تَفْسِيرُ سُورَةِ فَاطِرٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ لَا أَدْرِي مَا فاطر السموات وَالْأَرْضِ، حَتَّى أَتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا [لِصَاحِبِهِ] : [[زيادة من ت، س، أ.]] أَنَا فَطَرْتُهَا، أَنَا بَدَأْتُهَا. فقال ابن عباس أيضًا: ﴿فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ﴾ بديع السموات وَالْأَرْضِ. [[رواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (١٦٨٢) من طريق يحيي بن سعيد عن سفيان به.]] وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ فاطر السموات والأرض فهو: خالق السموات وَالْأَرْضِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا﴾ أَيْ: بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْبِيَائِهِ، ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ أَيْ: يَطِيرُونَ بِهَا لِيُبَلِّغُوا مَا أُمِرُوا بِهِ سَرِيعًا ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ أَيْ: مِنْهُمْ مَنْ لَهُ جَنَاحَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ ثَلَاثَةٌ [[في ت: "ثلاثة أجنحة".]] وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ أَرْبَعَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَلَهُ ستمَائة جَنَاحٍ، بَيْنَ كُلِّ جَنَاحَيْنِ كَمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . قَالَ السُّدِّيُّ: يَزِيدُ فِي الْأَجْنِحَةِ وَخَلْقِهِمْ مَا يَشَاءُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، وَابْنُ جُرَيْج [[في ت: "جرير".]] فِي قَوْلِهِ: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ يَعْنِي: حُسْنَ الصَّوْتِ. رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ. وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ: "يَزِيدُ فِي الْحَلْقِ"، بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
Faatir سُورَةُ فَاطِرٍ
Sourate 35 · 45 versets · Meccan
بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُو۟لِىٓ أَجْنِحَةٍۢ مَّثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ۚ يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ
Louange à Allah, Créateur des cieux et de la terre, qui a fait des Anges des messagers dotés de deux, trois ou quatre ailes. Il ajoute à la création ce qu'Il veut, car Allah est Omnipotent.
Tafsir (3)
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) ﴾ يقول تعالى ذكره: الشكر الكامل للمعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، ولا ينبغي أن تكون لغيره خالق السماوات السبع والأرض، ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةَ رُسُلا﴾ إلى من يشاء من عباده، وفيما شاء من أمره ونهيه ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ يقول: أصحاب أجنحة يعني ملائكة، فمنهم من له اثنان من الأجنحة، ومنهم من له ثلاثة أجنحة، ومنهم من له أربعة. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ قال: بعضهم له جناحان وبعضهم ثلاثة وبعضهم أربعة. واختلف أهل العربية في علة ترك إجراء مثنى وثلاث ورباع، وهي ترجمة عن أجنحة وأجنحة نكرة؛ فقال بعض نحويي البصرة: تُرك إجراؤهن لأنهن مصروفات عن وجوههن، وذلك أن مثنى مصروف عن اثنين وثلاث عن ثلاثة ورباع عن أربعة، فصرف نظير عُمَرَ وَزُفَرَ، إذ صرف هذا عن عامر إلى عمر وهذا عن زافر إلى زفر، وأنشد بعضهم في ذلك: وَلَقَدْ قَتَلْتُكُمْ ثُنَاءَ وَمَوْحَدَا ... وَتَركتُ مرَّةَ مِثْلَ أمسِ المُدبِرِ [[البيت لصخر بن عمرو بن الشريد السلمي. وقد تقدم الاستشهاد به، مع شواهد أخرى في (٤: ٣٣٧) من هذا التفسير فراجعه ثمة. وأنشده أبو عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ٢٠١) قال: مثنى وثلاث ورباع: مجازه: اثنين، وثلاثة، وأربعة. فزعم النحويون أنه لما صرف عن وجهه لم ينون فيهن. قال صخر بن عمرو: "ولقد قتلتكم..... البيت". ا. هـ.]] وقال آخر منهم: لم يصرف ذلك لأنه يوهم به الثلاثة والأربعة، قال: وهذا لا يستعمل إلا في حال العدد. وقال بعض نحويي الكوفة: هن مصروفات عن المعارف، لأن الألف واللام لا تدخلها، والإضافة لا تدخلها، قال: ولو دخلتها الإضافة والألف واللام لكانت نكرة، وهي ترجمة عن النكرة، قال: وكذلك ما كان في القرآن مثل ﴿أَنْ تَقُومُوا للَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ وكذلك وحاد وأحاد، وما أشبهه من مصروف العدد. * * وقوله ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ وذلك زيادته تبارك وتعالى في خلق هذا الملك من الأجنحة على الآخر ما يشاء، ونقصانه عن الآخر ما أحب، وكذلك ذلك في جميع خلقه يزيد ما يشاء في خلق ما شاء منه، وينقص ما شاء من خلق ما شاء، له الخلق والأمر وله القدرة والسلطان ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يقول: إن الله تعالى ذكره قدير على زيادة ما شاء من ذلك فيما شاء، ونقصان ما شاء منه ممن شاء، وغير ذلك من الأشياء كلها، لا يمتنع عليه فعل شيء أراده سبحانه وتعالى.
Louange à Allah, le Créateur des Cieux et de la Terre sans modèle préalable, Celui qui a fait des anges des messagers qui exécutent Ses ordres, dont certains parmi eux transmettent la Révélation aux prophètes, et les a raffermis afin qu’ils mènent à bien leur mission. Certains parmi eux ont deux ailes, d’autres trois et d’autres quatre, grâce auxquels ils s’envolent pour exécuter les ordres de leur Seigneur. Allah rajoute dans ce qu’Il crée le membre, la qualité et la voix qu’Il veut. Allah à pourvoir sur toute chose et rien ne Lui est impossible.
مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍۢ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
Ce qu'Allah accorde en miséricorde aux gens, il n'est personne à pouvoir le retenir. Et ce qu'Il retient, il n'est personne à le relâcher après Lui. Et c'est Lui le Puissant, le Sage.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ. قَالَ [[في ت: "وروي".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ، أَخْبَرَنَا عَامِرٌ، عَنْ ورَّاد -مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ-قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: اكْتُبْ لِي بِمَا سمعتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَدَعَانِي الْمُغِيْرَةُ فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ: إِنِّي سَمِعْتُ [[في أ: "سمعت من".]] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ من الصلاة قال: "لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدّ مِنْكَ الجَدّ"، وَسَمِعْتُهُ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَعَنْ وَأْدِ الْبَنَاتِ، وَعُقُوقِ الْأُمَّهَاتِ، ومَنْع وهَات. وَأَخْرَجَاهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ وَرّاد، بِهِ. [[المسند (٤/٢٥٤) وصحيح البخاري برقم (٨٤٤) وصحيح مسلم برقم (٥٩٣) .]] وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أن رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ يَقُولُ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمْدُهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مَلْءَ السَّمَاءِ [[في ت، س، أ: "وملء الأرض".]] وَالْأَرْضِ [[صحيح مسلم برقم (٤٧٧) .]] وَمَلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ. اللَّهُمَّ، أهلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ. أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ. اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدّ مِنْكَ الْجَدُّ". [[في ت: "ولهما"، وفي س: "ولها".]] وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يُونُسَ: ١٠٧] . وَلِهَذَا [[الموطأ (١/ ١٩٢) .]] نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ. وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِذَا مُطِروا يَقُولُ: مُطِرنا بِنَوْء الْفَتْحِ، ثُمَّ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْهُ. [[في أ: "بالعبادة وحده".]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: مفاتيح الخير ومغالقه كلها بيده؛ فما يفتح الله للناس من خير فلا مُغلق له، ولا ممسك عنهم، لأن ذلك أمره لا يستطيع أمره أحد، وكذلك ما يغلق من خير عنهم فلا يبسطه عليهم ولا يفتحه لهم، فلا فاتح له سواه؛ لأن الأمور كلها إليه وله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ أي: من خير ﴿فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ فلا يستطيع أحد حبسها ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ وقال تعالى ذكره ﴿فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ فأنث ما لذكر الرحمة من بعده وقال ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ فذكر للفظ "ما" لأن لفظه لفظ مذكر، ولو أنث في موضع التذكير للمعنى وذكر في موضع التأنيث للفظ، جاز، ولكن الأفصح من الكلام التأنيث إذا ظهر بعد ما يدل على تأنيثها والتذكير إذا لم يظهر ذلك. * * وقوله ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ يقول: وهو العزيز في نِقمته ممن انتقم منه من خلقه بحبس رحمته عنه وخيراته، الحكيم في تدبير خلقه وفتحه لهم الرحمة إذا كان فتح ذلك صلاحًا، وإمساكه إياه عنهم إذا كان إمساكه حكمة.
Les clés de toute chose sont dans la main d’Allah. Ainsi, lorsqu’Il décide d’accorder de la subsistance, de la guidée et du bonheur à quelqu’un, personne ne peut L’en empêcher. Il est le Puissant à qui personne ne tient tête et le Sage dans Sa création, Sa prédestination et Sa gestion.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ
O hommes! Rappelez-vous le bienfait d'Allah sur vous: existe-t-il en dehors d'Allah, un créateur qui du ciel et de la terre vous attribue votre subsistance? Point de divinité à part Lui! Comment pouvez-vous vous détourner [de cette vérité]?
Tafsir (3)
يُنَبِّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ وَيُرْشِدُهُمْ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى تَوْحِيدِهِ فِي إِفْرَادِ الْعِبَادَةَ لَهُ، كَمَا أَنَّهُ الْمُسْتَقِلُّ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ فَكَذَلِكَ فَليفرد بِالْعِبَادَةِ [[في س، أ: "يؤفكون".]] ، وَلَا يُشْرَكْ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ وَالْأَوْثَانِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [[في س، أ: "يؤفكون".]] ، أَيْ: فَكَيْفَ تُؤْفَكُونَ «٩» بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ، وَوُضُوحِ هَذَا الْبُرْهَانِ، وَأَنْتُمْ بَعْدَ هَذَا تعبدون الأنداد والأوثان؟
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) ﴾ يقول تعالى ذكره للمشركين به من قوم رسول الله ﷺ من قريش: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ التي أنعمها ﴿عَلَيْكُمْ﴾ بفتحه لكم من خيراته ما فتح وبسطه لكم من العيش ما بسط وفكروا فانظروا هل من خالق سوى فاطر السماوات والأرض الذي بيده مفاتيح أرزاقكم ومغالقها (يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ) فتعبدوه دونه ﴿لا إله إلاهو﴾ يقول: لا معبود تنبغي له العبادة إلا الذي فطر السماوات والأرض القادر على كل شيء، الذي بيده مفاتح الأشياء وخزائنها، ومغالق ذلك كله، فلا تعبدوا أيها الناس شيئًا سواه، فإنه لا يقدر على نفعكم وضركم سواه، فله فأخلصوا العبادة وإياه فأفردوا بالألوهة ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ يقول: فأي وجه عن خالقكم ورازقكم الذي بيده نفعكم وضركم تصرفون. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ يقول الرجل: إنه ليوفك عني كذا وكذا. وقد بينت معنى الإفك، وتأويل قوله ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ فيما مضى بشواهده المغنية عن تكريره.
Ô gens, évoquez le bienfait d’Allah sur vous avec vos coeurs, vos bouches et vos membres en accomplissant de bonnes œuvres. Connaissez-vous un créateur autre qu’Allah qui vous pourvoit du Ciel, par la pluie qu’Il fait descendre sur vous, et de la Terre, par les fruits et les grains qu’Il lui fait produire ? Il n’existe pas de dieu digne d’être adoré en dehors de Lui. Comment pouvez-vous donc vous détourner de cette vérité et inventer des associés à Allah tandis qu’il vous a créés et qu’Il vous pourvoit en subsistance ?
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِكَ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ
Et s'ils te traitent de menteur, certes on a traité de menteurs des Messagers avant toi. Vers Allah cependant, tout est ramené.
Tafsir (3)
يَقُولُ: وَإِنْ يُكَذِّبْكَ -يَا مُحَمَّدُ-هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ وَيُخَالِفُوكَ فِيمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، فَلَكَ فِيمَنْ سَلَفَ قبلك من الرسل أسوة، فإنهم كذلك جاؤوا قَوْمَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَأَمَرُوهُمْ بِالتَّوْحِيدِ فَكَذَّبُوهُمْ وَخَالَفُوهُمْ، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾ أَيْ: وَسَنَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أَيِ: الْمَعَادُ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أَيِ: الْعِيشَةُ الدَّنِيئَةُ [[في أ: "المعيشة الدنية".]] بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أَعَدَّ [[في ت: "ما وعد".]] اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَتْبَاعِ رُسُلِهِ مِنَ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ فَلَا تَتَلَهَّوا [[في أ: "فلا يلتهوا".]] عَنْ ذَلِكَ [[في س: "ذاك".]] الْبَاقِي بِهَذِهِ الزَّهْرَةِ الْفَانِيَةِ، ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ وَهُوَ الشَّيْطَانُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. أَيْ: لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ وَيَصْرِفَنَّكُمْ عَنِ اتِّبَاعِ رُسُلِ اللَّهِ وَتَصْدِيقِ كَلِمَاتِهِ فَإِنَّهُ غرَّار كَذَّابٌ أَفَّاكٌ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَالْآيَةِ الَّتِي فِي آخِرِ لُقْمَانَ: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لُقْمَانَ: ٣٣] . قَالَ مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هُوَ الشَّيْطَانُ. كَمَا قَالَ: يَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ لِلْمُنَافِقِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُضْرَبُ ﴿بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الْحَدِيدِ: ١٣، ١٤] . ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى عَدَاوَةَ إِبْلِيسَ لِابْنِ آدَمَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [[في س بعدها: "إنما يدعو حزبه".]] أَيْ: هُوَ مُبَارِزٌ لَكُمْ بِالْعَدَاوَةِ، فَعَادُوهُ أَنْتُمْ أَشَدَّ الْعَدَاوَةِ، وَخَالِفُوهُ وَكَذِّبُوهُ فِيمَا يَغُرُّكُمْ بِهِ، ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَقْصِدُ أَنْ يُضِلَّكُمْ حَتَّى تَدْخُلُوا مَعَهُ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ، فَهَذَا هُوَ الْعَدُوُّ الْمُبِينُ. فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْقَوِيَّ الْعَزِيزَ أَنْ يَجْعَلَنَا أَعْدَاءَ الشَّيْطَانِ [[في ت: "للشياطين".]] ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا اتِّبَاعَ كِتَابِهِ، وَالِاقْتِفَاءَ بِطَرِيقِ رَسُولِهِ، إِنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ، وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾ [الْكَهْفِ: ٥٠] . [وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَتَحْتَ هَذَا الْخِطَابِ نَوْعٌ لَطِيفٌ مِنَ الْعِتَابِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّمَا عَادَيْتُ إِبْلِيسَ مِنْ أَجْلِ أَبِيكُمْ وَمِنْ أَجْلِكُمْ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ بِكُمْ أَنْ تُوَالُوهُ؟ بَلِ اللَّائِقُ بِكُمْ أَنْ تُعَادُوهُ وَتُخَالِفُوهُ وَلَا تُطَاوِعُوهُ] . [[زيادة من ت، أ.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (٤) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وإن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله من قومك فلا يحزننك ذاك، ولا يعظم عليك، فإن ذلك سنة أمثالهم من كفرة الأمم بالله، من قبلهم وتكذيبهم رسل الله التي أرسلها إليهم من قبلك، ولن يعدو مشركو قومك أن يكونوا مثلهم، فيتبعوا في تكذيبك منهاجهم ويسلكوا سبيلهم ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجعُ الأمُورُ﴾ يقول تعالى ذكره: وإلى الله مرجع أمرك وأمرهم، فمُحِل بهم العقوبة، إن هم لم ينيبوا إلى طاعتنا في اتباعك والإقرار بنبوتك، وقبول ما دعوتهم إليه من النصيحة، نظير ما أحللنا بنظرائهم من الأمم المكذبة رسلها قبلك، ومنجيك وأتباعك من ذلك، سنتنا بمن قبلك في رسلنا وأوليائنا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعزي نبيه كما تسمعون. * * وقوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ يقول تعالى ذكره لمشركي قريش المكذبي رسول الله ﷺ: يا أيها الناس إن وعد الله إياكم بأسه على إصراركم على الكفر به، وتكذيب رسوله محمد ﷺ، وتحذيركم نزول سطوته بكم على ذلك، حق، فأيقنوا بذلك وبادروا حلول عقوبتكم بالتوبة والإنابة إلى طاعة الله والإيمان به وبرسوله ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ يقول: فلا يغرنكم ما أنتم فيه من العيش في هذه الدنيا ورياستكم التي تترأسون بها في ضعفائكم فيها عن اتباع محمد والإيمان ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ يقول: ولا يخدعنكم بالله الشيطان، فيمنيكم الأماني، ويعدكم من الله العدات الكاذبة، ويحملكم على الإصرار على كفركم بالله. كما:- ⁕ حدثني علي قال: ثنا أَبو صالح قال: ثني معاوية عن علي عن ابن عباس في قوله ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ يقول: الشيطان.
Ô Messager, si les tiens te traitent de menteur, sois endurant car tu n’es pas le premier messager à être traité de menteur par les siens. En effet, des peuples du passé ont eu cette attitude à l’égard de leurs messagers à l’image des ‘Âd, des Thamûd et du peuple de Loth. C’est à Allah Seul que revient toute décision. Il anéantira ainsi les dénégateurs et secourra Ses messagers et les croyants.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ
O hommes! La promesse d'Allah est vérité. Ne laissez pas la vie présente vous tromper, et que le grand trompeur (Satan) ne vous trompe pas à propos d'Allah!
Tafsir (3)
يَقُولُ: وَإِنْ يُكَذِّبْكَ -يَا مُحَمَّدُ-هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ وَيُخَالِفُوكَ فِيمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، فَلَكَ فِيمَنْ سَلَفَ قبلك من الرسل أسوة، فإنهم كذلك جاؤوا قَوْمَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَأَمَرُوهُمْ بِالتَّوْحِيدِ فَكَذَّبُوهُمْ وَخَالَفُوهُمْ، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾ أَيْ: وَسَنَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أَيِ: الْمَعَادُ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أَيِ: الْعِيشَةُ الدَّنِيئَةُ [[في أ: "المعيشة الدنية".]] بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أَعَدَّ [[في ت: "ما وعد".]] اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَتْبَاعِ رُسُلِهِ مِنَ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ فَلَا تَتَلَهَّوا [[في أ: "فلا يلتهوا".]] عَنْ ذَلِكَ [[في س: "ذاك".]] الْبَاقِي بِهَذِهِ الزَّهْرَةِ الْفَانِيَةِ، ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ وَهُوَ الشَّيْطَانُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. أَيْ: لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ وَيَصْرِفَنَّكُمْ عَنِ اتِّبَاعِ رُسُلِ اللَّهِ وَتَصْدِيقِ كَلِمَاتِهِ فَإِنَّهُ غرَّار كَذَّابٌ أَفَّاكٌ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَالْآيَةِ الَّتِي فِي آخِرِ لُقْمَانَ: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لُقْمَانَ: ٣٣] . قَالَ مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هُوَ الشَّيْطَانُ. كَمَا قَالَ: يَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ لِلْمُنَافِقِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُضْرَبُ ﴿بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الْحَدِيدِ: ١٣، ١٤] . ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى عَدَاوَةَ إِبْلِيسَ لِابْنِ آدَمَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [[في س بعدها: "إنما يدعو حزبه".]] أَيْ: هُوَ مُبَارِزٌ لَكُمْ بِالْعَدَاوَةِ، فَعَادُوهُ أَنْتُمْ أَشَدَّ الْعَدَاوَةِ، وَخَالِفُوهُ وَكَذِّبُوهُ فِيمَا يَغُرُّكُمْ بِهِ، ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَقْصِدُ أَنْ يُضِلَّكُمْ حَتَّى تَدْخُلُوا مَعَهُ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ، فَهَذَا هُوَ الْعَدُوُّ الْمُبِينُ. فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْقَوِيَّ الْعَزِيزَ أَنْ يَجْعَلَنَا أَعْدَاءَ الشَّيْطَانِ [[في ت: "للشياطين".]] ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا اتِّبَاعَ كِتَابِهِ، وَالِاقْتِفَاءَ بِطَرِيقِ رَسُولِهِ، إِنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ، وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾ [الْكَهْفِ: ٥٠] . [وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَتَحْتَ هَذَا الْخِطَابِ نَوْعٌ لَطِيفٌ مِنَ الْعِتَابِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّمَا عَادَيْتُ إِبْلِيسَ مِنْ أَجْلِ أَبِيكُمْ وَمِنْ أَجْلِكُمْ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ بِكُمْ أَنْ تُوَالُوهُ؟ بَلِ اللَّائِقُ بِكُمْ أَنْ تُعَادُوهُ وَتُخَالِفُوهُ وَلَا تُطَاوِعُوهُ] . [[زيادة من ت، أ.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (٤) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وإن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله من قومك فلا يحزننك ذاك، ولا يعظم عليك، فإن ذلك سنة أمثالهم من كفرة الأمم بالله، من قبلهم وتكذيبهم رسل الله التي أرسلها إليهم من قبلك، ولن يعدو مشركو قومك أن يكونوا مثلهم، فيتبعوا في تكذيبك منهاجهم ويسلكوا سبيلهم ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجعُ الأمُورُ﴾ يقول تعالى ذكره: وإلى الله مرجع أمرك وأمرهم، فمُحِل بهم العقوبة، إن هم لم ينيبوا إلى طاعتنا في اتباعك والإقرار بنبوتك، وقبول ما دعوتهم إليه من النصيحة، نظير ما أحللنا بنظرائهم من الأمم المكذبة رسلها قبلك، ومنجيك وأتباعك من ذلك، سنتنا بمن قبلك في رسلنا وأوليائنا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعزي نبيه كما تسمعون. * * وقوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ يقول تعالى ذكره لمشركي قريش المكذبي رسول الله ﷺ: يا أيها الناس إن وعد الله إياكم بأسه على إصراركم على الكفر به، وتكذيب رسوله محمد ﷺ، وتحذيركم نزول سطوته بكم على ذلك، حق، فأيقنوا بذلك وبادروا حلول عقوبتكم بالتوبة والإنابة إلى طاعة الله والإيمان به وبرسوله ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ يقول: فلا يغرنكم ما أنتم فيه من العيش في هذه الدنيا ورياستكم التي تترأسون بها في ضعفائكم فيها عن اتباع محمد والإيمان ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ يقول: ولا يخدعنكم بالله الشيطان، فيمنيكم الأماني، ويعدكم من الله العدات الكاذبة، ويحملكم على الإصرار على كفركم بالله. كما:- ⁕ حدثني علي قال: ثنا أَبو صالح قال: ثني معاوية عن علي عن ابن عباس في قوله ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ يقول: الشيطان.
Ô gens, la Ressuscitation et la Reddition des Comptes que promet Allah pour le Jour de la Résurrection sont des vérités indubitables. Que les plaisirs et les bonnes choses du bas monde ne vous trompent pas et ne vous distraient pas de vous préparer pour ce jour en accomplissant de bonnes œuvres. Que Satan ne vous trompe pas non plus en vous embellissant le faux et en faisant en sorte que vous vous abandonniez à la vie du bas monde.
إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّۭ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُوا۟ حِزْبَهُۥ لِيَكُونُوا۟ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ
Le Diable est pour vous un ennemi. Prenez-le donc pour ennemi. Il ne fait qu'appeler ses partisans pour qu'ils soient des gens de la Fournaise.
Tafsir (3)
يَقُولُ: وَإِنْ يُكَذِّبْكَ -يَا مُحَمَّدُ-هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ وَيُخَالِفُوكَ فِيمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، فَلَكَ فِيمَنْ سَلَفَ قبلك من الرسل أسوة، فإنهم كذلك جاؤوا قَوْمَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَأَمَرُوهُمْ بِالتَّوْحِيدِ فَكَذَّبُوهُمْ وَخَالَفُوهُمْ، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾ أَيْ: وَسَنَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أَيِ: الْمَعَادُ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أَيِ: الْعِيشَةُ الدَّنِيئَةُ [[في أ: "المعيشة الدنية".]] بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أَعَدَّ [[في ت: "ما وعد".]] اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَتْبَاعِ رُسُلِهِ مِنَ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ فَلَا تَتَلَهَّوا [[في أ: "فلا يلتهوا".]] عَنْ ذَلِكَ [[في س: "ذاك".]] الْبَاقِي بِهَذِهِ الزَّهْرَةِ الْفَانِيَةِ، ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ وَهُوَ الشَّيْطَانُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. أَيْ: لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ وَيَصْرِفَنَّكُمْ عَنِ اتِّبَاعِ رُسُلِ اللَّهِ وَتَصْدِيقِ كَلِمَاتِهِ فَإِنَّهُ غرَّار كَذَّابٌ أَفَّاكٌ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَالْآيَةِ الَّتِي فِي آخِرِ لُقْمَانَ: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لُقْمَانَ: ٣٣] . قَالَ مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هُوَ الشَّيْطَانُ. كَمَا قَالَ: يَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ لِلْمُنَافِقِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُضْرَبُ ﴿بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الْحَدِيدِ: ١٣، ١٤] . ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى عَدَاوَةَ إِبْلِيسَ لِابْنِ آدَمَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [[في س بعدها: "إنما يدعو حزبه".]] أَيْ: هُوَ مُبَارِزٌ لَكُمْ بِالْعَدَاوَةِ، فَعَادُوهُ أَنْتُمْ أَشَدَّ الْعَدَاوَةِ، وَخَالِفُوهُ وَكَذِّبُوهُ فِيمَا يَغُرُّكُمْ بِهِ، ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَقْصِدُ أَنْ يُضِلَّكُمْ حَتَّى تَدْخُلُوا مَعَهُ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ، فَهَذَا هُوَ الْعَدُوُّ الْمُبِينُ. فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْقَوِيَّ الْعَزِيزَ أَنْ يَجْعَلَنَا أَعْدَاءَ الشَّيْطَانِ [[في ت: "للشياطين".]] ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا اتِّبَاعَ كِتَابِهِ، وَالِاقْتِفَاءَ بِطَرِيقِ رَسُولِهِ، إِنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ، وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾ [الْكَهْفِ: ٥٠] . [وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَتَحْتَ هَذَا الْخِطَابِ نَوْعٌ لَطِيفٌ مِنَ الْعِتَابِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّمَا عَادَيْتُ إِبْلِيسَ مِنْ أَجْلِ أَبِيكُمْ وَمِنْ أَجْلِكُمْ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ بِكُمْ أَنْ تُوَالُوهُ؟ بَلِ اللَّائِقُ بِكُمْ أَنْ تُعَادُوهُ وَتُخَالِفُوهُ وَلَا تُطَاوِعُوهُ] . [[زيادة من ت، أ.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ﴾ الذي نهيتكم أيها الناس أن تغتروا بغروره إياكم بالله ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ يقول: فأنزلوه من أنفسكم منزلة العدو منكم واحذروه بطاعة الله واستغشاشكم إياه حذركم من عدوكم الذي تخافون غائلته على أنفسكم، فلا تطيعوه ولا تتبعوا خطواته، فإنه إنما يدعو حزبه، ينعي شيعته ومن أطاعه، إلى طاعته والقبول منه، والكفر بالله ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ يقول: ليكونوا من المخلدين في نار جهنم التي تتوقد على أهلها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ فإنه لحق على كل مسلم عداوته، وعداوته أن يعاديه بطاعة الله ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ وحزبه: أولياؤه ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ أي: ليسوقهم إلى النار فهذه عداوته. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ وقال: هؤلاء حزبه من الإنس، يقول: أولئك حزب الشيطان، والحزب: ولاته الذين يتولاهم ويتولونه وقرأ ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نزلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ .
Ô gens, Satan est pour vous un ennemi éternel. Faites-en donc votre ennemi en le combattant en permanence. Satan ne fait qu’inciter ses partisans à mécroire en Allah afin que leur sort soit d’être châtié par un feu ardent le Jour de la Résurrection.
ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌۭ كَبِيرٌ
Ceux qui ont mécru auront un dur châtiment, tandis que ceux qui croient et accomplissent les bonnes œuvres auront un pardon et une grosse récompense.
Tafsir (3)
لما ذكر [الله] [[زيادة من ت.]] تعالى أن أتباع إبليس مصيرهم إلى [عذاب] [[زيادة من ت، أ.]] السَّعِيرِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [[في ت: "للذين كفروا عذا با شديدا".]] ؛ لِأَنَّهُمْ أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ وعَصَوا الرحمن، وأن الذين آمنوا بالله وَرُسُلِهِ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أَيْ: لِمَا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ ذَنْبٍ، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ عَلَى مَا عَمِلُوهُ مِنْ خَيْرٍ. ثُمَّ قَالَ: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ يَعْنِي: كَالْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ، يَعْمَلُونَ أَعْمَالًا سَيِّئَةً، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَعْتَقِدُونَ وَيُحِسُّونَ [[في ت، س، أ: "يحسبون".]] أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أَيْ: أَفَمَنْ كَانَ هَكَذَا قَدْ أَضَلَّهُ اللَّهُ، أَلَكَ فِيهِ حِيلَةٌ؟ لَا حِيلَةَ لَكَ فِيهِ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: بِقَدَرِهِ كَانَ ذَلِكَ، ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ أَيْ: لَا تَأْسَفْ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ فِي قَدَرِهِ، إِنَّمَا يُضِلُّ مَنْ يُضِلُّ [[في أ: "يشاء".]] وَيَهْدِي مَنْ يَهْدِي [[في أ: "يشاء".]] ، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ، وَالْعِلْمِ التَّامِّ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الحِمْصي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيباني -أَوْ: رَبِيعَةَ-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ عبد الله بن عمرو، وهو في حائط بِالطَّائِفِ يُقَالُ لَهُ: الْوَهْطُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ مِنْهُ ضَلَّ، فَلِذَلِكَ أَقُولُ: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى مَا عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ". [[ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٨١٢) "موارد" والحاكم في المستدرك (١/٣٠) من طريق الأوزاعي عن رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّيْلَمِيِّ بنحوه، ورواه الترمذي في السنن برقم (٢٦٤٢) من طريق إسماعيل بن عياش عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيِّ عَنْ عبد الله الديلمي بنحوه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن".]] ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدَكَ الْقَزْوِينِيُّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بن حسان الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بِشْرٍ [[في هـ، ت، س، أ: "بشير"، والصواب ما أثبتناه.]] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ [[في هـ، ت، س، أ: "معن"، والصواب ما أثبتناه.]] حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الْقُرَشِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ [[في ت: "ثم روي بسنده".]] عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَهْدِي مِنَ [[في ت، أ: "يهدي من يشاء من".]] الضَّلَالَةِ، وَيُلْبِسُ الضَّلَالَةَ عَلَى مَنْ أَحَبَّ". [[ورواه البخاري في التاريخ الأوسط (١/٢٥٠) : حدثنا حسان بن حسان عن إبراهيم بن بشر عن يحيى بن معين المدني عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْقُرَشِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ زيد بن أبي أوفى، ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٥/٢٢٠) من طريق عبد المؤمن بن عباد عن يزيد بن معن عن عبد الله بن شرحبيل عن رجل من قريش عن زيد بن أبي أوفى بأطول منه، ورواه ابن الأثير في أسد الغابة (٢/١٢٦) من طريق شعيب بن يونس عن موسى بن صهيب عن يحيى بن زكريا عن عبد الله بن شرحبيل عن رجل من قريش عن زيد بن أبي أوفى، وقال البخاري بعدما أورده: "وهذا إسناد مجهول لا يتابع عليه، ولا يعرف سماع بعضهم من بعض، رواه بعضهم عن إسماعيل بن خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنْ النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصل له".]] وهذا أيضًا حديث غريب جدًّا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ورسوله ﴿لَهُمْ عَذَابٌ﴾ من الله ﴿شَدِيدٌ﴾ وذلك عذاب النار. * * وقوله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ يقول: والذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بما أمرهم الله وانتهوا عما نهاهم عنه ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ من الله لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وذلك الجنة. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وهي الجنة.
Ceux qui mécroient en Allah, imitant Satan en cela, subiront un châtiment sévère tandis que ceux qui croient en Allah et accomplissent de bonnes œuvres obtiendront le pardon d’Allah pour leurs péchés et ils recevront de Lui une rétribution immense, le Paradis.
أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنًۭا ۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ
Eh quoi! Celui à qui on a enjolivé sa mauvaise action au point qu'il la voit belle...? - Mais Allah égare qui Il veut, et guide qui Il veut - Que ton âme ne se répande donc pas en regrets pour eux: Allah est Parfaitement Savant de ce qu'ils fabriquent.
Tafsir (3)
لما ذكر [الله] [[زيادة من ت.]] تعالى أن أتباع إبليس مصيرهم إلى [عذاب] [[زيادة من ت، أ.]] السَّعِيرِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [[في ت: "للذين كفروا عذا با شديدا".]] ؛ لِأَنَّهُمْ أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ وعَصَوا الرحمن، وأن الذين آمنوا بالله وَرُسُلِهِ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أَيْ: لِمَا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ ذَنْبٍ، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ عَلَى مَا عَمِلُوهُ مِنْ خَيْرٍ. ثُمَّ قَالَ: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ يَعْنِي: كَالْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ، يَعْمَلُونَ أَعْمَالًا سَيِّئَةً، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَعْتَقِدُونَ وَيُحِسُّونَ [[في ت، س، أ: "يحسبون".]] أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أَيْ: أَفَمَنْ كَانَ هَكَذَا قَدْ أَضَلَّهُ اللَّهُ، أَلَكَ فِيهِ حِيلَةٌ؟ لَا حِيلَةَ لَكَ فِيهِ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: بِقَدَرِهِ كَانَ ذَلِكَ، ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ أَيْ: لَا تَأْسَفْ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ فِي قَدَرِهِ، إِنَّمَا يُضِلُّ مَنْ يُضِلُّ [[في أ: "يشاء".]] وَيَهْدِي مَنْ يَهْدِي [[في أ: "يشاء".]] ، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ، وَالْعِلْمِ التَّامِّ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الحِمْصي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيباني -أَوْ: رَبِيعَةَ-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ عبد الله بن عمرو، وهو في حائط بِالطَّائِفِ يُقَالُ لَهُ: الْوَهْطُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ مِنْهُ ضَلَّ، فَلِذَلِكَ أَقُولُ: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى مَا عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ". [[ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٨١٢) "موارد" والحاكم في المستدرك (١/٣٠) من طريق الأوزاعي عن رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّيْلَمِيِّ بنحوه، ورواه الترمذي في السنن برقم (٢٦٤٢) من طريق إسماعيل بن عياش عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيِّ عَنْ عبد الله الديلمي بنحوه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن".]] ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدَكَ الْقَزْوِينِيُّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بن حسان الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بِشْرٍ [[في هـ، ت، س، أ: "بشير"، والصواب ما أثبتناه.]] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ [[في هـ، ت، س، أ: "معن"، والصواب ما أثبتناه.]] حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الْقُرَشِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ [[في ت: "ثم روي بسنده".]] عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَهْدِي مِنَ [[في ت، أ: "يهدي من يشاء من".]] الضَّلَالَةِ، وَيُلْبِسُ الضَّلَالَةَ عَلَى مَنْ أَحَبَّ". [[ورواه البخاري في التاريخ الأوسط (١/٢٥٠) : حدثنا حسان بن حسان عن إبراهيم بن بشر عن يحيى بن معين المدني عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْقُرَشِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ زيد بن أبي أوفى، ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٥/٢٢٠) من طريق عبد المؤمن بن عباد عن يزيد بن معن عن عبد الله بن شرحبيل عن رجل من قريش عن زيد بن أبي أوفى بأطول منه، ورواه ابن الأثير في أسد الغابة (٢/١٢٦) من طريق شعيب بن يونس عن موسى بن صهيب عن يحيى بن زكريا عن عبد الله بن شرحبيل عن رجل من قريش عن زيد بن أبي أوفى، وقال البخاري بعدما أورده: "وهذا إسناد مجهول لا يتابع عليه، ولا يعرف سماع بعضهم من بعض، رواه بعضهم عن إسماعيل بن خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنْ النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصل له".]] وهذا أيضًا حديث غريب جدًّا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: أفمن حسَّن له الشيطان أعماله السيئة من معاصي الله والكفر به، وعبادة ما دونه من الآلهة والأوثان، فرآه حسنًا فحسب سيىء ذلك حسنًا، وظن أن قبحه جميل، لتزيين الشيطان ذلك له. ذهبت نفسك عليهم حسرات، وحذف من الكلام: ذهبت نفسك عليهم حسرات اكتفاء بدلالة قوله ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ منه، وقوله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ يقول: فإن الله يخذل من يشاء عن الإيمان به واتباعك وتصديقك، فيضله عن الرشاد إلى الحق في ذلك، ويهدي من يشاء، يقول: ويوفق من يشاء للإيمان به واتباعك والقبول منك، فتهديه إلى سبيل الرشاد ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ يقول: فلا تهلك نفسك حزنًا على ضلالتهم وكفرهم بالله وتكذيبهم لك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ قال قتادة والحسن: الشيطان زيَّن لهم ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ أي: لا يحزنك ذلك عليهم؛ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء. ⁕ حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ قال: الحسرات الحزن، وقرأ قول الله ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ ووقع قوله (فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) موضع الجواب، وإنما هو منبع الجواب، لأن الجواب هو المتروك الذي ذكرت، فاكتفى به من الجواب لدلالته على الجواب ومعنى الكلام. واختلفت القراء في قراءة قوله ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ فقرأته قراء الأمصار سوى أَبي جعفر المدني ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ﴾ بفتح التاء من "تذهب" و "نفسك" برفعها. وقرأ ذلك أَبو جعفر ﴿فَلا تُذْهِبَ﴾ بضم التاء من "تذهب" و "نفسك" بنصبها، بمعنى: لا تذهب أنت يا محمد نفسك. والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار؛ لإجماع الحجة من القراء عليه. * * وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الله يا محمد ذو علم بما يصنع هؤلاء الذين زين لهم الشيطان سوء أعمالهم، وهو محصيه عليهم، ومجازيهم به جزاءهم.
Celui à qui Satan embellit ses mauvaises œuvres et les croient alors bonnes, n’est pas semblable à celui à qui Allah embellit la vérité. Allah égare qui Il veut, et guide qui Il veut, et personne ne Le contraint à rien. Ô Messager, ne t’afflige pas pour l’égarement des égarés, car Allah sait ce qu’ils font et rien de leurs agissements ne Lui échappe.
وَٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابًۭا فَسُقْنَٰهُ إِلَىٰ بَلَدٍۢ مَّيِّتٍۢ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ
Et c'est Allah qui envoie les vents qui soulèvent un nuage que Nous poussons ensuite vers une contrée morte; puis, Nous redonnons la vie à la terre après sa mort. C'est ainsi que se fera la Résurrection!
