، فَقَالَ لِلْبَحْرِ الْغَرْبِيِّ: إِنِّي حَامِلٌ فِيكَ عِبَادًا مِنْ عِبَادِي، فَكَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ فِيهِمْ [[في ت، ف، أ: "بهم".]] ؟ قَالَ: أُغْرِقُهُمْ. فَقَالَ: بَأْسُكُ فِي نَوَاحِيكَ. وَأَحْمِلُهُمْ عَلَى يَدَيَّ. وحَرّمه الْحِلْيَةَ وَالصَّيْدَ. وَكَلَّمَ هَذَا الْبَحْرَ الشَّرْقِيَّ فَقَالَ: إِنِّي حَامِلٌ فِيكَ عِبَادًا مِنْ عِبَادِي، فَمَا أَنْتَ صَانِعٌ بِهِمْ؟ فَقَالَ: أَحْمِلُهُمْ عَلَى يَدَيَّ، وَأَكُونُ لَهُمْ [[في ف: "بهم".]] كَالْوَالِدَةِ لولدها. فأثابه الحلية والصيد [[مسند البزار برقم (١٦٦٩) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٥/٢٨١) : "رواه البزار وجادة، وفيه عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ العمري وهو متروك". ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه (١٠/٢٣٣، ٢٣٤) من هذا الطريق قال: "وتابعه أبو عبيد الله أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، فرواه عن عمه عبد الله بن وهب، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ سهيل عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بن العاص عن كعب الأحبار، وخالفهما خالد بن عبد الله الواسطي، فرواه عن سهيل عن النعمان بن أبي عياش الزرقي عن عبد الله بن عمرو موقوفا لم يجاوزه، ورفعه غير ثابت".]] . ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ سُهَيْلٍ غَيْرُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ [[في ف: "عمرو".]] وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَدْ رَوَاهُ سُهَيْلٌ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ [[في أ: "عباس".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [[في ت، أ، هـ: "عمر" وهو خطأ.]] مَوْقُوفًا [[رواه الخطيب البغدادي في تاريخه (١٠/٢٣٤) من طريق سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الله، عن سهيل بن أبي صالح به. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١/٢٠) : "قلت: الموقوف على عبد الله بن عمرو بن العاص أشبه، فإنه قد كان وجد يوم اليرموك زاملتين مملوءتين كتبا من علوم أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بأشياء كثيرة من الإسرائيليات منها المعروف والمشهور والمنكور والمردود، فأما المعروف فتفرد به عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو القاسم المدني قاضيها. قال فيه الإمام أحمد: ليس بشيء وقد سمعته منه، ثم مزقت حديثه كان كذابا وأحاديثه مناكير. وكذا ضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والجوزجاني والبخاري وأبو داود والنسائي. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه مناكير وأفظعها حديث البحر".]] . ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى الْأَرْضَ، وَمَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الرَّوَاسِي الشَّامِخَاتِ وَالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ، لِتَقِرَّ الْأَرْضُ وَلَا تَمِيدُ، أَيْ: تَضْطَرِبُ بِمَا عَلَيْهَا مِنَ الْحَيَوَانِ فَلَا يَهْنَأُ لَهُمْ عَيْشٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النَّازِعَاتِ: ٣٢] . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: لَمَّا خُلقت الْأَرْضُ كَانَتْ تَمِيدُ، فَقَالُوا مَا هَذِهِ بِمُقِرَّةٍ عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدًا فَأَصْبَحُوا وَقَدْ خُلقت الْجِبَالُ، لَمْ [[في ت، ف: "فلم".]] تَدْرِ الْمَلَائِكَةُ مِمّ خُلِقَتِ الْجِبَالُ [[تفسير عبد الرزاق (١/٣٠٦) .]] . وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادة: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْأَرْضَ، جَعَلَتْ تَمُورُ، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: مَا هَذِهِ بِمُقِرَّةٍ عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدًا، فَأَصْبَحَتْ صُبْحًا وَفِيهَا رَوَاسِيهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَال، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيب، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [[في أ: "طلحة".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ قَمَصَتْ وَقَالَتْ: أَيْ رَب، تَجْعَلُ عليَّ بَنِي آدَمَ يَعْمَلُونَ عَلَيَّ الْخَطَايَا وَيَجْعَلُونَ عَلَيَّ الْخَبَثَ؟ قَالَ: فَأَرْسَى اللَّهُ فِيهَا مِنَ الْجِبَالِ مَا تَرَوْنَ وَمَا لَا تَرَوْنَ، فَكَانَ إِقْرَارُهَا كَاللَّحْمِ يَتَرَجْرَجُ. [[في أ: "ترجرج".]] [[تفسير الطبري (١٤/٦٢) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلا﴾ أَيْ: وَجَعَلَ فِيهَا أَنْهَارًا تَجْرِي مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ، يَنْبُعُ فِي مَوْضِعٍ وَهُوَ رِزْقٌ لِأَهْلِ مَوْضِعٍ آخَرَ، فَيَقْطَعُ الْبِقَاعَ وَالْبَرَارِيَ وَالْقِفَارَ، وَيَخْتَرِقُ [[في ت، ف: "ويخرق".]] الْجِبَالَ وَالْآكَامَ، فَيَصِلُ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي سُخِّر لِأَهْلِهِ. وَهِيَ سَائِرَةٌ فِي الْأَرْضِ يُمْنَةً وَيُسْرَةً، وَجَنُوبًا وَشِمَالًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا، مَا بَيْنَ صِغَارٍ وَكِبَارٍ، وَأَوْدِيَةً تَجْرِي حِينًا وَتَنْقَطِعُ [[في ت: "وتقطع".]] في وقت، وما بين نبع وجمع، وَقَوِيِّ السَّيْرِ وَبَطِيئِهِ، بِحَسَبِ مَا أَرَادَ وَقَدَّرَ، وَسَخَّرَ وَيَسَّرَ فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ. وَكَذَلِكَ جَعَلَ فِيهَا سُبُلًا أَيْ: طُرُقًا يُسْلَكُ فِيهَا مِنْ بِلَادٍ إِلَى بِلَادٍ، حَتَّى إِنَّهُ تَعَالَى لَيَقْطَعُ الْجَبَلَ حَتَّى يَكُونَ [[في أ: "ليكون".]] مَا بَيْنَهُمَا مَمَرًّا وَمَسْلَكًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٣١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَلامَاتٍ﴾ أَيْ: دَلَائِلَ مِنْ جِبَالٍ كِبَارٍ وَآكَامٍ صِغَارٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، يَسْتَدِلُّ بِهَا الْمُسَافِرُونَ برًا وَبَحْرًا إِذَا ضَلُّوا الطَّرِيقَ [بِالنَّهَارِ] [[زيادة من ت، ف.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أَيْ: فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنْ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَلامَاتٍ﴾ يَقُولُونَ: النُّجُومُ، وَهِيَ الْجِبَالُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى عَظَمَتِهِ، وَأَنَّهُ لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَوْثَانِ، الَّتِي لَا تَخْلُقُ شَيْئًا بَلْ هُمْ يُخْلَقُونَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ثُمَّ نَبَّهَهُمْ عَلَى كَثْرَةِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: يَتَجَاوَزُ عَنْكُمْ، وَلَوْ طَالَبَكُمْ بِشُكْرِ جَمِيعِ نِعَمِهِ لَعَجَزْتُمْ عَنِ الْقِيَامِ بِذَلِكَ، وَلَوْ أَمَرَكُمْ بِهِ لَضَعُفْتُمْ وَتَرَكْتُمْ، وَلَوْ عَذَّبَكُمْ لَعَذَّبَكُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يَغْفِرُ الْكَثِيرَ، وَيُجَازِي عَلَى [[في ت: "ويتجاوز عن".]] الْيَسِيرِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَا كَانَ مِنْكُمْ مِنْ تَقْصِيرٍ فِي شُكْرِ بَعْضِ ذَلِكَ، إِذَا تُبْتُمْ وَأَنَبْتُمْ إِلَى طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَرْضَاتِهِ، ﴿رَحِيمٌ﴾ بِكُمْ أَنْ يُعَذِّبَكُمْ، [أَيْ] [[زيادة من ت، ف.]] : بَعْدَ الْإِنَابَةِ وَالتَّوْبَةِ [[تفسير الطبري (١٤/٦٤) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) ﴾ اختلف أهل التأويل في المعنى بالعلامات، فقال بعضهم: عني بها معالم الطرق بالنهار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يعني بالعلامات: معالم الطرق بالنهار، وبالنجم هم يهتدون بالليل. وقال آخرون: عني بها النجوم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قال: منها ما يكون علامات، ومنها ما يهتدون به. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قال: منها ما يكون علامة، ومنها ما يهتدى به. ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا قبيصة، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مثله. قال المثنى: قال: ثنا إسحاق خالف قبيصة وكيعا في الإسناد. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ والعلامات: النجوم، وإن الله تبارك وتعالى إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصلات: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدي بها، وجعلها رجوما للشياطين. فمن تعاطى فيها غير ذلك، فقد رأيه وأخطأ حظه وأضاع نصيبه وتكلَّف ما لا علم له به. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَعَلامَاتٍ﴾ قال النجوم. وقال آخرون: عني بها الجبال. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الكلبي ﴿وَعَلامَاتٍ﴾ قال: الجبال. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره عدّد على عباده من نعمه، إنعامه عليهم بما جعل لهم من العلامات التي يهتدون بها في مسالكهم وطرقهم التي يسيرونها، ولم يخصص بذلك بعض العلامات دون بعض، فكلّ علامة استدلّ بها الناس على طرقهم، وفجاج سبُلهم، فداخل في قوله ﴿وَعَلامَاتٍ﴾ والطرق المسبولة: الموطوءة، علامة للناحية المقصودة، والجبال علامات يهتدي بهن إلى قصد السبيل، وكذلك النجوم بالليل. غير أن الذي هو أولى بتأويل الآية أن تكون العلامات من أدلة النهار، إذ كان الله قد فصل منها أدلة الليل بقوله ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ وإذا كان ذلك أشبه وأولى بتأويل الآية، فالواجب أن يكون القول في ذلك ما قاله ابن عباس في الخبر الذي رويناه عن عطية عنه، وهو أن العلامات معالم الطرق وأماراتها التي يهتدى بها إلى المستقيم منها نهارا، وأن يكون النجم الذي يهتدى به ليلا هو الجدي والفرقدان، لأن بها اهتداء السفر دون غيرها من النجوم. فتأويل الكلام إذن: وجعل لكم أيها الناس علامات تستدلون بها نهارا على طرقكم في أسفاركم. ونجوما تهتدون بها ليلا في سُبلكم.

Al-Mukhtasar (français)

Il y a également établi des points de repère visibles qui vous servent dans vos déplacements de jour et pour vos déplacements de nuit. Il vous a également établi comme repères les étoiles.

17

أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

Celui qui crée est-il semblable à celui qui ne crée rien? Ne vous souvenez-vous pas?

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَسْخِيرِهِ [[في أ::تسخير".]] الْبَحْرَ الْمُتَلَاطِمَ الْأَمْوَاجِ، وَيَمْتَنُّ عَلَى عِبَادِهِ بِتَذْلِيلِهِ لَهُمْ، وَتَيْسِيرِهِ لِلرُّكُوبِ فِيهِ، وَجَعْلِهِ السَّمَكَ وَالْحِيتَانَ فِيهِ، وَإِحْلَالِهِ [[في ت: "وإجلاله".]] لِعِبَادِهِ لَحْمَهَا حَيَّهَا وَمَيِّتَهَا، فِي الْحَلِّ وَالْإِحْرَامِ [[في أ: "والحرم".]] وَمَا يَخْلُقُهُ فِيهِ مِنَ اللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ، وَتَسْهِيلِهِ لِلْعِبَادِ اسْتِخْرَاجَهَا مِنْ قَرَارِهَا حِلْيَةً يَلْبَسُونَهَا، وَتَسْخِيرِهِ الْبَحْرَ لِحَمْلِ [[في ت: "كحمل".]] السُّفُنِ الَّتِي تَمْخُرُهُ، أَيْ: تَشُقُّهُ. وَقِيلَ: تَمْخُرُ الرِّيَاحَ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ بِجُؤْجُئِهَا وَهُوَ صَدْرُهَا المسنَّم -الَّذِي أَرْشَدَ الْعِبَادَ إِلَى صَنْعَتِهَا، وَهَدَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ، إِرْثًا عَنْ أَبِيهِمْ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ رَكِبَ السُّفُنَ، وَلَهُ كَانَ تَعْلِيمُ صَنْعَتِهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا النَّاسُ عَنْهُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وَجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، يَسِيرُونَ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَبَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَإِقْلِيمٍ إِلَى إِقْلِيمٍ، تَجْلِبُ مَا هُنَا إِلَى هُنَالِكَ، وَمَا هُنَالِكَ إِلَى هُنَا [[في ف، أ: "تجلب ما هاهنا إلى هناك وما هناك إلى هاهنا".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: نِعَمَهُ وَإِحْسَانَهُ. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ [[في ت: "معاوية بن محمد".]] الْبَغْدَادِيِّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ [عُمَرَ، عَنْ] [[زيادة من ف، أ، ومسند البزار.]] سُهَيل بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رَفَعَهُ] [[زيادة من مسند البزار.]] قَالَ: كَلَّمَ اللَّهُ هَذَا الْبَحْرَ الْغَرْبِيَّ، وَكَلَّمَ الْبَحْرَ الشَّرْقِيَّ، فَقَالَ لِلْبَحْرِ الْغَرْبِيِّ: إِنِّي حَامِلٌ فِيكَ عِبَادًا مِنْ عِبَادِي، فَكَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ فِيهِمْ [[في ت، ف، أ: "بهم".]] ؟ قَالَ: أُغْرِقُهُمْ. فَقَالَ: بَأْسُكُ فِي نَوَاحِيكَ. وَأَحْمِلُهُمْ عَلَى يَدَيَّ. وحَرّمه الْحِلْيَةَ وَالصَّيْدَ. وَكَلَّمَ هَذَا الْبَحْرَ الشَّرْقِيَّ فَقَالَ: إِنِّي حَامِلٌ فِيكَ عِبَادًا مِنْ عِبَادِي، فَمَا أَنْتَ صَانِعٌ بِهِمْ؟ فَقَالَ: أَحْمِلُهُمْ عَلَى يَدَيَّ، وَأَكُونُ لَهُمْ [[في ف: "بهم".]] كَالْوَالِدَةِ لولدها. فأثابه الحلية والصيد [[مسند البزار برقم (١٦٦٩) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٥/٢٨١) : "رواه البزار وجادة، وفيه عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ العمري وهو متروك". ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه (١٠/٢٣٣، ٢٣٤) من هذا الطريق قال: "وتابعه أبو عبيد الله أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، فرواه عن عمه عبد الله بن وهب، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ سهيل عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بن العاص عن كعب الأحبار، وخالفهما خالد بن عبد الله الواسطي، فرواه عن سهيل عن النعمان بن أبي عياش الزرقي عن عبد الله بن عمرو موقوفا لم يجاوزه، ورفعه غير ثابت".]] . ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ سُهَيْلٍ غَيْرُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ [[في ف: "عمرو".]] وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَدْ رَوَاهُ سُهَيْلٌ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ [[في أ: "عباس".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [[في ت، أ، هـ: "عمر" وهو خطأ.]] مَوْقُوفًا [[رواه الخطيب البغدادي في تاريخه (١٠/٢٣٤) من طريق سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الله، عن سهيل بن أبي صالح به. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١/٢٠) : "قلت: الموقوف على عبد الله بن عمرو بن العاص أشبه، فإنه قد كان وجد يوم اليرموك زاملتين مملوءتين كتبا من علوم أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بأشياء كثيرة من الإسرائيليات منها المعروف والمشهور والمنكور والمردود، فأما المعروف فتفرد به عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو القاسم المدني قاضيها. قال فيه الإمام أحمد: ليس بشيء وقد سمعته منه، ثم مزقت حديثه كان كذابا وأحاديثه مناكير. وكذا ضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والجوزجاني والبخاري وأبو داود والنسائي. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه مناكير وأفظعها حديث البحر".]] . ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى الْأَرْضَ، وَمَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الرَّوَاسِي الشَّامِخَاتِ وَالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ، لِتَقِرَّ الْأَرْضُ وَلَا تَمِيدُ، أَيْ: تَضْطَرِبُ بِمَا عَلَيْهَا مِنَ الْحَيَوَانِ فَلَا يَهْنَأُ لَهُمْ عَيْشٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النَّازِعَاتِ: ٣٢] . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: لَمَّا خُلقت الْأَرْضُ كَانَتْ تَمِيدُ، فَقَالُوا مَا هَذِهِ بِمُقِرَّةٍ عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدًا فَأَصْبَحُوا وَقَدْ خُلقت الْجِبَالُ، لَمْ [[في ت، ف: "فلم".]] تَدْرِ الْمَلَائِكَةُ مِمّ خُلِقَتِ الْجِبَالُ [[تفسير عبد الرزاق (١/٣٠٦) .]] . وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادة: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْأَرْضَ، جَعَلَتْ تَمُورُ، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: مَا هَذِهِ بِمُقِرَّةٍ عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدًا، فَأَصْبَحَتْ صُبْحًا وَفِيهَا رَوَاسِيهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَال، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيب، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [[في أ: "طلحة".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ قَمَصَتْ وَقَالَتْ: أَيْ رَب، تَجْعَلُ عليَّ بَنِي آدَمَ يَعْمَلُونَ عَلَيَّ الْخَطَايَا وَيَجْعَلُونَ عَلَيَّ الْخَبَثَ؟ قَالَ: فَأَرْسَى اللَّهُ فِيهَا مِنَ الْجِبَالِ مَا تَرَوْنَ وَمَا لَا تَرَوْنَ، فَكَانَ إِقْرَارُهَا كَاللَّحْمِ يَتَرَجْرَجُ. [[في أ: "ترجرج".]] [[تفسير الطبري (١٤/٦٢) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلا﴾ أَيْ: وَجَعَلَ فِيهَا أَنْهَارًا تَجْرِي مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ، يَنْبُعُ فِي مَوْضِعٍ وَهُوَ رِزْقٌ لِأَهْلِ مَوْضِعٍ آخَرَ، فَيَقْطَعُ الْبِقَاعَ وَالْبَرَارِيَ وَالْقِفَارَ، وَيَخْتَرِقُ [[في ت، ف: "ويخرق".]] الْجِبَالَ وَالْآكَامَ، فَيَصِلُ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي سُخِّر لِأَهْلِهِ. وَهِيَ سَائِرَةٌ فِي الْأَرْضِ يُمْنَةً وَيُسْرَةً، وَجَنُوبًا وَشِمَالًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا، مَا بَيْنَ صِغَارٍ وَكِبَارٍ، وَأَوْدِيَةً تَجْرِي حِينًا وَتَنْقَطِعُ [[في ت: "وتقطع".]] في وقت، وما بين نبع وجمع، وَقَوِيِّ السَّيْرِ وَبَطِيئِهِ، بِحَسَبِ مَا أَرَادَ وَقَدَّرَ، وَسَخَّرَ وَيَسَّرَ فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ. وَكَذَلِكَ جَعَلَ فِيهَا سُبُلًا أَيْ: طُرُقًا يُسْلَكُ فِيهَا مِنْ بِلَادٍ إِلَى بِلَادٍ، حَتَّى إِنَّهُ تَعَالَى لَيَقْطَعُ الْجَبَلَ حَتَّى يَكُونَ [[في أ: "ليكون".]] مَا بَيْنَهُمَا مَمَرًّا وَمَسْلَكًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٣١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَلامَاتٍ﴾ أَيْ: دَلَائِلَ مِنْ جِبَالٍ كِبَارٍ وَآكَامٍ صِغَارٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، يَسْتَدِلُّ بِهَا الْمُسَافِرُونَ برًا وَبَحْرًا إِذَا ضَلُّوا الطَّرِيقَ [بِالنَّهَارِ] [[زيادة من ت، ف.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أَيْ: فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنْ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَلامَاتٍ﴾ يَقُولُونَ: النُّجُومُ، وَهِيَ الْجِبَالُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى عَظَمَتِهِ، وَأَنَّهُ لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَوْثَانِ، الَّتِي لَا تَخْلُقُ شَيْئًا بَلْ هُمْ يُخْلَقُونَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ثُمَّ نَبَّهَهُمْ عَلَى كَثْرَةِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: يَتَجَاوَزُ عَنْكُمْ، وَلَوْ طَالَبَكُمْ بِشُكْرِ جَمِيعِ نِعَمِهِ لَعَجَزْتُمْ عَنِ الْقِيَامِ بِذَلِكَ، وَلَوْ أَمَرَكُمْ بِهِ لَضَعُفْتُمْ وَتَرَكْتُمْ، وَلَوْ عَذَّبَكُمْ لَعَذَّبَكُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يَغْفِرُ الْكَثِيرَ، وَيُجَازِي عَلَى [[في ت: "ويتجاوز عن".]] الْيَسِيرِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَا كَانَ مِنْكُمْ مِنْ تَقْصِيرٍ فِي شُكْرِ بَعْضِ ذَلِكَ، إِذَا تُبْتُمْ وَأَنَبْتُمْ إِلَى طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَرْضَاتِهِ، ﴿رَحِيمٌ﴾ بِكُمْ أَنْ يُعَذِّبَكُمْ، [أَيْ] [[زيادة من ت، ف.]] : بَعْدَ الْإِنَابَةِ وَالتَّوْبَةِ [[تفسير الطبري (١٤/٦٤) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) ﴾ يقول تعالى ذكره لعبدة الأوثان والأصنام: أفمن يخلق هذه الخلائق العجيبة التي عددناها عليكم وينعم عليكم هذه النعم العظيمة، كمن لا يخلق شيئا ولا ينعم عليكم نعمة صغيرة ولا كبيرة؟ يقول: أتشركون هذا في عبادة هذا؟ يعرّفهم بذلك عظم جهلهم، وسوء نظرهم لأنفسهم، وقلَّة شكرهم لمن أنعم عليهم بالنعم التي عدّدها عليهم، التي لا يحصيها أحد غيره، قال لهم جلّ ثناؤه موبخهم ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيها الناس يقول: أفلا تذكرون نعم الله عليكم، وعظيم سُلطانه وقُدرته على ما شاء، وعجز أوثانكم وضعفها ومهانتها، وأنها لا تجلب إلى نفسها نفعا ولا تدفع عنها ضرّا، فتعرفوا بذلك خطأ ما أنتم عليه مقيمون من عبادتكموها وإقراركم لها بالألوهة؟ كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ والله هو الخالق الرازق، وهذه الأوثان التي تعبد من دون الله تخلق ولا تخلق شيئا، ولا تملك لأهلها ضرّا ولا نفعا، قال الله ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ . وقيل ﴿كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ هو الوثن والصنم، و "من" لذوي التمييز خاصة، فجعل في هذا الموضع لغيرهم للتمييز، إذ وقع تفصيلا بين من يخلق ومن لا يخلق، ومحكيّ عن العرب: اشتبه عليّ الراكب وجمله، فما أدرى من ذا ومن ذا، حيث جمعا، وأحدهما إنسان حسنت من فيهما جميعا. ومنه قول الله عزّ وجلّ ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ وقوله ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ لا تطيقوا أداء شكرها، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يقول جلّ ثناؤه: إن الله لغفور لما كان منكم من تقصير في شكر بعض ذلك إذا تبتم وأنبتم إلى طاعته واتباع مرضاته، رحيم بكم أن يعذبكم عليه بعد الإنابة إليه والتوبة.

Al-Mukhtasar (français)

Comment mettre sur un pied d’égalité Celui qui a créé tout cela et d’autres choses encore et celui qui ne crée rien? Ne finirez-vous pas par vous rappeler de la Grandeur d’Allah qui crée toute chose puis par L’adorer exclusivement et ne plus Lui associer des divinités qui ne créent rien?

18

وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Et si vous comptez les bienfaits d'Allah, vous ne saurez pas les dénombrer. Car Allah est Pardonneur, et Miséricordieux.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَسْخِيرِهِ [[في أ::تسخير".]] الْبَحْرَ الْمُتَلَاطِمَ الْأَمْوَاجِ، وَيَمْتَنُّ عَلَى عِبَادِهِ بِتَذْلِيلِهِ لَهُمْ، وَتَيْسِيرِهِ لِلرُّكُوبِ فِيهِ، وَجَعْلِهِ السَّمَكَ وَالْحِيتَانَ فِيهِ، وَإِحْلَالِهِ [[في ت: "وإجلاله".]] لِعِبَادِهِ لَحْمَهَا حَيَّهَا وَمَيِّتَهَا، فِي الْحَلِّ وَالْإِحْرَامِ [[في أ: "والحرم".]] وَمَا يَخْلُقُهُ فِيهِ مِنَ اللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ، وَتَسْهِيلِهِ لِلْعِبَادِ اسْتِخْرَاجَهَا مِنْ قَرَارِهَا حِلْيَةً يَلْبَسُونَهَا، وَتَسْخِيرِهِ الْبَحْرَ لِحَمْلِ [[في ت: "كحمل".]] السُّفُنِ الَّتِي تَمْخُرُهُ، أَيْ: تَشُقُّهُ. وَقِيلَ: تَمْخُرُ الرِّيَاحَ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ بِجُؤْجُئِهَا وَهُوَ صَدْرُهَا المسنَّم -الَّذِي أَرْشَدَ الْعِبَادَ إِلَى صَنْعَتِهَا، وَهَدَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ، إِرْثًا عَنْ أَبِيهِمْ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ رَكِبَ السُّفُنَ، وَلَهُ كَانَ تَعْلِيمُ صَنْعَتِهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا النَّاسُ عَنْهُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وَجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، يَسِيرُونَ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَبَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَإِقْلِيمٍ إِلَى إِقْلِيمٍ، تَجْلِبُ مَا هُنَا إِلَى هُنَالِكَ، وَمَا هُنَالِكَ إِلَى هُنَا [[في ف، أ: "تجلب ما هاهنا إلى هناك وما هناك إلى هاهنا".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: نِعَمَهُ وَإِحْسَانَهُ. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ [[في ت: "معاوية بن محمد".]] الْبَغْدَادِيِّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ [عُمَرَ، عَنْ] [[زيادة من ف، أ، ومسند البزار.]] سُهَيل بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رَفَعَهُ] [[زيادة من مسند البزار.]] قَالَ: كَلَّمَ اللَّهُ هَذَا الْبَحْرَ الْغَرْبِيَّ، وَكَلَّمَ الْبَحْرَ الشَّرْقِيَّ، فَقَالَ لِلْبَحْرِ الْغَرْبِيِّ: إِنِّي حَامِلٌ فِيكَ عِبَادًا مِنْ عِبَادِي، فَكَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ فِيهِمْ [[في ت، ف، أ: "بهم".]] ؟ قَالَ: أُغْرِقُهُمْ. فَقَالَ: بَأْسُكُ فِي نَوَاحِيكَ. وَأَحْمِلُهُمْ عَلَى يَدَيَّ. وحَرّمه الْحِلْيَةَ وَالصَّيْدَ. وَكَلَّمَ هَذَا الْبَحْرَ الشَّرْقِيَّ فَقَالَ: إِنِّي حَامِلٌ فِيكَ عِبَادًا مِنْ عِبَادِي، فَمَا أَنْتَ صَانِعٌ بِهِمْ؟ فَقَالَ: أَحْمِلُهُمْ عَلَى يَدَيَّ، وَأَكُونُ لَهُمْ [[في ف: "بهم".]] كَالْوَالِدَةِ لولدها. فأثابه الحلية والصيد [[مسند البزار برقم (١٦٦٩) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٥/٢٨١) : "رواه البزار وجادة، وفيه عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ العمري وهو متروك". ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه (١٠/٢٣٣، ٢٣٤) من هذا الطريق قال: "وتابعه أبو عبيد الله أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، فرواه عن عمه عبد الله بن وهب، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ سهيل عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بن العاص عن كعب الأحبار، وخالفهما خالد بن عبد الله الواسطي، فرواه عن سهيل عن النعمان بن أبي عياش الزرقي عن عبد الله بن عمرو موقوفا لم يجاوزه، ورفعه غير ثابت".]] . ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ سُهَيْلٍ غَيْرُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ [[في ف: "عمرو".]] وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَدْ رَوَاهُ سُهَيْلٌ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ [[في أ: "عباس".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [[في ت، أ، هـ: "عمر" وهو خطأ.]] مَوْقُوفًا [[رواه الخطيب البغدادي في تاريخه (١٠/٢٣٤) من طريق سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الله، عن سهيل بن أبي صالح به. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١/٢٠) : "قلت: الموقوف على عبد الله بن عمرو بن العاص أشبه، فإنه قد كان وجد يوم اليرموك زاملتين مملوءتين كتبا من علوم أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بأشياء كثيرة من الإسرائيليات منها المعروف والمشهور والمنكور والمردود، فأما المعروف فتفرد به عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو القاسم المدني قاضيها. قال فيه الإمام أحمد: ليس بشيء وقد سمعته منه، ثم مزقت حديثه كان كذابا وأحاديثه مناكير. وكذا ضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والجوزجاني والبخاري وأبو داود والنسائي. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه مناكير وأفظعها حديث البحر".]] . ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى الْأَرْضَ، وَمَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الرَّوَاسِي الشَّامِخَاتِ وَالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ، لِتَقِرَّ الْأَرْضُ وَلَا تَمِيدُ، أَيْ: تَضْطَرِبُ بِمَا عَلَيْهَا مِنَ الْحَيَوَانِ فَلَا يَهْنَأُ لَهُمْ عَيْشٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النَّازِعَاتِ: ٣٢] . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: لَمَّا خُلقت الْأَرْضُ كَانَتْ تَمِيدُ، فَقَالُوا مَا هَذِهِ بِمُقِرَّةٍ عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدًا فَأَصْبَحُوا وَقَدْ خُلقت الْجِبَالُ، لَمْ [[في ت، ف: "فلم".]] تَدْرِ الْمَلَائِكَةُ مِمّ خُلِقَتِ الْجِبَالُ [[تفسير عبد الرزاق (١/٣٠٦) .]] . وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادة: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْأَرْضَ، جَعَلَتْ تَمُورُ، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: مَا هَذِهِ بِمُقِرَّةٍ عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدًا، فَأَصْبَحَتْ صُبْحًا وَفِيهَا رَوَاسِيهَا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَال، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيب، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [[في أ: "طلحة".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ قَمَصَتْ وَقَالَتْ: أَيْ رَب، تَجْعَلُ عليَّ بَنِي آدَمَ يَعْمَلُونَ عَلَيَّ الْخَطَايَا وَيَجْعَلُونَ عَلَيَّ الْخَبَثَ؟ قَالَ: فَأَرْسَى اللَّهُ فِيهَا مِنَ الْجِبَالِ مَا تَرَوْنَ وَمَا لَا تَرَوْنَ، فَكَانَ إِقْرَارُهَا كَاللَّحْمِ يَتَرَجْرَجُ. [[في أ: "ترجرج".]] [[تفسير الطبري (١٤/٦٢) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلا﴾ أَيْ: وَجَعَلَ فِيهَا أَنْهَارًا تَجْرِي مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ، يَنْبُعُ فِي مَوْضِعٍ وَهُوَ رِزْقٌ لِأَهْلِ مَوْضِعٍ آخَرَ، فَيَقْطَعُ الْبِقَاعَ وَالْبَرَارِيَ وَالْقِفَارَ، وَيَخْتَرِقُ [[في ت، ف: "ويخرق".]] الْجِبَالَ وَالْآكَامَ، فَيَصِلُ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي سُخِّر لِأَهْلِهِ. وَهِيَ سَائِرَةٌ فِي الْأَرْضِ يُمْنَةً وَيُسْرَةً، وَجَنُوبًا وَشِمَالًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا، مَا بَيْنَ صِغَارٍ وَكِبَارٍ، وَأَوْدِيَةً تَجْرِي حِينًا وَتَنْقَطِعُ [[في ت: "وتقطع".]] في وقت، وما بين نبع وجمع، وَقَوِيِّ السَّيْرِ وَبَطِيئِهِ، بِحَسَبِ مَا أَرَادَ وَقَدَّرَ، وَسَخَّرَ وَيَسَّرَ فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ. وَكَذَلِكَ جَعَلَ فِيهَا سُبُلًا أَيْ: طُرُقًا يُسْلَكُ فِيهَا مِنْ بِلَادٍ إِلَى بِلَادٍ، حَتَّى إِنَّهُ تَعَالَى لَيَقْطَعُ الْجَبَلَ حَتَّى يَكُونَ [[في أ: "ليكون".]] مَا بَيْنَهُمَا مَمَرًّا وَمَسْلَكًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٣١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَلامَاتٍ﴾ أَيْ: دَلَائِلَ مِنْ جِبَالٍ كِبَارٍ وَآكَامٍ صِغَارٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، يَسْتَدِلُّ بِهَا الْمُسَافِرُونَ برًا وَبَحْرًا إِذَا ضَلُّوا الطَّرِيقَ [بِالنَّهَارِ] [[زيادة من ت، ف.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أَيْ: فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنْ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَلامَاتٍ﴾ يَقُولُونَ: النُّجُومُ، وَهِيَ الْجِبَالُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى عَظَمَتِهِ، وَأَنَّهُ لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَوْثَانِ، الَّتِي لَا تَخْلُقُ شَيْئًا بَلْ هُمْ يُخْلَقُونَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ثُمَّ نَبَّهَهُمْ عَلَى كَثْرَةِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: يَتَجَاوَزُ عَنْكُمْ، وَلَوْ طَالَبَكُمْ بِشُكْرِ جَمِيعِ نِعَمِهِ لَعَجَزْتُمْ عَنِ الْقِيَامِ بِذَلِكَ، وَلَوْ أَمَرَكُمْ بِهِ لَضَعُفْتُمْ وَتَرَكْتُمْ، وَلَوْ عَذَّبَكُمْ لَعَذَّبَكُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يَغْفِرُ الْكَثِيرَ، وَيُجَازِي عَلَى [[في ت: "ويتجاوز عن".]] الْيَسِيرِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَا كَانَ مِنْكُمْ مِنْ تَقْصِيرٍ فِي شُكْرِ بَعْضِ ذَلِكَ، إِذَا تُبْتُمْ وَأَنَبْتُمْ إِلَى طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَرْضَاتِهِ، ﴿رَحِيمٌ﴾ بِكُمْ أَنْ يُعَذِّبَكُمْ، [أَيْ] [[زيادة من ت، ف.]] : بَعْدَ الْإِنَابَةِ وَالتَّوْبَةِ [[تفسير الطبري (١٤/٦٤) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) ﴾ يقول تعالى ذكره لعبدة الأوثان والأصنام: أفمن يخلق هذه الخلائق العجيبة التي عددناها عليكم وينعم عليكم هذه النعم العظيمة، كمن لا يخلق شيئا ولا ينعم عليكم نعمة صغيرة ولا كبيرة؟ يقول: أتشركون هذا في عبادة هذا؟ يعرّفهم بذلك عظم جهلهم، وسوء نظرهم لأنفسهم، وقلَّة شكرهم لمن أنعم عليهم بالنعم التي عدّدها عليهم، التي لا يحصيها أحد غيره، قال لهم جلّ ثناؤه موبخهم ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيها الناس يقول: أفلا تذكرون نعم الله عليكم، وعظيم سُلطانه وقُدرته على ما شاء، وعجز أوثانكم وضعفها ومهانتها، وأنها لا تجلب إلى نفسها نفعا ولا تدفع عنها ضرّا، فتعرفوا بذلك خطأ ما أنتم عليه مقيمون من عبادتكموها وإقراركم لها بالألوهة؟ كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ والله هو الخالق الرازق، وهذه الأوثان التي تعبد من دون الله تخلق ولا تخلق شيئا، ولا تملك لأهلها ضرّا ولا نفعا، قال الله ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ . وقيل ﴿كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ هو الوثن والصنم، و "من" لذوي التمييز خاصة، فجعل في هذا الموضع لغيرهم للتمييز، إذ وقع تفصيلا بين من يخلق ومن لا يخلق، ومحكيّ عن العرب: اشتبه عليّ الراكب وجمله، فما أدرى من ذا ومن ذا، حيث جمعا، وأحدهما إنسان حسنت من فيهما جميعا. ومنه قول الله عزّ وجلّ ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ وقوله ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ لا تطيقوا أداء شكرها، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يقول جلّ ثناؤه: إن الله لغفور لما كان منكم من تقصير في شكر بعض ذلك إذا تبتم وأنبتم إلى طاعته واتباع مرضاته، رحيم بكم أن يعذبكم عليه بعد الإنابة إليه والتوبة.

Al-Mukhtasar (français)

Ô gens, si vous tentiez de dénombrer les bienfaits dont Allah vous a comblés, vous n’en seriez pas capables car ils sont trop nombreux et variés. Allah est Pardonneur puisqu’Il ne vous reproche pas d’oublier de Lui être reconnaissant et Miséricordieux dans le sens où Il ne suspend pas Ses bienfaits malgré votre désobéissance et votre ingratitude.

19

وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ

Et Allah sait ce que vous cachez et ce que vous divulguez.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يَعْلَمُ الضَّمَائِرَ وَالسَّرَائِرَ كَمَا يَعْلَمُ الظَّوَاهِرَ، وَسَيَجْزِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ الْأَصْنَامَ الَّتِي يَدْعُونَهَا [[في ت: "تدعونها".]] مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٩٥، ٩٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ أَيْ: هِيَ جَمَادَاتٌ لَا أَرْوَاحَ فِيهَا [[في ت، ف، أ: "لها".]] فَلَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَعْقِلُ. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أَيْ: لَا يَدْرُونَ مَتَى تَكُونُ السَّاعَةُ، فَكَيْفَ يُرْتَجَى عِنْدَ هَذِهِ نَفْعٌ أَوْ ثَوَابٌ أَوْ جَزَاءٌ؟ إِنَّمَا يُرْتَجَى [[في ت، ف، أ: "يرجى".]] ذَلِكَ مِنَ الَّذِي يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، وهو خالق كل شيء.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: والله الذي هو إلهكم أيها الناس، يعلم ما تسرّون في أنفسكم من ضمائركم فتخفونه عن غيركم، فما تبدونه بألسنتكم وجوارحكم وما تعلنونه بألسنتكم وجوارحكم وأفعالكم، وهو محص ذلك كله عليكم، حتى يجازيكم به يوم القيامة، المحسن منكم بإحسانه، والمسيء منكم بإساءته، ومُسائلكم عما كان منكم من الشكر في الدنيا على نعمه التي أنعمها عليكم فيها التي أحصيتم، والتي لم تحصوا، وقوله (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) يقول تعالى ذكره: وأوثانكم الذين تدعون من دون الله أيها الناس آلهة لا تخلق شيئا وهي تخلق، فكيف يكون إلها ما كان مصنوعا مدبرا، لا تملك لأنفسها نفعا ولا ضرّا.

Al-Mukhtasar (français)

Ô serviteurs, Allah connaît les œuvres que vous dissimulez aussi bien qu’Il connaît celles que vous manifestez. Rien ne Lui échappe et Il vous rétribuera pour tout ce que vous faites.

20

وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ

Et ceux qu'ils invoquent en dehors d'Allah ne créent rien, et ils sont eux-mêmes créés.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يَعْلَمُ الضَّمَائِرَ وَالسَّرَائِرَ كَمَا يَعْلَمُ الظَّوَاهِرَ، وَسَيَجْزِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ الْأَصْنَامَ الَّتِي يَدْعُونَهَا [[في ت: "تدعونها".]] مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٩٥، ٩٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ أَيْ: هِيَ جَمَادَاتٌ لَا أَرْوَاحَ فِيهَا [[في ت، ف، أ: "لها".]] فَلَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَعْقِلُ. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أَيْ: لَا يَدْرُونَ مَتَى تَكُونُ السَّاعَةُ، فَكَيْفَ يُرْتَجَى عِنْدَ هَذِهِ نَفْعٌ أَوْ ثَوَابٌ أَوْ جَزَاءٌ؟ إِنَّمَا يُرْتَجَى [[في ت، ف، أ: "يرجى".]] ذَلِكَ مِنَ الَّذِي يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، وهو خالق كل شيء.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: والله الذي هو إلهكم أيها الناس، يعلم ما تسرّون في أنفسكم من ضمائركم فتخفونه عن غيركم، فما تبدونه بألسنتكم وجوارحكم وما تعلنونه بألسنتكم وجوارحكم وأفعالكم، وهو محص ذلك كله عليكم، حتى يجازيكم به يوم القيامة، المحسن منكم بإحسانه، والمسيء منكم بإساءته، ومُسائلكم عما كان منكم من الشكر في الدنيا على نعمه التي أنعمها عليكم فيها التي أحصيتم، والتي لم تحصوا، وقوله (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) يقول تعالى ذكره: وأوثانكم الذين تدعون من دون الله أيها الناس آلهة لا تخلق شيئا وهي تخلق، فكيف يكون إلها ما كان مصنوعا مدبرا، لا تملك لأنفسها نفعا ولا ضرّا.

Al-Mukhtasar (français)

Ceux que les polythéistes adorent à la place d’Allah ne créent rien, pas même quelque chose d’insignifiant. Pire, ces idoles ont été façonnées par ceux qui les adorent. Comment est-il concevable qu’ils adorent à la place d’Allah ce qu’ils façonnent de leurs propres mains?!

21

أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍۢ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ

Ils sont morts, et non pas vivants, et ils ne savent pas quand ils seront ressuscités.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يَعْلَمُ الضَّمَائِرَ وَالسَّرَائِرَ كَمَا يَعْلَمُ الظَّوَاهِرَ، وَسَيَجْزِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ الْأَصْنَامَ الَّتِي يَدْعُونَهَا [[في ت: "تدعونها".]] مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٩٥، ٩٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ أَيْ: هِيَ جَمَادَاتٌ لَا أَرْوَاحَ فِيهَا [[في ت، ف، أ: "لها".]] فَلَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَعْقِلُ. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أَيْ: لَا يَدْرُونَ مَتَى تَكُونُ السَّاعَةُ، فَكَيْفَ يُرْتَجَى عِنْدَ هَذِهِ نَفْعٌ أَوْ ثَوَابٌ أَوْ جَزَاءٌ؟ إِنَّمَا يُرْتَجَى [[في ت، ف، أ: "يرجى".]] ذَلِكَ مِنَ الَّذِي يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، وهو خالق كل شيء.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) ﴾ يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين من قريش: والذين تدعون من دون الله أيها الناس ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ وجعلها جلّ ثناؤه أمواتا غير أحياء، إذ كانت لا أرواح فيها. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ وهي هذه الأوثان التي تُعبد من دون الله أموات لا أرواح فيها، ولا تملك لأهلها ضرّا ولا نفعا، وفي رفع الأموات وجهان: أحدهما أن يكون خبرا للذين، والآخر على الاستئناف وقوله ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يقول: وما تدري أصنامكم التي تدعون من دون الله متى تبعث، وقيل: إنما عنى بذلك الكفار، إنهم لا يدرون متى يبعثون. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: معبودكم الذي يستحقّ عليكم العبادة، وإفراد الطاعة له دون سائر الأشياء: معبود واحد، لأنه لا تصلح العبادة إلا له، فأفردوا له الطاعة وأخلصوا له العبادة، ولا تجعلوا معه شريكا سواه ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: فالذين لا يصدّقون بوعد الله ووعيده، ولا يقرّون بالمعاد إليه بعد الممات قلوبهم منكرة، يقول تعالى ذكره: مستنكرة لما نقص عليهم من قدرة الله وعظمته، وجميل نعمه عليهم، وأن العبادة لا تصلح إلا له، والألوهة ليست لشيء غيره يقول: وهم مستكبرون عن إفراد الله بالألوهة، والإقرار له بالوحدانية، اتباعا منهم لما مضى عليه من الشرك بالله أسلافهم. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ لهذا الحديث الذي مضى، وهم مستكبرون عنه.

Al-Mukhtasar (français)

Ils n’ont façonné que des formes inertes qui n’ont ni vie ni connaissance puisque ces idoles ne savent pas quand elles seront ressuscitées avec leurs adorateurs le Jour de la Résurrection pour être jetés ensemble dans le feu de l’Enfer.

22

إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌۭ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ

Votre Dieu est un Dieu unique. Ceux qui ne croient pas en l'au-delà leurs cœurs nient (l'unicité d'Allah) et ils sont remplis d'orgueil.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الْفَرْدُ الصَّمَدُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْكَافِرِينَ تُنكر [[في ت: "ينكر".]] قُلُوبُهُمْ ذَلِكَ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ مُتَعَجِّبِينَ مِنْ ذَلِكَ: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزُّمَرِ:٤٥] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ أَيْ: عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ مَعَ إِنْكَارِ قُلُوبِهِمْ لِتَوْحِيدِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِرٍ:٦٠] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لَا جَرَمَ﴾ أَيْ: حَقًّا ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أَيْ: وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَتَمَّ الْجَزَاءَ، ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) ﴾ يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين من قريش: والذين تدعون من دون الله أيها الناس ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ وجعلها جلّ ثناؤه أمواتا غير أحياء، إذ كانت لا أرواح فيها. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ وهي هذه الأوثان التي تُعبد من دون الله أموات لا أرواح فيها، ولا تملك لأهلها ضرّا ولا نفعا، وفي رفع الأموات وجهان: أحدهما أن يكون خبرا للذين، والآخر على الاستئناف وقوله ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يقول: وما تدري أصنامكم التي تدعون من دون الله متى تبعث، وقيل: إنما عنى بذلك الكفار، إنهم لا يدرون متى يبعثون. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: معبودكم الذي يستحقّ عليكم العبادة، وإفراد الطاعة له دون سائر الأشياء: معبود واحد، لأنه لا تصلح العبادة إلا له، فأفردوا له الطاعة وأخلصوا له العبادة، ولا تجعلوا معه شريكا سواه ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: فالذين لا يصدّقون بوعد الله ووعيده، ولا يقرّون بالمعاد إليه بعد الممات قلوبهم منكرة، يقول تعالى ذكره: مستنكرة لما نقص عليهم من قدرة الله وعظمته، وجميل نعمه عليهم، وأن العبادة لا تصلح إلا له، والألوهة ليست لشيء غيره يقول: وهم مستكبرون عن إفراد الله بالألوهة، والإقرار له بالوحدانية، اتباعا منهم لما مضى عليه من الشرك بالله أسلافهم. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ لهذا الحديث الذي مضى، وهم مستكبرون عنه.

Al-Mukhtasar (français)

Le Seul Etre méritant d’être adoré est Un et n’a pas d’associé: c’est Allah. Les cœurs de ceux qui ne croient pas en la Résurrection et en la Rétribution rejettent l’Unicité d’Allah puisqu’ils ne Le craignent pas. En effet, ces cœurs ne croient ni à la Reddition de Comptes ni à la punition qu’ils encourent et de surcroît, ils rejettent la vérité avec arrogance et ne s’y soumettent pas.

23

لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ

Nul doute qu'Allah sait ce qu'ils cachent et ce qu'ils divulguent. Et assurément Il n'aime pas les orgueilleux.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الْفَرْدُ الصَّمَدُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْكَافِرِينَ تُنكر [[في ت: "ينكر".]] قُلُوبُهُمْ ذَلِكَ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ مُتَعَجِّبِينَ مِنْ ذَلِكَ: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزُّمَرِ:٤٥] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ أَيْ: عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ مَعَ إِنْكَارِ قُلُوبِهِمْ لِتَوْحِيدِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِرٍ:٦٠] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لَا جَرَمَ﴾ أَيْ: حَقًّا ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أَيْ: وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَتَمَّ الْجَزَاءَ، ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله: لا جرم حقا أن الله يعلم ما يسرّ هؤلاء المشركون من إنكارهم ما ذكرنا من الأنباء في هذه السورة، واعتقادهم نكير قولنا لهم: إلهكم إله واحد، واستكبارهم على الله، وما يعلنون من كفرهم بالله وفريتهم عليه ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ يقول: إن الله لا يحب المستكبرين عليه أن يوحدوه ويخلعوا ما دونه من الآلهة والأنداد. كما:- ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: ثنا مسعر، عن رجل: أن الحسن بن عليّ كان يجلس إلى المساكين، ثم يقول ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِين﴾ . * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (٢٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة من المشركين، ماذا أنزل ربكم، أيّ شيء أنزل ربكم، قالوا: الذي أنزل ما سطَّره الأوّلون من قبلنا من الأباطيل. وكان ذلك كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ يقول: أحاديث الأوّلين وباطلهم، قال ذلك قوم من مشركي العرب كانوا يقعدون بطريق من أتى نبيّ الله ﷺ، فإذا مرّ بهم أحد من المؤمنين، يريد نبيّ الله ﷺ، قالوا لهم: أساطير الأوّلين، يريد: أحاديث الأوّلين وباطلهم. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ يقول: أحاديث الأوّلين.

Al-Mukhtasar (français)

En vérité, Allah connaît les agissements secrets de ces gens tout comme leurs agissements manifestes. Rien ne Lui en échappe et Il les rétribuera en conséquence de ce qu’ils font. Il n’aime pas ceux qui refusent avec orgueil de L’adorer et de se soumettre à Lui. Il les abhorre plutôt au plus haut point.

24

وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوٓا۟ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ

Et lorsqu'on leur dit: «Qu'est-ce que votre Seigneur a fait descendre?» Ils disent: «Des légendes anciennes!»

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: وَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ: ﴿مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ قَالُوا﴾ مُعْرِضِينَ عَنِ الْجَوَابِ: ﴿أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أَيْ: لَمْ يُنْزِلْ شَيْئًا، إِنَّمَا هَذَا الَّذِي يُتْلَى عَلَيْنَا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، أَيْ: مَأْخُوذٌ مِنْ كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٥] أَيْ: يَفْتَرُونَ عَلَى الرَّسُولِ، وَيَقُولُونَ [فِيهِ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] أَقْوَالًا مُخْتَلِفَةً مُتَضَادَّةً [[في ت، ف،: "متضادة مختلفة".]] ، كُلُّهَا بَاطِلَةٌ [[في ت، ف، أ: "باطل".]] كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٩] ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْحَقِّ فَمَهْمَا قَالَ أَخْطَأَ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: سَاحِرٌ، وَشَاعِرٌ، وَكَاهِنٌ، وَمَجْنُونٌ. ثُمَّ اسْتَقَرَّ أَمْرُهُمْ إِلَى مَا اخْتَلَقَهُ لَهُمْ شَيْخُهُمُ الْوَحِيدُ الْمُسَمَّى بِالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ، لَمَّا ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ١٨ -٢٤] أَيْ: يُنْقَلُ وَيُحْكَى، فَتَفَرَّقُوا عَنْ قَوْلِهِ وَرَأْيهِ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أَيْ: إِنَّمَا قَدَّرْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ فَيَتَحَمَّلُوا [[في ت، ف، أ: "ليتحملوا".]] أَوْزَارَهُمْ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يَتْبَعُونَهُمْ وَيُوَافِقُونَهُمْ، أَيْ: يَصِيرُ [[في ف: "تصير".]] عَلَيْهِمْ خَطِيئَةُ ضَلَالِهِمْ [[في ف: "عنادهم".]] فِي أَنْفُسِهِمْ، وَخَطِيئَةُ إِغْوَائِهِمْ لِغَيْرِهِمْ وَاقْتِدَاءِ أُولَئِكَ بِهِمْ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ دَعَا إِلَى هُدى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مثلُ آثَامِ مَنِ اتَّبَعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ من آثامهم شيئًا". وَقَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من ت.]] تَعَالَى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ١٣] . وَهَكَذَا [[في ت، أ: "لهذا".]] رَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إِنَّهَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ١٣] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَحْمِلُونَ أَثْقَالَهُمْ: ذُنُوبَهُمْ وَذُنُوبَ مَنْ أَطَاعَهُمْ، وَلَا يُخَفَّفُ عَمَّنْ أَطَاعَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ شَيْئًا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله: لا جرم حقا أن الله يعلم ما يسرّ هؤلاء المشركون من إنكارهم ما ذكرنا من الأنباء في هذه السورة، واعتقادهم نكير قولنا لهم: إلهكم إله واحد، واستكبارهم على الله، وما يعلنون من كفرهم بالله وفريتهم عليه ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ يقول: إن الله لا يحب المستكبرين عليه أن يوحدوه ويخلعوا ما دونه من الآلهة والأنداد. كما:- ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: ثنا مسعر، عن رجل: أن الحسن بن عليّ كان يجلس إلى المساكين، ثم يقول ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِين﴾ . * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (٢٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة من المشركين، ماذا أنزل ربكم، أيّ شيء أنزل ربكم، قالوا: الذي أنزل ما سطَّره الأوّلون من قبلنا من الأباطيل. وكان ذلك كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ يقول: أحاديث الأوّلين وباطلهم، قال ذلك قوم من مشركي العرب كانوا يقعدون بطريق من أتى نبيّ الله ﷺ، فإذا مرّ بهم أحد من المؤمنين، يريد نبيّ الله ﷺ، قالوا لهم: أساطير الأوّلين، يريد: أحاديث الأوّلين وباطلهم. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ يقول: أحاديث الأوّلين.

Al-Mukhtasar (français)

Quand on demande à ces gens qui rejettent l’Unicité d’Allah et démentent la réalité de la Ressuscitation « Qu’a révélé Allah à Muħammad? », ils répondent: Il ne lui a rien révélé. Il a plutôt inventé les mêmes légendes et mythes que les anciens ont inventés.

25

لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةًۭ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ

Qu'ils portent donc, au Jour de la Résurrection, tous les fardeaux de leurs propres œuvres ainsi qu'une partie des fardeaux de ceux qu'ils égarent, sans le savoir; combien est mauvais [le fardeau] qu'ils portent!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: وَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ: ﴿مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ قَالُوا﴾ مُعْرِضِينَ عَنِ الْجَوَابِ: ﴿أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أَيْ: لَمْ يُنْزِلْ شَيْئًا، إِنَّمَا هَذَا الَّذِي يُتْلَى عَلَيْنَا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، أَيْ: مَأْخُوذٌ مِنْ كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٥] أَيْ: يَفْتَرُونَ عَلَى الرَّسُولِ، وَيَقُولُونَ [فِيهِ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] أَقْوَالًا مُخْتَلِفَةً مُتَضَادَّةً [[في ت، ف،: "متضادة مختلفة".]] ، كُلُّهَا بَاطِلَةٌ [[في ت، ف، أ: "باطل".]] كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٩] ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْحَقِّ فَمَهْمَا قَالَ أَخْطَأَ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: سَاحِرٌ، وَشَاعِرٌ، وَكَاهِنٌ، وَمَجْنُونٌ. ثُمَّ اسْتَقَرَّ أَمْرُهُمْ إِلَى مَا اخْتَلَقَهُ لَهُمْ شَيْخُهُمُ الْوَحِيدُ الْمُسَمَّى بِالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ، لَمَّا ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ١٨ -٢٤] أَيْ: يُنْقَلُ وَيُحْكَى، فَتَفَرَّقُوا عَنْ قَوْلِهِ وَرَأْيهِ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أَيْ: إِنَّمَا قَدَّرْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ فَيَتَحَمَّلُوا [[في ت، ف، أ: "ليتحملوا".]] أَوْزَارَهُمْ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يَتْبَعُونَهُمْ وَيُوَافِقُونَهُمْ، أَيْ: يَصِيرُ [[في ف: "تصير".]] عَلَيْهِمْ خَطِيئَةُ ضَلَالِهِمْ [[في ف: "عنادهم".]] فِي أَنْفُسِهِمْ، وَخَطِيئَةُ إِغْوَائِهِمْ لِغَيْرِهِمْ وَاقْتِدَاءِ أُولَئِكَ بِهِمْ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ دَعَا إِلَى هُدى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مثلُ آثَامِ مَنِ اتَّبَعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ من آثامهم شيئًا". وَقَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من ت.]] تَعَالَى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ١٣] . وَهَكَذَا [[في ت، أ: "لهذا".]] رَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إِنَّهَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ١٣] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَحْمِلُونَ أَثْقَالَهُمْ: ذُنُوبَهُمْ وَذُنُوبَ مَنْ أَطَاعَهُمْ، وَلَا يُخَفَّفُ عَمَّنْ أَطَاعَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ شَيْئًا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: يقول هؤلاء المشركون لمن سألهم، ماذا أنزل ربكم الذي أنزل ربنا فيما يزعم محمد عليه: أساطير الأوّلين، لتكون لهم ذنوبهم التي هم عليها مقيمون من تكذيبهم الله، وكفرهم بما أنزل على رسوله ﷺ، ومن ذنوب الذين يصدّونهم عن الإيمان بالله يضلون يفتنون منهم بغير علم، وقوله ﴿أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ يقول: ألا ساء الإثم الذي يأثمون، والثقل الذي يتحملون. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ومن أوزار من أضلوا احتمالهم ذنوب أنفسهم، وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئا. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. نحوه، إلا أنه قال: ومن أوزار الذين يضلونهم حملهم ذنوب أنفسهم، وسائر الحديث مثله. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ قال: حملهم ذنوب أنفسهم وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئا. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي ذنوبهم وذنوب الذين يضلونهم بغير علم، ﴿أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يقول: يحملون ذنوبهم، وذلك مثل قوله ﴿وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ يقول: يحملون مع ذنوبهم الذين يُضِلُّونهم بغير علم. ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ قال: قال: النبيّ ﷺ " أَيُّمَا دَاعٍ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ فَاتُّبِعَ، فَإِنَّ لَهُ مِثْلَ أَوْزَارِ مَنْ اتَّبَعَهُ من غَيْرِ أنْ يُنْقَصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ، وَأَيُّمَا دَاعٍ دَعَا إِلَى هُدًى فَاتُّبِعَ فَلَهُ مِثْلَ أُجُورِهِمْ من غَيْرِ أنْ يُنْقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ". ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن رجل، قال: قال زيد بن أسلم:" أنه بلغه أنه يتمثل للكافر عمله في صورة أقبح ما خلق الله وجها وأنتنه ريحًا، فيجلس إلى جنبه، كلما أفزعه شيء زاده فزعا وكلما تخوّف شيئا زاده خوفا، فيقول: بئس الصاحب أنت، ومن أنت؟ فيقول: وما تعرفني؟ فيقول: لا فيقول: أنا عملك كان قبيحا، فلذلك تراني قبيحا، وكان منتنا فلذلك تراني منتنا، طأطئ إلىّ أركبك فطالما ركبتني في الدنيا، فيركبه، وهو قوله ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

Al-Mukhtasar (français)

Que leur sort soit donc de payer pour tous les péchés qu’ils ont commis sans que rien ne leur en soit pardonné ainsi que les péchés que ceux qu’ils ont égarés de l’Islam et qui les ont suivis par ignorance ou mimétisme. Que les péchés dont ils sont responsables et que les péchés de leurs adeptes sont hideux!

26

قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَٰنَهُم مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ

Ceux qui ont vécu avant eux, certes, ont comploté, mais Allah attaqua les bases mêmes de leur bâtisse. Le toit s'écroula au-dessus d'eux et le châtiment les surprit d'où ils ne l'avaient pas pressenti.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قَالَ: هُوَ نَمْرُودُ الَّذِي [[في ت، ف: أ: "حين".]] بَنَى الصَّرْحَ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوُهُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أولُ جَبَّارٍ كَانَ فِي الْأَرْضِ نَمْرُودُ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعُوضة، فَدَخَلَتْ فِي مَنْخِرِهِ، فَمَكَثَ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ يُضْرَبُ رَأْسُهُ بِالْمَطَارِقِ، وَأَرْحَمُ النَّاسِ بِهِ مَنْ جَمَعَ يَدَيْهِ فَضَرَبَ بِهِمَا رَأْسَهُ، وَكَانَ جَبَّارًا أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، فَعَذَّبَهُ اللَّهُ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ كَمُلْكِهِ، ثُمَّ أَمَاتَهُ اللَّهُ. وَهُوَ الَّذِي كَانَ بَنَى صَرْحًا إِلَى السَّمَاءِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ بُخْتُنَصَّرُ. وَذَكَرُوا مِنَ الْمَكْرِ الَّذِي حَكَى اللَّهُ هَاهُنَا، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٤٦] . وَقَالَ آخَرُونَ: هَذَا مِنْ بَابِ الْمَثَلِ، لِإِبْطَالِ مَا صَنَعَهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَأَشْرَكُوا فِي عِبَادَتِهِ غَيْرَهُ، كَمَا قَالَ نُوحٌ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٢] أَيِ: احْتَالُوا فِي إِضْلَالِ النَّاسِ بِكُلِّ حِيلَةٍ وَأَمَالُوهُمْ إِلَى شِرْكِهِمْ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ، كَمَا يَقُولُ لَهُمْ أَتْبَاعُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [الْآيَةَ] [[زيادة من ف.]] [سَبَأٍ: ٣٣] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ أَيِ: اجْتَثَّهُ مِنْ أَصْلِهِ، وَأَبْطَلَ عَمَلَهُمْ، وَأَصْلَهَا [[في ت، ف، أ: "وأصله".]] كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ﴾ [الْحَشْرِ: ٢] . وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ أَيْ: يُظْهِرُ فَضَائِحَهُمْ، وَمَا كَانَتْ تُجنّه ضَمَائِرُهُمْ، فَيَجْعَلُهُ عَلَانِيَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطَّارِقِ: ٩] أَيْ: تَظْهَرُ وَتَشْتَهِرُ [[في ت: "يظهر ويستتر".]] ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ [[في ت: "الصحيح".]] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اسْتِهِ بِقَدْرِ غَدْرَته، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَة فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ" [[صحيح البخاري برقم (٣١٨٨) وصحيح مسلم برقم (١٧٣٥) .]] . وَهَكَذَا هَؤُلَاءِ، يَظْهَرُ لِلنَّاسِ مَا كَانُوا يُسِرُّونَهُ مِنَ الْمَكْرِ، وَيُخْزِيهِمُ اللَّهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ، وَيَقُولُ لَهُمُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُقَرِّعًا لَهُمْ وَمُوَبِّخًا: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ تُحَارِبُونَ وَتُعَادُونَ فِي سَبِيلِهِمْ، [أَيْ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] : أَيْنَ هُمْ عَنْ نَصْرِكُمْ وَخَلَاصِكُمْ هَاهُنَا؟ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٩٣] ، ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ [الطَّارِقِ: ١٠] . فَإِذَا تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، وَقَامَتْ عَلَيْهِمُ الدَّلَالَةُ، وَحَقَّتْ عَلَيْهِمُ الْكَلِمَةُ، وَأُسْكِتُوا عَنِ الِاعْتِذَارِ حِينَ لَا فِرَارَ [[في ت، ف، أ: "لا قرار".]] ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ -وَهُمُ السَّادَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْمُخْبِرُونَ عَنِ الْحَقِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَيَقُولُونَ حِينَئِذٍ: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أَيِ: الْفَضِيحَةَ وَالْعَذَابَ الْيَوْمَ [مُحِيطٌ] [[زيادة من ف.]] بِمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، وَأَشْرَكَ بِهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: قد مكر الذين من قبل هؤلاء المشركين الذين يصدّون عن سبيل الله، من أراد اتباع دين الله، فراموا مغالبة الله ببناء بَنَوه، يريدون بزعمهم الارتفاع إلى السماء لحرب من فيها، وكان الذي رام ذلك فيما ذُكر لنا جبار من جبابرة النَّبَط، فقال بعضهم: هو نمرود بن كنعان، وقال بعضهم: هو بختنصر، وقد ذكرت بعض أخبارهما في سورة إبراهيم. وقيل: إن الذي ذُكر في هذا الموضع هو الذي ذكره الله في سورة إبراهيم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: أمر الذي حاجّ إبراهيم في ربه بإبراهيم فأُخْرِج، يعني من مدينته، قال: فلقي لوطا على باب المدينة وهو ابن أخيه، فدعاه فآمن به، وقال: إني مهاجر إلى ربي، وحلف نمرود أن يطلب إله إبراهيم، فأخذ أربعة أفراخ من فِراخ النسور، فرباهنّ باللحم والخبز حتى كبرن وغلظن واستعلجن، فربطهنّ في تابوت، وقعد في ذلك التابوت ثم رفع لهنّ رجلا من لحم، فطرن، حتى إذا ذهبن في السماء أشرف ينظر إلى الأرض، فرأى الجبال تدبّ كدبيب النمل، ثم رفع لهنّ اللحم، ثم نظر فرأى الأرض محيطا بها بحر كأنها فلكة في ماء، ثم رفع طويلا فوقع في ظلمة، فلم ير ما فوقه وما تحته، ففزع، فألقى اللحم، فاتبعته منقضَّات، فلما نظرت الجبال إليهنّ، وقد أقبلن منقضات وسمعت حفيفهنّ، فزعت الجبال، وكادت أن تزول من أمكنتها ولم يفعلن وذلك قول الله تعالى ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ وهي في قراءة ابن مسعود: "وَإنْ كَادَ مَكْرُهُمْ". فكان طَيْرُورتهن به من بيت المقدس ووقوعهن به في جبل الدخان، فلما رأى أنه لا يطيق شيئا أخذ في بنيان الصرح، فبنى حتى إذا شيده إلى السماء ارتقى فوقه ينظر، يزعم إلى إله إبراهيم، فأحدث، ولم يكن يُحدث وأخذ الله بنيانه من القواعد ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ يقول: من مأمنهم، وأخذهم من أساس الصرح، فتنقَّض بهم، فسقط، فتبلبلت ألسن الناس يومئذ من الفزع، فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا، فلذلك سميت بابل، وإنما كان لسان الناس من قبل ذلك بالسريانية. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي. عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ قال: هو نمرود حين بنى الصرح. ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم: إن أوّل جبار كان في الأرض نمرود، فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره، فمكث أربع مئة سنة يُضرب رأسه بالمطارق، أرحم الناس به من جمع يديه، فضرب رأسه بهما، وكان جبارا أربع مئة سنة، فعذّبه الله أربع مئة سنة كمُلكه، ثم أماته الله، وهو الذي كان بنى صَرْحا إلى السماء، وهو الذي قال الله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ . وأما قوله ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ فإن معناه: هدم الله بنيانهم من أصله، والقواعد: جمع قاعدة، وهي الأساس، وكان بعضهم يقول: هذا مثَل للاستئصال، وإنما معناه: إن الله استأصلهم، وقال: العرب تقول ذلك إذا استؤصل الشيء. * * وقوله ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: فخرّ عليهم السقف من فوقهم: أعالي بيوتهم من فوقهم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ إي والله، لأتاها أمر الله من أصلها ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ والسقف: أعالي البيوت، فائتفكت بهم بيوتهم فأهلكهم الله ودمرهم ﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ قال: أتى الله بنيانهم من أصوله، فخرّ عليهم السقف. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ قال: مكر نمرود بن كنعان الذي حاجّ إبراهيم في ربه. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. وقال آخرون: عنى بقوله ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أن العذاب أتاهم من السماء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يقول: عذاب من السماء لمَّا رأوه استسلموا وذلوا. وأولى القولين بتأويل الآية، قول من قال: معنى ذلك: تساقطت عليهم سقوف بيوتهم، إذ أتى أصولها وقواعدها أمر الله، فائتفكت بهم منازلهم لأن ذلك هو الكلام المعروف من قواعد البنيان، وخرّ السقف، وتوجيه معاني كلام الله إلى الأشهر الأعرف منها، أولى من توجيهها إلى غير ذلك ما وُجِد إليه سبيل ﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: وأتى هؤلاء الذين مكروا من قَبْل مشركي قريش، عذاب الله من حيث لا يدرون أنه أتاهم منه.

Al-Mukhtasar (français)

Les mécréants du passé ont précédé ceux-là dans ce qu’ils ourdissaient comme complots contre leurs messagers mais Allah a démoli leur édifice à sa base. Son toit s’écroula au-dessus de leurs têtes et le châtiment s’abattit sur eux d’où ils ne s’y attendaient pas, puisqu’ils étaient convaincus que leurs édifices les protégeaient. Or ils furent anéantis à l’intérieur même de ces édifices.

27

ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَٰٓقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ

Puis, le Jour de la Résurrection, Il les couvrira d'ignominie, et [leur] dira: «Où sont Mes associés pour lesquels vous combattiez?» - Ceux qui ont le savoir diront: «L'ignominie et le malheur tombent aujourd'hui sur les mécréants».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قَالَ: هُوَ نَمْرُودُ الَّذِي [[في ت، ف: أ: "حين".]] بَنَى الصَّرْحَ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوُهُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أولُ جَبَّارٍ كَانَ فِي الْأَرْضِ نَمْرُودُ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعُوضة، فَدَخَلَتْ فِي مَنْخِرِهِ، فَمَكَثَ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ يُضْرَبُ رَأْسُهُ بِالْمَطَارِقِ، وَأَرْحَمُ النَّاسِ بِهِ مَنْ جَمَعَ يَدَيْهِ فَضَرَبَ بِهِمَا رَأْسَهُ، وَكَانَ جَبَّارًا أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، فَعَذَّبَهُ اللَّهُ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ كَمُلْكِهِ، ثُمَّ أَمَاتَهُ اللَّهُ. وَهُوَ الَّذِي كَانَ بَنَى صَرْحًا إِلَى السَّمَاءِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ بُخْتُنَصَّرُ. وَذَكَرُوا مِنَ الْمَكْرِ الَّذِي حَكَى اللَّهُ هَاهُنَا، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٤٦] . وَقَالَ آخَرُونَ: هَذَا مِنْ بَابِ الْمَثَلِ، لِإِبْطَالِ مَا صَنَعَهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَأَشْرَكُوا فِي عِبَادَتِهِ غَيْرَهُ، كَمَا قَالَ نُوحٌ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٢] أَيِ: احْتَالُوا فِي إِضْلَالِ النَّاسِ بِكُلِّ حِيلَةٍ وَأَمَالُوهُمْ إِلَى شِرْكِهِمْ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ، كَمَا يَقُولُ لَهُمْ أَتْبَاعُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [الْآيَةَ] [[زيادة من ف.]] [سَبَأٍ: ٣٣] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ أَيِ: اجْتَثَّهُ مِنْ أَصْلِهِ، وَأَبْطَلَ عَمَلَهُمْ، وَأَصْلَهَا [[في ت، ف، أ: "وأصله".]] كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ﴾ [الْحَشْرِ: ٢] . وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ أَيْ: يُظْهِرُ فَضَائِحَهُمْ، وَمَا كَانَتْ تُجنّه ضَمَائِرُهُمْ، فَيَجْعَلُهُ عَلَانِيَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطَّارِقِ: ٩] أَيْ: تَظْهَرُ وَتَشْتَهِرُ [[في ت: "يظهر ويستتر".]] ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ [[في ت: "الصحيح".]] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اسْتِهِ بِقَدْرِ غَدْرَته، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَة فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ" [[صحيح البخاري برقم (٣١٨٨) وصحيح مسلم برقم (١٧٣٥) .]] . وَهَكَذَا هَؤُلَاءِ، يَظْهَرُ لِلنَّاسِ مَا كَانُوا يُسِرُّونَهُ مِنَ الْمَكْرِ، وَيُخْزِيهِمُ اللَّهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ، وَيَقُولُ لَهُمُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُقَرِّعًا لَهُمْ وَمُوَبِّخًا: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ تُحَارِبُونَ وَتُعَادُونَ فِي سَبِيلِهِمْ، [أَيْ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] : أَيْنَ هُمْ عَنْ نَصْرِكُمْ وَخَلَاصِكُمْ هَاهُنَا؟ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٩٣] ، ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ [الطَّارِقِ: ١٠] . فَإِذَا تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، وَقَامَتْ عَلَيْهِمُ الدَّلَالَةُ، وَحَقَّتْ عَلَيْهِمُ الْكَلِمَةُ، وَأُسْكِتُوا عَنِ الِاعْتِذَارِ حِينَ لَا فِرَارَ [[في ت، ف، أ: "لا قرار".]] ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ -وَهُمُ السَّادَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْمُخْبِرُونَ عَنِ الْحَقِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَيَقُولُونَ حِينَئِذٍ: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أَيِ: الْفَضِيحَةَ وَالْعَذَابَ الْيَوْمَ [مُحِيطٌ] [[زيادة من ف.]] بِمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، وَأَشْرَكَ بِهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: فعل الله بهؤلاء الذين مكروا الذين وصف الله جلّ ثناؤه أمرهم ما فعل بهم في الدنيا، من تعجيل العذاب لهم، والانتقام بكفرهم، وجحودهم وحدانيته، ثم هو مع ذلك يوم القيامة مخزيهم، فمذلهم بعذاب أليم، وقائل لهم عند ورودهم عليه ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ أصله: من شاققت فلانا فهو يشاقُّني، وذلك إذا فعل كلّ واحد منهما بصاحبه ما يشقّ عليه. يقول تعالى ذكره يوم القيامة تقريعا للمشركين بعبادتهم الأصنام: أين شركائي؟ يقول: أين الذين كنتم تزعمون في الدنيا أنهم شركائي اليوم، ما لهم لا يحضرونكم، فيدفعوا عنكم ما أنا مُحلّ بكم من العذاب، فقد كنتم تعبدونهم في الدنيا، وتتولونهم، والوليّ ينصر وليه، وكانت مشاقتهم الله في أوثانهم مخالفتهم إياه في عبادتهم. كما:- ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ يقول: تخالفوني. * * وقوله ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يعني: الذلة والهوان والسوء، يعني: عذاب الله على الكافرين.

Al-Mukhtasar (français)

Ensuite, Allah les rabaissera et les humiliera en les châtiant. Il leur dira alors: Où sont les associés que vous adoriez avec Moi et pour lesquels vous combattiez Mes messagers et les croyants? Les savants transcendants diront en guise de réponse: L’opprobre et le châtiment seront le lot des mécréants.

28

ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا۟ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوٓءٍۭ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

Ceux à qui les Anges ôtent la vie, alors qu'ils sont injustes envers eux-mêmes, se soumettront humiliés, (et diront): «Nous ne faisions pas de mal!» - «Mais, en fait, Allah sait bien ce que vous faisiez».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حَالِ الْمُشْرِكِينَ الظَّالِمِي أَنْفُسِهِمْ عِنْدَ احْتِضَارِهِمْ وَمَجِيءِ الْمَلَائِكَةِ إِلَيْهِمْ لِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ أَيْ: أَظْهَرُوا السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ وَالِانْقِيَادَ قَائِلِينَ: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ كَمَا يَقُولُونَ يَوْمَ الْمَعَادِ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٣] ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ١٨] . قَالَ اللَّهُ مُكَذِّبًا لَهُمْ فِي قِيلِهِمْ ذَلِكَ: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [[في ت: "فبئس".]] أَيْ: بِئْسَ الْمَقِيلُ وَالْمَقَامُ وَالْمَكَانُ مِنْ دَارِ هَوَانٍ، لِمَنْ كَانَ مُتَكَبِّرًا عَنْ آيَاتِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ رُسُلِهِ. وَهُمْ يَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ مِنْ يَوْمِ مَمَاتِهِمْ بِأَرْوَاحِهِمْ، وَيَأْتِي [[في ت، أ: "وينال".]] أَجْسَادَهُمْ فِي قُبُورِهَا مِنْ حرِّها وَسَمُومِهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ سَلَكَتْ [[في ت: "سالت".]] أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ، وَخَلَدَتْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فَاطِرٍ: ٣٦] ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غَافِرٍ: ٤٦] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: قال الذين أوتوا العلم: إن الخزي اليوم والسوء على من كفر بالله فجحد وحدانيته ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ يقول: الذين تقبض أرواحهم الملائكة، ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني: وهم على كفرهم وشركهم بالله، وقيل: إنه عنى بذلك من قتل من قريش ببدر، وقد أخرج إليها كرها. ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا يعقوب بن محمد الزهري، قال: ثني سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة، قال: كان ناس بمكة أقرّوا بالإسلام ولم يهاجروا، فأخرج بهم كرها إلى بدر، فقتل بعضهم، فأنزل الله فيهم ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وقوله ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ يقول: فاستسلموا لأمره، وانقادوا له حين عاينوا الموت قد نزل بهم، ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ وفي الكلام محذوف استغني بفهم سامعيه ما دلّ عليه الكلام عن ذكره وهو: قالوا ما كنا نعمل من سوء، يخبر عنهم بذلك أنهم كذّبوا وقالوا: ما كنا نعصي الله اعتصاما منهم بالباطل رجاء أن ينجوا بذلك، فكذّبهم الله فقال: بل كنتم تعملون السوء وتصدّون عن سبيل الله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يقول: إن الله ذو علم بما كنتم تعملون في الدنيا من معاصيه، وتأتون فيها ما يسخطه.

Al-Mukhtasar (français)

Ce sont ceux dont les âmes seront saisies par l’Ange de la Mort et ses assistants alors qu’ils se rendent coupables d’injustice envers eux-mêmes en mécroyant en Allah. A ce moment-là, ils se soumettront à la mort et renieront leur mécréance et leur désobéissance passées, pensant que cette attitude leur sera bénéfique. Seulement, on leur dira: Vous mentez. Vous étiez auparavant des mécréants qui commettaient des actes de désobéissance et Allah sait le mieux ce que vous faisiez dans ce bas monde. Rien ne Lui en a échappé et Il vous rétribuera en conséquence.

29

فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ

Entrez donc par les portes de l'Enfer pour y demeurer éternellement. Combien est mauvaise la demeure des orgueilleux!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حَالِ الْمُشْرِكِينَ الظَّالِمِي أَنْفُسِهِمْ عِنْدَ احْتِضَارِهِمْ وَمَجِيءِ الْمَلَائِكَةِ إِلَيْهِمْ لِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ أَيْ: أَظْهَرُوا السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ وَالِانْقِيَادَ قَائِلِينَ: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ كَمَا يَقُولُونَ يَوْمَ الْمَعَادِ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٣] ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ١٨] . قَالَ اللَّهُ مُكَذِّبًا لَهُمْ فِي قِيلِهِمْ ذَلِكَ: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [[في ت: "فبئس".]] أَيْ: بِئْسَ الْمَقِيلُ وَالْمَقَامُ وَالْمَكَانُ مِنْ دَارِ هَوَانٍ، لِمَنْ كَانَ مُتَكَبِّرًا عَنْ آيَاتِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ رُسُلِهِ. وَهُمْ يَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ مِنْ يَوْمِ مَمَاتِهِمْ بِأَرْوَاحِهِمْ، وَيَأْتِي [[في ت، أ: "وينال".]] أَجْسَادَهُمْ فِي قُبُورِهَا مِنْ حرِّها وَسَمُومِهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ سَلَكَتْ [[في ت: "سالت".]] أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ، وَخَلَدَتْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فَاطِرٍ: ٣٦] ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غَافِرٍ: ٤٦] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩) ﴾ يقول تعالى ذكره، يقول لهؤلاء الظلمة أنفسهم حين يقولون لربهم: ما كنا نعمل من سوء: ادخلوا أبواب جهنم، يعني: طبقات جهنم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يعني: ماكثين فيها ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ يقول: فلبئس منزل من تكبر على الله ولم يقرّ بربوبيته، ويصدّق بوحدانيته جهنم. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: وقيل للفريق الآخر، الذين هم أهل إيمان وتقوى لله ﴿مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ يقول: قالوا: أنزل خيرا. وكان بعض أهل العربية من الكوفيين يقول: إنما اختلف الأعراب في قوله ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ وقوله ﴿خَيْرًا﴾ والمسألة قبل الجوابين كليهما واحدة، وهي قوله ﴿مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ﴾ لأن الكفار جحدوا التنزيل، فقالوا حين سمعوه: أساطير الأوّلين: أي هذا الذي جئت به أساطير الأوّلين، ولم ينزل الله منه شيئا، وأما المؤمنون فصدَّقوا التنزيل، فقالوا خيرا، بمعنى أنه أنزل خيرا، فانتصب بوقوع الفعل من الله على الخير، فلهذا افترقا ثم ابتدأ الخبر فقال ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ وقد بيَّنا القول في ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته. * * وقوله ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: للذين آمنوا بالله في هذه الدنيا ورسوله، وأطاعوه فيها، ودعوا عباد الله إلى الإيمان والعمل بما أمر الله به،حسنة، يقول: كرامة من الله ﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ يقول: ولدار الآخرة خير لَهُمْ مِنْ دَارِ الدُّنْيا، وكرامة الله التي أعدّها لهم فيها أعظم من كرامته التي عجلها لهم في الدنيا ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ يقول: ولنعم دار الذين خافوا الله في الدنيا فاتقوا عقابه بأداء فرائضه وتجنب معاصيه دار الآخرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ وهؤلاء مؤمنون، فيقال لهم ﴿مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ﴾ فيقولون ﴿خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ : أي آمنوا بالله وأمروا بطاعة الله، وحثوا أهل طاعة الله على الخير ودعوهم إليه.

Al-Mukhtasar (français)

On leur dira ensuite: Entrez, selon la gravité de vos agissements, par l’une des portes de l’enfer où vous demeurerez éternellement et quelle pire demeure que l’Enfer pour ceux qui ont dédaigné croire en Allah et L’adorer Seul.

30

۞ وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا۟ خَيْرًۭا ۗ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌۭ ۚ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌۭ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ

Et on dira à ceux qui étaient pieux: «Qu'a fait descendre votre Seigneur?» Ils diront: «Un bien». Ceux qui font les bonnes œuvres auront un bien ici-bas; mais la demeure de l'au-delà est certes meilleure. Combien agréable sera la demeure des pieux!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذَا خَبَرٌ عَنِ السُّعَدَاءِ، بِخِلَافِ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ الْأَشْقِيَاءِ، فَإِنَّ أُولَئِكَ قِيلَ لَهُمْ: ﴿مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ﴾ فَقَالُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الْجَوَابِ: لَمْ [[في أ: "أي: لم".]] يُنْزِلْ شَيْئًا، إِنَّمَا هَذَا [[في أ: "هو".]] أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ. وَهَؤُلَاءِ ﴿قَالُوا خَيْرًا﴾ أَيْ: أَنْزَلَ خَيْرًا، أَيْ: رَحْمَةً وَبِرْكَةً وَحُسْنًا لِمَنِ اتَّبَعَهُ وَآمَنَ بِهِ. ثُمَّ أَخْبَرُوا عَمَّا وَعَدَ اللَّهُ [بِهِ] [[زيادة من ت، أ.]] عِبَادَهُ فِيمَا أَنْزَلَهُ عَلَى رُسُلِهِ فَقَالُوا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٩٧] ، أَيْ: مَنْ أَحْسَنَ عَمَلَهُ فِي الدُّنْيَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. ثُمَّ أَخْبَرَ بِأَنَّ دَارَ الْآخِرَةِ خَيْرٌ، أَيْ: مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَالْجَزَاءُ فِيهَا أَتَمُّ مِنَ الْجَزَاءِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [الْقَصَصِ: ٨٠] [[في ت، ف، أ: "وقال الذين أوتوا العلم والإيمان" وهو خطأ.]] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرَارِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٨] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الْأَعْلَى: ١٧] ، وَقَالَ لِرَسُولِهِ ﷺ [[في ت، أ: "صلوات الله عليه وسلامه"، وفي ف: "صلوات الله عليه".]] : ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى﴾ [الضُّحَى: ٤] . ثُمَّ وَصَفُوا الدَّارَ الْآخِرَةَ فَقَالُوا [[في ت، ف، أ: "ثم وصف الدار الآخرة فقال".]] : ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ * * وَقَوْلُهُ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِنْ [قَوْلِهِ] [[زيادة من أ.]] : ﴿دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: لَهُمْ فِي [الدَّارِ] [[زيادة من ف، أ.]] الْآخِرَةِ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أَيْ: إِقَامَةٌ [[في أ: "مقامة".]] يَدْخُلُونَهَا ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ أَيْ: بَيْنَ أَشْجَارِهَا وَقُصُورِهَا، ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ [[في ت، أ: "تشتهي" وهو خطأ.]] الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧١] ، وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ السَّحَابَةَ لَتَمُرُّ بِالْمَلَأِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهُمْ جُلُوسٌ عَلَى شَرَابِهِمْ [[في أ: "سرائرهم".]] ، فَلَا يَشْتَهِي أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا إِلَّا أَمْطَرَتْهُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى إِنَّ مِنْهُمْ لَمَنْ يَقُولُ: أَمْطِرِينَا كواعب أترابًا، فيكون ذلك [[في ف: "كذلك".]] " [[رواه ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ أبي أمامة رضي الله عنه، وسيأتي بإسناده عند تفسير الآية: ٣٣ من سورة النبأ.]] . ﴿َ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: كَذَلِكَ [[في ف، أ: "هكذا".]] يَجْزِي اللَّهُ كُلَّ مَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّقَاهُ وَأَحْسَنَ عَمَلَهُ. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ حَالِهِمْ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ، أَنَّهُمْ [[في ت، ف، أ: "وهم".]] طَيِّبُونَ، أَيْ: مُخَلَّصُونَ مِنَ الشِّرْكِ والدنس وَكُلِّ سُوءٍ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ وَتُبَشِّرُهُمْ [[في أ: "ويبشرونهم".]] بِالْجَنَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٠ -٣٢] . وَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي قَبْضِ رُوحِ الْمُؤْمِنِ وَرُوحِ الْكَافِرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٧] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩) ﴾ يقول تعالى ذكره، يقول لهؤلاء الظلمة أنفسهم حين يقولون لربهم: ما كنا نعمل من سوء: ادخلوا أبواب جهنم، يعني: طبقات جهنم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يعني: ماكثين فيها ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ يقول: فلبئس منزل من تكبر على الله ولم يقرّ بربوبيته، ويصدّق بوحدانيته جهنم. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: وقيل للفريق الآخر، الذين هم أهل إيمان وتقوى لله ﴿مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ يقول: قالوا: أنزل خيرا. وكان بعض أهل العربية من الكوفيين يقول: إنما اختلف الأعراب في قوله ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ وقوله ﴿خَيْرًا﴾ والمسألة قبل الجوابين كليهما واحدة، وهي قوله ﴿مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ﴾ لأن الكفار جحدوا التنزيل، فقالوا حين سمعوه: أساطير الأوّلين: أي هذا الذي جئت به أساطير الأوّلين، ولم ينزل الله منه شيئا، وأما المؤمنون فصدَّقوا التنزيل، فقالوا خيرا، بمعنى أنه أنزل خيرا، فانتصب بوقوع الفعل من الله على الخير، فلهذا افترقا ثم ابتدأ الخبر فقال ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ وقد بيَّنا القول في ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته. * * وقوله ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: للذين آمنوا بالله في هذه الدنيا ورسوله، وأطاعوه فيها، ودعوا عباد الله إلى الإيمان والعمل بما أمر الله به،حسنة، يقول: كرامة من الله ﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ يقول: ولدار الآخرة خير لَهُمْ مِنْ دَارِ الدُّنْيا، وكرامة الله التي أعدّها لهم فيها أعظم من كرامته التي عجلها لهم في الدنيا ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ يقول: ولنعم دار الذين خافوا الله في الدنيا فاتقوا عقابه بأداء فرائضه وتجنب معاصيه دار الآخرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ وهؤلاء مؤمنون، فيقال لهم ﴿مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ﴾ فيقولون ﴿خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ : أي آمنوا بالله وأمروا بطاعة الله، وحثوا أهل طاعة الله على الخير ودعوهم إليه.

Al-Mukhtasar (français)

Quant à ceux qui craignaient leur Seigneur en s’étant conformé à Ses commandements et en ayant délaissé Ses interdits, on leur dira: Qu’a révélé votre Seigneur à votre Prophète Muħammad? Ils répondront: Allah lui a révélé un bien immense. Ceux qui auront excellé dans leur adoration d’Allah et auront été bienfaisant envers Ses créatures recevront dans le bas monde une belle récompense, dont une part est le soutien d’Allah et la subsistance étendue, or ce qui les attend dans l’au-delà est encore meilleur. Que sera belle la demeure de l’au-delà dans laquelle habiteront dans ceux qui craignent leur Seigneur !

31

جَنَّٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ

Les jardins du séjour (éternel), où ils entreront et sous lesquels coulent les ruisseaux. Ils auront là ce qu'ils voudront; c'est ainsi qu'Allah récompense les pieux.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذَا خَبَرٌ عَنِ السُّعَدَاءِ، بِخِلَافِ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ الْأَشْقِيَاءِ، فَإِنَّ أُولَئِكَ قِيلَ لَهُمْ: ﴿مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ﴾ فَقَالُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الْجَوَابِ: لَمْ [[في أ: "أي: لم".]] يُنْزِلْ شَيْئًا، إِنَّمَا هَذَا [[في أ: "هو".]] أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ. وَهَؤُلَاءِ ﴿قَالُوا خَيْرًا﴾ أَيْ: أَنْزَلَ خَيْرًا، أَيْ: رَحْمَةً وَبِرْكَةً وَحُسْنًا لِمَنِ اتَّبَعَهُ وَآمَنَ بِهِ. ثُمَّ أَخْبَرُوا عَمَّا وَعَدَ اللَّهُ [بِهِ] [[زيادة من ت، أ.]] عِبَادَهُ فِيمَا أَنْزَلَهُ عَلَى رُسُلِهِ فَقَالُوا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٩٧] ، أَيْ: مَنْ أَحْسَنَ عَمَلَهُ فِي الدُّنْيَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. ثُمَّ أَخْبَرَ بِأَنَّ دَارَ الْآخِرَةِ خَيْرٌ، أَيْ: مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَالْجَزَاءُ فِيهَا أَتَمُّ مِنَ الْجَزَاءِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [الْقَصَصِ: ٨٠] [[في ت، ف، أ: "وقال الذين أوتوا العلم والإيمان" وهو خطأ.]] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرَارِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٨] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الْأَعْلَى: ١٧] ، وَقَالَ لِرَسُولِهِ ﷺ [[في ت، أ: "صلوات الله عليه وسلامه"، وفي ف: "صلوات الله عليه".]] : ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى﴾ [الضُّحَى: ٤] . ثُمَّ وَصَفُوا الدَّارَ الْآخِرَةَ فَقَالُوا [[في ت، ف، أ: "ثم وصف الدار الآخرة فقال".]] : ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ * * وَقَوْلُهُ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِنْ [قَوْلِهِ] [[زيادة من أ.]] : ﴿دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: لَهُمْ فِي [الدَّارِ] [[زيادة من ف، أ.]] الْآخِرَةِ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أَيْ: إِقَامَةٌ [[في أ: "مقامة".]] يَدْخُلُونَهَا ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ أَيْ: بَيْنَ أَشْجَارِهَا وَقُصُورِهَا، ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ [[في ت، أ: "تشتهي" وهو خطأ.]] الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧١] ، وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ السَّحَابَةَ لَتَمُرُّ بِالْمَلَأِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهُمْ جُلُوسٌ عَلَى شَرَابِهِمْ [[في أ: "سرائرهم".]] ، فَلَا يَشْتَهِي أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا إِلَّا أَمْطَرَتْهُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى إِنَّ مِنْهُمْ لَمَنْ يَقُولُ: أَمْطِرِينَا كواعب أترابًا، فيكون ذلك [[في ف: "كذلك".]] " [[رواه ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ أبي أمامة رضي الله عنه، وسيأتي بإسناده عند تفسير الآية: ٣٣ من سورة النبأ.]] . ﴿َ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: كَذَلِكَ [[في ف، أ: "هكذا".]] يَجْزِي اللَّهُ كُلَّ مَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّقَاهُ وَأَحْسَنَ عَمَلَهُ. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ حَالِهِمْ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ، أَنَّهُمْ [[في ت، ف، أ: "وهم".]] طَيِّبُونَ، أَيْ: مُخَلَّصُونَ مِنَ الشِّرْكِ والدنس وَكُلِّ سُوءٍ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ وَتُبَشِّرُهُمْ [[في أ: "ويبشرونهم".]] بِالْجَنَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٠ -٣٢] . وَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي قَبْضِ رُوحِ الْمُؤْمِنِ وَرُوحِ الْكَافِرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٧] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بساتين للمقام، وقد بيَّنا اختلاف أهل التأويل في معنى عدن فيما مضى بما أغنى عن إعادته ﴿يَدْخُلُونَها﴾ يقول: يدخلون جنات عدن، وفي رفع جنات أوجه ثلاث: أحدها: أن يكون مرفوعا على الابتداء، والآخر: بالعائد من الذكر في قوله ﴿يَدْخُلُونَها﴾ والثالث: على أن يكون خبر النعم، فيكون المعنى إذا جعلت خبر النعم: ولنعم دار المتقين جنات عدن، ويكون ﴿يَدْخُلُونَها﴾ في موضع حال، كما يقال: نعم الدار دار تسكنها أنت، وقد يجوز أن يكون إذا كان الكلام بهذا التأويل يدخلونها، من صلة جنات عدن، وقوله ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ يقول: تجري من تحت أشجارها الأنهار ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ يقول: للذين أحسنوا في هذه الدنيا في جنات عدن ما يشاءون مما تشتهي أنفسهم، وتلذّ أعينهم ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ يقول: كما يجزي الله هؤلاء الذين أحسنوا في هذه الدنيا بما وصف لكم أيها الناس أنه جزاهم به في الدنيا والآخرة، كذلك يجزي الذين اتقوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.

Al-Mukhtasar (français)

En effet, ils demeureront dans des vergers où leur séjour sera éternel et sous les palais et les arbres de ces vergers couleront des rivières. Ils y trouveront tout ce qu’ils désirent comme nourritures, boissons et autres plaisirs et cette rétribution que recevront les pieux de la communauté de Muħammad sera aussi du lot des pieux des communautés précédentes.

32

ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

Ceux dont les Anges reprennent l'âme - alors qu'ils sont bons - [les Anges leur] disent: «Paix sur vous! Entrez au Paradis, pour ce que vous faisiez».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذَا خَبَرٌ عَنِ السُّعَدَاءِ، بِخِلَافِ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ الْأَشْقِيَاءِ، فَإِنَّ أُولَئِكَ قِيلَ لَهُمْ: ﴿مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ﴾ فَقَالُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الْجَوَابِ: لَمْ [[في أ: "أي: لم".]] يُنْزِلْ شَيْئًا، إِنَّمَا هَذَا [[في أ: "هو".]] أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ. وَهَؤُلَاءِ ﴿قَالُوا خَيْرًا﴾ أَيْ: أَنْزَلَ خَيْرًا، أَيْ: رَحْمَةً وَبِرْكَةً وَحُسْنًا لِمَنِ اتَّبَعَهُ وَآمَنَ بِهِ. ثُمَّ أَخْبَرُوا عَمَّا وَعَدَ اللَّهُ [بِهِ] [[زيادة من ت، أ.]] عِبَادَهُ فِيمَا أَنْزَلَهُ عَلَى رُسُلِهِ فَقَالُوا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٩٧] ، أَيْ: مَنْ أَحْسَنَ عَمَلَهُ فِي الدُّنْيَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. ثُمَّ أَخْبَرَ بِأَنَّ دَارَ الْآخِرَةِ خَيْرٌ، أَيْ: مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَالْجَزَاءُ فِيهَا أَتَمُّ مِنَ الْجَزَاءِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [الْقَصَصِ: ٨٠] [[في ت، ف، أ: "وقال الذين أوتوا العلم والإيمان" وهو خطأ.]] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرَارِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٨] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الْأَعْلَى: ١٧] ، وَقَالَ لِرَسُولِهِ ﷺ [[في ت، أ: "صلوات الله عليه وسلامه"، وفي ف: "صلوات الله عليه".]] : ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى﴾ [الضُّحَى: ٤] . ثُمَّ وَصَفُوا الدَّارَ الْآخِرَةَ فَقَالُوا [[في ت، ف، أ: "ثم وصف الدار الآخرة فقال".]] : ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ * * وَقَوْلُهُ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِنْ [قَوْلِهِ] [[زيادة من أ.]] : ﴿دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: لَهُمْ فِي [الدَّارِ] [[زيادة من ف، أ.]] الْآخِرَةِ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أَيْ: إِقَامَةٌ [[في أ: "مقامة".]] يَدْخُلُونَهَا ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ أَيْ: بَيْنَ أَشْجَارِهَا وَقُصُورِهَا، ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ [[في ت، أ: "تشتهي" وهو خطأ.]] الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧١] ، وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ السَّحَابَةَ لَتَمُرُّ بِالْمَلَأِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهُمْ جُلُوسٌ عَلَى شَرَابِهِمْ [[في أ: "سرائرهم".]] ، فَلَا يَشْتَهِي أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا إِلَّا أَمْطَرَتْهُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى إِنَّ مِنْهُمْ لَمَنْ يَقُولُ: أَمْطِرِينَا كواعب أترابًا، فيكون ذلك [[في ف: "كذلك".]] " [[رواه ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ أبي أمامة رضي الله عنه، وسيأتي بإسناده عند تفسير الآية: ٣٣ من سورة النبأ.]] . ﴿َ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: كَذَلِكَ [[في ف، أ: "هكذا".]] يَجْزِي اللَّهُ كُلَّ مَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّقَاهُ وَأَحْسَنَ عَمَلَهُ. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ حَالِهِمْ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ، أَنَّهُمْ [[في ت، ف، أ: "وهم".]] طَيِّبُونَ، أَيْ: مُخَلَّصُونَ مِنَ الشِّرْكِ والدنس وَكُلِّ سُوءٍ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ وَتُبَشِّرُهُمْ [[في أ: "ويبشرونهم".]] بِالْجَنَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٠ -٣٢] . وَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي قَبْضِ رُوحِ الْمُؤْمِنِ وَرُوحِ الْكَافِرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٧] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: كذلك يجزي الله المتقين الذين تَقْبِض أرواحَهم ملائكةُ الله، وهم طيبون بتطييب الله إياهم بنظافة الإيمان، وطهر الإسلام في حال حياتهم وحال مماتهم. كما:- ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ قال: أحياء وأمواتا، قدر الله ذلك لهم. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. * * وقوله ﴿يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ يعني جلّ ثناؤه أن الملائكة تقبض أرواح هؤلاء المتقين، وهي تقول لهم: سلام عليكم صيروا إلى الجنة بشارة من الله تبشرهم بها الملائكة. كما:- ⁕ حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، أنه سمع محمد بن كعب القُرَظيّ يقول: إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك فقال: السلام عليك وليّ الله، الله يقرأ عليك السلام، ثم نزع بهذه الآية ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ ... إلى آخر الآية. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراسانيّ، عن ابن عباس، قوله ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ قال: الملائكة يأتونه بالسلام من قِبَل الله، وتخبره أنه من أصحاب اليمين. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا الأشبُّ أبو عليّ، عن أبي رجاء، عن محمد بن مالك، عن البراء، قال: قوله ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ قال: يسلم عليه عند الموت. * * وقوله ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يقول: بما كنتم تصيبون في الدنيا أيام حياتكم فيها طاعة الله، طلب مرضاته.

