تَفْسِيرُ سُورَةِ السَّجْدَةِ [[في أ: "سورة الم السجدة".]] وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي "كِتَابِ الْجُمُعَةِ": حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُز الْأَعْرَجِ، [[في ت: "وروى البخاري بإسناده".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ [[في ت: "رسول الله".]] ﷺ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: ﴿الم * تَنزيلُ﴾ السَّجْدَةَ، وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ﴾ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، بِهِ. [[صحيح البخاري برقم (٨٩١) وصحيح مسلم برقم (٨٨٠) .]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ لَيْث، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ ﴿الم * تَنزيلُ﴾ السَّجْدَةَ وَ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. [[المسند (٣/٣٤٠) .]] * * قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿تَنزيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أَيْ: لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا مِرْيَةَ أَنَّهُ نَزَلَ، [[في ف، أ: "منزل".]] ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . ثُمَّ قَالَ مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ ، بَلْ يَقُولُونَ: ﴿افْتَرَاهُ﴾ أَيِ: اخْتَلَقَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أَيْ يتبعون الحق.
As-Sajda سُورَةُ السَّجۡدَةِ
Sourate 32 · 30 versets · Meccan
بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ الٓمٓ
Alif, Lâm, Mîm.
Tafsir (3)
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الم (١) تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) ﴾ قال أبو جعفر: قد مضى البيان عن تأويل قوله: ﴿الم﴾ بما فيه الكفاية. * * وقوله: ﴿تَنزيلُ الكتاب لا رَيْبَ فِيهِ﴾ يقول تعالى ذكره: تنزيل الكتاب الذي نزل على محمد ﷺ، لا شكّ فيه ﴿من ربّ العالمين﴾ : يقول: من ربّ الثقلين: الجنّ والإنس. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ﴿الم تَنزيلُ الكتابِ لا رَيْبَ فِيه﴾ لا شكّ فيه. وإنما معنى الكلام: أن هذا القرآن الذي أُنزل على محمد لا شكّ فيه أنه من عند الله، وليس بشعر ولا سجع كاهن، ولا هو مما تخرّصه محمد ﷺ، وإنما كذّب جلّ ثناؤه بذلك قول الذين: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ وقول الذين قالو: ﴿إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ . * * وقوله: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ يقول تعالى ذكره: يقول المشركون بالله: اختلق هذا الكتاب محمد من قبل نفسه، وتكذّبه، و ﴿أم﴾ هذه تقرير، وقد بيَّنا في غير موضع من كتابنا، أن العرب إذا اعترضت بالاستفهام في أضعاف كلام قد تقدّم بعضه أنه يستفهم بأم. وقد زعم بعضهم أن معنى ذلك: ويقولون. وقال: أم بمعنى الواو، بمعنى بل في مثل هذا الموضع، ثم أكذبهم تعالى ذكره فقال: ما هو كما تزعمون وتقولون من أن محمدا افتراه، بل هو الحقّ والصدق من عند ربك يا محمد، أنزله إليك؛ لتنذر قوما بأس الله وسطوته، أن يحلّ بهم على كفرهم به ﴿ما أتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ منْ قَبْلكَ﴾ يقول: لم يأت هؤلاء القوم الذين أرسلك ربك يا محمد إليهم، وهم قومه من قريش، نذير ينذرهم بأس الله على كفرهم قبلك. * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يقول: ليتبيَّنوا سبيل الحقّ فيعرفوه ويؤمنوا به. وبمثل الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قال: كانوا أمَّة أمِّيَّة، لم يأتهم نذير قبل محمد ﷺ.
`Alif, Lâm, Mîm: Il a déjà été question de telles lettres séparées au début de Sourate Al-Baqarah.
تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ
La Révélation du Livre, nul doute là-dessus, émane du Seigneur de l'univers.
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ السَّجْدَةِ [[في أ: "سورة الم السجدة".]] وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي "كِتَابِ الْجُمُعَةِ": حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُز الْأَعْرَجِ، [[في ت: "وروى البخاري بإسناده".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ [[في ت: "رسول الله".]] ﷺ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: ﴿الم * تَنزيلُ﴾ السَّجْدَةَ، وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ﴾ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، بِهِ. [[صحيح البخاري برقم (٨٩١) وصحيح مسلم برقم (٨٨٠) .]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ لَيْث، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ ﴿الم * تَنزيلُ﴾ السَّجْدَةَ وَ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. [[المسند (٣/٣٤٠) .]] * * قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿تَنزيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أَيْ: لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا مِرْيَةَ أَنَّهُ نَزَلَ، [[في ف، أ: "منزل".]] ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . ثُمَّ قَالَ مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ ، بَلْ يَقُولُونَ: ﴿افْتَرَاهُ﴾ أَيِ: اخْتَلَقَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أَيْ يتبعون الحق.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الم (١) تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) ﴾ قال أبو جعفر: قد مضى البيان عن تأويل قوله: ﴿الم﴾ بما فيه الكفاية. * * وقوله: ﴿تَنزيلُ الكتاب لا رَيْبَ فِيهِ﴾ يقول تعالى ذكره: تنزيل الكتاب الذي نزل على محمد ﷺ، لا شكّ فيه ﴿من ربّ العالمين﴾ : يقول: من ربّ الثقلين: الجنّ والإنس. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ﴿الم تَنزيلُ الكتابِ لا رَيْبَ فِيه﴾ لا شكّ فيه. وإنما معنى الكلام: أن هذا القرآن الذي أُنزل على محمد لا شكّ فيه أنه من عند الله، وليس بشعر ولا سجع كاهن، ولا هو مما تخرّصه محمد ﷺ، وإنما كذّب جلّ ثناؤه بذلك قول الذين: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ وقول الذين قالو: ﴿إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ . * * وقوله: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ يقول تعالى ذكره: يقول المشركون بالله: اختلق هذا الكتاب محمد من قبل نفسه، وتكذّبه، و ﴿أم﴾ هذه تقرير، وقد بيَّنا في غير موضع من كتابنا، أن العرب إذا اعترضت بالاستفهام في أضعاف كلام قد تقدّم بعضه أنه يستفهم بأم. وقد زعم بعضهم أن معنى ذلك: ويقولون. وقال: أم بمعنى الواو، بمعنى بل في مثل هذا الموضع، ثم أكذبهم تعالى ذكره فقال: ما هو كما تزعمون وتقولون من أن محمدا افتراه، بل هو الحقّ والصدق من عند ربك يا محمد، أنزله إليك؛ لتنذر قوما بأس الله وسطوته، أن يحلّ بهم على كفرهم به ﴿ما أتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ منْ قَبْلكَ﴾ يقول: لم يأت هؤلاء القوم الذين أرسلك ربك يا محمد إليهم، وهم قومه من قريش، نذير ينذرهم بأس الله على كفرهم قبلك. * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يقول: ليتبيَّنوا سبيل الحقّ فيعرفوه ويؤمنوا به. وبمثل الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قال: كانوا أمَّة أمِّيَّة، لم يأتهم نذير قبل محمد ﷺ.
Ceci est le Coran apporté par Muħammad et qui lui a été révélé sans aucun doute par le Seigneur de l’Univers.
أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۚ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًۭا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٍۢ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
Diront-ils qu'il (Muhammad) l'a inventé? Ceci est, au contraire, la vérité venant de ton Seigneur pour que tu avertisses un peuple à qui nul avertisseur avant toi n'est venu, afin qu'ils se guident.
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ السَّجْدَةِ [[في أ: "سورة الم السجدة".]] وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي "كِتَابِ الْجُمُعَةِ": حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُز الْأَعْرَجِ، [[في ت: "وروى البخاري بإسناده".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ [[في ت: "رسول الله".]] ﷺ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: ﴿الم * تَنزيلُ﴾ السَّجْدَةَ، وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ﴾ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، بِهِ. [[صحيح البخاري برقم (٨٩١) وصحيح مسلم برقم (٨٨٠) .]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ لَيْث، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ ﴿الم * تَنزيلُ﴾ السَّجْدَةَ وَ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. [[المسند (٣/٣٤٠) .]] * * قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿تَنزيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أَيْ: لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا مِرْيَةَ أَنَّهُ نَزَلَ، [[في ف، أ: "منزل".]] ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . ثُمَّ قَالَ مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ ، بَلْ يَقُولُونَ: ﴿افْتَرَاهُ﴾ أَيِ: اخْتَلَقَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أَيْ يتبعون الحق.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الم (١) تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) ﴾ قال أبو جعفر: قد مضى البيان عن تأويل قوله: ﴿الم﴾ بما فيه الكفاية. * * وقوله: ﴿تَنزيلُ الكتاب لا رَيْبَ فِيهِ﴾ يقول تعالى ذكره: تنزيل الكتاب الذي نزل على محمد ﷺ، لا شكّ فيه ﴿من ربّ العالمين﴾ : يقول: من ربّ الثقلين: الجنّ والإنس. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ﴿الم تَنزيلُ الكتابِ لا رَيْبَ فِيه﴾ لا شكّ فيه. وإنما معنى الكلام: أن هذا القرآن الذي أُنزل على محمد لا شكّ فيه أنه من عند الله، وليس بشعر ولا سجع كاهن، ولا هو مما تخرّصه محمد ﷺ، وإنما كذّب جلّ ثناؤه بذلك قول الذين: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ وقول الذين قالو: ﴿إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ . * * وقوله: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ يقول تعالى ذكره: يقول المشركون بالله: اختلق هذا الكتاب محمد من قبل نفسه، وتكذّبه، و ﴿أم﴾ هذه تقرير، وقد بيَّنا في غير موضع من كتابنا، أن العرب إذا اعترضت بالاستفهام في أضعاف كلام قد تقدّم بعضه أنه يستفهم بأم. وقد زعم بعضهم أن معنى ذلك: ويقولون. وقال: أم بمعنى الواو، بمعنى بل في مثل هذا الموضع، ثم أكذبهم تعالى ذكره فقال: ما هو كما تزعمون وتقولون من أن محمدا افتراه، بل هو الحقّ والصدق من عند ربك يا محمد، أنزله إليك؛ لتنذر قوما بأس الله وسطوته، أن يحلّ بهم على كفرهم به ﴿ما أتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ منْ قَبْلكَ﴾ يقول: لم يأت هؤلاء القوم الذين أرسلك ربك يا محمد إليهم، وهم قومه من قريش، نذير ينذرهم بأس الله على كفرهم قبلك. * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يقول: ليتبيَّنوا سبيل الحقّ فيعرفوه ويؤمنوا به. وبمثل الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قال: كانوا أمَّة أمِّيَّة، لم يأتهم نذير قبل محمد ﷺ.
Ces mécréants disent que Muħammad attribue mensongèrement la révélation du Coran à son Seigneur. Ceci est faux. Le Coran est la vérité indubitable qui t’a été révélée par ton Seigneur, ô Messager, afin de menacer des gens que nul messager avant toi n’a menacé du châtiment d’Allah. Peut-être seront-ils guidés vers la vérité, la suivront-ils et œuvreront-ils selon ce qu’elle implique.
ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ
Allah qui a créé en six jours les cieux et la terre, et ce qui est entre eux. Ensuite Il S'est établi «Istawâ» sur le Trône. Vous n'avez, en dehors de Lui, ni allié ni intercesseur. Ne vous rappelez-vous donc pas?
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ الْخَالِقُ لِلْأَشْيَاءِ، فخلق السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ أَيْ: بَلْ هُوَ الْمَالِكُ لِأَزِمَّةِ الْأُمُورِ، الْخَالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ، الْمُدَبِّرُ لِكُلِّ شَيْءٍ، الْقَادِرُ [[في ت، ف، أ: "القاهر".]] عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَلَا وَلِيَّ لِخَلْقِهِ سِوَاهُ، وَلَا شَفِيعَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ. ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ يَعْنِي: أَيُّهَا الْعَابِدُونَ غَيْرَهُ، الْمُتَوَكِّلُونَ عَلَى مَنْ عَدَاهُ -تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَظِيرٌ أَوْ شَرِيكٌ أَوْ نَدِيدٌ، أَوْ وَزِيرٌ أَوْ عَدِيلٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ. وَقَدْ أَوْرَدَ النَّسَائِيُّ هَاهُنَا حَدِيثًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ، حَدَّثَنَا الْأَخْضَرُ بْنُ عَجْلان، عَنْ أَبِي جُريْج الْمَكِّيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، [[في ت: "وروى مسلم والنسائي حديثا".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ فِي الْيَوْمِ [[في ت: "على العرش يوم".]] السَّابِعِ، فَخَلَقَ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَالْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَالشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَالْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَالنُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَالدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَآدَمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَخَلَقَهُ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ، بِأَحْمَرِهَا وَأَسْوَدِهَا، وَطِيبِّهَا وَخَبِيثِهَا، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ مَنْ بَنِي آدَمَ الطَّيِّبَ وَالْخَبِيثَ". [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٩٢) .]] هَكَذَا أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ إِسْنَادًا وَمَتْنًا، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالنِّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ، عَنِ ابْنِ جُرَيج، عَنْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ. [[صحيح مسلم برقم (٢٧٨٩) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠١٠) .]] وَقَدْ علَّله الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ "التَّارِيخِ الْكَبِيرِ" فَقَالَ: "وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَهُوَ أَصَحُّ"، [[التاريخ الكبير للبخاري (١/٤١٣، ٤١٤) وممن أعله من الحفاظ ابن المديني كما نقل ذلك البيهقي في الأسماء والصفات ص (٢٧٥) وقد رد ذلك الشيخ ناصر الألباني في صحيحته برقم (١٨٣٣) والحديث يحتاج إلى بحث، والله اعلم.]] وَكَذَا علَّله غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ أَيْ: يَتَنَزَّلُ [[في ت، ف: "ينزل".]] أَمْرُهُ مِنْ أَعْلَى السموات إِلَى أَقْصَى تُخُومِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنزلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطَّلَاقِ: ١٢] . وَتُرْفَعُ الْأَعْمَالُ إِلَى دِيوَانِهَا فَوْقَ سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَمَسَافَةُ مَا بَيَّنَهَا وَبَيْنَ الْأَرْضِ [مَسِيرَةُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَسُمْكُ السَّمَاءِ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ: النُّزُولُ مِنَ الْمَلَكِ فِي مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَصُعُودُهُ فِي مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَلَكِنَّهُ يَقْطَعُهَا فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ . ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أَيِ: الْمُدَبِّرُ لِهَذِهِ الْأُمُورِ الَّذِي هُوَ شَهِيدٌ عَلَى أَعْمَالِ عِبَادِهِ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ جَلِيلُهَا وَحَقِيرُهَا، وَصَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا -هُوَ ﴿الْعَزِيزُ﴾ الَّذِي قَدْ عَزَّ كلَّ شَيْءٍ فَقَهَرَهُ وَغَلَبَهُ، وَدَانَتْ لَهُ الْعِبَادُ وَالرِّقَابُ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. فَهُوَ عَزِيزٌ فِي رَحْمَتِهِ، رَحِيمٌ فِي عِزَّتِهِ [وَهَذَا هُوَ الْكَمَالُ: الْعِزَّةُ مَعَ الرَّحْمَةِ، وَالرَّحْمَةُ مَعَ الْعِزَّةِ، فَهُوَ رَحِيمٌ بِلَا ذُلٍّ] . [[زيادة من ت، ف.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له أيها الناس ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من خلق ﴿فِي سِتَّةِ أيَّام﴾ ثم استوى على عرشه في اليوم السابع بعد خلقه السموات والأرض وما بينهما. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في اليوم السابع. يقول: ما لكم أيها الناس إله إلا من فعل هذا الفعل، وخلقَ هذا الخَلْق العجيب في ستة أيام. * * وقوله: ﴿ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ يقول: ما لكم أيها الناس دونه وليّ يلي أمركم وينصركم منه إن أراد بكم ضرّا، ولا شفيع يشفع لكم عنده إن هو عاقبكم على معصيتكم إياه، يقول: فإياه فاتخذوا وليا، وبه وبطاعته فاستعينوا على أموركم؛ فإنه يمنعكم إذا أراد منعكم ممن أرادكم بسوء، ولا يقدر أحد على دفعه عما أراد بكم هو؛ لأنه لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: أفلا تعتبرون وتتفكَّرون أيها الناس، فتعلموا أنه ليس لكم دونه وليّ ولا شفيع، فتفردوا له الألوهة، وتخلصوا له العبادة، وتخلعوا ما دونه من الأنداد والآلهة.
Allah est Celui qui a créé les Cieux, la Terre et ce qui se trouve entre les deux en six jours, sachant qu’Il est capable de les créer en une durée plus courte que celle d’un clignement d’œil. Puis Il s’éleva et s'établit sur le Trône d’une manière qui sied à Sa Majesté. Ô gens, vous n’avez aucun autre allié qui se charge de vous soutenir ni d’intercesseur qui intercèdera en votre faveur auprès d’Allah. Ne réfléchissez-vous pas et ne finirez-vous pas par adorer Allah, Celui qui vous a créés, et par renoncer à adorer autre que Lui ?
يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍۢ كَانَ مِقْدَارُهُۥٓ أَلْفَ سَنَةٍۢ مِّمَّا تَعُدُّونَ
Du ciel à la terre, Il administre l'affaire, laquelle ensuite monte vers Lui en un jour équivalent à mille ans de votre calcul.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ الْخَالِقُ لِلْأَشْيَاءِ، فخلق السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ أَيْ: بَلْ هُوَ الْمَالِكُ لِأَزِمَّةِ الْأُمُورِ، الْخَالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ، الْمُدَبِّرُ لِكُلِّ شَيْءٍ، الْقَادِرُ [[في ت، ف، أ: "القاهر".]] عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَلَا وَلِيَّ لِخَلْقِهِ سِوَاهُ، وَلَا شَفِيعَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ. ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ يَعْنِي: أَيُّهَا الْعَابِدُونَ غَيْرَهُ، الْمُتَوَكِّلُونَ عَلَى مَنْ عَدَاهُ -تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَظِيرٌ أَوْ شَرِيكٌ أَوْ نَدِيدٌ، أَوْ وَزِيرٌ أَوْ عَدِيلٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ. وَقَدْ أَوْرَدَ النَّسَائِيُّ هَاهُنَا حَدِيثًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ، حَدَّثَنَا الْأَخْضَرُ بْنُ عَجْلان، عَنْ أَبِي جُريْج الْمَكِّيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، [[في ت: "وروى مسلم والنسائي حديثا".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ فِي الْيَوْمِ [[في ت: "على العرش يوم".]] السَّابِعِ، فَخَلَقَ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَالْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَالشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَالْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَالنُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَالدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَآدَمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَخَلَقَهُ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ، بِأَحْمَرِهَا وَأَسْوَدِهَا، وَطِيبِّهَا وَخَبِيثِهَا، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ مَنْ بَنِي آدَمَ الطَّيِّبَ وَالْخَبِيثَ". [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٩٢) .]] هَكَذَا أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ إِسْنَادًا وَمَتْنًا، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالنِّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ، عَنِ ابْنِ جُرَيج، عَنْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ. [[صحيح مسلم برقم (٢٧٨٩) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠١٠) .]] وَقَدْ علَّله الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ "التَّارِيخِ الْكَبِيرِ" فَقَالَ: "وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَهُوَ أَصَحُّ"، [[التاريخ الكبير للبخاري (١/٤١٣، ٤١٤) وممن أعله من الحفاظ ابن المديني كما نقل ذلك البيهقي في الأسماء والصفات ص (٢٧٥) وقد رد ذلك الشيخ ناصر الألباني في صحيحته برقم (١٨٣٣) والحديث يحتاج إلى بحث، والله اعلم.]] وَكَذَا علَّله غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ أَيْ: يَتَنَزَّلُ [[في ت، ف: "ينزل".]] أَمْرُهُ مِنْ أَعْلَى السموات إِلَى أَقْصَى تُخُومِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنزلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطَّلَاقِ: ١٢] . وَتُرْفَعُ الْأَعْمَالُ إِلَى دِيوَانِهَا فَوْقَ سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَمَسَافَةُ مَا بَيَّنَهَا وَبَيْنَ الْأَرْضِ [مَسِيرَةُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَسُمْكُ السَّمَاءِ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ: النُّزُولُ مِنَ الْمَلَكِ فِي مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَصُعُودُهُ فِي مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَلَكِنَّهُ يَقْطَعُهَا فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ . ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أَيِ: الْمُدَبِّرُ لِهَذِهِ الْأُمُورِ الَّذِي هُوَ شَهِيدٌ عَلَى أَعْمَالِ عِبَادِهِ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ جَلِيلُهَا وَحَقِيرُهَا، وَصَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا -هُوَ ﴿الْعَزِيزُ﴾ الَّذِي قَدْ عَزَّ كلَّ شَيْءٍ فَقَهَرَهُ وَغَلَبَهُ، وَدَانَتْ لَهُ الْعِبَادُ وَالرِّقَابُ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. فَهُوَ عَزِيزٌ فِي رَحْمَتِهِ، رَحِيمٌ فِي عِزَّتِهِ [وَهَذَا هُوَ الْكَمَالُ: الْعِزَّةُ مَعَ الرَّحْمَةِ، وَالرَّحْمَةُ مَعَ الْعِزَّةِ، فَهُوَ رَحِيمٌ بِلَا ذُلٍّ] . [[زيادة من ت، ف.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: الله هو الذي يدبر الأمر من أمر خلقه من السماء إلى الأرض، ثم يعرُج إليه. واختلف أهل التأويل في المعني بقوله: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ فقال بعضهم: معناه: أن الأمر ينزل من السماء إلى الأرض، ويصعد من الأرض إلى السماء في يوم واحد، وقدر ذلك ألف سنة مما تعدّون من أيام الدنيا؛ لأن ما بين الأرض إلى السماء خمسمائة عام، وما بين السماء إلى الأرض مثل ذلك، فذلك ألف سنة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو بن معروف، عن ليث، عن مجاهد ﴿فِي يَوْمٍ كان مِقْدَارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ يعني بذلك نزول الأمر من السماء إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد وذلك مقداره ألف سنة؛ لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ﴾ من أيامكم ﴿كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ يقول: مقدار مسيره في ذلك اليوم ألف سنة مما تعدّون من أيامكم من أيام الدنيا خمسمائة سنة نزوله، وخمسمائة صعوده فذلك ألف سنة. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال: تعرج الملائكة إلى السماء، ثم تنزل في يوم من أيامكم هذه، وهو مسيرة ألف سنة. ⁕ قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن سماك، عن عكرِمة ﴿ألْفَ سَنَةٍ ممَّا تَعُدُّونَ﴾ قال: من أيام الدنيا. ⁕ حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي الحارث، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ﴾ من أيامكم هذه، مسيرة ما بين السماء إلى الأرض خمسمائة عام. وذكر عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة قال: تنحدر الأمور وتصعد من السماء إلى الأرض في يوم واحد، مقداره ألف سنة، خمسمائة حتى ينزل، وخمسمائة حتى يعرُج. وقال آخرون: بل معنى ذلك: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه في يوم من الأيام الستة التي خلق الله فيهنّ الخلق، كان مقدار ذلك اليوم ألف سنة مما تعدّون من أيامكم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿ألْفَ سَنَةٍ ممَّا تَعُدُّونَ﴾ قال: ذلك مقدار المسير قوله: ﴿كألف سنة مما تعدّون﴾ قال: خلق السموات والأرض في ستة أيام، وكلّ يوم من هذه كألف سنة مما تعدّون انتم. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال: الستة الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ يعني: هذا اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيهنّ السموات والأرض وما بينهما. وقال آخرون: بل معنى ذلك: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض بالملائكة، تم تعرج إليه الملائكة، في يَوْمٍ كان مقداره ألف سنة من أيام الدنيا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: هذا في الدنيا تعرج الملائكة إليه في يوم كان مقداره ألف سنة. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن شعبة، عن سماك، عن عكرمة ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قال: ما بين السماء والأرض مسيرة ألف سنة مما تعدّون من أيام الآخرة [[الذي في الدر المنثور: من أيام الدنيا؛ وهو واضح. اهـ.]] . ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة أنه قال في هذه الآية: ﴿يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال: ما بين السماء والأرض مسيرة ألف سنة. وقال آخرون: بل معنى ذلك: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض في يوم كان مقدار ذلك التدبير ألف سنة مما تعدّون من أيام الدنيا، ثم يعرج إليه ذلك التدبير الذي دبره. ذكر من قال ذلك: ذُكر عن حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، أنه قال: يقضي أمر كل شيء ألف سنة إلى الملائكة ثم كذلك حتى تمضي ألف سنة، ثم يقضي أمر كل شيء ألفا، ثم كذلك أبدا، قال: ﴿يوم كان مقداره﴾ قال: اليوم أن يقال لما يقضي إلى الملائكة ألف سنة: كن فيكون، ولكن سماه يومًا، سَمَّاهُ كما بيَّنا كل ذلك عن مجاهد، قال: وقوله: ﴿وإنَّ يَوْما عِنْدَ رَبِّكَ كألْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال: هو هو سواء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إلى الله في يوم كان مقداره ألف سنة، مقدار العروج ألف سنة مما تعدّون. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال بعض أهل العلم: مقدار ما بين الأرض حين يعرج إليه إلى أن يبلغ عروجه ألف سنة، هذا مقدار ذلك المعراج في ذلك اليوم حين يعرج فيه. وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معناه: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقدار ذلك اليوم في عروج ذلك الأمر إليه، ونزوله إلى الأرض ألف سنة مما تعدون من أيامكم، خمسمائة في النزول، وخمسمائة في الصعود؛ لأن ذلك أظهر معانيه، وأشبهها بظاهر التنزيل.
Allah gère le sort de toutes les créatures dans les Cieux et sur la Terre puis, ô gens, tout ce qui a trait à eux remonte vers Lui en un jour dont la durée équivaut à mille des années du bas monde.
ذَٰلِكَ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
C'est Lui le Connaisseur [des mondes] inconnus et visibles, le Puissant, le Miséricordieux,
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ الْخَالِقُ لِلْأَشْيَاءِ، فخلق السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ أَيْ: بَلْ هُوَ الْمَالِكُ لِأَزِمَّةِ الْأُمُورِ، الْخَالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ، الْمُدَبِّرُ لِكُلِّ شَيْءٍ، الْقَادِرُ [[في ت، ف، أ: "القاهر".]] عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَلَا وَلِيَّ لِخَلْقِهِ سِوَاهُ، وَلَا شَفِيعَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ. ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ يَعْنِي: أَيُّهَا الْعَابِدُونَ غَيْرَهُ، الْمُتَوَكِّلُونَ عَلَى مَنْ عَدَاهُ -تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَظِيرٌ أَوْ شَرِيكٌ أَوْ نَدِيدٌ، أَوْ وَزِيرٌ أَوْ عَدِيلٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ. وَقَدْ أَوْرَدَ النَّسَائِيُّ هَاهُنَا حَدِيثًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ، حَدَّثَنَا الْأَخْضَرُ بْنُ عَجْلان، عَنْ أَبِي جُريْج الْمَكِّيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، [[في ت: "وروى مسلم والنسائي حديثا".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ فِي الْيَوْمِ [[في ت: "على العرش يوم".]] السَّابِعِ، فَخَلَقَ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَالْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَالشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَالْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَالنُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَالدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَآدَمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَخَلَقَهُ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ، بِأَحْمَرِهَا وَأَسْوَدِهَا، وَطِيبِّهَا وَخَبِيثِهَا، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ مَنْ بَنِي آدَمَ الطَّيِّبَ وَالْخَبِيثَ". [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٩٢) .]] هَكَذَا أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ إِسْنَادًا وَمَتْنًا، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالنِّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ، عَنِ ابْنِ جُرَيج، عَنْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ. [[صحيح مسلم برقم (٢٧٨٩) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠١٠) .]] وَقَدْ علَّله الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ "التَّارِيخِ الْكَبِيرِ" فَقَالَ: "وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَهُوَ أَصَحُّ"، [[التاريخ الكبير للبخاري (١/٤١٣، ٤١٤) وممن أعله من الحفاظ ابن المديني كما نقل ذلك البيهقي في الأسماء والصفات ص (٢٧٥) وقد رد ذلك الشيخ ناصر الألباني في صحيحته برقم (١٨٣٣) والحديث يحتاج إلى بحث، والله اعلم.]] وَكَذَا علَّله غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ أَيْ: يَتَنَزَّلُ [[في ت، ف: "ينزل".]] أَمْرُهُ مِنْ أَعْلَى السموات إِلَى أَقْصَى تُخُومِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنزلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطَّلَاقِ: ١٢] . وَتُرْفَعُ الْأَعْمَالُ إِلَى دِيوَانِهَا فَوْقَ سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَمَسَافَةُ مَا بَيَّنَهَا وَبَيْنَ الْأَرْضِ [مَسِيرَةُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَسُمْكُ السَّمَاءِ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ: النُّزُولُ مِنَ الْمَلَكِ فِي مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَصُعُودُهُ فِي مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَلَكِنَّهُ يَقْطَعُهَا فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ . ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أَيِ: الْمُدَبِّرُ لِهَذِهِ الْأُمُورِ الَّذِي هُوَ شَهِيدٌ عَلَى أَعْمَالِ عِبَادِهِ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ جَلِيلُهَا وَحَقِيرُهَا، وَصَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا -هُوَ ﴿الْعَزِيزُ﴾ الَّذِي قَدْ عَزَّ كلَّ شَيْءٍ فَقَهَرَهُ وَغَلَبَهُ، وَدَانَتْ لَهُ الْعِبَادُ وَالرِّقَابُ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. فَهُوَ عَزِيزٌ فِي رَحْمَتِهِ، رَحِيمٌ فِي عِزَّتِهِ [وَهَذَا هُوَ الْكَمَالُ: الْعِزَّةُ مَعَ الرَّحْمَةِ، وَالرَّحْمَةُ مَعَ الْعِزَّةِ، فَهُوَ رَحِيمٌ بِلَا ذُلٍّ] . [[زيادة من ت، ف.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: هذا الذي يفعل ما وصفت لكم في هذه الآيات، هو ﴿عالم الغيب﴾ ، يعني عالم ما يغيب عن أبصاركم أيها الناس، فلا تبصرونه مما تكنه الصدور وتخفيه النفوس، وما لم يكن بعد مما هو كائن، ﴿والشهادة﴾ يعني: ما شاهدته الأبصار فأبصرته وعاينته وما هو موجود ﴿العَزِيزُ﴾ يقول: الشديد في انتقامه ممن كفر به، وأشرك معه غيره، وكذّب رسله ﴿الرَّحِيمُ﴾ بمن تاب من ضلالته، ورجع إلى الإيمان به وبرسوله، والعمل بطاعته، أن يعذّبه بعد التوبة. * * وقوله: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلّ شَيْء خَلَقَهُ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قراء مكة والمدينة والبصرة ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ بسكون اللام. وقرأه بعض المدنيين وعامة الكوفيين ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ بفتح اللام. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء صحيحتا المعنى، وذلك أن الله أحكم خلقه، وأحكم كل شيء خلَقه، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: أتقن كلّ شيء وأحكمه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني العباس بن أبي طالب، قال: ثنا الحسين بن إبراهيم إشكاب [[في التاج (شكب) : إشكاب؛ لقب الحسين بن إبراهيم بن الحسن بن زعلان العامري، شيخ أبي بكر بن أبي الدنيا.]] قال: ثنا شريك، عن خَصيف عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قال: أما إن است القرد ليست بحسنة، ولكن أحكم خلقها. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو النضر، قال: ثنا أبو سعيد المؤدّب، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقرؤها: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قال: أما إن است القرد ليست بحسنة ولكنه أحكمها. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قال: أتقن كلّ شيء خلقه. ⁕ حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبد الله بن موسى، قال: ثنا إسرائيل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أَحْسَن كُلَّ شَيْءٍ﴾ : أحصى كلّ شيء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: الذي حسن خلق كل شيء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ حسن على نحو ما خلق. وذُكر عن الحجاج، عن ابن جُرَيج، عن الأعرج، عن مجاهد قال: هو مثل ﴿أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثم هَدَى﴾ قال: فلم يجعل خلق البهائم في خلق الناس، ولا خلق الناس في خلق البهائم ولكن خلق كلّ شيء فقدّره تقديرا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أعلم كل شيء خلقه، كأنهم وجهوا تأويل الكلام إلى أنه ألهم خلقه ما يحتاجون إليه، وأن قوله: ﴿أحْسَنَ﴾ إنما هو من قول القائل: فلان يحسن كذا، إذا كان يعلمه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن خصيف، عن مجاهد ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قال: أعطى كلّ شيء خلقه، قال: الإنسان إلى الإنسان، والفرس للفرس، والحمار للحمار وعلى هذا القول الخَلْق والكلّ منصوبان بوقوع أحسن عليهما. وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب على قراءة من قرأه: ﴿الَّذِين أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ بفتح اللام قول من قال: معناه أحكم وأتقن؛ لأنه لا معنى لذلك إذ قرئ كذلك إلا أحد وجهين: إما هذا الذي قلنا من معنى الإحكام والإتقان، أو معنى التحسين الذي هو في معنى الجمال والحُسن، فلما كان في خلقه ما لا يشكّ في قُبحه وسماجته، علم أنه لم يُعن به أنه أحسن كلّ ما خلق، ولكن معناه أنه أحكمه وأتقن صنعته، وأما على القراءة الأخرى التي هي بتسكين اللام، فإن أولى تأويلاته به قول من قال: معنى ذلك: أعلم وألهم كلّ شيء خلقه، هو أحسنهم، كما قال: (الَّذِي أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) ؛ لأن ذلك أظهر معانيه. وأما الذي وجه تأويل ذلك إلى أنه بمعنى: الذي أحسن خلق كلّ شيء، فإنه جعل الخلق نصبا بمعنى التفسير، كأنه قال: الذي أحسن كلّ شيء خلقا منه. وقد كان بعضهم يقول: هو من المقدّم الذي معناه التأخير، ويوجهه إلى أنه نظير قول الشاعر: وَظَعْنِي إلَيْكَ للَّيْل حِضْيَنْةِ أنَّنِي ... لِتِلْكَ إذَا هابَ الهِدَانُ فَعُولُ [[البيت في (مجاز القرآن لأبي عبيدة الورقة ١٩٢ - أ) قال عند تفسير قوله تعالى: (الذي أحسن كل شيء خلقه) : مجازه: أحسن خلق كل شيء والعرب تفعل هذا، يقدمون ويؤخرون. قال: "وظعني إليك ... " البيت معناه: وظعني حين حضنني الليل إليك. وفي (اللسان: حضن) : وحضنا المفازة شقاها، والفلاة: ناحيتاها، وحضنا الليل: جانباه، وحضن الجبل ما يطيق به وحضنا الشيء: جانباه. والهدان بوزن كتاب: الأحمق الجافي الوخم الثقيل في الحرب. وفي حديث عثمان: جبانًا هدانا.]] يعني: وظعني حضني الليل إليك؛ ونظير قول الآخر: كأنَّ هِنْدًا ثناياها وَبهْجَتَهَا ... يَوْمَ الْتَقَيْنا عَلى أدْحالِ دَبَّاب [[البيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة، (الورقة ١٩٢ - أ) عند تفسير قوله تعالى: (أحسن كل شيء خلقه) . بعد الشاهد السابق: "وظعني إليك ... " البيت. ثم قال: كأن ثنايا هند وبهجتها. وهو أيضا في "اللسان: دبب": قال: قال الأزهري: وبالخلصاء رمل يقال له: الدباب، وبحذائه دُحْلان كثيرة (بضم الدال) ومنه قول الشاعر: كَأَنَّ هِنْدًا ثَنَايَاهَا وَبَهْجَتَهَا ... لَمَّا الْتَقَيْنَا لَدَى أدْحَالِ دَبَّاب مَوْلِيَّةٌ أُنُفٌ جَادَ الرَّبِيعُ بِهَا ... عَلَى أبَارِقَ قدْ هَمَّتْ بِأَعْشَابِ والأدحال والدحلان: جمعا دحل، بالفتح، وهو ثقب ضيق فمه، ثم يتسع أسفله، حتى يمشي فيه.]] أي: كأن ثنايا هند وبهجتها. * * وقوله: ﴿وَبَدأ خَلْقَ الإنْسانِ مِنْ طِين﴾ يقول تعالى ذكره: وبدأ خلق آدم من طين ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ يعني: ذريته ﴿من سلالة﴾ ، يقول: من الماء الذي انسل فخرج منه. وإنما يعني من إراقة من مائه، كما قال الشاعر: فجاءتْ بِه عَضْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا ... سُلالَةَ فَرْجٍ كانَ غيرَ حَصِينِ [[البيت: (مجاز القرآن لأبي عبيدة الورقة ١٦٢ - ب) عند قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) في سورة المؤمنين. (الجزء ١٨: ٨) فراجعه ثمة.]] * * وقوله: ﴿مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ يقول: من نطفة ضعيفة رقيقة. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ﴿وَبَدأَ خَلْقَ الإنْسانِ مِنْ طينٍ﴾ وهو خلق آدم، ثم جعل نسله: أي ذرّيته من سلالة من ماء مهين، والسلالة هي: الماء المهين الضعيف. ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن أبي يحيى الأعرج، عن ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ قال: صفو الماء. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ قال: ضعيف نطفة الرجل، ومهين: فعيل من قول القائل: مهن فلان، وذلك إذا زلّ وضعف.