Tafsir (3)
كَثِيرًا مَا يَسْتَدِلُّ تَعَالَى عَلَى الْمَعَادِ بِإِحْيَائِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا -كَمَا فِي [أَوَّلِ] [[زيادة من ت، س، أ.]] سُورَةِ الْحَجِّ -يُنَبِّهُ عِبَادَهُ أَنْ يَعْتَبِرُوا بِهَذَا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْأَرْضَ تَكُونُ مَيِّتَةً هَامِدَةً لَا نَبَاتَ فِيهَا، فَإِذَا أَرْسَلَ إِلَيْهَا [[في ت: "عليها".]] السَّحَابَ تَحْمِلُ الْمَاءَ وَأَنْزَلَهُ عَلَيْهَا، ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الْحَجِّ: ٥] ، كَذَلِكَ الْأَجْسَادُ [[في ت، س: "الأجسام".]] ، إِذَا أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَعْثَهَا وَنَشُورَهَا، أَنْزَلَ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ مَطَرًا يَعُمُّ [[في أ: "فعم".]] الْأَرْضَ جَمِيعًا فَتَنْبُتُ الْأَجْسَادُ فِي قُبُورِهَا كَمَا يَنْبُتُ [[في ت: "كما تنبت".]] الْحَبُّ فِي الْأَرْضِ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلَى إِلَّا عَجْب الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ"؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ . وَتَقَدَّمَ فِي "الْحَجِّ" [[عند الآيات: ١٢-١٦.]] حَدِيثُ أَبِي رَزِين: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى؟ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: "يَا أَبَا رَزِينٍ، أَمَا مَرَرْتَ بِوَادِي قَوْمِكَ محْلا [[في ت، س، أ: "ممحلا".]] ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا؟ " قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: "فَكَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى". * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ عَزِيزًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلْيَلْزَمْ طَاعَةَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ مَقْصُودُهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ مَالِكُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، وَلَهُ الْعِزَّةُ جَمِيعُهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٣٩] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يُونُسَ: ٦٥] ، وَقَالَ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٨] . قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ . وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أَيْ: فَلْيَتَعَزَّزْ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقِيلَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ علْم الْعِزَّةِ، لِمَنْ هِيَ، ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ، حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ يَعْنِي: الذِّكْرَ وَالتِّلَاوَةَ وَالدُّعَاءَ. قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الأحْمَسِيّ، أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَوْن، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخَارِقِ، عن أبيه المخارق بن سليم [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده عن عبد الله بن أبي المخارق بن سليم".]] قال: قَالَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-إِذَا حَدَّثْنَاكُمْ حَدِيثًا أَتَيْنَاكُمْ بِتَصْدِيقِ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: إِنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ إِذَا قَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، تَبَارَكَ اللَّهُ"، أَخَذَهُنَّ مَلَكٌ فَجَعَلَهُنَّ تَحْتَ جَنَاحِهِ، ثُمَّ صَعد بِهِنَّ إِلَى السَّمَاءِ فَلَا يمُرّ بِهِنَّ عَلَى جمْعٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا اسْتَغْفَرُوا لِقَائِلِهِنَّ، حَتَّى يَجِيءَ بِهِنَّ وَجْهَ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ . وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، أَخْبَرْنَا سَعِيدٌ الجُرَيْرِي [[في أ: "سعيد بن الجريري".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ [[في ت: "وروى بإسناده".]] : قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: إِنَّ لِـ "سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ" لَدَوِيًّا حَوْلَ الْعَرْشِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يُذَكِّرْنَ بِصَاحِبِهِنَّ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ فِي الْخَزَائِنِ. [[تفسير الطبري (٢٢/٨٠) .]] وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى كَعْبِ الْأَحْبَارِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا مُوسَى -يَعْنِي: ابْنَ مُسْلِمٍ الطَّحَّانَ -عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ -أَوْ: عَنْ أَخِيهِ [[في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده".]] -عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ مِنْ جَلَالِ اللَّهِ، مِنْ تَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَحْمِيدِهِ وَتَهْلِيلِهِ، يَتَعَاطَفْنَ حَوْلَ الْعَرْشِ، لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يُذَكِّرُونَ بِصَاحِبِهِنَّ أَلَا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَلَّا يَزَالَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ شَيْءٌ يُذْكَرُ بِهِ؟ ". [[المسند (٤/٢٦٨) .]] وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بِشْرٍ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ [[في أ: "عيسى".]] الْقَطَّانِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي [عِيسَى] [[زيادة من ت، س، وابن ماجه.]] الطَّحَّانَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ -أَوْ: عَنْ أَخِيهِ-عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، بِهِ. [[سنن ابن ماجه برقم (٣٨٠٩) وقال البوصيري في الزوائد (٣/١٩٣) : "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْكَلِمُ الطَّيِّبُ: ذِكْرُ اللَّهِ، يُصْعَدُ بِهِ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ: أَدَاءُ فَرَائِضِهِ. وَمَنْ ذَكَرَ اللَّهَ وَلَمْ يُؤَدِّ فَرَائِضَهُ، رُدَّ كَلَامُهُ عَلَى عَمَلِهِ، فَكَانَ أَوْلَى بِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الْكَلَامَ الطَّيِّبَ. وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَعِكْرِمَةُ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخعِيّ، وَالضَّحَّاكُ، والسُّدِّيّ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وشَهْر بْنُ حَوْشَب، وَغَيْرُ وَاحِدٍ [مِنَ السَّلَفِ] . [[زيادة من ت.]] وَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْقَاضِي: لَوْلَا الْعَمَلُ الصَّالِحُ لَمْ يُرْفَعِ الْكَلَامُ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ: لَا يُقْبَلُ قولٌ إِلَّا بِعَمَلٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وشَهْر بن حَوْشَب: هم المراؤون بِأَعْمَالِهِمْ، يَعْنِي: يَمْكُرُونَ بِالنَّاسِ، يُوهِمُونَ أَنَّهُمْ فِي طاعة الله، وهم بُغَضَاء إلى الله عز وجل، يراؤون بِأَعْمَالِهِمْ، ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا﴾ [النِّسَاءِ: ١٤٢] . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا عَامَّةٌ، وَالْمُشْرِكُونَ دَاخِلُونَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ ، أَيْ: يَفْسَدُ وَيَبْطُلُ وَيَظْهَرُ زَيْفُهُمْ عَنْ قَرِيبٍ لِأُولِي الْبَصَائِرِ وَالنُّهَى، فَإِنَّهُ مَا أَسَرَّ عَبْدٌ [[في أ: "أحد".]] سَرِيرَةً إِلَّا أَبْدَاهَا اللَّهُ عَلَى صَفَحَاتِ وَجْهِهِ وَفَلَتَاتِ لِسَانِهِ، وَمَا أَسَرَّ أَحَدٌ سَرِيرَةً إِلَّا كَسَاهُ اللَّهُ رِدَاءَهَا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ. فَالْمُرَائِي لَا يَرُوجُ أَمْرُهُ وَيَسْتَمِرُّ إِلَّا عَلَى غَبِيٍّ، أَمَّا الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَفَرِّسُونَ فَلَا يَرُوجُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، بَلْ يُكشَف [[في ت، س، أ: "ينكشف".]] لَهُمْ عَنْ قَرِيبٍ، وَعَالَمُ الْغَيْبِ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أَيِ: ابْتَدَأَ خَلْقَ أَبِيكُمْ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أَيْ: ذَكَرًا وَأُنْثَى، لُطْفًا مِنْهُ وَرَحْمَةً أَنْ جَعَلَ لَكُمْ أَزْوَاجًا مِنْ جِنْسِكُمْ، لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ﴾ أَيْ: هُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، بَلْ ﴿مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ [وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ. عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ] الْمُتَعَالِ﴾ [الرَّعْدِ: ٨، ٩] . [[زيادة من ت، س، أ، وفي هـ: "إلى قوله".]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ أَيْ: مَا يُعْطَى بَعْضُ النُّطَفِ مِنَ الْعُمُرِ الطَّوِيلِ يَعْلَمُهُ، وَهُوَ عِنْدَهُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ، ﴿وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْجِنْسِ، لَا عَلَى الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ الطَّوِيلَ لِلْعُمُرِ فِي الْكِتَابِ وَفِي عِلْمِ اللَّهِ لَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ، وَإِنَّمَا عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْجِنْسِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ: "عِنْدِي ثَوْبٌ وَنِصْفُهُ" أَيْ: وَنِصْفٌ آخَرُ. وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ، يَقُولُ: لَيْسَ أَحَدٌ قَضَيْتُ لَهُ طُولَ عُمُر [[في ت، س: "العمر".]] وَحَيَاةٍ إِلَّا وَهُوَ بَالِغٌ مَا قَدَّرْتُ لَهُ مِنَ الْعُمُرِ وَقَدْ قَضَيْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَإِنَّمَا يَنْتَهِي إِلَى الْكِتَابِ الَّذِي قَدَّرْتُ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ قَضَيْتُ لَهُ أَنَّهُ قَصِيرُ الْعُمُرِ وَالْحَيَاةِ بِبَالِغٍ لِلْعُمُرِ، وَلَكِنْ يَنْتَهِي إِلَى الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبْتُ لَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ، يَقُولُ: كُلُّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ عِنْدَهُ. وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ قَالَ: مَا لَفَظت الْأَرْحَامُ مِنَ الأولاد من غير تمام. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي تَفْسِيرِهَا: أَلَا تَرَى النَّاسَ، يَعِيشُ الْإِنْسَانُ مِائَةَ سَنَةٍ، وَآخَرُ يَمُوتُ حِينَ يُولَدُ فَهَذَا هَذَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَالَّذِي يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ: فَالَّذِي يَمُوتُ قَبْلَ سِتِّينَ سَنَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ أَيْ: فِي بَطْنِ أُمِّهِ يُكْتَبُ لَهُ ذَلِكَ، لَمْ يَخْلُقِ الْخَلْقَ عَلَى عُمُرٍ وَاحِدٍ، بَلْ لِهَذَا عُمُرٌ، وَلِهَذَا عُمُرٌ هُوَ أَنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَكْتُوبٌ لِصَاحِبِهِ، بَالِغٌ مَا بَلَغَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ مَعْنَاهُ: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ أَيْ: مَا يُكْتَبُ مِنَ الْأَجَلِ ﴿وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ ، وَهُوَ ذَهَابُهُ قَلِيلًا قَلِيلًا الْجَمِيعُ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ، وَشَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ، وَجُمُعَةً بَعْدَ جُمُعَةٍ، وَيَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَسَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ، الْجَمِيعُ مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ فِي كِتَابٍ. نَقَلَهُ [[في أ: "رواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ السُّدِّيّ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيِّ. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ [الْقَوْلَ] [[زيادة من ت، أ.]] الْأَوَّلَ، وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَيْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ ابْنَ وَهْبٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ سرَّه أَنْ يُبْسَط لَهُ فِي رِزْقُهُ، ويُنْسَأ لَهُ فِي أَجَلِهِ [[في ت، س، أ: "أثره".]] فَلْيَصِلْ رَحِمَه". وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ، بِهِ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٢٩) وصحيح البخاري برقم (٢٠٦٧) وصحيح مسلم برقم (٢٥٥٧) وسنن أبي داود برقم (١٦٩٣) .]] . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبُو مُسَرَّحٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ مَسْلَمَةَ [[في أ: "سلمة".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعَة بْنِ رِبْعِيٍّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ذَكَرْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُؤَخِّرُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجْلُهَا، وَإِنَّمَا زِيَادَةُ الْعُمُرِ بِالذُّرِّيَّةِ الصَّالِحَةِ يُرْزَقُهَا الْعَبْدَ، فَيَدْعُونَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَيَلْحَقُهُ دُعَاؤُهُمْ فِي قَبْرِهِ، فَذَلِكَ زِيَادَةُ الْعُمْرِ". * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أَيْ: سَهْلٌ عَلَيْهِ، يَسِيرٌ لَدَيْهِ عِلْمُهُ بِذَلِكَ وَبِتَفْصِيلِهِ فِي جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ، فَإِنَّ عِلْمَهُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ ذَلِكَ لَا يخفى منه عليه شيء.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: والله الذي أرسل الرياح فتثير السحاب للحيا والغيث ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ يقول: فسقناه إلى بلد مجدب الأهل، محل الأرض، داثر لا نيت فيه ولا زرع ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يقول: فأخصبنا بغيث ذلك السحاب الأرض التي سقناه إليها بعد جدوبها، وأنبتنا فيها الزرع بعد المحل ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ يقول تعالى ذكره: هكذا يُنْشِر الله الموتى بعد بلائهم في قبورهم، فيحييهم بعد فنائهم، كما أحيينا هذه الأرض بالغيث بعد مماتها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان عن سلمة بن كهيل قال: ثنا أَبو الزعراء عن عبد الله قال: يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من بني آدم إلا وفي الأرض منه شيء، قال: فيرسل الله ماءً من تحت العرش؛ منيًّا كمني الرجل، فتنبت أجسادهم ولحمانهم من ذلك، كما تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ ... ﴾ إلى قوله ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ قال: ثم يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه فتنطلق كل نفس إلى جسدها فتدخل فيه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ قال: يرسل الرياح فتسوق السحاب، فأحيا الله به هذه الأرض الميتة بهذا الماء، فكذلك يبعثه يوم القيامة.
C’est Allah qui envoie les vents qui mettent les nuages en mouvement. Ensuite, nous conduisons ces nuages vers un pays où nulle plante ne pousse et grâce à l’eau qui en tombe, Nous faisons revivre sa terre aride en en faisant sortir des plantes. Tout comme Nous faisons revivre cette terre après sa mort, Nous ressuscitons les morts le Jour de la Résurrection.
مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ ۚ وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ۖ وَمَكْرُ أُو۟لَٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ
Quiconque veut la puissance (qu'il la cherche auprès d'Allah) car la puissance tout entière est à Allah: vers Lui monte la bonne parole, et Il élève haut la bonne action. Et quand à ceux qui complotent de mauvaises actions, ils auront un dur châtiment. Cependant, leur stratagème est voué à l'échec.
Tafsir (3)
كَثِيرًا مَا يَسْتَدِلُّ تَعَالَى عَلَى الْمَعَادِ بِإِحْيَائِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا -كَمَا فِي [أَوَّلِ] [[زيادة من ت، س، أ.]] سُورَةِ الْحَجِّ -يُنَبِّهُ عِبَادَهُ أَنْ يَعْتَبِرُوا بِهَذَا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْأَرْضَ تَكُونُ مَيِّتَةً هَامِدَةً لَا نَبَاتَ فِيهَا، فَإِذَا أَرْسَلَ إِلَيْهَا [[في ت: "عليها".]] السَّحَابَ تَحْمِلُ الْمَاءَ وَأَنْزَلَهُ عَلَيْهَا، ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الْحَجِّ: ٥] ، كَذَلِكَ الْأَجْسَادُ [[في ت، س: "الأجسام".]] ، إِذَا أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَعْثَهَا وَنَشُورَهَا، أَنْزَلَ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ مَطَرًا يَعُمُّ [[في أ: "فعم".]] الْأَرْضَ جَمِيعًا فَتَنْبُتُ الْأَجْسَادُ فِي قُبُورِهَا كَمَا يَنْبُتُ [[في ت: "كما تنبت".]] الْحَبُّ فِي الْأَرْضِ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلَى إِلَّا عَجْب الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ"؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ . وَتَقَدَّمَ فِي "الْحَجِّ" [[عند الآيات: ١٢-١٦.]] حَدِيثُ أَبِي رَزِين: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى؟ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: "يَا أَبَا رَزِينٍ، أَمَا مَرَرْتَ بِوَادِي قَوْمِكَ محْلا [[في ت، س، أ: "ممحلا".]] ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا؟ " قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: "فَكَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى". * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ عَزِيزًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلْيَلْزَمْ طَاعَةَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ مَقْصُودُهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ مَالِكُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، وَلَهُ الْعِزَّةُ جَمِيعُهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٣٩] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يُونُسَ: ٦٥] ، وَقَالَ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٨] . قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ . وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أَيْ: فَلْيَتَعَزَّزْ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقِيلَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ علْم الْعِزَّةِ، لِمَنْ هِيَ، ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ، حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ يَعْنِي: الذِّكْرَ وَالتِّلَاوَةَ وَالدُّعَاءَ. قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الأحْمَسِيّ، أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَوْن، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخَارِقِ، عن أبيه المخارق بن سليم [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده عن عبد الله بن أبي المخارق بن سليم".]] قال: قَالَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-إِذَا حَدَّثْنَاكُمْ حَدِيثًا أَتَيْنَاكُمْ بِتَصْدِيقِ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: إِنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ إِذَا قَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، تَبَارَكَ اللَّهُ"، أَخَذَهُنَّ مَلَكٌ فَجَعَلَهُنَّ تَحْتَ جَنَاحِهِ، ثُمَّ صَعد بِهِنَّ إِلَى السَّمَاءِ فَلَا يمُرّ بِهِنَّ عَلَى جمْعٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا اسْتَغْفَرُوا لِقَائِلِهِنَّ، حَتَّى يَجِيءَ بِهِنَّ وَجْهَ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ . وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، أَخْبَرْنَا سَعِيدٌ الجُرَيْرِي [[في أ: "سعيد بن الجريري".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ [[في ت: "وروى بإسناده".]] : قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: إِنَّ لِـ "سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ" لَدَوِيًّا حَوْلَ الْعَرْشِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يُذَكِّرْنَ بِصَاحِبِهِنَّ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ فِي الْخَزَائِنِ. [[تفسير الطبري (٢٢/٨٠) .]] وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى كَعْبِ الْأَحْبَارِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا مُوسَى -يَعْنِي: ابْنَ مُسْلِمٍ الطَّحَّانَ -عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ -أَوْ: عَنْ أَخِيهِ [[في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده".]] -عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ مِنْ جَلَالِ اللَّهِ، مِنْ تَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَحْمِيدِهِ وَتَهْلِيلِهِ، يَتَعَاطَفْنَ حَوْلَ الْعَرْشِ، لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يُذَكِّرُونَ بِصَاحِبِهِنَّ أَلَا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَلَّا يَزَالَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ شَيْءٌ يُذْكَرُ بِهِ؟ ". [[المسند (٤/٢٦٨) .]] وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بِشْرٍ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ [[في أ: "عيسى".]] الْقَطَّانِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي [عِيسَى] [[زيادة من ت، س، وابن ماجه.]] الطَّحَّانَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ -أَوْ: عَنْ أَخِيهِ-عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، بِهِ. [[سنن ابن ماجه برقم (٣٨٠٩) وقال البوصيري في الزوائد (٣/١٩٣) : "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْكَلِمُ الطَّيِّبُ: ذِكْرُ اللَّهِ، يُصْعَدُ بِهِ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ: أَدَاءُ فَرَائِضِهِ. وَمَنْ ذَكَرَ اللَّهَ وَلَمْ يُؤَدِّ فَرَائِضَهُ، رُدَّ كَلَامُهُ عَلَى عَمَلِهِ، فَكَانَ أَوْلَى بِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الْكَلَامَ الطَّيِّبَ. وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَعِكْرِمَةُ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخعِيّ، وَالضَّحَّاكُ، والسُّدِّيّ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وشَهْر بْنُ حَوْشَب، وَغَيْرُ وَاحِدٍ [مِنَ السَّلَفِ] . [[زيادة من ت.]] وَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْقَاضِي: لَوْلَا الْعَمَلُ الصَّالِحُ لَمْ يُرْفَعِ الْكَلَامُ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ: لَا يُقْبَلُ قولٌ إِلَّا بِعَمَلٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وشَهْر بن حَوْشَب: هم المراؤون بِأَعْمَالِهِمْ، يَعْنِي: يَمْكُرُونَ بِالنَّاسِ، يُوهِمُونَ أَنَّهُمْ فِي طاعة الله، وهم بُغَضَاء إلى الله عز وجل، يراؤون بِأَعْمَالِهِمْ، ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا﴾ [النِّسَاءِ: ١٤٢] . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا عَامَّةٌ، وَالْمُشْرِكُونَ دَاخِلُونَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ ، أَيْ: يَفْسَدُ وَيَبْطُلُ وَيَظْهَرُ زَيْفُهُمْ عَنْ قَرِيبٍ لِأُولِي الْبَصَائِرِ وَالنُّهَى، فَإِنَّهُ مَا أَسَرَّ عَبْدٌ [[في أ: "أحد".]] سَرِيرَةً إِلَّا أَبْدَاهَا اللَّهُ عَلَى صَفَحَاتِ وَجْهِهِ وَفَلَتَاتِ لِسَانِهِ، وَمَا أَسَرَّ أَحَدٌ سَرِيرَةً إِلَّا كَسَاهُ اللَّهُ رِدَاءَهَا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ. فَالْمُرَائِي لَا يَرُوجُ أَمْرُهُ وَيَسْتَمِرُّ إِلَّا عَلَى غَبِيٍّ، أَمَّا الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَفَرِّسُونَ فَلَا يَرُوجُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، بَلْ يُكشَف [[في ت، س، أ: "ينكشف".]] لَهُمْ عَنْ قَرِيبٍ، وَعَالَمُ الْغَيْبِ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أَيِ: ابْتَدَأَ خَلْقَ أَبِيكُمْ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أَيْ: ذَكَرًا وَأُنْثَى، لُطْفًا مِنْهُ وَرَحْمَةً أَنْ جَعَلَ لَكُمْ أَزْوَاجًا مِنْ جِنْسِكُمْ، لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ﴾ أَيْ: هُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، بَلْ ﴿مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ [وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ. عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ] الْمُتَعَالِ﴾ [الرَّعْدِ: ٨، ٩] . [[زيادة من ت، س، أ، وفي هـ: "إلى قوله".]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ أَيْ: مَا يُعْطَى بَعْضُ النُّطَفِ مِنَ الْعُمُرِ الطَّوِيلِ يَعْلَمُهُ، وَهُوَ عِنْدَهُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ، ﴿وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْجِنْسِ، لَا عَلَى الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ الطَّوِيلَ لِلْعُمُرِ فِي الْكِتَابِ وَفِي عِلْمِ اللَّهِ لَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ، وَإِنَّمَا عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْجِنْسِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ: "عِنْدِي ثَوْبٌ وَنِصْفُهُ" أَيْ: وَنِصْفٌ آخَرُ. وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ، يَقُولُ: لَيْسَ أَحَدٌ قَضَيْتُ لَهُ طُولَ عُمُر [[في ت، س: "العمر".]] وَحَيَاةٍ إِلَّا وَهُوَ بَالِغٌ مَا قَدَّرْتُ لَهُ مِنَ الْعُمُرِ وَقَدْ قَضَيْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَإِنَّمَا يَنْتَهِي إِلَى الْكِتَابِ الَّذِي قَدَّرْتُ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ قَضَيْتُ لَهُ أَنَّهُ قَصِيرُ الْعُمُرِ وَالْحَيَاةِ بِبَالِغٍ لِلْعُمُرِ، وَلَكِنْ يَنْتَهِي إِلَى الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبْتُ لَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ، يَقُولُ: كُلُّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ عِنْدَهُ. وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ قَالَ: مَا لَفَظت الْأَرْحَامُ مِنَ الأولاد من غير تمام. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي تَفْسِيرِهَا: أَلَا تَرَى النَّاسَ، يَعِيشُ الْإِنْسَانُ مِائَةَ سَنَةٍ، وَآخَرُ يَمُوتُ حِينَ يُولَدُ فَهَذَا هَذَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَالَّذِي يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ: فَالَّذِي يَمُوتُ قَبْلَ سِتِّينَ سَنَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ أَيْ: فِي بَطْنِ أُمِّهِ يُكْتَبُ لَهُ ذَلِكَ، لَمْ يَخْلُقِ الْخَلْقَ عَلَى عُمُرٍ وَاحِدٍ، بَلْ لِهَذَا عُمُرٌ، وَلِهَذَا عُمُرٌ هُوَ أَنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَكْتُوبٌ لِصَاحِبِهِ، بَالِغٌ مَا بَلَغَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ مَعْنَاهُ: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ أَيْ: مَا يُكْتَبُ مِنَ الْأَجَلِ ﴿وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ ، وَهُوَ ذَهَابُهُ قَلِيلًا قَلِيلًا الْجَمِيعُ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ، وَشَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ، وَجُمُعَةً بَعْدَ جُمُعَةٍ، وَيَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَسَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ، الْجَمِيعُ مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ فِي كِتَابٍ. نَقَلَهُ [[في أ: "رواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ السُّدِّيّ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيِّ. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ [الْقَوْلَ] [[زيادة من ت، أ.]] الْأَوَّلَ، وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَيْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ ابْنَ وَهْبٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ سرَّه أَنْ يُبْسَط لَهُ فِي رِزْقُهُ، ويُنْسَأ لَهُ فِي أَجَلِهِ [[في ت، س، أ: "أثره".]] فَلْيَصِلْ رَحِمَه". وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ، بِهِ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٢٩) وصحيح البخاري برقم (٢٠٦٧) وصحيح مسلم برقم (٢٥٥٧) وسنن أبي داود برقم (١٦٩٣) .]] . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبُو مُسَرَّحٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ مَسْلَمَةَ [[في أ: "سلمة".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعَة بْنِ رِبْعِيٍّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ذَكَرْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُؤَخِّرُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجْلُهَا، وَإِنَّمَا زِيَادَةُ الْعُمُرِ بِالذُّرِّيَّةِ الصَّالِحَةِ يُرْزَقُهَا الْعَبْدَ، فَيَدْعُونَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَيَلْحَقُهُ دُعَاؤُهُمْ فِي قَبْرِهِ، فَذَلِكَ زِيَادَةُ الْعُمْرِ". * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أَيْ: سَهْلٌ عَلَيْهِ، يَسِيرٌ لَدَيْهِ عِلْمُهُ بِذَلِكَ وَبِتَفْصِيلِهِ فِي جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ، فَإِنَّ عِلْمَهُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ ذَلِكَ لَا يخفى منه عليه شيء.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى قوله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ فقال بعضهم: معنى ذلك: من كان يريد العزة بعبادة الآلهة والأوثان فإن العزة لله جميعًا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قول الله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ يقول: من كان يريد العزة بعبادته الآلهة ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ . وقال آخرون: معنى ذلك من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ يقول: فليتعزز بطاعة الله. وقال آخرون: بل معنى ذلك: من كان يريد علم العزة لمن هي، فإنه لله جميعًا كلها أي: كل وجه من العزة فلله. والذي هو أولى الأقوال بالصواب عندي قول من قال: من كان يريد العزة فبالله فليتعزز، فلله العزة جميعًا، دون كل ما دونه من الآلهة والأوثان. وإنما قلت: ذلك أولى بالصواب لأن الآيات التي قبل هذه الآية، جرت بتقريع الله المشركين على عبادتهم الأوثان، وتوبيخه إياهم، ووعيده لهم عليها، فأولى بهذه أيضًا أن تكون من جنس الحث على فراق ذلك، فكانت قصتها شبيهة بقصتها، وكانت في سياقها. * * وقوله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ يقول تعالى ذكره: إلى الله يصعد ذكر العبد إياه وثناؤه عليه ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ يقول: ويرفع ذكر العبد ربه إليه عمله الصالح، وهو العمل بطاعته، وأداء فرائضه والانتهاء إلى ما أمر به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي قال: أخبرني جعفر بن عون عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي عن عبد الله بن المخارق عن أبيه المخارق بن سليم قال: قال لنا عبد الله: إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله، إن العبد المسلم إذا قال: سبحان الله وبحمده، الحمد لله لا إله إلا الله، والله أكبر، تبارك الله، أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحيه ثم صعد بهن إلى السماء، فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يحيي بهن وجه الرحمن، ثم قرأ عبد الله ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ . ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلية، قال: أخبرنا سعيد الجريري عن عبد الله بن شقيق قال: قال كعب: إن لسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، لدويًّا حول العرش كدوي النحل يذكرن بصاحبهن والعمل الصالح في الخزائن. ⁕ حدثني يونس، قال: ثنا سفيان عن ليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب الأشعري قوله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيْبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ قال: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب. ⁕ حدثني علي، ثنا أَبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيْبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ قال: الكلام الطيب: ذكر الله، والعمل الصالح: أداء فرائضه، فمن ذكر الله سبحانه في أداء فرائضه حمل عليه ذكر الله فصعد به إلى الله، ومن ذكر الله، ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله فكان أولى به. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيْبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ قال: العمل الصالح يرفع الكلام الطيب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيْبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ قال: قال الحسن وقتادة: لا يقبل الله قولا إلا بعمل، من قال وأحسن العمل قبل الله منه. * * وقوله ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ يقول تعالى ذكره: والذين يكسبون السيئات لهم عذاب جهنم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثني سعيد، عن قتادة قوله ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ قال: هؤلاء أهل الشرك. * * وقوله ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ يقول: وعمل هؤلاء المشركين يبور، فيبطل فيذهب؛ لأنه لم يكن لله، فلم ينفع عامله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ أى: يفسد. ⁕ حدثني يونس قال: أخبرنا سفيان عن ليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ قال: هم أصحاب الرياء. ⁕ حدثني محمد بن عمارة قال: ثنا سهل بن أبي عامر قال: ثنا جعفر الأحمر عن شهر بن حوشب في قوله ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ قال: هم أصحاب الرياء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ قال: بار فلم ينفعهم ولم ينتفعوا به، وضرهم.
Celui qui recherche la puissance dans le bas monde ou dans l’au-delà ne doit la rechercher qu’auprès d'Allah, car à Allah Seul appartient la puissance dans le bas et dans l’au-delà. C’est vers Lui que monte Sa bonne mention et Il élève vers Lui les bonnes œuvres des serviteurs.
وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَٰجًۭا ۚ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍۢ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِى كِتَٰبٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌۭ
Et Allah vous a créés de terre, puis d'une goutte de sperme, Il vous a ensuite établis en couples. Nulle femelle ne porte ni ne met bas sans qu'Il le sache. Et aucune existence n'est prolongée ou abrégée sans que cela soit consigné dans un livre. Cela est vraiment facile pour Allah.
Tafsir (3)
كَثِيرًا مَا يَسْتَدِلُّ تَعَالَى عَلَى الْمَعَادِ بِإِحْيَائِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا -كَمَا فِي [أَوَّلِ] [[زيادة من ت، س، أ.]] سُورَةِ الْحَجِّ -يُنَبِّهُ عِبَادَهُ أَنْ يَعْتَبِرُوا بِهَذَا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْأَرْضَ تَكُونُ مَيِّتَةً هَامِدَةً لَا نَبَاتَ فِيهَا، فَإِذَا أَرْسَلَ إِلَيْهَا [[في ت: "عليها".]] السَّحَابَ تَحْمِلُ الْمَاءَ وَأَنْزَلَهُ عَلَيْهَا، ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الْحَجِّ: ٥] ، كَذَلِكَ الْأَجْسَادُ [[في ت، س: "الأجسام".]] ، إِذَا أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَعْثَهَا وَنَشُورَهَا، أَنْزَلَ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ مَطَرًا يَعُمُّ [[في أ: "فعم".]] الْأَرْضَ جَمِيعًا فَتَنْبُتُ الْأَجْسَادُ فِي قُبُورِهَا كَمَا يَنْبُتُ [[في ت: "كما تنبت".]] الْحَبُّ فِي الْأَرْضِ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلَى إِلَّا عَجْب الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ"؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ . وَتَقَدَّمَ فِي "الْحَجِّ" [[عند الآيات: ١٢-١٦.]] حَدِيثُ أَبِي رَزِين: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى؟ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: "يَا أَبَا رَزِينٍ، أَمَا مَرَرْتَ بِوَادِي قَوْمِكَ محْلا [[في ت، س، أ: "ممحلا".]] ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا؟ " قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: "فَكَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى". * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ عَزِيزًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلْيَلْزَمْ طَاعَةَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ مَقْصُودُهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ مَالِكُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، وَلَهُ الْعِزَّةُ جَمِيعُهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٣٩] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يُونُسَ: ٦٥] ، وَقَالَ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٨] . قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ . وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أَيْ: فَلْيَتَعَزَّزْ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقِيلَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ علْم الْعِزَّةِ، لِمَنْ هِيَ، ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ، حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ يَعْنِي: الذِّكْرَ وَالتِّلَاوَةَ وَالدُّعَاءَ. قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الأحْمَسِيّ، أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَوْن، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخَارِقِ، عن أبيه المخارق بن سليم [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده عن عبد الله بن أبي المخارق بن سليم".]] قال: قَالَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-إِذَا حَدَّثْنَاكُمْ حَدِيثًا أَتَيْنَاكُمْ بِتَصْدِيقِ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: إِنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ إِذَا قَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، تَبَارَكَ اللَّهُ"، أَخَذَهُنَّ مَلَكٌ فَجَعَلَهُنَّ تَحْتَ جَنَاحِهِ، ثُمَّ صَعد بِهِنَّ إِلَى السَّمَاءِ فَلَا يمُرّ بِهِنَّ عَلَى جمْعٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا اسْتَغْفَرُوا لِقَائِلِهِنَّ، حَتَّى يَجِيءَ بِهِنَّ وَجْهَ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ . وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، أَخْبَرْنَا سَعِيدٌ الجُرَيْرِي [[في أ: "سعيد بن الجريري".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ [[في ت: "وروى بإسناده".]] : قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: إِنَّ لِـ "سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ" لَدَوِيًّا حَوْلَ الْعَرْشِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يُذَكِّرْنَ بِصَاحِبِهِنَّ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ فِي الْخَزَائِنِ. [[تفسير الطبري (٢٢/٨٠) .]] وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى كَعْبِ الْأَحْبَارِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا مُوسَى -يَعْنِي: ابْنَ مُسْلِمٍ الطَّحَّانَ -عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ -أَوْ: عَنْ أَخِيهِ [[في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده".]] -عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ مِنْ جَلَالِ اللَّهِ، مِنْ تَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَحْمِيدِهِ وَتَهْلِيلِهِ، يَتَعَاطَفْنَ حَوْلَ الْعَرْشِ، لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يُذَكِّرُونَ بِصَاحِبِهِنَّ أَلَا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَلَّا يَزَالَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ شَيْءٌ يُذْكَرُ بِهِ؟ ". [[المسند (٤/٢٦٨) .]] وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بِشْرٍ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ [[في أ: "عيسى".]] الْقَطَّانِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي [عِيسَى] [[زيادة من ت، س، وابن ماجه.]] الطَّحَّانَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ -أَوْ: عَنْ أَخِيهِ-عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، بِهِ. [[سنن ابن ماجه برقم (٣٨٠٩) وقال البوصيري في الزوائد (٣/١٩٣) : "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْكَلِمُ الطَّيِّبُ: ذِكْرُ اللَّهِ، يُصْعَدُ بِهِ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ: أَدَاءُ فَرَائِضِهِ. وَمَنْ ذَكَرَ اللَّهَ وَلَمْ يُؤَدِّ فَرَائِضَهُ، رُدَّ كَلَامُهُ عَلَى عَمَلِهِ، فَكَانَ أَوْلَى بِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الْكَلَامَ الطَّيِّبَ. وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَعِكْرِمَةُ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخعِيّ، وَالضَّحَّاكُ، والسُّدِّيّ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وشَهْر بْنُ حَوْشَب، وَغَيْرُ وَاحِدٍ [مِنَ السَّلَفِ] . [[زيادة من ت.]] وَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْقَاضِي: لَوْلَا الْعَمَلُ الصَّالِحُ لَمْ يُرْفَعِ الْكَلَامُ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ: لَا يُقْبَلُ قولٌ إِلَّا بِعَمَلٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وشَهْر بن حَوْشَب: هم المراؤون بِأَعْمَالِهِمْ، يَعْنِي: يَمْكُرُونَ بِالنَّاسِ، يُوهِمُونَ أَنَّهُمْ فِي طاعة الله، وهم بُغَضَاء إلى الله عز وجل، يراؤون بِأَعْمَالِهِمْ، ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا﴾ [النِّسَاءِ: ١٤٢] . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا عَامَّةٌ، وَالْمُشْرِكُونَ دَاخِلُونَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ ، أَيْ: يَفْسَدُ وَيَبْطُلُ وَيَظْهَرُ زَيْفُهُمْ عَنْ قَرِيبٍ لِأُولِي الْبَصَائِرِ وَالنُّهَى، فَإِنَّهُ مَا أَسَرَّ عَبْدٌ [[في أ: "أحد".]] سَرِيرَةً إِلَّا أَبْدَاهَا اللَّهُ عَلَى صَفَحَاتِ وَجْهِهِ وَفَلَتَاتِ لِسَانِهِ، وَمَا أَسَرَّ أَحَدٌ سَرِيرَةً إِلَّا كَسَاهُ اللَّهُ رِدَاءَهَا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ. فَالْمُرَائِي لَا يَرُوجُ أَمْرُهُ وَيَسْتَمِرُّ إِلَّا عَلَى غَبِيٍّ، أَمَّا الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَفَرِّسُونَ فَلَا يَرُوجُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، بَلْ يُكشَف [[في ت، س، أ: "ينكشف".]] لَهُمْ عَنْ قَرِيبٍ، وَعَالَمُ الْغَيْبِ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أَيِ: ابْتَدَأَ خَلْقَ أَبِيكُمْ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أَيْ: ذَكَرًا وَأُنْثَى، لُطْفًا مِنْهُ وَرَحْمَةً أَنْ جَعَلَ لَكُمْ أَزْوَاجًا مِنْ جِنْسِكُمْ، لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ﴾ أَيْ: هُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، بَلْ ﴿مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ [وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ. عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ] الْمُتَعَالِ﴾ [الرَّعْدِ: ٨، ٩] . [[زيادة من ت، س، أ، وفي هـ: "إلى قوله".]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ أَيْ: مَا يُعْطَى بَعْضُ النُّطَفِ مِنَ الْعُمُرِ الطَّوِيلِ يَعْلَمُهُ، وَهُوَ عِنْدَهُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ، ﴿وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْجِنْسِ، لَا عَلَى الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ الطَّوِيلَ لِلْعُمُرِ فِي الْكِتَابِ وَفِي عِلْمِ اللَّهِ لَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ، وَإِنَّمَا عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْجِنْسِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ: "عِنْدِي ثَوْبٌ وَنِصْفُهُ" أَيْ: وَنِصْفٌ آخَرُ. وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ، يَقُولُ: لَيْسَ أَحَدٌ قَضَيْتُ لَهُ طُولَ عُمُر [[في ت، س: "العمر".]] وَحَيَاةٍ إِلَّا وَهُوَ بَالِغٌ مَا قَدَّرْتُ لَهُ مِنَ الْعُمُرِ وَقَدْ قَضَيْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَإِنَّمَا يَنْتَهِي إِلَى الْكِتَابِ الَّذِي قَدَّرْتُ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ قَضَيْتُ لَهُ أَنَّهُ قَصِيرُ الْعُمُرِ وَالْحَيَاةِ بِبَالِغٍ لِلْعُمُرِ، وَلَكِنْ يَنْتَهِي إِلَى الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبْتُ لَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ، يَقُولُ: كُلُّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ عِنْدَهُ. وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ قَالَ: مَا لَفَظت الْأَرْحَامُ مِنَ الأولاد من غير تمام. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي تَفْسِيرِهَا: أَلَا تَرَى النَّاسَ، يَعِيشُ الْإِنْسَانُ مِائَةَ سَنَةٍ، وَآخَرُ يَمُوتُ حِينَ يُولَدُ فَهَذَا هَذَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَالَّذِي يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ: فَالَّذِي يَمُوتُ قَبْلَ سِتِّينَ سَنَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ أَيْ: فِي بَطْنِ أُمِّهِ يُكْتَبُ لَهُ ذَلِكَ، لَمْ يَخْلُقِ الْخَلْقَ عَلَى عُمُرٍ وَاحِدٍ، بَلْ لِهَذَا عُمُرٌ، وَلِهَذَا عُمُرٌ هُوَ أَنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَكْتُوبٌ لِصَاحِبِهِ، بَالِغٌ مَا بَلَغَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ مَعْنَاهُ: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ أَيْ: مَا يُكْتَبُ مِنَ الْأَجَلِ ﴿وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ ، وَهُوَ ذَهَابُهُ قَلِيلًا قَلِيلًا الْجَمِيعُ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ، وَشَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ، وَجُمُعَةً بَعْدَ جُمُعَةٍ، وَيَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَسَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ، الْجَمِيعُ مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ فِي كِتَابٍ. نَقَلَهُ [[في أ: "رواه".]] ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ السُّدِّيّ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيِّ. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ [الْقَوْلَ] [[زيادة من ت، أ.]] الْأَوَّلَ، وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَيْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ ابْنَ وَهْبٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ سرَّه أَنْ يُبْسَط لَهُ فِي رِزْقُهُ، ويُنْسَأ لَهُ فِي أَجَلِهِ [[في ت، س، أ: "أثره".]] فَلْيَصِلْ رَحِمَه". وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ، بِهِ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٢٩) وصحيح البخاري برقم (٢٠٦٧) وصحيح مسلم برقم (٢٥٥٧) وسنن أبي داود برقم (١٦٩٣) .]] . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبُو مُسَرَّحٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ مَسْلَمَةَ [[في أ: "سلمة".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعَة بْنِ رِبْعِيٍّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ذَكَرْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُؤَخِّرُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجْلُهَا، وَإِنَّمَا زِيَادَةُ الْعُمُرِ بِالذُّرِّيَّةِ الصَّالِحَةِ يُرْزَقُهَا الْعَبْدَ، فَيَدْعُونَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَيَلْحَقُهُ دُعَاؤُهُمْ فِي قَبْرِهِ، فَذَلِكَ زِيَادَةُ الْعُمْرِ". * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أَيْ: سَهْلٌ عَلَيْهِ، يَسِيرٌ لَدَيْهِ عِلْمُهُ بِذَلِكَ وَبِتَفْصِيلِهِ فِي جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ، فَإِنَّ عِلْمَهُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ ذَلِكَ لَا يخفى منه عليه شيء.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ يعني بذلك أنه خلق أباهم آدم من تراب؛ فجعل خلق أبيهم منه لهم خلقًا ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يقول: ثم خلقكم من نطفة الرجل والمرأة ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ يعني أنه زوج منهم الأنثى من الذكر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ يعني آدم ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني ذريته ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ فزوج بعضكم بعضًا. * * وقوله ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ﴾ يقول تعالى ذكره: وما تحمل من أنثى منكم أيها الناس من حمل ولا نطفة إلا وهو عالم بحملها إياه ووضعها وما هو؟ ذكر أو أنثى؟ لا يخفى عليه شيء من ذلك. * * وقوله ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معناه: وما يعمر من معمر فيطول عمره، ولا ينقص من عمر آخر غيره عن عمر هذا الذي عمر عمرًا طويلا ﴿إِلا فِي كِتَابٍ﴾ عنده مكتوب قبل أن تحمل به أمه، وقبل أن تضعه، قد أحصى ذلك كله وعلمه قبل أن يخلقه، لا يزاد فيما كتب له ولا ينقص. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ ... ﴾ إلى ﴿يَسِير﴾ يقول: ليس أحد قضيت له طول العمر والحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر، وقد قضيت ذلك له، وإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت له لا يزاد عليه، وليس أحد قضيت له أنه قصير إلعمر والحياة ببالغ العمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت له لا يزاد عليه فذلك قوله ﴿وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ يقول: كل ذلك في كتاب عنده. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: من قضيت له أن يعمر حتى يدركه الكبر، أو يعمر أنقص من ذلك، فكل بالغ أجله الذي قد قضى له، كل ذلك في كتاب. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ قال: ألا ترى الناس؛ الإنسان يعيش مائة سنة، وآخر يموت حين يولد؟ فهذا هذا، فالهاء التي في قوله ﴿ولا يُنْقَصُ مِنْ عُمْرِهِ﴾ على هذا التأويل، وإن كانت في الظاهر أنها كناية عن اسم المعمر الأول، فهي كناية اسم آخر غيره، وإنما حسن ذلك لأن صاحبها لو أظهر لظهر بلفظ الأول، وذلك كقولهم: عندي ثوب ونصفه، والمعنى: ونصف الآخر. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما يعمر من معمَّر ولا ينقص من عمره بفناء ما فني من أيام حياته، فذلك هو نقصان عمره، والهاء على هذا التأويل للمعمر الأول، لأن معنى الكلام: ما يطول عمر أحد، ولا يذهب من عمره شيء، فيُنقَص إلا وهو في كتاب عند الله مكتوب، قد أحصاه وعلمه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني أَبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس قال: ثنا عبثر قال: ثنا حصين عن أَبي مالك في هذه الآية ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ قال: ما يقضي من أيامه التي عددت له إلا في كتاب. وأولى التأويلين في ذلك عندي الصواب التأويل الأول، وذلك أن ذلك هو أظهر معنييه، وأشبههما بظاهر التنزيل. * * وقوله ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ يقول تعالى ذكره: إن إحصاء أعمار خلقه عليه يسير سهل، طويل ذلك وقصيره، لا يتعذر عليه شيء منه.
C’est Allah qui créa votre père Adam à partir de terre puis Il vous créa à partir d’une goutte de sperme. Il fit ensuite de vous des mâles et des femelles qui se marient entre eux. Une femelle ne porte pas un fœtus ni n’accouche d’un nouveau-né sans qu’Allah n’en ait connaissance. Rien de tout cela ne Lui échappe. Aucune vie n’est prolongée ou raccourcie sans que cela ne soit consigné dans la Table Préservée. Tout ce qui est mentionné, c’est-à-dire votre création par étape et la consignation de vos durées de vie dans la Table Préservées, est facile pour Allah.
وَمَا يَسْتَوِى ٱلْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌۭ فُرَاتٌۭ سَآئِغٌۭ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌۭ ۖ وَمِن كُلٍّۢ تَأْكُلُونَ لَحْمًۭا طَرِيًّۭا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةًۭ تَلْبَسُونَهَا ۖ وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
Les deux mers ne sont pas identiques: [l'eau de] celle-ci est potable, douce et agréable à boire, et celle-là est salée, amère. Cependant de chacune vous mangez une chair fraîche, et vous extrayez un ornement que vous portez. Et tu vois le vaisseau fendre l'eau avec bruit, pour que vous cherchiez certains [des produits] de Sa grâce. Peut-être serez-vous reconnaissants!
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ فِي خَلْقِهِ الْأَشْيَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ: وَخَلَقَ الْبَحْرِينِ الْعَذْبَ الزُّلَالَ، وَهُوَ هَذِهِ الْأَنْهَارُ السَّارِحَةُ بَيْنَ النَّاسِ، مِنْ كِبَارٍ وَصِغَارٍ، بِحَسْبِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا فِي الْأَقَالِيمِ وَالْأَمْصَارِ، وَالْعُمْرَانِ وَالْبَرَارِي وَالْقِفَارِ، وَهِيَ عَذْبَةٌ سَائِغٌ شَرَابُهَا لِمَنْ أَرَادَ ذَلِكَ، ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ ، وَهُوَ الْبَحْرُ السَّاكِنُ الَّذِي تَسِيرُ فِيهِ السُّفُنُ الْكِبَارُ، وَإِنَّمَا تَكُونُ مَالِحَةً زُعَاقًا مُرَّة، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ ، أَيْ: مُرّ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ يَعْنِي: السَّمَكَ، ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢٢، ٢٣] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [[في ت، س: "وترى الفلك مواخر فيه". ولعلهما أرادا الآية: ١٤ من سورة النحل.]] أَيْ: تَمْخُرُهُ وَتَشُقُّهُ بِحَيْزُومِهَا، وَهُوَ مُقَدِّمُهَا المُسَنَّم الَّذِي يُشْبِهُ جُؤْجُؤَ الطَّيْرِ -وَهُوَ: صَدْرُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَمْخُرُ الرِّيحُ السُّفُنَ، وَلَا يَمْخُرُ الرِّيحُ مِنَ السُّفُنِ إِلَّا الْعِظَامَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أَيْ: بِأَسْفَارِكُمْ بِالتِّجَارَةِ، مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَإِقْلِيمٍ إِلَى إِقْلِيمٍ، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أَيْ تَشْكُرُونَ رَبَّكُمْ عَلَى تَسْخِيرِهِ لَكُمْ هَذَا الْخَلْقَ الْعَظِيمَ، وَهُوَ الْبَحْرُ، تَتَصَرَّفُونَ فِيهِ كَيْفَ شِئْتُمْ، وَتَذْهَبُونَ أَيْنَ أَرَدْتُمْ، وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ مِنْهُ، بَلْ بِقُدْرَتِهِ قَدْ سَخَّرَ لَكُمْ مَا في السموات وَمَا فِي الْأَرْضِ، الْجَمِيعُ مِنْ فَضْلِهِ وَمِنْ رَحْمَتِهِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: وما يعتدل البحران فيستويان؛ أحدهما عذب فرات، والفرات: هو أعذب العذب، وهذا ملح أجاج يقول: والآخر منهما ملح أجاج وذلك هو ماء البحر الأخضر، والأجاج: المر وهو أشد المياه ملوحة. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿وهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ والأجاج: المر. * * وقوله ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ يقول: ومن كل البحار تأكلون لحمًا طريًّا، وذلك السمك من عذبهما الفرات وملحهما الأجاج ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ يعني: الدر والمرجان تستخرجونها من الملح الأجاج، وقد بيَّنا قبل وجه ﴿تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً﴾ وإنما يستخرج من الملح، فيما مضى بما أغنى عن إعادته. ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ يقول تعالى ذكره: وترى السفن في كل تلك البحار مواخر تمخر الماء بصدورها، وذلك خرقها إياه إذا مرت واحدتها ماخرة، يقال منه: مَخَرت تَمْخُر وتمخَر مخرًا، وذلك إذا شقت الماء بصدورها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ أي: منهما جميعًا ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ هذا اللؤلؤ ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ فيه السفن مقبلة ومدبرة بريح واحدة. ⁕ حدثنا علي قال: ثنا أَبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ يقول: جواريَ. * * وقوله ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ يقول: لتطلبوا بركوبكم في هذه البحار في الفلك من معايشكم، ولتتصرفوا فيها في تجاراتكم، وتشكروا الله على تسخيره ذلك لكم، وما رزقكم منه من طيبات الرزق وفاخر الحلي.