Al-Mukhtasar (français)

Ceux-là, l’Ange de la Mort et ses aides, saisiront leurs âmes pendant que leurs cœurs seront dans un état de pureté puisqu’ils n’auront jamais été maculés de mécréance. Les anges s’adresseront à eux en disant: Salâmun ‘alaykum (paix sur vous), vous êtes sains de toute désobéissance capitale. Entrez au Paradis pour avoir eu la croyance appropriée et avoir accompli des œuvres appropriées dans le bas monde.

33

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

[Les infidèles] attendent-ils que les Anges leur viennent, ou que survienne l'ordre de ton Seigneur? Ainsi agissaient les gens avant eux. Allah ne les a pas lésés; mais ils faisaient du tort à eux-mêmes.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُتَهَدِّدًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى تَمَادِيهِمْ فِي الْبَاطِلِ وَاغْتِرَارِهِمْ بِالدُّنْيَا: هَلْ يَنْتَظِرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا الْمَلَائِكَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ، قَالَهُ قَتَادَةُ. ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [[في أ: "أو يأتيهم" وهو خطأ.]] أَيْ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَمَا يُعَايِنُونَهُ [[في أ: "وما يعاينون".]] مِنَ الْأَهْوَالِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أَيْ: هَكَذَا تَمَادَى فِي شِرْكِهِمْ أَسْلَافُهُمْ وَنُظَرَاؤُهُمْ وَأَشْبَاهُهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى [[في ت: "حين".]] ذَاقُوا بَأْسَ اللَّهِ، وَحَلُّوا فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ. ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَعْذَرَ إِلَيْهِمْ، وَأَقَامَ حُجَجَهُ عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِ رُسُلِهِ وَإِنْزَالِ كُتُبِهِ، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أَيْ: بِمُخَالَفَةِ الرُّسُلِ وَالتَّكْذِيبِ بِمَا جَاءُوا بِهِ، فَلِهَذَا أَصَابَتْهُمْ [[في ت، ف: "أصابهم".]] عُقُوبَةُ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ أَيْ: أَحَاطَ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أَيْ: يَسْخَرون مِنَ الرُّسُلِ إِذَا تَوَعَّدُوهُمْ بِعِقَابِ اللَّهِ؛ فَلِهَذَا يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطُّورِ: ١٤] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: هل ينتظر هؤلاء المشركون إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم، أو يأتي أمر ربك بحشرهم لموقف القيامة ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يقول جلّ ثناؤه: كما يفعل هؤلاء من انتظارهم ملائكة الله لقبض أرواحهم، أو إتيان أمر الله فعل أسلافهم من الكفرة بالله، لأن ذلك في كلّ مشرك بالله ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ يقول جلّ ثناؤه: وما ظلمهم الله بإحلال سُخْطه، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمعصيتهم ربهم وكفرهم به، حتى استحقوا عقابه، فعجَّل لهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ قال: بالموت، وقال في آية أخرى ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ﴾ وهو ملك الموت، وله رسل، قال الله تعالى ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ ذاكم يوم القيامة. ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ يقول: عند الموت حين تتوفاهم، أو يأتي أمر ربك ذلك يوم القيامة.

Al-Mukhtasar (français)

Ces polythéistes dénégateurs attendent-ils que l’Ange de la Mort et ses aides viennent saisir leurs âmes en les frappant par devant et par derrière, ou attendent-ils que l’ordre d’Allah de les anéantir dans le bas monde soit émis? Le comportement des polythéistes à la Mecque est le même que ceux qui les ont précédés dans le polythéisme. Sont-ils au courant qu’Allah les a détruits et qu’Il n’a pas été injuste en les détruisant mais que ce sont plutôt eux qui étaient injustes envers eux-mêmes en mécroyant et en exposant leurs propres personnes à la perdition?

34

فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

Les méfaits qu'ils accomplissaient les atteindront, et ce dont ils se moquaient les cernera de toutes parts.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُتَهَدِّدًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى تَمَادِيهِمْ فِي الْبَاطِلِ وَاغْتِرَارِهِمْ بِالدُّنْيَا: هَلْ يَنْتَظِرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا الْمَلَائِكَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ، قَالَهُ قَتَادَةُ. ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [[في أ: "أو يأتيهم" وهو خطأ.]] أَيْ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَمَا يُعَايِنُونَهُ [[في أ: "وما يعاينون".]] مِنَ الْأَهْوَالِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أَيْ: هَكَذَا تَمَادَى فِي شِرْكِهِمْ أَسْلَافُهُمْ وَنُظَرَاؤُهُمْ وَأَشْبَاهُهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى [[في ت: "حين".]] ذَاقُوا بَأْسَ اللَّهِ، وَحَلُّوا فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ. ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَعْذَرَ إِلَيْهِمْ، وَأَقَامَ حُجَجَهُ عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِ رُسُلِهِ وَإِنْزَالِ كُتُبِهِ، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أَيْ: بِمُخَالَفَةِ الرُّسُلِ وَالتَّكْذِيبِ بِمَا جَاءُوا بِهِ، فَلِهَذَا أَصَابَتْهُمْ [[في ت، ف: "أصابهم".]] عُقُوبَةُ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ أَيْ: أَحَاطَ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أَيْ: يَسْخَرون مِنَ الرُّسُلِ إِذَا تَوَعَّدُوهُمْ بِعِقَابِ اللَّهِ؛ فَلِهَذَا يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطُّورِ: ١٤] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: فأصاب هؤلاء الذين فعلوا من الأمم الماضية فعل هؤلاء المشركين من قريش سيئات ما عملوا، يعني عقوبات ذنوبهم، ونقم معاصيه التي اكتسبوها ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يقول: وحلّ بهم من عذاب الله ما كانوا يستهزئون منه، ويسخرون عند إنذارهم ذلك رسلُ الله، ونزل ذلك بهم دون غيرهم من أهل الإيمان بالله.

Al-Mukhtasar (français)

La punition méritée pour leurs comportements s’est abattue sur eux et le châtiment qu’ils raillaient lorsqu’on le leur rappelait les entoura alors de toutes parts.

35

وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍۢ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ

Et les associateurs dirent: «Si Allah avait voulu, nous n'aurions pas adoré quoi que ce soit en dehors de Lui, ni nous ni nos ancêtres; et nous n'aurions rien interdit qu'Il n'ait interdit Lui-même». Ainsi agissaient les gens avant eux. N'incombe-t-il aux messagers sinon de transmettre le message en toute clarté?

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ اغْتِرَارِ الْمُشْرِكِينَ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَاعْتِذَارِهِمْ مُحْتَجِّينَ بِالْقَدَرِ، فِي قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أَيْ: مِنَ الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ وَالْوَصَائِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا كَانُوا ابْتَدَعُوهُ وَاخْتَرَعُوهُ مِنْ تِلْقَاءِ [[في ف: "من قبل".]] أَنْفُسِهِمْ، مَا لَمْ يُنَزِّلِ اللَّهُ بِهِ سُلْطَانًا. وَمَضْمُونُ كَلَامِهِمْ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَعَالَى كَارِهًا لِمَا فَعَلْنَا، لَأَنْكَرَهُ عَلَيْنَا بِالْعُقُوبَةِ وَلَمَا مَكَّنَا [[في ت: "ولما مكننا"، وفي ف: "ولا مكننا".]] مِنْهُ. قَالَ اللَّهُ رَادًّا عَلَيْهِمْ شُبْهَتَهُمْ: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَمْ يُعَيِّرْهُ عَلَيْكُمْ [[في ت، أ: "لم يعير".]] وَلَمْ [[في أ: "ولا".]] يُنْكِرْهُ، بَلْ قَدْ أَنْكَرَهُ عَلَيْكُمْ أَشَدَّ الْإِنْكَارِ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ آكَدَ النَّهْيِ، وَبَعَثَ فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَيْ: فِي كُلِّ قَرْنٍ مِنَ النَّاسِ وَطَائِفَةٍ رَسُولًا وَكُلُّهُمْ يَدْعُو [[في ف" "يدعون".]] إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَيَنْهَى [[في ف: "وينهون".]] عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ: ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فَلَمْ يَزَلْ تَعَالَى يُرْسِلُ إِلَى النَّاسِ الرُّسُلَ بِذَلِكَ، مُنْذُ حَدَثَ الشِّرْكُ فِي بَنِي آدَمَ، فِي قَوْمِ نُوحٍ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ نُوحٌ، وَكَانَ أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَى أَنْ خَتَمَهُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي طَبَّقَتْ دَعْوَتُهُ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، وَكُلُّهمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٥] ، وَقَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فَكَيْفَ يَسُوغُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ هَذَا أَنْ يَقُولَ: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فَمَشِيئَتُهُ تَعَالَى الشَّرْعِيَّةُ مُنْتَفِيَةٌ [[في ف: "منفية".]] ؛ لِأَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ، وَأَمَّا مَشِيئَتُهُ الْكَوْنِيَّةُ، وَهِيَ [[في ف: "فهي".]] تَمْكِينُهُمْ مِنْ ذَلِكَ قَدَرًا، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا [[في ت، ف، أ: "فيه".]] لِأَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ النَّارَ وَأَهْلَهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ وَالْكَفَرَةِ، وَهُوَ لَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ بَالِغَةٌ وَحِكْمَةٌ قَاطِعَةٌ. ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَيَّرَ [[في أ: "عيره".]] عَلَيْهِمْ، وَأَنْكَرَ [[في أ: "وأنكره".]] عَلَيْهِمْ بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ إِنْذَارِ الرُّسُلِ؛ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أَيِ: اسْأَلُوا [[في أ: "فاسألوا".]] عَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ مَنْ خَالَفَ الرُّسُلَ وَكَذَّبَ الْحَقَّ كَيْفَ ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٠] ، ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الْمُلْكِ: ١٨] . ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ أَنَّ حِرْصَهُ عَلَى هِدَايَتِهِمْ لَا يَنْفَعُهُمْ، إِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَرَادَ إِضْلَالَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤١] ، وَقَالَ نُوحٌ لِقَوْمِهِ: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هُودٍ: ٣٤] ، وَقَالَ فِي هَذِهِ الآية الْكَرِيمَةِ: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ [[في ت: "ويمدهم" وهو خطأ.]] فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٨٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ﴾ [يُونُسَ: ٩٦، ٩٧] . فَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ أَيْ: شَأْنُهُ وَأَمْرُهُ أَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ؛ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ أَيْ: مَنْ أَضَلَّهُ فَمَنِ الَّذِي يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ؟ أَيْ: لَا أَحَدَ ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ أَيْ: يُنْقِذُونَهُمْ [[في ت، ف، أ: "ينقذهم".]] مِنْ عَذَابِهِ وَوَثَاقِهِ، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٤] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥) ﴾ قول تعالى ذكره: وقال الذين أشركوا بالله فعبدوا الأوثان والأصنام من دون الله: ما نعبد هذه الأصنام إلا لأن الله قد رضي عبادتنا هؤلاء، ولا نحرم ما حرمنا من البحائر والسوائب، إلا أن الله شاء منا ومن آبائنا تحريمناها ورضيه، لولا ذلك لقد غير ذلك ببعض عقوباته أو بهدايته إيانا إلى غيره من الأفعال. يقول تعالى ذكره: كذلك فعل الذين من قبلهم من الأمم المشركة الذين استَن هؤلاء سنتهم، فقالوا مثل قولهم، سلكوا سبيلهم في تكذيب رسل الله، واتباع أفعال آبائهم الضلال، وقوله ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ يقول جلّ ثناؤه: فهل أيها القائلون: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، على رسلنا الذين نرسلهم بإنذاركم عقوبتنا على كفركم، إلا البلاغ المبين: يقول: إلا أن تبلغكم ما أرسلنا إليكم من الرسالة. ويعني بقوله ﴿المُبِينُ﴾ : الذي يبين عن معناه لمن أبلغه، ويفهمه من أرسل إليه.

Al-Mukhtasar (français)

Ceux qui associent à Allah des divinités dans leurs adorations diront: Si Allah avait voulu qu’on L’adore Seul et qu’on ne Lui associe rien, Nous-mêmes ni nos ancêtres n’aurions alors adoré d’autres divinités que Lui et s’Il avait voulu que nous ne déclarions rien illicite, nous ne l’aurions pas fait. C’est cet argument invalide que les mécréants du passé ont avancé mais les messagers ne sont tenus que de transmettre avec clarté ce qu’on leur a ordonné de transmettre et ils l’ont effectivement transmis avec clarté. Les mécréants n’ont donc aucune excuse à avancer comme de prétexter le destin, après qu’Allah les ait dotés d’une volonté et d’un libre arbitre et après qu’Il leur ait envoyé des messagers.

36

وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّٰغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَٰلَةُ ۚ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ

Nous avons envoyé dans chaque communauté un Messager, [pour leur dire]: «Adorez Allah et écartez-vous du Tâgût». Alors Allah en guida certains, mais il y en eut qui ont été destinés à l'égarement. Parcourez donc la terre, et regardez quelle fut la fin de ceux qui traitaient [Nos messagers] de menteurs.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ اغْتِرَارِ الْمُشْرِكِينَ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَاعْتِذَارِهِمْ مُحْتَجِّينَ بِالْقَدَرِ، فِي قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أَيْ: مِنَ الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ وَالْوَصَائِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا كَانُوا ابْتَدَعُوهُ وَاخْتَرَعُوهُ مِنْ تِلْقَاءِ [[في ف: "من قبل".]] أَنْفُسِهِمْ، مَا لَمْ يُنَزِّلِ اللَّهُ بِهِ سُلْطَانًا. وَمَضْمُونُ كَلَامِهِمْ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَعَالَى كَارِهًا لِمَا فَعَلْنَا، لَأَنْكَرَهُ عَلَيْنَا بِالْعُقُوبَةِ وَلَمَا مَكَّنَا [[في ت: "ولما مكننا"، وفي ف: "ولا مكننا".]] مِنْهُ. قَالَ اللَّهُ رَادًّا عَلَيْهِمْ شُبْهَتَهُمْ: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَمْ يُعَيِّرْهُ عَلَيْكُمْ [[في ت، أ: "لم يعير".]] وَلَمْ [[في أ: "ولا".]] يُنْكِرْهُ، بَلْ قَدْ أَنْكَرَهُ عَلَيْكُمْ أَشَدَّ الْإِنْكَارِ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ آكَدَ النَّهْيِ، وَبَعَثَ فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَيْ: فِي كُلِّ قَرْنٍ مِنَ النَّاسِ وَطَائِفَةٍ رَسُولًا وَكُلُّهُمْ يَدْعُو [[في ف" "يدعون".]] إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَيَنْهَى [[في ف: "وينهون".]] عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ: ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فَلَمْ يَزَلْ تَعَالَى يُرْسِلُ إِلَى النَّاسِ الرُّسُلَ بِذَلِكَ، مُنْذُ حَدَثَ الشِّرْكُ فِي بَنِي آدَمَ، فِي قَوْمِ نُوحٍ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ نُوحٌ، وَكَانَ أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَى أَنْ خَتَمَهُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي طَبَّقَتْ دَعْوَتُهُ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، وَكُلُّهمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٥] ، وَقَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فَكَيْفَ يَسُوغُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ هَذَا أَنْ يَقُولَ: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فَمَشِيئَتُهُ تَعَالَى الشَّرْعِيَّةُ مُنْتَفِيَةٌ [[في ف: "منفية".]] ؛ لِأَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ، وَأَمَّا مَشِيئَتُهُ الْكَوْنِيَّةُ، وَهِيَ [[في ف: "فهي".]] تَمْكِينُهُمْ مِنْ ذَلِكَ قَدَرًا، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا [[في ت، ف، أ: "فيه".]] لِأَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ النَّارَ وَأَهْلَهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ وَالْكَفَرَةِ، وَهُوَ لَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ بَالِغَةٌ وَحِكْمَةٌ قَاطِعَةٌ. ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَيَّرَ [[في أ: "عيره".]] عَلَيْهِمْ، وَأَنْكَرَ [[في أ: "وأنكره".]] عَلَيْهِمْ بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ إِنْذَارِ الرُّسُلِ؛ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أَيِ: اسْأَلُوا [[في أ: "فاسألوا".]] عَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ مَنْ خَالَفَ الرُّسُلَ وَكَذَّبَ الْحَقَّ كَيْفَ ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٠] ، ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الْمُلْكِ: ١٨] . ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ أَنَّ حِرْصَهُ عَلَى هِدَايَتِهِمْ لَا يَنْفَعُهُمْ، إِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَرَادَ إِضْلَالَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤١] ، وَقَالَ نُوحٌ لِقَوْمِهِ: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هُودٍ: ٣٤] ، وَقَالَ فِي هَذِهِ الآية الْكَرِيمَةِ: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ [[في ت: "ويمدهم" وهو خطأ.]] فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٨٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ﴾ [يُونُسَ: ٩٦، ٩٧] . فَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ أَيْ: شَأْنُهُ وَأَمْرُهُ أَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ؛ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ أَيْ: مَنْ أَضَلَّهُ فَمَنِ الَّذِي يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ؟ أَيْ: لَا أَحَدَ ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ أَيْ: يُنْقِذُونَهُمْ [[في ت، ف، أ: "ينقذهم".]] مِنْ عَذَابِهِ وَوَثَاقِهِ، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٤] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولقد بعثنا أيها الناس في كلّ أمة سلفت قبلكم رسولا كما بعثنا فيكم بأن اعبدوا الله وحده لا شريك له، وأفردوا له الطاعة، وأخلصوا له العبادة ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ يقول: وابعدوا من الشيطان، واحذروا أن يغويكم، ويصدْكم عن سبيل الله، فتضلوا، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾ يقول: فممن بعثنا فيهم رسلنا من هدى الله، فوفَّقه لتصديق رسله، والقبول منها، والإيمان بالله، والعمل بطاعته، ففاز وأفلح، ونجا من عذاب الله ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ يقول: وممن يعثنا رسلنا إليه من الأمم آخرون حقَّت عليهم الضلالة، فجاروا عن قصد السبيل، فكفروا بالله وكذّبوا رسله، واتبعوا الطاغوت، فأهلكهم الله بعقابه، وأنزل عليهم بأسه الذي لا يردّ عن القوم المجرمين، ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ يقول تعالى ذكره لمشركي قريش: إن كنتم أيها الناس غير مصدّقي رسولنا فيما يخبركم به عن هؤلاء الأمم الذين حلّ بهم ما حلّ من بأسنا بكفرهم بالله، وتكذيبهم رسوله، فسيروا في الأرض التي كانوا يسكنونها، والبلاد التي كانوا يعمرونها، فانظروا إلى آثار الله فيهم، وآثار سخطه النازل بهم، كيف أعقبهم تكذيبهم رسل الله ما أعقبهم، فإنكم ترون حقيقة ذلك، وتعلمون به صحة الخبر الذي يخبركم به محمد ﷺ. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: إن تحرص يا محمد على هدى هؤلاء المشركين إلى الإيمان بالله واتباع الحق ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الكوفيين ﴿فإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يَضِلُّ﴾ بفتح الياء من يهدي، وضمها من يضلّ، وقد اختلف في معنى ذلك قارِئوه كذلك، فكان بعض نحويي الكوفة يزعم أن معناه: فإن الله من أضله لا يهتدي، وقال: العرب تقول: قد هدى الرجل: يريدون قد اهتدى، وهدى واهتدى بمعنى واحد، وكان آخرون منهم يزعمون أن معناه: فإن الله لا يهدي من أضله، بمعنى: أن من أضله الله فإن الله لا يهديه. وقرأ ذلك عامَّة قرّاء المدينة والشام والبصرة ﴿فإنَّ اللَّهَ لا يُهْدَى﴾ بضم الياء من يُهدى ومن يضل، وفتح الدال من يُهدَى بمعنى: من أضله الله فلا هادي له. وهذه القراءة أولى القراءتين عندي بالصواب، لأن يهدي بمعنى يهتدي قليل في كلام العرب غير مستفيض، وأنه لا فائدة في قول قائل: من أضله الله فلا يهديه، لأن ذلك مما لا يجهله أحد، وإذ كان ذلك كذلك، فالقراءة بما كان مستفيضا في كلام العرب من اللغة بما فيه الفائدة العظيمة أولى وأحرى. فتأويل الكلام لو كان الأمر على ما وصفنا: إن تحرص يا محمد على هداهم، فإن من أضله الله فلا هادي له، فلا تجهد نفسك في أمره، وبلغه ما أرسلت به لتتم عليه الحجة ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يقول: وما لهم من ناصر ينصرهم من الله إذا أراد عقوبتهم، فيحول بين الله وبين ما أراد من عقوبتهم. وفي قوله ﴿إِنْ تَحْرِصْ﴾ لغتان: فمن العرب من يقول: حرَص، يحرَص بفتح الراء في فعَل وكسرها في يفعل، وحرِص يحرَص بكسر الراء في فعِل وفتحها في يفعَل، والقراءة على الفتح في الماضي، والكسر في المستقبل، وهي لغة أهل الحجاز.

Al-Mukhtasar (français)

Nous avons envoyé à chaque peuple du passé un messager qui leur ordonnait d’adorer Allah Seul et de délaisser l’adoration des idoles, des démons et d’autres créatures. Allah facilita à certains de croire et de suivre les enseignements de Son messager tandis qu’Il ne facilita pas cela à d’autres à cause de leur mécréance et de leur désobéissance, les vouant ainsi à l’égarement. Parcourez donc la Terre afin que vous voyiez de vos yeux ce qu’il est advenu des dénégateurs après que ce soit abattu sur eux le châtiment destructeur.

37

إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَىٰهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

Même si tu désirais ardemment qu'ils soient guidés... [Sache] qu'Allah ne guide pas ceux qui s'égarent. Et ils n'auront pas de secoureurs.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ اغْتِرَارِ الْمُشْرِكِينَ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَاعْتِذَارِهِمْ مُحْتَجِّينَ بِالْقَدَرِ، فِي قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أَيْ: مِنَ الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ وَالْوَصَائِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا كَانُوا ابْتَدَعُوهُ وَاخْتَرَعُوهُ مِنْ تِلْقَاءِ [[في ف: "من قبل".]] أَنْفُسِهِمْ، مَا لَمْ يُنَزِّلِ اللَّهُ بِهِ سُلْطَانًا. وَمَضْمُونُ كَلَامِهِمْ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَعَالَى كَارِهًا لِمَا فَعَلْنَا، لَأَنْكَرَهُ عَلَيْنَا بِالْعُقُوبَةِ وَلَمَا مَكَّنَا [[في ت: "ولما مكننا"، وفي ف: "ولا مكننا".]] مِنْهُ. قَالَ اللَّهُ رَادًّا عَلَيْهِمْ شُبْهَتَهُمْ: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَمْ يُعَيِّرْهُ عَلَيْكُمْ [[في ت، أ: "لم يعير".]] وَلَمْ [[في أ: "ولا".]] يُنْكِرْهُ، بَلْ قَدْ أَنْكَرَهُ عَلَيْكُمْ أَشَدَّ الْإِنْكَارِ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ آكَدَ النَّهْيِ، وَبَعَثَ فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَيْ: فِي كُلِّ قَرْنٍ مِنَ النَّاسِ وَطَائِفَةٍ رَسُولًا وَكُلُّهُمْ يَدْعُو [[في ف" "يدعون".]] إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَيَنْهَى [[في ف: "وينهون".]] عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ: ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فَلَمْ يَزَلْ تَعَالَى يُرْسِلُ إِلَى النَّاسِ الرُّسُلَ بِذَلِكَ، مُنْذُ حَدَثَ الشِّرْكُ فِي بَنِي آدَمَ، فِي قَوْمِ نُوحٍ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ نُوحٌ، وَكَانَ أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَى أَنْ خَتَمَهُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي طَبَّقَتْ دَعْوَتُهُ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، وَكُلُّهمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٥] ، وَقَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فَكَيْفَ يَسُوغُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ هَذَا أَنْ يَقُولَ: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فَمَشِيئَتُهُ تَعَالَى الشَّرْعِيَّةُ مُنْتَفِيَةٌ [[في ف: "منفية".]] ؛ لِأَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ، وَأَمَّا مَشِيئَتُهُ الْكَوْنِيَّةُ، وَهِيَ [[في ف: "فهي".]] تَمْكِينُهُمْ مِنْ ذَلِكَ قَدَرًا، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا [[في ت، ف، أ: "فيه".]] لِأَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ النَّارَ وَأَهْلَهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ وَالْكَفَرَةِ، وَهُوَ لَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ بَالِغَةٌ وَحِكْمَةٌ قَاطِعَةٌ. ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَيَّرَ [[في أ: "عيره".]] عَلَيْهِمْ، وَأَنْكَرَ [[في أ: "وأنكره".]] عَلَيْهِمْ بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ إِنْذَارِ الرُّسُلِ؛ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أَيِ: اسْأَلُوا [[في أ: "فاسألوا".]] عَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ مَنْ خَالَفَ الرُّسُلَ وَكَذَّبَ الْحَقَّ كَيْفَ ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٠] ، ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الْمُلْكِ: ١٨] . ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ أَنَّ حِرْصَهُ عَلَى هِدَايَتِهِمْ لَا يَنْفَعُهُمْ، إِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَرَادَ إِضْلَالَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤١] ، وَقَالَ نُوحٌ لِقَوْمِهِ: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هُودٍ: ٣٤] ، وَقَالَ فِي هَذِهِ الآية الْكَرِيمَةِ: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ [[في ت: "ويمدهم" وهو خطأ.]] فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٨٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ﴾ [يُونُسَ: ٩٦، ٩٧] . فَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ أَيْ: شَأْنُهُ وَأَمْرُهُ أَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ؛ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ أَيْ: مَنْ أَضَلَّهُ فَمَنِ الَّذِي يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ؟ أَيْ: لَا أَحَدَ ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ أَيْ: يُنْقِذُونَهُمْ [[في ت، ف، أ: "ينقذهم".]] مِنْ عَذَابِهِ وَوَثَاقِهِ، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٤] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولقد بعثنا أيها الناس في كلّ أمة سلفت قبلكم رسولا كما بعثنا فيكم بأن اعبدوا الله وحده لا شريك له، وأفردوا له الطاعة، وأخلصوا له العبادة ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ يقول: وابعدوا من الشيطان، واحذروا أن يغويكم، ويصدْكم عن سبيل الله، فتضلوا، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾ يقول: فممن بعثنا فيهم رسلنا من هدى الله، فوفَّقه لتصديق رسله، والقبول منها، والإيمان بالله، والعمل بطاعته، ففاز وأفلح، ونجا من عذاب الله ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ يقول: وممن يعثنا رسلنا إليه من الأمم آخرون حقَّت عليهم الضلالة، فجاروا عن قصد السبيل، فكفروا بالله وكذّبوا رسله، واتبعوا الطاغوت، فأهلكهم الله بعقابه، وأنزل عليهم بأسه الذي لا يردّ عن القوم المجرمين، ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ يقول تعالى ذكره لمشركي قريش: إن كنتم أيها الناس غير مصدّقي رسولنا فيما يخبركم به عن هؤلاء الأمم الذين حلّ بهم ما حلّ من بأسنا بكفرهم بالله، وتكذيبهم رسوله، فسيروا في الأرض التي كانوا يسكنونها، والبلاد التي كانوا يعمرونها، فانظروا إلى آثار الله فيهم، وآثار سخطه النازل بهم، كيف أعقبهم تكذيبهم رسل الله ما أعقبهم، فإنكم ترون حقيقة ذلك، وتعلمون به صحة الخبر الذي يخبركم به محمد ﷺ. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: إن تحرص يا محمد على هدى هؤلاء المشركين إلى الإيمان بالله واتباع الحق ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الكوفيين ﴿فإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يَضِلُّ﴾ بفتح الياء من يهدي، وضمها من يضلّ، وقد اختلف في معنى ذلك قارِئوه كذلك، فكان بعض نحويي الكوفة يزعم أن معناه: فإن الله من أضله لا يهتدي، وقال: العرب تقول: قد هدى الرجل: يريدون قد اهتدى، وهدى واهتدى بمعنى واحد، وكان آخرون منهم يزعمون أن معناه: فإن الله لا يهدي من أضله، بمعنى: أن من أضله الله فإن الله لا يهديه. وقرأ ذلك عامَّة قرّاء المدينة والشام والبصرة ﴿فإنَّ اللَّهَ لا يُهْدَى﴾ بضم الياء من يُهدى ومن يضل، وفتح الدال من يُهدَى بمعنى: من أضله الله فلا هادي له. وهذه القراءة أولى القراءتين عندي بالصواب، لأن يهدي بمعنى يهتدي قليل في كلام العرب غير مستفيض، وأنه لا فائدة في قول قائل: من أضله الله فلا يهديه، لأن ذلك مما لا يجهله أحد، وإذ كان ذلك كذلك، فالقراءة بما كان مستفيضا في كلام العرب من اللغة بما فيه الفائدة العظيمة أولى وأحرى. فتأويل الكلام لو كان الأمر على ما وصفنا: إن تحرص يا محمد على هداهم، فإن من أضله الله فلا هادي له، فلا تجهد نفسك في أمره، وبلغه ما أرسلت به لتتم عليه الحجة ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يقول: وما لهم من ناصر ينصرهم من الله إذا أراد عقوبتهم، فيحول بين الله وبين ما أراد من عقوبتهم. وفي قوله ﴿إِنْ تَحْرِصْ﴾ لغتان: فمن العرب من يقول: حرَص، يحرَص بفتح الراء في فعَل وكسرها في يفعل، وحرِص يحرَص بكسر الراء في فعِل وفتحها في يفعَل، والقراءة على الفتح في الماضي، والكسر في المستقبل، وهي لغة أهل الحجاز.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, Allah ne facilitera pas la guidée à ceux qu’Il a égarés, même si tu prêchais ces gens-là que tu espères ardemment guider et à qui tu consacres tous tes moyens, en y mettant toute la vigueur dont tu es capable. Ils ne trouveront personne d’autre qu’Allah pour éloigner d’eux le châtiment.

38

وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّۭا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

Et ils jurent par Allah en prononçant leurs serments les plus solennels: «Allah ne ressuscitera pas celui qui meurt». Bien au contraire! C'est une promesse véritable [de Sa part], mais la plupart des gens ne le savent pas.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ: أَنَّهُمْ حَلَفُوا فَأَقْسَمُوا ﴿بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أَيِ: اجْتَهَدُوا فِي الْحَلِفِ وَغَلَّظُوا الْأَيْمَانَ عَلَى أَنَّهُ ﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ أَيِ: اسْتَبْعَدُوا ذَلِكَ، فَكَذَّبُوا [[في ت، ف، أ: "وكذبوا".]] الرُّسُلَ فِي إِخْبَارِهِمْ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَحَلَفُوا عَلَى نَقِيضِهِ. فَقَالَ تَعَالَى مُكَذِّبًا لَهُمْ وَرْدًا عَلَيْهِمْ: ﴿بَلَى﴾ أَيْ: بَلَى سَيَكُونُ ذَلِكَ، ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [[في أ: "عليهم" وهو خطأ.]] أَيْ: لَا بُدَّ مِنْهُ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: فَلِجَهْلهم [[في أ: "فبجهلهم".]] يُخَالِفُونَ الرُّسُلَ وَيَقَعُونَ فِي الْكُفْرِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى حِكْمَتَهُ فِي الْمَعَادِ وَقِيَامِ الْأَجْسَادِ يَوْمَ التَّنَادِ، فَقَالَ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ أَيْ: لِلنَّاسِ ﴿الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَ ﴿لِيَجْزِيَ [[في ت، ف، أ: "ويجزى" وهو خطأ".]] الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النَّجْمِ: ٣١] ، ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ أَيْ: فِي أَيْمَانِهِمْ وَأَقْسَامِهِمْ: لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ؛ وَلِهَذَا يُدَعُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا، وَتَقُولُ [[في ف، أ: "فيقول".]] لَهُمُ الزَّبَانِيَةُ: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ١٤ -١٦] . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ قُدْرَتِهِ [[في ت: "عن قدرة".]] عَلَى مَا يَشَاءُ، وَأَنَّهُ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَإِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا [[في ف: "وأنه إذا".]] أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ: "كُنْ"، فَيَكُونُ، وَالْمَعَادُ مِنْ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَ كَوْنُهُ فَإِنَّمَا يَأْمُرُ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَيَكُونُ كَمَا يَشَاءُ، كَمَا قَالَ [[في ف، أ: "وقال".]] ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [الْقَمَرِ: ٥٠] وَقَالَ: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٨] ، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا [[في ت: "أمرنا" وهو خطأ.]] لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النَّحْلِ: ٤٠] ، أَيْ: أَنْ يَأْمُرَ بِهِ دُفْعَةً [[في أ: "مرة".]] واحدة فإذا هو كائن، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[مضى البيت عند تفسير الآية: ١١٧ من سورة البقرة.]] : إِذَا مَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا فَإِنَّمَا ... يَقُولُ لَهُ: "كُنْ"، قَوْلَةً فَيَكُونُ ... أَيْ: أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْكِيدٍ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا يُمَانَعُ وَلَا يُخَالَفُ، لِأَنَّهُ [هُوَ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الْعَظِيمُ، الَّذِي قَهَرَ سُلْطَانُهُ وَجَبَرُوتُهُ وَعِزَّتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَ [[في ت: "ذكره".]] الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: سَبَّني ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسُبَّنِي، وَكَذَّبَنِي وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكَذِّبَنِي، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَالَ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ قَالَ: وَقُلْتُ: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وَأَمَّا سَبُّهُ إِيَّايَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٧٣] ، وَقُلْتُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سُورَةُ الْإِخْلَاصِ] [[ورواه الطبري في تفسيره (١٤/٧٣) من طريق حجاج به موقوفا.]] . هَكَذَا [[في ت: "هذا".]] ذَكَرَهُ مَوْقُوفًا، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا، بِلَفْظٍ آخَرَ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٧٤) ولفظه: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلِيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَأَنَا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد".]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: وحلف هؤلاء المشركون من قريش بالله جَهْد أيمانِهِمْ حلفهم، لا يبعث الله من يموت بعد مماته، وكذبوا وأبطلوا في أيمانهم التي حلفوا بها كذلك، بل سيبعثه الله بعد مماته، وعدا عليه أن يبعثهم وعد عباده، والله لا يخلف الميعاد ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يقول: ولكن أكثر قريش لا يعلمون وعد الله عباده، أنه باعثهم يوم القيامة بعد مماتهم أحياء. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ تكذيبا بأمر الله أو بأمرنا، فإن الناس صاروا في البعث فريقين: مكذّب ومصدّق، ذُكر لنا أن رجلا قال لابن عباس: إن ناسا بهذا العراق يزعمون أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، ويتأوّلون هذه الآية، فقال ابن عباس: كذب أولئك، إنما هذه الآية للناس عامَّة، ولعمري لو كان عليّ مبعوثا قبل يوم القيامة ما أنكحنا نساءه، ولا قسمنا ميراثه. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال ابن عباس: إن رجالا يقولون: إن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، ويتأوّلون ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ قال: لو كنا نعلم أن عليا مبعوث، ما تزوّجنا نساءه ولا قسمنا ميراثه، ولكن هذه للناس عامة. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن أبيه، عن الربيع، في قوله ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ قال: حلف رجل من أصحاب النبيّ ﷺ عند رجل من المكذّبين، فقال: والذي يرسل الروح من بعد الموت، فقال: وإنك لتزعم أنك مبعوث من بعد الموت، وأقسم بالله جهد يمينه: لا يبعث الله من يموت. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين، فأتاه يتقاضاه، فكان فيما تكلم به: والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا، فقال المشرك: إنك تزعم أنك تُبعث بعد الموت، فأقسم بالله جهد يمينه: لا يبعث الله من يموت، فأنزل الله ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن عطاء بن أبي رباح أنه أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: "قال الله: سبني ابن آدم، ولم يكن ينبغي له أن يسبني، وكذّبني ولم يكن ينبغي له أن يكذّبني فأما تكذيبه إياي، فقال ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ قال: قلت ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ وأما سبه إياي، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وقلت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Ces dénégateurs firent les serments les plus fermes, affirmant que la Ressuscitation n’est pas une réalité et dirent: Allah ne ressuscitera jamais les morts. Or ils ne détenaient aucun argument appuyant cette dénégation. Bien au contraire, Allah ressuscitera certainement chaque mort mais comme la plupart des gens ne connaissent pas cette vérité, ils la nient.

39

لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَٰذِبِينَ

(Il les ressuscitera) afin qu'Il leur expose clairement ce en quoi ils divergeaient, et pour que ceux qui ont mécru sachent qu'ils ont été des menteurs.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ: أَنَّهُمْ حَلَفُوا فَأَقْسَمُوا ﴿بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أَيِ: اجْتَهَدُوا فِي الْحَلِفِ وَغَلَّظُوا الْأَيْمَانَ عَلَى أَنَّهُ ﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ أَيِ: اسْتَبْعَدُوا ذَلِكَ، فَكَذَّبُوا [[في ت، ف، أ: "وكذبوا".]] الرُّسُلَ فِي إِخْبَارِهِمْ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَحَلَفُوا عَلَى نَقِيضِهِ. فَقَالَ تَعَالَى مُكَذِّبًا لَهُمْ وَرْدًا عَلَيْهِمْ: ﴿بَلَى﴾ أَيْ: بَلَى سَيَكُونُ ذَلِكَ، ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [[في أ: "عليهم" وهو خطأ.]] أَيْ: لَا بُدَّ مِنْهُ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: فَلِجَهْلهم [[في أ: "فبجهلهم".]] يُخَالِفُونَ الرُّسُلَ وَيَقَعُونَ فِي الْكُفْرِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى حِكْمَتَهُ فِي الْمَعَادِ وَقِيَامِ الْأَجْسَادِ يَوْمَ التَّنَادِ، فَقَالَ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ أَيْ: لِلنَّاسِ ﴿الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَ ﴿لِيَجْزِيَ [[في ت، ف، أ: "ويجزى" وهو خطأ".]] الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النَّجْمِ: ٣١] ، ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ أَيْ: فِي أَيْمَانِهِمْ وَأَقْسَامِهِمْ: لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ؛ وَلِهَذَا يُدَعُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا، وَتَقُولُ [[في ف، أ: "فيقول".]] لَهُمُ الزَّبَانِيَةُ: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ١٤ -١٦] . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ قُدْرَتِهِ [[في ت: "عن قدرة".]] عَلَى مَا يَشَاءُ، وَأَنَّهُ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَإِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا [[في ف: "وأنه إذا".]] أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ: "كُنْ"، فَيَكُونُ، وَالْمَعَادُ مِنْ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَ كَوْنُهُ فَإِنَّمَا يَأْمُرُ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَيَكُونُ كَمَا يَشَاءُ، كَمَا قَالَ [[في ف، أ: "وقال".]] ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [الْقَمَرِ: ٥٠] وَقَالَ: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٨] ، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا [[في ت: "أمرنا" وهو خطأ.]] لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النَّحْلِ: ٤٠] ، أَيْ: أَنْ يَأْمُرَ بِهِ دُفْعَةً [[في أ: "مرة".]] واحدة فإذا هو كائن، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[مضى البيت عند تفسير الآية: ١١٧ من سورة البقرة.]] : إِذَا مَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا فَإِنَّمَا ... يَقُولُ لَهُ: "كُنْ"، قَوْلَةً فَيَكُونُ ... أَيْ: أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْكِيدٍ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا يُمَانَعُ وَلَا يُخَالَفُ، لِأَنَّهُ [هُوَ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الْعَظِيمُ، الَّذِي قَهَرَ سُلْطَانُهُ وَجَبَرُوتُهُ وَعِزَّتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَ [[في ت: "ذكره".]] الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: سَبَّني ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسُبَّنِي، وَكَذَّبَنِي وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكَذِّبَنِي، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَالَ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ قَالَ: وَقُلْتُ: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وَأَمَّا سَبُّهُ إِيَّايَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٧٣] ، وَقُلْتُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سُورَةُ الْإِخْلَاصِ] [[ورواه الطبري في تفسيره (١٤/٧٣) من طريق حجاج به موقوفا.]] . هَكَذَا [[في ت: "هذا".]] ذَكَرَهُ مَوْقُوفًا، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا، بِلَفْظٍ آخَرَ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٧٤) ولفظه: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلِيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَأَنَا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد".]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: بل ليبعثن الله من يموت وعدا عليه حقا، ليبين لهؤلاء الذين يزعمون أن الله لا يبعث من يموت، ولغيرهم الذين يختلفون فيه من إحياء الله خلقه بعد فنائهم، وليعلم الذين جحدوا صحة ذلك، وأنكروا حقيقته أنهم كانوا كاذبين في قيلهم: لا يبعث الله من يموت. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ قال: للناس عامَّة. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) ﴾ يقول تعالى ذكره: إنا إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائناهم، ولا في غير ذلك ما نخلق ونكوّن ونحدث، لأنا إذا أردنا خلقه وإنشاءه، فإنما نقول له كن فيكون، لا معاناة فيه، ولا كُلفة علينا. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: يكون، فقرأه أكثر قرّاء الحجاز والعراق على الابتداء، وعلى أن قوله ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ كلام تامّ مكتف بنفسه عما بعده، ثم يبتدأ فيقال: فيكون، كما قال الشاعر: يُريدُ أنْ يُعْرِبَهُ فيعجِمُهْ [[هذا بيت من مشطور الرجز من شواهد الفراء في معاني القرآن (ص ١٦١) والشاهد في البيت: أن قوله فيعجمه بالرفع ليس معطوفاً على أن يعربه وإنما هو كلام مستأنف، أي فهو يعجمه ولا يعربه. ومثله قوله تعالى: (أن نقول له كن فيكون) بالرفع وليس معطوفاً على "أن نقول". ومثله أيضاً قوله تعالى: (ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل) بالرفع، وليس بالنصب على الجواب للنفي ومثله قوله تعالى: (لنبين لكم، ونقر في الأرحام) برفع نقر على الاستئناف وقوله تعالى في براءة: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) ثم قال: (ويتوب الله على من يشاء) . قال الفراء: فإذا رأيت الفعل منصوبًا، وبعده فعل قد نسق عليه بواو أو فاء أو ثم، فإن كان يشاكل معنى الفعل الذي قبله، نسقته عليه، وإن رأيته غير مشاكل لمعناه، استأنفته فرفعته. ومنه قوله: والشِّعْرُ لا يَسْتَطِيعُهُ مَنْ يَظْلِمُهْ ... يُرِيدُ أنْ يُعْربَهُ فَيُعْجِمُهْ]] وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل الشام وبعض المتأخرين من قرّاء الكوفيين ﴿فَيَكُونَ﴾ نصبا، عطفا على قوله ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ﴾ وكأن معنى الكلام على مذهبهم: ما قولنا لشيء إذا أردناه إلا أن نقول له: كن، فيكون. وقد حُكي عن العرب سماعا: أريد أن آتيك فيمنعني المطر، عطفا بيمنعني على آتيك. * * وقوله ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ يقول تعالى ذكره: والذين فارقوا قومهم ودورهم وأوطانهم عداوة لهم في الله على كفرهم إلى آخرين غيرهم ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ يقول: من بعد ما نيل منهم في أنفسهم بالمكاره في ذات الله ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ يقول: لنسكننهم في الدنيا مسكنا يرضونه صالحا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ قال: هؤلاء أصحاب محمد ظلمهم أهل مكة، فأخرجوهم من ديارهم حتى لحق طوائف منهم بالحبشة، ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصارا من المؤمنين. ⁕ حُدثت عن القاسم بن سلام، قال: ثنا هشيم، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال: المدينة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال: هم قوم هاجروا إلى رسول الله ﷺ من أهل مكة بعد ظلمهم، وظلمهم المشركون. وقال آخرون: عنى بقوله ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ لنرزقهم في الدنيا رزقا حسنا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ لنرزقنهم في الدنيا رزقا حسنا. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن العوّام، عمن حدثه أن عمر بن الخطاب كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه يقول: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ذخره لك في الآخرة أفضل. ثم تلا هذه الآية ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُم﴾ : لنحلنهم ولنسكننهم، لأن التبوء في كلام العرب الحلول بالمكان والنزول به، ومنه قول الله تعالى ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ وقيل: إن هذه الآية نزلت في أبي جندل بن سهيل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا جعفر بن سليمان، عن داود بن أبي هند، قال: نزلت ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ ... إلى قوله ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ في أبي جندل بن سهيل. * * وقوله ﴿وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يقول: ولثواب الله إياهم على هجرتهم فيه في الآخرة أكبر، لأن ثوابه إياهم هنالك الجنة التي يدوم نعيمها ولا يبيد. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الله ﴿وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ أي والله لما يثيبهم الله عليه من جنته أكبر ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Allah les ressuscitera tous le Jour de la Résurrection afin de leur expliquer avec clarté le monothéisme, la Ressuscitation et la Prophétie au sujet desquels ils divergeaient, afin que les mécréants sachent qu’ils étaient dans le faux lorsqu’ils attribuaient des associés à Allah et niaient la Ressuscitation.

40

إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ

Quand Nous voulons une chose, Notre seule parole est: «Sois». Et, elle est.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ: أَنَّهُمْ حَلَفُوا فَأَقْسَمُوا ﴿بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أَيِ: اجْتَهَدُوا فِي الْحَلِفِ وَغَلَّظُوا الْأَيْمَانَ عَلَى أَنَّهُ ﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ أَيِ: اسْتَبْعَدُوا ذَلِكَ، فَكَذَّبُوا [[في ت، ف، أ: "وكذبوا".]] الرُّسُلَ فِي إِخْبَارِهِمْ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَحَلَفُوا عَلَى نَقِيضِهِ. فَقَالَ تَعَالَى مُكَذِّبًا لَهُمْ وَرْدًا عَلَيْهِمْ: ﴿بَلَى﴾ أَيْ: بَلَى سَيَكُونُ ذَلِكَ، ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [[في أ: "عليهم" وهو خطأ.]] أَيْ: لَا بُدَّ مِنْهُ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: فَلِجَهْلهم [[في أ: "فبجهلهم".]] يُخَالِفُونَ الرُّسُلَ وَيَقَعُونَ فِي الْكُفْرِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى حِكْمَتَهُ فِي الْمَعَادِ وَقِيَامِ الْأَجْسَادِ يَوْمَ التَّنَادِ، فَقَالَ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ أَيْ: لِلنَّاسِ ﴿الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَ ﴿لِيَجْزِيَ [[في ت، ف، أ: "ويجزى" وهو خطأ".]] الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النَّجْمِ: ٣١] ، ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ أَيْ: فِي أَيْمَانِهِمْ وَأَقْسَامِهِمْ: لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ؛ وَلِهَذَا يُدَعُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا، وَتَقُولُ [[في ف، أ: "فيقول".]] لَهُمُ الزَّبَانِيَةُ: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ١٤ -١٦] . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ قُدْرَتِهِ [[في ت: "عن قدرة".]] عَلَى مَا يَشَاءُ، وَأَنَّهُ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَإِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا [[في ف: "وأنه إذا".]] أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ: "كُنْ"، فَيَكُونُ، وَالْمَعَادُ مِنْ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَ كَوْنُهُ فَإِنَّمَا يَأْمُرُ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَيَكُونُ كَمَا يَشَاءُ، كَمَا قَالَ [[في ف، أ: "وقال".]] ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [الْقَمَرِ: ٥٠] وَقَالَ: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٨] ، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا [[في ت: "أمرنا" وهو خطأ.]] لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النَّحْلِ: ٤٠] ، أَيْ: أَنْ يَأْمُرَ بِهِ دُفْعَةً [[في أ: "مرة".]] واحدة فإذا هو كائن، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[مضى البيت عند تفسير الآية: ١١٧ من سورة البقرة.]] : إِذَا مَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا فَإِنَّمَا ... يَقُولُ لَهُ: "كُنْ"، قَوْلَةً فَيَكُونُ ... أَيْ: أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْكِيدٍ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا يُمَانَعُ وَلَا يُخَالَفُ، لِأَنَّهُ [هُوَ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الْعَظِيمُ، الَّذِي قَهَرَ سُلْطَانُهُ وَجَبَرُوتُهُ وَعِزَّتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَ [[في ت: "ذكره".]] الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: سَبَّني ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسُبَّنِي، وَكَذَّبَنِي وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكَذِّبَنِي، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَالَ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ قَالَ: وَقُلْتُ: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وَأَمَّا سَبُّهُ إِيَّايَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٧٣] ، وَقُلْتُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سُورَةُ الْإِخْلَاصِ] [[ورواه الطبري في تفسيره (١٤/٧٣) من طريق حجاج به موقوفا.]] . هَكَذَا [[في ت: "هذا".]] ذَكَرَهُ مَوْقُوفًا، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا، بِلَفْظٍ آخَرَ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٧٤) ولفظه: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلِيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَأَنَا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد".]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: بل ليبعثن الله من يموت وعدا عليه حقا، ليبين لهؤلاء الذين يزعمون أن الله لا يبعث من يموت، ولغيرهم الذين يختلفون فيه من إحياء الله خلقه بعد فنائهم، وليعلم الذين جحدوا صحة ذلك، وأنكروا حقيقته أنهم كانوا كاذبين في قيلهم: لا يبعث الله من يموت. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ قال: للناس عامَّة. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) ﴾ يقول تعالى ذكره: إنا إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائناهم، ولا في غير ذلك ما نخلق ونكوّن ونحدث، لأنا إذا أردنا خلقه وإنشاءه، فإنما نقول له كن فيكون، لا معاناة فيه، ولا كُلفة علينا. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: يكون، فقرأه أكثر قرّاء الحجاز والعراق على الابتداء، وعلى أن قوله ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ كلام تامّ مكتف بنفسه عما بعده، ثم يبتدأ فيقال: فيكون، كما قال الشاعر: يُريدُ أنْ يُعْرِبَهُ فيعجِمُهْ [[هذا بيت من مشطور الرجز من شواهد الفراء في معاني القرآن (ص ١٦١) والشاهد في البيت: أن قوله فيعجمه بالرفع ليس معطوفاً على أن يعربه وإنما هو كلام مستأنف، أي فهو يعجمه ولا يعربه. ومثله قوله تعالى: (أن نقول له كن فيكون) بالرفع وليس معطوفاً على "أن نقول". ومثله أيضاً قوله تعالى: (ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل) بالرفع، وليس بالنصب على الجواب للنفي ومثله قوله تعالى: (لنبين لكم، ونقر في الأرحام) برفع نقر على الاستئناف وقوله تعالى في براءة: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) ثم قال: (ويتوب الله على من يشاء) . قال الفراء: فإذا رأيت الفعل منصوبًا، وبعده فعل قد نسق عليه بواو أو فاء أو ثم، فإن كان يشاكل معنى الفعل الذي قبله، نسقته عليه، وإن رأيته غير مشاكل لمعناه، استأنفته فرفعته. ومنه قوله: والشِّعْرُ لا يَسْتَطِيعُهُ مَنْ يَظْلِمُهْ ... يُرِيدُ أنْ يُعْربَهُ فَيُعْجِمُهْ]] وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل الشام وبعض المتأخرين من قرّاء الكوفيين ﴿فَيَكُونَ﴾ نصبا، عطفا على قوله ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ﴾ وكأن معنى الكلام على مذهبهم: ما قولنا لشيء إذا أردناه إلا أن نقول له: كن، فيكون. وقد حُكي عن العرب سماعا: أريد أن آتيك فيمنعني المطر، عطفا بيمنعني على آتيك. * * وقوله ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ يقول تعالى ذكره: والذين فارقوا قومهم ودورهم وأوطانهم عداوة لهم في الله على كفرهم إلى آخرين غيرهم ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ يقول: من بعد ما نيل منهم في أنفسهم بالمكاره في ذات الله ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ يقول: لنسكننهم في الدنيا مسكنا يرضونه صالحا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ قال: هؤلاء أصحاب محمد ظلمهم أهل مكة، فأخرجوهم من ديارهم حتى لحق طوائف منهم بالحبشة، ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصارا من المؤمنين. ⁕ حُدثت عن القاسم بن سلام، قال: ثنا هشيم، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال: المدينة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال: هم قوم هاجروا إلى رسول الله ﷺ من أهل مكة بعد ظلمهم، وظلمهم المشركون. وقال آخرون: عنى بقوله ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ لنرزقهم في الدنيا رزقا حسنا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ لنرزقنهم في الدنيا رزقا حسنا. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن العوّام، عمن حدثه أن عمر بن الخطاب كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه يقول: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ذخره لك في الآخرة أفضل. ثم تلا هذه الآية ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُم﴾ : لنحلنهم ولنسكننهم، لأن التبوء في كلام العرب الحلول بالمكان والنزول به، ومنه قول الله تعالى ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ وقيل: إن هذه الآية نزلت في أبي جندل بن سهيل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا جعفر بن سليمان، عن داود بن أبي هند، قال: نزلت ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ ... إلى قوله ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ في أبي جندل بن سهيل. * * وقوله ﴿وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يقول: ولثواب الله إياهم على هجرتهم فيه في الآخرة أكبر، لأن ثوابه إياهم هنالك الجنة التي يدوم نعيمها ولا يبيد. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الله ﴿وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ أي والله لما يثيبهم الله عليه من جنته أكبر ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Lorsque Nous voulons faire revivre les morts et les ressusciter, rien ne Nous en empêche. Nous ne faisons que dire « Kun (sois) » et ce que Nous voulons a alors irrémédiablement lieu.

41

وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ ۖ وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ

Et ceux qui, pour (la cause d') Allah, ont émigré après avoir subi des injustices, Nous les installerons dans une situation agréable dans la vie d'ici-bas. Et le salaire de la vie dernière sera plus grand encore s'ils savaient.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ جَزَائِهِ لِلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِهِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ، الَّذِينَ فَارَقُوا الدَّارَ وَالْإِخْوَانَ وَالْخُلَّانَ، رَجَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ وَجَزَائِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ نُزُولِ هذه الآية الكريمة في مُهاجرة الحبشة الذي اشْتَدَّ أَذَى قَوْمِهِمْ لَهُمْ بِمَكَّةَ، حَتَّى خَرَجُوا مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ إِلَى بِلَادِ الْحَبَشَةِ، لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِمْ، وَمِنْ أَشْرَافِهِمْ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ رُقَيَّةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ابْنُ عَمِّ الرَّسُولِ [[في ف، أ: "ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ".]] وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ [[في ف، أ: "عبد الأسود".]] فِي جَمَاعَةٍ قَرِيبٍ مِنْ ثَمَانِينَ، مَا بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، صِدِّيقٍ وَصِدِّيقَةٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ. وَقَدْ فَعَلَ فَوَعَدَهُمْ تَعَالَى بِالْمُجَازَاةِ الْحَسَنَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَالَ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ: الْمَدِينَةُ. وَقِيلَ: الرِّزْقُ الطَّيِّبُ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، فَإِنَّهُمْ تَرَكُوا مَسَاكِنَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَعَوَّضَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا [[في ت، ف، أ: "منه".]] فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ عَوَّضَهُ اللَّهُ بِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْهُ [[في ت، ف، أ: "منه في الدنيا".]] وَكَذَلِكَ وَقَعَ فإنهم مكن الله لهم في البلاد وَحَكَّمَهُمْ عَلَى رِقَابِ الْعِبَادِ، فَصَارُوا أُمَرَاءَ حُكَّامًا، وَكُلٌّ مِنْهُمْ لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا، وَأَخْبَرَ أَنَّ ثَوَابَهُ لِلْمُهَاجِرِينَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ أَعْظَمُ مِمَّا أَعْطَاهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ: ﴿وَلأجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ أَيْ: مِمَّا أَعْطَيْنَاهُمْ فِي الدُّنْيَا ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: لَوْ كَانَ الْمُتَخَلِّفُونَ عَنِ الْهِجْرَةِ مَعَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا ادَّخَرَ اللَّهُ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَاتَّبَعَ رَسُولَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ هُشَيْم، عَنِ الْعَوَّامِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ إِذَا أَعْطَى الرَّجُلَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ عَطَاءَهُ [[في أ: "عطاء".]] يَقُولُ: خُذْ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذَا مَا وَعَدَكَ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا، وَمَا ادَّخَرَ [[في ف: "وما دخره".]] لَكَ فِي الْآخِرَةِ أَفْضَلُ، ثُمَّ قَرَأَ [[في أ: "يقرأ".]] هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [[رواه الطبري في تفسيره (١٤/٧٤) .]] . ثُمَّ وَصَفَهُمْ تَعَالَى فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أَيْ: صَبَرُوا عَلَى أَقَلِّ [[في ت، ف، أ: "أذى".]] مَنْ آذَاهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، مُتَوَكِّلِينَ عَلَى اللَّهِ الَّذِي أَحْسَنَ لَهُمُ العاقبة في الدنيا والآخرة.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: بل ليبعثن الله من يموت وعدا عليه حقا، ليبين لهؤلاء الذين يزعمون أن الله لا يبعث من يموت، ولغيرهم الذين يختلفون فيه من إحياء الله خلقه بعد فنائهم، وليعلم الذين جحدوا صحة ذلك، وأنكروا حقيقته أنهم كانوا كاذبين في قيلهم: لا يبعث الله من يموت. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ قال: للناس عامَّة. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) ﴾ يقول تعالى ذكره: إنا إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائناهم، ولا في غير ذلك ما نخلق ونكوّن ونحدث، لأنا إذا أردنا خلقه وإنشاءه، فإنما نقول له كن فيكون، لا معاناة فيه، ولا كُلفة علينا. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: يكون، فقرأه أكثر قرّاء الحجاز والعراق على الابتداء، وعلى أن قوله ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ كلام تامّ مكتف بنفسه عما بعده، ثم يبتدأ فيقال: فيكون، كما قال الشاعر: يُريدُ أنْ يُعْرِبَهُ فيعجِمُهْ [[هذا بيت من مشطور الرجز من شواهد الفراء في معاني القرآن (ص ١٦١) والشاهد في البيت: أن قوله فيعجمه بالرفع ليس معطوفاً على أن يعربه وإنما هو كلام مستأنف، أي فهو يعجمه ولا يعربه. ومثله قوله تعالى: (أن نقول له كن فيكون) بالرفع وليس معطوفاً على "أن نقول". ومثله أيضاً قوله تعالى: (ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل) بالرفع، وليس بالنصب على الجواب للنفي ومثله قوله تعالى: (لنبين لكم، ونقر في الأرحام) برفع نقر على الاستئناف وقوله تعالى في براءة: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) ثم قال: (ويتوب الله على من يشاء) . قال الفراء: فإذا رأيت الفعل منصوبًا، وبعده فعل قد نسق عليه بواو أو فاء أو ثم، فإن كان يشاكل معنى الفعل الذي قبله، نسقته عليه، وإن رأيته غير مشاكل لمعناه، استأنفته فرفعته. ومنه قوله: والشِّعْرُ لا يَسْتَطِيعُهُ مَنْ يَظْلِمُهْ ... يُرِيدُ أنْ يُعْربَهُ فَيُعْجِمُهْ]] وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل الشام وبعض المتأخرين من قرّاء الكوفيين ﴿فَيَكُونَ﴾ نصبا، عطفا على قوله ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ﴾ وكأن معنى الكلام على مذهبهم: ما قولنا لشيء إذا أردناه إلا أن نقول له: كن، فيكون. وقد حُكي عن العرب سماعا: أريد أن آتيك فيمنعني المطر، عطفا بيمنعني على آتيك. * * وقوله ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ يقول تعالى ذكره: والذين فارقوا قومهم ودورهم وأوطانهم عداوة لهم في الله على كفرهم إلى آخرين غيرهم ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ يقول: من بعد ما نيل منهم في أنفسهم بالمكاره في ذات الله ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ يقول: لنسكننهم في الدنيا مسكنا يرضونه صالحا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ قال: هؤلاء أصحاب محمد ظلمهم أهل مكة، فأخرجوهم من ديارهم حتى لحق طوائف منهم بالحبشة، ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصارا من المؤمنين. ⁕ حُدثت عن القاسم بن سلام، قال: ثنا هشيم، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال: المدينة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال: هم قوم هاجروا إلى رسول الله ﷺ من أهل مكة بعد ظلمهم، وظلمهم المشركون. وقال آخرون: عنى بقوله ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ لنرزقهم في الدنيا رزقا حسنا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ لنرزقنهم في الدنيا رزقا حسنا. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن العوّام، عمن حدثه أن عمر بن الخطاب كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه يقول: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ذخره لك في الآخرة أفضل. ثم تلا هذه الآية ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُم﴾ : لنحلنهم ولنسكننهم، لأن التبوء في كلام العرب الحلول بالمكان والنزول به، ومنه قول الله تعالى ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ وقيل: إن هذه الآية نزلت في أبي جندل بن سهيل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا جعفر بن سليمان، عن داود بن أبي هند، قال: نزلت ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ ... إلى قوله ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ في أبي جندل بن سهيل. * * وقوله ﴿وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يقول: ولثواب الله إياهم على هجرتهم فيه في الآخرة أكبر، لأن ثوابه إياهم هنالك الجنة التي يدوم نعيمها ولا يبيد. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الله ﴿وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ أي والله لما يثيبهم الله عليه من جنته أكبر ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Ceux qui ont délaissé leurs demeures, leurs familles et leurs biens afin de migrer du pays de mécréance vers le pays de l’Islam en recherchant par cette migration à obtenir l’agrément d’Allah, après que les mécréants les aient persécutés, Nous les ferons établir dans un lieu du bas monde où ils acquerront la puissance et la récompense qu’ils obtiendront dans l’au-delà sera encore meilleure. Si ceux qui sont restés en retrait, refusant de migrer, connaissaient la récompense méritée par les migrants, ils ne seraient assurément pas restés en retrait.

42

ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

Eux qui ont enduré et placé leur confiance en leur Seigneur.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ جَزَائِهِ لِلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِهِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ، الَّذِينَ فَارَقُوا الدَّارَ وَالْإِخْوَانَ وَالْخُلَّانَ، رَجَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ وَجَزَائِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ نُزُولِ هذه الآية الكريمة في مُهاجرة الحبشة الذي اشْتَدَّ أَذَى قَوْمِهِمْ لَهُمْ بِمَكَّةَ، حَتَّى خَرَجُوا مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ إِلَى بِلَادِ الْحَبَشَةِ، لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِمْ، وَمِنْ أَشْرَافِهِمْ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ رُقَيَّةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ابْنُ عَمِّ الرَّسُولِ [[في ف، أ: "ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ".]] وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ [[في ف، أ: "عبد الأسود".]] فِي جَمَاعَةٍ قَرِيبٍ مِنْ ثَمَانِينَ، مَا بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، صِدِّيقٍ وَصِدِّيقَةٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ. وَقَدْ فَعَلَ فَوَعَدَهُمْ تَعَالَى بِالْمُجَازَاةِ الْحَسَنَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَالَ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ: الْمَدِينَةُ. وَقِيلَ: الرِّزْقُ الطَّيِّبُ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، فَإِنَّهُمْ تَرَكُوا مَسَاكِنَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَعَوَّضَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا [[في ت، ف، أ: "منه".]] فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ عَوَّضَهُ اللَّهُ بِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْهُ [[في ت، ف، أ: "منه في الدنيا".]] وَكَذَلِكَ وَقَعَ فإنهم مكن الله لهم في البلاد وَحَكَّمَهُمْ عَلَى رِقَابِ الْعِبَادِ، فَصَارُوا أُمَرَاءَ حُكَّامًا، وَكُلٌّ مِنْهُمْ لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا، وَأَخْبَرَ أَنَّ ثَوَابَهُ لِلْمُهَاجِرِينَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ أَعْظَمُ مِمَّا أَعْطَاهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ: ﴿وَلأجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ أَيْ: مِمَّا أَعْطَيْنَاهُمْ فِي الدُّنْيَا ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: لَوْ كَانَ الْمُتَخَلِّفُونَ عَنِ الْهِجْرَةِ مَعَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا ادَّخَرَ اللَّهُ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَاتَّبَعَ رَسُولَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ هُشَيْم، عَنِ الْعَوَّامِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ إِذَا أَعْطَى الرَّجُلَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ عَطَاءَهُ [[في أ: "عطاء".]] يَقُولُ: خُذْ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذَا مَا وَعَدَكَ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا، وَمَا ادَّخَرَ [[في ف: "وما دخره".]] لَكَ فِي الْآخِرَةِ أَفْضَلُ، ثُمَّ قَرَأَ [[في أ: "يقرأ".]] هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [[رواه الطبري في تفسيره (١٤/٧٤) .]] . ثُمَّ وَصَفَهُمْ تَعَالَى فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أَيْ: صَبَرُوا عَلَى أَقَلِّ [[في ت، ف، أ: "أذى".]] مَنْ آذَاهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، مُتَوَكِّلِينَ عَلَى اللَّهِ الَّذِي أَحْسَنَ لَهُمُ العاقبة في الدنيا والآخرة.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفنا صفتهم، وآتيناهم الثواب الذي ذكرناه، الذين صيروا في الله على ما نابهم في الدنيا ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يقول: وبالله يثقون في أمورهم، وإليه يستندون في نوائب الأمور التي تنوبهم.

Al-Mukhtasar (français)

Ces migrants pour la cause d’Allah sont ceux qui ont eu la patience d’endurer la persécution des leurs et l’éloignement de leurs familles et de leur patrie et de surcroît sont patients dans leur obéissance à Allah et s’en remettent à Allah Seul dans toutes leurs affaires. Voilà les raisons pour lesquelles Allah leur accorda cette immense rétribution.

43

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

Nous n'avons envoyé, avant toi, que des hommes auxquels Nous avons fait des révélations. Demandez donc aux gens du rappel si vous ne savez pas.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولًا أَنْكَرَتِ الْعَرَبُ ذَلِكَ، أَوْ مَنْ أَنْكَرَ مِنْهُمْ، وَقَالُوا: اللَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ [يُونُسَ: ٢] ، وَقَالَ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: أهل الكتب الماضية: أبشر كَانَتِ الرُّسُلُ الَّتِي أَتَتْكُمْ [[في هـ، ت، أ: "إليهم" والمثبت من الطبري. مستفاد من حاشية الشعب.]] أَمْ مَلَائِكَةً؟ فَإِنْ كَانُوا مَلَائِكَةً أَنْكَرْتُمْ، وَإِنْ كَانُوا بَشَرًا فَلَا تُنْكِرُوا أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ ﷺ رَسُولًا؟ [وَ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [[في ف، أ: "نوحي".]] لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا قُلْتُمْ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ الْمُرَادَ بِأَهْلِ الذِّكْرِ: أَهْلُ الْكِتَابِ. وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَالْأَعْمَشُ. وَقَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ -الذِّكْرُ: الْقُرْآنُ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الْحِجْرِ: ٩]-صَحِيحٌ، [وَ] [[زيادة من ف، أ.]] لَكِنْ لَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ لَا يَرْجِعُ فِي إِثْبَاتِهِ بَعْدَ إِنْكَارِهِ إِلَيْهِ. وَكَذَا قَوْلُ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ: "نَحْنُ أَهْلُ الذِّكْرِ" -وَمُرَادُهُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَهْلُ الذِّكْرِ-صَحِيحٌ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَعْلَمُ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَعُلَمَاءُ أَهْلِ بَيْتِ الرَّسُولِ، عليهم [[في ت: "عليه".]] السلام والرحمة، من خَيْرِ الْعُلَمَاءِ إِذَا كَانُوا عَلَى السُّنَّةِ الْمُسْتَقِيمَةِ، كَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَنِي عَلِيٍّ: الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ، وَعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ -وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ-وَجَعْفَرٍ ابْنِهِ، وَأَمْثَالِهِمْ وَأَضْرَابِهِمْ وَأَشْكَالِهِمْ، مِمَّنْ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بِحَبْلِ اللَّهِ الْمَتِينِ وَصِرَاطِهِ المستقيم، وعرف لكل ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَنَزَلَ كُلٌّ الْمَنْزِلَ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ قُلُوبُ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ أَخْبَرَتْ أَنَّ [[في ت، ف: "بأن".]] الرُّسُلَ الْمَاضِينَ [[في أ: "الماضية".]] قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانُوا بَشَرًا كَمَا هُوَ بَشَرٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٩٣، ٩٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ﴾ [الْفُرْقَانِ: ٢٠] وَقَالَ ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ [ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ] ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٨، ٩] ، [[زيادة من ف، أ.]] وَقَالَ: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الْكَهْفِ: ١١٠] . ثُمَّ أَرْشَدَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ شَكَّ فِي كَوْنِ الرُّسُلِ كَانُوا بَشَرًا، إِلَى سُؤَالِ أَصْحَابِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ [[في ف، أ: "بشر أن يسألوا أهل الذكر عن الأنبياء".]] الَّذِينَ سَلَفُوا: هَلْ كَانَ أَنْبِيَاؤُهُمْ بَشَرًا أَوْ مَلَائِكَةً؟ ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أَرْسَلَهُمْ ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَيْ: بِالدَّلَالَاتِ وَالْحُجَجِ، ﴿وَالزُّبُرِ﴾ وَهِيَ الْكُتُبُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ. وَالزُّبُرُ: جَمْعُ زَبُورٍ، تَقُولُ الْعَرَبُ: زَبَرْتُ الْكِتَابَ إِذَا كَتَبْتُهُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [الْقَمَرِ: ٥٢] وَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠٥] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ﴾ مِنْ رَبِّهِمْ، أَيْ: لِعِلْمِكَ [[في ت: "يعلمك".]] بِمَعْنَى مَا أُنْزِلَ عَلَيْكَ، وَحِرْصِكَ عَلَيْهِ، وَاتِّبَاعِكَ لَهُ، وَلِعِلْمِنَا بِأَنَّكَ [[ف أ: "بأنه".]] أَفْضَلُ الْخَلَائِقِ وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، فَتُفَصِّلَ [[في أ: "تفصل".]] لَهُمْ مَا أُجْمِلَ، وَتُبَيِّنَ لَهُمْ مَا أُشْكِلَ: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أَيْ: يَنْظُرُونَ لِأَنْفُسِهِمْ فَيَهْتَدُونَ، فَيَفُوزُونَ [[في ت، ف: "فيفوزوا".]] بِالنَّجَاةِ فِي الدارين.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلى أمة من الأمم، للدعاء إلى توحيدنا، والانتهاء إلى أمرنا ونهينا، إلا رجالا من بني آدم نوحي إليهم وحينا لا ملائكة، يقول: فلم نرسل إلى قومك إلا مثل الذي كنا نرسل إلى من قَبلهم من الأمم من جنسهم وعلى منهاجهم (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) يقول لمشركي قريش: وإن كنتم لا تعلمون أن الذين كنا نرسل إلى من قبلكم من الأمم رجال من بني آدم مثل محمد ﷺ وقلتم: هم ملائكة: أي ظننتم أن الله كلمهم قبلافاسألوا أهل الذكر، وهم الذين قد قرءوا الكتب من قبلهم: التوراة والإنجيل، وغير ذلك من كتب الله التي أنزلها على عباده. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ قال: أهل التوراة. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن سفيان، قال: سألت الأعمش، عن قوله ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ قال: سمعنا أنه من أسلم من أهل التوراة والإنجيل. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ قال: هم أهل الكتاب. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ قال: قال لمشركي قريش: إن محمدا في التوراة والإنجيل. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: لما بعث الله محمدا رسولا أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد، قال: فأنزل الله ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ فاسألوا أهل الذكر: يعني أهل الكتب الماضية، أبشرا كانت الرسل التي أتتكم أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أنكرتم، وإن كانوا بشرا فلا تنكروا أن يكون محمد رسولا قال: ثم قال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثنا به ابن وكيع، قال: ثنا ابن يمان، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ قال: نحن أهل الذكر. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ قال: الذكر: القرآن، وقرأ ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وقرأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ ... الآية.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, Nous n’avons envoyé avant toi que des humains à qui Nous avons révélé des préceptes. Nous n’avons donc pas envoyé de messagers qui étaient des anges. Ceci est Notre habitude établie et si vous niez cela, demandez aux communautés ayant reçu les livres précédents de vous confirmer que les messagers étaient des humains et non des anges si vous en doutez.

44

بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ

(Nous les avons envoyés) avec des preuves évidentes et des livres saints. Et vers toi, Nous avons fait descendre le Coran, pour que tu exposes clairement aux gens ce qu'on a fait descendre pour eux et afin qu'ils réfléchissent.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولًا أَنْكَرَتِ الْعَرَبُ ذَلِكَ، أَوْ مَنْ أَنْكَرَ مِنْهُمْ، وَقَالُوا: اللَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ [يُونُسَ: ٢] ، وَقَالَ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: أهل الكتب الماضية: أبشر كَانَتِ الرُّسُلُ الَّتِي أَتَتْكُمْ [[في هـ، ت، أ: "إليهم" والمثبت من الطبري. مستفاد من حاشية الشعب.]] أَمْ مَلَائِكَةً؟ فَإِنْ كَانُوا مَلَائِكَةً أَنْكَرْتُمْ، وَإِنْ كَانُوا بَشَرًا فَلَا تُنْكِرُوا أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ ﷺ رَسُولًا؟ [وَ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [[في ف، أ: "نوحي".]] لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا قُلْتُمْ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ الْمُرَادَ بِأَهْلِ الذِّكْرِ: أَهْلُ الْكِتَابِ. وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَالْأَعْمَشُ. وَقَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ -الذِّكْرُ: الْقُرْآنُ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الْحِجْرِ: ٩]-صَحِيحٌ، [وَ] [[زيادة من ف، أ.]] لَكِنْ لَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ لَا يَرْجِعُ فِي إِثْبَاتِهِ بَعْدَ إِنْكَارِهِ إِلَيْهِ. وَكَذَا قَوْلُ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ: "نَحْنُ أَهْلُ الذِّكْرِ" -وَمُرَادُهُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَهْلُ الذِّكْرِ-صَحِيحٌ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَعْلَمُ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَعُلَمَاءُ أَهْلِ بَيْتِ الرَّسُولِ، عليهم [[في ت: "عليه".]] السلام والرحمة، من خَيْرِ الْعُلَمَاءِ إِذَا كَانُوا عَلَى السُّنَّةِ الْمُسْتَقِيمَةِ، كَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَنِي عَلِيٍّ: الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ، وَعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ -وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ-وَجَعْفَرٍ ابْنِهِ، وَأَمْثَالِهِمْ وَأَضْرَابِهِمْ وَأَشْكَالِهِمْ، مِمَّنْ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بِحَبْلِ اللَّهِ الْمَتِينِ وَصِرَاطِهِ المستقيم، وعرف لكل ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَنَزَلَ كُلٌّ الْمَنْزِلَ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ قُلُوبُ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ أَخْبَرَتْ أَنَّ [[في ت، ف: "بأن".]] الرُّسُلَ الْمَاضِينَ [[في أ: "الماضية".]] قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانُوا بَشَرًا كَمَا هُوَ بَشَرٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٩٣، ٩٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ﴾ [الْفُرْقَانِ: ٢٠] وَقَالَ ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ [ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ] ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٨، ٩] ، [[زيادة من ف، أ.]] وَقَالَ: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الْكَهْفِ: ١١٠] . ثُمَّ أَرْشَدَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ شَكَّ فِي كَوْنِ الرُّسُلِ كَانُوا بَشَرًا، إِلَى سُؤَالِ أَصْحَابِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ [[في ف، أ: "بشر أن يسألوا أهل الذكر عن الأنبياء".]] الَّذِينَ سَلَفُوا: هَلْ كَانَ أَنْبِيَاؤُهُمْ بَشَرًا أَوْ مَلَائِكَةً؟ ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أَرْسَلَهُمْ ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَيْ: بِالدَّلَالَاتِ وَالْحُجَجِ، ﴿وَالزُّبُرِ﴾ وَهِيَ الْكُتُبُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ. وَالزُّبُرُ: جَمْعُ زَبُورٍ، تَقُولُ الْعَرَبُ: زَبَرْتُ الْكِتَابَ إِذَا كَتَبْتُهُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [الْقَمَرِ: ٥٢] وَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠٥] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ﴾ مِنْ رَبِّهِمْ، أَيْ: لِعِلْمِكَ [[في ت: "يعلمك".]] بِمَعْنَى مَا أُنْزِلَ عَلَيْكَ، وَحِرْصِكَ عَلَيْهِ، وَاتِّبَاعِكَ لَهُ، وَلِعِلْمِنَا بِأَنَّكَ [[ف أ: "بأنه".]] أَفْضَلُ الْخَلَائِقِ وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، فَتُفَصِّلَ [[في أ: "تفصل".]] لَهُمْ مَا أُجْمِلَ، وَتُبَيِّنَ لَهُمْ مَا أُشْكِلَ: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أَيْ: يَنْظُرُونَ لِأَنْفُسِهِمْ فَيَهْتَدُونَ، فَيَفُوزُونَ [[في ت، ف: "فيفوزوا".]] بِالنَّجَاةِ فِي الدارين.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: أرسلنا بالبينات والزُّبُر رجالا نوحي إليهم. فإن قال قائل: وكيف قيل بالبينات والزُّبُر، وما الجالب لهذه الباء في قوله ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فإن قلت: جالبها قوله ﴿(أرْسَلْنَا﴾ وهي من صلته، فهل يجوز أن تكون صلة "ما" قبل "إلا" بعدها؟ وإن قلت: جالبها غير ذلك، فما هو؟ وأين الفعل الذي جلبها، قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك، فقال بعضهم: الباء التي في قوله ﴿بالبَيِّنَاتِ﴾ من صلة أرسلنا، وقال: إلا في هذا الموضع، ومع الجحد والاستفهام في كلّ موضع بمعنى غير، وقال: معنى الكلام: وما أرسلنا من قبلكم بالبينات والزبر غير رجال نوحي إليهم، ويقول على ذلك: ما ضرب إلا أخوك زيدا، وهل كلم إلا أخوك عمرا، بمعنى: ما ضرب زيدا غير أخيك، وهل كلم عمرا إلا أخوك؟ ويحتجّ في ذلك بقول أوْس بن حَجَر: أبَنِي لُبَيْنَي لَسْتُمَ بِيَدٍ ... إلا يَدٍ لَيْسَتْ لَهَا عَضُدُ [[رواية هذا البيت في الكتاب لسيبويه (١: ٣٦٢) : يا بُنَيْ لُبَيْنَى لَسْتُمَا بِيَدٍ ... إلاَّ يَداً لَيسَتْ لَهَا عَضُدُ بنصب يد التي بعد إلا على محل بيد التي قبلها. قال الشنتمري في الكلام على الشاهد: الشاهد فيه نصب ما بعد إلا، على البدل من موضع الباء وما عملت فيه. والتقدير: لستما يدا إلا يدا لا عضد لها. ولا يجوز الجر على البدل من المجرور، لأن ما بعد "إلا" مجرور، والباء: مؤكدة للنفي. ويروي: مخبولة= العضد. والخبل: الفساد، أي أنتما في الضعف وقلة النفع كيد بطل عضدها. أهـ. وقال الفراء في معاني القرآن (١: ١٧٢) : ورأيت الكسائي يجعل إلا مع الجحد والاستفهام بمنزلة غير ... وقال في قوله تعالى: (لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا) لا أجد المعنى إلا: لو كان فيهما آلهة غير الله لفسدتا. واحتج بقول الشاعر: أبني لبيني لستم بيد ... إلا يد ليست لها عضد فقال: لو كان المعنى إلا لكان الكلام فاسدا في هذا المعنى؛ لأني لا أقدر في هذا البيت على إعادة خافض بضمير، وقد ذهب ههنا مذهبا. قلت: وقد جوز الشيخ خالد في يد التي بعد إلا النصب على الاستثناء، وعلى البدلية، كما مر في كلام الأعلم الشنتمري. وجوز وجهاً ثالثاً تبعا للكسائي وأنشد بيته الشاهد، وهذا الوجه: هو جره على الصفة ليد الأولى. التصريح بمضمون التوضيح ١: ٤٢٤ (طبعة الأميرية، باب الاستثناء) . وقال الشيخ يس العليمي الحمصي في حاشيته على التصريح في هذا الموضع: "أبني لبيني" بصيغة المثنى، بدليل قوله "لستما" أي في رواية صاحب التصريح. وهو منادي حذف منه حرف النداء، وليس في قوله: "إلا يد" وصف الشيء بنفسه، لأن المعتمد بالصفة ليد الأولى صفة يد الثانية و "يد" الثانية صفة موطئة.]] ويقول: لو كانت "إلا" بغير معنى لفسد الكلام، لأن الذي خفض الباء قبل إلا لا يقدر على إعادته بعد إلا لخفض اليد الثانية، ولكن معنى إلا معنى غير، ويستشهد أيضا بقول الله عزّ وجلّ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ﴾ ويقول: إلا بمعنى غير في هذا الموضع، وكان غيره يقول: إنما هذا على كلامين، يريد: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا أرسلنا بالبينات والزبر، قال: وكذلك قول القائل: ما ضرب إلا أخوك زيدا معناه: ما ضرب إلا أخوك، ثم يبتدئ ضرب زيدا، وكذلك ما مَرَّ إلا أخوك بزيد ما مرّ إلا أخوك، ثم يقول: مرّ بزيد، ويستشهد على ذلك ببيت الأعشى: ولَيْسَ مُجِيرًا إنْ أتَى الحَيَّ خائِفٌ ... وَلا قائِلا إلا هُوَ المُتَعَيَّبا [[البيت للأعشى بني ثعلبة ميمون بن قيس (ديوانه طبعة القاهرة ص ١١٣) يقول: إنه لا يملك أن يؤمن رجلا، فيجعله في جواره، لأن الناس لا يحترمون هذا الجوار، وإنما يحترمون جوار الأقوياء، فلا يجرءون أن ينالوا جارهم بأذى، والمتعيب اسم مفعول من تعيبه إذا نسبه إلى العيب: أي ولا قائلا القول المعيب إلا هو. وقد بين المؤلف وجه استشهاد بعض النحويين (وهو الكسائي) بالبيت. وأن المتعيبا منصوب بقائلا المحذوف. والتقدير: ولا قائلا إلا هو "قائلا" المعيبا. وهو معنى قوله، ولكن جاز ذلك على كلامين. أهـ.]] ويقول: لو كان ذلك على كلمة لكان خطأ، لأن المُتَعَيَّبا من صلة القائل، ولكن جاز ذلك على كلامين وكذلك قول الآخر : نُبِّئْتُهُمْ عَذَّبُوا بالنَّارِ جارَهُمُ ... وَهَلْ يُعَذِّبُ إلا اللَّهُ بالنَّارِ [[هذا البيت كسابقه: شاهد على أن قوله "بالنار" من صلة الفعل "يعذب" وما قبل إلا لا يعمل فيما بعدها، فأخره ونوى كلامين، فيكون "بالنار" من صلة "يعذب" المحذوف. والتقدير: وهل يعذب إلا الله، يعذب بالنار. والبيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (١٧٢) .]] فتأويل الكلام إذن: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم أرسلناهم بالبينات والزبر، وأنزلنا إليك الذكر. والبينات: هي الأدلة والحجج التي أعطاها الله رسله أدلة على نبوّتهم شاهدة لهم على حقيقة ما أتوا به إليهم من عند الله. والزُّبُر: هي الكتب، وهي جمع زَبُور، من زَبَرْت الكتاب وذَبَرته: إذا كتبته. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ قال: الزبر: الكتب. ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ قال: الآيات. والزبر: الكتب. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الزُّبُر: الكتب. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿بالزُّبُر﴾ يعني: بالكتب. * * وقوله ﴿وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ يقول: وأنزلنا إليك يا محمد هذا القرآن تذكيرا للناس وعظة لهم، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ يقول: لتعرفهم ما أنزل إليهم من ذلك ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يقول: وليتذكروا فيه ويعتبروا به أي بما أنزلنا إليك، وقد حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا الثوري، قال: قال مجاهد ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ قال: يطيعون.

Al-Mukhtasar (français)

Nous avons envoyé ces messagers humains accompagnés de preuves manifestes et de livres révélés et Nous t’avons révélé, ô Messager, le Coran afin que tu expliques aux gens ce qui nécessite d’être expliqué. Peut-être qu’ils se serviront alors de leur faculté de réflexion et tireront des enseignements de ce que contient le Coran.

45

أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ

Ceux qui complotaient des méfaits sont-ils à l'abri de ce qu'Allah les engloutisse en terre ou que leur vienne le châtiment d'où ils ne s'attendaient point?

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حِلْمِهِ [وَإِمْهَالِهِ] [[زيادة من أ.]] وَإِنْظَارِهِ الْعُصَاةَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ وَيَدْعُونَ إِلَيْهَا، وَيَمْكُرُونَ بِالنَّاسِ فِي دُعَائِهِمْ إِيَّاهُمْ وَحَمْلِهِمْ عَلَيْهَا، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَيْ: مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ مَجِيئَهُ إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الْمُلْكِ: ١٦، ١٧] ، وَقَوْلُهُ ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ أَيْ: فِي تَقَلُّبِهِمْ فِي الْمَعَايِشِ وَاشْتِغَالِهِمْ بِهَا، مِنْ أَسْفَارٍ [[في أ: "بما في أسفارهم".]] وَنَحْوِهَا مِنَ الْأَشْغَالِ الْمُلْهِيَةِ. قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: ﴿تَقَلُّبِهِمْ﴾ أَيْ: أَسْفَارِهِمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٩٧، ٩٨] . وَقَوْلُهُ ﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أَيْ: لَا يُعجزون اللَّهَ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانُوا عَلَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ أَيْ: أَوْ يَأْخُذَهُمُ اللَّهُ فِي حَالِ خَوْفِهِمْ مِنْ أَخْذِهِ لَهُمْ، فَإِنَّهُ يَكُونُ أَبْلَغَ وَأَشَدَّ حَالَةَ الْأَخْذِ؛ فَإِنَّ حُصُولَ مَا يُتَوَقَّعُ مَعَ الْخَوْفِ شَدِيدٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ يَقُولُ: إِنْ شِئْتُ أَخَذْتُهُ عَلَى أَثَرِ مَوْتِ صَاحِبِهِ وَتَخَوُّفِهِ بِذَلِكَ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: حَيْثُ لَمْ يُعَاجِلْكُمْ بِالْعُقُوبَةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ " [لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ " [[صحيح البخاري برقم (٦٠٩٩) وصحيح مسلم برقم (٢٨٠٤) .]] ، وفي الصحيحين] [[زيادة من ت، ف، أ.]] إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٢] [[صحيح البخاري برقم (٤٦٨٦) وصحيح مسلم برقم (٢٥٨٣) مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عنه.]] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الْحَجِّ: ٤٨] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: أفأمن الذين ظلموا المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ، فراموا أن يفتنوهم عن دينهم من مشركي قريش الذين قالوا: إذ قيل لهم: ماذا أنزل ربكم: أساطير الأوّلين، صدّا منهم لمن أراد الإيمان بالله عن قصد السبيل، أن يخسف الله بهم الأرض على كفرهم وشركهم، أو يأتيهم عذاب الله من مكان لا يشعر به، ولا يدري من أين يأتيه، وكان مجاهد يقول: عنى بذلك نمرود بن كنعان. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ﴾ ... إلى قوله ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ قال: هو نمرود بن كنعان وقومه. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. وإنما اخترنا القول الذي قلناه في تأويل ذلك، لأن ذلك تهديد من الله أهل الشرك به، وهو عقيب قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فكان تهديد من لم يقرّ بحجة الله الذي جرى الكلام بخطابه قبل ذلك أحرى من الخبر عمن انقطع ذكره عنه. وكان قتادة يقول في معنى السيئات في هذا الموضع، ما:- ⁕ حدثنا به بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ : أي الشرك.

Al-Mukhtasar (français)

Ceux qui ourdissent des stratagèmes afin de détourner les gens du chemin d’Allah croient-ils être à l’abri qu’Allah les engloutisse sous terre comme Il a auparavant englouti sous terre Qârûn ou que le châtiment s’abatte sur eux d’où ils ne s’attendent pas?

46

أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ

Ou bien qu'Il les saisisse en pleine activité sans qu'ils puissent échapper (au châtiment d'Allah).

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حِلْمِهِ [وَإِمْهَالِهِ] [[زيادة من أ.]] وَإِنْظَارِهِ الْعُصَاةَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ وَيَدْعُونَ إِلَيْهَا، وَيَمْكُرُونَ بِالنَّاسِ فِي دُعَائِهِمْ إِيَّاهُمْ وَحَمْلِهِمْ عَلَيْهَا، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَيْ: مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ مَجِيئَهُ إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الْمُلْكِ: ١٦، ١٧] ، وَقَوْلُهُ ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ أَيْ: فِي تَقَلُّبِهِمْ فِي الْمَعَايِشِ وَاشْتِغَالِهِمْ بِهَا، مِنْ أَسْفَارٍ [[في أ: "بما في أسفارهم".]] وَنَحْوِهَا مِنَ الْأَشْغَالِ الْمُلْهِيَةِ. قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: ﴿تَقَلُّبِهِمْ﴾ أَيْ: أَسْفَارِهِمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٩٧، ٩٨] . وَقَوْلُهُ ﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أَيْ: لَا يُعجزون اللَّهَ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانُوا عَلَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ أَيْ: أَوْ يَأْخُذَهُمُ اللَّهُ فِي حَالِ خَوْفِهِمْ مِنْ أَخْذِهِ لَهُمْ، فَإِنَّهُ يَكُونُ أَبْلَغَ وَأَشَدَّ حَالَةَ الْأَخْذِ؛ فَإِنَّ حُصُولَ مَا يُتَوَقَّعُ مَعَ الْخَوْفِ شَدِيدٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ يَقُولُ: إِنْ شِئْتُ أَخَذْتُهُ عَلَى أَثَرِ مَوْتِ صَاحِبِهِ وَتَخَوُّفِهِ بِذَلِكَ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: حَيْثُ لَمْ يُعَاجِلْكُمْ بِالْعُقُوبَةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ " [لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ " [[صحيح البخاري برقم (٦٠٩٩) وصحيح مسلم برقم (٢٨٠٤) .]] ، وفي الصحيحين] [[زيادة من ت، ف، أ.]] إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٢] [[صحيح البخاري برقم (٤٦٨٦) وصحيح مسلم برقم (٢٥٨٣) مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عنه.]] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الْحَجِّ: ٤٨] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧) ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ أو يهلكهم في تصرّفهم في البلاد، وتردّدهم في أسفارهم ﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ يقول جلّ ثناؤه: فإنهم لا يعجزون الله من ذلك إن أراد أخذهم كذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني المثنى وعليّ بن داود، قالا ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ قال: إن شئت أخذته في سفر. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ في أسفارهم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، مثله. وقال ابن جريج في ذلك ما:- ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ قال: التقلب: أن يأخذهم بالليل والنهار. وأما قوله ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ فإنه يعني: أو يهلكهم بتخوّف، وذلك بنقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد الشيء حتى يهلك جميعهم، يقال منه: تخوّف مال فلان الإنفاق: إذا انتقصه، ونحو تخوّفه من التخوّف بمعنى التنقص، قول الشاعر: تَخَوَّفَ السَّيْرَ مِنْها تامِكا قَرِدًا ... كما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ [[البيت لابن مقبل (لسان العرب: خوف) قال: التخوف: التنقص. وفي التنزيل: "أو يأخذهم على تخوف". قال الفراء في التفسير بأنه التنقيص قال: والعرب تقول: تحوقته أي تنقصته من حافاته. قال: فهذا الذي سمعته. قال: وقد أتى التفسير بالحاء قال الزجاج: ويجوز أن يكون معناه: أو يأخذهم بعد أن يخيفهم بأن يهلك قرية، فتخاف التي تليها. وقال ابن مقبل: تخوف ... إلخ والسفن: الحديدة = التي تبرد بها القسي، أي تنقص، كما تأكل هذه الحديدة خشب القسي. وكذلك التخويف، يقال: خوفه وخوف منه. قال ابن السكيت: يقال: هو يتحوف المال (بالمهملة) ويتخوفه، أي يتنقصه، ويأخذ من أطرافه. وقال ابن الأعرابي: تحوفته وتحيفته، وتخوفته وتخيفته إذا تنقصته. والتامك السنام أو السنام المرتفع. والقرد: الذي تجمع شعره، أو الذي تراكم لحمه من السمن. وفي "فتح القدير" للشوكاني: التخوف بالفاء: التنقص: لغة لأزد شنوءة. والنبع من شجر الجبال نتخذه من القس، الواحدة نبعة.]] يعني بقوله تخوّف السير: تنقص سَنامها. وقد ذكرنا عن الهيثم بن عدّي أنه كان يقول: هي لغة لأزد شَنوءة معروفة لهم، ومنه قول الآخر : تَخَوَّفَ عَدْوُهُمْ مالي وأهْدَى ... سَلاسِل في الحُلُوقِ لَهَا صَلِيلُ [[البيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (١: ٣٦٠) قال: "على تخوف" مجازه: على التنقص، وأنشد بيتين ثانيهما بيت الشاهد، وأولهما: أُلاُم عَلى الهِجاءِ وكُلَّ يَوْمٍ ... يُلاقِينِي مِنَ الجِيرَانِ غُولُ أي تنقص غدرهم مالي. سلاسل: يريد القوافي تنشد، فهو صليلها. وهو قلائد في أعناقهم. وفي رواية أبي عبيدة والقرطبي غدرهم، في مكان عدوهم. أي اعتداؤهم. قلت: وفي اللسان أيضاً (خوف) تخونه، وخونه، وخون منه: نقصه. يقال: تخونني فلان حقي إذا تنقصك.]] وكان الفرّاء يقول: العرب تقول: تحوّفته: أي تنقصته، تحوّفا: أي أخذته من حافاته وأطرافه، قال: فهذا الذي سمعته، وقد أتى التفسير بالحاء وهما بمعنى. قال: ومثله ما قرئ بوجهين قوله: إن لك في النهار سَبْحًا وسَبْخًا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن المسعودي، عن إبراهيم بن عامر بن مسعود، عن رجل، عن عُمَر أنه سألهم عن هذه الآية ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ فقالوا: ما نرى إلا أنه عند تنقص ما يردّده من الآيات، فقال عمر: ما أرى إلا أنه على ما تنتقصون من معاصي الله، قال: فخرج رجل من كان عند عمر، فلقي أعرابيا، فقال: يا فلان ما فعل ربك؟ قال: قد تَخَيفته، يعني تنقصته، قال: فرجع إلى عمر فأخبره، فقال: قدّر الله ذلك. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ يقول: إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه وتخوّف بذلك. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراسانيّ، عن ابن عباس ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ قال: التنقص، والتفزيع. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ على تنقص. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ قال: تنقص. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ فيعاقب أو يتجاوز. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ قال: كان يقال: التخوّف: التنقُّص، ينتقصهم من البلدان من الأطراف. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ يعني: يأخذ العذاب طائفة ويترك أخرى، ويعذّب القرية ويهلكها، ويترك أخرى إلى جنبها. * * وقوله ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يقول: فإن ربكم أن لم يأخذ هؤلاء الذين مكروا السيئات بعذاب معجَّل لهم، وأخذهم بموت وتنقص بعضهم في أثر بعض، لرءوف بخلقه، رحيم بهم، ومن رأفته ورحمته بهم لم يخسف بهم الأرض، ولم يعجِّل لهم العذاب، ولكن يخوّفهم وينقّصهم بموت.

Al-Mukhtasar (français)

Croient-ils être à l’abri d’être saisis par un châtiment lorsqu’ils voyagent et partent en quête de leur subsistance? Assurément non, ils ne pourront s’y soustraire.

