← Toutes les sourates

Saad سُورَةُ صٓ

Sourate 38 · 88 versets · Meccan

1

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ صٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ

Sâd. Par le Coran, au renom glorieux (dikr)!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ ص [وَهِيَ] [[زيادة من ت، س.]] مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * أَمَّا الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ أَيْ: وَالْقُرْآنِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى مَا فِيهِ ذِكْرٌ لِلْعِبَادِ وَنَفْعٌ لَهُمْ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ. قَالَ الضَّحَّاكُ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ ] الْأَنْبِيَاءِ: ١٠ [أَيْ: تَذْكِيرُكُمْ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَأَبُو [[في أ: "ابن".]] حُصَيْنٍ وَأَبُو صَالِحٍ وَالسُّدِّيُّ [[في ت: "وخلق غيرهما".]] ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ ذِي الشَّرَفِ أَيْ: ذِي الشَّأْنِ وَالْمَكَانَةِ. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، فَإِنَّهُ كِتَابٌ شَرِيفٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى التَّذْكِيرِ وَالْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ. وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَابِ هَذَا الْقَسْمِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ قَوْلُهُ: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ ] ص: ١٤ [. وَقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ ] ص: ٦٤ [حَكَاهُمَا [[في س: "رواهما".]] ابْنُ جَرِيرٍ وَهَذَا الثَّانِي فِيهِ بُعْدٌ كَبِيرٌ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: جَوَابُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقِيلَ: جَوَابُهُ مَا تَضَمَّنَهُ سِيَاقُ السُّورَةِ بِكَمَالِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ [[في أ: "العربية".]] أَنَّهُ قَالَ: جَوَابُهُ "ص" بِمَعْنَى: صِدْقٌ حَقٌّ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ أَيْ: إِنَّ فِي هَذَا الْقُرْآنِ لَذِكْرًا لِمَنْ يَتَذَكَّرُ، وَعِبْرَةً لِمَنْ يَعْتَبِرُ. وَإِنَّمَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ الْكَافِرُونَ لِأَنَّهُمْ ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ أَيِ: اسْتِكْبَارٍ عَنْهُ وَحَمِيَّةٍ ﴿وَشِقَاقٍ﴾ أَيْ: مُخَالَفَةٍ لَهُ وَمُعَانَدَةٍ وَمُفَارَقَةٍ. ثُمَّ خَوَّفَهُمْ مَا أَهْلَكَ بِهِ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبَةَ قَبْلَهُمْ بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِمْ لِلرُّسُلِ وَتَكْذِيبِهِمُ الكتب المنزلة من السَّمَاءِ فَقَالَ: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أَيْ: مِنْ أُمَّةٍ مُكَذِّبَةٍ، ﴿فَنَادَوْا﴾ أَيْ: [[في ت: "إلى".]] حِينَ جَاءَهُمُ الْعَذَابُ اسْتَغَاثُوا وَجَأَرُوا إِلَى اللَّهِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُجْدٍ عَنْهُمْ شَيْئًا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ ] الْأَنْبِيَاءِ: ١٢ [أَيْ: يَهْرَبُونَ، ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ ] الْأَنْبِيَاءِ: ١٣ [ قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ التَّمِيمِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ قَالَ: لَيْسَ بِحِينِ نِدَاءٍ، وَلَا نَزْوٍ وَلَا فِرَارٍ [[وقد رواه الطستي في مسائل نافع بن الأزرق أنه سأل ابن عباس فذكره.]] وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَيْسَ بِحِينِ مِغَاثٍ. وَقَالَ شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ [[في أ: "بشير".]] عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ [[في ت: "سئل".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: نَادَوُا النِّدَاءَ حِينَ لَا يَنْفَعُهُمْ وَأَنْشَدَ: تَذَكَّر لَيْلَى لاتَ حِينَ تذَكّر [[البيت للأعشى، وعجزه: وقد تبت عنها والمناص بعيد.]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ يَقُولُ: نَادَوْا بِالتَّوْحِيدِ حِينَ تَوَلَّتِ الدُّنْيَا عَنْهُمْ، وَاسْتَنَاصُوا لِلتَّوْبَةِ حِينَ تَوَلَّتِ الدُّنْيَا عَنْهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ أَرَادُوا التَّوْبَةَ فِي غَيْرِ حِينِ النِّدَاءِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ لَيْسَ بِحِينِ فِرَارٍ وَلَا إِجَابَةٍ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي مَالِكٍ وَالضَّحَّاكِ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ. وَعَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ وَلَا نِدَاءَ فِي غَيْرِ حِينِ النِّدَاءِ. وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ وَهِيَ "لَاتَ" هِيَ "لَا" الَّتِي لِلنَّفْيِ، زِيدَتْ مَعَهَا "التَّاءُ" كَمَا تُزَادُ فِي "ثُمَّ" فَيَقُولُونَ: "ثُمَّتْ"، وَ "رُبَّ" فَيَقُولُونَ: "رُبَّتْ". وَهِيَ مَفْصُولَةٌ وَالْوَقْفُ عَلَيْهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى عَنِ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ فِيمَا ذَكَرَهُ [ابْنُ جَرِيرٍ] [[ما بين المعقوفتين بياض في س.]] أَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِحِينَ: "وَلَا تَحِينَ مَنَاصٍ". وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ. ثُمَّ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِنَصْبِ "حِينَ" تَقْدِيرُهُ: وَلَيْسَ الْحِينُ حِينَ مَنَاصٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ النَّصْبَ بِهَا، وَأَنْشَدَ: تَذَكَّر حُب لَيْلَى لاتَ حِينَا ... وأَضْحَى الشَّيْبُ قَدْ قَطَع القَرينا [[البيت في تفسير الطبري (٢٣/٧٧) .]] وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الْجَرَّ بِهَا، وَأَنْشَدَ: طَلَبُوا صُلْحَنَا ولاتَ أوانٍ ... فأجَبْنَا أن ليس حينُ بقاءِ [[البيت لأبي زبيد الطائي، وهو في تفسير الطبري (٢٣/٧٧) .]] وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا: ولاتَ سَاعةَ مَنْدَم بِخَفْضِ السَّاعَةِ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: النَّوْصُ: التَّأَخُّرُ، وَالْبَوْصُ: التَّقَدُّمُ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ الْحِينُ حِينَ فِرَارٍ وَلَا ذَهَابٍ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى قول الله عزّ وجلّ: ﴿ص﴾ فقال بعضهم: هو من المصاداة، من صاديت فلانا، وهو أمر من ذلك، كأن معناه عندهم: صاد بعملك القرآن: أي عارضه به، ومن قال هذا تأويله، فإنه يقرؤه بكسر الدال، لأنه أمر، وكذلك رُوي عن الحسن. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن ﴿ص﴾ قال: حادث القرآن. ⁕ وحُدثت عن عليّ بن عاصم، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن، في قوله ﴿ص﴾ قال: عارض القرآن بعملك. ⁕ حُدثت عن عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله ﴿ص والقرآن﴾ قال: عارض القرآن، قال عبد الوهاب: يقول اعرضه على عملك، فانظر أين عملك من القرآن. ⁕ حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن إسماعيل، عن الحسن أنه كان يقرأ: ﴿ص والقرآن﴾ بخفض الدال، وكان يجعلها من المصاداة، يقول: عارض القرآن. وقال آخرون: هي حرف هجاء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: أما ﴿ص﴾ فمن الحروف. وقال آخرون: هو قسم أقسم الله به. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿ص﴾ قال: قسم أقسمه الله، وهو من أسماء الله. وقال آخرون: هو اسم من أسماء القرآن أقسم الله به. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ص﴾ قال: هو اسم من أسماء القرآن أقسم الله به. وقال آخرون: معنى ذلك: صدق الله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي روق، عن الضحاك فى قوله ﴿ص﴾ قال: صدق الله. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك فقرأته عامة قرّاء الأمصار خلا عبد الله بن أبي إسحاق وعيسى بن عمر، بسكون الدال، فأما عبد الله بن أبي إسحاق فإنه كان يكسرها لاجتماع الساكنين، ويجعل ذلك بمنزلة الأداة، كقول العرب: تركته حاثِ باثِ، وخازِ بازِ يخفضان من أجل أن الذي يلي آخر الحروف ألف فيخفضون مع الألف، وينصبون مع غيرها، فيقولون حيث بيث، ولأجعلنك في حيص بيص: إذا ضيق عليه. وأما عيسى بن عمر فكان يوفق بين جميع ما كان قبل آخر الحروف منه ألف، وما كان قبل آخره ياء أو واو فيفتح جميع ذلك وينصبه، فيقول: ص وق ون ويس، فيجعل ذلك مثل الأداة كقولهم: ليتَ، وأينَ وما أشبه ذلك. والصواب من القراءة في ذلك عندنا السكون في كل ذلك، لأن ذلك القراءة التي جاءت بها قرّاء الأمصار مستفيضة فيهم، وأنها حروف هجاء لأسماء المسميات، فيعرب إعراب الأسماء والأدوات والأصوات، فيسلك به مسالكهن، فتأويلها إذ كانت كذلك تأويل نظائرها التي قد تقدم بيانها قبل فيما مضى. وكان بعض أهل العربية يقول: ﴿ص﴾ في معناها كقولك: وجب والله، نزل والله، وحق والله، وهي جواب لقوله ﴿والقرآن﴾ كما تقول: حقا والله، نزل والله. * * وقوله ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ وهذا قسم أقسمه الله تبارك وتعالى بهذا القرآن فقال: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ واختلف أهل التأويل في تأويل قوله ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ فقال بعضهم: معناه: ذي لشرف. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثنا أبو أحمد، عن قيس، عن أبي حصين، عن سعيد ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ قال: ذي الشرف. ⁕ حدثنا نصر بن عليّ وابن بشار، قالا ثنا أبو أحمد، عن مسعر، عن أبي حصين ﴿ذي الذكر﴾ : ذي الشرف. ⁕ قال: ثنا أبو أحمد، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح أو غيره ﴿ذي الذكر﴾ : ذي الشرف. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿والقرآن ذي الذكر﴾ قال: ذي الشرف. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن يحيى بن عُمارة، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس ﴿ص والقرآن ذي الذكر﴾ ذي الشرف. وقال بعضهم: بل معناه: ذي التذكير، ذكَّركمُ الله به. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي روق، عن الضحاك ﴿ذي الذكر﴾ قال: فيه ذكركم، قال: ونظيرتها: ﴿لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ذي الذكر﴾ : أي ما ذكر فيه. وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ذي التذكير لكم، لأن الله أتبع ذلك قوله ﴿بل الذين كفروا في عزة وشقاق﴾ فكان معلوما بذلك أنه إنما أخبر عن القرآن أنه أنزله ذكرًا لعباده ذكرهم به، وأن الكفار من الإيمان به في عزّة وشقاق. واختلف في الذي وقع عليه اسم القسم، فقال بعضهم؛ وقع القسم على قوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾ قال: ها هنا وقع القسم. وكان بعض أهل العربية يقول:"بل" دليل على تكذيبهم، فاكتفى ببل من جواب القسم، وكأنه قيل: ص، ما الأمر كما قلتم، بل أنتم في عزة وشقاق. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: زعموا أن موضع القسم في قوله ﴿إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ وقال بعض نحويي الكوفة: قد زعم قوم أن جواب ﴿والقرآن﴾ قوله ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ قال: وذلك كلام قد تأخر عن قوله ﴿والقرآن﴾ تأخرا شديدا، وجرت بينهما قصص، مختلفة، فلا نجد ذلك مستقيما في العربية، والله أعلم. قال: ويقال: إن قوله ﴿والقُرآنِ﴾ يمين اعترض كلام دون موقع جوابها، فصار جوابها للمعترض ولليمين، فكأنه أراد: والقرآن ذي الذكر، لَكَمْ أهلكنا، فلما اعترض قوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾ صارت كم جوابا للعزة واليمين. قال: ومثله قوله ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ اعترض دون الجواب قوله ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا﴾ فصارت قد أفلح تابعة لقوله: فألهمها، وكفى من جواب القسم، فكأنه قال: والشمس وضحاها لقد أفلح. والصواب من القول في ذلك عندي، القول الذي قاله قتادة، وأن قوله ﴿بَلْ﴾ لما دلّت على التكذيب وحلَّت محلّ الجواب استغني بها من الجواب، إذ عرف المعنى، فمعنى الكلام إذ كان ذلك كذلك: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ما الأمر، كما يقول هؤلاء الكافرون: بل هم في عزّة وشقاق. * * وقوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ يقول تعالى ذكره: بل الذين كفروا بالله من مشركي قريش في حمية ومشاقة، وفراق لمحمد وعداوة، وما بهم أن لا يكونوا أهل علم، بأنه ليس بساحر ولا كذاب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿في عزة وشقاق﴾ قال: مُعَازِّين. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿في عزة وشقاقٍ﴾ : أي في حَمِيَّة وفراق. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ قال: يعادون أمر الله ورسله وكتابه، ويشاقون، ذلك عزّة وشِقاق، فقلت له: الشقاق: الخلاف، فقال: نعم.