Les deux mers ne sont pas semblables: l’eau de la première est très douce et potable, tandis que l’eau de la seconde est salée au point d’être amère et ne peut être bue en raison de sa salinité. De chacune de ces deux mers vous mangez une chair tendre de poissons et vous extrayez des perles et du corail dont vous vous parez. Tu vois les navires se frayer un passage dans la mer, allant et venant afin que vous recherchiez la grâce d’Allah par le négoce, puissiez-vous être reconnaissants envers Allah pour les nombreux bienfaits dont Il vous fait don.
يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ ۚ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ
Il fait que la nuit pénètre le jour et que le jour pénètre la nuit. Et Il a soumis le soleil et la lune. Chacun d'eux s'achemine vers un terme fixé. Tel est Allah, votre Seigneur: à Lui appartient la royauté, tandis que ceux que vous invoquez, en dehors de Lui, ne sont même pas maîtres de la pellicule d'un noyau de datte.
Tafsir (3)
وَهَذَا أَيْضًا مِنْ قُدْرَتِهِ التَّامَّةِ وَسُلْطَانِهِ الْعَظِيمِ، فِي تَسْخِيرِهِ اللَّيْلَ بِظَلَامِهِ وَالنَّهَارَ بِضِيَائِهِ، وَيَأْخُذُ مِنْ طُولِ هَذَا فَيَزِيدُهُ فِي قِصَرِ هَذَا [[في ت، أ: "فيزيد في قصر هذا".]] فَيَعْتَدِلَانِ. ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْ هَذَا فِي هَذَا، فَيَطُولُ هَذَا وَيَقْصُرُ هَذَا، ثُمَّ يَتَقَارَضَانِ صَيْفًا وَشِتَاءً، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ أَيْ: وَالنُّجُومَ السَّيَّارَاتِ، وَالثَّوَابِتَ الثَّاقِبَاتِ بأضوائهن أجرام السموات، الْجَمِيعُ يَسِيرُونَ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ، وَعَلَى مِنْهَاجٍ مُقَنَّنٍ مُحَرَّرٍ، تَقْدِيرًا مِنْ عَزِيزٍ عَلِيمٍ. ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [[في ت، س: "إلى أجل مسمى".]] أَيْ: إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أَيِ: الَّذِي فَعَلَ هَذَا هُوَ الرَّبُّ الْعَظِيمُ، الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أَيْ: مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْأَصْنَامِ الَّتِي هِيَ عَلَى صُورَةِ مَنْ تَزْعُمُونَ [[في س: "يزعمون".]] مِنَ الملائكة المقربين، ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَعَطَاءٌ وَعَطِيَّةُ العَوْفي، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ: الْقِطْمِيرُ: هُوَ اللِّفَافَةُ الَّتِي تَكُونُ عَلَى نَوَاةِ التَّمْرَةِ، أَيْ: لَا يملكون من السموات وَالْأَرْضِ شَيْئًا، وَلَا بِمِقْدَارِ هَذَا الْقِطْمِيرِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ يَعْنِي: الْآلِهَةَ الَّتِي تَدْعُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَسْمَعُونَ [[في ت، أ: "يسمعوا".]] دُعَاءَكُمْ [[في أ: "دعاءهم".]] ؛ لِأَنَّهَا جَمَادٌ لَا أَرْوَاحَ فِيهَا ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ أَيْ: لَا يَقْدِرُونَ [[في ت: "يقيمون".]] عَلَى مَا تَطْلُبُونَ مِنْهَا، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ ، أي: يتبرؤون مِنْكُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٥، ٦] ، وَقَالَ: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٨١، ٨٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أَيْ: وَلَا يُخْبِرُكَ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ وَمَآلِهَا وَمَا تَصِيرُ إِلَيْهِ، مثلُ خَبِيرٍ بِهَا. قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي نَفْسَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَإِنَّهُ أَخْبَرُ بِالْوَاقِعِ لَا مَحَالَةَ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: يدخل الليل في النهار وذلك ما نقص من الليل أدخله في النهار فزاده فيه، ويولج النهار في الليل وذلك ما نقص من أجزاء النهار زاد في أجزاء الليل فأدخله فيها. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ زيادة هذا فى نقصان هذا، ونقصان هذا في زيادة هذا. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ يقول: هو انتقاص أحدهما من الآخر. * * وقوله ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ يقول: وأجرى لكم الشمس والقمر نعمة منه عليكم، ورحمة منه بكم؛ لتعلموا عدد السنين والحساب، وتعرفوا الليل من النهار. * * وقوله ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًى﴾ يقول: كل ذلك يجري لوقت معلوم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ أجل معلوم، وحد لا يقصر دونه ولا يتعداه. * * وقوله ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ يقول: الذي يفعل هذه الأفعال معبودكم أيها الناس الذي لا تصلح العبادة إلا له، وهو الله ربكم. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ أي: هو الذي يفعل هذا. * * وقوله ﴿لَهُ الْمُلْكَ﴾ يقول تعالى ذكره: له الملك التام الذي لا شىء إلا وهو في ملكه وسلطانه. * * وقوله ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ يقول تعالى ذكره: والذين تعبدون أيها الناس من دون ربكم الذي هذه الصفة التي ذكرها في هذه الآيات الذي له الملك الكامل، الذي لا يشبهه ملك، صفته ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ يقول: ما يملكون قشر نواة فما فوقها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قلنا أهل التأويل ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا عوف عمن حدثه عن ابن عباس في قوله ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ قال: هو جلد النواة. ⁕ حدثني علي قال: ثنا أَبو صالح قال: ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله ﴿مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ يقول: الجلد الذي يكون على ظهر النواة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ يعني: قشر النواة. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قول الله ﴿مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ قال: لفافة النواة كسحاة البيضة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ والقطمير: القشرة التي على رأس النواة. ⁕ حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال: ثنا مروان بن معاوية، عن جويبر عن بعض أصحابه في قوله ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ قال: هو القِمَع الذي يكون على التمرة. ⁕ حدثنا ابن بشار قال: ثنا أبو عامر قال: ثنا مرة عن عطية قال: القطمير: قشر النواة.
Allah fait pénétrer la nuit dans le jour et allonge donc la durée de celui-ci. Il soumet le soleil et la lune, l’un et l’autre se déplaçant jusqu’à un terme fixé connu par Allah qui est le Jour de la Résurrection. Celui qui est capable de tout cela est Allah votre Seigneur. Lui Seul détient la Souveraineté tandis que les idoles que vous adorez en dehors de Lui ne possèdent pas même la pellicule qui couvre le noyau d’une datte. Comment pouvez-vous donc les adorer en dehors de Moi ?
إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا۟ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا۟ مَا ٱسْتَجَابُوا۟ لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍۢ
Si vous les invoquez, ils n'entendent pas votre invocation; et même s'ils entendaient, ils ne sauraient vous répondre. Et le jour du Jugement ils vont nier votre association. Nul ne peut te donner des nouvelles comme Celui qui est parfaitement informé.
Tafsir (3)
وَهَذَا أَيْضًا مِنْ قُدْرَتِهِ التَّامَّةِ وَسُلْطَانِهِ الْعَظِيمِ، فِي تَسْخِيرِهِ اللَّيْلَ بِظَلَامِهِ وَالنَّهَارَ بِضِيَائِهِ، وَيَأْخُذُ مِنْ طُولِ هَذَا فَيَزِيدُهُ فِي قِصَرِ هَذَا [[في ت، أ: "فيزيد في قصر هذا".]] فَيَعْتَدِلَانِ. ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْ هَذَا فِي هَذَا، فَيَطُولُ هَذَا وَيَقْصُرُ هَذَا، ثُمَّ يَتَقَارَضَانِ صَيْفًا وَشِتَاءً، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ أَيْ: وَالنُّجُومَ السَّيَّارَاتِ، وَالثَّوَابِتَ الثَّاقِبَاتِ بأضوائهن أجرام السموات، الْجَمِيعُ يَسِيرُونَ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ، وَعَلَى مِنْهَاجٍ مُقَنَّنٍ مُحَرَّرٍ، تَقْدِيرًا مِنْ عَزِيزٍ عَلِيمٍ. ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [[في ت، س: "إلى أجل مسمى".]] أَيْ: إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أَيِ: الَّذِي فَعَلَ هَذَا هُوَ الرَّبُّ الْعَظِيمُ، الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أَيْ: مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْأَصْنَامِ الَّتِي هِيَ عَلَى صُورَةِ مَنْ تَزْعُمُونَ [[في س: "يزعمون".]] مِنَ الملائكة المقربين، ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمَة، وَعَطَاءٌ وَعَطِيَّةُ العَوْفي، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ: الْقِطْمِيرُ: هُوَ اللِّفَافَةُ الَّتِي تَكُونُ عَلَى نَوَاةِ التَّمْرَةِ، أَيْ: لَا يملكون من السموات وَالْأَرْضِ شَيْئًا، وَلَا بِمِقْدَارِ هَذَا الْقِطْمِيرِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ يَعْنِي: الْآلِهَةَ الَّتِي تَدْعُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَسْمَعُونَ [[في ت، أ: "يسمعوا".]] دُعَاءَكُمْ [[في أ: "دعاءهم".]] ؛ لِأَنَّهَا جَمَادٌ لَا أَرْوَاحَ فِيهَا ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ أَيْ: لَا يَقْدِرُونَ [[في ت: "يقيمون".]] عَلَى مَا تَطْلُبُونَ مِنْهَا، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ ، أي: يتبرؤون مِنْكُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٥، ٦] ، وَقَالَ: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٨١، ٨٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أَيْ: وَلَا يُخْبِرُكَ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ وَمَآلِهَا وَمَا تَصِيرُ إِلَيْهِ، مثلُ خَبِيرٍ بِهَا. قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي نَفْسَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَإِنَّهُ أَخْبَرُ بِالْوَاقِعِ لَا مَحَالَةَ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤) ﴾ قوله ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ يقول تعالى ذكره: إن تدعوا أيها الناس هؤلاء الآلهة التي تعبدونها من دون الله لا يسمعوا دعاءكم؛ لأنها جماد لا تفهم عنكم ما تقولون ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ يقول: ولو سمعوا دعاءكم إياهم، وفهموا عنكم أنها قولكم، بأن جعل لهم سمع يسمعون به، ما استجابوا لكم؛ لأنها ليست ناطقة، وليس كل سامع قولا متيسرًا له الجواب عنه، يقول تعالى ذكره للمشركين به الآلهة والأوثان: فكيف تعبدون من دون الله من هذه صفته، وهو لا نفع لكم عنده، ولا قدرة له على ضركم، وتدعون عبادة الذي بيده نفعكم وضركم، وهو الذي خلقكم وأنعم عليكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ أي: ما قبلوا ذلك عنكم، ولا نفعوكم فيه. * * وقوله ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ يقول تعالى ذكره للمشركين من عبدة الأوثان: ويوم القيامة تتبرأ آلهتكم التي تعبدونها من دون الله من أن تكون كانت لله شريكًا في الدنيا. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ إياهم ولا يرضون ولا يقرون به. * * وقوله ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ يقول تعالى ذكره: ولا يخبرك يا محمد عن آلهة هؤلاء المشركين وما يكون من أمرها وأمر عَبَدَتها يوم القيامة؛ من تبرؤها منهم، وكفرها بهم، مثل ذي خبرة بأمرها وأمرهم، وذلك الخبير هو الله الذي لا يخفى عليه شيء كان أو يكون سبحانه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ والله هو الخبير أنه سيكون هذا منهم يوم القيامة.
Lorsque vous invoquez vos divinités, elles ne vous entendent pas car ce sont des corps inertes dépourvus de vie et d’ouïe. Si on supposait qu’elles entendent vos invocations, elles ne vous exauceraient pas et le Jour de la Résurrection, elles se désavoueront de votre polythéisme et de l’adoration que vous leur vouiez. Personne, ô Messager, ne te racontera des nouvelles plus véridiques que celles que te raconte Allah.
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ
O hommes, vous êtes les indigents ayant besoin d'Allah, et c'est Allah, Lui qui se dispense de tout et Il est Le Digne de louange.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى بِغَنَائِهِ عَمَّا سِوَاهُ، وَبِافْتِقَارِ الْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا إِلَيْهِ، وَتَذَلُّلِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: هُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنْهُمْ بِالذَّاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أَيْ: هُوَ الْمُنْفَرِدُ [[في ت، س: "المتفرد".]] بِالْغِنَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ الْحَمِيدُ فِي جَمِيعِ مَا يَفْعَلُهُ وَيَقُولُهُ، وَيُقَدِّرُهُ وَيُشَرِّعُهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أَيْ: لَوْ شَاءَ لَأَذْهَبَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَأَتَى بِقَوْمٍ غَيْرِكُمْ، وَمَا هَذَا عَلَيْهِ بِصَعْبٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ أَيْ: وَإِنْ تَدْعُ نَفْسٌ مُثْقَلَةٌ بِأَوْزَارِهَا إِلَى أَنْ تُسَاعَد عَلَى حَمْلِ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْأَوْزَارِ أَوْ بَعْضِهِ، ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ، أَيْ: وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا إِلَيْهَا، حَتَّى وَلَوْ كَانَ أَبَاهَا أَوِ ابْنَهَا، كُلٌّ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ وَحَالِهِ، [كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ] [عَبَسَ: ٣٤-٣٧] . [[زيادة من ت.]] قَالَ [[في ت: "كما قال".]] عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ الْآيَةَ، قَالَ: هُوَ الجار يتعلق بجاره يوم الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، سَلْ هَذَا: لِمَ كَانَ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونِي. وَإِنَّ الْكَافِرَ لَيَتَعَلَّقُ بِالْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ لَهُ: يَا مُؤْمِنُ، إِنَّ لِي عِنْدَكَ يَدًا، قَدْ عَرَفْتَ كَيْفَ كُنْتُ لَكَ فِي الدُّنْيَا؟ وَقَدِ احْتَجْتُ إِلَيْكَ الْيَوْمَ، فَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يَشْفَعُ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ حَتَّى يَرُدَّهُ إِلَى [مَنْزِلٍ دُونَ] [[زيادة من ت، أ.]] مَنْزِلِهِ [[في ت: "في منزلة دون منزلته".]] ، وَهُوَ فِي النَّارِ. وَإِنَّ الْوَالِدَ لَيَتَعَلَّقُ بِوَلَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ، أَيُّ وَالِدٍ كنتُ لَكَ؟ فَيُثْنِي خَيْرًا، فَيَقُولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدِ احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى. فَيَقُولُ لَهُ وَلَدُهُ: يَا أَبَتِ، مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ، وَلَكِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ مَا تَتَخَوَّفُ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا، ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِزَوْجَتِهِ فَيَقُولُ: يَا فُلَانَةُ -أَوْ: يَا هَذِهِ-أَيُّ زَوْجٍ كُنْتُ لَكِ؟ فَتُثْنِي خَيْرًا، فَيَقُولُ لَهَا: إِنِّي أَطْلُبُ إِلَيْكِ حَسَنَةً وَاحِدَةً تَهَبِينَها لِي، لَعَلِّي أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَيْنَ. قَالَ: فَتَقُولُ: مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ. وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا، إِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَتَخَوَّفُ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ [[زيادة من ت، س، أ.]] الْآيَةَ، وَيَقُولُ اللَّهُ: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لُقْمَانَ: ٣٣] ، وَيَقُولُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الطَّهْرَانِيِّ [[في أ: "الطبراني".]] ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمة، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [[في س: "ينذر".]] أَيْ: إِنَّمَا يَتَّعِظُ بِمَا جِئْتَ بِهِ أُولُو الْبَصَائِرِ وَالنُّهَى، الْخَائِفُونَ مِنْ رَبِّهِمْ، الْفَاعِلُونَ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ أَيْ: ومَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّمَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى نَفْسِهِ، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أَيْ: وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، وَسَيَجْزِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شرًّا فشر.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس أنتم أولو الحاجة والفقر إلى ربكم فإياه فاعبدوا، وفي رضاه فسارعوا، يغنكم من فقركم، وتُنْجِح لديه حوائجكم ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن عبادتكم إياه وعن خدمتكم، وعن غير ذلك من الأشياء؛ منكم ومن غيركم ﴿الْحَمِيدُ﴾ يعني: المحمود على نعمه؛ فإن كل نعمة بكم وبغيركم فمنه، فله الحمد والشكر بكل حال. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن يشأ يهلككم أيها الناس ربكم، لأنه أنشأكم من غير ما حاجة به إليكم ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يقول: ويأت بخلق سواكم يطيعونه ويأتمرون لأمره وينتهون عمَّا نهاهم عنه. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: ويأت بغيركم. * * وقوله ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ يقول: وما إذهابكم والإتيان بخلق سواكم على الله بشديد، بل ذلك عليه يسير سهل، يقول: فاتقوا الله أيها الناس، وأطيعوه قبل أن يفعل بكم ذلك. * * وقوله ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ يقول تعالى ذكره: ولا تحمل آثمة إثم أخرى غيرها ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ يقول تعالى: وإن تسأل ذاتُ ثِقَل من الذنوب من يحمل عنها ذنوبها وتطلب ذلك لم تجد من يحمل عنها شيئًا منها ولو كان الذي سألته ذا قرابة من أب أو أخ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ يقول: يكون عليه وزر لا يجد أحدًا يحمل عنه من وزره شيئًا. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ كنحو ﴿لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ إلى ذنوبها ﴿لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: قريب القرابة منها، لايحمل من ذنوبها شيئًا، ولا تحمل على غيرها من ذنوبها شيئا ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ، ونصب "ذَا قُرْبَى" على تمام "كان" لأن معنى الكلام: ولو كان الذي تسأله أن يحمل عنها ذنوبها ذا قربى لها. وأنثت "مثقلة" لأنه ذهب بالكلام إلى النفس، كأنه قيل: وإن تدع نفس مثقلة من الذنوب إلى حمل ذنوبها، وإنما قيل كذلك لأن النفس تؤدي عن الذكر والأنثى كما قيل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ يعني بذلك: كل ذكر وأنثى. * * وقوله ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: إنما تنذر يا محمد الذين يخافون عقاب الله يوم القيامة من غير معاينة منهم لذلك، ولكن لإيمانهم بما أتيتهم به، وتصديقهم لك فيما أنباتهم عن الله، فهؤلاء الذين ينفعهم إنذارك ويتعظون بمواعظك، لا الذين طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قول: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي: يخشون النار. * * وقوله ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ يقول: وأدوا الصلاة المفروضة بحدودها على ما فرضها الله عليهم. * * وقوله ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فإِنَّمَا يَتَزكَّى لِنَفْسِهِ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن يتطهر من دنس الكفر والذنوب بالتوبة إلى الله، والإيمان به، والعمل بطاعته. فإنما يتطهر لنفسه، وذلك أنه يثيبها به رضا الله، والفوز بجنانه، والنجاة من عقابه الذي أعده لأهل الكفر به. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ أي: من يعمل صالحًا فإنما يعمله لنفسه. * * وقوله ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ يقول: وإلى الله مصير كل عامل منكم أيها الناس، مؤمنكم وكافركم، وبركم وفاجركم، وهو مجازٍ جميعكم بما قدم من خير وشر على ما أهل منه.
Ô gens, c’est vous qui avez besoin d’Allah dans toutes vos affaires et dans toutes vos situations. Allah est le Riche qui n’a aucunement besoin de vous, le Digne de Louange dans le bas monde et dans l’au-delà pour ce qu’Il prédestine à Ses serviteurs.
إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ
S'Il voulait, Il vous ferait disparaître, et ferait surgir une nouvelle création.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى بِغَنَائِهِ عَمَّا سِوَاهُ، وَبِافْتِقَارِ الْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا إِلَيْهِ، وَتَذَلُّلِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: هُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنْهُمْ بِالذَّاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أَيْ: هُوَ الْمُنْفَرِدُ [[في ت، س: "المتفرد".]] بِالْغِنَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ الْحَمِيدُ فِي جَمِيعِ مَا يَفْعَلُهُ وَيَقُولُهُ، وَيُقَدِّرُهُ وَيُشَرِّعُهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أَيْ: لَوْ شَاءَ لَأَذْهَبَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَأَتَى بِقَوْمٍ غَيْرِكُمْ، وَمَا هَذَا عَلَيْهِ بِصَعْبٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ أَيْ: وَإِنْ تَدْعُ نَفْسٌ مُثْقَلَةٌ بِأَوْزَارِهَا إِلَى أَنْ تُسَاعَد عَلَى حَمْلِ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْأَوْزَارِ أَوْ بَعْضِهِ، ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ، أَيْ: وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا إِلَيْهَا، حَتَّى وَلَوْ كَانَ أَبَاهَا أَوِ ابْنَهَا، كُلٌّ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ وَحَالِهِ، [كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ] [عَبَسَ: ٣٤-٣٧] . [[زيادة من ت.]] قَالَ [[في ت: "كما قال".]] عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ الْآيَةَ، قَالَ: هُوَ الجار يتعلق بجاره يوم الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، سَلْ هَذَا: لِمَ كَانَ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونِي. وَإِنَّ الْكَافِرَ لَيَتَعَلَّقُ بِالْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ لَهُ: يَا مُؤْمِنُ، إِنَّ لِي عِنْدَكَ يَدًا، قَدْ عَرَفْتَ كَيْفَ كُنْتُ لَكَ فِي الدُّنْيَا؟ وَقَدِ احْتَجْتُ إِلَيْكَ الْيَوْمَ، فَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يَشْفَعُ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ حَتَّى يَرُدَّهُ إِلَى [مَنْزِلٍ دُونَ] [[زيادة من ت، أ.]] مَنْزِلِهِ [[في ت: "في منزلة دون منزلته".]] ، وَهُوَ فِي النَّارِ. وَإِنَّ الْوَالِدَ لَيَتَعَلَّقُ بِوَلَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ، أَيُّ وَالِدٍ كنتُ لَكَ؟ فَيُثْنِي خَيْرًا، فَيَقُولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدِ احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى. فَيَقُولُ لَهُ وَلَدُهُ: يَا أَبَتِ، مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ، وَلَكِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ مَا تَتَخَوَّفُ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا، ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِزَوْجَتِهِ فَيَقُولُ: يَا فُلَانَةُ -أَوْ: يَا هَذِهِ-أَيُّ زَوْجٍ كُنْتُ لَكِ؟ فَتُثْنِي خَيْرًا، فَيَقُولُ لَهَا: إِنِّي أَطْلُبُ إِلَيْكِ حَسَنَةً وَاحِدَةً تَهَبِينَها لِي، لَعَلِّي أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَيْنَ. قَالَ: فَتَقُولُ: مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ. وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا، إِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَتَخَوَّفُ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ [[زيادة من ت، س، أ.]] الْآيَةَ، وَيَقُولُ اللَّهُ: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لُقْمَانَ: ٣٣] ، وَيَقُولُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الطَّهْرَانِيِّ [[في أ: "الطبراني".]] ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمة، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [[في س: "ينذر".]] أَيْ: إِنَّمَا يَتَّعِظُ بِمَا جِئْتَ بِهِ أُولُو الْبَصَائِرِ وَالنُّهَى، الْخَائِفُونَ مِنْ رَبِّهِمْ، الْفَاعِلُونَ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ أَيْ: ومَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّمَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى نَفْسِهِ، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أَيْ: وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، وَسَيَجْزِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شرًّا فشر.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس أنتم أولو الحاجة والفقر إلى ربكم فإياه فاعبدوا، وفي رضاه فسارعوا، يغنكم من فقركم، وتُنْجِح لديه حوائجكم ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن عبادتكم إياه وعن خدمتكم، وعن غير ذلك من الأشياء؛ منكم ومن غيركم ﴿الْحَمِيدُ﴾ يعني: المحمود على نعمه؛ فإن كل نعمة بكم وبغيركم فمنه، فله الحمد والشكر بكل حال. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن يشأ يهلككم أيها الناس ربكم، لأنه أنشأكم من غير ما حاجة به إليكم ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يقول: ويأت بخلق سواكم يطيعونه ويأتمرون لأمره وينتهون عمَّا نهاهم عنه. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: ويأت بغيركم. * * وقوله ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ يقول: وما إذهابكم والإتيان بخلق سواكم على الله بشديد، بل ذلك عليه يسير سهل، يقول: فاتقوا الله أيها الناس، وأطيعوه قبل أن يفعل بكم ذلك. * * وقوله ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ يقول تعالى ذكره: ولا تحمل آثمة إثم أخرى غيرها ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ يقول تعالى: وإن تسأل ذاتُ ثِقَل من الذنوب من يحمل عنها ذنوبها وتطلب ذلك لم تجد من يحمل عنها شيئًا منها ولو كان الذي سألته ذا قرابة من أب أو أخ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ يقول: يكون عليه وزر لا يجد أحدًا يحمل عنه من وزره شيئًا. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ كنحو ﴿لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ إلى ذنوبها ﴿لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: قريب القرابة منها، لايحمل من ذنوبها شيئًا، ولا تحمل على غيرها من ذنوبها شيئا ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ، ونصب "ذَا قُرْبَى" على تمام "كان" لأن معنى الكلام: ولو كان الذي تسأله أن يحمل عنها ذنوبها ذا قربى لها. وأنثت "مثقلة" لأنه ذهب بالكلام إلى النفس، كأنه قيل: وإن تدع نفس مثقلة من الذنوب إلى حمل ذنوبها، وإنما قيل كذلك لأن النفس تؤدي عن الذكر والأنثى كما قيل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ يعني بذلك: كل ذكر وأنثى. * * وقوله ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: إنما تنذر يا محمد الذين يخافون عقاب الله يوم القيامة من غير معاينة منهم لذلك، ولكن لإيمانهم بما أتيتهم به، وتصديقهم لك فيما أنباتهم عن الله، فهؤلاء الذين ينفعهم إنذارك ويتعظون بمواعظك، لا الذين طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قول: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي: يخشون النار. * * وقوله ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ يقول: وأدوا الصلاة المفروضة بحدودها على ما فرضها الله عليهم. * * وقوله ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فإِنَّمَا يَتَزكَّى لِنَفْسِهِ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن يتطهر من دنس الكفر والذنوب بالتوبة إلى الله، والإيمان به، والعمل بطاعته. فإنما يتطهر لنفسه، وذلك أنه يثيبها به رضا الله، والفوز بجنانه، والنجاة من عقابه الذي أعده لأهل الكفر به. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ أي: من يعمل صالحًا فإنما يعمله لنفسه. * * وقوله ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ يقول: وإلى الله مصير كل عامل منكم أيها الناس، مؤمنكم وكافركم، وبركم وفاجركم، وهو مجازٍ جميعكم بما قدم من خير وشر على ما أهل منه.
S’Il le voulait, Il vous anéantirait et créerait de nouvelles personnes qui L’adorent à votre place et ne Lui associent rien.
وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍۢ
Et cela n'est point difficile pour Allah.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى بِغَنَائِهِ عَمَّا سِوَاهُ، وَبِافْتِقَارِ الْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا إِلَيْهِ، وَتَذَلُّلِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: هُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنْهُمْ بِالذَّاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أَيْ: هُوَ الْمُنْفَرِدُ [[في ت، س: "المتفرد".]] بِالْغِنَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ الْحَمِيدُ فِي جَمِيعِ مَا يَفْعَلُهُ وَيَقُولُهُ، وَيُقَدِّرُهُ وَيُشَرِّعُهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أَيْ: لَوْ شَاءَ لَأَذْهَبَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَأَتَى بِقَوْمٍ غَيْرِكُمْ، وَمَا هَذَا عَلَيْهِ بِصَعْبٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ أَيْ: وَإِنْ تَدْعُ نَفْسٌ مُثْقَلَةٌ بِأَوْزَارِهَا إِلَى أَنْ تُسَاعَد عَلَى حَمْلِ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْأَوْزَارِ أَوْ بَعْضِهِ، ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ، أَيْ: وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا إِلَيْهَا، حَتَّى وَلَوْ كَانَ أَبَاهَا أَوِ ابْنَهَا، كُلٌّ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ وَحَالِهِ، [كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ] [عَبَسَ: ٣٤-٣٧] . [[زيادة من ت.]] قَالَ [[في ت: "كما قال".]] عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ الْآيَةَ، قَالَ: هُوَ الجار يتعلق بجاره يوم الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، سَلْ هَذَا: لِمَ كَانَ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونِي. وَإِنَّ الْكَافِرَ لَيَتَعَلَّقُ بِالْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ لَهُ: يَا مُؤْمِنُ، إِنَّ لِي عِنْدَكَ يَدًا، قَدْ عَرَفْتَ كَيْفَ كُنْتُ لَكَ فِي الدُّنْيَا؟ وَقَدِ احْتَجْتُ إِلَيْكَ الْيَوْمَ، فَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يَشْفَعُ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ حَتَّى يَرُدَّهُ إِلَى [مَنْزِلٍ دُونَ] [[زيادة من ت، أ.]] مَنْزِلِهِ [[في ت: "في منزلة دون منزلته".]] ، وَهُوَ فِي النَّارِ. وَإِنَّ الْوَالِدَ لَيَتَعَلَّقُ بِوَلَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ، أَيُّ وَالِدٍ كنتُ لَكَ؟ فَيُثْنِي خَيْرًا، فَيَقُولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدِ احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى. فَيَقُولُ لَهُ وَلَدُهُ: يَا أَبَتِ، مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ، وَلَكِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ مَا تَتَخَوَّفُ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا، ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِزَوْجَتِهِ فَيَقُولُ: يَا فُلَانَةُ -أَوْ: يَا هَذِهِ-أَيُّ زَوْجٍ كُنْتُ لَكِ؟ فَتُثْنِي خَيْرًا، فَيَقُولُ لَهَا: إِنِّي أَطْلُبُ إِلَيْكِ حَسَنَةً وَاحِدَةً تَهَبِينَها لِي، لَعَلِّي أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَيْنَ. قَالَ: فَتَقُولُ: مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ. وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا، إِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَتَخَوَّفُ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ [[زيادة من ت، س، أ.]] الْآيَةَ، وَيَقُولُ اللَّهُ: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لُقْمَانَ: ٣٣] ، وَيَقُولُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الطَّهْرَانِيِّ [[في أ: "الطبراني".]] ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمة، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [[في س: "ينذر".]] أَيْ: إِنَّمَا يَتَّعِظُ بِمَا جِئْتَ بِهِ أُولُو الْبَصَائِرِ وَالنُّهَى، الْخَائِفُونَ مِنْ رَبِّهِمْ، الْفَاعِلُونَ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ أَيْ: ومَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّمَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى نَفْسِهِ، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أَيْ: وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، وَسَيَجْزِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شرًّا فشر.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس أنتم أولو الحاجة والفقر إلى ربكم فإياه فاعبدوا، وفي رضاه فسارعوا، يغنكم من فقركم، وتُنْجِح لديه حوائجكم ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن عبادتكم إياه وعن خدمتكم، وعن غير ذلك من الأشياء؛ منكم ومن غيركم ﴿الْحَمِيدُ﴾ يعني: المحمود على نعمه؛ فإن كل نعمة بكم وبغيركم فمنه، فله الحمد والشكر بكل حال. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن يشأ يهلككم أيها الناس ربكم، لأنه أنشأكم من غير ما حاجة به إليكم ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يقول: ويأت بخلق سواكم يطيعونه ويأتمرون لأمره وينتهون عمَّا نهاهم عنه. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: ويأت بغيركم. * * وقوله ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ يقول: وما إذهابكم والإتيان بخلق سواكم على الله بشديد، بل ذلك عليه يسير سهل، يقول: فاتقوا الله أيها الناس، وأطيعوه قبل أن يفعل بكم ذلك. * * وقوله ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ يقول تعالى ذكره: ولا تحمل آثمة إثم أخرى غيرها ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ يقول تعالى: وإن تسأل ذاتُ ثِقَل من الذنوب من يحمل عنها ذنوبها وتطلب ذلك لم تجد من يحمل عنها شيئًا منها ولو كان الذي سألته ذا قرابة من أب أو أخ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ يقول: يكون عليه وزر لا يجد أحدًا يحمل عنه من وزره شيئًا. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ كنحو ﴿لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ إلى ذنوبها ﴿لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: قريب القرابة منها، لايحمل من ذنوبها شيئًا، ولا تحمل على غيرها من ذنوبها شيئا ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ، ونصب "ذَا قُرْبَى" على تمام "كان" لأن معنى الكلام: ولو كان الذي تسأله أن يحمل عنها ذنوبها ذا قربى لها. وأنثت "مثقلة" لأنه ذهب بالكلام إلى النفس، كأنه قيل: وإن تدع نفس مثقلة من الذنوب إلى حمل ذنوبها، وإنما قيل كذلك لأن النفس تؤدي عن الذكر والأنثى كما قيل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ يعني بذلك: كل ذكر وأنثى. * * وقوله ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: إنما تنذر يا محمد الذين يخافون عقاب الله يوم القيامة من غير معاينة منهم لذلك، ولكن لإيمانهم بما أتيتهم به، وتصديقهم لك فيما أنباتهم عن الله، فهؤلاء الذين ينفعهم إنذارك ويتعظون بمواعظك، لا الذين طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قول: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي: يخشون النار. * * وقوله ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ يقول: وأدوا الصلاة المفروضة بحدودها على ما فرضها الله عليهم. * * وقوله ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فإِنَّمَا يَتَزكَّى لِنَفْسِهِ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن يتطهر من دنس الكفر والذنوب بالتوبة إلى الله، والإيمان به، والعمل بطاعته. فإنما يتطهر لنفسه، وذلك أنه يثيبها به رضا الله، والفوز بجنانه، والنجاة من عقابه الذي أعده لأهل الكفر به. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ أي: من يعمل صالحًا فإنما يعمله لنفسه. * * وقوله ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ يقول: وإلى الله مصير كل عامل منكم أيها الناس، مؤمنكم وكافركم، وبركم وفاجركم، وهو مجازٍ جميعكم بما قدم من خير وشر على ما أهل منه.
Vous anéantir et créer d’autres personnes à votre place ne sont pas des tâches difficiles pour Allah.
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌۭ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰٓ ۗ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِۦ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ
Or, personne ne portera le fardeau d'autrui. Et si une âme surchargée [de péchés] appelle à l'aide, rien de sa charge ne sera supporté par une autre même si c'est un proche parent. Tu n'avertis en fait, que ceux qui craignent leur Seigneur malgré qu'ils ne Le voient pas, et qui accomplissent la Salât. Et quiconque se purifie ne se purifie que pour lui-même, et vers Allah est la destination.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى بِغَنَائِهِ عَمَّا سِوَاهُ، وَبِافْتِقَارِ الْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا إِلَيْهِ، وَتَذَلُّلِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: هُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنْهُمْ بِالذَّاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أَيْ: هُوَ الْمُنْفَرِدُ [[في ت، س: "المتفرد".]] بِالْغِنَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ الْحَمِيدُ فِي جَمِيعِ مَا يَفْعَلُهُ وَيَقُولُهُ، وَيُقَدِّرُهُ وَيُشَرِّعُهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أَيْ: لَوْ شَاءَ لَأَذْهَبَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَأَتَى بِقَوْمٍ غَيْرِكُمْ، وَمَا هَذَا عَلَيْهِ بِصَعْبٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ أَيْ: وَإِنْ تَدْعُ نَفْسٌ مُثْقَلَةٌ بِأَوْزَارِهَا إِلَى أَنْ تُسَاعَد عَلَى حَمْلِ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْأَوْزَارِ أَوْ بَعْضِهِ، ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ، أَيْ: وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا إِلَيْهَا، حَتَّى وَلَوْ كَانَ أَبَاهَا أَوِ ابْنَهَا، كُلٌّ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ وَحَالِهِ، [كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ] [عَبَسَ: ٣٤-٣٧] . [[زيادة من ت.]] قَالَ [[في ت: "كما قال".]] عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ الْآيَةَ، قَالَ: هُوَ الجار يتعلق بجاره يوم الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، سَلْ هَذَا: لِمَ كَانَ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونِي. وَإِنَّ الْكَافِرَ لَيَتَعَلَّقُ بِالْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ لَهُ: يَا مُؤْمِنُ، إِنَّ لِي عِنْدَكَ يَدًا، قَدْ عَرَفْتَ كَيْفَ كُنْتُ لَكَ فِي الدُّنْيَا؟ وَقَدِ احْتَجْتُ إِلَيْكَ الْيَوْمَ، فَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يَشْفَعُ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ حَتَّى يَرُدَّهُ إِلَى [مَنْزِلٍ دُونَ] [[زيادة من ت، أ.]] مَنْزِلِهِ [[في ت: "في منزلة دون منزلته".]] ، وَهُوَ فِي النَّارِ. وَإِنَّ الْوَالِدَ لَيَتَعَلَّقُ بِوَلَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ، أَيُّ وَالِدٍ كنتُ لَكَ؟ فَيُثْنِي خَيْرًا، فَيَقُولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدِ احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى. فَيَقُولُ لَهُ وَلَدُهُ: يَا أَبَتِ، مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ، وَلَكِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ مَا تَتَخَوَّفُ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا، ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِزَوْجَتِهِ فَيَقُولُ: يَا فُلَانَةُ -أَوْ: يَا هَذِهِ-أَيُّ زَوْجٍ كُنْتُ لَكِ؟ فَتُثْنِي خَيْرًا، فَيَقُولُ لَهَا: إِنِّي أَطْلُبُ إِلَيْكِ حَسَنَةً وَاحِدَةً تَهَبِينَها لِي، لَعَلِّي أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَيْنَ. قَالَ: فَتَقُولُ: مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ. وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا، إِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَتَخَوَّفُ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ [[زيادة من ت، س، أ.]] الْآيَةَ، وَيَقُولُ اللَّهُ: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لُقْمَانَ: ٣٣] ، وَيَقُولُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الطَّهْرَانِيِّ [[في أ: "الطبراني".]] ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمة، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [[في س: "ينذر".]] أَيْ: إِنَّمَا يَتَّعِظُ بِمَا جِئْتَ بِهِ أُولُو الْبَصَائِرِ وَالنُّهَى، الْخَائِفُونَ مِنْ رَبِّهِمْ، الْفَاعِلُونَ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ أَيْ: ومَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّمَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى نَفْسِهِ، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أَيْ: وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، وَسَيَجْزِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شرًّا فشر.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس أنتم أولو الحاجة والفقر إلى ربكم فإياه فاعبدوا، وفي رضاه فسارعوا، يغنكم من فقركم، وتُنْجِح لديه حوائجكم ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن عبادتكم إياه وعن خدمتكم، وعن غير ذلك من الأشياء؛ منكم ومن غيركم ﴿الْحَمِيدُ﴾ يعني: المحمود على نعمه؛ فإن كل نعمة بكم وبغيركم فمنه، فله الحمد والشكر بكل حال. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن يشأ يهلككم أيها الناس ربكم، لأنه أنشأكم من غير ما حاجة به إليكم ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يقول: ويأت بخلق سواكم يطيعونه ويأتمرون لأمره وينتهون عمَّا نهاهم عنه. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: ويأت بغيركم. * * وقوله ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ يقول: وما إذهابكم والإتيان بخلق سواكم على الله بشديد، بل ذلك عليه يسير سهل، يقول: فاتقوا الله أيها الناس، وأطيعوه قبل أن يفعل بكم ذلك. * * وقوله ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ يقول تعالى ذكره: ولا تحمل آثمة إثم أخرى غيرها ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ يقول تعالى: وإن تسأل ذاتُ ثِقَل من الذنوب من يحمل عنها ذنوبها وتطلب ذلك لم تجد من يحمل عنها شيئًا منها ولو كان الذي سألته ذا قرابة من أب أو أخ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ يقول: يكون عليه وزر لا يجد أحدًا يحمل عنه من وزره شيئًا. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ كنحو ﴿لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ إلى ذنوبها ﴿لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: قريب القرابة منها، لايحمل من ذنوبها شيئًا، ولا تحمل على غيرها من ذنوبها شيئا ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ، ونصب "ذَا قُرْبَى" على تمام "كان" لأن معنى الكلام: ولو كان الذي تسأله أن يحمل عنها ذنوبها ذا قربى لها. وأنثت "مثقلة" لأنه ذهب بالكلام إلى النفس، كأنه قيل: وإن تدع نفس مثقلة من الذنوب إلى حمل ذنوبها، وإنما قيل كذلك لأن النفس تؤدي عن الذكر والأنثى كما قيل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ يعني بذلك: كل ذكر وأنثى. * * وقوله ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: إنما تنذر يا محمد الذين يخافون عقاب الله يوم القيامة من غير معاينة منهم لذلك، ولكن لإيمانهم بما أتيتهم به، وتصديقهم لك فيما أنباتهم عن الله، فهؤلاء الذين ينفعهم إنذارك ويتعظون بمواعظك، لا الذين طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قول: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي: يخشون النار. * * وقوله ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ يقول: وأدوا الصلاة المفروضة بحدودها على ما فرضها الله عليهم. * * وقوله ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فإِنَّمَا يَتَزكَّى لِنَفْسِهِ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن يتطهر من دنس الكفر والذنوب بالتوبة إلى الله، والإيمان به، والعمل بطاعته. فإنما يتطهر لنفسه، وذلك أنه يثيبها به رضا الله، والفوز بجنانه، والنجاة من عقابه الذي أعده لأهل الكفر به. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ أي: من يعمل صالحًا فإنما يعمله لنفسه. * * وقوله ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ يقول: وإلى الله مصير كل عامل منكم أيها الناس، مؤمنكم وكافركم، وبركم وفاجركم، وهو مجازٍ جميعكم بما قدم من خير وشر على ما أهل منه.
Une âme pécheresse ne porte pas le péché d’une autre âme pécheresse: toute âme porte plutôt la charge des péchés qu’elle a elle-même commis. Si une âme surchargé de péchés demandait à ce qu’on les porte à sa place, personne ne les porterait, pas même quelqu’un de proche. Ô Messager, tu ne menaces du châtiment d’Allah que ceux qui craignent leur Seigneur, bien qu’ils ne Le voient pas, et accomplissent la prière de la manière la plus complète. Ce sont eux qui tirent avantage de ta menace et quiconque se purifie des péchés, dont le plus grave est le polythéisme, se purifie pour lui-même car Allah se passe de son obéissance, et c’est vers Allah que l’on retournera le Jour de la Resurrection afin de rendre des comptes et d’être rétribués.
وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ
L'aveugle et celui qui voit ne sont pas semblables,
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى: كَمَا لَا تَسْتَوِي هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْمُتَبَايِنَةُ الْمُخْتَلِفَةُ، كَالْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ لَا يَسْتَوِيَانِ، بَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَبَوْنٌ كَثِيرٌ، وَكَمَا لَا تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، كَذَلِكَ لَا تَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ، وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُمُ الْأَحْيَاءُ، وَلِلْكَافِرِينَ وَهُمُ الْأَمْوَاتُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأعْمَى وَالأصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا﴾ [هُودٍ: ٢٤] فَالْمُؤْمِنُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ فِي نُورٍ يَمْشِي، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، حَتَّى يَسْتَقِرَّ بِهِ الْحَالُ فِي الْجَنَّاتِ ذَاتِ الظِّلَالِ وَالْعُيُونِ، وَالْكَافِرُ أَعْمَى أَصَمُّ، فِي ظُلُمَاتٍ يَمْشِي، لَا خُرُوجَ لَهُ مِنْهَا، بَلْ هُوَ يَتِيهُ فِي غَيِّه وَضَلَالِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، حَتَّى يُفْضِيَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى الْحَرُورِ وَالسَّمُومِ وَالْحَمِيمِ، ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٤٣، ٤٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: يَهْدِيهِمْ إِلَى سَمَاعِ الْحُجَّةِ وَقَبُولِهَا وَالِانْقِيَادِ لَهَا ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أَيْ: كَمَا لَا [يَسْمَعُ وَ] [[زيادة من ت، أ.]] يَنْتَفِعُ الْأَمْوَاتُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَصَيْرُورَتِهِمْ إِلَى قُبُورِهِمْ، وَهُمْ كُفَّارٌ بِالْهِدَايَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهَا، كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كُتِب عَلَيْهِمُ الشَّقَاوَةُ لَا حيلةَ لَكَ فِيهِمْ، وَلَا تَسْتَطِيعُ هِدَايَتَهُمْ. ﴿إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ﴾ أَيْ: إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَالْإِنْذَارُ، وَاللَّهُ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أَيْ: بَشِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ وَنَذِيرًا لِلْكَافِرِينَ، ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ أَيْ: وَمَا مِنْ أُمَّةٍ خَلَتْ مِنْ بَنِي آدَمَ إِلَّا وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمُ النُّذر، وَأَزَاحَ عَنْهُمُ الْعِلَلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرَّعْدِ: ٧] ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ الْآيَةَ [النَّحْلِ:١٣٦] ، وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ. * * وَقَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وَهِيَ: الْمُعْجِزَاتُ الْبَاهِرَاتُ، وَالْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَاتُ، ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ وَهِيَ الْكُتُبُ، ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ أَيِ: الْوَاضِحُ الْبَيِّنُ. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ كَذّب أُولَئِكَ رسلَهم فيما جاؤوهم بِهِ، فَأَخَذْتُهُمْ، أَيْ: بِالْعِقَابِ وَالنَّكَالِ، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ رَأَيْتَ [[في ت: "رأيت كان".]] إِنْكَارِي عَلَيْهِمْ عَظِيمًا شَدِيدًا بَلِيغًا؟
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ (٢٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى﴾ عن دين الله الذي ابتعث به نبيه محمدا ﷺ ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ الذي قد أبصر فيه رشده؛ فاتبع محمدًا وصدقه، وقبل عن الله ما ابتعثه به ﴿وَلا الظُّلُمَاتُ﴾ يقول: وما تستوي ظلمات الكفر ونور الإيمان ﴿وَلا الظِّلُّ﴾ قيل: ولا الجنة ﴿وَلا الْحَرُورُ﴾ قيل: النار، كأن معناه عندهم: وما تستوي الجنة والنار، والحرور بمنزلة السموم، وهي الرياح الحارة. وذكر أَبو عبيدة معمر بن المثنى، عن رؤبة بن العجاج، أنه كان يقول: الحرور بالليل والسموم بالنهار. وأما أَبو عبيدة فإنه قال: الحرور في هذا الموضع والنهار مع الشمس، وأما الفراء فإنه كان يقول: الحرور يكون بالليل والنهار، والسموم لا يكون بالليل إنما يكون بالنهار. والقول في ذلك عندى: أن الحرور يكون بالليل والنهار، غير أنه في هذا الموضع بأن يكون كما قال أَبو عبيدة: أشبه مع الشمس لأن الظل إنما يكون في يوم شمس، فذلك يدل على أنه أريد بالحرور: الذي يوجد في حال وجود الظل. * * وقوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ﴾ يقول: وما يستوي الأحياء القلوب بالإيمان بالله ورسوله، ومعرفة تنزيل الله، والأموات القلوب لغلبة الكفر عليها، حتى صارت لا تعقل عن الله أمره ونهيه، ولا تعرف الهدى من الضلال، وكل هذه أمثال ضربها الله للمؤمن والإيمان والكافر والكفر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ ... ﴾ الآية، قال: هو مثل ضربه الله لأهل الطاعة وأهل المعصية؛ يقول: وما يستوي الأعمى والظلمات والحرور ولا الأموات، فهو مثل أهل المعصية، ولا يستوي البصير ولا النور ولا الظل والأحياء، فهو مثل أهل الطاعة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى ... ﴾ الآية، خلقًا فضل بعضه على بعض؛ فأما المؤمن فعبد حي الأثر، حي البصر، حي النية، حي العمل، وأما الكافر فعبد ميت؛ ميت البصر، ميت القلب، ميت العمل. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُوَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله؛ فالمؤمن بصير في دين الله، والكافر أعمى، كما لا يستوي الظل ولا الحرور ولا الأحياء ولا الأموات، فكذلك لا يستوي هذا المؤمن الذي يبصر دينه ولا هذا الأعمى، وقرأ ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ قال: الهدى الذي هداه الله به ونور له، هذا مثل ضربه الله لهذا المؤمن الذي يبصر دينه، وهذا الكافر الأعمى فجعل المؤمن حيًّا وجعل الكافر ميتًا ميت القلب ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ قال: هديناه إلى الإسلام كمن مثله في الظلمات أعمى القلب وهو في الظلمات، أهذا وهذا سواء؟. واختلف أهل العربية في وجه دخول "لا" مع حرف العطف في قوله ﴿وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ فقال بعض نحويي البصرة: قال: ولا الظل ولا الحرور، فيشبه أن تكون "لا" زائدة، لأنك لو قلت: لا يستوي عمرو ولا زيد في هذا المعنى لم يجز إلا أن تكون "لا" زائدة، وكان غيره يقول: إذا لم تدخل "لا" مع الواو، فإنما لم تدخل اكتفاء بدخولها في أول الكلام، فإذا أدخلت فإنه يراد بالكلام أن كل واحد منهما لا يساوي صاحبه، فكان معنى الكلام إذا أعيدت "لا" مع الواو عند صاحب هذا القول لا يساوي الأعمى البصير ولا يساوي البصير الأعمى، فكل واحد منهما لا يساوي صاحبه. * * وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ يقول تعالى ذكره: كما لا يقدر أن يسمع من في القبور كتاب الله فيهديهم به إلى سبيل الرشاد، فكذلك لا يقدر أن ينفع بمواعظ الله وبيان حججه من كان ميت القلب من أحياء عباده، عن معرفة الله، وفهم كتابه وتنزيله، وواضح حججه. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ كذلك الكافر لا يسمع، ولا ينتفع بما يسمع. * * وقوله ﴿إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ما أنت إلا نذير تنذر هؤلاء المشركين بالله الذين طبع الله على قلوبهم، ولم يرسلك ربك إليهم إلا لتبلغهم رسالته، ولم يكلفك من الأمر ما لا سبيل لك إليه، فأما اهتداؤهم وقبولهم منك ما جئتهم به فإن ذلك بيد الله لا بيدك ولا بيد غيرك من الناس؛ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن هم لم يستجيبوا لك.
Tout comme l’aveugle et le voyant ne sont pas semblables, le croyant et le mécréant ne le sont pas non plus.
وَلَا ٱلظُّلُمَٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ
ni les ténèbres et la lumière,
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى: كَمَا لَا تَسْتَوِي هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْمُتَبَايِنَةُ الْمُخْتَلِفَةُ، كَالْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ لَا يَسْتَوِيَانِ، بَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَبَوْنٌ كَثِيرٌ، وَكَمَا لَا تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، كَذَلِكَ لَا تَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ، وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُمُ الْأَحْيَاءُ، وَلِلْكَافِرِينَ وَهُمُ الْأَمْوَاتُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأعْمَى وَالأصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا﴾ [هُودٍ: ٢٤] فَالْمُؤْمِنُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ فِي نُورٍ يَمْشِي، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، حَتَّى يَسْتَقِرَّ بِهِ الْحَالُ فِي الْجَنَّاتِ ذَاتِ الظِّلَالِ وَالْعُيُونِ، وَالْكَافِرُ أَعْمَى أَصَمُّ، فِي ظُلُمَاتٍ يَمْشِي، لَا خُرُوجَ لَهُ مِنْهَا، بَلْ هُوَ يَتِيهُ فِي غَيِّه وَضَلَالِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، حَتَّى يُفْضِيَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى الْحَرُورِ وَالسَّمُومِ وَالْحَمِيمِ، ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٤٣، ٤٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: يَهْدِيهِمْ إِلَى سَمَاعِ الْحُجَّةِ وَقَبُولِهَا وَالِانْقِيَادِ لَهَا ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أَيْ: كَمَا لَا [يَسْمَعُ وَ] [[زيادة من ت، أ.]] يَنْتَفِعُ الْأَمْوَاتُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَصَيْرُورَتِهِمْ إِلَى قُبُورِهِمْ، وَهُمْ كُفَّارٌ بِالْهِدَايَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهَا، كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كُتِب عَلَيْهِمُ الشَّقَاوَةُ لَا حيلةَ لَكَ فِيهِمْ، وَلَا تَسْتَطِيعُ هِدَايَتَهُمْ. ﴿إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ﴾ أَيْ: إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَالْإِنْذَارُ، وَاللَّهُ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أَيْ: بَشِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ وَنَذِيرًا لِلْكَافِرِينَ، ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ أَيْ: وَمَا مِنْ أُمَّةٍ خَلَتْ مِنْ بَنِي آدَمَ إِلَّا وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمُ النُّذر، وَأَزَاحَ عَنْهُمُ الْعِلَلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرَّعْدِ: ٧] ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ الْآيَةَ [النَّحْلِ:١٣٦] ، وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ. * * وَقَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وَهِيَ: الْمُعْجِزَاتُ الْبَاهِرَاتُ، وَالْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَاتُ، ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ وَهِيَ الْكُتُبُ، ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ أَيِ: الْوَاضِحُ الْبَيِّنُ. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ كَذّب أُولَئِكَ رسلَهم فيما جاؤوهم بِهِ، فَأَخَذْتُهُمْ، أَيْ: بِالْعِقَابِ وَالنَّكَالِ، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ رَأَيْتَ [[في ت: "رأيت كان".]] إِنْكَارِي عَلَيْهِمْ عَظِيمًا شَدِيدًا بَلِيغًا؟
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ (٢٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى﴾ عن دين الله الذي ابتعث به نبيه محمدا ﷺ ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ الذي قد أبصر فيه رشده؛ فاتبع محمدًا وصدقه، وقبل عن الله ما ابتعثه به ﴿وَلا الظُّلُمَاتُ﴾ يقول: وما تستوي ظلمات الكفر ونور الإيمان ﴿وَلا الظِّلُّ﴾ قيل: ولا الجنة ﴿وَلا الْحَرُورُ﴾ قيل: النار، كأن معناه عندهم: وما تستوي الجنة والنار، والحرور بمنزلة السموم، وهي الرياح الحارة. وذكر أَبو عبيدة معمر بن المثنى، عن رؤبة بن العجاج، أنه كان يقول: الحرور بالليل والسموم بالنهار. وأما أَبو عبيدة فإنه قال: الحرور في هذا الموضع والنهار مع الشمس، وأما الفراء فإنه كان يقول: الحرور يكون بالليل والنهار، والسموم لا يكون بالليل إنما يكون بالنهار. والقول في ذلك عندى: أن الحرور يكون بالليل والنهار، غير أنه في هذا الموضع بأن يكون كما قال أَبو عبيدة: أشبه مع الشمس لأن الظل إنما يكون في يوم شمس، فذلك يدل على أنه أريد بالحرور: الذي يوجد في حال وجود الظل. * * وقوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ﴾ يقول: وما يستوي الأحياء القلوب بالإيمان بالله ورسوله، ومعرفة تنزيل الله، والأموات القلوب لغلبة الكفر عليها، حتى صارت لا تعقل عن الله أمره ونهيه، ولا تعرف الهدى من الضلال، وكل هذه أمثال ضربها الله للمؤمن والإيمان والكافر والكفر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ ... ﴾ الآية، قال: هو مثل ضربه الله لأهل الطاعة وأهل المعصية؛ يقول: وما يستوي الأعمى والظلمات والحرور ولا الأموات، فهو مثل أهل المعصية، ولا يستوي البصير ولا النور ولا الظل والأحياء، فهو مثل أهل الطاعة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى ... ﴾ الآية، خلقًا فضل بعضه على بعض؛ فأما المؤمن فعبد حي الأثر، حي البصر، حي النية، حي العمل، وأما الكافر فعبد ميت؛ ميت البصر، ميت القلب، ميت العمل. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُوَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله؛ فالمؤمن بصير في دين الله، والكافر أعمى، كما لا يستوي الظل ولا الحرور ولا الأحياء ولا الأموات، فكذلك لا يستوي هذا المؤمن الذي يبصر دينه ولا هذا الأعمى، وقرأ ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ قال: الهدى الذي هداه الله به ونور له، هذا مثل ضربه الله لهذا المؤمن الذي يبصر دينه، وهذا الكافر الأعمى فجعل المؤمن حيًّا وجعل الكافر ميتًا ميت القلب ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ قال: هديناه إلى الإسلام كمن مثله في الظلمات أعمى القلب وهو في الظلمات، أهذا وهذا سواء؟. واختلف أهل العربية في وجه دخول "لا" مع حرف العطف في قوله ﴿وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ فقال بعض نحويي البصرة: قال: ولا الظل ولا الحرور، فيشبه أن تكون "لا" زائدة، لأنك لو قلت: لا يستوي عمرو ولا زيد في هذا المعنى لم يجز إلا أن تكون "لا" زائدة، وكان غيره يقول: إذا لم تدخل "لا" مع الواو، فإنما لم تدخل اكتفاء بدخولها في أول الكلام، فإذا أدخلت فإنه يراد بالكلام أن كل واحد منهما لا يساوي صاحبه، فكان معنى الكلام إذا أعيدت "لا" مع الواو عند صاحب هذا القول لا يساوي الأعمى البصير ولا يساوي البصير الأعمى، فكل واحد منهما لا يساوي صاحبه. * * وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ يقول تعالى ذكره: كما لا يقدر أن يسمع من في القبور كتاب الله فيهديهم به إلى سبيل الرشاد، فكذلك لا يقدر أن ينفع بمواعظ الله وبيان حججه من كان ميت القلب من أحياء عباده، عن معرفة الله، وفهم كتابه وتنزيله، وواضح حججه. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ كذلك الكافر لا يسمع، ولا ينتفع بما يسمع. * * وقوله ﴿إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ما أنت إلا نذير تنذر هؤلاء المشركين بالله الذين طبع الله على قلوبهم، ولم يرسلك ربك إليهم إلا لتبلغهم رسالته، ولم يكلفك من الأمر ما لا سبيل لك إليه، فأما اهتداؤهم وقبولهم منك ما جئتهم به فإن ذلك بيد الله لا بيدك ولا بيد غيرك من الناس؛ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن هم لم يستجيبوا لك.
De même, la mécréance et la foi sont aussi dissemblables que les ténèbres et l’obscurité.
وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلْحَرُورُ
ni l'ombre et la chaleur ardente.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى: كَمَا لَا تَسْتَوِي هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْمُتَبَايِنَةُ الْمُخْتَلِفَةُ، كَالْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ لَا يَسْتَوِيَانِ، بَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَبَوْنٌ كَثِيرٌ، وَكَمَا لَا تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، كَذَلِكَ لَا تَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ، وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُمُ الْأَحْيَاءُ، وَلِلْكَافِرِينَ وَهُمُ الْأَمْوَاتُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأعْمَى وَالأصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا﴾ [هُودٍ: ٢٤] فَالْمُؤْمِنُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ فِي نُورٍ يَمْشِي، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، حَتَّى يَسْتَقِرَّ بِهِ الْحَالُ فِي الْجَنَّاتِ ذَاتِ الظِّلَالِ وَالْعُيُونِ، وَالْكَافِرُ أَعْمَى أَصَمُّ، فِي ظُلُمَاتٍ يَمْشِي، لَا خُرُوجَ لَهُ مِنْهَا، بَلْ هُوَ يَتِيهُ فِي غَيِّه وَضَلَالِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، حَتَّى يُفْضِيَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى الْحَرُورِ وَالسَّمُومِ وَالْحَمِيمِ، ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٤٣، ٤٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: يَهْدِيهِمْ إِلَى سَمَاعِ الْحُجَّةِ وَقَبُولِهَا وَالِانْقِيَادِ لَهَا ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أَيْ: كَمَا لَا [يَسْمَعُ وَ] [[زيادة من ت، أ.]] يَنْتَفِعُ الْأَمْوَاتُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَصَيْرُورَتِهِمْ إِلَى قُبُورِهِمْ، وَهُمْ كُفَّارٌ بِالْهِدَايَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهَا، كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كُتِب عَلَيْهِمُ الشَّقَاوَةُ لَا حيلةَ لَكَ فِيهِمْ، وَلَا تَسْتَطِيعُ هِدَايَتَهُمْ. ﴿إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ﴾ أَيْ: إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَالْإِنْذَارُ، وَاللَّهُ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أَيْ: بَشِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ وَنَذِيرًا لِلْكَافِرِينَ، ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ أَيْ: وَمَا مِنْ أُمَّةٍ خَلَتْ مِنْ بَنِي آدَمَ إِلَّا وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمُ النُّذر، وَأَزَاحَ عَنْهُمُ الْعِلَلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرَّعْدِ: ٧] ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ الْآيَةَ [النَّحْلِ:١٣٦] ، وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ. * * وَقَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وَهِيَ: الْمُعْجِزَاتُ الْبَاهِرَاتُ، وَالْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَاتُ، ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ وَهِيَ الْكُتُبُ، ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ أَيِ: الْوَاضِحُ الْبَيِّنُ. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ كَذّب أُولَئِكَ رسلَهم فيما جاؤوهم بِهِ، فَأَخَذْتُهُمْ، أَيْ: بِالْعِقَابِ وَالنَّكَالِ، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ رَأَيْتَ [[في ت: "رأيت كان".]] إِنْكَارِي عَلَيْهِمْ عَظِيمًا شَدِيدًا بَلِيغًا؟
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ (٢٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى﴾ عن دين الله الذي ابتعث به نبيه محمدا ﷺ ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ الذي قد أبصر فيه رشده؛ فاتبع محمدًا وصدقه، وقبل عن الله ما ابتعثه به ﴿وَلا الظُّلُمَاتُ﴾ يقول: وما تستوي ظلمات الكفر ونور الإيمان ﴿وَلا الظِّلُّ﴾ قيل: ولا الجنة ﴿وَلا الْحَرُورُ﴾ قيل: النار، كأن معناه عندهم: وما تستوي الجنة والنار، والحرور بمنزلة السموم، وهي الرياح الحارة. وذكر أَبو عبيدة معمر بن المثنى، عن رؤبة بن العجاج، أنه كان يقول: الحرور بالليل والسموم بالنهار. وأما أَبو عبيدة فإنه قال: الحرور في هذا الموضع والنهار مع الشمس، وأما الفراء فإنه كان يقول: الحرور يكون بالليل والنهار، والسموم لا يكون بالليل إنما يكون بالنهار. والقول في ذلك عندى: أن الحرور يكون بالليل والنهار، غير أنه في هذا الموضع بأن يكون كما قال أَبو عبيدة: أشبه مع الشمس لأن الظل إنما يكون في يوم شمس، فذلك يدل على أنه أريد بالحرور: الذي يوجد في حال وجود الظل. * * وقوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ﴾ يقول: وما يستوي الأحياء القلوب بالإيمان بالله ورسوله، ومعرفة تنزيل الله، والأموات القلوب لغلبة الكفر عليها، حتى صارت لا تعقل عن الله أمره ونهيه، ولا تعرف الهدى من الضلال، وكل هذه أمثال ضربها الله للمؤمن والإيمان والكافر والكفر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ ... ﴾ الآية، قال: هو مثل ضربه الله لأهل الطاعة وأهل المعصية؛ يقول: وما يستوي الأعمى والظلمات والحرور ولا الأموات، فهو مثل أهل المعصية، ولا يستوي البصير ولا النور ولا الظل والأحياء، فهو مثل أهل الطاعة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى ... ﴾ الآية، خلقًا فضل بعضه على بعض؛ فأما المؤمن فعبد حي الأثر، حي البصر، حي النية، حي العمل، وأما الكافر فعبد ميت؛ ميت البصر، ميت القلب، ميت العمل. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُوَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله؛ فالمؤمن بصير في دين الله، والكافر أعمى، كما لا يستوي الظل ولا الحرور ولا الأحياء ولا الأموات، فكذلك لا يستوي هذا المؤمن الذي يبصر دينه ولا هذا الأعمى، وقرأ ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ قال: الهدى الذي هداه الله به ونور له، هذا مثل ضربه الله لهذا المؤمن الذي يبصر دينه، وهذا الكافر الأعمى فجعل المؤمن حيًّا وجعل الكافر ميتًا ميت القلب ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ قال: هديناه إلى الإسلام كمن مثله في الظلمات أعمى القلب وهو في الظلمات، أهذا وهذا سواء؟. واختلف أهل العربية في وجه دخول "لا" مع حرف العطف في قوله ﴿وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ فقال بعض نحويي البصرة: قال: ولا الظل ولا الحرور، فيشبه أن تكون "لا" زائدة، لأنك لو قلت: لا يستوي عمرو ولا زيد في هذا المعنى لم يجز إلا أن تكون "لا" زائدة، وكان غيره يقول: إذا لم تدخل "لا" مع الواو، فإنما لم تدخل اكتفاء بدخولها في أول الكلام، فإذا أدخلت فإنه يراد بالكلام أن كل واحد منهما لا يساوي صاحبه، فكان معنى الكلام إذا أعيدت "لا" مع الواو عند صاحب هذا القول لا يساوي الأعمى البصير ولا يساوي البصير الأعمى، فكل واحد منهما لا يساوي صاحبه. * * وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ يقول تعالى ذكره: كما لا يقدر أن يسمع من في القبور كتاب الله فيهديهم به إلى سبيل الرشاد، فكذلك لا يقدر أن ينفع بمواعظ الله وبيان حججه من كان ميت القلب من أحياء عباده، عن معرفة الله، وفهم كتابه وتنزيله، وواضح حججه. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ كذلك الكافر لا يسمع، ولا ينتفع بما يسمع. * * وقوله ﴿إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ما أنت إلا نذير تنذر هؤلاء المشركين بالله الذين طبع الله على قلوبهم، ولم يرسلك ربك إليهم إلا لتبلغهم رسالته، ولم يكلفك من الأمر ما لا سبيل لك إليه، فأما اهتداؤهم وقبولهم منك ما جئتهم به فإن ذلك بيد الله لا بيدك ولا بيد غيرك من الناس؛ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن هم لم يستجيبوا لك.
Les effets du Paradis et de l’Enfer sont aussi différents que sont les effets de l’ombre et de la chaleur.
وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَحْيَآءُ وَلَا ٱلْأَمْوَٰتُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍۢ مَّن فِى ٱلْقُبُورِ
De même, ne sont pas semblables les vivants et les morts. Allah fait entendre qui Il veut, alors que toi [Muhammad], tu ne peux faire entendre ceux qui sont dans les tombeaux.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى: كَمَا لَا تَسْتَوِي هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْمُتَبَايِنَةُ الْمُخْتَلِفَةُ، كَالْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ لَا يَسْتَوِيَانِ، بَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَبَوْنٌ كَثِيرٌ، وَكَمَا لَا تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، كَذَلِكَ لَا تَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ، وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُمُ الْأَحْيَاءُ، وَلِلْكَافِرِينَ وَهُمُ الْأَمْوَاتُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأعْمَى وَالأصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا﴾ [هُودٍ: ٢٤] فَالْمُؤْمِنُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ فِي نُورٍ يَمْشِي، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، حَتَّى يَسْتَقِرَّ بِهِ الْحَالُ فِي الْجَنَّاتِ ذَاتِ الظِّلَالِ وَالْعُيُونِ، وَالْكَافِرُ أَعْمَى أَصَمُّ، فِي ظُلُمَاتٍ يَمْشِي، لَا خُرُوجَ لَهُ مِنْهَا، بَلْ هُوَ يَتِيهُ فِي غَيِّه وَضَلَالِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، حَتَّى يُفْضِيَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى الْحَرُورِ وَالسَّمُومِ وَالْحَمِيمِ، ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٤٣، ٤٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: يَهْدِيهِمْ إِلَى سَمَاعِ الْحُجَّةِ وَقَبُولِهَا وَالِانْقِيَادِ لَهَا ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أَيْ: كَمَا لَا [يَسْمَعُ وَ] [[زيادة من ت، أ.]] يَنْتَفِعُ الْأَمْوَاتُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَصَيْرُورَتِهِمْ إِلَى قُبُورِهِمْ، وَهُمْ كُفَّارٌ بِالْهِدَايَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهَا، كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كُتِب عَلَيْهِمُ الشَّقَاوَةُ لَا حيلةَ لَكَ فِيهِمْ، وَلَا تَسْتَطِيعُ هِدَايَتَهُمْ. ﴿إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ﴾ أَيْ: إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَالْإِنْذَارُ، وَاللَّهُ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أَيْ: بَشِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ وَنَذِيرًا لِلْكَافِرِينَ، ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ أَيْ: وَمَا مِنْ أُمَّةٍ خَلَتْ مِنْ بَنِي آدَمَ إِلَّا وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمُ النُّذر، وَأَزَاحَ عَنْهُمُ الْعِلَلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرَّعْدِ: ٧] ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ الْآيَةَ [النَّحْلِ:١٣٦] ، وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ. * * وَقَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وَهِيَ: الْمُعْجِزَاتُ الْبَاهِرَاتُ، وَالْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَاتُ، ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ وَهِيَ الْكُتُبُ، ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ أَيِ: الْوَاضِحُ الْبَيِّنُ. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ كَذّب أُولَئِكَ رسلَهم فيما جاؤوهم بِهِ، فَأَخَذْتُهُمْ، أَيْ: بِالْعِقَابِ وَالنَّكَالِ، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ رَأَيْتَ [[في ت: "رأيت كان".]] إِنْكَارِي عَلَيْهِمْ عَظِيمًا شَدِيدًا بَلِيغًا؟
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ (٢٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى﴾ عن دين الله الذي ابتعث به نبيه محمدا ﷺ ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ الذي قد أبصر فيه رشده؛ فاتبع محمدًا وصدقه، وقبل عن الله ما ابتعثه به ﴿وَلا الظُّلُمَاتُ﴾ يقول: وما تستوي ظلمات الكفر ونور الإيمان ﴿وَلا الظِّلُّ﴾ قيل: ولا الجنة ﴿وَلا الْحَرُورُ﴾ قيل: النار، كأن معناه عندهم: وما تستوي الجنة والنار، والحرور بمنزلة السموم، وهي الرياح الحارة. وذكر أَبو عبيدة معمر بن المثنى، عن رؤبة بن العجاج، أنه كان يقول: الحرور بالليل والسموم بالنهار. وأما أَبو عبيدة فإنه قال: الحرور في هذا الموضع والنهار مع الشمس، وأما الفراء فإنه كان يقول: الحرور يكون بالليل والنهار، والسموم لا يكون بالليل إنما يكون بالنهار. والقول في ذلك عندى: أن الحرور يكون بالليل والنهار، غير أنه في هذا الموضع بأن يكون كما قال أَبو عبيدة: أشبه مع الشمس لأن الظل إنما يكون في يوم شمس، فذلك يدل على أنه أريد بالحرور: الذي يوجد في حال وجود الظل. * * وقوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ﴾ يقول: وما يستوي الأحياء القلوب بالإيمان بالله ورسوله، ومعرفة تنزيل الله، والأموات القلوب لغلبة الكفر عليها، حتى صارت لا تعقل عن الله أمره ونهيه، ولا تعرف الهدى من الضلال، وكل هذه أمثال ضربها الله للمؤمن والإيمان والكافر والكفر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ ... ﴾ الآية، قال: هو مثل ضربه الله لأهل الطاعة وأهل المعصية؛ يقول: وما يستوي الأعمى والظلمات والحرور ولا الأموات، فهو مثل أهل المعصية، ولا يستوي البصير ولا النور ولا الظل والأحياء، فهو مثل أهل الطاعة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى ... ﴾ الآية، خلقًا فضل بعضه على بعض؛ فأما المؤمن فعبد حي الأثر، حي البصر، حي النية، حي العمل، وأما الكافر فعبد ميت؛ ميت البصر، ميت القلب، ميت العمل. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُوَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله؛ فالمؤمن بصير في دين الله، والكافر أعمى، كما لا يستوي الظل ولا الحرور ولا الأحياء ولا الأموات، فكذلك لا يستوي هذا المؤمن الذي يبصر دينه ولا هذا الأعمى، وقرأ ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ قال: الهدى الذي هداه الله به ونور له، هذا مثل ضربه الله لهذا المؤمن الذي يبصر دينه، وهذا الكافر الأعمى فجعل المؤمن حيًّا وجعل الكافر ميتًا ميت القلب ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ قال: هديناه إلى الإسلام كمن مثله في الظلمات أعمى القلب وهو في الظلمات، أهذا وهذا سواء؟. واختلف أهل العربية في وجه دخول "لا" مع حرف العطف في قوله ﴿وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ فقال بعض نحويي البصرة: قال: ولا الظل ولا الحرور، فيشبه أن تكون "لا" زائدة، لأنك لو قلت: لا يستوي عمرو ولا زيد في هذا المعنى لم يجز إلا أن تكون "لا" زائدة، وكان غيره يقول: إذا لم تدخل "لا" مع الواو، فإنما لم تدخل اكتفاء بدخولها في أول الكلام، فإذا أدخلت فإنه يراد بالكلام أن كل واحد منهما لا يساوي صاحبه، فكان معنى الكلام إذا أعيدت "لا" مع الواو عند صاحب هذا القول لا يساوي الأعمى البصير ولا يساوي البصير الأعمى، فكل واحد منهما لا يساوي صاحبه. * * وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ يقول تعالى ذكره: كما لا يقدر أن يسمع من في القبور كتاب الله فيهديهم به إلى سبيل الرشاد، فكذلك لا يقدر أن ينفع بمواعظ الله وبيان حججه من كان ميت القلب من أحياء عباده، عن معرفة الله، وفهم كتابه وتنزيله، وواضح حججه. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ كذلك الكافر لا يسمع، ولا ينتفع بما يسمع. * * وقوله ﴿إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ما أنت إلا نذير تنذر هؤلاء المشركين بالله الذين طبع الله على قلوبهم، ولم يرسلك ربك إليهم إلا لتبلغهم رسالته، ولم يكلفك من الأمر ما لا سبيل لك إليه، فأما اهتداؤهم وقبولهم منك ما جئتهم به فإن ذلك بيد الله لا بيدك ولا بيد غيرك من الناس؛ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن هم لم يستجيبوا لك.
Les croyants et les mécréants sont aussi dissemblables que les vivants et les morts. Allah fait entendre ceux qu’Il veut guider et toi, ô Messager, tu n’as pas le pouvoir de faire entendre les mécréants, qui sont aussi insensibles que les morts enterrés dans les tombes.
إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ
Tu n'es qu'un avertisseur.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى: كَمَا لَا تَسْتَوِي هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْمُتَبَايِنَةُ الْمُخْتَلِفَةُ، كَالْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ لَا يَسْتَوِيَانِ، بَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَبَوْنٌ كَثِيرٌ، وَكَمَا لَا تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، كَذَلِكَ لَا تَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ، وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُمُ الْأَحْيَاءُ، وَلِلْكَافِرِينَ وَهُمُ الْأَمْوَاتُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأعْمَى وَالأصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا﴾ [هُودٍ: ٢٤] فَالْمُؤْمِنُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ فِي نُورٍ يَمْشِي، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، حَتَّى يَسْتَقِرَّ بِهِ الْحَالُ فِي الْجَنَّاتِ ذَاتِ الظِّلَالِ وَالْعُيُونِ، وَالْكَافِرُ أَعْمَى أَصَمُّ، فِي ظُلُمَاتٍ يَمْشِي، لَا خُرُوجَ لَهُ مِنْهَا، بَلْ هُوَ يَتِيهُ فِي غَيِّه وَضَلَالِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، حَتَّى يُفْضِيَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى الْحَرُورِ وَالسَّمُومِ وَالْحَمِيمِ، ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٤٣، ٤٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: يَهْدِيهِمْ إِلَى سَمَاعِ الْحُجَّةِ وَقَبُولِهَا وَالِانْقِيَادِ لَهَا ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أَيْ: كَمَا لَا [يَسْمَعُ وَ] [[زيادة من ت، أ.]] يَنْتَفِعُ الْأَمْوَاتُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَصَيْرُورَتِهِمْ إِلَى قُبُورِهِمْ، وَهُمْ كُفَّارٌ بِالْهِدَايَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهَا، كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كُتِب عَلَيْهِمُ الشَّقَاوَةُ لَا حيلةَ لَكَ فِيهِمْ، وَلَا تَسْتَطِيعُ هِدَايَتَهُمْ. ﴿إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ﴾ أَيْ: إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَالْإِنْذَارُ، وَاللَّهُ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أَيْ: بَشِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ وَنَذِيرًا لِلْكَافِرِينَ، ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ أَيْ: وَمَا مِنْ أُمَّةٍ خَلَتْ مِنْ بَنِي آدَمَ إِلَّا وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمُ النُّذر، وَأَزَاحَ عَنْهُمُ الْعِلَلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرَّعْدِ: ٧] ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ الْآيَةَ [النَّحْلِ:١٣٦] ، وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ. * * وَقَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وَهِيَ: الْمُعْجِزَاتُ الْبَاهِرَاتُ، وَالْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَاتُ، ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ وَهِيَ الْكُتُبُ، ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ أَيِ: الْوَاضِحُ الْبَيِّنُ. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ كَذّب أُولَئِكَ رسلَهم فيما جاؤوهم بِهِ، فَأَخَذْتُهُمْ، أَيْ: بِالْعِقَابِ وَالنَّكَالِ، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ رَأَيْتَ [[في ت: "رأيت كان".]] إِنْكَارِي عَلَيْهِمْ عَظِيمًا شَدِيدًا بَلِيغًا؟
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ (٢٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى﴾ عن دين الله الذي ابتعث به نبيه محمدا ﷺ ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ الذي قد أبصر فيه رشده؛ فاتبع محمدًا وصدقه، وقبل عن الله ما ابتعثه به ﴿وَلا الظُّلُمَاتُ﴾ يقول: وما تستوي ظلمات الكفر ونور الإيمان ﴿وَلا الظِّلُّ﴾ قيل: ولا الجنة ﴿وَلا الْحَرُورُ﴾ قيل: النار، كأن معناه عندهم: وما تستوي الجنة والنار، والحرور بمنزلة السموم، وهي الرياح الحارة. وذكر أَبو عبيدة معمر بن المثنى، عن رؤبة بن العجاج، أنه كان يقول: الحرور بالليل والسموم بالنهار. وأما أَبو عبيدة فإنه قال: الحرور في هذا الموضع والنهار مع الشمس، وأما الفراء فإنه كان يقول: الحرور يكون بالليل والنهار، والسموم لا يكون بالليل إنما يكون بالنهار. والقول في ذلك عندى: أن الحرور يكون بالليل والنهار، غير أنه في هذا الموضع بأن يكون كما قال أَبو عبيدة: أشبه مع الشمس لأن الظل إنما يكون في يوم شمس، فذلك يدل على أنه أريد بالحرور: الذي يوجد في حال وجود الظل. * * وقوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ﴾ يقول: وما يستوي الأحياء القلوب بالإيمان بالله ورسوله، ومعرفة تنزيل الله، والأموات القلوب لغلبة الكفر عليها، حتى صارت لا تعقل عن الله أمره ونهيه، ولا تعرف الهدى من الضلال، وكل هذه أمثال ضربها الله للمؤمن والإيمان والكافر والكفر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ ... ﴾ الآية، قال: هو مثل ضربه الله لأهل الطاعة وأهل المعصية؛ يقول: وما يستوي الأعمى والظلمات والحرور ولا الأموات، فهو مثل أهل المعصية، ولا يستوي البصير ولا النور ولا الظل والأحياء، فهو مثل أهل الطاعة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى ... ﴾ الآية، خلقًا فضل بعضه على بعض؛ فأما المؤمن فعبد حي الأثر، حي البصر، حي النية، حي العمل، وأما الكافر فعبد ميت؛ ميت البصر، ميت القلب، ميت العمل. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُوَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله؛ فالمؤمن بصير في دين الله، والكافر أعمى، كما لا يستوي الظل ولا الحرور ولا الأحياء ولا الأموات، فكذلك لا يستوي هذا المؤمن الذي يبصر دينه ولا هذا الأعمى، وقرأ ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ قال: الهدى الذي هداه الله به ونور له، هذا مثل ضربه الله لهذا المؤمن الذي يبصر دينه، وهذا الكافر الأعمى فجعل المؤمن حيًّا وجعل الكافر ميتًا ميت القلب ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ قال: هديناه إلى الإسلام كمن مثله في الظلمات أعمى القلب وهو في الظلمات، أهذا وهذا سواء؟. واختلف أهل العربية في وجه دخول "لا" مع حرف العطف في قوله ﴿وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ فقال بعض نحويي البصرة: قال: ولا الظل ولا الحرور، فيشبه أن تكون "لا" زائدة، لأنك لو قلت: لا يستوي عمرو ولا زيد في هذا المعنى لم يجز إلا أن تكون "لا" زائدة، وكان غيره يقول: إذا لم تدخل "لا" مع الواو، فإنما لم تدخل اكتفاء بدخولها في أول الكلام، فإذا أدخلت فإنه يراد بالكلام أن كل واحد منهما لا يساوي صاحبه، فكان معنى الكلام إذا أعيدت "لا" مع الواو عند صاحب هذا القول لا يساوي الأعمى البصير ولا يساوي البصير الأعمى، فكل واحد منهما لا يساوي صاحبه. * * وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ يقول تعالى ذكره: كما لا يقدر أن يسمع من في القبور كتاب الله فيهديهم به إلى سبيل الرشاد، فكذلك لا يقدر أن ينفع بمواعظ الله وبيان حججه من كان ميت القلب من أحياء عباده، عن معرفة الله، وفهم كتابه وتنزيله، وواضح حججه. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ كذلك الكافر لا يسمع، ولا ينتفع بما يسمع. * * وقوله ﴿إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ما أنت إلا نذير تنذر هؤلاء المشركين بالله الذين طبع الله على قلوبهم، ولم يرسلك ربك إليهم إلا لتبلغهم رسالته، ولم يكلفك من الأمر ما لا سبيل لك إليه، فأما اهتداؤهم وقبولهم منك ما جئتهم به فإن ذلك بيد الله لا بيدك ولا بيد غيرك من الناس؛ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن هم لم يستجيبوا لك.
Il ne t’appartient que de les avertir du châtiment d’Allah.
إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا ۚ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌۭ
Nous t'avons envoyé avec la Vérité en tant qu'annonciateur et avertisseur. Il n'est pas une nation qui n'ait déjà eu un avertisseur.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى: كَمَا لَا تَسْتَوِي هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْمُتَبَايِنَةُ الْمُخْتَلِفَةُ، كَالْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ لَا يَسْتَوِيَانِ، بَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَبَوْنٌ كَثِيرٌ، وَكَمَا لَا تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، كَذَلِكَ لَا تَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ، وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُمُ الْأَحْيَاءُ، وَلِلْكَافِرِينَ وَهُمُ الْأَمْوَاتُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأعْمَى وَالأصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا﴾ [هُودٍ: ٢٤] فَالْمُؤْمِنُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ فِي نُورٍ يَمْشِي، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، حَتَّى يَسْتَقِرَّ بِهِ الْحَالُ فِي الْجَنَّاتِ ذَاتِ الظِّلَالِ وَالْعُيُونِ، وَالْكَافِرُ أَعْمَى أَصَمُّ، فِي ظُلُمَاتٍ يَمْشِي، لَا خُرُوجَ لَهُ مِنْهَا، بَلْ هُوَ يَتِيهُ فِي غَيِّه وَضَلَالِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، حَتَّى يُفْضِيَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى الْحَرُورِ وَالسَّمُومِ وَالْحَمِيمِ، ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٤٣، ٤٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: يَهْدِيهِمْ إِلَى سَمَاعِ الْحُجَّةِ وَقَبُولِهَا وَالِانْقِيَادِ لَهَا ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أَيْ: كَمَا لَا [يَسْمَعُ وَ] [[زيادة من ت، أ.]] يَنْتَفِعُ الْأَمْوَاتُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَصَيْرُورَتِهِمْ إِلَى قُبُورِهِمْ، وَهُمْ كُفَّارٌ بِالْهِدَايَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهَا، كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كُتِب عَلَيْهِمُ الشَّقَاوَةُ لَا حيلةَ لَكَ فِيهِمْ، وَلَا تَسْتَطِيعُ هِدَايَتَهُمْ. ﴿إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ﴾ أَيْ: إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَالْإِنْذَارُ، وَاللَّهُ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أَيْ: بَشِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ وَنَذِيرًا لِلْكَافِرِينَ، ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ أَيْ: وَمَا مِنْ أُمَّةٍ خَلَتْ مِنْ بَنِي آدَمَ إِلَّا وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمُ النُّذر، وَأَزَاحَ عَنْهُمُ الْعِلَلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرَّعْدِ: ٧] ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ الْآيَةَ [النَّحْلِ:١٣٦] ، وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ. * * وَقَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وَهِيَ: الْمُعْجِزَاتُ الْبَاهِرَاتُ، وَالْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَاتُ، ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ وَهِيَ الْكُتُبُ، ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ أَيِ: الْوَاضِحُ الْبَيِّنُ. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ كَذّب أُولَئِكَ رسلَهم فيما جاؤوهم بِهِ، فَأَخَذْتُهُمْ، أَيْ: بِالْعِقَابِ وَالنَّكَالِ، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ رَأَيْتَ [[في ت: "رأيت كان".]] إِنْكَارِي عَلَيْهِمْ عَظِيمًا شَدِيدًا بَلِيغًا؟
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦) ﴾ يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد ﴿بِالْحَقِّ﴾ وهو الإيمان بالله وشرائع الدين التي افترضها على عباده ﴿بَشِيرًا﴾ يقول: مبشرًا بالجنة من صدقك وقبل منك ما جئت به من عند الله من النصيحة ﴿وَنَذِيرًا﴾ تنذر الناس مَن كذبك ورد عليك ما جئت به من عند الله من النصيحة ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ يقول: وما من أمة من الأمم الدائنة بملة إلا خلا فيها من قبلك نذير ينذرهم بأسنا على كفرهم بالله. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ كل أمة كان لها رسول. * * وقوله ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يقول تعالى ذكره مسليًا نبيه ﷺ فيما يلقى من مشركي قومه من التكذيب: وإن يكذبك يا محمد مشركو قومك فقد كذب الذين من قبلهم من الأمم الذين جاءتهم رسلهم بالبينات، يقول: بحجج من الله واضحة، وبالزبر يقول: وجاءتهم بالكتب من عند الله. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ﴾ أي: الكتب. * * وقوله ﴿بِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ يقول: وجاءهم من الله الكتاب المنير لمن تأمله وتدبره أنه الحق. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ يضعف الشيء وهو واحد. * * وقوله ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم أهلكنا الذين جحدوا رسالة رسلنا، وحقيقة ما دعوهم إليه من آياتنا وأصروا على جحودهم ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِير﴾ يقول: فانظر يا محمد كيف كان تغييري بهم وحلول عقوبتي بهم.
Ô Messager, Nous t’avons envoyé muni de la vérité indubitable afin de réjouir les croyants par l’annonce de la rétribution généreuse que leur réserve Allah et d’avertir les mécréants contre le châtiment douloureux qu’Il leur réserve. Il n’existe pas de peuple à qui un messager n’a pas été envoyé par Allah afin de l’avertir contre Son châtiment.