47

أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍۢ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌ

Ou bien qu'Il les saisisse en plein effroi? Mais vraiment, votre Seigneur est Compatissant et Miséricordieux.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حِلْمِهِ [وَإِمْهَالِهِ] [[زيادة من أ.]] وَإِنْظَارِهِ الْعُصَاةَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ وَيَدْعُونَ إِلَيْهَا، وَيَمْكُرُونَ بِالنَّاسِ فِي دُعَائِهِمْ إِيَّاهُمْ وَحَمْلِهِمْ عَلَيْهَا، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَيْ: مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ مَجِيئَهُ إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الْمُلْكِ: ١٦، ١٧] ، وَقَوْلُهُ ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ أَيْ: فِي تَقَلُّبِهِمْ فِي الْمَعَايِشِ وَاشْتِغَالِهِمْ بِهَا، مِنْ أَسْفَارٍ [[في أ: "بما في أسفارهم".]] وَنَحْوِهَا مِنَ الْأَشْغَالِ الْمُلْهِيَةِ. قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: ﴿تَقَلُّبِهِمْ﴾ أَيْ: أَسْفَارِهِمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٩٧، ٩٨] . وَقَوْلُهُ ﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أَيْ: لَا يُعجزون اللَّهَ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانُوا عَلَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ أَيْ: أَوْ يَأْخُذَهُمُ اللَّهُ فِي حَالِ خَوْفِهِمْ مِنْ أَخْذِهِ لَهُمْ، فَإِنَّهُ يَكُونُ أَبْلَغَ وَأَشَدَّ حَالَةَ الْأَخْذِ؛ فَإِنَّ حُصُولَ مَا يُتَوَقَّعُ مَعَ الْخَوْفِ شَدِيدٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ يَقُولُ: إِنْ شِئْتُ أَخَذْتُهُ عَلَى أَثَرِ مَوْتِ صَاحِبِهِ وَتَخَوُّفِهِ بِذَلِكَ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: حَيْثُ لَمْ يُعَاجِلْكُمْ بِالْعُقُوبَةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ " [لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ " [[صحيح البخاري برقم (٦٠٩٩) وصحيح مسلم برقم (٢٨٠٤) .]] ، وفي الصحيحين] [[زيادة من ت، ف، أ.]] إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٢] [[صحيح البخاري برقم (٤٦٨٦) وصحيح مسلم برقم (٢٥٨٣) مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عنه.]] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الْحَجِّ: ٤٨] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧) ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ أو يهلكهم في تصرّفهم في البلاد، وتردّدهم في أسفارهم ﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ يقول جلّ ثناؤه: فإنهم لا يعجزون الله من ذلك إن أراد أخذهم كذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني المثنى وعليّ بن داود، قالا ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ قال: إن شئت أخذته في سفر. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ في أسفارهم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، مثله. وقال ابن جريج في ذلك ما:- ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ قال: التقلب: أن يأخذهم بالليل والنهار. وأما قوله ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ فإنه يعني: أو يهلكهم بتخوّف، وذلك بنقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد الشيء حتى يهلك جميعهم، يقال منه: تخوّف مال فلان الإنفاق: إذا انتقصه، ونحو تخوّفه من التخوّف بمعنى التنقص، قول الشاعر: تَخَوَّفَ السَّيْرَ مِنْها تامِكا قَرِدًا ... كما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ [[البيت لابن مقبل (لسان العرب: خوف) قال: التخوف: التنقص. وفي التنزيل: "أو يأخذهم على تخوف". قال الفراء في التفسير بأنه التنقيص قال: والعرب تقول: تحوقته أي تنقصته من حافاته. قال: فهذا الذي سمعته. قال: وقد أتى التفسير بالحاء قال الزجاج: ويجوز أن يكون معناه: أو يأخذهم بعد أن يخيفهم بأن يهلك قرية، فتخاف التي تليها. وقال ابن مقبل: تخوف ... إلخ والسفن: الحديدة = التي تبرد بها القسي، أي تنقص، كما تأكل هذه الحديدة خشب القسي. وكذلك التخويف، يقال: خوفه وخوف منه. قال ابن السكيت: يقال: هو يتحوف المال (بالمهملة) ويتخوفه، أي يتنقصه، ويأخذ من أطرافه. وقال ابن الأعرابي: تحوفته وتحيفته، وتخوفته وتخيفته إذا تنقصته. والتامك السنام أو السنام المرتفع. والقرد: الذي تجمع شعره، أو الذي تراكم لحمه من السمن. وفي "فتح القدير" للشوكاني: التخوف بالفاء: التنقص: لغة لأزد شنوءة. والنبع من شجر الجبال نتخذه من القس، الواحدة نبعة.]] يعني بقوله تخوّف السير: تنقص سَنامها. وقد ذكرنا عن الهيثم بن عدّي أنه كان يقول: هي لغة لأزد شَنوءة معروفة لهم، ومنه قول الآخر : تَخَوَّفَ عَدْوُهُمْ مالي وأهْدَى ... سَلاسِل في الحُلُوقِ لَهَا صَلِيلُ [[البيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (١: ٣٦٠) قال: "على تخوف" مجازه: على التنقص، وأنشد بيتين ثانيهما بيت الشاهد، وأولهما: أُلاُم عَلى الهِجاءِ وكُلَّ يَوْمٍ ... يُلاقِينِي مِنَ الجِيرَانِ غُولُ أي تنقص غدرهم مالي. سلاسل: يريد القوافي تنشد، فهو صليلها. وهو قلائد في أعناقهم. وفي رواية أبي عبيدة والقرطبي غدرهم، في مكان عدوهم. أي اعتداؤهم. قلت: وفي اللسان أيضاً (خوف) تخونه، وخونه، وخون منه: نقصه. يقال: تخونني فلان حقي إذا تنقصك.]] وكان الفرّاء يقول: العرب تقول: تحوّفته: أي تنقصته، تحوّفا: أي أخذته من حافاته وأطرافه، قال: فهذا الذي سمعته، وقد أتى التفسير بالحاء وهما بمعنى. قال: ومثله ما قرئ بوجهين قوله: إن لك في النهار سَبْحًا وسَبْخًا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن المسعودي، عن إبراهيم بن عامر بن مسعود، عن رجل، عن عُمَر أنه سألهم عن هذه الآية ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ فقالوا: ما نرى إلا أنه عند تنقص ما يردّده من الآيات، فقال عمر: ما أرى إلا أنه على ما تنتقصون من معاصي الله، قال: فخرج رجل من كان عند عمر، فلقي أعرابيا، فقال: يا فلان ما فعل ربك؟ قال: قد تَخَيفته، يعني تنقصته، قال: فرجع إلى عمر فأخبره، فقال: قدّر الله ذلك. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ يقول: إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه وتخوّف بذلك. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراسانيّ، عن ابن عباس ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ قال: التنقص، والتفزيع. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ على تنقص. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ قال: تنقص. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ فيعاقب أو يتجاوز. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ قال: كان يقال: التخوّف: التنقُّص، ينتقصهم من البلدان من الأطراف. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ يعني: يأخذ العذاب طائفة ويترك أخرى، ويعذّب القرية ويهلكها، ويترك أخرى إلى جنبها. * * وقوله ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يقول: فإن ربكم أن لم يأخذ هؤلاء الذين مكروا السيئات بعذاب معجَّل لهم، وأخذهم بموت وتنقص بعضهم في أثر بعض، لرءوف بخلقه، رحيم بهم، ومن رأفته ورحمته بهم لم يخسف بهم الأرض، ولم يعجِّل لهم العذاب، ولكن يخوّفهم وينقّصهم بموت.

Al-Mukhtasar (français)

Croient-ils être à l’abri du châtiment d’Allah lorsqu’ils le redoutent? Certainement pas car Allah a le pouvoir de les châtier quel que soit leur état d’esprit. Votre Seigneur est plein de mansuétude et de miséricorde puisqu’Il ne se hâte pas de punir et donne une chance à Ses serviteurs de se repentir à Lui.

48

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍۢ يَتَفَيَّؤُا۟ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدًۭا لِّلَّهِ وَهُمْ دَٰخِرُونَ

N'ont-ils point vu que les ombres de toute chose qu'Allah a créée s'allongent à droite et à gauche, en se prosternant devant Allah, en toute humilité?

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ الَّذِي خَضَعَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَدَانَتْ لَهُ الْأَشْيَاءُ وَالْمَخْلُوقَاتُ بِأَسْرِهَا: جَمَادُهَا وَحَيَوَانَاتُهَا، وَمُكَلَّفُوهَا مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ، فَأَخْبَرَ [[في ت: "والمخبر".]] أَنَّ كُلَّ مَا لَهُ ظل يتفيأ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، أَيْ: بُكْرَةً وَعَشِيًّا، فَإِنَّهُ سَاجِدٌ بِظِلِّهِ لِلَّهِ تَعَالَى. قَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ سَجَدَ كلُّ شَيْءٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ أَيْ: صَاغِرُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: سُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ. وَذَكَرَ الْجِبَالَ قَالَ: سُجُودُهَا فِيهَا. وَقَالَ أَبُو غَالِبٍ الشَّيْبَانِيُّ: أَمْوَاجُ الْبَحْرِ صَلَاتُهُ. وَنَزَّلَهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ يَعْقِلُ إِذْ أَسْنَدَ السُّجُودَ إِلَيْهِمْ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرَّعْدِ: ١٥] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أَيْ: تَسْجُدُ لِلَّهِ أَيْ غَيْرَ مُسْتَكْبِرِينَ عَنْ عِبَادَتِهِ، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أَيْ: يَسْجُدُونَ خَائِفِينَ وَجِلِينَ مِنَ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ، ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أَيْ: مُثَابِرِينَ عَلَى طَاعَتِهِ [[في ف: "طاعة الله".]] تَعَالَى، وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَتَرْكِ زَوَاجِرِهِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الحجاز والمدينة والبصرة ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ بالياء على الخبر عن الذين مكروا السيئات، وقرأ ذلك بعض قراء الكوفيين "أوَلم تَرَوا" بالتاء على الخطاب. وأولى القراءتين عندي بالصواب قراءة من قرأ بالياء على وجه الخبر عن الذين مكروا السيئات، لأن ذلك في سياق قَصَصِهم، والخبر عنهم، ثم عقب ذلك الخبر عن ذهابهم عن حجة الله عليهم، وتركهم النظر في أدلته والاعتبار بها، فتأويل الكلام إذن: أو لم ير هؤلاء الذين مكروا السيئات، إلى ما خلق الله من جسم قائم، شجر أو جبل أو غير ذلك، يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل، يقول: يرجع من موضع إلى موضع، فهو في أوّل النهار على حال، ثم يتقلَّص، ثم يعود إلى حال أخرى في آخر النهار. وكان جماعة من أهل التأويل يقولون في اليمين والشمائل ما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة، قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ أما اليمين: فأوّل النهار، وأما الشمال: فآخر النهار. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، بنحوه. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ قال: الغدوّ والآصال، إذا فاءت الظِّلال، ظلال كلّ شيء بالغدوّ سجدت لله، وإذا فاءت بالعشيّ سجدت لله. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ يعني: بالغدو والآصال، تسجد الظلال لله غدوة إلى أن يفئ الظلّ، ثم تسجد لله إلى الليل، يعني: ظلّ كلّ شَيء. وكان ابن عباس يقوله في قوله ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ ما:- ⁕ حدثنا المثنى، قال: أخبرنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ يقول: تتميل. واختلف في معنى قوله ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ فقال بعضهم: ظلّ كلّ شيء سجوده. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ قال: ظلّ كلّ شيء سجوده. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق الرازيّ، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ قال: سجد ظلّ المؤمن طوعا، وظلّ الكافر كَرْها. وقال آخرون: بل عنى بقوله ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ كلا عن اليمين والشمائل في حال سجودها، قالوا: وسجود الأشياء غير ظلالها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد وحدثني نصر بن عبد الرحمن الأوّديّ، قالا ثنا حَكَّام، عن أبي سنان، عن ثابت عن الضحاك، في قول الله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ قال: إذا فاء الفيء توجه كلّ شيء ساجدا قبل القبلة، من نبت أو شجر، قال: فكانوا يستحبون الصلاة عند ذلك. ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا الحمَّانيّ، قال: ثنا يحيى بن يمان، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد، في قول الله ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ قال: إذا زالت الشمس سجد كلّ شيء لله عزّ وجلّ. وقال آخرون: بل الذي وصف الله بالسجود في هذه الآية ظلال الأشياء، فإنما يسجد ظلالها دون التي لها الظلال. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ قال: هو سجود الظلال، ظلال كلّ شيء ما في السموات وما في الأرض من دابة، قال: سجود ظلال الدواب، وظلال كلّ شيء. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ ما خلق من كلّ شيء عن يمينه وشمائله، فلفظ ما لفظ عن اليمين والشمائل، قال: ألم تر أنك إذا صليت الفجر، كان ما بين مطلع الشمس إلى مغربها ظلا ثم بعث الله عليه الشمس دليلا وقبض الله الظلّ. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر في هذه الآية أن ظلال الأشياء هي التي تسجد، وسجودها: مَيَلانها ودورانها من جانب إلى جانب، وناحية إلى ناحية، كما قال ابن عباس يقال من ذلك: سجدت النخلة إذا مالت، وسجد البعير وأسجد: إذا أميل للركوب. وقد بيَّنا معنى السجود في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته. * * وقوله ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ يعني: وهم صاغرون، يقال منه: دخر فلان لله يدخر دخرا ودخورا: إذا ذلّ له وخضع ومنه قول ذي الرُّمَّة: فَلَمْ يَبْقَ إلا داخِرٌ فِي مُخَيَّسٍ ... ومُنْجَحِرٌ فِي غيرِ أرْضِكَ في جُحْرِ [[البيت شاهد على أن معنى الداخر: الصاغر. قال أبو عبيدة في مجاز القرآن: وهم داخرون: أي صاغرون يقال: فلان دخر لله: أي ذل وخضع. و (في اللسان: دخر) : دخر الرجل بالفتح يدخر دخورا، فهو داخر، ودخر دخرا: (كفرح) ذل وصغر يصغر صغارًا، وهو الذي يفعل ما يؤمر به، شاء أو أبى، صاغرا قميئا. وفي (اللسان: خيس) : وكل سجن: مخيس ومخيس (بتشديد الياء مفتوحة ومكسورة) . وأنشد البيت ونسبه إلى الفرزدق. والمنجحر: الداخل في الجحر، يقال: أجحره فانجحر: أدخله الجحر، فدخله. والجحر: كل شيء تحتقره الهوام والسباع لأنفسها. والجمع: أجحار وجحرة.]] وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ صاغرون. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ : أي صاغرون. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة مثله. وأما توحيد اليمين في قوله ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ فجمعها، فإن ذلك إنما جاء كذلك، لأن معنى الكلام: أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلال ما خلق من شيء عن يمينه: أي ما خلق، وشمائله، فلفظ "ما" لفظ واحد، ومعناه معنى الجمع، فقال: عن اليمين بمعنى: عن يمين ما خلق، ثم رجع إلى معناه في الشمائل، وكان بعض أهل العربية يقول: إنما تفعل العرب ذلك، لأن أكثر الكلام مواجهة الواحد الواحد، فيقال للرجل: خذ عن يمينك، قال: فكأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من القوم، وإذا جمع فهو الذي لا مساءلة فيه، واستشهد لفعل العرب ذلك بقول الشاعر: بِفي الشَّامِتِينَ الصَّخْرُ إنْ كان هَدَّني ... رَزِيَّةُ شِبْلَيْ مُخْدِرٍ في الضَّراغمِ [[هذا البيت من شواهد الفراء في (معاني القرآن ١: ١٧٢) استشهد به عند قوله تعالى: (يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل) قال: الظن يرجع على كل شيء من جوانبه، فذلك تفيؤه، ثم فسر فقال: عن اليمين والشمائل، وكل ذلك جائز في العربية، قال الشاعر: "بفي الشامتين ... الخ البيت". قال ولم يقل: بأفواه الشامتين. قلت: يريد أن جمع الشمائل وإفراد اليمين، جائز في العربية، واستشهد عليه بالبيت. وقد وجه المؤلف في التفسير توجيهاً حسناً.]] فقال: بِفي الشامتين، ولم يقل: بأفواه، وقول الآخر: الوَارِدُونَ وتَيْمٌ في ذَرَا سَبإ ... قد عَضَّ أعْناقَهُمْ جِلْدُ الجَوَامِيسِ [[وهذا البيت أيضاً كالشاهد قبله من شواهد الفراء، في (معاني القرآن، بعد سابقه ١: ١٧٢) على أن الشاعر قال: جلد الجواميس بالإفراد، ولم يقل: جلود الجواميس، في مقابلة أعناقهم ولم نقف على البيت في المراجع، ولا على قائله.]] ولم يقل: جلود.

Al-Mukhtasar (français)

Ces dénégateurs n’ont-ils pas scruté les créatures d’Allah afin que cela les amène à réfléchir à leur création? Les ombres des choses s’allongent tantôt à gauche tantôt à droite suivant le parcours du soleil le jour ou celui de la lune la nuit. Ces ombres sont soumises à leur Seigneur et se prosternent véritablement à Lui en toute humilité.

49

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍۢ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ

Et c'est devant Allah que se prosterne tout être vivant dans les cieux, et sur la terre; ainsi que les Anges qui ne s'enflent pas d'orgueil.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ الَّذِي خَضَعَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَدَانَتْ لَهُ الْأَشْيَاءُ وَالْمَخْلُوقَاتُ بِأَسْرِهَا: جَمَادُهَا وَحَيَوَانَاتُهَا، وَمُكَلَّفُوهَا مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ، فَأَخْبَرَ [[في ت: "والمخبر".]] أَنَّ كُلَّ مَا لَهُ ظل يتفيأ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، أَيْ: بُكْرَةً وَعَشِيًّا، فَإِنَّهُ سَاجِدٌ بِظِلِّهِ لِلَّهِ تَعَالَى. قَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ سَجَدَ كلُّ شَيْءٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ أَيْ: صَاغِرُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: سُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ. وَذَكَرَ الْجِبَالَ قَالَ: سُجُودُهَا فِيهَا. وَقَالَ أَبُو غَالِبٍ الشَّيْبَانِيُّ: أَمْوَاجُ الْبَحْرِ صَلَاتُهُ. وَنَزَّلَهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ يَعْقِلُ إِذْ أَسْنَدَ السُّجُودَ إِلَيْهِمْ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرَّعْدِ: ١٥] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أَيْ: تَسْجُدُ لِلَّهِ أَيْ غَيْرَ مُسْتَكْبِرِينَ عَنْ عِبَادَتِهِ، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أَيْ: يَسْجُدُونَ خَائِفِينَ وَجِلِينَ مِنَ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ، ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أَيْ: مُثَابِرِينَ عَلَى طَاعَتِهِ [[في ف: "طاعة الله".]] تَعَالَى، وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَتَرْكِ زَوَاجِرِهِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولله يخضع ويستسلم لأمره ما في السموات وما في الأرض من دابَّة يدبّ عليها، والملائكة التي في السموات، وهم لا يستكبرون عن التذلل له بالطاعة ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ وظلالهم تتفيأ عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون. وكان بعض نحويِّي البصرة يقول: اجتزئ بذكر الواحد من الدوابّ عن ذكر الجميع. وإنما معنى الكلام: ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من الدوابّ والملائكة، كما يقال: ما أتاني من رجل، بمعنى: ما أتاني من الرجال. وكان بعض نحويِّي الكوفة يقول: إنما قيل: من دابة، لأن "ما" وإن كانت قد تكون على مذهب الذي، فإنها غير مؤقتة، فإذا أبهمت غير مؤقتة أشبهت الجزاء، والجزاء يدخل من فيما جاء من اسم بعده من النكرة، فيقال: من ضربه من رجل فاضربوه، ولا تسقط "من" من هذا الموضع كراهية أن تشبه أن تكون حالا لمن وما، فجعلوه بمن ليدلّ على أنه تفسير لما ومن لأنهما غير مؤقتتين، فكان دخول من فيما بعدهما تفسيرا لمعناهما، وكان دخول من أدلّ على ما لم يوقت من من وما، فلذلك لم تلغيا.

Al-Mukhtasar (français)

C’est à Allah Seul que se prosternent tout ce qui se trouve dans les Cieux et tous les êtres vivants sur Terre. C’est à Lui aussi que se prosternent les anges qui ne dédaignent jamais L’adorer et Lui obéir.

50

يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ۩

Ils craignent leur Seigneur, au-dessus d'eux, et font ce qui leur est commandé.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ الَّذِي خَضَعَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَدَانَتْ لَهُ الْأَشْيَاءُ وَالْمَخْلُوقَاتُ بِأَسْرِهَا: جَمَادُهَا وَحَيَوَانَاتُهَا، وَمُكَلَّفُوهَا مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ، فَأَخْبَرَ [[في ت: "والمخبر".]] أَنَّ كُلَّ مَا لَهُ ظل يتفيأ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، أَيْ: بُكْرَةً وَعَشِيًّا، فَإِنَّهُ سَاجِدٌ بِظِلِّهِ لِلَّهِ تَعَالَى. قَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ سَجَدَ كلُّ شَيْءٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ أَيْ: صَاغِرُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: سُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ. وَذَكَرَ الْجِبَالَ قَالَ: سُجُودُهَا فِيهَا. وَقَالَ أَبُو غَالِبٍ الشَّيْبَانِيُّ: أَمْوَاجُ الْبَحْرِ صَلَاتُهُ. وَنَزَّلَهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ يَعْقِلُ إِذْ أَسْنَدَ السُّجُودَ إِلَيْهِمْ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرَّعْدِ: ١٥] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أَيْ: تَسْجُدُ لِلَّهِ أَيْ غَيْرَ مُسْتَكْبِرِينَ عَنْ عِبَادَتِهِ، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أَيْ: يَسْجُدُونَ خَائِفِينَ وَجِلِينَ مِنَ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ، ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أَيْ: مُثَابِرِينَ عَلَى طَاعَتِهِ [[في ف: "طاعة الله".]] تَعَالَى، وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَتَرْكِ زَوَاجِرِهِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: يخاف هؤلاء الملائكة التي في السموات، وما في الأرض من دابة، ربهم من فوقهم، أن يعذّبهم إن عَصَوا أمره،ويفعلون ما يؤمرون، يقول: ويفعلون ما أمرهم الله به، فيؤدّون حقوقه، ويجتنبون سُخْطه. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) ﴾ يقول تعالى ذكره: وقال الله لعباده: لا تتخذوا لي شريكا أيها الناس، ولا تعبدوا معبودين، فإنكم إذا عبدتم معي غيري جعلتم لي شريكا، ولا شريك لي، إنما هو إله واحد ومعبود واحد، وأنا ذلك، ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ يقول: فإياي فاتقوا وخافوا عقابي بمعصيتكم إياي إن عصيتموني وعبدتم غيري، أو أشركتم في عبادتكم لي شريكا. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولله ملك ما في السموات والأرض من شيء، لا شريك له في شيء من ذلك، هو الذي خلقهم، وهو الذي يرزقهم، وبيده حياتهم وموتهم. * * وقوله ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ يقول جلّ ثناؤه: وله الطاعة والإخلاص دائما ثابتا واجبا، يقال منه: وَصَبَ الدِّينُ يَصِبُ وُصُوبا ووَصْبا كما قال الدِّيلِيّ: لا أبْتَغِي الحَمْدَ القَلِيلَ بَقاؤُهُ ... يَوْما بِذَمّ الدَّهْرِ أجمَعَ وَاصِبا [[البيت لأبي الأسود الدؤلي، ويقال فيه الديلي أيضا، استشهد به أبو عبيدة في مجاز القرآن (١: ٣٦١) على أن معنى "واصبا": دائما. وروايته فيه كرواية المؤلف (الطبري) . واستشهد به كذلك القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٠: ١١٤) ورواه بروايتين: الأولى كرواية المؤلف، وقال قبلها، أنشد الغزنوي والثعلبي وغيرهما ... البيت. والأخرى باختلاف في الشطر الثاني. وهو: "بدم يكون الدهر أجمع واصبا" وظاهر أن هذه الرواية محرفة عن الأولى. وقال صاحب لسان العرب في "وصب". وفي التنزيل العزيز، "وله الدين واصبا" قال أبو إسحاق، قيل في معناه: دائبا: أي طاعته دائمة واجبة أبدا. قال: ويجوز، والله أعلم أن يكون "وله الدين واصبا": أي له الدين والطاعة، رضي العبد بما يؤمر به، أو لم يرض به، سهل عليه، أو لم يسهل، فله الدين وإن كان فيه الوصب، والوصب: شدة التعب، وفيه: "بعذاب واصب" أي دائم ثابت. وقيل: موجع.]] ومنه قول الله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ ، وقول حسان: غَيَّرَتْهُ الرِّيحُ تَسْفِي بِهِ ... وهَزِيمٌ رَعْدُهُ وَاصِبٌ [[البيت لحسان بن ثابت (ديوانه طبع ليدن سنة ١٩١٠ ص ٦١) وقبله بيت وهو المطلع: قَدْ تَعَفَّى بَعْدَنا عاذِبُ ... ما بِهِ بادٍ وَلا قارِبُ وتسفى به: تحمل إليه التراب. والهزيم: السحاب المتشقق بالمطر. يقول: غير هذا المكان ما تسفيه الريح عليه من التراب، وما يأتي به السحاب من مطر رعده دائم.]] فأما من الألم، فإنما يقال: وصب الرجل يوصب وصبا، وذلك إذا أعيا وملّ، ومنه قول الشاعر: لا يغْمِزُ السَّاقَ مِنْ أيْنِ ولا وَصَبٍ ... ولا يعَضُّ على شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ [[هذا البيت لأعشى باهلة، واسمه عامر بن الحارث جمهرة أشعار العرب لمحمد بن أبي الخطاب القرشي (١٣٥ - ١٣٧) من قصيدة يقولها في أخ له اسمه المنتشر، قتله بنو الحارث بن كعب وقطعوه إربا إربا (عضوا عضوا) برجل منهم كان فعل معه مثل ذلك. ورواية البيت فيه وفي اللسان (صفر) : لا يَتَأَسَّى لِمَا فِي الْقِدْرِ يَرْقبُهُ ... ولا يَعَضُّ عَلى شُرْسُوفِهِ الصَّفْرُ قال: والصفر دويية تكون في البطن، تدعيها الأعراب، ويكون منها الجوع. وخطأ رواية البيت الصاغاني، وأورده كرواية المؤلف. (انظر هامش اللسان: أرى) . والغمز: العصر باليد. والشرسوف: جمعه شراسيف، وهي أطراف أضلاع الصدر التي تشرف على البطن.]] وقد اختلف أهل التأويل في تأويل الواصب، فقال بعضهم: معناه، ما قلنا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن قيس، عن الأغرّ بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن أبي نضرة، عن ابن عباس ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما. ⁕ حدثني إسماعيل بن موسى، قال: أخبرنا شريك، عن أبي حصين، عن عكرمة، في قوله ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن قيس، عن يعلى بن النعمان، عن عكرمة، قال: دائما. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل جميعا، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما. ⁕ حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة وأبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما. ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ : أي دائما، فإن الله تبارك وتعالى لم يدع شيئا من خلقه إلا عبده طائعا أو كارها. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَاصِبًا﴾ قال: دائما، ألا ترى أنه يقول ﴿عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ أي دائم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما، والواصب: الدائم. وقال آخرون: الواصب في هذا الموضع: الواجب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، عن قيس، عن يَعَلَى بن النعمان، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: واجبا. وكان مجاهد يقول: معنى الدين في هذا الموضع: الإخلاص. وقد ذكرنا معنى الدين في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: الإخلاص. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: الدين: الإخلاص. * * وقوله ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: أفغير الله أيها الناس تتقون، أي ترهبون وتحذرون أن يسلبكم نعمة الله عليكم بإخلاصكم العبادة لربكم، وإفرادكم الطاعة له، وما لكم نافع سواه.

Al-Mukhtasar (français)

Tout en L’adorant continuellement, les anges craignent leur Seigneur, qui est au-dessus d’eux au sens propre (par Son Etre) et au sens figuré (par Sa domination), et accomplissent les actes d’obéissance qu’Il leur ordonne.

51

۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ إِلَٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ فَإِيَّٰىَ فَٱرْهَبُونِ

Allah dit: «Ne prenez pas deux divinités. Il n'est qu'un Dieu unique. Donc, ne craignez que Moi».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُقرر تَعَالَى أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَإِنَّهُ مَالِكُ كُلُّ شَيْءٍ وَخَالِقُهُ وَرَبُّهُ. ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وعِكْرِمة [[في ت، ف: "وعكرمة ومجاهد".]] وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْران، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَيْ دَائِمًا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: وَاجِبًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خَالِصًا. أَيْ: لَهُ الْعِبَادَةُ وَحْدَهُ مِمَّنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٨٣] . هَذَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَابِ الطَّلَبِ، أَيِ: ارْهَبُوا أَنْ تُشْرِكُوا بِهِ [[في أ: "بي".]] شَيْئًا، وَأَخْلِصُوا لَهُ الطَّلَبَ [[في أ: "الطاعة".]] ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزُّمَرِ: ٣] . ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَالِكُ النَّفْعِ وَالضُّرِّ، وَأَنَّ مَا بِالْعَبْدِ مِنْ رِزْقٍ وَنِعْمَةٍ [[في ت، ف: "بالعباد من نعمة ورزق".]] وعافية ونصر فمن فضله عَلَيْهِ [[في أ: "عليهم".]] وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ. ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ أَيْ: لِعِلْمِكُمْ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِزَالَتِهِ إِلَّا هُوَ، فَإِنَّكُمْ عِنْدَ الضَّرُورَاتِ تَلْجَئُونَ إِلَيْهِ، وَتَسْأَلُونَهُ وَتُلِحُّونَ فِي الرَّغْبَةِ مُسْتَغِيثِينَ بِهِ [[في ت: "وتلجئون في الرغبة إليه".]] كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٧] ، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ قِيلَ: "اللَّامُ" هَاهُنَا لَامُ الْعَاقِبَةِ. وَقِيلَ: لَامُ التَّعْلِيلِ، بِمَعْنَى: قَيَّضْنَا لَهُمْ ذَلِكَ [[في أ: "قيضناهم لذلك".]] لِيَكْفُرُوا، أَيْ: يَسْتُرُوا وَيَجْحَدُوا نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ الْمُسْدِي إِلَيْهِمُ النِّعَمَ، الْكَاشِفُ عَنْهُمُ النِّقَمَ. ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ قَائِلًا ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ أَيِ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ وَتَمَتَّعُوا بِمَا أَنْتُمْ فِيهِ قَلِيلًا ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: عَاقِبَةَ ذَلِكَ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: يخاف هؤلاء الملائكة التي في السموات، وما في الأرض من دابة، ربهم من فوقهم، أن يعذّبهم إن عَصَوا أمره،ويفعلون ما يؤمرون، يقول: ويفعلون ما أمرهم الله به، فيؤدّون حقوقه، ويجتنبون سُخْطه. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) ﴾ يقول تعالى ذكره: وقال الله لعباده: لا تتخذوا لي شريكا أيها الناس، ولا تعبدوا معبودين، فإنكم إذا عبدتم معي غيري جعلتم لي شريكا، ولا شريك لي، إنما هو إله واحد ومعبود واحد، وأنا ذلك، ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ يقول: فإياي فاتقوا وخافوا عقابي بمعصيتكم إياي إن عصيتموني وعبدتم غيري، أو أشركتم في عبادتكم لي شريكا. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولله ملك ما في السموات والأرض من شيء، لا شريك له في شيء من ذلك، هو الذي خلقهم، وهو الذي يرزقهم، وبيده حياتهم وموتهم. * * وقوله ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ يقول جلّ ثناؤه: وله الطاعة والإخلاص دائما ثابتا واجبا، يقال منه: وَصَبَ الدِّينُ يَصِبُ وُصُوبا ووَصْبا كما قال الدِّيلِيّ: لا أبْتَغِي الحَمْدَ القَلِيلَ بَقاؤُهُ ... يَوْما بِذَمّ الدَّهْرِ أجمَعَ وَاصِبا [[البيت لأبي الأسود الدؤلي، ويقال فيه الديلي أيضا، استشهد به أبو عبيدة في مجاز القرآن (١: ٣٦١) على أن معنى "واصبا": دائما. وروايته فيه كرواية المؤلف (الطبري) . واستشهد به كذلك القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٠: ١١٤) ورواه بروايتين: الأولى كرواية المؤلف، وقال قبلها، أنشد الغزنوي والثعلبي وغيرهما ... البيت. والأخرى باختلاف في الشطر الثاني. وهو: "بدم يكون الدهر أجمع واصبا" وظاهر أن هذه الرواية محرفة عن الأولى. وقال صاحب لسان العرب في "وصب". وفي التنزيل العزيز، "وله الدين واصبا" قال أبو إسحاق، قيل في معناه: دائبا: أي طاعته دائمة واجبة أبدا. قال: ويجوز، والله أعلم أن يكون "وله الدين واصبا": أي له الدين والطاعة، رضي العبد بما يؤمر به، أو لم يرض به، سهل عليه، أو لم يسهل، فله الدين وإن كان فيه الوصب، والوصب: شدة التعب، وفيه: "بعذاب واصب" أي دائم ثابت. وقيل: موجع.]] ومنه قول الله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ ، وقول حسان: غَيَّرَتْهُ الرِّيحُ تَسْفِي بِهِ ... وهَزِيمٌ رَعْدُهُ وَاصِبٌ [[البيت لحسان بن ثابت (ديوانه طبع ليدن سنة ١٩١٠ ص ٦١) وقبله بيت وهو المطلع: قَدْ تَعَفَّى بَعْدَنا عاذِبُ ... ما بِهِ بادٍ وَلا قارِبُ وتسفى به: تحمل إليه التراب. والهزيم: السحاب المتشقق بالمطر. يقول: غير هذا المكان ما تسفيه الريح عليه من التراب، وما يأتي به السحاب من مطر رعده دائم.]] فأما من الألم، فإنما يقال: وصب الرجل يوصب وصبا، وذلك إذا أعيا وملّ، ومنه قول الشاعر: لا يغْمِزُ السَّاقَ مِنْ أيْنِ ولا وَصَبٍ ... ولا يعَضُّ على شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ [[هذا البيت لأعشى باهلة، واسمه عامر بن الحارث جمهرة أشعار العرب لمحمد بن أبي الخطاب القرشي (١٣٥ - ١٣٧) من قصيدة يقولها في أخ له اسمه المنتشر، قتله بنو الحارث بن كعب وقطعوه إربا إربا (عضوا عضوا) برجل منهم كان فعل معه مثل ذلك. ورواية البيت فيه وفي اللسان (صفر) : لا يَتَأَسَّى لِمَا فِي الْقِدْرِ يَرْقبُهُ ... ولا يَعَضُّ عَلى شُرْسُوفِهِ الصَّفْرُ قال: والصفر دويية تكون في البطن، تدعيها الأعراب، ويكون منها الجوع. وخطأ رواية البيت الصاغاني، وأورده كرواية المؤلف. (انظر هامش اللسان: أرى) . والغمز: العصر باليد. والشرسوف: جمعه شراسيف، وهي أطراف أضلاع الصدر التي تشرف على البطن.]] وقد اختلف أهل التأويل في تأويل الواصب، فقال بعضهم: معناه، ما قلنا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن قيس، عن الأغرّ بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن أبي نضرة، عن ابن عباس ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما. ⁕ حدثني إسماعيل بن موسى، قال: أخبرنا شريك، عن أبي حصين، عن عكرمة، في قوله ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن قيس، عن يعلى بن النعمان، عن عكرمة، قال: دائما. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل جميعا، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما. ⁕ حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة وأبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما. ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ : أي دائما، فإن الله تبارك وتعالى لم يدع شيئا من خلقه إلا عبده طائعا أو كارها. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَاصِبًا﴾ قال: دائما، ألا ترى أنه يقول ﴿عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ أي دائم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما، والواصب: الدائم. وقال آخرون: الواصب في هذا الموضع: الواجب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، عن قيس، عن يَعَلَى بن النعمان، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: واجبا. وكان مجاهد يقول: معنى الدين في هذا الموضع: الإخلاص. وقد ذكرنا معنى الدين في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: الإخلاص. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: الدين: الإخلاص. * * وقوله ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: أفغير الله أيها الناس تتقون، أي ترهبون وتحذرون أن يسلبكم نعمة الله عليكم بإخلاصكم العبادة لربكم، وإفرادكم الطاعة له، وما لكم نافع سواه.

Al-Mukhtasar (français)

Allah dit à tous Ses serviteurs: N’adorez pas deux divinités car il n’existe qu’un Seul Dieu méritant d’être adoré qui n’a pas d’associé et il n’y en a pas de second. Craignez-Moi donc et ne craignez personne d’autre que Moi.

52

وَلَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًا ۚ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ

C'est à Lui qu'appartient ce qui est dans les cieux et sur la terre; c'est à Lui que l'obéissance perpétuelle est due. Craindriez-vous donc, d'autres qu'Allah?

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُقرر تَعَالَى أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَإِنَّهُ مَالِكُ كُلُّ شَيْءٍ وَخَالِقُهُ وَرَبُّهُ. ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وعِكْرِمة [[في ت، ف: "وعكرمة ومجاهد".]] وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْران، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَيْ دَائِمًا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: وَاجِبًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خَالِصًا. أَيْ: لَهُ الْعِبَادَةُ وَحْدَهُ مِمَّنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٨٣] . هَذَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَابِ الطَّلَبِ، أَيِ: ارْهَبُوا أَنْ تُشْرِكُوا بِهِ [[في أ: "بي".]] شَيْئًا، وَأَخْلِصُوا لَهُ الطَّلَبَ [[في أ: "الطاعة".]] ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزُّمَرِ: ٣] . ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَالِكُ النَّفْعِ وَالضُّرِّ، وَأَنَّ مَا بِالْعَبْدِ مِنْ رِزْقٍ وَنِعْمَةٍ [[في ت، ف: "بالعباد من نعمة ورزق".]] وعافية ونصر فمن فضله عَلَيْهِ [[في أ: "عليهم".]] وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ. ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ أَيْ: لِعِلْمِكُمْ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِزَالَتِهِ إِلَّا هُوَ، فَإِنَّكُمْ عِنْدَ الضَّرُورَاتِ تَلْجَئُونَ إِلَيْهِ، وَتَسْأَلُونَهُ وَتُلِحُّونَ فِي الرَّغْبَةِ مُسْتَغِيثِينَ بِهِ [[في ت: "وتلجئون في الرغبة إليه".]] كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٧] ، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ قِيلَ: "اللَّامُ" هَاهُنَا لَامُ الْعَاقِبَةِ. وَقِيلَ: لَامُ التَّعْلِيلِ، بِمَعْنَى: قَيَّضْنَا لَهُمْ ذَلِكَ [[في أ: "قيضناهم لذلك".]] لِيَكْفُرُوا، أَيْ: يَسْتُرُوا وَيَجْحَدُوا نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ الْمُسْدِي إِلَيْهِمُ النِّعَمَ، الْكَاشِفُ عَنْهُمُ النِّقَمَ. ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ قَائِلًا ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ أَيِ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ وَتَمَتَّعُوا بِمَا أَنْتُمْ فِيهِ قَلِيلًا ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: عَاقِبَةَ ذَلِكَ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: يخاف هؤلاء الملائكة التي في السموات، وما في الأرض من دابة، ربهم من فوقهم، أن يعذّبهم إن عَصَوا أمره،ويفعلون ما يؤمرون، يقول: ويفعلون ما أمرهم الله به، فيؤدّون حقوقه، ويجتنبون سُخْطه. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) ﴾ يقول تعالى ذكره: وقال الله لعباده: لا تتخذوا لي شريكا أيها الناس، ولا تعبدوا معبودين، فإنكم إذا عبدتم معي غيري جعلتم لي شريكا، ولا شريك لي، إنما هو إله واحد ومعبود واحد، وأنا ذلك، ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ يقول: فإياي فاتقوا وخافوا عقابي بمعصيتكم إياي إن عصيتموني وعبدتم غيري، أو أشركتم في عبادتكم لي شريكا. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولله ملك ما في السموات والأرض من شيء، لا شريك له في شيء من ذلك، هو الذي خلقهم، وهو الذي يرزقهم، وبيده حياتهم وموتهم. * * وقوله ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ يقول جلّ ثناؤه: وله الطاعة والإخلاص دائما ثابتا واجبا، يقال منه: وَصَبَ الدِّينُ يَصِبُ وُصُوبا ووَصْبا كما قال الدِّيلِيّ: لا أبْتَغِي الحَمْدَ القَلِيلَ بَقاؤُهُ ... يَوْما بِذَمّ الدَّهْرِ أجمَعَ وَاصِبا [[البيت لأبي الأسود الدؤلي، ويقال فيه الديلي أيضا، استشهد به أبو عبيدة في مجاز القرآن (١: ٣٦١) على أن معنى "واصبا": دائما. وروايته فيه كرواية المؤلف (الطبري) . واستشهد به كذلك القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٠: ١١٤) ورواه بروايتين: الأولى كرواية المؤلف، وقال قبلها، أنشد الغزنوي والثعلبي وغيرهما ... البيت. والأخرى باختلاف في الشطر الثاني. وهو: "بدم يكون الدهر أجمع واصبا" وظاهر أن هذه الرواية محرفة عن الأولى. وقال صاحب لسان العرب في "وصب". وفي التنزيل العزيز، "وله الدين واصبا" قال أبو إسحاق، قيل في معناه: دائبا: أي طاعته دائمة واجبة أبدا. قال: ويجوز، والله أعلم أن يكون "وله الدين واصبا": أي له الدين والطاعة، رضي العبد بما يؤمر به، أو لم يرض به، سهل عليه، أو لم يسهل، فله الدين وإن كان فيه الوصب، والوصب: شدة التعب، وفيه: "بعذاب واصب" أي دائم ثابت. وقيل: موجع.]] ومنه قول الله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ ، وقول حسان: غَيَّرَتْهُ الرِّيحُ تَسْفِي بِهِ ... وهَزِيمٌ رَعْدُهُ وَاصِبٌ [[البيت لحسان بن ثابت (ديوانه طبع ليدن سنة ١٩١٠ ص ٦١) وقبله بيت وهو المطلع: قَدْ تَعَفَّى بَعْدَنا عاذِبُ ... ما بِهِ بادٍ وَلا قارِبُ وتسفى به: تحمل إليه التراب. والهزيم: السحاب المتشقق بالمطر. يقول: غير هذا المكان ما تسفيه الريح عليه من التراب، وما يأتي به السحاب من مطر رعده دائم.]] فأما من الألم، فإنما يقال: وصب الرجل يوصب وصبا، وذلك إذا أعيا وملّ، ومنه قول الشاعر: لا يغْمِزُ السَّاقَ مِنْ أيْنِ ولا وَصَبٍ ... ولا يعَضُّ على شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ [[هذا البيت لأعشى باهلة، واسمه عامر بن الحارث جمهرة أشعار العرب لمحمد بن أبي الخطاب القرشي (١٣٥ - ١٣٧) من قصيدة يقولها في أخ له اسمه المنتشر، قتله بنو الحارث بن كعب وقطعوه إربا إربا (عضوا عضوا) برجل منهم كان فعل معه مثل ذلك. ورواية البيت فيه وفي اللسان (صفر) : لا يَتَأَسَّى لِمَا فِي الْقِدْرِ يَرْقبُهُ ... ولا يَعَضُّ عَلى شُرْسُوفِهِ الصَّفْرُ قال: والصفر دويية تكون في البطن، تدعيها الأعراب، ويكون منها الجوع. وخطأ رواية البيت الصاغاني، وأورده كرواية المؤلف. (انظر هامش اللسان: أرى) . والغمز: العصر باليد. والشرسوف: جمعه شراسيف، وهي أطراف أضلاع الصدر التي تشرف على البطن.]] وقد اختلف أهل التأويل في تأويل الواصب، فقال بعضهم: معناه، ما قلنا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن قيس، عن الأغرّ بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن أبي نضرة، عن ابن عباس ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما. ⁕ حدثني إسماعيل بن موسى، قال: أخبرنا شريك، عن أبي حصين، عن عكرمة، في قوله ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن قيس، عن يعلى بن النعمان، عن عكرمة، قال: دائما. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل جميعا، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما. ⁕ حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة وأبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما. ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ : أي دائما، فإن الله تبارك وتعالى لم يدع شيئا من خلقه إلا عبده طائعا أو كارها. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَاصِبًا﴾ قال: دائما، ألا ترى أنه يقول ﴿عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ أي دائم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما، والواصب: الدائم. وقال آخرون: الواصب في هذا الموضع: الواجب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، عن قيس، عن يَعَلَى بن النعمان، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: واجبا. وكان مجاهد يقول: معنى الدين في هذا الموضع: الإخلاص. وقد ذكرنا معنى الدين في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: الإخلاص. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: الدين: الإخلاص. * * وقوله ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: أفغير الله أيها الناس تتقون، أي ترهبون وتحذرون أن يسلبكم نعمة الله عليكم بإخلاصكم العبادة لربكم، وإفرادكم الطاعة له، وما لكم نافع سواه.

Al-Mukhtasar (français)

C’est Lui qui créa les Cieux et la Terre, Lui Seul est leur possesseur et Lui Seul est leur gestionnaire. C’est à Lui que l’on doit obéir, se soumettre et vouer une adoration exclusive. Craindrez-vous donc quelqu’un d’autre qu’Allah? Non ! Craignez-Le plutôt Lui Seul.

53

وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْـَٔرُونَ

Et tout ce que vous avez comme bienfait provient d'Allah. Puis quand le malheur vous touche, c'est Lui que vous implorez à haute voix.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُقرر تَعَالَى أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَإِنَّهُ مَالِكُ كُلُّ شَيْءٍ وَخَالِقُهُ وَرَبُّهُ. ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وعِكْرِمة [[في ت، ف: "وعكرمة ومجاهد".]] وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْران، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَيْ دَائِمًا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: وَاجِبًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خَالِصًا. أَيْ: لَهُ الْعِبَادَةُ وَحْدَهُ مِمَّنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٨٣] . هَذَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَابِ الطَّلَبِ، أَيِ: ارْهَبُوا أَنْ تُشْرِكُوا بِهِ [[في أ: "بي".]] شَيْئًا، وَأَخْلِصُوا لَهُ الطَّلَبَ [[في أ: "الطاعة".]] ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزُّمَرِ: ٣] . ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَالِكُ النَّفْعِ وَالضُّرِّ، وَأَنَّ مَا بِالْعَبْدِ مِنْ رِزْقٍ وَنِعْمَةٍ [[في ت، ف: "بالعباد من نعمة ورزق".]] وعافية ونصر فمن فضله عَلَيْهِ [[في أ: "عليهم".]] وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ. ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ أَيْ: لِعِلْمِكُمْ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِزَالَتِهِ إِلَّا هُوَ، فَإِنَّكُمْ عِنْدَ الضَّرُورَاتِ تَلْجَئُونَ إِلَيْهِ، وَتَسْأَلُونَهُ وَتُلِحُّونَ فِي الرَّغْبَةِ مُسْتَغِيثِينَ بِهِ [[في ت: "وتلجئون في الرغبة إليه".]] كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٧] ، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ قِيلَ: "اللَّامُ" هَاهُنَا لَامُ الْعَاقِبَةِ. وَقِيلَ: لَامُ التَّعْلِيلِ، بِمَعْنَى: قَيَّضْنَا لَهُمْ ذَلِكَ [[في أ: "قيضناهم لذلك".]] لِيَكْفُرُوا، أَيْ: يَسْتُرُوا وَيَجْحَدُوا نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ الْمُسْدِي إِلَيْهِمُ النِّعَمَ، الْكَاشِفُ عَنْهُمُ النِّقَمَ. ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ قَائِلًا ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ أَيِ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ وَتَمَتَّعُوا بِمَا أَنْتُمْ فِيهِ قَلِيلًا ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: عَاقِبَةَ ذَلِكَ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ﴾ اختلف أهل العربية في وجه دخول الفاء في قوله ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ فقال بعض البصريين: دخلت الفاء، لأن "ما" بمنزلة "من" فجعل الخبر بالفاء. وقال بعض الكوفيين: "ما" في معنى جزاء، ولها فعل مضمر، كأنك قلت: ما يكن بكم من نعمة فمن الله، لأن الجزاء لا بدّ له من فعل مجزوم، إن ظهر فهو جزم، وإن لم يظهر فهو مضمر، كما قال الشاعر: إنِ العَقْلُ في أموَالِنا لا نَضِقْ بِهِ ... ذِرَاعًا وَإنْ صَبْرًا فنَعْرِفُ للصَّبْرِ [[البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (١: ١٧٣) عند قوله تعالى: (وما بكم من نعمة فمن الله. قال: ما: في معنى جزاء، ولها فعل مضمر، كأنك قلت: ما يكن بكم من نعمة فمن الله؛ لأن الجزاء لا بد له من فعل مجزوم، إن ظهر فهو جزم، وإن لم يظهر فهو مضمر، كما قال الشاعر: "إن العقل.." البيت. أراد: إن يكن، فأضمرها. ولو جعلت " ما بكم " في معنى "الذي": جاز، وجعلت صلته "بكم"، والذي حينئذ: في موضع رفع، بقوله "فمن الله". وأدخل الفاء، كما قال تعالى: (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم) . وكل اسم وصل، مثل من وما، والذي، فقد يجوز دخول الفاء في خبره؛ لأنه مضارع للجزاء، والعقل في البيت معناه: الدية.]] وقال: أراد: إن يكن العقل فأضمره. قال: وإن جعلت "ما بكم" في معنى الذي جاز، وجعلت صلته بكم و "ما" في موضع رفع بقوله ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ وأدخل الفاء، كما قال ﴿إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ وكل اسم وصل مثل من وما والذي، فقد يجوز دخول الفاء في خبره لأنه مضارع للجزاء والجزاء قد يجاب بالفاء، ولا يجوز أخوك فهو قائم، لأنه اسم غير موصول، وكذلك تقول: مالك لي، فإن قلت: مالك، جاز أن تقول: مالك فهو لي، وإن ألقيت الفاء فصواب. وتأويل الكلام: ما يكن بكم في أبدانكم أيها الناس من عافية وصحة وسلامة، وفي أموالكم من نماء، فالله المنعم عليكم بذلك لا غيره، لأن ذلك إليه وبيده ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ يقول: إذا أصابكم في أبدانكم سَقَم ومرض، وعلة عارضة، وشدّة من عيش ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ يقول: فإلى الله تصرخون بالدعاء وتستغيثون به، ليكشف ذلك عنكم، وأصله: من جؤار الثور، يقال منه: جأر الثور يجأر جؤارا، وذلك إذا رفع صوتا شديدا من جوع أو غيره، ومنه قول الأعشى: وَما أيْبُلِيٌّ عَلى هَيْكَلِ ... بَناهُ وَصَلَّبَ فِيهِ وصَارَا ... يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتٍ المَلِيـ ... كِ طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُؤْارًا [[البيتان من شعر الأعشى ميمون بن قيس (ديوانه طبع القاهرة ص ٥٣) من قصيدة له سبعون بيتا، يمدح بها قيس ابن معد يكرب. والأييلي: الراهب صاحب الأيبل، وهو العصا التي يدق بها الناقوس. والهيكل: موضع في صدر الكنيسة، يقرب في القربان. صلب صور فيه الصليب. وفي اللسان صار: صور عن أبي علي الفارسي. ويلوح لي أن المراد بصور في البيت: هو ما قاله الأعشى في بيت آخر وهو قوله وفي وصف الخمر "وصلى على دنها وارتسم". ومعنى ارتسم: أشار بيده على جبهته وقلبه وصدره يمنة ويسرة، كما يفعل المسيحيون. وراوح بين العملين: تداول هذا مرة، وهذا مرة. وجأر إلى الله جؤارا: تضرع إليه بالدعاء والاستغاثة. يقول: ليس الراهب المعتكف في هيكله أمام صليبه، دائبا على صلواته سجوداً وتضرعاً إلى الله، بأعظم منه تقي في الحساب (خبر مِا: في البيت الذي بعد البيتين) .]] يعني بالجؤار: الصياح، إما بالدعاء، وإما بالقراءة. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ قال: تضرعون دعاء. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: الضُّرُّ: السُّقْم.

Al-Mukhtasar (français)

Ô gens, tout bienfait religieux ou terrestre provient d’Allah et de personne d’autre. Par ailleurs, quand une épreuve, une maladie ou la pauvreté vous frappent, c’est lui Seul que vous implorez afin de dissiper votre malheur. Ainsi, Celui qui accorde les bienfaits et fait disparaître le mal est Celui que Nous devons adorer Seul.

54

ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ

Et une fois qu'Il a dissipé votre malheur, voilà qu'une partie d'entre vous se mettent à donner des associés à leur Seigneur,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُقرر تَعَالَى أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَإِنَّهُ مَالِكُ كُلُّ شَيْءٍ وَخَالِقُهُ وَرَبُّهُ. ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وعِكْرِمة [[في ت، ف: "وعكرمة ومجاهد".]] وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْران، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَيْ دَائِمًا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: وَاجِبًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خَالِصًا. أَيْ: لَهُ الْعِبَادَةُ وَحْدَهُ مِمَّنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٨٣] . هَذَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَابِ الطَّلَبِ، أَيِ: ارْهَبُوا أَنْ تُشْرِكُوا بِهِ [[في أ: "بي".]] شَيْئًا، وَأَخْلِصُوا لَهُ الطَّلَبَ [[في أ: "الطاعة".]] ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزُّمَرِ: ٣] . ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَالِكُ النَّفْعِ وَالضُّرِّ، وَأَنَّ مَا بِالْعَبْدِ مِنْ رِزْقٍ وَنِعْمَةٍ [[في ت، ف: "بالعباد من نعمة ورزق".]] وعافية ونصر فمن فضله عَلَيْهِ [[في أ: "عليهم".]] وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ. ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ أَيْ: لِعِلْمِكُمْ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِزَالَتِهِ إِلَّا هُوَ، فَإِنَّكُمْ عِنْدَ الضَّرُورَاتِ تَلْجَئُونَ إِلَيْهِ، وَتَسْأَلُونَهُ وَتُلِحُّونَ فِي الرَّغْبَةِ مُسْتَغِيثِينَ بِهِ [[في ت: "وتلجئون في الرغبة إليه".]] كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٧] ، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ قِيلَ: "اللَّامُ" هَاهُنَا لَامُ الْعَاقِبَةِ. وَقِيلَ: لَامُ التَّعْلِيلِ، بِمَعْنَى: قَيَّضْنَا لَهُمْ ذَلِكَ [[في أ: "قيضناهم لذلك".]] لِيَكْفُرُوا، أَيْ: يَسْتُرُوا وَيَجْحَدُوا نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ الْمُسْدِي إِلَيْهِمُ النِّعَمَ، الْكَاشِفُ عَنْهُمُ النِّقَمَ. ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ قَائِلًا ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ أَيِ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ وَتَمَتَّعُوا بِمَا أَنْتُمْ فِيهِ قَلِيلًا ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: عَاقِبَةَ ذَلِكَ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم إذا وهب لكم ربكم العافية، ورفع عنكم ما أصابكم من المرض في أبدانكم، ومن الشدة في معاشكم، وفرّج البلاء عنكم ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يقول: إذا جماعة منكم يجعلون لله شريكا في عبادتهم، فيعبدون الأوثان، ويذبحون لها الذبائح شكرا لغير من أنعم عليهم بالفرج مما كانوا فيه من الضرِّ ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ يقول: ليجحدوا الله نعمته فيما آتاهم من كشف الضرّ عنهم ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ، وهذا من الله وعيد لهؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآيات، وتهديد لهم، يقول لهم جلّ ثناؤه: تمتعوا في هذه الحياة الدنيا إلى أن توافيكم آجالكم، وتبلغوا الميقات الذي وقته لحياتكم وتمتعكم فيها، فإنكم من ذلك ستصيرون إلى ربكم، فتعلمون بلقائه وبال ما كسبت أيديكم، وتعرفون سوء مغبة أمركم، وتندمون حين لا ينفعكم الندم.

Al-Mukhtasar (français)

Puis lorsqu’Allah vous exauce et dissipe votre malheur, certains d’entre vous se mettent à associer d’autres divinités à leur Seigneur en les adorant avec Lui. Quelle est donc cette bassesse dont ils font preuve.

55

لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَٰهُمْ ۚ فَتَمَتَّعُوا۟ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ

méconnaissant ainsi ce que Nous leur avons donné. Jouissez donc [pour un temps!] Bientôt vous saurez!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُقرر تَعَالَى أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَإِنَّهُ مَالِكُ كُلُّ شَيْءٍ وَخَالِقُهُ وَرَبُّهُ. ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وعِكْرِمة [[في ت، ف: "وعكرمة ومجاهد".]] وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْران، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَيْ دَائِمًا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: وَاجِبًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خَالِصًا. أَيْ: لَهُ الْعِبَادَةُ وَحْدَهُ مِمَّنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٨٣] . هَذَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَابِ الطَّلَبِ، أَيِ: ارْهَبُوا أَنْ تُشْرِكُوا بِهِ [[في أ: "بي".]] شَيْئًا، وَأَخْلِصُوا لَهُ الطَّلَبَ [[في أ: "الطاعة".]] ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزُّمَرِ: ٣] . ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَالِكُ النَّفْعِ وَالضُّرِّ، وَأَنَّ مَا بِالْعَبْدِ مِنْ رِزْقٍ وَنِعْمَةٍ [[في ت، ف: "بالعباد من نعمة ورزق".]] وعافية ونصر فمن فضله عَلَيْهِ [[في أ: "عليهم".]] وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ. ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ أَيْ: لِعِلْمِكُمْ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِزَالَتِهِ إِلَّا هُوَ، فَإِنَّكُمْ عِنْدَ الضَّرُورَاتِ تَلْجَئُونَ إِلَيْهِ، وَتَسْأَلُونَهُ وَتُلِحُّونَ فِي الرَّغْبَةِ مُسْتَغِيثِينَ بِهِ [[في ت: "وتلجئون في الرغبة إليه".]] كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٧] ، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ قِيلَ: "اللَّامُ" هَاهُنَا لَامُ الْعَاقِبَةِ. وَقِيلَ: لَامُ التَّعْلِيلِ، بِمَعْنَى: قَيَّضْنَا لَهُمْ ذَلِكَ [[في أ: "قيضناهم لذلك".]] لِيَكْفُرُوا، أَيْ: يَسْتُرُوا وَيَجْحَدُوا نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ الْمُسْدِي إِلَيْهِمُ النِّعَمَ، الْكَاشِفُ عَنْهُمُ النِّقَمَ. ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ قَائِلًا ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ أَيِ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ وَتَمَتَّعُوا بِمَا أَنْتُمْ فِيهِ قَلِيلًا ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: عَاقِبَةَ ذَلِكَ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم إذا وهب لكم ربكم العافية، ورفع عنكم ما أصابكم من المرض في أبدانكم، ومن الشدة في معاشكم، وفرّج البلاء عنكم ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يقول: إذا جماعة منكم يجعلون لله شريكا في عبادتهم، فيعبدون الأوثان، ويذبحون لها الذبائح شكرا لغير من أنعم عليهم بالفرج مما كانوا فيه من الضرِّ ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ يقول: ليجحدوا الله نعمته فيما آتاهم من كشف الضرّ عنهم ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ، وهذا من الله وعيد لهؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآيات، وتهديد لهم، يقول لهم جلّ ثناؤه: تمتعوا في هذه الحياة الدنيا إلى أن توافيكم آجالكم، وتبلغوا الميقات الذي وقته لحياتكم وتمتعكم فيها، فإنكم من ذلك ستصيرون إلى ربكم، فتعلمون بلقائه وبال ما كسبت أيديكم، وتعرفون سوء مغبة أمركم، وتندمون حين لا ينفعكم الندم.

Al-Mukhtasar (français)

Associer des divinités à Allah les a conduits à renier les bienfaits qu’Allah leur avait octroyés, parmi lesquels le fait d’éloigner le mal d’eux. C’est pourquoi on leur dira: Jouissez des bienfaits dont vous disposez jusqu’à ce que s’abatte sur vous le châtiment d’Allah dans le bas monde et dans l’au-delà.

56

وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًۭا مِّمَّا رَزَقْنَٰهُمْ ۗ تَٱللَّهِ لَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ

Et ils assignent une partie [des biens] que Nous leur avons attribués à [des idoles] qu'ils ne connaissent pas. Par Allah! Vous serez certes interrogés sur ce que vous inventiez.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قَبَائِحِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ، وَجَعَلُوا لَهَا نَصِيبًا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ فَقَالُوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ [بِغَيْرِ عِلْمٍ] [[زيادة من "ف".]] وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٣٦] أَيْ: جَعَلُوا لِآلِهَتِهِمْ نَصِيبًا مَعَ اللَّهِ وَفَضَّلُوهُمْ [[في ف: "وفضلوها".]] أَيْضًا عَلَى جَانِبِهِ، فَأَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ لَيَسْأَلَنَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ الَّذِي افْتَرَوْهُ، وَائْتَفَكُوهُ، وَلَيُقَابِلَنَّهُمْ [[في أ: "وليقابلهم".]] عَلَيْهِ وَلَيُجَازِيَنَّهُمْ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَقَالَ: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا، وَجَعَلُوهَا بَنَاتِ اللَّهِ، وَعَبَدُوهَا مَعَهُ، فَأَخْطَؤُوا خَطَأً كَبِيرًا فِي كُلِّ مَقَامٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ الثَّلَاثِ، فَنَسَبُوا إِلَيْهِ تَعَالَى أَنَّ لَهُ وَلَدًا، وَلَا وَلَدَ لَهُ! ثُمَّ أَعْطَوْهُ أَخَسَّ الْقِسْمَيْنِ مِنَ الْأَوْلَادِ وَهُوَ الْبَنَاتُ، وَهُمْ لَا يَرْضَوْنَهَا لِأَنْفُسِهِمْ، كَمَا قَالَ: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النَّجْمِ: ٢١، ٢٢] وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ﴾ أَيْ: عَنْ قَوْلِهِمْ وَإِفْكِهِمْ ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥١ -١٥٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ أَيْ: يَخْتَارُونَ لِأَنْفُسِهِمُ الذُّكُورَ ويأنَفُون لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْبَنَاتِ الَّتِي نَسَبُوهَا إِلَى اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَإِنَّهُ ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أَيْ: كَئِيبًا مِنَ الْهَمِّ، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ سَاكِتٌ مِنْ شِدَّةِ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْحُزْنِ، ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ أَيْ: يَكْرَهُ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أَيْ: إِنْ أَبْقَاهَا أَبْقَاهَا مُهَانَةً لَا يُورِّثُهَا، وَلَا يَعْتَنِي بِهَا، وَيُفَضِّلُ أَوْلَادَهُ الذُّكُورَ عَلَيْهَا، ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أَيْ: يَئِدُهَا: وَهُوَ: أَنْ يَدْفِنَهَا فِيهِ حَيَّةً، كَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَفَمَنْ يَكْرَهُونَهُ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ وَيَأْنَفُونَ لِأَنْفُسِهِمْ عَنْهُ يَجْعَلُونَهُ لِلَّهِ؟ ﴿أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أَيْ: بِئْسَ مَا قَالُوا، وَبِئْسَ مَا قَسَمُوا، وَبِئْسَ مَا نَسَبُوا إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٧] ، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أَيِ: النَّقْصُ إِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَيْهِمْ، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأعْلَى﴾ أَيِ: الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: ويجعل هؤلاء المشركون من عَبَدة الأوثان، لما لا يعلمون منه ضرا ولا نفعا نصيبا. يقول: حظا وجزاء مما رزقناهم من الأموال، إشراكا منهم له الذي يعلمون أنه خلقهم، وهو الذي ينفعهم ويضرّهم دون غيره. كالذي:- ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ قال: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم، ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضرّهم ولا ينفعهم نصيبا مما رزقناهم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ وهم مشركو العرب، جعلوا لأوثانهم نصيبا مما رزقناهم، وجزءا من أموالهم يجعلونه لأوثانهم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ قال: جعلوا لآلهتهم التي ليس لها نصيب ولا شيء، جعلوا لها نصيبا مما قال الله من الحرث والأنعام، يسمون عليها أسماءها ويذبحون لها. * * وقوله ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُون﴾ يقول تعالى ذكره: والله أيها المشركون الجاعلون الآلهة والأنداد نصيبا فيما رزقناكم شركا بالله وكفرا، ليسألنكم الله يوم القيامة عما كنتم في الدنيا تفترون، يعني: تختلقون من الباطل والإفك على الله بدعواكم له شريكا، وتصييركم لأوثانكم فيما رزقكم نصيبا، ثم ليعاقبنكم عقوبة تكون جزاء لكفرانكم نعمه وافترائكم عليه.

Al-Mukhtasar (français)

Les polythéistes concèdent à leurs idoles –qui ne sont que des objets inertes, inconscients, incapables d’être utiles ni de nuire– une part des richesses dont Nous leur avons fait don et avec laquelle ils se rapprochent d’elles. Ô polythéistes, par Allah vous serez questionnés le Jour de la Résurrection pour avoir prétendu que ces idoles sont des divinités et qu’une part de vos richesses leur est due.

57

وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَٰتِ سُبْحَٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ

Et ils assignent à Allah des filles. Gloire et pureté à Lui! Et à eux-mêmes, cependant, (ils assignent) ce qu'ils désirent (des fils).

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قَبَائِحِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ، وَجَعَلُوا لَهَا نَصِيبًا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ فَقَالُوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ [بِغَيْرِ عِلْمٍ] [[زيادة من "ف".]] وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٣٦] أَيْ: جَعَلُوا لِآلِهَتِهِمْ نَصِيبًا مَعَ اللَّهِ وَفَضَّلُوهُمْ [[في ف: "وفضلوها".]] أَيْضًا عَلَى جَانِبِهِ، فَأَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ لَيَسْأَلَنَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ الَّذِي افْتَرَوْهُ، وَائْتَفَكُوهُ، وَلَيُقَابِلَنَّهُمْ [[في أ: "وليقابلهم".]] عَلَيْهِ وَلَيُجَازِيَنَّهُمْ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَقَالَ: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا، وَجَعَلُوهَا بَنَاتِ اللَّهِ، وَعَبَدُوهَا مَعَهُ، فَأَخْطَؤُوا خَطَأً كَبِيرًا فِي كُلِّ مَقَامٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ الثَّلَاثِ، فَنَسَبُوا إِلَيْهِ تَعَالَى أَنَّ لَهُ وَلَدًا، وَلَا وَلَدَ لَهُ! ثُمَّ أَعْطَوْهُ أَخَسَّ الْقِسْمَيْنِ مِنَ الْأَوْلَادِ وَهُوَ الْبَنَاتُ، وَهُمْ لَا يَرْضَوْنَهَا لِأَنْفُسِهِمْ، كَمَا قَالَ: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النَّجْمِ: ٢١، ٢٢] وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ﴾ أَيْ: عَنْ قَوْلِهِمْ وَإِفْكِهِمْ ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥١ -١٥٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ أَيْ: يَخْتَارُونَ لِأَنْفُسِهِمُ الذُّكُورَ ويأنَفُون لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْبَنَاتِ الَّتِي نَسَبُوهَا إِلَى اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَإِنَّهُ ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أَيْ: كَئِيبًا مِنَ الْهَمِّ، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ سَاكِتٌ مِنْ شِدَّةِ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْحُزْنِ، ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ أَيْ: يَكْرَهُ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أَيْ: إِنْ أَبْقَاهَا أَبْقَاهَا مُهَانَةً لَا يُورِّثُهَا، وَلَا يَعْتَنِي بِهَا، وَيُفَضِّلُ أَوْلَادَهُ الذُّكُورَ عَلَيْهَا، ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أَيْ: يَئِدُهَا: وَهُوَ: أَنْ يَدْفِنَهَا فِيهِ حَيَّةً، كَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَفَمَنْ يَكْرَهُونَهُ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ وَيَأْنَفُونَ لِأَنْفُسِهِمْ عَنْهُ يَجْعَلُونَهُ لِلَّهِ؟ ﴿أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أَيْ: بِئْسَ مَا قَالُوا، وَبِئْسَ مَا قَسَمُوا، وَبِئْسَ مَا نَسَبُوا إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٧] ، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أَيِ: النَّقْصُ إِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَيْهِمْ، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأعْلَى﴾ أَيِ: الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن جهل هؤلاء المشركين وخبث فعلهم، وقبح فِرْيتهم على ربهم، أنهم يجعلون لمن خلقهم ودبَّرهم وأنعم عليهم، فاستوجب بنعمه عليهم الشكر، واستحق عليهم الحمد: البنات، ولا ينبغي أن يكون لله ولد ذكر ولا أنثى سبحانه، نزه جلّ جلاله بذلك نفسه عما أضافوا إليه ونسبوه من البنات، فلم يرضوا بجهلهم إذ أضافوا إليه ما لا ينبغي إضافته إليه، ولا ينبغي أن يكون له من الولد أن يضيفوا إليه ما يشتهونه لأنفسهم ويحبونه لها، ولكنهم أضافوا إليه ما يكرهونه لأنفسهم ولا يرضونه لها من البنات ما يقتلونها إذا كانت لهم، وفي "ما" التي في قوله ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ وجهان من العربية: النصب عطفا لها على البنات، فيكون معنى الكلام إذا أريد ذلك: ويجعلون لله البنات ولهم البنين الذين يشتهون، فتكون "ما" للبنين، والرفع على أن الكلام مبتدأ من قوله ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ فيكون معنى الكلام: ويجعلون لله البنات ولهم البنون. * * وقوله ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ يقول: وإذا بشر أحد هؤلاء الذين جعلوا لله البنات بولادة ما يضيفه إليه من ذلك له، ظلّ وجهه مسودًا من كراهته له ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ يقول قد كَظَم الحزنَ، وامتلأ غما بولادته له، فهو لا يظهر ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ، ثم قال (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ) ... إلى آخر الآية، يقول: يجعلون لله البنات ترضونهنّ لي، ولا ترضونهن لأنفسكم، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا وُلد للرجل منهم جارية أمسكها على هون، أو دسها في التراب وهي حية. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ وهذا صنيع مشركي العرب، أخبرهم الله تعالى ذكره بخبث صنيعهم فأما المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله له، وقضاء الله خير من قضاء المرء لنفسه، ولعمري ما يدري أنه خير، لرُبّ جارية خير لأهلها من غلام. وإنما أخبركم الله بصنيعهم لتجتنبوه وتنتهوا عنه، وكان أحدهم يغذو كلبه ويئد ابنته. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ قال: حزين. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ قال: الكظيم: الكميد. وقد بيَّنا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع.

Al-Mukhtasar (français)

Les polythéistes attribuent à Allah des filles qu’ils identifient aux anges et disent donc ce fait qu’Allah procrée. Ils attribuent à Allah, qu’Il soit élevé et sanctifié, ce qu’ils détestent pour eux tandis qu’ils revendiquent la progéniture mâle qu’ils convoitent. Quel crime est pire que celui-là?

58

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّۭا وَهُوَ كَظِيمٌۭ

Et lorsqu'on annonce à l'un d'eux une fille, son visage s'assombrit et une rage profonde [l'envahit].

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قَبَائِحِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ، وَجَعَلُوا لَهَا نَصِيبًا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ فَقَالُوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ [بِغَيْرِ عِلْمٍ] [[زيادة من "ف".]] وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٣٦] أَيْ: جَعَلُوا لِآلِهَتِهِمْ نَصِيبًا مَعَ اللَّهِ وَفَضَّلُوهُمْ [[في ف: "وفضلوها".]] أَيْضًا عَلَى جَانِبِهِ، فَأَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ لَيَسْأَلَنَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ الَّذِي افْتَرَوْهُ، وَائْتَفَكُوهُ، وَلَيُقَابِلَنَّهُمْ [[في أ: "وليقابلهم".]] عَلَيْهِ وَلَيُجَازِيَنَّهُمْ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَقَالَ: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا، وَجَعَلُوهَا بَنَاتِ اللَّهِ، وَعَبَدُوهَا مَعَهُ، فَأَخْطَؤُوا خَطَأً كَبِيرًا فِي كُلِّ مَقَامٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ الثَّلَاثِ، فَنَسَبُوا إِلَيْهِ تَعَالَى أَنَّ لَهُ وَلَدًا، وَلَا وَلَدَ لَهُ! ثُمَّ أَعْطَوْهُ أَخَسَّ الْقِسْمَيْنِ مِنَ الْأَوْلَادِ وَهُوَ الْبَنَاتُ، وَهُمْ لَا يَرْضَوْنَهَا لِأَنْفُسِهِمْ، كَمَا قَالَ: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النَّجْمِ: ٢١، ٢٢] وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ﴾ أَيْ: عَنْ قَوْلِهِمْ وَإِفْكِهِمْ ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥١ -١٥٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ أَيْ: يَخْتَارُونَ لِأَنْفُسِهِمُ الذُّكُورَ ويأنَفُون لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْبَنَاتِ الَّتِي نَسَبُوهَا إِلَى اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَإِنَّهُ ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أَيْ: كَئِيبًا مِنَ الْهَمِّ، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ سَاكِتٌ مِنْ شِدَّةِ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْحُزْنِ، ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ أَيْ: يَكْرَهُ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أَيْ: إِنْ أَبْقَاهَا أَبْقَاهَا مُهَانَةً لَا يُورِّثُهَا، وَلَا يَعْتَنِي بِهَا، وَيُفَضِّلُ أَوْلَادَهُ الذُّكُورَ عَلَيْهَا، ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أَيْ: يَئِدُهَا: وَهُوَ: أَنْ يَدْفِنَهَا فِيهِ حَيَّةً، كَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَفَمَنْ يَكْرَهُونَهُ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ وَيَأْنَفُونَ لِأَنْفُسِهِمْ عَنْهُ يَجْعَلُونَهُ لِلَّهِ؟ ﴿أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أَيْ: بِئْسَ مَا قَالُوا، وَبِئْسَ مَا قَسَمُوا، وَبِئْسَ مَا نَسَبُوا إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٧] ، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أَيِ: النَّقْصُ إِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَيْهِمْ، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأعْلَى﴾ أَيِ: الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن جهل هؤلاء المشركين وخبث فعلهم، وقبح فِرْيتهم على ربهم، أنهم يجعلون لمن خلقهم ودبَّرهم وأنعم عليهم، فاستوجب بنعمه عليهم الشكر، واستحق عليهم الحمد: البنات، ولا ينبغي أن يكون لله ولد ذكر ولا أنثى سبحانه، نزه جلّ جلاله بذلك نفسه عما أضافوا إليه ونسبوه من البنات، فلم يرضوا بجهلهم إذ أضافوا إليه ما لا ينبغي إضافته إليه، ولا ينبغي أن يكون له من الولد أن يضيفوا إليه ما يشتهونه لأنفسهم ويحبونه لها، ولكنهم أضافوا إليه ما يكرهونه لأنفسهم ولا يرضونه لها من البنات ما يقتلونها إذا كانت لهم، وفي "ما" التي في قوله ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ وجهان من العربية: النصب عطفا لها على البنات، فيكون معنى الكلام إذا أريد ذلك: ويجعلون لله البنات ولهم البنين الذين يشتهون، فتكون "ما" للبنين، والرفع على أن الكلام مبتدأ من قوله ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ فيكون معنى الكلام: ويجعلون لله البنات ولهم البنون. * * وقوله ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ يقول: وإذا بشر أحد هؤلاء الذين جعلوا لله البنات بولادة ما يضيفه إليه من ذلك له، ظلّ وجهه مسودًا من كراهته له ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ يقول قد كَظَم الحزنَ، وامتلأ غما بولادته له، فهو لا يظهر ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ، ثم قال (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ) ... إلى آخر الآية، يقول: يجعلون لله البنات ترضونهنّ لي، ولا ترضونهن لأنفسكم، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا وُلد للرجل منهم جارية أمسكها على هون، أو دسها في التراب وهي حية. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ وهذا صنيع مشركي العرب، أخبرهم الله تعالى ذكره بخبث صنيعهم فأما المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله له، وقضاء الله خير من قضاء المرء لنفسه، ولعمري ما يدري أنه خير، لرُبّ جارية خير لأهلها من غلام. وإنما أخبركم الله بصنيعهم لتجتنبوه وتنتهوا عنه، وكان أحدهم يغذو كلبه ويئد ابنته. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ قال: حزين. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ قال: الكظيم: الكميد. وقد بيَّنا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع.

Al-Mukhtasar (français)

Lorsque quelqu’un apprend à l’un de ces polythéistes que le nouveau-né qu’il attend est une fille, son visage s’assombrit tellement son aversion est grande et son cœur s’emplit de tristesse, puis voilà qu’il attribue à Allah ce qu’il n’accepte pas pour lui-même!

59

يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ ۚ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ

Il se cache des gens, à cause du malheur qu'on lui a annoncé. Doit-il la garder malgré la honte ou l'enfouira-t-il dans la terre? Combien est mauvais leur jugement!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قَبَائِحِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ، وَجَعَلُوا لَهَا نَصِيبًا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ فَقَالُوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ [بِغَيْرِ عِلْمٍ] [[زيادة من "ف".]] وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٣٦] أَيْ: جَعَلُوا لِآلِهَتِهِمْ نَصِيبًا مَعَ اللَّهِ وَفَضَّلُوهُمْ [[في ف: "وفضلوها".]] أَيْضًا عَلَى جَانِبِهِ، فَأَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ لَيَسْأَلَنَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ الَّذِي افْتَرَوْهُ، وَائْتَفَكُوهُ، وَلَيُقَابِلَنَّهُمْ [[في أ: "وليقابلهم".]] عَلَيْهِ وَلَيُجَازِيَنَّهُمْ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَقَالَ: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا، وَجَعَلُوهَا بَنَاتِ اللَّهِ، وَعَبَدُوهَا مَعَهُ، فَأَخْطَؤُوا خَطَأً كَبِيرًا فِي كُلِّ مَقَامٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ الثَّلَاثِ، فَنَسَبُوا إِلَيْهِ تَعَالَى أَنَّ لَهُ وَلَدًا، وَلَا وَلَدَ لَهُ! ثُمَّ أَعْطَوْهُ أَخَسَّ الْقِسْمَيْنِ مِنَ الْأَوْلَادِ وَهُوَ الْبَنَاتُ، وَهُمْ لَا يَرْضَوْنَهَا لِأَنْفُسِهِمْ، كَمَا قَالَ: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النَّجْمِ: ٢١، ٢٢] وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ﴾ أَيْ: عَنْ قَوْلِهِمْ وَإِفْكِهِمْ ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥١ -١٥٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ أَيْ: يَخْتَارُونَ لِأَنْفُسِهِمُ الذُّكُورَ ويأنَفُون لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْبَنَاتِ الَّتِي نَسَبُوهَا إِلَى اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَإِنَّهُ ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أَيْ: كَئِيبًا مِنَ الْهَمِّ، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ سَاكِتٌ مِنْ شِدَّةِ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْحُزْنِ، ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ أَيْ: يَكْرَهُ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أَيْ: إِنْ أَبْقَاهَا أَبْقَاهَا مُهَانَةً لَا يُورِّثُهَا، وَلَا يَعْتَنِي بِهَا، وَيُفَضِّلُ أَوْلَادَهُ الذُّكُورَ عَلَيْهَا، ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أَيْ: يَئِدُهَا: وَهُوَ: أَنْ يَدْفِنَهَا فِيهِ حَيَّةً، كَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَفَمَنْ يَكْرَهُونَهُ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ وَيَأْنَفُونَ لِأَنْفُسِهِمْ عَنْهُ يَجْعَلُونَهُ لِلَّهِ؟ ﴿أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أَيْ: بِئْسَ مَا قَالُوا، وَبِئْسَ مَا قَسَمُوا، وَبِئْسَ مَا نَسَبُوا إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٧] ، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أَيِ: النَّقْصُ إِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَيْهِمْ، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأعْلَى﴾ أَيِ: الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: يتوارى هذا المبشر بولادة الأنثى من الولد له من القوم، فيغيب عن أبصارهم ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ يعني: من مساءته إياه مميلا بين أن يمسكه على هون: أي على هوان، وكذلك ذلك في لغة قريش فيما ذكر لي، يقولون للهوان: الهون؛ ومنه قول الحطيئة: فلمَّا خَشِيتُ الهُونَ والعَيْرُ مُمْسِكٌ ... على رَغْمِهِ ما أثبتَ الحبلَ حافِرُه [[البيت في ديوان الحطيئة طبع التقدم بالقاهرة ص ١٠ قال شارحه: يقول: ما دام الحمار مقيدا فهو ذليل، معترف بالهوان. وهذا مقلوب، أراد: ما أثبت الحبل حافره (الحبل فاعل أثبت، والحافر مفعول له) فقلب، فجعل الفاعل مفعولا، والمفعول فاعلا، ومثله: أسلموها في دمشق كما ... أسلمت وحشية وهقا = أراد: كما أسلم وحشية وهق (والوهق: الحبل الغار فيه أنشوطة، فتؤخذ فيه الدابة والإنسان، جمعه أوهاق..) وقال عروة ابن الورد: فلو أني شهدت أبا سعاد ... غداة غدا بمهجته يفوق فديت بنفسه نفسي ومالي ... وما آلوه إلا ما أطيق أي لا أترك جهدا، أراد: فديت نفسه بنفسي، فقلب.]] وبعض بني تميم جعل الهون مصدرا للشيء الهين، ذكر الكسائي أنه سمعهم يقولون: إن كنت لقليل هون المؤنة منذ اليوم قال: وسمعت: الهوان في مثل هذا المعنى، سمعت منهم قائلا يقول لبعير له: ما به بأس غير هوانه، يعني خفيف الثمن، فإذا قالوا: هو يمشي على هونه، لم يقولوه إلا بفتح الهاء، كما قال تعالى ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ . ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ يقول: يدفنه حيا في التراب فيئده. كما:- ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ يئد ابنته. * * وقوله ﴿أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ يقول: ألا ساء الحكم الذي يحكم هؤلاء المشركون، وذلك أن جعلوا لله ما لا يرضون لأنفسهم، وجعلوا لما لا ينفعهم ولا يضرهم شركا فيما رزقهم الله، وعبدوا غير من خلقهم وأنعم عليهم.

Al-Mukhtasar (français)

Il disparaît et s’éloigne de ses proches tellement la nouvelle est dure pour lui et il se retrouve face à un dilemme: Va-t-il garder cette fille malgré la honte et l’humiliation ou va-t-il l’enterrer et la cacher sous terre? Qu’il est immonde le jugement des polythéistes consistant à attribuer à Allah ce qu’ils détestent pour eux-mêmes!

60

لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

C'est à ceux qui ne croient pas en l'au-delà que revient le mauvais qualificatif (qu'ils ont attribué à Allah). Tandis qu'à Allah [Seul] est le qualificatif suprême. Et c'est Lui le Tout Puissant, le Sage.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قَبَائِحِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ، وَجَعَلُوا لَهَا نَصِيبًا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ فَقَالُوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ [بِغَيْرِ عِلْمٍ] [[زيادة من "ف".]] وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٣٦] أَيْ: جَعَلُوا لِآلِهَتِهِمْ نَصِيبًا مَعَ اللَّهِ وَفَضَّلُوهُمْ [[في ف: "وفضلوها".]] أَيْضًا عَلَى جَانِبِهِ، فَأَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ لَيَسْأَلَنَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ الَّذِي افْتَرَوْهُ، وَائْتَفَكُوهُ، وَلَيُقَابِلَنَّهُمْ [[في أ: "وليقابلهم".]] عَلَيْهِ وَلَيُجَازِيَنَّهُمْ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَقَالَ: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا، وَجَعَلُوهَا بَنَاتِ اللَّهِ، وَعَبَدُوهَا مَعَهُ، فَأَخْطَؤُوا خَطَأً كَبِيرًا فِي كُلِّ مَقَامٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ الثَّلَاثِ، فَنَسَبُوا إِلَيْهِ تَعَالَى أَنَّ لَهُ وَلَدًا، وَلَا وَلَدَ لَهُ! ثُمَّ أَعْطَوْهُ أَخَسَّ الْقِسْمَيْنِ مِنَ الْأَوْلَادِ وَهُوَ الْبَنَاتُ، وَهُمْ لَا يَرْضَوْنَهَا لِأَنْفُسِهِمْ، كَمَا قَالَ: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النَّجْمِ: ٢١، ٢٢] وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ﴾ أَيْ: عَنْ قَوْلِهِمْ وَإِفْكِهِمْ ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥١ -١٥٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ أَيْ: يَخْتَارُونَ لِأَنْفُسِهِمُ الذُّكُورَ ويأنَفُون لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْبَنَاتِ الَّتِي نَسَبُوهَا إِلَى اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَإِنَّهُ ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أَيْ: كَئِيبًا مِنَ الْهَمِّ، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ سَاكِتٌ مِنْ شِدَّةِ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْحُزْنِ، ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ أَيْ: يَكْرَهُ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أَيْ: إِنْ أَبْقَاهَا أَبْقَاهَا مُهَانَةً لَا يُورِّثُهَا، وَلَا يَعْتَنِي بِهَا، وَيُفَضِّلُ أَوْلَادَهُ الذُّكُورَ عَلَيْهَا، ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أَيْ: يَئِدُهَا: وَهُوَ: أَنْ يَدْفِنَهَا فِيهِ حَيَّةً، كَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَفَمَنْ يَكْرَهُونَهُ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ وَيَأْنَفُونَ لِأَنْفُسِهِمْ عَنْهُ يَجْعَلُونَهُ لِلَّهِ؟ ﴿أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أَيْ: بِئْسَ مَا قَالُوا، وَبِئْسَ مَا قَسَمُوا، وَبِئْسَ مَا نَسَبُوا إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٧] ، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أَيِ: النَّقْصُ إِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَيْهِمْ، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأعْلَى﴾ أَيِ: الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠) ﴾ وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه أن قوله ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ، والآية التي بعدها مثل ضربه الله لهؤلاء المشركين الذين جعلوا لله البنات، فبين بقوله ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أنه مثل، وعنى بقوله جلّ ثناؤه ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ للذين لا يصدّقون بالمعاد والثواب والعقاب من المشركين ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ وهو القبيح من المثل، وما يسوء من ضرب له ذلك المثل ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأعْلَى﴾ يقول: ولله المثل الأعلى، وهو الأفضل والأطيب، والأحسن، والأجمل، وذلك التوحيد والإذعان له بأنه لا إله غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأعْلَى﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأعْلَى﴾ الإخلاص والتوحيد. * * وقوله ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ يقول تعالى ذكره: والله ذو العزّة التي لا يمتنع عليه معها عقوبة هؤلاء المشركين الذين وصف صفتهم في هذه الآيات، ولا عقوبة من أراد عقوبته على معصيته إياه، ولا يتعذّر عليه شيء أراده وشاءه، لأن الخلق خلقه، والأمر أمره، الحكيم في تدبيره، فلا يدخل تدبيره خَلَل، ولا خطأ.

Al-Mukhtasar (français)

Aux mécréants reviennent les qualificatifs d’infériorité comme le besoin d’avoir une progéniture, l’ignorance et la mécréance, tandis qu’à Allah reviennent les qualificatifs louables et suprêmes comme la majesté, la perfection, l’autonomie et la science. Il est le Puissant dans Son Royaume où personne ne Lui tient tête et le Sage dans Sa création, Sa gestion et Sa Législation.

61

وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍۢ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ

Si Allah s'en prenait aux gens pour leurs méfaits, Il ne laisserait sur cette terre aucun être vivant. Mais Il les renvoie jusqu'à un terme fixé. Puis, quand leur terme vient, ils ne peuvent ni le retarder d'une heure ni l'avancer.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حِلْمِهِ [[في ت: "علمه".]] بِخَلْقِهِ مَعَ ظُلْمِهِمْ، وَأَنَّهُ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ، أَيْ: لَأَهْلَكَ جَمِيعَ دَوَابِّ الْأَرْضِ تَبِعًا لِإِهْلَاكِ بَنِي آدَمَ، وَلَكِنَّ الرَّبَّ، جَلَّ جَلَالُهُ، يَحْلُمُ وَيَسْتُرُ، وَيُنْظِرُ ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أَيْ: لَا يُعَاجِلُهُمْ بِالْعُقُوبَةِ؛ إِذْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ لَمَا أَبْقَى أَحَدًا. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ أَنَّهُ قَالَ: كَادَ الجُعَل أَنْ يُعَذَّبَ بِذَنْبِ بَنِي آدَمَ، وَقَرَأَ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا [[في ف، أ: "على ظهرها" وهو خطأ.]] مِنْ دَابَّةٍ﴾ [[رواه الطبري في تفسيره (١٤/٨٥) .]] . وَكَذَا رَوَى الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيدة قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَادَ الجُعَل أَنْ يَهْلِكَ فِي جُحْرِهِ بِخَطِيئَةِ بَنِي آدَمَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَكِيمٍ الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ الْحَنَفِيُّ [[في ت: "الجعفي".]] ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَجُلًا وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ الظَّالِمَ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ [[في ف: "بنفسه".]] . قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَقَالَ: بَلَى وَاللَّهِ، حَتَّى إِنَّ الْحُبَارَى لتموت في وكرها [هُزالا] [[زيادة من ت، ف، أ، والطبري.]] بظلم الظالم [[تفسير الطبري (١٤/٨٥) وقال ابن حجر: "في إسناده محمد بن جابر اليمامي، وهو متروك".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَنْبَأَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في ت: "الوليد بن عبد الله بن عبد الله".]] بْنِ مُسَرِّحٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ [[في ت: "سفيان".]] بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ مسْلَمة [[في ت، ف، أ: "سلمة".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعة بْنِ رِبْعي، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ذَكَرْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُؤَخِّرُ شَيْئًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهُ، وَإِنَّمَا زِيَادَةُ الْعُمُرِ بِالذُّرِّيَّةِ الصَّالِحَةِ، يَرْزُقُهَا اللَّهُ الْعَبْدَ فَيَدْعُونَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَيَلْحَقُهُ دُعَاؤُهُمْ فِي قَبْرِهِ، فَذَلِكَ زِيَادَةُ الْعُمُرِ" [[ورواه ابن عدي في الكامل (٣/٢٨٥) من طريق الوليد بن عبد الملك به نحوه، وفيه سليمان بن عطاء مجمع على ضعفه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ أَيْ: مِنَ الْبَنَاتِ وَمِنَ الشُّرَكَاءِ الَّذِينَ هُمْ [مِنْ] [[زيادة من "ت".]] عَبِيدِهِ، وَهُمْ يَأْنَفُونَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَحَدِهِمْ شَرِيكٌ لَهُ فِي مَالِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ إِنْكَارٌ عَلَيْهِمْ فِي دَعْوَاهُمْ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى فِي الدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَ ثمَّ مَعَادٍ فَفِيهِ أَيْضًا لَهُمُ الْحُسْنَى، وَإِخْبَارٌ عَنْ قِيلِ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نزعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هُودٍ: ٩، ١٠] ، وَكَقَوْلِهِ [[في أ: "وقال".]] : ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٥٠] ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ [[في ت: "الذين كفروا" وهو خطأ.]] بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا [أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا] ﴾ [مَرْيَمَ: ٧٧، ٧٨] [[زيادة من ف، أ.]] وَقَالَ إِخْبَارًا عَنْ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: أَنَّهُ ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ [[في ت، ف، أ: "فقال".]] مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الْكَهْفِ: ٣٥، ٣٦]-فَجَمَعَ هَؤُلَاءِ بَيْنَ عَمَلِ السُّوءِ وَتَمَنِّي الْبَاطِلَ، بِأَنْ يُجَازَوْا عَلَى ذَلِكَ حُسْنًا وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ، كَمَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَنَّهُ وُجد حَجَرٌ فِي أَسَاسِ الْكَعْبَةِ حِينَ نَقَضُوهَا لِيُجَدِّدُوهَا مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ حِكَم وَمَوَاعِظُ، فَمِنْ [[في ت: "في".]] ذَلِكَ: تَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ [[في ف: "السوء"]] وَيُجْزَوْنَ الْحَسَنَاتِ؟ أَجَلْ كَمَا يُجْتَنَى [[في ف، أ: "يجني".]] مِنَ الشَّوْكِ الْعِنَبُ [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/١٩٦) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ أَيِ [[في أ: "إلي".]] الْغِلْمَانَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَادًّا عَلَيْهِمْ فِي تَمَنِّيهِمْ [ذَلِكَ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] ﴿لَا جَرَمَ﴾ أَيْ: حَقًّا لَا بُدَّ مِنْهُ ﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ: مَنْسِيُّونَ فِيهَا مُضَيَّعُونَ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥١] . [[في ت، ف، أ: "ننساكم كما نسيتم" وهو خطأ.]] وَعَنْ قَتَادَةَ أَيْضًا: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ أَيْ: مُعَجَّلُونَ إِلَى النَّارِ، مِنَ الفَرَط وَهُوَ السَّابِقُ إِلَى الوِرْد وَلَا مُنَافَاةَ لِأَنَّهُمْ يُعَجَّلُ بِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى النَّارِ، وَيُنْسَوْنَ فِيهَا، أَيْ: يَخْلُدُونَ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) ﴾ يقول تعالى ذكره ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ﴾ عصاة بني آدم بمعاصيهم ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾ يعني على الأرض ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ تدب عليها ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾ يقول: ولكن بحلمه يؤخر هؤلاء الظلمة فلا يعاجلهم بالعقوبة ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يقول: إلى وقتهم الذي وُقِّت لهم، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ يقول: فإذا جاء الوقت الذي وُقِّت لهلاكهم ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن الهلاك ساعة فيمهلون ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ له حتى يستوفُوا آجالهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: كاد الجُعْل أن يعذّب بذنب بني آدم، وقرأ ﴿َلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ . ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا إسماعيل بن حكيم الخزاعي، قال: ثنا محمد بن جابر الجعفي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال: سمع أبو هريرة رجلا وهو يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه، قال: فالتفت إليه فقال: بلى، والله إن الحبارى لتموت في وكرها هزالا بظلم الظالم. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا أبو عبيدة الحداد، قال: ثنا قرة بن خالد السدوسي، عن الزبير بن عديّ، قال: قال ابن مسعود: خطيئة ابن آدم قتلت الجُعْل. ⁕ حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، قال: قال عبد الله: كاد الجعل أن يهلك في جُحْره بخطيئة ابن آدم. ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال الله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ قال: نرى أنه إذا حضر أجله فلا يؤخر ساعة، ولا يقدّم، ما لم يحضر أجله، فإن الله يؤخر ما شاء، ويُقدّم ما شاء.

Al-Mukhtasar (français)

Si Allah punissait les gens pour leur injustice et leur mécréance, Il ne laisserait sur Terre aucun être humain ni aucun animal se déplacer à sa surface. Allah leur accorde plutôt un répit déterminé par Sa connaissance et lorsque le terme de ce répit échoit, leur punition ne sera ni reportée ni avancée, pas même d’une durée infime.

62

وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ ۖ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ

Et ils assignent à Allah ce qu'ils détestent [pour eux-mêmes]. Et leurs langues profèrent un mensonge quand ils disent que la plus belle récompense leur sera réservée. C'est le Feu, sans nul doute, qui leur sera réservé et ils y seront envoyés, les premiers.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حِلْمِهِ [[في ت: "علمه".]] بِخَلْقِهِ مَعَ ظُلْمِهِمْ، وَأَنَّهُ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ، أَيْ: لَأَهْلَكَ جَمِيعَ دَوَابِّ الْأَرْضِ تَبِعًا لِإِهْلَاكِ بَنِي آدَمَ، وَلَكِنَّ الرَّبَّ، جَلَّ جَلَالُهُ، يَحْلُمُ وَيَسْتُرُ، وَيُنْظِرُ ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أَيْ: لَا يُعَاجِلُهُمْ بِالْعُقُوبَةِ؛ إِذْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ لَمَا أَبْقَى أَحَدًا. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ أَنَّهُ قَالَ: كَادَ الجُعَل أَنْ يُعَذَّبَ بِذَنْبِ بَنِي آدَمَ، وَقَرَأَ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا [[في ف، أ: "على ظهرها" وهو خطأ.]] مِنْ دَابَّةٍ﴾ [[رواه الطبري في تفسيره (١٤/٨٥) .]] . وَكَذَا رَوَى الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيدة قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَادَ الجُعَل أَنْ يَهْلِكَ فِي جُحْرِهِ بِخَطِيئَةِ بَنِي آدَمَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَكِيمٍ الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ الْحَنَفِيُّ [[في ت: "الجعفي".]] ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَجُلًا وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ الظَّالِمَ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ [[في ف: "بنفسه".]] . قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَقَالَ: بَلَى وَاللَّهِ، حَتَّى إِنَّ الْحُبَارَى لتموت في وكرها [هُزالا] [[زيادة من ت، ف، أ، والطبري.]] بظلم الظالم [[تفسير الطبري (١٤/٨٥) وقال ابن حجر: "في إسناده محمد بن جابر اليمامي، وهو متروك".]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَنْبَأَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في ت: "الوليد بن عبد الله بن عبد الله".]] بْنِ مُسَرِّحٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ [[في ت: "سفيان".]] بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ مسْلَمة [[في ت، ف، أ: "سلمة".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعة بْنِ رِبْعي، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ذَكَرْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُؤَخِّرُ شَيْئًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهُ، وَإِنَّمَا زِيَادَةُ الْعُمُرِ بِالذُّرِّيَّةِ الصَّالِحَةِ، يَرْزُقُهَا اللَّهُ الْعَبْدَ فَيَدْعُونَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَيَلْحَقُهُ دُعَاؤُهُمْ فِي قَبْرِهِ، فَذَلِكَ زِيَادَةُ الْعُمُرِ" [[ورواه ابن عدي في الكامل (٣/٢٨٥) من طريق الوليد بن عبد الملك به نحوه، وفيه سليمان بن عطاء مجمع على ضعفه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ أَيْ: مِنَ الْبَنَاتِ وَمِنَ الشُّرَكَاءِ الَّذِينَ هُمْ [مِنْ] [[زيادة من "ت".]] عَبِيدِهِ، وَهُمْ يَأْنَفُونَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَحَدِهِمْ شَرِيكٌ لَهُ فِي مَالِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ إِنْكَارٌ عَلَيْهِمْ فِي دَعْوَاهُمْ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى فِي الدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَ ثمَّ مَعَادٍ فَفِيهِ أَيْضًا لَهُمُ الْحُسْنَى، وَإِخْبَارٌ عَنْ قِيلِ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نزعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هُودٍ: ٩، ١٠] ، وَكَقَوْلِهِ [[في أ: "وقال".]] : ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٥٠] ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ [[في ت: "الذين كفروا" وهو خطأ.]] بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا [أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا] ﴾ [مَرْيَمَ: ٧٧، ٧٨] [[زيادة من ف، أ.]] وَقَالَ إِخْبَارًا عَنْ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: أَنَّهُ ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ [[في ت، ف، أ: "فقال".]] مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الْكَهْفِ: ٣٥، ٣٦]-فَجَمَعَ هَؤُلَاءِ بَيْنَ عَمَلِ السُّوءِ وَتَمَنِّي الْبَاطِلَ، بِأَنْ يُجَازَوْا عَلَى ذَلِكَ حُسْنًا وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ، كَمَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَنَّهُ وُجد حَجَرٌ فِي أَسَاسِ الْكَعْبَةِ حِينَ نَقَضُوهَا لِيُجَدِّدُوهَا مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ حِكَم وَمَوَاعِظُ، فَمِنْ [[في ت: "في".]] ذَلِكَ: تَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ [[في ف: "السوء"]] وَيُجْزَوْنَ الْحَسَنَاتِ؟ أَجَلْ كَمَا يُجْتَنَى [[في ف، أ: "يجني".]] مِنَ الشَّوْكِ الْعِنَبُ [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/١٩٦) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ أَيِ [[في أ: "إلي".]] الْغِلْمَانَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَادًّا عَلَيْهِمْ فِي تَمَنِّيهِمْ [ذَلِكَ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] ﴿لَا جَرَمَ﴾ أَيْ: حَقًّا لَا بُدَّ مِنْهُ ﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ: مَنْسِيُّونَ فِيهَا مُضَيَّعُونَ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥١] . [[في ت، ف، أ: "ننساكم كما نسيتم" وهو خطأ.]] وَعَنْ قَتَادَةَ أَيْضًا: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ أَيْ: مُعَجَّلُونَ إِلَى النَّارِ، مِنَ الفَرَط وَهُوَ السَّابِقُ إِلَى الوِرْد وَلَا مُنَافَاةَ لِأَنَّهُمْ يُعَجَّلُ بِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى النَّارِ، وَيُنْسَوْنَ فِيهَا، أَيْ: يَخْلُدُونَ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرِطُونَ (٦٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: ويجعل هؤلاء المشركون لله ما يكرهونه لأنفسهم. ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ يقول: وتقول ألسنتهم الكذب وتفتريه، أن لهم الحسنى، فأن في موضع نصب، لأنها ترجمة عن الكذب. وتأويل الكلام: ويجعلون لله ما يكرهونه لأنفسهم، ويزعمون أن لهم الحسنى، الذي يكرهونه لأنفسهم. البنات يجعلونهن لله تعالى، وزعموا أن الملائكة بنات الله. وأما الحُسنى التي جعلوها لأنفسهم: فالذكور من الأولاد، وذلك أنهم كانوا يئدون الإناث من أولادهم، ويستبقون الذكور منهم، ويقولون: لنا الذكور ولله البنات، وهو نحو قوله ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ قال: قول قريش: لنا البنون ولله البنات. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: قول كفَّار قريش. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ : أي يتكلمون بأن لهم الحُسنى أي الغلمان. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ قال: الغلمان. * * وقوله ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: حقا واجبا أن لهؤلاء القائلين لله البنات، الجاعلين له ما يكرهونه لأنفسهم، ولأنفسهم الحسنى عند الله يوم القيامة النار. وقد بيَّنا تأويل قول الله ﴿لا جَرَمَ﴾ في غير موضع من كتابنا هذا بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. ورُوي عن ابن عباس في ذلك، ما:- ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿لا جَرَمَ﴾ يقول: بلى. * * وقوله ﴿لا جَرَمَ﴾ كان بعض أهل العربية يقول: لم تُنْصَبْ جَرَمَ بلا كما نصبت الميم من قول: لا غلام لك؛ قال: ولكنها نُصِبَت لأنها فعل ماض، مثل قول القائل: قَعَدَ فلان وجلس، والكلام: لا ردّ لكلامهم أي ليس الأمر هكذا، جَرَمَ: كَسَبَ، مثل قوله لا أقسم، ونحو ذلك. وكان بعضهم يقول: نصب جَرَمَ بلا وإنما بمعنى: لا بدّ، ولا محالة؛ ولكنها كثرت في الكلام حتى صارت بمنزلة حقا. * * وقوله ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: وأنهم مُخَلَّفون متروكون في النار، منسيون فيها. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال أكثرهم بنحو ما قلنا في ذلك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار وابن وكيع، قالا ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قال: منسيون مُضَيَّعون. ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا زيد بن حباب، قال: أخبرنا سعيد، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، مثله. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا بهز بن أسد، عن شعبة، قال: أخبرني أبو بشر، عن سعيد بن جبير، مثله. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قال: متروكون في النار، منسيون فيها. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: حصين، أخبرنا، عن سعيد بن جبير، بمثله. ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن سعيد بن جبير بمثله. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قال: منسيون. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة وأبو معاوية وأبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قال: متروكون في النار. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن القاسم، عن مجاهد ﴿مُفْرَطُونَ﴾ قال: مَنْسيون. ⁕ حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثني أبي، عن الحسين، عن قتادة ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ يقول: مُضَاعُون. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا بدل، قال: ثنا عباد بن راشد، قال: سمعت داود بن أبي هند، في قول الله ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قال: منسيون في النار. وقال آخرون: معنى ذلك: أنهم مُعْجَلُونَ إلى النار مقدّمون إليها، وذهبوا في ذلك إلى قول العرب: أفرطنا فلانا في طلب الماء، إذا قدّموه لإصلاح الدلاء والأرشية، وتسوية ما يحتاجون إليه عند ورودهم عليه فهو مُفْرَط. فأما المتقدّم نفسه فهو فارط، يقال: قد فَرَط فلان أصحابَه يَفْرُطهم فُرْطا وفُروطا: إذا تقدمهم وجمع فارط: فُرَّاط ومنه قول القُطامِيّ: واسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِنْ صَحَابَتِنا ... كمَا تَعَجَّل فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ [[البيت في ديوان القطامي (طبعة ليدن سنة ١٩٠٢) وفيه "فاستعجلونا" بالفاء. يقول: استعجلونا: أي أعجلونا، يريد تقدمونا، والفراط: الذين يتقدمون الواردة، فيصلحون الأرشية، حتى يأتي القوم بعدهم. وفي اللسان: فرط: وفرط القوم يفرطهم فرطا (من باب قتل) وفراطة: تقدمهم إلى الورد، لإصلاح الأرشية والدلاء، ومدر الحياض والسقي فيها، فأنا فارط، وهم الفراط؛ قال القطامي: فاستعجلونا ... الخ البيت. وفي الصحاح: كما تعجل في موضع: كما تقدم.]] ومنه قول النبيّ ﷺ: "أنا فَرَطُكُمْ على الحَوْضِ": أي متقدمكم إليه وسابقكم "حتى تَرِدُوهُ". ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ يقول: مُعْجَلُون إلى النار. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قال: قد أفرطوا في النار أي مُعْجَلُون. وقال آخرون. معنى ذلك: مُبْعَدون في النار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أشعث السمَّان، عن الربيع، عن أبي بشر، عن سعيد ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قال: مُخْسَئون مُبْعَدون. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي اخترناه، وذلك أن الإفراط الذي هو بمعنى التقديم، إنما يقال فيمن قدَم مقدَما لإصلاح ما يقدم إليه إلى وقت ورود من قدمه عليه، وليس بمقدم من قدم إلى النار من أهلها لإصلاح شيء فيها لوارد يرد عليها فيها فيوافقه مصلحا، وإنما تَقَدّم مَن قُدِّم إليها لعذاب يُعجَّل له. فإذا كان معنى ذلك الإفراط الذي هو تأويل التعجيل ففسد أن يكون له وجه في الصحة، صحّ المعنى الآخر، وهو الإفراط الذي بمعنى التخليف والترك. وذلك أنه يُحكى عن العرب: ما أَفْرطت ورائي أحدًا: أي ما خَلَّفته؛ وما فرطته: أي لم أخلفه. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المِصرَينِ الكوفة والبصرة ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ بتخفيف الراء وفتحها، على معنى ما لم يُسَمّ فاعله من أُفرِط فهو مُفْرَط. وقد بيَّنت اختلاف قراءة ذلك كذلك في التأويل. وقرأه أبو جعفر القارئ. "وأنَّهُم مُفَرِّطُونَ" بكسر الراء وتشديدها، بتأويل: أنهم مفرِّطون في أداء الواجب الذي كان لله عليهم في الدنيا، من طاعته وحقوقه، مضيعو ذلك، من قول الله تعالى ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ وقرأ نافع بن أبي نعيم: "وأنَّهُم مُفْرِطُونَ" بكسر الراء وتخفيفها. ⁕ حدثني بذلك يونس، عن وَرْش عنه، بتأويل: أنهم مُفْرِطُونَ في الذنوب والمعاصي، مُسْرِفون على أنفسهم مكثرون منها، من قولهم: أَفْرط فلان في القول: إذا تجاوز حَدَّه، وأسرف فيه. والذي هو أولى القراءات في ذلك بالصواب قراءة الذين ذكرنا قراءتهم من أهل العراق لموافقتها تأويل أهل التأويل الذي ذكرنا قبل، وخروج القراءات الأخرى عن تأويلهم.