Celui qui gère tout cela connaît ce qui est invisible aussi bien que ce qui est visible et rien ne Lui échappe de tout cela. Il est le Puissant à qui personne ne tient tête et Celui qui se venge de Ses ennemis. Il est aussi miséricordieux envers Ses serviteurs croyants.
ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلْإِنسَٰنِ مِن طِينٍۢ
qui a bien fait tout ce qu'Il a créé. Et Il a commencé la création de l'homme à partir de l'argile,
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ الَّذِي أَحْسَنَ خَلْقَ الْأَشْيَاءِ وَأَتْقَنَهَا وَأَحْكَمَهَا. وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قَالَ: أَحْسَنَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ. كَأَنَّهُ جَعَلَهُ مِنَ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ. ثُمَّ لما ذكر خلق السموات وَالْأَرْضِ، شَرَعَ فِي ذِكْرِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ فَقَالَ: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ يَعْنِي: خَلَقَ أَبَا الْبَشَرِ آدَمَ مِنْ طِينٍ. ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ أَيْ: يَتَنَاسَلُونَ كَذَلِكَ مِنْ نُطْفَةٍ تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وَتَرَائِبِ الْمَرْأَةِ. ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ يَعْنِي: آدَمَ، لَمَّا خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ خَلَقَهُ سَوِيًّا مُسْتَقِيمًا، ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ﴾ ، يَعْنِي: الْعُقُولَ، ﴿قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: بِهَذِهِ الْقُوَى الَّتِي رَزَقَكُمُوهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. [[في ف، أ: "تعالى".]] فَالسَّعِيدُ مَنْ اسْتَعْمَلَهَا فِي طَاعَةِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: هذا الذي يفعل ما وصفت لكم في هذه الآيات، هو ﴿عالم الغيب﴾ ، يعني عالم ما يغيب عن أبصاركم أيها الناس، فلا تبصرونه مما تكنه الصدور وتخفيه النفوس، وما لم يكن بعد مما هو كائن، ﴿والشهادة﴾ يعني: ما شاهدته الأبصار فأبصرته وعاينته وما هو موجود ﴿العَزِيزُ﴾ يقول: الشديد في انتقامه ممن كفر به، وأشرك معه غيره، وكذّب رسله ﴿الرَّحِيمُ﴾ بمن تاب من ضلالته، ورجع إلى الإيمان به وبرسوله، والعمل بطاعته، أن يعذّبه بعد التوبة. * * وقوله: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلّ شَيْء خَلَقَهُ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قراء مكة والمدينة والبصرة ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ بسكون اللام. وقرأه بعض المدنيين وعامة الكوفيين ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ بفتح اللام. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء صحيحتا المعنى، وذلك أن الله أحكم خلقه، وأحكم كل شيء خلَقه، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: أتقن كلّ شيء وأحكمه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني العباس بن أبي طالب، قال: ثنا الحسين بن إبراهيم إشكاب [[في التاج (شكب) : إشكاب؛ لقب الحسين بن إبراهيم بن الحسن بن زعلان العامري، شيخ أبي بكر بن أبي الدنيا.]] قال: ثنا شريك، عن خَصيف عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قال: أما إن است القرد ليست بحسنة، ولكن أحكم خلقها. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو النضر، قال: ثنا أبو سعيد المؤدّب، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقرؤها: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قال: أما إن است القرد ليست بحسنة ولكنه أحكمها. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قال: أتقن كلّ شيء خلقه. ⁕ حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبد الله بن موسى، قال: ثنا إسرائيل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أَحْسَن كُلَّ شَيْءٍ﴾ : أحصى كلّ شيء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: الذي حسن خلق كل شيء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ حسن على نحو ما خلق. وذُكر عن الحجاج، عن ابن جُرَيج، عن الأعرج، عن مجاهد قال: هو مثل ﴿أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثم هَدَى﴾ قال: فلم يجعل خلق البهائم في خلق الناس، ولا خلق الناس في خلق البهائم ولكن خلق كلّ شيء فقدّره تقديرا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أعلم كل شيء خلقه، كأنهم وجهوا تأويل الكلام إلى أنه ألهم خلقه ما يحتاجون إليه، وأن قوله: ﴿أحْسَنَ﴾ إنما هو من قول القائل: فلان يحسن كذا، إذا كان يعلمه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن خصيف، عن مجاهد ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قال: أعطى كلّ شيء خلقه، قال: الإنسان إلى الإنسان، والفرس للفرس، والحمار للحمار وعلى هذا القول الخَلْق والكلّ منصوبان بوقوع أحسن عليهما. وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب على قراءة من قرأه: ﴿الَّذِين أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ بفتح اللام قول من قال: معناه أحكم وأتقن؛ لأنه لا معنى لذلك إذ قرئ كذلك إلا أحد وجهين: إما هذا الذي قلنا من معنى الإحكام والإتقان، أو معنى التحسين الذي هو في معنى الجمال والحُسن، فلما كان في خلقه ما لا يشكّ في قُبحه وسماجته، علم أنه لم يُعن به أنه أحسن كلّ ما خلق، ولكن معناه أنه أحكمه وأتقن صنعته، وأما على القراءة الأخرى التي هي بتسكين اللام، فإن أولى تأويلاته به قول من قال: معنى ذلك: أعلم وألهم كلّ شيء خلقه، هو أحسنهم، كما قال: (الَّذِي أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) ؛ لأن ذلك أظهر معانيه. وأما الذي وجه تأويل ذلك إلى أنه بمعنى: الذي أحسن خلق كلّ شيء، فإنه جعل الخلق نصبا بمعنى التفسير، كأنه قال: الذي أحسن كلّ شيء خلقا منه. وقد كان بعضهم يقول: هو من المقدّم الذي معناه التأخير، ويوجهه إلى أنه نظير قول الشاعر: وَظَعْنِي إلَيْكَ للَّيْل حِضْيَنْةِ أنَّنِي ... لِتِلْكَ إذَا هابَ الهِدَانُ فَعُولُ [[البيت في (مجاز القرآن لأبي عبيدة الورقة ١٩٢ - أ) قال عند تفسير قوله تعالى: (الذي أحسن كل شيء خلقه) : مجازه: أحسن خلق كل شيء والعرب تفعل هذا، يقدمون ويؤخرون. قال: "وظعني إليك ... " البيت معناه: وظعني حين حضنني الليل إليك. وفي (اللسان: حضن) : وحضنا المفازة شقاها، والفلاة: ناحيتاها، وحضنا الليل: جانباه، وحضن الجبل ما يطيق به وحضنا الشيء: جانباه. والهدان بوزن كتاب: الأحمق الجافي الوخم الثقيل في الحرب. وفي حديث عثمان: جبانًا هدانا.]] يعني: وظعني حضني الليل إليك؛ ونظير قول الآخر: كأنَّ هِنْدًا ثناياها وَبهْجَتَهَا ... يَوْمَ الْتَقَيْنا عَلى أدْحالِ دَبَّاب [[البيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة، (الورقة ١٩٢ - أ) عند تفسير قوله تعالى: (أحسن كل شيء خلقه) . بعد الشاهد السابق: "وظعني إليك ... " البيت. ثم قال: كأن ثنايا هند وبهجتها. وهو أيضا في "اللسان: دبب": قال: قال الأزهري: وبالخلصاء رمل يقال له: الدباب، وبحذائه دُحْلان كثيرة (بضم الدال) ومنه قول الشاعر: كَأَنَّ هِنْدًا ثَنَايَاهَا وَبَهْجَتَهَا ... لَمَّا الْتَقَيْنَا لَدَى أدْحَالِ دَبَّاب مَوْلِيَّةٌ أُنُفٌ جَادَ الرَّبِيعُ بِهَا ... عَلَى أبَارِقَ قدْ هَمَّتْ بِأَعْشَابِ والأدحال والدحلان: جمعا دحل، بالفتح، وهو ثقب ضيق فمه، ثم يتسع أسفله، حتى يمشي فيه.]] أي: كأن ثنايا هند وبهجتها. * * وقوله: ﴿وَبَدأ خَلْقَ الإنْسانِ مِنْ طِين﴾ يقول تعالى ذكره: وبدأ خلق آدم من طين ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ يعني: ذريته ﴿من سلالة﴾ ، يقول: من الماء الذي انسل فخرج منه. وإنما يعني من إراقة من مائه، كما قال الشاعر: فجاءتْ بِه عَضْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا ... سُلالَةَ فَرْجٍ كانَ غيرَ حَصِينِ [[البيت: (مجاز القرآن لأبي عبيدة الورقة ١٦٢ - ب) عند قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) في سورة المؤمنين. (الجزء ١٨: ٨) فراجعه ثمة.]] * * وقوله: ﴿مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ يقول: من نطفة ضعيفة رقيقة. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ﴿وَبَدأَ خَلْقَ الإنْسانِ مِنْ طينٍ﴾ وهو خلق آدم، ثم جعل نسله: أي ذرّيته من سلالة من ماء مهين، والسلالة هي: الماء المهين الضعيف. ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن أبي يحيى الأعرج، عن ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ قال: صفو الماء. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ قال: ضعيف نطفة الرجل، ومهين: فعيل من قول القائل: مهن فلان، وذلك إذا زلّ وضعف.
Il est Celui qui a excellé dans ce qu’Il a créé et qui créa Adam d’argile sans modèle préalable.
ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٍۢ مِّن مَّآءٍۢ مَّهِينٍۢ
puis Il tira sa descendance d'une goutte d'eau vile [le sperme];
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ الَّذِي أَحْسَنَ خَلْقَ الْأَشْيَاءِ وَأَتْقَنَهَا وَأَحْكَمَهَا. وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قَالَ: أَحْسَنَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ. كَأَنَّهُ جَعَلَهُ مِنَ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ. ثُمَّ لما ذكر خلق السموات وَالْأَرْضِ، شَرَعَ فِي ذِكْرِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ فَقَالَ: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ يَعْنِي: خَلَقَ أَبَا الْبَشَرِ آدَمَ مِنْ طِينٍ. ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ أَيْ: يَتَنَاسَلُونَ كَذَلِكَ مِنْ نُطْفَةٍ تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وَتَرَائِبِ الْمَرْأَةِ. ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ يَعْنِي: آدَمَ، لَمَّا خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ خَلَقَهُ سَوِيًّا مُسْتَقِيمًا، ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ﴾ ، يَعْنِي: الْعُقُولَ، ﴿قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: بِهَذِهِ الْقُوَى الَّتِي رَزَقَكُمُوهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. [[في ف، أ: "تعالى".]] فَالسَّعِيدُ مَنْ اسْتَعْمَلَهَا فِي طَاعَةِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: هذا الذي يفعل ما وصفت لكم في هذه الآيات، هو ﴿عالم الغيب﴾ ، يعني عالم ما يغيب عن أبصاركم أيها الناس، فلا تبصرونه مما تكنه الصدور وتخفيه النفوس، وما لم يكن بعد مما هو كائن، ﴿والشهادة﴾ يعني: ما شاهدته الأبصار فأبصرته وعاينته وما هو موجود ﴿العَزِيزُ﴾ يقول: الشديد في انتقامه ممن كفر به، وأشرك معه غيره، وكذّب رسله ﴿الرَّحِيمُ﴾ بمن تاب من ضلالته، ورجع إلى الإيمان به وبرسوله، والعمل بطاعته، أن يعذّبه بعد التوبة. * * وقوله: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلّ شَيْء خَلَقَهُ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قراء مكة والمدينة والبصرة ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ بسكون اللام. وقرأه بعض المدنيين وعامة الكوفيين ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ بفتح اللام. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء صحيحتا المعنى، وذلك أن الله أحكم خلقه، وأحكم كل شيء خلَقه، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: أتقن كلّ شيء وأحكمه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني العباس بن أبي طالب، قال: ثنا الحسين بن إبراهيم إشكاب [[في التاج (شكب) : إشكاب؛ لقب الحسين بن إبراهيم بن الحسن بن زعلان العامري، شيخ أبي بكر بن أبي الدنيا.]] قال: ثنا شريك، عن خَصيف عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قال: أما إن است القرد ليست بحسنة، ولكن أحكم خلقها. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو النضر، قال: ثنا أبو سعيد المؤدّب، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقرؤها: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قال: أما إن است القرد ليست بحسنة ولكنه أحكمها. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قال: أتقن كلّ شيء خلقه. ⁕ حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبد الله بن موسى، قال: ثنا إسرائيل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أَحْسَن كُلَّ شَيْءٍ﴾ : أحصى كلّ شيء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: الذي حسن خلق كل شيء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ حسن على نحو ما خلق. وذُكر عن الحجاج، عن ابن جُرَيج، عن الأعرج، عن مجاهد قال: هو مثل ﴿أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثم هَدَى﴾ قال: فلم يجعل خلق البهائم في خلق الناس، ولا خلق الناس في خلق البهائم ولكن خلق كلّ شيء فقدّره تقديرا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أعلم كل شيء خلقه، كأنهم وجهوا تأويل الكلام إلى أنه ألهم خلقه ما يحتاجون إليه، وأن قوله: ﴿أحْسَنَ﴾ إنما هو من قول القائل: فلان يحسن كذا، إذا كان يعلمه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن خصيف، عن مجاهد ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قال: أعطى كلّ شيء خلقه، قال: الإنسان إلى الإنسان، والفرس للفرس، والحمار للحمار وعلى هذا القول الخَلْق والكلّ منصوبان بوقوع أحسن عليهما. وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب على قراءة من قرأه: ﴿الَّذِين أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ بفتح اللام قول من قال: معناه أحكم وأتقن؛ لأنه لا معنى لذلك إذ قرئ كذلك إلا أحد وجهين: إما هذا الذي قلنا من معنى الإحكام والإتقان، أو معنى التحسين الذي هو في معنى الجمال والحُسن، فلما كان في خلقه ما لا يشكّ في قُبحه وسماجته، علم أنه لم يُعن به أنه أحسن كلّ ما خلق، ولكن معناه أنه أحكمه وأتقن صنعته، وأما على القراءة الأخرى التي هي بتسكين اللام، فإن أولى تأويلاته به قول من قال: معنى ذلك: أعلم وألهم كلّ شيء خلقه، هو أحسنهم، كما قال: (الَّذِي أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) ؛ لأن ذلك أظهر معانيه. وأما الذي وجه تأويل ذلك إلى أنه بمعنى: الذي أحسن خلق كلّ شيء، فإنه جعل الخلق نصبا بمعنى التفسير، كأنه قال: الذي أحسن كلّ شيء خلقا منه. وقد كان بعضهم يقول: هو من المقدّم الذي معناه التأخير، ويوجهه إلى أنه نظير قول الشاعر: وَظَعْنِي إلَيْكَ للَّيْل حِضْيَنْةِ أنَّنِي ... لِتِلْكَ إذَا هابَ الهِدَانُ فَعُولُ [[البيت في (مجاز القرآن لأبي عبيدة الورقة ١٩٢ - أ) قال عند تفسير قوله تعالى: (الذي أحسن كل شيء خلقه) : مجازه: أحسن خلق كل شيء والعرب تفعل هذا، يقدمون ويؤخرون. قال: "وظعني إليك ... " البيت معناه: وظعني حين حضنني الليل إليك. وفي (اللسان: حضن) : وحضنا المفازة شقاها، والفلاة: ناحيتاها، وحضنا الليل: جانباه، وحضن الجبل ما يطيق به وحضنا الشيء: جانباه. والهدان بوزن كتاب: الأحمق الجافي الوخم الثقيل في الحرب. وفي حديث عثمان: جبانًا هدانا.]] يعني: وظعني حضني الليل إليك؛ ونظير قول الآخر: كأنَّ هِنْدًا ثناياها وَبهْجَتَهَا ... يَوْمَ الْتَقَيْنا عَلى أدْحالِ دَبَّاب [[البيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة، (الورقة ١٩٢ - أ) عند تفسير قوله تعالى: (أحسن كل شيء خلقه) . بعد الشاهد السابق: "وظعني إليك ... " البيت. ثم قال: كأن ثنايا هند وبهجتها. وهو أيضا في "اللسان: دبب": قال: قال الأزهري: وبالخلصاء رمل يقال له: الدباب، وبحذائه دُحْلان كثيرة (بضم الدال) ومنه قول الشاعر: كَأَنَّ هِنْدًا ثَنَايَاهَا وَبَهْجَتَهَا ... لَمَّا الْتَقَيْنَا لَدَى أدْحَالِ دَبَّاب مَوْلِيَّةٌ أُنُفٌ جَادَ الرَّبِيعُ بِهَا ... عَلَى أبَارِقَ قدْ هَمَّتْ بِأَعْشَابِ والأدحال والدحلان: جمعا دحل، بالفتح، وهو ثقب ضيق فمه، ثم يتسع أسفله، حتى يمشي فيه.]] أي: كأن ثنايا هند وبهجتها. * * وقوله: ﴿وَبَدأ خَلْقَ الإنْسانِ مِنْ طِين﴾ يقول تعالى ذكره: وبدأ خلق آدم من طين ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ يعني: ذريته ﴿من سلالة﴾ ، يقول: من الماء الذي انسل فخرج منه. وإنما يعني من إراقة من مائه، كما قال الشاعر: فجاءتْ بِه عَضْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا ... سُلالَةَ فَرْجٍ كانَ غيرَ حَصِينِ [[البيت: (مجاز القرآن لأبي عبيدة الورقة ١٦٢ - ب) عند قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) في سورة المؤمنين. (الجزء ١٨: ٨) فراجعه ثمة.]] * * وقوله: ﴿مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ يقول: من نطفة ضعيفة رقيقة. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ﴿وَبَدأَ خَلْقَ الإنْسانِ مِنْ طينٍ﴾ وهو خلق آدم، ثم جعل نسله: أي ذرّيته من سلالة من ماء مهين، والسلالة هي: الماء المهين الضعيف. ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن أبي يحيى الأعرج، عن ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ قال: صفو الماء. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ قال: ضعيف نطفة الرجل، ومهين: فعيل من قول القائل: مهن فلان، وذلك إذا زلّ وضعف.
Ensuite, il créa sa descendance à partir de l’eau qui sortait de lui.
ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ
puis Il lui donna sa forme parfaite et lui insuffla de Son Esprit. Et Il vous a assigné l'ouïe, les yeux et le cœur. Que vous êtes peu reconnaissants!
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ الَّذِي أَحْسَنَ خَلْقَ الْأَشْيَاءِ وَأَتْقَنَهَا وَأَحْكَمَهَا. وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قَالَ: أَحْسَنَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ. كَأَنَّهُ جَعَلَهُ مِنَ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ. ثُمَّ لما ذكر خلق السموات وَالْأَرْضِ، شَرَعَ فِي ذِكْرِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ فَقَالَ: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ يَعْنِي: خَلَقَ أَبَا الْبَشَرِ آدَمَ مِنْ طِينٍ. ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ أَيْ: يَتَنَاسَلُونَ كَذَلِكَ مِنْ نُطْفَةٍ تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وَتَرَائِبِ الْمَرْأَةِ. ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ يَعْنِي: آدَمَ، لَمَّا خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ خَلَقَهُ سَوِيًّا مُسْتَقِيمًا، ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ﴾ ، يَعْنِي: الْعُقُولَ، ﴿قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ: بِهَذِهِ الْقُوَى الَّتِي رَزَقَكُمُوهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. [[في ف، أ: "تعالى".]] فَالسَّعِيدُ مَنْ اسْتَعْمَلَهَا فِي طَاعَةِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم سوّى الإنسان الذي بدأ خلقه من طين خلقا سويا معتدلا ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ فصار حيا ناطقا ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ﴾ يقول: وأنعم عليكم أيها الناس ربكم بأن أعطاكم السمع تسمعون به الأصوات، والأبصار تبصرون بها الأشخاص والأفئدة، تعقلون بها الخير من السوء، لتشكروه على ما وهب لكم من ذلك. * * وقوله: ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ يقول: وأنتم تشكرون قليلا من الشكر ربكم على ما أنعم عليكم. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: وقال المشركون بالله، المُكذّبون بالبعث: ﴿أئِذَا ضَلَلْنا في الأرْض﴾ أي: صارت لحومنا وعظامنا ترابا في الأرض وفيها لغتان: ضَلَلْنَا، وَضَلِلنا. بفتح اللام وكسرها، والقراءة على فتحها وهي الجوداء، وبها نقرأ. وذكر عن الحسن أنه كان يقرأ: ﴿أئِذَا صَلَلْنا﴾ بالصاد، بمعنى: أنتنا، من قولنا: صلّ اللحم وأصلّ إذا أنتن. وإنما عنى هؤلاء المشركون بقولهم: ﴿أئِذَا ضَلَلْنا فِي الأرْضِ﴾ أي: إذا هلكت أجسادنا في الأرض؛ لأن كلّ شيء غلب عليه غيره حتى خفي فيما غلب، فإنه قد ضلّ فيه، تقول العرب: قد ضلّ الماء في اللبن: إذا غلب عليه حتى لا يتبين فيه، ومنه قول الأخطل لجرير: كُنْتَ القَذَى في مَوْج أكْدَرَ مُزْبدٍ ... قَذَفَ الأتِيُّ بِه فَضَلَّ ضَلالا [[البيت للأخطل (ديوانه طبعة بيروت ص ٥٠) . والقذي: ما يقع في العين من تراب أو تبن ونحوه، مما يطيره الريح، والأكدر: الكدر، غير الصافي، لأنه أتى من بعيد، وهو شديد الجري، يخالطه التراب والغثاء، ولذلك قال: "مزبد"، وهو الذي علاه الزبد لتحركه واضطرابه. والأتي: السيل يأتي من مكان بعيد، أو من بلد إلى بلد. وقبل هذا البيت بيت آخر مرتبط به في المعنى، قال الأخطل: وَإِذَا سَمَاه لِلْمَجْدِ فَرْعا وَائِلٍ ... وَاسْتَجْمَعَ الْوَادِي عَلَيْكَ فَسالا فرعا وائل: هما بكر وتغلب. يريد أنه إذا اجتمع فرعا وائل في مكان يوم فخار مع القبائل، وصاروا أشبه بالسيل في كثرته لم تكن أنت يا جرير بالإضافة إليهم إلا كقذاة غرقت في ذلك السيل الكدر، فضلت فيه وغابت، ولم يوقف لها على أثر. ولذلك قال شارح الديوان: والمراد من البيت أن أبا جرير حقير خسيس، بالقياس إلى من ذكرهم. والبيت شاهد على أن الضلال: غياب الشيء، حتى لا يحس له أثر.]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد ﴿أئِذا ضَلَلْنا فِي الأرْضِ﴾ يقول: أئذا هلكنا. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أئِذَا ضَلَلْنا فِي الأرْض﴾ هلكنا. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد: قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿أئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ﴾ يقول: أئذا كنا عظاما ورفاتا أنبعث خلقا جديدا؟ يكفرون بالبعث. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، ﴿وَقالُوا أئِذَا ضَلَلْنا فِي الأرْض أئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَديدٍ﴾ قال: ﴿قالوا أئذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أئنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ . * * وقوله: ﴿بَلْ هُمْ بَلقاء رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء المشركين جحود قدرة الله على ما يشاء، بل هم بلقاء ربهم كافرون؛ حذرا لعقابه، وخوف مجازاته إياهم على معصيتهم إياه، فهم من أجل ذلك يجحدون لقاء ربهم في المعاد.
Puis il finit de donner à l’être humain sa forme parfaite et insuffla en lui Son Esprit par l’intermédiaire de l’ange chargé de cette tâche. Puis Il vous pourvut, ô gens, d’une ouïe afin que vous puissiez entendre, d’une vue afin que vous puissiez voir et d’un cœur afin que vous puissiez raisonner. Seulement, vous exprimez peu de gratitude pour ces bienfaits dont Allah vous a comblés.
وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلْأَرْضِ أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍۭ ۚ بَلْ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ كَٰفِرُونَ
Et ils disent: «Quand nous serons perdus dans la terre [sous forme de poussière], redeviendrons-nous une création nouvelle?» En outre, ils ne croient pas en la rencontre avec leur Seigneur.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِي اسْتِبْعَادِهِمُ الْمَعَادَ حَيْثُ قَالُوا: ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: تَمَزَّقَتْ أَجْسَامُنَا وَتَفَرَّقَتْ فِي أَجْزَاءِ الْأَرْضِ [[ف أ: "الأرضين".]] وَذَهَبَتْ، ﴿أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ؟ أَيْ: أَئِنَّا لَنَعُودُ بَعْدَ تِلْكَ الْحَالِ؟! يَسْتَبْعِدُونَ ذَلِكَ، [[في أ: "تلك الحال".]] وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ بَعِيدٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَتهم الْعَاجِزَةِ، لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرة الَّذِي بَدَأَهُمْ وَخَلَقَهُمْ مِنَ الْعَدَمِ، الَّذِي إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ . ثُمَّ قَالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ، الظَّاهِرُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ مَلَكَ الموت شخص مُعَيَّنٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ "إِبْرَاهِيمَ"، [[عند الآية السابعة والعشرين، وقد جاء الحديث بتمامه في نسخة ت.]] وَقَدْ سُمِّيَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ بِعِزْرَائِيلَ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَلَهُ أَعْوَانٌ. وَهَكَذَا [[في ت: "كما".]] وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ أَعْوَانَهُ يَنْتَزِعُونَ الْأَرْوَاحَ مِنْ سَائِرِ الْجَسَدِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ تَنَاوَلَهَا مَلَكُ الْمَوْتِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: حُويت لَهُ الْأَرْضُ فَجُعِلَتْ لَهُ مِثْلَ الطَّسْتِ، يَتَنَاوَلُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ. [[في ت: شاء".]] وَرَوَاهُ زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِنَحْوِهِ مُرْسَلًا. وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي يَحْيَى الْمَقْرِيُّ، حَدَّثَنَا [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن".]] عَمْرُو بْنُ شَمِرٍ [[في ت، ف، أ، هـ، "عمر بن سمرة" والتصويب من البداية والنهاية والمعجم.]] عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ عِنْدَ رَأْسِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، ارْفُقْ بِصَاحِبِي فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ". فَقَالَ مَلَك الْمَوْتِ: يَا مُحَمَّدُ، طِبْ نَفْسًا وقَر عَيْنًا فَإِنِّي بِكُلِّ مُؤْمِنٍ رَفِيقٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ بَيْتُ مَدَر وَلَا شَعَر، فِي بَرٍّ وَلَا [[في ت: "أو".]] بَحْرٍ، إِلَّا وَأَنَا أَتَصَفَّحُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، حَتَّى إِنِّي أعرفُ [[في ف، أ: "لأعرف".]] بِصَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ مِنْهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ، لَوْ أَنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَقْبِضَ رُوحَ بَعُوضَةٍ مَا قَدَرتُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الْآمِرُ بِقَبْضِهَا. [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٤/٢٢٠) والبزار في مسنده برقم (٧٨٤) "كشف الأستار" من طريق إسماعيل بن أبان، عن عمرو بن شمر الجعفي، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ الحارث بن الخزرج عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فذكر نحوه، فأسنده ولم يرسله، ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة وقال: "عمرو بن شمر متروك الحديث".]] قَالَ جَعْفَرُ: بَلَغَنِي أَنَّهُ إِنَّمَا يَتَصَفَّحَهُمْ عِنْدَ [[في ف: "في".]] مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا حَضَرَهُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُحَافِظُ عَلَى الصَّلَاةِ دَنَا مِنْهُ الْمَلَكُ، وَدَفَعَ عَنْهُ الشَّيْطَانَ، وَلَقَّنَهُ المَلَك: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ" فِي تِلْكَ الْحَالِ الْعَظِيمَةِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرة قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ [[في ت: "وقال مجاهد".]] مَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنْ بَيْتِ شِعْرٍ أَوْ مَدَرٍ إِلَّا وَمَلَكُ الْمَوْتِ يُطيف بِهِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ. وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: وَاللَّهِ مَا مِنْ بَيْتٍ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا إِلَّا وَمَلَكُ الْمَوْتِ يَقُومُ عَلَى بَابِهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ. يَنْظُرُ هَلْ فِيهِ أَحَدٌ أُمِرَ أَنْ [[في ت، ف، أ: "وبه".]] يَتَوَفَّاهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ أَيْ: يَوْمَ معادكم وقيامكم من قبوركم لجزائكم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم سوّى الإنسان الذي بدأ خلقه من طين خلقا سويا معتدلا ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ فصار حيا ناطقا ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ﴾ يقول: وأنعم عليكم أيها الناس ربكم بأن أعطاكم السمع تسمعون به الأصوات، والأبصار تبصرون بها الأشخاص والأفئدة، تعقلون بها الخير من السوء، لتشكروه على ما وهب لكم من ذلك. * * وقوله: ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ يقول: وأنتم تشكرون قليلا من الشكر ربكم على ما أنعم عليكم. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: وقال المشركون بالله، المُكذّبون بالبعث: ﴿أئِذَا ضَلَلْنا في الأرْض﴾ أي: صارت لحومنا وعظامنا ترابا في الأرض وفيها لغتان: ضَلَلْنَا، وَضَلِلنا. بفتح اللام وكسرها، والقراءة على فتحها وهي الجوداء، وبها نقرأ. وذكر عن الحسن أنه كان يقرأ: ﴿أئِذَا صَلَلْنا﴾ بالصاد، بمعنى: أنتنا، من قولنا: صلّ اللحم وأصلّ إذا أنتن. وإنما عنى هؤلاء المشركون بقولهم: ﴿أئِذَا ضَلَلْنا فِي الأرْضِ﴾ أي: إذا هلكت أجسادنا في الأرض؛ لأن كلّ شيء غلب عليه غيره حتى خفي فيما غلب، فإنه قد ضلّ فيه، تقول العرب: قد ضلّ الماء في اللبن: إذا غلب عليه حتى لا يتبين فيه، ومنه قول الأخطل لجرير: كُنْتَ القَذَى في مَوْج أكْدَرَ مُزْبدٍ ... قَذَفَ الأتِيُّ بِه فَضَلَّ ضَلالا [[البيت للأخطل (ديوانه طبعة بيروت ص ٥٠) . والقذي: ما يقع في العين من تراب أو تبن ونحوه، مما يطيره الريح، والأكدر: الكدر، غير الصافي، لأنه أتى من بعيد، وهو شديد الجري، يخالطه التراب والغثاء، ولذلك قال: "مزبد"، وهو الذي علاه الزبد لتحركه واضطرابه. والأتي: السيل يأتي من مكان بعيد، أو من بلد إلى بلد. وقبل هذا البيت بيت آخر مرتبط به في المعنى، قال الأخطل: وَإِذَا سَمَاه لِلْمَجْدِ فَرْعا وَائِلٍ ... وَاسْتَجْمَعَ الْوَادِي عَلَيْكَ فَسالا فرعا وائل: هما بكر وتغلب. يريد أنه إذا اجتمع فرعا وائل في مكان يوم فخار مع القبائل، وصاروا أشبه بالسيل في كثرته لم تكن أنت يا جرير بالإضافة إليهم إلا كقذاة غرقت في ذلك السيل الكدر، فضلت فيه وغابت، ولم يوقف لها على أثر. ولذلك قال شارح الديوان: والمراد من البيت أن أبا جرير حقير خسيس، بالقياس إلى من ذكرهم. والبيت شاهد على أن الضلال: غياب الشيء، حتى لا يحس له أثر.]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد ﴿أئِذا ضَلَلْنا فِي الأرْضِ﴾ يقول: أئذا هلكنا. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أئِذَا ضَلَلْنا فِي الأرْض﴾ هلكنا. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد: قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿أئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ﴾ يقول: أئذا كنا عظاما ورفاتا أنبعث خلقا جديدا؟ يكفرون بالبعث. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، ﴿وَقالُوا أئِذَا ضَلَلْنا فِي الأرْض أئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَديدٍ﴾ قال: ﴿قالوا أئذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أئنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ . * * وقوله: ﴿بَلْ هُمْ بَلقاء رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء المشركين جحود قدرة الله على ما يشاء، بل هم بلقاء ربهم كافرون؛ حذرا لعقابه، وخوف مجازاته إياهم على معصيتهم إياه، فهم من أجل ذلك يجحدون لقاء ربهم في المعاد.
Les polythéistes qui rejettent la réalité de la Ressuscitation disent: Lorsque nous mourrons, que nous serons inhumés et que nos corps deviendront poussière, serons-nous ensuite ressuscités et retournerons-nous de nouveau à la vie ? Ceci n’est pas concevable. En réalité, ils mécroient en la Ressuscitation et n’y accordent aucun crédit.
۞ قُلْ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
Dis: «L'Ange de la mort qui est chargé de vous, vous fera mourir. Ensuite, vous serez ramenés vers Votre Seigneur».
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِي اسْتِبْعَادِهِمُ الْمَعَادَ حَيْثُ قَالُوا: ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: تَمَزَّقَتْ أَجْسَامُنَا وَتَفَرَّقَتْ فِي أَجْزَاءِ الْأَرْضِ [[ف أ: "الأرضين".]] وَذَهَبَتْ، ﴿أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ؟ أَيْ: أَئِنَّا لَنَعُودُ بَعْدَ تِلْكَ الْحَالِ؟! يَسْتَبْعِدُونَ ذَلِكَ، [[في أ: "تلك الحال".]] وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ بَعِيدٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَتهم الْعَاجِزَةِ، لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرة الَّذِي بَدَأَهُمْ وَخَلَقَهُمْ مِنَ الْعَدَمِ، الَّذِي إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ . ثُمَّ قَالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ، الظَّاهِرُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ مَلَكَ الموت شخص مُعَيَّنٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ "إِبْرَاهِيمَ"، [[عند الآية السابعة والعشرين، وقد جاء الحديث بتمامه في نسخة ت.]] وَقَدْ سُمِّيَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ بِعِزْرَائِيلَ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَلَهُ أَعْوَانٌ. وَهَكَذَا [[في ت: "كما".]] وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ أَعْوَانَهُ يَنْتَزِعُونَ الْأَرْوَاحَ مِنْ سَائِرِ الْجَسَدِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ تَنَاوَلَهَا مَلَكُ الْمَوْتِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: حُويت لَهُ الْأَرْضُ فَجُعِلَتْ لَهُ مِثْلَ الطَّسْتِ، يَتَنَاوَلُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ. [[في ت: شاء".]] وَرَوَاهُ زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِنَحْوِهِ مُرْسَلًا. وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي يَحْيَى الْمَقْرِيُّ، حَدَّثَنَا [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن".]] عَمْرُو بْنُ شَمِرٍ [[في ت، ف، أ، هـ، "عمر بن سمرة" والتصويب من البداية والنهاية والمعجم.]] عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ عِنْدَ رَأْسِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، ارْفُقْ بِصَاحِبِي فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ". فَقَالَ مَلَك الْمَوْتِ: يَا مُحَمَّدُ، طِبْ نَفْسًا وقَر عَيْنًا فَإِنِّي بِكُلِّ مُؤْمِنٍ رَفِيقٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ بَيْتُ مَدَر وَلَا شَعَر، فِي بَرٍّ وَلَا [[في ت: "أو".]] بَحْرٍ، إِلَّا وَأَنَا أَتَصَفَّحُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، حَتَّى إِنِّي أعرفُ [[في ف، أ: "لأعرف".]] بِصَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ مِنْهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ، لَوْ أَنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَقْبِضَ رُوحَ بَعُوضَةٍ مَا قَدَرتُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الْآمِرُ بِقَبْضِهَا. [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٤/٢٢٠) والبزار في مسنده برقم (٧٨٤) "كشف الأستار" من طريق إسماعيل بن أبان، عن عمرو بن شمر الجعفي، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ الحارث بن الخزرج عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فذكر نحوه، فأسنده ولم يرسله، ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة وقال: "عمرو بن شمر متروك الحديث".]] قَالَ جَعْفَرُ: بَلَغَنِي أَنَّهُ إِنَّمَا يَتَصَفَّحَهُمْ عِنْدَ [[في ف: "في".]] مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا حَضَرَهُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُحَافِظُ عَلَى الصَّلَاةِ دَنَا مِنْهُ الْمَلَكُ، وَدَفَعَ عَنْهُ الشَّيْطَانَ، وَلَقَّنَهُ المَلَك: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ" فِي تِلْكَ الْحَالِ الْعَظِيمَةِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرة قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ [[في ت: "وقال مجاهد".]] مَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنْ بَيْتِ شِعْرٍ أَوْ مَدَرٍ إِلَّا وَمَلَكُ الْمَوْتِ يُطيف بِهِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ. وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: وَاللَّهِ مَا مِنْ بَيْتٍ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا إِلَّا وَمَلَكُ الْمَوْتِ يَقُومُ عَلَى بَابِهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ. يَنْظُرُ هَلْ فِيهِ أَحَدٌ أُمِرَ أَنْ [[في ت، ف، أ: "وبه".]] يَتَوَفَّاهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ أَيْ: يَوْمَ معادكم وقيامكم من قبوركم لجزائكم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) ﴾ يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله: ﴿يتوفاكم ملك الموت﴾ ، يقول: يستوفي عددكم بقبض أرواحكم ملك الموت الذي وكل بقبض أرواحكم، ومنه قول الراجز: إنَّ بَني الأدْرَمِ لَيْسُوا مِنْ أحَدْ ... وَلا تَوَفاَّهُمْ قُرَيْشٌ فِي العَدَدْ [[البيتان لمنظور الوبري (اللسان: وفى) قال: وتوفيت عدد القوم إذا عددتهم كلهم. وأنشد أبو عبيدة لمنظور الوبري (بسكون الباء) : * إن بني الأدرد ليسوا من أحد * ... البيتان. أي لا تجعلهم قريش تمام عددهم، ولا تستوفى بهم عددهم. وفي رواية اللسان: الأدرد في موضع الأدرم من رواية أبي عبيدة. ولم يصرح أبو عبيدة باسم الشاعر منظور الوبري، ولعل صاحب اللسان رأى نسخة من مجاز القرآن فيها اسم الشاعر. وأنشد البيت صاحب التاج في (وفى) قال: وتوفيت عدد القوم: إذا عددتهم لهم. وأنشد أبو عبيدة لمنظور العنبري: * إن بني الأدرد ليسوا من أحد * والأدرد فيه بالدال آخر الحروف، لا بالميم، كما في نسخة مجاز القرآن التي بأيدينا. وفي (اللسان: وفى) : أورد ابن منظور البيت كرواية المؤلف، ونسبة إلى منظور الوبري. اهـ.]] حثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ قال: ملك الموت يتوفاكم، ومعه أعوان من الملائكة. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ﴾ قال: حويت له الأرض فجُعلت له مثل الطست يتناول منها حيث يشاء. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد، بنحوه.
Ô Messager, dis à ces polythéistes qui rejettent la réalité de la Ressuscitation: L’Ange de la mort qu’Allah a chargé de saisir vos âmes vous fera mourir, puis c’est vers Nous Seul que vous retournerez le Jour de la Résurrection afin de rendre des comptes et d’être rétribués.
وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا۟ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ
Si tu voyais alors les criminels [comparaître], têtes basses devant leur Seigneur! «Notre Seigneur, Nous avons vu et entendu, renvoie-nous donc afin que nous puissions faire du bien; nous croyons [maintenant] avec certitude».
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حَالِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَحَالِهِمْ حِينَ عَايَنُوا الْبَعْثَ، وَقَامُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ حَقِيرِينَ ذَلِيلِينَ، نَاكِسِي رُؤُوسِهِمْ، أَيْ: مِنَ الْحَيَاءِ وَالْخَجَلِ، يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [[بعدها في ف، أ: "فارجعنا نعمل صالحا".]] أَيْ: نَحْنُ الْآنَ نَسْمَعُ قَوْلَكَ وَنُطِيعُ أَمْرَكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مَرْيَمَ: ٣٨] . وَكَذَلِكَ يَعُودُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْمَلَامَةِ إِذَا [[في ت: "إذ".]] دَخَلُوا النَّارَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الْمُلْكِ:١٠] . وَهَكَذَا هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا﴾ أَيْ: إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا، ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ أَيْ: قَدْ أَيْقَنَّا وَتَحَقَّقْنَا أَنَّ وَعْدَكَ حَقٌّ وَلِقَاءَكَ حَقٌّ، وَقَدْ عَلِمَ الرَّبُّ تَعَالَى مِنْهُمْ أَنَّهُ لَوْ أَعَادَهُمْ إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا لَكَانُوا كَمَا كَانُوا فِيهَا كُفَّارًا يُكْذِّبُونَ آيَاتِ [[في ت، ف: "بآيات".]] اللَّهِ وَيُخَالِفُونَ رُسُلَهُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٧-٢٩] . وَقَالَ هَاهُنَا ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يُونُسَ: ٩٩] . ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أَيْ: مِنَ الصِّنْفَيْنِ، فَدَارُهُمُ النَّارُ [[في ت، ف: "قد ذرأتهم للنار".]] لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهَا وَلَا مَحِيصَ لَهُمْ مِنْهَا، نَعُوذُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ التَّامَّةِ مِنْ ذَلِكَ. ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أَيْ: يُقَالُ لِأَهْلِ النَّارِ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ: ذُوقُوا [هَذَا] [[زيادة من أ.]] الْعَذَابَ بِسَبَبِ تَكْذِيبِكُمْ بِهِ، وَاسْتِبْعَادِكُمْ وُقُوعَهُ، وَتَنَاسِيكُمْ لَهُ؛ إِذْ عَامَلْتُمُوهُ مُعَامَلَةَ مَنْ هُوَ نَاسٍ لَهُ، ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ أَيْ: [إِنَّا] [[زيادة من ت.]] سَنُعَامِلُكُمْ مُعَامَلَةَ النَّاسِي؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَنْسَى شَيْئًا وَلَا يَضِلُّ عَنْهُ شَيْءٌ، بَلْ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٣٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكُمْ وَتَكْذِيبِكُمْ، [[في ت: "كفرهم وتكذيبهم".]] كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا. إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا جَزَاءً وِفَاقًا. إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا. وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا. وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا. فَذُوقُوا فَلَنْ نزيدَكُمْ إِلا عَذَابًا﴾ [النَّبَأِ: ٢٤-٣٠] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: لو ترى يا محمد هؤلاء القائلين: ﴿أئِذَا ضَلَلْنا فِي الأرْضِ أئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إذ هم ناكسوا رءوسهم عند ربهم حياء من ربهم. للذي سلف منهم من معاصيه في الدنيا، يقولون: يا ﴿رَبَّنَا أبْصَرْنا﴾ ما كنا نكذّب به من عقابك أهل معاصيك ﴿وَسَمِعْنَا﴾ منك تصديق ما كانت رسلك تأمرنا به في الدنيا ﴿فارجعنا﴾ يقول: فارددنا إلى الدنيا نعمل فيها بطاعتك، وذلك العمل الصالح ﴿إنَّا مُوقَنُونَ﴾ يقول: إنا قد أيقنا الآن ما كنا به في الدنيا جهالا من وحدانيتك وأنه لا يصلح أن يُعبد سواك، ولا ينبغي أن يكون ربّ سواك، وأنك تحيي وتميت، وتبعث من في القبور بعد الممات والفناء وتفعل ما تشاء. وبنحو ما قلنا في قوله: ﴿نَاكِسُوا رُءُوسِهمْ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إذِ المُجْرِمونَ ناكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدِ رَبَّهِمْ﴾ قال: قد حزنوا واستحيوا. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ يا محمد ﴿لآتَيْنَا﴾ هؤلاء المشركين بالله من قومك وغيرهم من أهل الكفر بالله ﴿هُدَاهَا﴾ يعني: رشدها وتوفيقها للإيمان بالله ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مني﴾ يقول: وجب العذاب مني لهم، وقوله: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ منَ الجِنَّة والنَّاسِ أجمَعِينَ﴾ يعني: من أهل المعاصي والكفر بالله منهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ قال: لو شاء الله لهدى الناس جميعا، لو شاء الله لأنزل عليهم من السماء آية، فظلت أعناقهم لها خاضعين، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ حقّ القول عليهم.
Les criminels paraîtront le Jour de la Résurrection humiliés et la tête baissée en raison du rejet qui était le leur de la réalité de la Ressuscitation. Ils ressentiront ce jour-là de l’opprobre et diront: Ô notre Seigneur, nous voyons de nos yeux la Ressuscitation dont nous rejetions l’existence et nous entendons de nos oreilles ce que nous ont promis les messagers qui sont venus de Ta part. Fais-nous donc retourner dans le bas monde afin que nous accomplissions des œuvres qui nous feront mériter Ton agrément. Nous sommes maintenant persuadés de la réalité de la Ressuscitation et de la véracité de ce que les messagers ont apporté. Si tu voyais les criminels dans cette situation, tu assisterais certainement à une scène terrible.
وَلَوْ شِئْنَا لَءَاتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ
«Si Nous voulions, Nous apporterions à chaque âme sa guidée. Mais la parole venant de Moi doit être réalisée: «J'emplirai l'Enfer de djinns et d'hommes réunis».
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حَالِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَحَالِهِمْ حِينَ عَايَنُوا الْبَعْثَ، وَقَامُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ حَقِيرِينَ ذَلِيلِينَ، نَاكِسِي رُؤُوسِهِمْ، أَيْ: مِنَ الْحَيَاءِ وَالْخَجَلِ، يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [[بعدها في ف، أ: "فارجعنا نعمل صالحا".]] أَيْ: نَحْنُ الْآنَ نَسْمَعُ قَوْلَكَ وَنُطِيعُ أَمْرَكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مَرْيَمَ: ٣٨] . وَكَذَلِكَ يَعُودُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْمَلَامَةِ إِذَا [[في ت: "إذ".]] دَخَلُوا النَّارَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الْمُلْكِ:١٠] . وَهَكَذَا هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا﴾ أَيْ: إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا، ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ أَيْ: قَدْ أَيْقَنَّا وَتَحَقَّقْنَا أَنَّ وَعْدَكَ حَقٌّ وَلِقَاءَكَ حَقٌّ، وَقَدْ عَلِمَ الرَّبُّ تَعَالَى مِنْهُمْ أَنَّهُ لَوْ أَعَادَهُمْ إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا لَكَانُوا كَمَا كَانُوا فِيهَا كُفَّارًا يُكْذِّبُونَ آيَاتِ [[في ت، ف: "بآيات".]] اللَّهِ وَيُخَالِفُونَ رُسُلَهُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٧-٢٩] . وَقَالَ هَاهُنَا ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يُونُسَ: ٩٩] . ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أَيْ: مِنَ الصِّنْفَيْنِ، فَدَارُهُمُ النَّارُ [[في ت، ف: "قد ذرأتهم للنار".]] لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهَا وَلَا مَحِيصَ لَهُمْ مِنْهَا، نَعُوذُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ التَّامَّةِ مِنْ ذَلِكَ. ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أَيْ: يُقَالُ لِأَهْلِ النَّارِ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ: ذُوقُوا [هَذَا] [[زيادة من أ.]] الْعَذَابَ بِسَبَبِ تَكْذِيبِكُمْ بِهِ، وَاسْتِبْعَادِكُمْ وُقُوعَهُ، وَتَنَاسِيكُمْ لَهُ؛ إِذْ عَامَلْتُمُوهُ مُعَامَلَةَ مَنْ هُوَ نَاسٍ لَهُ، ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ أَيْ: [إِنَّا] [[زيادة من ت.]] سَنُعَامِلُكُمْ مُعَامَلَةَ النَّاسِي؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَنْسَى شَيْئًا وَلَا يَضِلُّ عَنْهُ شَيْءٌ، بَلْ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٣٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكُمْ وَتَكْذِيبِكُمْ، [[في ت: "كفرهم وتكذيبهم".]] كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا. إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا جَزَاءً وِفَاقًا. إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا. وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا. وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا. فَذُوقُوا فَلَنْ نزيدَكُمْ إِلا عَذَابًا﴾ [النَّبَأِ: ٢٤-٣٠] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: لو ترى يا محمد هؤلاء القائلين: ﴿أئِذَا ضَلَلْنا فِي الأرْضِ أئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إذ هم ناكسوا رءوسهم عند ربهم حياء من ربهم. للذي سلف منهم من معاصيه في الدنيا، يقولون: يا ﴿رَبَّنَا أبْصَرْنا﴾ ما كنا نكذّب به من عقابك أهل معاصيك ﴿وَسَمِعْنَا﴾ منك تصديق ما كانت رسلك تأمرنا به في الدنيا ﴿فارجعنا﴾ يقول: فارددنا إلى الدنيا نعمل فيها بطاعتك، وذلك العمل الصالح ﴿إنَّا مُوقَنُونَ﴾ يقول: إنا قد أيقنا الآن ما كنا به في الدنيا جهالا من وحدانيتك وأنه لا يصلح أن يُعبد سواك، ولا ينبغي أن يكون ربّ سواك، وأنك تحيي وتميت، وتبعث من في القبور بعد الممات والفناء وتفعل ما تشاء. وبنحو ما قلنا في قوله: ﴿نَاكِسُوا رُءُوسِهمْ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إذِ المُجْرِمونَ ناكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدِ رَبَّهِمْ﴾ قال: قد حزنوا واستحيوا. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ يا محمد ﴿لآتَيْنَا﴾ هؤلاء المشركين بالله من قومك وغيرهم من أهل الكفر بالله ﴿هُدَاهَا﴾ يعني: رشدها وتوفيقها للإيمان بالله ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مني﴾ يقول: وجب العذاب مني لهم، وقوله: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ منَ الجِنَّة والنَّاسِ أجمَعِينَ﴾ يعني: من أهل المعاصي والكفر بالله منهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ قال: لو شاء الله لهدى الناس جميعا، لو شاء الله لأنزل عليهم من السماء آية، فظلت أعناقهم لها خاضعين، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ حقّ القول عليهم.
Si Nous voulions guider et orienter chaque âme vers la droiture, Nous l’aurions fait. Seulement, Ma sagesse et Mon équité imposent de décider d’emplir l’Enfer le Jour de la Résurrection de mécréants appartenant aux deux races, les humains et les djinns, pour avoir préféré la voie de la mécréance et de l’égarement à la voie de la foi et de la droiture.
فَذُوقُوا۟ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمْ ۖ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
«Goûtez donc! Pour avoir oublié la rencontre de votre jour que voici. Nous aussi Nous vous avons oubliés. Goûtez au châtiment éternel pour ce que vous faisiez».
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حَالِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَحَالِهِمْ حِينَ عَايَنُوا الْبَعْثَ، وَقَامُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ حَقِيرِينَ ذَلِيلِينَ، نَاكِسِي رُؤُوسِهِمْ، أَيْ: مِنَ الْحَيَاءِ وَالْخَجَلِ، يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [[بعدها في ف، أ: "فارجعنا نعمل صالحا".]] أَيْ: نَحْنُ الْآنَ نَسْمَعُ قَوْلَكَ وَنُطِيعُ أَمْرَكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مَرْيَمَ: ٣٨] . وَكَذَلِكَ يَعُودُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْمَلَامَةِ إِذَا [[في ت: "إذ".]] دَخَلُوا النَّارَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الْمُلْكِ:١٠] . وَهَكَذَا هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا﴾ أَيْ: إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا، ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ أَيْ: قَدْ أَيْقَنَّا وَتَحَقَّقْنَا أَنَّ وَعْدَكَ حَقٌّ وَلِقَاءَكَ حَقٌّ، وَقَدْ عَلِمَ الرَّبُّ تَعَالَى مِنْهُمْ أَنَّهُ لَوْ أَعَادَهُمْ إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا لَكَانُوا كَمَا كَانُوا فِيهَا كُفَّارًا يُكْذِّبُونَ آيَاتِ [[في ت، ف: "بآيات".]] اللَّهِ وَيُخَالِفُونَ رُسُلَهُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٧-٢٩] . وَقَالَ هَاهُنَا ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يُونُسَ: ٩٩] . ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أَيْ: مِنَ الصِّنْفَيْنِ، فَدَارُهُمُ النَّارُ [[في ت، ف: "قد ذرأتهم للنار".]] لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهَا وَلَا مَحِيصَ لَهُمْ مِنْهَا، نَعُوذُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ التَّامَّةِ مِنْ ذَلِكَ. ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أَيْ: يُقَالُ لِأَهْلِ النَّارِ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ: ذُوقُوا [هَذَا] [[زيادة من أ.]] الْعَذَابَ بِسَبَبِ تَكْذِيبِكُمْ بِهِ، وَاسْتِبْعَادِكُمْ وُقُوعَهُ، وَتَنَاسِيكُمْ لَهُ؛ إِذْ عَامَلْتُمُوهُ مُعَامَلَةَ مَنْ هُوَ نَاسٍ لَهُ، ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ أَيْ: [إِنَّا] [[زيادة من ت.]] سَنُعَامِلُكُمْ مُعَامَلَةَ النَّاسِي؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَنْسَى شَيْئًا وَلَا يَضِلُّ عَنْهُ شَيْءٌ، بَلْ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٣٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكُمْ وَتَكْذِيبِكُمْ، [[في ت: "كفرهم وتكذيبهم".]] كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا. إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا جَزَاءً وِفَاقًا. إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا. وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا. وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا. فَذُوقُوا فَلَنْ نزيدَكُمْ إِلا عَذَابًا﴾ [النَّبَأِ: ٢٤-٣٠] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: يقال لهؤلاء المشركين بالله إذا هم دخلوا النار: ذوقوا عذاب الله بما نسيتم لقاء يومكم هذا في الدنيا، ﴿إنَّا نَسِيناكُمْ﴾ يقول: إنا تركناكم اليوم في النار. * * وقوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الخُلْدِ﴾ يقول: يقال لهم أيضا: ذوقوا عذابا تخلدون فيه إلى غير نهاية ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿تَعْمَلُونَ﴾ من معاصي الله. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ قال: نسوا من كلّ خير، وأما الشرّ فلم ينسوا منه. ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿إنَّا نَسِيناكُمْ﴾ يقول: تركناكم.
Le Jour de la Résurrection, on les admonestera en ces termes: Goûtez le châtiment pour avoir été inattentifs dans le bas monde à la rencontre avec Allah le Jour de la Résurrection afin de Lui rendre des comptes. Nous vous laisserons endurer les supplices sans Nous soucier de vos souffrances. Goûtez donc au châtiment éternel et ininterrompu de l’Enfer pour les actes de désobéissance que vous avez commis dans le bas monde.
إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا۟ بِهَا خَرُّوا۟ سُجَّدًۭا وَسَبَّحُوا۟ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ۩
Seuls croient en Nos versets ceux qui, lorsqu'on les leur rappelle, tombent prosternés et, par des louanges à leur Seigneur, célèbrent Sa gloire et ne s'enflent pas d'orgueil.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ أَيْ: إِنَّمَا يُصَدِّقُ بِهَا ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ أَيِ: اسْتَمَعُوا لَهَا وَأَطَاعُوهَا قَوْلًا وَفِعْلًا ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ت، ف.]] عَنِ اتِّبَاعِهَا وَالِانْقِيَادِ لَهَا، كَمَا يَفْعَلُهُ الْجَهَلَةُ مِنَ الْكَفَرَةِ الْفَجَرَةِ، [وَقَدْ] [[زيادة من ت.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِرٍ:٦٠] . ثُمَّ قَالَ [تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: قِيَامَ اللَّيْلِ، وَتَرْكَ النَّوْمِ وَالِاضْطِجَاعِ عَلَى الْفُرَشِ الْوَطِيئَةِ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى] [[زيادة من ت، ف.]] : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: قِيَامَ اللَّيْلِ. وَعَنْ أَنَسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِر، وَأَبِي حَازِمٍ، وَقَتَادَةَ: هُوَ الصَّلَاةُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ. وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضًا: هُوَ انْتِظَارُ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. [[تفسير الطبري (٢١/٦٣) .]] وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ فِي جَمَاعَةٍ، وَصَلَاةُ الْغَدَاةِ فِي جَمَاعَةٍ. ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أَيْ: خَوْفًا مِنْ وَبَالِ عِقَابِهِ، وَطَمَعًا فِي جَزِيلِ ثَوَابِهِ، ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ، فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ فِعْلِ الْقُرُبَاتِ اللَّازِمَةِ وَالْمُتَعَدِّيَةِ، وَمُقَدَّمُ هَؤُلَاءِ وَسَيِّدُهُمْ وَفَخْرُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحة، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كتَابَه ... إذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الصُّبْحِ سَاطعُ ... [أرَانَا الهُدَى بَعْدَ العَمَى فَقُلُوبُنَا ... بِهِ مُوقِنَاتٌ أنَّ مَا قَال وَاقِعُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] ... يَبيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِه ... إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بالْمُشْرِكِين المَضَاجِعُ ... وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ [[في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده عن ابن مسعود".]] ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٌ ثَارَ مِنْ وِطَائه وَلِحَافِهِ، وَمِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ وَحَيِّه [[في ت، ف، أ: "من بين بنيه وأهله".]] إِلَى صَلَاتِهِ، [فَيَقُولُ رَبُّنَا: أَيَا مَلَائِكَتِي، انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ مِنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ، وَمِنْ بَيْنِ حَيِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ] [[زيادة من ت، ف، أ، والمسند.]] رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي. وَرَجُلٌ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَانْهَزَمُوا، فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْفِرَارِ، وَمَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي. فَيَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ لِلْمَلَائِكَةِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَرَهْبَةً مِمَّا عِنْدِي، حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ". وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي "الْجِهَادِ"، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، بِهِ بِنَحْوِهِ. [[المسند (١/٤١٦) وسنن أبي داود برقم (٥٢٣٦) .]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُود، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، [[في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده".]] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ، وَنَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، [[في ت: "يا رسول الله".]] أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ. قَالَ: "لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، تَعْبُدُ الله ولا تشرك به شيئا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ". ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أَدُلَّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي [[في ت: "من".]] جَوْفِ اللَّيْلِ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ ، حَتَّى بَلَغَ ﴿يَعْمَلُون﴾ . ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ؟ " فَقُلْتُ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامه الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". ثُمَّ قَالَ: "أَلَّا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ " فَقُلْتُ: بَلَى، يَا نَبِيَّ اللَّهِ. فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ ثُمَّ قَالَ: "كُفّ عَلَيْكَ هَذَا". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ. فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُب النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ -إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنِّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمْ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ مَعْمَرٍ، بِهِ. [[المسند (٥/٢٣١) وسنن الترمذي برقم (٢٦١٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٩٤) وسنن ابن ماجه برقم (٣٩٧٣) .]] وَقَالَ [[في ت: "رواه".]] التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَة بْنَ النَّزَّالِ [[في أ: "الزبير".]] يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال لَهُ: "أَلَا أَدُلَّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ، وَقِيَامُ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ"، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [[تفسير الطبري (٢١/٦٤) .]] . وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَنْ مُعَاذٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ، وَمِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، وَالْحَكَمِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَنْ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ. وَمِنْ حَدِيثِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُود، عن شَهْرٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ قَالَ: "قِيَامُ الْعَبْدِ مِنَ اللَّيْلِ". [[تفسير الطبري (٢١/٦٤، ٦٥) .]] وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَنَان الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا فِطْر بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، وَالْحَكَمِ، وَحَكِيمِ بْنِ جُبَيْر، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَنْ مُعَاذٍ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقَالَ: "إِنْ شِئْتَ أَنْبَأَتُكَ بِأَبْوَابِ الْخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ، وَقِيَامُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ"، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ . ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِر، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشَب، [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده".]] عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، جَاءَ مُنَادٍ فَنَادَى بِصَوْتٍ يُسمعُ الْخَلَائِقَ: سَيَعْلَمُ أَهْلُ الْجَمْعِ الْيَوْمَ مَن أَوْلَى بِالْكَرَمِ. ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُنَادِي: لِيَقُمِ [[في ت: "لتقم".]] الَّذِينَ كَانَتْ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ الْآيَةَ، فَيَقُومُونَ وَهُمْ قَلِيلٌ". [[ورواه إسحاق بن راهوية في مسنده، وأبو يعلى في المسند الكبير كما في المطالب العالية (٤/٣٧٣) من حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها.]] وَقَالَ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيب، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ الْأَغَرِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي مُصْعَبٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ بِلَالٌ [[في ت: "وقال البزار بإسناده عن بلال قال".]] لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [الْآيَةَ] [[زيادة من ت، ف.]] ، كُنَّا نَجْلِسُ فِي الْمَجْلِسِ، وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصَلُّونَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْعَشَاءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ . ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُ رَوَى أَسْلَمُ عَنْ بِلَالٍ سِوَاهُ، وَلَيْسَ لَهُ طَرِيقٌ عَنْ بِلَالٍ غَيْرَ هَذِهِ الطَّرِيقِ [[مسند البزار برقم (٢٢٥٠) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي في المجمع (٧/٩٠) : "فيه عبد الله بن شبيب وهو ضعيف".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: فَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ عَظَمَةَ مَا أَخْفَى اللَّهُ لَهُمْ فِي الْجَنَّاتِ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَاللَّذَّاتِ الَّتِي لَمْ يَطَّلِعُ عَلَى مِثْلِهَا أَحَدٌ، لَمَّا أَخْفَوْا أَعْمَالَهُمْ [[في ت، ف، أ: "أعمالهم كذلك".]] أَخْفَى اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الثَّوَابِ، جَزَاءً وِفَاقًا؛ فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ. قَالَ الْحَسَنُ [الْبَصْرِيُّ] : [[زيادة من أ.]] أَخْفَى قَوْمٌ عَمَلَهُمْ فَأَخْفَى اللَّهُ لَهُمْ مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ [[في ت: "ولا يخطر".]] عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية: حدثنا علي بن عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ". قَالَ أبو هريرة: فاقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ . قَالَ: وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ مِثْلَهُ [[في ف، أ: "تعالى".]] . قِيلَ لِسُفْيَانَ: رِوَايَةً؟ قَالَ: فَأيُّ شَيْءٍ؟. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٧٧٩) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٤) وسنن الترمذي برقم (٣١٩٧) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا [[في ف، أ: "عن".]] أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خطر عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ذُخْرًا منْ بَله مَا أطلعْتم عَلَيْهِ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ: "قُرَّات أَعْيُنٍ". انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [[صحيح البخاري برقم (٤٧٨٠) وفي البخاري "رواية أبي معاوية" بعد الحديث المتقدم.]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّه قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "إن الله تَعَالَى قَالَ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خطر عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ [[المسند (٢/٣١٣) وصحيح البخاري برقم (٨٤٩٨) من طريق عبد الله عن معمر به، ولم أجده في الصحيحين من رواية عبد الرزاق.]] . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي التَّفْسِيرِ، وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِهِ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٢) وتفسير الطبري (٢١/٦٦) .]] وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[في ت: "وروى مسلم عن أبي هريرة".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ حَمَّادٌ: أَحْسَبُهُ عَنِ النَّبِيِّ [[في ت: "رسول الله".]] ﷺ قَالَ: "مَنْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ، فِي الْجَنَّةِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خطر على قلب بشر". رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، بِهِ. [[صحيح مسلم برقم (٢٨٣٦) .]] وَرَوَى [[في أ: "وقال".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَارُونُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ، أَنَّ أَبَا حَازِمٍ حدَّثه قَالَ: سَمِعْتُ [[في ت: "وروى مسلم أيضا عن".]] سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: شَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مجلسا وَصَفَ فِيهِ الْجَنَّةَ، حَتَّى انْتَهَى، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: "فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ"، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا] ﴾ [[زيادة من ت، ف، أ.]] ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَعْمَلُون﴾ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ هَارُونَ بْنِ مَعْرُوفٍ، وَهَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، بِهِ. [[المسند (٥/٣٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٥) .]] وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: "أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ". لَمْ يُخَرِّجُوهُ. [[تفسير الطبري (٢١/٦٧) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] مُسْلِمٌ أَيْضًا فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ وَغَيْرُهُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُطَرّف بْنُ طَريف وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَعِيدٍ، سَمِعَا الشَّعْبِيَّ يُخْبِرُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُهُ عَلَى الْمِنْبَرِ -يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ -قَالَ: "سَأَلَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في ت: "صلى الله عليه وسلم".]] رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَمَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ، وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟ فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلَ مُلك مَلِكٍ مَنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ. فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، فَقَال فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ. فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشْرَةُ أَمْثَالِهِ [[في ف، أ: "وعشرة أمثاله معه".]] وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ ولَذَّت عَيْنُكَ. فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ. قَالَ: رَبِّ، فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أرَدتُ، غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ [[في ف "تستمع".]] أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ"، قَالَ: وَمِصْدَاقُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، قَالَ: وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ، والمرفوع أصح. [[صحيح مسلم برقم (١٨٩) وسنن الترمذي برقم (٣١٩٨) .]] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُنِيرٍ الْمَدَائِنِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَدْرٍ شجاعُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ خَيْثَمة، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادة، عَنْ عَامِرِ [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم عن عباس".]] بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ سَبْعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَلْتَفِتُ فَإِذَا هُوَ بِامْرَأَةٍ أَحْسَنَ مِمَّا كَانَ فِيهِ، فَتَقُولُ لَهُ: قَدْ أنَى لَكَ أَنْ يَكُونَ لَنَا مِنْكَ نَصِيبٌ؟ فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أَنَا مِنَ الْمَزِيدِ. فَيَمْكُثُ مَعَهَا سَبْعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَلْتَفِتُ فَإِذَا هُوَ بِامْرَأَةٍ أَحْسَنَ مِمَّا كَانَ فِيهِ، فَتَقُولُ لَهُ: قَدْ أَنَى لَكَ أَنْ يَكُونَ لَنَا مِنْكَ نَصِيبٌ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أَنَا الَّتِي [[في أ: "أنا من الذين".]] قَالَ اللَّهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ . وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَة: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر قَالَ: تَدْخُلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ فِي مِقْدَارِ كَلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، مَعَهُمُ التُّحَفُ مِنَ اللَّهِ مِنْ جَنَّاتِ عَدْنٍ مَا لَيْسَ فِي جَنَّاتِهِمْ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ، ويُخْبَرون أَنَّ اللَّهَ عَنْهُمْ [[في ت: "عليهم".]] رَاضٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ الْهَوْزَنِيِّ -أَوْ غَيْرِهِ -قَالَ: الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، أوَّلها دَرَجَةُ فِضَّةٍ وَأَرْضُهَا فِضَّةٌ، وَمَسَاكِنُهَا فِضَّةٌ، [وَآنِيَتُهَا فِضَّةٌ] [[زيادة من ت، ف، أ، والطبري.]] وَتُرَابُهَا الْمِسْكُ. وَالثَّانِيَةُ ذَهَبٌ، وَأَرْضُهَا ذَهَبٌ، وَمَسَاكِنُهَا ذَهَبٌ، وَآنِيَتُهَا ذَهَبٌ، وَتُرَابُهَا الْمِسْكُ. وَالثَّالِثَةُ لُؤْلُؤٌ، وَأَرْضُهَا لُؤْلُؤٌ، وَمَسَاكِنُهَا اللُّؤْلُؤُ، وَآنِيَتُهَا اللُّؤْلُؤُ، وَتُرَابُهَا الْمِسْكُ. وَسَبْعٌ وَتِسْعُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [[تفسير الطبري (٢١/٦٦) .]] وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، عن الغِطْرِيف، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده عن ابن عباس".]] عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنِ الرُّوحِ الْأَمِينِ قَالَ: "يُؤْتَى بِحَسَنَاتِ الْعَبْدِ وَسَيِّئَاتِهِ، يُنْقَصُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، فَإِنْ بَقِيَتْ حَسَنَةٌ [وَاحِدَةٌ] [[زيادة من ت، ف، أ، والطبري.]] وَسَّعَ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ"، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى "يَزْدَادَ" فَحَدَّث بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: فَقُلْتُ: فَأَيْنَ ذَهَبَتِ الْحَسَنَةُ؟ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ١٦] . قُلْتُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ، قَالَ: الْعَبْدُ يَعْمَلُ سِرًّا أسرَّه إِلَى اللَّهِ، لَمْ يُعلم بِهِ النَّاسُ، فأسَرَّ اللَّهُ لَهُ يوم القيامة قُرَّة أعين. [[تفسير الطبري (٢١/٦٧) .]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: يقال لهؤلاء المشركين بالله إذا هم دخلوا النار: ذوقوا عذاب الله بما نسيتم لقاء يومكم هذا في الدنيا، ﴿إنَّا نَسِيناكُمْ﴾ يقول: إنا تركناكم اليوم في النار. * * وقوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الخُلْدِ﴾ يقول: يقال لهم أيضا: ذوقوا عذابا تخلدون فيه إلى غير نهاية ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿تَعْمَلُونَ﴾ من معاصي الله. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ قال: نسوا من كلّ خير، وأما الشرّ فلم ينسوا منه. ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿إنَّا نَسِيناكُمْ﴾ يقول: تركناكم.
Seuls croient aux versets révélés à Notre Messager ceux qui, lorsqu’on les exhorte par leur biais, se prosternent devant Allah en célébrant Sa louange et ne dédaignent pas L’adorer et se prosterner devant Lui quelle que soit la situation.
تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًۭا وَطَمَعًۭا وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ
Ils s'arrachent de leurs lits pour invoquer leur Seigneur, par crainte et espoir; et ils font largesse de ce que Nous leur attribuons.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ أَيْ: إِنَّمَا يُصَدِّقُ بِهَا ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ أَيِ: اسْتَمَعُوا لَهَا وَأَطَاعُوهَا قَوْلًا وَفِعْلًا ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ت، ف.]] عَنِ اتِّبَاعِهَا وَالِانْقِيَادِ لَهَا، كَمَا يَفْعَلُهُ الْجَهَلَةُ مِنَ الْكَفَرَةِ الْفَجَرَةِ، [وَقَدْ] [[زيادة من ت.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِرٍ:٦٠] . ثُمَّ قَالَ [تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: قِيَامَ اللَّيْلِ، وَتَرْكَ النَّوْمِ وَالِاضْطِجَاعِ عَلَى الْفُرَشِ الْوَطِيئَةِ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى] [[زيادة من ت، ف.]] : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: قِيَامَ اللَّيْلِ. وَعَنْ أَنَسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِر، وَأَبِي حَازِمٍ، وَقَتَادَةَ: هُوَ الصَّلَاةُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ. وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضًا: هُوَ انْتِظَارُ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. [[تفسير الطبري (٢١/٦٣) .]] وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ فِي جَمَاعَةٍ، وَصَلَاةُ الْغَدَاةِ فِي جَمَاعَةٍ. ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أَيْ: خَوْفًا مِنْ وَبَالِ عِقَابِهِ، وَطَمَعًا فِي جَزِيلِ ثَوَابِهِ، ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ، فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ فِعْلِ الْقُرُبَاتِ اللَّازِمَةِ وَالْمُتَعَدِّيَةِ، وَمُقَدَّمُ هَؤُلَاءِ وَسَيِّدُهُمْ وَفَخْرُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحة، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كتَابَه ... إذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الصُّبْحِ سَاطعُ ... [أرَانَا الهُدَى بَعْدَ العَمَى فَقُلُوبُنَا ... بِهِ مُوقِنَاتٌ أنَّ مَا قَال وَاقِعُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] ... يَبيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِه ... إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بالْمُشْرِكِين المَضَاجِعُ ... وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ [[في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده عن ابن مسعود".]] ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٌ ثَارَ مِنْ وِطَائه وَلِحَافِهِ، وَمِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ وَحَيِّه [[في ت، ف، أ: "من بين بنيه وأهله".]] إِلَى صَلَاتِهِ، [فَيَقُولُ رَبُّنَا: أَيَا مَلَائِكَتِي، انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ مِنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ، وَمِنْ بَيْنِ حَيِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ] [[زيادة من ت، ف، أ، والمسند.]] رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي. وَرَجُلٌ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَانْهَزَمُوا، فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْفِرَارِ، وَمَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي. فَيَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ لِلْمَلَائِكَةِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَرَهْبَةً مِمَّا عِنْدِي، حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ". وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي "الْجِهَادِ"، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، بِهِ بِنَحْوِهِ. [[المسند (١/٤١٦) وسنن أبي داود برقم (٥٢٣٦) .]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُود، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، [[في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده".]] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ، وَنَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، [[في ت: "يا رسول الله".]] أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ. قَالَ: "لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، تَعْبُدُ الله ولا تشرك به شيئا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ". ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أَدُلَّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي [[في ت: "من".]] جَوْفِ اللَّيْلِ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ ، حَتَّى بَلَغَ ﴿يَعْمَلُون﴾ . ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ؟ " فَقُلْتُ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامه الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". ثُمَّ قَالَ: "أَلَّا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ " فَقُلْتُ: بَلَى، يَا نَبِيَّ اللَّهِ. فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ ثُمَّ قَالَ: "كُفّ عَلَيْكَ هَذَا". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ. فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُب النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ -إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنِّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمْ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ مَعْمَرٍ، بِهِ. [[المسند (٥/٢٣١) وسنن الترمذي برقم (٢٦١٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٩٤) وسنن ابن ماجه برقم (٣٩٧٣) .]] وَقَالَ [[في ت: "رواه".]] التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَة بْنَ النَّزَّالِ [[في أ: "الزبير".]] يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال لَهُ: "أَلَا أَدُلَّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ، وَقِيَامُ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ"، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [[تفسير الطبري (٢١/٦٤) .]] . وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَنْ مُعَاذٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ، وَمِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، وَالْحَكَمِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَنْ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ. وَمِنْ حَدِيثِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُود، عن شَهْرٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ قَالَ: "قِيَامُ الْعَبْدِ مِنَ اللَّيْلِ". [[تفسير الطبري (٢١/٦٤، ٦٥) .]] وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَنَان الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا فِطْر بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، وَالْحَكَمِ، وَحَكِيمِ بْنِ جُبَيْر، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَنْ مُعَاذٍ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقَالَ: "إِنْ شِئْتَ أَنْبَأَتُكَ بِأَبْوَابِ الْخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ، وَقِيَامُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ"، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ . ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِر، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشَب، [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده".]] عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، جَاءَ مُنَادٍ فَنَادَى بِصَوْتٍ يُسمعُ الْخَلَائِقَ: سَيَعْلَمُ أَهْلُ الْجَمْعِ الْيَوْمَ مَن أَوْلَى بِالْكَرَمِ. ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُنَادِي: لِيَقُمِ [[في ت: "لتقم".]] الَّذِينَ كَانَتْ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ الْآيَةَ، فَيَقُومُونَ وَهُمْ قَلِيلٌ". [[ورواه إسحاق بن راهوية في مسنده، وأبو يعلى في المسند الكبير كما في المطالب العالية (٤/٣٧٣) من حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها.]] وَقَالَ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيب، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ الْأَغَرِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي مُصْعَبٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ بِلَالٌ [[في ت: "وقال البزار بإسناده عن بلال قال".]] لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [الْآيَةَ] [[زيادة من ت، ف.]] ، كُنَّا نَجْلِسُ فِي الْمَجْلِسِ، وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصَلُّونَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْعَشَاءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ . ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُ رَوَى أَسْلَمُ عَنْ بِلَالٍ سِوَاهُ، وَلَيْسَ لَهُ طَرِيقٌ عَنْ بِلَالٍ غَيْرَ هَذِهِ الطَّرِيقِ [[مسند البزار برقم (٢٢٥٠) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي في المجمع (٧/٩٠) : "فيه عبد الله بن شبيب وهو ضعيف".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: فَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ عَظَمَةَ مَا أَخْفَى اللَّهُ لَهُمْ فِي الْجَنَّاتِ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَاللَّذَّاتِ الَّتِي لَمْ يَطَّلِعُ عَلَى مِثْلِهَا أَحَدٌ، لَمَّا أَخْفَوْا أَعْمَالَهُمْ [[في ت، ف، أ: "أعمالهم كذلك".]] أَخْفَى اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الثَّوَابِ، جَزَاءً وِفَاقًا؛ فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ. قَالَ الْحَسَنُ [الْبَصْرِيُّ] : [[زيادة من أ.]] أَخْفَى قَوْمٌ عَمَلَهُمْ فَأَخْفَى اللَّهُ لَهُمْ مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ [[في ت: "ولا يخطر".]] عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية: حدثنا علي بن عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ". قَالَ أبو هريرة: فاقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ . قَالَ: وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ مِثْلَهُ [[في ف، أ: "تعالى".]] . قِيلَ لِسُفْيَانَ: رِوَايَةً؟ قَالَ: فَأيُّ شَيْءٍ؟. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٧٧٩) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٤) وسنن الترمذي برقم (٣١٩٧) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا [[في ف، أ: "عن".]] أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خطر عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ذُخْرًا منْ بَله مَا أطلعْتم عَلَيْهِ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ: "قُرَّات أَعْيُنٍ". انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [[صحيح البخاري برقم (٤٧٨٠) وفي البخاري "رواية أبي معاوية" بعد الحديث المتقدم.]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّه قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "إن الله تَعَالَى قَالَ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خطر عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ [[المسند (٢/٣١٣) وصحيح البخاري برقم (٨٤٩٨) من طريق عبد الله عن معمر به، ولم أجده في الصحيحين من رواية عبد الرزاق.]] . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي التَّفْسِيرِ، وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِهِ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٢) وتفسير الطبري (٢١/٦٦) .]] وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[في ت: "وروى مسلم عن أبي هريرة".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ حَمَّادٌ: أَحْسَبُهُ عَنِ النَّبِيِّ [[في ت: "رسول الله".]] ﷺ قَالَ: "مَنْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ، فِي الْجَنَّةِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خطر على قلب بشر". رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، بِهِ. [[صحيح مسلم برقم (٢٨٣٦) .]] وَرَوَى [[في أ: "وقال".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَارُونُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ، أَنَّ أَبَا حَازِمٍ حدَّثه قَالَ: سَمِعْتُ [[في ت: "وروى مسلم أيضا عن".]] سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: شَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مجلسا وَصَفَ فِيهِ الْجَنَّةَ، حَتَّى انْتَهَى، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: "فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ"، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا] ﴾ [[زيادة من ت، ف، أ.]] ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَعْمَلُون﴾ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ هَارُونَ بْنِ مَعْرُوفٍ، وَهَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، بِهِ. [[المسند (٥/٣٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٥) .]] وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: "أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ". لَمْ يُخَرِّجُوهُ. [[تفسير الطبري (٢١/٦٧) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] مُسْلِمٌ أَيْضًا فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ وَغَيْرُهُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُطَرّف بْنُ طَريف وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَعِيدٍ، سَمِعَا الشَّعْبِيَّ يُخْبِرُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُهُ عَلَى الْمِنْبَرِ -يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ -قَالَ: "سَأَلَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في ت: "صلى الله عليه وسلم".]] رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَمَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ، وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟ فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلَ مُلك مَلِكٍ مَنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ. فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، فَقَال فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ. فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشْرَةُ أَمْثَالِهِ [[في ف، أ: "وعشرة أمثاله معه".]] وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ ولَذَّت عَيْنُكَ. فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ. قَالَ: رَبِّ، فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أرَدتُ، غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ [[في ف "تستمع".]] أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ"، قَالَ: وَمِصْدَاقُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، قَالَ: وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ، والمرفوع أصح. [[صحيح مسلم برقم (١٨٩) وسنن الترمذي برقم (٣١٩٨) .]] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُنِيرٍ الْمَدَائِنِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَدْرٍ شجاعُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ خَيْثَمة، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادة، عَنْ عَامِرِ [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم عن عباس".]] بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ سَبْعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَلْتَفِتُ فَإِذَا هُوَ بِامْرَأَةٍ أَحْسَنَ مِمَّا كَانَ فِيهِ، فَتَقُولُ لَهُ: قَدْ أنَى لَكَ أَنْ يَكُونَ لَنَا مِنْكَ نَصِيبٌ؟ فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أَنَا مِنَ الْمَزِيدِ. فَيَمْكُثُ مَعَهَا سَبْعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَلْتَفِتُ فَإِذَا هُوَ بِامْرَأَةٍ أَحْسَنَ مِمَّا كَانَ فِيهِ، فَتَقُولُ لَهُ: قَدْ أَنَى لَكَ أَنْ يَكُونَ لَنَا مِنْكَ نَصِيبٌ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أَنَا الَّتِي [[في أ: "أنا من الذين".]] قَالَ اللَّهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ . وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَة: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر قَالَ: تَدْخُلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ فِي مِقْدَارِ كَلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، مَعَهُمُ التُّحَفُ مِنَ اللَّهِ مِنْ جَنَّاتِ عَدْنٍ مَا لَيْسَ فِي جَنَّاتِهِمْ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ، ويُخْبَرون أَنَّ اللَّهَ عَنْهُمْ [[في ت: "عليهم".]] رَاضٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ الْهَوْزَنِيِّ -أَوْ غَيْرِهِ -قَالَ: الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، أوَّلها دَرَجَةُ فِضَّةٍ وَأَرْضُهَا فِضَّةٌ، وَمَسَاكِنُهَا فِضَّةٌ، [وَآنِيَتُهَا فِضَّةٌ] [[زيادة من ت، ف، أ، والطبري.]] وَتُرَابُهَا الْمِسْكُ. وَالثَّانِيَةُ ذَهَبٌ، وَأَرْضُهَا ذَهَبٌ، وَمَسَاكِنُهَا ذَهَبٌ، وَآنِيَتُهَا ذَهَبٌ، وَتُرَابُهَا الْمِسْكُ. وَالثَّالِثَةُ لُؤْلُؤٌ، وَأَرْضُهَا لُؤْلُؤٌ، وَمَسَاكِنُهَا اللُّؤْلُؤُ، وَآنِيَتُهَا اللُّؤْلُؤُ، وَتُرَابُهَا الْمِسْكُ. وَسَبْعٌ وَتِسْعُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [[تفسير الطبري (٢١/٦٦) .]] وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، عن الغِطْرِيف، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده عن ابن عباس".]] عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنِ الرُّوحِ الْأَمِينِ قَالَ: "يُؤْتَى بِحَسَنَاتِ الْعَبْدِ وَسَيِّئَاتِهِ، يُنْقَصُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، فَإِنْ بَقِيَتْ حَسَنَةٌ [وَاحِدَةٌ] [[زيادة من ت، ف، أ، والطبري.]] وَسَّعَ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ"، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى "يَزْدَادَ" فَحَدَّث بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: فَقُلْتُ: فَأَيْنَ ذَهَبَتِ الْحَسَنَةُ؟ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ١٦] . قُلْتُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ، قَالَ: الْعَبْدُ يَعْمَلُ سِرًّا أسرَّه إِلَى اللَّهِ، لَمْ يُعلم بِهِ النَّاسُ، فأسَرَّ اللَّهُ لَهُ يوم القيامة قُرَّة أعين. [[تفسير الطبري (٢١/٦٧) .]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: ما يصدق بحججنا وآيات كتابنا إلا القوم الذين إذا ذكروا بها ووعظوا ﴿خَرّوا﴾ لله ﴿سجدا﴾ لوجوههم، تذلُّلا له، واستكانة لعظمته، وإقرارا له بالعبوديَّة ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ ربِّهِمْ﴾ يقول: وسبحوا الله في سجودهم بحمده، فيبرئونه مما يصفه أهل الكفر به، ويضيفون إليه من الصاحبة والأولاد والشركاء والأنداد ﴿وهم لا يستكبرون﴾ يقول: يفعلون ذلك، وهم لا يستكبرون عن السجود له والتسبيح، لا يستنكفون عن التذلُّل له والاستكانة. وقيل: إن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ؛ لأن قوما من المنافقين كانوا يخرجون من المسجد إذا أقيمت الصلاة، ذُكر ذلك عن حجاج، عن ابن جُرَيج. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: تتنحَّى جنوب هؤلاء الذين يؤمنون بآيات الله، الذين وصفت صفتهم، وترتفع من مضاجعهم التي يضطجعون لمنامهم، ولا ينامون ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفا وَطَمَعا﴾ في عفوه عنهم، وتفضُّله عليهم برحمته ومغفرته ﴿ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في سبيل الله، ويؤدّون منه حقوق الله التي أوجبها عليهم فيه. وتتجافى: تتفاعل من الجفاء، والجفاء: النبو، كما قال الراجز: وَصَاحِبي ذَاتُ هِباب دَمْشَقُ ... وَابنُ مِلاطٍ مُتجاف أرْفَقُ [[البيتان للزفيان (انظرهما في الملحق بديوان العجاج ١٠٠) . والهباب: النشاط والإسراع في السير. والدمشق: الناقة الخفيفة السريعة، وأنشد أبو عبيدة قول الزفيان: وَمَنْهَل طامٍ عَلَيْهِ الغَلْفَقُ ... يُنِيرُ أوْ يُسْدِى بِهِ الخَوَرْنَقُ وَرَدْتُهُ واللَّيْلُ دَاجٍ أبْلَقُ ... وَصَاحبي ذَات هِباب دَمْشَقُ كأنها بعْدَ الكَلالِ زَوْرَقُ ولم يذكر البيت الثاني، وهو محل الشاهد عند المؤلف. وفي (اللسان: ملط) قال النضر: الملاطان: ما عن يمين الكركرة وشمالها. وابنا ملاطي البعير: هما العضدان، وقيل كتفاه، وابنا ملاط: العضدان والكتفان. الواحد: ابن ملاط. وقال ابن السكيت: ابنا ملاط: العضدان. والمتجافي: البائن عن جنبها، وذلك أقوى لسيرها. والأرفق: المنفتل المرفق عن الجنب، وهو أرفق، وناقة رفقاء. اهـ. وقال الأزهري: الذي حفظه بهذا المعنى: ناقة دفقاء، وجمل أدفق، إذا انفتق مرفقه عن جنبه. وفي (اللسان: دفق) ورجل أدفق: إذا انحنى صلبه من كبر أو غم. وأنشد المفضل * وابن ملاط متجاف أدفق * اهـ. وأنشد أبو عبيدة البيتين في مجاز القرآن (الورقة ١٩٣ - أ) ولم ينسبه. ثم قال: أدفق (بالدال) أي متنح عن كركرتها. اهـ.]] يعني: أن كرمها سجية عن ابن ملاط، وإنما وصفهم تعالى ذكره بتجافي جنوبهم عن المضاجع؛ لتركهم الاضطجاع للنوم شغلا بالصلاة. واختلف أهل التأويل في الصلاة التي وصفهم جلّ ثناؤه، أن جنوبهم تتجافى لها عن المضطجع، فقال بعضهم: هي الصلاة بين المغرب والعشاء، وقال: نزلت هذه الآية في قوم كانوا يصلون في ذلك الوقت. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن أبي عروبة، قال: قال قتادة، قال أنس في قوله: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْل مَا يَهْجَعُونَ﴾ قال: كانوا يتنفَّلون فيما بين المغرب والعشاء، وكذلك ﴿تتجافى جنوبهم﴾ قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قَتادة، عن أنس في قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ﴾ قال: يصلون ما بين هاتين الصلاتين. ⁕ حدثني عليّ بن سعيد الكنديّ، قال: ثنا حفص بن غياث، عن سعيد، عن قَتادة، عن أنس ﴿تَتَجَافَى جُنُوبهُم عَنِ المَضَاجِعِ﴾ قال: ما بين المغرب والعشاء. ⁕ حدثني محمد بن خلف، قال: ثنا يزيد بن حيان، قال: ثنا الحارث بن وجيه الراسبي، قال: ثنا مالك بن دينار، عن أنس بن مالك، أن هذه الآية نزلت في رجال من أصحاب النبيّ ﷺ، كانوا يصلون فيما بين المغرب والعشاء ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ﴾ . ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بشر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قَتادة، عن أنس ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ﴾ قال: كانوا يتطوعون فيما بين المغرب والعشاء. ⁕ قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن أنس ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ﴾ قال: ما بين المغرب والعشاء. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ﴾ قال: كانوا يتنفَّلون ما بين صلاة المغرب وصلاة العشاء. وقال آخرون: عنى بها صلاة المغرب [[لعله صلاة العتمة، يعني العشاء، كما تفيده الآثار بعد.]] . ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن طلحة، عن عطاء ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ﴾ قال: عن العتمة. وذُكر عن حجاج، عن ابن جريج، قال: قال يحيى بن صَيفي، عن أبي سلمة، قال: العتمة. وقال آخرون: لانتظار صلاة العتمة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد إلى الأويسي، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك، أن هذه الآية ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ﴾ نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة. وقال آخرون: عنى بها قيام الليل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، عن الحسن ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ﴾ قال: قيام الليل. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ﴾ قال: هؤلاء المتهجدون لصلاة الليل. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ﴾ يقومون يصلون من الليل. وقال آخرون: إنما هذه صفة قوم لا تخلو ألسنتهم من ذكر الله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: اخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُم خَوْفا وَطَمَعا﴾ : وهم قوم لا يزالون يذكرون الله، إما في صلاة، وإما قياما، وإما قعودا، وإما إذا استيقظوا من منامهم، هم قوم لا يزالون يذكرون الله. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ ... ﴾ إلى آخر الآية، يقول: تتجافى لذكر الله، كلما استيقظوا ذكروا الله، إما في الصلاة، وإما في قيام، أو في قعود، أو على جنوبهم، فهم لا يزالون يذكرون الله. والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله وصف هؤلاء القوم بأن جنوبهم تنبو عن مضاجعهم، شغلا منهم بدعاء ربهم وعبادته خوفا وطمعا، وذلك نبوّ جنوبهم عن المضاجع ليلا؛ لأن المعروف من وصف الواصف رجلا بأن جنبه نبا عن مضجعه، إنما هو وصف منه له بأنه جفا عن النوم في وقت منام الناس المعروف، وذلك الليل دون النهار، وكذلك تصف العرب الرجل إذا وصفته بذلك، يدلّ على ذلك قول عبد الله بن رواحة الأنصاري رضي الله عنه في صفة نبيّ الله ﷺ: يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عَنْ فِراشِهِ ... إذا اسْتَثْقَلَت بالمُشْرِكِينَ المَضَاجِعُ [[البيت لعبد الله بن رواحة الأنصاري أحد شعراء النبي ﷺ. ويجافي: يباعد واستثقلت ثقلت: والمضاجع: جمع مضجع، وهو الفراش ينام فيه أو موضعه. والبيت شاهد ثاني على التجافي في قوله تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) : معناه: تبعد. قال أبو عبيدة في مجازالقرآن (الورقة ١٩٥ - ب) : أي ترتفع عنها وتتنحى، لأنهم يصلون بالليل. اهـ.]] فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره لم يخصص في وصفه هؤلاء القوم بالذي وصفهم به من جفاء جنوبهم عن مضاجعهم من أحوال الليل وأوقاته حالا ووقتا دون حال ووقت، كان واجبا أن يكون ذلك على كلّ آناء الليل وأوقاته. وإذا كان كذلك كان من صلى ما بين المغرب والعشاء، أو انتظر العشاء الآخرة، أو قام الليل أو بعضه، أو ذكر الله في ساعات الليل، أو صلى العتمة ممن دخل في ظاهر قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ﴾ لأن جنبه قد جفا عن مضجعه في الحال التي قام فيها للصلاة قائما صلى أو ذكر الله، أو قاعدا بعد أن لا يكون مضطجعا، وهو على القيام أو القعود قادر، غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن توجيه الكلام إلى أنه معني به قيام الليل أعجب إليّ؛ لأن ذلك أظهر معانيه، والأغلب على ظاهر الكلام، وبه جاء الخبر عن رسول الله ﷺ. وذلك ما:- ⁕ حدثنا به ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت عروة بن الزبير يحدّث عن معاذ بن جبل، أن رسول الله ﷺ قال له: "ألا أدلُّكَ عَلى أبْواب الخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ، وَقِيامُ العَبْدِ في جَوْفِ اللَّيْلِ" وتلا هذه الآية ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفا وَطَمَعا ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ". ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو أسامة، عن سليمان، عن حبيب بن أبي ثابت والحكم، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ بن جبل، عن رسول الله ﷺ، بنحوه. ⁕ حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثنا آدم، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا منصور بن المعتمر، عن الحكم بن عُتيبة، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ بن جبل، قال: قال لي رسول الله ﷺ: "إنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ بأبْوابِ الخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ، وَقِيامُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ" ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ﴾ . ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يزيد بن حيان، عن حماد بن سلمة، قال: ثنا عاصم بن أبي النجود، عن شهر بن حوشب، عن معاذ بن جبل، عن رسول الله ﷺ في قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ﴾ قال: "قِيامُ العَبْدِ مِن اللَّيْل". ⁕ حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع، قال: ثني أبي، قال: ثني زياد بن خيثمة، عن أبي يحيى بائع القتّ، عن مجاهد، قال: ذكر رسول الله ﷺ قيام الليل، ففاضت عيناه حتى تحادرت دموعه، فقال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ﴾ . وأما قوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفا وَطَمَعا ... ﴾ الآية، فإن بنحو الذي قلنا [[انظر تفسير المؤلف للآية في صدر الكلام عليها ص ٩٩.]] في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: خوفا من عذاب الله، وطمعا في رحمة الله، ومما رزقناهم ينفقون فى طاعة الله، وفي سبيله.