Al-Mukhtasar (français)

Şâd: Il a déjà été question de telles lettres séparées au début de Sourate Al-Baqarah. Je prête serment par le Coran qui contient un rappel au gens concernant leur vie dans le bas monde et dans l’au-delà, qu’il n’existe pas d’associés à Allah comme le prétendent les polythéistes.

2

بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى عِزَّةٍۢ وَشِقَاقٍۢ

Ceux qui ont mécru sont plutôt dans l'orgueil et le schisme!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ ص [وَهِيَ] [[زيادة من ت، س.]] مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * أَمَّا الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ أَيْ: وَالْقُرْآنِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى مَا فِيهِ ذِكْرٌ لِلْعِبَادِ وَنَفْعٌ لَهُمْ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ. قَالَ الضَّحَّاكُ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ ] الْأَنْبِيَاءِ: ١٠ [أَيْ: تَذْكِيرُكُمْ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَأَبُو [[في أ: "ابن".]] حُصَيْنٍ وَأَبُو صَالِحٍ وَالسُّدِّيُّ [[في ت: "وخلق غيرهما".]] ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ ذِي الشَّرَفِ أَيْ: ذِي الشَّأْنِ وَالْمَكَانَةِ. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، فَإِنَّهُ كِتَابٌ شَرِيفٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى التَّذْكِيرِ وَالْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ. وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَابِ هَذَا الْقَسْمِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ قَوْلُهُ: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ ] ص: ١٤ [. وَقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ ] ص: ٦٤ [حَكَاهُمَا [[في س: "رواهما".]] ابْنُ جَرِيرٍ وَهَذَا الثَّانِي فِيهِ بُعْدٌ كَبِيرٌ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: جَوَابُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقِيلَ: جَوَابُهُ مَا تَضَمَّنَهُ سِيَاقُ السُّورَةِ بِكَمَالِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ [[في أ: "العربية".]] أَنَّهُ قَالَ: جَوَابُهُ "ص" بِمَعْنَى: صِدْقٌ حَقٌّ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ أَيْ: إِنَّ فِي هَذَا الْقُرْآنِ لَذِكْرًا لِمَنْ يَتَذَكَّرُ، وَعِبْرَةً لِمَنْ يَعْتَبِرُ. وَإِنَّمَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ الْكَافِرُونَ لِأَنَّهُمْ ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ أَيِ: اسْتِكْبَارٍ عَنْهُ وَحَمِيَّةٍ ﴿وَشِقَاقٍ﴾ أَيْ: مُخَالَفَةٍ لَهُ وَمُعَانَدَةٍ وَمُفَارَقَةٍ. ثُمَّ خَوَّفَهُمْ مَا أَهْلَكَ بِهِ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبَةَ قَبْلَهُمْ بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِمْ لِلرُّسُلِ وَتَكْذِيبِهِمُ الكتب المنزلة من السَّمَاءِ فَقَالَ: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أَيْ: مِنْ أُمَّةٍ مُكَذِّبَةٍ، ﴿فَنَادَوْا﴾ أَيْ: [[في ت: "إلى".]] حِينَ جَاءَهُمُ الْعَذَابُ اسْتَغَاثُوا وَجَأَرُوا إِلَى اللَّهِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُجْدٍ عَنْهُمْ شَيْئًا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ ] الْأَنْبِيَاءِ: ١٢ [أَيْ: يَهْرَبُونَ، ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ ] الْأَنْبِيَاءِ: ١٣ [ قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ التَّمِيمِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ قَالَ: لَيْسَ بِحِينِ نِدَاءٍ، وَلَا نَزْوٍ وَلَا فِرَارٍ [[وقد رواه الطستي في مسائل نافع بن الأزرق أنه سأل ابن عباس فذكره.]] وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَيْسَ بِحِينِ مِغَاثٍ. وَقَالَ شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ [[في أ: "بشير".]] عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ [[في ت: "سئل".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: نَادَوُا النِّدَاءَ حِينَ لَا يَنْفَعُهُمْ وَأَنْشَدَ: تَذَكَّر لَيْلَى لاتَ حِينَ تذَكّر [[البيت للأعشى، وعجزه: وقد تبت عنها والمناص بعيد.]