Al-Mukhtasar (français)

Ils attribuent à Allah une progéniture femelle qu’ils détestent s’attribuer à eux-mêmes et de plus, ils mentent lorsqu’ils prétendent qu’ils jouiront du rang suprême auprès d’Allah s’il est vrai qu’ils seront ressuscités, doutant par ces paroles de la réalité de la Ressuscitation. En vérité, ils auront comme rétribution le Feu de l’Enfer dans lequel ils seront abandonnés et d’où ils ne sortiront jamais.

63

تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

Par Allah! Nous avons effectivement envoyé (des messagers) à des communautés avant toi. Mais le Diable leur enjoliva ce qu'ils faisaient. C'est lui qui est, leur allié, aujourd'hui [dans ce monde]. Et ils auront un châtiment douloureux [dans l'au-delà].

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَذْكُرُ تَعَالَى أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ رُسُلا فكُذِّبت الرُّسُلُ، فَلَكَ يَا مُحَمَّدُ فِي إِخْوَانِكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ أُسْوَةٌ، فَلَا يهيدنَّك تَكْذِيبُ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ، فَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ تَزْيِينُ الشَّيْطَانِ لَهُمْ مَا فَعَلُوهُ، ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ أَيْ: هُمْ تَحْتَ الْعُقُوبَةِ وَالنَّكَالِ، وَالشَّيْطَانُ وَلِيُّهُمْ، وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ خَلَاصًا؛ وَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. ثُمَّ قَالَ [[في أ: "وقال".]] تَعَالَى لِرَسُولِهِ: أَنَّهُ إِنَّمَا أَنْزَلَ [[في أ: "نزل".]] عَلَيْهِ الْكِتَابَ لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَالْقُرْآنُ فَاصِلٌ بَيْنَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ ﴿وَهُدًى﴾ أَيْ: لِلْقُلُوبِ، ﴿وَرَحْمَةً﴾ أَيْ: لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وَكَمَا جَعَلَ تَعَالَى الْقُرْآنَ حَيَاةً لِلْقُلُوبِ الْمَيِّتَةِ بِكُفْرِهَا، كَذَلِكَ يُحْيِي [اللَّهُ] [[زيادة من ت.]] الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا بِمَا يُنْزِلُهُ [[في أ: "نزله".]] عَلَيْهَا مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أَيْ: يَفْهَمُونَ الْكَلَامَ وَمَعْنَاهُ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ (٦٣) ﴾ يقول تعالى ذكره مقسِما بنفسه عزّ وجلّ لنبيه محمد ﷺ: والله يا محمد لقد أرسلنا رسلا من قبلك إلى أممها بمثل ما أرسلناك إلى أمتك من الدعاء إلى التوحيد لله، وإخلاص العبادة له، والإذعان له بالطاعة، وخلع الأنداد والآلهة ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ يقول: فحسَّن لهم الشيطان ما كانوا عليه من الكفر بالله وعبادة الأوثان مقيمين، حتى كذّبوا رسلهم، وردّوا عليهم ما جاءوهم به من عند ربهم ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ يقول: فالشيطان ناصرهم اليوم في الدنيا، وبئس الناصر ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة عند ورودهم على ربهم، فلا ينفعهم حينئذ ولاية الشيطان، ولا هي نفعتهم في الدنيا، بل ضرّتهم فيها وهي لهم في الآخرة أضرّ.

Al-Mukhtasar (français)

Par Allah, Nous avons envoyé des messagers à des peuples dans le passé, ô Messager, et Satan a embelli à ces peuples leurs agissements immondes comme le polythéisme, la mécréance et les actes de désobéissance. Il sera leur prétendu secours le Jour de la Résurrection, qu’ils implorent donc son secours. Ils auront droit ce Jour-là à un châtiment douloureux.

64

وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۙ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

Et Nous n'avons fait descendre sur toi le Livre qu'afin que tu leur montres clairement le motif de leur dissension, de même qu'un guide et une miséricorde pour des gens croyants.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَذْكُرُ تَعَالَى أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ رُسُلا فكُذِّبت الرُّسُلُ، فَلَكَ يَا مُحَمَّدُ فِي إِخْوَانِكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ أُسْوَةٌ، فَلَا يهيدنَّك تَكْذِيبُ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ، فَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ تَزْيِينُ الشَّيْطَانِ لَهُمْ مَا فَعَلُوهُ، ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ أَيْ: هُمْ تَحْتَ الْعُقُوبَةِ وَالنَّكَالِ، وَالشَّيْطَانُ وَلِيُّهُمْ، وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ خَلَاصًا؛ وَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. ثُمَّ قَالَ [[في أ: "وقال".]] تَعَالَى لِرَسُولِهِ: أَنَّهُ إِنَّمَا أَنْزَلَ [[في أ: "نزل".]] عَلَيْهِ الْكِتَابَ لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَالْقُرْآنُ فَاصِلٌ بَيْنَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ ﴿وَهُدًى﴾ أَيْ: لِلْقُلُوبِ، ﴿وَرَحْمَةً﴾ أَيْ: لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وَكَمَا جَعَلَ تَعَالَى الْقُرْآنَ حَيَاةً لِلْقُلُوبِ الْمَيِّتَةِ بِكُفْرِهَا، كَذَلِكَ يُحْيِي [اللَّهُ] [[زيادة من ت.]] الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا بِمَا يُنْزِلُهُ [[في أ: "نزله".]] عَلَيْهَا مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أَيْ: يَفْهَمُونَ الْكَلَامَ وَمَعْنَاهُ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونُ (٦٤) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ: وما أنزلنا يا محمد عليك كتابنا وبعثناك رسولا إلى خلقنا إلا لتبين لهم ما اختلفوا فيه من دين الله، فتعرّفهم الصواب منه، والحقّ من الباطل، وتقيم عليهم بالصواب منه حجة الله الذي بعثك بها. * * وقوله ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يقول: وهدى بيانا من الضلالة، يعني بذلك الكتاب، ورحمة لقوم يؤمنون به، فيصدّقون بما فيه، ويقرّون بما تضمن من أمر الله ونهيه، ويعملون به، وعطف بالهدى على موضع ليبين، لأن موضعها نصب. وإنما معنى الكلام: وما أنزلنا عليك الكتاب إلا بيانًا للناس فيما اختلفوا فيه هدى ورحمة.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, Nous ne t’avons révélé le Coran que pour que tu exposes avec clarté à tous les gens les réalités à propos desquelles ils divergeaient: le monothéisme, la Ressuscitation et les lois de la religion. Nous te l’avons également révélé afin qu’il soit une guidée et une miséricorde pour ceux qui croient en Allah, en Ses messagers et au contenu du Coran. Ce sont eux en effet qui tirent profit de la vérité.

65

وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَسْمَعُونَ

Allah a fait descendre du ciel une eau avec laquelle Il revivifie la terre après sa mort. Il y a vraiment là une preuve pour des gens qui entendent.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَذْكُرُ تَعَالَى أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ رُسُلا فكُذِّبت الرُّسُلُ، فَلَكَ يَا مُحَمَّدُ فِي إِخْوَانِكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ أُسْوَةٌ، فَلَا يهيدنَّك تَكْذِيبُ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ، فَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ تَزْيِينُ الشَّيْطَانِ لَهُمْ مَا فَعَلُوهُ، ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ أَيْ: هُمْ تَحْتَ الْعُقُوبَةِ وَالنَّكَالِ، وَالشَّيْطَانُ وَلِيُّهُمْ، وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ خَلَاصًا؛ وَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. ثُمَّ قَالَ [[في أ: "وقال".]] تَعَالَى لِرَسُولِهِ: أَنَّهُ إِنَّمَا أَنْزَلَ [[في أ: "نزل".]] عَلَيْهِ الْكِتَابَ لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَالْقُرْآنُ فَاصِلٌ بَيْنَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ ﴿وَهُدًى﴾ أَيْ: لِلْقُلُوبِ، ﴿وَرَحْمَةً﴾ أَيْ: لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وَكَمَا جَعَلَ تَعَالَى الْقُرْآنَ حَيَاةً لِلْقُلُوبِ الْمَيِّتَةِ بِكُفْرِهَا، كَذَلِكَ يُحْيِي [اللَّهُ] [[زيادة من ت.]] الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا بِمَا يُنْزِلُهُ [[في أ: "نزله".]] عَلَيْهَا مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أَيْ: يَفْهَمُونَ الْكَلَامَ وَمَعْنَاهُ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) ﴾ يقول تعالى ذكره منبهَ خلقِه على حججه عليهم في توحيده، وأنه لا تنبغي الألوهية إلا له، ولا تصلح العبادة لشيء سواه: أيها الناس معبودكم الذي له العبادة دون كلّ شيء، ﴿أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعني: مطرا، يقول: فأنبت بما أنزل من ذلك الماء من السماء الأرض الميتة التي لا زرع بها ولا عُشْبَ ولا نبت ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ بعد ما هي ميتة لا شيء فيها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ يقول تعالى ذكره: إن في إحيائنا الأرض بعد موتها بما أنزلنا من السماء من ماء لدليلا واضحًا، وحجة قاطعة، عذر من فكر فيه ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ يقول: لقوم يسمعون هذا القول فيتدبرونه ويعقلونه، ويطيعون الله بما دلهم عليه.

Al-Mukhtasar (français)

Allah fit descendre du Ciel de la pluie par laquelle Il fit vivre la Terre d’où surgissent des végétaux après qu’elle eut été aride et stérile. La descente de pluie du Ciel puis l’apparition de végétaux à la surface de la Terre sont assurément des indices clairs du pouvoir d’Allah adressés à ceux qui écoutent les paroles d’Allah et les méditent.

66

وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَٰمِ لَعِبْرَةًۭ ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍۢ وَدَمٍۢ لَّبَنًا خَالِصًۭا سَآئِغًۭا لِّلشَّٰرِبِينَ

Il y a certes un enseignement pour vous dans les bestiaux: Nous vous abreuvons de ce qui est dans leurs ventres, - [un produit] extrait du [mélange] des excréments [intestinaux] et du sang - un lait pur, délicieux pour les buveurs.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ﴾ أَيُّهَا النَّاسُ ﴿فِي الأنْعَامِ﴾ وَهِيَ: الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، ﴿لَعِبْرَةً﴾ أَيْ: لَآيَةً وَدَلَالَةً عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِهَا وَحَكَمْتِهِ وَلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ، ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ وَأَفْرَدَ هَاهُنَا [الضَّمِيرَ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] عَوْدًا عَلَى مَعْنَى النِّعَمِ، أَوِ الضَّمِيرُ [[في ف، أ: "والضمير".]] عَائِدٌ عَلَى الْحَيَوَانِ؛ فَإِنَّ الْأَنْعَامَ حَيَوَانَاتٌ، أَيْ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بَطْنِ [[في ف، أ: "بطون".]] هَذَا الْحَيَوَانِ. وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٢١] ، وَيَجُوزُ هَذَا وَهَذَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ٥٤، ٥٥] ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ [النَّمْلِ: ٣٥، ٣٦] أَيِ: الْمَالُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ أَيْ: يَتَخَلَّصُ الدَّمُ بَيَاضَهُ وَطَعْمَهُ وَحَلَاوَتَهُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ فِي بَاطِنِ الْحَيَوَانِ، فَيَسْرِي كلٌ إِلَى مَوْطِنِهِ، إِذَا نَضِجَ الْغِذَاءُ فِي مَعِدَتِهِ تَصَرَّفَ [[في ت، ف: "يصرف".]] مِنْهُ دَمٌ إِلَى الْعُرُوقِ، وَلَبَنٌ إِلَى الضَّرْعِ [[في أ: "الضروع".]] وَبَوْلٌ إِلَى الْمَثَانَةِ، وَرَوْثٌ إِلَى الْمَخْرَجِ، وَكُلٌّ مِنْهَا لَا يَشُوبُ الْآخَرَ وَلَا يُمَازِجُهُ بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنْهُ، وَلَا يَتَغَيَّرُ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ أَيْ: لَا يَغَصُّ بِهِ أَحَدٌ [[في ت، ف، أ: "أحد به".]] . وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّبَنَ وَأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهُ شَرَابًا لِلنَّاسِ سَائِغًا [[في ف: "وسائغا".]] ، ثَنَّى بِذِكْرِ مَا يَتَّخِذُهُ النَّاسُ مِنَ الْأَشْرِبَةِ، مِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ، وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ مِنَ النَّبِيذِ الْمُسْكِرِ قَبْلَ تَحْرِيمِهِ؛ وَلِهَذَا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ دَلَّ عَلَى إِبَاحَتِهِ شَرْعًا قَبْلَ تَحْرِيمِهِ، وَدَلَّ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ السَّكَر الْمُتَّخَذِ مِنَ الْعِنَبِ، وَالْمُتَّخَذِ مِنَ النَّخْلِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَا حُكْم سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَالْعَسَلِ، كَمَا جَاءَتِ السُّنَّةُ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ [[في ف: "قاله".]] ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ قَالَ: السَّكَر: مَا حُرِّمَ مِنْ ثَمَرَتَيْهِمَا، وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ مَا أُحِلَّ مِنْ ثَمَرَتَيْهِمَا. وَفِي رِوَايَةٍ: السَّكر حَرَامُهُ، وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ حَلَالُهُ. يَعْنِي: مَا يَبِسَ مِنْهُمَا مِنْ تَمْرٍ وَزَبِيبٍ، وَمَا عُمِلَ مِنْهُمَا مِنْ طِلَاءٍ -وَهُوَ الدِّبس [[الطلاء: الشراب المطبوخ من عصير العنب، وأما الدبس: فهو عسل التمر وعصارته.]] -وَخَلٍّ وَنَبِيذٍ، حَلَالٌ يُشْرَبُ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ، كَمَا وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ نَاسَبَ ذِكْرُ الْعَقْلِ هَاهُنَا، فَإِنَّهُ أَشْرَفُ مَا فِي الْإِنْسَانِ؛ وَلِهَذَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الْأَشْرِبَةَ الْمُسْكِرَةَ صِيَانَةً لِعُقُولِهَا؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٤ -٣٦] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: وإن لكم أيها الناس لعظة في الأنعام التي نُسقيكم مما في بطونه. واختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ فقرأته عامة أهل مكة والعراق والكوفة والبصرة، سوى عاصم؛ ومن أهل المدينة أبو جعفر ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ بضمّ النون. بمعنى: أنه أسقاهم شرابًا دائمًا. وكان الكسائيّ يقول: العرب تقول: أسقيناهم نَهْرا، وأسقيناهم لبنا: إذا جعلته شِرْبا دائما، فإذا أرادوا أنهم أعطوه شربة قالوا: سقيناهم فنحن نَسْقِيهم بغير ألف؛ وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة سوى أبي جعفر، ومن أهل العراق عاصم ﴿نَسْقِيكم﴾ بفتح النون من سَقاه الله، فهو يَسْقيه، والعرب قد تدخل الألف فيما كان من السَّقي غير دائم، وتنزعها فيما كان دائمًا، وإن كان أشهر الكلامين عندها ما قال الكسائيّ، يدلّ على ما قلنا من ذلك، قول لَبيد في صفة سحاب: سَقَى قَوْمي بَنِي مَجْدٍ وأسْقَى ... نُمَيْرًا والقَبَائِلَ مِنْ هِلالِ [[البيت للبيد (لسان العرب: سقى) قال: السقي: معروف، والاسم: السقيا بالضم. وسقاه الله الغيث وأسقاه، وقد جمعهما لبيد في قوله: "سقى قومي". وقال الفراء في معاني القرآن: (١٧٤) العرب تقول لكل ما كان من بطون الأنعام ومن السماء أو نهر يجري لقوم: أسقيت. فإذا سقاك الرجل ماء لشفتك، قالوا: سقاه، ولم يقولوا: أسقاه، كما قال الله عز وجل: (وسقاهم ربهم شراباً طهورًا) . وقال: (الذي يطعمني ويسقين) . وربما قالوا لما في بطون الأنعام ولماء السماء سقى السماء وأسقى، كما قال لبيد: "سقي قومي ... " البيت. وقد اختلف القراء، وقرأ بعضهم نسقيكم، وبعضهم: يسقيكم.]] فجمع اللغتين كلتيهما في معنى واحد، فإذا كان ذلك كذلك، فبأية القراءتين قرأ القارئ فمصيب، غير أن أعجب القراءتين إليّ قراءة ضمّ النون لما ذكرت من أن أكثر الكلامين عند العرب فيما كان دائما من السقي أسقى بالألف فهو يُسْقِي، وما أسقى الله عباده من بطون الأنعام فدائم لهم غير منقطع عنهم. وأما قوله ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ وقد ذكر الأنعام قبل ذلك، وهي جمع والهاء في البطون موحدة، فإن لأهل العربية في ذلك أقوالا فكان بعض نحويِّي الكوفة يقول: النَّعم والأنعام شيء واحد، لأنهما جميعًا جمعان، فردّ الكلام في قوله ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ إلى التذكير مرادًا به معنى النَّعم، إذ كان يؤدي عن الأنعام، ويستشهد لقوله ذلك برجز بعض الأعراب: إذا رأيْتَ أنْجُما منَ الأسَدْ ... جَبْهَتهُ أوِ الخَرَاة والكَتَدْ ... بال سُهَيْلٌ فِي الفَضِيخِ فَفَسَدْ ... وطابَ ألْبانُ اللِّقاحِ فَبَرَدْ [[الأبيات الثلاثة الأولى في (اللسان: جبه) قال الأزهري: الجبهة النجم الذي يقال له: جبهة الأسد، وهي أربعة أنجم ينزلها القمر، قال الشاعر: "إذا رأيت ... " وفي (اللسان: خرت) . والخراتان نجمان من كواكب الأسد، وهما كوكبان بينهما قدر سوط، وهما كتفا الأسد، واحدتهما خراة وأنشد الأبيات الأربعة. وفي (اللسان: كتد) : والكتد: نجم، أنشد ثعلب: "إذا رأيت ... الخ" الأبيات وفي (اللسان: سهل) الأزهري: سهيل كوكب لا يرى بخراسان، ويرى بالعراق. وقال ابن كناسة، سهيل يرى بالحجاز، في جميع أرض العرب، ولا يرى بأرض أرمينية. وقال الأزهري: سهيل كوكب يمان. وفي (اللسان فضخ) الفضيخ: عصير العنب، وهو أيضا شراب يتخذ من البسر المفضوخ وحده، من غير أن تمسه النار، وهو المشدوخ. وفضحت البسر وافتضخته، قال الراجز: "بال سهيل في الفضيخ ففسد" يقول: لما طلع سهيل ذهب زمن البسر وأرطب، فكأنه بال فيه. وأصل هذه الشواهد من شواهد الفراء في معاني القرآن، قال: (ص ١٧٤) : وأما قوله "مما في بطونه"، ولم يقل "بطونها" فإنه قيل -والله أعلم- إن النعم والأنعام شيء واحد، وهما جمعان، فرجع التذكير إلى معنى "النعم"، إذ كان يؤدي عن الأنعام. أنشدني بعضهم: إذا رأيت أنجما.. الخ الأبيات الأربعة، وهي من مشطور الرجز. فرجع (ضمير قوله فيرد) إلى اللبن، والألبان يكون في معنى واحد، قال: وقال الكسائي "نسقيكم مما في بطونه": بطون ما ذكرنا. وهو صواب. أنشدني بعضهم "مثل الفراخ نتفت حواصله".]] ويقول: رجع بقوله "فبرد" إلى معنى اللبن، لأن اللبن والألبان تكون في معنى واحد، وفي تذكير النعم قول الآخر: أكُلَّ عامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَهُ ... يُلْقحُهُ قَومٌ وتَنْتِجُونَهُ [[هذا الرجز لقيس بن الحصين بن يزيد الحارثي، أنشده أبو عبيدة في (مجاز القرآن ١: ٣٦٢) وأنشد بعد بيتي الشاهد بيتا ثالثا وهو: "أربابه نوكى ولا يحمونه) . والشاهد فيه أن الأنعام يذكر ويؤنث. قال: وقال آخرون: المعنى على النعم، لأن النعم، يذكر ويؤنث. وأنشده في اللسان (نعم) قال: وقال آخر في تذكير النعم: في كُلَ عامٍ نَعَمٌ يَحْوُونَهُ ... يُلْقِحُهُ قَوْمٌ وتَنْتِجُونَهُ وذكر الرجز البغدادي في الخزانة (١: ١٩٦ - ١٩٧) وزاد فيه أبياتا، قال: وتنتجونه بتاء الخطاب: يقال نتج الناقة أهلها: إذا استولدوها. وأنتجت الفرس بالهمزة: حان نتاجها. والنتاج بالكسر: اسم يشمل وضع البهائم من الغنم وغيرها. وإذا ولى الإنسان ناقة أو شاة ما خضا حتى تضع قيل نتجها نتجا= من باب ضرب، فالإنسان كالقابلة، لأنه يتلقى الولد ويصلح من شأنه، فهو ناتج، والبهيمة منتوجة، والولد: نتيجة. يقول: يحملون الفحولة على النوق، فإذا حملت أغرتم أنتم عليها. ورواية البيت في الخزانة كرواية المؤلف. والأبيات: قبلت في يوم الكلاب الثاني، وهو ماء لبني تميم بين الكوفة والبصرة.]] فذكر النعم؛ وكان غيره منهم يقول: إنما قال ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ لأنه أراد: مما في بطون ما ذكرنا وينشد في ذلك رَجزا لبعضهم: مِثْلُ الفِراخِ نُتِفَتْ حَوَاصِلُهُ [[هو مثل الشاهد السابق على سابقه، أنشده الفراء في معاني القرآن (ص ١٧٤) شاهدا على أن قوله نتفت حواصله، أي حواصل ما ذكرنا، كما فسره الكسائي. ونقله صاحب اللسان في (نعم) مع أشباه له.]] وقول الأسود بن يَعْفُر: إنَّ المَنِيَّةَ والحُتُوفَ كلاهُما ... يُوفي المَخارمَ يَرْقُبانِ سَوَادِي [[البيت للأسود بن يعفر النهشلي التميمي (المفضيليات: ١٠١) والمنية: الموت. والحتوف: جمع حتف، يريد أنواع الأخطار التي تؤدي إلى الموت. والمخارم: جمع مخرم: الطريق في الغلظ، عن السكري، وقيل: الطرق في الجبال، وأفواه الفجاج، وسواد الإنسان: شخصه. والشاهد في البيت قوله كلاهما بالتذكير، مع أن المنية والحتوف مؤنثان، وكان حقه أن يقول: كلتاهما، لأن الشاعر لم يحفل بهذا التأنيث، واعتبر المذكور أو لا مذكرا، بمعنى الشيئين.]] فقال: كلاهما، ولم يقل: كلتاهما؛ وقول الصَّلَتان العَبْدِيّ: إنَّ السَّماحَةَ والمُرُوءَة ضُمِّنا ... قَبْرًا بمَرْوَ على الطَّرِيقِ الوَاضِحِ [[الشاهد في البيت أن السماحة والمروءة لفظتان مؤنثتان ولم يؤنث الفعل المتحمل ضميرهما، فقال الشاعر: ضمنا، ولم يقل ضمنتا، لأنه اعتبر ما رجع إليه الضمير قبل الفعل شيئين مذكرين، أو خلقين، فلذلك لم يؤنث الفعل المسند إلى ضميرهما.]] وقول الآخر: وعَفْرَاءُ أدْنَى النَّاس مِنِّي مَوَدَّةً ... وعَفْرَاءُ عَنّي المُعْرِضُ المُتَوَانِي [[استشهد المؤلف بهذا البيت على أن المعرض وهو خبر لعفراء، لم يطابق المبتدأ في التأنيث وهو عفراء، لأن الشاعر ذهب إلى معنى الحبيب أو الشخص، مما هو مذكر في المعنى.]] ولم يقل: المعرضة المتوانية؛ وقول الآخر: إذا النَّاسُ ناسٌ والبِلادُ بغِبْطَةٍ ... وَإذْ أُمُّ عَمَّارٍ صَديقٌ مُساعِفُ [[وهذا الشاهد كسابقه، لأن الشاعر ذهب إلى أن أم عمار شخص، فلذلك قال صديق على التأويل ولم يقل صديقه على المطابقة. والصديق المساعف: أي المواصل: الذي يدنو من صديقه ويسعفه بحاجته.]] ويقول: كل ذلك على معنى هذا الشيء وهذا الشخص والسواد، وما أشبه ذلك، ويقول: من ذلك قول الله تعالى ذكره ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ بمعنى: هذا الشيء الطالع. * * وقوله ﴿كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ ولم يقل ذكرها، لأن معناه: فمن شاء ذكر هذا الشيء. * * وقوله ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ ولم يقل جاءت. وكان بعض البصريين يقول: قيل ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ لأن المعنى: نسقيكم من أيّ الأنعام كان في بطونه، ويقول: فيه اللبن مضمر، يعني أنه يسقي من أيها كان ذا لبن، وذلك أنه ليس لكلها لبن، وإنما يُسقى من ذوات اللبن. والقولان الأوّلان أصحّ مخرجا على كلام العرب من هذا القول الثالث. * * وقوله ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ يقول: نسقيكم لبنا، نخرجه لكم من بين فرث ودم خالصا: يقول: خلص من مخالطة الدم والفرث، فلم يختلطا به ﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ يقول: يسوغ لمن شربه فلا يَغَصّ به كما يَغَصّ الغاصّ ببعض ما يأكله من الأطعمة. وقيل: إنه لم يَغصّ أحد باللبن قَطُّ.

Al-Mukhtasar (français)

Ô gens, vous trouverez certainement des enseignements qui vous sont adressés dans les dromadaires, les bovins, les ovins et les caprins. Ainsi, Nous vous abreuvons avec le lait qui sort de leurs pis, lequel lait provient de leurs ventres dans lesquels se mélangent entrailles pleines de déjections et organes irrigués de sang… or malgré ces entrailles peu ragoûtantes, le lait qui en sort est pur et délicieux.

67

وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًۭا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ

Des fruits des palmiers et des vignes, vous retirez une boisson enivrante et un aliment excellent. Il y a vraiment là un signe pour des gens qui raisonnent.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ﴾ أَيُّهَا النَّاسُ ﴿فِي الأنْعَامِ﴾ وَهِيَ: الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، ﴿لَعِبْرَةً﴾ أَيْ: لَآيَةً وَدَلَالَةً عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِهَا وَحَكَمْتِهِ وَلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ، ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ وَأَفْرَدَ هَاهُنَا [الضَّمِيرَ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] عَوْدًا عَلَى مَعْنَى النِّعَمِ، أَوِ الضَّمِيرُ [[في ف، أ: "والضمير".]] عَائِدٌ عَلَى الْحَيَوَانِ؛ فَإِنَّ الْأَنْعَامَ حَيَوَانَاتٌ، أَيْ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بَطْنِ [[في ف، أ: "بطون".]] هَذَا الْحَيَوَانِ. وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٢١] ، وَيَجُوزُ هَذَا وَهَذَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ٥٤، ٥٥] ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ [النَّمْلِ: ٣٥، ٣٦] أَيِ: الْمَالُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ أَيْ: يَتَخَلَّصُ الدَّمُ بَيَاضَهُ وَطَعْمَهُ وَحَلَاوَتَهُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ فِي بَاطِنِ الْحَيَوَانِ، فَيَسْرِي كلٌ إِلَى مَوْطِنِهِ، إِذَا نَضِجَ الْغِذَاءُ فِي مَعِدَتِهِ تَصَرَّفَ [[في ت، ف: "يصرف".]] مِنْهُ دَمٌ إِلَى الْعُرُوقِ، وَلَبَنٌ إِلَى الضَّرْعِ [[في أ: "الضروع".]] وَبَوْلٌ إِلَى الْمَثَانَةِ، وَرَوْثٌ إِلَى الْمَخْرَجِ، وَكُلٌّ مِنْهَا لَا يَشُوبُ الْآخَرَ وَلَا يُمَازِجُهُ بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنْهُ، وَلَا يَتَغَيَّرُ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ أَيْ: لَا يَغَصُّ بِهِ أَحَدٌ [[في ت، ف، أ: "أحد به".]] . وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّبَنَ وَأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهُ شَرَابًا لِلنَّاسِ سَائِغًا [[في ف: "وسائغا".]] ، ثَنَّى بِذِكْرِ مَا يَتَّخِذُهُ النَّاسُ مِنَ الْأَشْرِبَةِ، مِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ، وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ مِنَ النَّبِيذِ الْمُسْكِرِ قَبْلَ تَحْرِيمِهِ؛ وَلِهَذَا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ دَلَّ عَلَى إِبَاحَتِهِ شَرْعًا قَبْلَ تَحْرِيمِهِ، وَدَلَّ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ السَّكَر الْمُتَّخَذِ مِنَ الْعِنَبِ، وَالْمُتَّخَذِ مِنَ النَّخْلِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَا حُكْم سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَالْعَسَلِ، كَمَا جَاءَتِ السُّنَّةُ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ [[في ف: "قاله".]] ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ قَالَ: السَّكَر: مَا حُرِّمَ مِنْ ثَمَرَتَيْهِمَا، وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ مَا أُحِلَّ مِنْ ثَمَرَتَيْهِمَا. وَفِي رِوَايَةٍ: السَّكر حَرَامُهُ، وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ حَلَالُهُ. يَعْنِي: مَا يَبِسَ مِنْهُمَا مِنْ تَمْرٍ وَزَبِيبٍ، وَمَا عُمِلَ مِنْهُمَا مِنْ طِلَاءٍ -وَهُوَ الدِّبس [[الطلاء: الشراب المطبوخ من عصير العنب، وأما الدبس: فهو عسل التمر وعصارته.]] -وَخَلٍّ وَنَبِيذٍ، حَلَالٌ يُشْرَبُ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ، كَمَا وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ نَاسَبَ ذِكْرُ الْعَقْلِ هَاهُنَا، فَإِنَّهُ أَشْرَفُ مَا فِي الْإِنْسَانِ؛ وَلِهَذَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الْأَشْرِبَةَ الْمُسْكِرَةَ صِيَانَةً لِعُقُولِهَا؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٤ -٣٦] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولكم أيضًا أيها الناس عِبرةٌ فيما نسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا، مع ما نسقيكم من بطون الأنعام من اللبن الخارج من بين الفرث والدم. وحذف من قوله ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ﴾ الاسم، والمعنى ما وصفت، وهو: ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه لدلالة "مِن" عليه، لأن "من" تدخل في الكلام مُبَعِّضة، فاستغني بدلالتها ومعرفة السامعين بما يقتضي من ذكر الاسم معها. وكان بعض نحويِّي البصرة يقول في معنى الكلام: ومن ثمرات النخيل والأعناب شيء تتخذون منه سكرا، ويقول: إنما ذكرت الهاء في قوله ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ﴾ لأنه أريد بها الشيء، وهو عندنا عائد على المتروك، وهو "ما". * * وقوله ﴿تَتَّخِذُونَ﴾ من صفة "ما" المتروكة. واختلف أهل التأويل في معنى قوله ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ فقال بعضهم: عني بالسَّكَر: الخمر، وبالرزق الحسن: التمر والزبيب، وقال: إنما نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر، ثم حُرّمت بعد. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عبيد المحاربيّ، قال: ثنا أيوب بن جابر السُّحَيْمي، عن الأسود، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس، قوله ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ قال: السَّكَر: ما حُرِّم من شرابه، والرزق الحسن: ما أحلّ من ثمرته. ⁕ حدثنا ابن وكيع وسعيد بن الربيع الرازي، قالا ثنا ابن عيينة، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ قال: الرزق الحسن: ما أحلّ من ثمرتها، والسكر: ما حرّم من ثمرتها. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن الأسود، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس مثله. ⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس، بنحوه. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: ثنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس بنحوه. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الأسود بن قيس، قال: سمعت رجلا يحدّث عن ابن عباس في هذه الآية ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ قال: السكر: ما حُرِّم من ثمرتيهما، والرزق الحسن: ما أحلّ من ثمرتيهما. ⁕ حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا الحسن بن صالح، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس، بنحوه. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا الأسود بن قيس، قال: ثني عمرو بن سفيان، قال: سمعت ابن عباس يقول، وذكرت عنده هذه الآية (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا) قال: السكر: ما حرّم منهما، والرزق الحسن: ما أحلّ منهما. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان البصري، قال: قال ابن عباس، في قوله ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ قال: فأما الرزق الحسن: فما أحلّ من ثمرتهما، وأما السكر: فما حرّم من ثمرتهما. ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا الحمَّاني، قال: ثنا شريك، عن الأسود، عن عمرو بن سفيان البصريّ، عن ابن عباس ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ قال: السَّكَر: حرامه، والرزق الحسن: حلاله. ⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا العباس بن أبي طالب، قال: ثنا أبو عوانة، عن الأسود، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس قال: السَّكَر: ما حرّم من ثمرتهما، والرزق الحسن: ما حلّ من ثمرتهما. ⁕ حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: الرزق الحسن: الحلال، والسَّكَر: الحرام. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ قال: ما حرم من ثمرتهما، وما أحلّ من ثمرتهما. ⁕ حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، قال: السَّكَر خمر، والرزق الحسن الحلال. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن مسعر وسفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، قال: الرزق الحسن: الحلال، والسَّكَر: الحرام. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، بنحوه. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، في هذه الآية ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ قال: السَّكَر: الحرام، والرزق الحسن: الحلال. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي رزين ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ قال: نزل هذا وهم يشربون الخمر، فكان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر. ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا شعبة، عن المُغيرة، عن إبراهيم والشعبيّ وأبي رزين، قالوا: هي منسوخة في هذه الآية ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ ⁕ حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا أبو قطن، عن سعيد، عن المغيرة، عن إبراهيم والشعبي، وأبي رزين بمثله. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ قال: هي منسوخة نسخها تحريم الخمر. ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ قال: ذكر الله نعمته في السكر قبل تحريم الخمر ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن منصور وعوف، عن الحسن، قال السكر: ما حرم الله منه، والرزق: ما أحلّ الله منه. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن الحسن، قال: الرزق الحسن: الحلال، والسَّكَر: الحرام. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة، عن الضحاك، قال: الرزق الحسن: الحلال، والسَّكَر: الحرام. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن أبي كدينة يحيى بن المهلب، عن ليث، عن مجاهد قال: السَّكر: الخمر، والرزق الحسن، الرُّطب والأعناب. ⁕ حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ قال: هي الخمر قبل أن تحرّم. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ قال: الخمر قبل تحريمها، ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ قال: طعاما. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بنحوه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ أما السَّكَر: فخمور هذه الأعاجم، وأما الرزق الحسن: فما تنتبذون، وما تُخَلِّلون، وما تأكلون، ونزلت هذه الآية ولم تحرّم الخمر يومئذ، وإنما جاء تحريمها بعد ذلك في سورة المائدة. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة بن سليمان، قال: قرأت على ابن أبي عُذرة، قال: هكذا سمعت قتادة ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ ثم ذكر نحو حديث بشر. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿سَكَرًا﴾ قال: هي خمور الأعاجم، ونُسِخت في سورة المائدة، والرزق الحسن قال: ما تنتبذون وتُخَلِّلون وتأكلون. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ وذلك أن الناس كانوا يسمُّون الخمر سكرا، وكانوا يشربونها، قال ابن عباس [[قوله: قال ابن عباس إلى يرجعوا منه. كذا في النسخ. وهو كالمقحم وسط الكلام، وقد أسقطه السيوطي من الدر المنثور حين روى هذا الحديث.]] مرّ رجال بوادي السكران الذي كانت قريش تجتمع فيه، إذا تَلَقَّوا مسافريهم إذا جاءوا من الشام، وانطلقوا معهم يشيعونهم حتى يبلغوا وادي السكران ثم يرجعوا منه، ثم سماها الله بعد ذلك الخمر حين حرمت، وقد كان ابن عباس يزعم أنها الخمر، وكان يزعم أن الحبشة يسمون الخلّ السَّكَر. * * قوله ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ يعني بذلك: الحلال التمر والزبيب، وما كان حلالا لا يسكر. وقال آخرون: السَّكَر بمنزلة الخمر في التحريم، وليس بخمر، وقالوا: هو نقيع التمر والزبيب إذا اشتدّ وصار يُسْكِر شاربه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو، في قوله ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ قال ابن عباس: كان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر والسكر حرام مثل الخمر؛ وأما الحلال منه، فالزبيب والتمر والخل ونحوه. ⁕ حدثني المثنى، وعلي بن داود، قالا ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ فحرّم الله بعد ذلك، يعني بعد ما أنزل في سورة البقرة من ذكر الخمر، والميسر والأنصاب والأزلام، السَّكَر مع تحريم الخمر لأنه منه، قال ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ فهو الحلال من الخلّ والنبيذ، وأشباه ذلك، فأقرّه الله وجعله حلالا للمسلمين. ⁕ حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن موسى، قال: سألت مرّة عن السَّكَر، فقال: قال عبد الله: هو خمر. ⁕ حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي فروة، عن أبي عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: السَّكَر: خمر. ⁕ حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن أبي الهيثم، عن إبراهيم، قال: السَّكَر: خمر. ⁕ حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا حسن بن صالح، عن مغيرة، عن إبراهيم وأبي رزين، قالا السَّكَر: خمر. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ يعني: ما أسكر من العنب والتمر ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ يعني: ثمرتها. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ قال: الحلال ما كان على وجه الحلال حتى غيروها فجعلوا منها سَكَرا. وقال آخرون: السَّكَر: هو كلّ ما كان حلالا شربه، كالنبيذ الحلال والخلّ والرطَب. والرزق الحسن: التمر والزبيب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني داود الواسطيّ، قال: ثنا أبو أسامة، قال أبو رَوْق: ثني قال: قلت للشعبيّ: أرأيت قوله تعالى ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ أهو هذا السكر الذي تصنعه النَّبَط؟ قال: لا هذا خمر، إنما السَّكَر الذي قال الله تعالى ذكره: النبيذ والخلّ والرزق الحسن: التمر والزبيب. ⁕ حدثني يحيى بن داود، قال: ثنا أبو أسامة، قال: وذكر مجالد، عن عامر، نحوه. ⁕ حدثني أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا مندل، عن ليث، عن مجاهد ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ قال: ما كانوا يتخذون من النخل النَّبيذ، والرزق الحسن: ما كانوا يصنعون من الزبيب والتمر. ⁕ حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا مندل، عن أبي رَوْق، عن الشعبيّ، قال: قلت له: ما تتخذون منه سَكَرا؟ قال: كانوا يصنعون من النبيذ والخلّ قلت: والرزق الحسن؟ قال: كانوا يصنعون من التمر والزبيب. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة وأحمد بن بشير، عن مجالد، عن الشعبيّ، قال: السَّكَر: النبيذ والرزق الحسن: التمر الذي كان يؤكل، وعلى هذا التأويل، الآية غير منسوخة، بل حكمها ثابت. وهذا التأويل عندي هو أولى الأقوال بتأويل هذه الآية، وذلك أن السَّكَر في كلام العرب على أحد أوجه أربعة: أحدها: ما أسكر من الشراب. والثاني: ما طُعِم من الطعام، كما قال الشاعر: جَعَلْتُ عَيْبَ الأكْرَمِينَ سَكَرَا [[تقدم الكلام على هذا الشاهد في صفحة ١٣ من هذا الجزء. وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن (١: ٣٦٣) عند قوله تعالى: "تتخذون منه سكرا": أي طعما، وهذا له سكر: أي طعم. وقال جندل "جعلت عيب الأكرمين من سكرا". قال: وله موضع آخر، مجازه سكنا. وروايته البيت في اللسان: جَعَلْتَ أعْرَاضَ الكَرامِ سَكَرَا أي جعلت ذمهم طعما لك.]] أي طعما. والثالث: السُّكُون، من قول الشاعر: جَعَلْتُ عَيْنَ الحَرُورِ تَسْكُرُ [[تقدم الكلام على هذا الشاهد في صفحة؟ من هذا الجزء واستشهد به أبو عبيدة في مجاز القرآن (١: = ٣٦٣) بعد الشاهد السابق، وعطفه عليه بقوله: وقال: جاء الشتاء واجتأل القنبر ... وجعلت عين الحرور تسكر أي يكسن حرها ويخبو. ويقال: ليلة ساكرة: أي ساكنة. وقال: تريد الليالي في طولها ... وليست بطلق ولا ساكرة ويروي: تزيد ليالي في طولها. أهـ. وفي (اللسان: سكر) : تزاد.]] وقد بيَّنا ذلك فيما مضى. والرابع: المصدر من قولهم: سَكَر فلان يَسْكَر سُكْرا وسَكْرا وسَكَرا، فإذا كان ذلك كذلك، وكان ما يُسْكِر من الشراب حراما بما قد دللنا عليه في كتابنا المسمى: "لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام" وكان غير جائز لنا أن نقول: هو منسوخ، إذ كان المنسوخ هو ما نفى حكمه الناسخ، وما لا يجوز اجتماع الحكم به وناسخه، ولم يكن في حكم الله تعالى ذكره بتحريم الخمر دليل على أن السَّكَر الذي هو غير الخمر، وغير ما يسكر من الشراب، حرام، إذ كان السكر أحد معانيه عند العرب، ومن نزل بلسانه القرآن هو كلّ ما طعم، ولم يكن مع ذلك، إذ لم يكن في نفس التنزيل دليل على أنه منسوخ، أو ورد بأنه منسوخ خبر من الرسول، ولا أجمعت عليه الأمة، فوجب القول بما قلنا من أن معنى السَّكَر في هذا الموضع: هو كلّ ما حلّ شربه، مما يتخذ من ثمر النخل والكرم، وفسد أن يكون معناه الخمر أو ما يسكر من الشراب، وخرج من أن يكون معناه السَّكَر نفسه، إذ كان السَّكَر ليس مما يتخذ من النَّخْل والكَرْم، ومن أن يكون بمعنى السكون. * * وقوله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يقول: فيما إن وصفنا لكم من نعمنا التي آتيناكم أيها الناس من الأنعام والنخل والكرم، لدلالة واضحة وآية بينة لقوم يعقلون عن الله حججه، ويفهمون عنه مواعظه، فيتعظون بها.

Al-Mukhtasar (français)

Vous trouverez également des enseignements dans les fruits des palmiers et des vignes à partir desquels vous fabriquez une boisson enivrante qui embrume la raison, ce qui est une utilisation impropre de ces bienfaits. D’un autre côté, vous transformez ces fruits en une bonne subsistance comme lorsque vous en faites des dattes séchées, du raisin sec, du vinaigre et de la mélasse. Ces fruits et leurs utilisations sont des indices du pouvoir d’Allah et de Sa faculté à octroyer des bienfaits, adressés à des gens doués de raison puisque ce sont eux qui en déduisent des enseignements.

68

وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًۭا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ

[Et voilà] ce que ton Seigneur révéla aux abeilles: «Prenez des demeures dans les montagnes, les arbres, et les treillages que [les hommes] font.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

الْمُرَادُ بِالْوَحْيِ هَاهُنَا: الْإِلْهَامُ وَالْهِدَايَةُ وَالْإِرْشَادُ إِلَى النَّحْلِ أَنْ تَتَّخِذَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا تَأْوِي إِلَيْهَا، وَمِنَ الشَّجَرِ، وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ هِيَ مُحْكَمَةٌ فِي غَايَةِ الْإِتْقَانِ فِي تَسْدِيسِهَا وَرَصِّهَا، بِحَيْثُ لَا يَكُونُ بَيْنَهَا خلَل. ثُمَّ أَذِنَ لَهَا تَعَالَى إِذْنًا قَدَرِيًّا تَسْخِيرِيًّا أَنْ تَأْكُلَ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ، وَأَنْ تَسْلُكَ الطُّرُقَ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهَا مُذَلَّلَةً، أَيْ: سَهْلَةً عَلَيْهَا حَيْثُ شَاءَتْ فِي هَذَا الْجَوِّ الْعَظِيمِ وَالْبَرَارِي الشَّاسِعَةِ، وَالْأَوْدِيَةِ وَالْجِبَالِ الشَّاهِقَةِ، ثُمَّ تَعُودُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا إِلَى مَوْضِعِهَا وَبَيْتِهَا، لَا تَحِيدُ عَنْهُ يُمْنَةً وَلَا يُسْرَةً، بَلْ إِلَى بَيْتِهَا وَمَا لَهَا فِيهِ مِنْ فِرَاخٍ وَعَسَلٍ، فَتَبْنِي الشَّمْعَ مِنْ أَجْنِحَتِهَا، وَتَقِيءُ الْعَسَلَ مِنْ فِيهَا [[في ت: "فمها".]] وَتَبِيضُ الْفِرَاخَ مِنْ دُبُرِهَا، ثُمَّ تُصْبِحُ إِلَى مَرَاعِيهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا﴾ أَيْ: مُطِيعَةً. فَجَعَلَاهُ حَالًا مِنَ السَّالِكَةِ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَهُوَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢] قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَنْقُلُونَ النَّحْلَ [[في ت، ف، أ: "ينتقلون بالنحل".]] مِنْ بُيُوتِهِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَهُوَ يَصْحَبُهُمْ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الطَّرِيقِ، أَيْ: فَاسْلُكِيهَا مذلَّلةً لَكِ، نَصَّ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كِلَا الْقَوْلَيْنِ صَحِيحٌ [[في ت، ف: "متجه".]] . وَقَدْ قَالَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخ، حَدَّثَنَا سُكَيْن [[في ت، ف: "مسكين".]] بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "عُمْرُ الذُّبَابِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَالذُّبَابُ كُلُّهُ فِي النَّارِ إِلَّا النَّحْلَ" [[مسند أبي يعلى (٧/٢٣١) وحسنه البوصيري كما في حاشية المطالب العالية (٢/ ٢٩٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ أَيْ: مَا بَيْنَ أَبْيَضَ وَأَصْفَرَ وَأَحْمَرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْوَانِ الْحَسَنَةِ، عَلَى اخْتِلَافِ مَرَاعِيهَا وَمَأْكَلِهَا مِنْهَا [[في أ: "منه".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ أَيْ: فِي الْعَسَلِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ مِنْ أَدْوَاءٍ تَعْرِضُ لَهُمْ. قَالَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الطِّبِّ النَّبَوِيِّ: لَوْ قَالَ فِيهِ: "الشِّفَاءُ لِلنَّاسِ" لَكَانَ دَوَاءً لِكُلِّ دَاءٍ، وَلَكِنْ قَالَ ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ أَيْ: يَصْلُحُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ أَدْوَاءٍ بَارِدَةٍ، فَإِنَّهُ حَارٌّ، وَالشَّيْءُ يُدَاوَى بِضِدِّهِ. وَقَالَ مُجَاهِدُ بْنُ جَبْر [[في أ: "جبير".]] فِي قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ. وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الظَّاهِرُ هَاهُنَا مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ؛ فَإِنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا ذَكَرَ فِيهَا الْعَسَلَ، وَلَمْ يُتَابَعْ مُجَاهِدٌ عَلَى قَوْلِهِ هَاهُنَا، وَإِنَّمَا الَّذِي قَالَهُ ذَكَرُوهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الْآيَةَ [الْإِسْرَاءِ: ٨٢] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يُونُسَ: ٥٧] . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ هُوَ الْعَسَلُ -الحديثُ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا [[في ف: "صحيحيهما".]] مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَخِي استَطْلَق بطنُه. فَقَالَ: "اسْقِهِ عَسَلًا". فَسَقَاهُ عَسَلًا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَقَيْتُهُ عَسَلًا فَمَا زَادَهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا! قَالَ: "اذْهَبْ فَاسْقِهِ عَسَلًا". فَذَهَبَ فَسَقَاهُ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا زَادَهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا! فقال رسول اللَّهِ ﷺ: "صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ! اذْهَبْ فَاسْقِهِ عَسَلًا". فَذَهَبَ فَسَقَاهُ فَبَرِئَ [[صحيح البخاري برقم (٥٧١٦) وصحيح مسلم برقم (٢٢١٧) .]] . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالطِّبِّ: كَانَ هَذَا الرَّجُلُ عِنْدَهُ فَضَلَاتٌ، فَلَمَّا سَقَاهُ عَسَلًا وَهُوَ حَارٌّ تَحَلَّلَتْ، فَأَسْرَعَتْ فِي الِانْدِفَاعِ، فَزَادَ إِسْهَالُهُ، فَاعْتَقَدَ [[في ف: "واعتقد".]] الْأَعْرَابِيُّ أَنَّ هَذَا يَضُرُّهُ وَهُوَ مَصْلَحَةٌ لِأَخِيهِ، ثُمَّ سَقَاهُ فَازْدَادَ التَّحْلِيلُ وَالدَّفْعُ، ثُمَّ سَقَاهُ فَكَذَلِكَ، فَلَمَّا انْدَفَعَتِ الْفَضَلَاتُ الْفَاسِدَةُ الْمُضِرَّةُ بِالْبَدَنِ اسْتَمْسَكَ بَطْنُهُ، وَصَلُحَ مِزَاجُهُ، وَانْدَفَعَتِ الْأَسْقَامُ وَالْآلَامُ بِبَرَكَةِ إِشَارَتِهِ، عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ [[انظر: زاد المعاد لابن القيم (٤/٣٣-٣٦) وفتح الباري لابن حجر (١٠/١٦٩، ١٧٠) .]] . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ. هَذَا [[في ف: "وهذا".]] لَفْظُ الْبُخَارِيِّ [[صحيح البخاري برقم (٥٦٨٢) وصحيح مسلم برقم (١٤٧٤) .]] . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: مِنْ حَدِيثِ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي شَرْطةِ مِحْجَم، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ" [[صحيح البخاري برقم (٥٦٨٠، ٥٦٨١) .]] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الغَسِيل، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ، أَوْ يكونُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ: فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَم، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ تُوَافِقُ الدَّاءَ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ". وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ جَابِرٍ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٥٦٨٣) وصحيح مسلم برقم (٢٢٠٥) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجُهَني قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "ثَلَاثٌ إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ شِفَاءٌ: فشَرْطة مِحْجَم، أَوْ شَرْبَةُ عَسَلٍ، أَوْ كيَّة تُصِيبُ أَلَمًا، وَأَنَا أَكْرَهُ الْكَيَّ وَلَا أُحِبُّهُ" [[المسند (٤/١٤٦) .]] . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ هَارُونَ بْنِ مَلّول [[في هـ، ف: "مملول" وفي أ: "سلول" والمثبت من المعجم للطبراني.]] الْمِصْرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئِ، [عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ] [[زيادة من المعجم الكبير للطبراني.]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ، بِهِ. وَلَفَظُهُ: "إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ شِفَاءٌ: فَشَرْطَةُ مِحْجَمٍ" ... وَذَكَرَهُ [[المعجم الكبير (١٧/١٨٨) والمعجم الأوسط برقم (٩٣٣٥) ومجمع البحرين برقم (٤١٦٥) . تنبيه: وقع في المعجم الأوسط عن أبي عبد الرحمن المقري، عن سعيد بن أبي أيوب، عن عبد الله بن الوليد به، وقال: "لم يروه عن عبد الله بن الوليد إلا سعيد" وقد رايته في المعجم الكبير رواه عنه شريح، فلا أدري هل هو خطأ أم لا؟ والله أعلم.]] وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ [[في ت، ف: "يزيد".]] بْنِ مَاجَهْ الْقَزْوِينِيُّ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا علي بن سلمة -هُوَ اللَّبَقِيُّ-حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "عَلَيْكُمْ بِالشِّفَاءَيْنِ: الْعَسَلُ وَالْقُرْآنُ" [[سنن ابن ماجه رقم (٣٤٥٢) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، تَفَرَّدَ بِإِخْرَاجِهِ ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيع، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُفْيَانَ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-بِهِ مَوْقُوفًا [[تفسير الطبري (١٤/ ٩٤) وقال الدارقطني في العلل: "الموقوف أصح".]] : وَلَهو [[في ت، ف: "وهو".]] أَشْبَهُ. وَرُوِّينَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمُ الشِّفَاءَ فَلْيَكْتُبْ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي صَحْفَة، وَلْيَغْسِلْهَا بِمَاءِ السَّمَاءِ، وَلْيَأْخُذْ مِنِ امْرَأَتِهِ دِرْهَمًا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهَا، فَلْيَشْتَرِ بِهِ عَسَلًا فَلْيَشْرَبْهُ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ شِفَاءٌ [[قال ابن حجر في الفتح (١٠/ ١٧٠) : "أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير بسند حسن".]] . أَيْ: مِنْ وُجُوهٍ، قَالَ اللَّهُ: ﴿وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٨٢] وَقَالَ: ﴿وَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩] وَقَالَ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النِّسَاءِ: ٤] ، وَقَالَ فِي الْعَسَلِ: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خِدَاش، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَاشِمِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ لَعِق الْعَسَلَ ثَلَاثَ غَدَوَاتٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ لَمْ يُصِبْهُ عَظِيمٌ مِنَ الْبَلَاءِ" [[سنن ابن ماجة برقم (٣٤٥٠) وهو منقطع أيضًا، عبد الحميد بن سالم لم يسمعه من أبي هريرة.]] . الزُّبَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ مَتْرُوكٌ. وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ سَرْح الْفِرْيَابِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ [[في ف: "بكير".]] السَّكْسَكي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عبَلة. سمعت أبا أبي ابن أُمِّ حَرَام -وَكَانَ قَدْ صَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ-يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "عَلَيْكُمْ بالسَّنَى والسَّنُّوت، فَإِنَّ فِيهِمَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا السَّامُ؟ قَالَ: "الْمَوْتُ". قَالَ عَمْرٌو: قَالَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: "السَّنُّوت": الشِّبْتُ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ الْعَسَلُ الَّذِي [يَكُونُ] [[زيادة من ت، ف، أ، وسنن ابن ماجة.]] فِي زِقَاق السَّمْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّاعِرِ: هُمُ السَّمْنُ بالسَّنُّوت لَا ألْسَ فِيهِمْ ... وَهُمْ يَمنَعُونَ الجارَ أنْ يُقَرَّدا ... كَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ [[سنن ابن ماجه برقم (٣٤٥٧) وقال البوصيري في الزوائد (٣/١٢٣) : "إسناده ضعيف" ثم أعله بعمرو السكسكي.]] . وَقَوْلُهُ: "لَا ألْسَ فِيهِمْ" أَيْ: لَا خَلْطَ. وَقَوْلُهُ: "يَمْنَعُونَ الْجَارَ أَنْ يقَرَّدا"، [أَيْ يُضْطَهَدَ وَيُظْلَمَ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أَيْ: إِنَّ فِي إِلْهَامِ اللَّهِ لِهَذِهِ الدَّوَابِّ الضَّعِيفَةِ الْخِلْقَةِ إِلَى السُّلُوكِ فِي هَذِهِ الْمَهَامَةِ وَالِاجْتِنَاءِ مِنْ سَائِرِ الثِّمَارِ، ثُمَّ جَمْعِهَا للشمع والعسل، وهو من أطيب الْأَشْيَاءِ، ﴿لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فِي عَظَمَةِ خَالِقِهَا وَمُقَدِّرِهَا وَمُسَخِّرِهَا وَمُيَسِّرِهَا، فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ [الْفَاعِلُ] [[زيادة من ف، أ.]] الْقَادِرُ، الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ، الْكَرِيمُ الرَّحِيمُ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: وألهم ربك يا محمد النحل إيحاء إليها (أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) يعني: مما يبنون من السقوف، فرفعوها بالبناء. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا مروان، عن إسحاق التميمي، وهو ابن أبي الصباح، عن رجل، عن مجاهد ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ قال: ألهمها إلهاما. ⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: بلغني، في قوله ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ قال: قذف في أنفسها. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو سفيان، عن معمر، عن أصحابه، قوله ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ قال: قذف في أنفسها أن اتخذي من الجبال بيوتًا. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ ... الآية، قال: أمرها أن تأكل من الثمرات، وأمرها أن تتبع سبل ربها ذللا. وقد بيَّنا معنى الإيحاء واختلاف المختلفين فيه فيما مضى بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، وكذلك معنى قوله ﴿يَعْرِشُونَ﴾ وكان ابن زيد يقول في معنى يعرشون، ما:- ⁕ حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿يَعْرِشُونَ﴾ قال: الكَرْم.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, ton Seigneur a inspiré ce qui suit aux abeilles: Fabriquez des demeures dans les montagnes, dans les arbres et dans les toits des constructions humaines.

69

ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًۭا ۚ يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٌۭ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

Puis mangez de toute espèce de fruits, et suivez les sentiers de votre Seigneur, rendus faciles pour vous. De leur ventre, sort une liqueur, aux couleurs variées, dans laquelle il y a une guérison pour les gens. Il y a vraiment là une preuve pour des gens qui réfléchissent.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

الْمُرَادُ بِالْوَحْيِ هَاهُنَا: الْإِلْهَامُ وَالْهِدَايَةُ وَالْإِرْشَادُ إِلَى النَّحْلِ أَنْ تَتَّخِذَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا تَأْوِي إِلَيْهَا، وَمِنَ الشَّجَرِ، وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ هِيَ مُحْكَمَةٌ فِي غَايَةِ الْإِتْقَانِ فِي تَسْدِيسِهَا وَرَصِّهَا، بِحَيْثُ لَا يَكُونُ بَيْنَهَا خلَل. ثُمَّ أَذِنَ لَهَا تَعَالَى إِذْنًا قَدَرِيًّا تَسْخِيرِيًّا أَنْ تَأْكُلَ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ، وَأَنْ تَسْلُكَ الطُّرُقَ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهَا مُذَلَّلَةً، أَيْ: سَهْلَةً عَلَيْهَا حَيْثُ شَاءَتْ فِي هَذَا الْجَوِّ الْعَظِيمِ وَالْبَرَارِي الشَّاسِعَةِ، وَالْأَوْدِيَةِ وَالْجِبَالِ الشَّاهِقَةِ، ثُمَّ تَعُودُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا إِلَى مَوْضِعِهَا وَبَيْتِهَا، لَا تَحِيدُ عَنْهُ يُمْنَةً وَلَا يُسْرَةً، بَلْ إِلَى بَيْتِهَا وَمَا لَهَا فِيهِ مِنْ فِرَاخٍ وَعَسَلٍ، فَتَبْنِي الشَّمْعَ مِنْ أَجْنِحَتِهَا، وَتَقِيءُ الْعَسَلَ مِنْ فِيهَا [[في ت: "فمها".]] وَتَبِيضُ الْفِرَاخَ مِنْ دُبُرِهَا، ثُمَّ تُصْبِحُ إِلَى مَرَاعِيهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا﴾ أَيْ: مُطِيعَةً. فَجَعَلَاهُ حَالًا مِنَ السَّالِكَةِ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَهُوَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢] قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَنْقُلُونَ النَّحْلَ [[في ت، ف، أ: "ينتقلون بالنحل".]] مِنْ بُيُوتِهِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَهُوَ يَصْحَبُهُمْ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الطَّرِيقِ، أَيْ: فَاسْلُكِيهَا مذلَّلةً لَكِ، نَصَّ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كِلَا الْقَوْلَيْنِ صَحِيحٌ [[في ت، ف: "متجه".]] . وَقَدْ قَالَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخ، حَدَّثَنَا سُكَيْن [[في ت، ف: "مسكين".]] بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "عُمْرُ الذُّبَابِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَالذُّبَابُ كُلُّهُ فِي النَّارِ إِلَّا النَّحْلَ" [[مسند أبي يعلى (٧/٢٣١) وحسنه البوصيري كما في حاشية المطالب العالية (٢/ ٢٩٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ أَيْ: مَا بَيْنَ أَبْيَضَ وَأَصْفَرَ وَأَحْمَرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْوَانِ الْحَسَنَةِ، عَلَى اخْتِلَافِ مَرَاعِيهَا وَمَأْكَلِهَا مِنْهَا [[في أ: "منه".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ أَيْ: فِي الْعَسَلِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ مِنْ أَدْوَاءٍ تَعْرِضُ لَهُمْ. قَالَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الطِّبِّ النَّبَوِيِّ: لَوْ قَالَ فِيهِ: "الشِّفَاءُ لِلنَّاسِ" لَكَانَ دَوَاءً لِكُلِّ دَاءٍ، وَلَكِنْ قَالَ ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ أَيْ: يَصْلُحُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ أَدْوَاءٍ بَارِدَةٍ، فَإِنَّهُ حَارٌّ، وَالشَّيْءُ يُدَاوَى بِضِدِّهِ. وَقَالَ مُجَاهِدُ بْنُ جَبْر [[في أ: "جبير".]] فِي قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ. وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الظَّاهِرُ هَاهُنَا مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ؛ فَإِنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا ذَكَرَ فِيهَا الْعَسَلَ، وَلَمْ يُتَابَعْ مُجَاهِدٌ عَلَى قَوْلِهِ هَاهُنَا، وَإِنَّمَا الَّذِي قَالَهُ ذَكَرُوهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الْآيَةَ [الْإِسْرَاءِ: ٨٢] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يُونُسَ: ٥٧] . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ هُوَ الْعَسَلُ -الحديثُ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا [[في ف: "صحيحيهما".]] مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَخِي استَطْلَق بطنُه. فَقَالَ: "اسْقِهِ عَسَلًا". فَسَقَاهُ عَسَلًا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَقَيْتُهُ عَسَلًا فَمَا زَادَهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا! قَالَ: "اذْهَبْ فَاسْقِهِ عَسَلًا". فَذَهَبَ فَسَقَاهُ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا زَادَهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا! فقال رسول اللَّهِ ﷺ: "صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ! اذْهَبْ فَاسْقِهِ عَسَلًا". فَذَهَبَ فَسَقَاهُ فَبَرِئَ [[صحيح البخاري برقم (٥٧١٦) وصحيح مسلم برقم (٢٢١٧) .]] . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالطِّبِّ: كَانَ هَذَا الرَّجُلُ عِنْدَهُ فَضَلَاتٌ، فَلَمَّا سَقَاهُ عَسَلًا وَهُوَ حَارٌّ تَحَلَّلَتْ، فَأَسْرَعَتْ فِي الِانْدِفَاعِ، فَزَادَ إِسْهَالُهُ، فَاعْتَقَدَ [[في ف: "واعتقد".]] الْأَعْرَابِيُّ أَنَّ هَذَا يَضُرُّهُ وَهُوَ مَصْلَحَةٌ لِأَخِيهِ، ثُمَّ سَقَاهُ فَازْدَادَ التَّحْلِيلُ وَالدَّفْعُ، ثُمَّ سَقَاهُ فَكَذَلِكَ، فَلَمَّا انْدَفَعَتِ الْفَضَلَاتُ الْفَاسِدَةُ الْمُضِرَّةُ بِالْبَدَنِ اسْتَمْسَكَ بَطْنُهُ، وَصَلُحَ مِزَاجُهُ، وَانْدَفَعَتِ الْأَسْقَامُ وَالْآلَامُ بِبَرَكَةِ إِشَارَتِهِ، عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ [[انظر: زاد المعاد لابن القيم (٤/٣٣-٣٦) وفتح الباري لابن حجر (١٠/١٦٩، ١٧٠) .]] . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ. هَذَا [[في ف: "وهذا".]] لَفْظُ الْبُخَارِيِّ [[صحيح البخاري برقم (٥٦٨٢) وصحيح مسلم برقم (١٤٧٤) .]] . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: مِنْ حَدِيثِ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي شَرْطةِ مِحْجَم، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ" [[صحيح البخاري برقم (٥٦٨٠، ٥٦٨١) .]] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الغَسِيل، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ، أَوْ يكونُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ: فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَم، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ تُوَافِقُ الدَّاءَ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ". وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ جَابِرٍ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٥٦٨٣) وصحيح مسلم برقم (٢٢٠٥) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجُهَني قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "ثَلَاثٌ إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ شِفَاءٌ: فشَرْطة مِحْجَم، أَوْ شَرْبَةُ عَسَلٍ، أَوْ كيَّة تُصِيبُ أَلَمًا، وَأَنَا أَكْرَهُ الْكَيَّ وَلَا أُحِبُّهُ" [[المسند (٤/١٤٦) .]] . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ هَارُونَ بْنِ مَلّول [[في هـ، ف: "مملول" وفي أ: "سلول" والمثبت من المعجم للطبراني.]] الْمِصْرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئِ، [عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ] [[زيادة من المعجم الكبير للطبراني.]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ، بِهِ. وَلَفَظُهُ: "إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ شِفَاءٌ: فَشَرْطَةُ مِحْجَمٍ" ... وَذَكَرَهُ [[المعجم الكبير (١٧/١٨٨) والمعجم الأوسط برقم (٩٣٣٥) ومجمع البحرين برقم (٤١٦٥) . تنبيه: وقع في المعجم الأوسط عن أبي عبد الرحمن المقري، عن سعيد بن أبي أيوب، عن عبد الله بن الوليد به، وقال: "لم يروه عن عبد الله بن الوليد إلا سعيد" وقد رايته في المعجم الكبير رواه عنه شريح، فلا أدري هل هو خطأ أم لا؟ والله أعلم.]] وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ [[في ت، ف: "يزيد".]] بْنِ مَاجَهْ الْقَزْوِينِيُّ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا علي بن سلمة -هُوَ اللَّبَقِيُّ-حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "عَلَيْكُمْ بِالشِّفَاءَيْنِ: الْعَسَلُ وَالْقُرْآنُ" [[سنن ابن ماجه رقم (٣٤٥٢) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، تَفَرَّدَ بِإِخْرَاجِهِ ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيع، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُفْيَانَ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-بِهِ مَوْقُوفًا [[تفسير الطبري (١٤/ ٩٤) وقال الدارقطني في العلل: "الموقوف أصح".]] : وَلَهو [[في ت، ف: "وهو".]] أَشْبَهُ. وَرُوِّينَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمُ الشِّفَاءَ فَلْيَكْتُبْ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي صَحْفَة، وَلْيَغْسِلْهَا بِمَاءِ السَّمَاءِ، وَلْيَأْخُذْ مِنِ امْرَأَتِهِ دِرْهَمًا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهَا، فَلْيَشْتَرِ بِهِ عَسَلًا فَلْيَشْرَبْهُ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ شِفَاءٌ [[قال ابن حجر في الفتح (١٠/ ١٧٠) : "أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير بسند حسن".]] . أَيْ: مِنْ وُجُوهٍ، قَالَ اللَّهُ: ﴿وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٨٢] وَقَالَ: ﴿وَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩] وَقَالَ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النِّسَاءِ: ٤] ، وَقَالَ فِي الْعَسَلِ: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خِدَاش، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَاشِمِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ لَعِق الْعَسَلَ ثَلَاثَ غَدَوَاتٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ لَمْ يُصِبْهُ عَظِيمٌ مِنَ الْبَلَاءِ" [[سنن ابن ماجة برقم (٣٤٥٠) وهو منقطع أيضًا، عبد الحميد بن سالم لم يسمعه من أبي هريرة.]] . الزُّبَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ مَتْرُوكٌ. وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ سَرْح الْفِرْيَابِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ [[في ف: "بكير".]] السَّكْسَكي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عبَلة. سمعت أبا أبي ابن أُمِّ حَرَام -وَكَانَ قَدْ صَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ-يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "عَلَيْكُمْ بالسَّنَى والسَّنُّوت، فَإِنَّ فِيهِمَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا السَّامُ؟ قَالَ: "الْمَوْتُ". قَالَ عَمْرٌو: قَالَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: "السَّنُّوت": الشِّبْتُ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ الْعَسَلُ الَّذِي [يَكُونُ] [[زيادة من ت، ف، أ، وسنن ابن ماجة.]] فِي زِقَاق السَّمْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّاعِرِ: هُمُ السَّمْنُ بالسَّنُّوت لَا ألْسَ فِيهِمْ ... وَهُمْ يَمنَعُونَ الجارَ أنْ يُقَرَّدا ... كَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ [[سنن ابن ماجه برقم (٣٤٥٧) وقال البوصيري في الزوائد (٣/١٢٣) : "إسناده ضعيف" ثم أعله بعمرو السكسكي.]] . وَقَوْلُهُ: "لَا ألْسَ فِيهِمْ" أَيْ: لَا خَلْطَ. وَقَوْلُهُ: "يَمْنَعُونَ الْجَارَ أَنْ يقَرَّدا"، [أَيْ يُضْطَهَدَ وَيُظْلَمَ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أَيْ: إِنَّ فِي إِلْهَامِ اللَّهِ لِهَذِهِ الدَّوَابِّ الضَّعِيفَةِ الْخِلْقَةِ إِلَى السُّلُوكِ فِي هَذِهِ الْمَهَامَةِ وَالِاجْتِنَاءِ مِنْ سَائِرِ الثِّمَارِ، ثُمَّ جَمْعِهَا للشمع والعسل، وهو من أطيب الْأَشْيَاءِ، ﴿لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فِي عَظَمَةِ خَالِقِهَا وَمُقَدِّرِهَا وَمُسَخِّرِهَا وَمُيَسِّرِهَا، فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ [الْفَاعِلُ] [[زيادة من ف، أ.]] الْقَادِرُ، الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ، الْكَرِيمُ الرَّحِيمُ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم كلي أيتها النحل من الثمرات، ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ يقول: فاسلكي طرق ربك ﴿ذُلُلا﴾ يقول: مُذَلَّلة لك، والذُّلُل: جمع ذَلُول. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا﴾ قال: لا يتوعَّر عليها مكان سلكته. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا﴾ قال: طُرُقا ذُلُلا قال: لا يتوعَّر عليها مكان سلكته. وعلى هذا التأويل الذي تأوّله مجاهد، الذلل من نعت السبل. والتأويل على قوله ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا﴾ الذُّلُل لكِ: لا يتوعر عليكِ سبيل سلكتيه، ثم أسقطت الألف واللام فنصب على الحال. وقال آخرون في ذلك بما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا﴾ : أي مطيعة. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿ذُلُلا﴾ قال: مطيعة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا﴾ قال: الذلول: الذي يُقاد ويُذهب به حيث أراد صاحبه، قال: فهم يخرجون بالنحل ينتجعون بها ويذهبون، وهي تتبعهم. وقرأ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ ... الآية، فعلى هذا القول، الذّلُل من نعت النحل، وكلا القولين غير بعيد من الصواب في الصحة وجهان مخرجان، غير أنا اخترنا أن يكون نعتا للسُّبل لأنها إليها أقرب. * * وقوله ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ يقول تعالى ذكره: يخرج من بطون النحل شراب، وهو العسل، مختلف ألوانه، لأن فيها أبيض وأحمر وأسحر، وغير ذلك من الألوان. قال أبو جعفر: أسحر: ألوان مختلفة مثل أبيض يضرب إلى الحمرة. * * وقوله ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ اختلف أهل التأويل فيما عادت عليه الهاء التي في قوله ﴿فِيهِ﴾ ، فقال بعضهم: عادت على القرآن، وهو المراد بها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا نصر بن عبد الرحمن، قال: ثنا المحاربيّ، عن ليث، عن مجاهد ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ قال: في القرآن شفاء. وقال آخرون: بل أريد بها العسل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ ففيه شفاء كما قال الله تعالى من الأدواء، وقد كان ينهى عن تفريق النحل، وعن قتلها. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ، فذكر أن أخاه اشتكى بطنه، فقال النبيّ ﷺ: اذْهَبْ فاسْقِ أخاكَ عَسَلا ثم جاءه فقال: ما زاده إلا شدة، فقال النبيّ ﷺ: اذْهَبْ فاسْقِ أخاكَ عَسَلا فَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ، فسقاه، فكأنما نُشِط من عِقال". ⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ، فذكر نحوه. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: شفاءان: العسل شفاء من كلّ داء، والقرآن شفاء لما في الصدور. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ العسل. وهذا القول، أعني قول قتادة، أولى بتأويل الآية، لأن قوله) فِيهِ) في سياق الخبر عن العسل فأن تكون الهاء من ذكر العسل، إذ كانت في سياق الخبر عنه أولى من غيره. * * وقوله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: إن في إخراج الله من بطون هذه النحل: الشراب المختلف، الذي هو شفاء للناس، لدلالة وحجة واضحة على من سخَّر النحل وهداها لأكل الثمرات التي تأكل، واتخاذها البيوت التي تنحت من الجبال والشجر والعروش، وأخرج من بطونها ما أخرج من الشفاء للناس، أنه الواحد الذي ليس كمثله شيء، وأنه لا ينبغي أن يكون له شريك ولا تصحّ الألوهة إلا له.

Al-Mukhtasar (français)

Ensuite, mangez de tous les fruits qui vous plaisent et suivez les parcours qu’Allah a mis à votre disposition. Des entrailles de ces abeilles sort un miel aux couleurs variées (blanc, jaune, etc...) dont les gens se servent pour soigner certaines maladies. Ce qui est inspiré aux abeilles et le miel qui sort de leurs entrailles sont des indices du pouvoir d’Allah et de la gestion des affaires de Ses créatures, adressées à des gens qui réfléchissent puisque ce sont eux qui en déduisent des enseignements.

70

وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمْ ۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍۢ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۭ قَدِيرٌۭ

Allah vous a créés! Puis Il vous fera mourir. Tel parmi vous sera reconduit jusqu'à l'âge le plus vil, de sorte qu'après avoir su, il arrive à ne plus rien savoir. Allah est, certes, Omniscient et Omnipotent.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَصَرُّفِهِ فِي عِبَادِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَهُمْ مِنَ الْعَدَمِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَوَفَّاهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتْرُكُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ الهَرَم -وَهُوَ الضَّعْفُ فِي الْخِلْقَةِ-كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الرُّومِ: ٥٤] . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي أَرْذَلِ الْعُمُرِ [قَالَ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً. وَفِي هَذَا السِّنِّ يَحْصُلُ لَهُ ضَعْفُ الْقُوَى وَالْخَرَفُ وَسُوءُ الْحِفْظِ وَقِلَّةُ الْعِلْمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [[في ت: "من بعد" وهو خطأ.]] أي: بعد ما كَانَ عَالِمًا أَصْبَحَ لَا يَدْرِي شَيْئًا مِنَ الفَنَد وَالْخَرَفِ؛ وَلِهَذَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُوسَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْوَرُ، عَنْ شُعَيب، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان يَدْعُو: "أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ وَالْكَسَلِ، وَالْهَرَمِ وَأَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ". وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ هَارُونَ الْأَعْوَرِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٧٠٧) وصحيح مسلم برقم (٢٧٠٦) وليس في الصحيح: "والهرم".]] . وَقَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى فِي مُعَلَّقَتِهِ [[في ف: "قصيدته".]] الْمَشْهُورَةِ: سَئمتُ تَكَاليفَ الحيَاة ومَنْ يعشْ ... ثمانينَ عاما -لا أبَالك-يَسْأم ... رَأيتُ المَنَايا خَبط عَشْواء مَنْ تصِبْ ... تمتْه ومَنْ تُخْطئ يُعَمَّرْ فَيهْرَمِ [[ديوان زهير بن أبي سلمي (ص ٢٩) .]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: والله خلقكم أيها الناس وأوجدكم ولم تكونوا شيئا، لا الآلهة التي تعبدون من دونه، فاعبدوا الذي خلقكم دون غيره ﴿ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يقول: ثم يقبضكم ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ يقول: ومنكم من يهرم فيصير إلى أرذل العمر، وهو أردؤه، يقال منه: رذل الرجل وفسل، يرذل رذالة ورذولة ورذلته أنا. وقيل: إنه يصير كذلك في خمس وسبعين سنة. ⁕ حدثني محمد بن إسماعيل الفزاريّ، قال: أخبرنا محمد بن سَوار، قال: ثنا أسد بن عمران، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نَباتة، عن عليّ، في قوله ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ قال: خمسٌ وسبعون سنة. * * وقوله ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ يقول: إنما نردّه إلى أرذل العمر ليعود جاهلا كما كان في حال طفولته وصباه، بعد علم شيئا: يقول: لئلا يعلم شيئا بعد علم كان يعلمه في شبابه، فذهب ذلك بالكبر ونسى، فلا يعلم منه شيئا، وانسلخ من عقله، فصار من بعد عقل كان له لا يعقل شيئا ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ يقول: إن الله لا ينسى، ولا يتغير علمه، عليم بكلّ ما كان ويكون، قدير على ما شاء لا يجهل شيئا، ولا يُعجزه شيء أراده. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) ﴾ يقول تعالى ذكره: والله أيها الناس فضّل بعضكم على بعض في الرزق الذي رزقكم في الدنيا، فما الذين فضَّلهم الله على غيرهم بما رزقهم ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يقول: بمشركي مماليكِهم فيما رزقهم من الأموال والأزواج. ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ يقول: حتى يستووا هم في ذلك وعبيدهم، يقول تعالى ذكره: فهم لا يرضَون بأن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقتهم سواء، وقد جعلوا عبيدي شركائي في ملكي وسلطاني، وهذا مَثَل ضربه الله تعالى ذكره للمشركين بالله. وقيل: إنما عنى بذلك الذين قالوا: إن المسيح ابن الله من النصارى. * * وقوله ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: أفبنعمة الله التي أنعمها على هؤلاء المشركين من الرزق الذي رزقهم في الدنيا يجحدون بإشراكهم غير الله من خلقه في، سلطانه ومُلكه؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يقول: لم يكونوا يشركون عبيدهم في أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني؟ فذلك قوله ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ . ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: هذه الآية في شأن عيسى ابن مريم، يعني بذلك نفسه، إنما عيسى عبد، فيقول الله: والله ما تشركون عبيدكم في الذي لكم فتكونوا أنتم وهم سواء، فكيف ترضَون لي بما لا ترضون لأنفسكم. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قال: مثل آلهة الباطل مع الله تعالى ذكره. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ وهذا مثل ضربه الله، فهل منكم من أحد شارك مملوكه في زوجته وفي فراشه فتعدلون بالله خلقه وعباده، فإن لم ترض لنفسك هذا، فالله أحقّ أن ينزه منه من نفسك، ولا تعدل بالله أحدا من عباده وخلقه. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قال: هذا الذي فضل في المال والولد، لا يشرك عبده في ماله وزوجته، يقول: قد رضيت بذلك لله ولم ترض به لنفسك، فجعلت لله شريكا في ملكه وخلقه.

Al-Mukhtasar (français)

Allah vous a créés sans modèle préalable puis Il vous fait mourir lorsque la durée de vos vies s'écoule. Certains parmi vous vivent jusqu’à devenir séniles et perdent les connaissances qu’ils avaient auparavant. Allah est Omniscient puisque aucun des agissements de Ses serviteurs ne Lui échappe. Il est aussi Omnipotent car rien ne Lui est impossible.

71

وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ

Allah a favorisé les uns d'entre vous par rapport aux autres dans [la répartition] de Ses dons. Ceux qui ont été favorisés ne sont nullement disposés à donner leur portion à ceux qu'ils possèdent de plein droit [esclaves] au point qu'ils y deviennent associés à part égale. Nieront-ils les bienfaits d'Allah?

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُبَيِّنُ تَعَالَى لِلْمُشْرِكِينَ جَهْلَهُمْ وَكُفْرَهُمْ فِيمَا زَعَمُوهُ [[في ت، ف: "يزعمون".]] لِلَّهِ مِنَ الشُّرَكَاءِ، وَهُمْ يَعْتَرِفُونَ [[في ت، ف، أ: "يعرفون".]] أَنَّهَا عَبِيدٌ لَهُ، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي تَلْبِيَاتِهِمْ فِي حَجِّهِمْ: "لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ". فَقَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: إِنَّكُمْ [[في ت، ف، أ: "أنتم".]] لَا تَرْضَوْنَ أَنْ تُسَاوُوا عَبِيدَكُمْ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ، فَكَيْفَ يَرْضَى هُوَ تَعَالَى بِمُسَاوَاةِ عَبِيدِهِ لَهُ فِي الْإِلَهِيَّةِ وَالتَّعْظِيمِ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [[في ت: "فيما".]] الآية [الروم: ٢٨] . قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: يَقُولُ: لَمْ يَكُونُوا لِيُشْرِكُوا عَبِيدَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ عَبِيدِي مَعِي فِي سُلْطَانِي، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ وَقَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، عَنْهُ: فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ لِي مالا تَرْضَوْنَ [[في ت: "ترضوه".]] لِأَنْفُسِكُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هذا مثل الآلهة الْبَاطِلَةِ [[في ت، ف، أ: "الباطل".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ، فَهَلْ مِنْكُمْ مَنْ أَحَدٍ شَارَكَ [[في ف: "يشارك".]] مَمْلُوكَهُ فِي زَوْجَتِهِ وَفِي فِرَاشِهِ، فَتَعْدِلُونَ بِاللَّهِ خَلْقَهُ وَعِبَادَهُ؟ فَإِنْ لَمْ تَرْضَ لِنَفْسِكَ هَذَا، فَاللَّهُ [[في ف: "فإن الله".]] أَحَقُّ أَنْ يُنَزَّهَ مِنْكَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أَيْ: أَنَّهُمْ جَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا، فَجَحَدُوا نَعَمْتَهُ [[في ف، أ: "بنعمة الله".]] وَأَشْرَكُوا مَعَهُ غَيْرَهُ. وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، هَذِهِ الرِّسَالَةَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: وَاقْنَعْ بِرِزْقِكَ مِنَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الرَّحْمَنَ فَضَّل بَعْضَ عِبَادِهِ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ، بَلْ [[في ت، ف، أ: "بلاء".]] يَبْتَلِي بِهِ كُلًّا فَيَبْتَلِي مَنْ بَسَط لَهُ، كَيْفَ شُكره لِلَّهِ وَأَدَاؤُهُ الْحَقَّ الَّذِي افْتَرَضَ عَلَيْهِ فِيمَا رَزَقَهُ وَخَوَّلَهُ؟ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: والله خلقكم أيها الناس وأوجدكم ولم تكونوا شيئا، لا الآلهة التي تعبدون من دونه، فاعبدوا الذي خلقكم دون غيره ﴿ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يقول: ثم يقبضكم ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ يقول: ومنكم من يهرم فيصير إلى أرذل العمر، وهو أردؤه، يقال منه: رذل الرجل وفسل، يرذل رذالة ورذولة ورذلته أنا. وقيل: إنه يصير كذلك في خمس وسبعين سنة. ⁕ حدثني محمد بن إسماعيل الفزاريّ، قال: أخبرنا محمد بن سَوار، قال: ثنا أسد بن عمران، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نَباتة، عن عليّ، في قوله ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ قال: خمسٌ وسبعون سنة. * * وقوله ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ يقول: إنما نردّه إلى أرذل العمر ليعود جاهلا كما كان في حال طفولته وصباه، بعد علم شيئا: يقول: لئلا يعلم شيئا بعد علم كان يعلمه في شبابه، فذهب ذلك بالكبر ونسى، فلا يعلم منه شيئا، وانسلخ من عقله، فصار من بعد عقل كان له لا يعقل شيئا ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ يقول: إن الله لا ينسى، ولا يتغير علمه، عليم بكلّ ما كان ويكون، قدير على ما شاء لا يجهل شيئا، ولا يُعجزه شيء أراده. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) ﴾ يقول تعالى ذكره: والله أيها الناس فضّل بعضكم على بعض في الرزق الذي رزقكم في الدنيا، فما الذين فضَّلهم الله على غيرهم بما رزقهم ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يقول: بمشركي مماليكِهم فيما رزقهم من الأموال والأزواج. ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ يقول: حتى يستووا هم في ذلك وعبيدهم، يقول تعالى ذكره: فهم لا يرضَون بأن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقتهم سواء، وقد جعلوا عبيدي شركائي في ملكي وسلطاني، وهذا مَثَل ضربه الله تعالى ذكره للمشركين بالله. وقيل: إنما عنى بذلك الذين قالوا: إن المسيح ابن الله من النصارى. * * وقوله ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: أفبنعمة الله التي أنعمها على هؤلاء المشركين من الرزق الذي رزقهم في الدنيا يجحدون بإشراكهم غير الله من خلقه في، سلطانه ومُلكه؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يقول: لم يكونوا يشركون عبيدهم في أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني؟ فذلك قوله ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ . ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: هذه الآية في شأن عيسى ابن مريم، يعني بذلك نفسه، إنما عيسى عبد، فيقول الله: والله ما تشركون عبيدكم في الذي لكم فتكونوا أنتم وهم سواء، فكيف ترضَون لي بما لا ترضون لأنفسكم. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قال: مثل آلهة الباطل مع الله تعالى ذكره. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ وهذا مثل ضربه الله، فهل منكم من أحد شارك مملوكه في زوجته وفي فراشه فتعدلون بالله خلقه وعباده، فإن لم ترض لنفسك هذا، فالله أحقّ أن ينزه منه من نفسك، ولا تعدل بالله أحدا من عباده وخلقه. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قال: هذا الذي فضل في المال والولد، لا يشرك عبده في ماله وزوجته، يقول: قد رضيت بذلك لله ولم ترض به لنفسك، فجعلت لله شريكا في ملكه وخلقه.

Al-Mukhtasar (français)

Allah a favorisé certains d’entre vous par rapport à d’autres dans l’octroi de Sa subsistance. Il fit ainsi de certains des gens riches et d’autres des gens pauvres et fit de certains des chefs et d’autres des gens ordinaires. Ceux qu’Allah a favorisés ne sont pas disposés à céder une part de ce qu’Allah leur a accordé à leurs esclaves et à en faire leurs égaux. Pourquoi imputent-ils donc à Allah des associés parmi Ses serviteurs tandis qu’eux-mêmes refusent que leurs esclaves soient leurs associés et leurs égaux? Comment qualifier cette injustice et quelle ingratitude est plus grave que celle-là?

72

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةًۭ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ ۚ أَفَبِٱلْبَٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ

Allah vous a fait à partir de vous-mêmes des épouses, et de vos épouses Il vous a donné des enfants et des petits-enfants. Et Il vous a attribué de bonnes choses. Croient-ils donc au faux et nient-ils le bienfait d'Allah?