Leurs flancs se séparent de leurs couches sur lesquelles ils dorment et ils se lèvent afin de faire face à Allah et de L’invoquer durant la prière ou lors d’autres adorations, parce qu’ils craignent Son châtiment et espèrent Sa miséricorde. En outre, ils dépensent pour la cause d’Allah des richesses que Nous leur avons accordées.
فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌۭ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍۢ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ
Aucun être ne sait ce qu'on a réservé pour eux comme réjouissance pour les yeux, en récompense de ce qu'ils œuvraient!
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ أَيْ: إِنَّمَا يُصَدِّقُ بِهَا ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ أَيِ: اسْتَمَعُوا لَهَا وَأَطَاعُوهَا قَوْلًا وَفِعْلًا ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ت، ف.]] عَنِ اتِّبَاعِهَا وَالِانْقِيَادِ لَهَا، كَمَا يَفْعَلُهُ الْجَهَلَةُ مِنَ الْكَفَرَةِ الْفَجَرَةِ، [وَقَدْ] [[زيادة من ت.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِرٍ:٦٠] . ثُمَّ قَالَ [تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: قِيَامَ اللَّيْلِ، وَتَرْكَ النَّوْمِ وَالِاضْطِجَاعِ عَلَى الْفُرَشِ الْوَطِيئَةِ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى] [[زيادة من ت، ف.]] : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: قِيَامَ اللَّيْلِ. وَعَنْ أَنَسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِر، وَأَبِي حَازِمٍ، وَقَتَادَةَ: هُوَ الصَّلَاةُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ. وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضًا: هُوَ انْتِظَارُ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. [[تفسير الطبري (٢١/٦٣) .]] وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ فِي جَمَاعَةٍ، وَصَلَاةُ الْغَدَاةِ فِي جَمَاعَةٍ. ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أَيْ: خَوْفًا مِنْ وَبَالِ عِقَابِهِ، وَطَمَعًا فِي جَزِيلِ ثَوَابِهِ، ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ، فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ فِعْلِ الْقُرُبَاتِ اللَّازِمَةِ وَالْمُتَعَدِّيَةِ، وَمُقَدَّمُ هَؤُلَاءِ وَسَيِّدُهُمْ وَفَخْرُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحة، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كتَابَه ... إذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الصُّبْحِ سَاطعُ ... [أرَانَا الهُدَى بَعْدَ العَمَى فَقُلُوبُنَا ... بِهِ مُوقِنَاتٌ أنَّ مَا قَال وَاقِعُ] [[زيادة من ت، ف، أ.]] ... يَبيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِه ... إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بالْمُشْرِكِين المَضَاجِعُ ... وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ [[في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده عن ابن مسعود".]] ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٌ ثَارَ مِنْ وِطَائه وَلِحَافِهِ، وَمِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ وَحَيِّه [[في ت، ف، أ: "من بين بنيه وأهله".]] إِلَى صَلَاتِهِ، [فَيَقُولُ رَبُّنَا: أَيَا مَلَائِكَتِي، انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ مِنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ، وَمِنْ بَيْنِ حَيِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ] [[زيادة من ت، ف، أ، والمسند.]] رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي. وَرَجُلٌ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَانْهَزَمُوا، فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْفِرَارِ، وَمَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي. فَيَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ لِلْمَلَائِكَةِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَرَهْبَةً مِمَّا عِنْدِي، حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ". وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي "الْجِهَادِ"، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، بِهِ بِنَحْوِهِ. [[المسند (١/٤١٦) وسنن أبي داود برقم (٥٢٣٦) .]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُود، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، [[في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده".]] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ، وَنَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، [[في ت: "يا رسول الله".]] أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ. قَالَ: "لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، تَعْبُدُ الله ولا تشرك به شيئا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ". ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أَدُلَّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي [[في ت: "من".]] جَوْفِ اللَّيْلِ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ ، حَتَّى بَلَغَ ﴿يَعْمَلُون﴾ . ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ؟ " فَقُلْتُ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامه الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". ثُمَّ قَالَ: "أَلَّا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ " فَقُلْتُ: بَلَى، يَا نَبِيَّ اللَّهِ. فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ ثُمَّ قَالَ: "كُفّ عَلَيْكَ هَذَا". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ. فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُب النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ -إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنِّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمْ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ مَعْمَرٍ، بِهِ. [[المسند (٥/٢٣١) وسنن الترمذي برقم (٢٦١٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٩٤) وسنن ابن ماجه برقم (٣٩٧٣) .]] وَقَالَ [[في ت: "رواه".]] التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَة بْنَ النَّزَّالِ [[في أ: "الزبير".]] يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال لَهُ: "أَلَا أَدُلَّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ، وَقِيَامُ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ"، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [[تفسير الطبري (٢١/٦٤) .]] . وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَنْ مُعَاذٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ، وَمِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، وَالْحَكَمِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَنْ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ. وَمِنْ حَدِيثِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُود، عن شَهْرٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ قَالَ: "قِيَامُ الْعَبْدِ مِنَ اللَّيْلِ". [[تفسير الطبري (٢١/٦٤، ٦٥) .]] وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَنَان الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا فِطْر بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، وَالْحَكَمِ، وَحَكِيمِ بْنِ جُبَيْر، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَنْ مُعَاذٍ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقَالَ: "إِنْ شِئْتَ أَنْبَأَتُكَ بِأَبْوَابِ الْخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ، وَقِيَامُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ"، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ . ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِر، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ شَهْر بْنِ حَوْشَب، [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده".]] عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، جَاءَ مُنَادٍ فَنَادَى بِصَوْتٍ يُسمعُ الْخَلَائِقَ: سَيَعْلَمُ أَهْلُ الْجَمْعِ الْيَوْمَ مَن أَوْلَى بِالْكَرَمِ. ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُنَادِي: لِيَقُمِ [[في ت: "لتقم".]] الَّذِينَ كَانَتْ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ الْآيَةَ، فَيَقُومُونَ وَهُمْ قَلِيلٌ". [[ورواه إسحاق بن راهوية في مسنده، وأبو يعلى في المسند الكبير كما في المطالب العالية (٤/٣٧٣) من حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها.]] وَقَالَ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيب، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ الْأَغَرِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي مُصْعَبٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ بِلَالٌ [[في ت: "وقال البزار بإسناده عن بلال قال".]] لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [الْآيَةَ] [[زيادة من ت، ف.]] ، كُنَّا نَجْلِسُ فِي الْمَجْلِسِ، وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصَلُّونَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْعَشَاءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ . ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُ رَوَى أَسْلَمُ عَنْ بِلَالٍ سِوَاهُ، وَلَيْسَ لَهُ طَرِيقٌ عَنْ بِلَالٍ غَيْرَ هَذِهِ الطَّرِيقِ [[مسند البزار برقم (٢٢٥٠) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي في المجمع (٧/٩٠) : "فيه عبد الله بن شبيب وهو ضعيف".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: فَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ عَظَمَةَ مَا أَخْفَى اللَّهُ لَهُمْ فِي الْجَنَّاتِ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَاللَّذَّاتِ الَّتِي لَمْ يَطَّلِعُ عَلَى مِثْلِهَا أَحَدٌ، لَمَّا أَخْفَوْا أَعْمَالَهُمْ [[في ت، ف، أ: "أعمالهم كذلك".]] أَخْفَى اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الثَّوَابِ، جَزَاءً وِفَاقًا؛ فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ. قَالَ الْحَسَنُ [الْبَصْرِيُّ] : [[زيادة من أ.]] أَخْفَى قَوْمٌ عَمَلَهُمْ فَأَخْفَى اللَّهُ لَهُمْ مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ [[في ت: "ولا يخطر".]] عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية: حدثنا علي بن عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ". قَالَ أبو هريرة: فاقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ . قَالَ: وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ مِثْلَهُ [[في ف، أ: "تعالى".]] . قِيلَ لِسُفْيَانَ: رِوَايَةً؟ قَالَ: فَأيُّ شَيْءٍ؟. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٧٧٩) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٤) وسنن الترمذي برقم (٣١٩٧) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا [[في ف، أ: "عن".]] أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خطر عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ذُخْرًا منْ بَله مَا أطلعْتم عَلَيْهِ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ: "قُرَّات أَعْيُنٍ". انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [[صحيح البخاري برقم (٤٧٨٠) وفي البخاري "رواية أبي معاوية" بعد الحديث المتقدم.]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّه قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "إن الله تَعَالَى قَالَ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خطر عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ [[المسند (٢/٣١٣) وصحيح البخاري برقم (٨٤٩٨) من طريق عبد الله عن معمر به، ولم أجده في الصحيحين من رواية عبد الرزاق.]] . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي التَّفْسِيرِ، وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِهِ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٢) وتفسير الطبري (٢١/٦٦) .]] وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[في ت: "وروى مسلم عن أبي هريرة".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ حَمَّادٌ: أَحْسَبُهُ عَنِ النَّبِيِّ [[في ت: "رسول الله".]] ﷺ قَالَ: "مَنْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ، فِي الْجَنَّةِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خطر على قلب بشر". رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، بِهِ. [[صحيح مسلم برقم (٢٨٣٦) .]] وَرَوَى [[في أ: "وقال".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَارُونُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ، أَنَّ أَبَا حَازِمٍ حدَّثه قَالَ: سَمِعْتُ [[في ت: "وروى مسلم أيضا عن".]] سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: شَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مجلسا وَصَفَ فِيهِ الْجَنَّةَ، حَتَّى انْتَهَى، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: "فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ"، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا] ﴾ [[زيادة من ت، ف، أ.]] ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَعْمَلُون﴾ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ هَارُونَ بْنِ مَعْرُوفٍ، وَهَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، بِهِ. [[المسند (٥/٣٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٥) .]] وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: "أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ". لَمْ يُخَرِّجُوهُ. [[تفسير الطبري (٢١/٦٧) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] مُسْلِمٌ أَيْضًا فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ وَغَيْرُهُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُطَرّف بْنُ طَريف وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَعِيدٍ، سَمِعَا الشَّعْبِيَّ يُخْبِرُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُهُ عَلَى الْمِنْبَرِ -يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ -قَالَ: "سَأَلَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في ت: "صلى الله عليه وسلم".]] رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَمَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ، وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟ فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلَ مُلك مَلِكٍ مَنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ. فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، فَقَال فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ. فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشْرَةُ أَمْثَالِهِ [[في ف، أ: "وعشرة أمثاله معه".]] وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ ولَذَّت عَيْنُكَ. فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ. قَالَ: رَبِّ، فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أرَدتُ، غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ [[في ف "تستمع".]] أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ"، قَالَ: وَمِصْدَاقُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، قَالَ: وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ، والمرفوع أصح. [[صحيح مسلم برقم (١٨٩) وسنن الترمذي برقم (٣١٩٨) .]] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُنِيرٍ الْمَدَائِنِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَدْرٍ شجاعُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ خَيْثَمة، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادة، عَنْ عَامِرِ [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم عن عباس".]] بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ سَبْعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَلْتَفِتُ فَإِذَا هُوَ بِامْرَأَةٍ أَحْسَنَ مِمَّا كَانَ فِيهِ، فَتَقُولُ لَهُ: قَدْ أنَى لَكَ أَنْ يَكُونَ لَنَا مِنْكَ نَصِيبٌ؟ فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أَنَا مِنَ الْمَزِيدِ. فَيَمْكُثُ مَعَهَا سَبْعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَلْتَفِتُ فَإِذَا هُوَ بِامْرَأَةٍ أَحْسَنَ مِمَّا كَانَ فِيهِ، فَتَقُولُ لَهُ: قَدْ أَنَى لَكَ أَنْ يَكُونَ لَنَا مِنْكَ نَصِيبٌ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أَنَا الَّتِي [[في أ: "أنا من الذين".]] قَالَ اللَّهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ . وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَة: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر قَالَ: تَدْخُلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ فِي مِقْدَارِ كَلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، مَعَهُمُ التُّحَفُ مِنَ اللَّهِ مِنْ جَنَّاتِ عَدْنٍ مَا لَيْسَ فِي جَنَّاتِهِمْ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ، ويُخْبَرون أَنَّ اللَّهَ عَنْهُمْ [[في ت: "عليهم".]] رَاضٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ الْهَوْزَنِيِّ -أَوْ غَيْرِهِ -قَالَ: الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، أوَّلها دَرَجَةُ فِضَّةٍ وَأَرْضُهَا فِضَّةٌ، وَمَسَاكِنُهَا فِضَّةٌ، [وَآنِيَتُهَا فِضَّةٌ] [[زيادة من ت، ف، أ، والطبري.]] وَتُرَابُهَا الْمِسْكُ. وَالثَّانِيَةُ ذَهَبٌ، وَأَرْضُهَا ذَهَبٌ، وَمَسَاكِنُهَا ذَهَبٌ، وَآنِيَتُهَا ذَهَبٌ، وَتُرَابُهَا الْمِسْكُ. وَالثَّالِثَةُ لُؤْلُؤٌ، وَأَرْضُهَا لُؤْلُؤٌ، وَمَسَاكِنُهَا اللُّؤْلُؤُ، وَآنِيَتُهَا اللُّؤْلُؤُ، وَتُرَابُهَا الْمِسْكُ. وَسَبْعٌ وَتِسْعُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [[تفسير الطبري (٢١/٦٦) .]] وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، عن الغِطْرِيف، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده عن ابن عباس".]] عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنِ الرُّوحِ الْأَمِينِ قَالَ: "يُؤْتَى بِحَسَنَاتِ الْعَبْدِ وَسَيِّئَاتِهِ، يُنْقَصُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، فَإِنْ بَقِيَتْ حَسَنَةٌ [وَاحِدَةٌ] [[زيادة من ت، ف، أ، والطبري.]] وَسَّعَ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ"، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى "يَزْدَادَ" فَحَدَّث بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: فَقُلْتُ: فَأَيْنَ ذَهَبَتِ الْحَسَنَةُ؟ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ١٦] . قُلْتُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ، قَالَ: الْعَبْدُ يَعْمَلُ سِرًّا أسرَّه إِلَى اللَّهِ، لَمْ يُعلم بِهِ النَّاسُ، فأسَرَّ اللَّهُ لَهُ يوم القيامة قُرَّة أعين. [[تفسير الطبري (٢١/٦٧) .]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: فلا تعلم نفسٌ ذي نفس ما أخفي الله لهؤلاء الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم في هاتين الآيتين، مما تقرّ به أعينهم في جنانه يوم القيامة ﴿جَزَاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يقول: ثوابا لهم على أعمالهم التي كانوا في الدنيا يعملون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة [[عبيدة بن ربيعة بضم العين. وقيل: هو عبيد بفتحها وبلا هاء. وهو الذي يروي عنه أبو إسحاق كما في الخلاصة، وفي الأصل: أبي عبيدة، ولعل "أبي" زيادة من الناسخ.]] قال: قال عبد الله: إن في التوراة مكتوبا: لقد أعدّ الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين، ولم يخطر على قلب بشر، ولم تسمع أذن، وما لم يسمعه ملك مقرّب. قال: ونحن نقرؤها: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسُ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ . ⁕ حدثنا خلاد، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا إسرائيل، قال: أخبرنا أبو إسحاق، عن عُبيدة بن ربيعة، عن ابن مسعود، قال: مكتوب في التوراة على الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، في القرآن ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ منْ قُرَّةِ أعْيُن جَزَاءً بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: خبئ لهم ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال سفيان: فيما علمت على غير وجه الشكّ. ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا عبيدة، قال: قال عبد الله، قال -يعني- الله: "أعددت لعبادي الصالحين ما لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب ناظر ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ من قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزَاءً بما كانُوا يعْلَمونَ﴾ ". ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن صلت، عن قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن عبيدة بن ربيعة الحارثي، عن عبد الله بن مسعود، قال: إن في التوراة للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع من الكرامة، ما لم تر عين، ولم يخطر على قلب بشر، ولم تسمع أذن، وإنه لفي القرآن ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُن﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا الأشجعي، عن ابن أبجر، قال: سمعت الشعبيّ يقول: سمعت المغيرة بن شعبة يقول على المنبر: إن موسى ﷺ سأل عن أبخس أهل الجنة فيها حظا، فقيل له: رجل يُؤتى به وقد دخل أهل الجنة الجنة، قال: فيقال له: ادخل، فيقول: أين وقد أخذ الناس أخذاتهم؟ فيقال: اعدد أربعة ملوك من ملوك الدنيا، فيكون لك مثل الذي كان لهم، ولك أخرى شهوة نفسك، فيقول: أشتهي كذا وكذا، واشتهي كذا، وقال: لك أخرى، لك لذّة عينك، فيقول: ألذّ كذا وكذا، فيقال: لك عشرة أضعاف مثل ذلك، وسأله عن أعظم أهل الجنة فيها حظا، فقال: ذاك شيء ختمت عليه يوم خلقت السموات والأرض. قال الشعبي: فإنه في القرآن: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . ⁕ حدثني أحمد بن محمد الطَّوسي، قال: ثنا الحميدي، قال: ثنا ابن عُيينة، وحدثني به القرقساني، عن ابن عيينة، عن مطرف بن طريف، وابن أبجر، سمعنا الشعبيّ يقول: سمعت المغيرة بن شعبة على المنبر يرفعه إلى النبيّ ﷺ: "إنَّ مُوسَى سألَ رَبَّهُ: أيْ رَبّ، أيُّ أهْلِ الجَنَّةِ أدْنى مَنزلةً؟ قال: رَجُلٌ يَجيءُ بَعْدَما دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، فَيُقالُ لَهُ: ادْخُلْ. فَيَقُولَ: كَيْفَ أَدْخُلُ وَقَدْ نزلُوا منازِلَهُمْ؟ فَيقالُ لَهُ: أتَرْضَى أنْ يَكُونَ لكَ مِثْلَ ما كانَ لِمَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيا؟ فَيَقُولُ: بَخ أيْ رب قَدْ رَضِيتُ، فَيُقالُ لَهُ: إنَّ لَكَ هَذَا وَمِثْلَهُ وَمِثْلَهُ وَمِثْلَهُ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ أيْ رَبّ رَضِيتُ، فَيُقالُ لَهُ: إنَّ لَكَ هَذَا وَعَشْرَةُ أمثالِهِ مَعَهُ، فَيقُول: رَضِيتُ أيْ رَبّ، فَيُقالُ لَهُ: فإنَّ لَكَ مَعَ هَذَا ما اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، قالَ: فَقالَ مُوسَى: أيْ ربّ، وأيُّ أهْل الجَنَّة أرْفَعُ مَنزلَةً، قَالَ: إيَّاها أرَدْتُ، وسأُحَدّثكَ عَنْهُمْ غَرسْتُ لَهُمْ كَرَامَتِي بِيَدي، وَخَتَمْتُ عَلَيْها، فَلا عَيْنٌ رأت، وَلا أُذُنٌ سَمعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. قالَ: وَمِصْدَاقُ ذلِكَ فِي كِتاب اللهِ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِي لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُن جِزَاءً بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . ⁕ حدثنا محمد بن منصور الطوسي، قال: ثنا إسحاق بن سليمان، قال: ثنا عمرو بن أبي قَيْس، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وكانَ عَرْشُهُ على المَاءِ﴾ وكان عرش الله على الماء، ثم اتخذ لنفسه جنة، ثم اتخذ دونها أخرى، ثم أطبقها بلؤلؤة واحدة، قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ قال: وهي التي لا تعلم نفس، أو قال: هما التي لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون. قال: وهي التي لا تعلم الخلائق ما فيها أو ما فيهما يأتيهم كل يوم منها أو منهما تحفة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن عنبسة، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جُبَير، بنحوه. ⁕ حدثنا سهل بن موسى الرازي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن أبي اليمان الهوزني أو غيره، قال: الجنة مئة درجة، أوّلها درجة فضة، أرضها فضة، ومساكنها فضة، وآنيتها فضة، وترابها المسك. والثانية ذهب، وأرضها ذهب، ومساكنها ذهب، وآنيتها ذهب، وترابها المسك. والثالثة لؤلؤ، وأرضها لؤلؤ، ومساكنها لؤلؤ، وآنيتها لؤلؤ، وترابها المسك. وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأته، ولا أذن سمعته، ولا خطر على قلب بشر، وتلا هذه الآية ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا المحاربي وعبد الرحيم، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "قالَ اللهُ: أَعْدَدْتُ لِعبادي الصَّالِحينَ ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، واقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ، قَالَ اللهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ". ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا أبو معاوية وابن نمير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أعْدَدْتُ لِعبَادي الصَّالِحِينَ، مَا لا عَيْنٌ رَأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ" قال أبو هريرة: ومِن بَلْهَ ما أطلعكم عليه، اقرَءُوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال أبو هريرة: نقرؤها: ﴿قُرَّاتِ أعْيُنٍ﴾ . ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن الغطريف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ، عن الروح الأمين، قال: "يُؤْتَي بِحَسَناتِ العَبْدِ وَسَيِّئاتِهِ، فَيَنْقُصُ بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ، فإنْ بَقِيَتْ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ، وَسَّعَ اللهُ لَهُ فِي الجَنَّة"، قال: فدخلت على يزداد، فحدّث بمثل هذا؛ قال: قلت: فأين ذهبت الحسنة؟ قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتهِمْ فِي أصحابِ الجَنَّةِ وَعْدَ الصّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ، قلت: قوله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ قال: العبد يعمل سرّا أسرّه إلى الله لم يعلم به الناس، فأسرّ الله له يوم القيامة قرّة عين. ⁕ حدثني العباس بن أبي طالب، قال: ثنا معلى بن أسد، قال: ثنا سلام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ، يروي عن ربه، قال: "أَعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصَّالِحينَ ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ". ⁕ حدثني أبو السائب، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني أبو صخر، أن أبا حازم حدثه، قال: سمعت سهل بن سعد يقول: شهدت من رسول الله ﷺ مجلسا وصف فيه الجنة حتى انتهى، ثم قال في آخر حديثه: "فيهَا ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ" ثم قرأ هذه الآية ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ ... ﴾ إلى قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "قالَ رَبُّكُمْ: أَعْدَدْتُ لِعَبادِي الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحاتِ ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ". ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قال: قال رسول الله ﷺ يروي ذلك عن ربه، "قالَ رَبُّكُمْ: أَعْدَدْتُ لِعِبادي الصَّالِحينَ ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشِرٍ". ⁕ حدثني ابن وكيع، قال: ثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ قال: أخفوا عملا في الدنيا، فأثابهم الله بأعمالهم. ⁕ حدثني القاسم بن بشر، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، قال حماد: أحسبه عن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ يَنْعَمْ وَلا يَبْؤُسْ، لا تَبْلَى ثِيابُهُ، وَلا يَفْنَى شَبابُهُ، في الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رأتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ". واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ فقرأ ذلك بعض المدنيين والبصريين، وبعض الكوفيين: ﴿أُخْفِيَ﴾ بضم الألف وفتح الياء بمعنى فُعِل. وقرأ بعض الكوفيين: ﴿أُخْفِي لَهُمْ﴾ بضم الألف وإرسال الياء، بمعنى أفعل، أخفي لهم أنا. والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان، متقاربتا المعنى، لأن الله إذا أخفاه فهو مخفي، وإذا أخفي فليس له مخف غيره، و "ما" في قوله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ فإنها إذا جعلت بمعنى الذي كانت نصبا بوقوع تعلم عليها كيف قرأ القارئ أخفي، وإذا وجهت إلى معنى أيّ كانت رفعا إذا قرئ أخفى بنصب الياء وضم الألف، لأنه لم يسمّ فاعله، وإذا قرئ أُخفِي بإرسال الياء كانت نصبا بوقوع أخفي عليها.
Nulle âme ne sait ce qu’Allah lui a réservé comme lot réjouissant en guise de récompense pour les bonnes œuvres qu'elle accomplissait dans le bas monde. Seul Allah connait l’immensité de cette récompense.
أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًۭا كَمَن كَانَ فَاسِقًۭا ۚ لَّا يَسْتَوُۥنَ
Celui qui est croyant est-il comparable au pervers? (Non), ils ne sont point égaux.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَدْلِهِ [وَكَرَمِهِ] [[زيادة من أ.]] أَنَّهُ لَا يُسَاوِي فِي حُكمه يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ كَانَ مُؤمنًا بِآيَاتِهِ مُتْبِعًا لِرُسُلِهِ، بِمَنْ كَانَ فَاسِقًا، أَيْ: خَارِجًا عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ مكذِّبًا لرُسُله إِلَيْهِ [[في ت، ف: "لرسل الله".]] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الْحَشْرِ: ٢٠] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى هَاهُنَا: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ أَيْ: عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ عَطَاءُ بْنُ يَسَار والسُّدِّيّ وَغَيْرُهُمَا: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيط؛ وَلِهَذَا فَصَّل حُكْمَهُمْ فَقَالَ: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أَيْ: صَدَّقَتْ قُلُوبُهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَعَمِلُوا بِمُقْتَضَاهَا [[في ت: "قلوبهم بلقاء الله ومقتضاها".]] ، وَهِيَ الصَّالِحَاتُ ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ أَيِ: الَّتِي فِيهَا الْمَسَاكِنُ وَالدُّورُ وَالْغُرَفُ الْعَالِيَةُ ﴿نُزُلًا﴾ أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أَيْ: خَرَجُوا عَنِ الطَّاعَةِ، ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الْآيَةَ [الْحَجِّ: ٢٢] . قَالَ الفُضَيل بْنُ عِيَاضٍ: وَاللَّهِ إِنَّ الْأَيْدِيَ لَمُوثَقَةٌ، وَإِنَّ الْأَرْجُلَ لَمُقَيَّدَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَبَ لَيَرْفَعُهُمْ وَالْمَلَائِكَةَ تَقْمَعُهُمْ. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] ﴾ [[زيادة من ت.]] قَالَ [[في ت: "وقال".]] ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِالْعَذَابِ الْأَدْنَى مَصَائِبَ الدُّنْيَا وَأَسْقَامَهَا وَآفَاتِهَا، وَمَا يَحِلُّ بِأَهْلِهَا مِمَّا يَبْتَلِي اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ لِيَتُوبُوا إِلَيْهِ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي، وَالضَّحَّاكِ، وَعَلْقَمَةَ، وَعَطِيَّةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ الجَزَري، وخَصِيف. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ -: يَعْنِي بِهِ إِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ: يَعْنِي بِهِ عَذَابَ الْقَبْرِ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أبي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ [[في ت: "وروى النسائي بإسناده".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ﴾ قَالَ: سُنُونَ أَصَابَتْهُمْ. [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٩٥) .]] وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَر القَوَاريري، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةُ، عَنْ عَزْرَة [[في ف، أ: "عررة".]] ، عَنِ الْحَسَنِ العُرَني، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى [[في ت: "وروى عبد الله بن الإمام أحمد".]] عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ﴾ قَالَ: الْمُصِيبَاتُ [[في ت، أ: "المضمار".]] وَالدُّخَانُ قَدْ مَضَيَا، وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ. [[زوائد المسند (٥/١٢٨) .]] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِهِ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ. [[صحيح مسلم برقم (٢٧٩٩) .]] وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، نَحْوَهُ. [[صحيح البخاري برقم (٤٨٢٠) ولفظه: "مضي خمس: الدخان والروم والقمر والبطشة واللزام".]] وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ [[في ت: "وعن ابن مسعود".]] أَيْضًا، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْعَذَابُ الْأَدْنَى: مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ يَوْمَ بَدْرٍ. وَكَذَا قَالَ مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. قَالَ السُّدِّي وَغَيْرُهُ: لَمْ يَبْقَ بَيْتٌ بِمَكَّةَ إِلَّا دَخَلَهُ الْحُزْنُ عَلَى قَتِيلٍ لَهُمْ أَوْ أَسِيرٍ، فَأُصِيبُوا أَوْ غَرموا [[في ت: "هزموا".]] ، وَمِنْهُمْ مَنْ جُمِعَ له الأمران. وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ أَيْ: لَا أَظْلِمُ مِمَّنْ ذَكَّرَه اللَّهُ بِآيَاتِهِ وَبَيَّنَهَا لَهُ وَوَضَّحَهَا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَرَكَهَا وَجَحَدَهَا وَأَعْرَضَ عَنْهَا وَتَنَاسَاهَا، كَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهَا. قَالَ قَتَادَةُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: إِيَّاكُمْ وَالْإِعْرَاضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ فَقَدِ اغْتَرَّ أَكْبَرَ الغرَّة، وَأَعْوَزَ أَشَدَّ العَوَز [[في ت، أ: "وأعور أشد العورة".]] ، وَعَظَّمَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُتَهَدِّدًا لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ أَيْ: سَأَنْتَقِمُ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَشَدَّ الِانْتِقَامِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ الكِلاعي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيّ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده".]] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ أَجْرَمَ، مَنْ عَقَدَ [[في ت: "اعتقد" وفي أ "أعقد".]] لِوَاءً فِي غَيْرِ حَقٍّ، أَوْ عقَّ وَالِدَيْهِ، أَوْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ يَنْصُرُهُ، فَقَدْ أَجْرَمَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [[تفسير الطبري (٢١/٦٩) .]] وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، بِهِ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نزلا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: أفهذا الكافر المكذّب بوعد الله ووعيده، المخالف أمر الله ونهيه، كهذا المؤمن بالله، والمصدّق بوعده ووعيد، المطيع له في أمره ونهيه، كلا لا يستوون عند الله يقول: لا يعتدل الكفَّار بالله، والمؤمنون به عنده، فيما هو فاعل بهم يوم القيامة. وقال: ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ فجمع، وإنما ذكر قبل ذلك اثنين: مؤمنا وفاسقا؛ لأنه لم يرد بالمؤمن: مؤمنا واحدا، وبالفاسق: فاسقا واحدا، وإنما أريد به جميع الفسَّاق، وجميع المؤمنين بالله. فإذا كان الاثنان غير مصمود لهما ذهبت لهما العرب مذهب الجمع. وذُكر أن هذه الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه، والوليد بن عُقبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثني ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: نزلت بالمدينة، في عليّ بن أبي طالب، والوليد بن عقبة بن أبي معيط كان بين الوليد وبين عليّ كلام، فقال الوليد بن عقبة: أنا أبسط منك لسانا، وأحدّ منك سنانا، وأرد منك للكتيبة، فقال عليّ: اسكت، فإنك فاسق، فأنزل الله فيهما: ﴿أفَمنْ كانَ مُؤْمِنا كمَنْ كانَ فاسِقا لا يَسْتَوُونَ﴾ إلى قوله: ﴿بِهِ تُكَذّبُونَ﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ﴿أفَمنْ كانَ مُؤْمِنا كمَنْ كانَ فاسِقا لا يَسْتَوُونَ﴾ قال: لا والله ما استووا في الدنيا، ولا عند الموت، ولا في الآخرة. * * وقوله: ﴿أمَّا الَّذِينَ آمنوا وَعمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ المأْوَى﴾ يقول تعالى ذكره: أما الذين صدّقوا الله ورسوله، وعملوا بما أمرهم الله ورسوله، فلهم جنات المأوى: يعني بساتين المساكن التي يسكنونها في الآخرة ويأوون إليها. * * وقوله: ﴿نزلا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يقول: نزلا بما أنزلهموها جزاء منه لهم بما كانوا يعملون في الدنيا بطاعته. * * وقوله: ﴿وأمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ يقول تعالى ذكره: وأما الذين كفروا بالله، وفارقوا طاعته ﴿فَمأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ يقول: فمساكنهم التي يأوون إليها في الآخرة النار ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ﴾ في الدنيا ﴿تُكَذّبُونَ﴾ أن الله أعدّها لأهل الشرك به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وأمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أشركوا ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ والقوم مكذّبون كما ترون.