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُنِيرِ
Et s'ils te traitent de menteur, eh bien, ceux d'avant eux avaient traité (leurs Messagers) de menteurs, cependant que leurs Messagers leur avaient apporté les preuves, les Ecrits et le Livre illuminant.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى: كَمَا لَا تَسْتَوِي هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْمُتَبَايِنَةُ الْمُخْتَلِفَةُ، كَالْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ لَا يَسْتَوِيَانِ، بَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَبَوْنٌ كَثِيرٌ، وَكَمَا لَا تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، كَذَلِكَ لَا تَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ، وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُمُ الْأَحْيَاءُ، وَلِلْكَافِرِينَ وَهُمُ الْأَمْوَاتُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأعْمَى وَالأصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا﴾ [هُودٍ: ٢٤] فَالْمُؤْمِنُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ فِي نُورٍ يَمْشِي، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، حَتَّى يَسْتَقِرَّ بِهِ الْحَالُ فِي الْجَنَّاتِ ذَاتِ الظِّلَالِ وَالْعُيُونِ، وَالْكَافِرُ أَعْمَى أَصَمُّ، فِي ظُلُمَاتٍ يَمْشِي، لَا خُرُوجَ لَهُ مِنْهَا، بَلْ هُوَ يَتِيهُ فِي غَيِّه وَضَلَالِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، حَتَّى يُفْضِيَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى الْحَرُورِ وَالسَّمُومِ وَالْحَمِيمِ، ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٤٣، ٤٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: يَهْدِيهِمْ إِلَى سَمَاعِ الْحُجَّةِ وَقَبُولِهَا وَالِانْقِيَادِ لَهَا ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أَيْ: كَمَا لَا [يَسْمَعُ وَ] [[زيادة من ت، أ.]] يَنْتَفِعُ الْأَمْوَاتُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَصَيْرُورَتِهِمْ إِلَى قُبُورِهِمْ، وَهُمْ كُفَّارٌ بِالْهِدَايَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهَا، كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كُتِب عَلَيْهِمُ الشَّقَاوَةُ لَا حيلةَ لَكَ فِيهِمْ، وَلَا تَسْتَطِيعُ هِدَايَتَهُمْ. ﴿إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ﴾ أَيْ: إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَالْإِنْذَارُ، وَاللَّهُ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أَيْ: بَشِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ وَنَذِيرًا لِلْكَافِرِينَ، ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ أَيْ: وَمَا مِنْ أُمَّةٍ خَلَتْ مِنْ بَنِي آدَمَ إِلَّا وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمُ النُّذر، وَأَزَاحَ عَنْهُمُ الْعِلَلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرَّعْدِ: ٧] ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ الْآيَةَ [النَّحْلِ:١٣٦] ، وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ. * * وَقَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وَهِيَ: الْمُعْجِزَاتُ الْبَاهِرَاتُ، وَالْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَاتُ، ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ وَهِيَ الْكُتُبُ، ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ أَيِ: الْوَاضِحُ الْبَيِّنُ. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ كَذّب أُولَئِكَ رسلَهم فيما جاؤوهم بِهِ، فَأَخَذْتُهُمْ، أَيْ: بِالْعِقَابِ وَالنَّكَالِ، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ رَأَيْتَ [[في ت: "رأيت كان".]] إِنْكَارِي عَلَيْهِمْ عَظِيمًا شَدِيدًا بَلِيغًا؟
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦) ﴾ يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد ﴿بِالْحَقِّ﴾ وهو الإيمان بالله وشرائع الدين التي افترضها على عباده ﴿بَشِيرًا﴾ يقول: مبشرًا بالجنة من صدقك وقبل منك ما جئت به من عند الله من النصيحة ﴿وَنَذِيرًا﴾ تنذر الناس مَن كذبك ورد عليك ما جئت به من عند الله من النصيحة ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ يقول: وما من أمة من الأمم الدائنة بملة إلا خلا فيها من قبلك نذير ينذرهم بأسنا على كفرهم بالله. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ كل أمة كان لها رسول. * * وقوله ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يقول تعالى ذكره مسليًا نبيه ﷺ فيما يلقى من مشركي قومه من التكذيب: وإن يكذبك يا محمد مشركو قومك فقد كذب الذين من قبلهم من الأمم الذين جاءتهم رسلهم بالبينات، يقول: بحجج من الله واضحة، وبالزبر يقول: وجاءتهم بالكتب من عند الله. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ﴾ أي: الكتب. * * وقوله ﴿بِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ يقول: وجاءهم من الله الكتاب المنير لمن تأمله وتدبره أنه الحق. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ يضعف الشيء وهو واحد. * * وقوله ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم أهلكنا الذين جحدوا رسالة رسلنا، وحقيقة ما دعوهم إليه من آياتنا وأصروا على جحودهم ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِير﴾ يقول: فانظر يا محمد كيف كان تغييري بهم وحلول عقوبتي بهم.
Ô Messager, si les tiens te traitent de menteur, montre-toi patient, car tu n’es pas le premier messager à avoir été traité de menteur par son peuple. En effet, les peuples du passé ont traité de menteurs leurs messagers, à l’image des ‘Âd, des Thamûd et du peuple de Lot. Leurs messagers leur ont apporté de leur Seigneur les arguments clairs démontrant leur véracité, leur ont apporté des écrits révélés et le Livre qui illumine ceux qui le lisent et le méditent.
ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ
Puis J'ai saisi ceux qui ont mécru. Et quelle réprobation fut la Mienne!
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى: كَمَا لَا تَسْتَوِي هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْمُتَبَايِنَةُ الْمُخْتَلِفَةُ، كَالْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ لَا يَسْتَوِيَانِ، بَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَبَوْنٌ كَثِيرٌ، وَكَمَا لَا تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، كَذَلِكَ لَا تَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ، وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُمُ الْأَحْيَاءُ، وَلِلْكَافِرِينَ وَهُمُ الْأَمْوَاتُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأعْمَى وَالأصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا﴾ [هُودٍ: ٢٤] فَالْمُؤْمِنُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ فِي نُورٍ يَمْشِي، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، حَتَّى يَسْتَقِرَّ بِهِ الْحَالُ فِي الْجَنَّاتِ ذَاتِ الظِّلَالِ وَالْعُيُونِ، وَالْكَافِرُ أَعْمَى أَصَمُّ، فِي ظُلُمَاتٍ يَمْشِي، لَا خُرُوجَ لَهُ مِنْهَا، بَلْ هُوَ يَتِيهُ فِي غَيِّه وَضَلَالِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، حَتَّى يُفْضِيَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى الْحَرُورِ وَالسَّمُومِ وَالْحَمِيمِ، ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٤٣، ٤٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: يَهْدِيهِمْ إِلَى سَمَاعِ الْحُجَّةِ وَقَبُولِهَا وَالِانْقِيَادِ لَهَا ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أَيْ: كَمَا لَا [يَسْمَعُ وَ] [[زيادة من ت، أ.]] يَنْتَفِعُ الْأَمْوَاتُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَصَيْرُورَتِهِمْ إِلَى قُبُورِهِمْ، وَهُمْ كُفَّارٌ بِالْهِدَايَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهَا، كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كُتِب عَلَيْهِمُ الشَّقَاوَةُ لَا حيلةَ لَكَ فِيهِمْ، وَلَا تَسْتَطِيعُ هِدَايَتَهُمْ. ﴿إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ﴾ أَيْ: إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَالْإِنْذَارُ، وَاللَّهُ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أَيْ: بَشِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ وَنَذِيرًا لِلْكَافِرِينَ، ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ أَيْ: وَمَا مِنْ أُمَّةٍ خَلَتْ مِنْ بَنِي آدَمَ إِلَّا وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمُ النُّذر، وَأَزَاحَ عَنْهُمُ الْعِلَلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرَّعْدِ: ٧] ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ الْآيَةَ [النَّحْلِ:١٣٦] ، وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ. * * وَقَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وَهِيَ: الْمُعْجِزَاتُ الْبَاهِرَاتُ، وَالْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَاتُ، ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ وَهِيَ الْكُتُبُ، ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ أَيِ: الْوَاضِحُ الْبَيِّنُ. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ كَذّب أُولَئِكَ رسلَهم فيما جاؤوهم بِهِ، فَأَخَذْتُهُمْ، أَيْ: بِالْعِقَابِ وَالنَّكَالِ، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ رَأَيْتَ [[في ت: "رأيت كان".]] إِنْكَارِي عَلَيْهِمْ عَظِيمًا شَدِيدًا بَلِيغًا؟
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦) ﴾ يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد ﴿بِالْحَقِّ﴾ وهو الإيمان بالله وشرائع الدين التي افترضها على عباده ﴿بَشِيرًا﴾ يقول: مبشرًا بالجنة من صدقك وقبل منك ما جئت به من عند الله من النصيحة ﴿وَنَذِيرًا﴾ تنذر الناس مَن كذبك ورد عليك ما جئت به من عند الله من النصيحة ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ يقول: وما من أمة من الأمم الدائنة بملة إلا خلا فيها من قبلك نذير ينذرهم بأسنا على كفرهم بالله. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ كل أمة كان لها رسول. * * وقوله ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يقول تعالى ذكره مسليًا نبيه ﷺ فيما يلقى من مشركي قومه من التكذيب: وإن يكذبك يا محمد مشركو قومك فقد كذب الذين من قبلهم من الأمم الذين جاءتهم رسلهم بالبينات، يقول: بحجج من الله واضحة، وبالزبر يقول: وجاءتهم بالكتب من عند الله. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ﴾ أي: الكتب. * * وقوله ﴿بِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ يقول: وجاءهم من الله الكتاب المنير لمن تأمله وتدبره أنه الحق. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ يضعف الشيء وهو واحد. * * وقوله ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم أهلكنا الذين جحدوا رسالة رسلنا، وحقيقة ما دعوهم إليه من آياتنا وأصروا على جحودهم ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِير﴾ يقول: فانظر يا محمد كيف كان تغييري بهم وحلول عقوبتي بهم.
Malgré cela, ils mécrurent en Allah et en Ses messagers et n’ont pas cru en ce qu’ils leur apportaient. J’ai alors anéanti ceux qui ont mécru. Médite donc, ô Messager, de quelle manière Je leur ai manifesté Ma réprobation.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٍۢ مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهَا ۚ وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌۢ بِيضٌۭ وَحُمْرٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌۭ
N'as-tu pas vu que, du ciel, Allah fait descendre l'eau? Puis Nous en faisons sortir des fruits de couleurs différentes. Et dans les montagnes, il y a des sillons blancs et rouges, de couleurs différentes, et des roches excessivement noires.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ فِي خَلْقِهِ الْأَشْيَاءَ الْمُتَنَوِّعَةَ الْمُخْتَلِفَةَ مِنَ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يُنْزِلُهُ مِنَ السَّمَاءِ، يُخْرِجُ بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا، مِنْ أَصْفَرَ وَأَحْمَرَ وَأَخْضَرَ وَأَبْيَضَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَلْوَانِ الثِّمَارِ، كَمَا هُوَ الْمُشَاهَدُ مِنْ تَنَوُّعِ أَلْوَانِهَا وَطَعُومِهَا وَرَوَائِحِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى [[في ت، س: "تسقى".]] بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرَّعْدِ: ٤] . * * وَقَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ أَيْ: وَخَلَقَ الْجِبَالَ كَذَلِكَ مُخْتَلِفَةَ الْأَلْوَانِ، كَمَا هُوَ الْمُشَاهِدُ أَيْضًا مِنْ بِيضٍ وَحُمْرٍ، وَفِي بَعْضِهَا طَرَائِقُ -وَهِيَ: الجُدَد، جَمْعُ جُدّة-مُخْتَلِفَةُ الْأَلْوَانِ أَيْضًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الجُدَد: الطَّرَائِقُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو مَالِكٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ. [[في ت: "وكذلك قال غيره".]] وَمِنْهَا ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ ، قَالَ عِكْرِمَةُ: الْغَرَابِيبُ: الْجِبَالُ الطِّوَالُ السُّودُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو مَالِكٍ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْعَرَبُ إِذَا وَصَفُوا الْأَسْوَدَ بِكَثْرَةِ السَّوَادِ، قَالُوا: أَسْوَدُ غِرْبِيبٌ. وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هَذَا مِنَ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ أَيْ: سُودٌ غَرَابِيبُ. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ. * * وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ أَيْ: [وَ] [[زيادة من ت، س، أ.]] كَذَلِكَ الْحَيَوَانَاتُ مِنَ الْأَنَاسِيِّ وَالدَّوَابِّ -وَهُوَ: كُلُّ مَا دَبَّ عَلَى قَوَائِمَ-وَالْأَنْعَامِ، مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِ. كَذَلِكَ هِيَ مُخْتَلِفَةٌ أَيْضًا، فَالنَّاسُ مِنْهُمْ بَرْبَرٌ وحُبُوش وطُمَاطم فِي غَايَةِ السَّوَادِ، وَصَقَالِبَةٌ وَرُومٌ فِي غَايَةِ الْبَيَاضِ، وَالْعَرَبُ بَيْنَ ذَلِكَ، وَالْهُنُودُ دُونَ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الرُّومِ: ٢٢] . وَكَذَلِكَ الدَّوَابُّ وَالْأَنْعَامُ مُخْتَلِفَةُ الْأَلْوَانِ، حَتَّى فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، بَلِ النَّوْعِ الْوَاحِدِ مِنْهُنَّ مُخْتَلِفُ الْأَلْوَانِ، بَلِ الْحَيَوَانُ الْوَاحِدُ يَكُونُ أَبْلَقَ، فِيهِ مِنْ هَذَا اللَّوْنِ وَهَذَا اللَّوْنِ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. وَقَدْ قَالَ [[في ت: "وقد روى".]] الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَيَصْبُغُ رَبُّكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ صَبْغًا لَا يُنفَض، أَحْمَرَ وَأَصْفَرَ وَأَبْيَضَ". [[مسند البزار برقم (٢٩٤٤) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٥/١٢٨) : "وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط".]] ورُوي مُرْسَلًا وَمَوْقُوفًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَخْشَاهُ حَقَّ خَشْيَتِهِ الْعُلَمَاءُ الْعَارِفُونَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ لِلْعَظِيمِ الْقَدِيرِ الْعَلِيمِ الْمَوْصُوفِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الْمَنْعُوتِ بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى -كُلَّمَا كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ بِهِ أَتَمُّ وَالْعِلْمُ بِهِ أَكْمَلَ، كَانَتِ الْخَشْيَةُ لَهُ أَعْظَمَ وَأَكْثَرَ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قَالَ: الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَة، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في ت: "وعنه".]] قَالَ: الْعَالِمُ بِالرَّحْمَنِ [[في أ: "بالرحمن من عباده".]] مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَأَحَلَّ حَلَالَهُ، وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، وَحَفِظَ وَصِيَّتَهُ، وَأَيْقَنَ أَنَّهُ مُلَاقِيهِ ومحاسب بعمله. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْخَشْيَةُ هِيَ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْعَالِمُ مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ، وَرَغِبَ فِيمَا رَغِبَ اللَّهُ فِيهِ، وَزَهِدَ فِيمَا سَخط اللَّهُ فِيهِ، ثُمَّ تَلَا الْحَسَنُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ . وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ الْعِلْمُ عَنْ كَثْرَةِ الْحَدِيثِ، وَلَكِنَّ الْعِلْمَ عَنْ [[في ت، س: "من".]] كَثْرَةِ الْخَشْيَةِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ: إِنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ نُورٌ يَجْعَلُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ [[في ت: "المري".]] : مَعْنَاهُ: أَنَّ الْخَشْيَةَ لَا تُدْرَكُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ، وَأَمَّا الْعِلْمُ الَّذِي فَرَضَ [[في ت، س: "فرضه".]] اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يُتَّبَعَ فَإِنَّمَا هُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَمَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَهَذَا لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالرِّوَايَةِ وَيَكُونُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: "نُورٌ" يُرِيدُ بِهِ فَهْمَ الْعِلْمِ، وَمَعْرِفَةَ مَعَانِيهِ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ [التَّمِيمِيِّ] [[زيادة من ت، س، أ.]] ، عَنْ رَجُلٍ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: الْعُلَمَاءُ ثَلَاثَةٌ: عَالِمٌ بِاللَّهِ عَالِمٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَعَالِمٌ بِاللَّهِ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَعَالِمٍ بِأَمْرِ اللَّهِ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِاللَّهِ. فَالْعَالِمُ بِاللَّهِ وَبِأَمْرِ اللَّهِ: الَّذِي يَخْشَى اللَّهَ وَيَعْلَمُ الْحُدُودَ وَالْفَرَائِضَ. وَالْعَالِمُ بِاللَّهِ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِأَمْرِ اللَّهِ: الَّذِي يَخْشَى اللَّهَ وَلَا يَعْلَمُ الْحُدُودَ وَلَا الْفَرَائِضَ. وَالْعَالِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِاللَّهِ: الَّذِي يَعْلَمُ الْحُدُودَ وَالْفَرَائِضَ، وَلَا يَخْشَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: ألم تر يا محمد أن الله أنزل من السماء غيثًا فأخرجنا به ثمرات مختلفًا ألوانها: يقول: فسقيناه أشجارًا في الأرض فأخرجنا به من تلك الأشجار ثمرات مختلفا ألوانها؛ منها الأحمر ومنها الأسود والأصفر، وغير ذلك من ألوانها ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن الجبال طرائق، وهي الجدد، وهي الخطط تكون في الجبال بيض وحمر وسود، كالطرق واحدتها جدة، ومنه قول امرىء القيس في صفة حمار: كأنَّ سَرَاتَهُ وَجُدَّةَ مَتْنِهِ ... كَنَائِنُ يَجْرِي فَوْقَهُنَّ دَلِيصُ [[البيت لامرئ القيس (مختار الشعر الجاهلي، بشرح مصطفى السقا، طبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده ص ١٢٧) وفيه "ظهره" في موضع "متنه". و"بينهن" في موضع "فوقهن". قال شارحه: سراته: ظهره. والجدة: الخط الذي وسط الظهر. والكنائن: جعاب السهام، من جلد أو خشب، والدليص: ماء الذهب. شبه الخط الذي على ظهر الحمار في بريقه ولونه، بجعاب مذهبه، مع بريق جلدها وإملاسه. ا. هـ. واستشهد به مؤلف عند قوله تعالى: (ومن جبال جدد بيض وحمر) على أن معنى الجدد: الخطط تكون في الجبال: بيض وحمر وسود وحمر كالطرق، واحدها جدة، وأنشد بيت امرئ القيس كرواية المؤلف. ثم قال: والجدة: الخطة السوداء في متن الحمار. وقال الفراء: يقال: أدلصت الشيء ودلصته: إذا برق. فكل شيء يبرق نحو المرآة والذهب والفضة، فهو دليص.]] يعني بالجدة: الخطة السوداء تكون في متن الحمار. * * وقوله ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ يعني: مختلف ألوان الجدد ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ وذلك من المقدم الذي هو بمعنى التأخير، وذلك أن العرب تقول: هو أسود غربيب، إذا وصفوه بشدة السواد، وجعل السواد ها هنا صفة للغرابيب. * * وقوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ كما من الثمرات والجبال مختلف ألوانه بالحمرة والبياض والسواد والصفرة، وغير ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ أحمر وأخضر وأصفر ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾ أي: طرائق بيض ﴿وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ أي: جبال حمر وبيض ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ هو الأسود يعني لونه كما اختلف ألوان هذه اختلف ألوان الناس والدواب والأنعام كذلك. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾ طرائق بيض وحمر وسود، وكذلك الناس مختلف ألوانهم. ⁕ حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآملي، قال: ثنا مروان، عن جويبر عن الضحاك قوله ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾ قال: هي طرائق حمر وسود. * * وقوله ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ يقول تعالى ذكره: إنما يخاف الله فيتقي عقابه بطاعته العلماء، بقدرته على ما يشاء من شيء، وأنه يفعل ما يريد، لأن من علم ذلك أيقن بعقابه على معصيته؛ فخافه ورهبه خشية منه أن يعاقبه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني علي قال: ثنا عبد الله قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال: كان يقال: كفى بالرهبة علمًا. * * وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الله عزيز في انتقامه ممن كفر به غفور لذنوب من آمن به وأطاعه.
Ô Messager, n’as-tu pas vu qu’Allah a fait descendre du ciel l’eau de la pluie et que Nous avons fait sortir grâce à cette eau des fruits de couleurs différentes (rouge, vert, jaune, etc...), après en avoir arrosé les arbres sur lesquels ils poussent. Et dans les montagnes, il y a des chemins rouges, des chemins blancs ainsi que des chemins d’une noirceur extrême.
وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلْأَنْعَٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَٰٓؤُا۟ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ
Il y a pareillement des couleurs différentes, parmi les hommes, les animaux, et les bestiaux. Parmi Ses serviteurs, seuls les savants craignent Allah. Allah est, certes, Puissant et Pardonneur.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ فِي خَلْقِهِ الْأَشْيَاءَ الْمُتَنَوِّعَةَ الْمُخْتَلِفَةَ مِنَ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يُنْزِلُهُ مِنَ السَّمَاءِ، يُخْرِجُ بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا، مِنْ أَصْفَرَ وَأَحْمَرَ وَأَخْضَرَ وَأَبْيَضَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَلْوَانِ الثِّمَارِ، كَمَا هُوَ الْمُشَاهَدُ مِنْ تَنَوُّعِ أَلْوَانِهَا وَطَعُومِهَا وَرَوَائِحِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى [[في ت، س: "تسقى".]] بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرَّعْدِ: ٤] . * * وَقَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ أَيْ: وَخَلَقَ الْجِبَالَ كَذَلِكَ مُخْتَلِفَةَ الْأَلْوَانِ، كَمَا هُوَ الْمُشَاهِدُ أَيْضًا مِنْ بِيضٍ وَحُمْرٍ، وَفِي بَعْضِهَا طَرَائِقُ -وَهِيَ: الجُدَد، جَمْعُ جُدّة-مُخْتَلِفَةُ الْأَلْوَانِ أَيْضًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الجُدَد: الطَّرَائِقُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو مَالِكٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ. [[في ت: "وكذلك قال غيره".]] وَمِنْهَا ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ ، قَالَ عِكْرِمَةُ: الْغَرَابِيبُ: الْجِبَالُ الطِّوَالُ السُّودُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو مَالِكٍ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْعَرَبُ إِذَا وَصَفُوا الْأَسْوَدَ بِكَثْرَةِ السَّوَادِ، قَالُوا: أَسْوَدُ غِرْبِيبٌ. وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هَذَا مِنَ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ أَيْ: سُودٌ غَرَابِيبُ. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ. * * وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ أَيْ: [وَ] [[زيادة من ت، س، أ.]] كَذَلِكَ الْحَيَوَانَاتُ مِنَ الْأَنَاسِيِّ وَالدَّوَابِّ -وَهُوَ: كُلُّ مَا دَبَّ عَلَى قَوَائِمَ-وَالْأَنْعَامِ، مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِ. كَذَلِكَ هِيَ مُخْتَلِفَةٌ أَيْضًا، فَالنَّاسُ مِنْهُمْ بَرْبَرٌ وحُبُوش وطُمَاطم فِي غَايَةِ السَّوَادِ، وَصَقَالِبَةٌ وَرُومٌ فِي غَايَةِ الْبَيَاضِ، وَالْعَرَبُ بَيْنَ ذَلِكَ، وَالْهُنُودُ دُونَ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الرُّومِ: ٢٢] . وَكَذَلِكَ الدَّوَابُّ وَالْأَنْعَامُ مُخْتَلِفَةُ الْأَلْوَانِ، حَتَّى فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، بَلِ النَّوْعِ الْوَاحِدِ مِنْهُنَّ مُخْتَلِفُ الْأَلْوَانِ، بَلِ الْحَيَوَانُ الْوَاحِدُ يَكُونُ أَبْلَقَ، فِيهِ مِنْ هَذَا اللَّوْنِ وَهَذَا اللَّوْنِ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. وَقَدْ قَالَ [[في ت: "وقد روى".]] الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَيَصْبُغُ رَبُّكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ صَبْغًا لَا يُنفَض، أَحْمَرَ وَأَصْفَرَ وَأَبْيَضَ". [[مسند البزار برقم (٢٩٤٤) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٥/١٢٨) : "وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط".]] ورُوي مُرْسَلًا وَمَوْقُوفًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَخْشَاهُ حَقَّ خَشْيَتِهِ الْعُلَمَاءُ الْعَارِفُونَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ لِلْعَظِيمِ الْقَدِيرِ الْعَلِيمِ الْمَوْصُوفِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الْمَنْعُوتِ بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى -كُلَّمَا كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ بِهِ أَتَمُّ وَالْعِلْمُ بِهِ أَكْمَلَ، كَانَتِ الْخَشْيَةُ لَهُ أَعْظَمَ وَأَكْثَرَ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قَالَ: الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَة، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في ت: "وعنه".]] قَالَ: الْعَالِمُ بِالرَّحْمَنِ [[في أ: "بالرحمن من عباده".]] مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَأَحَلَّ حَلَالَهُ، وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، وَحَفِظَ وَصِيَّتَهُ، وَأَيْقَنَ أَنَّهُ مُلَاقِيهِ ومحاسب بعمله. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْخَشْيَةُ هِيَ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْعَالِمُ مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ، وَرَغِبَ فِيمَا رَغِبَ اللَّهُ فِيهِ، وَزَهِدَ فِيمَا سَخط اللَّهُ فِيهِ، ثُمَّ تَلَا الْحَسَنُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ . وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ الْعِلْمُ عَنْ كَثْرَةِ الْحَدِيثِ، وَلَكِنَّ الْعِلْمَ عَنْ [[في ت، س: "من".]] كَثْرَةِ الْخَشْيَةِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ: إِنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ نُورٌ يَجْعَلُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ [[في ت: "المري".]] : مَعْنَاهُ: أَنَّ الْخَشْيَةَ لَا تُدْرَكُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ، وَأَمَّا الْعِلْمُ الَّذِي فَرَضَ [[في ت، س: "فرضه".]] اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يُتَّبَعَ فَإِنَّمَا هُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَمَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَهَذَا لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالرِّوَايَةِ وَيَكُونُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: "نُورٌ" يُرِيدُ بِهِ فَهْمَ الْعِلْمِ، وَمَعْرِفَةَ مَعَانِيهِ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ [التَّمِيمِيِّ] [[زيادة من ت، س، أ.]] ، عَنْ رَجُلٍ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: الْعُلَمَاءُ ثَلَاثَةٌ: عَالِمٌ بِاللَّهِ عَالِمٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَعَالِمٌ بِاللَّهِ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَعَالِمٍ بِأَمْرِ اللَّهِ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِاللَّهِ. فَالْعَالِمُ بِاللَّهِ وَبِأَمْرِ اللَّهِ: الَّذِي يَخْشَى اللَّهَ وَيَعْلَمُ الْحُدُودَ وَالْفَرَائِضَ. وَالْعَالِمُ بِاللَّهِ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِأَمْرِ اللَّهِ: الَّذِي يَخْشَى اللَّهَ وَلَا يَعْلَمُ الْحُدُودَ وَلَا الْفَرَائِضَ. وَالْعَالِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِاللَّهِ: الَّذِي يَعْلَمُ الْحُدُودَ وَالْفَرَائِضَ، وَلَا يَخْشَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: ألم تر يا محمد أن الله أنزل من السماء غيثًا فأخرجنا به ثمرات مختلفًا ألوانها: يقول: فسقيناه أشجارًا في الأرض فأخرجنا به من تلك الأشجار ثمرات مختلفا ألوانها؛ منها الأحمر ومنها الأسود والأصفر، وغير ذلك من ألوانها ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن الجبال طرائق، وهي الجدد، وهي الخطط تكون في الجبال بيض وحمر وسود، كالطرق واحدتها جدة، ومنه قول امرىء القيس في صفة حمار: كأنَّ سَرَاتَهُ وَجُدَّةَ مَتْنِهِ ... كَنَائِنُ يَجْرِي فَوْقَهُنَّ دَلِيصُ [[البيت لامرئ القيس (مختار الشعر الجاهلي، بشرح مصطفى السقا، طبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده ص ١٢٧) وفيه "ظهره" في موضع "متنه". و"بينهن" في موضع "فوقهن". قال شارحه: سراته: ظهره. والجدة: الخط الذي وسط الظهر. والكنائن: جعاب السهام، من جلد أو خشب، والدليص: ماء الذهب. شبه الخط الذي على ظهر الحمار في بريقه ولونه، بجعاب مذهبه، مع بريق جلدها وإملاسه. ا. هـ. واستشهد به مؤلف عند قوله تعالى: (ومن جبال جدد بيض وحمر) على أن معنى الجدد: الخطط تكون في الجبال: بيض وحمر وسود وحمر كالطرق، واحدها جدة، وأنشد بيت امرئ القيس كرواية المؤلف. ثم قال: والجدة: الخطة السوداء في متن الحمار. وقال الفراء: يقال: أدلصت الشيء ودلصته: إذا برق. فكل شيء يبرق نحو المرآة والذهب والفضة، فهو دليص.]] يعني بالجدة: الخطة السوداء تكون في متن الحمار. * * وقوله ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ يعني: مختلف ألوان الجدد ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ وذلك من المقدم الذي هو بمعنى التأخير، وذلك أن العرب تقول: هو أسود غربيب، إذا وصفوه بشدة السواد، وجعل السواد ها هنا صفة للغرابيب. * * وقوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ كما من الثمرات والجبال مختلف ألوانه بالحمرة والبياض والسواد والصفرة، وغير ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ أحمر وأخضر وأصفر ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾ أي: طرائق بيض ﴿وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ أي: جبال حمر وبيض ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ هو الأسود يعني لونه كما اختلف ألوان هذه اختلف ألوان الناس والدواب والأنعام كذلك. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾ طرائق بيض وحمر وسود، وكذلك الناس مختلف ألوانهم. ⁕ حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآملي، قال: ثنا مروان، عن جويبر عن الضحاك قوله ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾ قال: هي طرائق حمر وسود. * * وقوله ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ يقول تعالى ذكره: إنما يخاف الله فيتقي عقابه بطاعته العلماء، بقدرته على ما يشاء من شيء، وأنه يفعل ما يريد، لأن من علم ذلك أيقن بعقابه على معصيته؛ فخافه ورهبه خشية منه أن يعاقبه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني علي قال: ثنا عبد الله قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال: كان يقال: كفى بالرهبة علمًا. * * وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الله عزيز في انتقامه ممن كفر به غفور لذنوب من آمن به وأطاعه.
On trouve la même diversité de couleurs chez les gens, les animaux et les bestiaux (camelins, bovins, ovins et caprins). Seuls ceux qui connaissent Allah, le révèrent et le craignent car ils connaissent Ses attributs, Ses lois et les signes de Son pouvoir. Allah est Puissant et personne ne Lui tient tête. Il pardonne aussi les péchés de Ses serviteurs qui se repentent.
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ يَرْجُونَ تِجَٰرَةًۭ لَّن تَبُورَ
Ceux qui récitent le Livre d'Allah, accomplissent la Salât, et dépensent, en secret et en public de ce que Nous leur avons attribué, espèrent ainsi faire un commerce qui ne périra jamais,
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَهُ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَعْمَلُونَ بِمَا فِيهِ، مِنْ إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَالْإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَشْرُوعَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَعَلَانِيَةً، ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ أَيْ: يَرْجُونَ ثَوَابًا عِنْدَ اللَّهِ لَا بُدَّ مِنْ حُصُولِهِ. كَمَا قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ عِنْدَ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: "إِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ"؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أَيْ: لِيُوَفِّيَهُمْ ثَوَابَ مَا فَعَلُوهُ وَيُضَاعِفَهُ لَهُمْ بِزِيَادَاتٍ لَمْ تَخْطُرْ لَهُمْ، ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ أَيْ: لِذُنُوبِهِمْ، ﴿شَكُورٌ﴾ لِلْقَلِيلِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ. قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ مُطَرف، رَحِمَهُ اللَّهُ، إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَقُولُ: هَذِهِ آيَةُ الْقُرَّاءِ. قَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ غَيْلَانَ أَنَّهُ سَمِعَ دَرَّاجا أَبَا السَّمْحِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْريّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى [[في أ: "عز وجل".]] إِذَا رَضِيَ عَنِ الْعَبْدِ أَثْنَى عَلَيْهِ سَبْعةَ [[في ت، س، أ: "بسبعة".]] أَصْنَافٍ مِنَ الْخَيْرِ لَمْ يَعْمَلْهُ، وَإِذَا سَخِطَ عَلَى الْعَبْدِ أَثْنَى عَلَيْهِ سَبْعة [[في ت، س، أ: "بسبعة".]] أَصْنَافٍ مِنَ الشَّرِّ لم يعمله [[المسند (٣/٣٨) ودراج له مناكير وروايته عن أبي الهيثم ضعيفة.]] ، غريب جدا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الذين يقرءون كتاب الله الذي أنزله على محمد ﷺ ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ يقول: وأدوا الصلاة المفروضة لمواقيتها بحدودها، وقال: وأقاموا الصلاة بمعنى: ويقيموا الصلاة. * * وقوله ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ يقول: وتصدقوا بما أعطيناهم من الأموال سرًّا في خفاء وعلانية جهارًا، وإنما معنى ذلك أنهم يؤدون الزكاة المفروضة، ويتطوعون أيضًا بالصدقة منه بعد أداء الفرض الواجب عليهم فيه. * * وقوله ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ يقول تعالى ذكره: يرجون بفعلهم ذلك تجارة لن تبور: لن تكسد ولن تهلك، من قولهم: بارت السوق إذا كسدت وبار الطعام. * * وقوله ﴿تِجَارَةً﴾ جواب لأول الكلام. * * وقوله ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ يقول: ويوفيهم الله على فعلهم ذلك ثواب أعمالهم التى عملوها في الدنيا ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يقول: وكي يزيدهم على الوفاء من فضله ما هو له أهل، وكان مطرف بن عبد الله يقول: هذه آية القراء. ⁕ حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا عمرو بن عاصم قال: ثنا معتمر عن أبيه، عن قتادة قال: كان مطرف إذا مر بهذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ﴾ يقول: هذه آية القراء. ⁕ حدثنا ابن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن يزيد، عن مطرف بن عبد الله أنه قال في هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ... ﴾ إلى آخر الآية، قال: هذه آية القراء. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: كان مطرف بن عبد الله يقول: هذه آية القراء ﴿ِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ . * * وقوله ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ يقول: إن الله غفور لذنوب هؤلاء القوم الذين هذه صفتهم شكور لحسناتهم. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ إنه غفور لذنوبهم، شكور لحسناتهم.
Ceux qui lisent le Livre d’Allah que Nous avons révélé à Notre Messager, mettent en pratique ce qu’il contient, accomplissent la prière de manière complète et dépensent de ce que Nous leur avons accordé comme richesses en aumônes légales surérogatoires, en secret comme en public, en espérant de ces œuvres, accomplir avec Allah une transaction qui ne sera jamais perdante.
لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ غَفُورٌۭ شَكُورٌۭ
afin [qu'Allah] les récompense pleinement et leur ajoute de Sa grâce. Il est Pardonneur et Reconnaissant.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَهُ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَعْمَلُونَ بِمَا فِيهِ، مِنْ إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَالْإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَشْرُوعَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَعَلَانِيَةً، ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ أَيْ: يَرْجُونَ ثَوَابًا عِنْدَ اللَّهِ لَا بُدَّ مِنْ حُصُولِهِ. كَمَا قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ عِنْدَ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: "إِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ"؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أَيْ: لِيُوَفِّيَهُمْ ثَوَابَ مَا فَعَلُوهُ وَيُضَاعِفَهُ لَهُمْ بِزِيَادَاتٍ لَمْ تَخْطُرْ لَهُمْ، ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ أَيْ: لِذُنُوبِهِمْ، ﴿شَكُورٌ﴾ لِلْقَلِيلِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ. قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ مُطَرف، رَحِمَهُ اللَّهُ، إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَقُولُ: هَذِهِ آيَةُ الْقُرَّاءِ. قَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ غَيْلَانَ أَنَّهُ سَمِعَ دَرَّاجا أَبَا السَّمْحِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْريّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى [[في أ: "عز وجل".]] إِذَا رَضِيَ عَنِ الْعَبْدِ أَثْنَى عَلَيْهِ سَبْعةَ [[في ت، س، أ: "بسبعة".]] أَصْنَافٍ مِنَ الْخَيْرِ لَمْ يَعْمَلْهُ، وَإِذَا سَخِطَ عَلَى الْعَبْدِ أَثْنَى عَلَيْهِ سَبْعة [[في ت، س، أ: "بسبعة".]] أَصْنَافٍ مِنَ الشَّرِّ لم يعمله [[المسند (٣/٣٨) ودراج له مناكير وروايته عن أبي الهيثم ضعيفة.]] ، غريب جدا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الذين يقرءون كتاب الله الذي أنزله على محمد ﷺ ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ يقول: وأدوا الصلاة المفروضة لمواقيتها بحدودها، وقال: وأقاموا الصلاة بمعنى: ويقيموا الصلاة. * * وقوله ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ يقول: وتصدقوا بما أعطيناهم من الأموال سرًّا في خفاء وعلانية جهارًا، وإنما معنى ذلك أنهم يؤدون الزكاة المفروضة، ويتطوعون أيضًا بالصدقة منه بعد أداء الفرض الواجب عليهم فيه. * * وقوله ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ يقول تعالى ذكره: يرجون بفعلهم ذلك تجارة لن تبور: لن تكسد ولن تهلك، من قولهم: بارت السوق إذا كسدت وبار الطعام. * * وقوله ﴿تِجَارَةً﴾ جواب لأول الكلام. * * وقوله ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ يقول: ويوفيهم الله على فعلهم ذلك ثواب أعمالهم التى عملوها في الدنيا ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يقول: وكي يزيدهم على الوفاء من فضله ما هو له أهل، وكان مطرف بن عبد الله يقول: هذه آية القراء. ⁕ حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا عمرو بن عاصم قال: ثنا معتمر عن أبيه، عن قتادة قال: كان مطرف إذا مر بهذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ﴾ يقول: هذه آية القراء. ⁕ حدثنا ابن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن يزيد، عن مطرف بن عبد الله أنه قال في هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ... ﴾ إلى آخر الآية، قال: هذه آية القراء. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: كان مطرف بن عبد الله يقول: هذه آية القراء ﴿ِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ . * * وقوله ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ يقول: إن الله غفور لذنوب هؤلاء القوم الذين هذه صفتهم شكور لحسناتهم. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ إنه غفور لذنوبهم، شكور لحسناتهم.
Ceci, afin qu’Allah leur remette la récompense complète pour les œuvres qu’ils ont accomplies et qu’Il leur rajoute de Sa grâce, puisqu’Il en a le pouvoir. Il pardonne les péchés de Ses serviteurs qui possèdent ces caractéristiques et est reconnaissant pour leurs bonnes œuvres.
وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِۦ لَخَبِيرٌۢ بَصِيرٌۭ
Et ce que Nous t'avons révélé du Livre est la Vérité confirmant ce qui l'a précédé. Certes Allah est Parfaitement Connaisseur et Clairvoyant sur Ses serviteurs.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يَا مُحَمَّدُ مِنَ الْكِتَابِ، وَهُوَ الْقُرْآنُ ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أَيْ: مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ يُصَدِّقُهَا، كَمَا شَهِدَتْ [[في ت، س، أ: "شهدت هي".]] لَهُ بِالتَّنْوِيهِ [[في ت، أ: "بالنبوة".]] ، وَأَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ أَيْ: هُوَ خَبِيرٌ بِهِمْ، بَصِيرٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ مَا يُفَضِّلُهُ بِهِ عَلَى مَنْ سِوَاهُ. وَلِهَذَا فَضَّلَ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ عَلَى جَمِيعِ الْبَشَرِ، وَفَضَّلَ النَّبِيِّينَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ، وَجَعَلَ مَنْزِلَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوْقَ جَمِيعِهِمْ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يا محمد وهو هذا القرآن الذي أنزله الله عليه ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ يقول: هو الحق عليك وعلى أمتك أن تعمل به، وتتبع ما فيه دون غيره من الكتب التي أوحيت إلى غيرك ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يقول: هو يصدق ما مضى بين يديه فصار أمامه من الكتب التي أنزلتها إلى من قبلك من الرسل. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ للكتب التي خلت قبله. * * وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الله بعباده لذو علم وخبرة بما يعملون بصير بما يصلحهم من التدبير.
Ô Messager, ce que Nous t’avons révélé du Livre est la vérité au sujet de laquelle il n’existe aucun doute et qu’Allah a révélée afin de confirmer les livres précédents. Allah connaît le mieux Ses serviteurs et les voit, puisqu’Il révèle au messager envoyé à chaque peuple ce que celui-ci nécessite à son époque.
ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌۭ وَمِنْهُمْ سَابِقٌۢ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ
Ensuite, Nous fîmes héritiers du Livre ceux de Nos serviteurs que Nous avons choisis. Il en est parmi eux qui font du tort à eux-mêmes, d'autres qui se tiennent sur une voie moyenne, et d'autres avec la permission d'Allah devancent [tous les autres] par leurs bonnes actions; telle est la grâce infinie
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى: ثُمَّ جَعَلْنَا الْقَائِمِينَ بِالْكِتَابِ الْعَظِيمِ، الْمُصَدِّقُ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكُتُبِ، الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا، وَهُمْ هَذِهِ الْأُمَّةُ، ثُمَّ قَسَّمَهُمْ إِلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ [[في ت: "أقسام".]] ، فَقَالَ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وَهُوَ: الْمُفَرِّطُ فِي فِعْلِ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ، الْمُرْتَكِبُ لِبَعْضِ الْمُحَرَّمَاتِ. ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ وَهُوَ: الْمُؤَدِّي لِلْوَاجِبَاتِ، التَّارِكُ لِلْمُحَرَّمَاتِ، وَقَدْ يَتْرُكُ بَعْضَ الْمُسْتَحَبَّاتِ، وَيَفْعَلُ بَعْضَ الْمَكْرُوهَاتِ. ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وَهُوَ: الْفَاعِلُ لِلْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ، التَّارِكُ لِلْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَبَعْضِ الْمُبَاحَاتِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ [اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا] ﴾ [[زيادة من ت، س.]] ، قَالَ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَرَّثهم اللَّهُ كُلَّ كِتَابٍ [[في ت: "ورثهم الله كتابا".]] أَنْزَلَهُ، فَظَالِمُهُمْ يُغْفَر لَهُ، وَمُقْتَصِدُهُمْ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَسَابِقُهُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ العُتْبِيّ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ بْنُ السَّرْحِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّنْعَانِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ [[في ت: "وروى القاسم الطبراني بسنده إلى".]] ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ ذات يوم: "شفاعتي لأهل الكبائر من أُمَّتِي". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَالْمُقْتَصِدُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ وَأَصْحَابُ الْأَعْرَافِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. [[المعجم الكبير (١١/١٨٩) وابن جرير مدلس وقد عنعن.]] وَهَكَذَا [[في ت، س: "وكذا".]] رُوي عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ، عَلَى مَا فِيهِ مِنْ عِوَجٍ وَتَقْصِيرٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَا مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْوَارِثِينَ الْكِتَابَ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم بسنده".]] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: [[في ت، س: "عنه".]] ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ قَالَ: هُوَ الْكَافِرُ. وَكَذَا رَوَى عَنْهُ عِكْرِمَةُ، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ أَيْضًا فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ قَالَ: هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ: هُوَ الْمُنَافِقُ. ثُمَّ قَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ: وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ كَالْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ "الْوَاقِعَةِ" وَآخِرِهَا. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ، وَكَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِنْ طُرُقٍ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَنَحْنُ نُورِدُ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: قَالَ [[في ت: "رواه".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفَ يُحَدِّث عَنْ رَجُلٍ مِنْ كِنَانَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ، قَالَ: "هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ وَكُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ". هَذَا [[في ت: "وهذا".]] حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ لَمْ يُسَمَّ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِهِ نَحْوَهُ. [[المسند (٣/٧٨) وتفسير الطبري (٢٢/٩٠) .]] وَمَعْنَى قَوْلِهِ: "بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ" أَيْ: فِي أَنَّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ فَرْقٌ فِي الْمَنَازِلِ فِي الْجَنَّةِ. الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ اللَّيْثِيُّ أَبُو ضَمْرة، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ [عَلِيِّ] [[زيادة من س، أ.]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، [[في ت: "رواه الإمام أحمد بسنده عن أبي الدرداء".]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ، فَأَمَّا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَأَمَّا الَّذِينَ اقْتَصَدُوا فَأُولَئِكَ [[في أ: "فأولئك الذين".]] يُحَاسِبُونَ حِسَابًا يسيرا، وأما الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُحْبَسُونَ فِي طُولِ الْمَحْشَرِ، ثُمَّ هُمُ الَّذِينَ تَلَافَاهُمْ [[في ت، س، أ: "تلافاهم الله".]] بِرَحْمَتِهِ، فَهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [[المسند (٥/١٩٨) .]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: [[في ت: "وروي من طريق أخرى".]] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أُسَيْدُ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ قَالَ: "فَأَمَّا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يُصِيبَهُ الْهَمُّ وَالْحُزْنُ، ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ". وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: ذَكَرَ أَبُو ثَابِتٍ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ، آنِسْ وَحْشَتِي، وَارْحَمْ غُرْبَتِي، وَيَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا. قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: لَئِنْ كُنْتَ صَادِقًا لَأَنَا أَسْعَدُ بِكَ مِنْكَ، سَأُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ مُنْذُ سَمِعْتُهُ مِنْهُ، ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ ، فَأَمَّا السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ فَيَدْخُلُهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَأَمَّا الْمُقْتَصِدُ فَيُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَمَّا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ فَيُصِيبُهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ مِنَ الْغَمِّ وَالْحُزْنِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٢/٩٠) ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٢٦) ومن طريقه البيهقي في البعث برقم (٦٢) من طريق الأعمش، به.]] . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ، أَخْبَرَنَا سَهْلُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ [[في أ: "عبد الله".]] الرَّازِّيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى [[في ت: "رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني بإسناده".]] ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ". [[المعجم الكبير (١/١٦٧) وقد وقع في إسناده سقط، ورواه البيهقي في البعث برقم (٦٤) من طريق محمد بن سعيد، عن عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ليلى، عن أخيه عيسى، عن أبيه، عن أسامة بن زيد، به، ورواه أيضا برقم (٦٣) من طريق حصين بن نمير عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ أبيه، عن أسامة بن زيد، بنحوه.]] الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: قَالَ [[في ت: "رواه".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَزيز، حَدَّثَنَا سَلَامَةُ، عَنْ عَقِيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَوْف [[في أ: "أنس".]] بْنُ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أُمَّتِي ثَلَاثَةُ أَثْلَاتٍ: فَثُلُثٌ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، وَثُلُثٌ يُحَاسَبُونَ حِسَابًا يَسِيرًا ثُمَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَثُلُثٌ يُمَحَّصون وَيُكْشَفُونَ، ثُمَّ تَأْتِي الْمَلَائِكَةُ فَيَقُولُونَ: وَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ". يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: صَدَقُوا، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، [[في س: "إلا الله".]] أَدْخِلُوهُمُ الْجَنَّةَ بِقَوْلِهِمْ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ" وَاحْمِلُوا خَطَايَاهُمْ عَلَى أَهْلِ النَّارِ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ [[في س: "ولتحملن".]] أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ١٣] ،وَتَصْدِيقُهَا فِي الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْمَلَائِكَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ فَجَعَلَهُمْ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ [[في ت، س: "أفواج".]] ، وَهُمْ أَصْنَافٌ كُلُّهُمْ، فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، فَهَذَا الَّذِي يُكْشَفُ وَيُمَحَّصُ". غَرِيبٌ جِدًّا. [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٨/٨٠) من طريق محمد بن عزيز، به، وقال الهيثمي في المجمع (٧/٩٦) : "فيه سلامة بن روح وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات".]] أَثَرٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْحَكِيمُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ شَقِيق أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: هَذِهِ الْأُمَّةُ ثَلَاثَةُ أَثْلَاثٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ثُلُثٌ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَثُلُثٌ يُحَاسَبُونَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَثُلُثٌ يَجِيئُونَ بِذُنُوبٍ عِظَامٍ حَتَّى يَقُولَ: مَا هَؤُلَاءِ؟ -وَهُوَ أَعْلَمُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى-فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: هَؤُلَاءِ جَاءُوا بِذُنُوبٍ عِظَامٍ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُشْرِكُوا بِكَ فَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: أَدْخِلُوا هَؤُلَاءِ فِي سِعَةِ رَحْمَتِي: وَتَلَا عَبْدُ اللَّهِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ] ﴾ [[زيادة من أ.]] الْآيَةَ. أَثَرٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنِ الصَّلْتِ بْنِ دِينَارٍ أَبُو شُعيب [[في هـ، س: "دينار بن الأشعث"، وفي أ: "عن الأشعث"، والمثبت من مسند الطيالسي.]] ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ صُهْبَان الهُنَائي قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنْ قَوْلِ الله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الْآيَةَ، فَقَالَتْ لِي: يَا بُنَيَّ، هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ، أَمَّا السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ فَمَنْ مَضَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ،، شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَيَاةِ وَالرِّزْقِ، وَأَمَّا الْمُقْتَصِدُ فَمَنِ اتَّبَعَ أَثَرَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى لَحِقَ بِهِ، وَأَمَّا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ فَمِثْلِي وَمِثْلُكُمْ. قَالَ: فَجَعَلَتْ نَفْسَهَا مَعَنَا. [[مسند الطيالسي برقم (١٤٨٩) .]] وَهَذَا مِنْهَا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، مِنْ بَابِ الهَضْم وَالتَّوَاضُعِ، وَإِلَّا فَهِيَ مِنْ أَكْبَرِ السَّابِقَيْنِ بِالْخَيْرَاتِ؛ لِأَنَّ فَضْلَهَا عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ قَالَ: هِيَ لِأَهْلِ بَدْوِنَا، وَمُقْتَصَدُنَا أَهْلُ حَضَرِنَا، وَسَابِقُنَا أَهْلُ الْجِهَادِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ عَوْف الْأَعْرَابِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا كَعْبُ الْأَحْبَارِ قَالَ: إِنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالْمُقْتَصِدَ وَالسَّابِقَ بِالْخَيْرَاتِ كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ قَالَ: فَهَؤُلَاءِ أَهْلُ النَّارِ. [وَ] [[زيادة من ت.]] رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عَوْفٍ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سَأَلَ كَعْبًا [[في ت: "ثم روي عن ابن عباس أنه سأل كعبا".]] عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قَالَ: تماسَّت مَنَاكِبُهُمْ ورَب كَعْبٍ [[في أ: "الكعبة".]] ، ثُمَّ أُعْطُوا الْفَضْلَ بِأَعْمَالِهِمْ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْحَكَمِ بْنِ بَشِيرٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعي فِي هَذِهِ الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الْآيَةَ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَمَّا مَا سَمِعْتُ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً فَكُلُّهُمْ نَاجٍ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ [[في ت: "وعن".]] مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: إِنَّهَا أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، الظَّالِمُ مَغْفُورٌ لَهُ، وَالْمُقْتَصِدُ فِي الْجِنَانِ عِنْدَ اللَّهِ، وَالسَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ فِي الدَّرَجَاتِ عِنْدَ اللَّهِ. وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمِيع، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، بِنَحْوِهِ. وَقَالَ أَبُو الْجَارُودِ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ -يَعْنِي: الْبَاقِرَ-عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ فَقَالَ: هُوَ الَّذِي خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا. فَهَذَا مَا تَيَسَّرَ مِنْ إِيرَادِ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذَا الْمَقَامِ. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَإِنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَالْعُلَمَاءُ أَغْبَطُ النَّاسِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ، فَإِنَّهُمْ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَة [[في ت: "كما روى الإمام أحمد رحمه الله بإسناده".]] ، عَنْ قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ: قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ -وَهُوَ بِدِمَشْقَ-فَقَالَ: مَا أَقْدَمَكَ أيْ أَخِي؟ قَالَ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ أَمَا قَدِمْتَ لِتِجَارَةٍ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَمَا قَدِمْتَ لِحَاجَةٍ؟ قَالَ: لَا؟ قَالَ: أَمَا قَدِمْتَ إِلَّا فِي طَلَبِ هَذَا الْحَدِيثِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ [[في س: "فيها".]] عِلْمًا، سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، [[في أ: "العلم رضا بما يصنع".]] وَإِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لِلْعَالَمِ مَنْ فِي السموات وَالْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالَمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ. إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمِنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ". وَأَخْرَجَهُ [[في ت: "رواه".]] أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ -وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَيْسُ بْنُ كَثِيرٍ-عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ [[المسند (٥/١٩٦) وسنن أبي داود برقم (٣٦٤١) وسنن الترمذي برقم (٢٦٨٢) وسنن ابن ماجه برقم (٢٢٣) .]] . وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَهُ وَاخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِيهِ فِي شَرْحِ "كِتَابِ الْعِلْمِ" مِنْ "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ"، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ "سُورَةِ طه" حَدِيثُ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْعُلَمَاءِ: إِنِّي لَمْ أَضَعْ عِلْمِي وَحُكْمِي فِيكُمْ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ [أَنْ] [[زيادة من ت، س، أ.]] أَغْفِرَ لَكُمْ، عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ، وَلَا أبالي". [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية (٢) من سورة طه.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى الكتاب الذي ذكر الله في هذه الآية أنه أورثه الذين اصطفاهم من عباده، ومن المصطفون من عباده، والظالم لنفسه؛ فقال بعضهم: الكتاب هو الكتب التي أنزلها الله من قبل الفرقان. والمصطفون من عباده أمة محمد ﷺ. والظالم لنفسه أهل الإجرام منهم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا علي قال: ثنا أَبو صالح قال: ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ ... ﴾ إلى قوله ﴿الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ هم أمة محمد ﷺ ورثهم الله كل كتاب أنزله؛ فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابًا يسيرًا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب. ⁕ حدثنا ابن حميد قال: ثنا الحكم بن بشير قال: ثنا عمرو بن قيسٍ عن عبد الله بن عيسى، عن يزيد بن الحارث عن شقيق، عن أَبي وائل عن عبد الله بن مسعود أنه قال: هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة؛ ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابًا يسيرًا، وثلث يجيئون بذنوب عظام حتى يقول: ما هؤلاء؟ وهو أعلم تبارك وتعالى، فتقول الملائكة: هؤلاء جاءوا بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا بك، فيقول الرب: أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي، وتلا عبد الله هذه الآية ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ . ⁕ حدثنا حميد بن مسعدة قال: ثنا يزيد بن زريع قال: ثنا عون قال: ثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: ثنا كعب الأحبار أن الظالم لنفسه من هذه الأمة، والمقتصد والسابق بالخيرات كلهم في الجنة، ألم تر أن الله قال ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ... ﴾ إلى قوله ﴿كُل كَفُورٍ﴾ . ⁕ حدثني علي بن سعيد الكندي قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن عوف، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: سمعت كعبًا يقول: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال: كلهم في الجنة، وتلا هذه الآية ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ . ⁕ حدثنا الحسن بن عرفة قال: ثنا مروان بن معاوية الفزاري عن عوف بن أبي جبلة قال: ثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: ثنا كعب أن الظالم من هذه الأمة والمقتصد والسابق بالخيرات كلهم في الجنة، ألم تر أن الله قال ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ... ﴾ إلى قوله ﴿لُغُوب﴾ والذين كفروا لهم نار جهنم، قال: قال كعب: فهؤلاء أهل النار. ⁕ حدثني يعقوب قال: ثنا ابن علية عن عوف قال: سمعت عبد الله بن الحارث يقول: قال كعب: إن الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات من هذه الأمة كلهم في الجنة، ألم تر أن الله يقول ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ... ﴾ حتى بلغ قوله ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ . ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا ابن عُلية، قال: أخبرنا حميد عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث عن أبيه أن ابن عباس سأل كعبًا عن قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ... ﴾ إلى قوله ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فقال: تماست مناكبهم ورب الكعبة ثم أعطوا الفضل بأعمالهم. ⁕ حدثنا ابن حميد قال: ثنا الحكم بن بشير قال: ثنا عمرو بن قيس عن أَبي إسحاق السبيعي في هذه الآية ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ قال: قال أَبو إسحاق: أما ما سمعت منذ ستين سنة، فكلهم ناجٍ. ⁕ قال: ثنا عمرو عن محمد بن الحنفية قال: إنها أمة مرحومة، الظالم مغفور له والمقتصد في الجنات عند الله والسابق بالخيرات في الدرجات عند الله. وقال آخرون: الكتاب الذي أورث هؤلاء القوم هو شهادة أن لا إله إلا الله، والمصطفون هم أمة محمد ﷺ، والظالم لنفسه منهم هو المنافق، وهو في النار، والمقتصد والسابق بالخيرات في الجنة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أَبو عمار الحسين بن حريث المروزي قال: ثنا الفضل بن موسى عن حسين بن واقد عن يزيد عن عكرمة عن عبد الله ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ قال: اثنان في الجنة وواحد في النار. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ... ﴾ إلى آخر الآية قال: جعل أهل الإيمان على ثلاثة منازل، كقوله ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فهم على هذا المثال. ⁕ حدثنا ابن حميد قال: ثنا يحيى بن واضح قال: ثنا الحسين عن يزيد عن عكرمة ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ... ﴾ الآية، قال: الاثنان في الجنة وواحد في النار، وهي بمنزلة التي في الواقعة ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ . ⁕ حدثنا سهل بن موسى قال: ثنا عبد المجيد عن ابن جريج عن مجاهد في قوله ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ قال: هم أصحاب المشأمة ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ قال: هم أصحاب الميمنة ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرِاتِ﴾ قال: هم السابقون من الناس كلهم. ⁕ حدثنا الحسن بن عرفة قال: ثنا مروان بن معاوية قال: قال عوف: قال الحسن: أما الظالم لنفسه فإنه هو المنافق، سقط هذا وأما المقتصد والسابق بالخيرات فهما صاحبا الجنة. ⁕ حدثني يعقوب قال: ثنا ابن علية عن عوف قال: قال الحسن: الظالم لنفسه المنافق. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ شهادة أن لا إله إلا الله ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ هذا المنافق في قول قتادة والحسن ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ قال: هذا صاحب اليمين ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ قال: هذا المقرب، قال قتادة: كان الناس ثلاث منازل في الدنيا، وثلاث منازل عند الموت، وثلاث منازل في الآخرة؛ أما الدنيا فكانوا: مؤمن [[هو تقدير مبتدأ قبله، أي هم مؤمن ... إلخ. أو بعضهم مؤمن.]] ومنافق ومشرك، وأما عند الموت فإن الله قال ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ وأما في الآخرة فكانوا أزواجًا ثلاثة ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ قال: هم أصحاب المشأمة ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ قال: أصحاب الميمنة ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ قال: فهم السابقون من الناس كلهم. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ قال: سقط هذا ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال: سبق هذا بالخيرات وهذا مقتصد على أثره. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب تأويل من قال: عنى بقوله ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الكتب التي أنزلت من قبل الفرقان. فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه وأمة محمد ﷺ لا يتلون غير كتابهم، ولا يعملون إلا بما فيه من الأحكام والشرائع؟ قيل: إن معنى ذلك على غير الذي ذهبت إليه وإنما معناه: ثم أورثنا الإيمان بالكتاب الذين اصطفينا؛ فمنهم مؤمنون بكل كتاب أنزله الله من السماء قبل كتابهم وعاملون به؛ لأن كل كتاب أنزل من السماء قبل الفرقان، فإنه يأمر بالعمل بالفرقان عند نزوله، وباتباع من جاء به، وذلك عمل من أقر بمحمد ﷺ وبما جاء به وعمل بما دعاه إليه بما فى القرآن، وبما في غيره من الكتب التي أنزلت قبله. وإنما قيل: عنى بقوله ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ الكتب التي ذكرنا؛ لأن الله جل ثناؤه قال لنبيه محمد ﷺ ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ثم أتبع ذلك قوله ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ فكان معلومًا إذ كان معنى الميراث إنما هو انتقال معنى من قوم إلى آخرين، ولم تكن أمة على عهد نبينا ﷺ انتقل إليهم كتاب من قوم كانوا قبلهم غير أمته أن ذلك معناه: وإذ كان ذلك كذلك فبين أن المصطفين من عباده هم مؤمنو أمته، وأما الظالم لنفسه فإنه لأن يكون من أهل الذنوب والمعاصي التي هي دون النفاق والشرك عندي أشبه بمعنى الآية من أن يكون المنافق أو الكافر، وذلك أن الله تعالى ذكره أتبع هذه الآية قوله ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ فعم بدخول الجنة جميع الأصناف الثلاثة. فإن قال قائل: فإن قوله ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ إنما عنى به المقتصد والسابق! قيل له: وما برهانك على أن ذلك كذلك من خبر أو عقل؟ فإن قال: قيام الحجة أن الظالم من هذه الأمة سيدخل النار، ولو لم يدخل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد وجب أن لا يكون لأهل الإيمان وعيد؟ قيل: إنه ليس في الآية خبر أنهم لا يدخلون النار، وإنما فيها إخبار من الله تعالى ذكره أنهم يدخلون جنات عدن، وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة الله إياه على ذنوبه التي أصابها في الدنيا، وظلمه نفسه فيها بالنار أو بما شاء من عقابه، ثم يدخله الجنة، فيكون ممن عمه خبر الله جل ثناؤه بقوله ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ . وقد روي عن رسول الله ﷺ بنحو الذي قلنا في ذلك أخبار وإن كان في أسانيدها نظر مع دليل الكتاب على صحته على النحو الذي بينت. ذكر الرواية الواردة بذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا أَبو أحمد الزبيري قال: ثنا سفيان عن الأعمش قالَ: ذكر أَبو ثابت أنه دخل المسجد، فجلس إلى جنب أَبي الدرداء، فقال: اللهم آنس وحشتي وارحم غربتي ويسر لي جليسًا صالحًا، فقال أَبو الدرداء: لئن كنت صادقًا لأنا أسعد به منك، سأحدثك حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ لم أحدث به منذ سمعته ذَكَرَ هذه الآية ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ومنهم وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ فأما السابق بالخيرات فيدخلها بغير حساب وأما المقتصد فيحاسب حسابًا يسيرًا، وأما الظالم لنفسه فيُصيبه في ذلك المكان من الغم والحزن فذلك قوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ . ⁕ حدثنا ابن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة عن الوليد بن المغيرة، أنه سمع رجلا من ثقيف حدث عن رجل من كنانة عن أَبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ومنهم وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) قال: "هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة وكلهم في الجنة". وعنى بقوله ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الذين اخترناهم لطاعتنا واجتبيناهم، وقوله ﴿فَمْنِهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ يقول: فمن هؤلاء الذين اصطفينا من عبادنا من يظلم نفسه بركوبه المآثم واجترامه المعاصي واقترافه الفواحش ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ وهو غير المبالغ في طاعة ربه وغير المجتهد فيما ألزمه من خدمة ربه حتى يكون عمله في ذلك قصدًا ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ وهو المبرز الذي قد تقدم المجتهدين في خدمة ربه وأداء ما لزمه من فرائضه، فسبقهم بصالح الأعمال وهي الخيرات التي قال الله جل ثناؤه ﴿بِإِذْنِ اللِّهِ﴾ يقول: بتوفيق الله إياه لذلك. * * وقوله ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ يقول تعالى ذكره: سبق هذا السابق من سبقه بالخيرات بإذن الله، هو الفضل الكبير الذي فضل به من كان مقتصرًا عن منزلته في طاعة الله من المقتصد والظالم لنفسه.
Ensuite, Nous avons donné le Coran à la communauté de Muħammad que Nous avons élue parmi les peuples. Certains parmi cette communauté sont injustes envers eux-mêmes parce qu’ils commettent des actes illicites et délaissent les obligations. D’autres se tiennent sur une voie moyenne parce qu’ils s’acquittent des obligations, renoncent aux actes illicites, délaissent certaines œuvres recommandées et en commettent d’autres détestables. D’autres encore devancent tout le monde en bonnes œuvres avec la permission d’Allah. Ils s’acquittent des obligations, accomplissent les œuvres recommandées et délaissent les actes illicites et détestables. L’élection de cette communauté et le don du Coran qui lui a été fait, est une grâce immense qui n’est égalée par aucune autre.
جَنَّٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍۢ وَلُؤْلُؤًۭا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌۭ
Les jardins d'Eden où ils entreront, parés de bracelets en or ainsi que de perles; et là, leurs vêtements sont de soie.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ مَأْوَى هَؤُلَاءِ الْمُصْطَفَيْنَ مِنْ عِبَادِهِ، الَّذِينَ أَوْرَثُوا الْكِتَابَ الْمُنَزَّلَ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أَيْ: جَنَّاتُ الْإِقَامَةِ يَدْخُلُونَهَا يَوْمَ مَعَادِهِمْ وَقُدُومِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ، عَزَّ وَجَلَّ، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ [[في ت: "الحليلة"، وفي أ: "الحلة".]] مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ". [[صحيح مسلم برقم (٢٤٦) .]] ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ وَلِهَذَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا، فَأَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قَالَ: "مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ". وَقَالَ: " [لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ] [[زيادة من ت، أ.]] هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ [[في س: "ولنا".]] فِي الْآخِرَةِ". وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَادٍ السَّرْحي، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ حَدَّثَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ، وَذَكَرَ حُلِيَّ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَقَالَ: "مُسَوَّرُونَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، مُكَلَّلة بِالدُّرِّ، وَعَلَيْهِمْ أَكَالِيلُ مِنْ دُرّ وَيَاقُوتٍ مُتَوَاصِلَةٌ، وَعَلَيْهِمْ تَاجٌ كَتَاجِ الْمُلُوكِ، شَبَابٌ جُرْدٌ مُردٌ مكحَّلُون". [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٦٧) من طريق علي بن الحسن عن عمرو بن سواد، به. والحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة.]] ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ وَهُوَ الْخَوْفُ مِنَ الْمَحْذُورِ، أَزَاحَهُ عَنَّا، وَأَرَاحَنَا مِمَّا كُنَّا نَتَخَوَّفُهُ، وَنَحْذَرُهُ مِنْ هُمُومِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "لَيْسَ عَلَى أَهْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" وَحْشَةٌ فِي قُبُورِهِمْ وَلَا فِي مَنْشَرِهِمْ، وَكَأَنِّي بِأَهْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا الله" ينفضون التراب عن رؤوسهم، وَيَقُولُونَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِهِ. [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٤٥٣١) "مجمع البحرين" وابن عدي في الكامل (٤/٢٧١) من طريق يحيى الحماني عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، به. وقال ابن عدي في ترجمة عبد الرحمن بن زيد: "أحاديثه غير محفوظة". وقال المنذري في الترغيب (٢/٤١٦) : "في متنه نكارة".]] وَقَالَ [[في ت: وروى.]] الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى [[في هـ، ت، س، أ: "موسى بن يحيى" والصواب ما أثبتناه من الإكمال وتخريج الكشاف للزيلعي.]] الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ الْكُوفِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ عَلَى أَهْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" وَحْشَةٌ فِي الْمَوْتِ وَلَا فِي قُبُورِهِمْ وَلَا فِي النُّشُورِ. [[في س: "منشرهم".]] وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ عِنْدَ الصَّيْحَةِ ينفضون رؤوسهم مِنَ التُّرَابِ، يَقُولُونَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [[قال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٣٣) : "رواه الطبراني وفيه جماعة لم أعرفهم". ورواه ابن عدي في الكامل (٢/٦٥) والبيهقي في البعث برقم (٨٨) من طريق الحسن عن بهلول بن عبيد عن سلمة بن كهيل عن ابن عمر بنحوه، وقال البيهقي: "هذا مرسل عن سلمة بن كهيل وابن عمر، وبهلول تفرد به وليس بالقوي".]] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ: غَفَر لَهُمُ الْكَثِيرَ [[في أ: "الكبير".]] مِنَ السَّيِّئَاتِ، وَشَكَرَ لَهُمُ الْيَسِيرَ مِنَ الْحَسَنَاتِ. ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ : يَقُولُونَ: الَّذِي أَعْطَانَا هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ، وَهَذَا الْمَقَامَ مِنْ فَضْلِهِ وَمَنِّه [[في س: "ومنته".]] وَرَحْمَتِهِ، لَمْ تَكُنْ أَعْمَالُنَا تُسَاوِي ذَلِكَ. كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ". قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ". [[صحيح البخاري برقم (٥٦٧٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨١٦) .]] ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ أَيْ: لَا يَمَسُّنَا فِيهَا عَنَاءٌ وَلَا إِعْيَاءٌ. والنصَب وَاللُّغُوبُ: كُلٌّ مِنْهُمَا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّعَبِ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ يَنْفِي هَذَا وَهَذَا عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا تَعَبَ عَلَى أَبْدَانِهِمْ وَلَا أَرْوَاحِهِمْ [[في ت، أ: "ولا على أرواحهم".]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُدْئبُون أَنْفُسَهُمْ فِي الْعِبَادَةِ فِي الدُّنْيَا، فَسَقَطَ عَنْهُمُ التَّكْلِيفُ بِدُخُولِهَا، وَصَارُوا فِي رَاحَةٍ دَائِمَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الْحَاقَّةِ: ٢٤] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: بساتين إقامة يدخلونها هؤلاء الذين أورثناهم الكتاب، الذين اصطفينا من عبادنا يوم القيامة ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ يلبسون في جنات عدن أسورة من ذهب ﴿وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ يقول: ولباسهم في الجنة حرير. * * وقوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ اختلف أهل التأويل في الحَزَنِ الذي حمد الله على إذهابه عنهم هؤلاء القوم؛ فقال بعضهم: ذلك الحزَن الذي كانوا فيه قبل دخولهم الجنة من خوف النار إذ كانوا خائفين أن يدخلوها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني قتادة بن سعيد بن قتادة السدوسي قال: ثنا معاذ بن هشام صاحب الدستوائي قال: ثنا أَبي عن عمرو بن مالك عن أَبي الجوزاء عن ابن عباس في قوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ قال: حزن النار. ⁕ حدثنا ابن حميد قال: ثنا ابن المبارك عن مَعْمَر عن يحيى بن المختار عن الحسن ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ قال: إن المؤمنين قوم ذُلُل ذلَّت والله الأسماع والأبصار والجوارح، حتى يحسبهم الجاهل مَرضَى، وما بالقوم مرض، وإنهم لأصحة القلوب ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ والحَزَنُ، والله ما حزنهم حزن الدنيا ولا تعاظم في أنفسهم ما طلبوا به الجنة أبكاهم الخوف من النار، وأنه من لا يتعزَّ بعزاء الله يقطِّع نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب فقد قل علمه وحضر عذابه. وقال آخرون: عني به الموت. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أَبو كريب قال: ثنا ابن إدريس عن أبيه عن عطية في قوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ قال: الموت. وقال آخرون: عني به حزن الخبز [[كذا في الأصل: الخبز، ولعل المراد به. هم العيش في الدنيا. والعيش فيها قوامه الطعام والخبز.]] . ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد قال: ثنا يعقوب عن حفص يعني ابن حميد عن شمر قال: لما أدخل الله أهل الجنة الجنة قالوا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ قال: حزن الخبز. وقال آخرون. عني بذلك: الحزن من التعب الذي كانوا فيه في الدنيا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ قال: كانوا في الدنيا يعملون وينصبون وهم في خوف، أو يحزنون. وقال آخرون: بل عني بذلك الحزن الذي ينال الظالم لنفسه في موقف القيامة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار قال: ثنا أَبو أحمد قال: ثنا سفيان عن الأعمش قال: ذكر أَبو ثابت أن أبا الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أما الظالم لنفسه فيصيبه في ذلك المكان من الغم والحزن فذلك قوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ ". وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء القوم الذين أكرمهم بما أكرمهم به أنهم قالوا حين دخلوا الجنة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ وخوف دخول النار من الحزن، والجَزَع من الموت من الحزن، والجزع من الحاجة إلى المطعم من الحزن. ولم يخصص الله إذ أخبر عنهم أنهم حمدوه على إذهابه الحزن عنهم نوعًا دون نوع، بل أخبر عنهم أنهم عموا جميع أنوع الحزن بقولهم ذلك، وكذلك ذلك؛ لأن من دخل الجنة فلا حزن عليه بعد ذلك، فحمدهم على إذهابه عنهم جميع معاني الحزن. * * وقوله ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل هذه الأصناف الذين أخبر أنه اصطفاهم من عباده عند دخولهم الجنة: إن ربنا لغفور لذنوب عباده الذين تابوا من ذنوبهم، فساترها عليهم بعفوه لهم عنها، شكور لهم على طاعتهم إياه، وصالح ما قدموا في الدنيا من الأعمال. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ لحسناتهم. ⁕ حدثنا ابن حميد قال: ثنا يعقوب عن حفص عن شمر ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ غفر لهم ما كان من ذنب، وشكر لهم ما كان منهم.
Ces élus résideront dans des vergers où ils seront parés de perles et de bracelets en or et seront vêtus de soie.
وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌۭ شَكُورٌ
Et ils diront: «Louange à Allah qui a écarté de nous l'affliction. Notre Seigneur est certes Pardonneur et Reconnaissant.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ مَأْوَى هَؤُلَاءِ الْمُصْطَفَيْنَ مِنْ عِبَادِهِ، الَّذِينَ أَوْرَثُوا الْكِتَابَ الْمُنَزَّلَ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أَيْ: جَنَّاتُ الْإِقَامَةِ يَدْخُلُونَهَا يَوْمَ مَعَادِهِمْ وَقُدُومِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ، عَزَّ وَجَلَّ، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ [[في ت: "الحليلة"، وفي أ: "الحلة".]] مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ". [[صحيح مسلم برقم (٢٤٦) .]] ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ وَلِهَذَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا، فَأَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قَالَ: "مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ". وَقَالَ: " [لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ] [[زيادة من ت، أ.]] هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ [[في س: "ولنا".]] فِي الْآخِرَةِ". وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَادٍ السَّرْحي، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ حَدَّثَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ، وَذَكَرَ حُلِيَّ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَقَالَ: "مُسَوَّرُونَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، مُكَلَّلة بِالدُّرِّ، وَعَلَيْهِمْ أَكَالِيلُ مِنْ دُرّ وَيَاقُوتٍ مُتَوَاصِلَةٌ، وَعَلَيْهِمْ تَاجٌ كَتَاجِ الْمُلُوكِ، شَبَابٌ جُرْدٌ مُردٌ مكحَّلُون". [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٦٧) من طريق علي بن الحسن عن عمرو بن سواد، به. والحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة.]] ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ وَهُوَ الْخَوْفُ مِنَ الْمَحْذُورِ، أَزَاحَهُ عَنَّا، وَأَرَاحَنَا مِمَّا كُنَّا نَتَخَوَّفُهُ، وَنَحْذَرُهُ مِنْ هُمُومِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "لَيْسَ عَلَى أَهْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" وَحْشَةٌ فِي قُبُورِهِمْ وَلَا فِي مَنْشَرِهِمْ، وَكَأَنِّي بِأَهْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا الله" ينفضون التراب عن رؤوسهم، وَيَقُولُونَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِهِ. [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٤٥٣١) "مجمع البحرين" وابن عدي في الكامل (٤/٢٧١) من طريق يحيى الحماني عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، به. وقال ابن عدي في ترجمة عبد الرحمن بن زيد: "أحاديثه غير محفوظة". وقال المنذري في الترغيب (٢/٤١٦) : "في متنه نكارة".]] وَقَالَ [[في ت: وروى.]] الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى [[في هـ، ت، س، أ: "موسى بن يحيى" والصواب ما أثبتناه من الإكمال وتخريج الكشاف للزيلعي.]] الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ الْكُوفِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ عَلَى أَهْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" وَحْشَةٌ فِي الْمَوْتِ وَلَا فِي قُبُورِهِمْ وَلَا فِي النُّشُورِ. [[في س: "منشرهم".]] وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ عِنْدَ الصَّيْحَةِ ينفضون رؤوسهم مِنَ التُّرَابِ، يَقُولُونَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [[قال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٣٣) : "رواه الطبراني وفيه جماعة لم أعرفهم". ورواه ابن عدي في الكامل (٢/٦٥) والبيهقي في البعث برقم (٨٨) من طريق الحسن عن بهلول بن عبيد عن سلمة بن كهيل عن ابن عمر بنحوه، وقال البيهقي: "هذا مرسل عن سلمة بن كهيل وابن عمر، وبهلول تفرد به وليس بالقوي".]] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ: غَفَر لَهُمُ الْكَثِيرَ [[في أ: "الكبير".]] مِنَ السَّيِّئَاتِ، وَشَكَرَ لَهُمُ الْيَسِيرَ مِنَ الْحَسَنَاتِ. ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ : يَقُولُونَ: الَّذِي أَعْطَانَا هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ، وَهَذَا الْمَقَامَ مِنْ فَضْلِهِ وَمَنِّه [[في س: "ومنته".]] وَرَحْمَتِهِ، لَمْ تَكُنْ أَعْمَالُنَا تُسَاوِي ذَلِكَ. كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ". قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ". [[صحيح البخاري برقم (٥٦٧٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨١٦) .]] ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ أَيْ: لَا يَمَسُّنَا فِيهَا عَنَاءٌ وَلَا إِعْيَاءٌ. والنصَب وَاللُّغُوبُ: كُلٌّ مِنْهُمَا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّعَبِ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ يَنْفِي هَذَا وَهَذَا عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا تَعَبَ عَلَى أَبْدَانِهِمْ وَلَا أَرْوَاحِهِمْ [[في ت، أ: "ولا على أرواحهم".]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُدْئبُون أَنْفُسَهُمْ فِي الْعِبَادَةِ فِي الدُّنْيَا، فَسَقَطَ عَنْهُمُ التَّكْلِيفُ بِدُخُولِهَا، وَصَارُوا فِي رَاحَةٍ دَائِمَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الْحَاقَّةِ: ٢٤] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: بساتين إقامة يدخلونها هؤلاء الذين أورثناهم الكتاب، الذين اصطفينا من عبادنا يوم القيامة ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ يلبسون في جنات عدن أسورة من ذهب ﴿وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ يقول: ولباسهم في الجنة حرير. * * وقوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ اختلف أهل التأويل في الحَزَنِ الذي حمد الله على إذهابه عنهم هؤلاء القوم؛ فقال بعضهم: ذلك الحزَن الذي كانوا فيه قبل دخولهم الجنة من خوف النار إذ كانوا خائفين أن يدخلوها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني قتادة بن سعيد بن قتادة السدوسي قال: ثنا معاذ بن هشام صاحب الدستوائي قال: ثنا أَبي عن عمرو بن مالك عن أَبي الجوزاء عن ابن عباس في قوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ قال: حزن النار. ⁕ حدثنا ابن حميد قال: ثنا ابن المبارك عن مَعْمَر عن يحيى بن المختار عن الحسن ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ قال: إن المؤمنين قوم ذُلُل ذلَّت والله الأسماع والأبصار والجوارح، حتى يحسبهم الجاهل مَرضَى، وما بالقوم مرض، وإنهم لأصحة القلوب ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ والحَزَنُ، والله ما حزنهم حزن الدنيا ولا تعاظم في أنفسهم ما طلبوا به الجنة أبكاهم الخوف من النار، وأنه من لا يتعزَّ بعزاء الله يقطِّع نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب فقد قل علمه وحضر عذابه. وقال آخرون: عني به الموت. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أَبو كريب قال: ثنا ابن إدريس عن أبيه عن عطية في قوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ قال: الموت. وقال آخرون: عني به حزن الخبز [[كذا في الأصل: الخبز، ولعل المراد به. هم العيش في الدنيا. والعيش فيها قوامه الطعام والخبز.]] . ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد قال: ثنا يعقوب عن حفص يعني ابن حميد عن شمر قال: لما أدخل الله أهل الجنة الجنة قالوا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ قال: حزن الخبز. وقال آخرون. عني بذلك: الحزن من التعب الذي كانوا فيه في الدنيا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ قال: كانوا في الدنيا يعملون وينصبون وهم في خوف، أو يحزنون. وقال آخرون: بل عني بذلك الحزن الذي ينال الظالم لنفسه في موقف القيامة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار قال: ثنا أَبو أحمد قال: ثنا سفيان عن الأعمش قال: ذكر أَبو ثابت أن أبا الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أما الظالم لنفسه فيصيبه في ذلك المكان من الغم والحزن فذلك قوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ ". وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء القوم الذين أكرمهم بما أكرمهم به أنهم قالوا حين دخلوا الجنة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ وخوف دخول النار من الحزن، والجَزَع من الموت من الحزن، والجزع من الحاجة إلى المطعم من الحزن. ولم يخصص الله إذ أخبر عنهم أنهم حمدوه على إذهابه الحزن عنهم نوعًا دون نوع، بل أخبر عنهم أنهم عموا جميع أنوع الحزن بقولهم ذلك، وكذلك ذلك؛ لأن من دخل الجنة فلا حزن عليه بعد ذلك، فحمدهم على إذهابه عنهم جميع معاني الحزن. * * وقوله ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل هذه الأصناف الذين أخبر أنه اصطفاهم من عباده عند دخولهم الجنة: إن ربنا لغفور لذنوب عباده الذين تابوا من ذنوبهم، فساترها عليهم بعفوه لهم عنها، شكور لهم على طاعتهم إياه، وصالح ما قدموا في الدنيا من الأعمال. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ لحسناتهم. ⁕ حدثنا ابن حميد قال: ثنا يعقوب عن حفص عن شمر ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ غفر لهم ما كان من ذنب، وشكر لهم ما كان منهم.
Ils diront après leur entrée au Paradis: Louange à Allah qui a écarté de nous la tristesse causée par notre crainte d’aller en Enfer. Notre Seigneur pardonne les péchés de Ses serviteurs qui se repentent et leur est reconnaissant pour leur obéissance.
ٱلَّذِىٓ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِۦ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌۭ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌۭ
C'est Lui qui nous a installés, par Sa grâce, dans la Demeure de la stabilité, où nulle fatigue, nulle lassitude ne nous touchent».
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ مَأْوَى هَؤُلَاءِ الْمُصْطَفَيْنَ مِنْ عِبَادِهِ، الَّذِينَ أَوْرَثُوا الْكِتَابَ الْمُنَزَّلَ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أَيْ: جَنَّاتُ الْإِقَامَةِ يَدْخُلُونَهَا يَوْمَ مَعَادِهِمْ وَقُدُومِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ، عَزَّ وَجَلَّ، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ [[في ت: "الحليلة"، وفي أ: "الحلة".]] مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ". [[صحيح مسلم برقم (٢٤٦) .]] ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ وَلِهَذَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا، فَأَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قَالَ: "مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ". وَقَالَ: " [لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ] [[زيادة من ت، أ.]] هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ [[في س: "ولنا".]] فِي الْآخِرَةِ". وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَادٍ السَّرْحي، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَة، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ حَدَّثَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ، وَذَكَرَ حُلِيَّ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَقَالَ: "مُسَوَّرُونَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، مُكَلَّلة بِالدُّرِّ، وَعَلَيْهِمْ أَكَالِيلُ مِنْ دُرّ وَيَاقُوتٍ مُتَوَاصِلَةٌ، وَعَلَيْهِمْ تَاجٌ كَتَاجِ الْمُلُوكِ، شَبَابٌ جُرْدٌ مُردٌ مكحَّلُون". [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٦٧) من طريق علي بن الحسن عن عمرو بن سواد، به. والحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة.]] ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ وَهُوَ الْخَوْفُ مِنَ الْمَحْذُورِ، أَزَاحَهُ عَنَّا، وَأَرَاحَنَا مِمَّا كُنَّا نَتَخَوَّفُهُ، وَنَحْذَرُهُ مِنْ هُمُومِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "لَيْسَ عَلَى أَهْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" وَحْشَةٌ فِي قُبُورِهِمْ وَلَا فِي مَنْشَرِهِمْ، وَكَأَنِّي بِأَهْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا الله" ينفضون التراب عن رؤوسهم، وَيَقُولُونَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِهِ. [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٤٥٣١) "مجمع البحرين" وابن عدي في الكامل (٤/٢٧١) من طريق يحيى الحماني عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، به. وقال ابن عدي في ترجمة عبد الرحمن بن زيد: "أحاديثه غير محفوظة". وقال المنذري في الترغيب (٢/٤١٦) : "في متنه نكارة".]] وَقَالَ [[في ت: وروى.]] الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى [[في هـ، ت، س، أ: "موسى بن يحيى" والصواب ما أثبتناه من الإكمال وتخريج الكشاف للزيلعي.]] الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ الْكُوفِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ عَلَى أَهْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" وَحْشَةٌ فِي الْمَوْتِ وَلَا فِي قُبُورِهِمْ وَلَا فِي النُّشُورِ. [[في س: "منشرهم".]] وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ عِنْدَ الصَّيْحَةِ ينفضون رؤوسهم مِنَ التُّرَابِ، يَقُولُونَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [[قال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٣٣) : "رواه الطبراني وفيه جماعة لم أعرفهم". ورواه ابن عدي في الكامل (٢/٦٥) والبيهقي في البعث برقم (٨٨) من طريق الحسن عن بهلول بن عبيد عن سلمة بن كهيل عن ابن عمر بنحوه، وقال البيهقي: "هذا مرسل عن سلمة بن كهيل وابن عمر، وبهلول تفرد به وليس بالقوي".]] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ: غَفَر لَهُمُ الْكَثِيرَ [[في أ: "الكبير".]] مِنَ السَّيِّئَاتِ، وَشَكَرَ لَهُمُ الْيَسِيرَ مِنَ الْحَسَنَاتِ. ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ : يَقُولُونَ: الَّذِي أَعْطَانَا هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ، وَهَذَا الْمَقَامَ مِنْ فَضْلِهِ وَمَنِّه [[في س: "ومنته".]] وَرَحْمَتِهِ، لَمْ تَكُنْ أَعْمَالُنَا تُسَاوِي ذَلِكَ. كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ". قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ". [[صحيح البخاري برقم (٥٦٧٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨١٦) .]] ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ أَيْ: لَا يَمَسُّنَا فِيهَا عَنَاءٌ وَلَا إِعْيَاءٌ. والنصَب وَاللُّغُوبُ: كُلٌّ مِنْهُمَا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّعَبِ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ يَنْفِي هَذَا وَهَذَا عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا تَعَبَ عَلَى أَبْدَانِهِمْ وَلَا أَرْوَاحِهِمْ [[في ت، أ: "ولا على أرواحهم".]] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُدْئبُون أَنْفُسَهُمْ فِي الْعِبَادَةِ فِي الدُّنْيَا، فَسَقَطَ عَنْهُمُ التَّكْلِيفُ بِدُخُولِهَا، وَصَارُوا فِي رَاحَةٍ دَائِمَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الْحَاقَّةِ: ٢٤] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل الذين أدخلوا الجنة ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ أي: ربنا الذي أنزلنا هذه الدار يعنون الجنة، فدار المقامة: دار الإقامة التي لا نقلة معها عنها ولا تحول، والميم إذا ضمت من "المقامة" فهو من الإقامة، فإذا فتحت فهي من المجلس، والمكان الذي يقام فيه، قال الشاعر: يَومَانِ يَومُ مَقامَاتٍ وأنْدِيةٍ ... وَيَومُ سَيرٍ إلَى الأعْدَاءِ تَأويب [[البيت قد تقدم الاستشهاد به في هذا الجزء (٢٢: ٦٥) .]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أقاموا فلا يتحولون. * * وقوله ﴿لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ يقول: لا يصيبنا فيها تعب ولا وجع ﴿وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ يعني باللغوب: العناء والإعياء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عبيد قال: ثنا موسى بن عمير عن أَبي صالح عن ابن عباس في قوله ﴿لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ قال: اللغوب: العناء ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ أي: وجع.
C’est Lui qui nous a fait résider dans la demeure que nous ne quitterons plus, par Sa grâce et non par notre force. Ni fatigue ni peine ne nous toucheront plus alors.
وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا۟ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍۢ
Et ceux qui ont mécru auront le feu de l'Enfer: on ne les achève pas pour qu'ils meurent; on ne leur allège rien de ses tourments. C'est ainsi que Nous récompensons tout négateur obstiné.