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ يَقُولُ: نَادَوْا بِالتَّوْحِيدِ حِينَ تَوَلَّتِ الدُّنْيَا عَنْهُمْ، وَاسْتَنَاصُوا لِلتَّوْبَةِ حِينَ تَوَلَّتِ الدُّنْيَا عَنْهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ أَرَادُوا التَّوْبَةَ فِي غَيْرِ حِينِ النِّدَاءِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ لَيْسَ بِحِينِ فِرَارٍ وَلَا إِجَابَةٍ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي مَالِكٍ وَالضَّحَّاكِ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ. وَعَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ وَلَا نِدَاءَ فِي غَيْرِ حِينِ النِّدَاءِ. وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ وَهِيَ "لَاتَ" هِيَ "لَا" الَّتِي لِلنَّفْيِ، زِيدَتْ مَعَهَا "التَّاءُ" كَمَا تُزَادُ فِي "ثُمَّ" فَيَقُولُونَ: "ثُمَّتْ"، وَ "رُبَّ" فَيَقُولُونَ: "رُبَّتْ". وَهِيَ مَفْصُولَةٌ وَالْوَقْفُ عَلَيْهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى عَنِ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ فِيمَا ذَكَرَهُ [ابْنُ جَرِيرٍ] [[ما بين المعقوفتين بياض في س.]] أَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِحِينَ: "وَلَا تَحِينَ مَنَاصٍ". وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ. ثُمَّ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِنَصْبِ "حِينَ" تَقْدِيرُهُ: وَلَيْسَ الْحِينُ حِينَ مَنَاصٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ النَّصْبَ بِهَا، وَأَنْشَدَ: تَذَكَّر حُب لَيْلَى لاتَ حِينَا ... وأَضْحَى الشَّيْبُ قَدْ قَطَع القَرينا [[البيت في تفسير الطبري (٢٣/٧٧) .]] وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الْجَرَّ بِهَا، وَأَنْشَدَ: طَلَبُوا صُلْحَنَا ولاتَ أوانٍ ... فأجَبْنَا أن ليس حينُ بقاءِ [[البيت لأبي زبيد الطائي، وهو في تفسير الطبري (٢٣/٧٧) .]] وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا: ولاتَ سَاعةَ مَنْدَم بِخَفْضِ السَّاعَةِ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: النَّوْصُ: التَّأَخُّرُ، وَالْبَوْصُ: التَّقَدُّمُ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ الْحِينُ حِينَ فِرَارٍ وَلَا ذَهَابٍ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى قول الله عزّ وجلّ: ﴿ص﴾ فقال بعضهم: هو من المصاداة، من صاديت فلانا، وهو أمر من ذلك، كأن معناه عندهم: صاد بعملك القرآن: أي عارضه به، ومن قال هذا تأويله، فإنه يقرؤه بكسر الدال، لأنه أمر، وكذلك رُوي عن الحسن. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن ﴿ص﴾ قال: حادث القرآن. ⁕ وحُدثت عن عليّ بن عاصم، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن، في قوله ﴿ص﴾ قال: عارض القرآن بعملك. ⁕ حُدثت عن عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله ﴿ص والقرآن﴾ قال: عارض القرآن، قال عبد الوهاب: يقول اعرضه على عملك، فانظر أين عملك من القرآن. ⁕ حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن إسماعيل، عن الحسن أنه كان يقرأ: ﴿ص والقرآن﴾ بخفض الدال، وكان يجعلها من المصاداة، يقول: عارض القرآن. وقال آخرون: هي حرف هجاء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: أما ﴿ص﴾ فمن الحروف. وقال آخرون: هو قسم أقسم الله به. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿ص﴾ قال: قسم أقسمه الله، وهو من أسماء الله. وقال آخرون: هو اسم من أسماء القرآن أقسم الله به. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ص﴾ قال: هو اسم من أسماء القرآن أقسم الله به. وقال آخرون: معنى ذلك: صدق الله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي روق، عن الضحاك فى قوله ﴿ص﴾ قال: صدق الله. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك فقرأته عامة قرّاء الأمصار خلا عبد الله بن أبي إسحاق وعيسى بن عمر، بسكون الدال، فأما عبد الله بن أبي إسحاق فإنه كان يكسرها لاجتماع الساكنين، ويجعل ذلك بمنزلة الأداة، كقول العرب: تركته حاثِ باثِ، وخازِ بازِ يخفضان من أجل أن الذي يلي آخر الحروف ألف فيخفضون مع الألف، وينصبون مع غيرها، فيقولون حيث بيث، ولأجعلنك في حيص بيص: إذا ضيق عليه. وأما عيسى بن عمر فكان يوفق بين جميع ما كان قبل آخر الحروف منه ألف، وما كان قبل آخره ياء أو واو فيفتح جميع ذلك وينصبه، فيقول: ص وق ون ويس، فيجعل ذلك مثل الأداة كقولهم: ليتَ، وأينَ وما أشبه ذلك. والصواب من القراءة في ذلك عندنا السكون في كل ذلك، لأن ذلك القراءة التي جاءت بها قرّاء الأمصار مستفيضة فيهم، وأنها حروف هجاء لأسماء المسميات، فيعرب إعراب الأسماء والأدوات والأصوات، فيسلك به مسالكهن، فتأويلها إذ كانت كذلك تأويل نظائرها التي قد تقدم بيانها قبل فيما مضى. وكان بعض أهل العربية يقول: ﴿ص﴾ في معناها كقولك: وجب والله، نزل والله، وحق والله، وهي جواب لقوله ﴿والقرآن﴾ كما تقول: حقا والله، نزل والله. * * وقوله ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ وهذا قسم أقسمه الله تبارك وتعالى بهذا القرآن فقال: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ واختلف أهل التأويل في تأويل قوله ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ فقال بعضهم: معناه: ذي لشرف. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثنا أبو أحمد، عن قيس، عن أبي حصين، عن سعيد ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ قال: ذي الشرف. ⁕ حدثنا نصر بن عليّ وابن بشار، قالا ثنا أبو أحمد، عن مسعر، عن أبي حصين ﴿ذي الذكر﴾ : ذي الشرف. ⁕ قال: ثنا أبو أحمد، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح أو غيره ﴿ذي الذكر﴾ : ذي الشرف. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿والقرآن ذي الذكر﴾ قال: ذي الشرف. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن يحيى بن عُمارة، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس ﴿ص والقرآن ذي الذكر﴾ ذي الشرف. وقال بعضهم: بل معناه: ذي التذكير، ذكَّركمُ الله به. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي روق، عن الضحاك ﴿ذي الذكر﴾ قال: فيه ذكركم، قال: ونظيرتها: ﴿لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ذي الذكر﴾ : أي ما ذكر فيه. وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ذي التذكير لكم، لأن الله أتبع ذلك قوله ﴿بل الذين كفروا في عزة وشقاق﴾ فكان معلوما بذلك أنه إنما أخبر عن القرآن أنه أنزله ذكرًا لعباده ذكرهم به، وأن الكفار من الإيمان به في عزّة وشقاق. واختلف في الذي وقع عليه اسم القسم، فقال بعضهم؛ وقع القسم على قوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾ قال: ها هنا وقع القسم. وكان بعض أهل العربية يقول:"بل" دليل على تكذيبهم، فاكتفى ببل من جواب القسم، وكأنه قيل: ص، ما الأمر كما قلتم، بل أنتم في عزة وشقاق. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: زعموا أن موضع القسم في قوله ﴿إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ وقال بعض نحويي الكوفة: قد زعم قوم أن جواب ﴿والقرآن﴾ قوله ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ قال: وذلك كلام قد تأخر عن قوله ﴿والقرآن﴾ تأخرا شديدا، وجرت بينهما قصص، مختلفة، فلا نجد ذلك مستقيما في العربية، والله أعلم. قال: ويقال: إن قوله ﴿والقُرآنِ﴾ يمين اعترض كلام دون موقع جوابها، فصار جوابها للمعترض ولليمين، فكأنه أراد: والقرآن ذي الذكر، لَكَمْ أهلكنا، فلما اعترض قوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾ صارت كم جوابا للعزة واليمين. قال: ومثله قوله ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ اعترض دون الجواب قوله ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا﴾ فصارت قد أفلح تابعة لقوله: فألهمها، وكفى من جواب القسم، فكأنه قال: والشمس وضحاها لقد أفلح. والصواب من القول في ذلك عندي، القول الذي قاله قتادة، وأن قوله ﴿بَلْ﴾ لما دلّت على التكذيب وحلَّت محلّ الجواب استغني بها من الجواب، إذ عرف المعنى، فمعنى الكلام إذ كان ذلك كذلك: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ما الأمر، كما يقول هؤلاء الكافرون: بل هم في عزّة وشقاق. * * وقوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ يقول تعالى ذكره: بل الذين كفروا بالله من مشركي قريش في حمية ومشاقة، وفراق لمحمد وعداوة، وما بهم أن لا يكونوا أهل علم، بأنه ليس بساحر ولا كذاب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿في عزة وشقاق﴾ قال: مُعَازِّين. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿في عزة وشقاقٍ﴾ : أي في حَمِيَّة وفراق. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ قال: يعادون أمر الله ورسله وكتابه، ويشاقون، ذلك عزّة وشِقاق، فقلت له: الشقاق: الخلاف، فقال: نعم.