Celui qui croit en Allah, se conforme à Ses commandements et renonce à ce qu’Il a défendu n’est pas semblable à celui qui s’affranchit de Son obéissance. Les deux ne seront pas égaux en rétribution auprès d’Allah.
أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ جَنَّٰتُ ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ
Ceux qui croient et accomplissent les bonnes œuvres, auront leur résidence dans les Jardins du Refuge, en récompense de ce qu'ils œuvraient.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَدْلِهِ [وَكَرَمِهِ] [[زيادة من أ.]] أَنَّهُ لَا يُسَاوِي فِي حُكمه يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ كَانَ مُؤمنًا بِآيَاتِهِ مُتْبِعًا لِرُسُلِهِ، بِمَنْ كَانَ فَاسِقًا، أَيْ: خَارِجًا عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ مكذِّبًا لرُسُله إِلَيْهِ [[في ت، ف: "لرسل الله".]] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الْحَشْرِ: ٢٠] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى هَاهُنَا: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ أَيْ: عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ عَطَاءُ بْنُ يَسَار والسُّدِّيّ وَغَيْرُهُمَا: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيط؛ وَلِهَذَا فَصَّل حُكْمَهُمْ فَقَالَ: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أَيْ: صَدَّقَتْ قُلُوبُهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَعَمِلُوا بِمُقْتَضَاهَا [[في ت: "قلوبهم بلقاء الله ومقتضاها".]] ، وَهِيَ الصَّالِحَاتُ ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ أَيِ: الَّتِي فِيهَا الْمَسَاكِنُ وَالدُّورُ وَالْغُرَفُ الْعَالِيَةُ ﴿نُزُلًا﴾ أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أَيْ: خَرَجُوا عَنِ الطَّاعَةِ، ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الْآيَةَ [الْحَجِّ: ٢٢] . قَالَ الفُضَيل بْنُ عِيَاضٍ: وَاللَّهِ إِنَّ الْأَيْدِيَ لَمُوثَقَةٌ، وَإِنَّ الْأَرْجُلَ لَمُقَيَّدَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَبَ لَيَرْفَعُهُمْ وَالْمَلَائِكَةَ تَقْمَعُهُمْ. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] ﴾ [[زيادة من ت.]] قَالَ [[في ت: "وقال".]] ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِالْعَذَابِ الْأَدْنَى مَصَائِبَ الدُّنْيَا وَأَسْقَامَهَا وَآفَاتِهَا، وَمَا يَحِلُّ بِأَهْلِهَا مِمَّا يَبْتَلِي اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ لِيَتُوبُوا إِلَيْهِ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي، وَالضَّحَّاكِ، وَعَلْقَمَةَ، وَعَطِيَّةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ الجَزَري، وخَصِيف. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ -: يَعْنِي بِهِ إِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ: يَعْنِي بِهِ عَذَابَ الْقَبْرِ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أبي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ [[في ت: "وروى النسائي بإسناده".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ﴾ قَالَ: سُنُونَ أَصَابَتْهُمْ. [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٩٥) .]] وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَر القَوَاريري، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةُ، عَنْ عَزْرَة [[في ف، أ: "عررة".]] ، عَنِ الْحَسَنِ العُرَني، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى [[في ت: "وروى عبد الله بن الإمام أحمد".]] عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ﴾ قَالَ: الْمُصِيبَاتُ [[في ت، أ: "المضمار".]] وَالدُّخَانُ قَدْ مَضَيَا، وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ. [[زوائد المسند (٥/١٢٨) .]] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِهِ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ. [[صحيح مسلم برقم (٢٧٩٩) .]] وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، نَحْوَهُ. [[صحيح البخاري برقم (٤٨٢٠) ولفظه: "مضي خمس: الدخان والروم والقمر والبطشة واللزام".]] وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ [[في ت: "وعن ابن مسعود".]] أَيْضًا، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْعَذَابُ الْأَدْنَى: مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ يَوْمَ بَدْرٍ. وَكَذَا قَالَ مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. قَالَ السُّدِّي وَغَيْرُهُ: لَمْ يَبْقَ بَيْتٌ بِمَكَّةَ إِلَّا دَخَلَهُ الْحُزْنُ عَلَى قَتِيلٍ لَهُمْ أَوْ أَسِيرٍ، فَأُصِيبُوا أَوْ غَرموا [[في ت: "هزموا".]] ، وَمِنْهُمْ مَنْ جُمِعَ له الأمران. وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ أَيْ: لَا أَظْلِمُ مِمَّنْ ذَكَّرَه اللَّهُ بِآيَاتِهِ وَبَيَّنَهَا لَهُ وَوَضَّحَهَا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَرَكَهَا وَجَحَدَهَا وَأَعْرَضَ عَنْهَا وَتَنَاسَاهَا، كَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهَا. قَالَ قَتَادَةُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: إِيَّاكُمْ وَالْإِعْرَاضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ فَقَدِ اغْتَرَّ أَكْبَرَ الغرَّة، وَأَعْوَزَ أَشَدَّ العَوَز [[في ت، أ: "وأعور أشد العورة".]] ، وَعَظَّمَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُتَهَدِّدًا لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ أَيْ: سَأَنْتَقِمُ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَشَدَّ الِانْتِقَامِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ الكِلاعي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيّ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده".]] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ أَجْرَمَ، مَنْ عَقَدَ [[في ت: "اعتقد" وفي أ "أعقد".]] لِوَاءً فِي غَيْرِ حَقٍّ، أَوْ عقَّ وَالِدَيْهِ، أَوْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ يَنْصُرُهُ، فَقَدْ أَجْرَمَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [[تفسير الطبري (٢١/٦٩) .]] وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، بِهِ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نزلا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: أفهذا الكافر المكذّب بوعد الله ووعيده، المخالف أمر الله ونهيه، كهذا المؤمن بالله، والمصدّق بوعده ووعيد، المطيع له في أمره ونهيه، كلا لا يستوون عند الله يقول: لا يعتدل الكفَّار بالله، والمؤمنون به عنده، فيما هو فاعل بهم يوم القيامة. وقال: ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ فجمع، وإنما ذكر قبل ذلك اثنين: مؤمنا وفاسقا؛ لأنه لم يرد بالمؤمن: مؤمنا واحدا، وبالفاسق: فاسقا واحدا، وإنما أريد به جميع الفسَّاق، وجميع المؤمنين بالله. فإذا كان الاثنان غير مصمود لهما ذهبت لهما العرب مذهب الجمع. وذُكر أن هذه الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه، والوليد بن عُقبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثني ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: نزلت بالمدينة، في عليّ بن أبي طالب، والوليد بن عقبة بن أبي معيط كان بين الوليد وبين عليّ كلام، فقال الوليد بن عقبة: أنا أبسط منك لسانا، وأحدّ منك سنانا، وأرد منك للكتيبة، فقال عليّ: اسكت، فإنك فاسق، فأنزل الله فيهما: ﴿أفَمنْ كانَ مُؤْمِنا كمَنْ كانَ فاسِقا لا يَسْتَوُونَ﴾ إلى قوله: ﴿بِهِ تُكَذّبُونَ﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ﴿أفَمنْ كانَ مُؤْمِنا كمَنْ كانَ فاسِقا لا يَسْتَوُونَ﴾ قال: لا والله ما استووا في الدنيا، ولا عند الموت، ولا في الآخرة. * * وقوله: ﴿أمَّا الَّذِينَ آمنوا وَعمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ المأْوَى﴾ يقول تعالى ذكره: أما الذين صدّقوا الله ورسوله، وعملوا بما أمرهم الله ورسوله، فلهم جنات المأوى: يعني بساتين المساكن التي يسكنونها في الآخرة ويأوون إليها. * * وقوله: ﴿نزلا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يقول: نزلا بما أنزلهموها جزاء منه لهم بما كانوا يعملون في الدنيا بطاعته. * * وقوله: ﴿وأمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ يقول تعالى ذكره: وأما الذين كفروا بالله، وفارقوا طاعته ﴿فَمأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ يقول: فمساكنهم التي يأوون إليها في الآخرة النار ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ﴾ في الدنيا ﴿تُكَذّبُونَ﴾ أن الله أعدّها لأهل الشرك به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وأمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أشركوا ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ والقوم مكذّبون كما ترون.
En effet, ceux qui croient en Allah et accomplissent de bonnes œuvres, Allah les honorera en leur attribuant comme rétribution des vergers où ils demeureront. Ce sera cela leur récompense pour les bonnes œuvres qu’ils accomplissaient dans le bas monde.
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُوا۟ فَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَآ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ
Et quant à ceux qui auront été pervers, leur refuge sera le Feu: toutes les fois qu'ils voudront en sortir, ils y seront ramenés, et on leur dira: «Goûtez au châtiment du Feu auquel vous refusiez de croire».
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَدْلِهِ [وَكَرَمِهِ] [[زيادة من أ.]] أَنَّهُ لَا يُسَاوِي فِي حُكمه يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ كَانَ مُؤمنًا بِآيَاتِهِ مُتْبِعًا لِرُسُلِهِ، بِمَنْ كَانَ فَاسِقًا، أَيْ: خَارِجًا عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ مكذِّبًا لرُسُله إِلَيْهِ [[في ت، ف: "لرسل الله".]] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الْحَشْرِ: ٢٠] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى هَاهُنَا: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ أَيْ: عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ عَطَاءُ بْنُ يَسَار والسُّدِّيّ وَغَيْرُهُمَا: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيط؛ وَلِهَذَا فَصَّل حُكْمَهُمْ فَقَالَ: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أَيْ: صَدَّقَتْ قُلُوبُهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَعَمِلُوا بِمُقْتَضَاهَا [[في ت: "قلوبهم بلقاء الله ومقتضاها".]] ، وَهِيَ الصَّالِحَاتُ ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ أَيِ: الَّتِي فِيهَا الْمَسَاكِنُ وَالدُّورُ وَالْغُرَفُ الْعَالِيَةُ ﴿نُزُلًا﴾ أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أَيْ: خَرَجُوا عَنِ الطَّاعَةِ، ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الْآيَةَ [الْحَجِّ: ٢٢] . قَالَ الفُضَيل بْنُ عِيَاضٍ: وَاللَّهِ إِنَّ الْأَيْدِيَ لَمُوثَقَةٌ، وَإِنَّ الْأَرْجُلَ لَمُقَيَّدَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَبَ لَيَرْفَعُهُمْ وَالْمَلَائِكَةَ تَقْمَعُهُمْ. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] ﴾ [[زيادة من ت.]] قَالَ [[في ت: "وقال".]] ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِالْعَذَابِ الْأَدْنَى مَصَائِبَ الدُّنْيَا وَأَسْقَامَهَا وَآفَاتِهَا، وَمَا يَحِلُّ بِأَهْلِهَا مِمَّا يَبْتَلِي اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ لِيَتُوبُوا إِلَيْهِ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي، وَالضَّحَّاكِ، وَعَلْقَمَةَ، وَعَطِيَّةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ الجَزَري، وخَصِيف. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ -: يَعْنِي بِهِ إِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ: يَعْنِي بِهِ عَذَابَ الْقَبْرِ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أبي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ [[في ت: "وروى النسائي بإسناده".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ﴾ قَالَ: سُنُونَ أَصَابَتْهُمْ. [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٩٥) .]] وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَر القَوَاريري، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةُ، عَنْ عَزْرَة [[في ف، أ: "عررة".]] ، عَنِ الْحَسَنِ العُرَني، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى [[في ت: "وروى عبد الله بن الإمام أحمد".]] عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ﴾ قَالَ: الْمُصِيبَاتُ [[في ت، أ: "المضمار".]] وَالدُّخَانُ قَدْ مَضَيَا، وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ. [[زوائد المسند (٥/١٢٨) .]] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِهِ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ. [[صحيح مسلم برقم (٢٧٩٩) .]] وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، نَحْوَهُ. [[صحيح البخاري برقم (٤٨٢٠) ولفظه: "مضي خمس: الدخان والروم والقمر والبطشة واللزام".]] وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ [[في ت: "وعن ابن مسعود".]] أَيْضًا، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْعَذَابُ الْأَدْنَى: مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ يَوْمَ بَدْرٍ. وَكَذَا قَالَ مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. قَالَ السُّدِّي وَغَيْرُهُ: لَمْ يَبْقَ بَيْتٌ بِمَكَّةَ إِلَّا دَخَلَهُ الْحُزْنُ عَلَى قَتِيلٍ لَهُمْ أَوْ أَسِيرٍ، فَأُصِيبُوا أَوْ غَرموا [[في ت: "هزموا".]] ، وَمِنْهُمْ مَنْ جُمِعَ له الأمران. وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ أَيْ: لَا أَظْلِمُ مِمَّنْ ذَكَّرَه اللَّهُ بِآيَاتِهِ وَبَيَّنَهَا لَهُ وَوَضَّحَهَا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَرَكَهَا وَجَحَدَهَا وَأَعْرَضَ عَنْهَا وَتَنَاسَاهَا، كَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهَا. قَالَ قَتَادَةُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: إِيَّاكُمْ وَالْإِعْرَاضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ فَقَدِ اغْتَرَّ أَكْبَرَ الغرَّة، وَأَعْوَزَ أَشَدَّ العَوَز [[في ت، أ: "وأعور أشد العورة".]] ، وَعَظَّمَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُتَهَدِّدًا لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ أَيْ: سَأَنْتَقِمُ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَشَدَّ الِانْتِقَامِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ الكِلاعي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيّ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده".]] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ أَجْرَمَ، مَنْ عَقَدَ [[في ت: "اعتقد" وفي أ "أعقد".]] لِوَاءً فِي غَيْرِ حَقٍّ، أَوْ عقَّ وَالِدَيْهِ، أَوْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ يَنْصُرُهُ، فَقَدْ أَجْرَمَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [[تفسير الطبري (٢١/٦٩) .]] وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، بِهِ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نزلا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: أفهذا الكافر المكذّب بوعد الله ووعيده، المخالف أمر الله ونهيه، كهذا المؤمن بالله، والمصدّق بوعده ووعيد، المطيع له في أمره ونهيه، كلا لا يستوون عند الله يقول: لا يعتدل الكفَّار بالله، والمؤمنون به عنده، فيما هو فاعل بهم يوم القيامة. وقال: ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ فجمع، وإنما ذكر قبل ذلك اثنين: مؤمنا وفاسقا؛ لأنه لم يرد بالمؤمن: مؤمنا واحدا، وبالفاسق: فاسقا واحدا، وإنما أريد به جميع الفسَّاق، وجميع المؤمنين بالله. فإذا كان الاثنان غير مصمود لهما ذهبت لهما العرب مذهب الجمع. وذُكر أن هذه الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه، والوليد بن عُقبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثني ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: نزلت بالمدينة، في عليّ بن أبي طالب، والوليد بن عقبة بن أبي معيط كان بين الوليد وبين عليّ كلام، فقال الوليد بن عقبة: أنا أبسط منك لسانا، وأحدّ منك سنانا، وأرد منك للكتيبة، فقال عليّ: اسكت، فإنك فاسق، فأنزل الله فيهما: ﴿أفَمنْ كانَ مُؤْمِنا كمَنْ كانَ فاسِقا لا يَسْتَوُونَ﴾ إلى قوله: ﴿بِهِ تُكَذّبُونَ﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ﴿أفَمنْ كانَ مُؤْمِنا كمَنْ كانَ فاسِقا لا يَسْتَوُونَ﴾ قال: لا والله ما استووا في الدنيا، ولا عند الموت، ولا في الآخرة. * * وقوله: ﴿أمَّا الَّذِينَ آمنوا وَعمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ المأْوَى﴾ يقول تعالى ذكره: أما الذين صدّقوا الله ورسوله، وعملوا بما أمرهم الله ورسوله، فلهم جنات المأوى: يعني بساتين المساكن التي يسكنونها في الآخرة ويأوون إليها. * * وقوله: ﴿نزلا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يقول: نزلا بما أنزلهموها جزاء منه لهم بما كانوا يعملون في الدنيا بطاعته. * * وقوله: ﴿وأمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ يقول تعالى ذكره: وأما الذين كفروا بالله، وفارقوا طاعته ﴿فَمأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ يقول: فمساكنهم التي يأوون إليها في الآخرة النار ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ﴾ في الدنيا ﴿تُكَذّبُونَ﴾ أن الله أعدّها لأهل الشرك به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وأمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أشركوا ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ والقوم مكذّبون كما ترون.
Quant à ceux qui se sont affranchis de son obéissance en mécroyant et en commettant des péchés, la demeure où ils seront installés pour l’éternité le Jour de la Résurrection sera l’Enfer. A chaque fois qu’ils voudront en sortir, on les y ramènera et on leur dira afin de les réduire au silence: goûtez au châtiment de l’Enfer dont vous rejetiez l’existence dans le bas monde lorsque vos messagers vous en avertissaient.
وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
Nous leur ferons certainement goûter au châtiment ici-bas, avant le grand châtiment afin qu'ils retournent (vers le chemin droit)!
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَدْلِهِ [وَكَرَمِهِ] [[زيادة من أ.]] أَنَّهُ لَا يُسَاوِي فِي حُكمه يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ كَانَ مُؤمنًا بِآيَاتِهِ مُتْبِعًا لِرُسُلِهِ، بِمَنْ كَانَ فَاسِقًا، أَيْ: خَارِجًا عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ مكذِّبًا لرُسُله إِلَيْهِ [[في ت، ف: "لرسل الله".]] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الْحَشْرِ: ٢٠] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى هَاهُنَا: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ أَيْ: عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ عَطَاءُ بْنُ يَسَار والسُّدِّيّ وَغَيْرُهُمَا: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيط؛ وَلِهَذَا فَصَّل حُكْمَهُمْ فَقَالَ: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أَيْ: صَدَّقَتْ قُلُوبُهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَعَمِلُوا بِمُقْتَضَاهَا [[في ت: "قلوبهم بلقاء الله ومقتضاها".]] ، وَهِيَ الصَّالِحَاتُ ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ أَيِ: الَّتِي فِيهَا الْمَسَاكِنُ وَالدُّورُ وَالْغُرَفُ الْعَالِيَةُ ﴿نُزُلًا﴾ أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أَيْ: خَرَجُوا عَنِ الطَّاعَةِ، ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الْآيَةَ [الْحَجِّ: ٢٢] . قَالَ الفُضَيل بْنُ عِيَاضٍ: وَاللَّهِ إِنَّ الْأَيْدِيَ لَمُوثَقَةٌ، وَإِنَّ الْأَرْجُلَ لَمُقَيَّدَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَبَ لَيَرْفَعُهُمْ وَالْمَلَائِكَةَ تَقْمَعُهُمْ. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] ﴾ [[زيادة من ت.]] قَالَ [[في ت: "وقال".]] ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِالْعَذَابِ الْأَدْنَى مَصَائِبَ الدُّنْيَا وَأَسْقَامَهَا وَآفَاتِهَا، وَمَا يَحِلُّ بِأَهْلِهَا مِمَّا يَبْتَلِي اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ لِيَتُوبُوا إِلَيْهِ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي، وَالضَّحَّاكِ، وَعَلْقَمَةَ، وَعَطِيَّةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ الجَزَري، وخَصِيف. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ -: يَعْنِي بِهِ إِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ: يَعْنِي بِهِ عَذَابَ الْقَبْرِ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أبي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ [[في ت: "وروى النسائي بإسناده".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ﴾ قَالَ: سُنُونَ أَصَابَتْهُمْ. [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٩٥) .]] وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَر القَوَاريري، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةُ، عَنْ عَزْرَة [[في ف، أ: "عررة".]] ، عَنِ الْحَسَنِ العُرَني، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى [[في ت: "وروى عبد الله بن الإمام أحمد".]] عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ﴾ قَالَ: الْمُصِيبَاتُ [[في ت، أ: "المضمار".]] وَالدُّخَانُ قَدْ مَضَيَا، وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ. [[زوائد المسند (٥/١٢٨) .]] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِهِ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ. [[صحيح مسلم برقم (٢٧٩٩) .]] وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، نَحْوَهُ. [[صحيح البخاري برقم (٤٨٢٠) ولفظه: "مضي خمس: الدخان والروم والقمر والبطشة واللزام".]] وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ [[في ت: "وعن ابن مسعود".]] أَيْضًا، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْعَذَابُ الْأَدْنَى: مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ يَوْمَ بَدْرٍ. وَكَذَا قَالَ مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. قَالَ السُّدِّي وَغَيْرُهُ: لَمْ يَبْقَ بَيْتٌ بِمَكَّةَ إِلَّا دَخَلَهُ الْحُزْنُ عَلَى قَتِيلٍ لَهُمْ أَوْ أَسِيرٍ، فَأُصِيبُوا أَوْ غَرموا [[في ت: "هزموا".]] ، وَمِنْهُمْ مَنْ جُمِعَ له الأمران. وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ أَيْ: لَا أَظْلِمُ مِمَّنْ ذَكَّرَه اللَّهُ بِآيَاتِهِ وَبَيَّنَهَا لَهُ وَوَضَّحَهَا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَرَكَهَا وَجَحَدَهَا وَأَعْرَضَ عَنْهَا وَتَنَاسَاهَا، كَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهَا. قَالَ قَتَادَةُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: إِيَّاكُمْ وَالْإِعْرَاضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ فَقَدِ اغْتَرَّ أَكْبَرَ الغرَّة، وَأَعْوَزَ أَشَدَّ العَوَز [[في ت، أ: "وأعور أشد العورة".]] ، وَعَظَّمَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُتَهَدِّدًا لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ أَيْ: سَأَنْتَقِمُ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَشَدَّ الِانْتِقَامِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ الكِلاعي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيّ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده".]] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ أَجْرَمَ، مَنْ عَقَدَ [[في ت: "اعتقد" وفي أ "أعقد".]] لِوَاءً فِي غَيْرِ حَقٍّ، أَوْ عقَّ وَالِدَيْهِ، أَوْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ يَنْصُرُهُ، فَقَدْ أَجْرَمَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [[تفسير الطبري (٢١/٦٩) .]] وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، بِهِ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى العذاب الأدنى الذي وعد الله أن يذيقه هؤلاء الفسقة، فقال بعضهم: ذلك مصائب الدنيا في الأنفس والأموال. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَاب الأدنى﴾ يقول: مصائب الدنيا وأسقامها وبلاؤها مما يبتلي الله بها العباد حتى يتوبوا. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَر لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ قال: العذاب الأدنى بلاء الدنيا، قيل: هي المصائب. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن عروة، عن الحسن العرني، عن ابن أبي ليلى، عن أُبيّ بن كعب ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى﴾ قال: المصيبات في الدنيا قال: والدخان قد مضى، والبطشة واللزام. قال أبو موسى: ترك يحيى بن سعيد، يحيى بن الجزار، نقصان رجل. ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر، قالا ثنا شعبة، عن قتادة، عن ابن عروة، عن الحسن العرني، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أبي لَيلى، عن أُبيّ بن كعب، أنه قال: في هذه الآية ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ﴾ قال: مصيبات الدنيا، واللزوم والبطشة، أو الدخان: شكّ شعبة في البطشة أو الدخان. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قَتادة، عن عروة، عن الحسن العرني، عن يحيى بن الجزّار، عن ابن أبي لَيلى، عن أُبيّ بن كعب، بنحوه، إلا أنه قال: المصيبات واللزوم والبطشة. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حباب، عن شعبة، عن قَتادة، عن عروة، عن الحسن العرني، عن يحيى بن الجزّار، عن عبد الرحمن بن أبي لَيلى، عن أُبيّ بن كعب، قال: المصيبات يصابون بها في الدنيا: البطشة، والدخان، واللزوم. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى﴾ قال: المصائب في الدنيا. ⁕ قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ﴾ قال: المصيبات في دنياهم وأموالهم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، حدثه، عن الحسن قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَىَ﴾ : أي مصيبات الدنيا. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى﴾ قال: أشياء يُصابون بها في الدنيا. وقال آخرون: عنى بها الحدود. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ﴾ قال: الحدود. وقال آخرون: عنى بها القتل بالسيف، قال: وقتلوا يوم بدر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى﴾ قال: يوم بدر. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن السديّ، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله مثله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن السديّ، عن مسروق، عن عبد الله، مثله. ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عوف عمن حدثه، عن الحسن بن عليّ، أنه قال: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ﴾ قال: القتل بالسيف صبرا. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلى، عن عوف، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ﴾ قال: القتل بالسيف، كلّ شيء وعد الله هذه الأمة من العذاب الأدنى إنما هو السيف. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ﴾ قال: القتل والجوع لقريش في الدنيا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قال: كان مجاهد يحدّث عن أُبيّ بن كعب أنه كان يقول: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ﴾ يوم بدر. وقال آخرون: عنى بذلك سنون أصابتهم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ﴾ قال: سنون أصابتهم. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مثله. وقال آخرون: عنى بذلك: عذاب القبر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ﴾ قال: الأدنى في ألقبور وعذاب الدنيا. وقال آخرون: ذلك عذاب الدنيا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى﴾ قال: العذاب الأدنى: عذاب الدنيا. وأولى الأقوال في ذلك أن يقال: إن الله وعد هؤلاء الفسقة المكذّبين بوعيده في الدنيا العذاب الأدنى، أن يذيقهموه دون العذاب الأكبر، والعذاب: هو ما كان في الدنيا من بلاء أصابهم، إما شدّة من مجاعة، أو قتل، أو مصائب يصابون بها، فكل ذلك من العذاب الأدنى، ولم يخصص الله تعالى ذكره، إذ وعدهم ذلك أن يعذّبهم بنوع من ذلك دون نوع، وقد عذّبهم بكل ذلك في الدنيا بالقتل والجوع والشدائد والمصائب في الأموال، فأوفى لهم بما وعدهم. * * وقوله: ﴿دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ يقول: قيل العذاب الأكبر، وذلك عذاب يوم القيامة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله ﴿دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ قال: يوم القيامة. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن السديّ، عن مسروق، عن عبد الله مثله. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ يوم القيامة في الآخرة. ⁕ حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد ﴿دونَ العَذَابِ الأكْبَرِ﴾ يوم القيامة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ﴿دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ﴾ يوم القيامة حدّث به قَتادة، عن الحسن. ⁕ حدثني يونس، قال: أحبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ﴾ قال: العذاب الأكبر: عذاب الآخرة. * * وقوله: ﴿لَعَلَّهمْ يَرْجِعُونَ﴾ يقول: كي يرجعوا ويتوبوا بتعذيبهم العذاب الأدنى. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن السديّ، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ قال: يتوبون. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر الرازيّ، عن الربيع، عن أبي العالية ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجعونَ﴾ قال: يتوبون. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجعونَ﴾ : أي يتوبون.
Nous ferons assurément goûter à ces dénégateurs qui se sont rebellés contre leur Seigneur, à des malheurs et à des épreuves dans le bas monde bien avant le châtiment suprême dans l’au-delà s’ils ne se repentent pas, puisse cette menace les faire obéir de nouveau à leur Seigneur.
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ ۚ إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ
Qui est plus injuste que celui à qui les versets d'Allah sont rappelés et qui ensuite s'en détourne? Nous nous vengerons certes des criminels.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَدْلِهِ [وَكَرَمِهِ] [[زيادة من أ.]] أَنَّهُ لَا يُسَاوِي فِي حُكمه يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ كَانَ مُؤمنًا بِآيَاتِهِ مُتْبِعًا لِرُسُلِهِ، بِمَنْ كَانَ فَاسِقًا، أَيْ: خَارِجًا عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ مكذِّبًا لرُسُله إِلَيْهِ [[في ت، ف: "لرسل الله".]] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الْحَشْرِ: ٢٠] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى هَاهُنَا: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ أَيْ: عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ عَطَاءُ بْنُ يَسَار والسُّدِّيّ وَغَيْرُهُمَا: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيط؛ وَلِهَذَا فَصَّل حُكْمَهُمْ فَقَالَ: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أَيْ: صَدَّقَتْ قُلُوبُهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَعَمِلُوا بِمُقْتَضَاهَا [[في ت: "قلوبهم بلقاء الله ومقتضاها".]] ، وَهِيَ الصَّالِحَاتُ ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ أَيِ: الَّتِي فِيهَا الْمَسَاكِنُ وَالدُّورُ وَالْغُرَفُ الْعَالِيَةُ ﴿نُزُلًا﴾ أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أَيْ: خَرَجُوا عَنِ الطَّاعَةِ، ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الْآيَةَ [الْحَجِّ: ٢٢] . قَالَ الفُضَيل بْنُ عِيَاضٍ: وَاللَّهِ إِنَّ الْأَيْدِيَ لَمُوثَقَةٌ، وَإِنَّ الْأَرْجُلَ لَمُقَيَّدَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَبَ لَيَرْفَعُهُمْ وَالْمَلَائِكَةَ تَقْمَعُهُمْ. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] ﴾ [[زيادة من ت.]] قَالَ [[في ت: "وقال".]] ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِالْعَذَابِ الْأَدْنَى مَصَائِبَ الدُّنْيَا وَأَسْقَامَهَا وَآفَاتِهَا، وَمَا يَحِلُّ بِأَهْلِهَا مِمَّا يَبْتَلِي اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ لِيَتُوبُوا إِلَيْهِ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي، وَالضَّحَّاكِ، وَعَلْقَمَةَ، وَعَطِيَّةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ الجَزَري، وخَصِيف. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ -: يَعْنِي بِهِ إِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ: يَعْنِي بِهِ عَذَابَ الْقَبْرِ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أبي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ [[في ت: "وروى النسائي بإسناده".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ﴾ قَالَ: سُنُونَ أَصَابَتْهُمْ. [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٩٥) .]] وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَر القَوَاريري، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةُ، عَنْ عَزْرَة [[في ف، أ: "عررة".]] ، عَنِ الْحَسَنِ العُرَني، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى [[في ت: "وروى عبد الله بن الإمام أحمد".]] عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ﴾ قَالَ: الْمُصِيبَاتُ [[في ت، أ: "المضمار".]] وَالدُّخَانُ قَدْ مَضَيَا، وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ. [[زوائد المسند (٥/١٢٨) .]] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِهِ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ. [[صحيح مسلم برقم (٢٧٩٩) .]] وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، نَحْوَهُ. [[صحيح البخاري برقم (٤٨٢٠) ولفظه: "مضي خمس: الدخان والروم والقمر والبطشة واللزام".]] وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ [[في ت: "وعن ابن مسعود".]] أَيْضًا، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْعَذَابُ الْأَدْنَى: مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ يَوْمَ بَدْرٍ. وَكَذَا قَالَ مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. قَالَ السُّدِّي وَغَيْرُهُ: لَمْ يَبْقَ بَيْتٌ بِمَكَّةَ إِلَّا دَخَلَهُ الْحُزْنُ عَلَى قَتِيلٍ لَهُمْ أَوْ أَسِيرٍ، فَأُصِيبُوا أَوْ غَرموا [[في ت: "هزموا".]] ، وَمِنْهُمْ مَنْ جُمِعَ له الأمران. وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ أَيْ: لَا أَظْلِمُ مِمَّنْ ذَكَّرَه اللَّهُ بِآيَاتِهِ وَبَيَّنَهَا لَهُ وَوَضَّحَهَا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَرَكَهَا وَجَحَدَهَا وَأَعْرَضَ عَنْهَا وَتَنَاسَاهَا، كَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهَا. قَالَ قَتَادَةُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: إِيَّاكُمْ وَالْإِعْرَاضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ فَقَدِ اغْتَرَّ أَكْبَرَ الغرَّة، وَأَعْوَزَ أَشَدَّ العَوَز [[في ت، أ: "وأعور أشد العورة".]] ، وَعَظَّمَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُتَهَدِّدًا لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ أَيْ: سَأَنْتَقِمُ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَشَدَّ الِانْتِقَامِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ الكِلاعي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيّ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده".]] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ أَجْرَمَ، مَنْ عَقَدَ [[في ت: "اعتقد" وفي أ "أعقد".]] لِوَاءً فِي غَيْرِ حَقٍّ، أَوْ عقَّ وَالِدَيْهِ، أَوْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ يَنْصُرُهُ، فَقَدْ أَجْرَمَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [[تفسير الطبري (٢١/٦٩) .]] وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، بِهِ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: وأيّ الناس أظلم لنفسه ممن وعظه الله بحججه، وآي كتابه، ورسله، ثم أعرض عن ذلك كله، فلم يتعظ بمواعظه، ولكنه استكبر عنها. * * وقوله: ﴿إنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمونَ﴾ يقول: إنا من الذين اكتسبوا الآثام، واجترحوا السيئات منتقمون. وكان بعضهم يقول: عنى بالمجرمين في هذا الموضع: أهل القدر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا مروان بن معاوية، قال: أخبرنا وائل بن داود، عن مروان بن سفيح، عن يزيد بن رفيع، قال: إن قول الله في القرآن ﴿إنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ هم أصحاب القدر، ثم قرأ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وَسُعُرٍ ... ﴾ إلى قوله: ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ . ⁕ حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا مروان، قال: أخبرنا وائل بن داود، عن ابن سفيح، عن يزيد بن رفيع بنحوه، إلا أنه قال في حديثه: ثم قرأ وائل بن داود هؤلاء الآيات ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ... ﴾ إلى آخر الآيات. وقال آخرون في ذلك بما:- ⁕ حدثني به عمران بن بكار الكلاعي، قال: ثنا محمد بن المبارك، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، قال: ثنا عبد العزيز بن عبيد الله، عن عبادة بن نسيّ، عن جنادة بن أبي أُميَّة، عن معاذ بن جبل، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ثَلاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ أجْرَمَ: مَنِ اعْتَقَدَ لِوَاءً فِي غيرِ حَقّ، أوْ عَقَّ وَالِدَيْهِ، أو مَشَى مَعَ ظالمٍ يَنْصُرُهُ فَقَدْ أجْرَمَ. يَقُولُ اللهُ ﴿إنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ ".