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَذْكُرُ تَعَالَى نِعَمَهُ [[في ف، أ: "نعمته".]] عَلَى عَبِيدِهِ، بِأَنْ جَعَلَ لَهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَزْوَاجًا مِنْ جِنْسِهِمْ وَشِكْلِهِمْ [وَزِيِّهِمْ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] ، وَلَوْ جَعَلَ الْأَزْوَاجَ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ لَمَا حَصَلَ ائْتِلَافٌ وَمَوَدَّةٌ وَرَحْمَةٌ، وَلَكِنْ مِنْ رَحْمَتِهِ خَلَقَ مِنْ بَنِي آدَمَ ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَجَعَلَ الْإِنَاثَ أَزْوَاجًا لِلذُّكُورِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَ مِنَ الْأَزْوَاجِ الْبَنِينَ وَالْحَفَدَةَ، وَهُمْ أَوْلَادُ الْبَنِينَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ. قَالَ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ هُمُ الْوَلَدُ وَوَلَدُ الْوَلَدِ. وَقَالَ سُنَيْد: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَنُوكَ حِينَ يَحْفِدُونَكَ وَيَرْفِدُونَكَ وَيُعِينُونَكَ وَيَخْدِمُونَكَ. قَالَ جَمِيلٌ: حفَد الْوَلَائِدُ حَوْلهُن وأسلمت ... بِأكُفِّهن أزِمَّةَ الأجْمَال [[البيت في تفسير الطبري (١٤/ ٩٨) ونسبه لحميد.]] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ ابْنَهُ وَخَادِمَهُ. وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ: الْحَفَدَةُ: الْأَنْصَارُ وَالْأَعْوَانُ وَالْخُدَّامُ. وَقَالَ طَاوُسٌ: الْحَفَدَةُ: الْخَدَمُ [[في ت: "الخدام".]] وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ: الْحَفَدَةُ: مَنْ خَدَمَك مِنْ وَلَدِكَ وَوَلَدِ وَلَدِكَ [[تفسير عبد الرزاق (١/ ٣٠٩) .]] . قَالَ الضَّحَّاكُ: إِنَّمَا كَانَتِ الْعَرَبُ يَخْدِمُهَا بَنُوهَا. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ يَقُولُ: بَنُو امْرَأَةِ الرَّجُلِ، لَيْسُوا مِنْهُ. وَيُقَالُ: الْحَفَدَةُ: الرَّجُلُ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ، يُقَالُ: فُلَانٌ يَحْفِدُ لَنَا قَالَ: وَيَزْعُمُ [[في ف: "وزعم".]] رِجَالٌ أَنَّ الْحَفَدَةَ أخْتَان الرَّجُلِ. وَهَذَا [الْقَوْلُ] [[زيادة من أ.]] الْأَخِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَمَسْرُوقٌ، وَأَبُو الضُّحى، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعيّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَمُجَاهِدٌ، والقُرَظي. وَرَوَاهُ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُمُ الْأَصْهَارُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا دَاخِلَةٌ فِي مَعْنَى: "الحَفْد" وَهُوَ الْخِدْمَةُ، الَّذِي مِنْهُ قَوْلُهُ فِي الْقُنُوتِ: "وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ"، وَلَمَّا كَانَتِ الْخِدْمَةُ قَدْ تَكُونُ مِنَ الْأَوْلَادِ وَالْأَصْهَارِ وَالْخَدَمِ [[في ت، ف: "والخدم".]] فَالنِّعْمَةُ حَاصِلَةٌ بِهَذَا كُلِّهِ؛ وَلِهَذَا [[في ف: "لهذا".]] قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قُلْتُ: فَمَنْ جَعَلَ ﴿وَحَفَدَةً﴾ مُتَعَلِّقًا بِأَزْوَاجِكُمْ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْأَوْلَادَ، وأولاد الأولاد، والأصها ر؛ لِأَنَّهُمْ أَزْوَاجُ الْبَنَاتِ، وَأَوْلَادُ الزَّوْجَةِ، وَكَمَا قَالَ [[في ت، ف: "قاله".]] الشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ، فَإِنَّهُمْ غَالِبًا يَكُونُونَ تَحْتَ كَنَفِ الرَّجُلِ وَفِي حجْره وَفِي خِدْمَتِهِ. وَقَدْ يَكُونُ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ [عَلَيْهِ الصَّلَاةُ] [[زيادة من ف، أ.]] وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثِ بَصرة بْنِ أَكْثَمَ: "وَالْوَلَدُ عَبْدٌ لَكَ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٢١٣١) .]] . وَأَمَّا مَنْ جَعَلَ الحَفَدة هُمُ الْخَدَمُ فَعِنْدَهُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أَيْ: وَجَعَلَ لَكُمُ الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ [[في أ: "وجعل لكم خدامًا".]] . ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى مَنْ أَشْرَكَ فِي عِبَادَةِ الْمُنْعِمِ غَيْرَهُ: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وَهُمُ [[في ت: "وهو".]] : الْأَصْنَامُ وَالْأَنْدَادُ، ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ أَيْ: يَسْتُرُونَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَيُضِيفُونَهَا إِلَى غَيْرِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ممتنا عليه" ألم أزوجك؟ ألم أُكْرِمْكَ؟ أَلَمْ أُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَأَذَرْكَ ترأس وتَرْبع [[في ت، ف: "وترتع".]] ؟ " [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٩٦٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) ﴾ يقول تعالى ذكره ﴿وَاللَّهُ﴾ الذي ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ يعني أنه خلق من آدم زوجته حوّاء، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ . كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ : أي والله خلق آدم، ثم خلق زوجته منه ثم جعل لكم بنين وحفدة. واختلف أهل التأويل في المعنيين بالحفدة، فقال بعضهم: هم الأختان، أختان الرجل على بناته. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا ثنا أبو معاوية، قال: ثنا أبان بن تغلب، عن المنهال بن عمرو، عن ابن حبيش، عن عبد الله ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قال: الأختان. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، عن عاصم، عن ورقاء سألت عبد الله: ما تقول في الحَفَدَة؟ هم حَشَم الرجل يا أبا عبد الرحمن؟ قال: لا ولكنهم الأختان. ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن؛ وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قالا جميعا: ثنا سفيان، عن عاصم بن بَهْدَلة، عن زِرّ بن حُبَيْش، عن عبد الله، قال: الحَفَدَة: الأختان. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي. عن سفيان بإسناده عن عبد الله، مثله. ⁕ حدثنا ابن بشار وأحمد بن الوليد القرشي وابن وكيع وسوار بن عبد الله العنبريّ ومحمد بن خلف بن خراش والحسن بن خلف الواسطيّ، قالوا: ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، قال: الحَفَدَة: الأختان. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هشيم، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: الحَفَدَة: الأختان. ⁕ حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قال: الحَفَدَة: الأختان. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: الحَفَدَة: الخَتْن. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله، قال: الأختان. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص، عن أشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الأختان. ⁕ وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ عن ابن عباس، قوله ﴿وَحَفَدَةً﴾ قال: الأصهار. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، عن عاصم، عن زِرّ، عن ابن مسعود، قال: الحَفَدَة: الأختان. ⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زرّ بن حبيش، قال: قال لي عبد الله بن مسعود: ما الحَفَدَة يا زِرّ؟ قال: قلت: هم أحفاد الرجل من ولده وولد ولده. قال: لا هم الأصهار. وقال آخرون: هم أعوان الرجل وخدمه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن خالد بن خداش، قال: ثني سليم بن قتيبة، عن وهب بن حبيب الأسَدي، عن أبي حمزة، عن ابن عباس سئل عن قوله ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قال: من أعانك فقد حَفَدك، أما سمعت قوله الشاعر: حَفَدَ الوَلائِدُ حَوْلَهُنَّ وأُسْلِمَتْ ... بأكُفِّهِنَّ أزِمَّةُ الأجْمال [[استشهد بالبيت أبو عبيدة في مجاز القرآن: (١: ٣٦٤) ونسبه لجميل بن عبد الله بن معمر العذري. قال عند قوله تعالى: (بنين وحفدة) : أعواناً وخداما، قال جميل: "حفد الولائد ... الخ" واحدهم حافد مخرج كامل. والجميع: كملة وقال في (اللسان: حفد) يحفد بالكسر حفدا، وحفدانا. واحتفد: خف في العمل وأسرع. وحفد يحفد حفدا: خدم. الأزهري: الحفد في الخدمة والعمل: الخفة، وأنشد (حفد الولائد ... ) البيت.]] ⁕ حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قال: الحفدة: الخُدّام. ⁕ حدثني محمد بن خالد بن خداش، قال: ثني سَلْم بن قتيبة، عن حازم بن إبراهيم البَجَلي، عن سماك، عن عكرمة، قال: قال: الحَفَدَة: الخُدّام. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران بن عيينة، عن حصين، عن عكرمة، قال: هم الذين يعينون الرجل من ولده وخدمه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة ﴿وَحَفَدَةً﴾ قال: الحَفَدَة: من خدمك مِنْ ولدك. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن سلام بن سليم، وقيس عن سِماك، عن عكرمة، قال: هم الخدم. ⁕ حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سلام أبو الأحوص، عن سِماك، عن عكرمة، مثله. ⁕ حدثني محمد بن خالد، قال: ثني سلمة، عن أبي هلال، عن الحسن، في قوله ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قال: البنين وبني البنين، مَنْ أعانك من أهل وخادم فقد حفدك. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن منصور، عن الحسن، قال: هم الخَدَم. ⁕ حدثني محمد بن خالد وابن وكيع، ويعقوب بن إبراهيم، قالوا: ثنا إسماعيل بن علية، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الحَفَدة: الخَدَم. ⁕ حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، جميعا عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قال: ابنه وخادمه. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قال: أنصارًا وأعوانًا وخدامًا. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا زمعة، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: الحفدة: الخدم. ⁕ حدثنا ابن بشار مرّة أخرى، قال: ابنه وخادمه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ مهنة يمهنونك ويخدمونك من ولدك، كرامة أكرمكم الله بها. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السُّديّ، عن أبي مالك: الحَفَدَة، قال: الأعوان. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حصين، عن عكرمة، قال: الذين يعينونه. ⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمر، عن الحكَم بن أبان، عن عكرمة، في قوله ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قال: الحفدة: من خدمك من ولدك وولد ولدك. ⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن التيميّ، عن أبيه، عن الحسن، قال: الحَفَدَة: الخَدَم. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن عكرمة ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قال: ولده الذين يعينونه. وقال آخرون: هم ولد الرجل وولد ولده. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَحَفَدَةً﴾ قال: هم الولد وولد الولد. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد وسعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قال: الحَفَدَة: البنون. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غُنْدَر، عن شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عباس، مثله. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: بنوك حين يحفدونك ويرفدونك ويعينونك ويخدمونك، قال حميد: حَفَدَ الوَلائِدُ حَوْلَهُنَّ وأُسْلِمَتْ ... بأكُفِّهِنَّ أزِمَّةُ الأجْمال [[سبق الاستشهاد بالبيت قريبا في صفحة ١٤٤ فراجعه ثمة.]] ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قال: الحَفَدَة: الخدم من ولد الرجل هم ولده، وهم يخدمونه؛ قال: وليس تكون العبيد من الأزواج، كيف يكون من زوجي عبد، إنما الحَفَدَة: ولد الرجل وخدمه. ⁕ حُدثت عن الحسين بن الفَرَج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ يعني: ولد الرجل يحفِدونه ويخدُمونه، وكانت العرب إنما تخدمهم أوّلادهم الذكور. وقال آخرون: هم بنو امرأة الرجل من غيره. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ يقول: بنو امرأة الرجل ليسوا منه، ويقال: الحَفَدَة: الرجل يعمل بين يدي الرجل، يقول: فلان يحفد لنا، ويزعم رجال أن الحَفَدَة أخْتان [[الأختان: جمع ختن، بسكون التاء، وهو زوج بنت الرجل.]] الرجل. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى أخبر عباده معرفهم نعمه عليهم، فيما جعل لهم من الأزواج والبنين، فقال تعالى ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ فأعلمهم أنه جعل لهم من أزواجهم بنين وحفَدة، والحفَدة في كلام العرب: جمع حافد، كما الكذبة: جمع كاذب، والفسَقة: جمع فاسق. والحافد في كلامهم؛ هو المتخفِّف في الخدمة والعمل. والحَفْد: خفة العمل يقال: مرّ البعير يَحفِد حفَدَانا: إذا مرّ يُسرع في سيره. ومنه قولهم: "إليك نسعى ونحفِد": أي نسرع إلى العمل بطاعتك. يقال منه: حَفد له يحفد حفدا وحفودا وحفدانا ومنه قول الراعي: كَلَّفْتُ مَجْهُولَهَا نُوقا يَمَانيَّةً ... إذا الحُدَاةُ على أكْسائها حَفَدُوا [[الأكساء: واحدها كسى، بوزن قفل، وهو مؤخر العجز، أو مؤخر كل شيء، والجمع أكساء (اللسان: كسا) . وقال في (كسأ) : كسء كل شيء وكسوءه: مؤخره. وكسء الشهر وكسوءه: آخره، قدر عشر بقين منه ... وأنشد أبو عبيدة: كلفت مجهولها................ ... إذا الحداد.......... حفدوا ولعل الحداد في رواية الأزهري محرفة عن الحداة.]] وإذ كان معنى الحفدة ما ذكرنا من أنهم المسرعون في خدمة الرجل، المتخففون فيها، وكان الله تعالى ذكره أخبرنا أن مما أنعم به علينا أن جعل لنا حفدة تحفد لنا، وكان أولادنا وأزواجنا الذين يصلحون للخدمة منا ومن غيرنا وأختاننا الذين هم أزواج بناتنا من أزواجنا وخدمنا من مماليكنا إذا كانوا يحفدوننا، فيستحقون اسم حفدة، ولم يكن الله تعالى دلّ بظاهر تنزيله، ولا على لسان رسوله ﷺ؛ ولا بحجة عقل، على أنه عنى بذلك نوعا من الحفدة، دون نوع منهم، وكان قد أنعم بكلّ ذلك علينا، لم يكن لنا أن نوجه ذلك إلى خاص من الحفدة دون عام، إلا ما اجتمعت الأمة عليه أنه غير داخل فيهم. وإذا كان ذلك كذلك فلكلّ الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرنا وجه في الصحة، ومَخْرج في التأويل. وإن كان أولى بالصواب من القول ما اخترنا، لما بيَّنا من الدليل. * * وقوله ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يقول: ورزقكم من حلال المعاش والأرزاق والأقوات، ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: يحرّم عليهم أولياء الشيطان من البحائر والسوائب والوصائل، فيصدّق هؤلاء المشركون بالله ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ يقول: وبما أحلّ الله لهم من ذلك، وأنعم عليهم بإحلاله، يكفرون، يقول: ينكرون تحليله، ويجحدون أن يكون الله أحله.

Al-Mukhtasar (français)

Ô gens, Allah a créé de votre espèce, des personnes du sexe opposé qui vous tiennent compagnie et vous a permis d’avoir une progéniture que vous concevez avec ces personnes du sexe opposé. En plus de cela, Il vous a fait don de bonnes nourritures comme la viande, les grains et les fruits. Malgré cela ils croient aux fausses divinités que sont les idoles, ils renient les innombrables bienfaits d’Allah et ils ne se montrent pas reconnaissants envers Lui en l’adoptant comme Seul Dieu.

73

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًۭا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ شَيْـًۭٔا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ

Et ils adorent, en dehors d'Allah, ce qui ne peut leur procurer aucune nourriture des cieux et de la terre et qui n'est capable de rien.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ، مَعَ أَنَّهُ هُوَ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَمَعَ هَذَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ وَالْأَوْثَانِ ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ شَيْئًا﴾ أَيْ: لَا يَقْدِرُ عَلَى إِنْزِالِ مَطَرٍ وَلَا إِنْبَاتِ زَرْعٍ وَلَا شَجَرٍ، وَلَا يَمْلِكُونَ ذَلِكَ، أَيْ: لَيْسَ لَهُمْ [[في ت، ف: "إليهم".]] ذَلِكَ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ لَوْ أَرَادُوهُ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ﴾ أَيْ: لَا تَجْعَلُوا [[في ت: "أي تجعلون"،]] لَهُ أَنْدَادًا وَأَشْبَاهًا [[في ف: "أشباحًا وأندادًا".]] وَأَمْثَالًا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: أَنَّهُ يَعْلَمُ وَيَشْهَدُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [[في ف: "إلا هو".]] وَأَنْتُمْ بِجَهْلِكُمْ تُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: ويعبد هؤلاء المشركون بالله من دونه أوثانًا لا تملك لهم رزقا من السموات، لأنها لا تقدر على إنزال قطر منها لإحياء موتان الأرضين، والأرض: يقول: ولا تملك لهم أيضًا رزقًا من الأرض لأنها لا تقدر على إخراج شيء من نباتها وثمارها لهم، ولا شيئًا مما عدّد تعالى في هذه الآية أنه أنعم بها عليهم ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ يقول: ولا تملك أوثانهم شيئًا من السموات والأرض، بل هي وجميع ما في السموات والأرض لله ملك، ولا يستطيعون يقول: ولا تقدر على شيء. * * وقوله ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ﴾ يقول: فلا تمثلوا لِلهِ الأمثال، ولا تشبِّهوا له الأشباه، فإنه لا مِثْل له ولا شِبْه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الأمثال الأشباه. ⁕ وحدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ﴾ يعني اتخاذهم الأصنام، يقول: لا تجعلوا معي إلهًا غيري، فإنه لا إله غيري. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ قال: هذه الأوثان التي تُعْبد من دون الله لا تملك لمن يعبدها رزقا ولا ضرّا ولا نفعا، ولا حياة ولا نشورا. * * وقوله ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ﴾ فإنه أحَد صَمَد لم يَلِد ولم يُولَد ولم يكن له كُفُوًا أحد ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ يقول: والله أيها الناس يعلم خطأ ما تمثلون وتضربون من الأمثال وصوابه، وغير ذلك من سائر الأشياء، وأنتم لا تعلمون صواب ذلك من خطئه. واختلف أهل العربية في الناصب قوله ﴿شَيْئًا﴾ فقال بعض البصريين: هو منصوب على البدل من الرزق، وهو في معنى: لا يملكون رزقا قليلا ولا كثيرا. وقال بعض الكوفيين: نصب ﴿شَيْئًا﴾ بوقوع الرزق عليه، كما قال تعالى ذكره ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ أي تكفت الأحياء والأموات، ومثله قوله تعالى ذكره ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ قال: ولو كان الرزق مع الشيء لجاز خفضه، لا يملك لكم رزق شيء من السموات، ومثله ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾

Al-Mukhtasar (français)

Ces polythéistes adorent au lieu d’Allah des idoles qui n’ont pas le pouvoir de leur faire don d’une subsistance venant des Cieux ou de la Terre. Il est évident qu’ils ne peuvent pas avoir ce pouvoir puisque ce sont des corps inertes qui ne sont pas vivant et qui ne détiennent aucune connaissance.

74

فَلَا تَضْرِبُوا۟ لِلَّهِ ٱلْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

N'attribuez donc pas à Allah des semblables. Car Allah sait, tandis que vous ne savez pas.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ، مَعَ أَنَّهُ هُوَ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَمَعَ هَذَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ وَالْأَوْثَانِ ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ شَيْئًا﴾ أَيْ: لَا يَقْدِرُ عَلَى إِنْزِالِ مَطَرٍ وَلَا إِنْبَاتِ زَرْعٍ وَلَا شَجَرٍ، وَلَا يَمْلِكُونَ ذَلِكَ، أَيْ: لَيْسَ لَهُمْ [[في ت، ف: "إليهم".]] ذَلِكَ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ لَوْ أَرَادُوهُ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ﴾ أَيْ: لَا تَجْعَلُوا [[في ت: "أي تجعلون"،]] لَهُ أَنْدَادًا وَأَشْبَاهًا [[في ف: "أشباحًا وأندادًا".]] وَأَمْثَالًا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: أَنَّهُ يَعْلَمُ وَيَشْهَدُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [[في ف: "إلا هو".]] وَأَنْتُمْ بِجَهْلِكُمْ تُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: ويعبد هؤلاء المشركون بالله من دونه أوثانًا لا تملك لهم رزقا من السموات، لأنها لا تقدر على إنزال قطر منها لإحياء موتان الأرضين، والأرض: يقول: ولا تملك لهم أيضًا رزقًا من الأرض لأنها لا تقدر على إخراج شيء من نباتها وثمارها لهم، ولا شيئًا مما عدّد تعالى في هذه الآية أنه أنعم بها عليهم ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ يقول: ولا تملك أوثانهم شيئًا من السموات والأرض، بل هي وجميع ما في السموات والأرض لله ملك، ولا يستطيعون يقول: ولا تقدر على شيء. * * وقوله ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ﴾ يقول: فلا تمثلوا لِلهِ الأمثال، ولا تشبِّهوا له الأشباه، فإنه لا مِثْل له ولا شِبْه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الأمثال الأشباه. ⁕ وحدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ﴾ يعني اتخاذهم الأصنام، يقول: لا تجعلوا معي إلهًا غيري، فإنه لا إله غيري. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ قال: هذه الأوثان التي تُعْبد من دون الله لا تملك لمن يعبدها رزقا ولا ضرّا ولا نفعا، ولا حياة ولا نشورا. * * وقوله ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ﴾ فإنه أحَد صَمَد لم يَلِد ولم يُولَد ولم يكن له كُفُوًا أحد ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ يقول: والله أيها الناس يعلم خطأ ما تمثلون وتضربون من الأمثال وصوابه، وغير ذلك من سائر الأشياء، وأنتم لا تعلمون صواب ذلك من خطئه. واختلف أهل العربية في الناصب قوله ﴿شَيْئًا﴾ فقال بعض البصريين: هو منصوب على البدل من الرزق، وهو في معنى: لا يملكون رزقا قليلا ولا كثيرا. وقال بعض الكوفيين: نصب ﴿شَيْئًا﴾ بوقوع الرزق عليه، كما قال تعالى ذكره ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ أي تكفت الأحياء والأموات، ومثله قوله تعالى ذكره ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ قال: ولو كان الرزق مع الشيء لجاز خفضه، لا يملك لكم رزق شيء من السموات، ومثله ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾

Al-Mukhtasar (français)

Ô gens, ne donnez pas à Allah des égaux parmi ces idoles qui n’ont ni le pouvoir d’être utiles, ni le pouvoir d’être nuisibles. En effet, Allah n’a pas d’égaux méritant de Lui être associés dans l’adoration. Il connaît le mieux les attributs de la majesté et de la perfection que sont les Siens, tandis que vous n’en connaissez rien, ce qui vous amène à lui associer des idoles et à prétendre que celles-ci Lui sont égales.

75

۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبْدًۭا مَّمْلُوكًۭا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَمَن رَّزَقْنَٰهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًۭا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّۭا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُۥنَ ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

Allah propose en parabole un esclave appartenant [à son maître], dépourvu de tout pouvoir, et un homme à qui Nous avons accordé de Notre part une bonne attribution dont il dépense en secret et en public. [Ces deux hommes] sont-ils égaux? Louange à Allah! Mais la plupart d'entre eux ne savent pas.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذَا مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ لِلْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ: وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَالْعَبْدُ [[في ت، ف: "فالعبد".]] الْمَمْلُوكُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِثْلُ الْكَافِرِ وَالْمَرْزُوقُ الرِّزْقَ الْحَسَنَ، فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا، هُوَ [[في ت: "فهو".]] الْمُؤْمِنُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: هُوَ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ لِلْوَثَنِ وَلِلْحَقِّ تَعَالَى، فَهَلْ يَسْتَوِي هَذَا وَهَذَا؟ وَلَمَّا كَانَ الْفَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا بَيِّنًا وَاضِحًا ظَاهِرًا لَا يَجْهَلُهُ إِلَّا كُلُّ غَبِيٍّ، قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى] [[زيادة من "أ".]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: وشَبَّه لكم شَبها أيها الناس للكافر من عبيده، والمؤمن به منهم. فأما مثَل الكافر: فإنه لا يعمل بطاعة الله، ولا يأتي خيرا، ولا ينفق في شيء من سبيل الله ماله لغلبة خذلان الله عليه، كالعبد المملوك، الذي لا يقدر على شيء فينفقه. وأما المؤمن بالله فإنه يعمل بطاعة الله، وينفق في سبيله ماله كالحر الذي آتاه الله مالا فهو ينفق منه سرّا وجهرا، يقول: بعلم من الناس وغير علم ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ يقول هل يستوي العبد الذي لا يملك شيئا ولا يقدر عليه، وهذا الحرّ الذي قد رزقه الله رزقًا حسنًا فهو ينفق كما وَصَف، فكذلك لا يستوي الكافر العامل بمعاصي الله المخالف أمره، والمؤمن العامل بطاعته. وبنحو ما قلنا في ذلك كان بعض أهل العلم يقول. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ هذا مثل ضربه الله للكافر، رزقه مالا فلم يقدم فيه خيرا ولم يعمل فيه بطاعة الله، قال الله تعالى ذكره ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ فهذا المؤمن أعطاه الله مالا فعمل فيه بطاعة الله وأخذ بالشكر ومعرفة حق الله، فأثابه الله على ما رزقه الرزق المقيم الدائم لأهله في الجنة، قال الله تعالى ذكره ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا﴾ والله ما يستويان ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ قال: هو الكافر لا يعمل بطاعة الله ولا ينفق خيرا ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ قال: المؤمن يطيع الله في نفسه وماله. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ يعني: الكافر أنه لا يستطيع أن ينفق نفقة في سبيل الله ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ يعني المؤمن، وهذا المثل في النفقة. * * وقوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يقول: الحمد الكامل لله خالصًا دون ما تَدْعُون أيها القوم من دونه من الأوثان فإياه فاحمدوا دونها. * * وقوله ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ يقول: ما الأمر كما تفعلون، ولا القول كما تقولون، ما للأوثان عندهم من يد ولا معروف فتُحْمد عليه، إنما الحمد لله، ولكن أكثر هؤلاء الكفرة الذين يعبدونها لا يعلمون أن ذلك كذلك، فهم بجهلهم بما يأتون ويَذَرون يجعلونها لله شركاء في العبادة والحمد. وكان مجاهد يقول: ضرب الله هذا المثل، والمثل الآخر بعده لنفسه، والآلهة التي تعبد من دونه.

Al-Mukhtasar (français)

Allah énonce la parabole suivante à l’adresse des polythéistes: Que disent-ils d’un esclave, propriété d’un autre homme, incapable de prendre la moindre décision et ne possédant rien à dépenser, et d’un homme libre à qui Nous avons donné des richesses licites dont il dispose à sa guise, en dépensant ce qu’il veut publiquement et secrètement? Ces deux hommes ne sont certainement pas égaux. Comment affirmez-vous donc qu’Allah, le Propriétaire et Celui qui dispose de Sa propriété comme bon Lui semble, est l’égal de vos idoles impuissantes? Louange à Allah, Celui qui mérite qu’on Le loue ! La plupart des polythéistes ne savent pas que l’attribut de la Divinité est l’apanage d’Allah Seul et que Lui Seul mérite d’être adoré.

76

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

Et Allah propose en parabole deux hommes: l'un d'eux est muet, dépourvu de tout pouvoir et totalement à la charge de son maître; Quelque lieu où celui-ci l'envoie, il ne rapporte rien de bon; serait-il l'égal de celui qui ordonne la justice et qui est sur le droit chemin?

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهَذَا أَيْضًا الْمُرَادُ بِهِ الْوَثَنُ وَالْحَقُّ تَعَالَى، يَعْنِي: أَنَّ الْوَثَنَ أبكم لا يتكلم ولا ينطق بِخَيْرٍ وَلَا بِشَيْءٍ [[في ت، أ: " ولا بشر".]] ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَا مَقَالَ، وَلَا فِعَالَ، وَهُوَ مَعَ هَذَا ﴿كَلٌّ﴾ أَيْ: عِيَالٌ وَكُلْفَةٌ عَلَى مَوْلَاهُ، ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ﴾ أَيْ: يَبْعَثُهُ ﴿لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ وَلَا يَنْجَحُ مَسْعَاهُ ﴿هَلْ يَسْتَوِي﴾ مَنْ هَذِهِ صِفَاتُهُ، ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ أَيْ: بِالْقِسْطِ، فَقَالُهُ حَقٌّ وَفِعَالُهُ مُسْتَقِيمَةٌ [[في ت: "مستقيم".]] ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَبِهَذَا قَالَ السُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ. وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ مَثَلٌ لِلْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ أَيْضًا، كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ، السَّيْلحيني [[في أ: "السلحييني".]] ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْم [[في ت: "خيثم".]] عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ [[في ف: "ابن".]] عِكْرِمة، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَعَبْدِهِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ [وَضَرَبَ اللَّهُ] مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ [لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ] ﴾ [[زيادة من ت، ف، أ.]] [[زيادة من ت، ف، أ.]] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قَالَ: هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. قَالَ: وَالْأَبْكَمُ الَّذِي أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ قَالَ هُوَ: مَوْلًى لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، كَانَ عُثْمَانُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَيَكْفُلُهُ [[في ت، ف: "ويكلفه".]] وَيَكْفِيهِ الْمَئُونَةَ، وَكَانَ الْآخَرُ يَكْرَهُ الْإِسْلَامَ وَيَأْبَاهُ وَيَنْهَاهُ عَنِ الصَّدَقَةِ وَالْمَعْرُوفِ، فَنَزَلَتْ فِيهِمَا [[تفسير الطبري (١٤/ ١٠١) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) ﴾ وهذا مثل ضربه الله تعالى لنفسه والآلهة التي تُعبد من دونه، فقال تعالى ذكره ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ يعني بذلك الصنم أنه لا يسمع شيئا، ولا ينطق، لأنه إما خشب منحوت، وإما نحاس مصنوع لا يقدر على نفع لمن خدمه، ولا دفع ضرّ عنه وهو كَلٌّ على مولاه، يقول: وهو عيال على ابن عمه وحلفائه وأهل ولايته، فكذلك الصنم كَلّ على من يعبده، يحتاج أن يحمله، ويضعه ويخدمه، كالأبكم من الناس الذي لا يقدر على شيء، فهو كَلّ على أوليائه من بني أعمامه وغيرهم ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ يقول: حيثما يوجهه لا يأت بخير، لأنه لا يفهم ما يُقال له، ولا يقدر أن يعبر عن نفسه ما يريد، فهو لا يفهم، ولا يُفْهَم عنه، فكذلك الصنم،لا يعقل ما يقال له، فيأتمر لأمر من أمره، ولا ينطق فيأمر وينهي، يقول الله تعالى ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ يعني: هل يستوي هذا الأبكم الكلّ على مولاه الذي لا يأتي بخير حيث توجه ومن هو ناطق متكلم يأمر بالحقّ ويدعو إليه وهو الله الواحد القهار، الذي يدعو عباده إلى توحيده وطاعته، يقول: لا يستوي هو تعالى ذكره، والصنم الذي صفته ما وصف. * * وقوله ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يقول: وهو مع أمره بالعدل، على طريق من الحقّ في دعائه إلى العدل، وأمره به مستقيم، لا يَعْوَجّ عن الحقّ ولا يزول عنه. وقد اختلف أهل التأويل في المضروب له هذا المثل، فقال بعضهم في ذلك بنحو الذي قلنا فيه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ قال: هو الوثن ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ قال: الله يأمر بالعدل ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وكذلك كان مجاهد يقول إلا أنه كان يقول: المثل الأوّل أيضا ضربه الله لنفسه وللوثَن. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ذكره ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ و ﴿رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ قال: كلّ هذا مثل إله الحقّ، وما يُدعى من دونه من الباطل. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ قال: إنما هذا مثل ضربه الله. وقال آخرون: بل كلا المثلين للمؤمن والكافر. وذلك قول يُروَى عن ابن عباس، وقد ذكرنا الرواية عنه في المثل الأوّل في موضعه. وأما في المثل الآخر: فحدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ﴾ ... إلى آخر الآية، يعني بالأبكم: الذي هو كَلٌّ على مولاه الكافر، وبقوله ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ المؤمن، وهذا المثل في الأعمال. ⁕ حدثنا الحسن بن الصباح البزار، قال: ثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، قال: ثنا حماد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إبراهيم، عن عكرمة، عن يَعْلى بن أمية، عن ابن عباس، في قوله ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ قال: نزلت في رجل من قريش وعبده. وفي قوله ﴿مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ... إلى قوله ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال: هو عثمان بن عفان. قال: والأبكم الذي أينما يُوَجَّهُ لا يأت بخير، ذاك مولى عثمان بن عفَّان، كان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المئونة، وكان الآخر يكره الإسلام ويأباه وينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما. وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في المثل الأوّل لأنه تعالى ذكره مثَّل مثَل الكافر بالعبد الذي وصف صفته، ومثَّل مثل المؤمن بالذي رزقه رزقًاحسنًا، فهو ينفق مما رزقه سرّا وجهرا، فلم يجز أن يكون ذلك لله مثلا إذ كان الله إنما مثل الكافر الذي لا يقدر على شيء بأنه لم يرزقه رزقا ينفق منه سرّا؛ ومثَّل المؤمن الذي وفَّقه الله لطاعته فهداه لرشده، فهو يعمل بما يرضاه الله، كالحرّ الذي بسط له في الرزق فهو ينفق منه سرًّا وجهرًا، والله تعالى ذكره هو الرازق غير المرزوق، فغير جائز أن يمثل إفضاله وجوده بإنفاق المرزوق الرزق الحسن، وأما المثل الثاني، فإنه تمثيل منه تعالى ذكره مَنْ مثله الأبكم الذي لا يقدر على شيء والكفار لا شكّ أن منهم من له الأموال الكثيرة، ومن يضرّ أحيانا الضرّ العظيم بفساده، فغير كائن ما لا يقدر على شيء، كما قال تعالى ذكره مثلا لمن يقدر على أشياء كثيرة. فإذا كان ذلك كذلك كان أولى المعاني به تمثيل ما لا يقدر على شيء كما قال تعالى ذكره بمثله ما لا يقدر على شيء، وذلك الوثن الذي لا يقدر على شيء، بالأبكم الكَلّ على مولاه الذي لا يقدر على شيء كما قال ووصف.

Al-Mukhtasar (français)

Allah énonce une seconde parabole à l’attention des polythéistes: Que disent-ils des deux hommes suivants? Le premier est muet, sourd, incapable de comprendre en raison de ces deux handicaps et ne peut être utile, ni à lui-même ni à autrui. Cet homme est une lourde charge pour celui qui subvient à ses besoins et gère ses affaires puisque quand son tuteur s’en remet à lui pour accomplir quelque chose, il n’apporte rien de bon ni ne remplit sa mission. Le second a une ouïe saine et une bonne élocution, ce qui fait de lui quelqu’un d’utile à lui-même et à autrui. Il ordonne ainsi aux gens d’être justes et lui-même est droit, empruntant de ce fait une voie claire ne comportant ni ambigüité ni tortuosité. Ces deux hommes sont-ils égaux? Ô polythéistes, comment pouvez-vous mettre sur un même pied d’égalité, Allah, Celui qui détient les attributs de la majesté et de la perfection, et vos idoles, sourdes et muettes, incapable d’être d’une quelconque utilité ou d’une quelconque nuisance?

77

وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

C'est à Allah qu'appartient l'inconnaissable des cieux et de la terre. Et l'ordre [concernant] l'Heure ne sera que comme un clin d'œil ou plus bref encore! Car Allah est, certes, Omnipotent.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ كَمَالِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى الْأَشْيَاءِ، فِي عِلْمِهِ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَاخْتِصَاصِهِ بِذَلِكَ، فَلَا اطِّلَاعَ لِأَحَدٍ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُطْلِعَهُ [اللَّهُ] [[زيادة من ت.]] تَعَالَى عَلَى مَا يَشَاءُ -وَفِي قُدْرَتِهِ التَّامَّةِ [[في ف: "العامة".]] الَّتِي لَا تُخَالَفُ وَلَا تُمَانَعُ، وَأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ، فَيَكُونُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [الْقَمَرِ: ٥٠] أَيْ: فَيَكُونُ مَا يُرِيدُ كَطَرْفِ الْعَيْنِ. وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٨] . ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى منَّتَه عَلَى عِبَادِهِ، فِي إِخْرَاجِهِ [[في ت: "إخراجهم".]] إِيَّاهُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ لَا يعلمون شيئًا، ثم بعد هَذَا يَرْزُقُهُمْ [[في ت: "يرزقهم الله".]] تَعَالَى السَّمْعَ الَّذِي بِهِ يُدْرِكُونَ الْأَصْوَاتَ، وَالْأَبْصَارَ اللَّاتِي بِهَا يُحِسُّونَ الْمَرْئِيَّاتِ، وَالْأَفْئِدَةَ -وَهِيَ الْعُقُولُ-الَّتِي مَرْكَزُهَا الْقَلْبُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: الدِّمَاغُ وَالْعَقْلُ بِهِ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ ضَارِّهَا وَنَافِعِهَا. وَهَذِهِ الْقُوَى وَالْحَوَاسُّ تَحْصُلُ لِلْإِنْسَانِ عَلَى التَّدْرِيجِ قَلِيلًا قَلِيلًا كُلَّمَا كَبِرَ زِيد فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَعَقْلِهِ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ. وَإِنَّمَا جَعَلَ تَعَالَى هَذِهِ فِي الْإِنْسَانِ، لِيَتَمَكَّنَ بِهَا مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ تَعَالَى، فَيَسْتَعِينُ بِكُلِّ جَارِحَةٍ وَعُضْوٍ وَقُوَّةٍ عَلَى طَاعَةِ مَوْلَاهُ، كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَقُولُ تَعَالَى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ [[في ت، ف، أ: "بأفضل".]] أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ. وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أحبَّه، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي [[في ت: "الذي".]] يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لأعطيته، وَلَئِنْ دَعَانِي لَأُجِيبَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَ بِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي فِي قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٠٢) .]] . فَمَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْلَصَ الطَّاعَةَ صَارَتْ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَا يَسْمَعُ إِلَّا اللَّهَ، وَلَا يُبْصِرُ إِلَّا اللَّهَ، أَيْ: مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لَهُ، وَلَا يَبْطِشُ وَلَا يَمْشِي إِلَّا فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ، بَعْدَ قَوْلِهِ: "وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا": "فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يُبْصِرُ، وَبِي يَبْطِشُ، وَبِي يَمْشِي"؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الْمُلْكِ: ٢٣، ٢٤] . ثُمَّ نَبَّهَ تَعَالَى عِبَادَهُ إِلَى [[في ف: "على".]] النَّظَرِ إِلَى الطَّيْرِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، كَيْفَ جَعَلَهُ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُ هُنَاكَ إِلَّا اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ تَعَالَى، الَّذِي جَعَلَ فِيهَا قُوًى تَفْعَلُ ذَلِكَ، وَسَخَّرَ الْهَوَاءَ يَحْمِلُهَا وَيَسَّرَ الطَّيْرَ لِذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُلْكِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الْمُلْكِ: ١٩] . وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولله أيها الناس مِلك ما غاب عن أبصاركم في السموات والأرض دون آلهتكم التي تدعون من دونه، ودون كلّ ما سواه، لا يملك ذلك أحد سواه. ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ يقول: وما أمر قيام القيامة والساعة التي تنشر فيها الخلق للوقوف في موقف القيامة، إلا كنظرة من البصر، لأن ذلك إنما هو أن يقال له كن فيكون. كما:- ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ والساعة: كلمح البصر، أو أقرب. ⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمر، عن قتادة ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ قال: هو أن يقول: كن، فهو كلمح البصر فأمر الساعة كلمح البصر أو أقرب، يعني يقول: أو هو أقرب من لمح البصر. * * وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يقول: إن الله على إقامة الساعة في أقرب من لمح البصر قادر، وعلى ما يشاء من الأشياء كلها، لا يمتنع عليه شيء أراده.

Al-Mukhtasar (français)

Allah Seul est au fait de ce qui est invisible dans les Cieux et sur Terre. Il détient donc une connaissance exclusive à ce sujet. La survenance de la Résurrection, qui est l’une des connaissances relevant de l’Invisible qu’Il est le Seul à détenir, sera lorsque Nous en déciderons aussi rapide qu’un clignement d’œil ou même plus rapide. Allah a pouvoir sur toute chose et rien ne Lui est impossible: lorsqu’Il veut quelque chose, Il lui dit « Kun (sois) » et il est aussitôt.

78

وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًۭٔا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

Et Allah vous a fait sortir des ventres de vos mères, dénués de tout savoir, et vous a donné l'ouïe, les yeux et les cœurs (l'intelligence), afin que vous; soyez reconnaissants.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ كَمَالِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى الْأَشْيَاءِ، فِي عِلْمِهِ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَاخْتِصَاصِهِ بِذَلِكَ، فَلَا اطِّلَاعَ لِأَحَدٍ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُطْلِعَهُ [اللَّهُ] [[زيادة من ت.]] تَعَالَى عَلَى مَا يَشَاءُ -وَفِي قُدْرَتِهِ التَّامَّةِ [[في ف: "العامة".]] الَّتِي لَا تُخَالَفُ وَلَا تُمَانَعُ، وَأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ، فَيَكُونُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [الْقَمَرِ: ٥٠] أَيْ: فَيَكُونُ مَا يُرِيدُ كَطَرْفِ الْعَيْنِ. وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٨] . ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى منَّتَه عَلَى عِبَادِهِ، فِي إِخْرَاجِهِ [[في ت: "إخراجهم".]] إِيَّاهُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ لَا يعلمون شيئًا، ثم بعد هَذَا يَرْزُقُهُمْ [[في ت: "يرزقهم الله".]] تَعَالَى السَّمْعَ الَّذِي بِهِ يُدْرِكُونَ الْأَصْوَاتَ، وَالْأَبْصَارَ اللَّاتِي بِهَا يُحِسُّونَ الْمَرْئِيَّاتِ، وَالْأَفْئِدَةَ -وَهِيَ الْعُقُولُ-الَّتِي مَرْكَزُهَا الْقَلْبُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: الدِّمَاغُ وَالْعَقْلُ بِهِ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ ضَارِّهَا وَنَافِعِهَا. وَهَذِهِ الْقُوَى وَالْحَوَاسُّ تَحْصُلُ لِلْإِنْسَانِ عَلَى التَّدْرِيجِ قَلِيلًا قَلِيلًا كُلَّمَا كَبِرَ زِيد فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَعَقْلِهِ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ. وَإِنَّمَا جَعَلَ تَعَالَى هَذِهِ فِي الْإِنْسَانِ، لِيَتَمَكَّنَ بِهَا مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ تَعَالَى، فَيَسْتَعِينُ بِكُلِّ جَارِحَةٍ وَعُضْوٍ وَقُوَّةٍ عَلَى طَاعَةِ مَوْلَاهُ، كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَقُولُ تَعَالَى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ [[في ت، ف، أ: "بأفضل".]] أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ. وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أحبَّه، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي [[في ت: "الذي".]] يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لأعطيته، وَلَئِنْ دَعَانِي لَأُجِيبَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَ بِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي فِي قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٠٢) .]] . فَمَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْلَصَ الطَّاعَةَ صَارَتْ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَا يَسْمَعُ إِلَّا اللَّهَ، وَلَا يُبْصِرُ إِلَّا اللَّهَ، أَيْ: مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لَهُ، وَلَا يَبْطِشُ وَلَا يَمْشِي إِلَّا فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ، بَعْدَ قَوْلِهِ: "وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا": "فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يُبْصِرُ، وَبِي يَبْطِشُ، وَبِي يَمْشِي"؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الْمُلْكِ: ٢٣، ٢٤] . ثُمَّ نَبَّهَ تَعَالَى عِبَادَهُ إِلَى [[في ف: "على".]] النَّظَرِ إِلَى الطَّيْرِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، كَيْفَ جَعَلَهُ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُ هُنَاكَ إِلَّا اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ تَعَالَى، الَّذِي جَعَلَ فِيهَا قُوًى تَفْعَلُ ذَلِكَ، وَسَخَّرَ الْهَوَاءَ يَحْمِلُهَا وَيَسَّرَ الطَّيْرَ لِذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُلْكِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الْمُلْكِ: ١٩] . وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: والله تعالى أعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من بعد ما أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعقلون شيئا ولا تعلمون، فرزقكم عقولا تفقهون بها، وتميزون بها الخير من الشرّ وبصَّركم بها ما لم تكونوا تبصرون، وجعل لكم السمع الذي تسمعون به الأصوات، فيفقه بعضكم عن بعض ما تتحاورون به بينكم والأبصار التي تبصرون بها الأشخاص فتتعارفون بها وتميزون بها بعضا من بعض. ﴿وَالأفْئِدَةَ﴾ يقول: والقلوب التي تعرفون بها الأشياء فتحفظونها وتفكرون فتفقهون بها. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ يقول: فعلنا ذلك بكم، فاشكروا الله على ما أنعم به عليكم من ذلك، دون الآلهة والأنداد، فجعلتم له شركاء في الشكر، ولم يكن له فيما أنعم به عليكم من نعمه شريك. * * وقوله ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ كلام متناه، ثم ابتدئ الخبر، فقيل: وجعل الله لكم السمع والأبصار والأفئدة. وإنما قلنا ذلك كذلك، لأن الله تعالى ذكره جعل العبادة والسمع والأبصار والأفئدة قبل أن يخرجهم من بطون أمهاتهم، وإنما أعطاهم العلم والعقل بعد ما أخرجهم من بطون أمهاتهم.

Al-Mukhtasar (français)

Ô gens, Allah vous a fait sortir des ventres de vos mères au terme de leur grossesse sous l’apparence de nourrissons ne détenant aucun savoir et Il vous a fait comme dons l’ouïe afin que puissiez entendre, la vue afin que vous puissiez voir et le cœur afin que vous puissiez raisonner. Peut-être qu’en ayant connaissance de ces dons Lui en serez-vous reconnaissants.

79

أَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍۢ فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

N'ont-ils pas vu les oiseaux assujettis [au vol] dans l'atmosphère du ciel sans que rien ne les retienne en dehors d'Allah? Il y a vraiment là des preuves pour des gens qui croient.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ كَمَالِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى الْأَشْيَاءِ، فِي عِلْمِهِ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَاخْتِصَاصِهِ بِذَلِكَ، فَلَا اطِّلَاعَ لِأَحَدٍ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُطْلِعَهُ [اللَّهُ] [[زيادة من ت.]] تَعَالَى عَلَى مَا يَشَاءُ -وَفِي قُدْرَتِهِ التَّامَّةِ [[في ف: "العامة".]] الَّتِي لَا تُخَالَفُ وَلَا تُمَانَعُ، وَأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ، فَيَكُونُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [الْقَمَرِ: ٥٠] أَيْ: فَيَكُونُ مَا يُرِيدُ كَطَرْفِ الْعَيْنِ. وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٨] . ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى منَّتَه عَلَى عِبَادِهِ، فِي إِخْرَاجِهِ [[في ت: "إخراجهم".]] إِيَّاهُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ لَا يعلمون شيئًا، ثم بعد هَذَا يَرْزُقُهُمْ [[في ت: "يرزقهم الله".]] تَعَالَى السَّمْعَ الَّذِي بِهِ يُدْرِكُونَ الْأَصْوَاتَ، وَالْأَبْصَارَ اللَّاتِي بِهَا يُحِسُّونَ الْمَرْئِيَّاتِ، وَالْأَفْئِدَةَ -وَهِيَ الْعُقُولُ-الَّتِي مَرْكَزُهَا الْقَلْبُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: الدِّمَاغُ وَالْعَقْلُ بِهِ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ ضَارِّهَا وَنَافِعِهَا. وَهَذِهِ الْقُوَى وَالْحَوَاسُّ تَحْصُلُ لِلْإِنْسَانِ عَلَى التَّدْرِيجِ قَلِيلًا قَلِيلًا كُلَّمَا كَبِرَ زِيد فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَعَقْلِهِ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ. وَإِنَّمَا جَعَلَ تَعَالَى هَذِهِ فِي الْإِنْسَانِ، لِيَتَمَكَّنَ بِهَا مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ تَعَالَى، فَيَسْتَعِينُ بِكُلِّ جَارِحَةٍ وَعُضْوٍ وَقُوَّةٍ عَلَى طَاعَةِ مَوْلَاهُ، كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَقُولُ تَعَالَى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ [[في ت، ف، أ: "بأفضل".]] أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ. وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أحبَّه، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي [[في ت: "الذي".]] يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لأعطيته، وَلَئِنْ دَعَانِي لَأُجِيبَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَ بِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي فِي قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٠٢) .]] . فَمَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْلَصَ الطَّاعَةَ صَارَتْ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَا يَسْمَعُ إِلَّا اللَّهَ، وَلَا يُبْصِرُ إِلَّا اللَّهَ، أَيْ: مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لَهُ، وَلَا يَبْطِشُ وَلَا يَمْشِي إِلَّا فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ، بَعْدَ قَوْلِهِ: "وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا": "فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يُبْصِرُ، وَبِي يَبْطِشُ، وَبِي يَمْشِي"؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الْمُلْكِ: ٢٣، ٢٤] . ثُمَّ نَبَّهَ تَعَالَى عِبَادَهُ إِلَى [[في ف: "على".]] النَّظَرِ إِلَى الطَّيْرِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، كَيْفَ جَعَلَهُ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُ هُنَاكَ إِلَّا اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ تَعَالَى، الَّذِي جَعَلَ فِيهَا قُوًى تَفْعَلُ ذَلِكَ، وَسَخَّرَ الْهَوَاءَ يَحْمِلُهَا وَيَسَّرَ الطَّيْرَ لِذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُلْكِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الْمُلْكِ: ١٩] . وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩) ﴾ يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين: ألم تَرَوا أيُّها المشركون بالله إلى الطير مسخرات في جوّ السماء، يعني: في هواء السماء بينها وبين الأرض، كما قال إبراهيم بن عمران الأنصاريّ: وَيْلُ امِّها مِنْ هَوَاءِ الجَوّ طَالِبَةً ... وَلا كَهذا الَّذِي في الأرْضِ مَطْلُوبُ [[البيت نسبه المؤلف إلى إبراهيم بن عمران الأنصاري. ونسبه البغدادي في الخزانة (٢: ١١٢) لامرئ القيس بن حجر الكندي. وعزى في الكتاب لسيبويه مرة إلى امرئ القيس (١: ٣٥٣) ومرة (٢: ٢٧٢) إلى النعمان بن بشير الأنصاري. وذكر البغدادي المقطوعة التي منها البيت، وهي عشرة أبيات، ونسبها لامرئ القيس، ومطلعها: الخير ما طلعت شمس وما غربت ... مطلب بنواحي الخيل معصوب وبيت الشاهد هو الثامن في المقطوعة، وأوله: "لا كالتي في هواء" ... الخ. وقال ابن رشيق في العمدة: هذا البيت عند دعبل، أشعر بيت قالته العرب، وبه قدمه على الشعراء. وقوله: ويلمها: هذا في صورة الدعاء على الشيء والمراد به التعجب. والضمير المؤنث يراد به العقاب. والجو: ما بين السماء والأرض، وأراد بالمطلوب الذئب، لأنه وصف عقابا تبعت ذئبا لتصيده، فتعجب منها في شدة طلبها، وتعجب من الذئب أيضاً في سرعته وشدة هربه منها. واستشهد المؤلف بالبيت عند تفسير قوله تعالى: (ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء) أي في هواء السماء، بينها وبين الأرض كما استشهد أبو عبيدة من قبله في مجاز القرآن (١: ٣٦٥) على أن جو السماء: أي الهواء.]] يعني: في هواء السماء. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا اللَّهُ﴾ يقول: ما طيرانها في الجوّ إلا بالله، وبتسخيره إياها بذلك، ولو سلبها ما أعطاها من الطيران لم تقدر على النهوض ارتفاعا. * * وقوله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يقول: إن في تسخير الله الطير، وتمكينه لها الطيران في جوّ السماء، لعلامات ودلالات على أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنه لاحظ للأصنام والأوثان في الألوهة ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يعني: لقوم يقرّون بوجدان ما تعاينه أبصارهم، وتحسه حواسهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ : أي في كبد السماء.

Al-Mukhtasar (français)

Les polythéistes n’ont-ils pas regardé les oiseaux à qui ont été octroyés les ailes nécessaires pour voler? Allah ne les a-t-Il pas pourvus d’ailes et fait en sorte que l’air dans lequel ils se déplacent soit fluide? Allah leur a aussi inspiré d’ouvrir et de fermer leurs ailes et personne d’autre qu’Allah, l’Omnipotent, ne les retient de tomber. Cette disposition à voler et le fait qu’Allah retienne les oiseaux afin qu’ils ne tombent pas sont certes des indices adressés à des gens qui croient en Allah puisque ce sont eux qui se servent à leur avantage des indices et des enseignements.

80

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمْ سَكَنًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلْأَنْعَٰمِ بُيُوتًۭا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَٰثًۭا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٍۢ

Et Allah vous a fait de vos maisons une habitation, tout comme Il vous a procuré des maisons faites de peaux de bêtes que vous trouvez légères, le jour où vous vous déplacez et le jour où vous vous campez. De leur laine, de leur poil et de leur crin (Il vous a procuré) des effets et des objets dont vous jouissez pour un certain délai.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَذْكُرُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَمَامَ نِعَمِهِ عَلَى عَبِيدِهِ، بِمَا جَعَلَ لَهُمْ مِنَ الْبُيُوتِ الَّتِي هِيَ سَكَنٌ لَهُمْ، يَأْوُونَ إِلَيْهَا، وَيَسْتَتِرُونَ بِهَا، وَيَنْتَفِعُونَ بِهَا سَائِرَ [[في ف: "سرائر".]] وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ، وَجَعَلَ لَهُمْ أَيْضًا ﴿مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا﴾ أَيْ: مِنَ الْأَدَمِ، يَسْتَخِفُّونَ حَمْلَهَا فِي أَسْفَارِهِمْ، لِيَضْرِبُوهَا [[في ت: "لتضربونها".]] لَهُمْ فِي إِقَامَتِهِمْ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ أَيِ: الْغَنَمِ، ﴿وَأَوْبَارِهَا﴾ أَيِ: الْإِبِلِ، ﴿وَأَشْعَارِهَا﴾ أَيِ: الْمَعْزِ -وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْأَنْعَامِ- ﴿أَثَاثًا﴾ أَيْ: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ أَثَاثًا، وَهُوَ الْمَالُ. وَقِيلَ: الْمَتَاعُ. وَقِيلَ: الثِّيَابُ وَالصَّحِيحُ أَعَمُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، فَإِنَّهُ يُتَّخَذُ مِنَ [[في ت، ف: "منه".]] الْأَثَاثِ الْبُسُطُ وَالثِّيَابُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَيُتَّخَذُ مَالًا وَتِجَارَةً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَثَاثُ: الْمَتَاعُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ أَيْ: إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى وَوَقْتٍ [[في ت، ف، أ: "أي إلى وقت".]] مَعْلُومٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: الشَّجَرَ. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ أَيْ: حُصُونًا وَمَعَاقِلَ، كَمَا ﴿جَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وَهِيَ الثِّيَابُ مِنَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَالصُّوفِ، ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ كَالدُّرُوعِ مِنَ الْحَدِيدِ المصفَّح والزَّرد وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: هَكَذَا يَجْعَلُ لَكُمْ مَا تَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى أَمْرِكُمْ، وَمَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، لِيَكُونَ -عَوْنًا لَكُمْ عَلَى طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ هَكَذَا فَسَّرَهُ الجمهور، وقرؤوه بِكَسْرِ اللَّامِ مِنْ " تُسْلِمُونَ " أَيْ: مِنَ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ [لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ] ﴾ [[زيادة من ت، ف، أ.]] هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمَّى سُورَةُ النِّعَم. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَعَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ حَنْظَلة السَّدُوسِيِّ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشَب، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا "تَسلَمون" بِفَتْحِ اللَّامِ، يَعْنِي مِنَ الْجِرَاحِ [[في ت، ف: "يعني من الجراح بفتح اللام".]] . رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ عَبَّادٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وردَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ [[تفسير الطبري (١٤/ ١٠٤) .]] . وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: إِنَّمَا نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى قَدْرِ مَعْرِفَةِ الْعَرَبِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ وَمَا جَعَلَ [لَكُمْ] [[زيادة من ف، أ.]] مِنَ السَّهْلِ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ [[في ت، ف: "واكبر".]] ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ جِبَالٍ [[في ف: "جبل".]] ؟ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ وَمَا جَعَلَ لَكُمْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأَكْثَرُ [[في ت، ف، أ: "أكبر".]] وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ وَبَرٍ وشَعَر، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النُّورِ: ٤٣] ، لِعَجَبِهِمْ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا أَنْزَلَ مِنَ الثَّلْجِ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ [[في ف: "وأكبر".]] ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَهُ؟ أَلَّا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وَمَا بَقِيَ مِنَ الْبَرْدِ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ [[في ف: "وأكبر".]] وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ حَرٍّ. * * وَقَوْلُهُ ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أَيْ: بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ وَهَذَا الِامْتِنَانِ، فَلَا عَلَيْكَ مِنْهُمْ، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ وَقَدْ أَدَّيْتَهُ إِلَيْهِمْ. ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ أَيْ: يَعْرِفُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُسْدِي إِلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمُتَفَضِّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَمَعَ هَذَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَيَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَيُسْنِدُونَ النَّصْرَ وَالرِّزْقَ [[في ف: "الرزق والنصر".]] إِلَى غَيْرِهِ، ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ -كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ. قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ. ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ، كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ، حَتَّى بَلَغَ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ فَوَلَّى الْأَعْرَابِيُّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [[أورده السيوطي في الدر المنثور (٥/ ١٥٥) وعزاه لابن أبي حاتم وهو مرسل.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠) ﴾ يقول تعالى ذكره ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾ أيها الناس، ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ التي هي من الحجر والمدر، ﴿سَكَنًا﴾ تسكنون أيام مقامكم في دوركم وبلادكم ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا﴾ وهي البيوت من الأنطاع والفساطيط من الشعر والصوف والوبر. ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ يقول: تستخفون حملها ونقلها، ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ من بلادكم وأمصاركم لأسفاركم، ﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ في بلادكم وأمصاركم. ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا﴾ . وبنحو الذي قلنا في معنى السكن قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ قال: تسكنون فيه. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. وأما الأشعار فجمع شَعْر تثقل عينه وتخفف، وواحد الشَّعْر شَعْرة. وأما الأثاث فإنه متاع البيت لم يسمع له بواحد، وهو في أنه لا واحد له مثل المتاع. وقد حكي عن بعض النحويين أنه كان يقول: واحد الأثاث أثاثة ولم أر أهل العلم بكلام العرب يعرفون ذلك. ومن الدليل على أن الأثاث هو المتاع، قول الشاعر: أهاجَتْكَ الظَّعائِنُ يَوْمَ بانُوا ... بِذِي الرّئْيِ الجَمِيلِ مِنَ الأثاث [[البيت لمحمد بن نمير الثقفي، وكان يشبب بزينب أخت الحجاج بن يوسف الثقفي فتوعده، فهرب منه (خبره في الكامل للمبرد ٢٨٩) والبيت من كلمة له (الكامل ٣٧٦) ، وفي (اللسان: رأي) قال. قال: الفراء الرئي: المنظر وأهل المدينة يقرءون الآية (وريا) بغير همز. قال: وهو وجه جيد من رأيت، لأنه من آيات لسن مهموزات الأواخر. وقال الجوهري: من همزه جعله من المنظر من رأيت، وهو: ما رأته العين من حال حسنة، وكسوة ظاهرة. وأنشد أبو عبيد لمحمد بن نمير الثقفي: أشاقتك الظعائن يوم بانوا ... بذي الرئى الجميل من الأثاث ومن لم يهمزه: إما أن يكون على تخفيف الهمزة، أو يكون من رويت ألوانهم وجلودهم، أي امتلأت وحسنت. وأثاثا: أي متاعا. قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن (١: ٣٦٥) .]] ويروى: بذي الزيّ، وأنا أرى أصل الأثاث اجتماع بعض المتاع إلى بعض حتى يكثر كالشعر الأثيث وهو الكثير الملتف، يقال منه، أثّ شعر فلان يئِثّ أثًّا: إذا كثر والتفّ واجتمع. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿أثاثا﴾ يعني بالأثاث: المال. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ﴿أثاثا﴾ قال: متاعا. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿أثاثا﴾ قال: هو المال. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن حرب الرازي، قال: أخبرنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن حميد بن عبد الرحمن، في قوله ﴿أثاثا﴾ قال: الثياب. * * وقوله ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ فإنه يعني: أنه جعل ذلك لهم بلاغا، يتبلَّغون ويكتفون به إلى حين آجالهم للموت. كما:- ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ فإنه يعني: زينة، يقول: ينتفعون به إلى حين. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ قال: إلى الموت. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن مَعْمر، عن قتادة ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ إلى أجل وبلغة.

Al-Mukhtasar (français)

Des maisons que vous construisez en pierre et avec d’autres matériaux, Allah a fait des lieux où vous vous plaisez et vous sentez en sécurité. Il vous a aussi fourni des peaux de dromadaire, de vache et de mouton afin que vous en fabriquiez des tentes et des chapiteaux, ressemblant aux maisons des sédentaires, qu’il vous est facile de transporter lorsque vous déménagez et que vous dressez aisément lorsque vous vous installez. De même, Il mit à votre disposition la laine des moutons, le duvet des dromadaires et les poils des chèvres avec lesquels vous confectionnez des effets pour vos maisons, des vêtements et des couvertures dont vous vous servez pour un certain temps.

81

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَٰنًۭا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ

Et de ce qu'Il a créé, Allah vous a procuré des ombres. Et Il vous a procuré des abris dans les montagnes. Et Il vous a procuré des vêtements qui vous protègent de la chaleur, ainsi que des vêtements [cuirasses, armures] qui vous protègent de votre propre violence. C'est ainsi qu'Allah parachève sur vous Son bienfait, peut-être que vous vous soumettez.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَذْكُرُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَمَامَ نِعَمِهِ عَلَى عَبِيدِهِ، بِمَا جَعَلَ لَهُمْ مِنَ الْبُيُوتِ الَّتِي هِيَ سَكَنٌ لَهُمْ، يَأْوُونَ إِلَيْهَا، وَيَسْتَتِرُونَ بِهَا، وَيَنْتَفِعُونَ بِهَا سَائِرَ [[في ف: "سرائر".]] وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ، وَجَعَلَ لَهُمْ أَيْضًا ﴿مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا﴾ أَيْ: مِنَ الْأَدَمِ، يَسْتَخِفُّونَ حَمْلَهَا فِي أَسْفَارِهِمْ، لِيَضْرِبُوهَا [[في ت: "لتضربونها".]] لَهُمْ فِي إِقَامَتِهِمْ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ أَيِ: الْغَنَمِ، ﴿وَأَوْبَارِهَا﴾ أَيِ: الْإِبِلِ، ﴿وَأَشْعَارِهَا﴾ أَيِ: الْمَعْزِ -وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْأَنْعَامِ- ﴿أَثَاثًا﴾ أَيْ: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ أَثَاثًا، وَهُوَ الْمَالُ. وَقِيلَ: الْمَتَاعُ. وَقِيلَ: الثِّيَابُ وَالصَّحِيحُ أَعَمُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، فَإِنَّهُ يُتَّخَذُ مِنَ [[في ت، ف: "منه".]] الْأَثَاثِ الْبُسُطُ وَالثِّيَابُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَيُتَّخَذُ مَالًا وَتِجَارَةً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَثَاثُ: الْمَتَاعُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ أَيْ: إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى وَوَقْتٍ [[في ت، ف، أ: "أي إلى وقت".]] مَعْلُومٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: الشَّجَرَ. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ أَيْ: حُصُونًا وَمَعَاقِلَ، كَمَا ﴿جَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وَهِيَ الثِّيَابُ مِنَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَالصُّوفِ، ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ كَالدُّرُوعِ مِنَ الْحَدِيدِ المصفَّح والزَّرد وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: هَكَذَا يَجْعَلُ لَكُمْ مَا تَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى أَمْرِكُمْ، وَمَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، لِيَكُونَ -عَوْنًا لَكُمْ عَلَى طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ هَكَذَا فَسَّرَهُ الجمهور، وقرؤوه بِكَسْرِ اللَّامِ مِنْ " تُسْلِمُونَ " أَيْ: مِنَ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ [لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ] ﴾ [[زيادة من ت، ف، أ.]] هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمَّى سُورَةُ النِّعَم. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَعَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ حَنْظَلة السَّدُوسِيِّ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشَب، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا "تَسلَمون" بِفَتْحِ اللَّامِ، يَعْنِي مِنَ الْجِرَاحِ [[في ت، ف: "يعني من الجراح بفتح اللام".]] . رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ عَبَّادٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وردَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ [[تفسير الطبري (١٤/ ١٠٤) .]] . وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: إِنَّمَا نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى قَدْرِ مَعْرِفَةِ الْعَرَبِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ وَمَا جَعَلَ [لَكُمْ] [[زيادة من ف، أ.]] مِنَ السَّهْلِ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ [[في ت، ف: "واكبر".]] ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ جِبَالٍ [[في ف: "جبل".]] ؟ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ وَمَا جَعَلَ لَكُمْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأَكْثَرُ [[في ت، ف، أ: "أكبر".]] وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ وَبَرٍ وشَعَر، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النُّورِ: ٤٣] ، لِعَجَبِهِمْ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا أَنْزَلَ مِنَ الثَّلْجِ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ [[في ف: "وأكبر".]] ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَهُ؟ أَلَّا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وَمَا بَقِيَ مِنَ الْبَرْدِ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ [[في ف: "وأكبر".]] وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ حَرٍّ. * * وَقَوْلُهُ ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أَيْ: بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ وَهَذَا الِامْتِنَانِ، فَلَا عَلَيْكَ مِنْهُمْ، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ وَقَدْ أَدَّيْتَهُ إِلَيْهِمْ. ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ أَيْ: يَعْرِفُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُسْدِي إِلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمُتَفَضِّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَمَعَ هَذَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَيَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَيُسْنِدُونَ النَّصْرَ وَالرِّزْقَ [[في ف: "الرزق والنصر".]] إِلَى غَيْرِهِ، ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ -كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ. قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ. ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ، كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ، حَتَّى بَلَغَ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ فَوَلَّى الْأَعْرَابِيُّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [[أورده السيوطي في الدر المنثور (٥/ ١٥٥) وعزاه لابن أبي حاتم وهو مرسل.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن نعمة الله عليكم أيها الناس أن جعل لكم مما خلق من الأشجار وغيرها ظلالا تستظلون بها من شدة الحرّ، وهي جمع ظلّ. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو، عن قتادة، في قوله ﴿مِمَّا خَلَقَ ظِلالا﴾ قال: الشجر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالا﴾ إي والله، من الشجر ومن غيرها. * * وقوله ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ يقول: وجعل لكم من الجبال مواضع تسكنون فيها، وهي جمع كنّ. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا) يقول: غيرانا من الجبال يسكن فيها. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ يعني ثياب القطن والكتان والصوف وقمصها. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ من القطن والكتان والصوف. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن مَعْمر، عن قتادة ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ قال: القطن والكتان. * * وقوله ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ يقول: ودروعا تقيكم بأسكم، والبأس: هو الحرب، والمعنى: تقيكم في بأسكم السلاح أن يصل إليكم. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ من هذا الحديد. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن مَعْمر، عن قتادة ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ قال: هي سرابيل من حديد. * * وقوله ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: كما أعطاكم ربكم هذه الأشياء التي وصفها في هذه الآيات نعمة منه بذلك عليكم، فكذا يُتِمّ نعمته عليكم لعلكم تسلمون. يقول: لتخضعوا لله بالطاعة، وتذِلّ منكم بتوحيده النفوس، وتخلصوا له العبادة. وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿لَعَلَّكُمْ تَسْلَمُونَ﴾ بفتح التاء. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال: ثنا ابن المبارك، عن حنظلة، عن شهر بن حَوْشب، قال: كان ابن عباس يقول: ﴿لَعَلَّكُمْ تَسْلَمُونَ﴾ قال: يعني من الجراح. ⁕ حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا عباد بن العوّام، عن حنظلة السَّدوسيّ، عن شهر بن حَوْشب، عن ابن عباس، أنه قرأها: ﴿لَعَلَّكُمْ تَسْلَمُونَ﴾ من الجراحات، قال أحمد بن يوسف: قال أبو عبيد: يعني بفتح التاء واللام. فتأويل الكلام على قراءة ابن عباس هذه: كذلك يتمّ نعمته عليكم بما جعل لكم من السرابيل التي تقيكم بأسكم، لتسلموا من السلاح في حروبكم، والقراءة التي لا أستجيز القراءة بخلافها بضم التاء من قوله ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ وكسر اللام من أسلمت تُسْلِم يا هذا، لإجماع الحجة من قرّاء الأمصار عليها. فإن قال لنا قائل: وكيف جعل لكم سرابيل تقيكم الحر، فخص بالذكر الحر دون البرد، وهي تقي الحر والبرد، أم كيف قيل ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ وترك ذكر ما جعل لهم من السهل؟ قيل له: قد اختُلِف في السبب الذي من أجله جاء التنزيل كذلك، وسنذكر ما قيل في ذلك ثم ندلّ على أولى الأقوال في ذلك بالصواب. فرُوِي عن عطاء الخراساني في ذلك ما:- ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا محمد بن كثير، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، قال: إنما نزل القرآن على قدر معرفتهم، ألا ترى إلى قول الله تعالى ذكره: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ وما جعل لهم من السهول أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبال، ألا ترى إلى قوله ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ ؟ وما جعل لهم من غير ذلك أعظم منه وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب وَبَر وَشَعر ألا ترى إلى قوله ﴿وَيُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ يعجِّبهم من ذلك؟ وما أنزل من الثلج أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفون به، ألا ترى إلى قوله ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وما تقي من البرد، أكثر وأعظم؟ ولكنهم كانوا أصحاب حرّ، فالسبب الذي من أجله خصّ الله تعالى ذِكرُه السرابيل بأنها تقي الحرّ دون البرد على هذا القول، هو أن المخاطبين بذلك كانوا أصحاب حرّ، فذكر الله تعالى ذكره نعمته عليهم بما يقيهم مكروه ما به عرفوا مكروهه دون ما لم يعرفوا مبلغ مكروهه، وكذلك ذلك في سائر الأحرف الأخَر. وقال آخرون: ذكر ذلك خاصة اكتفاء بذكر أحدهما من ذكر الآخر، إذ كان معلومًا عند المخاطبين به معناه، وأن السرابيل التي تقي الحرّ تقي أيضًا البرد وقالوا: ذلك موجود في كلام العرب مستعمل، واستشهدوا لقولهم بقول الشاعر: وَما أدْرِي إذا يَمَّمْتُ وَجْهًا ... أُرِيدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِينِي [[البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (ص ١٧٦) قال: وقوله (سرابيل تقيكم الحر) ولم = يقل "والبرد" فترك، لأن معناه معلوم، والله أعلم، كقول الشاعر: "وما أدري ... الخ البيت". يريد أن الخير والشر يليني، لأنه إذا أراد الخير، فهو يتقي الشر أهـ. وقد أفصح الشاعر في البيت الذي بعده عن مراده، وهو موافق لما قالوا: أَأَلْخَيْرُ الَّذِي أنا أبْتَغِيهِ ... أمِ الشَّرُّ الَّذِي هُوَ يَبْتَغِيني؟ والبيتان: لسحيم بن وثيل الرياحي، من قصيدة مطلعها: أفاطِمَ قَبْلَ بَيْنِكِ مَتَّعِيني ... ومَنْعُكِ ما سألْتِ كأنْ تَبِيني]] فقال: أيهما يليني: يريد الخير أو الشرّ، وإنما ذكر الخير لأنه إذا أراد الخير فهو يتقي الشرّ. وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: إن القوم خوطبوا على قدر معرفتهم، وإن كان في ذكر بعض ذلك دلالة على ما ترك ذكره لمن عرف المذكور والمتروك وذلك أن الله تعالى ذكره إنما عدّد نعمه التي أنعمها على الذين قُصدوا بالذكر في هذه السورة دون غيرهم، فذكر أياديه عندهم.

Al-Mukhtasar (français)

Allah mit à votre disposition les ombres des arbres et des édifices afin que vous vous abritiez de la chaleur et Il a creusé des grottes et des cavernes dans les montagnes où vous cherchez refuge contre le froid, la chaleur et les attaques des ennemis. Il a fait en sorte que vous fabriquiez des tuniques et des vêtements en coton et avec d’autres matières afin de vous protéger de la chaleur et du froid et que vous fabriquiez des armures qui vous protègent contre les coups que vous vous assenez en temps de guerre, empêchant ainsi les armes de transpercer vos corps. De la même façon qu’Allah vous a accordé ces bienfaits, Il les parachève pour que, peut-être, vous vous soumettiez à Lui Seul et ne Lui associiez aucune divinité.

82

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ

S'ils se détournent... il ne t'incombe que la communication claire.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَذْكُرُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَمَامَ نِعَمِهِ عَلَى عَبِيدِهِ، بِمَا جَعَلَ لَهُمْ مِنَ الْبُيُوتِ الَّتِي هِيَ سَكَنٌ لَهُمْ، يَأْوُونَ إِلَيْهَا، وَيَسْتَتِرُونَ بِهَا، وَيَنْتَفِعُونَ بِهَا سَائِرَ [[في ف: "سرائر".]] وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ، وَجَعَلَ لَهُمْ أَيْضًا ﴿مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا﴾ أَيْ: مِنَ الْأَدَمِ، يَسْتَخِفُّونَ حَمْلَهَا فِي أَسْفَارِهِمْ، لِيَضْرِبُوهَا [[في ت: "لتضربونها".]] لَهُمْ فِي إِقَامَتِهِمْ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ أَيِ: الْغَنَمِ، ﴿وَأَوْبَارِهَا﴾ أَيِ: الْإِبِلِ، ﴿وَأَشْعَارِهَا﴾ أَيِ: الْمَعْزِ -وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْأَنْعَامِ- ﴿أَثَاثًا﴾ أَيْ: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ أَثَاثًا، وَهُوَ الْمَالُ. وَقِيلَ: الْمَتَاعُ. وَقِيلَ: الثِّيَابُ وَالصَّحِيحُ أَعَمُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، فَإِنَّهُ يُتَّخَذُ مِنَ [[في ت، ف: "منه".]] الْأَثَاثِ الْبُسُطُ وَالثِّيَابُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَيُتَّخَذُ مَالًا وَتِجَارَةً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَثَاثُ: الْمَتَاعُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ أَيْ: إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى وَوَقْتٍ [[في ت، ف، أ: "أي إلى وقت".]] مَعْلُومٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: الشَّجَرَ. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ أَيْ: حُصُونًا وَمَعَاقِلَ، كَمَا ﴿جَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وَهِيَ الثِّيَابُ مِنَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَالصُّوفِ، ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ كَالدُّرُوعِ مِنَ الْحَدِيدِ المصفَّح والزَّرد وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: هَكَذَا يَجْعَلُ لَكُمْ مَا تَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى أَمْرِكُمْ، وَمَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، لِيَكُونَ -عَوْنًا لَكُمْ عَلَى طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ هَكَذَا فَسَّرَهُ الجمهور، وقرؤوه بِكَسْرِ اللَّامِ مِنْ " تُسْلِمُونَ " أَيْ: مِنَ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ [لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ] ﴾ [[زيادة من ت، ف، أ.]] هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمَّى سُورَةُ النِّعَم. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَعَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ حَنْظَلة السَّدُوسِيِّ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشَب، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا "تَسلَمون" بِفَتْحِ اللَّامِ، يَعْنِي مِنَ الْجِرَاحِ [[في ت، ف: "يعني من الجراح بفتح اللام".]] . رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ عَبَّادٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وردَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ [[تفسير الطبري (١٤/ ١٠٤) .]] . وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: إِنَّمَا نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى قَدْرِ مَعْرِفَةِ الْعَرَبِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ وَمَا جَعَلَ [لَكُمْ] [[زيادة من ف، أ.]] مِنَ السَّهْلِ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ [[في ت، ف: "واكبر".]] ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ جِبَالٍ [[في ف: "جبل".]] ؟ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ وَمَا جَعَلَ لَكُمْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأَكْثَرُ [[في ت، ف، أ: "أكبر".]] وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ وَبَرٍ وشَعَر، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النُّورِ: ٤٣] ، لِعَجَبِهِمْ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا أَنْزَلَ مِنَ الثَّلْجِ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ [[في ف: "وأكبر".]] ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَهُ؟ أَلَّا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وَمَا بَقِيَ مِنَ الْبَرْدِ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ [[في ف: "وأكبر".]] وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ حَرٍّ. * * وَقَوْلُهُ ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أَيْ: بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ وَهَذَا الِامْتِنَانِ، فَلَا عَلَيْكَ مِنْهُمْ، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ وَقَدْ أَدَّيْتَهُ إِلَيْهِمْ. ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ أَيْ: يَعْرِفُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُسْدِي إِلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمُتَفَضِّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَمَعَ هَذَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَيَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَيُسْنِدُونَ النَّصْرَ وَالرِّزْقَ [[في ف: "الرزق والنصر".]] إِلَى غَيْرِهِ، ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ -كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ. قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ. ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ، كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ، حَتَّى بَلَغَ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ فَوَلَّى الْأَعْرَابِيُّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [[أورده السيوطي في الدر المنثور (٥/ ١٥٥) وعزاه لابن أبي حاتم وهو مرسل.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فإن أدبر هؤلاء المشركون يا محمد عما أرسلتك به إليهم من الحقّ، فلم يستجيبوا لك وأعرضوا عنه، فما عليك من لوم ولا عذل لأنك قد أديت ما عليك في ذلك، إنه ليس عليك إلا بلاغهم ما أرسلت به. ويعني بقوله ﴿الْمُبِينُ﴾ الذي يبين لمن سمعه حتى يفهمه. وأما قوله ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنى بالنعمة التي أخبر الله تعالى ذكره عن هؤلاء المشركين أنهم ينكرونها مع معرفتهم بها، فقال بعضهم: هو النبيّ ﷺ عرفوا نبوته ثم جحدوها وكذبوه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السديّ ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ قال: محمد ﷺ. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن السديّ، مثله. وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم يعرفون أن ما عدد الله تعالى ذكره في هذه السورة من النعم من عند الله، وأن الله هو المنعم بذلك عليهم، ولكنهم يُنْكرون ذلك، فيزعمون أنهم ورثوه عن آبائهم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنا المثنى، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ قال: هي المساكن والأنعام وما يرزقون منها، والسرابيل من الحديد والثياب، تعرف هذا كفار قريش، ثم تنكره بأن تقول: هذا كان لآبائنا، فروّحونا [[قال في اللسان: في حديث أم زرع: وأراح على نعما ثريا: أي أعطاني. قال: والترويح: كالإراحة.]] إياه. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه، إلا أنه قال: فورّثونا إياها. وزاد في الحديث عن ابن جريج، قال ابن جريج: قال عبد الله بن كثير: يعلمون أن الله خلقهم وأعطاهم ما أعطاهم، فهو معرفتهم نعمته ثم إنكارهم إياها كفرهم بعد. وقال آخرون في ذلك، ما:- ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا معاوية، عن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن ليث، عن عون بن عبد الله بن عتبة ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ قال: إنكارهم إياها، أن يقول الرجل: لولا فلان ما كان كذا وكذا، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا. وقال آخرون: معنى ذلك أن الكفار إذا قيل لهم: من رزقكم؟ أقرّوا بأن الله هو الذي رزقهم، ثم يُنْكرون ذلك بقولهم: رزقنا ذلك بشفاعة آلهتنا. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب وأشبهها بتأويل الآية، قول من قال: عني بالنعمة التي ذكرها الله في قوله ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ النعمة عليهم بإرسال محمد ﷺ إليهم داعيًا إلى ما بعثه بدعائهم إليه، وذلك أن هذه الآية بين آيتين كلتاهما خبر عن رسول الله ﷺ وعما بعث به، فأولى ما بينهما أن يكون في معنى ما قبله وما بعده، إذ لم يكن معنى يدلّ على انصرافه عما قبله وعما بعده فالذي قبل هذه الآية قوله ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ وما بعده ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ وهو رسولها. فإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الآية: يعرف هؤلاء المشركون بالله نعمة الله عليهم يا محمد بك، ثم ينكرونك ويجحدون نبوّتك ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ يقول: وأكثر قومك الجاحدون نبوّتك، لا المقرّون بها.

Al-Mukhtasar (français)

S’ils rejettent la foi et refusent d’accorder du crédit à ce que tu apportes, sache ô Messager que tu n’es tenu que de transmettre ce qui t’a été ordonné de transmettre. Tu n’es donc pas chargé de les guider.

83

يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ

Ils reconnaissent le bienfait d'Allah; puis, ils le renient. Et la plupart d'entre eux sont des ingrats.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَذْكُرُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَمَامَ نِعَمِهِ عَلَى عَبِيدِهِ، بِمَا جَعَلَ لَهُمْ مِنَ الْبُيُوتِ الَّتِي هِيَ سَكَنٌ لَهُمْ، يَأْوُونَ إِلَيْهَا، وَيَسْتَتِرُونَ بِهَا، وَيَنْتَفِعُونَ بِهَا سَائِرَ [[في ف: "سرائر".]] وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ، وَجَعَلَ لَهُمْ أَيْضًا ﴿مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا﴾ أَيْ: مِنَ الْأَدَمِ، يَسْتَخِفُّونَ حَمْلَهَا فِي أَسْفَارِهِمْ، لِيَضْرِبُوهَا [[في ت: "لتضربونها".]] لَهُمْ فِي إِقَامَتِهِمْ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ أَيِ: الْغَنَمِ، ﴿وَأَوْبَارِهَا﴾ أَيِ: الْإِبِلِ، ﴿وَأَشْعَارِهَا﴾ أَيِ: الْمَعْزِ -وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْأَنْعَامِ- ﴿أَثَاثًا﴾ أَيْ: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ أَثَاثًا، وَهُوَ الْمَالُ. وَقِيلَ: الْمَتَاعُ. وَقِيلَ: الثِّيَابُ وَالصَّحِيحُ أَعَمُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، فَإِنَّهُ يُتَّخَذُ مِنَ [[في ت، ف: "منه".]] الْأَثَاثِ الْبُسُطُ وَالثِّيَابُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَيُتَّخَذُ مَالًا وَتِجَارَةً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَثَاثُ: الْمَتَاعُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ أَيْ: إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى وَوَقْتٍ [[في ت، ف، أ: "أي إلى وقت".]] مَعْلُومٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: الشَّجَرَ. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ أَيْ: حُصُونًا وَمَعَاقِلَ، كَمَا ﴿جَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وَهِيَ الثِّيَابُ مِنَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَالصُّوفِ، ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ كَالدُّرُوعِ مِنَ الْحَدِيدِ المصفَّح والزَّرد وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: هَكَذَا يَجْعَلُ لَكُمْ مَا تَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى أَمْرِكُمْ، وَمَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، لِيَكُونَ -عَوْنًا لَكُمْ عَلَى طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ هَكَذَا فَسَّرَهُ الجمهور، وقرؤوه بِكَسْرِ اللَّامِ مِنْ " تُسْلِمُونَ " أَيْ: مِنَ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ [لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ] ﴾ [[زيادة من ت، ف، أ.]] هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمَّى سُورَةُ النِّعَم. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَعَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ حَنْظَلة السَّدُوسِيِّ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشَب، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا "تَسلَمون" بِفَتْحِ اللَّامِ، يَعْنِي مِنَ الْجِرَاحِ [[في ت، ف: "يعني من الجراح بفتح اللام".]] . رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ عَبَّادٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وردَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ [[تفسير الطبري (١٤/ ١٠٤) .]] . وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: إِنَّمَا نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى قَدْرِ مَعْرِفَةِ الْعَرَبِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ وَمَا جَعَلَ [لَكُمْ] [[زيادة من ف، أ.]] مِنَ السَّهْلِ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ [[في ت، ف: "واكبر".]] ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ جِبَالٍ [[في ف: "جبل".]] ؟ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ وَمَا جَعَلَ لَكُمْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأَكْثَرُ [[في ت، ف، أ: "أكبر".]] وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ وَبَرٍ وشَعَر، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النُّورِ: ٤٣] ، لِعَجَبِهِمْ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا أَنْزَلَ مِنَ الثَّلْجِ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ [[في ف: "وأكبر".]] ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَهُ؟ أَلَّا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وَمَا بَقِيَ مِنَ الْبَرْدِ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ [[في ف: "وأكبر".]] وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ حَرٍّ. * * وَقَوْلُهُ ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أَيْ: بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ وَهَذَا الِامْتِنَانِ، فَلَا عَلَيْكَ مِنْهُمْ، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ وَقَدْ أَدَّيْتَهُ إِلَيْهِمْ. ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ أَيْ: يَعْرِفُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُسْدِي إِلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمُتَفَضِّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَمَعَ هَذَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَيَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَيُسْنِدُونَ النَّصْرَ وَالرِّزْقَ [[في ف: "الرزق والنصر".]] إِلَى غَيْرِهِ، ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ -كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ. قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ. ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ، كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ الْأَعْرَابِيُّ: نَعَمْ، حَتَّى بَلَغَ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ فَوَلَّى الْأَعْرَابِيُّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [[أورده السيوطي في الدر المنثور (٥/ ١٥٥) وعزاه لابن أبي حاتم وهو مرسل.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فإن أدبر هؤلاء المشركون يا محمد عما أرسلتك به إليهم من الحقّ، فلم يستجيبوا لك وأعرضوا عنه، فما عليك من لوم ولا عذل لأنك قد أديت ما عليك في ذلك، إنه ليس عليك إلا بلاغهم ما أرسلت به. ويعني بقوله ﴿الْمُبِينُ﴾ الذي يبين لمن سمعه حتى يفهمه. وأما قوله ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنى بالنعمة التي أخبر الله تعالى ذكره عن هؤلاء المشركين أنهم ينكرونها مع معرفتهم بها، فقال بعضهم: هو النبيّ ﷺ عرفوا نبوته ثم جحدوها وكذبوه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السديّ ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ قال: محمد ﷺ. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن السديّ، مثله. وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم يعرفون أن ما عدد الله تعالى ذكره في هذه السورة من النعم من عند الله، وأن الله هو المنعم بذلك عليهم، ولكنهم يُنْكرون ذلك، فيزعمون أنهم ورثوه عن آبائهم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنا المثنى، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ قال: هي المساكن والأنعام وما يرزقون منها، والسرابيل من الحديد والثياب، تعرف هذا كفار قريش، ثم تنكره بأن تقول: هذا كان لآبائنا، فروّحونا [[قال في اللسان: في حديث أم زرع: وأراح على نعما ثريا: أي أعطاني. قال: والترويح: كالإراحة.]] إياه. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه، إلا أنه قال: فورّثونا إياها. وزاد في الحديث عن ابن جريج، قال ابن جريج: قال عبد الله بن كثير: يعلمون أن الله خلقهم وأعطاهم ما أعطاهم، فهو معرفتهم نعمته ثم إنكارهم إياها كفرهم بعد. وقال آخرون في ذلك، ما:- ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا معاوية، عن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن ليث، عن عون بن عبد الله بن عتبة ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ قال: إنكارهم إياها، أن يقول الرجل: لولا فلان ما كان كذا وكذا، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا. وقال آخرون: معنى ذلك أن الكفار إذا قيل لهم: من رزقكم؟ أقرّوا بأن الله هو الذي رزقهم، ثم يُنْكرون ذلك بقولهم: رزقنا ذلك بشفاعة آلهتنا. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب وأشبهها بتأويل الآية، قول من قال: عني بالنعمة التي ذكرها الله في قوله ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ النعمة عليهم بإرسال محمد ﷺ إليهم داعيًا إلى ما بعثه بدعائهم إليه، وذلك أن هذه الآية بين آيتين كلتاهما خبر عن رسول الله ﷺ وعما بعث به، فأولى ما بينهما أن يكون في معنى ما قبله وما بعده، إذ لم يكن معنى يدلّ على انصرافه عما قبله وعما بعده فالذي قبل هذه الآية قوله ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ وما بعده ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ وهو رسولها. فإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الآية: يعرف هؤلاء المشركون بالله نعمة الله عليهم يا محمد بك، ثم ينكرونك ويجحدون نبوّتك ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ يقول: وأكثر قومك الجاحدون نبوّتك، لا المقرّون بها.

Al-Mukhtasar (français)

Les polythéistes sont conscients des bienfaits dont Allah les comble et l’un de ces bienfaits est qu’Il leur a envoyé un Prophète. Seulement, ils renient l’ensemble de ces bienfaits, ne se montrent pas reconnaissants et démentent Ses messagers. Cela est vrai pour la plupart d’entre eux.

84

وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًۭا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ

(Et rappelle-toi) le jour où de chaque communauté Nous susciterons un témoin, on ne permettra pas aux infidèles (de s'excuser), et on ne leur demandera pas de revenir [sur ce qui a provoqué la colère d'Allah].

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ شَأْنِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ مَعَادِهِمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَأَنَّهُ يَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا، وَهُوَ نَبِيُّهَا، يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِمَا أَجَابَتْهُ فِيمَا بَلَّغَهَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: فِي الِاعْتِذَارِ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ بُطْلَانَهُ وَكَذِبَهُ، كَمَا قَالَ: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٣٥، ٣٦] . وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أَيْ: أَشْرَكُوا ﴿الْعَذَابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ أَيْ: لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ سَاعَةً وَاحِدَةً، ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أَيْ: [وَ] [[زيادة من ت.]] لَا يُؤَخَّرُ عَنْهُمْ، بَلْ يَأْخُذُهُمْ سَرِيعًا مِنَ الْمَوْقِفِ بِلَا حِسَابٍ، فَإِنَّهُ إِذَا جِيءَ بِجَهَنَّمَ تُقَادُ بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، فَيُشْرِفُ عُنُق مِنْهَا عَلَى الْخَلَائِقِ، وَتَزْفِرُ زَفْرَةً لَا [[في ف: "فلا".]] يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا جَثَا لِرُكْبَتَيْهِ، فَتَقُولُ: إِنِّي وَكِّلْتُ بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِكَذَا وَكَذَا [[في ت، ف: "وبكذا".]] وَتَذْكُرُ [[في ف: "ويذكر".]] أَصْنَافًا مِنَ النَّاسِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ. ثُمَّ تَنْطَوِي [[في ف: "ينطوي".]] عَلَيْهِمْ وَتَتَلَقَّطَهُمْ مِنَ الْمَوْقِفِ كَمَا يَتَلَقَّطُ الطَّائِرُ الْحَبَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ١٢ -١٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الْكَهْفِ: ٥٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٣٩، ٤٠] . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ تَبرُّئِ آلِهَتِهِمْ مِنْهُمْ أَحْوَجَ مَا يَكُونُونَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾ أَيِ: الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ فِي الدُّنْيَا، ﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أَيْ: قَالَتْ لَهُمُ الْآلِهَةُ: كَذَبْتُمْ، مَا نَحْنُ أَمَرْنَاكُمْ [[في ف: "نحن ما أمرناكم".]] بِعِبَادَتِنَا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٥، ٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٨١، ٨٢] . وَقَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [[في ت: "وقال الخليل ويوم"، وفي ف: "وقال الخليل عليه السلام ويوم".]] يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ [[في ت، ف، أ، هـ: "وقيل ادعوا شركاءكم" والصواب ما أثبتناه.]] فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الْكَهْفِ: ٥٢] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ -قَالَ قَتَادَةُ، وَعِكْرِمَةُ: ذَلُّوا وَاسْتَسْلَمُوا يَوْمَئِذٍ، أَيِ: اسْتَسْلَمُوا لِلَّهِ جَمِيعِهِمْ، فَلَا أَحَدَ إِلَّا سَامِعٌ مُطِيعٌ، كَمَا قَالَ: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مَرْيَمَ: ٣٨] أَيْ: مَا أَسْمَعَهُمْ وَمَا أَبْصَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ! وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] ، وقال: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] أَيْ: خَضَعَتْ وَذَلَّتْ وَاسْتَكَانَتْ وَأَنَابَتْ وَاسْتَسْلَمَتْ. ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أَيْ: ذَهَبَ وَاضْمَحَلَّ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ وَلَا مُعِينَ وَلَا مُجِيزَ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ أَيْ: عَذَابًا عَلَى كُفْرِهِمْ، وَعَذَابًا عَلَى صَدِّهِمُ النَّاسَ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٦] أَيْ: يَنْهَوْنَ النَّاسَ، عَنِ اتِّبَاعِهِ، وَيَبْتَعِدُونَ هُمْ مِنْهُ أَيْضًا ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٦] وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَفَاوُتِ الْكُفَّارِ فِي عَذَابِهِمْ، كَمَا يَتَفَاوَتُ الْمُؤْمِنُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَدَرَجَاتِهِمْ، كَمَا قَالَ [اللَّه] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] . وَقَدْ قَالَ الحافظ أبو يعلى: حدثنا سُرَيْح بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّة، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قَالَ: زِيدُوا عَقَارِبَ أَنْيَابُهَا كَالنَّخْلِ الطُّوَالِ [[مسند أبي يعلى (٥/ ٦٦) ورواه الطبري في تفسيره (١٤/ ١٠٧) من طريق أبي معاوية عن الأعمش به.]] . وَحَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قَالَ: هِيَ خَمْسَةُ أَنْهَارٍ فَوْقَ [[في ت، ف، "تحت".]] الْعَرْشِ يُعَذَّبُونَ بِبَعْضِهَا بِاللَّيْلِ وَبِبَعْضِهَا بِالنَّهَارِ [[مسند أبي يعلى (٥/ ٦٦) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٩٠) : "رجاله رجال الصحيح".]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: يعرفون نعمة الله ثم يُنْكرونها اليوم ويستنكرون ﴿يَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ وهو الشاهد عليها بما أجابت داعي الله، وهو رسولهم الذي أرسل إليهم ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقول: ثم لا يؤذن للذين كفروا في الاعتذار، فيعتذروا مما كانوا بالله وبرسوله يكفرون ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ فيتركوا الرجوع إلى الدنيا فينيبوا ويتوبوا وذلك كما قال تعالى ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ . وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ وشاهدها نبيها، على أنه قد بلغ رسالات ربه، قال الله تعالى ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ﴾ . * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: وإذا عاين الذين كذّبوك يا محمد، وجَحَدُوا نُبوّتك والأمم الذين كانوا على منهاج مشركي قومك عذاب الله، فلا ينجيهم من عذاب الله شيء، لأنهم لا يؤذن لهم، فيعتذرون، فيخفَّف عنهم العذاب بالعذر الذي يدعونه، ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يقول: ولا يُرْجَئُون بالعقاب، لأن وقت التوبة والإنابة قد فات، فليس ذلك وقتا لهما، وإنما هو وقت للجزاء على الأعمال، فلا ينظر بالعتاب ليعتب بالتوبة.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, rappelle-toi du Jour où Allah ressuscitera de chaque peuple le messager qui lui a été envoyé afin d’attester de la foi de leurs croyants et de la mécréance de leurs mécréants. Ensuite, il ne sera pas permis aux mécréants de justifier leur mécréance et ils ne retourneront pas dans le bas monde afin d’œuvrer de manière à obtenir l’agrément de leur Seigneur. En effet, l’au-delà est une demeure de reddition de comptes et non une demeure où l’on œuvre.

85

وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ

Et quand les injustes verront le châtiment, on ne leur accordera ni allégement ni répit.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ شَأْنِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ مَعَادِهِمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَأَنَّهُ يَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا، وَهُوَ نَبِيُّهَا، يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِمَا أَجَابَتْهُ فِيمَا بَلَّغَهَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: فِي الِاعْتِذَارِ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ بُطْلَانَهُ وَكَذِبَهُ، كَمَا قَالَ: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٣٥، ٣٦] . وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أَيْ: أَشْرَكُوا ﴿الْعَذَابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ أَيْ: لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ سَاعَةً وَاحِدَةً، ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أَيْ: [وَ] [[زيادة من ت.]] لَا يُؤَخَّرُ عَنْهُمْ، بَلْ يَأْخُذُهُمْ سَرِيعًا مِنَ الْمَوْقِفِ بِلَا حِسَابٍ، فَإِنَّهُ إِذَا جِيءَ بِجَهَنَّمَ تُقَادُ بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، فَيُشْرِفُ عُنُق مِنْهَا عَلَى الْخَلَائِقِ، وَتَزْفِرُ زَفْرَةً لَا [[في ف: "فلا".]] يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا جَثَا لِرُكْبَتَيْهِ، فَتَقُولُ: إِنِّي وَكِّلْتُ بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِكَذَا وَكَذَا [[في ت، ف: "وبكذا".]] وَتَذْكُرُ [[في ف: "ويذكر".]] أَصْنَافًا مِنَ النَّاسِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ. ثُمَّ تَنْطَوِي [[في ف: "ينطوي".]] عَلَيْهِمْ وَتَتَلَقَّطَهُمْ مِنَ الْمَوْقِفِ كَمَا يَتَلَقَّطُ الطَّائِرُ الْحَبَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ١٢ -١٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الْكَهْفِ: ٥٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٣٩، ٤٠] . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ تَبرُّئِ آلِهَتِهِمْ مِنْهُمْ أَحْوَجَ مَا يَكُونُونَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾ أَيِ: الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ فِي الدُّنْيَا، ﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أَيْ: قَالَتْ لَهُمُ الْآلِهَةُ: كَذَبْتُمْ، مَا نَحْنُ أَمَرْنَاكُمْ [[في ف: "نحن ما أمرناكم".]] بِعِبَادَتِنَا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٥، ٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٨١، ٨٢] . وَقَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [[في ت: "وقال الخليل ويوم"، وفي ف: "وقال الخليل عليه السلام ويوم".]] يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ [[في ت، ف، أ، هـ: "وقيل ادعوا شركاءكم" والصواب ما أثبتناه.]] فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الْكَهْفِ: ٥٢] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ -قَالَ قَتَادَةُ، وَعِكْرِمَةُ: ذَلُّوا وَاسْتَسْلَمُوا يَوْمَئِذٍ، أَيِ: اسْتَسْلَمُوا لِلَّهِ جَمِيعِهِمْ، فَلَا أَحَدَ إِلَّا سَامِعٌ مُطِيعٌ، كَمَا قَالَ: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مَرْيَمَ: ٣٨] أَيْ: مَا أَسْمَعَهُمْ وَمَا أَبْصَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ! وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] ، وقال: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] أَيْ: خَضَعَتْ وَذَلَّتْ وَاسْتَكَانَتْ وَأَنَابَتْ وَاسْتَسْلَمَتْ. ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أَيْ: ذَهَبَ وَاضْمَحَلَّ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ وَلَا مُعِينَ وَلَا مُجِيزَ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ أَيْ: عَذَابًا عَلَى كُفْرِهِمْ، وَعَذَابًا عَلَى صَدِّهِمُ النَّاسَ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٦] أَيْ: يَنْهَوْنَ النَّاسَ، عَنِ اتِّبَاعِهِ، وَيَبْتَعِدُونَ هُمْ مِنْهُ أَيْضًا ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٦] وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَفَاوُتِ الْكُفَّارِ فِي عَذَابِهِمْ، كَمَا يَتَفَاوَتُ الْمُؤْمِنُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَدَرَجَاتِهِمْ، كَمَا قَالَ [اللَّه] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] . وَقَدْ قَالَ الحافظ أبو يعلى: حدثنا سُرَيْح بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّة، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قَالَ: زِيدُوا عَقَارِبَ أَنْيَابُهَا كَالنَّخْلِ الطُّوَالِ [[مسند أبي يعلى (٥/ ٦٦) ورواه الطبري في تفسيره (١٤/ ١٠٧) من طريق أبي معاوية عن الأعمش به.]] . وَحَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قَالَ: هِيَ خَمْسَةُ أَنْهَارٍ فَوْقَ [[في ت، ف، "تحت".]] الْعَرْشِ يُعَذَّبُونَ بِبَعْضِهَا بِاللَّيْلِ وَبِبَعْضِهَا بِالنَّهَارِ [[مسند أبي يعلى (٥/ ٦٦) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٩٠) : "رجاله رجال الصحيح".]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: يعرفون نعمة الله ثم يُنْكرونها اليوم ويستنكرون ﴿يَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ وهو الشاهد عليها بما أجابت داعي الله، وهو رسولهم الذي أرسل إليهم ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقول: ثم لا يؤذن للذين كفروا في الاعتذار، فيعتذروا مما كانوا بالله وبرسوله يكفرون ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ فيتركوا الرجوع إلى الدنيا فينيبوا ويتوبوا وذلك كما قال تعالى ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ . وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ وشاهدها نبيها، على أنه قد بلغ رسالات ربه، قال الله تعالى ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ﴾ . * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: وإذا عاين الذين كذّبوك يا محمد، وجَحَدُوا نُبوّتك والأمم الذين كانوا على منهاج مشركي قومك عذاب الله، فلا ينجيهم من عذاب الله شيء، لأنهم لا يؤذن لهم، فيعتذرون، فيخفَّف عنهم العذاب بالعذر الذي يدعونه، ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يقول: ولا يُرْجَئُون بالعقاب، لأن وقت التوبة والإنابة قد فات، فليس ذلك وقتا لهما، وإنما هو وقت للجزاء على الأعمال، فلا ينظر بالعتاب ليعتب بالتوبة.

Al-Mukhtasar (français)

Ce Jour-là, les polythéistes injustes verront de leurs yeux le châtiment qui leur est préparé et qu’on ne reportera pas le moment où ils le subiront. Ils leur sera plutôt instantanément infligé et pour l’éternité.

86

وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ قَالُوا۟ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَٰذِبُونَ

Quand les associateurs verront ceux qu'ils associaient à Allah, ils diront: «O notre Seigneur, voilà nos divinités que nous invoquions en dehors de Toi». Mais [leurs associés] leur adresseront la parole: «Vous êtes assurément des menteurs».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ شَأْنِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ مَعَادِهِمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَأَنَّهُ يَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا، وَهُوَ نَبِيُّهَا، يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِمَا أَجَابَتْهُ فِيمَا بَلَّغَهَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: فِي الِاعْتِذَارِ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ بُطْلَانَهُ وَكَذِبَهُ، كَمَا قَالَ: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٣٥، ٣٦] . وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أَيْ: أَشْرَكُوا ﴿الْعَذَابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ أَيْ: لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ سَاعَةً وَاحِدَةً، ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أَيْ: [وَ] [[زيادة من ت.]] لَا يُؤَخَّرُ عَنْهُمْ، بَلْ يَأْخُذُهُمْ سَرِيعًا مِنَ الْمَوْقِفِ بِلَا حِسَابٍ، فَإِنَّهُ إِذَا جِيءَ بِجَهَنَّمَ تُقَادُ بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، فَيُشْرِفُ عُنُق مِنْهَا عَلَى الْخَلَائِقِ، وَتَزْفِرُ زَفْرَةً لَا [[في ف: "فلا".]] يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا جَثَا لِرُكْبَتَيْهِ، فَتَقُولُ: إِنِّي وَكِّلْتُ بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِكَذَا وَكَذَا [[في ت، ف: "وبكذا".]] وَتَذْكُرُ [[في ف: "ويذكر".]] أَصْنَافًا مِنَ النَّاسِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ. ثُمَّ تَنْطَوِي [[في ف: "ينطوي".]] عَلَيْهِمْ وَتَتَلَقَّطَهُمْ مِنَ الْمَوْقِفِ كَمَا يَتَلَقَّطُ الطَّائِرُ الْحَبَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ١٢ -١٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الْكَهْفِ: ٥٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٣٩، ٤٠] . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ تَبرُّئِ آلِهَتِهِمْ مِنْهُمْ أَحْوَجَ مَا يَكُونُونَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾ أَيِ: الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ فِي الدُّنْيَا، ﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أَيْ: قَالَتْ لَهُمُ الْآلِهَةُ: كَذَبْتُمْ، مَا نَحْنُ أَمَرْنَاكُمْ [[في ف: "نحن ما أمرناكم".]] بِعِبَادَتِنَا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٥، ٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٨١، ٨٢] . وَقَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [[في ت: "وقال الخليل ويوم"، وفي ف: "وقال الخليل عليه السلام ويوم".]] يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ [[في ت، ف، أ، هـ: "وقيل ادعوا شركاءكم" والصواب ما أثبتناه.]] فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الْكَهْفِ: ٥٢] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ -قَالَ قَتَادَةُ، وَعِكْرِمَةُ: ذَلُّوا وَاسْتَسْلَمُوا يَوْمَئِذٍ، أَيِ: اسْتَسْلَمُوا لِلَّهِ جَمِيعِهِمْ، فَلَا أَحَدَ إِلَّا سَامِعٌ مُطِيعٌ، كَمَا قَالَ: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مَرْيَمَ: ٣٨] أَيْ: مَا أَسْمَعَهُمْ وَمَا أَبْصَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ! وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] ، وقال: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] أَيْ: خَضَعَتْ وَذَلَّتْ وَاسْتَكَانَتْ وَأَنَابَتْ وَاسْتَسْلَمَتْ. ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أَيْ: ذَهَبَ وَاضْمَحَلَّ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ وَلَا مُعِينَ وَلَا مُجِيزَ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ أَيْ: عَذَابًا عَلَى كُفْرِهِمْ، وَعَذَابًا عَلَى صَدِّهِمُ النَّاسَ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٦] أَيْ: يَنْهَوْنَ النَّاسَ، عَنِ اتِّبَاعِهِ، وَيَبْتَعِدُونَ هُمْ مِنْهُ أَيْضًا ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٦] وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَفَاوُتِ الْكُفَّارِ فِي عَذَابِهِمْ، كَمَا يَتَفَاوَتُ الْمُؤْمِنُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَدَرَجَاتِهِمْ، كَمَا قَالَ [اللَّه] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] . وَقَدْ قَالَ الحافظ أبو يعلى: حدثنا سُرَيْح بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّة، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قَالَ: زِيدُوا عَقَارِبَ أَنْيَابُهَا كَالنَّخْلِ الطُّوَالِ [[مسند أبي يعلى (٥/ ٦٦) ورواه الطبري في تفسيره (١٤/ ١٠٧) من طريق أبي معاوية عن الأعمش به.]] . وَحَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قَالَ: هِيَ خَمْسَةُ أَنْهَارٍ فَوْقَ [[في ت، ف، "تحت".]] الْعَرْشِ يُعَذَّبُونَ بِبَعْضِهَا بِاللَّيْلِ وَبِبَعْضِهَا بِالنَّهَارِ [[مسند أبي يعلى (٥/ ٦٦) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٩٠) : "رجاله رجال الصحيح".]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: وإذا رأى المشركون بالله يوم القيامة ما كانوا يعبدون من دون الله من الآلهة والأوثان وغير ذلك، قالوا: ربنا هؤلاء شركاؤنا في الكفر بك، والشركاء الذين كنا ندعوهم آلهة من دونك، قال الله تعالى ذكره ﴿فألْقَوْا﴾ يعني: شركاءهم الذين كانوا يعبدونهم من دون الله، القول، يقول: قالوا لهم: إنكم لكاذبون أيها المشركين، ما كنا ندعوكم إلى عبادتنا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء؛ وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ﴾ قال: حدّثوهم. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: وألقى المشركون إلى الله يومئذ السلم يقول: استسلموا يومئذ وذَلُّوا لحكمه فيهم، ولم تغن عنهم آلهتهم التي كانوا يدعون في الدنيا من دون الله، وتبرأت منهم، ولا قومهم، ولا عشائرهُم الذين كانوا في الدنيا يدافعون عنهم، والعرب تقول: ألقيت إليه كذا تعني بذلك قلت له. * * وقوله ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يقول: وأخطأهم من آلهتهم ما كانوا يأملون من الشفاعة عند الله بالنجاة. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ يقول: ذلوا واستسلموا يومئذ ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Lorsque les polythéistes verront dans l’au-delà leurs divinités qu’ils adoraient au lieu d’Allah, ils diront: Ô notre Seigneur, ce sont les associés que nous adorions à Ta place. Ils prononceront ces paroles afin de faire porter leurs péchés à leurs divinités, mais Allah ferra parler les divinités en question qui leur répondront: Ô polythéistes, vous mentiez lorsque vous adoriez des associés à Allah, car Allah n’a pas d’associé digne d’être adoré.