Tafsir (3)
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ السُّعَدَاءِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَآلِ الْأَشْقِيَاءِ، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [طه: ٧٤] . وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَلَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يحيون". [[صحيح مسلم برقم (١٨٥) .]] قال [الله] [[زيادة من ت، س.]] تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] . فَهُمْ فِي حَالِهِمْ ذَلِكَ يَرَوْنَ مَوْتَهُمْ رَاحَةً لَهُمْ، وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٤، ٧٥] ، وَقَالَ ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٩٧] ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نزيدَكُمْ إِلا عَذَابًا﴾ [النَّبَأِ: ٣٠] . ثُمَّ قَالَ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ أَيْ: هَذَا جَزَاءُ كُلِّ مَنْ كَفَرَ بِرَبِّهِ وَكَذَّبَ بِالْحَقِّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ أَيْ: يُنَادُونَ فِيهَا، يَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ بِأَصْوَاتِهِمْ: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ أَيْ: يَسْأَلُونَ الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا، لِيَعْمَلُوا غَيْرَ عملهم الْأَوَّلِ، وَقَدْ عَلِمَ الرَّبُّ، جَلَّ جَلَالُهُ، أَنَّهُ لَوْ رَدَّهُمْ إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا، لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. فَلِهَذَا لَا يُجِيبُهُمْ إِلَى سُؤَالِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غَافِرٍ: ١١، ١٢] ، أَيْ: لَا يُجِيبُكُمْ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّكُمْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ، وَلَوْ رُدِدْتُمْ لَعُدْتُمْ إِلَى مَا نَهَيْتُمْ عَنْهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ أَيْ: أَوَمَا عِشْتُمْ فِي الدُّنْيَا أَعْمَارًا لَوْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يَنْتَفِعُ بِالْحَقِّ لَانْتَفَعْتُمْ بِهِ فِي مُدَّةِ عُمْرِكُمْ؟ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مِقْدَارِ الْعُمُرِ الْمُرَادِ هَاهُنَا فَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ أَنَّهُ قَالَ: مِقْدَارُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقَالَ قَتَادَةُ: اعْلَمُوا أَنَّ طُولَ الْعُمُرِ حُجَّةٌ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نُعَيَّر [[في أ: "نغتر".]] بِطُولِ الْعُمُرِ، قَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ ، وَإِنَّ فِيهِمْ لِابْنِ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَذَا قَالَ أَبُو غَالِبٍ الشَّيْبَانِيُّ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّه فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ قَالَ: عِشْرِينَ [[في ت، س، أ: "عشرون".]] سَنَةً. وَقَالَ هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ قَالَ: أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَقَالَ هُشَيْم [أَيْضًا] [[زيادة من س.]] ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا بَلَغَ أَحَدُكُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَلْيَأْخُذْ حِذْرَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْم، عن مجاهد قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى ابْنِ آدَمَ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ أَرْبَعُونَ سَنَةً. هَكَذَا رَوَاهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ. ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ [[في أ: "خيثم".]] ، عَنْ مُجَاهِدٍ [[في ت: "وفي رواية أخرى".]] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ لِابْنِ آدَمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ سِتُّونَ سَنَةً. فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهِيَ الصَّحِيحَةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَيْضًا، لِمَا ثَبَتَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ -كَمَا سَنُورِدُهُ-لَا كَمَا زَعَمَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يَجِبُ التَّثَبُّتُ فِي أَمْرِهِ. وَقَدْ رَوَى [[في ت: "فروى".]] أَصْبَغُ بْنُ نُباتة، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: الْعُمُرُ الَّذِي عَيَّرهم اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ ستون سنة. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا دُحَيْم، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْك، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ الْمَخْزُومِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي حُسَين الْمَكِّيِّ؛ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَطاء -هُوَ ابْنِ أَبِي رَبَاحٍ-عَنِ [[في ت: "فقال ابن أبي حاتم بإسناده إلى".]] ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا [[في ت، س: "عنه".]] ، أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ: أَيْنَ أَبْنَاءِ السِّتِّينَ؟ وَهُوَ الْعُمُرُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِير﴾ . وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ [[في جميع النسخ: "عن إسماعيل، والمثبت من الطبري".]] بْنِ أَبِي فُدَيك، بِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٢/٩٣) والمعجم الكبير للطبراني (١١/١٧٧) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٩٧) : "وفيه إبراهيم بن الفضل المخزومي وهو ضعيف".]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِحَالِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَر، عن رَجُل مِنْ بَنِي غفَار، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى عَبْدٍ أَحْيَاهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً، لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ، لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ". [[المسند (٢/٢٧٥) .]] وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيِّ فِي "كِتَابِ الرِّقَاقِ" مِنْ صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّر، عَنْ عُمَر بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْن بْنِ مُحَمَّدٍ الغفَاري، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَعْذَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى امْرِئٍ أخَّر عُمْرَهُ حَتَّى بَلَّغَه سِتِّينَ سَنَةً". ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: تَابَعَهُ أَبُو حَازِمٍ وَابْنُ عَجْلان، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ. [[صحيح البخاري برقم (٦٤١٩) .]] فَأَمَّا أَبُو حَازِمٍ فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ الفَزَاريّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَّار، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيُّ الْإِسْكَنْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " [مَنْ عَمَّرَه] [[زيادة من ت، والطبري.]] اللَّهُ سِتِّينَ سَنَةً، فَقَدْ أَعْذَرَ إِلَيْهِ فِي الْعُمْرِ". وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ فِي الرِّقَاقِ جَمِيعًا عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِهِ. [[تفسير الطبري (٢٢/٩٣) والمسند (٢/٤١٧) والنسائي في السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف للمزي (٩/٤٧٢) .]] وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدٍ الْمُقْبِرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ إِلَى ابْنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةً". يَعْنِي: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [[ورواه ابن مردويه في تفسيره كما في تخريج الكشاف للزيلعي (٣/١٥٥) من طريق سليمان بن حرب، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وربما لم يقل: عن سهل، فذكر نحوه دون الآية، والمحفوظ عن أبي هريرة، رضي الله عنه.]] . وَأَمَّا مُتَابِعَةُ "ابْنِ عَجْلَانَ" فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو السَّفَرِ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَرْعَةَ بِسَامِرَّاءَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِيِّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أَتَتْ عَلَيْهِ سِتُّونَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَيْهِ فِي الْعُمْرِ". وَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ الْمُقْرِئُ [[في أ: "المقبري".]] ، بِهِ. [[المسند (٢/٣٢٠) .]] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ خَلَفٍ عَنْ أَبِي مَعْشَر، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ. طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ أَبُو عُتْبَة [[في أ: "أبو عيينة".]] الحِمْصِي، حَدَّثَنَا بَقِيَّة بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا الْمُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ الْكِنَانِيُّ، حَدَّثَنِي مَعْمَر بْنُ رَاشِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الغفَاري يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ سَنَةً وَالسَّبْعِينَ". [[تفسير الطبري (٢٢/٩٣) .]] فَقَدْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ [[في س: "لم تكن".]] إِلَّا الطَّرِيقُ الَّتِي ارْتَضَاهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ شَيْخُ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ لَكَفَتْ. وَقَوْلُ ابْنُ جَرِيرٍ: (إِنَّ فِي رِجَالِهِ بَعْضُ مَنْ يَجِبُ التَّثَبُّتُ فِي أَمْرِهِ) ، لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ مَعَ تَصْحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْعُمُرَ الطَّبِيعِيَّ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَالْإِنْسَانُ لَا يَزَالُ فِي ازْدِيَادٍ إِلَى كَمَالِ السِّتِّينَ، ثُمَّ يَشْرَعُ بَعْدَ هَذَا فِي النَّقْصِ وَالْهَرَمِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: إذَا بَلَغَ الفتَى ستينَ عَاما ... فَقَدْ ذَهَبَ المَسَرَّةُ والفَتَاءُ [[البيت نسبه أبو عبيدة للربيع بن ضبع الفزاري مستفادا من حاشية طبعة الشعب.]] وَلَمَّا كَانَ هَذَا هُوَ الْعُمُرُ الَّذِي يَعْذُرُ اللَّهُ إِلَى عِبَادِهِ بِهِ، وَيُزِيحُ بِهِ عَنْهُمُ الْعِلَلَ، كَانَ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَعْمَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، كَمَا وَرَدَ بِذَلِكَ الْحَدِيثُ، قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم: "أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَن يَجُوزُ ذَلِكَ". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا فِي كِتَابِ الزُّهْدِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[سنن الترمذي برقم (٣٥٥٠) وسنن ابن ماجه برقم (٤٢٣٦) .]] . وَهَذَا عَجَب مِنَ التِّرْمِذِيِّ، فَإِنَّهُ قَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَطَرِيقٍ أُخْرَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ [[في أ: "سليم".]] بْنُ عُمَرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ كَامِلٍ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي "كِتَابِ الزُّهْدِ" أَيْضًا، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ، بِهِ. [[سنن الترمذي برقم (٢٣٣١) .]] ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هريرة، وقد رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْهُ. هَذَا نَصَّهُ بِحُرُوفِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْك، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ -مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ-عَنِ المَقْبُريّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مُعْتَرك الْمَنَايَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ". وَبِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَقَلُّ أُمَّتِي أَبْنَاءُ سَبْعِينَ". إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. [[مسند أبي يعلى (١١/٤٢٢، ٤٢٣) وفيه إبراهيم بن الفضل وهو متروك.]] حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ: قَالَ [[في ت: "وروى".]] الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ رِبْعِي عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْبِئْنَا بِأَعْمَارِ أُمَّتِكَ. قَالَ: "مَا بَيْنَ الْخَمْسِينَ إِلَى السِّتِّينَ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَبْنَاءُ السَّبْعِينَ؟ قَالَ: "قَلّ مَنْ يَبْلُغُهَا مِنْ أُمَّتِي، رَحِمَ اللَّهُ أَبْنَاءَ السَّبْعِينَ، وَرَحِمَ اللَّهُ أَبْنَاءَ الثَّمَانِينَ". ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا يُرْوَى بِهَذَا اللَّفْظِ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ. [[مسند البزار برقم (٣٥٨٦) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠٦) : "وفيه عثمان بن مطر وهو ضعيف".]] وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً. وَقِيلَ: سِتِّينَ. وَقِيلَ: خَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةً. وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ : رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمَة، وَأَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، وَقَتَادَةَ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة أَنَّهُمْ قَالُوا: يَعْنِي: الشَّيْبَ. وَقَالَ السُّدِّيّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: يَعْنِي بِهِ الرَّسُولَ ﷺ وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى﴾ [النَّجْمِ: ٥٦] . وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عَنْ قَتَادَةَ، فِيمَا رَوَاهُ شَيْبَانُ، عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِالْعُمُرِ وَالرُّسُلِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧، ٧٨] ، أَيْ: لَقَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْحَقَّ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ، فَأَبَيْتُمْ وَخَالَفْتُمْ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٥] ، وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نزلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الْمُلْكِ: ٨، ٩] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ أَيْ: فَذُوقُوا عذابَ النَّارِ جَزَاءً عَلَى مُخَالَفَتِكُمْ لِلْأَنْبِيَاءِ فِي مُدَّةِ أَعْمَارِكُمْ، فَمَا لَكَمَ الْيَوْمَ نَاصِرٌ يُنْقِذُكُمْ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ من العذاب والنكال والأغلال.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) ﴾ يقول تعالى ذكره ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ورسوله ﴿لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ يقول: لهم نار جهنم مخلدين فيها لا حظ لهم في الجنة ولا نعيمها. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ﴾ بالموت ﴿فَيَمُوتُوا﴾ ، لأنهم لو ماتوا لاستراحوا ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ يقول: ولا يخفف عنهم من عذاب نار جهنم بإماتتهم، فيخفف ذلك عنهم. كما:- ⁕ حدثني مطرَّف بن عبد الله الضَّبِّي قال: ثنا أَبو قتيبة قال ثنا أَبو هلال الراسبي عن قتادة عن أَبي السوداء قال: مساكين أهل النار لا يموتون، لو ماتوا لاستراحوا. ⁕ حدثني عقبة بن سنان القزاز قال: ثنا غسان بن مضر قال: ثنا سعيد بن يزيد وحدثني يعقوب قال: ثنا ابن علية عن سعيد بن يزيد، وحدثنا سَوَّار بن عبد الله قال: ثنا بشر بن المفضل، ثنا أَبو سلمة عن أَبي نضرة عن أَبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، لكنَّ ناسًا، أو كما قال، تُصيبهمُ النارُ بذنوبِهم، أو قال: بخطاياهم، فَيُمِيتُهم إماتةً حتى إذا صاروا فَحْمًا أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضَبَائرَ ضَبَائرَ، فَبُثُّوا على أهل الجنة، فقال: يا أهلَ الجنة أفِيضُوا عليهم فَيَنْبُتُون كما تَنْبُتُ الحبة في حَمِيلِ السيل" فقال رجل من القوم حينئذٍ: كأن رسول الله ﷺ قد كان بالبادية. فإن قال قائل: وكيف قيل ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ وقد قيل في موضع آخر ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ ؟ قيل: معنى ذلك: ولا يخفف عنهم من هذا النوع من العذاب. * * وقوله ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ يقول تعالى ذكره: هكذا يكافِىء كل جحود لنعم ربه يوم القيامة؛ بأن يدخلهم نار جهنم بسيئاتهم التي قدموها في الدنيا. * * وقوله ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ يقول تعالى ذكره: هؤلاء الكفار يستغيثون ويضجون في النار، يقولون: يا ربنا أخرجنا نعمل صالحًا أي: تعمل بطاعتك ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ قبلُ من معاصيك. وقولهُ ﴿يَصْطَرِخُونَ﴾ يفتعلون من الصراخ؛ حولتْ تاؤها طاءً لقرب مخرجها من الصاد لما ثَقُلت. * * وقوله ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ اختلف أهل التأويل في مبلغ ذلك؛ فقال بعضهم: ذلك أربعون سنة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا بشر بن المفضل قال: ثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيم عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس يقول: العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ أربعون سنة. ⁕ حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي عن مسروق أنه كان يقول: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حذره من الله. وقال آخرون: بل ذلك ستون سنة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان عن ابن خُثَيم عن مجاهد عن ابن عباس ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ قال: ستون سنة. ⁕ حدثنا أَبو كريب قال: ثنا ابن إدريس قال: سمعت عبد الله بن عثمان بن خُثَيم عن مجاهد عن ابن عباس قال: العمر الذي أعذر الله فيه لابن آدم ستون سنة. ⁕ حدثنا علي بن شعيب قال: ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن إبراهيم بن الفضل عن أَبي حسين المكي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا كان يومُ القيامةِ نُودِي: أين أبناء الستين، وهو العمر الذي قال الله ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ ". ⁕ حدثني أحمد بن الفرج الحمصي قال: ثنا بقية بن الوليد قال: ثنا مطرف بن مازن الكناني قال: ثني معمر بن راشد قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن الغفاري يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "لَقدْ أعْذَرَ اللهُ إلَى صاحب السِّتَّين سنة والسَّبعين". ⁕ حدثنا أَبو صالح الفزاري قال: ثنا محمد بن سوار قال: ثنا يعقوب بن عبدٍ القاريُّ الإسكندريُّ قال: ثنا أَبو حازم عن سعيد المقبري عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "منْ عَمَّرهُ اللهُ ستين سنةً فَقَد أعذرَ إليهِ في العُمْرِ". ⁕ حدثنا محمد بن سوار قال: ثنا أسد بن حميدٍ عن سعيد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه في قوله ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ قال: العمر الذي عمركم الله به ستون سنة. وأشبه القولين بتأويل الآية إذ كان الخبر الذي ذكرناه عن رسول الله ﷺ خبرًا في إسناده بعض من يجب التثبت في نقله، قول من قال ذلك أربعون سنة، لأن في الأربعين يتناهى عقل الإنسان وفهمه، وما قبل ذلك وما بعده منتقص عن كماله في حال الأربعين. * * وقوله ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى النذير؛ فقال بعضهم: عنى به محمدًا ﷺ. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ قال: النذير: النبي، وقرأ ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى﴾ . وقيل: عَنى به الشيب. فتأويل الكلام إذن: أولم نعمركم يا معشر المشركين بالله من قريش من السنين، ما يتذكر فيه من تذكر، من ذوي الألباب والعقول، واتعظ منهم من اتعظ، وتاب من تاب، وجاءكم من الله منذر ينذركم ما أنتم فيه اليوم من عذاب الله، فلم تتذكروا مواعظ الله، ولم تقبلوا من نذير الله الذي جاءكم ما أتاكم به من عند ربكم.
Ceux qui mécroient en Allah iront dans le feu de l’Enfer où ils séjourneront éternellement et ils ne connaîtront pas la mort salvatrice qui les soustraira au châtiment. Celui-ci ne sera pas non plus allégé. C’est ainsi que Nous rétribuerons tout ingrat le Jour de la Résurrection.
وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَٰلِحًا غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا۟ فَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ
Et là, ils hurleront: «Seigneur, fais-nous sortir; nous ferons le bien, contrairement à ce que nous faisions». «Ne vous avons-Nous pas donné une vie assez longue pour que celui qui réfléchit réfléchisse? L'avertisseur, cependant, vous était venu. Et bien, goûtez (votre punition). Car pour les injustes, il n'y a pas de secoureur».
Tafsir (3)
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ السُّعَدَاءِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَآلِ الْأَشْقِيَاءِ، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [طه: ٧٤] . وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَلَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يحيون". [[صحيح مسلم برقم (١٨٥) .]] قال [الله] [[زيادة من ت، س.]] تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] . فَهُمْ فِي حَالِهِمْ ذَلِكَ يَرَوْنَ مَوْتَهُمْ رَاحَةً لَهُمْ، وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٤، ٧٥] ، وَقَالَ ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٩٧] ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نزيدَكُمْ إِلا عَذَابًا﴾ [النَّبَأِ: ٣٠] . ثُمَّ قَالَ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ أَيْ: هَذَا جَزَاءُ كُلِّ مَنْ كَفَرَ بِرَبِّهِ وَكَذَّبَ بِالْحَقِّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ أَيْ: يُنَادُونَ فِيهَا، يَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ بِأَصْوَاتِهِمْ: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ أَيْ: يَسْأَلُونَ الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا، لِيَعْمَلُوا غَيْرَ عملهم الْأَوَّلِ، وَقَدْ عَلِمَ الرَّبُّ، جَلَّ جَلَالُهُ، أَنَّهُ لَوْ رَدَّهُمْ إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا، لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. فَلِهَذَا لَا يُجِيبُهُمْ إِلَى سُؤَالِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غَافِرٍ: ١١، ١٢] ، أَيْ: لَا يُجِيبُكُمْ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّكُمْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ، وَلَوْ رُدِدْتُمْ لَعُدْتُمْ إِلَى مَا نَهَيْتُمْ عَنْهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ أَيْ: أَوَمَا عِشْتُمْ فِي الدُّنْيَا أَعْمَارًا لَوْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يَنْتَفِعُ بِالْحَقِّ لَانْتَفَعْتُمْ بِهِ فِي مُدَّةِ عُمْرِكُمْ؟ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مِقْدَارِ الْعُمُرِ الْمُرَادِ هَاهُنَا فَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ أَنَّهُ قَالَ: مِقْدَارُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقَالَ قَتَادَةُ: اعْلَمُوا أَنَّ طُولَ الْعُمُرِ حُجَّةٌ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نُعَيَّر [[في أ: "نغتر".]] بِطُولِ الْعُمُرِ، قَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ ، وَإِنَّ فِيهِمْ لِابْنِ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَذَا قَالَ أَبُو غَالِبٍ الشَّيْبَانِيُّ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّه فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ قَالَ: عِشْرِينَ [[في ت، س، أ: "عشرون".]] سَنَةً. وَقَالَ هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ قَالَ: أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَقَالَ هُشَيْم [أَيْضًا] [[زيادة من س.]] ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا بَلَغَ أَحَدُكُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَلْيَأْخُذْ حِذْرَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْم، عن مجاهد قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى ابْنِ آدَمَ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ أَرْبَعُونَ سَنَةً. هَكَذَا رَوَاهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ. ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ [[في أ: "خيثم".]] ، عَنْ مُجَاهِدٍ [[في ت: "وفي رواية أخرى".]] ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ لِابْنِ آدَمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ سِتُّونَ سَنَةً. فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهِيَ الصَّحِيحَةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَيْضًا، لِمَا ثَبَتَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ -كَمَا سَنُورِدُهُ-لَا كَمَا زَعَمَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يَجِبُ التَّثَبُّتُ فِي أَمْرِهِ. وَقَدْ رَوَى [[في ت: "فروى".]] أَصْبَغُ بْنُ نُباتة، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: الْعُمُرُ الَّذِي عَيَّرهم اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ ستون سنة. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا دُحَيْم، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْك، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ الْمَخْزُومِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي حُسَين الْمَكِّيِّ؛ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَطاء -هُوَ ابْنِ أَبِي رَبَاحٍ-عَنِ [[في ت: "فقال ابن أبي حاتم بإسناده إلى".]] ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا [[في ت، س: "عنه".]] ، أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ: أَيْنَ أَبْنَاءِ السِّتِّينَ؟ وَهُوَ الْعُمُرُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِير﴾ . وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ [[في جميع النسخ: "عن إسماعيل، والمثبت من الطبري".]] بْنِ أَبِي فُدَيك، بِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٢/٩٣) والمعجم الكبير للطبراني (١١/١٧٧) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٩٧) : "وفيه إبراهيم بن الفضل المخزومي وهو ضعيف".]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِحَالِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَر، عن رَجُل مِنْ بَنِي غفَار، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى عَبْدٍ أَحْيَاهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً، لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ، لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ". [[المسند (٢/٢٧٥) .]] وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيِّ فِي "كِتَابِ الرِّقَاقِ" مِنْ صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّر، عَنْ عُمَر بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْن بْنِ مُحَمَّدٍ الغفَاري، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَعْذَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى امْرِئٍ أخَّر عُمْرَهُ حَتَّى بَلَّغَه سِتِّينَ سَنَةً". ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: تَابَعَهُ أَبُو حَازِمٍ وَابْنُ عَجْلان، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ. [[صحيح البخاري برقم (٦٤١٩) .]] فَأَمَّا أَبُو حَازِمٍ فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ الفَزَاريّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَّار، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيُّ الْإِسْكَنْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " [مَنْ عَمَّرَه] [[زيادة من ت، والطبري.]] اللَّهُ سِتِّينَ سَنَةً، فَقَدْ أَعْذَرَ إِلَيْهِ فِي الْعُمْرِ". وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ فِي الرِّقَاقِ جَمِيعًا عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِهِ. [[تفسير الطبري (٢٢/٩٣) والمسند (٢/٤١٧) والنسائي في السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف للمزي (٩/٤٧٢) .]] وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدٍ الْمُقْبِرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ إِلَى ابْنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةً". يَعْنِي: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [[ورواه ابن مردويه في تفسيره كما في تخريج الكشاف للزيلعي (٣/١٥٥) من طريق سليمان بن حرب، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وربما لم يقل: عن سهل، فذكر نحوه دون الآية، والمحفوظ عن أبي هريرة، رضي الله عنه.]] . وَأَمَّا مُتَابِعَةُ "ابْنِ عَجْلَانَ" فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو السَّفَرِ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَرْعَةَ بِسَامِرَّاءَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِيِّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أَتَتْ عَلَيْهِ سِتُّونَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَيْهِ فِي الْعُمْرِ". وَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ الْمُقْرِئُ [[في أ: "المقبري".]] ، بِهِ. [[المسند (٢/٣٢٠) .]] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ خَلَفٍ عَنْ أَبِي مَعْشَر، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ. طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ أَبُو عُتْبَة [[في أ: "أبو عيينة".]] الحِمْصِي، حَدَّثَنَا بَقِيَّة بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا الْمُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ الْكِنَانِيُّ، حَدَّثَنِي مَعْمَر بْنُ رَاشِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الغفَاري يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ سَنَةً وَالسَّبْعِينَ". [[تفسير الطبري (٢٢/٩٣) .]] فَقَدْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ [[في س: "لم تكن".]] إِلَّا الطَّرِيقُ الَّتِي ارْتَضَاهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ شَيْخُ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ لَكَفَتْ. وَقَوْلُ ابْنُ جَرِيرٍ: (إِنَّ فِي رِجَالِهِ بَعْضُ مَنْ يَجِبُ التَّثَبُّتُ فِي أَمْرِهِ) ، لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ مَعَ تَصْحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْعُمُرَ الطَّبِيعِيَّ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَالْإِنْسَانُ لَا يَزَالُ فِي ازْدِيَادٍ إِلَى كَمَالِ السِّتِّينَ، ثُمَّ يَشْرَعُ بَعْدَ هَذَا فِي النَّقْصِ وَالْهَرَمِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: إذَا بَلَغَ الفتَى ستينَ عَاما ... فَقَدْ ذَهَبَ المَسَرَّةُ والفَتَاءُ [[البيت نسبه أبو عبيدة للربيع بن ضبع الفزاري مستفادا من حاشية طبعة الشعب.]] وَلَمَّا كَانَ هَذَا هُوَ الْعُمُرُ الَّذِي يَعْذُرُ اللَّهُ إِلَى عِبَادِهِ بِهِ، وَيُزِيحُ بِهِ عَنْهُمُ الْعِلَلَ، كَانَ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَعْمَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، كَمَا وَرَدَ بِذَلِكَ الْحَدِيثُ، قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم: "أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَن يَجُوزُ ذَلِكَ". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا فِي كِتَابِ الزُّهْدِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[سنن الترمذي برقم (٣٥٥٠) وسنن ابن ماجه برقم (٤٢٣٦) .]] . وَهَذَا عَجَب مِنَ التِّرْمِذِيِّ، فَإِنَّهُ قَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَطَرِيقٍ أُخْرَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ [[في أ: "سليم".]] بْنُ عُمَرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ كَامِلٍ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي "كِتَابِ الزُّهْدِ" أَيْضًا، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ، بِهِ. [[سنن الترمذي برقم (٢٣٣١) .]] ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هريرة، وقد رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْهُ. هَذَا نَصَّهُ بِحُرُوفِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْك، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ -مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ-عَنِ المَقْبُريّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مُعْتَرك الْمَنَايَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ". وَبِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَقَلُّ أُمَّتِي أَبْنَاءُ سَبْعِينَ". إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. [[مسند أبي يعلى (١١/٤٢٢، ٤٢٣) وفيه إبراهيم بن الفضل وهو متروك.]] حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ: قَالَ [[في ت: "وروى".]] الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ رِبْعِي عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْبِئْنَا بِأَعْمَارِ أُمَّتِكَ. قَالَ: "مَا بَيْنَ الْخَمْسِينَ إِلَى السِّتِّينَ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَبْنَاءُ السَّبْعِينَ؟ قَالَ: "قَلّ مَنْ يَبْلُغُهَا مِنْ أُمَّتِي، رَحِمَ اللَّهُ أَبْنَاءَ السَّبْعِينَ، وَرَحِمَ اللَّهُ أَبْنَاءَ الثَّمَانِينَ". ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا يُرْوَى بِهَذَا اللَّفْظِ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ. [[مسند البزار برقم (٣٥٨٦) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠٦) : "وفيه عثمان بن مطر وهو ضعيف".]] وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً. وَقِيلَ: سِتِّينَ. وَقِيلَ: خَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةً. وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ : رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمَة، وَأَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، وَقَتَادَةَ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة أَنَّهُمْ قَالُوا: يَعْنِي: الشَّيْبَ. وَقَالَ السُّدِّيّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: يَعْنِي بِهِ الرَّسُولَ ﷺ وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى﴾ [النَّجْمِ: ٥٦] . وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عَنْ قَتَادَةَ، فِيمَا رَوَاهُ شَيْبَانُ، عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِالْعُمُرِ وَالرُّسُلِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧، ٧٨] ، أَيْ: لَقَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْحَقَّ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ، فَأَبَيْتُمْ وَخَالَفْتُمْ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٥] ، وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نزلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الْمُلْكِ: ٨، ٩] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ أَيْ: فَذُوقُوا عذابَ النَّارِ جَزَاءً عَلَى مُخَالَفَتِكُمْ لِلْأَنْبِيَاءِ فِي مُدَّةِ أَعْمَارِكُمْ، فَمَا لَكَمَ الْيَوْمَ نَاصِرٌ يُنْقِذُكُمْ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ من العذاب والنكال والأغلال.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) ﴾ يقول تعالى ذكره ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ورسوله ﴿لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ يقول: لهم نار جهنم مخلدين فيها لا حظ لهم في الجنة ولا نعيمها. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ﴾ بالموت ﴿فَيَمُوتُوا﴾ ، لأنهم لو ماتوا لاستراحوا ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ يقول: ولا يخفف عنهم من عذاب نار جهنم بإماتتهم، فيخفف ذلك عنهم. كما:- ⁕ حدثني مطرَّف بن عبد الله الضَّبِّي قال: ثنا أَبو قتيبة قال ثنا أَبو هلال الراسبي عن قتادة عن أَبي السوداء قال: مساكين أهل النار لا يموتون، لو ماتوا لاستراحوا. ⁕ حدثني عقبة بن سنان القزاز قال: ثنا غسان بن مضر قال: ثنا سعيد بن يزيد وحدثني يعقوب قال: ثنا ابن علية عن سعيد بن يزيد، وحدثنا سَوَّار بن عبد الله قال: ثنا بشر بن المفضل، ثنا أَبو سلمة عن أَبي نضرة عن أَبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، لكنَّ ناسًا، أو كما قال، تُصيبهمُ النارُ بذنوبِهم، أو قال: بخطاياهم، فَيُمِيتُهم إماتةً حتى إذا صاروا فَحْمًا أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضَبَائرَ ضَبَائرَ، فَبُثُّوا على أهل الجنة، فقال: يا أهلَ الجنة أفِيضُوا عليهم فَيَنْبُتُون كما تَنْبُتُ الحبة في حَمِيلِ السيل" فقال رجل من القوم حينئذٍ: كأن رسول الله ﷺ قد كان بالبادية. فإن قال قائل: وكيف قيل ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ وقد قيل في موضع آخر ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ ؟ قيل: معنى ذلك: ولا يخفف عنهم من هذا النوع من العذاب. * * وقوله ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ يقول تعالى ذكره: هكذا يكافِىء كل جحود لنعم ربه يوم القيامة؛ بأن يدخلهم نار جهنم بسيئاتهم التي قدموها في الدنيا. * * وقوله ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ يقول تعالى ذكره: هؤلاء الكفار يستغيثون ويضجون في النار، يقولون: يا ربنا أخرجنا نعمل صالحًا أي: تعمل بطاعتك ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ قبلُ من معاصيك. وقولهُ ﴿يَصْطَرِخُونَ﴾ يفتعلون من الصراخ؛ حولتْ تاؤها طاءً لقرب مخرجها من الصاد لما ثَقُلت. * * وقوله ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ اختلف أهل التأويل في مبلغ ذلك؛ فقال بعضهم: ذلك أربعون سنة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا بشر بن المفضل قال: ثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيم عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس يقول: العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ أربعون سنة. ⁕ حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي عن مسروق أنه كان يقول: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حذره من الله. وقال آخرون: بل ذلك ستون سنة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان عن ابن خُثَيم عن مجاهد عن ابن عباس ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ قال: ستون سنة. ⁕ حدثنا أَبو كريب قال: ثنا ابن إدريس قال: سمعت عبد الله بن عثمان بن خُثَيم عن مجاهد عن ابن عباس قال: العمر الذي أعذر الله فيه لابن آدم ستون سنة. ⁕ حدثنا علي بن شعيب قال: ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن إبراهيم بن الفضل عن أَبي حسين المكي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا كان يومُ القيامةِ نُودِي: أين أبناء الستين، وهو العمر الذي قال الله ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ ". ⁕ حدثني أحمد بن الفرج الحمصي قال: ثنا بقية بن الوليد قال: ثنا مطرف بن مازن الكناني قال: ثني معمر بن راشد قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن الغفاري يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "لَقدْ أعْذَرَ اللهُ إلَى صاحب السِّتَّين سنة والسَّبعين". ⁕ حدثنا أَبو صالح الفزاري قال: ثنا محمد بن سوار قال: ثنا يعقوب بن عبدٍ القاريُّ الإسكندريُّ قال: ثنا أَبو حازم عن سعيد المقبري عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "منْ عَمَّرهُ اللهُ ستين سنةً فَقَد أعذرَ إليهِ في العُمْرِ". ⁕ حدثنا محمد بن سوار قال: ثنا أسد بن حميدٍ عن سعيد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه في قوله ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ قال: العمر الذي عمركم الله به ستون سنة. وأشبه القولين بتأويل الآية إذ كان الخبر الذي ذكرناه عن رسول الله ﷺ خبرًا في إسناده بعض من يجب التثبت في نقله، قول من قال ذلك أربعون سنة، لأن في الأربعين يتناهى عقل الإنسان وفهمه، وما قبل ذلك وما بعده منتقص عن كماله في حال الأربعين. * * وقوله ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى النذير؛ فقال بعضهم: عنى به محمدًا ﷺ. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ قال: النذير: النبي، وقرأ ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى﴾ . وقيل: عَنى به الشيب. فتأويل الكلام إذن: أولم نعمركم يا معشر المشركين بالله من قريش من السنين، ما يتذكر فيه من تذكر، من ذوي الألباب والعقول، واتعظ منهم من اتعظ، وتاب من تاب، وجاءكم من الله منذر ينذركم ما أنتم فيه اليوم من عذاب الله، فلم تتذكروا مواعظ الله، ولم تقبلوا من نذير الله الذي جاءكم ما أتاكم به من عند ربكم.
Ils y hurleront de toute leur voix et imploreront de l’aide en disant: Ô notre Seigneur, fais-nous sortir du Feu afin que nous accomplissions de bonnes œuvres contraires aux péchés que nous commettions afin que nous obtenions Ton agrément et que nous échappions à Ton châtiment. Allah leur répondra: Ne vous avons-Nous pas fait vivre une durée de vie pendant laquelle ceux qui veulent se rappeler se rappellent, se repentent et accomplissent de bonnes œuvres ? Ne vous est-il pas venu un messager qui vous a averti du châtiment d’Allah ? Vous n’avez pas d’argument ni d’excuse à présenter. Goûtez donc au châtiment du feu. Ceux qui sont injustes envers eux-mêmes par leur mécréance et leurs actes de désobéissance n’auront pas de secoureur pour les sauver du châtiment d’Allah ou l’adoucir.
إِنَّ ٱللَّهَ عَٰلِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
Allah connaît l'Inconnaissable dans les cieux et la terre. Il connaît le contenu des poitrines.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ غَيْبَ السموات وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّهُ السَّرَائِرُ وَتَنْطَوِي عَلَيْهِ الضَّمَائِرُ، وَسَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: يَخْلُفُ قَوْمٌ لِآخَرِينَ قَبْلَهُمْ، وَجِيلٌ لِجِيلٍ قَبْلَهُمْ، كَمَا قَالَ: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ﴾ [النَّمْلِ:٦٢] ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أَيْ: فَإِنَّمَا يَعُودُ وَبَالُ ذَلِكَ [[في ت، س، أ: "وبال كفره ذلك".]] عَلَى نَفْسِهِ [[في ت: "وعليه".]] دُونَ غَيْرِهِ، ﴿وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتًا﴾ أَيْ: كُلَّمَا اسْتَمَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ أَبْغَضُهُمُ اللَّهُ، وَكُلَّمَا اسْتَمَرُّوا فِيهِ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُمْ كُلَّمَا طَالَ عُمُرُ أَحَدِهِمْ وحَسُن عَمَلُهُ، ارْتَفَعَتْ دَرَجَتُهُ وَمَنْزِلَتُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَزَادَ أَجْرُهُ وَأَحَبَّهُ خَالِقُهُ وَبَارِئُهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، [فَسُبْحَانَ الْمُقَدَّرِ الْمُدَبِّرِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] . [[زيادة من أ.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿فَذُوقُوا﴾ نار عذاب جهنم الذي قد صَلِيتموه أيها الكافرون بالله ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ يقول: فما للكافرين الذين ظلموا أنفسهم فأكسبوها غضب الله بكفرهم بالله في الدنيا من نصير ينصرهم من الله ليستنقذهم من عقابه. * * وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الله عالم ما تخفون أيها الناس في أنفسكم وتضمرونه، وما لم تضمروه ولم تنووه مما ستنوونه، وما هو غائب عن أبصاركم في السماوات والأرض، فاتقوه أن يطلع عليكم، وأنتم تضمرون في أنفسكم من الشك في وحدانية الله أو في نبوة محمد، غير الذي تبدونه بألسنتكم، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ .
Allah connaît ce qui est Invisible dans les Cieux et sur la Terre. Rien ne Lui échappe et Il connaît le bien et le mal que Ses serviteurs dissimulent dans leurs poitrines.
هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُۥ ۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلْكَٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًۭا ۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلْكَٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًۭا
C'est Lui qui a fait de vous des successeurs sur terre. Quiconque mécroit, sa mécréance retombera sur lui. Leur mécréance n'ajoute aux mécréants qu'opprobre auprès de leur Seigneur. Leur mécréance n'ajoute que perte aux mécréants.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ غَيْبَ السموات وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّهُ السَّرَائِرُ وَتَنْطَوِي عَلَيْهِ الضَّمَائِرُ، وَسَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: يَخْلُفُ قَوْمٌ لِآخَرِينَ قَبْلَهُمْ، وَجِيلٌ لِجِيلٍ قَبْلَهُمْ، كَمَا قَالَ: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ﴾ [النَّمْلِ:٦٢] ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أَيْ: فَإِنَّمَا يَعُودُ وَبَالُ ذَلِكَ [[في ت، س، أ: "وبال كفره ذلك".]] عَلَى نَفْسِهِ [[في ت: "وعليه".]] دُونَ غَيْرِهِ، ﴿وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتًا﴾ أَيْ: كُلَّمَا اسْتَمَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ أَبْغَضُهُمُ اللَّهُ، وَكُلَّمَا اسْتَمَرُّوا فِيهِ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُمْ كُلَّمَا طَالَ عُمُرُ أَحَدِهِمْ وحَسُن عَمَلُهُ، ارْتَفَعَتْ دَرَجَتُهُ وَمَنْزِلَتُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَزَادَ أَجْرُهُ وَأَحَبَّهُ خَالِقُهُ وَبَارِئُهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، [فَسُبْحَانَ الْمُقَدَّرِ الْمُدَبِّرِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] . [[زيادة من أ.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلا خَسَارًا (٣٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: الله الذي جعلكم أيها الناس خلائف في الأرض من بعد عاد وثمود، ومن مضى من قبلكم من الأمم فجعلكم تخلفونهم في ديارهم ومساكنهم. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ) أمة بعد أمة، وقرنًا بعد قرن. * * وقوله ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ يقول تعالى ذكره: فمن كفر بالله منكم أيها الناس فعلى نفسه ضر كفره، لا يضر بذلك غير نفسه، لأنه المعاقب عليه دون غيره. * * وقوله ﴿وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتًا﴾ يقول تعالى: ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا بعدًا من رحمة الله ﴿وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلا خَسَارًا﴾ يقول: ولا يزيد الكافرين كفرهم بالله إلا هلاكا.
Ô gens, c’est Allah qui a fait en sorte que certains parmi vous succèdent à d’autres afin de vous éprouver et voir comment vous agirez. Quiconque parmi vous mécroit en Allah et en ce que les messagers apportent, porte lui-même le péché de sa mécréance et subira une punition méritée. Sa mécréance ne nuira en rien à son Seigneur. La mécréance des mécréants ne fera que rajouter la colère d’Allah à leur encontre et ne fera que rajouter à leur perte, puisqu’ils perdront le Paradis qu’Allah a préparé [pour eux] s’ils avaient eu la foi.
قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌۭ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَمْ ءَاتَيْنَٰهُمْ كِتَٰبًۭا فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَتٍۢ مِّنْهُ ۚ بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّٰلِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا
Dis: «Voyez-vous vos associés que vous invoquez en dehors d'Allah? Montrez-moi ce qu'ils ont créé de la terre. Ont-ils été associés à la création des cieux? Ou leur avons-Nous apporté un Livre qui contienne des preuves [pour ce qu'ils font?]» Non! Mais ce n'est qu'en tromperie que les injustes se font des promesses les uns aux autres.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ: مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ، ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ﴾ أَيْ: أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ كِتَابًا بِمَا يَقُولُونَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ؟ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلا غُرُورًا﴾ أَيْ: بَلْ إِنَّمَا اتَّبَعُوا فِي ذَلِكَ أَهْوَاءَهُمْ وَآرَاءَهُمْ وَأَمَانِيَّهُمُ الَّتِي تَمَنَّوْهَا لِأَنْفُسِهِمْ، وَهِيَ غُرُورٌ وَبَاطِلٌ وَزُورٌ. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي بِهَا تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ عَنْ أَمْرِهِ، وَمَا جُعِلَ فِيهِمَا مِنَ الْقُوَّةِ الْمَاسِكَةِ لَهُمَا، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ أَيْ: أَنْ تَضْطَرِبَا عَنْ أَمَاكِنِهِمَا، كَمَا قَالَ: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [الْحَجِّ: ٦٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٥] ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أَيْ: لَا يَقْدِرُ عَلَى دَوَامِهِمَا وَإِبْقَائِهِمَا إِلَّا هُوَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ حَلِيمٌ غَفُورٌ، أَيْ: يَرَى عِبَادَهُ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِهِ وَيَعْصُونَهُ، وَهُوَ يَحْلُمُ [[في ت، أ: "يحلم عنهم".]] فَيُؤَخِّرُ وَيَنْظُرُ وَيُؤَجِّلُ وَلَا يَعْجَل، وَيَسْتُرُ آخَرِينَ وَيَغْفِرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ . وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا حَدِيثًا غَرِيبًا بَلْ مُنْكَرًا، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ شِبْلٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنْ [[في ت: "بسنده إلى أبي هريرة".]] أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْكِي عَنْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في ت: "صلى الله عليه وسلم".]] عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: "وَقَعَ فِي نَفْسِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: هَلْ يَنَامُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا، فَأَرَّقَهُ ثَلَاثًا [[في ت: "ثلثا".]] ، وَأَعْطَاهُ قَارُورَتَيْنِ، فِي كُلِّ يَدٍ قَارُورَةٌ، وَأَمَرَهُ أَنْ [[في ت: "بأن".]] يَحْتَفِظَ بِهِمَا. قَالَ: فَجَعَلَ يَنَامُ وَتَكَادُ يَدَاهُ تَلْتَقِيَانِ، ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ فَيَحْبِسُ إِحْدَاهُمَا [[في س: "أحدهما".]] عَنِ الْأُخْرَى، حَتَّى نَامَ نَوْمَهُ، فَاصْطَفَقَتْ يَدَاهُ فَتَكَسَّرت الْقَارُورَتَانِ. قَالَ: ضَرَبَ اللَّهُ لَهُ مَثَلًا أَنَّ اللَّهَ لَوْ كَانَ يَنَامُ لَمْ تَسْتَمْسِكِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ". [[ورواه أبو يعلى في مسنده (١٢/٢١) من طريق إسحاق بن إبراهيم، به، وسبق أيضا تخريج هذا الحديث عند تفسير الآية: ٢٥٥ من سورة البقرة.]] وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ بِمَرْفُوعٍ، بَلْ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ الْمُنْكَرَةِ فَإِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أجَلّ مِنْ أَنْ يُجَوّز عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى النَّوْمَ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ بِأَنَّهُ: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٥٥] . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يُخْفِضُ القِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ أَوِ النَّارُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سبُحات وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ". [[صحيح مسلم برقم (١٧٩) وليس في صحيح البخاري، فإن الحافظ ذكره عند تفسير الآية: ٢٥٥ من سورة البقرة فقال: "وفي الصحيح هكذا بالإفراد".]] وَقَدْ قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ [[في ت: "وروى ابن جرير".]] : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قَالَ: مِنَ الشَّامِ. قَالَ: مَنْ لَقِيتَ؟ قَالَ: لَقِيتُ كَعْبًا. قَالَ: مَا حَدَّثَكَ كَعْبٌ؟ قَالَ: حدثني أن السموات تَدُورُ عَلَى مِنْكَب مَلَك. قَالَ: أَفَصَدَّقْتَهُ أَوْ كَذَّبْتَهُ؟ قَالَ: مَا صَدَّقْتُهُ وَلَا كِذَّبْتُهُ. قَالَ: لَوَدِدْتُ أَنَّكَ افْتَدَيْتَ مَن رِحْلَتِكَ إِلَيْهِ بِرَاحِلَتِكَ ورَحْلِها، كَذَب كَعْبٌ. إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [[تفسير الطبري (٢٢/٩٤) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى كَعْبٍ وَإِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ. ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ذَهَبَ جُنْدب البَجَلي إِلَى كَعْبٍ بِالشَّامِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. [[تفسير الطبري (٢٢/٩٥) .]] وَقَدْ رَأَيْتُ فِي مُصَنَّفِ الْفَقِيهِ [[في س، أ: "للفقيه".]] يَحْيَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُزَين الطُّلَيْطِلِيِّ، سَمَّاهُ "سَيْرَ الْفُقَهَاءِ"، أَوْرَدَ هَذَا الْأَثَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاع، عَنْ وَكِيع، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا زُونَانُ -يَعْنِي: عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ الْحَسَنِ-عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: السَّمَاءُ لَا تَدُورُ. وَاحْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَبِحَدِيثِ: "إِنَّ بِالْمَغْرِبِ بَابًا لِلتَّوْبَةِ لَا يَزَالُ مفتوحا حتى تطلع الشمس منه". قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ، [[لم أعثر على الحديث في الصحيحين، وهو في سنن الترمذي برقم (٣٥٣٦) وصحيح ابن خزيمة برقم (١٩٣) والمسند للإمام أحمد (٤/٢٤٠) ما يوافق ذلك من حديث صفوان بن عسال، رضي الله عنه، ولفظه عند ابن خزيمة: "إن بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة مسيرته سبعون سنة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها" نحوه.]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلا غُرُورًا (٤٠) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لمشركي قومك ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أيها القوم ﴿شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ يقول: أروني أي شيء خلقوا من الأرض ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يقول: أم لشركائكم شرك مع الله في السماوات إن لم يكونوا خلقوا من الأرض شيئًا ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ﴾ يقول: أم آتينا هؤلاء المشركين كتابًا أنزلناه عليهم من السماء بأن يشركوا بالله الأوثان والأصنام، فهم على بينة منه، فهم على برهان مما أمرتهم فيه من الإشراك بي. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ لا شيء والله خلقوا منها ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ لا والله ما لهم فيها شرك (أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ) يقول: أم آتيناهم كتابًا فهو يأمرهم أن يشركوا. * * وقوله ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلا غُرُورًا﴾ وذلك قول بعضهم لبعض ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ خداعًا من بعضهم لبعض وغرورًا، وإنما تزلفهم آلهتهم من النار، وتقصيهم من الله ورحمته.