Personne n’est plus injuste que celui qui est exhorté par des versets d’Allah mais ne tire pas profit de cette exhortation et s’en détourne sans s’en soucier. Nous nous vengerons certainement des criminels qui se rendent coupables de mécréance et de péchés et se détournent des versets d’Allah.
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِى مِرْيَةٍۢ مِّن لِّقَآئِهِۦ ۖ وَجَعَلْنَٰهُ هُدًۭى لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ
Nous avons effectivement donné à Moïse le Livre - ne sois donc pas en doute sur ta rencontre avec lui -, et l'avons assigné comme guide aux Enfants d'Israël.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ آتَاهُ الْكِتَابَ وَهُوَ التَّوْرَاةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ : قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي بِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ. [[في ت: "الأسرى".]] ثُمَّ رُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ -يَعْنِي ابْنِ عَبَّاسٍ -قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم: "أُريتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ، رَجُلًا آدَمَ طُوَالا جَعْدًا، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءة. وَرَأَيْتُ عِيسَى رَجُلًا مَرْبُوعَ الْخَلْقِ، إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، مُبْسَطَ الرَّأْسِ، وَرَأَيْتُ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ وَالدَّجَّالَ، فِي آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللَّهُ إِيَّاهُ"، ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ ، أَنَّهُ قَدْ رَأَى مُوسَى، وَلَقِيَ مُوسَى لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ. [[انظر الأثر عند تفسير الآية الأولى من سورة الإسراء وتخريجه هناك.]] وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الحُلْوَاني، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ، قَالَ: جُعل مُوسَى هُدى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ قَالَ: مِنْ لِقَاءِ مُوسَى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. [[المعجم الكبير للطبراني (١٢/١٦٠) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٩٠) : "رجاله رجال الصحيح".]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ أَيِ: الْكِتَابُ الَّذِي آتَيْنَاهُ ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ، [كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ، أَيْ: لَمَّا كَانُوا صَابِرِينَ عَلَى أَوَامِرِ اللَّهِ وَتَرْكِ نَوَاهِيهِ وَزَوَاجِرِهِ وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ وَاتِّبَاعِهِمْ فِيمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ، كَانَ مِنْهُمْ أَئِمَّةٌ يَهْدُونَ إِلَى الْحَقِّ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَيَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ. ثُمَّ لَمَّا بَدَّلُوا وحَرَّفوا وأوَّلوا، سُلِبُوا ذَلِكَ الْمَقَامَ، وَصَارَتْ قُلُوبُهُمْ قَاسِيَةً، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، فَلَا عَمَلَ صَالِحًا، وَلَا اعْتِقَادَ صَحِيحًا؛ [[في ت: "فلا عملا صالحا ولا اعتقادا صحيحا".]] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [[في ف، أ: "ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب".]] قَالَ قَتَادَةُ وَسُفْيَانُ: لَمَّا صَبَرُوا عَنِ الدُّنْيَا: وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ. قَالَ سُفْيَانُ: هَكَذَا كَانَ هَؤُلَاءِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا يُقتَدى بِهِ حَتَّى يَتَحَامَى عَنِ الدُّنْيَا. قَالَ وَكِيعٌ: قَالَ سُفْيَانُ: لَا بُدَّ لِلدِّينِ مِنَ الْعِلْمِ، كَمَا لَا بُدَّ لِلْجَسَدِ مِنَ الْخُبْزِ. وَقَالَ ابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ: قَرَأَ أَبِي عَلَى عَمِّي -أَوْ: عَمِّي عَلَى أَبِي -سُئِلَ سُفْيَانُ عَنْ قَوْلِ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ ، قَالَ: لَمَّا أَخَذُوا بِرَأْسِ الْأَمْرِ صَارُوا رُؤُوسًا. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: بِالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ تَنَالُ الْإِمَامَةَ فِي الدِّينِ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى] : [[زيادة من ت، ف، أ.]] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّة [وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ. وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأمْرِ] فَمَا اخْتَلَفُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ١٦، ١٧] [[زيادة من ت، ف، أ.]] ، كَمَا قَالَ هُنَا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أَيْ: مِنَ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْأَعْمَالِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا موسى التوراة، كما آتيناك الفرقان يا محمد ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ﴾ يقول: فلا تكن في شكّ من لقائه، فكان قتادة يقول: معنى ذلك: فلا تكن في شكّ من أنك لقيته، أو تلقاه ليلة أُسري بك، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله ﷺ. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة عن أبي العالية الرياحي، قال: حدثنا ابن عمّ نبيكم -يعني: ابن عباس- قال: قال نبيّ الله ﷺ: "أُرِيتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى بنَ عِمْرَانَ رَجُلا آدَمَ طِوَالا جَعْدًا، كأنَّهُ مِنْ رجالِ شَنُوءَةَ، ورأيْتُ عِيسَى رَجُلا مَربُوعَ الخَلْقِ إلى الحُمْرَةِ والبياضِ، سَبْطَ الرأسِ ورأيْتُ مالِكا خازِنَ النَّارِ، والدَّجَّالَ" فِي آياتٍ أرَاهنَّ اللهُ إيَّاهُ، ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ﴾ أنه قد رأى موسى، ولقى موسى ليلة أُسري به. * * وقوله: ﴿وَجَعَلْناهُ هُدًى لِبَني إسْرائِيلَ﴾ يقول تعالى ذكره: وجعلنا موسى هدى لبني إسرائيل، يعنى: رشادا لهم يرشدون باتباعه، ويصيبون الحقّ بالاقتداء به، والائتمام بقوله. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَجَعَلْناهُ هُدًى لِبَني إسْرائِيلَ﴾ قال: جعل الله موسى هدى لبني إسرائيل. * * وقوله: ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أئمَّةً﴾ يقول تعالى ذكره: وجعلنا من بني إسرائيل أئمة، وهي جمع إمام، والإمام الذي يؤتمّ به في خير أو شرّ، وأريد بذلك في هذا الموضع أنه جعل منهم قادة في الخير، يؤتمّ بهم، ويهْتَدى بهديهم. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أئمَّةً يَهدُونَ بأمْرِنا﴾ قال: رؤساء في الخير. * * وقوله: ﴿يَهْدُونَ بأمْرِنا﴾ يقول تعالى ذكره: يهدون أتباعهم وأهل القبول منهم بإذننا لهم بذلك، وتقويتنا إياهم عليه. * * وقوله: ﴿لَمَّا صَبرُوا﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة، وبعض أهل الكوفة ﴿لَمَّا صَبرُوا﴾ بفتح اللام وتشديد الميم، بمعنى: إذ صبروا، وحين صبروا، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة ﴿لِمَا﴾ بكسر اللام وتخفيف الميم بمعنى: لصبرهم عن الدنيا وشهواتها، واجتهادهم في طاعتنا، والعمل بأمرنا، وذُكر أن ذلك فى قراءة ابن مسعود ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ وما إذا كسرت اللام من ﴿لِمَا﴾ في موضع خفض، وإذا فتحت اللام وشدّدت الميم، فلا موضع لها، لأنها حينئذ أداة. والقول عندي في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، قد قرأ بكل واحدة منهما عامة من القراء فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وتأويل الكلام إذا قُرئ ذلك بفتح اللام وتشديد الميم، وجعلنا منهم أئمة يهدون أتباعهم بإذننا إياهم، وتقويتنا إياهم على الهداية، إذ صبروا على طاعتنا، وعزفوا أنفسهم عن لذّات الدنيا وشهواتها. وإذا قرئ بكسر اللام [[لعله فيكون على ... إلخ.]] على ما قد وصفنا. ⁕ وقد حدثنا ابن وكيع، قال: قال أبي، سمعنا في ﴿وَجَعَلْنا مْنِهُمْ أئمَّةً يهدون بأمْرِنا لَمَّا صَبروا﴾ قال: عن الدنيا. * * وقوله: ﴿وكانُوا بآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ يقول: وكانوا أهل يقين بما دلهم عليه حججنا، وأهل تصديق بما تبين لهم من الحقّ، وإيمان برسلنا، وآيات كتابنا وتنزيلنا.
Nous avons donné la Torah à Moïse. Ne doute donc pas de ta rencontre avec lui la nuit du Voyage Nocturne et de l’Ascension. Nous avons fait du Livre révélé à Moïse un guide qui sauve les Israélites de l’égarement.
وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةًۭ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا۟ ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ
Et Nous avons désigné parmi eux des dirigeants qui guidaient (les gens) par Notre ordre aussi longtemps qu'ils enduraient et croyaient fermement en Nos versets.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ آتَاهُ الْكِتَابَ وَهُوَ التَّوْرَاةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ : قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي بِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ. [[في ت: "الأسرى".]] ثُمَّ رُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ -يَعْنِي ابْنِ عَبَّاسٍ -قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم: "أُريتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ، رَجُلًا آدَمَ طُوَالا جَعْدًا، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءة. وَرَأَيْتُ عِيسَى رَجُلًا مَرْبُوعَ الْخَلْقِ، إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، مُبْسَطَ الرَّأْسِ، وَرَأَيْتُ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ وَالدَّجَّالَ، فِي آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللَّهُ إِيَّاهُ"، ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ ، أَنَّهُ قَدْ رَأَى مُوسَى، وَلَقِيَ مُوسَى لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ. [[انظر الأثر عند تفسير الآية الأولى من سورة الإسراء وتخريجه هناك.]] وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الحُلْوَاني، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ، قَالَ: جُعل مُوسَى هُدى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ قَالَ: مِنْ لِقَاءِ مُوسَى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. [[المعجم الكبير للطبراني (١٢/١٦٠) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٩٠) : "رجاله رجال الصحيح".]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ أَيِ: الْكِتَابُ الَّذِي آتَيْنَاهُ ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ، [كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ، أَيْ: لَمَّا كَانُوا صَابِرِينَ عَلَى أَوَامِرِ اللَّهِ وَتَرْكِ نَوَاهِيهِ وَزَوَاجِرِهِ وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ وَاتِّبَاعِهِمْ فِيمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ، كَانَ مِنْهُمْ أَئِمَّةٌ يَهْدُونَ إِلَى الْحَقِّ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَيَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ. ثُمَّ لَمَّا بَدَّلُوا وحَرَّفوا وأوَّلوا، سُلِبُوا ذَلِكَ الْمَقَامَ، وَصَارَتْ قُلُوبُهُمْ قَاسِيَةً، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، فَلَا عَمَلَ صَالِحًا، وَلَا اعْتِقَادَ صَحِيحًا؛ [[في ت: "فلا عملا صالحا ولا اعتقادا صحيحا".]] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [[في ف، أ: "ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب".]] قَالَ قَتَادَةُ وَسُفْيَانُ: لَمَّا صَبَرُوا عَنِ الدُّنْيَا: وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ. قَالَ سُفْيَانُ: هَكَذَا كَانَ هَؤُلَاءِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا يُقتَدى بِهِ حَتَّى يَتَحَامَى عَنِ الدُّنْيَا. قَالَ وَكِيعٌ: قَالَ سُفْيَانُ: لَا بُدَّ لِلدِّينِ مِنَ الْعِلْمِ، كَمَا لَا بُدَّ لِلْجَسَدِ مِنَ الْخُبْزِ. وَقَالَ ابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ: قَرَأَ أَبِي عَلَى عَمِّي -أَوْ: عَمِّي عَلَى أَبِي -سُئِلَ سُفْيَانُ عَنْ قَوْلِ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ ، قَالَ: لَمَّا أَخَذُوا بِرَأْسِ الْأَمْرِ صَارُوا رُؤُوسًا. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: بِالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ تَنَالُ الْإِمَامَةَ فِي الدِّينِ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى] : [[زيادة من ت، ف، أ.]] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّة [وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ. وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأمْرِ] فَمَا اخْتَلَفُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ١٦، ١٧] [[زيادة من ت، ف، أ.]] ، كَمَا قَالَ هُنَا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أَيْ: مِنَ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْأَعْمَالِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا موسى التوراة، كما آتيناك الفرقان يا محمد ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ﴾ يقول: فلا تكن في شكّ من لقائه، فكان قتادة يقول: معنى ذلك: فلا تكن في شكّ من أنك لقيته، أو تلقاه ليلة أُسري بك، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله ﷺ. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة عن أبي العالية الرياحي، قال: حدثنا ابن عمّ نبيكم -يعني: ابن عباس- قال: قال نبيّ الله ﷺ: "أُرِيتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى بنَ عِمْرَانَ رَجُلا آدَمَ طِوَالا جَعْدًا، كأنَّهُ مِنْ رجالِ شَنُوءَةَ، ورأيْتُ عِيسَى رَجُلا مَربُوعَ الخَلْقِ إلى الحُمْرَةِ والبياضِ، سَبْطَ الرأسِ ورأيْتُ مالِكا خازِنَ النَّارِ، والدَّجَّالَ" فِي آياتٍ أرَاهنَّ اللهُ إيَّاهُ، ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ﴾ أنه قد رأى موسى، ولقى موسى ليلة أُسري به. * * وقوله: ﴿وَجَعَلْناهُ هُدًى لِبَني إسْرائِيلَ﴾ يقول تعالى ذكره: وجعلنا موسى هدى لبني إسرائيل، يعنى: رشادا لهم يرشدون باتباعه، ويصيبون الحقّ بالاقتداء به، والائتمام بقوله. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَجَعَلْناهُ هُدًى لِبَني إسْرائِيلَ﴾ قال: جعل الله موسى هدى لبني إسرائيل. * * وقوله: ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أئمَّةً﴾ يقول تعالى ذكره: وجعلنا من بني إسرائيل أئمة، وهي جمع إمام، والإمام الذي يؤتمّ به في خير أو شرّ، وأريد بذلك في هذا الموضع أنه جعل منهم قادة في الخير، يؤتمّ بهم، ويهْتَدى بهديهم. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أئمَّةً يَهدُونَ بأمْرِنا﴾ قال: رؤساء في الخير. * * وقوله: ﴿يَهْدُونَ بأمْرِنا﴾ يقول تعالى ذكره: يهدون أتباعهم وأهل القبول منهم بإذننا لهم بذلك، وتقويتنا إياهم عليه. * * وقوله: ﴿لَمَّا صَبرُوا﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة، وبعض أهل الكوفة ﴿لَمَّا صَبرُوا﴾ بفتح اللام وتشديد الميم، بمعنى: إذ صبروا، وحين صبروا، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة ﴿لِمَا﴾ بكسر اللام وتخفيف الميم بمعنى: لصبرهم عن الدنيا وشهواتها، واجتهادهم في طاعتنا، والعمل بأمرنا، وذُكر أن ذلك فى قراءة ابن مسعود ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ وما إذا كسرت اللام من ﴿لِمَا﴾ في موضع خفض، وإذا فتحت اللام وشدّدت الميم، فلا موضع لها، لأنها حينئذ أداة. والقول عندي في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، قد قرأ بكل واحدة منهما عامة من القراء فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وتأويل الكلام إذا قُرئ ذلك بفتح اللام وتشديد الميم، وجعلنا منهم أئمة يهدون أتباعهم بإذننا إياهم، وتقويتنا إياهم على الهداية، إذ صبروا على طاعتنا، وعزفوا أنفسهم عن لذّات الدنيا وشهواتها. وإذا قرئ بكسر اللام [[لعله فيكون على ... إلخ.]] على ما قد وصفنا. ⁕ وقد حدثنا ابن وكيع، قال: قال أبي، سمعنا في ﴿وَجَعَلْنا مْنِهُمْ أئمَّةً يهدون بأمْرِنا لَمَّا صَبروا﴾ قال: عن الدنيا. * * وقوله: ﴿وكانُوا بآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ يقول: وكانوا أهل يقين بما دلهم عليه حججنا، وأهل تصديق بما تبين لهم من الحقّ، وإيمان برسلنا، وآيات كتابنا وتنزيلنا.
Nous avons choisi parmi les Israélites des guides que les gens prennent comme exemple dans le suivi de la vérité et qui orientent vers la vérité, tant qu’ils se montrent patients en se conformant aux commandements d’Allah, en renonçant à Ses interdits, en endurant les offenses pour Sa cause, et en croyant fermement aux versets révélés à leur messager.
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
Ton Seigneur, c'est Lui qui décidera entre eux, au Jour de la Résurrection, de ce sur quoi ils divergeaient.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ آتَاهُ الْكِتَابَ وَهُوَ التَّوْرَاةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ : قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي بِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ. [[في ت: "الأسرى".]] ثُمَّ رُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ -يَعْنِي ابْنِ عَبَّاسٍ -قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم: "أُريتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ، رَجُلًا آدَمَ طُوَالا جَعْدًا، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءة. وَرَأَيْتُ عِيسَى رَجُلًا مَرْبُوعَ الْخَلْقِ، إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، مُبْسَطَ الرَّأْسِ، وَرَأَيْتُ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ وَالدَّجَّالَ، فِي آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللَّهُ إِيَّاهُ"، ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ ، أَنَّهُ قَدْ رَأَى مُوسَى، وَلَقِيَ مُوسَى لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ. [[انظر الأثر عند تفسير الآية الأولى من سورة الإسراء وتخريجه هناك.]] وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الحُلْوَاني، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ، قَالَ: جُعل مُوسَى هُدى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ قَالَ: مِنْ لِقَاءِ مُوسَى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. [[المعجم الكبير للطبراني (١٢/١٦٠) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٩٠) : "رجاله رجال الصحيح".]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ أَيِ: الْكِتَابُ الَّذِي آتَيْنَاهُ ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ، [كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ، أَيْ: لَمَّا كَانُوا صَابِرِينَ عَلَى أَوَامِرِ اللَّهِ وَتَرْكِ نَوَاهِيهِ وَزَوَاجِرِهِ وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ وَاتِّبَاعِهِمْ فِيمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ، كَانَ مِنْهُمْ أَئِمَّةٌ يَهْدُونَ إِلَى الْحَقِّ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَيَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ. ثُمَّ لَمَّا بَدَّلُوا وحَرَّفوا وأوَّلوا، سُلِبُوا ذَلِكَ الْمَقَامَ، وَصَارَتْ قُلُوبُهُمْ قَاسِيَةً، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، فَلَا عَمَلَ صَالِحًا، وَلَا اعْتِقَادَ صَحِيحًا؛ [[في ت: "فلا عملا صالحا ولا اعتقادا صحيحا".]] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [[في ف، أ: "ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب".]] قَالَ قَتَادَةُ وَسُفْيَانُ: لَمَّا صَبَرُوا عَنِ الدُّنْيَا: وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ. قَالَ سُفْيَانُ: هَكَذَا كَانَ هَؤُلَاءِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا يُقتَدى بِهِ حَتَّى يَتَحَامَى عَنِ الدُّنْيَا. قَالَ وَكِيعٌ: قَالَ سُفْيَانُ: لَا بُدَّ لِلدِّينِ مِنَ الْعِلْمِ، كَمَا لَا بُدَّ لِلْجَسَدِ مِنَ الْخُبْزِ. وَقَالَ ابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ: قَرَأَ أَبِي عَلَى عَمِّي -أَوْ: عَمِّي عَلَى أَبِي -سُئِلَ سُفْيَانُ عَنْ قَوْلِ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ ، قَالَ: لَمَّا أَخَذُوا بِرَأْسِ الْأَمْرِ صَارُوا رُؤُوسًا. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: بِالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ تَنَالُ الْإِمَامَةَ فِي الدِّينِ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى] : [[زيادة من ت، ف، أ.]] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّة [وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ. وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأمْرِ] فَمَا اخْتَلَفُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ١٦، ١٧] [[زيادة من ت، ف، أ.]] ، كَمَا قَالَ هُنَا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أَيْ: مِنَ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْأَعْمَالِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد هو يبين جميع خلقه يوم القيامة فيما كانوا فيه في الدنيا يختلفون من أمور الدين والبعث والثواب والعقاب، وغير ذلك من أسباب دينهم، فيفرق بينهم بقضاء فاصل بإيجابه لأهل الحقّ الجنة، ولأهل الباطل النار. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦) ﴾ كما:- ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ يقول: أولم يبين لهم، وعلى القراءة بالياء في ذلك قرّاء الأمصار، وكذلك القراءة عندنا لإجماع الحجة من القرّاء، بمعنى: أولم يبين لهم إهلاكنا القرون الخالية من قبلهم، سنتنا فيمن سلك سبيلهم من الكفر بآياتنا، فيتعظوا وينزجروا. * * وقوله: ﴿كَمْ﴾ إذا قُرئ ﴿يهْدِ﴾ بالياء، في موضع رفع بيهد. وأما إذا قرئ ذلك بالنون ﴿أوَلَمْ نَهْدِ﴾ فإن موضع ﴿كم﴾ وما بعدها نصب. * * وقوله: ﴿يَمْشونَ فِي مَساكِنهمْ﴾ يقول تعالى ذكره: أولم يبين لهن كثرة إهلاكنا القرون الماضية من قبلهم يمشون في بلادهم وأرضهم، كعاد وثمود. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أولَمْ يهْدِ لَهُمْ كَمْ أهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهمْ مِنَ القُرُونِ﴾ عاد وثمود، وأنهم إليهم لا يُرجعون. * * وقوله: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ يقول تعالى ذكره: إن في خلاء مساكن القرون الذين أهلكناهم من قبل هؤلاء المكذّبين بآيات الله من قريش من أهلها الذين كانوا سكانها وعمَّارها بإهلاكنا إياهم لما كذّبوا رسلنا، وجحدوا بآياتنا، وعبدوا من دون الله آلهة غيره التي يمرّون بها فيعاينونها، لآيات لهم وعظات يتعظون بها، لو كانوا أولي حجا وعقول، يقول الله: ﴿أفلا يَسْمَعُونَ﴾ عظات الله وتذكيره إياهم آياته، وتعريفهم مواضع حججه؟.
Ô Messager, ton Seigneur est Celui qui tranchera entre eux le Jour de la Résurrection au sujet de ce dont ils divergeaient dans le bas monde. Il dévoilera alors qui avait raison et qui avait tort et rétribuera chacun selon ce qu’il mérite.
أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَٰكِنِهِمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍ ۖ أَفَلَا يَسْمَعُونَ
N'est-ce pas pour eux une indication le fait qu'avant eux, Nous ayons fait périr tant de générations dans les maisons desquelles ils marchent? Il y a en cela des preuves! N'écouteront-ils donc pas?
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى: أَوْلَمَ يَهْدِ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ مَا أَهْلَكَ اللَّهُ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، بِتَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ وَمُخَالَفَتِهِمْ إِيَّاهُمْ فِيمَا جاؤوهم بِهِ مِنْ قَوِيمِ السُّبُلِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ بَاقِيَةٌ وَلَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ؟ ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مَرْيَمَ: ٩٨] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ أَيْ: وَهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِ أُولَئِكَ الْمُكَذِّبِينَ فَلَا يَرَوْنَ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ كَانَ يَسْكُنُهَا وَيَعْمُرُهَا، ذَهَبُوا مِنْهَا، ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٩٢] ، كَمَا قَالَ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النَّمْلِ: ٥٢] ، وَقَالَ: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ. أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الْحَجِّ: ٤٥، ٤٦] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ أَيْ: إِنَّ فِي ذَهَابِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ ودَمَارهم وَمَا حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، وَنَجَاةِ مَنْ آمن بهم، لآيات وعبرا وَمَوَاعِظُ وَدَلَائِلُ [[في ت، أ: "دلالات".]] مُتَظَاهِرَةٌ. ﴿أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ أَيْ: أَخْبَارَ مَنْ تَقَدَّمَ، كَيْفَ كَانَ أَمْرُهُمْ؟. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ﴾ : يُبَيِّنُ تَعَالَى لُطْفَهُ بِخَلْقِهِ، وَإِحْسَانَهُ إِلَيْهِمْ فِي إِرْسَالِهِ الْمَاءَ إِمَّا مِنَ السَّمَاءِ أَوْ مِنَ السَّيْحِ، وَهُوَ: مَا تَحْمِلُهُ الْأَنْهَارُ وَيَنْحَدِرُ مِنَ الْجِبَالِ إِلَى الْأَرَاضِي الْمُحْتَاجَةِ إِلَيْهِ فِي أَوْقَاتِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ﴾ ، وَهِيَ [الْأَرْضُ] [[زيادة من ت، أ.]] الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الْكَهْفِ: ٨] ، أي: يَبَسًا لا تنبت شيئًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ﴾ أَرْضَ مِصْرَ فَقَطْ، بَلْ هِيَ بَعْضُ الْمَقْصُودِ، وَإِنْ مَثَّلَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فَلَيْسَتْ [هِيَ] [[زيادة من ت، أ.]] الْمَقْصُودَةُ وَحْدَهَا، وَلَكِنَّهَا مُرَادَّةٌ قَطْعًا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَإِنَّهَا فِي نَفْسِهَا أَرْضٌ رَخْوَةٌ غَلِيظَةٌ تَحْتَاجُ مِنَ الْمَاءِ مَا لَوْ نَزَّلَ عَلَيْهَا مَطَرًا لَتَهَدَّمَتْ أَبْنِيَتُهَا، فَيَسُوقُ اللَّهُ إِلَيْهَا النَّيْلَ بِمَا يَتَحَمَّلُهُ مِنَ الزِّيَادَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ أَمْطَارِ بِلَادِ الْحَبَشَةِ، وَفِيهِ طِينٌ أَحْمَرُ، فَيَغْشَى أَرْضَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ سَبَخَةٌ مُرْمِلَةٌ مُحْتَاجَةٌ إِلَى ذَلِكَ الْمَاءِ، وَذَلِكَ الطِّينِ أَيْضًا لينبُتَ الزَّرْعُ فِيهِ، فَيَسْتَغِلُّونَ كُلَّ سَنَةٍ عَلَى مَاءٍ جَدِيدٍ مَمْطُورٍ فِي غَيْرِ بِلَادِهِمْ، وَطِينٍ جَدِيدٍ مِنْ غَيْرِ أَرْضِهِمْ، فَسُبْحَانَ الْحَكِيمِ الْكَرِيمِ الْمَنَّانِ الْمَحْمُودِ ابْتِدَاءً. قَالَ ابْنُ لَهِيعَة، عَنْ قَيْسِ بْنِ حَجَّاجٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ: لَمَّا فُتِحَت مِصْرُ، أَتَى أَهْلُهَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ -[وَكَانَ أميرًا بها] [[زيادة من ت.]] -حين دخل بؤونة مِنْ أَشْهُرِ الْعَجَمِ، فَقَالُوا: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، إِنَّ لِنِيلِنَا سُنَّة لَا يَجْرِي إِلَّا بِهَا. قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: إِذَا كَانَتْ ثِنْتَا عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ عَمَدنا إِلَى جَارِيَةٍ بِكْر بَيْنَ [[في أ: "من".]] أَبَوَيْهَا، فَأَرْضَيْنَا أَبَوَيْهَا، وَجَعَلْنَا عَلَيْهَا مِنَ الْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ أَفْضَلَ مَا يَكُونُ، ثُمَّ أَلْقَيْنَاهَا فِي هَذَا النِّيلِ. فَقَالَ لَهُمْ عَمْرٌو: إِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ فِي الْإِسْلَامِ، إِنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ. فَأَقَامُوا بؤونة وَالنِّيلُ لَا يَجْرِي، حَتَّى هَمُّوا بِالْجَلَاءِ، فَكَتَبَ عَمْرٌو إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّكَ قَدْ أَصَبْتَ بِالَّذِي فَعَلْتَ، وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِبِطَاقَةٍ دَاخِلَ كِتَابِي هَذَا، فَأَلْقِهَا فِي النِّيلِ. فَلَمَّا قَدِمَ كِتَابُهُ أَخَذَ عَمْرٌو الْبِطَاقَةَ فَفَتَحَهَا فَإِذَا فِيهَا: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى نِيلِ أَهْلِ مِصْرَ، أَمَّا بَعْدُ ... فَإِنَّكَ إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تَجْرِي مِنْ قِبَلِكَ فَلَا تَجْرِ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ هُوَ الَّذِي يُجْرِيكَ فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُجْرِيَكَ. قَالَ: فَأَلْقَى الْبِطَاقَةَ فِي النِّيلِ، وَأَصْبَحُوا يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ النِّيلَ سِتَّةَ عَشَرَ ذِرَاعًا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقِطَعَ اللَّهُ تِلْكَ السُّنَّة عَنْ أَهْلِ مِصْرَ إِلَى الْيَوْمِ. رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالِكَائِيُّ الطَّبَرَيُّ فِي كِتَابِ "السُّنَةِ" لَهُ. [[كتاب السنة للالكائي برقم (٦٦) "قسم كرامات الأولياء" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن مخلد، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالح، عن ابن لهيعة به، وهو مرسل.]] وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ. أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا. ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا. فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا. وَعِنَبًا وَقَضْبًا. وَزَيْتُونًا وَنَخْلا. وَحَدَائِقَ غُلْبًا. وَفَاكِهَةً وَأَبًّا. [مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ] ﴾ [عَبَسَ: ٢٤-٣٢] ؛ [[زيادة من ت، ف، أ.]] وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ﴾ قَالَ: هِيَ الَّتِي لَا تُمطر إِلَّا مَطَرًا لَا يُغْنِي عَنْهَا شَيْئًا، إِلَّا مَا يَأْتِيهَا مِنَ السُّيُولِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ: هِيَ أَرْضٌ بِالْيَمَنِ. وَقَالَ الْحَسَنُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: هِيَ قُرَى فِيمَا بَيْنَ الْيَمَنِ وَالشَّامِ. وَقَالَ عِكْرِمة، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَابْنُ زَيْدٍ: الْأَرْضُ الْجُرُزُ: الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا وَهِيَ مُغْبَرَّةٌ. قُلْتُ: وَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ. وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ. لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٣-٣٥] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد هو يبين جميع خلقه يوم القيامة فيما كانوا فيه في الدنيا يختلفون من أمور الدين والبعث والثواب والعقاب، وغير ذلك من أسباب دينهم، فيفرق بينهم بقضاء فاصل بإيجابه لأهل الحقّ الجنة، ولأهل الباطل النار. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦) ﴾ كما:- ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ يقول: أولم يبين لهم، وعلى القراءة بالياء في ذلك قرّاء الأمصار، وكذلك القراءة عندنا لإجماع الحجة من القرّاء، بمعنى: أولم يبين لهم إهلاكنا القرون الخالية من قبلهم، سنتنا فيمن سلك سبيلهم من الكفر بآياتنا، فيتعظوا وينزجروا. * * وقوله: ﴿كَمْ﴾ إذا قُرئ ﴿يهْدِ﴾ بالياء، في موضع رفع بيهد. وأما إذا قرئ ذلك بالنون ﴿أوَلَمْ نَهْدِ﴾ فإن موضع ﴿كم﴾ وما بعدها نصب. * * وقوله: ﴿يَمْشونَ فِي مَساكِنهمْ﴾ يقول تعالى ذكره: أولم يبين لهن كثرة إهلاكنا القرون الماضية من قبلهم يمشون في بلادهم وأرضهم، كعاد وثمود. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أولَمْ يهْدِ لَهُمْ كَمْ أهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهمْ مِنَ القُرُونِ﴾ عاد وثمود، وأنهم إليهم لا يُرجعون. * * وقوله: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ يقول تعالى ذكره: إن في خلاء مساكن القرون الذين أهلكناهم من قبل هؤلاء المكذّبين بآيات الله من قريش من أهلها الذين كانوا سكانها وعمَّارها بإهلاكنا إياهم لما كذّبوا رسلنا، وجحدوا بآياتنا، وعبدوا من دون الله آلهة غيره التي يمرّون بها فيعاينونها، لآيات لهم وعظات يتعظون بها، لو كانوا أولي حجا وعقول، يقول الله: ﴿أفلا يَسْمَعُونَ﴾ عظات الله وتذكيره إياهم آياته، وتعريفهم مواضع حججه؟.