87

وَأَلْقَوْا۟ إِلَى ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

Ils offriront ce jour-là à Allah la soumission, et ce qu'ils avaient inventé sera perdu pour eux.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ شَأْنِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ مَعَادِهِمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَأَنَّهُ يَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا، وَهُوَ نَبِيُّهَا، يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِمَا أَجَابَتْهُ فِيمَا بَلَّغَهَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: فِي الِاعْتِذَارِ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ بُطْلَانَهُ وَكَذِبَهُ، كَمَا قَالَ: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٣٥، ٣٦] . وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أَيْ: أَشْرَكُوا ﴿الْعَذَابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ أَيْ: لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ سَاعَةً وَاحِدَةً، ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أَيْ: [وَ] [[زيادة من ت.]] لَا يُؤَخَّرُ عَنْهُمْ، بَلْ يَأْخُذُهُمْ سَرِيعًا مِنَ الْمَوْقِفِ بِلَا حِسَابٍ، فَإِنَّهُ إِذَا جِيءَ بِجَهَنَّمَ تُقَادُ بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، فَيُشْرِفُ عُنُق مِنْهَا عَلَى الْخَلَائِقِ، وَتَزْفِرُ زَفْرَةً لَا [[في ف: "فلا".]] يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا جَثَا لِرُكْبَتَيْهِ، فَتَقُولُ: إِنِّي وَكِّلْتُ بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِكَذَا وَكَذَا [[في ت، ف: "وبكذا".]] وَتَذْكُرُ [[في ف: "ويذكر".]] أَصْنَافًا مِنَ النَّاسِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ. ثُمَّ تَنْطَوِي [[في ف: "ينطوي".]] عَلَيْهِمْ وَتَتَلَقَّطَهُمْ مِنَ الْمَوْقِفِ كَمَا يَتَلَقَّطُ الطَّائِرُ الْحَبَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ١٢ -١٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الْكَهْفِ: ٥٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٣٩، ٤٠] . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ تَبرُّئِ آلِهَتِهِمْ مِنْهُمْ أَحْوَجَ مَا يَكُونُونَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾ أَيِ: الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ فِي الدُّنْيَا، ﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أَيْ: قَالَتْ لَهُمُ الْآلِهَةُ: كَذَبْتُمْ، مَا نَحْنُ أَمَرْنَاكُمْ [[في ف: "نحن ما أمرناكم".]] بِعِبَادَتِنَا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٥، ٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٨١، ٨٢] . وَقَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [[في ت: "وقال الخليل ويوم"، وفي ف: "وقال الخليل عليه السلام ويوم".]] يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ [[في ت، ف، أ، هـ: "وقيل ادعوا شركاءكم" والصواب ما أثبتناه.]] فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الْكَهْفِ: ٥٢] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ -قَالَ قَتَادَةُ، وَعِكْرِمَةُ: ذَلُّوا وَاسْتَسْلَمُوا يَوْمَئِذٍ، أَيِ: اسْتَسْلَمُوا لِلَّهِ جَمِيعِهِمْ، فَلَا أَحَدَ إِلَّا سَامِعٌ مُطِيعٌ، كَمَا قَالَ: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مَرْيَمَ: ٣٨] أَيْ: مَا أَسْمَعَهُمْ وَمَا أَبْصَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ! وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] ، وقال: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] أَيْ: خَضَعَتْ وَذَلَّتْ وَاسْتَكَانَتْ وَأَنَابَتْ وَاسْتَسْلَمَتْ. ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أَيْ: ذَهَبَ وَاضْمَحَلَّ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ وَلَا مُعِينَ وَلَا مُجِيزَ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ أَيْ: عَذَابًا عَلَى كُفْرِهِمْ، وَعَذَابًا عَلَى صَدِّهِمُ النَّاسَ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٦] أَيْ: يَنْهَوْنَ النَّاسَ، عَنِ اتِّبَاعِهِ، وَيَبْتَعِدُونَ هُمْ مِنْهُ أَيْضًا ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٦] وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَفَاوُتِ الْكُفَّارِ فِي عَذَابِهِمْ، كَمَا يَتَفَاوَتُ الْمُؤْمِنُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَدَرَجَاتِهِمْ، كَمَا قَالَ [اللَّه] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] . وَقَدْ قَالَ الحافظ أبو يعلى: حدثنا سُرَيْح بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّة، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قَالَ: زِيدُوا عَقَارِبَ أَنْيَابُهَا كَالنَّخْلِ الطُّوَالِ [[مسند أبي يعلى (٥/ ٦٦) ورواه الطبري في تفسيره (١٤/ ١٠٧) من طريق أبي معاوية عن الأعمش به.]] . وَحَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قَالَ: هِيَ خَمْسَةُ أَنْهَارٍ فَوْقَ [[في ت، ف، "تحت".]] الْعَرْشِ يُعَذَّبُونَ بِبَعْضِهَا بِاللَّيْلِ وَبِبَعْضِهَا بِالنَّهَارِ [[مسند أبي يعلى (٥/ ٦٦) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٩٠) : "رجاله رجال الصحيح".]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: وإذا رأى المشركون بالله يوم القيامة ما كانوا يعبدون من دون الله من الآلهة والأوثان وغير ذلك، قالوا: ربنا هؤلاء شركاؤنا في الكفر بك، والشركاء الذين كنا ندعوهم آلهة من دونك، قال الله تعالى ذكره ﴿فألْقَوْا﴾ يعني: شركاءهم الذين كانوا يعبدونهم من دون الله، القول، يقول: قالوا لهم: إنكم لكاذبون أيها المشركين، ما كنا ندعوكم إلى عبادتنا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء؛ وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ﴾ قال: حدّثوهم. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: وألقى المشركون إلى الله يومئذ السلم يقول: استسلموا يومئذ وذَلُّوا لحكمه فيهم، ولم تغن عنهم آلهتهم التي كانوا يدعون في الدنيا من دون الله، وتبرأت منهم، ولا قومهم، ولا عشائرهُم الذين كانوا في الدنيا يدافعون عنهم، والعرب تقول: ألقيت إليه كذا تعني بذلك قلت له. * * وقوله ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يقول: وأخطأهم من آلهتهم ما كانوا يأملون من الشفاعة عند الله بالنجاة. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ يقول: ذلوا واستسلموا يومئذ ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Les polythéistes se résigneront alors et se soumettront à Allah Seul et leur invention, à savoir que leurs idoles intercèderont en leur faveur auprès d’Allah, partira en fumée.

88

ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَٰهُمْ عَذَابًۭا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ

Ceux qui ne croyaient pas et obstruaient le sentier d'Allah, Nous leur ajouterons châtiment sur châtiment, pour la corruption qu'ils semaient (sur terre).

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ شَأْنِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ مَعَادِهِمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَأَنَّهُ يَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا، وَهُوَ نَبِيُّهَا، يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِمَا أَجَابَتْهُ فِيمَا بَلَّغَهَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: فِي الِاعْتِذَارِ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ بُطْلَانَهُ وَكَذِبَهُ، كَمَا قَالَ: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٣٥، ٣٦] . وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أَيْ: أَشْرَكُوا ﴿الْعَذَابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ أَيْ: لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ سَاعَةً وَاحِدَةً، ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أَيْ: [وَ] [[زيادة من ت.]] لَا يُؤَخَّرُ عَنْهُمْ، بَلْ يَأْخُذُهُمْ سَرِيعًا مِنَ الْمَوْقِفِ بِلَا حِسَابٍ، فَإِنَّهُ إِذَا جِيءَ بِجَهَنَّمَ تُقَادُ بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، فَيُشْرِفُ عُنُق مِنْهَا عَلَى الْخَلَائِقِ، وَتَزْفِرُ زَفْرَةً لَا [[في ف: "فلا".]] يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا جَثَا لِرُكْبَتَيْهِ، فَتَقُولُ: إِنِّي وَكِّلْتُ بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِكَذَا وَكَذَا [[في ت، ف: "وبكذا".]] وَتَذْكُرُ [[في ف: "ويذكر".]] أَصْنَافًا مِنَ النَّاسِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ. ثُمَّ تَنْطَوِي [[في ف: "ينطوي".]] عَلَيْهِمْ وَتَتَلَقَّطَهُمْ مِنَ الْمَوْقِفِ كَمَا يَتَلَقَّطُ الطَّائِرُ الْحَبَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ١٢ -١٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الْكَهْفِ: ٥٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٣٩، ٤٠] . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ تَبرُّئِ آلِهَتِهِمْ مِنْهُمْ أَحْوَجَ مَا يَكُونُونَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾ أَيِ: الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ فِي الدُّنْيَا، ﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أَيْ: قَالَتْ لَهُمُ الْآلِهَةُ: كَذَبْتُمْ، مَا نَحْنُ أَمَرْنَاكُمْ [[في ف: "نحن ما أمرناكم".]] بِعِبَادَتِنَا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٥، ٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٨١، ٨٢] . وَقَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [[في ت: "وقال الخليل ويوم"، وفي ف: "وقال الخليل عليه السلام ويوم".]] يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ [[في ت، ف، أ، هـ: "وقيل ادعوا شركاءكم" والصواب ما أثبتناه.]] فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الْكَهْفِ: ٥٢] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ -قَالَ قَتَادَةُ، وَعِكْرِمَةُ: ذَلُّوا وَاسْتَسْلَمُوا يَوْمَئِذٍ، أَيِ: اسْتَسْلَمُوا لِلَّهِ جَمِيعِهِمْ، فَلَا أَحَدَ إِلَّا سَامِعٌ مُطِيعٌ، كَمَا قَالَ: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مَرْيَمَ: ٣٨] أَيْ: مَا أَسْمَعَهُمْ وَمَا أَبْصَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ! وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] ، وقال: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] أَيْ: خَضَعَتْ وَذَلَّتْ وَاسْتَكَانَتْ وَأَنَابَتْ وَاسْتَسْلَمَتْ. ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أَيْ: ذَهَبَ وَاضْمَحَلَّ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ وَلَا مُعِينَ وَلَا مُجِيزَ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ أَيْ: عَذَابًا عَلَى كُفْرِهِمْ، وَعَذَابًا عَلَى صَدِّهِمُ النَّاسَ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٦] أَيْ: يَنْهَوْنَ النَّاسَ، عَنِ اتِّبَاعِهِ، وَيَبْتَعِدُونَ هُمْ مِنْهُ أَيْضًا ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٦] وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَفَاوُتِ الْكُفَّارِ فِي عَذَابِهِمْ، كَمَا يَتَفَاوَتُ الْمُؤْمِنُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَدَرَجَاتِهِمْ، كَمَا قَالَ [اللَّه] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] . وَقَدْ قَالَ الحافظ أبو يعلى: حدثنا سُرَيْح بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّة، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قَالَ: زِيدُوا عَقَارِبَ أَنْيَابُهَا كَالنَّخْلِ الطُّوَالِ [[مسند أبي يعلى (٥/ ٦٦) ورواه الطبري في تفسيره (١٤/ ١٠٧) من طريق أبي معاوية عن الأعمش به.]] . وَحَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قَالَ: هِيَ خَمْسَةُ أَنْهَارٍ فَوْقَ [[في ت، ف، "تحت".]] الْعَرْشِ يُعَذَّبُونَ بِبَعْضِهَا بِاللَّيْلِ وَبِبَعْضِهَا بِالنَّهَارِ [[مسند أبي يعلى (٥/ ٦٦) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٩٠) : "رجاله رجال الصحيح".]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: الذين جحدوا يا محمد نبوّتك وكذّبوك فيما جئتهم به من عند ربك، وصَدُّوا عن الإيمان بالله وبرسوله، ومن أراده زدناهم عذابًا يوم القيامة في جهنم فوق العذاب الذي هم فيه قبل أن يزادوه. وقيل: تلك الزيادة التي وعدهم الله أن يزيدهموها عقارب وحيات. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قال: عقارب لها أنياب كالنخل. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله مثله. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية وابن عيينة، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قال: زيدوا عقارب لها أنياب كالنخل الطوال. ⁕ حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله، مثله. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن سليمان، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله، نحوه. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن السدّي، عن مرّة، عن عبد الله، قال ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قال: أفاعِيَ. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السديّ، عن مرّة، عن عبد الله، قال: أفاعيَ في النار. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مرّة، عن عبد الله، مثله. ⁕ حدثنا مجاهد بن موسى والفضل بن الصباح، قالا ثنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا الأعمش، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، قال: إن لجهنم جبابا فيها حيات أمثال البخت [[البخت: هي الإبل الخراسانية، وهي جمال طوال الأعناق، الواحد حتى (اللسان) .]] وعقارب أمثال البغال الدهم، يستغيث أهل النار إلى تلك الجِباب أو الساحل، فتثب إليهم فتأخذ بشِفاههم وشفارهم إلى أقدامهم، فيستغيثون منها إلى النار، فيقولون: النارَ النارَ، فتتبعهم حتى تجد حرّها فترجع، قال: وهي في أسراب. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، قال: إن لجهنم سواحل فيها حيات وعقارب أعناقها كأعناق البخت. * * وقوله ﴿بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ يقول: زدناهم ذلك العذاب على ما بهم من العذاب بما كانوا يفسدون، بما كانوا في الدنيا يعصُون الله، ويأمرون عباده بمعصيته، فذلك كان إفسادهم، اللهم إنا نسألك العافية يا مالك الدنيا والآخرة الباقية.

Al-Mukhtasar (français)

En plus du châtiment mérité pour leur mécréance, Nous ferons subir d’autres supplices à ceux qui ont mécru en Allah et ont détourné autrui de Son chemin puisqu’ils étaient eux-mêmes corrompus et corrupteurs.

89

وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ تِبْيَٰنًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ

Et le jour où dans chaque communauté, Nous susciterons parmi eux-mêmes un témoin contre eux, Et Nous t'emmenerons [Muhammad] comme témoin contre ceux-ci. Et Nous avons fait descendre sur toi le Livre, comme un exposé explicite de toute chose, ainsi qu'un guide, une grâce et une bonne annonce aux Musulmans.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ﴾ [[في ت: "يبعث".]] يَعْنِي أُمَّتَهُ. أَيِ: اذْكُرْ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَهَوْلَهُ وَمَا مَنَحَكَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الشَّرَفِ الْعَظِيمِ وَالْمَقَامِ الرَّفِيعِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ شَبِيهَةٌ بِالْآيَةِ الَّتِي انْتَهَى إِلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حِينَ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَدْرَ سُورَةِ "النِّسَاءِ" فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النِّسَاءِ: ٤١] . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "حَسْبُكَ". قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَالْتَفَتُّ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٤١ من سورة النساء.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: [وَ] [[زيادة من ف.]] قَدْ بَيَّنَ لَنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ كُلَّ عِلْمٍ، وَكُلَّ شَيْءٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كُلُّ حَلَالٍ وَحَرَامٍ. وَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَعَمُّ وَأَشْمَلُ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ اشْتَمَلَ عَلَى كُلِّ عِلْمٍ نَافِعٍ مِنْ خَبَرِ مَا سَبَقَ، وَعِلْمِ مَا سَيَأْتِي، وَحُكْمِ كُلِّ حَلَالٍ وَحَرَامٍ، وَمَا النَّاسُ إِلَيْهِ محتاجون [[في ف: "محتاجون إليه".]] في أمر دنياهم ودينهم، ومعاشهم وَمَعَادِهِمْ. ﴿وَهُدًى﴾ أَيْ: لِلْقُلُوبِ، ﴿وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: ﴿وَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أَيْ: بِالسُّنَّةِ. وَوَجْهُ اقْتِرَانِ قَوْلِهِ: ﴿وَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ﴾ أَنَّ الْمُرَادَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ تَبْلِيغَ الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْكَ، سَائِلُكَ عَنْ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٦] ، ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٢، ٩٣] ، ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٠٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [الْقَصَصِ: ٨٥] أَيْ: إِنَّ الَّذِي أَوْجَبَ عَلَيْكَ تَبْلِيغَ الْقُرْآنِ لَرَادُّكَ إِلَيْهِ، وَمُعِيدُكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَسَائِلُكَ عَنْ أَدَاءِ مَا فَرَضَ عَلَيْكَ. هَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ، وَهُوَ مُتَّجه حَسَنٌ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ وَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) ﴾ يقول تعالى ذكره ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يقول: نسأل نبيهم الذي بعثناه إليهم للدعاء إلى طاعتنا، وقال ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ لأنه تعالى ذكره كان يبعث إلى أمم أنبياءها منها: ماذا أجابوكم، وما ردّوا عليكم ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ﴾ يقول لنبيه محمد ﷺ: وجئنا بك يا محمد شاهدا على قومك وأمتك الذين أرسلتك إليهم بما أجابوك، وماذا عملوا فيما أرسلتك به إليهم. * * وقوله ﴿وَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يقول: نزل عليك يا محمد هذا القرآن بيانا لكلّ ما بالناس إليه الحاجة من معرفة الحلال والحرام والثواب والعقاب ﴿وَهُدًى﴾ من الضلال ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن صدّق به، وعمل بما فيه من حدود الله، وأمره ونهيه، فأحل حلاله، وحرّم حرامه ﴿وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ يقول: وبشارة لمن أطاع الله وخضع له بالتوحيد، وأذعن له بالطاعة، يبشره بجزيل ثوابه في الآخرة، وعظيم كرامته. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، قال: ثنا أبان بن تغلب، عن الحكم، عن مجاهد ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ قال: مما أحلّ وحرّم. ⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن أبان بن تغلب، عن مجاهد، في قوله ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مما أحلّ لهم وحرّم عليهم. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، قوله ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ قال: ما أمر به، وما نَهَى عنه. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله ﴿وَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ قال: ما أُمِروا به، ونهوا عنه. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن أشعث، عن رجل، قال: قال ابن مسعود: أنزل في هذا القرآن كل علم وكلّ شيء قد بين لنا في القرآن. ثم تلا هذه الآية.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, rappelle-toi lorsque Nous ressusciterons de chaque peuple un messager issu de lui, qui parle sa langue et attestera de sa foi ou de sa mécréance et que Nous te convoquerons alors comme témoin pour attester de la foi ou de la mécréance de tous les peuples. Nous t’avons révélé le Coran afin d’exposer clairement tout ce qui nécessite d’être exposé: le licite, l’illicite, la récompense, la punition, etc… Nous l’avons révélé en guise de guidée vers la vérité pour les gens, de miséricorde pour ceux qui y croient et mettent en pratique ses enseignements et d’annonce des délices éternels qui attendent les croyants dans l’au-delà.

90

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

Certes, Allah commande l'équité, la bienfaisance et l'assistance aux proches. Et Il interdit la turpitude, l'acte répréhensible et la rébellion. Il vous exhorte afin que vous vous souveniez.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يَأْمُرُ عِبَادَهُ بِالْعَدْلِ، وَهُوَ الْقِسْطُ وَالْمُوَازَنَةُ، وَيَنْدِبُ إِلَى الْإِحْسَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٦] ، وَقَالَ ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشُّورَى: ٤٠] ، وَقَالَ ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٥] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى هَذَا، مِنْ [[في ف: "في".]] شَرْعِيَّةِ الْعَدْلِ وَالنَّدْبِ إِلَى الْفَضْلِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الْعَدْلُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: هُوَ اسْتِوَاءُ السَّرِيرَةِ وَالْعَلَانِيَةِ مِنْ كُلِّ عَامِلٍ لِلَّهِ عَمَلًا. وَالْإِحْسَانُ: أَنْ تَكُونَ [[في ف: "يكون".]] سَرِيرَتُهُ أَحْسَنَ مِنْ عَلَانِيَتِهِ. وَالْفَحْشَاءُ وَالْمُنْكِرُ: أَنْ تَكُونَ [[في ف: "يكون".]] عَلَانِيَتُهُ أَحْسَنَ مِنْ سَرِيرَتِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ أَيْ: يَأْمُرُ بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ فَالْفَوَاحِشُ: الْمُحَرَّمَاتُ. وَالْمُنْكَرَاتُ: مَا ظَهَرَ مِنْهَا مِنْ فَاعِلِهَا؛ وَلِهَذَا قِيلَ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٣] . وَأَمَّا الْبَغْيُ فَهُوَ: الْعُدْوَانُ عَلَى النَّاسِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرَ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يُدَّخَرُ لِصَاحِبِهِ فِي الْآخِرَةِ، مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ" [[رواه أحمد في المسند (٥/ ٣٦) وأبو داود في السنن برقم (٤٩٠٢) والترمذي في السنن برقم (٢٥١١) وابن ماجه في السنن برقم (٤٢١١) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".]] . * * وَقَوْلُهُ ﴿يَعِظُكُمْ﴾ أَيْ: يَأْمُرُكُمْ بِمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَيَنْهَاكُمْ عَمَّا [[في ف: "عن الذي".]] يَنْهَاكُمْ عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ قَالَ الشَّعْبِيُّ، عَنْ شُتَيْر بْنِ شَكَل: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: إِنَّ أَجْمَعَ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ﴾ الْآيَةَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (١٤/ ١٠٩) .]] . وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: قَوْلَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ﴾ الْآيَةَ، لَيْسَ مِنْ خُلُق حَسَنٍ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْمَلُونَ بِهِ وَيَسْتَحْسِنُونَهُ إِلَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَلَيْسَ مِنْ خُلُقٍ سَيِّئٍ كَانُوا يَتَعَايَرُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَقَدَّمَ فِيهِ. وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ سَفَاسِفِ الْأَخْلَاقِ وَمَذَامِّهَا. قُلْتُ: وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ، وَيَكْرَهُ سَفْسافها" [[رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق برقم (٣) وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٥٥) من طريق معمر، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مرفوعًا، وقال أبو نعيم: "غريب من حديث أبي حازم وسهل تفرد به عن أبي حازم معمر".]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيم فِي كِتَابِهِ "كِتَابُ مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ": حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَتْحِ الْحَنْبَلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى [[في ف: "حدثنا محمد بن يحيى".]] بْنُ مُحَمَّدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ دَاوُدَ المنْكَدري، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ [[في هـ، ت، أ: "علي بن عبد الله بن عمير" وهو خطأ، وانظر: معرفة الصحابة (٢/ ٤٢٠) والثقات لابن حبان (٧/ ٢٠٧) والإصابة (١/ ١١٨) .]] عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَلَغَ أَكْثَمَ بْنَ صَيْفِيٍّ مَخْرَجُ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْتِيَهُ فَأَبَى قَوْمُهُ أَنْ يَدَعُوهُ وَقَالُوا: أَنْتَ كَبِيرُنَا، لَمْ تَكُنْ لِتَخِفَّ إِلَيْهِ! قَالَ: فَلْيَأْتِهِ مَنْ يُبَلِّغُهُ عَنِّي وَيُبَلِّغُنِي عَنْهُ. فَانْتَدَبَ رَجُلَانِ فَأَتَيَا النَّبِيَّ [[في أ: "رسول الله".]] ﷺ فَقَالَا نَحْنُ رُسُلُ أَكْثَمَ بْنِ صَيْفِيٍّ، وَهُوَ يَسْأَلُكَ: مَنْ أَنْتَ؟ وَمَا أَنْتَ [[في ف: "من أنت وصفاتك وما جئت به".]] ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَمَا مَنْ أَنَا فَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَمَّا مَا أَنَا فَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ". قَالَ: ثُمَّ تَلَا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ قَالُوا: ارْدُدْ عَلَيْنَا هَذَا الْقَوْلَ فَرَدَّدَهُ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَفِظُوهُ. فَأَتَيَا أَكْثَمَ فَقَالَا أَبَى أَنْ يَرْفَعَ نَسَبَهُ، فَسَأَلْنَا عَنْ نَسَبِهِ، فَوَجَدْنَاهُ زَاكِيَ النَّسَبِ، وَسَطًا فِي مُضَرَ، وَقَدْ رَمَى إِلَيْنَا بِكَلِمَاتٍ قَدْ سَمِعْنَاهَا، فَلَمَّا سَمِعَهُنَّ أَكْثَمُ قَالَ: إِنِّي قَدْ أَرَاهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَيَنْهَى عَنْ مَلَائِمِهَا، فَكُونُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ رُءُوسًا، وَلَا تَكُونُوا فيه أذنابا [[معرفة الصحابة (٢/ ٤٢٠) قال ابن حجر: "وهو مرسل" وأورده ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ١٤٦) وأنكر كون أكثم بن صيفي من الصحابة وانظر: الإصابة (١/ ١١٩) .]] . وَقَدْ وَرَدَ فِي نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ حَدِيثٌ حَسن، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا شَهْرٌ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِفِنَاءِ بَيْتِهِ جَالِسٌ، إِذْ مَرَّ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَكَشَرَ [[في ف: "فكر".]] إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا تَجْلِسُ؟ " فَقَالَ: بَلَى. قَالَ: فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْتَقْبِلَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُهُ إِذْ شَخَص رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَصَرِهِ فِي السَّمَاءِ، فَنَظَرَ سَاعَةً إِلَى [السَّمَاءِ] [[زيادة من ت، ف، أ، والمسند.]] فَأَخَذَ يَضَعُ بَصَرَهُ حَتَّى وَضَعَهُ عَلَى يَمْنته فِي الْأَرْضِ، فتحرَّف رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ جَلِيسِهِ عُثْمَانَ إِلَى حَيْثُ وَضَعَ بَصَرَهُ فَأَخَذَ يُنْغِضُ رَأْسَهُ كَأَنَّهُ يَسْتَفْقِهُ مَا يُقَالُ لَهُ، وَابْنُ مَظْعُونٍ يَنْظُرُ فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ وَاسْتَفْقَهَ مَا يُقَالُ لَهُ، شَخَصَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى السَّمَاءِ كَمَا شَخَصَ أَوَّلَ مَرَّةٍ. فَأَتْبَعَهُ بَصَرَهُ حَتَّى تَوَارَى فِي السَّمَاءِ. فَأَقْبَلَ إِلَى عُثْمَانَ بِجِلْسَتِهِ الْأُولَى فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فِيمَا كُنْتُ أُجَالِسُكَ؟ مَا رَأَيْتُكَ تَفْعَلُ كَفِعْلِكَ الْغَدَاةَ! قَالَ: "وَمَا رَأَيْتَنِي فَعَلْتُ؟ " قَالَ: رَأَيْتُكَ شَخَصَ بَصَرُكَ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ وَضَعْتَهُ حَيْثُ وَضَعْتَهُ عَلَى يَمِينِكَ، فَتَحَرَّفْتَ إِلَيْهِ وَتَرَكْتَنِي، فَأَخَذْتَ تُنْغِضُ رَأْسَكَ كَأَنَّكَ تَسْتَفْقِهُ شَيْئًا يُقَالُ لَكَ. قَالَ: "وَفَطِنْتَ لِذَلِكَ؟ " فَقَالَ عُثْمَانُ: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ آنِفًا وَأَنْتَ جَالِسٌ". قَالَ: رسولُ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَمَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ قَالَ عُثْمَانُ: فَذَلِكَ حِينَ اسْتَقَرَّ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِي، وَأَحْبَبْتُ مُحَمَّدًا ﷺ [[المسند (١/ ٣١٨) .]] . إِسْنَادٌ جَيِّدٌ مُتَّصِلٌ حَسَنٌ، قَدْ [[في ف: "وقد".]] بُيِّن فِيهِ السَّمَاعُ الْمُتَّصِلُ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهرام مُخْتَصَرًا. حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ فِي ذَلِكَ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا هُرَيْم، عَنْ لَيْث، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشَب، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا، إِذْ شَخَصَ بَصره فَقَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَضَعَ هَذِهِ الْآيَةَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ [وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ] ﴾ [[زيادة من ف، أ، وفي هـ: "الآية".]] [[المسند (٤/ ٢١٨) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَعَلَّهُ عِنْدَ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الله يأمر في هذا الكتاب الذي أنزله إليك يا محمد بالعدل، وهو الإنصاف، ومن الإنصاف: الإقرار بمن أنعم علينا بنعمته، والشكر له على إفضاله، وتولي الحمد أهله. وإذا كان ذلك هو العدل، ولم يكن للأوثان والأصنام عندنا يد تستحقّ الحمد عليها، كان جهلا بنا حمدها وعبادتها، وهي لا تنعِم فتشكر، ولا تنفع فتعبد، فلزمنا أن نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولذلك قال من قال: العدل في هذا الموضع شهادة أن لا إله إلا الله. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، وعلي بن داود، قالا ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله وقوله والإحسان، فإن الإحسان الذي أمر به تعالى ذكره مع العدل الذي وصفنا صفته: الصبر لله على طاعته فيما أمر ونهى، في الشدّة والرخاء، والمَكْرَه والمَنْشَط، وذلك هو أداء فرائضه. كما:- ⁕ حدثني المثنى، وعليّ بن داود، قالا ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿وَالإحْسَانِ﴾ يقول: أداء الفرائض. * * وقوله ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ يقول: وإعطاء ذي القربى الحقّ الذي أوجبه الله عليك بسبب القرابة والرحم. كما:- ⁕ حدثني المثنى وعلي، قالا ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ يقول: الأرحام. * * وقوله ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ قال: الفحشاء في هذا الموضع: الزنا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني المثنى، وعليّ بن داود، قالا ثنا عبد الله بن صالح، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ يقول: الزنا. وقد بيَّنا معنى الفحشاء بشواهده فيما مضى قبل. * * وقوله ﴿والبَغْيِ﴾ قيل: عُنِيَ بالبغي في هذا الموضع: الكبر والظلم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني المثنى، وعليّ بن داود، قالا ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿والبَغْيِ﴾ يقول: الكبر والظلم. وأصل البغي: التعدّي ومجاوزة القدر والحدّ من كلّ شيء. وقد بيَّنا ذلك فيما مضى قبل. * * وقوله ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ يقول: يذكركم أيها الناس ربكم لتذكروا فتنيبوا إلى أمره ونهيه، وتعرفوا الحقّ لأهله. كما:- ⁕ حدثني المثنى وعليّ بن داود، قالا ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿يَعِظُكُمْ﴾ يقول: يوصيكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ . وقد ذُكر عن ابن عيينة أنه كان يقول في تأويل ذلك: إن معنى العدل في هذا الموضع استواء السريرة والعلانية من كلّ عامل لله عملا وإن معنى الإحسان: أن تكون سريرته أحسن من علانيته، وإن الفحشاء والمنكر أن تكون علانيته أحسن من سريرته. وذُكر عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول في هذه الآية، ما:- ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت منصور بن النعمان، عن عامر، عن شتَير بن شَكَل، قال: سمعت عبد الله يقول: إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ ... إلى آخر الآية. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الشعبيّ، عن سُتَيْر بن شَكَل، قال: سمعت عبد الله يقول: إن أجمع آية في القرآن لخير أو لشر، آية في سورة النحل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ﴾ .... الآية. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ ... الآية، إنه ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به، وليس من خُلق سيِّئ كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدّم فيه. وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومَذامِّها.

Al-Mukhtasar (français)

Allah ordonne à Ses serviteurs la justice, qui consiste à s’acquitter des droits d’Allah et des droits des serviteurs et à ne pas favoriser quelqu’un lorsque l’on juge, si ce n’est avec raison. Il ordonne la bienfaisance, qui consiste à accomplir de bon cœur une bonne œuvre non obligatoire, comme faire l’aumône et pardonner à un offenseur. Il ordonne également de mettre à la disposition de ses proches tout ce dont ils ont besoin. D’autre part, Il défend tout ce qui est hideux comme paroles, à l’image des obscénités par exemple, et comme agissements, à l’image de la fornication. Il défend ce que la religion réprouve, c’est-à-dire tout péché, et interdit également l’injustice et l’arrogance. Allah vous explique ce qu’Il vous a ordonné et défendu dans ce verset en guise d’exhortation, allez-vous en déduire des enseignements?

91

وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ

Soyez fidèles au pacte d'Allah après l'avoir contracté et ne violez pas vos serments après les avoir solennellement prêtés et avoir pris Allah comme garant [de votre bonne foi]. Vraiment Allah sait ce que vous faites!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

وَهَذَا مِمَّا يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ [[في ت، ف، أ: "به تعالى".]] وَهُوَ الْوَفَاءُ بِالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْأَيْمَانِ الْمُؤَكَّدَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا [وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ] ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٤] [[زيادة من ف، أ.]] وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٨٩] أَيْ: لَا تَتْرُكُوهَا بِلَا تَكْفِيرٍ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في ف، أ: "صلى الله عليه وسلم".]] فِيمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[في ت: "الصحيح".]] : إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا". وَفِي رِوَايَةٍ: "وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي" لَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا كُلِّهِ، وَلَا بَيْنَ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ هَاهُنَا وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا] ﴾ [[زيادة من ت، ف، أ.]] ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَيْمَانَ، الْمُرَادَ بِهَا الدَّاخِلَةُ فِي الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ، لَا الْأَيْمَانَ الَّتِي هِيَ وَارِدَةٌ عَلَى حَثّ أَوْ مَنْعٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ يَعْنِي: الحِلْف، أَيْ: حلْفَ الْجَاهِلِيَّةِ؛ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ -هُوَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ-حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَكَرِيَّا -هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ-عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جُبَيْر بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا حِلْف فِي الْإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً". وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، بِهِ [[المسند (٤/ ٨٣) وصحيح مسلم برقم (٢٥٣٠) .]] . وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى الحلْف الَّذِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَهُ، فَإِنَّ فِي التَّمَسُّكِ بِالْإِسْلَامِ كِفَايَةً عَمَّا كَانُوا فِيهِ. وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: حَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي دَارِنَا [[صحيح البخاري برقم (٢٢٩٤) وصحيح مسلم برقم (٢٥٢٩) .]] -فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ آخَى بَيْنَهُمْ، فَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِهِ، حَتَّى نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ [[في ت: "عبد الله".]] بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مَزِيدة [[في ف: "بريدة".]] فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَيْعَةِ النَّبِيِّ ﷺ، كَانَ مَنْ أَسْلَمَ بَايَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ هَذِهِ البيعة التي بايعتم عَلَى الْإِسْلَامِ، ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ الْبَيْعَةَ، لَا يَحْمِلَنَّكُمْ قِلَّةُ مُحَمَّدٍ [وَأَصْحَابِهِ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] وَكَثْرَةُ الْمُشْرِكِينَ أَنْ تَنْقُضُوا الْبَيْعَةَ الَّتِي تَبَايَعْتُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيرية، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَمَّا خَلَعَ النَّاسُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ بَنِيهِ وَأَهْلَهُ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "إن الْغَادِرَ يُنصب لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ [[في ت، ف: "يقال".]] هَذِهِ غَدْرة فُلَانٍ وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الغَدْر -إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِشْرَاكَ بِاللَّهِ-أَنْ يُبَايِعَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى بَيْعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يَنْكُثُ بَيْعَتَهُ، فَلَا يَخْلَعَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَزِيدَ وَلَا يُسْرِفَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ، فَيَكُونَ صَيْلم بَيْنِي وَبَيْنَهُ" [[المسند (٢/ ٤٨) .]] . الْمَرْفُوعُ مِنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٣١٨٨) وصحيح مسلم برقم (١٧٣٥) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ شَرَطَ لِأَخِيهِ شَرْطًا، لَا يُرِيدُ أَنْ يَفِيَ لَهُ بِهِ، فَهُوَ كَالْمُدْلِي جَارَهُ إِلَى غَيْرِ مَنْعَة" [[المسند (٥/ ٤٠٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ لِمَنْ نَقَضَ الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، وَالسُّدِّيُّ: هَذِهِ امْرَأَةٌ خَرْقَاءُ كَانَتْ بِمَكَّةَ، كُلَمَّا غَزَلَتْ شَيْئًا نَقَضَتْهُ بَعْدَ إِبْرَامِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هَذَا مَثَلٌ لِمَنْ نَقَضَ عَهْدَهُ بَعْدَ تَوْكِيدِهِ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَرْجَحُ وَأَظْهَرُ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِمَكَّةَ امْرَأَةٌ تَنْقُضُ غَزْلَهَا أَمْ لَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْكَاثًا﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ مَصْدَرٍ: نَقَضَتْ غَزْلَهَا أَنْكَاثًا، أَيْ: أَنْقَاضًا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ خَبَرٍ كَانَ، أَيْ: لَا تَكُونُوا أَنْكَاثًا، جَمْعُ نَكْثٍ مِنْ نَاكِثٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ أَيْ: خَدِيعَةً وَمَكْرًا، ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أَيْ: يَحْلِفُونَ لِلنَّاسِ إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْكُمْ لِيَطْمَئِنُّوا إِلَيْكُمْ، فَإِذَا أَمْكَنَكُمُ الْغَدْرُ بِهِمْ غَدَرتم. فَنَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، لِيُنَبِّهَ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى؛ إِذَا كَانَ قَدْ نَهَى عَنِ الْغَدْرِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَلَأَنْ يَنْهَى عَنْهُ مَعَ التَّمَكُّنِ وَالْقُدْرَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَقَدْ قَدَّمْنَا -وَلِلَّهِ الْحَمْدُ-فِي سُورَةِ "الْأَنْفَالِ" [[عند تفسير الآية: ٥٨.]] قِصَّةَ مُعَاوِيَةَ لَمَّا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَلِكِ الرُّومِ أمَدٌ، فَسَارَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهِمْ فِي آخِرِ الْأَجَلِ، حَتَّى إِذَا انْقَضَى وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ بِلَادِهِمْ، أَغَارَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ غَارُّونَ لَا يَشْعُرُونَ، فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ عَبْسَة: اللَّهُ أَكْبَرُ يَا مُعَاوِيَةُ، وَفَاءً لَا غَدْرًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ أَجْلٌ فَلَا يَحِلَّنَّ عُقدة حَتَّى يَنْقَضِيَ أمَدها". فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ بِالْجَيْشِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أَيْ: أَكْثَرُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا يُحَالِفُونَ الْحُلَفَاءَ، فَيَجِدُونَ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَعَزَّ، فَيَنْقُضُونَ حِلْفَ هَؤُلَاءِ وَيُحَالِفُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هُمْ أَكْثَرُ وَأَعَزُّ. فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ نَحْوَهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير: يَعْنِي بِالْكَثْرَةِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَيْ: بِأَمْرِهِ إِيَّاكُمْ بِالْوَفَاءِ وَالْعَهْدِ. ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) ﴾ يقول تعالى ذكره: وأوفوا بميثاق الله إذا واثقتموه، وعقده إذا عاقدتموه، فأوجبتم به على أنفسكم حقا لمن عاقدتموه به وواثقتموه عليه ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ يقول: ولا تخالفوا الأمر الذي تعاقدتم فيه الأيمان، يعني بعد ما شددتم الأيمان على أنفسكم، فتحنثوا في أيمانكم وتكذبوا فيها وتنقضوها بعد إبرامها، يقال منه: وكَّد فلان يمينه يوكدها توكيدًا: إذا شددها وهي لغة أهل الحجاز، وأما أهل نجد، فإنهم يقولون: أكدتها أؤكدها تأكيدا. * * وقوله ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا﴾ يقول: وقد جعلتم الله بالوفاء بما تعاقدتم عليه على أنفسكم راعيًا يرعى الموفى منكم بعهد الله الذي عاهد على الوفاء به والناقض. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل على اختلاف بينهم فيمن عني بهذه الآية وفيما أنزلت، فقال بعضهم: عُنِيَ بها الذين بايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام، وفيهم أنزلت. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو ليلى، عن بريدة، قوله ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ قال: أنزلت هذه الآية في بيعة النبيّ ﷺ، كان من أسلم بايع على الإسلام، فقالوا ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ هذه البَيعة التي بايعتم على الإسلام ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ البيعة، فلا يحملكم قلة محمد ﷺ وأصحابه وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام، وإن كان فيهم قلة والمشركين فيهم كثرة. وقال آخرون: نزلت في الحِلْف الذي كان أهل الشرك تحالفوا في الجاهلية، فأمرهم الله عزّ وجلّ في الإسلام أن يوفّوا به ولا ينقضوه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ قال: تغليظها في الحلف. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ يقول: بعد تشديدها وتغليظها. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: هؤلاء قوم كانوا حلفاء لقوم تحالفوا وأعطى بعضهم العهد، فجاءهم قوم، فقالوا: نحن أكثر وأعزّ وأمنع، فانقضوا عهد هؤلاء وارجعوا إلينا ففعلوا، فذلك قول الله تعالى ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا﴾ أن تكون أمة هي أربى من أمة، هي أربَى أكثر من أجل أن كان هؤلاء أكثر من أولئك، نقضتم العهد فيما بينكم وبين هؤلاء، فكان هذا في هذا. ⁕ حدثني ابن البَرقيّ، قال: ثنا ابن أبي مَريم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: سألت يحيى بن سعيد، عن قول الله ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ قال: العهود. والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى أمر في هذه الآية عباده بالوفاء بعهوده التي يجعلونها على أنفسهم، ونهاهم عن نقض الأيمان بعد توكيدها على أنفسهم لآخرين بعقود تكون بينهم بحقّ مما لا يكرهه الله. وجائز أن تكون نزلت في الذين بايعوا رسول الله ﷺ بنهيهم عن نقض بيعتهم حذرا من قلة عدد المسلمين وكثرة عدد المشركين، وأن تكون نزلت في الذين أرادوا الانتقال بحلفهم عن حلفائهم لقلة عددهم في آخرين لكثرة عددهم، وجائز أن تكون في غير ذلك. ولا خبر تَثْبُت به الحجة أنها نزلت في شيء من ذلك دون شيء؛ ولا دلالة في كتاب ولا حجة عقل أيّ ذلك عُنِيَ بها، ولا قول في ذلك أولى بالحق مما قلنا لدلالة ظاهره عليه، وأن الآية كانت قد نزلت لسبب من الأسباب، ويكون الحكم بها عامًّا في كلّ ما كان بمعنى السبب الذي نزلت فيه. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا﴾ قال: وكيلا. * * وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الله أيها الناس يعلم ما تفعلون في العهود التي تعاهدون الله من الوفاء بها والأحلاف والأيمان التي تؤكدونها على أنفسكم، أتبرّون فيها أم تنقضونها وغير ذلك من أفعالكم، محص ذلك كله عليكم، وهو مسائلكم عنها وعما عملتم فيها، يقول: فاحذروا الله أن تلقوه وقد خالفتم فيها أمره ونهيه، فتستوجبوا بذلك منه ما لا قِبَل لكم به من أليم عقابه.

Al-Mukhtasar (français)

Remplissez chaque engagement pris avec Allah ou avec les gens et ne commettez pas de parjure quand vous faites un serment solennellement appuyé par le nom d’Allah et que vous avez pris Allah à témoin de votre intention d’y rester fidèle. Allah sait ce que vous faites: rien de vos agissements ne Lui échappe et Il vous rétribuera en fonction de ceux-ci.

92

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثًۭا تَتَّخِذُونَ أَيْمَٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

Et ne faites pas comme celle qui défaisait brin par brin sa quenouille après l'avoir solidement filée, en prenant vos serments comme un moyen pour vous tromper les uns les autres, du fait que (vous avez trouvé) une communauté plus forte et plus nombreuse que l'autre. Allah ne fait, par là, que vous éprouver. Et, certes, Il vous montrera clairement, au Jour de la Résurrection ce sur quoi vous vous opposiez.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

وَهَذَا مِمَّا يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ [[في ت، ف، أ: "به تعالى".]] وَهُوَ الْوَفَاءُ بِالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْأَيْمَانِ الْمُؤَكَّدَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا [وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ] ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٤] [[زيادة من ف، أ.]] وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٨٩] أَيْ: لَا تَتْرُكُوهَا بِلَا تَكْفِيرٍ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في ف، أ: "صلى الله عليه وسلم".]] فِيمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[في ت: "الصحيح".]] : إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا". وَفِي رِوَايَةٍ: "وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي" لَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا كُلِّهِ، وَلَا بَيْنَ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ هَاهُنَا وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا] ﴾ [[زيادة من ت، ف، أ.]] ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَيْمَانَ، الْمُرَادَ بِهَا الدَّاخِلَةُ فِي الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ، لَا الْأَيْمَانَ الَّتِي هِيَ وَارِدَةٌ عَلَى حَثّ أَوْ مَنْعٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ يَعْنِي: الحِلْف، أَيْ: حلْفَ الْجَاهِلِيَّةِ؛ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ -هُوَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ-حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَكَرِيَّا -هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ-عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جُبَيْر بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا حِلْف فِي الْإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً". وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، بِهِ [[المسند (٤/ ٨٣) وصحيح مسلم برقم (٢٥٣٠) .]] . وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى الحلْف الَّذِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَهُ، فَإِنَّ فِي التَّمَسُّكِ بِالْإِسْلَامِ كِفَايَةً عَمَّا كَانُوا فِيهِ. وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: حَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي دَارِنَا [[صحيح البخاري برقم (٢٢٩٤) وصحيح مسلم برقم (٢٥٢٩) .]] -فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ آخَى بَيْنَهُمْ، فَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِهِ، حَتَّى نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ [[في ت: "عبد الله".]] بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مَزِيدة [[في ف: "بريدة".]] فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَيْعَةِ النَّبِيِّ ﷺ، كَانَ مَنْ أَسْلَمَ بَايَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ هَذِهِ البيعة التي بايعتم عَلَى الْإِسْلَامِ، ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ الْبَيْعَةَ، لَا يَحْمِلَنَّكُمْ قِلَّةُ مُحَمَّدٍ [وَأَصْحَابِهِ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] وَكَثْرَةُ الْمُشْرِكِينَ أَنْ تَنْقُضُوا الْبَيْعَةَ الَّتِي تَبَايَعْتُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيرية، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَمَّا خَلَعَ النَّاسُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ بَنِيهِ وَأَهْلَهُ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "إن الْغَادِرَ يُنصب لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ [[في ت، ف: "يقال".]] هَذِهِ غَدْرة فُلَانٍ وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الغَدْر -إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِشْرَاكَ بِاللَّهِ-أَنْ يُبَايِعَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى بَيْعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يَنْكُثُ بَيْعَتَهُ، فَلَا يَخْلَعَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَزِيدَ وَلَا يُسْرِفَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ، فَيَكُونَ صَيْلم بَيْنِي وَبَيْنَهُ" [[المسند (٢/ ٤٨) .]] . الْمَرْفُوعُ مِنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٣١٨٨) وصحيح مسلم برقم (١٧٣٥) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ شَرَطَ لِأَخِيهِ شَرْطًا، لَا يُرِيدُ أَنْ يَفِيَ لَهُ بِهِ، فَهُوَ كَالْمُدْلِي جَارَهُ إِلَى غَيْرِ مَنْعَة" [[المسند (٥/ ٤٠٤) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ لِمَنْ نَقَضَ الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، وَالسُّدِّيُّ: هَذِهِ امْرَأَةٌ خَرْقَاءُ كَانَتْ بِمَكَّةَ، كُلَمَّا غَزَلَتْ شَيْئًا نَقَضَتْهُ بَعْدَ إِبْرَامِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هَذَا مَثَلٌ لِمَنْ نَقَضَ عَهْدَهُ بَعْدَ تَوْكِيدِهِ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَرْجَحُ وَأَظْهَرُ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِمَكَّةَ امْرَأَةٌ تَنْقُضُ غَزْلَهَا أَمْ لَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْكَاثًا﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ مَصْدَرٍ: نَقَضَتْ غَزْلَهَا أَنْكَاثًا، أَيْ: أَنْقَاضًا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ خَبَرٍ كَانَ، أَيْ: لَا تَكُونُوا أَنْكَاثًا، جَمْعُ نَكْثٍ مِنْ نَاكِثٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ أَيْ: خَدِيعَةً وَمَكْرًا، ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أَيْ: يَحْلِفُونَ لِلنَّاسِ إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْكُمْ لِيَطْمَئِنُّوا إِلَيْكُمْ، فَإِذَا أَمْكَنَكُمُ الْغَدْرُ بِهِمْ غَدَرتم. فَنَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، لِيُنَبِّهَ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى؛ إِذَا كَانَ قَدْ نَهَى عَنِ الْغَدْرِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَلَأَنْ يَنْهَى عَنْهُ مَعَ التَّمَكُّنِ وَالْقُدْرَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَقَدْ قَدَّمْنَا -وَلِلَّهِ الْحَمْدُ-فِي سُورَةِ "الْأَنْفَالِ" [[عند تفسير الآية: ٥٨.]] قِصَّةَ مُعَاوِيَةَ لَمَّا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَلِكِ الرُّومِ أمَدٌ، فَسَارَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهِمْ فِي آخِرِ الْأَجَلِ، حَتَّى إِذَا انْقَضَى وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ بِلَادِهِمْ، أَغَارَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ غَارُّونَ لَا يَشْعُرُونَ، فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ عَبْسَة: اللَّهُ أَكْبَرُ يَا مُعَاوِيَةُ، وَفَاءً لَا غَدْرًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ أَجْلٌ فَلَا يَحِلَّنَّ عُقدة حَتَّى يَنْقَضِيَ أمَدها". فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ بِالْجَيْشِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أَيْ: أَكْثَرُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا يُحَالِفُونَ الْحُلَفَاءَ، فَيَجِدُونَ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَعَزَّ، فَيَنْقُضُونَ حِلْفَ هَؤُلَاءِ وَيُحَالِفُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هُمْ أَكْثَرُ وَأَعَزُّ. فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ نَحْوَهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير: يَعْنِي بِالْكَثْرَةِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَيْ: بِأَمْرِهِ إِيَّاكُمْ بِالْوَفَاءِ وَالْعَهْدِ. ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) ﴾ يقول تعالى ذكره ناهيا عباده عن نقض الأيمان بعد توكيدها، وآمرًا بوفاء العهود، وممثلا ناقض ذلك بناقضة غزلها من بعد إبرامه وناكثته من بعد إحكامه: ولا تكونوا أيها الناس في نقضكم أيمانكم بعد توكيدها وإعطائكم الله بالوفاء بذلك العهود والمواثيق ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ يعني: من بعد إبرام. وكان بعض أهل العربية يقول: القوّة: ما غُزِل على طاقة واحدة ولم يثن. وقيل: إن التي كانت تفعل ذلك امرأة حمقاء معروفة بمكة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ قال: خرقاء كانت بمكة تنقضه بعد ما تُبْرِمه. ⁕ حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن صدقة، عن السديّ ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ قال: هي خَرْقَاءُ بمكة كانت إذا أبرمت غزلها نقضته. وقال آخرون: إنما هذا مثل ضربه الله لمن نقض العهد، فشبهه بامرأة تفعل هذا الفعل. وقالوا في معنى نقضت غزلها من بعد قوة، نحوا مما قلنا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ فلو سمعتم بامرأة نقضت غزلها من بعد إبرامه لقلتم: ما أحمق هذه! وهذا مثل ضربه الله لمن نكث عهده. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ قال: غزلها: حبلها تنقضه بعد إبرامها إياه ولا تنتفع به بعد. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ قال: نقضت حبلها من بعد إبرام قوّة. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ قال: هذا مثل ضربه الله لمن نقض العهد الذي يعطيه، ضرب الله هذا له مثلا بمثل التي غزلت ثم نقضت غزلها، فقد أعطاهم ثم رجع، فنكث العهد الذي أعطاهم. * * وقوله ﴿أَنْكَاثًا﴾ يعني: أنقاضا، وكلّ شيء نُقِض بعد الفتل فهو أنكاث، واحدها: نكْث حبلا كان ذلك أو غزلا يقال منه: نَكَث فلان هذا الحبل فهو ينكُثُه نكثا، والحبل منتكِث: إذا انتقضت قُواه. وإنما عني به في هذا الموضع نكث العهد والعقد. * * وقوله ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ يقول تعالى ذكره: تجعلون أيمانكم التي تحلفون بها على أنكم موفون بالعهد لمن عاقدتموه ﴿دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ يقول: خديعة وغرورا ليطمئنوا إليكم وأنتم مضمرون لهم الغدر وترك الوفاء بالعهد والنُّقلة عنهم إلى غيرهم من أجل أن غيرهم أكثر عددًا منهم. والدَّخَل في كلام العرب: كلّ أمر لم يكن صحيحًا، يقال منه: أنا أعلم دَخَل فلان ودُخْلُلَه وداخلة أمره ودخلته ودخيلته. وأما قوله ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ فإن قوله أربى: أفعل من الربا، يقال: هذا أربى من هذا وأربأ منه، إذا كان أكثر منه؛ ومنه قول الشاعر: وأسْمَرَ خَطِّيّ كأنَّ كُعُوبَهُ ... نَوى القسْبِ قد أرْبَى ذرَاعا على العَشْرِ [[(البيت في اللسان: قسب) قال: القسب: التمر اليابس. يتفتت في الفم، صلب النواة قال الشاعر يصف رمحا: "وأسمر خطيا ... إلى آخر البيت" ... قال ابن بري: هذا البيت يذكر أنه لحاتم الطائي، ولم أجده في شعره. وأربى وأرمى: لغتان. ونوى القسب أصلب النوى. والخطى نسبة إلى الخط: بلد عند البحرين، مشهور بصنع الرماح. واستشهد المؤلف هنا بالبيت على أن معنى أربى: أكثر. وكذلك قال أبو عبيدة في مجاز القرآن (١: ٣٦٧) .]] وإنما يقال: أربى فلان من هذا وذلك للزيادة التي يزيدها على غريمه على رأس ماله. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني المثنى، وعليّ بن داود، قالا ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ يقول: أكثر. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ يقول: ناس أكثر من ناس. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء؛ وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ قال: كانوا يحالفون الحلفاء، فيجدون أكثر منهم وأعزّ، فينقضون حِلْف هؤلاء، ويحالفون هؤلاء الذين هم أعزّ منهم، فنهوا عن ذلك. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد [[أي مثله، وكثيراً ما يأتي بالسند ويترك المتن إذا تقدم، ولا يأتي بلفظ نحوه أو مثله، وتقدمت الإشارة إلى بعض ذلك في مواضعه.]] وحدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ يقول: خيانة وغدرا بينكم ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أن يكون قوم أعزّ وأكثر من قوم. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا أبو ثور، عن مَعْمر، عن قتادة ﴿دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ قال: خيانة بينكم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ يغرّ بها، يعطيه العهد يؤمنه وينزله من مأمنه، فتزلّ قدمه وهو في مأمن، ثم يعود يريد الغدر، قال: فأوّل بدو هذا [[في الأصل: هو، ولعله تحريف من الناسخ.]] قوم كانوا حلفاء لقوم تحالفوا، وأعطى بعضهم بعضا العهد، فجاءهم قوم قالوا: نحن أكثر وأعزّ وأمنع، فانقضوا عهد هؤلاء وارجعوا إلينا، ففعلوا، وذلك قول الله تعالى ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا﴾ ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ هي أربى: أكثر من أجل أن كانوا هؤلاء أكثر من أولئك نقضتم العهد فيما بينكم وبين هؤلاء، فكان هذا في هذا، وكان الأمر الآخر في الذي يعاهده فينزله من حِصْنه ثم ينكث عليه، الآية الأولى في هؤلاء القوم وهي مبدؤه، والأخرى في هذا. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ يقول: أكثر، يقول: فعليكم بوفاء العهد. * * وقوله ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ يقول تعالى ذكره: إنما يختبركم الله بأمره إياكم بالوفاء بعهد الله إذا عاهدتم، ليتبين المطيع منكم المنتهي إلى أمره ونهيه من العاصي المخالف أمره ونهيه ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: وليبينن لكم أيها الناس ربكم يوم القيامة إذا وردتم عليه بمجازاة كلّ فريق منكم على عمله في الدنيا، المحسن منكم بإحسانه والمسيء بإساءته، ﴿مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ والذي كانوا فيه يختلفون في الدنيا أن المؤمن بالله كان يقرّ بوحدانية الله ونبوّة نبيه، ويصدق بما ابتعث به أنبياءه، وكان يكذّب بذلك كله الكافر فذلك كان اختلافهم في الدنيا الذي وعد الله تعالى ذكره عباده أن يبينه لهم عند ورودهم عليه بما وصفنا من البيان.

Al-Mukhtasar (français)

Ne soyez pas des faibles d’esprit et des gens frivoles en rompant vos engagements. Vous seriez alors tels une femme idiote qui est incohérente dans son tissage: après l’avoir correctement terminé, elle le défait et revient à son point de départ. Elle se sera alors fatiguée à tisser et à défaire sans parvenir à un résultat. Par ailleurs, vous vous servez de vos serments comme ruses les uns contre les autres en ayant comme finalité que votre communauté soit plus nombreuse et plus forte que les communautés ennemies. Seulement, ce n’est que pour vous éprouver qu’Allah vous a imposé de remplir vos engagements: Allez-vous les remplir ou les rompre? Le Jour de la Résurrection, Allah tranchera certainement au sujet de ce que vous divergiez dans le bas monde et désignera qui est adepte du vrai ou du faux et qui est véridique ou menteur.

93

وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَلَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

Si Allah avait voulu, Il aurait certes fait de vous une seule communauté. Mais Il laisse s'égarer qui Il veut et guide qui Il veut. Et vous serez certes, interrogés sur ce que vous faisiez.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ﴾ أَيُّهَا النَّاسُ ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [[في ت: "أمة واحدة أيها الناس".]] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يُونُسَ: ٩٩] أَيْ: لَوَفَّقَ بَيْنَكُمْ. وَلَمَا جَعَلَ اخْتِلَافًا وَلَا تباغُضَ وَلَا شَحْنَاءَ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هُودٍ: ١١٨، ١١٩] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ثُمَّ يَسْأَلُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ، فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا عَلَى الْفَتِيلِ وَالنَّقِيرِ والقطْمير. ثُمَّ حَذَّرَ تَعَالَى عِبَادَهُ عَنِ [[في ت، ف: "من".]] اتِّخَاذِ الْأَيْمَانِ دَخَلًا أَيْ خَدِيعَةً وَمَكْرًا، لِئَلَّا تَزل قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا: مَثَلٌ لِمَنْ كَانَ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ فَحَادَ عَنْهَا وَزَلَّ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى، بِسَبَبِ الْأَيْمَانِ الْحَانِثَةِ [[في ت: "الحادثة".]] الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، لِأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا رَأَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ عَاهَدَهُ ثُمَّ غَدَرَ بِهِ، لَمْ يَبْقَ لَهُ وُثُوقٌ بِالدِّينِ، فَانْصَدَّ بِسَبَبِهِ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أَيْ: لَا تَعْتَاضُوا عَنِ الْإِيْمَانِ بِاللَّهِ عَرَض الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا، فَإِنَّهَا قَلِيلَةٌ، وَلَوْ حِيزَتْ لِابْنِ آدَمَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا لَكَانَ مَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَهُ، أَيْ: جَزَاءُ اللَّهِ وَثَوَابُهُ خَيْرٌ لِمَنْ رَجَاهُ وَآمَنَ بِهِ [[في ف: "خير لمن آمن به ورجاه".]] وَطَلَبَهُ، وَحَفِظَ عَهْدَهُ [[في ف، أ: "عهد الله".]] رَجَاءَ مَوْعُودِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ أَيْ: يَفْرَغُ وَيَنْقَضِي، فَإِنَّهُ إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٌ مَحْصُورٌ مقدَّر مُتَناه، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ أَيْ: وَثَوَابُهُ لَكُمْ فِي الْجَنَّةِ بَاقٍ لَا انْقِطَاعَ وَلَا نَفَادَ لَهُ فَإِنَّهُ دَائِمٌ لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قَسَمٌ مِنَ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ [[في ف: "جل شأنه".]] مُتَلقى بِاللَّامِ، أَنَّهُ يُجَازِي الصَّابِرِينَ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ، أَيْ: وَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئِهَا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولو شاء ربكم أيها الناس للطف بكم بتوفية من عنده، فصرتم جميعًا جماعة واحدة، وأهل ملة واحدة لا تختلفون ولا تفترقون، ولكنه تعالى ذكره خالف بينكم، فجعلكم أهل ملل شتى، بأن وفَّق هؤلاء للإيمان به، والعمل بطاعته، فكانوا مؤمنين، وخذل هؤلاء فحَرَمهم توفيقه فكانوا كافرين، وليسألنكم الله جميعا يوم القيامة عما كنتم تعملون في الدنيا فيما أمركم ونهاكم، ثم ليجازينكم جزاء المطيع منكم بطاعته، والعاصي له بمعصيته.

Al-Mukhtasar (français)

Si Allah l’avait voulu, Il aurait fait de vous une seule communauté unanimement adepte du vrai, mais Allah égare qui Il veut par Sa justice en le détournant de la vérité et en ne lui faisant pas remplir ses engagements tandis qu’Il facilite cela par Sa grâce à qui Il veut et le Jour de la Résurrection, vous serez questionné au sujet de vos agissements dans le bas monde.

94

وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ أَيْمَٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

Et ne prenez pas vos serments comme un moyen pour vous tromper les uns les autres, sinon [vos] pas glisseront après avoir été fermes, et vous goûterez le malheur pour avoir barré le sentier d'Allah. Et vous subirez un châtiment terrible.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ﴾ أَيُّهَا النَّاسُ ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [[في ت: "أمة واحدة أيها الناس".]] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يُونُسَ: ٩٩] أَيْ: لَوَفَّقَ بَيْنَكُمْ. وَلَمَا جَعَلَ اخْتِلَافًا وَلَا تباغُضَ وَلَا شَحْنَاءَ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هُودٍ: ١١٨، ١١٩] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ثُمَّ يَسْأَلُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ، فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا عَلَى الْفَتِيلِ وَالنَّقِيرِ والقطْمير. ثُمَّ حَذَّرَ تَعَالَى عِبَادَهُ عَنِ [[في ت، ف: "من".]] اتِّخَاذِ الْأَيْمَانِ دَخَلًا أَيْ خَدِيعَةً وَمَكْرًا، لِئَلَّا تَزل قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا: مَثَلٌ لِمَنْ كَانَ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ فَحَادَ عَنْهَا وَزَلَّ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى، بِسَبَبِ الْأَيْمَانِ الْحَانِثَةِ [[في ت: "الحادثة".]] الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، لِأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا رَأَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ عَاهَدَهُ ثُمَّ غَدَرَ بِهِ، لَمْ يَبْقَ لَهُ وُثُوقٌ بِالدِّينِ، فَانْصَدَّ بِسَبَبِهِ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أَيْ: لَا تَعْتَاضُوا عَنِ الْإِيْمَانِ بِاللَّهِ عَرَض الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا، فَإِنَّهَا قَلِيلَةٌ، وَلَوْ حِيزَتْ لِابْنِ آدَمَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا لَكَانَ مَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَهُ، أَيْ: جَزَاءُ اللَّهِ وَثَوَابُهُ خَيْرٌ لِمَنْ رَجَاهُ وَآمَنَ بِهِ [[في ف: "خير لمن آمن به ورجاه".]] وَطَلَبَهُ، وَحَفِظَ عَهْدَهُ [[في ف، أ: "عهد الله".]] رَجَاءَ مَوْعُودِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ أَيْ: يَفْرَغُ وَيَنْقَضِي، فَإِنَّهُ إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٌ مَحْصُورٌ مقدَّر مُتَناه، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ أَيْ: وَثَوَابُهُ لَكُمْ فِي الْجَنَّةِ بَاقٍ لَا انْقِطَاعَ وَلَا نَفَادَ لَهُ فَإِنَّهُ دَائِمٌ لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قَسَمٌ مِنَ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ [[في ف: "جل شأنه".]] مُتَلقى بِاللَّامِ، أَنَّهُ يُجَازِي الصَّابِرِينَ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ، أَيْ: وَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئِهَا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولا تتخذوا أيمانكم بينكم دَخَلا وخديعة بينكم، تغزون بها الناس ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ يقول: فتهلكوا بعد أن كنتم من الهلاك آمنين. وإنما هذا مثل لكل مبتلى بعد عافية، أو ساقطٍ في ورطة بعد سلامة، وما أشبه ذلك: ﴿زلَّت قدمه﴾ ، كما قال الشاعر: سيَمْنَعُ مِنْكَ السَّبْقُ إنْ كُنْتَ سابِقا ... وتُلْطَعُ إنْ زَلَّتْ بكَ النَّعْلانِ [[في (اللسان: لطع) : اللطع أن تضرب مؤخر الإنسان برجلك. تقول: لطعته (بالكسر) ألطعه لطعا. وقوله تعالى: (فتزل قدم بعد ثبوتها) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن (١: ٣٦٧) : مثل يقال لكل مبتلى بعد عافية، أو ساقط في ورطة بعد سلامة ونحو ذلك: زلت قدمه.]] * * وقوله ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ يقول: وتذوقوا أنتم السوء وذلك السوء: هو عذاب الله الذي يعذّب به أهل معاصيه في الدنيا، وذلك بعض ما عذّب به أهل الكفر ﴿بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يقول: بما فَتنتم من أراد الإيمان بالله ورسوله عن الإيمان ﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في الآخرة، وذلك نار جهنم، وهذه الآية تدلّ على أن تأويل بُرَيْدة الذي ذكرنا عنه، في قوله ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ والآيات التي بعدها، أنه عُنِيَ بذلك: الذين بايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام، عن [["عن" هنا: للتعليل، أي بسبب مفارقة الإسلام، مثلها في قوله تعالى: (وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك) : أي لأجلك.]] مفارقة الإسلام لقلة أهله، وكثرة أهل الشرك هو الصواب، دون الذي قال مجاهد أنهم عنوا به، لأنه ليس في انتقال قوم تحالفوا عن حلفائهم إلى آخرين غيرهم، صدّ عن سبيل الله ولا ضلال عن الهدى، وقد وصف تعالى ذكره في هذه الآية فاعِلِي ذلك، أنهم باتخاذهم الأيمان دَخَلا بينهم، ونقضهم الأيمان بعد توكيدها، صادّون عن سبيل الله، وأنهم أهل ضلال في التي قبلها، وهذه صفة أهل الكفر بالله لا صفة أهل النُّقْلة بالحلف عن قوم إلى قوم.

Al-Mukhtasar (français)

Ne vous servez pas de vos engagements comme ruses les uns contre les autres, vous soumettant par ce comportement à vos passions qui vous dictent de rompre ou de tenir vos engagements selon l’humeur du moment. Si vous agissez ainsi, sachez que vos pieds glisseront du droit chemin après qu’ils y aient été fermement engagés et que vous goûterez au châtiment pour vous être ainsi égarés et avoir égaré autrui. Vous aurez même droit à un châtiment dédoublé.

95

وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

Et ne vendez pas à vil prix le pacte d'Allah. Ce qui se trouve auprès d'Allah est meilleur pour vous, si vous saviez!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ﴾ أَيُّهَا النَّاسُ ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [[في ت: "أمة واحدة أيها الناس".]] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يُونُسَ: ٩٩] أَيْ: لَوَفَّقَ بَيْنَكُمْ. وَلَمَا جَعَلَ اخْتِلَافًا وَلَا تباغُضَ وَلَا شَحْنَاءَ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هُودٍ: ١١٨، ١١٩] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ثُمَّ يَسْأَلُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ، فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا عَلَى الْفَتِيلِ وَالنَّقِيرِ والقطْمير. ثُمَّ حَذَّرَ تَعَالَى عِبَادَهُ عَنِ [[في ت، ف: "من".]] اتِّخَاذِ الْأَيْمَانِ دَخَلًا أَيْ خَدِيعَةً وَمَكْرًا، لِئَلَّا تَزل قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا: مَثَلٌ لِمَنْ كَانَ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ فَحَادَ عَنْهَا وَزَلَّ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى، بِسَبَبِ الْأَيْمَانِ الْحَانِثَةِ [[في ت: "الحادثة".]] الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، لِأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا رَأَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ عَاهَدَهُ ثُمَّ غَدَرَ بِهِ، لَمْ يَبْقَ لَهُ وُثُوقٌ بِالدِّينِ، فَانْصَدَّ بِسَبَبِهِ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أَيْ: لَا تَعْتَاضُوا عَنِ الْإِيْمَانِ بِاللَّهِ عَرَض الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا، فَإِنَّهَا قَلِيلَةٌ، وَلَوْ حِيزَتْ لِابْنِ آدَمَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا لَكَانَ مَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَهُ، أَيْ: جَزَاءُ اللَّهِ وَثَوَابُهُ خَيْرٌ لِمَنْ رَجَاهُ وَآمَنَ بِهِ [[في ف: "خير لمن آمن به ورجاه".]] وَطَلَبَهُ، وَحَفِظَ عَهْدَهُ [[في ف، أ: "عهد الله".]] رَجَاءَ مَوْعُودِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ أَيْ: يَفْرَغُ وَيَنْقَضِي، فَإِنَّهُ إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٌ مَحْصُورٌ مقدَّر مُتَناه، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ أَيْ: وَثَوَابُهُ لَكُمْ فِي الْجَنَّةِ بَاقٍ لَا انْقِطَاعَ وَلَا نَفَادَ لَهُ فَإِنَّهُ دَائِمٌ لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قَسَمٌ مِنَ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ [[في ف: "جل شأنه".]] مُتَلقى بِاللَّامِ، أَنَّهُ يُجَازِي الصَّابِرِينَ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ، أَيْ: وَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئِهَا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولا تنقضوا عهودكم أيها الناس، وعقودكم التي عاقدتموها من عاقدتم مؤكِّديها بأيمانكم، تطلبون بنقضكم ذلك عرضًا من الدنيا قليلا ولكن أوفوا بعهد الله الذي أمركم بالوفاء به، يثبكم الله على الوفاء به، فإن ما عند الله من الثواب لكم على الوفاء بذلك، هو خير لكم إن كنتم تعلمون، فضل ما بين العِوَضين اللذين أحدهما الثمن القليل، الذي تشترون بنقض عهد الله في الدنيا، والآخر الثواب الجزيل في الآخرة على الوفاء به، ثم بين تعالى ذكره فرْق ما بين العِوَضين وفضل ما بين الثوابين، فقال: ما عندكم أيها الناس مما تتملكونه في الدنيا، وإن كَثُر فنافدٌ فان، وما عند الله لمن أوفى بعهده وأطاعه من الخيرات باق غير فانٍ، فلما عنده فاعملوا وعلى الباقي الذي لا يفنى فاحرصوا. * * وقوله ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: وليثيبنّ الله الذين صبروا على طاعتهم إياه في السّراء والضرّاء، ثوابهم يوم القيامة على صبرهم عليها، ومسارعتهم في رضاه، بأحسن ما كانوا يعملُون من الأعمال دون أسوئها، وليغفرنّ الله لهم سيئها بفضله.

Al-Mukhtasar (français)

N’échangez pas la fidélité à l’engagement pris avec Allah contre une contrepartie méprisable. Le secours d’Allah dans le bas monde, le butin que vous prendrez ainsi que les délices éternels dans l’au-delà sont meilleurs pour vous, que ce que vous obtenez en échange de la rupture de votre engagement si vous saviez.

96

مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍۢ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Tout ce que vous possédez s'épuisera, tandis que ce qui est auprès d'Allah durera. Et Nous récompenserons ceux qui ont été constants en fonction du meilleur de ce qu'ils faisaient.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ﴾ أَيُّهَا النَّاسُ ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [[في ت: "أمة واحدة أيها الناس".]] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يُونُسَ: ٩٩] أَيْ: لَوَفَّقَ بَيْنَكُمْ. وَلَمَا جَعَلَ اخْتِلَافًا وَلَا تباغُضَ وَلَا شَحْنَاءَ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هُودٍ: ١١٨، ١١٩] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ثُمَّ يَسْأَلُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ، فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا عَلَى الْفَتِيلِ وَالنَّقِيرِ والقطْمير. ثُمَّ حَذَّرَ تَعَالَى عِبَادَهُ عَنِ [[في ت، ف: "من".]] اتِّخَاذِ الْأَيْمَانِ دَخَلًا أَيْ خَدِيعَةً وَمَكْرًا، لِئَلَّا تَزل قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا: مَثَلٌ لِمَنْ كَانَ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ فَحَادَ عَنْهَا وَزَلَّ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى، بِسَبَبِ الْأَيْمَانِ الْحَانِثَةِ [[في ت: "الحادثة".]] الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، لِأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا رَأَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ عَاهَدَهُ ثُمَّ غَدَرَ بِهِ، لَمْ يَبْقَ لَهُ وُثُوقٌ بِالدِّينِ، فَانْصَدَّ بِسَبَبِهِ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أَيْ: لَا تَعْتَاضُوا عَنِ الْإِيْمَانِ بِاللَّهِ عَرَض الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا، فَإِنَّهَا قَلِيلَةٌ، وَلَوْ حِيزَتْ لِابْنِ آدَمَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا لَكَانَ مَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَهُ، أَيْ: جَزَاءُ اللَّهِ وَثَوَابُهُ خَيْرٌ لِمَنْ رَجَاهُ وَآمَنَ بِهِ [[في ف: "خير لمن آمن به ورجاه".]] وَطَلَبَهُ، وَحَفِظَ عَهْدَهُ [[في ف، أ: "عهد الله".]] رَجَاءَ مَوْعُودِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ أَيْ: يَفْرَغُ وَيَنْقَضِي، فَإِنَّهُ إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٌ مَحْصُورٌ مقدَّر مُتَناه، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ أَيْ: وَثَوَابُهُ لَكُمْ فِي الْجَنَّةِ بَاقٍ لَا انْقِطَاعَ وَلَا نَفَادَ لَهُ فَإِنَّهُ دَائِمٌ لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قَسَمٌ مِنَ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ [[في ف: "جل شأنه".]] مُتَلقى بِاللَّامِ، أَنَّهُ يُجَازِي الصَّابِرِينَ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ، أَيْ: وَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئِهَا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولا تنقضوا عهودكم أيها الناس، وعقودكم التي عاقدتموها من عاقدتم مؤكِّديها بأيمانكم، تطلبون بنقضكم ذلك عرضًا من الدنيا قليلا ولكن أوفوا بعهد الله الذي أمركم بالوفاء به، يثبكم الله على الوفاء به، فإن ما عند الله من الثواب لكم على الوفاء بذلك، هو خير لكم إن كنتم تعلمون، فضل ما بين العِوَضين اللذين أحدهما الثمن القليل، الذي تشترون بنقض عهد الله في الدنيا، والآخر الثواب الجزيل في الآخرة على الوفاء به، ثم بين تعالى ذكره فرْق ما بين العِوَضين وفضل ما بين الثوابين، فقال: ما عندكم أيها الناس مما تتملكونه في الدنيا، وإن كَثُر فنافدٌ فان، وما عند الله لمن أوفى بعهده وأطاعه من الخيرات باق غير فانٍ، فلما عنده فاعملوا وعلى الباقي الذي لا يفنى فاحرصوا. * * وقوله ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: وليثيبنّ الله الذين صبروا على طاعتهم إياه في السّراء والضرّاء، ثوابهم يوم القيامة على صبرهم عليها، ومسارعتهم في رضاه، بأحسن ما كانوا يعملُون من الأعمال دون أسوئها، وليغفرنّ الله لهم سيئها بفضله.

Al-Mukhtasar (français)

Ô gens, toutes les richesses ainsi que tous les plaisirs et les délices que vous détenez prendront fin même s’ils sont immenses tandis que la rétribution d’Allah est inépuisable. Comment pouvez-vous donc préférer ce qui est éphémère à ce qui est éternel? Nous rétribuerons certainement ceux qui auront patiemment tenu leurs engagements et ne les auront pas rompus en leur attribuant pour récompense celle de leurs meilleures œuvres. Ainsi, Nous multiplierons chaque bonne œuvre accomplie par dix, par sept cent et même plus.

97

مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًۭا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةًۭ طَيِّبَةًۭ ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Quiconque, mâle ou femelle, fait une bonne œuvre tout en étant croyant, Nous lui ferons vivre une bonne vie. Et Nous les récompenserons, certes, en fonction des meilleures de leurs actions.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذَا وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمَنْ عَمِلَ صَالِحًا -وَهُوَ الْعَمَلُ الْمُتَابِعُ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ [[في ت: "رسوله".]] مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ بَنِي آدَمَ، وَقَلْبُهُ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنَّ هَذَا الْعَمَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ مَشْرُوعٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ -بِأَنْ يُحْيِيَهُ اللَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً فِي الدُّنْيَا وَأَنْ يَجْزِيَهُ [[في ت: "يجزى".]] بِأَحْسَنِ مَا عَمِلَهُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. وَالْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ تَشْمَلُ وُجُوهَ الرَّاحَةِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ فَسَّرُوهَا بِالرِّزْقِ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ فَسَّرَهَا بِالْقَنَاعَةِ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمة، وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا [[في ت، ف: "هي".]] السَّعَادَةُ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: لَا يَطِيبُ لِأَحَدٍ حَيَاةٌ إِلَّا فِي الْجَنَّةِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ الرِّزْقُ الْحَلَالُ وَالْعِبَادَةُ فِي الدُّنْيَا، وَقَالَ الضَّحَّاكُ أَيْضًا: هِيَ [[في ت، ف: "هو".]] الْعَمَلُ بِالطَّاعَةِ وَالِانْشِرَاحُ بِهَا. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحَيَاةَ الطَّيِّبَةَ تَشْمَلُ هَذَا كُلَّهُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمرو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ ورُزق كَفَافًا، وقَنَّعه اللَّهُ بِمَا آتَاهُ". وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئِ بِهِ [[المسند (٢/ ١٦٨) وصحيح مسلم برقم (١٠٥٤) .]] وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هَانِئٍ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْجَنْبِيِّ [[في ت، ف، أ: "الحسبي".]] عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيد؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ هُدي إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا، وَقَنِعَ [[في ت: "ومنع".]] به". وقال التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ [[سنن الترمذي برقم (٢٣٤٩) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا هَمَّام، عَنْ يَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إن اللَّهَ لَا يَظْلِمُ الْمُؤْمِنَ حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا [وَيُثَابُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُعْطِيهِ حَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا] [[زيادة من ت، ف، أ، والمسند.]] حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ، لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا خَيْرًا". انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ [[المسند (٣/ ١٢٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨١٨) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: من عمل بطاعة الله، وأوفى بعهود الله إذا عاهد من ذكر أو أنثى من بني آدم وهو مؤمن: يقول: وهو مصدّق بثواب الله الذي وعد أهل طاعته على الطاعة، وبوعيد أهل معصيته على المعصية ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ . واختلف أهل التأويل في الذي عَنى الله بالحياة الطيبة التي وعد هؤلاء القوم أن يُحْيِيَهموها، فقال بعضهم: عنى أنه يحييهم في الدنيا ما عاشوا فيها بالرزق الحلال. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سَمِيع [[إسماعيل بن سميع، بالسين مفتوحة، الحنفي، أبو محمد، وثقه جماعة، وكان خارجيا.]] عن أبي مالك وأبي الربيع، عن ابن عباس، بنحوه. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن سَمِيع، عن أبي الربيع، عن ابن عباس، في قوله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ قال: الرزق الحسن في الدنيا. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن إسماعيل بن سَمِيع، عن أبي الربيع، عن ابن عباس ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ قال: الرزق الطيب في الدنيا. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ يعني في الدنيا. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن مطرف، عن الضحاك ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ قال: الرزق الطيب الحلال. ⁕ حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا عون بن سلام القرشيّ، قال: أخبرنا بشر بن عُمارة، عن أبي رَوُق، عن الضحاك، في قوله ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ قال: يأكل حلالا ويلبس حلالا. وقال آخرون ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ بأن نرزقه القناعة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن المنهال بن خليفة، عن أبي خزيمة سليمان التمَّار، عمن ذكره عن عليّ ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ قال: القنوع. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو عصام، عن أبي سعيد، عن الحسن البصريّ، قال: الحياة الطيبة: القناعة. وقال آخرون: بل يعني بالحياة الطيبة الحياة مؤمنًا بالله عاملا بطاعته. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ) يقول: من عمل عملا صالحًا وهو مؤمن في فاقة أو ميسرة، فحياته طيبة، ومن أعرض عن ذكر الله فلم يؤمن ولم يعمل صالحًا، عيشته ضنكة لا خير فيها. وقال آخرون: الحياة الطيبة السعادة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني المثنى وعليّ بن داود، قالا ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ قال: السعادة. وقال آخرون: بل معنى ذلك: الحياة في الجنة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هَوْذة، عن عوف، عن الحسن ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ قال: لا تطيب لأحد حياة دون الجنة. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن عوف، عن الحسن ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ قال: ما تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ فإن الله لا يشاء عملا إلا في إخلاص، ويوجب عمل ذلك في إيمان، قال الله تعالى ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ وهي الجنة. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ قال: الآخرة يحييهم حياة طيبة في الآخرة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ قال: الحياة الطيبة في الآخرة: هي الجنة، تلك الحياة الطيبة، قال ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقال: ألا تراه يقول ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ قال: هذه آخرته. وقرأ أيضًا ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ قال: الآخرة دار حياة لأهل النار وأهل الجنة، ليس فيها موت لأحد من الفريقين. ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ قال: الإيمان: الإخلاص لله وحده، فبين أنه لا يقبل عملا إلا بالإخلاص له. وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: تأويل ذلك: فلنحيينه حياة طيبة بالقناعة، وذلك أن من قنعه الله بما قسم له من رزق لم يكثر للدنيا تعبه، ولم يعظم فيها نَصَبه ولم يتكدّر فيها عيشه باتباعه بغية ما فاته منها وحرصه على ما لعله لا يدركه فيها. وإنما قلت ذلك أولى التأويلات في ذلك بالآية، لأن الله تعالى ذكره أوعد قوما قبلها على معصيتهم إياه إن عصوه أذاقهم السوء في الدنيا، والعذاب في الآخرة، فقال تعالى ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فهذا لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم، فهذا لهم في الآخرة. ثم أتبع ذلك لمَن أوفى بعهد الله وأطاعه فقال تعالى: ما عندكم في الدنيا ينفد، وما عند الله باق، فالذي [[هذه العبارة قد سقطت منها كلمات، ولعل الأصل: فالذي أوعد أهل المعاصي بإذاقتهم هذه السيئة بحكمته، أراد أن يعقب.. الخ.]] هذه السيئة بحكمته أن [[هذه العبارة قد سقطت منها كلمات، ولعل الأصل: فالذي أوعد أهل المعاصي بإذاقتهم هذه السيئة بحكمته، أراد أن يعقب.. الخ.]] يعقب ذلك الوعد لأهل طاعته بالإحسان في الدنيا، والغفران في الآخرة، وكذلك فَعَلَ تعالى ذكره. وأما القول الذي رُوي عن ابن عباس أنه الرزق الحلال، فهو مُحْتَمَل أن يكون معناه الذي قلنا في ذلك، من أنه تعالى يقنعه في الدنيا بالذي يرزقه من الحلال، وإن قلّ فلا تدعوه نفسه إلى الكثير منه من غير حله. لا أنه يرزقه الكثير من الحلال، وذلك أن أكثر العاملين لله تعالى بما يرضاه من الأعمال لم نرهم رُزِقوا الرزق الكثير من الحلال في الدنيا، ووجدنا ضيق العيش عليهم أغلب من السعة. * * وقوله ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فذلك لا شك أنه في الآخرة. وكذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي مالك، عن ابن عباس ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال: إذا صاروا إلى الله جزاهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سَمِيع، عن أبي مالك، وأبي الربيع، عن ابن عباس، مثله. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن إسماعيل بن سَمِيع، عن أبي الربيع، عن ابن عباس ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ قال: في الآخرة. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن سَمِيع، عن أبي الربيع، عن ابن عباس، مثله. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يقول: يجزيهم أجرهم في الآخرة بأحسن ما كانوا يعملون. وقيل: إن هذه الآية نزلت بسبب قوم من أهل مِلَل شتى تفاخروا، فقال أهل كلّ ملة منها: نحن أفضل، فبين الله لهم أفضل أهل الملل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يعلى بن عبيد، عن إسماعيل، عن أبي صالح، قال: جلس ناس من أهل الأوثان وأهل التوراة وأهل الإنجيل، فقال هؤلاء: نحن أفضل، وقال هؤلاء: نحن أفضل، فأنزل الله تعالى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Tout être humain, homme ou femme, ayant accompli une bonne œuvre conforme à la religion tout en étant croyant, Nous lui ferons vivre une vie agréable ici-bas en le rendant satisfait du décret d’Allah, en lui inspirant le contentement et en lui facilitant d’accomplir des actes d’obéissance. Puis dans l’au-delà, Nous les rétribuerons en leur attribuant pour récompense celle de leurs meilleures œuvres accomplies dans le bas monde.

98

فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ

Lorsque tu lis le Coran, demande la protection d'Allah contre le Diable banni.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ [[في ت، ف: "عباده".]] عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ: إِذَا أَرَادُوا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، أَنْ يَسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. وَهُوَ أمرُ ندبٍ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، حَكَى الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ [[في ت، ف: "وحكى على ذلك الإجماع".]] الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مَبْسُوطَةً فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَالْمَعْنَى فِي الِاسْتِعَاذَةِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْقِرَاءَةِ، لِئَلَّا يُلْبَسَ [[في ف: "تلتبس".]] عَلَى الْقَارِئِ قِرَاءَتُهُ وَيُخْلَطَ عَلَيْهِ، وَيَمْنَعُهُ مِنَ التَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ، وَلِهَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ إِنَّمَا تَكُونُ قَبْلَ التِّلَاوَةِ [[في ف: "القراءة".]] وَحُكِيَ عَنْ حَمْزَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ: أَنَّهَا تَكُونُ بَعْدَ التِّلَاوَةِ، وَاحْتَجَّا بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذِّبِ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعي. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى تَقَدُّمِهَا عَلَى التِّلَاوَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ أَنْ يُوقِعَهُمْ فِي ذَنْبٍ لَا يَتُوبُونَ مِنْهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ لَا حُجَّةَ لَهُ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَقَوْلِهِ: ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] . ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يُطِيعُونَهُ. وَقَالَ آخرون: اتخذوه وليًا من دون الله. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ أَيْ: أَشْرَكُوا فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ سَبَبِيَّةً، أَيْ: صَارُوا بِسَبَبِ طَاعَتِهِمْ لِلشَّيْطَانِ مُشْرِكِينَ بِاللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: أَنَّهُ شَرِكَهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وإذا كنت يا محمد قارئًا القرآن، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم. وكان بعض أهل العربية يزعم أنه من المؤخر الذي معناه التقديم. وكان معنى الكلام عنده: وإذا استعذت بالله من الشيطان الرجيم، فاقرأ القرآن، ولا وجه لما قال من ذلك، لأن ذلك لو كان كذلك لكان متى استعاذ مستعيذ من الشيطان الرجيم لزمه أن يقرأ القرآن، ولكن معناه ما وصفناه، وليس قوله ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ بالأمر اللازم، وإنما هو إعلام وندب. وذلك أنه لا خلاف بين الجميع، أن من قرأ القرآن ولم يستعذ بالله من الشيطان الرجيم. قبل قرأته أو بعدها أنه لم يضيع فرضا واجبا. وكان ابن زيد يقول في ذلك نحو الذي قلنا. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ قال: فهذا دليل من الله تعالى دلّ عباده عليه. وأما قوله ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فإنه يعني بذلك: أن الشيطان ليست له حجة على الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بما أمر الله به وانتهوا عما نهاهم الله عنه ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يقول: وعلى ربهم يتوكلون فيما نابهم من مهمات أمورهم ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ يقول: إنما حجته على الذين يعبدونه، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ يقول: والذين هم بالله مشركون. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ﴾ قال: حجته. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ قال: يطيعونه. واختلف أهل التأويل في المعنى الذي من أجله لم يسلط فيه الشيطان على المؤمن. فقال بعضهم بما حُدّثت عن واقد بن سليمان، عن سفيان، في قوله ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قال: ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر. وقال آخرون: هو الاستعاذة، فإنه إذا استعاذ بالله منع منه، ولم يسلط عليه، واستشهد لصحة قوله ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقد ذكرنا الرواية بذلك في سورة الحِجْر. وقال آخرون في ذلك، بما:- ⁕ حدثني به المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ يقال: إن عدوّ الله إبليس قال ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ فهؤلاء الذين لم يجعل للشيطان عليهم سبيل، وإنما سلطانه على قوم اتخذوه وليا، وأشركوه في أعمالهم. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يقول: السلطان على من تولى الشيطان وعمل بمعصية الله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ يقول: الذين يطيعونه ويعبدونه. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا فاستعاذوا بالله منه، بما ندب الله تعالى ذكره من الاستعاذة ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ على ما عرض لهم من خطراته ووساوسه. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالآية، لأن الله تعالى ذكره أتبع هذا القول ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فكان بينا بذلك أنه إنما ندب عباده إلى الاستعاذة منه في هذه الأحوال ليُعيذهم من سلطانه. وأما قوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم فيه بما قلنا إن معناه: والذين هم بالله مشركون. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ قال: يعدلون بربّ العالمين. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ قال: يعدلون بالله. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ عدلوا إبليس بربهم، فإنهم بالله مشركون. وقال آخرون: معنى ذلك: والذين هم به مشركون، أشركوا الشيطان في أعمالهم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ أشركوه في أعمالهم. والقول الأوّل، أعني قول مجاهد، أولى القولين في ذلك بالصواب، وذلك أن الذين يتولون الشيطان إنما يشركونه بالله في عبادتهم وذبائحهم ومطاعمهم ومشاربهم، لا أنهم يشركون بالشيطان. ولو كان معنى الكلام ما قاله الربيع، لكان التنزيل: الذين هم مشركوه، ولم يكن في الكلام به، فكان يكون لو كان التنزيل كذلك، والذين هم مشركوه في أعمالهم، إلا أن يوجه موجه معنى الكلام، إلى أن القوم كانوا يدينون بألوهة الشيطان، ويشركون الله به في عبادتهم إياه، فيصحّ حينئذ معنى الكلام، ويخرج عما جاء التنزيل به في سائر القرآن، وذلك أن الله تعالى وصف المشركين في سائر سور القرآن أنهم أشركوا بالله، ما لم ينزل به عليهم سلطانا، وقال في كلّ موضع تقدّم إليهم بالزجر عن ذلك، لا تشركوا بالله شيئا، ولم نجد في شيء من التنزيل: لا تشركوا الله بشيء، ولا في شيء من القرآن. خبرا من الله عنهم أنهم أشركوا الله بشيء فيجوز لنا توجيه معنى قوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ إلى والذين هم بالشيطان مشركو الله. فبين إذًا إذ كان ذلك كذلك، أن الهاء في قوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ﴾ عائدة على الربّ في قوله ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Ô croyant, lorsque tu veux réciter le Coran, demande d’abord à Allah de te protéger des insufflations de Satan, le banni de la miséricorde d’Allah.

99

إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

Il n'a aucun pouvoir sur ceux qui croient et qui placent leur confiance en leur Seigneur.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ [[في ت، ف: "عباده".]] عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ: إِذَا أَرَادُوا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، أَنْ يَسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. وَهُوَ أمرُ ندبٍ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، حَكَى الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ [[في ت، ف: "وحكى على ذلك الإجماع".]] الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مَبْسُوطَةً فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَالْمَعْنَى فِي الِاسْتِعَاذَةِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْقِرَاءَةِ، لِئَلَّا يُلْبَسَ [[في ف: "تلتبس".]] عَلَى الْقَارِئِ قِرَاءَتُهُ وَيُخْلَطَ عَلَيْهِ، وَيَمْنَعُهُ مِنَ التَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ، وَلِهَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ إِنَّمَا تَكُونُ قَبْلَ التِّلَاوَةِ [[في ف: "القراءة".]] وَحُكِيَ عَنْ حَمْزَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ: أَنَّهَا تَكُونُ بَعْدَ التِّلَاوَةِ، وَاحْتَجَّا بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذِّبِ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعي. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى تَقَدُّمِهَا عَلَى التِّلَاوَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ أَنْ يُوقِعَهُمْ فِي ذَنْبٍ لَا يَتُوبُونَ مِنْهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ لَا حُجَّةَ لَهُ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَقَوْلِهِ: ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] . ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يُطِيعُونَهُ. وَقَالَ آخرون: اتخذوه وليًا من دون الله. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ أَيْ: أَشْرَكُوا فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ سَبَبِيَّةً، أَيْ: صَارُوا بِسَبَبِ طَاعَتِهِمْ لِلشَّيْطَانِ مُشْرِكِينَ بِاللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: أَنَّهُ شَرِكَهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وإذا كنت يا محمد قارئًا القرآن، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم. وكان بعض أهل العربية يزعم أنه من المؤخر الذي معناه التقديم. وكان معنى الكلام عنده: وإذا استعذت بالله من الشيطان الرجيم، فاقرأ القرآن، ولا وجه لما قال من ذلك، لأن ذلك لو كان كذلك لكان متى استعاذ مستعيذ من الشيطان الرجيم لزمه أن يقرأ القرآن، ولكن معناه ما وصفناه، وليس قوله ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ بالأمر اللازم، وإنما هو إعلام وندب. وذلك أنه لا خلاف بين الجميع، أن من قرأ القرآن ولم يستعذ بالله من الشيطان الرجيم. قبل قرأته أو بعدها أنه لم يضيع فرضا واجبا. وكان ابن زيد يقول في ذلك نحو الذي قلنا. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ قال: فهذا دليل من الله تعالى دلّ عباده عليه. وأما قوله ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فإنه يعني بذلك: أن الشيطان ليست له حجة على الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بما أمر الله به وانتهوا عما نهاهم الله عنه ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يقول: وعلى ربهم يتوكلون فيما نابهم من مهمات أمورهم ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ يقول: إنما حجته على الذين يعبدونه، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ يقول: والذين هم بالله مشركون. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ﴾ قال: حجته. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ قال: يطيعونه. واختلف أهل التأويل في المعنى الذي من أجله لم يسلط فيه الشيطان على المؤمن. فقال بعضهم بما حُدّثت عن واقد بن سليمان، عن سفيان، في قوله ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قال: ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر. وقال آخرون: هو الاستعاذة، فإنه إذا استعاذ بالله منع منه، ولم يسلط عليه، واستشهد لصحة قوله ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقد ذكرنا الرواية بذلك في سورة الحِجْر. وقال آخرون في ذلك، بما:- ⁕ حدثني به المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ يقال: إن عدوّ الله إبليس قال ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ فهؤلاء الذين لم يجعل للشيطان عليهم سبيل، وإنما سلطانه على قوم اتخذوه وليا، وأشركوه في أعمالهم. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يقول: السلطان على من تولى الشيطان وعمل بمعصية الله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ يقول: الذين يطيعونه ويعبدونه. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا فاستعاذوا بالله منه، بما ندب الله تعالى ذكره من الاستعاذة ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ على ما عرض لهم من خطراته ووساوسه. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالآية، لأن الله تعالى ذكره أتبع هذا القول ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فكان بينا بذلك أنه إنما ندب عباده إلى الاستعاذة منه في هذه الأحوال ليُعيذهم من سلطانه. وأما قوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم فيه بما قلنا إن معناه: والذين هم بالله مشركون. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ قال: يعدلون بربّ العالمين. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ قال: يعدلون بالله. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ عدلوا إبليس بربهم، فإنهم بالله مشركون. وقال آخرون: معنى ذلك: والذين هم به مشركون، أشركوا الشيطان في أعمالهم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ أشركوه في أعمالهم. والقول الأوّل، أعني قول مجاهد، أولى القولين في ذلك بالصواب، وذلك أن الذين يتولون الشيطان إنما يشركونه بالله في عبادتهم وذبائحهم ومطاعمهم ومشاربهم، لا أنهم يشركون بالشيطان. ولو كان معنى الكلام ما قاله الربيع، لكان التنزيل: الذين هم مشركوه، ولم يكن في الكلام به، فكان يكون لو كان التنزيل كذلك، والذين هم مشركوه في أعمالهم، إلا أن يوجه موجه معنى الكلام، إلى أن القوم كانوا يدينون بألوهة الشيطان، ويشركون الله به في عبادتهم إياه، فيصحّ حينئذ معنى الكلام، ويخرج عما جاء التنزيل به في سائر القرآن، وذلك أن الله تعالى وصف المشركين في سائر سور القرآن أنهم أشركوا بالله، ما لم ينزل به عليهم سلطانا، وقال في كلّ موضع تقدّم إليهم بالزجر عن ذلك، لا تشركوا بالله شيئا، ولم نجد في شيء من التنزيل: لا تشركوا الله بشيء، ولا في شيء من القرآن. خبرا من الله عنهم أنهم أشركوا الله بشيء فيجوز لنا توجيه معنى قوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ إلى والذين هم بالشيطان مشركو الله. فبين إذًا إذ كان ذلك كذلك، أن الهاء في قوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ﴾ عائدة على الربّ في قوله ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Satan n’a pas d’emprise sur ceux qui croient en Allah et qui s’en remettent à leur Seigneur dans toutes leurs affaires.