Ô Messager, dis à ces polythéistes: Dites-Moi, quelle partie de la Terre les associés que vous adorez ont-ils créée ? Ont-ils créé ses montagnes, ses fleuves ou ses animaux ? Ou alors, sont-ils associés à Allah dans la création des Cieux ? Leur avons-Nous donné un Livre contenant la preuve de la validité de l’adoration qu’ils vouent à leurs associés ? Aucune réponse à ces questions n’est affirmative. Par leur mécréance et leurs péchés, les injustes ne se font les uns aux autres que des promesses trompeuses.
۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍۢ مِّنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًۭا
Allah retient les cieux et la terre pour qu'ils ne s'affaissent pas. Et s'ils s'affaissaient, nul autre après Lui ne pourra les retenir. Il est Indulgent et Pardonneur.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ: مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ، ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ﴾ أَيْ: أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ كِتَابًا بِمَا يَقُولُونَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ؟ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلا غُرُورًا﴾ أَيْ: بَلْ إِنَّمَا اتَّبَعُوا فِي ذَلِكَ أَهْوَاءَهُمْ وَآرَاءَهُمْ وَأَمَانِيَّهُمُ الَّتِي تَمَنَّوْهَا لِأَنْفُسِهِمْ، وَهِيَ غُرُورٌ وَبَاطِلٌ وَزُورٌ. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي بِهَا تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ عَنْ أَمْرِهِ، وَمَا جُعِلَ فِيهِمَا مِنَ الْقُوَّةِ الْمَاسِكَةِ لَهُمَا، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ أَيْ: أَنْ تَضْطَرِبَا عَنْ أَمَاكِنِهِمَا، كَمَا قَالَ: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [الْحَجِّ: ٦٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٥] ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أَيْ: لَا يَقْدِرُ عَلَى دَوَامِهِمَا وَإِبْقَائِهِمَا إِلَّا هُوَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ حَلِيمٌ غَفُورٌ، أَيْ: يَرَى عِبَادَهُ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِهِ وَيَعْصُونَهُ، وَهُوَ يَحْلُمُ [[في ت، أ: "يحلم عنهم".]] فَيُؤَخِّرُ وَيَنْظُرُ وَيُؤَجِّلُ وَلَا يَعْجَل، وَيَسْتُرُ آخَرِينَ وَيَغْفِرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ . وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا حَدِيثًا غَرِيبًا بَلْ مُنْكَرًا، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ شِبْلٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنْ [[في ت: "بسنده إلى أبي هريرة".]] أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْكِي عَنْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في ت: "صلى الله عليه وسلم".]] عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: "وَقَعَ فِي نَفْسِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: هَلْ يَنَامُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا، فَأَرَّقَهُ ثَلَاثًا [[في ت: "ثلثا".]] ، وَأَعْطَاهُ قَارُورَتَيْنِ، فِي كُلِّ يَدٍ قَارُورَةٌ، وَأَمَرَهُ أَنْ [[في ت: "بأن".]] يَحْتَفِظَ بِهِمَا. قَالَ: فَجَعَلَ يَنَامُ وَتَكَادُ يَدَاهُ تَلْتَقِيَانِ، ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ فَيَحْبِسُ إِحْدَاهُمَا [[في س: "أحدهما".]] عَنِ الْأُخْرَى، حَتَّى نَامَ نَوْمَهُ، فَاصْطَفَقَتْ يَدَاهُ فَتَكَسَّرت الْقَارُورَتَانِ. قَالَ: ضَرَبَ اللَّهُ لَهُ مَثَلًا أَنَّ اللَّهَ لَوْ كَانَ يَنَامُ لَمْ تَسْتَمْسِكِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ". [[ورواه أبو يعلى في مسنده (١٢/٢١) من طريق إسحاق بن إبراهيم، به، وسبق أيضا تخريج هذا الحديث عند تفسير الآية: ٢٥٥ من سورة البقرة.]] وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ بِمَرْفُوعٍ، بَلْ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ الْمُنْكَرَةِ فَإِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أجَلّ مِنْ أَنْ يُجَوّز عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى النَّوْمَ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ بِأَنَّهُ: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٥٥] . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يُخْفِضُ القِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ أَوِ النَّارُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سبُحات وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ". [[صحيح مسلم برقم (١٧٩) وليس في صحيح البخاري، فإن الحافظ ذكره عند تفسير الآية: ٢٥٥ من سورة البقرة فقال: "وفي الصحيح هكذا بالإفراد".]] وَقَدْ قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ [[في ت: "وروى ابن جرير".]] : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قَالَ: مِنَ الشَّامِ. قَالَ: مَنْ لَقِيتَ؟ قَالَ: لَقِيتُ كَعْبًا. قَالَ: مَا حَدَّثَكَ كَعْبٌ؟ قَالَ: حدثني أن السموات تَدُورُ عَلَى مِنْكَب مَلَك. قَالَ: أَفَصَدَّقْتَهُ أَوْ كَذَّبْتَهُ؟ قَالَ: مَا صَدَّقْتُهُ وَلَا كِذَّبْتُهُ. قَالَ: لَوَدِدْتُ أَنَّكَ افْتَدَيْتَ مَن رِحْلَتِكَ إِلَيْهِ بِرَاحِلَتِكَ ورَحْلِها، كَذَب كَعْبٌ. إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [[تفسير الطبري (٢٢/٩٤) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى كَعْبٍ وَإِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ. ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ذَهَبَ جُنْدب البَجَلي إِلَى كَعْبٍ بِالشَّامِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. [[تفسير الطبري (٢٢/٩٥) .]] وَقَدْ رَأَيْتُ فِي مُصَنَّفِ الْفَقِيهِ [[في س، أ: "للفقيه".]] يَحْيَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُزَين الطُّلَيْطِلِيِّ، سَمَّاهُ "سَيْرَ الْفُقَهَاءِ"، أَوْرَدَ هَذَا الْأَثَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاع، عَنْ وَكِيع، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا زُونَانُ -يَعْنِي: عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ الْحَسَنِ-عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: السَّمَاءُ لَا تَدُورُ. وَاحْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَبِحَدِيثِ: "إِنَّ بِالْمَغْرِبِ بَابًا لِلتَّوْبَةِ لَا يَزَالُ مفتوحا حتى تطلع الشمس منه". قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ، [[لم أعثر على الحديث في الصحيحين، وهو في سنن الترمذي برقم (٣٥٣٦) وصحيح ابن خزيمة برقم (١٩٣) والمسند للإمام أحمد (٤/٢٤٠) ما يوافق ذلك من حديث صفوان بن عسال، رضي الله عنه، ولفظه عند ابن خزيمة: "إن بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة مسيرته سبعون سنة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها" نحوه.]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ﴾ لئلا تزولا من أماكنهما ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ يقول: ولو زالتا ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ يقول: ما أمسكهما أحد سواه. ووضعت "لئن" في قوله ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ في موضع "لو" لأنهما يجابان بجواب واحد، فيتشابهان في المعنى، ونظير ذلك قوله ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ بمعنى: ولو أرسلنا ريحًا، وكما قال ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ بمعنى: لو أتيت. وقد بيَّنا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ من مكانهما. ⁕ حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان عن الأعمش عن أَبي وائل قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: من أين جئت؟ قال: من الشأم. قال: من لَقيتَ؟ قال: لقيتُ كعبًا. فقال: ما حدثك كعب؟ قال: حدثني أن السماوات تدور على منكب ملك. قال: فصدقته أو كذبته؟ قال: ما صدقته ولا كذبته. قال: لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها، وكذب كعب، إن الله يقول ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ . ⁕ حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: ذهب جُندَب البَجَلي إلى كعب الأحبار فقدم عليه ثم رجع فقال له عبد الله: حدثنا ما حدثك. فقال: حدثني أن السماء في قطب كقطب الرحا، والقطب عمود على منكب ملك. قال عبد الله: لوددت أنك افتديت رحلتك بمثل راحلتك، ثم قال: ما تنتكت اليهودية في قلب عبد فكادت أن تفارقه، ثم قال ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ كفى بها زوالا أن تدور. * * وقوله ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ يقول تعالى ذكره: إن الله كان حليمًا عمن أشرك وكفر به من خلقه فى تركه تعجيل عذابه له، غفورًا لذنوب من تاب منهم، وأناب إلى الإيمان به، والعمل بما يرضيه.
Allah empêche les Cieux et la Terre de disparaître et s’ils devaient disparaitre, personne d’autre que Lui n’aurait le pouvoir de les en empêcher. Il est plein de mansuétude, dans le sens où Il ne s’empresse pas de punir, et Il pardonne les péchés de Ses serviteurs qui se repentent.
وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌۭ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلْأُمَمِ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌۭ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا
Et ils ont juré solennellement par Allah, que si un avertisseur leur venait, ils seraient certes mieux guidés que n'importe quelle autre communauté. Puis, quand un avertisseur (Muhammad) leur est venu, cela n'a fait qu'accroître leur répulsion,
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ أَنَّهُمْ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ، قَبْلَ إِرْسَالِ الرَّسُولِ إِلَيْهِمْ: ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأمَمِ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلُ. قَالَهُ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥٦، ١٥٧] ، [[في ت: "أو يقولوا".]] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٦٧-١٧٠] . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ -وَهُوَ: مُحَمَّدٌ ﷺ-بِمَا أُنْزِلَ مَعَهُ مِنَ الْكِتَابِ الْعَظِيمِ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الْمُبِينُ، ﴿مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا﴾ ، أَيْ: مَا ازْدَادُوا [[في ت: "ما زادوهم".]] إِلَّا كُفْرًا إِلَى كُفْرِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الأرْضِ﴾ أَيِ: اسْتَكْبَرُوا عَنِ اتِّبَاعِ آيَاتِ اللَّهِ، ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ أَيْ: وَمَكَرُوا بِالنَّاسِ فِي صدِّهم إِيَّاهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ﴾ [أَيْ: وَمَا يَعُودُ وَبَالُ ذَلِكَ إِلَّا عَلَيْهِمْ [[في ت: "على".]] أَنْفُسِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ. قَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي زَكَرِيَّا الْكُوفِيِّ عَنْ رَجُلٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِيَّاكَ وَمَكْرَ السَّيِّئِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ] [[زيادة من ت، س، أ.]] ، وَلَهُمْ مِنَ اللَّهِ طَالِبٌ"، [[وهذا مرسل ولم أجد مَنْ أخرجه غير ابن أبي حاتم، وقد روى ابن المبارك في الزهد برقم (٧٢٥) عن الزهري مرسلا نحوه.]] ، وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِي: ثَلَاثٌ مِنْ فَعَلَهُنَّ لَمْ ينجُ حَتَّى يَنْزِلَ بِهِ مِنْ مَكْرٍ أَوْ بَغْيٍ أَوْ نَكْثٍ، وَتَصْدِيقُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ﴾ . ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يُونُسَ: ٢٣] ، ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الْفَتْحِ: ١٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّةَ الأوَّلِينَ﴾ يَعْنِي: عُقُوبَةَ اللَّهِ لَهُمْ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ وَمُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَهُ [[في ت: "على تكذيبهم أمره ومخالفتهم رسله".]] ، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ أَيْ [[في ت: "يعني".]] لَا تُغَيَّرُ وَلَا تُبَدَّلُ، بل هي جارية كذلك في كل مُكَذِّبٍ، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلا﴾ أَيْ: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرَّعْدِ: ١١] ، وَلَا يَكْشِفُ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَيُحَوِّلُهُ عَنْهُمْ أَحَدٌ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الأرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّةَ الأوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلا (٤٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: وأقسم هؤلاء المشركون بالله جهد أيمانهم، يقول: أشد الإيمان فبالغوا فيها، لئن جاءهم من الله منذر ينذرهم بأس الله ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأمَمِ﴾ يقول: ليكونن أسلك لطريق الحق وأشد قبولا لما يأتيهم به النذير من عند الله، من إحدى الأمم التي خلت من قبلهم ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ يعني بالنذير محمدًا ﷺ، يقول: فلما جاءهم محمد ينذرهم عقاب الله على كفرهم. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ وهو محمد ﷺ. * * وقوله ﴿مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا﴾ يقول: ما زادهم مجيء النذير من الإيمان بالله واتباع الحق وسلوك هدى الطريق، إلا نفورًا وهربًا. * * وقوله ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الأرْضِ﴾ يقول: نفروا استكبارًا في الأرض وخدعة سيئة، وذلك أنهم صدوا الضعفاء عن اتباعه مع كفرهم به. والمكر هاهنا: هو الشرك. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ وهو الشرك. وأضيف المكر إلى السيىء، والسيىء من نعت المكر كما قيل ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ وقيل: إن ذلك في قراءة عبد الله ﴿وَمَكْرًا سَيِّئًا﴾ ، وفي ذلك تحقيق القول الذي قلناه من أن السيىء في المعنى من نعت المكر. وقرأ ذلك قراء الأمصار غير الأعمش وحمزة بهمزة محركة بالخفض. وقرأ ذلك الأعمش وحمزة بهمزة وتسكين الهمزة اعتلالا منهما بأن الحركات لما كثرت في ذلك ثقل، فسكَّنا الهمزة، كما قال الشاعر: إذَا اعْوَجَجْنَ قُلْتُ صَاحِبْ قَوّمِ [[البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٦٧) قال: وقوله (مكر السيئ) : أضيف المكر إلى إلى السيئ، وهو هو. كما قال: (إن هذا لهو حق اليقين) . وتصديق ذلك في رواية عبد الله: (ومكرًا سيئًا) . وقوله (مكر السيئ) الهمزة في السيئ مخفوضة، وقد جزمها الأعمش وحمزة، لكثرة الحركات، كما قال: (لا يحزنهم الفزع الأكبر) ؛ قال الشاعر: إذَا اعْوَجَجْنَ قلْتُ صَاحبْ قَوّمِ يريد: يا صاحبُ قوم، فجزم الباء لكثرة الحركات قال الفراء: حدثني الرواسي، عن أَبي عمرو بن العلاء: (لا يحزنهم) جزم: ا. هـ.]] فسكن الباء لكثرة الحركات. والصواب من القراءة ما عليه قراء الأمصار من تحريك الهمزة فيه إلى الخفض وغير جائز في القرآن أن يقرأ بكل ما جاز في العربية؛ لأن القراءة إنما هي ما قرأت به الأئمة الماضية، وجاء به السلف على النحو الذي أخذوا عمن قبلهم. * * وقوله ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ﴾ يقول: ولا ينزل المكر السيىء إلا بأهله، يعني بالذين يمكرونه، وإنما عنى أنه لا يحل مكروه ذلك المكر الذي مكره هؤلاء المشركون إلا بهم. وقال قتادة في ذلك ما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ﴾ وهو الشرك. * * وقوله ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّةَ الأوَّلِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: فهل ينتظر هؤلاء المشركون من قومك يا محمد إلا سنة الله بهم في عاجل الدنيا على كفرهم به أليم العقاب، يقول: فهل ينتظر هؤلاء إلا أن أحل بهم من نقمتي على شركهم بي وتكذيبهم رسولي مثل الذي أحللت بمن قبلهم من أشكالهم من الأمم. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّةَ الأوَّلِينَ﴾ أي: عقوبة الأولين ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ يقول: فلن تجد يا محمد لسنة الله تغييرًا. * * وقوله ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلا﴾ يقول: ولن تجد لسنة الله في خلقه تبديلا يقول: لن يغير ذلك ولا يبدله؛ لأنه لا مرد لقضائه.
Ces mécréants dénégateurs firent le serment solennel que si un Messager venait de la part d’Allah les avertir de Son châtiment, ils seraient plus droits et plus fidèles à la vérité que les juifs, les chrétiens et les adeptes d’autres religions. Puis lorsque vint à eux Muħammad qui fut envoyé par Son Seigneur afin de leur faire redouter le châtiment d’Allah, cela ne fit que les éloigner du vrai et les rendre plus attachés encore au faux. Ils ne restèrent donc pas fidèles à leur serment solennel d’être plus guidés que leurs prédécesseurs.
ٱسْتِكْبَارًۭا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَكْرَ ٱلسَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِۦ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ ٱلْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًۭا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا
par orgueil sur terre et par manœuvre perfide. Cependant, la manœuvre perfide n'enveloppe que ses propres auteurs. Attendent-ils donc un autre sort que celui des Anciens? Or, jamais tu ne trouveras de changement dans la règle d'Allah et jamais tu ne trouveras de déviation dans la règle d'Allah.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ أَنَّهُمْ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ، قَبْلَ إِرْسَالِ الرَّسُولِ إِلَيْهِمْ: ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأمَمِ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلُ. قَالَهُ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥٦، ١٥٧] ، [[في ت: "أو يقولوا".]] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٦٧-١٧٠] . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ -وَهُوَ: مُحَمَّدٌ ﷺ-بِمَا أُنْزِلَ مَعَهُ مِنَ الْكِتَابِ الْعَظِيمِ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الْمُبِينُ، ﴿مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا﴾ ، أَيْ: مَا ازْدَادُوا [[في ت: "ما زادوهم".]] إِلَّا كُفْرًا إِلَى كُفْرِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الأرْضِ﴾ أَيِ: اسْتَكْبَرُوا عَنِ اتِّبَاعِ آيَاتِ اللَّهِ، ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ أَيْ: وَمَكَرُوا بِالنَّاسِ فِي صدِّهم إِيَّاهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ﴾ [أَيْ: وَمَا يَعُودُ وَبَالُ ذَلِكَ إِلَّا عَلَيْهِمْ [[في ت: "على".]] أَنْفُسِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ. قَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي زَكَرِيَّا الْكُوفِيِّ عَنْ رَجُلٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِيَّاكَ وَمَكْرَ السَّيِّئِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ] [[زيادة من ت، س، أ.]] ، وَلَهُمْ مِنَ اللَّهِ طَالِبٌ"، [[وهذا مرسل ولم أجد مَنْ أخرجه غير ابن أبي حاتم، وقد روى ابن المبارك في الزهد برقم (٧٢٥) عن الزهري مرسلا نحوه.]] ، وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِي: ثَلَاثٌ مِنْ فَعَلَهُنَّ لَمْ ينجُ حَتَّى يَنْزِلَ بِهِ مِنْ مَكْرٍ أَوْ بَغْيٍ أَوْ نَكْثٍ، وَتَصْدِيقُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ﴾ . ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يُونُسَ: ٢٣] ، ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الْفَتْحِ: ١٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّةَ الأوَّلِينَ﴾ يَعْنِي: عُقُوبَةَ اللَّهِ لَهُمْ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ وَمُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَهُ [[في ت: "على تكذيبهم أمره ومخالفتهم رسله".]] ، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ أَيْ [[في ت: "يعني".]] لَا تُغَيَّرُ وَلَا تُبَدَّلُ، بل هي جارية كذلك في كل مُكَذِّبٍ، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلا﴾ أَيْ: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرَّعْدِ: ١١] ، وَلَا يَكْشِفُ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَيُحَوِّلُهُ عَنْهُمْ أَحَدٌ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الأرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّةَ الأوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلا (٤٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: وأقسم هؤلاء المشركون بالله جهد أيمانهم، يقول: أشد الإيمان فبالغوا فيها، لئن جاءهم من الله منذر ينذرهم بأس الله ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأمَمِ﴾ يقول: ليكونن أسلك لطريق الحق وأشد قبولا لما يأتيهم به النذير من عند الله، من إحدى الأمم التي خلت من قبلهم ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ يعني بالنذير محمدًا ﷺ، يقول: فلما جاءهم محمد ينذرهم عقاب الله على كفرهم. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ وهو محمد ﷺ. * * وقوله ﴿مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا﴾ يقول: ما زادهم مجيء النذير من الإيمان بالله واتباع الحق وسلوك هدى الطريق، إلا نفورًا وهربًا. * * وقوله ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الأرْضِ﴾ يقول: نفروا استكبارًا في الأرض وخدعة سيئة، وذلك أنهم صدوا الضعفاء عن اتباعه مع كفرهم به. والمكر هاهنا: هو الشرك. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ وهو الشرك. وأضيف المكر إلى السيىء، والسيىء من نعت المكر كما قيل ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ وقيل: إن ذلك في قراءة عبد الله ﴿وَمَكْرًا سَيِّئًا﴾ ، وفي ذلك تحقيق القول الذي قلناه من أن السيىء في المعنى من نعت المكر. وقرأ ذلك قراء الأمصار غير الأعمش وحمزة بهمزة محركة بالخفض. وقرأ ذلك الأعمش وحمزة بهمزة وتسكين الهمزة اعتلالا منهما بأن الحركات لما كثرت في ذلك ثقل، فسكَّنا الهمزة، كما قال الشاعر: إذَا اعْوَجَجْنَ قُلْتُ صَاحِبْ قَوّمِ [[البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٦٧) قال: وقوله (مكر السيئ) : أضيف المكر إلى إلى السيئ، وهو هو. كما قال: (إن هذا لهو حق اليقين) . وتصديق ذلك في رواية عبد الله: (ومكرًا سيئًا) . وقوله (مكر السيئ) الهمزة في السيئ مخفوضة، وقد جزمها الأعمش وحمزة، لكثرة الحركات، كما قال: (لا يحزنهم الفزع الأكبر) ؛ قال الشاعر: إذَا اعْوَجَجْنَ قلْتُ صَاحبْ قَوّمِ يريد: يا صاحبُ قوم، فجزم الباء لكثرة الحركات قال الفراء: حدثني الرواسي، عن أَبي عمرو بن العلاء: (لا يحزنهم) جزم: ا. هـ.]] فسكن الباء لكثرة الحركات. والصواب من القراءة ما عليه قراء الأمصار من تحريك الهمزة فيه إلى الخفض وغير جائز في القرآن أن يقرأ بكل ما جاز في العربية؛ لأن القراءة إنما هي ما قرأت به الأئمة الماضية، وجاء به السلف على النحو الذي أخذوا عمن قبلهم. * * وقوله ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ﴾ يقول: ولا ينزل المكر السيىء إلا بأهله، يعني بالذين يمكرونه، وإنما عنى أنه لا يحل مكروه ذلك المكر الذي مكره هؤلاء المشركون إلا بهم. وقال قتادة في ذلك ما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ﴾ وهو الشرك. * * وقوله ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّةَ الأوَّلِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: فهل ينتظر هؤلاء المشركون من قومك يا محمد إلا سنة الله بهم في عاجل الدنيا على كفرهم به أليم العقاب، يقول: فهل ينتظر هؤلاء إلا أن أحل بهم من نقمتي على شركهم بي وتكذيبهم رسولي مثل الذي أحللت بمن قبلهم من أشكالهم من الأمم. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّةَ الأوَّلِينَ﴾ أي: عقوبة الأولين ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ يقول: فلن تجد يا محمد لسنة الله تغييرًا. * * وقوله ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلا﴾ يقول: ولن تجد لسنة الله في خلقه تبديلا يقول: لن يغير ذلك ولا يبدله؛ لأنه لا مرد لقضائه.
Leur serment ne découlait pas d’une intention pure et sincère mais plutôt d’une arrogance à l’égard des habitants de la Terre et d’une volonté de tromper les gens. Or la perfidie ne se retourne que contre les perfides. Ces arrogants perfides n’attendent-ils que soit appliquée loi établie par Allah imposant que leurs semblables soient anéantis ? Tu ne trouveras aucun changement dans cette loi: ils n’en seront pas exceptés et elle ne sera pas appliquée à des gens qui ne sont pas concernés. En effet, la loi établie par Allah est immuable.
أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةًۭ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُۥ مِن شَىْءٍۢ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَلِيمًۭا قَدِيرًۭا
N'ont-ils donc jamais parcouru la terre pour voir ce qu'il est advenu de ceux qui vécurent avant eux et qui étaient plus puissants qu'eux? Et rien, dans les cieux ni sur terre ne saurait réduire l'autorité d'Allah. Car Il est certes Omniscient, Omnipotent.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الرِّسَالَةِ: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ؟ كَيْفَ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا، فَخُلِيَتْ مِنْهُمْ مَنَازِلُهُمْ، وَسُلِبُوا مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ النَّعَم بَعْدَ كَمَالِ الْقُوَّةِ، وَكَثْرَةِ الْعَدَدِ والعُدَد، وَكَثْرَةِ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، فَمَا أَغْنَى ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَا دَفَعَ [[في ت، س: "ولا يدفع".]] عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يُعْجِزُهُ شيء، إذا أراد كونه في السموات وَالْأَرْضِ؟ ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ أَيْ: عَلِيمٌ بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ، قَدِيرٌ عَلَى مَجْمُوعِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ أَيْ: لَوْ آخَذَهُمْ [[في ت، أ: "يؤاخذهم".]] بِجَمِيعِ ذُنُوبِهِمْ، لَأَهْلَكَ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَمَا يَمْلِكُونَهُ مِنْ دَوَابَّ وَأَرْزَاقٍ. قَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنان، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَادَ الجَعْلُ أَنْ يُعَذَّبَ فِي جُحْره بِذَنْبِ ابْنِ آدَمَ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، والسُّدِّيّ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ أَيْ: لَمَا سَقَاهُمُ الْمَطَرُ، فَمَاتَتْ جَمِيعُ الدَّوَابِّ. ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أَيْ: وَلَكِنْ يُنْظرهُم إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَيُحَاسِبُهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَيُوَفِّي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، فَيُجَازِي بِالثَّوَابِ أهلَ الطَّاعَةِ، وَبِالْعِقَابِ أَهْلَ الْمَعْصِيَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ . آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "فَاطِرٍ" ولله الحمد والمنة. تَفْسِيرُ سُورَةِ يس [وَهِيَ] [[زيادة من ت، س، أ.]] مَكِّيَّةٌ. قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَسُفْيَانُ بْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤاسي، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ هَارُونَ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ قَتَادَةَ [[في ت: " روى أبو عيسى الترمذي بإسناده".]] ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا، وَقَلْبُ الْقُرْآنِ يس. ومَنْ قَرَأَ يس كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِقِرَاءَتِهَا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عَشْرَ مَرَّاتٍ". ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حُميد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَهَارُونُ أَبُو مُحَمَّدٍ شَيْخٌ مَجْهُولٌ. وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَا يَصِحُّ لِضَعْفِ إِسْنَادِهِ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْظُورٌ فِيهِ. [[سنن الترمذي برقم (٢٨٨٧) وقال ابن أبي حاتم في العلل (٢/٥٦) بعد ما ذكر الحديث: "قال أبي: مقاتل هذا هو مقاتل بن سليمان رأيت هذا الحديث في أول كتاب وضعه مقاتل وهو حديث باطل لا أصل له. قلت لأبي: مقاتل أدرك قتادة؟ قال: وأكبر من قتادة أبو الزبير".]] أَمَّا حَدِيثُ الصِّدِّيقِ فَرَوَاهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِهِ نَوَادِرِ الْأُصُولِ. [[نوادر الأصول ص (٣٣٥) ورواه ابن الضريس في فضائل القرآن برقم (٢١٧) والبيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٤٦٥) وابن الجوزي في الموضوعات (١/٢٤٧) من طرق عن إسماعيل بن أبي أويس عن محمد بن عبد الرحمن الجدعاني عن سليمان بن مرقاع عن هلال بن الصلت عن أبي بكر، رضي الله عنه. وقال ابن الجوزى: "هذا الحديث من جميع طرقه باطل لا أصل له".]] وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا زَيْدُ -هُوَ ابْنُ الْحُبَابِ-حَدَّثَنَا حُميد -هُوَ الْمَكِّيُّ، مَوْلَى آلِ عَلْقَمَةَ-عَنْ عَطَاءٍ -هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا، وَقَلْبُ الْقُرْآنِ يس". ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ إِلَّا زَيْدٌ، عَنْ حُمَيْدٍ. [[مسند البزار برقم (٢٣٠٤) "كشف الأستار".]] وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ [[في ت: "وروى الحافظ أبو يعلى عن أبي هريرة قال".]] : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَرَأَ يس فِي لَيْلَةٍ أَصْبَحَ مَغْفُورًا لَهُ. وَمَنْ قَرَأَ: "حم" الَّتِي فِيهَا الدُّخَانُ أَصْبَحَ مَغْفُورًا لَهُ". إِسْنَادٌ [[في ت: "إسناده".]] جَيِّدٌ. [[مسند أبي يعلى (١١/٩٣) وفي إسناده هشام بن زياد ضعفه الأئمة، وقال ابن حبان: "كان ممن يروى الموضوعات عن الثقات، والمقلوبات عن الأثبات حتى يسبق إلى قلب المستمع أنه كان المعتمد لها، لا يجوز الاحتجاج به". والحسن لم يسمع من أبي هريرة، وانظر التعليق على أبي يعلى عند قوله: "سمعت".]] وَقَالَ [[في ت، أ: "وروى".]] ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ -مَوْلَى ثَقِيفٍ-حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعِ بْنِ الْوَلِيدِ السَّكُونِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ خَيْثَمة، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن جُحَادة، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جُنْدَب بْنِ [[في أ: "عن".]] عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَرَأَ يس فِي لَيْلَةٍ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، غُفِرَ لَهُ". [[صحيح ابن حبان برقم (٦٦٥) "موارد" والحسن لم يسمع من جندب، قاله أبو حاتم.]] وَقَدْ قَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَار، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْبَقَرَةُ سِنام الْقُرْآنِ وذِرْوَته، نَزَلَ مَعَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ثَمَانُونَ مَلَكًا، وَاسْتُخْرِجَتْ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فَوُصِلَتْ بِهَا -أَوْ: فَوُصِلَتْ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ-وَيس قَلْبُ الْقُرْآنِ، لَا يَقْرَؤُهَا رَجُلٌ يُرِيدُ اللَّهَ والدار الآخرة، إلا غفر له، واقرؤوها عَلَى مَوْتَاكُمْ". وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي "الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدَ الْأَعْلَى، عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ [[المسند (٥/٢٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠٩١٤) وقد أعله ابن القطان كما في التلخيص لابن حجر (٢/١٠٤) بثلاث علل: الاضطراب في الإسناد، وبالوقف، وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه. ثم نقل عن الدارقطنى قوله: "هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصحح في الباب حديث".]] . ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ -وَلَيْسَ بِالنَّهْدِيِّ-عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَعْقِل بْنِ يَسَار قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اقرؤوها عَلَى مَوْتَاكُمْ" -يَعْنِي: يس. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ فِي "الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ" وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ [[المسند (٥/٢٦) وسنن أبي داود برقم (٣١٢١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠٩١٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٤٤٨) .]] إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ. وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ السُّورَةِ: أَنَّهَا لَا تُقْرَأُ عِنْدَ أَمْرٍ عَسِيرٍ إِلَّا يَسَّرَهُ اللَّهُ. وَكَأَنَّ قِرَاءَتَهَا عِنْدَ الْمَيِّتِ لِتُنْزِلَ الرَّحْمَةَ وَالْبَرَكَةَ، وَلِيَسْهُلَ [[في ت، س: "ولتسهل".]] عَلَيْهِ خُرُوجُ الرُّوحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ قَالَ: كَانَ الْمَشْيَخَةُ يَقُولُونَ: إِذَا قُرِئَتْ -يَعْنِي يس-عِنْدَ الْمَيِّتِ خُفِّف عَنْهُ بِهَا. [[المسند (٤/١٠٥) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروي".]] الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ [[في ت: "رسول الله".]] ﷺ: "لَوَدِدْتُ أَنَّهَا فِي قَلْبِ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ أُمَّتِي" -يعني: يس. [[مسند البزار برقم (٢٣٠٥) "كشف الأستار".]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: أولم يَسِرْ يا محمد هؤلاء المشركون بالله في الأرض التي أهلكنا أهلها بكفرهم بنا وتكذيبهم رسلنا فإنهم تجار يسلكون طريق الشأم ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم التي كانوا يمرون بها ألم نهلكهم ونخرب مساكنهم ونجعلهم مثلا لمن بعدهم، فيتعظوا بهم وينزجروا عمَّا هم عليه من عبادة الآلهة بالشرك بالله، ويعلموا أن الذي فعل بأولئك ما فعل ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ لن يتعذر عليه أن يفعل بهم مثل الذي فعل بأولئك من تعجيل النقمة والعذاب لهم. وبنحو الذي قلنا في قوله ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ يخبركم أنه أعطى القوم ما لم يعطكم. * * وقوله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ﴾ يقول تعالى ذكره: ولن يعجزنا هؤلاء المشركون بالله من عبدة الآلهة المكذبون محمدًا، فيسبقونا هربًا في الأرض إذا نحن أردنا هلاكهم؛ لأن الله لم يكن ليعجزه شيء يريده في السماوات ولا في الأرض، ولن يقدر هؤلاء المشركون أن ينفذوا من أقطار السماوات والأرض. * * وقوله ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ يقول تعالى ذكره: إن الله كان عليمًا بخلقه، وما هو كائن، ومن هو المستحق منهم تعجيل العقوبة، ومن هو عن ضلالته منهم راجع إلى الهدى آيب، قديرا على الانتقام ممن شاء منهم، وتوفيق من أراد منهم للإيمان.
Ceux, parmi les Quraychites, qui te traitent de menteur n’ont-ils pas parcouru la Terre et médité la fin que connurent les peuples dénégateurs qui les ont précédés ? Leur fin n’a-t-elle pas été néfaste puisqu’ils ont été anéantis par Allah alors qu’ils étaient plus puissants que les Quraychites ? Rien n’échappe à Allah dans les Cieux et sur la Terre. Il connaît le mieux les agissements de ces dénégateurs, rien ne Lui en est inconnu et Il a le pouvoir de les anéantir quand Il le veut.
وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍۢ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِۦ بَصِيرًۢا
Et si Allah s'en prenait aux gens pour ce qu'ils acquièrent, Il ne laisserait à la surface [de la terre] aucun être vivant. Mais Il leur donne un délai jusqu'à un terme fixé. Puis quand leur terme viendra... (Il se saisira d'eux) car Allah est Très Clairvoyant sur Ses serviteurs.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الرِّسَالَةِ: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ؟ كَيْفَ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا، فَخُلِيَتْ مِنْهُمْ مَنَازِلُهُمْ، وَسُلِبُوا مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ النَّعَم بَعْدَ كَمَالِ الْقُوَّةِ، وَكَثْرَةِ الْعَدَدِ والعُدَد، وَكَثْرَةِ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، فَمَا أَغْنَى ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَا دَفَعَ [[في ت، س: "ولا يدفع".]] عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يُعْجِزُهُ شيء، إذا أراد كونه في السموات وَالْأَرْضِ؟ ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ أَيْ: عَلِيمٌ بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ، قَدِيرٌ عَلَى مَجْمُوعِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ أَيْ: لَوْ آخَذَهُمْ [[في ت، أ: "يؤاخذهم".]] بِجَمِيعِ ذُنُوبِهِمْ، لَأَهْلَكَ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَمَا يَمْلِكُونَهُ مِنْ دَوَابَّ وَأَرْزَاقٍ. قَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنان، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَادَ الجَعْلُ أَنْ يُعَذَّبَ فِي جُحْره بِذَنْبِ ابْنِ آدَمَ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، والسُّدِّيّ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ أَيْ: لَمَا سَقَاهُمُ الْمَطَرُ، فَمَاتَتْ جَمِيعُ الدَّوَابِّ. ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أَيْ: وَلَكِنْ يُنْظرهُم إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَيُحَاسِبُهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَيُوَفِّي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، فَيُجَازِي بِالثَّوَابِ أهلَ الطَّاعَةِ، وَبِالْعِقَابِ أَهْلَ الْمَعْصِيَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ . آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "فَاطِرٍ" ولله الحمد والمنة. تَفْسِيرُ سُورَةِ يس [وَهِيَ] [[زيادة من ت، س، أ.]] مَكِّيَّةٌ. قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَسُفْيَانُ بْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤاسي، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ هَارُونَ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ قَتَادَةَ [[في ت: " روى أبو عيسى الترمذي بإسناده".]] ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا، وَقَلْبُ الْقُرْآنِ يس. ومَنْ قَرَأَ يس كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِقِرَاءَتِهَا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عَشْرَ مَرَّاتٍ". ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حُميد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَهَارُونُ أَبُو مُحَمَّدٍ شَيْخٌ مَجْهُولٌ. وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَا يَصِحُّ لِضَعْفِ إِسْنَادِهِ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْظُورٌ فِيهِ. [[سنن الترمذي برقم (٢٨٨٧) وقال ابن أبي حاتم في العلل (٢/٥٦) بعد ما ذكر الحديث: "قال أبي: مقاتل هذا هو مقاتل بن سليمان رأيت هذا الحديث في أول كتاب وضعه مقاتل وهو حديث باطل لا أصل له. قلت لأبي: مقاتل أدرك قتادة؟ قال: وأكبر من قتادة أبو الزبير".]] أَمَّا حَدِيثُ الصِّدِّيقِ فَرَوَاهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِهِ نَوَادِرِ الْأُصُولِ. [[نوادر الأصول ص (٣٣٥) ورواه ابن الضريس في فضائل القرآن برقم (٢١٧) والبيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٤٦٥) وابن الجوزي في الموضوعات (١/٢٤٧) من طرق عن إسماعيل بن أبي أويس عن محمد بن عبد الرحمن الجدعاني عن سليمان بن مرقاع عن هلال بن الصلت عن أبي بكر، رضي الله عنه. وقال ابن الجوزى: "هذا الحديث من جميع طرقه باطل لا أصل له".]] وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا زَيْدُ -هُوَ ابْنُ الْحُبَابِ-حَدَّثَنَا حُميد -هُوَ الْمَكِّيُّ، مَوْلَى آلِ عَلْقَمَةَ-عَنْ عَطَاءٍ -هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا، وَقَلْبُ الْقُرْآنِ يس". ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ إِلَّا زَيْدٌ، عَنْ حُمَيْدٍ. [[مسند البزار برقم (٢٣٠٤) "كشف الأستار".]] وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ [[في ت: "وروى الحافظ أبو يعلى عن أبي هريرة قال".]] : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَرَأَ يس فِي لَيْلَةٍ أَصْبَحَ مَغْفُورًا لَهُ. وَمَنْ قَرَأَ: "حم" الَّتِي فِيهَا الدُّخَانُ أَصْبَحَ مَغْفُورًا لَهُ". إِسْنَادٌ [[في ت: "إسناده".]] جَيِّدٌ. [[مسند أبي يعلى (١١/٩٣) وفي إسناده هشام بن زياد ضعفه الأئمة، وقال ابن حبان: "كان ممن يروى الموضوعات عن الثقات، والمقلوبات عن الأثبات حتى يسبق إلى قلب المستمع أنه كان المعتمد لها، لا يجوز الاحتجاج به". والحسن لم يسمع من أبي هريرة، وانظر التعليق على أبي يعلى عند قوله: "سمعت".]] وَقَالَ [[في ت، أ: "وروى".]] ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ -مَوْلَى ثَقِيفٍ-حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعِ بْنِ الْوَلِيدِ السَّكُونِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ خَيْثَمة، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن جُحَادة، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جُنْدَب بْنِ [[في أ: "عن".]] عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَرَأَ يس فِي لَيْلَةٍ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، غُفِرَ لَهُ". [[صحيح ابن حبان برقم (٦٦٥) "موارد" والحسن لم يسمع من جندب، قاله أبو حاتم.]] وَقَدْ قَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَار، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْبَقَرَةُ سِنام الْقُرْآنِ وذِرْوَته، نَزَلَ مَعَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ثَمَانُونَ مَلَكًا، وَاسْتُخْرِجَتْ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فَوُصِلَتْ بِهَا -أَوْ: فَوُصِلَتْ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ-وَيس قَلْبُ الْقُرْآنِ، لَا يَقْرَؤُهَا رَجُلٌ يُرِيدُ اللَّهَ والدار الآخرة، إلا غفر له، واقرؤوها عَلَى مَوْتَاكُمْ". وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي "الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدَ الْأَعْلَى، عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ [[المسند (٥/٢٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠٩١٤) وقد أعله ابن القطان كما في التلخيص لابن حجر (٢/١٠٤) بثلاث علل: الاضطراب في الإسناد، وبالوقف، وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه. ثم نقل عن الدارقطنى قوله: "هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصحح في الباب حديث".]] . ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ -وَلَيْسَ بِالنَّهْدِيِّ-عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَعْقِل بْنِ يَسَار قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اقرؤوها عَلَى مَوْتَاكُمْ" -يَعْنِي: يس. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ فِي "الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ" وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ [[المسند (٥/٢٦) وسنن أبي داود برقم (٣١٢١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠٩١٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٤٤٨) .]] إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ. وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ السُّورَةِ: أَنَّهَا لَا تُقْرَأُ عِنْدَ أَمْرٍ عَسِيرٍ إِلَّا يَسَّرَهُ اللَّهُ. وَكَأَنَّ قِرَاءَتَهَا عِنْدَ الْمَيِّتِ لِتُنْزِلَ الرَّحْمَةَ وَالْبَرَكَةَ، وَلِيَسْهُلَ [[في ت، س: "ولتسهل".]] عَلَيْهِ خُرُوجُ الرُّوحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ قَالَ: كَانَ الْمَشْيَخَةُ يَقُولُونَ: إِذَا قُرِئَتْ -يَعْنِي يس-عِنْدَ الْمَيِّتِ خُفِّف عَنْهُ بِهَا. [[المسند (٤/١٠٥) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروي".]] الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ [[في ت: "رسول الله".]] ﷺ: "لَوَدِدْتُ أَنَّهَا فِي قَلْبِ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ أُمَّتِي" -يعني: يس. [[مسند البزار برقم (٢٣٠٥) "كشف الأستار".]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾ يقول ولو يعاقب الله الناس ويكافئهم بما عملوا من الذنوب والمعاصي واجترحوا من الآثام ما ترك على ظهرها من دابة تدب عليها ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يقول: ولكن يؤخر عقابهم ومؤاخذتهم بما كسبوا إلى أجل معلوم عنده، محدود لا يقصرون دونه، ولا يجاوزونه إذا بلغوه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ إلا ما حمل نوح في السفينة. * * وقوله ﴿فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا﴾ يقول تعالى ذكره: فإذا جاء أجل عقابهم فإن الله كان بعباده بصيرًا من الذي يستحق أن يعاقب منهم، ومن الذي يستوجب الكرامة ومن الذي كان منهم في الدنيا له مطيعًا، ومن كان فيها به مشركًا، لا يخفى عليه أحد منهم، ولا يعزب عنه علم شيء من أمرهم. آخر تفسير سورة فاطر
Si Allah hâtait la punition des gens pour les péchés qu’ils commettent, Il anéantirait immédiatement tous les habitants de la Terre ainsi que ainsi que toutes les bêtes et les richesses qu’ils possèdent. Seulement, de par Sa connaissance, Il reporte leur punition à un terme fixé. Lorsque ce terme échoit, c’est-à-dire le Jour de la Résurrection, Allah les rétribuera en bien ou en mal pour leurs bonnes ou mauvaises œuvres puisqu’Il voit tout concernant Ses serviteurs et rien de ce qui les concerne ne Lui échappe.