Ces gens-là ignorent-ils combien de peuples Nous avons anéantis par le passé ? Voilà qu’ils marchent dans les habitations qu’ils occupaient avant d’être anéantis mais n’ont pas déduit les enseignements de leur sort. Ce qu’il advint de ces peuples en raison de leur mécréance et de leurs péchés est assurément une preuve de la véracité de ce que leur ont apporté leurs messagers de la part d’Allah. Ces dénégateurs ne vont-ils donc pas se mettre à écouter avec bonne foi les versets d’Allah ?
أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًۭا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَٰمُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ ۖ أَفَلَا يُبْصِرُونَ
N'ont-ils pas vu que Nous poussons l'eau vers un sol aride, qu'ensuite Nous en faisons sortir une culture que consomment leurs bestiaux et eux-mêmes? Ne voient-ils donc pas,?
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى: أَوْلَمَ يَهْدِ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ مَا أَهْلَكَ اللَّهُ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، بِتَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ وَمُخَالَفَتِهِمْ إِيَّاهُمْ فِيمَا جاؤوهم بِهِ مِنْ قَوِيمِ السُّبُلِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ بَاقِيَةٌ وَلَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ؟ ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مَرْيَمَ: ٩٨] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ أَيْ: وَهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِ أُولَئِكَ الْمُكَذِّبِينَ فَلَا يَرَوْنَ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ كَانَ يَسْكُنُهَا وَيَعْمُرُهَا، ذَهَبُوا مِنْهَا، ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٩٢] ، كَمَا قَالَ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النَّمْلِ: ٥٢] ، وَقَالَ: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ. أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الْحَجِّ: ٤٥، ٤٦] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ أَيْ: إِنَّ فِي ذَهَابِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ ودَمَارهم وَمَا حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، وَنَجَاةِ مَنْ آمن بهم، لآيات وعبرا وَمَوَاعِظُ وَدَلَائِلُ [[في ت، أ: "دلالات".]] مُتَظَاهِرَةٌ. ﴿أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ أَيْ: أَخْبَارَ مَنْ تَقَدَّمَ، كَيْفَ كَانَ أَمْرُهُمْ؟. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ﴾ : يُبَيِّنُ تَعَالَى لُطْفَهُ بِخَلْقِهِ، وَإِحْسَانَهُ إِلَيْهِمْ فِي إِرْسَالِهِ الْمَاءَ إِمَّا مِنَ السَّمَاءِ أَوْ مِنَ السَّيْحِ، وَهُوَ: مَا تَحْمِلُهُ الْأَنْهَارُ وَيَنْحَدِرُ مِنَ الْجِبَالِ إِلَى الْأَرَاضِي الْمُحْتَاجَةِ إِلَيْهِ فِي أَوْقَاتِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ﴾ ، وَهِيَ [الْأَرْضُ] [[زيادة من ت، أ.]] الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الْكَهْفِ: ٨] ، أي: يَبَسًا لا تنبت شيئًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ﴾ أَرْضَ مِصْرَ فَقَطْ، بَلْ هِيَ بَعْضُ الْمَقْصُودِ، وَإِنْ مَثَّلَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فَلَيْسَتْ [هِيَ] [[زيادة من ت، أ.]] الْمَقْصُودَةُ وَحْدَهَا، وَلَكِنَّهَا مُرَادَّةٌ قَطْعًا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَإِنَّهَا فِي نَفْسِهَا أَرْضٌ رَخْوَةٌ غَلِيظَةٌ تَحْتَاجُ مِنَ الْمَاءِ مَا لَوْ نَزَّلَ عَلَيْهَا مَطَرًا لَتَهَدَّمَتْ أَبْنِيَتُهَا، فَيَسُوقُ اللَّهُ إِلَيْهَا النَّيْلَ بِمَا يَتَحَمَّلُهُ مِنَ الزِّيَادَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ أَمْطَارِ بِلَادِ الْحَبَشَةِ، وَفِيهِ طِينٌ أَحْمَرُ، فَيَغْشَى أَرْضَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ سَبَخَةٌ مُرْمِلَةٌ مُحْتَاجَةٌ إِلَى ذَلِكَ الْمَاءِ، وَذَلِكَ الطِّينِ أَيْضًا لينبُتَ الزَّرْعُ فِيهِ، فَيَسْتَغِلُّونَ كُلَّ سَنَةٍ عَلَى مَاءٍ جَدِيدٍ مَمْطُورٍ فِي غَيْرِ بِلَادِهِمْ، وَطِينٍ جَدِيدٍ مِنْ غَيْرِ أَرْضِهِمْ، فَسُبْحَانَ الْحَكِيمِ الْكَرِيمِ الْمَنَّانِ الْمَحْمُودِ ابْتِدَاءً. قَالَ ابْنُ لَهِيعَة، عَنْ قَيْسِ بْنِ حَجَّاجٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ: لَمَّا فُتِحَت مِصْرُ، أَتَى أَهْلُهَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ -[وَكَانَ أميرًا بها] [[زيادة من ت.]] -حين دخل بؤونة مِنْ أَشْهُرِ الْعَجَمِ، فَقَالُوا: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، إِنَّ لِنِيلِنَا سُنَّة لَا يَجْرِي إِلَّا بِهَا. قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: إِذَا كَانَتْ ثِنْتَا عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ عَمَدنا إِلَى جَارِيَةٍ بِكْر بَيْنَ [[في أ: "من".]] أَبَوَيْهَا، فَأَرْضَيْنَا أَبَوَيْهَا، وَجَعَلْنَا عَلَيْهَا مِنَ الْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ أَفْضَلَ مَا يَكُونُ، ثُمَّ أَلْقَيْنَاهَا فِي هَذَا النِّيلِ. فَقَالَ لَهُمْ عَمْرٌو: إِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ فِي الْإِسْلَامِ، إِنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ. فَأَقَامُوا بؤونة وَالنِّيلُ لَا يَجْرِي، حَتَّى هَمُّوا بِالْجَلَاءِ، فَكَتَبَ عَمْرٌو إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّكَ قَدْ أَصَبْتَ بِالَّذِي فَعَلْتَ، وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِبِطَاقَةٍ دَاخِلَ كِتَابِي هَذَا، فَأَلْقِهَا فِي النِّيلِ. فَلَمَّا قَدِمَ كِتَابُهُ أَخَذَ عَمْرٌو الْبِطَاقَةَ فَفَتَحَهَا فَإِذَا فِيهَا: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى نِيلِ أَهْلِ مِصْرَ، أَمَّا بَعْدُ ... فَإِنَّكَ إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تَجْرِي مِنْ قِبَلِكَ فَلَا تَجْرِ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ هُوَ الَّذِي يُجْرِيكَ فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُجْرِيَكَ. قَالَ: فَأَلْقَى الْبِطَاقَةَ فِي النِّيلِ، وَأَصْبَحُوا يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ النِّيلَ سِتَّةَ عَشَرَ ذِرَاعًا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقِطَعَ اللَّهُ تِلْكَ السُّنَّة عَنْ أَهْلِ مِصْرَ إِلَى الْيَوْمِ. رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالِكَائِيُّ الطَّبَرَيُّ فِي كِتَابِ "السُّنَةِ" لَهُ. [[كتاب السنة للالكائي برقم (٦٦) "قسم كرامات الأولياء" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن مخلد، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالح، عن ابن لهيعة به، وهو مرسل.]] وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ. أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا. ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا. فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا. وَعِنَبًا وَقَضْبًا. وَزَيْتُونًا وَنَخْلا. وَحَدَائِقَ غُلْبًا. وَفَاكِهَةً وَأَبًّا. [مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ] ﴾ [عَبَسَ: ٢٤-٣٢] ؛ [[زيادة من ت، ف، أ.]] وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ﴾ قَالَ: هِيَ الَّتِي لَا تُمطر إِلَّا مَطَرًا لَا يُغْنِي عَنْهَا شَيْئًا، إِلَّا مَا يَأْتِيهَا مِنَ السُّيُولِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ: هِيَ أَرْضٌ بِالْيَمَنِ. وَقَالَ الْحَسَنُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: هِيَ قُرَى فِيمَا بَيْنَ الْيَمَنِ وَالشَّامِ. وَقَالَ عِكْرِمة، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّيّ، وَابْنُ زَيْدٍ: الْأَرْضُ الْجُرُزُ: الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا وَهِيَ مُغْبَرَّةٌ. قُلْتُ: وَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ. وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ. لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٣-٣٥] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: أولم ير هؤلاء المكذّبون بالبعث بعد الموت، والنشر بعد الفناء، أنا بقُدرتنا نسوق الماء إلى الأرض اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها، وأصله من قولهم: ناقة جرز: إذا كانت تأكل كلّ شيء، وكذلك الأرض الجروز: التي لا يبقى على ظهرها شيء إلا أفسدته، نظير أكل الناقة الجراز كلّ ما وجدته، ومنه قولهم للأنسان الأكول: جَرُوز، كما قال الراجز: خَبّ جَرُوزٌ وَإذَا.... [[هذا جزء من بيت من مشطور الرجز، أورده الشوكاني في تفسيره المسمى فتح القدير (٤: ٢٤٩) طبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده. وهناك البيت بتمامه مع ما يليه: خَبّ جَرُوزٌ وَإِذَا جَاعَ بَكَى ... وَيَأْكُلُ التَّمْرَ وَلا يُلْقي النَّوَى وهو شاهد عند تفسير قوله تعالى: (أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز) . قال أبو عبيدة مجاز القرآن (الورقة ١٩٣ - أ) : الأرض الجرز: أي اليابسة الغليظة التي لم يصبها مطر. اهـ. وقال الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٥٣) : الجرز التي لا نبات فيها. ويقال للناقة إنها لجراز: إذا كانت تأكل كل شيء، وللإنسان: إنه لجروز: إذا كان أكولا. وسيف جراز: إذا كان لا يبقى شيئًا إلا قطعه.]] ومنه قيل للسيف إذا كان لا يبقي شيئا إلا قطعه سيف جراز، فيه لغات أربع: أرض جُرُز، وجَرْز، وجِرز وجُرْز، والفتح لبني تميم فيما بلغني. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عباس ﴿الأرْضِ الجُرُزِ﴾ أرض باليمن. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: أرض باليمن. ⁕ قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن المبارك عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّا نسُوق الماء إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ قال: أبين [[إبين بكسر الهمزة وفتحها وسكون الباء، وباء مفتوحة: اسم رجل كان في الزمان القديم، ويقال: ذوأبين، وهو الذي ينسب إليه عدن إبين من بلاد اليمن. فلعل راوي الأثر يريد هذا الموضع. (انظر البكري في المعجم) .]] ونحوها. ⁕ حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا عبد الرزاق بن عمر، عن ابن المبارك، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: ونحوها من الأرض. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن رجل، عن ابن عباس في قوله: ﴿إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ قال: الجرز: التي لا تمْطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا، إلا ما يأتيها من السيول. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ ليس فيها نبت. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّا نَسوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ المغبرة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ قال: الأرض الجرز: التي ليس فيها شيء، ليس فيها نبات، وفي قوله: ﴿صَعيدًا جُرزًا﴾ قال: ليس عليها شيء، وليس فيها نبات ولا شيء ﴿فنخرجُ به زرعًا تأكلُ منهُ أنعامهُمْ وَأنْفُسُهُمْ﴾ يقول تعالى ذكره: فنخرج بذلك الماء الذي نسوقه إليها على يبسها وغلظها وطول عهدها بالماء زرعا خضرا، تأكل منه مواشيهم، وتغذّى به أبدانهم وأجسامهم فيعيشون به ﴿أفَلا يُبْصرُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: أفلا يرون ذلك بأعينهم، فيعلموا برؤيتهموه أن القدرة التي بها فعلت ذلك لا يتعذّر عليّ أن أحيي بها الأموات، وأنشرهم من قبورهم، وأعيدهم بهيئاتهم التي كانوا بها قبل وفاتهم.
Ces gens qui rejettent la réalité de la Ressuscitation n’ont-ils pas vu que Nous envoyons l’eau de la pluie sur une terre aride dépourvue de plantes et que Nous en faisons sortir grâce à cette eau, des végétaux dont mangent leurs dromadaires, leurs bœufs, leurs moutons et eux-mêmes ? Ne voient-ils pas cela et ne prennent-ils pas conscience alors que Celui qui fait couvrir la Terre de verdure est capable de ressusciter les morts ?
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
Et ils disent: «A quand cette victoire, si vous êtes véridiques?»
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ اسْتِعْجَالِ الْكَفَّارِ وقوعَ بَأْسِ اللَّهِ بِهِمْ، وَحُلُولِ غَضَبِهِ وَنِقْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، اسْتِبْعَادًا وَتَكْذِيبًا وَعِنَادًا: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ ؟ أَيْ: مَتَى تُنْصَرُ عَلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ؟ كَمَا تَزْعُمُ أَنَّ لَكَ وَقْتًا تُدَال عَلَيْنَا، ويُنْتَقم لَكَ مِنَّا، فَمَتَى يَكُونُ هَذَا؟ مَا نَرَاكَ أَنْتَ وَأَصْحَابَكَ إِلَّا مُخْتَفِينَ خَائِفِينَ ذَلِيلِينَ! قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ أَيْ: إِذَا حَلَّ بِكُمْ بَأْسُ اللَّهِ وسَخَطه وَغَضَبُهُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْأُخْرَى، ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غَافِرٍ: ٨٣-٨٥] ، ومَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْفَتْحِ فتحُ مَكَّةَ فَقَدْ أَبْعَدَ النَّجْعة، وَأَخْطَأَ فَأَفْحَشَ، فَإِنَّ يَوْمَ الْفَتْحِ قَدْ قَبِل رسولُ اللَّهِ ﷺ إِسْلَامَ الطُّلَقَاءِ، وَقَدْ كَانُوا قَرِيبًا مِنْ أَلْفَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ فَتْحَ مَكَّةَ لَمَا قَبِلَ إِسْلَامَهُمْ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْفَتْحُ الَّذِي هُوَ الْقَضَاءُ وَالْفَصْلُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١١٨] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سَبَأٍ: ٢٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ١٥] ، وَقَالَ: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٨٩] ، وَقَالَ: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الْأَنْفَالِ: ١٩] . ثُمَّ قَالَ: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ أَيْ: أَعْرِضْ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَبَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٠٦] ، وَانْتَظِرْ فَإِنَّ اللَّهَ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، وَسَيَنْصُرُكَ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ، إِنَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ أَيْ: أَنْتَ مُنْتَظِرٌ، وَهُمْ مُنْتَظِرُونَ، وَيَتَرَبَّصُونَ بِكُمُ الدَّوَائِرَ، ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطُّورِ:٣٠] ، وَسَتَرَى أَنْتَ عَاقِبَةَ صَبْرِكَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَدَاءِ رِسَالَةِ اللَّهِ، فِي نُصْرَتِكَ وَتَأْيِيدِكَ، وَسَيَجِدُونَ غِبَّ مَا يَنْتَظِرُونَهُ فِيكَ وَفِي أَصْحَابِكَ، مِنْ وَبِيلِ عِقَابِ اللَّهِ لَهُمْ، وَحُلُولِ عَذَابِهِ بِهِمْ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] . [[زيادة من ف.]] [آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الم السَّجْدَةِ"] [[زيادة من ت.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿ويَقُولُونَ﴾ هؤلاء المشركون بالله يا محمد، لك: ﴿مَتى هَذَا الْفَتْحُ﴾ واختلف في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: متى يجيء هذا الحكم بيننا وبينكم، ومتى يكون هذا الثواب والعقاب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة في قوله: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذَا الفَتْحُ إن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: قال أصحاب نبي الله ﷺ: إن لنا يوما أوشك أن نستريح فيه وننعم فيه. فقال المشركون: ﴿مَتى هذا الفَتْحُ إن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . وقال آخرون: بل عنى بذلك فتح مكة. والصواب من القول في ذلك قول من قال: معناه: ويقولون: متى يجيء هذا الحكم بيننا وبينكم، يعنون العذاب، يدلّ على أن ذلك معناه قوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ ولا شكَّ أن الكفار قد كان جعل الله لهم التوبة قبل فتح مكة وبعده، ولو كان معنى قوله: ﴿مَتى هَذَا الفَتْحُ﴾ على ما قاله من قال: يعني به فتح مكة، لكان لا توبة لمن أسلم من المشركين بعد فتح مكة، ولا شكّ أن الله قد تاب على بشر كثير من المشركين بعد فتح مكة، ونفعهم بالإيمان به وبرسوله، فمعلوم بذلك صحة ما قلنا من التأويل، وفساد ما خالفه. * * وقوله: ﴿إن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعنى: إن كنتم صادقين في الذي تقولون، من أنا معاقبون على تكذيبنا محمدا ﷺ، وعبادتنا الآلهة والأوثان. * * وقوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ﴾ يقول لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لهم يوم الحكم، ومجيء العذاب: لا ينفع من كفر بالله وبآياته إيمانهم الذي يحدثونه في ذلك الوقت. كما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمَانُهم﴾ قال: يوم الفتح إذا جاء العذاب ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يَوْمَ الفَتْحِ﴾ يوم القيامة، ونصب اليوم في قوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ﴾ ردّا على متى، وذلك أن ﴿متى﴾ في موضع نصب. ومعنى الكلام: أنى حينُ هذا الفتح إن كنتم صادقين؟ ثم قيل: يوم كذا، وبه قرأ القرّاء. * * وقوله: ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يقول: ولا هم يؤخرون للتوبة والمراجعة. * * وقوله: ﴿فأعْرِض عَنْهُمْ وانْتَظِرْ إنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ يقول لنبيه محمد ﷺ: فأعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين بالله، القائلين لك: متى هذا الفتح المستعجليك بالعذاب، وانتظر ما الله صانع بهم، إنهم منتظرون ما تعدهم من العذاب ومجيء الساعة. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ يعني يوم القيامة. آخر تفسير سورة السجدة، ولله الحمد والمنة.
Ceux qui rejettent la réalité de la Ressuscitation disent, désirant hâter leur châtiment: Quand aura donc lieu le jugement qui tranchera entre nous et vous le Jour de la Résurrection et qui nous condamnera à l’Enfer tandis qu’il vous enverra au Paradis ?
قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِيمَٰنُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ
Dis: «Le jour de la Victoire, il sera inutile aux infidèles de croire! Et aucun délai ne leur sera donné».
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ اسْتِعْجَالِ الْكَفَّارِ وقوعَ بَأْسِ اللَّهِ بِهِمْ، وَحُلُولِ غَضَبِهِ وَنِقْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، اسْتِبْعَادًا وَتَكْذِيبًا وَعِنَادًا: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ ؟ أَيْ: مَتَى تُنْصَرُ عَلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ؟ كَمَا تَزْعُمُ أَنَّ لَكَ وَقْتًا تُدَال عَلَيْنَا، ويُنْتَقم لَكَ مِنَّا، فَمَتَى يَكُونُ هَذَا؟ مَا نَرَاكَ أَنْتَ وَأَصْحَابَكَ إِلَّا مُخْتَفِينَ خَائِفِينَ ذَلِيلِينَ! قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ أَيْ: إِذَا حَلَّ بِكُمْ بَأْسُ اللَّهِ وسَخَطه وَغَضَبُهُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْأُخْرَى، ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غَافِرٍ: ٨٣-٨٥] ، ومَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْفَتْحِ فتحُ مَكَّةَ فَقَدْ أَبْعَدَ النَّجْعة، وَأَخْطَأَ فَأَفْحَشَ، فَإِنَّ يَوْمَ الْفَتْحِ قَدْ قَبِل رسولُ اللَّهِ ﷺ إِسْلَامَ الطُّلَقَاءِ، وَقَدْ كَانُوا قَرِيبًا مِنْ أَلْفَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ فَتْحَ مَكَّةَ لَمَا قَبِلَ إِسْلَامَهُمْ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْفَتْحُ الَّذِي هُوَ الْقَضَاءُ وَالْفَصْلُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١١٨] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سَبَأٍ: ٢٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ١٥] ، وَقَالَ: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٨٩] ، وَقَالَ: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الْأَنْفَالِ: ١٩] . ثُمَّ قَالَ: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ أَيْ: أَعْرِضْ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَبَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٠٦] ، وَانْتَظِرْ فَإِنَّ اللَّهَ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، وَسَيَنْصُرُكَ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ، إِنَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ أَيْ: أَنْتَ مُنْتَظِرٌ، وَهُمْ مُنْتَظِرُونَ، وَيَتَرَبَّصُونَ بِكُمُ الدَّوَائِرَ، ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطُّورِ:٣٠] ، وَسَتَرَى أَنْتَ عَاقِبَةَ صَبْرِكَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَدَاءِ رِسَالَةِ اللَّهِ، فِي نُصْرَتِكَ وَتَأْيِيدِكَ، وَسَيَجِدُونَ غِبَّ مَا يَنْتَظِرُونَهُ فِيكَ وَفِي أَصْحَابِكَ، مِنْ وَبِيلِ عِقَابِ اللَّهِ لَهُمْ، وَحُلُولِ عَذَابِهِ بِهِمْ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] . [[زيادة من ف.]] [آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الم السَّجْدَةِ"] [[زيادة من ت.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿ويَقُولُونَ﴾ هؤلاء المشركون بالله يا محمد، لك: ﴿مَتى هَذَا الْفَتْحُ﴾ واختلف في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: متى يجيء هذا الحكم بيننا وبينكم، ومتى يكون هذا الثواب والعقاب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة في قوله: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذَا الفَتْحُ إن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: قال أصحاب نبي الله ﷺ: إن لنا يوما أوشك أن نستريح فيه وننعم فيه. فقال المشركون: ﴿مَتى هذا الفَتْحُ إن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . وقال آخرون: بل عنى بذلك فتح مكة. والصواب من القول في ذلك قول من قال: معناه: ويقولون: متى يجيء هذا الحكم بيننا وبينكم، يعنون العذاب، يدلّ على أن ذلك معناه قوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ ولا شكَّ أن الكفار قد كان جعل الله لهم التوبة قبل فتح مكة وبعده، ولو كان معنى قوله: ﴿مَتى هَذَا الفَتْحُ﴾ على ما قاله من قال: يعني به فتح مكة، لكان لا توبة لمن أسلم من المشركين بعد فتح مكة، ولا شكّ أن الله قد تاب على بشر كثير من المشركين بعد فتح مكة، ونفعهم بالإيمان به وبرسوله، فمعلوم بذلك صحة ما قلنا من التأويل، وفساد ما خالفه. * * وقوله: ﴿إن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعنى: إن كنتم صادقين في الذي تقولون، من أنا معاقبون على تكذيبنا محمدا ﷺ، وعبادتنا الآلهة والأوثان. * * وقوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ﴾ يقول لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لهم يوم الحكم، ومجيء العذاب: لا ينفع من كفر بالله وبآياته إيمانهم الذي يحدثونه في ذلك الوقت. كما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمَانُهم﴾ قال: يوم الفتح إذا جاء العذاب ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يَوْمَ الفَتْحِ﴾ يوم القيامة، ونصب اليوم في قوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ﴾ ردّا على متى، وذلك أن ﴿متى﴾ في موضع نصب. ومعنى الكلام: أنى حينُ هذا الفتح إن كنتم صادقين؟ ثم قيل: يوم كذا، وبه قرأ القرّاء. * * وقوله: ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يقول: ولا هم يؤخرون للتوبة والمراجعة. * * وقوله: ﴿فأعْرِض عَنْهُمْ وانْتَظِرْ إنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ يقول لنبيه محمد ﷺ: فأعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين بالله، القائلين لك: متى هذا الفتح المستعجليك بالعذاب، وانتظر ما الله صانع بهم، إنهم منتظرون ما تعدهم من العذاب ومجيء الساعة. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ يعني يوم القيامة. آخر تفسير سورة السجدة، ولله الحمد والمنة.
Ô Messager, dis-leur: Cette promesse est le Jour de la Résurrection. Ce jour-là, on tranchera entre les serviteurs et il ne servira alors à rien à ceux qui mécroyaient en Allah dans le bas monde d’avoir la foi après avoir été témoins du Jour de la Résurrection. De même, on ne leur accordera pas non plus de délai pour qu’ils puissent se repentir à Lui.
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَٱنتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ
Eloigne-toi d'eux et attends. Eux aussi demeurent dans l'attente.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ اسْتِعْجَالِ الْكَفَّارِ وقوعَ بَأْسِ اللَّهِ بِهِمْ، وَحُلُولِ غَضَبِهِ وَنِقْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، اسْتِبْعَادًا وَتَكْذِيبًا وَعِنَادًا: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ ؟ أَيْ: مَتَى تُنْصَرُ عَلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ؟ كَمَا تَزْعُمُ أَنَّ لَكَ وَقْتًا تُدَال عَلَيْنَا، ويُنْتَقم لَكَ مِنَّا، فَمَتَى يَكُونُ هَذَا؟ مَا نَرَاكَ أَنْتَ وَأَصْحَابَكَ إِلَّا مُخْتَفِينَ خَائِفِينَ ذَلِيلِينَ! قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ أَيْ: إِذَا حَلَّ بِكُمْ بَأْسُ اللَّهِ وسَخَطه وَغَضَبُهُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْأُخْرَى، ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غَافِرٍ: ٨٣-٨٥] ، ومَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْفَتْحِ فتحُ مَكَّةَ فَقَدْ أَبْعَدَ النَّجْعة، وَأَخْطَأَ فَأَفْحَشَ، فَإِنَّ يَوْمَ الْفَتْحِ قَدْ قَبِل رسولُ اللَّهِ ﷺ إِسْلَامَ الطُّلَقَاءِ، وَقَدْ كَانُوا قَرِيبًا مِنْ أَلْفَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ فَتْحَ مَكَّةَ لَمَا قَبِلَ إِسْلَامَهُمْ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْفَتْحُ الَّذِي هُوَ الْقَضَاءُ وَالْفَصْلُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١١٨] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سَبَأٍ: ٢٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ١٥] ، وَقَالَ: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٨٩] ، وَقَالَ: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الْأَنْفَالِ: ١٩] . ثُمَّ قَالَ: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ أَيْ: أَعْرِضْ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَبَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٠٦] ، وَانْتَظِرْ فَإِنَّ اللَّهَ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، وَسَيَنْصُرُكَ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ، إِنَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ أَيْ: أَنْتَ مُنْتَظِرٌ، وَهُمْ مُنْتَظِرُونَ، وَيَتَرَبَّصُونَ بِكُمُ الدَّوَائِرَ، ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطُّورِ:٣٠] ، وَسَتَرَى أَنْتَ عَاقِبَةَ صَبْرِكَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَدَاءِ رِسَالَةِ اللَّهِ، فِي نُصْرَتِكَ وَتَأْيِيدِكَ، وَسَيَجِدُونَ غِبَّ مَا يَنْتَظِرُونَهُ فِيكَ وَفِي أَصْحَابِكَ، مِنْ وَبِيلِ عِقَابِ اللَّهِ لَهُمْ، وَحُلُولِ عَذَابِهِ بِهِمْ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] . [[زيادة من ف.]] [آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الم السَّجْدَةِ"] [[زيادة من ت.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿ويَقُولُونَ﴾ هؤلاء المشركون بالله يا محمد، لك: ﴿مَتى هَذَا الْفَتْحُ﴾ واختلف في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: متى يجيء هذا الحكم بيننا وبينكم، ومتى يكون هذا الثواب والعقاب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة في قوله: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذَا الفَتْحُ إن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: قال أصحاب نبي الله ﷺ: إن لنا يوما أوشك أن نستريح فيه وننعم فيه. فقال المشركون: ﴿مَتى هذا الفَتْحُ إن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . وقال آخرون: بل عنى بذلك فتح مكة. والصواب من القول في ذلك قول من قال: معناه: ويقولون: متى يجيء هذا الحكم بيننا وبينكم، يعنون العذاب، يدلّ على أن ذلك معناه قوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ ولا شكَّ أن الكفار قد كان جعل الله لهم التوبة قبل فتح مكة وبعده، ولو كان معنى قوله: ﴿مَتى هَذَا الفَتْحُ﴾ على ما قاله من قال: يعني به فتح مكة، لكان لا توبة لمن أسلم من المشركين بعد فتح مكة، ولا شكّ أن الله قد تاب على بشر كثير من المشركين بعد فتح مكة، ونفعهم بالإيمان به وبرسوله، فمعلوم بذلك صحة ما قلنا من التأويل، وفساد ما خالفه. * * وقوله: ﴿إن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعنى: إن كنتم صادقين في الذي تقولون، من أنا معاقبون على تكذيبنا محمدا ﷺ، وعبادتنا الآلهة والأوثان. * * وقوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ﴾ يقول لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لهم يوم الحكم، ومجيء العذاب: لا ينفع من كفر بالله وبآياته إيمانهم الذي يحدثونه في ذلك الوقت. كما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمَانُهم﴾ قال: يوم الفتح إذا جاء العذاب ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يَوْمَ الفَتْحِ﴾ يوم القيامة، ونصب اليوم في قوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ﴾ ردّا على متى، وذلك أن ﴿متى﴾ في موضع نصب. ومعنى الكلام: أنى حينُ هذا الفتح إن كنتم صادقين؟ ثم قيل: يوم كذا، وبه قرأ القرّاء. * * وقوله: ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يقول: ولا هم يؤخرون للتوبة والمراجعة. * * وقوله: ﴿فأعْرِض عَنْهُمْ وانْتَظِرْ إنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ يقول لنبيه محمد ﷺ: فأعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين بالله، القائلين لك: متى هذا الفتح المستعجليك بالعذاب، وانتظر ما الله صانع بهم، إنهم منتظرون ما تعدهم من العذاب ومجيء الساعة. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ يعني يوم القيامة. آخر تفسير سورة السجدة، ولله الحمد والمنة.
Ô Messager, détourne-toi de ces gens-là après leur égarement exagéré et attends de voir ce qu’il adviendra d’eux puisqu’eux aussi attendent leur châtiment.