100

إِنَّمَا سُلْطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشْرِكُونَ

Il n'a de pouvoir que sur ceux qui le prennent pour allié et qui deviennent associateurs à cause de lui.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ [[في ت، ف: "عباده".]] عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ: إِذَا أَرَادُوا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، أَنْ يَسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. وَهُوَ أمرُ ندبٍ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، حَكَى الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ [[في ت، ف: "وحكى على ذلك الإجماع".]] الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مَبْسُوطَةً فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَالْمَعْنَى فِي الِاسْتِعَاذَةِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْقِرَاءَةِ، لِئَلَّا يُلْبَسَ [[في ف: "تلتبس".]] عَلَى الْقَارِئِ قِرَاءَتُهُ وَيُخْلَطَ عَلَيْهِ، وَيَمْنَعُهُ مِنَ التَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ، وَلِهَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ إِنَّمَا تَكُونُ قَبْلَ التِّلَاوَةِ [[في ف: "القراءة".]] وَحُكِيَ عَنْ حَمْزَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ: أَنَّهَا تَكُونُ بَعْدَ التِّلَاوَةِ، وَاحْتَجَّا بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذِّبِ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعي. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى تَقَدُّمِهَا عَلَى التِّلَاوَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ أَنْ يُوقِعَهُمْ فِي ذَنْبٍ لَا يَتُوبُونَ مِنْهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ لَا حُجَّةَ لَهُ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَقَوْلِهِ: ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] . ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يُطِيعُونَهُ. وَقَالَ آخرون: اتخذوه وليًا من دون الله. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ أَيْ: أَشْرَكُوا فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ سَبَبِيَّةً، أَيْ: صَارُوا بِسَبَبِ طَاعَتِهِمْ لِلشَّيْطَانِ مُشْرِكِينَ بِاللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: أَنَّهُ شَرِكَهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وإذا كنت يا محمد قارئًا القرآن، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم. وكان بعض أهل العربية يزعم أنه من المؤخر الذي معناه التقديم. وكان معنى الكلام عنده: وإذا استعذت بالله من الشيطان الرجيم، فاقرأ القرآن، ولا وجه لما قال من ذلك، لأن ذلك لو كان كذلك لكان متى استعاذ مستعيذ من الشيطان الرجيم لزمه أن يقرأ القرآن، ولكن معناه ما وصفناه، وليس قوله ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ بالأمر اللازم، وإنما هو إعلام وندب. وذلك أنه لا خلاف بين الجميع، أن من قرأ القرآن ولم يستعذ بالله من الشيطان الرجيم. قبل قرأته أو بعدها أنه لم يضيع فرضا واجبا. وكان ابن زيد يقول في ذلك نحو الذي قلنا. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ قال: فهذا دليل من الله تعالى دلّ عباده عليه. وأما قوله ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فإنه يعني بذلك: أن الشيطان ليست له حجة على الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بما أمر الله به وانتهوا عما نهاهم الله عنه ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يقول: وعلى ربهم يتوكلون فيما نابهم من مهمات أمورهم ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ يقول: إنما حجته على الذين يعبدونه، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ يقول: والذين هم بالله مشركون. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ﴾ قال: حجته. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ قال: يطيعونه. واختلف أهل التأويل في المعنى الذي من أجله لم يسلط فيه الشيطان على المؤمن. فقال بعضهم بما حُدّثت عن واقد بن سليمان، عن سفيان، في قوله ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قال: ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر. وقال آخرون: هو الاستعاذة، فإنه إذا استعاذ بالله منع منه، ولم يسلط عليه، واستشهد لصحة قوله ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقد ذكرنا الرواية بذلك في سورة الحِجْر. وقال آخرون في ذلك، بما:- ⁕ حدثني به المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ يقال: إن عدوّ الله إبليس قال ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ فهؤلاء الذين لم يجعل للشيطان عليهم سبيل، وإنما سلطانه على قوم اتخذوه وليا، وأشركوه في أعمالهم. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يقول: السلطان على من تولى الشيطان وعمل بمعصية الله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ يقول: الذين يطيعونه ويعبدونه. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا فاستعاذوا بالله منه، بما ندب الله تعالى ذكره من الاستعاذة ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ على ما عرض لهم من خطراته ووساوسه. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالآية، لأن الله تعالى ذكره أتبع هذا القول ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فكان بينا بذلك أنه إنما ندب عباده إلى الاستعاذة منه في هذه الأحوال ليُعيذهم من سلطانه. وأما قوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم فيه بما قلنا إن معناه: والذين هم بالله مشركون. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ قال: يعدلون بربّ العالمين. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ قال: يعدلون بالله. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ عدلوا إبليس بربهم، فإنهم بالله مشركون. وقال آخرون: معنى ذلك: والذين هم به مشركون، أشركوا الشيطان في أعمالهم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ أشركوه في أعمالهم. والقول الأوّل، أعني قول مجاهد، أولى القولين في ذلك بالصواب، وذلك أن الذين يتولون الشيطان إنما يشركونه بالله في عبادتهم وذبائحهم ومطاعمهم ومشاربهم، لا أنهم يشركون بالشيطان. ولو كان معنى الكلام ما قاله الربيع، لكان التنزيل: الذين هم مشركوه، ولم يكن في الكلام به، فكان يكون لو كان التنزيل كذلك، والذين هم مشركوه في أعمالهم، إلا أن يوجه موجه معنى الكلام، إلى أن القوم كانوا يدينون بألوهة الشيطان، ويشركون الله به في عبادتهم إياه، فيصحّ حينئذ معنى الكلام، ويخرج عما جاء التنزيل به في سائر القرآن، وذلك أن الله تعالى وصف المشركين في سائر سور القرآن أنهم أشركوا بالله، ما لم ينزل به عليهم سلطانا، وقال في كلّ موضع تقدّم إليهم بالزجر عن ذلك، لا تشركوا بالله شيئا، ولم نجد في شيء من التنزيل: لا تشركوا الله بشيء، ولا في شيء من القرآن. خبرا من الله عنهم أنهم أشركوا الله بشيء فيجوز لنا توجيه معنى قوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ إلى والذين هم بالشيطان مشركو الله. فبين إذًا إذ كان ذلك كذلك، أن الهاء في قوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ﴾ عائدة على الربّ في قوله ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Ses insufflations n’ont d’emprise que sur ceux qui le prennent pour allié et se soumettent à sa tentation, l’associant de ce fait à Allah puisque cette soumission revient à l’adorer avec Allah.

101

وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةًۭ مَّكَانَ ءَايَةٍۢ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

Quand Nous remplaçons un verset par un autre - et Allah sait mieux ce qu'Il fait descendre - ils disent: «Tu n'es qu'un menteur». Mais la plupart d'entre eux ne savent pas.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ ضَعْفِ عُقُولِ الْمُشْرِكِينَ وَقِلَّةِ ثَبَاتِهِمْ وَإِيقَانِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا يَتَصَوَّرُ مِنْهُمُ الْإِيمَانَ وَقَدْ كَتَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقَاوَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِذَا رَأَوْا تَغْيِيرَ الْأَحْكَامِ نَاسِخِهَا بِمَنْسُوخِهَا قَالُوا لِلرَّسُولِ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ أَيْ: كَذَّابٌ وَإِنَّمَا هُوَ الرَّبُّ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ أَيْ: رَفَعْنَاهَا وَأَثْبَتْنَا غَيْرَهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [الْبَقَرَةِ:١٠٦] . فَقَالَ تَعَالَى مُجِيبًا لَهُمْ: ﴿قُلْ نزلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ أَيْ: جِبْرِيلُ، ﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: بِالصِّدْقِ وَالْعَدْلِ، ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَيُصَدِّقُوا بِمَا أَنْزَلَ أَوَّلًا وَثَانِيًا وَتُخْبِتُ لَهُ قُلُوبُهُمْ، ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ أَيْ: وَجَعَلَهُ هَادِيًا [مُهْدِيًا] [[زيادة من ت.]] وَبِشَارَةٍ للمسلمين الذين آمنوا بالله ورسله.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنزلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) ﴾ يقول تعالى ذكره: وإذا نسخنا حكم آية، فأبدلنا مكانه حكم أخرى، والله أعلم بما ينزل: يقول: والله أعلم بالذي هو أصلح لخلقه فيما يبدِّل ويغير من أحكامه، قالوا: إنما أنت مفتر يقول: قال المشركون بالله، المكذبو رسوله لرسوله: إنما أنت يا محمد مفتر: أي مكذب تخرص بتقوّل الباطل على الله، يقول الله تعالى بل أكثر هؤلاء القائلين لك يا محمد: إنما أنت مفتر جهال، بأنّ الذي تأتيهم به من عند الله ناسخه ومنسوخه، لا يعلمون حقيقة صحته. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ رفعناها فأنزلنا غيرها. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ قال: نسخناها، بدّلناها، رفعناها، وأثبتنا غيرها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ هو كقوله ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ قالوا: إنما أنت مفتر، تأتي بشيء وتنقضه، فتأتي بغيره. قال: وهذا التبديل ناسخ، ولا نبدل آية مكان آية إلا بنسخ.

Al-Mukhtasar (français)

Lorsque Nous abrogeons le jugement contenu dans un verset du Coran par un autre verset, sachant qu’Allah sait le mieux ce qu’Il abroge dans le Coran et ce qu’Il en garde, les mécréants disent: Ô Muħammad, tu n’es qu’un menteur qui invente des choses sur Allah. Seulement, la plupart d’entre eux ne savent pas que l’abrogation a une raison divine suprême.

102

قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًۭى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ

Dis: «C'est le Saint Esprit [Gabriel] qui l'a fait descendre de la part de ton Seigneur en toute vérité, afin de raffermir [la foi] de ceux qui croient, ainsi qu'un guide et une bonne annonce pour les Musulmans.»

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ ضَعْفِ عُقُولِ الْمُشْرِكِينَ وَقِلَّةِ ثَبَاتِهِمْ وَإِيقَانِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا يَتَصَوَّرُ مِنْهُمُ الْإِيمَانَ وَقَدْ كَتَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقَاوَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِذَا رَأَوْا تَغْيِيرَ الْأَحْكَامِ نَاسِخِهَا بِمَنْسُوخِهَا قَالُوا لِلرَّسُولِ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ أَيْ: كَذَّابٌ وَإِنَّمَا هُوَ الرَّبُّ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ أَيْ: رَفَعْنَاهَا وَأَثْبَتْنَا غَيْرَهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [الْبَقَرَةِ:١٠٦] . فَقَالَ تَعَالَى مُجِيبًا لَهُمْ: ﴿قُلْ نزلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ أَيْ: جِبْرِيلُ، ﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: بِالصِّدْقِ وَالْعَدْلِ، ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَيُصَدِّقُوا بِمَا أَنْزَلَ أَوَّلًا وَثَانِيًا وَتُخْبِتُ لَهُ قُلُوبُهُمْ، ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ أَيْ: وَجَعَلَهُ هَادِيًا [مُهْدِيًا] [[زيادة من ت.]] وَبِشَارَةٍ للمسلمين الذين آمنوا بالله ورسله.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ نزلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد للقائلين لك إنما أنت مفتر فيما تتلو عليهم من آي كتابنا، أنزله روح القُدُس: يقول: قل جاء به جَبرئيل من عند ربي بالحقّ. وقد بيَّنت في غير هذا الموضع معنى: روح القُدس، بما أغنى عن إعادته. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا جعفر بن عون العمَريّ، عن موسى بن عبيدة الرَّبَذيّ، عن محمد بن كعب، قال: روح القُدُس: جبرئيل. * * وقوله ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يقول تعالى ذكره: قل نزل هذا القرآن ناسخه ومنسوخه، روح القدس عليّ من ربي، تثبيتا للمؤمنين، وتقوية لإيمانهم، ليزدادوا بتصديقهم لناسخه ومنسوخه إيمانا لإيمانهم، وهدى لهم من الضلالة، وبُشرى للمسلمين الذين استسلموا لأمر الله، وانقادوا لأمره ونهيه، وما أنزله في آي كتابه، فأقرّوا بكل ذلك،وصدقوا به قولا وعملا.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, dis-leur: C’est Gabriel qui est descendu avec ce Coran provenant d’Allah et contenant une vérité infaillible exempte de modification et d’altération. Ceci, afin de raffermir la foi de ceux qui croient en Allah à chaque fois qu’un verset est révélé et qu’un autre est abrogé, et afin que ce Livre soit pour eux un guide vers la vérité et une annonce de la récompense généreuse qui attend les croyants.

103

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌۭ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّۭ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّۭ مُّبِينٌ

Et Nous savons parfaitement qu'ils disent: «Ce n'est qu'un être humain qui lui enseigne (le Coran)». Or, la langue de celui auquel ils font allusion est étrangère [non arabe], et celle-ci est une langue arabe bien claire.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ مِنَ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ وَالْبَهْتِ: أَنَّ مُحَمَّدًا إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ هَذَا الَّذِي يَتْلُوهُ عَلَيْنَا مِنَ الْقُرْآنِ بَشَرٌّ، وَيُشِيرُونَ إِلَى رَجُلٍ أَعْجَمِيٍّ كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، غُلَامٍ لِبَعْضِ بُطُونِ قُرَيْشٍ، وَكَانَ بَيَّاعًا يَبِيعُ عِنْدَ الصَّفَا، فَرُبَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْلِسُ إِلَيْهِ وَيُكَلِّمُهُ بَعْضَ الشَّيْءِ، وَذَاكَ كَانَ أَعْجَمِيَّ اللِّسَانِ لَا يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ بِقَدْرِ مَا يَرُد جَوَابَ الْخُطَّابِ فِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ؛ فَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَادًّا عَلَيْهِمْ فِي افْتِرَائِهِمْ ذَلِكَ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ أَيْ: فَكَيْفَ يَتَعَلَّمُ مَنْ جَاءَ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فِي فَصَاحته وَبَلَاغَتِهِ وَمَعَانِيهِ التَّامَّةِ الشَّامِلَةِ، الَّتِي هِيَ أَكْمَلُ مِنْ [[في ت: "هي من أكمل".]] مَعَانِي كُلِّ كِتَابٍ نَزَلَ عَلَى نَبِيٍّ أُرْسِلَ، كَيْفَ يَتَعَلَّمُ مِنْ رَجُلٍ أَعْجَمِيٍّ؟! لَا يَقُولُ هَذَا مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكة [[في ت: "مسلة".]] مِنَ الْعَقْلِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَار فِي السِّيرَةِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -فِيمَا بَلَغَنِي-كَثِيرًا مَا يَجْلِسُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ إِلَى مَبيعة غُلَامٍ نَصْرَانِيٍّ يُقَالُ لَهُ جَبْرٌ، عَبْدٍ لِبَعْضِ بَنِي الْحَضْرَمِيِّ، [فَكَانُوا يَقُولُونَ: وَاللَّهِ مَا يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا كَثِيرًا مِمَّا يأتي به إلا جبر النصراني، غلام بن الْحَضْرَمِيِّ] [[زيادة من ت، ف، أ، وابن هشام.]] فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٣٩٣) .]] وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: وَعَنْ عِكْرِمة وَقَتَادَةَ: كَانَ اسْمُهُ يَعِيشَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَان، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُلَائِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُ قَينًا بِمَكَّةَ، وَكَانَ اسْمُهُ بَلْغَامَ، وَكَانَ أَعْجَمِيَّ اللِّسَانِ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَرَوْنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَيْهِ وَيَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِ، قَالُوا: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَلْغَامُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [[تفسير الطبري (١٤/ ١١٩) .]] . وَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ: هُوَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وَسَلْمَانُ إِنَّمَا أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ [[في ت، ف: "عبد الله".]] بْنُ مُسْلِمٍ: كَانَ لَنَا غُلَامَانِ رُومِيَّانِ يَقْرَآنِ كِتَابًا لَهُمَا بِلِسَانِهِمَا، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمُرُّ بِهِمَا [[في أ: "عليهما".]] ، فَيَقُومُ فَيَسْمَعُ مِنْهُمَا فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: يَتَعَلَّمُ مِنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: الَّذِي قَالَ ذَلِكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رَجُلٌ كَانَ يَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَارْتَدَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَافْتَرَى هَذِهِ الْمَقَالَةَ، قَبَّحَهُ اللَّهُ!.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولقد نعلم أن هؤلاء المشركين يقولون جهلا منهم: إنما يعلم محمدا هذا الذي يتلوه بشر من بني آدم، وما هو من عند الله، يقول الله تعالى ذكره مكذّبهم في قيلهم ذلك: ألا تعلمون كذب ما تقولون، إن لسان الذي تلحدون إليه: يقول: تميلون إليه بأنه يعلم محمدا أعجميّ، وذلك أنهم فيما ذُكر كانوا يزعمون أن الذي يعلِّم محمدا هذا القرآن عبد روميّ، فلذلك قال تعالى ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ يقول: وهذا القرآن لسان عربيّ مبين. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل على اختلاف منهم في اسم الذي كان المشركون يزعمون أنه يعلِّم محمدا ﷺ هذا القرآن من البشر، فقال بعضهم: كان اسمه بَلْعام، وكان قَينا بمكة نصرانيا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني أحمد بن محمد الطُّوسِيّ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا إبراهيم بن طَهْمان، عن مسلم بن عبد الله المَلائي، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يعلِّم قينا بمكة، وكان أعجميّ اللسان، وكان اسمه بَلْعام، فكان المشركون يَرَوْن رسول الله ﷺ حين يدخل عليه، وحين يخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلِّمه بلعام، فأنزل الله تعالى ذكره ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ . وقال آخرون: اسمه يعيش. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب، عن عكرمة، قال: كان النبيّ ﷺ، يقرئ غلامًا لبني المغيرة أعجميا، قال سفيان: أراه يقال له: يَعِيش، قال: فذلك قوله ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ وقد قالت قريش: إنما يعلمه بشر، عبد لبني الحَضْرميّ يقال له يعيش، قال الله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ وكان يعيش يقرأ الكُتُب. وقال آخرون: بل كان اسمه جَبْر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان رسول الله ﷺ فيما بلغني كثيرًا ما يجلس عند المَرْوَة إلى غلام نصراني يقال له جَبْر، عبد لبني بياضة الحَضْرَمِيّ، فكانوا يقولون: والله ما يعلِّم محمدا كثيرا مما يأتي به إلا جَبْرٌ النصرانيُّ غلام الحضرميّ، فأنزل الله تعالى في قولهم ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ . ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عبد الله بن كثير: كانوا يقولون: إنما يعلمه نصرانيّ على المَرْوة، ويعلم محمدا رُوميّ يقولون اسمه جَبْر وكان صاحب كُتُب عبد لابن الحضرميّ، قال الله تعالى ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ . وقال آخرون: بل كانا غلامين اسم أحدهما يسار والآخر جَبْر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن حُصَيْن، عن عبد الله بن مسلم الحضرميّ: أنه كان لهم عبدان من أهل عير اليمن، وكانا طفلين، وكان يُقال لأحدهما يسار، والآخر جبر، فكانا يقرآن التوراة، وكان رسول الله ﷺ ربما جلس إليهما، فقال كفار قريش: إنما يجلس إليهما يتعلم منهما، فأنزل الله تعالى ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ . ⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا معن بن أسد، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن حصين، عن عبد الله بن مسلم الحضرميّ، نحوه. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيل، عن حصين، عن عبد الله بن مسلم، قال: كان لنا غلامان فكان يقرآن كتابًا لهما بلسانهما، فكان النبيّ ﷺ يمرّ عليهما، فيقوم يستمع منهما، فقال المشركون: يتعلم منهما، فأنزل الله تعالى ما كذّبهم به، فقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ وقال آخرون: بل كان ذلك سَلْمان الفارسي. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ كانوا يقولون: إنما يعلِّمه سَلْمان الفارسي. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ قال: قول كفار قريش: إنما يعلِّم محمدا عبدُ ابن الحضرميّ، وهو صاحب كتاب، يقول الله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ . وقيل: إن الذي قال ذلك رجل كاتب لرسول الله ﷺ ارتدّ عن الإسلام. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب: أن الذي ذكر الله إنما يعلمه بشر، إنما افتتن إنه كان يكتب الوحي، فكان يملي عليه رسول الله ﷺ: "سميع عليم" أو "عزيز حكيم" وغير ذلك من خواتم الآي، ثم يشتغل عنه رسول الله ﷺ وهو على الوحي، فيستفهم رسول الله ﷺ، فيقول: أعزيز حكيم، أو سميع عليم، أو عزيز عليم؟ فيقول رسول الله ﷺ: أيّ ذلك كتبت فهو كذلك، ففتنه ذلك، فقال: إن محمدا يكل ذلك إليّ، فأكتب ما شئت، وهو الذي ذكر في سعيد بن المسيب من الحروف السبعة. واختلف القرّاء في قراءة قوله ﴿يُلْحِدُونَ﴾ فقرأته عامَّة قرّاء المدينة والبصرة ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ بضم الياء من ألحد يلحد إلحادا، بمعنى يعترضون، ويعدلون إليه، ويعرجون إليه، من قول الشاعر: قُدْنِيَ مِنْ نَصْرِ الخبَيْبَيْنِ قَدِي ... لَيْسَ أميرِي بالشَّحيحِ المُلْحِدِ [[قدني: اسم فعل بمعنى كفى. والخبيبين: مثنى مصغر. وهما عبد الله بن الزبير وأخوه مصعب أو هما خبيب بن عبد الله بن الزبير وأحد إخوته من بني عبد الله بن الزبير، وهم حمزة وثابت وعبادة وقيس وعامر وموسى. وقيل إن لفظ الخبيبين جمع خبيب، يريد خبيبا ومن معه. أو يريد أنصار عبد الله بن الزبير، وكان يلقب أبا خبيب. والملحد: قال صاحب المصباح: من ألحد في الحرم بالألف: إذا استحل حرمته وانتهكها. وألحد إلحاداً: جادل ومارى. ولحد (بلا ألف) بمعنى: جار وظلم. وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن (١: ٣٦٨) "لسان الذي يلحدون إليه أعجمي" أي يعدلون إليه. ويقال: ألحد فلان: أي جار. وأعجمي: أضيف إلى أعجم اللسان. والبيتان من مشطور الرجز، وهما لحميد الأرقط (انظر خزانة البغدادي ٢: ٤٥٣) .]] وقرأ ذلك عامَّة قرّاء أهل الكوفة: ﴿لِسَانُ الَّذِي يَلْحِدُونَ إلَيْهِ﴾ بفتح الياء، يعني: يميلون إليه، من لحد فلان إلى هذا الأمر يلحد لحدا ولحودا، وهما عندي لغتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب فيهما الصواب. وقيل ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ يعني: القرآن كما تقول العرب لقصيدة من الشعر يعرضها الشاعر: هذا لسان فلان، تريد قصيدته؛ كما قال الشاعر: لِسانُ السُّوءِ تُهْدِيها إلَيْنَا ... وحِنْتَ وَما حَسِبْتُكَ أنْ تَحِينا ... يعني باللسان القصيدة والكلمة [[في (اللسان: لسن) : اللسان: جارحة الكلام، وقد يكني بها عن الكلمة فيؤنث حينئذ قال أعشى باهلة: إني "أتتني لسان لا أسر بها". قال ابن برى: اللسان هنا: الرسالة والمقالة. وقد يذكر على معنى الكلام، قال الحطيئة: "ندمت على لسان فات مني". وحان يحين حينا: هلك. وشاهد المؤلف في البيت: أن اللسان قد يحيي، مؤنثا بمعنى الكلمة والقصيدة.]] .

Al-Mukhtasar (français)

Nous savons que les polythéistes disent: C’est un être humain qui inculque le Coran à Muħammad. Or ils mentent en prétendant cela car la langue parlée par celui dont ils prétendent qu’il lui inculque le Coran est étrangère à l’Arabie tandis que ce Coran a été révélé dans une langue arabe claire et extrêmement éloquente. Comment le Prophète aurait-il pu recevoir le Coran d’un homme qui parle une langue étrangère?

104

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

Ceux qui ne croient pas aux versets d'Allah, Allah ne les guide pas. Et ils ont un châtiment douloureux.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَهْدِي [[في أ: "لا يهتدي".]] مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ وتَغَافل عَمَّا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ إِلَى الْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَهَذَا الْجِنْسُ مِنَ النَّاسِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ إِلَى الْإِيمَانِ بِآيَاتِهِ وَمَا أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ فِي الدُّنْيَا، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ مُوجِعٌ فِي الْآخِرَةِ. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ رَسُولَهُ لَيْسَ بِمُفْتَرٍ وَلَا كَذَّاب؛ لِأَنَّهُ ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ شِرارُ الْخَلْقِ، ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ مِنَ الْكَفَرَةِ وَالْمُلْحِدِينَ الْمَعْرُوفِينَ بِالْكَذِبِ عِنْدَ النَّاسِ. وَالرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ، كَانَ [[في ت: "كان من".]] أَصْدَقَ النَّاسِ وَأَبَرَّهُمْ وَأَكْمَلَهُمْ عِلْمًا وَعَمَلًا وَإِيمَانًا وَإِيقَانًا، مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ فِي قَوْمِهِ، لَا يَشُكُّ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِحَيْثُ لَا يُدْعى بينهم إلا بالأمين محمد؛ ولهذا لما سَأَلَ هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومِ أَبَا سُفْيَانَ عَنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ الَّتِي سَأَلَهَا مِنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَانَ فِيمَا قال له: أو كُنْتُمْ [[في ف: "أفكنتم".]] تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ: هِرَقْلُ فَمَا كَانَ ليَدع الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥) ﴾ يقول تعالى إن الذين لا يؤمنون بحجج الله وأدلته، فيصدّقون بما دلَّت عليه ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ يقول: لا يوفقهم الله لإصابة الحقّ، ولا يهديهم لسبيل الرشد في الدنيا، ولهم في الآخرة وعند الله إذا وردوا عليه يوم القيامة عذاب مؤلم موجع. ثم أخبر تعالى ذكره المشركين الذين قالوا للنبيّ ﷺ: إنما أنت مفتر، أنهم هم أهل الفرية والكذب، لا نبيّ الله ﷺ، والمؤمنون به، وبرأ من ذلك نبيه ﷺ وأصحابه، فقال: إنما يتخرّص الكذب، ويتقوّل الباطل، الذين لا يصدّقون بحجج الله وإعلامه، لأنهم لا يرجون على الصدق ثوابا، ولا يخافون على الكذب عقابا، فهم أهل الإفك وافتراء الكذب، لا من كان راجيا من الله على الصدق الثواب الجزيل، وخائفا على الكذب العقاب الأليم. * * وقوله ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ يقول: والذين لا يؤمنون بآيات الله هم أهل الكذب لا المؤمنون. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ﴾ اختلف أهل العربية في العامل في "مَنْ" من قوله ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ ومن قوله ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ ، فقال بعض نحويي البصرة: صار قوله ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾ خبرًا لقوله ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ ، وقوله ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ فأخبر لهم بخبر واحد، وكان ذلك يدلّ على المعنى. وقال بعض نحويي الكوفة: إنما هذان جزءان اجتمعا، أحدهما منعقد بالآخر، فجوابهما واحد كقول القائل: من يأتنا فمن يحسن نكرمه، بمعنى: من يحسن ممن يأتنا نكرمه. قال: وكذلك كلّ جزاءين اجتمعا الثاني منعقد بالأوّل، فالجواب لهما واحد. وقال آخر من أهل البصرة: بل قوله ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ مرفوع بالردّ على الذين في قوله ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ومعنى الكلام عنده: إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه، إلا من أكره من هؤلاء وقلبه مطمئنّ بالإيمان، وهذا قول لا وجه له. وذلك أن معنى الكلام لو كان كما قال قائل هذا القول، لكان الله تعالى ذكره قد أخرج ممن افترى الكذب في هذه الآية الذين وُلدوا على الكفر وأقاموا عليه، ولم يؤمنوا قطّ، وخصّ به الذين قد كانوا آمنوا في حال، ثم راجعوا الكفر بعد الإيمان، والتنزيل يدلّ على أنه لم يخصص بذلك هؤلاء دون سائر المشركين الذين كانوا على الشرك مقيمين، وذلك أنه تعالى أخبر خبر قوم منهم أضافوا إلى رسول الله ﷺ افتراء الكذب، فقال: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنزلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ وكذّب جميع المشركين بافترائهم على الله وأخبر أنهم أحق بهذه الصفة من رسول الله ﷺ، فقال ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ، ولو كان الذين عنوا بهذه الآية هم الذين كفروا بالله من بعد إيمانهم، وجب أن يكون القائلون لرسول الله ﷺ، إنما أنت مفتر حين بدّل الله آية مكان آية، كانوا هم الذين كفروا بالله بعد الإيمان خاصة دون غيرهم من سائر المشركين، لأن هذه في سياق الخبر عنهم، وذلك قول إن قاله قائل، فبين فساده مع خروجه عن تأويل جميع أهل العلم بالتأويل. والصواب من القول في ذلك عندي أن الرافع لمن الأولى والثانية، قوله ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ والعرب تفعل ذلك في حروف الجزاء إذا استأنفت أحدهما على آخر. وذكر أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر وقوم كانوا أسلموا ففتنهم المشركون عن دينهم، فثبت على الإسلام بعضهم، وافتتن بعض. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ ... إلى آخر الآية، وذلك أن المشركين أصابوا عمار بن ياسر فعذّبوه، ثم تركوه، فرجع إلى رسول الله ﷺ فحدّثه بالذي لقي من قريش، والذي قال: فأنزل الله تعالى ذكره عذره ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ ... إلى قوله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ قال: ذُكِر لنا أنها نزلت في عمار بن ياسر، أخذه بنو المغيرة فغطوه في بئر ميمون وقالوا: اكفر بمحمد، فتابعهم على ذلك وقلبه كاره، فأنزل لله تعالى ذكره ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ : أي من أتى الكفر على اختيار واستحباب، ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فعذّبوه حتى باراهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبيّ ﷺ، فقال النبيّ ﷺ: كَيْفَ تَجدُ قَلْبَكَ؟ قال: مطمئنا بالإيمان. قال النبيّ ﷺ: فإنْ عادُوا فَعُدْ". ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، في قوله ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ قال: نزلت في عمار بن ياسر. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: لما عذّب الأعبد أعطوهم ما سألوا إلا خباب بن الأرت، كانوا يضجعونه على الرضف فلم يستقلوا منه شيئا. فتأويل الكلام إذن: من كفر بالله من بعد إيمانه، إلا من أكره على الكفر، فنطق بكلمة الكفر بلسانه وقلبه مطمئنّ بالإيمان، موقن بحقيقته، صحيح عليه عزمه، غير مفسوح الصدر بالكفر، لكن من شرح بالكفر صدرا فاختاره وآثره على الإيمان، وباح به طائعا، فعليهم غضب من الله، ولهم عذاب عظيم. وبنحو الذي قلنا في ذلك ورد الخبر، عن ابن عباس. ⁕ حدثني عليّ بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ فأخبر الله سبحانه أنه من كفر من بعد إيمانه، فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم، فأما من أكره فتكلم به لسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوّه، فلا حرج عليه، لأن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم.

Al-Mukhtasar (français)

Allah ne facilite pas la guidée à ceux qui ne croient pas que Ses versets proviennent de Lui tant qu’ils persistent dans cette posture et ils subiront un châtiment douloureux en raison de leur mécréance en Allah et du démenti de Ses versets.

105

إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰذِبُونَ

Seuls forgent le mensonge ceux qui ne croient pas aux versets d'Allah; et tels sont les menteurs.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَهْدِي [[في أ: "لا يهتدي".]] مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ وتَغَافل عَمَّا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ إِلَى الْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَهَذَا الْجِنْسُ مِنَ النَّاسِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ إِلَى الْإِيمَانِ بِآيَاتِهِ وَمَا أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ فِي الدُّنْيَا، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ مُوجِعٌ فِي الْآخِرَةِ. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ رَسُولَهُ لَيْسَ بِمُفْتَرٍ وَلَا كَذَّاب؛ لِأَنَّهُ ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ شِرارُ الْخَلْقِ، ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ مِنَ الْكَفَرَةِ وَالْمُلْحِدِينَ الْمَعْرُوفِينَ بِالْكَذِبِ عِنْدَ النَّاسِ. وَالرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ، كَانَ [[في ت: "كان من".]] أَصْدَقَ النَّاسِ وَأَبَرَّهُمْ وَأَكْمَلَهُمْ عِلْمًا وَعَمَلًا وَإِيمَانًا وَإِيقَانًا، مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ فِي قَوْمِهِ، لَا يَشُكُّ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِحَيْثُ لَا يُدْعى بينهم إلا بالأمين محمد؛ ولهذا لما سَأَلَ هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومِ أَبَا سُفْيَانَ عَنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ الَّتِي سَأَلَهَا مِنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَانَ فِيمَا قال له: أو كُنْتُمْ [[في ف: "أفكنتم".]] تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ: هِرَقْلُ فَمَا كَانَ ليَدع الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥) ﴾ يقول تعالى إن الذين لا يؤمنون بحجج الله وأدلته، فيصدّقون بما دلَّت عليه ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ يقول: لا يوفقهم الله لإصابة الحقّ، ولا يهديهم لسبيل الرشد في الدنيا، ولهم في الآخرة وعند الله إذا وردوا عليه يوم القيامة عذاب مؤلم موجع. ثم أخبر تعالى ذكره المشركين الذين قالوا للنبيّ ﷺ: إنما أنت مفتر، أنهم هم أهل الفرية والكذب، لا نبيّ الله ﷺ، والمؤمنون به، وبرأ من ذلك نبيه ﷺ وأصحابه، فقال: إنما يتخرّص الكذب، ويتقوّل الباطل، الذين لا يصدّقون بحجج الله وإعلامه، لأنهم لا يرجون على الصدق ثوابا، ولا يخافون على الكذب عقابا، فهم أهل الإفك وافتراء الكذب، لا من كان راجيا من الله على الصدق الثواب الجزيل، وخائفا على الكذب العقاب الأليم. * * وقوله ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ يقول: والذين لا يؤمنون بآيات الله هم أهل الكذب لا المؤمنون. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ﴾ اختلف أهل العربية في العامل في "مَنْ" من قوله ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ ومن قوله ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ ، فقال بعض نحويي البصرة: صار قوله ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾ خبرًا لقوله ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ ، وقوله ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ فأخبر لهم بخبر واحد، وكان ذلك يدلّ على المعنى. وقال بعض نحويي الكوفة: إنما هذان جزءان اجتمعا، أحدهما منعقد بالآخر، فجوابهما واحد كقول القائل: من يأتنا فمن يحسن نكرمه، بمعنى: من يحسن ممن يأتنا نكرمه. قال: وكذلك كلّ جزاءين اجتمعا الثاني منعقد بالأوّل، فالجواب لهما واحد. وقال آخر من أهل البصرة: بل قوله ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ مرفوع بالردّ على الذين في قوله ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ومعنى الكلام عنده: إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه، إلا من أكره من هؤلاء وقلبه مطمئنّ بالإيمان، وهذا قول لا وجه له. وذلك أن معنى الكلام لو كان كما قال قائل هذا القول، لكان الله تعالى ذكره قد أخرج ممن افترى الكذب في هذه الآية الذين وُلدوا على الكفر وأقاموا عليه، ولم يؤمنوا قطّ، وخصّ به الذين قد كانوا آمنوا في حال، ثم راجعوا الكفر بعد الإيمان، والتنزيل يدلّ على أنه لم يخصص بذلك هؤلاء دون سائر المشركين الذين كانوا على الشرك مقيمين، وذلك أنه تعالى أخبر خبر قوم منهم أضافوا إلى رسول الله ﷺ افتراء الكذب، فقال: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنزلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ وكذّب جميع المشركين بافترائهم على الله وأخبر أنهم أحق بهذه الصفة من رسول الله ﷺ، فقال ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ، ولو كان الذين عنوا بهذه الآية هم الذين كفروا بالله من بعد إيمانهم، وجب أن يكون القائلون لرسول الله ﷺ، إنما أنت مفتر حين بدّل الله آية مكان آية، كانوا هم الذين كفروا بالله بعد الإيمان خاصة دون غيرهم من سائر المشركين، لأن هذه في سياق الخبر عنهم، وذلك قول إن قاله قائل، فبين فساده مع خروجه عن تأويل جميع أهل العلم بالتأويل. والصواب من القول في ذلك عندي أن الرافع لمن الأولى والثانية، قوله ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ والعرب تفعل ذلك في حروف الجزاء إذا استأنفت أحدهما على آخر. وذكر أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر وقوم كانوا أسلموا ففتنهم المشركون عن دينهم، فثبت على الإسلام بعضهم، وافتتن بعض. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ ... إلى آخر الآية، وذلك أن المشركين أصابوا عمار بن ياسر فعذّبوه، ثم تركوه، فرجع إلى رسول الله ﷺ فحدّثه بالذي لقي من قريش، والذي قال: فأنزل الله تعالى ذكره عذره ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ ... إلى قوله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ قال: ذُكِر لنا أنها نزلت في عمار بن ياسر، أخذه بنو المغيرة فغطوه في بئر ميمون وقالوا: اكفر بمحمد، فتابعهم على ذلك وقلبه كاره، فأنزل لله تعالى ذكره ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ : أي من أتى الكفر على اختيار واستحباب، ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فعذّبوه حتى باراهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبيّ ﷺ، فقال النبيّ ﷺ: كَيْفَ تَجدُ قَلْبَكَ؟ قال: مطمئنا بالإيمان. قال النبيّ ﷺ: فإنْ عادُوا فَعُدْ". ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، في قوله ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ قال: نزلت في عمار بن ياسر. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: لما عذّب الأعبد أعطوهم ما سألوا إلا خباب بن الأرت، كانوا يضجعونه على الرضف فلم يستقلوا منه شيئا. فتأويل الكلام إذن: من كفر بالله من بعد إيمانه، إلا من أكره على الكفر، فنطق بكلمة الكفر بلسانه وقلبه مطمئنّ بالإيمان، موقن بحقيقته، صحيح عليه عزمه، غير مفسوح الصدر بالكفر، لكن من شرح بالكفر صدرا فاختاره وآثره على الإيمان، وباح به طائعا، فعليهم غضب من الله، ولهم عذاب عظيم. وبنحو الذي قلنا في ذلك ورد الخبر، عن ابن عباس. ⁕ حدثني عليّ بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ فأخبر الله سبحانه أنه من كفر من بعد إيمانه، فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم، فأما من أكره فتكلم به لسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوّه، فلا حرج عليه، لأن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم.

Al-Mukhtasar (français)

Muħammad n’a pas attribué mensongèrement à Allah ce qui lui a été révélé. Ce sont plutôt ceux qui ne croient pas aux versets d’Allah qui inventent des mensonges car ils ne redoutent aucun châtiment ni n’espèrent pas de récompense. Ce sont ces mécréants qui sont des menteurs puisque le mensonge est une de leurs habitudes dont ils ne peuvent se passer.

106

مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًۭا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

Quiconque a renié Allah après avoir cru... - sauf celui qui y a été contraint alors que son cœur demeure plein de la sérénité de la foi - mais ceux qui ouvrent délibérément leur cœur à la mécréance, ceux-là ont sur eux une colère d'Allah et ils ont un châtiment terrible.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالتَّبَصُّرِ، وَشَرَحَ صَدْرَهُ بِالْكُفْرِ وَاطْمَأَنَّ بِهِ: أَنَّهُ قَدْ غَضب عَلَيْهِ، لِعِلْمِهِمْ بِالْإِيمَانِ ثُمَّ عُدُولِهِمْ عَنْهُ، وَأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا عَظِيمًا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، فَأَقْدَمُوا [[في ت: "فما قدموا".]] عَلَى مَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الرِّدَّةِ لِأَجْلِ [[في ت: "الردة إلا لأجل".]] الدُّنْيَا، وَلَمْ يَهْدِ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَيُثَبِّتْهُمْ عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ، فَطَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا [[في أ: "فهم لا".]] يَعْقِلُونَ بِهَا شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ فَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهَا، وَلَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ شَيْئًا، فَهُمْ غَافِلُونَ عَمَّا يُرَادُ بِهِمْ. ﴿لَا جَرَمَ﴾ أَيْ: لَا بُدَّ وَلَا عَجَبَ أَنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، ﴿أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهَالِيهِمْ [[في ت: "وأهليتهم".]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِمَّنْ [[في ت: "فمن".]] كَفَرَ بِلِسَانِهِ وَوَافَقَ الْمُشْرِكِينَ بِلَفْظِهِ مُكْرَهًا لِمَا نَالَهُ مِنْ ضَرْبٍ وَأَذًى، وَقَلْبُهُ يَأْبَى مَا يَقُولُ، وَهُوَ مُطَمْئِنٌ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَقَدْ رَوَى العَوفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عمَّار بْنِ يَاسِرٍ، حِينَ عَذَّبَهُ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى يَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مُكرَها [[في ف، أ: "مستكرهًا".]] وَجَاءَ مُعْتَذِرًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَهَكَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَور، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الجَزَريّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ [بْنِ] [[زيادة من ت، ف، أ، والطبري.]] مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ [[في ت: "على".]] بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَعَذَّبُوهُ حَتَّى قَارَبَهُمْ فِي بَعْضِ مَا أَرَادُوا، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ " قَالَ: مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ عَادُوا فَعُدْ" [[تفسير الطبري (١٤/ ١٢٢) .]] . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَبْسَطَ مِنْ ذَلِكَ، وَفِيهِ أَنَّهُ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، وَأَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تُركتُ حَتَّى سَببتك وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ! قَالَ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ " قَالَ: مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ. فَقَالَ: "إِنْ عَادُوا فَعُدْ". وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ [[سنن البيهقي الكبرى (٨/ ٢٠٩) .]] . وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوَالى المكرَه عَلَى الْكُفْرِ، إِبْقَاءً لِمُهْجَتِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَقْتِلَ، كَمَا كَانَ بِلَالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْبَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَهُمْ يَفْعَلُونَ بِهِ الْأَفَاعِيلَ، حَتَّى أَنَّهُمْ لَيَضَعُونَ الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ عَلَى صَدْرِهِ فِي شدَّة الْحَرِّ، وَيَأْمُرُونَهُ أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَيَأْبَى عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَقُولُ: أحَد، أحَد. وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ كَلِمَةً هِيَ [[زيادة من ت، ف، أ.]] أَغْيَظُ لَكُمْ مِنْهَا لَقُلْتُهَا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. وَكَذَلِكَ حَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ [[في ف: "يزيد".]] الْأَنْصَارِيُّ لَمَّا قَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَسْمَعُ. فَلَمْ يَزَلْ يُقَطِّعُهُ إرْبًا إرْبًا وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَى ذَلِكَ [[انظر: الاستيعاب لابن عبد البر (١/ ٣٢٧) وأسد الغابة لابن الأثير (١/ ٤٤٣) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمة، أَنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَرَّق نَاسًا ارْتَدَوْا عَنِ الْإِسْلَامِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأُحَرِّقَهُمْ بِالنَّارِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ". وَكُنْتُ قَاتِلَهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: وَيْحَ أُمِّ ابْنِ [[في ت، ف: "ابن أم".]] عَبَّاسٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [[المسند (١/ ٢١٧) وصحيح البخاري برقم (٦٩٢٢) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْد بْنِ هِلَالٍ العَدَويّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: قَدِمَ عَلَى أَبِي مُوسَى معاذُ بْنُ جَبَلٍ بِالْيَمَنِ، فَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ [[في ت: "فقال".]] رَجُلٌ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ تَهَوَّدَ، وَنَحْنُ نُرِيدُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ مُنْذُ -قَالَ: أَحْسَبُ-شَهْرَيْنِ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقْعُدُ [[في ف: "قعدتك".]] حَتَّى تَضْرِبُوا عُنُقَهُ. فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. فَقَالَ: قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَنَّ مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ فَاقْتُلُوهُ-أَوْ قَالَ: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ [[المسند (٥/ ٢٣١)]] . وَهَذِهِ الْقِصَّةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظٍ آخَرَ [[صحيح البخاري برقم (٦٩٢٣) وصحيح مسلم برقم (١٧٣٣) .]] . وَالْأَفْضَلُ وَالْأَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ الْمُسْلِمُ عَلَى دِينِهِ، وَلَوْ أَفْضَى إِلَى قَتْلِهِ، كَمَا قَالَ [[في ف، أ: "كما ذكر".]] الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافة السَّهْمِيِّ أَحَدِ الصَّحَابَةِ: أَنَّهُ أَسَرَتْهُ الرُّومُ، فَجَاءُوا بِهِ إِلَى [[في ف: "عند".]] مَلِكِهِمْ، فَقَالَ لَهُ: تَنَصَّرْ وَأَنَا أُشْرِكُكَ فِي مُلْكِي وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي. فَقَالَ لَهُ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكُ وَجَمِيعَ مَا تَمْلِكُهُ الْعَرَبُ، عَلَى أَنْ أَرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ، مَا فَعَلْتُ! فَقَالَ: إِذًا أَقْتُلُكَ. قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ! فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، وَأَمَرَ الرُّمَاةَ فَرَمَوْهُ قَرِيبًا مِنْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَعْرِضُ عليه دين النَّصْرَانِيَّةِ، فَيَأْبَى [[في ف: "فأبي".]] ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُنْزِلَ، ثُمَّ أَمَرَ بِقِدْر. وَفِي رِوَايَةٍ: بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ، فَأُحْمِيَتْ، وَجَاءَ بِأَسِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَلْقَاهُ وَهُوَ يَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ عِظَامٌ تَلُوحُ. وَعَرَضَ عَلَيْهِ فَأَبَى، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُلْقَى فِيهَا، فَرُفِعَ فِي البَكَرَة لِيُلْقَى فِيهَا، فَبَكَى فَطَمِعَ فِيهِ وَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي إِنَّمَا بَكَيْتُ لِأَنَّ نَفْسِي إِنَّمَا هِيَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ، تُلْقى فِي هَذِهِ الْقِدْرِ السَّاعَةَ فِي اللَّهِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ لِي بِعَدَدِ كُلِّ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِي نَفْسٌ تُعَذَّبُ هَذَا الْعَذَابَ فِي اللَّهِ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّهُ سَجَنَهُ وَمَنَعَ عَنْهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ أَيَّامًا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ بِخَمْرٍ وَلَحْمِ خِنْزِيرٍ، فَلَمْ يَقْرَبْهُ، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْكُلَ؟ فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ حَلَّ لِي، وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ لِأُشَمِّتَكَ فِيَّ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: فَقَبِّلْ رَأْسِي وَأَنَا أُطْلِقُكَ. فَقَالَ: وَتُطْلِقُ مَعِي جَمِيعَ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَبَّلَ رَأْسَهُ، فَأَطْلَقَهُ وَأَطْلَقَ مَعَهُ جَمِيعَ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: حَقّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، وَأَنَا أَبْدَأُ. فَقَامَ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ [[تاريخ دمشق (٩/١١٦ "المخطوط") .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥) ﴾ يقول تعالى إن الذين لا يؤمنون بحجج الله وأدلته، فيصدّقون بما دلَّت عليه ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ يقول: لا يوفقهم الله لإصابة الحقّ، ولا يهديهم لسبيل الرشد في الدنيا، ولهم في الآخرة وعند الله إذا وردوا عليه يوم القيامة عذاب مؤلم موجع. ثم أخبر تعالى ذكره المشركين الذين قالوا للنبيّ ﷺ: إنما أنت مفتر، أنهم هم أهل الفرية والكذب، لا نبيّ الله ﷺ، والمؤمنون به، وبرأ من ذلك نبيه ﷺ وأصحابه، فقال: إنما يتخرّص الكذب، ويتقوّل الباطل، الذين لا يصدّقون بحجج الله وإعلامه، لأنهم لا يرجون على الصدق ثوابا، ولا يخافون على الكذب عقابا، فهم أهل الإفك وافتراء الكذب، لا من كان راجيا من الله على الصدق الثواب الجزيل، وخائفا على الكذب العقاب الأليم. * * وقوله ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ يقول: والذين لا يؤمنون بآيات الله هم أهل الكذب لا المؤمنون. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ﴾ اختلف أهل العربية في العامل في "مَنْ" من قوله ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ ومن قوله ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ ، فقال بعض نحويي البصرة: صار قوله ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾ خبرًا لقوله ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ ، وقوله ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ فأخبر لهم بخبر واحد، وكان ذلك يدلّ على المعنى. وقال بعض نحويي الكوفة: إنما هذان جزءان اجتمعا، أحدهما منعقد بالآخر، فجوابهما واحد كقول القائل: من يأتنا فمن يحسن نكرمه، بمعنى: من يحسن ممن يأتنا نكرمه. قال: وكذلك كلّ جزاءين اجتمعا الثاني منعقد بالأوّل، فالجواب لهما واحد. وقال آخر من أهل البصرة: بل قوله ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ مرفوع بالردّ على الذين في قوله ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ومعنى الكلام عنده: إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه، إلا من أكره من هؤلاء وقلبه مطمئنّ بالإيمان، وهذا قول لا وجه له. وذلك أن معنى الكلام لو كان كما قال قائل هذا القول، لكان الله تعالى ذكره قد أخرج ممن افترى الكذب في هذه الآية الذين وُلدوا على الكفر وأقاموا عليه، ولم يؤمنوا قطّ، وخصّ به الذين قد كانوا آمنوا في حال، ثم راجعوا الكفر بعد الإيمان، والتنزيل يدلّ على أنه لم يخصص بذلك هؤلاء دون سائر المشركين الذين كانوا على الشرك مقيمين، وذلك أنه تعالى أخبر خبر قوم منهم أضافوا إلى رسول الله ﷺ افتراء الكذب، فقال: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنزلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ وكذّب جميع المشركين بافترائهم على الله وأخبر أنهم أحق بهذه الصفة من رسول الله ﷺ، فقال ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ، ولو كان الذين عنوا بهذه الآية هم الذين كفروا بالله من بعد إيمانهم، وجب أن يكون القائلون لرسول الله ﷺ، إنما أنت مفتر حين بدّل الله آية مكان آية، كانوا هم الذين كفروا بالله بعد الإيمان خاصة دون غيرهم من سائر المشركين، لأن هذه في سياق الخبر عنهم، وذلك قول إن قاله قائل، فبين فساده مع خروجه عن تأويل جميع أهل العلم بالتأويل. والصواب من القول في ذلك عندي أن الرافع لمن الأولى والثانية، قوله ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ والعرب تفعل ذلك في حروف الجزاء إذا استأنفت أحدهما على آخر. وذكر أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر وقوم كانوا أسلموا ففتنهم المشركون عن دينهم، فثبت على الإسلام بعضهم، وافتتن بعض. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ ... إلى آخر الآية، وذلك أن المشركين أصابوا عمار بن ياسر فعذّبوه، ثم تركوه، فرجع إلى رسول الله ﷺ فحدّثه بالذي لقي من قريش، والذي قال: فأنزل الله تعالى ذكره عذره ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ ... إلى قوله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ قال: ذُكِر لنا أنها نزلت في عمار بن ياسر، أخذه بنو المغيرة فغطوه في بئر ميمون وقالوا: اكفر بمحمد، فتابعهم على ذلك وقلبه كاره، فأنزل لله تعالى ذكره ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ : أي من أتى الكفر على اختيار واستحباب، ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فعذّبوه حتى باراهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبيّ ﷺ، فقال النبيّ ﷺ: كَيْفَ تَجدُ قَلْبَكَ؟ قال: مطمئنا بالإيمان. قال النبيّ ﷺ: فإنْ عادُوا فَعُدْ". ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، في قوله ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ قال: نزلت في عمار بن ياسر. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: لما عذّب الأعبد أعطوهم ما سألوا إلا خباب بن الأرت، كانوا يضجعونه على الرضف فلم يستقلوا منه شيئا. فتأويل الكلام إذن: من كفر بالله من بعد إيمانه، إلا من أكره على الكفر، فنطق بكلمة الكفر بلسانه وقلبه مطمئنّ بالإيمان، موقن بحقيقته، صحيح عليه عزمه، غير مفسوح الصدر بالكفر، لكن من شرح بالكفر صدرا فاختاره وآثره على الإيمان، وباح به طائعا، فعليهم غضب من الله، ولهم عذاب عظيم. وبنحو الذي قلنا في ذلك ورد الخبر، عن ابن عباس. ⁕ حدثني عليّ بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ فأخبر الله سبحانه أنه من كفر من بعد إيمانه، فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم، فأما من أكره فتكلم به لسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوّه، فلا حرج عليه، لأن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم.

Al-Mukhtasar (français)

Celui qui mécroit en Allah après avoir eu la foi –excepté celui qui prononce des paroles de mécréance sous la contrainte mais dont le cœur est sereinement attaché à la foi et empli de certitude– ouvre délibérément son cœur à la mécréance qu’il choisit au détriment de la foi et s’y soumet avec des paroles, est un apostat. Les apostats subiront la colère et un châtiment terrible.

107

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْءَاخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ

Il en est ainsi, parce qu'ils ont aimé la vie présente plus que l'au-delà. Et Allah, vraiment, ne guide pas les gens mécréants.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالتَّبَصُّرِ، وَشَرَحَ صَدْرَهُ بِالْكُفْرِ وَاطْمَأَنَّ بِهِ: أَنَّهُ قَدْ غَضب عَلَيْهِ، لِعِلْمِهِمْ بِالْإِيمَانِ ثُمَّ عُدُولِهِمْ عَنْهُ، وَأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا عَظِيمًا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، فَأَقْدَمُوا [[في ت: "فما قدموا".]] عَلَى مَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الرِّدَّةِ لِأَجْلِ [[في ت: "الردة إلا لأجل".]] الدُّنْيَا، وَلَمْ يَهْدِ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَيُثَبِّتْهُمْ عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ، فَطَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا [[في أ: "فهم لا".]] يَعْقِلُونَ بِهَا شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ فَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهَا، وَلَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ شَيْئًا، فَهُمْ غَافِلُونَ عَمَّا يُرَادُ بِهِمْ. ﴿لَا جَرَمَ﴾ أَيْ: لَا بُدَّ وَلَا عَجَبَ أَنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، ﴿أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهَالِيهِمْ [[في ت: "وأهليتهم".]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِمَّنْ [[في ت: "فمن".]] كَفَرَ بِلِسَانِهِ وَوَافَقَ الْمُشْرِكِينَ بِلَفْظِهِ مُكْرَهًا لِمَا نَالَهُ مِنْ ضَرْبٍ وَأَذًى، وَقَلْبُهُ يَأْبَى مَا يَقُولُ، وَهُوَ مُطَمْئِنٌ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَقَدْ رَوَى العَوفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عمَّار بْنِ يَاسِرٍ، حِينَ عَذَّبَهُ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى يَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مُكرَها [[في ف، أ: "مستكرهًا".]] وَجَاءَ مُعْتَذِرًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَهَكَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَور، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الجَزَريّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ [بْنِ] [[زيادة من ت، ف، أ، والطبري.]] مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ [[في ت: "على".]] بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَعَذَّبُوهُ حَتَّى قَارَبَهُمْ فِي بَعْضِ مَا أَرَادُوا، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ " قَالَ: مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ عَادُوا فَعُدْ" [[تفسير الطبري (١٤/ ١٢٢) .]] . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَبْسَطَ مِنْ ذَلِكَ، وَفِيهِ أَنَّهُ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، وَأَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تُركتُ حَتَّى سَببتك وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ! قَالَ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ " قَالَ: مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ. فَقَالَ: "إِنْ عَادُوا فَعُدْ". وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ [[سنن البيهقي الكبرى (٨/ ٢٠٩) .]] . وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوَالى المكرَه عَلَى الْكُفْرِ، إِبْقَاءً لِمُهْجَتِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَقْتِلَ، كَمَا كَانَ بِلَالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْبَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَهُمْ يَفْعَلُونَ بِهِ الْأَفَاعِيلَ، حَتَّى أَنَّهُمْ لَيَضَعُونَ الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ عَلَى صَدْرِهِ فِي شدَّة الْحَرِّ، وَيَأْمُرُونَهُ أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَيَأْبَى عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَقُولُ: أحَد، أحَد. وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ كَلِمَةً هِيَ [[زيادة من ت، ف، أ.]] أَغْيَظُ لَكُمْ مِنْهَا لَقُلْتُهَا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. وَكَذَلِكَ حَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ [[في ف: "يزيد".]] الْأَنْصَارِيُّ لَمَّا قَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَسْمَعُ. فَلَمْ يَزَلْ يُقَطِّعُهُ إرْبًا إرْبًا وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَى ذَلِكَ [[انظر: الاستيعاب لابن عبد البر (١/ ٣٢٧) وأسد الغابة لابن الأثير (١/ ٤٤٣) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمة، أَنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَرَّق نَاسًا ارْتَدَوْا عَنِ الْإِسْلَامِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأُحَرِّقَهُمْ بِالنَّارِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ". وَكُنْتُ قَاتِلَهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: وَيْحَ أُمِّ ابْنِ [[في ت، ف: "ابن أم".]] عَبَّاسٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [[المسند (١/ ٢١٧) وصحيح البخاري برقم (٦٩٢٢) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْد بْنِ هِلَالٍ العَدَويّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: قَدِمَ عَلَى أَبِي مُوسَى معاذُ بْنُ جَبَلٍ بِالْيَمَنِ، فَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ [[في ت: "فقال".]] رَجُلٌ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ تَهَوَّدَ، وَنَحْنُ نُرِيدُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ مُنْذُ -قَالَ: أَحْسَبُ-شَهْرَيْنِ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقْعُدُ [[في ف: "قعدتك".]] حَتَّى تَضْرِبُوا عُنُقَهُ. فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. فَقَالَ: قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَنَّ مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ فَاقْتُلُوهُ-أَوْ قَالَ: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ [[المسند (٥/ ٢٣١)]] . وَهَذِهِ الْقِصَّةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظٍ آخَرَ [[صحيح البخاري برقم (٦٩٢٣) وصحيح مسلم برقم (١٧٣٣) .]] . وَالْأَفْضَلُ وَالْأَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ الْمُسْلِمُ عَلَى دِينِهِ، وَلَوْ أَفْضَى إِلَى قَتْلِهِ، كَمَا قَالَ [[في ف، أ: "كما ذكر".]] الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافة السَّهْمِيِّ أَحَدِ الصَّحَابَةِ: أَنَّهُ أَسَرَتْهُ الرُّومُ، فَجَاءُوا بِهِ إِلَى [[في ف: "عند".]] مَلِكِهِمْ، فَقَالَ لَهُ: تَنَصَّرْ وَأَنَا أُشْرِكُكَ فِي مُلْكِي وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي. فَقَالَ لَهُ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكُ وَجَمِيعَ مَا تَمْلِكُهُ الْعَرَبُ، عَلَى أَنْ أَرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ، مَا فَعَلْتُ! فَقَالَ: إِذًا أَقْتُلُكَ. قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ! فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، وَأَمَرَ الرُّمَاةَ فَرَمَوْهُ قَرِيبًا مِنْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَعْرِضُ عليه دين النَّصْرَانِيَّةِ، فَيَأْبَى [[في ف: "فأبي".]] ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُنْزِلَ، ثُمَّ أَمَرَ بِقِدْر. وَفِي رِوَايَةٍ: بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ، فَأُحْمِيَتْ، وَجَاءَ بِأَسِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَلْقَاهُ وَهُوَ يَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ عِظَامٌ تَلُوحُ. وَعَرَضَ عَلَيْهِ فَأَبَى، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُلْقَى فِيهَا، فَرُفِعَ فِي البَكَرَة لِيُلْقَى فِيهَا، فَبَكَى فَطَمِعَ فِيهِ وَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي إِنَّمَا بَكَيْتُ لِأَنَّ نَفْسِي إِنَّمَا هِيَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ، تُلْقى فِي هَذِهِ الْقِدْرِ السَّاعَةَ فِي اللَّهِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ لِي بِعَدَدِ كُلِّ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِي نَفْسٌ تُعَذَّبُ هَذَا الْعَذَابَ فِي اللَّهِ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّهُ سَجَنَهُ وَمَنَعَ عَنْهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ أَيَّامًا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ بِخَمْرٍ وَلَحْمِ خِنْزِيرٍ، فَلَمْ يَقْرَبْهُ، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْكُلَ؟ فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ حَلَّ لِي، وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ لِأُشَمِّتَكَ فِيَّ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: فَقَبِّلْ رَأْسِي وَأَنَا أُطْلِقُكَ. فَقَالَ: وَتُطْلِقُ مَعِي جَمِيعَ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَبَّلَ رَأْسَهُ، فَأَطْلَقَهُ وَأَطْلَقَ مَعَهُ جَمِيعَ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: حَقّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، وَأَنَا أَبْدَأُ. فَقَامَ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ [[تاريخ دمشق (٩/١١٦ "المخطوط") .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: حلّ بهؤلاء المشركين غضب الله، ووجب لهم العذاب العظيم، من أجل أنهم اختاروا زينة الحياة الدنيا على نعيم الآخرة، ولأن الله لا يوفق القوم الذين يجحدون آياته مع إصرارهم على جحودها. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: هؤلاء المشركون الذين وصفت لكم صفتهم في هذه الآيات أيها الناس، هم القوم الذين طبع الله على قلوبهم، فختم عليها بطابعه، فلا يؤمنون ولا يهتدون، وأصمّ أسماعهم فلا يسمعون داعي الله إلى الهدى، وأعمى أبصارهم فلا يبصرون بها حجج الله إبصار معتبر ومتعظ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ يقول: وهؤلاء الذين جعل الله فيهم هذه الأفعال هم الساهون، عما أعدّ الله لأمثالهم من أهل الكفر وعما يراد بهم. * * وقوله ﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الهالكون، الذين غَبَنوا أنفسهم حظوظها من كرامة الله تعالى.

Al-Mukhtasar (français)

Leur apostasie s’explique par le fait qu’ils préfèrent les décombres du bas monde remportés comme récompense pour leur mécréance, à l’au-delà. Allah ne facilite pas aux mécréants d’adhérer à la foi et les abandonne plutôt à leur propre sort.

108

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَٰفِلُونَ

Voilà ceux dont Allah a scellé les cœurs, l'ouïe, et les yeux. Ce sont eux les insouciants.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالتَّبَصُّرِ، وَشَرَحَ صَدْرَهُ بِالْكُفْرِ وَاطْمَأَنَّ بِهِ: أَنَّهُ قَدْ غَضب عَلَيْهِ، لِعِلْمِهِمْ بِالْإِيمَانِ ثُمَّ عُدُولِهِمْ عَنْهُ، وَأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا عَظِيمًا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، فَأَقْدَمُوا [[في ت: "فما قدموا".]] عَلَى مَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الرِّدَّةِ لِأَجْلِ [[في ت: "الردة إلا لأجل".]] الدُّنْيَا، وَلَمْ يَهْدِ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَيُثَبِّتْهُمْ عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ، فَطَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا [[في أ: "فهم لا".]] يَعْقِلُونَ بِهَا شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ فَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهَا، وَلَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ شَيْئًا، فَهُمْ غَافِلُونَ عَمَّا يُرَادُ بِهِمْ. ﴿لَا جَرَمَ﴾ أَيْ: لَا بُدَّ وَلَا عَجَبَ أَنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، ﴿أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهَالِيهِمْ [[في ت: "وأهليتهم".]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِمَّنْ [[في ت: "فمن".]] كَفَرَ بِلِسَانِهِ وَوَافَقَ الْمُشْرِكِينَ بِلَفْظِهِ مُكْرَهًا لِمَا نَالَهُ مِنْ ضَرْبٍ وَأَذًى، وَقَلْبُهُ يَأْبَى مَا يَقُولُ، وَهُوَ مُطَمْئِنٌ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَقَدْ رَوَى العَوفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عمَّار بْنِ يَاسِرٍ، حِينَ عَذَّبَهُ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى يَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مُكرَها [[في ف، أ: "مستكرهًا".]] وَجَاءَ مُعْتَذِرًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَهَكَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَور، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الجَزَريّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ [بْنِ] [[زيادة من ت، ف، أ، والطبري.]] مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ [[في ت: "على".]] بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَعَذَّبُوهُ حَتَّى قَارَبَهُمْ فِي بَعْضِ مَا أَرَادُوا، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ " قَالَ: مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ عَادُوا فَعُدْ" [[تفسير الطبري (١٤/ ١٢٢) .]] . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَبْسَطَ مِنْ ذَلِكَ، وَفِيهِ أَنَّهُ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، وَأَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تُركتُ حَتَّى سَببتك وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ! قَالَ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ " قَالَ: مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ. فَقَالَ: "إِنْ عَادُوا فَعُدْ". وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ [[سنن البيهقي الكبرى (٨/ ٢٠٩) .]] . وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوَالى المكرَه عَلَى الْكُفْرِ، إِبْقَاءً لِمُهْجَتِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَقْتِلَ، كَمَا كَانَ بِلَالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْبَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَهُمْ يَفْعَلُونَ بِهِ الْأَفَاعِيلَ، حَتَّى أَنَّهُمْ لَيَضَعُونَ الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ عَلَى صَدْرِهِ فِي شدَّة الْحَرِّ، وَيَأْمُرُونَهُ أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَيَأْبَى عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَقُولُ: أحَد، أحَد. وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ كَلِمَةً هِيَ [[زيادة من ت، ف، أ.]] أَغْيَظُ لَكُمْ مِنْهَا لَقُلْتُهَا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. وَكَذَلِكَ حَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ [[في ف: "يزيد".]] الْأَنْصَارِيُّ لَمَّا قَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَسْمَعُ. فَلَمْ يَزَلْ يُقَطِّعُهُ إرْبًا إرْبًا وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَى ذَلِكَ [[انظر: الاستيعاب لابن عبد البر (١/ ٣٢٧) وأسد الغابة لابن الأثير (١/ ٤٤٣) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمة، أَنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَرَّق نَاسًا ارْتَدَوْا عَنِ الْإِسْلَامِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأُحَرِّقَهُمْ بِالنَّارِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ". وَكُنْتُ قَاتِلَهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: وَيْحَ أُمِّ ابْنِ [[في ت، ف: "ابن أم".]] عَبَّاسٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [[المسند (١/ ٢١٧) وصحيح البخاري برقم (٦٩٢٢) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْد بْنِ هِلَالٍ العَدَويّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: قَدِمَ عَلَى أَبِي مُوسَى معاذُ بْنُ جَبَلٍ بِالْيَمَنِ، فَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ [[في ت: "فقال".]] رَجُلٌ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ تَهَوَّدَ، وَنَحْنُ نُرِيدُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ مُنْذُ -قَالَ: أَحْسَبُ-شَهْرَيْنِ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقْعُدُ [[في ف: "قعدتك".]] حَتَّى تَضْرِبُوا عُنُقَهُ. فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. فَقَالَ: قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَنَّ مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ فَاقْتُلُوهُ-أَوْ قَالَ: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ [[المسند (٥/ ٢٣١)]] . وَهَذِهِ الْقِصَّةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظٍ آخَرَ [[صحيح البخاري برقم (٦٩٢٣) وصحيح مسلم برقم (١٧٣٣) .]] . وَالْأَفْضَلُ وَالْأَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ الْمُسْلِمُ عَلَى دِينِهِ، وَلَوْ أَفْضَى إِلَى قَتْلِهِ، كَمَا قَالَ [[في ف، أ: "كما ذكر".]] الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافة السَّهْمِيِّ أَحَدِ الصَّحَابَةِ: أَنَّهُ أَسَرَتْهُ الرُّومُ، فَجَاءُوا بِهِ إِلَى [[في ف: "عند".]] مَلِكِهِمْ، فَقَالَ لَهُ: تَنَصَّرْ وَأَنَا أُشْرِكُكَ فِي مُلْكِي وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي. فَقَالَ لَهُ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكُ وَجَمِيعَ مَا تَمْلِكُهُ الْعَرَبُ، عَلَى أَنْ أَرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ، مَا فَعَلْتُ! فَقَالَ: إِذًا أَقْتُلُكَ. قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ! فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، وَأَمَرَ الرُّمَاةَ فَرَمَوْهُ قَرِيبًا مِنْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَعْرِضُ عليه دين النَّصْرَانِيَّةِ، فَيَأْبَى [[في ف: "فأبي".]] ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُنْزِلَ، ثُمَّ أَمَرَ بِقِدْر. وَفِي رِوَايَةٍ: بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ، فَأُحْمِيَتْ، وَجَاءَ بِأَسِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَلْقَاهُ وَهُوَ يَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ عِظَامٌ تَلُوحُ. وَعَرَضَ عَلَيْهِ فَأَبَى، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُلْقَى فِيهَا، فَرُفِعَ فِي البَكَرَة لِيُلْقَى فِيهَا، فَبَكَى فَطَمِعَ فِيهِ وَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي إِنَّمَا بَكَيْتُ لِأَنَّ نَفْسِي إِنَّمَا هِيَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ، تُلْقى فِي هَذِهِ الْقِدْرِ السَّاعَةَ فِي اللَّهِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ لِي بِعَدَدِ كُلِّ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِي نَفْسٌ تُعَذَّبُ هَذَا الْعَذَابَ فِي اللَّهِ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّهُ سَجَنَهُ وَمَنَعَ عَنْهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ أَيَّامًا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ بِخَمْرٍ وَلَحْمِ خِنْزِيرٍ، فَلَمْ يَقْرَبْهُ، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْكُلَ؟ فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ حَلَّ لِي، وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ لِأُشَمِّتَكَ فِيَّ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: فَقَبِّلْ رَأْسِي وَأَنَا أُطْلِقُكَ. فَقَالَ: وَتُطْلِقُ مَعِي جَمِيعَ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَبَّلَ رَأْسَهُ، فَأَطْلَقَهُ وَأَطْلَقَ مَعَهُ جَمِيعَ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: حَقّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، وَأَنَا أَبْدَأُ. فَقَامَ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ [[تاريخ دمشق (٩/١١٦ "المخطوط") .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: حلّ بهؤلاء المشركين غضب الله، ووجب لهم العذاب العظيم، من أجل أنهم اختاروا زينة الحياة الدنيا على نعيم الآخرة، ولأن الله لا يوفق القوم الذين يجحدون آياته مع إصرارهم على جحودها. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: هؤلاء المشركون الذين وصفت لكم صفتهم في هذه الآيات أيها الناس، هم القوم الذين طبع الله على قلوبهم، فختم عليها بطابعه، فلا يؤمنون ولا يهتدون، وأصمّ أسماعهم فلا يسمعون داعي الله إلى الهدى، وأعمى أبصارهم فلا يبصرون بها حجج الله إبصار معتبر ومتعظ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ يقول: وهؤلاء الذين جعل الله فيهم هذه الأفعال هم الساهون، عما أعدّ الله لأمثالهم من أهل الكفر وعما يراد بهم. * * وقوله ﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الهالكون، الذين غَبَنوا أنفسهم حظوظها من كرامة الله تعالى.

Al-Mukhtasar (français)

Ceux qui apostasient après avoir eu la foi, Allah a scellé leurs cœurs les rendant insensibles aux exhortations, leurs ouïes les rendant sourdes à ce qui leur est bénéfique et leurs vues les rendant aveugles face aux signes menant à la foi. Ces gens sont inattentifs aux causes du bonheur et du malheur et inconscients du châtiment qu’Allah leur réserve.

109

لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

Et nul doute que dans l'au-delà, ils seront les perdants.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالتَّبَصُّرِ، وَشَرَحَ صَدْرَهُ بِالْكُفْرِ وَاطْمَأَنَّ بِهِ: أَنَّهُ قَدْ غَضب عَلَيْهِ، لِعِلْمِهِمْ بِالْإِيمَانِ ثُمَّ عُدُولِهِمْ عَنْهُ، وَأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا عَظِيمًا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، فَأَقْدَمُوا [[في ت: "فما قدموا".]] عَلَى مَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الرِّدَّةِ لِأَجْلِ [[في ت: "الردة إلا لأجل".]] الدُّنْيَا، وَلَمْ يَهْدِ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَيُثَبِّتْهُمْ عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ، فَطَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا [[في أ: "فهم لا".]] يَعْقِلُونَ بِهَا شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ فَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهَا، وَلَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ شَيْئًا، فَهُمْ غَافِلُونَ عَمَّا يُرَادُ بِهِمْ. ﴿لَا جَرَمَ﴾ أَيْ: لَا بُدَّ وَلَا عَجَبَ أَنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، ﴿أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهَالِيهِمْ [[في ت: "وأهليتهم".]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِمَّنْ [[في ت: "فمن".]] كَفَرَ بِلِسَانِهِ وَوَافَقَ الْمُشْرِكِينَ بِلَفْظِهِ مُكْرَهًا لِمَا نَالَهُ مِنْ ضَرْبٍ وَأَذًى، وَقَلْبُهُ يَأْبَى مَا يَقُولُ، وَهُوَ مُطَمْئِنٌ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَقَدْ رَوَى العَوفِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عمَّار بْنِ يَاسِرٍ، حِينَ عَذَّبَهُ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى يَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مُكرَها [[في ف، أ: "مستكرهًا".]] وَجَاءَ مُعْتَذِرًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَهَكَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَور، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الجَزَريّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ [بْنِ] [[زيادة من ت، ف، أ، والطبري.]] مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ [[في ت: "على".]] بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَعَذَّبُوهُ حَتَّى قَارَبَهُمْ فِي بَعْضِ مَا أَرَادُوا، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ " قَالَ: مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ عَادُوا فَعُدْ" [[تفسير الطبري (١٤/ ١٢٢) .]] . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَبْسَطَ مِنْ ذَلِكَ، وَفِيهِ أَنَّهُ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، وَأَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تُركتُ حَتَّى سَببتك وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ! قَالَ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ " قَالَ: مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ. فَقَالَ: "إِنْ عَادُوا فَعُدْ". وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ [[سنن البيهقي الكبرى (٨/ ٢٠٩) .]] . وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوَالى المكرَه عَلَى الْكُفْرِ، إِبْقَاءً لِمُهْجَتِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَقْتِلَ، كَمَا كَانَ بِلَالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْبَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَهُمْ يَفْعَلُونَ بِهِ الْأَفَاعِيلَ، حَتَّى أَنَّهُمْ لَيَضَعُونَ الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ عَلَى صَدْرِهِ فِي شدَّة الْحَرِّ، وَيَأْمُرُونَهُ أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَيَأْبَى عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَقُولُ: أحَد، أحَد. وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ كَلِمَةً هِيَ [[زيادة من ت، ف، أ.]] أَغْيَظُ لَكُمْ مِنْهَا لَقُلْتُهَا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. وَكَذَلِكَ حَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ [[في ف: "يزيد".]] الْأَنْصَارِيُّ لَمَّا قَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَسْمَعُ. فَلَمْ يَزَلْ يُقَطِّعُهُ إرْبًا إرْبًا وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَى ذَلِكَ [[انظر: الاستيعاب لابن عبد البر (١/ ٣٢٧) وأسد الغابة لابن الأثير (١/ ٤٤٣) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمة، أَنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَرَّق نَاسًا ارْتَدَوْا عَنِ الْإِسْلَامِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأُحَرِّقَهُمْ بِالنَّارِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ". وَكُنْتُ قَاتِلَهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: وَيْحَ أُمِّ ابْنِ [[في ت، ف: "ابن أم".]] عَبَّاسٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [[المسند (١/ ٢١٧) وصحيح البخاري برقم (٦٩٢٢) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْد بْنِ هِلَالٍ العَدَويّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: قَدِمَ عَلَى أَبِي مُوسَى معاذُ بْنُ جَبَلٍ بِالْيَمَنِ، فَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ [[في ت: "فقال".]] رَجُلٌ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ تَهَوَّدَ، وَنَحْنُ نُرِيدُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ مُنْذُ -قَالَ: أَحْسَبُ-شَهْرَيْنِ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقْعُدُ [[في ف: "قعدتك".]] حَتَّى تَضْرِبُوا عُنُقَهُ. فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. فَقَالَ: قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَنَّ مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ فَاقْتُلُوهُ-أَوْ قَالَ: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ [[المسند (٥/ ٢٣١)]] . وَهَذِهِ الْقِصَّةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظٍ آخَرَ [[صحيح البخاري برقم (٦٩٢٣) وصحيح مسلم برقم (١٧٣٣) .]] . وَالْأَفْضَلُ وَالْأَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ الْمُسْلِمُ عَلَى دِينِهِ، وَلَوْ أَفْضَى إِلَى قَتْلِهِ، كَمَا قَالَ [[في ف، أ: "كما ذكر".]] الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافة السَّهْمِيِّ أَحَدِ الصَّحَابَةِ: أَنَّهُ أَسَرَتْهُ الرُّومُ، فَجَاءُوا بِهِ إِلَى [[في ف: "عند".]] مَلِكِهِمْ، فَقَالَ لَهُ: تَنَصَّرْ وَأَنَا أُشْرِكُكَ فِي مُلْكِي وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي. فَقَالَ لَهُ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكُ وَجَمِيعَ مَا تَمْلِكُهُ الْعَرَبُ، عَلَى أَنْ أَرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ، مَا فَعَلْتُ! فَقَالَ: إِذًا أَقْتُلُكَ. قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ! فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، وَأَمَرَ الرُّمَاةَ فَرَمَوْهُ قَرِيبًا مِنْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَعْرِضُ عليه دين النَّصْرَانِيَّةِ، فَيَأْبَى [[في ف: "فأبي".]] ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُنْزِلَ، ثُمَّ أَمَرَ بِقِدْر. وَفِي رِوَايَةٍ: بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ، فَأُحْمِيَتْ، وَجَاءَ بِأَسِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَلْقَاهُ وَهُوَ يَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ عِظَامٌ تَلُوحُ. وَعَرَضَ عَلَيْهِ فَأَبَى، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُلْقَى فِيهَا، فَرُفِعَ فِي البَكَرَة لِيُلْقَى فِيهَا، فَبَكَى فَطَمِعَ فِيهِ وَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي إِنَّمَا بَكَيْتُ لِأَنَّ نَفْسِي إِنَّمَا هِيَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ، تُلْقى فِي هَذِهِ الْقِدْرِ السَّاعَةَ فِي اللَّهِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ لِي بِعَدَدِ كُلِّ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِي نَفْسٌ تُعَذَّبُ هَذَا الْعَذَابَ فِي اللَّهِ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّهُ سَجَنَهُ وَمَنَعَ عَنْهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ أَيَّامًا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ بِخَمْرٍ وَلَحْمِ خِنْزِيرٍ، فَلَمْ يَقْرَبْهُ، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْكُلَ؟ فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ حَلَّ لِي، وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ لِأُشَمِّتَكَ فِيَّ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: فَقَبِّلْ رَأْسِي وَأَنَا أُطْلِقُكَ. فَقَالَ: وَتُطْلِقُ مَعِي جَمِيعَ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَبَّلَ رَأْسَهُ، فَأَطْلَقَهُ وَأَطْلَقَ مَعَهُ جَمِيعَ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: حَقّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، وَأَنَا أَبْدَأُ. فَقَامَ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ [[تاريخ دمشق (٩/١١٦ "المخطوط") .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: حلّ بهؤلاء المشركين غضب الله، ووجب لهم العذاب العظيم، من أجل أنهم اختاروا زينة الحياة الدنيا على نعيم الآخرة، ولأن الله لا يوفق القوم الذين يجحدون آياته مع إصرارهم على جحودها. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: هؤلاء المشركون الذين وصفت لكم صفتهم في هذه الآيات أيها الناس، هم القوم الذين طبع الله على قلوبهم، فختم عليها بطابعه، فلا يؤمنون ولا يهتدون، وأصمّ أسماعهم فلا يسمعون داعي الله إلى الهدى، وأعمى أبصارهم فلا يبصرون بها حجج الله إبصار معتبر ومتعظ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ يقول: وهؤلاء الذين جعل الله فيهم هذه الأفعال هم الساهون، عما أعدّ الله لأمثالهم من أهل الكفر وعما يراد بهم. * * وقوله ﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الهالكون، الذين غَبَنوا أنفسهم حظوظها من كرامة الله تعالى.

Al-Mukhtasar (français)

En vérité, ce seront les perdants le Jour de la Résurrection car leur mécréance qui aura succédé à leur foi leur aura fait perdre leurs âmes et s’ils étaient restés fidèles à leur foi, ils seraient entrés au Paradis.

110

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا فُتِنُوا۟ ثُمَّ جَٰهَدُوا۟ وَصَبَرُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Quant à ceux qui ont émigré après avoir subi des épreuves, puis ont lutté et ont enduré, ton Seigneur après cela, est certes Pardonneur et Miséricordieux.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَؤُلَاءِ صِنْفٌ آخَرُ كَانُوا مُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ، مُهَانِينَ فِي قَوْمِهِمْ قَدْ وَاتُوهُمْ عَلَى الْفِتْنَةِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَمْكَنَهُمُ الْخَلَاصُ بِالْهِجْرَةِ، فَتَرَكُوا بِلَادَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ وَغُفْرَانِهِ، وَانْتَظَمُوا فِي سِلْكِ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَاهَدُوا مَعَهُمُ الْكَافِرِينَ، وَصَبَرُوا، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾ أَيْ: تِلْكَ الْفِعْلَةِ، وَهِيَ الْإِجَابَةُ إِلَى الْفِتْنَةِ لَغَفُورٌ لَهُمْ، رَحِيمٌ بِهِمْ يَوْمَ مَعَادِهِمْ. ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ﴾ أَيْ: تُحَاجُّ ﴿عَنْ نَفْسِهَا﴾ لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاجُّ عَنْهَا لَا أَبٌ وَلَا ابْنٌ وَلَا أَخٌ وَلَا زَوْجَةٌ ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ أَيْ: مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أَيْ: لَا يُنْقَصُ مِنْ ثَوَابِ الْخَيْرِ وَلَا يُزَادُ عَلَى ثَوَابِ الشَّرِّ [[في ت: "المسيء".]] وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم إن ربك يا محمد للذين هاجروا من ديارهم ومساكنهم وعشائرهم من المشركين، وانتقلوا عنهم إلى ديار أهل الإسلام ومساكنهم وأهل ولايتهم، من بعد ما فتنهم المشركون الذين كانوا بين أظهرهم قبل هجرتهم عن دينهم، ثم جاهدوا المشركين بعد ذلك بأيديهم بالسيف وبألسنتهم بالبراءة منهم، ومما يعبدون من دون الله، وصبروا على جهادهم ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يقول: إن ربك من بعد فعلتهم هذه لهم لغفور، يقول: لذو ستر على ما كان منهم من إعطاء المشركين ما أرادوا منهم من كلمة الكفر بألسنتهم، وهم لغيرها مضمرون، وللإيمان معتقدون، رحيم بهم أن يعاقبهم عليها مع إنابتهم إلى الله وتوبتهم. وذكر عن بعض أهل التأويل أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا تخلَّفوا بمكة بعد هجرة النبيّ ﷺ، فاشتدّ المشركون عليهم حتى فتنوهم عن دينهم، فأيسوا من التوبة، فأنزل الله فيهم هذه الآية: فهاجروا ولحقوا برسول الله ﷺ. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال ثنا أبو عاصم، قال ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال ثنا الحسن، قال ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ قال ناس من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض أصحاب النبيّ ﷺ بالمدينة، أن هاجروا، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا، فخرجوا يريدون المدينة، فأدركتهم قريش بالطريق، ففتنوهم وكفروا مكرهين، ففيهم نزلت هذه الآية. ⁕ حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه. قال ابن جريج: قال الله تعالى ذكره: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ ثم نسخ واستثنى، فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ذكر لنا أنه لما أنزل الله أن أهل مكة لا يُقبل منهم إسلام حتى يهاجروا، كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة؛ فلما جاءهم ذلك تبايعوا بينهم على أن يخرجوا، فإن لحق بهم المشركون، من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله، فخرجوا فأدركهم المشركون، فقاتلوهم، فمنهم من قُتِل، ومنهم من نجا، فأنزل الله تعالى ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ ... الآية. ⁕ حدثنا أحمد بن منصور، قال ثنا أبو أحمد الزبيري، قال ثنا محمد بن شريك، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم، وقُتِل بعض، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ ... إلى آخر الآية؛ قال: وكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين هذه الآية لا عذر لهم، قال: فخرجوا فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة، فنزلت هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ ... إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا وأيسوا من كلّ خير، ثم نزلت فيهم ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فكتبوا إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجا، فخرجوا، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، ثم نجا من نجا، وقُتِل من قُتِل. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: نزلت هذه الآية في عمَّار ابن ياسر وعياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ . وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في شأن ابن أبي سرح. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصري، قالا في سورة النحل ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ثم نسخ واستثنى من ذلك، فقال ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهو عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب لرسول الله ﷺ، فأزلَّه الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر به النبيّ ﷺ أن يُقتل يوم فتح مكة، فاستجار له أبو عمرو [[أبو عمرو: يريد عثمان بن عفان رحمه الله، وكان أخا عبد الله بن سعد من الرضاعة، قاله ابن إسحاق في السيرة.]] فأجاره النبيّ ﷺ.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, sache aussi que ton Seigneur est Pardonneur et Miséricordieux avec les croyants affaiblis qui ont migré de la Mecque vers Médine après que les polythéistes les aient persécutés et les aient éprouvés dans leur religion à un point tel qu’ils durent prononcer des paroles de mécréance alors que leurs cœurs étaient restés sereinement attachés à la foi. Ils ont ensuite lutté pour la cause d’Allah, afin que Sa parole soit la plus haute et celle des mécréants soit la plus basse, et ont enduré avec patience les peines de cette lutte. Après le trouble qu’ils ont vécu et la persécution qu’ils ont subie et qui leur a fait prononcer des paroles de mécréance, ton Seigneur leur pardonnera et sera miséricordieux avec eux car ils n’ont prononcé ces paroles que sous l’effet de la contrainte.

111

۞ يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍۢ تُجَٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

(Rappelle-toi) le jour où chaque âme viendra, plaidant pour elle-même, et chaque âme sera pleinement rétribuée pour ce qu'elle aura œuvré sans qu'ils subissent la moindre injustice.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَؤُلَاءِ صِنْفٌ آخَرُ كَانُوا مُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ، مُهَانِينَ فِي قَوْمِهِمْ قَدْ وَاتُوهُمْ عَلَى الْفِتْنَةِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَمْكَنَهُمُ الْخَلَاصُ بِالْهِجْرَةِ، فَتَرَكُوا بِلَادَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ وَغُفْرَانِهِ، وَانْتَظَمُوا فِي سِلْكِ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَاهَدُوا مَعَهُمُ الْكَافِرِينَ، وَصَبَرُوا، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾ أَيْ: تِلْكَ الْفِعْلَةِ، وَهِيَ الْإِجَابَةُ إِلَى الْفِتْنَةِ لَغَفُورٌ لَهُمْ، رَحِيمٌ بِهِمْ يَوْمَ مَعَادِهِمْ. ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ﴾ أَيْ: تُحَاجُّ ﴿عَنْ نَفْسِهَا﴾ لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاجُّ عَنْهَا لَا أَبٌ وَلَا ابْنٌ وَلَا أَخٌ وَلَا زَوْجَةٌ ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ أَيْ: مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أَيْ: لَا يُنْقَصُ مِنْ ثَوَابِ الْخَيْرِ وَلَا يُزَادُ عَلَى ثَوَابِ الشَّرِّ [[في ت: "المسيء".]] وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن ربك من بعدها لغفور رحيم ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ تخاصم عن نفسها، وتحتجّ عنها بما أسلفت في الدنيا من خير أو شرّ أو إيمان أو كفر، ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ في الدنيا من طاعة ومعصية ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ : يقول: وهم لا يفعل بهم إلا ما يستحقونه ويستوجبونه بما قدّموه من خير أو شرّ، فلا يجزى المحسن إلا بالإحسان ولا المسيء إلا بالذي أسلف من الإساءة، لا يعاقب محسن ولا يبخس جزاء إحسانه، ولا يثاب مسيء إلا ثواب عمله. واختلف أهل العربية في السبب الذي من أجله قيل تجادل، فأنَّث الكلّ، فقال بعض نحويِّي البصرة: قيل ذلك لأن معنى كلّ نفس: كلّ إنسان، وأنث لأن النفس تذكر وتؤنث، يقال: ما جاءني نفس واحد وواحدة. وكان بعض أهل العربية يرى هذا القول من قائله غلطا ويقول: كلّ إذا أضيفت إلى نكرة واحدة خرج الفعل على قدر النكرة، كلّ امرأة قائمة، وكل رجل قائم، وكل امرأتين قائمتان، وكل رجلين قائمان، وكل نساء قائمات، وكل رجال قائمون، فيخرج على عدد النكرة وتأنيثها وتذكيرها، ولا حاجة به إلى تأنيث النفس وتذكيرها.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, rappelle-toi du jour où chaque être humain viendra plaider sa cause et où la situation sera tellement grave que personne ne pensera à plaider pour autrui mais seulement pour lui-même. Chaque âme aura sa pleine rétribution pour le bien qu’elle aura accompli ou le mal qu’elle aura commis et elle ne sera nullement lésée par le retranchement de ses bonnes œuvres ou l’ajout de mauvaises œuvres.

112

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا قَرْيَةًۭ كَانَتْ ءَامِنَةًۭ مُّطْمَئِنَّةًۭ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًۭا مِّن كُلِّ مَكَانٍۢ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ

Et Allah propose en parabole une ville: elle était en sécurité, tranquille; sa part de nourriture lui venait de partout en abondance. Puis elle se montra ingrate aux bienfaits d'Allah. Allah lui fit alors goûter la violence de la faim et de la peur [en punition] de ce qu'ils faisaient.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذَا مَثَلٌ أُرِيدَ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ آمِنَةً مُطَمْئِنَةً مُسْتَقِرَّةً يُتخطَّف النَّاسُ مِنْ حَوْلِهَا، وَمَنْ دَخَلَهَا آمِنٌ لَا يَخَافُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧] وَهَكَذَا [[في ف: "ولكن".]] قَالَ هَاهُنَا: ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا﴾ أَيْ: هنيئها سَهْلًا ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ أَيْ: جَحَدَتْ آلَاءَ اللَّهِ عَلَيْهَا وَأَعْظَمُ ذَلِكَ بِعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٨، ٢٩] . [[في ت: "فبئس" وهو خطأ.]] وَلِهَذَا بدَّلهم اللَّهُ بِحَالَيْهِمُ الْأَوَّلَيْنِ خِلَافَهُمَا، فَقَالَ: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ أَيْ: أَلْبَسَهَا وَأَذَاقَهَا [[في ت: "فأذاقها".]] الْجُوعَ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُجبى إِلَيْهِمْ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَيَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَذَلِكَ لَمَّا اسْتَعْصَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبَوْا إِلَّا خِلَافَهُ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ [[في ت، ف، أ: "سنة جائحة".]] أَذْهَبَتْ كُلَّ شَيْءٍ لَهُمْ، فَأَكَلُوا العِلْهِز -وَهُوَ: وَبَرُ الْبَعِيرِ، يُجْعَلُ بِدَمِهِ إِذَا نَحَرُوهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْخَوْفِ﴾ وَذَلِكَ بِأَنَّهُمْ [[في ت، ف: "أنهم".]] بُدِّلوا بِأَمْنِهِمْ خَوْفًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابه، حِينَ هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، مِنْ سَطْوَةِ سَرَايَاهُ وجُيوشه، وَجَعَلُوا كُلَّ مَا لَهُمْ فِي سَفَال وَدَمَارٍ، حَتَّى فَتَحَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ [[في ت، ف: "على رسول الله صلى الله عليه وسلم".]] وَذَلِكَ بِسَبَبِ صَنِيعِهِمْ وَبَغْيِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ فِيهِمْ مِنْهُمْ، وَامْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٦٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الألْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَسُولا [يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ] ﴾ [الطَّلَاقِ: ١٠، ١١] [[زيادة من ت، ف، أ.]] الْآيَةَ وَقَوْلِهِ [[في ف: "وقال".]] : ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ [[في ت، ف، أ: "وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ. فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ واشكروا لي".]] : ﴿وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٥١، ١٥٢] . وَكَمًّا أَنَّهُ انْعَكَسَ عَلَى الْكَافِرِينَ حَالُهُمْ، فَخَافُوا بَعْدَ الْأَمْنِ، وَجَاعُوا بَعْدَ الرَّغَدِ، بَدَّل [[في ف: "فبدل".]] اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا، وَرَزَقَهُمْ بَعْدَ العَيْلَة، وَجَعَلَهُمْ أُمَرَاءَ النَّاسِ وَحُكَّامَهُمْ، وَسَادَتَهُمْ وَقَادَتَهُمْ [[في ت، ف: "وقادتهم وسادتهم".]] وَأَئِمَّتَهُمْ. وَهَذَا [[في أ: "وهكذا"]] الَّذِي قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ هَذَا الْمَثَلَ مَضْرُوبٌ لِمَكَّةَ، قَالَهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. وَحَكَاهُ مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ البَرْقي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْح، أَنَّ عَبْدَ الْكَرِيمِ بْنَ الْحَارِثِ الْحَضْرَمِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ مشْرَح بْنَ هَاعَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ سُلَيْمَ بْنَ عِتْرٍ [[في ت: "عمير".]] يَقُولُ: صَدَرْنَا مِنَ الْحَجِّ مَعَ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم، وعثمان، رضي الله عنه، محصور بالمدينة، فَكَانَتْ تَسْأَلُ عَنْهُ: مَا فَعَلَ؟ حَتَّى رَأَتْ رَاكِبَيْنِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمَا تَسْأَلُهُمَا، فَقَالَا قُتِلَ. فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا الْقَرْيَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ قَالَ أَبُو شُرَيْحٍ: وَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّهَا الْمَدِينَةُ [[تفسير الطبري (١٤/ ١٢٥) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) ﴾ يقول الله تعالى ذكره: ومثل الله مثلا لمكة التي سكنها أهل الشرك بالله هي القرية التي كانت آمنة مطمئنة، وكان أمنها أن العرب كانت تتعادى، ويقتل بعضها بعضا، ويَسْبي بعضها بعضا، وأهل مكة لا يغار عليهم، ولا يحارَبون في بلدهم، فذلك كان أمنها. * * وقوله ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾ يعني: قارّة بأهلها، لا يحتاج أهلها إلى النَّجْع، كما كان سكان البوادي يحتاجون إليها ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا﴾ يقول: يأتي أهلها معايشهم واسعة كثيرة. * * وقوله ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ يعني: من كلّ فجّ من فِجاج هذه القرية، ومن كلّ ناحية فيها. وبنحو الذي قلنا في أن القرية التي ذُكِرت في هذا الموضع أريد بها مكة، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) يعني: مكة. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ قال: مكة. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد. مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ قال: ذّكر لنا أنها مكة. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن مَعْمر، عن قتادة ﴿قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً﴾ قال: هي مكة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ ... إلى آخر الآية. قال: هذه مكة. وقال آخرون: بل القرية التي ذكر الله في هذا الموضع مدينة الرسول ﷺ. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني ابن عبد الرحيم البرقيّ، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: ثني عبد الرحمن بن شريح، أن عبد الكريم بن الحارث الحضرميّ، حدث أنه سمع مِشْرَح بن عاهانَ، يقول: سمعت سليم بن نمير يقول: صدرنا من الحجّ مع حفصة زوج النبيّ ﷺ، وعثمان محصور بالمدينة، فكانت تسأل عنه ما فعل، حتى رأت راكبين، فأرسلت إليهما تسألهما، فقالا قُتِل فقالت حفصة: والذي نفسي بيده إنها القرية، تعني المدينة التي قال الله تعالى ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ قرأها، قال أبو شريح: وأخبرني عبد الله بن المغيرة عمن حدثه، أنه كان يقول: إنها المدينة، وقوله: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ يقول: فكفر أهل هذه القرية بأنعم الله التي أنعم عليها. واختلف أهل العربية في واحد الأنعم، فقال بعض نحويِّي البصرة: جمع النعمة على أنعم، كما قال الله ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ فزعم أنه جمع الشِّدّة. وقال آخر منهم الواحد نُعْم، وقال: يقال: أيام طُعْم ونعم: أي نعيم، قال: فيجوز أن يكون معناها: فكفرت بنعيم الله لها. واستشهد على ذلك بقول الشاعر: وعندي قُرُوضُ الخَيرِ والشَّرّ كلِّه ... فبُؤْسٌ لِذي بُؤْسٍ ونُعْمٍ بأنْعُمِ [[في مجاز القرآن لأبي عبيدة (١: ٣٦٩) عند الآية: واحدها "نعم" بضم النون وسكون العين، ومعناه: نعمة، وهما واحد. قالوا: نادى منادي النبي ﷺ بمنى "إنها أيام طعم ونعم، فلا تصوموا". وفي "اللسان: نعم" وجمع النعمة: نعم، وأنعم. كشدة وأشد حكاه سيبويه. وقال النابغة: فَلَنْ أذْكُر النُّعْمَانَ إلاَّ بِصَالِحٍ ... فإنَّ لَهُ عِنْدِي يُدِيًّا وأنْعُما والنعم: خلاف البؤس، ويقال: يوم نعم، ويوم بؤس. والجمع: أنعم، وأبؤس.]] وكان بعض أهل الكوفة يقول: أنعم: جمع نعماء، مثل بأساء وأبؤس، وضرّاء وأضرّ؛ فأما الأشدّ فإنه زعم أنه جمع شَدّ. * * وقوله ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ يقول تعالى ذكره: فأذاق الله أهل هذه القرية لباس الجوع، وذلك جوع خالط أذاه أجسامهم، فجعل الله تعالى ذكره ذلك لمخالطته أجسامهم بمنزلة اللباس لها. وذلك أنهم سلط عليهم الجوع سنين متوالية بدعاء رسول الله ﷺ، حتى أكلوا العلهز والجِيَف. قال أبو جعفر: والعلهز: الوبر يعجن بالدم والقُراد يأكلونه؛ وأما الخوف فإن ذلك كان خوفهم من سرايا رسول الله ﷺ التي كانت تطيف بهم. * * وقوله ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يقول: بما كانوا يصنعون من الكفر بأنعم الله، ويجحدون آياته، ويكذّبون رسوله، وقال: بما كانوا يصنعون، وقد جرى الكلام من ابتداء الآية إلى هذا الموضع على وجه الخبر عن القرية، لأن الخبر وإن كان جرى في الكلام عن القرية، استغناء بذكرها عن ذكر أهلها لمعرفة السامعين بالمراد منها، فإن المراد أهلها فلذلك قيل ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ فردّ الخبر إلى أهل القرية، وذلك نظير قوله ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ ولم يقل قائلة، وقد قال قبله ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ ، لأنه رجع بالخبر إلى الإخبار عن أهل القرية، ونظائر ذلك في القرآن كثيرة.

Al-Mukhtasar (français)

Allah énonce la parabole suivante: Prenons le cas d’une cité sure –la Mecque– dont les habitants sont en sécurité, tandis que les gens aux alentours subissent toutes sortes d’agressions, et dont la subsistance parvient à ses portes de toutes part sans difficulté. Comme ses habitants ont opposé de l’ingratitude à ces bienfaits et ne se sont pas montrés reconnaissants, Allah les rétribua par une faim et une terreur telles qu’on en voyait les effets sur leurs corps maigres et leurs visages apeurés. La faim et la peur devinrent ainsi pour eux de seconds vêtements, tel est ce qu’ils ont mérités pour leur mécréance et leur démenti.

113

وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَٰلِمُونَ

En effet, un Messager des leurs est venu à eux, mais ils l'ont traité de menteur. Le châtiment, donc, les saisit parce qu'ils étaient injustes.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذَا مَثَلٌ أُرِيدَ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ آمِنَةً مُطَمْئِنَةً مُسْتَقِرَّةً يُتخطَّف النَّاسُ مِنْ حَوْلِهَا، وَمَنْ دَخَلَهَا آمِنٌ لَا يَخَافُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧] وَهَكَذَا [[في ف: "ولكن".]] قَالَ هَاهُنَا: ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا﴾ أَيْ: هنيئها سَهْلًا ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ أَيْ: جَحَدَتْ آلَاءَ اللَّهِ عَلَيْهَا وَأَعْظَمُ ذَلِكَ بِعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٨، ٢٩] . [[في ت: "فبئس" وهو خطأ.]] وَلِهَذَا بدَّلهم اللَّهُ بِحَالَيْهِمُ الْأَوَّلَيْنِ خِلَافَهُمَا، فَقَالَ: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ أَيْ: أَلْبَسَهَا وَأَذَاقَهَا [[في ت: "فأذاقها".]] الْجُوعَ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُجبى إِلَيْهِمْ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَيَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَذَلِكَ لَمَّا اسْتَعْصَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبَوْا إِلَّا خِلَافَهُ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ [[في ت، ف، أ: "سنة جائحة".]] أَذْهَبَتْ كُلَّ شَيْءٍ لَهُمْ، فَأَكَلُوا العِلْهِز -وَهُوَ: وَبَرُ الْبَعِيرِ، يُجْعَلُ بِدَمِهِ إِذَا نَحَرُوهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْخَوْفِ﴾ وَذَلِكَ بِأَنَّهُمْ [[في ت، ف: "أنهم".]] بُدِّلوا بِأَمْنِهِمْ خَوْفًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابه، حِينَ هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، مِنْ سَطْوَةِ سَرَايَاهُ وجُيوشه، وَجَعَلُوا كُلَّ مَا لَهُمْ فِي سَفَال وَدَمَارٍ، حَتَّى فَتَحَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ [[في ت، ف: "على رسول الله صلى الله عليه وسلم".]] وَذَلِكَ بِسَبَبِ صَنِيعِهِمْ وَبَغْيِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ فِيهِمْ مِنْهُمْ، وَامْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٦٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الألْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَسُولا [يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ] ﴾ [الطَّلَاقِ: ١٠، ١١] [[زيادة من ت، ف، أ.]] الْآيَةَ وَقَوْلِهِ [[في ف: "وقال".]] : ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ [[في ت، ف، أ: "وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ. فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ واشكروا لي".]] : ﴿وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٥١، ١٥٢] . وَكَمًّا أَنَّهُ انْعَكَسَ عَلَى الْكَافِرِينَ حَالُهُمْ، فَخَافُوا بَعْدَ الْأَمْنِ، وَجَاعُوا بَعْدَ الرَّغَدِ، بَدَّل [[في ف: "فبدل".]] اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا، وَرَزَقَهُمْ بَعْدَ العَيْلَة، وَجَعَلَهُمْ أُمَرَاءَ النَّاسِ وَحُكَّامَهُمْ، وَسَادَتَهُمْ وَقَادَتَهُمْ [[في ت، ف: "وقادتهم وسادتهم".]] وَأَئِمَّتَهُمْ. وَهَذَا [[في أ: "وهكذا"]] الَّذِي قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ هَذَا الْمَثَلَ مَضْرُوبٌ لِمَكَّةَ، قَالَهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. وَحَكَاهُ مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ البَرْقي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْح، أَنَّ عَبْدَ الْكَرِيمِ بْنَ الْحَارِثِ الْحَضْرَمِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ مشْرَح بْنَ هَاعَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ سُلَيْمَ بْنَ عِتْرٍ [[في ت: "عمير".]] يَقُولُ: صَدَرْنَا مِنَ الْحَجِّ مَعَ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم، وعثمان، رضي الله عنه، محصور بالمدينة، فَكَانَتْ تَسْأَلُ عَنْهُ: مَا فَعَلَ؟ حَتَّى رَأَتْ رَاكِبَيْنِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمَا تَسْأَلُهُمَا، فَقَالَا قُتِلَ. فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا الْقَرْيَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ قَالَ أَبُو شُرَيْحٍ: وَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّهَا الْمَدِينَةُ [[تفسير الطبري (١٤/ ١٢٥) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولقد جاء أهل هذه القرية التي وصف الله صفتها في هذه الآية التي قبل هذه الآية ﴿رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ يقول: رسول الله ﷺ منهم، يقول: من أنفسهم يعرفونه، ويعرفون نسبه وصدق لهجته، يدعوهم إلى الحقّ، وإلى طريق مستقيم ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ ولم يقبلوا ما جاءهم به من عند الله ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ وذلك لباس الجوع والخوف مكان الأمن والطمأنينة والرزق الواسع الذي كان قبل ذلك يرزقونه، وقتل بالسيف ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ يقول: وهم مشركون، وذلك أنه قتل عظماؤهم يوم بدر بالسيف على الشرك. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ إي والله، يعرفون نسبه وأمره، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ، فأخذهم الله بالجوع والخوف والقتل. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: فكلوا أيها الناس مما رزقكم الله من بهائم الأنعام التي أحلها لكم حلالا طيبا مُذَكَّاة غير محرّمة عليكم ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ يقول: واشكروا الله على نعمه التي أنعم بها عليكم في تحليله ما أحلّ لكم من ذلك، وعلى غير ذلك من نعمه ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ يقول: إن كنتم تعبدون الله، فتطيعونه فيما يأمركم وينهاكم. وكان بعضهم يقول: إنما عنى بقوله ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ طعامًا كان بعث به رسول الله ﷺ إلى المشركين من قومه في سِنِي الجدب والقحط رقة عليهم، فقال الله تعالى للمشركين: فكلوا مما رزقكم الله من هذا الذي بعث به إليكم حلالا طيبا، وذلك تأويل بعيد مما يدلّ عليه ظاهر التنزيل، وذلك أن الله تعالى قد أتبع ذلك بقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ ... الآية والتي بعدها، فبين بذلك أن قوله ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ إعلام من الله عباده أن ما كان المشركون يحرّمونه من البحائر والسوائب والوصائل، وغير ذلك مما قد بيَّنا قبل فيما مضى لا معنى له، إذ كان ذلك من خطوات الشيطان، فإن كلّ ذلك حلال لم يحرم الله منه شيئا.

Al-Mukhtasar (français)

Un Messager –Muħammad– issu des gens de la Mecque et connu parmi eux pour sa loyauté et sa véracité, est venu à eux mais au lieu de croire en lui, ils démentirent ce qui lui a été révélé par son Seigneur et Allah abattit sur eux comme châtiment la faim et la terreur. Ces gens ont assurément commis une injustice à l’égard d’eux-mêmes en s’exposant à la perdition lorsqu’ils ont associé d’autres divinités à Allah et ont démenti Son Messager.

114

فَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا وَٱشْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ

Mangez donc de ce qu'Allah vous a attribué de licite et de bon. Et soyez reconnaissants pour les bienfaits d'Allah, si c'est Lui que vous adorez.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَكْلِ رِزْقِهِ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ، وَبِشُكْرِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ بِهِ ابْتِدَاءً، الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ مِمَّا فِيهِ مَضَرَّةٌ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، مِنَ الْمَيْتَةِ والدم، ولحم الخنزير. ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أَيْ: ذُبِحَ عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ، وَمَعَ هَذَا ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أَيِ: احْتَاجَ فِي غَيْرِ بَغْيٍّ وَلَا عُدْوَانٍ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَثَلِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" [[عند تفسير الآية: ١٣٧.]] بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ عَنْ إِعَادَتِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [وَالْمِنَّةُ] [[زيادة من أ.]] . ثُمَّ نَهَى تَعَالَى عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِ الْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ حَلَّلُوا وَحَرَّمُوا بِمُجَرَّدِ مَا وَضَعُوهُ وَاصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ بِآرَائِهِمْ، مِنَ البَحيرة وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالَحَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ شَرْعًا لَهُمُ ابْتَدَعُوهُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ وَيَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً لَيْسَ [لَهُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] فِيهَا مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ، أَوْ حَلَّلَ شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ، أَوْ حَرَّمَ شَيْئًا مِمَّا أَبَاحَ اللَّهُ، بِمُجَرَّدِ رَأْيِهِ وتشهِّيه. وَ "مَا" فِي قَوْلِهِ: ﴿لِمَا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ: وَلَا تَقُولُوا الْكَذِبَ لِوَصْفِ أَلْسِنَتِكُمْ. ثُمَّ تَوَعَّدَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَمَتَاعٌ [[في ت، ف: "متاع".]] قَلِيلٌ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، كَمَا قَالَ: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يُونُسَ: ٦٩، ٧٠] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولقد جاء أهل هذه القرية التي وصف الله صفتها في هذه الآية التي قبل هذه الآية ﴿رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ يقول: رسول الله ﷺ منهم، يقول: من أنفسهم يعرفونه، ويعرفون نسبه وصدق لهجته، يدعوهم إلى الحقّ، وإلى طريق مستقيم ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ ولم يقبلوا ما جاءهم به من عند الله ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ وذلك لباس الجوع والخوف مكان الأمن والطمأنينة والرزق الواسع الذي كان قبل ذلك يرزقونه، وقتل بالسيف ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ يقول: وهم مشركون، وذلك أنه قتل عظماؤهم يوم بدر بالسيف على الشرك. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ إي والله، يعرفون نسبه وأمره، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ، فأخذهم الله بالجوع والخوف والقتل. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: فكلوا أيها الناس مما رزقكم الله من بهائم الأنعام التي أحلها لكم حلالا طيبا مُذَكَّاة غير محرّمة عليكم ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ يقول: واشكروا الله على نعمه التي أنعم بها عليكم في تحليله ما أحلّ لكم من ذلك، وعلى غير ذلك من نعمه ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ يقول: إن كنتم تعبدون الله، فتطيعونه فيما يأمركم وينهاكم. وكان بعضهم يقول: إنما عنى بقوله ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ طعامًا كان بعث به رسول الله ﷺ إلى المشركين من قومه في سِنِي الجدب والقحط رقة عليهم، فقال الله تعالى للمشركين: فكلوا مما رزقكم الله من هذا الذي بعث به إليكم حلالا طيبا، وذلك تأويل بعيد مما يدلّ عليه ظاهر التنزيل، وذلك أن الله تعالى قد أتبع ذلك بقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ ... الآية والتي بعدها، فبين بذلك أن قوله ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ إعلام من الله عباده أن ما كان المشركون يحرّمونه من البحائر والسوائب والوصائل، وغير ذلك مما قد بيَّنا قبل فيما مضى لا معنى له، إذ كان ذلك من خطوات الشيطان، فإن كلّ ذلك حلال لم يحرم الله منه شيئا.

Al-Mukhtasar (français)

Ô serviteurs, mangez des nourritures licites et savoureuses dont Allah vous a pourvus et faites montre de gratitude envers Allah en reconnaissant Ses bienfaits et en vous en servant de manière à mériter Son agrément si vous L’adorez réellement Seul et ne Lui associez aucune divinité.

115

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Il vous a, en effet, interdit (la chair) de la bête morte, le sang, la chair de porc, et la bête sur laquelle un autre nom que celui d'Allah a été invoqué. Mais quiconque en mange sous contrainte, et n'est ni rebelle ni transgresseur, alors Allah est Pardonneur et Miséricordieux.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَكْلِ رِزْقِهِ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ، وَبِشُكْرِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ بِهِ ابْتِدَاءً، الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ مِمَّا فِيهِ مَضَرَّةٌ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، مِنَ الْمَيْتَةِ والدم، ولحم الخنزير. ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أَيْ: ذُبِحَ عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ، وَمَعَ هَذَا ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أَيِ: احْتَاجَ فِي غَيْرِ بَغْيٍّ وَلَا عُدْوَانٍ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَثَلِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" [[عند تفسير الآية: ١٣٧.]] بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ عَنْ إِعَادَتِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [وَالْمِنَّةُ] [[زيادة من أ.]] . ثُمَّ نَهَى تَعَالَى عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِ الْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ حَلَّلُوا وَحَرَّمُوا بِمُجَرَّدِ مَا وَضَعُوهُ وَاصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ بِآرَائِهِمْ، مِنَ البَحيرة وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالَحَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ شَرْعًا لَهُمُ ابْتَدَعُوهُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ وَيَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً لَيْسَ [لَهُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] فِيهَا مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ، أَوْ حَلَّلَ شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ، أَوْ حَرَّمَ شَيْئًا مِمَّا أَبَاحَ اللَّهُ، بِمُجَرَّدِ رَأْيِهِ وتشهِّيه. وَ "مَا" فِي قَوْلِهِ: ﴿لِمَا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ: وَلَا تَقُولُوا الْكَذِبَ لِوَصْفِ أَلْسِنَتِكُمْ. ثُمَّ تَوَعَّدَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَمَتَاعٌ [[في ت، ف: "متاع".]] قَلِيلٌ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، كَمَا قَالَ: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يُونُسَ: ٦٩، ٧٠] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) ﴾ يقول تعالى ذكره مكذّبًا المشركين الذين كانوا يحرّمون ما ذكرنا من البحائر وغير ذلك: ما حرّم الله عليكم أيها الناس إلا الميتة والدم ولحم الخنزير، وما ذبح للأنصاب، فسمي عليه غير الله، لأن ذلك من ذبائح من لا يحلّ أكل ذبيحته، فمن اضطرّ إلى ذلك أو إلى شيء منه لمجاعة حلَّت فأكله ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يقول: ذو ستر عليه أن يؤاخذه بأكله ذلك في حال الضرورة، رحيم به أن يعاقبه عليه. وقد بيَّنا اختلاف المختلفين في قوله ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ والصواب عندنا من القول في ذلك بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ ... الآية قال: وإن الإسلام دين يطهره الله من كلّ سوء، وجعل لك فيه يا ابن آدم سعة إذا اضطرت إلى شيء من ذلك. * * قوله ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ غير باغ في أكله ولا عاد أن يتعدّى حلالا إلى حرام، وهو يجد عنه مندوحة.

Al-Mukhtasar (français)

Allah vous a déclaré illicite de consommer les nourritures suivantes: La chair de bêtes non sacrifiées et qu’il est obligatoire de sacrifier( ), le sang versé, la chair de porc dans son ensemble ainsi que la chair de bêtes sacrifiées au nom d’un autre qu’Allah. Ces nourritures sont illicites lorsque l’on peut en consommer d’autres, mais si on est contraint par nécessité de les manger sans éprouver le désir de commettre un acte illicite, ni manger plus que la quantité faisant sortir du cadre de la nécessité, alors on ne commet aucun péché. Allah pardonne en effet cela et est miséricordieux en le permettant en cas de nécessité.

116

وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٌۭ وَهَٰذَا حَرَامٌۭ لِّتَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ

Et ne dites pas, conformément aux mensonges proférés par vos langues: «Ceci est licite, et cela est illicite», pour forger le mensonge contre Allah. Certes, ceux qui forgent le mensonge contre Allah ne réussiront pas.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَكْلِ رِزْقِهِ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ، وَبِشُكْرِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ بِهِ ابْتِدَاءً، الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ مِمَّا فِيهِ مَضَرَّةٌ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، مِنَ الْمَيْتَةِ والدم، ولحم الخنزير. ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أَيْ: ذُبِحَ عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ، وَمَعَ هَذَا ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أَيِ: احْتَاجَ فِي غَيْرِ بَغْيٍّ وَلَا عُدْوَانٍ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَثَلِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" [[عند تفسير الآية: ١٣٧.]] بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ عَنْ إِعَادَتِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [وَالْمِنَّةُ] [[زيادة من أ.]] . ثُمَّ نَهَى تَعَالَى عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِ الْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ حَلَّلُوا وَحَرَّمُوا بِمُجَرَّدِ مَا وَضَعُوهُ وَاصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ بِآرَائِهِمْ، مِنَ البَحيرة وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالَحَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ شَرْعًا لَهُمُ ابْتَدَعُوهُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ وَيَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً لَيْسَ [لَهُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] فِيهَا مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ، أَوْ حَلَّلَ شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ، أَوْ حَرَّمَ شَيْئًا مِمَّا أَبَاحَ اللَّهُ، بِمُجَرَّدِ رَأْيِهِ وتشهِّيه. وَ "مَا" فِي قَوْلِهِ: ﴿لِمَا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ: وَلَا تَقُولُوا الْكَذِبَ لِوَصْفِ أَلْسِنَتِكُمْ. ثُمَّ تَوَعَّدَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَمَتَاعٌ [[في ت، ف: "متاع".]] قَلِيلٌ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، كَمَا قَالَ: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يُونُسَ: ٦٩، ٧٠] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧) ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الحجاز والعراق ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ فتكون تصف الكذب، بمعنى: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب، فتكون "ما" بمعنى المصدر. وذُكر عن الحسن البصري أنه قرأ ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبِ﴾ هذا بخفض الكذب، بمعنى: ولا تقولوا للكذب الذي تصفه ألسنتكم ﴿هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ فيجعل الكذب ترجمة عن "ما" التي في لمَا، فتخفضه بما تخفض به "ما". وقد حُكي عن بعضهم: ﴿لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكُذُبُ﴾ يرفع الكُذُب، فيجعل الكُذُب من صفة الألسنة، ويخرج على فُعُل على أنه جمع كُذُوب وكذب، مثل شُكُور وشُكُر. والصواب عندي من القراءة في ذلك نصب الكَذِب لإجماع الحجة من القرّاء عليه، فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك لما ذكرنا: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذبَ فيما رزق الله عباده من المطاعم: هذا حلال، وهذا حرام، كي تفتروا على الله بقيلكم ذلك الكذبَ، فإن الله لم يحرم من ذلك ما تُحرِّمون، ولا أحلّ كثيًرا مما تُحِلون، ثم تقدّم إليهم بالوعيد على كذبهم عليه، فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ يقول: إن الذين يتخرّصون على الله الكذب ويختلقونه، لا يخلَّدون في الدنيا، ولا يبقون فيها، إنما يتمتعون فيها قليلا. وقال ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ فرفع، لأن المعنى الذي هم فيه من هذه الدنيا متاع قليل، أو لهم متاع قليل في الدنيا. * * وقوله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يقول: ثم إلينا مرجعهم ومعادهم، ولهم على كذبهم وافترائهم على الله بما كانوا يفترون عذاب عند مصيرهم إليه أليم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ﴿لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ في البحيرة والسائبة. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: البحائر والسوائب.

Al-Mukhtasar (français)

Ô polythéistes, ne prétendez pas que telle chose est licite et telle autre illicite, alors que vos bouches profèrent des mensonges à l’encontre d’Allah dans l’intention de déclarer illicite ce qu’Il n’a pas déclaré illicite et de déclarer licite ce qu’Il pas déclaré licite. Ceux qui inventent des mensonges sur Allah n’obtiendront pas ce qu’ils désirent, ni n’échapperont à ce qu’ils redoutent

117

مَتَٰعٌۭ قَلِيلٌۭ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

Ce sera pour eux une piètre jouissance, mais un douloureux châtiment les attend.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَكْلِ رِزْقِهِ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ، وَبِشُكْرِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ بِهِ ابْتِدَاءً، الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ مِمَّا فِيهِ مَضَرَّةٌ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، مِنَ الْمَيْتَةِ والدم، ولحم الخنزير. ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أَيْ: ذُبِحَ عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ، وَمَعَ هَذَا ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أَيِ: احْتَاجَ فِي غَيْرِ بَغْيٍّ وَلَا عُدْوَانٍ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَثَلِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" [[عند تفسير الآية: ١٣٧.]] بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ عَنْ إِعَادَتِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [وَالْمِنَّةُ] [[زيادة من أ.]] . ثُمَّ نَهَى تَعَالَى عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِ الْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ حَلَّلُوا وَحَرَّمُوا بِمُجَرَّدِ مَا وَضَعُوهُ وَاصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ بِآرَائِهِمْ، مِنَ البَحيرة وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالَحَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ شَرْعًا لَهُمُ ابْتَدَعُوهُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ وَيَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً لَيْسَ [لَهُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] فِيهَا مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ، أَوْ حَلَّلَ شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ، أَوْ حَرَّمَ شَيْئًا مِمَّا أَبَاحَ اللَّهُ، بِمُجَرَّدِ رَأْيِهِ وتشهِّيه. وَ "مَا" فِي قَوْلِهِ: ﴿لِمَا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ: وَلَا تَقُولُوا الْكَذِبَ لِوَصْفِ أَلْسِنَتِكُمْ. ثُمَّ تَوَعَّدَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَمَتَاعٌ [[في ت، ف: "متاع".]] قَلِيلٌ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، كَمَا قَالَ: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يُونُسَ: ٦٩، ٧٠] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧) ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الحجاز والعراق ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ فتكون تصف الكذب، بمعنى: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب، فتكون "ما" بمعنى المصدر. وذُكر عن الحسن البصري أنه قرأ ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبِ﴾ هذا بخفض الكذب، بمعنى: ولا تقولوا للكذب الذي تصفه ألسنتكم ﴿هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ فيجعل الكذب ترجمة عن "ما" التي في لمَا، فتخفضه بما تخفض به "ما". وقد حُكي عن بعضهم: ﴿لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكُذُبُ﴾ يرفع الكُذُب، فيجعل الكُذُب من صفة الألسنة، ويخرج على فُعُل على أنه جمع كُذُوب وكذب، مثل شُكُور وشُكُر. والصواب عندي من القراءة في ذلك نصب الكَذِب لإجماع الحجة من القرّاء عليه، فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك لما ذكرنا: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذبَ فيما رزق الله عباده من المطاعم: هذا حلال، وهذا حرام، كي تفتروا على الله بقيلكم ذلك الكذبَ، فإن الله لم يحرم من ذلك ما تُحرِّمون، ولا أحلّ كثيًرا مما تُحِلون، ثم تقدّم إليهم بالوعيد على كذبهم عليه، فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ يقول: إن الذين يتخرّصون على الله الكذب ويختلقونه، لا يخلَّدون في الدنيا، ولا يبقون فيها، إنما يتمتعون فيها قليلا. وقال ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ فرفع، لأن المعنى الذي هم فيه من هذه الدنيا متاع قليل، أو لهم متاع قليل في الدنيا. * * وقوله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يقول: ثم إلينا مرجعهم ومعادهم، ولهم على كذبهم وافترائهم على الله بما كانوا يفترون عذاب عند مصيرهم إليه أليم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ﴿لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ في البحيرة والسائبة. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: البحائر والسوائب.

Al-Mukhtasar (français)

Pour avoir suivi leurs passions, ils jouiront du peu de choses que leur offre le bas monde et ils auront droit à un châtiment douloureux le Jour de la Résurrection.

118

وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَٰهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

Aux Juifs, Nous avions interdit ce que Nous t'avons déjà relaté. Nous ne leur avons fait aucun tort; mais ils se faisaient du tort à eux-mêmes.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْنَا الْمَيْتَةَ [[في ت: "المدينة".]] وَالدَّمَ ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وَأَنَّهُ [[في ف: "وإنما".]] أَرْخَصَ فِيهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ -وَفِي ذَلِكَ تَوْسِعَةٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، الَّتِي يُرِيدُ اللَّهُ بِهَا الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِهَا الْعُسْرَ -ذَكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا كَانَ حَرَّمه عَلَى الْيَهُودِ فِي شَرِيعَتِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَنْسَخَهَا، وَمَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ وَالْحَرَجِ وَالتَّضْيِيقِ، فَقَالَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ يَعْنِي: فِي "سُورَةِ الْأَنْعَامِ" فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا [أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ] ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤٦] [[زيادة من ت، ف، أ، وفي هـ: "إلى قوله: وإنا لصادقون".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ أَيْ: فِيمَا ضَيَّقْنَا عَلَيْهِمْ، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أَيْ: فَاسْتَحَقُّوا ذَلِكَ، كَمَا قَالَ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٦٠] . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى تَكَرُّمًا وَامْتِنَانًا فِي حَقِّ الْعُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ مَنْ تَابَ مِنْهُمْ إِلَيْهِ تَابَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كُلُّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ. ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ أَيْ: أَقْلَعُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْمَعَاصِي، وَأَقْبَلُوا عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ، ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أَيْ: تِلْكَ الْفِعْلَةِ وَالذَّلَّةِ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: وحرّمنا من قبلك يا محمد على اليهود، ما أنبأناك به من قبل في سورة الأنعام، وذاك كلّ ذي ظفر، ومن البقر والغنم، حرمنا عليهم شحومهما، إلا ما حملت ظُهورهما أو الحوايا، أو ما اختلط بعظم ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بتحريمنا ذلك عليهم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فجزيناهم ذلك ببغيهم على ربهم، وظُلمِهم أنفسهم بمعصية الله، فأورثهم ذلك عقوبة الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبى رجاء، عن الحسن، في قوله ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال: في سورة الأنعام. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أيوب، عن عكرمة، في قوله ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال في سورة الأنعام. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال: ما قصّ الله تعالى في سورة الأنعام حيث يقول ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ ... الآية.

Al-Mukhtasar (français)

Nous avons déclaré illicites spécifiquement aux juifs, les aliments que Nous t’avons énumérés (verset 146 de Sourate Al-`An’âm) et Nous n’avons pas été injuste en les leur interdisant. Ce sont plutôt eux qui ont été injustes envers eux-mêmes lorsqu’ils ont commis ce qui leur a valu d’être punis et Nous les avons alors châtiés pour leur transgression en leur interdisant ces aliments.

119

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٍۢ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

Puis ton Seigneur envers ceux qui ont commis le mal par ignorance, et se sont par la suite repentis et ont amélioré leur conduite, ton Seigneur, après cela est certes Pardonneur et Miséricordieux.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْنَا الْمَيْتَةَ [[في ت: "المدينة".]] وَالدَّمَ ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وَأَنَّهُ [[في ف: "وإنما".]] أَرْخَصَ فِيهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ -وَفِي ذَلِكَ تَوْسِعَةٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، الَّتِي يُرِيدُ اللَّهُ بِهَا الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِهَا الْعُسْرَ -ذَكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا كَانَ حَرَّمه عَلَى الْيَهُودِ فِي شَرِيعَتِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَنْسَخَهَا، وَمَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ وَالْحَرَجِ وَالتَّضْيِيقِ، فَقَالَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ يَعْنِي: فِي "سُورَةِ الْأَنْعَامِ" فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا [أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ] ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤٦] [[زيادة من ت، ف، أ، وفي هـ: "إلى قوله: وإنا لصادقون".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ أَيْ: فِيمَا ضَيَّقْنَا عَلَيْهِمْ، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أَيْ: فَاسْتَحَقُّوا ذَلِكَ، كَمَا قَالَ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٦٠] . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى تَكَرُّمًا وَامْتِنَانًا فِي حَقِّ الْعُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ مَنْ تَابَ مِنْهُمْ إِلَيْهِ تَابَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كُلُّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ. ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ أَيْ: أَقْلَعُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْمَعَاصِي، وَأَقْبَلُوا عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ، ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أَيْ: تِلْكَ الْفِعْلَةِ وَالذَّلَّةِ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن ربك للذين عصوا الله فجهلوا بركوبهم ما ركبوا من معصية الله، وسَفُهوا بذلك ثم راجعوا طاعة الله والندم عليها، والاستغفار والتوبة منها، من بعد ما سلف منهم ما سلف من ركوب المعصية، وأصلح فعمل بما يحبّ الله ويرضاه ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ يقول: إن ربك يا محمد من بعد توبتهم له ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, sache que ton Seigneur sera Pardonneur et Miséricordieux avec ceux qui commettent des péchés, même intentionnellement, en ignorant leurs conséquences puis se repentent à Allah de ce péché et réparent leurs fautes s’ils sont porté un quelconque préjudice.

120

إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةًۭ قَانِتًۭا لِّلَّهِ حَنِيفًۭا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Abraham était un guide ('Umma) parfait. Il était soumis à Allah, voué exclusivement à Lui et il n'était point du nombre des associateurs.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَمْدَحُ [تَبَارَكَ وَ] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ وَخَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ، إِمَامَ الْحُنَفَاءِ وَوَالِدَ الْأَنْبِيَاءِ، وَيُبَرِّئُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَمِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ فَأَمَّا "الْأُمَّةُ"، فهو الْإِمَامُ الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ. وَالْقَانِتُ: هُوَ الْخَاشِعُ الْمُطِيعُ. وَالْحَنِيفُ: الْمُنْحَرِفُ قَصْدًا عَنِ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْل، عَنْ مُسْلِمٍ البَطِين، عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ: أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنِ الْأُمَّةِ الْقَانِتِ، فَقَالَ: الْأُمَّةُ: مُعَلِّمُ الْخَيْرِ، وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَعَنْ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْأُمَّةُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ، [عَنِ الْحَكَمِ] [[زيادة من ت، ف، أ، والطبري.]] عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ أَبِي العُبَيدين؛ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: مَنْ نَسْأَلُ إِذَا لَمْ نَسْأَلْكَ؟ فَكَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رقَّ لَهُ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْأُمَّةِ [[في ف، أ: "أمة".]] فَقَالَ: الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي فروَة بْنُ نَوْفَلٍ الْأَشْجَعِيُّ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ مُعَاذًا كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: غَلِطَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا الْأُمَّةُ وَمَا الْقَانِتُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ [وَرَسُولُهُ] [[زيادة من أ.]] أَعْلَمُ. قَالَ: الْأُمَّةُ الَّذِي يُعَلِّمُ [النَّاسَ] [[زياد من ف، أ.]] الْخَيْرَ. وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَكَذَلِكَ كَانَ مَعَاذٌ مُعَلِّمَ الْخَيْرِ. وَكَانَ مُطِيعًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ حَرَّرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (١٤/ ١٢٨، ١٢٩) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أُمَّةً﴾ أَيْ: أُمَّةً وَحْدَهُ، وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: كَانَ إِبْرَاهِيمُ أُمَّةً، أَيْ: مُؤْمِنًا وَحْدَهُ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ إِذْ ذَاكَ كُفَّارٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ إِمَامَ هُدى، وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ لِلَّهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿شَاكِرًا لأنْعُمِهِ﴾ أَيْ: قَائِمًا بِشُكْرِ [[في ت: "يشكر".]] نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النَّجْمِ: ٣٧] ، أَيْ: قَامَ بِجَمِيعِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿اجْتَبَاهُ﴾ أَيِ: اخْتَارَهُ وَاصْطَفَاهُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٥١] . ثُمَّ قَالَ: ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ عَلَى شَرْعٍ مَرْضِيٍّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أَيْ: جَمَعْنَا لَهُ خَيْرَ الدُّنْيَا مِنْ جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ الْمُؤْمِنُ إِلَيْهِ فِي إِكْمَالِ حَيَاتِهِ الطَّيِّبَةِ، ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أي: لسان صدق. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أَيْ: وَمِنْ كَمَالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَصِحَّةِ تَوْحِيدِهِ وَطَرِيقِهِ، أَنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ يَا خَاتَمَ الرُّسُلِ وَسَيِّدَ الْأَنْبِيَاءِ: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كَمَا قَالَ: فِي "الْأَنْعَامِ": ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦١] ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْيَهُودِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن إبراهيم خليل الله كان مُعَلِّم خَيْر، يأتمّ به أهل الهدى قانتا، يقول: مطيعًا لله حنيفا: يقول: مستقيما على دين الإسلام ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يقول: ولم يك يُشرك بالله شيئا، فيكون من أولياء أهل الشرك به، وهذا إعلام من الله تعالى أهل الشرك به من قريش أن إبراهيم منهم بريء وأنهم منه برآء ﴿شَاكِرًا لأنْعُمِهِ﴾ يقول: كان يخلص الشكر لله فيما أنعم عليه، ولا يجعل معه في شكره في نعمه عليه شريكا من الآلهة والأنداد وغير ذلك، كما يفعل مشركو قريش ﴿اجْتَبَاهُ﴾ يقول: اصطفاه واختاره لخُلته ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يقول: وأرشده إلى الطريق المستقيم، وذلك دين الإسلام لا اليهودية ولا النصرانية. وبنحو الذي قلنا في معنى ﴿أُمَّةً قَانِتًا﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني زكريا بن يحيى، قال: ثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن أبي العُبَيدين، أنه جاء إلى عبد الله فقال: من نسأل إذا لم نسألك؟ فكأنّ ابن مسعود رقّ له، فقال: أخبرني عن الأمَّة، قال: الذي يُعلَّم الناس الخير. ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العُبَيدين أنه سأل عبد الله بن مسعود، عن الأمَّة القانت، قال: الأمَّة: معلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن منصور، يعني ابن عبد الرحمن، عن الشعبي، قال: ثني فروة بن نوفل الأشجعي، قال: قال ابن مسعود: إن معاذا كان أُمَّة قانتا لله حنيفا، فقلت في نفسي: غلط أبو عبد الرحمن، إنما قال الله تعالى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ فقال: تدري ما الأمَّة، وما القانت؟ قلت: الله أعلم، قال: الأمَّة: الذي يعلم الخير، والقانت: المطيع لله ولرسوله، وكذلك كان مُعاذ بن جبل يعلم الخير، وكان مطيعًا لله ولرسوله. ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت فراسا يحدّث، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: إن مُعاذا كان أُمَّة قانتًا لله، قال: فقال رجل من أشجع يُقال له فروة بن نوفل: نسي إنما ذاك إبراهيم، قال: فقال عبد الله: من نسي إنما كنا نشبهه بإبراهيم، قال: وسُئِل عبد الله عن الأمَّة، فقال: معلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن فراس، عن الشعبيّ، عن مسروق قال: قرأت عند عبد الله هذه الآية ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ فقال: كان معاذ أُمَّةً قانتًا، قال: هل تدري ما الأمَّة، الأمَّة الذي يعلم الناس الخير، والقانت: الذي يطيع الله ورسوله. ⁕ حدثنا أبو هشام الرفاعيّ، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا بيان بن بشر البَجَلي، عن الشعبيّ، قال: قال عبد الله: إن معاذا كان أُمَّة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين، فقال له رجل: نسيت، قال: لا ولكنه شبيه إبراهيم، والأمَّة: معلِّم الخير، والقانت: المطيع. ⁕ حدثني عليّ بن سعيد الكندي، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن ابن عون، عن الشعبيّ، في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ قال: مطيعا. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، قال: قال عبد الله: إن معاذا كان أُمَّة قانتا معلِّم الخير. وذُكر في الأمَّة أشياء مختلف فيها، قال ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ يعني: بعد حين و ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن سعيد بن سابق، عن ليث، عن شَهْر بن حَوْشَب، قال: لم تبق الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض وتخرج بركتها، إلا زمن إبراهيم فإنه كان وحده. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: أخبرنا هشيم، قال: أخبرنا سيار، عن الشعبيّ، قال: وأخبرنا زكريا ومجالد، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن ابن مسعود، نحو حديث يعقوب، عن ابن عُلَية وزاد فيه: الأمَّة: الذي يعلم الخير ويُؤْتمّ به، ويقتدى به؛ والقانت: المطيع لله وللرسول، قال له أبو فروة الكندي: إنك وهمت. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ على حدة ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾ قال: مطيعا. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: مطيعًا لله في الدنيا. قال ابن جريج: وأخبرني عويمر، عن سعيد بن جبير، أنه قال: قانتًا: مطيعًا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ قال: كان إمام هُدًى مطيعًا تُتَّبع سُنَّته ومِلَّته. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن مَعْمر، عن قتادة، أن ابن مسعود قال: إن مُعاذ بن جَبَلْ كان أُمَّةً قانتا، قال غير قتادة: قال ابن مسعود: هل تدرون: ما الأمَّة؟ الذي يعلم الخير. ⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن فراس، عن الشعبيّ، عن مسروق، قال: قرأت عند عبد الله بن مسعود ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ فقال: إن معاذا كان أُمَّةً قانتا، قال: فأعادوا، فأعاد عليهم، ثم قال: أتدرون ما الأمَّة؟ الذي يعلم الناس الخير، والقانت: الذي يطيع الله. وقد بيَّنا معنى الأمَّة ووجوهها، ومعنى القانت باختلاف المختلفين فيه في غير هذا الموضع من كتابنا بشواهده، فأغنى بذلك عن إعادته في هذا الموضع.

Al-Mukhtasar (français)

Abraham réunissait en lui les valeurs du bien, obéissait continuellement à son Seigneur, n’avait d’autre religion que l’Islam et n’était guère du nombre des polythéistes.

121

شَاكِرًۭا لِّأَنْعُمِهِ ۚ ٱجْتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

Il était reconnaissant pour Ses bienfaits et Allah l'avait élu et guidé vers un droit chemin.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَمْدَحُ [تَبَارَكَ وَ] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ وَخَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ، إِمَامَ الْحُنَفَاءِ وَوَالِدَ الْأَنْبِيَاءِ، وَيُبَرِّئُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَمِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ فَأَمَّا "الْأُمَّةُ"، فهو الْإِمَامُ الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ. وَالْقَانِتُ: هُوَ الْخَاشِعُ الْمُطِيعُ. وَالْحَنِيفُ: الْمُنْحَرِفُ قَصْدًا عَنِ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْل، عَنْ مُسْلِمٍ البَطِين، عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ: أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنِ الْأُمَّةِ الْقَانِتِ، فَقَالَ: الْأُمَّةُ: مُعَلِّمُ الْخَيْرِ، وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَعَنْ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْأُمَّةُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ، [عَنِ الْحَكَمِ] [[زيادة من ت، ف، أ، والطبري.]] عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ أَبِي العُبَيدين؛ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: مَنْ نَسْأَلُ إِذَا لَمْ نَسْأَلْكَ؟ فَكَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رقَّ لَهُ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْأُمَّةِ [[في ف، أ: "أمة".]] فَقَالَ: الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي فروَة بْنُ نَوْفَلٍ الْأَشْجَعِيُّ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ مُعَاذًا كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: غَلِطَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا الْأُمَّةُ وَمَا الْقَانِتُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ [وَرَسُولُهُ] [[زيادة من أ.]] أَعْلَمُ. قَالَ: الْأُمَّةُ الَّذِي يُعَلِّمُ [النَّاسَ] [[زياد من ف، أ.]] الْخَيْرَ. وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَكَذَلِكَ كَانَ مَعَاذٌ مُعَلِّمَ الْخَيْرِ. وَكَانَ مُطِيعًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ حَرَّرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (١٤/ ١٢٨، ١٢٩) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أُمَّةً﴾ أَيْ: أُمَّةً وَحْدَهُ، وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: كَانَ إِبْرَاهِيمُ أُمَّةً، أَيْ: مُؤْمِنًا وَحْدَهُ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ إِذْ ذَاكَ كُفَّارٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ إِمَامَ هُدى، وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ لِلَّهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿شَاكِرًا لأنْعُمِهِ﴾ أَيْ: قَائِمًا بِشُكْرِ [[في ت: "يشكر".]] نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النَّجْمِ: ٣٧] ، أَيْ: قَامَ بِجَمِيعِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿اجْتَبَاهُ﴾ أَيِ: اخْتَارَهُ وَاصْطَفَاهُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٥١] . ثُمَّ قَالَ: ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ عَلَى شَرْعٍ مَرْضِيٍّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أَيْ: جَمَعْنَا لَهُ خَيْرَ الدُّنْيَا مِنْ جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ الْمُؤْمِنُ إِلَيْهِ فِي إِكْمَالِ حَيَاتِهِ الطَّيِّبَةِ، ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أي: لسان صدق. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أَيْ: وَمِنْ كَمَالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَصِحَّةِ تَوْحِيدِهِ وَطَرِيقِهِ، أَنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ يَا خَاتَمَ الرُّسُلِ وَسَيِّدَ الْأَنْبِيَاءِ: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كَمَا قَالَ: فِي "الْأَنْعَامِ": ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦١] ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْيَهُودِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن إبراهيم خليل الله كان مُعَلِّم خَيْر، يأتمّ به أهل الهدى قانتا، يقول: مطيعًا لله حنيفا: يقول: مستقيما على دين الإسلام ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يقول: ولم يك يُشرك بالله شيئا، فيكون من أولياء أهل الشرك به، وهذا إعلام من الله تعالى أهل الشرك به من قريش أن إبراهيم منهم بريء وأنهم منه برآء ﴿شَاكِرًا لأنْعُمِهِ﴾ يقول: كان يخلص الشكر لله فيما أنعم عليه، ولا يجعل معه في شكره في نعمه عليه شريكا من الآلهة والأنداد وغير ذلك، كما يفعل مشركو قريش ﴿اجْتَبَاهُ﴾ يقول: اصطفاه واختاره لخُلته ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يقول: وأرشده إلى الطريق المستقيم، وذلك دين الإسلام لا اليهودية ولا النصرانية. وبنحو الذي قلنا في معنى ﴿أُمَّةً قَانِتًا﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني زكريا بن يحيى، قال: ثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن أبي العُبَيدين، أنه جاء إلى عبد الله فقال: من نسأل إذا لم نسألك؟ فكأنّ ابن مسعود رقّ له، فقال: أخبرني عن الأمَّة، قال: الذي يُعلَّم الناس الخير. ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العُبَيدين أنه سأل عبد الله بن مسعود، عن الأمَّة القانت، قال: الأمَّة: معلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن منصور، يعني ابن عبد الرحمن، عن الشعبي، قال: ثني فروة بن نوفل الأشجعي، قال: قال ابن مسعود: إن معاذا كان أُمَّة قانتا لله حنيفا، فقلت في نفسي: غلط أبو عبد الرحمن، إنما قال الله تعالى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ فقال: تدري ما الأمَّة، وما القانت؟ قلت: الله أعلم، قال: الأمَّة: الذي يعلم الخير، والقانت: المطيع لله ولرسوله، وكذلك كان مُعاذ بن جبل يعلم الخير، وكان مطيعًا لله ولرسوله. ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت فراسا يحدّث، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: إن مُعاذا كان أُمَّة قانتًا لله، قال: فقال رجل من أشجع يُقال له فروة بن نوفل: نسي إنما ذاك إبراهيم، قال: فقال عبد الله: من نسي إنما كنا نشبهه بإبراهيم، قال: وسُئِل عبد الله عن الأمَّة، فقال: معلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن فراس، عن الشعبيّ، عن مسروق قال: قرأت عند عبد الله هذه الآية ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ فقال: كان معاذ أُمَّةً قانتًا، قال: هل تدري ما الأمَّة، الأمَّة الذي يعلم الناس الخير، والقانت: الذي يطيع الله ورسوله. ⁕ حدثنا أبو هشام الرفاعيّ، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا بيان بن بشر البَجَلي، عن الشعبيّ، قال: قال عبد الله: إن معاذا كان أُمَّة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين، فقال له رجل: نسيت، قال: لا ولكنه شبيه إبراهيم، والأمَّة: معلِّم الخير، والقانت: المطيع. ⁕ حدثني عليّ بن سعيد الكندي، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن ابن عون، عن الشعبيّ، في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ قال: مطيعا. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، قال: قال عبد الله: إن معاذا كان أُمَّة قانتا معلِّم الخير. وذُكر في الأمَّة أشياء مختلف فيها، قال ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ يعني: بعد حين و ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن سعيد بن سابق، عن ليث، عن شَهْر بن حَوْشَب، قال: لم تبق الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض وتخرج بركتها، إلا زمن إبراهيم فإنه كان وحده. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: أخبرنا هشيم، قال: أخبرنا سيار، عن الشعبيّ، قال: وأخبرنا زكريا ومجالد، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن ابن مسعود، نحو حديث يعقوب، عن ابن عُلَية وزاد فيه: الأمَّة: الذي يعلم الخير ويُؤْتمّ به، ويقتدى به؛ والقانت: المطيع لله وللرسول، قال له أبو فروة الكندي: إنك وهمت. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ على حدة ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾ قال: مطيعا. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: مطيعًا لله في الدنيا. قال ابن جريج: وأخبرني عويمر، عن سعيد بن جبير، أنه قال: قانتًا: مطيعًا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ قال: كان إمام هُدًى مطيعًا تُتَّبع سُنَّته ومِلَّته. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن مَعْمر، عن قتادة، أن ابن مسعود قال: إن مُعاذ بن جَبَلْ كان أُمَّةً قانتا، قال غير قتادة: قال ابن مسعود: هل تدرون: ما الأمَّة؟ الذي يعلم الخير. ⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن فراس، عن الشعبيّ، عن مسروق، قال: قرأت عند عبد الله بن مسعود ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ فقال: إن معاذا كان أُمَّةً قانتا، قال: فأعادوا، فأعاد عليهم، ثم قال: أتدرون ما الأمَّة؟ الذي يعلم الناس الخير، والقانت: الذي يطيع الله. وقد بيَّنا معنى الأمَّة ووجوهها، ومعنى القانت باختلاف المختلفين فيه في غير هذا الموضع من كتابنا بشواهده، فأغنى بذلك عن إعادته في هذا الموضع.

Al-Mukhtasar (français)

Il était empli de gratitude pour les bienfaits dont Allah le comblait. Allah l’a choisis pour être prophète et l’a guidé vers la religion droite de l’Islam.

122

وَءَاتَيْنَٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

Nous lui avons donné une belle part ici-bas. Et il sera certes dans l'au-delà du nombre des gens de bien.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَمْدَحُ [تَبَارَكَ وَ] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ وَخَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ، إِمَامَ الْحُنَفَاءِ وَوَالِدَ الْأَنْبِيَاءِ، وَيُبَرِّئُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَمِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ فَأَمَّا "الْأُمَّةُ"، فهو الْإِمَامُ الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ. وَالْقَانِتُ: هُوَ الْخَاشِعُ الْمُطِيعُ. وَالْحَنِيفُ: الْمُنْحَرِفُ قَصْدًا عَنِ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْل، عَنْ مُسْلِمٍ البَطِين، عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ: أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنِ الْأُمَّةِ الْقَانِتِ، فَقَالَ: الْأُمَّةُ: مُعَلِّمُ الْخَيْرِ، وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَعَنْ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْأُمَّةُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ، [عَنِ الْحَكَمِ] [[زيادة من ت، ف، أ، والطبري.]] عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ أَبِي العُبَيدين؛ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: مَنْ نَسْأَلُ إِذَا لَمْ نَسْأَلْكَ؟ فَكَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رقَّ لَهُ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْأُمَّةِ [[في ف، أ: "أمة".]] فَقَالَ: الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي فروَة بْنُ نَوْفَلٍ الْأَشْجَعِيُّ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ مُعَاذًا كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: غَلِطَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا الْأُمَّةُ وَمَا الْقَانِتُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ [وَرَسُولُهُ] [[زيادة من أ.]] أَعْلَمُ. قَالَ: الْأُمَّةُ الَّذِي يُعَلِّمُ [النَّاسَ] [[زياد من ف، أ.]] الْخَيْرَ. وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَكَذَلِكَ كَانَ مَعَاذٌ مُعَلِّمَ الْخَيْرِ. وَكَانَ مُطِيعًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ حَرَّرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (١٤/ ١٢٨، ١٢٩) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أُمَّةً﴾ أَيْ: أُمَّةً وَحْدَهُ، وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: كَانَ إِبْرَاهِيمُ أُمَّةً، أَيْ: مُؤْمِنًا وَحْدَهُ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ إِذْ ذَاكَ كُفَّارٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ إِمَامَ هُدى، وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ لِلَّهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿شَاكِرًا لأنْعُمِهِ﴾ أَيْ: قَائِمًا بِشُكْرِ [[في ت: "يشكر".]] نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النَّجْمِ: ٣٧] ، أَيْ: قَامَ بِجَمِيعِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿اجْتَبَاهُ﴾ أَيِ: اخْتَارَهُ وَاصْطَفَاهُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٥١] . ثُمَّ قَالَ: ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ عَلَى شَرْعٍ مَرْضِيٍّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أَيْ: جَمَعْنَا لَهُ خَيْرَ الدُّنْيَا مِنْ جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ الْمُؤْمِنُ إِلَيْهِ فِي إِكْمَالِ حَيَاتِهِ الطَّيِّبَةِ، ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أي: لسان صدق. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أَيْ: وَمِنْ كَمَالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَصِحَّةِ تَوْحِيدِهِ وَطَرِيقِهِ، أَنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ يَا خَاتَمَ الرُّسُلِ وَسَيِّدَ الْأَنْبِيَاءِ: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كَمَا قَالَ: فِي "الْأَنْعَامِ": ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦١] ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْيَهُودِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: وآتينا إبراهيم على قنوته لله، وشكره له على نعمه، وإخلاصه العبادة له في هذه الدنيا ذكرًا حسنا، وثناءً جميلا باقيا على الأيام ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يقول: وإنه في الدار الآخرة يوم القيامة لممن صلح أمره وشأنه عند الله، وحَسُنت فيها منزلته وكرامته. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال: لسان صدق. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ فليس من أهل دين إلا يتولاه ويرضاه. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ثم أوحينا إليك يا محمد وقلنا لك: اتبع ملة إبراهيم الحنيفية المسلمة ﴿حَنِيفًا﴾ يقول: مسلما على الدين الذي كان عليه إبراهيم، بريئًا من الأوثان والأنداد التي يعبدها قومك، كما كان إبراهيم تبرأ منها. * * وقوله ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ يقول تعالى ذكره: ما فرض الله أيها الناس تعظيم يوم السبت إلا على الذين اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو أعظم الأيام، لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة، ثم سَبَتَ يوم السبت. وقال آخرون: بل أعظم الأيام يوم الأحد، لأنه اليوم الذي ابتدأ فيه خلق الأشياء، فاختاروه وتركوا تعظيم يوم الجمعة الذي فَرَض الله عليهم تعظيمه واستحلوه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ اتبعوه وتركوا الجمعة. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾ قال: أرادوا الجمعة فأخطئوا، فأخذوا السبت مكانه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ استحله بعضهم، وحرّمه بعضهم. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يُمان، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن أبي مالك وسعيد بن جُبير ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قال: باستحلالهم يوم السبت. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قال: كانوا يطلبون يوم الجمعة فأخطئوه، وأخذوا يوم السبت فجعله عليهم. * * وقوله ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد ليحكم بين هؤلاء المختلفين بينهم في استحلال السبت وتحريمه عند مصيرهم إليه يوم القيامة، فيقضي بينهم في ذلك وفي غيره مما كانوا فيه يختلفون في الدنيا بالحق، ويفصل بالعدل بمجازاة المصيب فيه جزاءه والمخطئ فيه منهم ما هو أهله.

Al-Mukhtasar (français)

Dans ce bas monde, Nous lui avons fait don de la Prophétie, de la mention élogieuse que les gens font de lui et une descendance vertueuse tandis que dans l’au-delà, il sera du nombre des vertueux installés dans les degrés les plus élevés du Paradis.

123

ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Puis Nous t'avons révélé: «Suis la religion d'Abraham qui était voué exclusivement à Allah et n'était point du nombre des associateurs».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَمْدَحُ [تَبَارَكَ وَ] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ وَخَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ، إِمَامَ الْحُنَفَاءِ وَوَالِدَ الْأَنْبِيَاءِ، وَيُبَرِّئُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَمِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ فَأَمَّا "الْأُمَّةُ"، فهو الْإِمَامُ الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ. وَالْقَانِتُ: هُوَ الْخَاشِعُ الْمُطِيعُ. وَالْحَنِيفُ: الْمُنْحَرِفُ قَصْدًا عَنِ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْل، عَنْ مُسْلِمٍ البَطِين، عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ: أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنِ الْأُمَّةِ الْقَانِتِ، فَقَالَ: الْأُمَّةُ: مُعَلِّمُ الْخَيْرِ، وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَعَنْ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْأُمَّةُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ، [عَنِ الْحَكَمِ] [[زيادة من ت، ف، أ، والطبري.]] عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ أَبِي العُبَيدين؛ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: مَنْ نَسْأَلُ إِذَا لَمْ نَسْأَلْكَ؟ فَكَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رقَّ لَهُ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْأُمَّةِ [[في ف، أ: "أمة".]] فَقَالَ: الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي فروَة بْنُ نَوْفَلٍ الْأَشْجَعِيُّ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ مُعَاذًا كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: غَلِطَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا الْأُمَّةُ وَمَا الْقَانِتُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ [وَرَسُولُهُ] [[زيادة من أ.]] أَعْلَمُ. قَالَ: الْأُمَّةُ الَّذِي يُعَلِّمُ [النَّاسَ] [[زياد من ف، أ.]] الْخَيْرَ. وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَكَذَلِكَ كَانَ مَعَاذٌ مُعَلِّمَ الْخَيْرِ. وَكَانَ مُطِيعًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ حَرَّرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (١٤/ ١٢٨، ١٢٩) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أُمَّةً﴾ أَيْ: أُمَّةً وَحْدَهُ، وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: كَانَ إِبْرَاهِيمُ أُمَّةً، أَيْ: مُؤْمِنًا وَحْدَهُ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ إِذْ ذَاكَ كُفَّارٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ إِمَامَ هُدى، وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ لِلَّهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿شَاكِرًا لأنْعُمِهِ﴾ أَيْ: قَائِمًا بِشُكْرِ [[في ت: "يشكر".]] نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النَّجْمِ: ٣٧] ، أَيْ: قَامَ بِجَمِيعِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿اجْتَبَاهُ﴾ أَيِ: اخْتَارَهُ وَاصْطَفَاهُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٥١] . ثُمَّ قَالَ: ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ عَلَى شَرْعٍ مَرْضِيٍّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أَيْ: جَمَعْنَا لَهُ خَيْرَ الدُّنْيَا مِنْ جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ الْمُؤْمِنُ إِلَيْهِ فِي إِكْمَالِ حَيَاتِهِ الطَّيِّبَةِ، ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أي: لسان صدق. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أَيْ: وَمِنْ كَمَالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَصِحَّةِ تَوْحِيدِهِ وَطَرِيقِهِ، أَنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ يَا خَاتَمَ الرُّسُلِ وَسَيِّدَ الْأَنْبِيَاءِ: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كَمَا قَالَ: فِي "الْأَنْعَامِ": ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦١] ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْيَهُودِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: وآتينا إبراهيم على قنوته لله، وشكره له على نعمه، وإخلاصه العبادة له في هذه الدنيا ذكرًا حسنا، وثناءً جميلا باقيا على الأيام ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يقول: وإنه في الدار الآخرة يوم القيامة لممن صلح أمره وشأنه عند الله، وحَسُنت فيها منزلته وكرامته. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال: لسان صدق. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ فليس من أهل دين إلا يتولاه ويرضاه. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ثم أوحينا إليك يا محمد وقلنا لك: اتبع ملة إبراهيم الحنيفية المسلمة ﴿حَنِيفًا﴾ يقول: مسلما على الدين الذي كان عليه إبراهيم، بريئًا من الأوثان والأنداد التي يعبدها قومك، كما كان إبراهيم تبرأ منها. * * وقوله ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ يقول تعالى ذكره: ما فرض الله أيها الناس تعظيم يوم السبت إلا على الذين اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو أعظم الأيام، لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة، ثم سَبَتَ يوم السبت. وقال آخرون: بل أعظم الأيام يوم الأحد، لأنه اليوم الذي ابتدأ فيه خلق الأشياء، فاختاروه وتركوا تعظيم يوم الجمعة الذي فَرَض الله عليهم تعظيمه واستحلوه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ اتبعوه وتركوا الجمعة. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾ قال: أرادوا الجمعة فأخطئوا، فأخذوا السبت مكانه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ استحله بعضهم، وحرّمه بعضهم. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يُمان، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن أبي مالك وسعيد بن جُبير ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قال: باستحلالهم يوم السبت. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قال: كانوا يطلبون يوم الجمعة فأخطئوه، وأخذوا يوم السبت فجعله عليهم. * * وقوله ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد ليحكم بين هؤلاء المختلفين بينهم في استحلال السبت وتحريمه عند مصيرهم إليه يوم القيامة، فيقضي بينهم في ذلك وفي غيره مما كانوا فيه يختلفون في الدنيا بالحق، ويفصل بالعدل بمجازاة المصيب فيه جزاءه والمخطئ فيه منهم ما هو أهله.

Al-Mukhtasar (français)

Puis bien plus tard, Nous t’avons révélé ô Messager d’être fidèle à la confession d’Abraham concernant le monothéisme, le désaveu des mécréants, la diffusion de la religion d’Allah et la mise en application de Ses lois. De la même manière que lui, dévie de toutes les religions pour n’embrasser que l’Islam et sache qu’Abraham n’était pas un polythéiste, comme le prétendent ces gens, mais bien quelqu’un qui adorait exclusivement Allah.

124

إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

Le Sabbat n'a été imposé qu'à ceux qui divergeaient à son sujet. Au Jour de la Résurrection, ton Seigneur jugera certainement au sujet de ce dont ils divergeaient.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

لَا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شرَع فِي كُلِّ مِلَّةٍ يَوْمًا مِنَ الْأُسْبُوعِ، يَجْتَمِعُ النَّاسُ فِيهِ لِلْعِبَادَةِ، فَشَرَعَ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ؛ لِأَنَّهُ الْيَوْمُ السَّادِسُ الَّذِي أَكْمَلَ اللَّهُ فِيهِ الْخَلِيقَةَ، وَاجْتَمَعَتِ [النَّاسُ] [[زيادة من ت، ف.]] فِيهِ وَتَمَّتِ النِّعْمَةُ عَلَى عِبَادِهِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ تَعَالَى شَرَعَ ذَلِكَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ مُوسَى، فَعَدَلُوا عَنْهُ وَاخْتَارُوا السَّبْتَ؛ لِأَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي لَمْ يَخْلُقْ فِيهِ الرَّبُّ شَيْئًا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ الَّذِي [[في أ: "التي".]] كَمَّلَ خَلْقَهَا يَوْمَ الْجُمْعَةِ، فَأَلْزَمَهُمْ [[في أ: "وألزمهم".]] تَعَالَى بِهِ فِي شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ، وَوَصَّاهُمْ أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِهِ وَأَنْ يُحَافِظُوا عَلَيْهِ، مَعَ أَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِمُتَابَعَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم إذا بعثه. وأخذه [[في أ: "وأخذ".]] مَوَاثِيقَهُمْ وَعُهُودَهُمْ عَلَى ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: اتَّبَعُوهُ وَتَرَكُوا الْجُمْعَةَ. ثُمَّ إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُتَمَسِّكِينَ بِهِ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ حوَّلهم إِلَى يَوْمِ الْأَحَدِ. وَيُقَالُ إِنَّهُ: لَمْ [يَتْرُكْ [[في أ: "يزل على".]] شَرِيعَةَ التَّوْرَاةِ إِلَّا مَا نُسِخَ مِنْ بَعْضِ أَحْكَامِهَا وَإِنَّهُ لِمْ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] يَزَلْ مُحَافِظًا عَلَى السَّبْتِ حَتَّى رُفِعَ، وَإِنَّ النَّصَارَى بَعْدَهُ فِي زَمَنِ قُسْطَنْطِينَ هُمُ الَّذِينَ تَحَوَّلُوا إِلَى يَوْمِ الْأَحَدِ، مُخَالَفَةً لِلْيَهُودِ، وَتَحَوَّلُوا إِلَى الصَّلَاةِ شَرْقًا عَنِ الصَّخْرَةِ، وَاللَّهُ [[في ت: "فالله".]] أَعْلَمُ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ". لَفْظُ الْبُخَارِيِّ [[صحيح البخاري برقم (٦٦٢٤) وصحيح مسلم برقم (٨٥٥) .]] . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحُذَيْفَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتَ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ، فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا فَهَدَانَا اللَّهُ ليوم الْجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَالْأَحَدَ، وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْمَقْضِيُّ بَيْنَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من ف، أ.]] [[صحيح مسلم برقم (٨٥٦) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: وآتينا إبراهيم على قنوته لله، وشكره له على نعمه، وإخلاصه العبادة له في هذه الدنيا ذكرًا حسنا، وثناءً جميلا باقيا على الأيام ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يقول: وإنه في الدار الآخرة يوم القيامة لممن صلح أمره وشأنه عند الله، وحَسُنت فيها منزلته وكرامته. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال: لسان صدق. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ فليس من أهل دين إلا يتولاه ويرضاه. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ثم أوحينا إليك يا محمد وقلنا لك: اتبع ملة إبراهيم الحنيفية المسلمة ﴿حَنِيفًا﴾ يقول: مسلما على الدين الذي كان عليه إبراهيم، بريئًا من الأوثان والأنداد التي يعبدها قومك، كما كان إبراهيم تبرأ منها. * * وقوله ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ يقول تعالى ذكره: ما فرض الله أيها الناس تعظيم يوم السبت إلا على الذين اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو أعظم الأيام، لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة، ثم سَبَتَ يوم السبت. وقال آخرون: بل أعظم الأيام يوم الأحد، لأنه اليوم الذي ابتدأ فيه خلق الأشياء، فاختاروه وتركوا تعظيم يوم الجمعة الذي فَرَض الله عليهم تعظيمه واستحلوه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ اتبعوه وتركوا الجمعة. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾ قال: أرادوا الجمعة فأخطئوا، فأخذوا السبت مكانه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ استحله بعضهم، وحرّمه بعضهم. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يُمان، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن أبي مالك وسعيد بن جُبير ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قال: باستحلالهم يوم السبت. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قال: كانوا يطلبون يوم الجمعة فأخطئوه، وأخذوا يوم السبت فجعله عليهم. * * وقوله ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد ليحكم بين هؤلاء المختلفين بينهم في استحلال السبت وتحريمه عند مصيرهم إليه يوم القيامة، فيقضي بينهم في ذلك وفي غيره مما كانوا فيه يختلفون في الدنيا بالحق، ويفصل بالعدل بمجازاة المصيب فيه جزاءه والمخطئ فيه منهم ما هو أهله.

Al-Mukhtasar (français)

La vénération du Sabbat (`as-sabtu, le samedi) n’a été imposée qu’aux juifs qui ont divergé à son sujet afin qu’ils délaissent durant ce jour, leurs préoccupations habituelles et se consacrent à l’adoration et après qu’ils aient refusé de vouer cette adoration à Allah le vendredi. Ô Messager, Allah jugera entre eux le Jour de la Résurrection et tranchera ce au sujet de quoi ils divergeaient, rétribuant alors chacun selon ce qu’il mérite.

125

ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ

Par la sagesse et la bonne exhortation appelle (les gens) au sentier de ton Seigneur. Et discute avec eux de la meilleure façon. Car c'est ton Seigneur qui connaît le mieux celui qui s'égare de Son sentier et c'est Lui qui connaît le mieux ceux qui sont bien guidés.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ أَنْ يَدْعُوَ الْخَلْقَ إِلَى اللَّهِ ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهُوَ مَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ [[في ف، أ: "عليك".]] مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ أَيْ: بِمَا فِيهِ مِنَ الزَّوَاجِرِ وَالْوَقَائِعِ بِالنَّاسِ ذَكَّرَهُمْ [[في ت، ف: "يذكرهم".]] بِهَا، لِيَحْذَرُوا بَأْسَ اللَّهِ تَعَالَى. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أَيْ: مَنِ احْتَاجَ مِنْهُمْ إِلَى مُنَاظَرَةٍ وَجِدَالٍ، فَلْيَكُنْ بِالْوَجْهِ الْحَسَنِ بِرِفْقٍ وَلِينٍ وَحُسْنِ خِطَابٍ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٤٦] فَأَمَرَهُ تَعَالَى بِلِينِ الْجَانِبِ، كَمَا أَمَرَ مُوسَى وَهَارُونَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، حِينَ بَعَثَهُمَا إِلَى فِرْعَوْنَ فَقَالَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أي: قدم عَلِمَ الشَّقِيَّ مِنْهُمْ وَالسَّعِيدَ، وَكَتَبَ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَفَرَغَ مِنْهُ، فَادْعُهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَى مَنْ ضَلَّ مِنْهُمْ [[في ت: "عليهم".]] حَسَرَاتٍ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ، عَلَيْكَ الْبَلَاغُ، وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [الْقَصَصِ: ٥٦] ، [[في ف: "وإنك" وهو خطأ.]] وَ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٧٢] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ ﴿ادْعُ﴾ يا محمد من أرسلك إليه ربك بالدعاء إلى طاعته ﴿إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ يقول: إلى شريعة ربك التي شرعها لخلقه، وهو الإسلام ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ يقول بوحي الله الذي يوحيه إليك وكتابه الذي ينزله عليك ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ يقول: وبالعبر الجميلة التي جعلها الله حجة عليهم في كتابه، وذكّرهم بها في تنزيله، كالتي عدّد عليهم في هذه السورة من حججه، وذكّرهم فيها ما ذكرهم من آلائه ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يقول: وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها أن تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى، ولا تعصه في القيام بالواجب عليك من تبليغهم رسالة ربك. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أعرض عن أذاهم إياك. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. * * وقوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن جار عن قصد السبيل من المختلفين في السبت وغيره من خلقه، وحادّ الله، وهو أعلم بمن كان منهم سالكا قصد السبيل ومَحَجة الحقّ، وهو مُجازٍ جميعهم جزاءهم عند ورودهم عليه.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, prêche la religion de l’Islam et que tes disciples croyants fassent de même en adaptant la prédication à la situation de l’interlocuteur, à son intelligence et à sa disposition à répondre favorablement. Use ainsi de bons conseils incitatifs et dissuasifs et discute avec eux en disant poliment de bonnes paroles et en transmettant des idées pertinentes. Tu n’es pas tenu de guider les gens mais seulement de leur transmettre le Message. C’est ton Seigneur qui sait le mieux qui s’est égaré de la religion de l’Islam et qui sait le mieux qui y a été guidés. Que leur sort ne t’afflige pas.

126

وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌۭ لِّلصَّٰبِرِينَ

Et si vous punissez, infligez [à l'agresseur] une punition égale au tort qu'il vous a fait. Et si vous endurez... cela est certes meilleur pour les endurants.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَأْمُرُ تَعَالَى بِالْعَدْلِ فِي الِاقْتِصَاصِ وَالْمُمَاثَلَةِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إِنْ أَخَذَ مِنْكُمْ رَجُلٌ شَيْئًا، فَخُذُوا مِنْهُ مِثْلَهُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانُوا قَدْ أُمِرُوا بِالصَّفْحِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، فَأَسْلَمَ رِجَالٌ ذَوُو منعةٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَذِنَ اللَّهُ لَنَا لَانْتَصَرْنَا مِنْ هَؤُلَاءِ الْكِلَابِ! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالْجِهَادِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار قَالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ "النَّحْلِ" كُلُّهَا بِمَكَّةَ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ إِلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ أُحُدٍ، حَيْثُ قُتِلَ حَمْزَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَمُثِّلَ بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَئِنْ ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ لَنُمَثِّلَنَّ بِثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ" فَلَمَّا سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ قَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ بِأَحَدٍ قَطُّ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إِلَى آخَرِ السُّورَةِ [[رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ١٣٢) .]] . وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَفِيهِ [رَجُلٌ] [[زيادة من ف، أ.]] مُبْهَمٌ لَمْ يُسَمَّ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مِنْ وَجْهٍ [[في أ: "من غير وجه".]] آخَرَ مُتَّصِلٍ، فَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ الْمُرِّيُّ [[في ت: "حدثنا صالح حدثنا المرى".]] ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ عَلَى حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ اسْتُشْهِدَ، فَنَظَرَ إِلَى مَنْظَرٍ لَمْ يَنْظُرْ أَوْجَعَ لِلْقَلْبِ مِنْهُ. أَوْ قَالَ: لِقَلْبِهِ [مِنْهُ] [[زيادة من ت.]] فَنَظَرَ [[في ت: "ونظر".]] إِلَيْهِ وَقَدْ مُثِّل بِهِ فَقَالَ: "رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، إِنْ كُنْتَ -لَمَا علمتُ-لَوَصُولًا لِلرَّحِمِ، فَعُولًا لِلْخَيْرَاتِ، وَاللَّهِ لَوْلَا حُزْنُ مَنْ بَعْدَكَ عَلَيْكَ، لَسَرَّنِي أَنْ أَتْرُكَكَ حَتَّى يَحْشُرَكَ اللَّهُ مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا-أَمَا وَاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ كَمُثْلَتِكَ [[في ف، أ: "كمثلك".]] . فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ بِهَذِهِ السُّورَةِ [[في ت: "الآية".]] وَقَرَأَ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إِلَى آخَرِ الْآيَةِ، فَكَفَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -يَعْنِي: عَنْ يَمِينِهِ-وَأَمْسَكَ عَنْ ذَلِكَ [[مسند البزار برقم (١٧٩٥) "كشف الأستار".]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ فِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأَنَّ صَالِحًا -هُوَ ابْنُ بَشِيرٍ الْمُرِّيُّ-ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ جُرَيْج: نَزَلَتْ فِي قَوْلِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ فِيمَنْ مُثِّلَ بِهِمْ: لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ذَلِكَ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ: حَدَّثَنَا هدِيَّة [[في ت، ف، أ: "هدية".]] بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، قُتِلَ مِنَ الْأَنْصَارِ سِتُّونَ رَجُلًا وَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَئِنْ كَانَ لَنَا يَوْمٌ مِثْلُ هَذَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ. فَلَمَّا كان يوم الفتح قال رجل: لا تُعْرَفُ [[في ت، ف، أ: "يعرف".]] قُرَيْشٌ بَعْدَ الْيَوْمِ. فَنَادَى مُنَادٍ: إِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آمَنَ الْأَسْوَدَ وَالْأَبْيَضَ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا -نَاسًا سَمَّاهُمْ-فأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ [فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ] ﴾ [[زيادة من ت، ف، أ، وفي هـ: "الآية".]] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "نَصْبِرُ وَلَا نُعَاقِبُ" [[زوائد المسند (٥/١٣٥) .]] . وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ لَهَا أَمْثَالٌ فِي الْقُرْآنِ، فَإِنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْعَدْلِ وَالنَّدْبِ إِلَى الْفَضْلِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشُّورَى: ٤٠] . وَقَالَ ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٥] ، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأَمْرِ بِالصَّبْرِ، وَإِخْبَارٌ بِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُنَالُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَإِعَانَتِهِ، وَحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: عَلَى مَنْ خَالَفَكَ، لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ ذَلِكَ، ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ أَيْ: غَمٍّ ﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ أَيْ: مِمَّا يُجْهِدُونَ [أَنْفُسَهُمْ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] فِي عَدَاوَتِكَ وَإِيصَالِ الشَّرِّ إِلَيْكَ، فَإِنَّ اللَّهَ كَافِيكَ وَنَاصِرُكَ، وَمُؤَيِّدُكَ، وَمُظْهِرُكَ وَمُظْفِرُكَ بِهِمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أَيْ: مَعَهُمْ بِتَأْيِيدِهِ وَنَصْرِهِ وَمَعُونَتِهِ وَهَذِهِ مَعِيَّةٌ خَاصَّةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الْأَنْفَالِ: ١٢] ، وَقَوْلِهِ لِمُوسَى وَهَارُونَ: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلصِّدِّيقِ وَهُمَا فِي الْغَارِ: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التَّوْبَةِ: ٤٠] وَأَمَّا الْمَعِيَّةُ الْعَامَّةُ فَبِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعِلْمِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الْحَدِيدِ: ٤] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ٧] ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا [إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ] ﴾ [يُونُسَ: ٦١] . [[زيادة من ت، ف، أ، وفي هـ: "الآية".]] وَمَعْنَى: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أَيْ: تَرَكُوا الْمُحَرَّمَاتِ، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أَيْ: فَعَلُوا الطَّاعَاتِ، فَهَؤُلَاءِ اللَّهُ يَحْفَظُهُمْ وَيَكْلَؤُهُمْ، وَيَنْصُرُهُمْ وَيُؤَيِّدُهُمْ، وَيُظْفِرُهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ وَمُخَالِفِيهِمْ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حدثنا مِسْعر، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، وَالَّذِينَ اتَّقَوْا، وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ. [آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّحْلِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ أَجْمَعُهُ وَالْمِنَّةُ، وَبِهِ الْمُسْتَعَانُ وَهُوَ حَسَبُنَا وَنَعِمَ الوكيل] [[ما بين المعقوفين من "هـ".]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) ﴾ يقول تعالى ذكره للمؤمنين: وإن عاقبتم أيها المؤمنون من ظلمكم واعتدى عليكم، فعاقبوه بمثل الذي نالكم به ظالمكم من العقوبة، ولئن صبرتم عن عقوبته، واحتسبتم عند الله ما نالكم به من الظلم، ووكلتم أمره إليه، حتى يكون هو المتولى عقوبته ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ يقول: للصبر عن عقوبته بذلك خير لأهل الصبر احتسابا، وابتغاء ثواب الله، لأن الله يعوّضه مِنَ الذي أراد أن يناله بانتقامه من ظالمه على ظلمه إياه من لذّة الانتصار، وهو من قوله ﴿لَهُوَ﴾ كناية عن الصبر، وحسن ذلك، وإن لم يكن ذكر قبل ذلك الصبر لدلالة قوله: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ عليه. وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية. وقيل: هي منسوخة أو محكمة، فقال بعضهم: نزلت من أجل أن رسول الله ﷺ وأصحابه أقسموا حين فعل المُشركون يوم أُحد ما فعلوا بقتلى المسلمين من التمثيل بهم أن يجاوزوا فعلهم في المُثْلة بهم إن رزقوا الظفر عليهم يومًا، فنهاهم الله عن ذلك بهذه الآية وأمرهم أن يقتصروا في التمثيل بهم إن هم ظفروا على مثل الذي كان منهم، ثم أمرهم بعد ذلك بترك التمثيل، وإيثار الصبر عنه بقوله ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ﴾ فنسخ بذلك عندهم ما كان أذن لهم فيه من المُثلة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت داود، عن عامر: أن المسلمين قالوا لما فعل المشركون بقتلاهم يوم أُحد: لئن ظهرنا عليهم لنفعلنّ ولنفعلنّ، فأنزل الله تعالى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ قالوا: بل نصبر. ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر، قال: لما رأى المسلمون ما فعل المشركون بقتلاهم يوم أُحد، من تبقير البطون، وقطع المذاكير، والمُثلة السيئة، قالوا: لئن أظفرنا الله بهم، لنفعلنّ ولنفعلنّ، فأنزل الله فيهم ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: نزلت سورة النحل كلها بمكة، وهي مكية، إلا ثلاث آيات في آخرها نزلت في المدينة بعد أُحد، حيث قُتِل حمزة ومُثِّل بِه، فقال رسول الله ﷺ: "لَئِنْ ظَهَرْنا عَلَيْهمْ لَنُمَثِّلَنَّ بِثَلاثِينَ رَجُلا مِنْهُمْ " فلما سمع المسلمون بذلك، قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلنّ بهم مُثْلة لم يمثِّلْها أحد من العرب بأحد قطُّ فأنزل الله ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ ... إلى آخر السورة. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ قال المسلمون يوم أُحد [[أي مقالهم السابق: لئن ظهرنا ... الخ.]] فقال ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ... إلى قوله: ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ ثم قال بعد ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ﴾ . ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: لما أصيب في أهل أُحد المُثَل، فقال: المسلمون: لئن أصبناهم لنمثلنّ بهم، فقال الله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ ثم عزم وأخبر فلا يمثل، فنهي عن المُثَل، قال: مثَّل الكفار بقتلى أُحد، إلا حنظلة بن الراهب، كان الراهب أبو عامر مع أبي سفيان، فتركوا حنظلة لذلك. وقال آخرون: نسخ ذلك بقوله في براءة: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ قالوا: وإنما قال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ خبرًا من الله للمؤمنين أن لا يبدءوهم بقتال حتى يبدءوهم به، فقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ . ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ قال: هذا خبر من الله نبيه أن يُقاتل من قاتله. قال: ثم نزلت براءة، وانسلاخ الأشهر الحرم، قال: فهذا من المنسوخ. وقال آخرون: بل عنى الله تعالى بقوله: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ﴾ نبيّ الله خاصة دون سائر أصحابه، فكان الأمر بالصبر له عزيمة من الله دونهم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ قال: أمرهم الله أن يعفوا عن المشركين، فأسلم رجال لهم منعة، فقالوا: يا رسول الله، لو أذن الله لنا لانتصرنا من هؤلاء الكلاب، فنزل القرآن ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ واصبر أنت يا محمد، ولا تكن في ضيق ممن ينتصر، وما صبرك إلا بالله، ثم نسخ هذا وأمره بجهادهم، فهذا كله منسوخ. وقال آخرون: لم يُعْنَ بهاتين الآيتين شيء مما ذكر هؤلاء، وإنما عُنِيَ بهما أن من ظُلِم بظُلامة، فلا يحلّ له أن ينال ممن ظلمه أكثر مما نال الظالم منه، وقالوا: الآية محكمة غير منسوخة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن خالد، عن ابن سيرين ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ يقول: إن أخذ منك رجل شيئا، فخذ منه مثله. ⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، قال: إن أخذ منك شيئا فخذ منه مثله. قال الحسن: قال عبد الرزاق: قال سفيان: ويقولون: إن أخذ منك دينارًا فلا تأخذ منه إلا دينارًا، وإن أخذ منك شيئا فلا تأخذ منه إلا مثل ذلك الشيء. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ لا تعتدوا. ⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر من عوقب من المؤمنين بعقوبة أن يعاقب من عاقبه بمثل الذي عوقب به، إن اختار عقوبته، وأعلمه أن الصبر على ترك عقوبته، على ما كان منه إليه خير وعزم على نبيه ﷺ أن يصبر، وذلك أن ذلك هو ظاهر التنزيل، والتأويلات التي ذكرناها عمن ذكروها عنه، محتملها الآية كلها. فإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن في الآية دلالة على أيّ ذلك عنى بها من خبر ولا عقل كان الواجب علينا [[لعله كان الواجب علينا تعميم الحكم بها، لا تأويلها إلى خاص لا دلالة عليه ... الخ.]] الحكم بها إلى ناطق لا دلالة عليه؛ وأن يقال: هي آية محكمة أمر الله تعالى ذكره عباده أن لا يتجاوزوا فيما وجب لهم قِبَل غيرهم من حقّ من مال أو نفس، الحقّ الذي جعله الله لهم إلى غيره، وأنها غير منسوخة، إذ كان لا دلالة على نسخها، وأن للقول بأنها محكمة وجهًا صحيحًا مفهوما.

Al-Mukhtasar (français)

Lorsque vous voulez punir votre ennemi, infligez-lui le même mal qu’il vous a infligé sans aller au-delà et si vous êtes capables de vous retenir alors que vous avez le pouvoir de vous venger, alors la patience est un meilleur comportement que de le punir.

127

وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍۢ مِّمَّا يَمْكُرُونَ

Endure! Ton endurance [ne viendra] qu'avec (l'aide) d'Allah. Ne t'afflige pas pour eux. Et ne sois pas angoissé à cause de leurs complots.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَأْمُرُ تَعَالَى بِالْعَدْلِ فِي الِاقْتِصَاصِ وَالْمُمَاثَلَةِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إِنْ أَخَذَ مِنْكُمْ رَجُلٌ شَيْئًا، فَخُذُوا مِنْهُ مِثْلَهُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانُوا قَدْ أُمِرُوا بِالصَّفْحِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، فَأَسْلَمَ رِجَالٌ ذَوُو منعةٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَذِنَ اللَّهُ لَنَا لَانْتَصَرْنَا مِنْ هَؤُلَاءِ الْكِلَابِ! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالْجِهَادِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار قَالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ "النَّحْلِ" كُلُّهَا بِمَكَّةَ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ إِلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ أُحُدٍ، حَيْثُ قُتِلَ حَمْزَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَمُثِّلَ بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَئِنْ ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ لَنُمَثِّلَنَّ بِثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ" فَلَمَّا سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ قَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ بِأَحَدٍ قَطُّ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إِلَى آخَرِ السُّورَةِ [[رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ١٣٢) .]] . وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَفِيهِ [رَجُلٌ] [[زيادة من ف، أ.]] مُبْهَمٌ لَمْ يُسَمَّ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مِنْ وَجْهٍ [[في أ: "من غير وجه".]] آخَرَ مُتَّصِلٍ، فَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ الْمُرِّيُّ [[في ت: "حدثنا صالح حدثنا المرى".]] ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ عَلَى حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ اسْتُشْهِدَ، فَنَظَرَ إِلَى مَنْظَرٍ لَمْ يَنْظُرْ أَوْجَعَ لِلْقَلْبِ مِنْهُ. أَوْ قَالَ: لِقَلْبِهِ [مِنْهُ] [[زيادة من ت.]] فَنَظَرَ [[في ت: "ونظر".]] إِلَيْهِ وَقَدْ مُثِّل بِهِ فَقَالَ: "رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، إِنْ كُنْتَ -لَمَا علمتُ-لَوَصُولًا لِلرَّحِمِ، فَعُولًا لِلْخَيْرَاتِ، وَاللَّهِ لَوْلَا حُزْنُ مَنْ بَعْدَكَ عَلَيْكَ، لَسَرَّنِي أَنْ أَتْرُكَكَ حَتَّى يَحْشُرَكَ اللَّهُ مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا-أَمَا وَاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ كَمُثْلَتِكَ [[في ف، أ: "كمثلك".]] . فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ بِهَذِهِ السُّورَةِ [[في ت: "الآية".]] وَقَرَأَ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إِلَى آخَرِ الْآيَةِ، فَكَفَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -يَعْنِي: عَنْ يَمِينِهِ-وَأَمْسَكَ عَنْ ذَلِكَ [[مسند البزار برقم (١٧٩٥) "كشف الأستار".]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ فِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأَنَّ صَالِحًا -هُوَ ابْنُ بَشِيرٍ الْمُرِّيُّ-ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ جُرَيْج: نَزَلَتْ فِي قَوْلِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ فِيمَنْ مُثِّلَ بِهِمْ: لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ذَلِكَ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ: حَدَّثَنَا هدِيَّة [[في ت، ف، أ: "هدية".]] بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، قُتِلَ مِنَ الْأَنْصَارِ سِتُّونَ رَجُلًا وَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَئِنْ كَانَ لَنَا يَوْمٌ مِثْلُ هَذَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ. فَلَمَّا كان يوم الفتح قال رجل: لا تُعْرَفُ [[في ت، ف، أ: "يعرف".]] قُرَيْشٌ بَعْدَ الْيَوْمِ. فَنَادَى مُنَادٍ: إِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آمَنَ الْأَسْوَدَ وَالْأَبْيَضَ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا -نَاسًا سَمَّاهُمْ-فأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ [فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ] ﴾ [[زيادة من ت، ف، أ، وفي هـ: "الآية".]] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "نَصْبِرُ وَلَا نُعَاقِبُ" [[زوائد المسند (٥/١٣٥) .]] . وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ لَهَا أَمْثَالٌ فِي الْقُرْآنِ، فَإِنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْعَدْلِ وَالنَّدْبِ إِلَى الْفَضْلِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشُّورَى: ٤٠] . وَقَالَ ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٥] ، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأَمْرِ بِالصَّبْرِ، وَإِخْبَارٌ بِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُنَالُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَإِعَانَتِهِ، وَحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: عَلَى مَنْ خَالَفَكَ، لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ ذَلِكَ، ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ أَيْ: غَمٍّ ﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ أَيْ: مِمَّا يُجْهِدُونَ [أَنْفُسَهُمْ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] فِي عَدَاوَتِكَ وَإِيصَالِ الشَّرِّ إِلَيْكَ، فَإِنَّ اللَّهَ كَافِيكَ وَنَاصِرُكَ، وَمُؤَيِّدُكَ، وَمُظْهِرُكَ وَمُظْفِرُكَ بِهِمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أَيْ: مَعَهُمْ بِتَأْيِيدِهِ وَنَصْرِهِ وَمَعُونَتِهِ وَهَذِهِ مَعِيَّةٌ خَاصَّةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الْأَنْفَالِ: ١٢] ، وَقَوْلِهِ لِمُوسَى وَهَارُونَ: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلصِّدِّيقِ وَهُمَا فِي الْغَارِ: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التَّوْبَةِ: ٤٠] وَأَمَّا الْمَعِيَّةُ الْعَامَّةُ فَبِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعِلْمِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الْحَدِيدِ: ٤] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ٧] ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا [إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ] ﴾ [يُونُسَ: ٦١] . [[زيادة من ت، ف، أ، وفي هـ: "الآية".]] وَمَعْنَى: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أَيْ: تَرَكُوا الْمُحَرَّمَاتِ، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أَيْ: فَعَلُوا الطَّاعَاتِ، فَهَؤُلَاءِ اللَّهُ يَحْفَظُهُمْ وَيَكْلَؤُهُمْ، وَيَنْصُرُهُمْ وَيُؤَيِّدُهُمْ، وَيُظْفِرُهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ وَمُخَالِفِيهِمْ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حدثنا مِسْعر، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، وَالَّذِينَ اتَّقَوْا، وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ. [آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّحْلِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ أَجْمَعُهُ وَالْمِنَّةُ، وَبِهِ الْمُسْتَعَانُ وَهُوَ حَسَبُنَا وَنَعِمَ الوكيل] [[ما بين المعقوفين من "هـ".]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: واصبر يا محمد على ما أصابك من أذى في الله. ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ﴾ يقول: وما صبرك إن صبرت إلا بمعونة الله، وتوفيقه إياك لذلك ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: ولا تحزن على هؤلاء المشركين الذين يكذّبونك وينكرون ما جئتهم به في آن ولوا عنك وأعرضوا عما أتيتهم به من النصيحة ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ يقول: ولا يضق صدرك بما يقولون من الجهل، ونسبتهم ما جئتهم به إلى أنه سحر أو شعر أو كهانة، مما يمكرون: مما يحتالون بالخدع في الصّد عن سبيل الله، من أراد الإيمان بك، والتصديق بما أنزل الله إليك. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء العراق ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ بفتح الضَّاد في الضيق على المعنى الذي وصفت من تأويله. وقرأه بعض قرّاء أهل المدينة ﴿وَلا تَكُ فِي ضِيقٍ﴾ بكسر الضاد. وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا قراءة من قرأه في ضَيْقٍ، بفتح الضاد، لأن الله تعالى إنما نهى نبيه ﷺ أن يَضيق صدره مما يلقى من أذى المشركين على تبليغه إياهم وحي الله وتنزيله، فقال له ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ كَنز أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ ، وإذ كان ذلك هو الذي نهاه تعالى ذكره، ففتح الضاد هو الكلام المعروف من كلام العرب في ذلك المعنى، تقول العرب: في صدري من هذا الأمر ضيق، وإنما تكسر الضاد في الشيء المعاش، وضيق المسكن، ونحو ذلك؛ فإن وقع الضَّيق بفتح الضاد في موضع الضِّيق بالكسر. كان على الذي يتسع أحيانا، ويضيق من قلة أحد وجهين، إما على جمع الضيقة، كما قال أعشى بني ثعلبة: فَلَئِنْ رَبُّكَ مِنْ رَحْمَتِهِ ... كَشَف الضَّيْقَةَ عَنَّا وَفسَحْ [[البيت في ديوان أعشى بني ثعلبة ميمون بن قيس (طبع القاهرة ص ٢٣٧) من قصيدة يمدح بها إياس بن قبيصة الطائي، وهو الرابع في القصيدة. وفي (اللسان: ضيق) : الضيق: الشك يكون في القلب من قوله تعالى: (ولا تك في ضيق مما يمكرون) : وقال الفراء: الضيق ما ضاق عنه صدرك. والضيق (بالكسر) ما يكون في الذي يتسع ويضيق، مثل الدار والثوب. وإذا رأيت الضيق (بالفتح) قد وقع في موضع الضيق (بالكسر) كان على أحد أمرين: أحدهما أن يكون جمعا للضيقة كما قال الأعشى: فلئن ربك ... الخ البيت. والوجه الآخر: أن يراد به شيء ضيق، فيكون ضيق مخففا، وأصله التشديد، ومثله: هين ولين.]] والآخر على تخفيف الشيء الضَّيِّق، كما يخفف الهيِّن اللَّيِّن، فيقال: هو هَيْن لَيْن.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, endure patiemment leurs offenses et si tu parviens à être patient, ce n’est que parce qu’Allah te facilite la patience. Ne sois pas attristé par le refus que t’opposent les mécréants et que ton cœur ne se resserre pas par appréhension pour leurs ruses et leurs stratagèmes.

128

إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ

Certes, Allah est avec ceux qui [L'] ont craint avec piété et ceux qui sont bienfaisants.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَأْمُرُ تَعَالَى بِالْعَدْلِ فِي الِاقْتِصَاصِ وَالْمُمَاثَلَةِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إِنْ أَخَذَ مِنْكُمْ رَجُلٌ شَيْئًا، فَخُذُوا مِنْهُ مِثْلَهُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانُوا قَدْ أُمِرُوا بِالصَّفْحِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، فَأَسْلَمَ رِجَالٌ ذَوُو منعةٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَذِنَ اللَّهُ لَنَا لَانْتَصَرْنَا مِنْ هَؤُلَاءِ الْكِلَابِ! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالْجِهَادِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار قَالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ "النَّحْلِ" كُلُّهَا بِمَكَّةَ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ إِلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ أُحُدٍ، حَيْثُ قُتِلَ حَمْزَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَمُثِّلَ بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَئِنْ ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ لَنُمَثِّلَنَّ بِثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ" فَلَمَّا سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ قَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ بِأَحَدٍ قَطُّ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إِلَى آخَرِ السُّورَةِ [[رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ١٣٢) .]] . وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَفِيهِ [رَجُلٌ] [[زيادة من ف، أ.]] مُبْهَمٌ لَمْ يُسَمَّ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مِنْ وَجْهٍ [[في أ: "من غير وجه".]] آخَرَ مُتَّصِلٍ، فَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ الْمُرِّيُّ [[في ت: "حدثنا صالح حدثنا المرى".]] ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ عَلَى حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ اسْتُشْهِدَ، فَنَظَرَ إِلَى مَنْظَرٍ لَمْ يَنْظُرْ أَوْجَعَ لِلْقَلْبِ مِنْهُ. أَوْ قَالَ: لِقَلْبِهِ [مِنْهُ] [[زيادة من ت.]] فَنَظَرَ [[في ت: "ونظر".]] إِلَيْهِ وَقَدْ مُثِّل بِهِ فَقَالَ: "رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، إِنْ كُنْتَ -لَمَا علمتُ-لَوَصُولًا لِلرَّحِمِ، فَعُولًا لِلْخَيْرَاتِ، وَاللَّهِ لَوْلَا حُزْنُ مَنْ بَعْدَكَ عَلَيْكَ، لَسَرَّنِي أَنْ أَتْرُكَكَ حَتَّى يَحْشُرَكَ اللَّهُ مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا-أَمَا وَاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ كَمُثْلَتِكَ [[في ف، أ: "كمثلك".]] . فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ بِهَذِهِ السُّورَةِ [[في ت: "الآية".]] وَقَرَأَ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إِلَى آخَرِ الْآيَةِ، فَكَفَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -يَعْنِي: عَنْ يَمِينِهِ-وَأَمْسَكَ عَنْ ذَلِكَ [[مسند البزار برقم (١٧٩٥) "كشف الأستار".]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ فِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأَنَّ صَالِحًا -هُوَ ابْنُ بَشِيرٍ الْمُرِّيُّ-ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ جُرَيْج: نَزَلَتْ فِي قَوْلِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ فِيمَنْ مُثِّلَ بِهِمْ: لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ذَلِكَ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ: حَدَّثَنَا هدِيَّة [[في ت، ف، أ: "هدية".]] بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، قُتِلَ مِنَ الْأَنْصَارِ سِتُّونَ رَجُلًا وَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَئِنْ كَانَ لَنَا يَوْمٌ مِثْلُ هَذَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ. فَلَمَّا كان يوم الفتح قال رجل: لا تُعْرَفُ [[في ت، ف، أ: "يعرف".]] قُرَيْشٌ بَعْدَ الْيَوْمِ. فَنَادَى مُنَادٍ: إِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آمَنَ الْأَسْوَدَ وَالْأَبْيَضَ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا -نَاسًا سَمَّاهُمْ-فأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ [فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ] ﴾ [[زيادة من ت، ف، أ، وفي هـ: "الآية".]] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "نَصْبِرُ وَلَا نُعَاقِبُ" [[زوائد المسند (٥/١٣٥) .]] . وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ لَهَا أَمْثَالٌ فِي الْقُرْآنِ، فَإِنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْعَدْلِ وَالنَّدْبِ إِلَى الْفَضْلِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشُّورَى: ٤٠] . وَقَالَ ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٥] ، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأَمْرِ بِالصَّبْرِ، وَإِخْبَارٌ بِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُنَالُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَإِعَانَتِهِ، وَحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: عَلَى مَنْ خَالَفَكَ، لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ ذَلِكَ، ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ أَيْ: غَمٍّ ﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ أَيْ: مِمَّا يُجْهِدُونَ [أَنْفُسَهُمْ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] فِي عَدَاوَتِكَ وَإِيصَالِ الشَّرِّ إِلَيْكَ، فَإِنَّ اللَّهَ كَافِيكَ وَنَاصِرُكَ، وَمُؤَيِّدُكَ، وَمُظْهِرُكَ وَمُظْفِرُكَ بِهِمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أَيْ: مَعَهُمْ بِتَأْيِيدِهِ وَنَصْرِهِ وَمَعُونَتِهِ وَهَذِهِ مَعِيَّةٌ خَاصَّةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الْأَنْفَالِ: ١٢] ، وَقَوْلِهِ لِمُوسَى وَهَارُونَ: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلصِّدِّيقِ وَهُمَا فِي الْغَارِ: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التَّوْبَةِ: ٤٠] وَأَمَّا الْمَعِيَّةُ الْعَامَّةُ فَبِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعِلْمِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الْحَدِيدِ: ٤] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ٧] ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا [إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ] ﴾ [يُونُسَ: ٦١] . [[زيادة من ت، ف، أ، وفي هـ: "الآية".]] وَمَعْنَى: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أَيْ: تَرَكُوا الْمُحَرَّمَاتِ، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أَيْ: فَعَلُوا الطَّاعَاتِ، فَهَؤُلَاءِ اللَّهُ يَحْفَظُهُمْ وَيَكْلَؤُهُمْ، وَيَنْصُرُهُمْ وَيُؤَيِّدُهُمْ، وَيُظْفِرُهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ وَمُخَالِفِيهِمْ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حدثنا مِسْعر، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، وَالَّذِينَ اتَّقَوْا، وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ. [آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّحْلِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ أَجْمَعُهُ وَالْمِنَّةُ، وَبِهِ الْمُسْتَعَانُ وَهُوَ حَسَبُنَا وَنَعِمَ الوكيل] [[ما بين المعقوفين من "هـ".]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) ﴾ يقول تعالى ذكره ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ يا محمد ﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الله في محارمه فاجتنبوها، وخافوا عقابه عليها، فأحجموا عن التقدّم عليها ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ يقول: وهو مع الذين يحسنون رعاية فرائضه، والقيام بحقوقه، ولزوم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن سفيان، عن رجل، عن الحسن ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ قال: اتقوا الله فيما حرّم عليهم، وأحسنوا فيما افترض عليهم. ⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن رجل، عن الحسن، مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن هَرِم بن حَيان العَبْدِي لما حضره الموت، قيل له: أوص، قال: ما أدري ما أُوصي، ولكن بيعوا درعي، فاقضوا عني ديني، فإن لم تف، فبيعوا فرسي، فإن لم يف فبيعوا غلامي، وأوصيكم بخواتيم سورة النحل ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ ذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ لما نزلت هذه الآية قال بَلْ نَصْبرُ". آخر سورة النحل * * تفسير سورة الإسراء بسم الله الرحمن الرحيم

Al-Mukhtasar (français)

Allah est avec ceux qui Le craignent, lorsqu’ils délaissent les actes de désobéissance, accomplissent avec excellence les actes d’obéissance et se conforment à ce qu’Il leur a ordonnés. Il est avec eux par Son secours et Son soutien.

← Toutes les sourates