Al-Mukhtasar (français)

Seulement, les mécréants refusent, par orgueil et par arrogance, de proclamer l’Unicité d’Allah et sont opposés et hostiles au Prophète Muħammad.

3

كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ فَنَادَوا۟ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍۢ

Que de générations avant eux avons-Nous fait périr, qui ont crié, hélas, quand il n'était plus temps d'échapper?

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ ص [وَهِيَ] [[زيادة من ت، س.]] مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * أَمَّا الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ أَيْ: وَالْقُرْآنِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى مَا فِيهِ ذِكْرٌ لِلْعِبَادِ وَنَفْعٌ لَهُمْ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ. قَالَ الضَّحَّاكُ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ ] الْأَنْبِيَاءِ: ١٠ [أَيْ: تَذْكِيرُكُمْ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَأَبُو [[في أ: "ابن".]] حُصَيْنٍ وَأَبُو صَالِحٍ وَالسُّدِّيُّ [[في ت: "وخلق غيرهما".]] ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ ذِي الشَّرَفِ أَيْ: ذِي الشَّأْنِ وَالْمَكَانَةِ. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، فَإِنَّهُ كِتَابٌ شَرِيفٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى التَّذْكِيرِ وَالْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ. وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَابِ هَذَا الْقَسْمِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ قَوْلُهُ: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ ] ص: ١٤ [. وَقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ ] ص: ٦٤ [حَكَاهُمَا [[في س: "رواهما".]] ابْنُ جَرِيرٍ وَهَذَا الثَّانِي فِيهِ بُعْدٌ كَبِيرٌ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: جَوَابُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقِيلَ: جَوَابُهُ مَا تَضَمَّنَهُ سِيَاقُ السُّورَةِ بِكَمَالِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ [[في أ: "العربية".]] أَنَّهُ قَالَ: جَوَابُهُ "ص" بِمَعْنَى: صِدْقٌ حَقٌّ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ أَيْ: إِنَّ فِي هَذَا الْقُرْآنِ لَذِكْرًا لِمَنْ يَتَذَكَّرُ، وَعِبْرَةً لِمَنْ يَعْتَبِرُ. وَإِنَّمَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ الْكَافِرُونَ لِأَنَّهُمْ ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ أَيِ: اسْتِكْبَارٍ عَنْهُ وَحَمِيَّةٍ ﴿وَشِقَاقٍ﴾ أَيْ: مُخَالَفَةٍ لَهُ وَمُعَانَدَةٍ وَمُفَارَقَةٍ. ثُمَّ خَوَّفَهُمْ مَا أَهْلَكَ بِهِ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبَةَ قَبْلَهُمْ بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِمْ لِلرُّسُلِ وَتَكْذِيبِهِمُ الكتب المنزلة من السَّمَاءِ فَقَالَ: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أَيْ: مِنْ أُمَّةٍ مُكَذِّبَةٍ، ﴿فَنَادَوْا﴾ أَيْ: [[في ت: "إلى".]] حِينَ جَاءَهُمُ الْعَذَابُ اسْتَغَاثُوا وَجَأَرُوا إِلَى اللَّهِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُجْدٍ عَنْهُمْ شَيْئًا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ ] الْأَنْبِيَاءِ: ١٢ [أَيْ: يَهْرَبُونَ، ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ ] الْأَنْبِيَاءِ: ١٣ [ قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ التَّمِيمِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ قَالَ: لَيْسَ بِحِينِ نِدَاءٍ، وَلَا نَزْوٍ وَلَا فِرَارٍ [[وقد رواه الطستي في مسائل نافع بن الأزرق أنه سأل ابن عباس فذكره.]] وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَيْسَ بِحِينِ مِغَاثٍ. وَقَالَ شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ [[في أ: "بشير".]] عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ [[في ت: "سئل".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: نَادَوُا النِّدَاءَ حِينَ لَا يَنْفَعُهُمْ وَأَنْشَدَ: تَذَكَّر لَيْلَى لاتَ حِينَ تذَكّر [[البيت للأعشى، وعجزه: وقد تبت عنها والمناص بعيد.]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ يَقُولُ: نَادَوْا بِالتَّوْحِيدِ حِينَ تَوَلَّتِ الدُّنْيَا عَنْهُمْ، وَاسْتَنَاصُوا لِلتَّوْبَةِ حِينَ تَوَلَّتِ الدُّنْيَا عَنْهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ أَرَادُوا التَّوْبَةَ فِي غَيْرِ حِينِ النِّدَاءِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ لَيْسَ بِحِينِ فِرَارٍ وَلَا إِجَابَةٍ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي مَالِكٍ وَالضَّحَّاكِ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ. وَعَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ وَلَا نِدَاءَ فِي غَيْرِ حِينِ النِّدَاءِ. وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ وَهِيَ "لَاتَ" هِيَ "لَا" الَّتِي لِلنَّفْيِ، زِيدَتْ مَعَهَا "التَّاءُ" كَمَا تُزَادُ فِي "ثُمَّ" فَيَقُولُونَ: "ثُمَّتْ"، وَ "رُبَّ" فَيَقُولُونَ: "رُبَّتْ". وَهِيَ مَفْصُولَةٌ وَالْوَقْفُ عَلَيْهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى عَنِ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ فِيمَا ذَكَرَهُ [ابْنُ جَرِيرٍ] [[ما بين المعقوفتين بياض في س.]] أَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِحِينَ: "وَلَا تَحِينَ مَنَاصٍ". وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ. ثُمَّ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِنَصْبِ "حِينَ" تَقْدِيرُهُ: وَلَيْسَ الْحِينُ حِينَ مَنَاصٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ النَّصْبَ بِهَا، وَأَنْشَدَ: تَذَكَّر حُب لَيْلَى لاتَ حِينَا ... وأَضْحَى الشَّيْبُ قَدْ قَطَع القَرينا [[البيت في تفسير الطبري (٢٣/٧٧) .]] وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الْجَرَّ بِهَا، وَأَنْشَدَ: طَلَبُوا صُلْحَنَا ولاتَ أوانٍ ... فأجَبْنَا أن ليس حينُ بقاءِ [[البيت لأبي زبيد الطائي، وهو في تفسير الطبري (٢٣/٧٧) .]] وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا: ولاتَ سَاعةَ مَنْدَم بِخَفْضِ السَّاعَةِ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: النَّوْصُ: التَّأَخُّرُ، وَالْبَوْصُ: التَّقَدُّمُ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ الْحِينُ حِينَ فِرَارٍ وَلَا ذَهَابٍ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: كثيرا أهلكنا من قبل هؤلاء المشركين من قريش الذين كذّبوا رسولنا محمدا ﷺ فيما جاءهم به من عندنا من الحقّ ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ يعني: من الأمم الذين كانوا قبلهم، فسلكوا سبيلهم في تكذيب رسلهم فيما أتوهم به من عند الله ﴿فَنَادَوْا﴾ يقول: فعجوا إلى ربهم وضجوا واستغاثوا بالتوبة إليه، حين نزل بهم بأس الله وعاينوا به عذابه فرارا من عقابه، وهربا من أليم عذابه ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ يقول: وليس ذلك حين فرار ولا هرب من العذاب بالتوبة، وقد حَقَّت كلمة العذاب عليهم، وتابوا حين لا تنفعهم التوبة، واستقالوا في غير وقت الإقالة. * * وقوله ﴿مَنَاصٍ﴾ مفعل من النوص، والنوص في كلام العرب: التأخر، والمناص: المفرّ؛ ومنه قول امرئ القيس: أمِنْ ذِكْر سَلْمَى إذْ نأتْكَ تَنُوصُ ... فَتقْصِرُ عَنْها خَطْوَةً وَتَبوصُ [[البيت لامرئ القيس" مختار الشعر الجاهلي، بشرح مصطفى السقا، طبعة الحلبي ١٢٧) قال: نأتك: بعدت عنك. وتنوص تتأخر؛ فتقصر عنها: يقال: أقصر عنه خطوه: إذا كفه عنه. وتبوص: تتقدم يقول: أمن حقك إذ نأت عنك سلمى، وذكرتها واشتقت إليها أن تتأخر عنها. وتقصر خطابك دونها أم تتقدم نحوها، جادا في أثرها. والبيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (٢٧٦) قال في تفسير قوله تعالى:" ولات حين مناص" يقول: ليس بحين فرار. والنوص: التأخر في كلام العرب. والبوص: التقدم، وقال امرؤ القيس:" أمن ذكر ... البيت. فمناص: مفعل، مثل مقام. ومن العرب من يضيف" لات"، فبخفض. أنشدوني:" لات ساعة مندم". أهـ.]] يقول: أو تقدم يقال من ذلك: ناصني فلان: إذا ذهب عنك، وباصني: إذا سبقك، وناض في البلاد: إذا ذهب فيها، بالضاد. وذكر الفراء أن العقيلي أنشده: إذَا عاشَ إسْحاقُ وَشَيْخُهُ لَمْ أُبَلْ ... فَقِيدًا وَلَمْ يَصْعُبْ عَليَّ مَناضُ [[قال المؤلف إن الفراء ذكر أن العقيلي أنشده البيتين. ويفهم منه أن البيتين نقلهما الفراء في معاني القرآن عند تفسير قوله تعالى:" ولات حين مناص" فلعلهما في نسخة غير التي في أيدينا منه وذكر صاحب اللسان البيت الثاني في (خضض) وقال قبله: الخضاض الشيء اليسير من الحلي وأنشد القناني:" ولو أشرفت ... البيت" - قلت: ولعل لفظتا العقيلي والقناني محرفة إحداهما عن الأخرى. ومحل الشاهد في البيت الأول في قوله" مناض" أي ذهاب في الأرض، فهو مصدر ميمي. وهو قريب في معناه مناص بالصاد المهملة، أي مفر قال في (اللسان نوض) وناض فلان ينوض نوضا في البلاد وناض نوضا، كناص عدل أهـ]] وَلَوْ أشْرَفَتْ مِنْ كُفَّةِ السِّتْرِ عاطِلا ... لَقُلْتُ غَزَالٌ مَا عَلَيْهِ خُضَاضُ والخُضاض: الحلي. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق عن التميمي، عن ابن عباس في قوله ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ قال: ليس بحين نزو، ولا حين فرار. ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، قال: قلت لابن عباس: أرأيت قول الله ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ قال: ليس بحين نزو ولا فرار ضبط القوم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق الهمداني، عن التميمي، قال: سألت ابن عباس، قول الله ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ قال: ليس حين نزو ولا فرار. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ قال: ليس حين نزو ولا فرار. ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ يقول: ليس حين مَغاث. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن. قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ قال: ليس هذا بحين فرار. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ قال: نادى القوم على غير حين نداء، وأرادوا التوبة حين عاينوا عذاب الله فلم يقبل منهم ذلك. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ قال: حين نزل بهم العذاب لم يستطيعوا الرجوع إلى التوبة، ولا فرارا من العذاب. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ يقول: وليس حين فرار. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ولات حين مَنْجى ينجون منه، ونصب حين في قوله ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ تشبيها للات بليس، وأضمر فيها اسم الفاعل. وحكى بعض نحويِّي أهل البصرة الرفع مع لات في حين زعم أن بعضهم رفع"ولاتَ حينُ مَناصٍ" فجعله في قوله ليس، كأنه قال: ليس وأضمر الحين؛ قال: وفي الشعر: طَلَبُوا صُلْحَنا وَلاتَ أوَان ... فَأَجَبْنَا أنْ لَيْسَ حِينَ بقاءِ [[وهذا البيت لأبي زبيد المنذر بن حرملة الطائي النصراني وقد أدرك الإسلام. وكان عثمان رضي الله عنه يقربه ويدني مجلسه (فرائد القلائد، في مختصر شرح الشواهد، للعيني) قال: والشاهد في قوله: ولات أوان حيث وقع خبره (خبر لات) لفظة أوان كالحين أي ليس الأوان صلح، فحذف المضاف، ثم بني أوان، كما بني قبل وبعد. عند حذف المضاف إليه، ولكنه بنى على الكسر، يشبهه بنزال في الوزن، ثم نون للضرورة. وأن تفسيرية. وليس للنفي واسمه محذوف. وحين بقاء: خبره. أي ليس الحين حين بقاء الصلح. أهـ. قال الفراء بعد كلامه الذي نقلناه تحت الشاهد السابق: وأنشدني بعضهم:" طلبوا صلحنا ... " فخفض أوان. أهـ. قلت: ولم يقل إنه بنى على الكسر.]] فجرّ"أوان" وأضمر الحين إلى أوان، لأن لات لا تكون إلا مع الحين؛ قال: ولا تكون لات إلا مع حين. وقال بعض نحويي الكوفة: من العرب من يضيف لات فيخفض بها، وذكر أنه أنشد: لات ساعة مندم [[هذا جزء من بيت. وهو بتمامه كما في" فرائد القلائد، في مختصر شرح الشواهد، للعيني (ص ١٠٥ مستقلة عن الخزانة للبغدادي) . نَدِم البُغاةُ ولاتَ ساعَةَ مَنْدَمٍ ... والْبَغْيُ مَرْتَعٌ مُبْتَغِيهِ وَخِيمُ والرواية فيه عند العيني بنصب ساعة، لا بجرها. وقال في شرحه وقائله محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي وقيل مهلهل بن مالك الكناني. وقال الفراء. بعد أن أنشد البيت (٢٧٦) والكلام: أن ينصب بها في معنى ليس. أهـ. قلت: وفي خزانة الأدب للبغدادي (٢: ١٤٤ - ١٤٧) نقاش كثير بين النحويين في إعراب" ساعة" في البيت: أبا لنصب، وهي الرواية المشهورة وقد وافق عليها الفراء في آخر كلامه. وأما الجر فإنه يحكيه عمن أنشده هذا الجزء من البيت، الذي قال إنه لا يحفظ صدره، ولم يرض الفراء عن الجر بلات، وإنما قرر أن وجه الكلام النصب بها، لأنها في معنى ليس، وأنشد عليه الشاهد الذي بعده، مؤكدا كلامه، في عملها النصب. وأما رواية البيت فقد ذكرنا روايته عند ابن عقيل وغيره من شراح الألفية. ونسبته إلى رجل من طييء وفي خزانة الأدب (٢: ١٤٧) أن ابن السكيت رواه في كتاب الأضداد، وهو: وَلَتَعْرِفَنَّ خَلائِقا مَشْمُولَةً ... وَلَتَنْدَمَنَّ ولاتَ سَاعةَ مَنْدَمِ قال ابن الأعرابي في تفسير قوله" مشمولة": يقال أخلاق مشمولة: أي مشئومة، وأخلاق سوء. قال: ويقال أيضا: رجل مشمول الخلائق: أي كريم الأخلاق.]] بخفض الساعة؛ قال: والكلام أن ينصب بها، لأنها في معنى ليس، وذكر أنه أنشد: تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلَى لاتَ حِينا ... وأضْحَى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرِينا [[البيت من شواهد الفراء (الورقة ٢٧٦) على أن لات تعمل النصب فيما بعدها. قال في معاني القرآن مبينا الوجه في عمل ليت: والكلام: أن ينصب بها في معنى ليس. أنشدني المفضل:" تذكر حب ... البيت". ثم قال: بعده: فهذا نصب، ثم أنشد شاهدا آخر على الجر بها، وهو قول الشاعر:" طلبوا صلحنا ولات أوان ... البيت". وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ٢١٠ - ١) في أول سورة ص: و" لات حين مناص": إنما هي:" ولا". وبعض العرب يزيد فيها الهاء، فيقول: " ولاه" فيزيد فيها هاء للوقف، فإذا اتصلت صارت تاء. والمناص: مصدر ناص ينوص. وهو المنحى والفوت. وقال عمرو بن شاس الأسدي:" تذكرت ليلى لات حين تذكر". وقال الفراء في معاني القرآن (٢٧٦) : أقف على" لات" بالتاء. والكسائي يقف عليها بالهاء. أهـ.]] قال: وأنشدني بعضهم: طَلَبُوا صُلْحَنا وَلاتَ أوَانٍ ... فأجَبْنَا أنْ لَيْسَ حَينَ بَقاءِ [[تقدم الكلام على البيت قريبا، فراجعه في موضعه.]] بخفض"أوانٍ"؛ قال: وتكون لات مع الأوقات كلها. واختلفوا في وجه الوقف على قراءة: ﴿لاتَ حينَ﴾ فقال بعض أهل العربية: الوقف عليه ولاتْ بالتاء، ثم يبتدأ حين مناص، قالوا: وإنما هي"لا" التي بمعنى:"ما"، وإن في الجحد وُصلت بالتاء، كما وُصلت ثم بها، فقيل: ثمت، وكما وصلت ربّ فقيل: ربت. وقال آخرون منهم: بل هي هاء زيدت في لا فالوقف عليها لاه، لأنها هاء زيدت للوقف، كما زيدت في قولهم: العاطِفُونَةَ حِينَ ما مِنْ عاطِفٍ ... والمُطْعِمُونَةَ حِينَ أيْنَ المَطْعَمُ [[هذا الشاهد أيضا أنشده صاحب الخزانة (٢: ١٤٧) ونقل كثيرا من أقوال النحويين في تخريجه. ومن احسن تخريجاته قول ابن جني الذي نقله صاحب الخزانة عن" سر صناعة الإعراب" لابن جني، قال: وسبقه ابن السيرافي في شرح شواهد الغريب المصنف، وأبو علي الفارسي، في المسائل المنثورة. وهو أنها (التاء في العاطفونة) في الأصل هاء السكت، لاحقه لقوله:" العاطفون"، اضطر الشاعر إلى تحريكها، فأبدلها تاء، وفتحها، قال ابن جني أراد أن يجريه في الأصل على حد ما يكون عليه في الوقف. وذلك أن يقال في الوقف: هؤلاء مسلمونه، وضاربونه، فتلحق الهاء لبيان حركة النون. فصار التقرير: العاطفونه. ثم إنه شبه هاء الوقف بهاء التأنيث، فلما احتاج لإقامة الوزن، إلى حركة الهاء، قلبها بتاء، كما تقول في الوقف: هذا طلحه فإذا وصلت صارت الهاء تاء، فقلت: فقلت هذا طلحتنا. وعلى هذا قال: العاطفونة. قال: ويؤنس لصحة هذا قول الراجز: من بعد ما وبعد ما وبعد مت ... صارت نفوس القوم عند الغلصمت أراد: وبعد ما، فأبدل الألف في التقديرها، فصارت: بعدمه، ثم إنه أبدل الهاء تاء، لتوافق بقية القوافي التي تليها. وشجعه شبه الهاء المقدرة في قوله:" وبعدمه" بهاء التأنيث في طلحة وحمزة ... الخ. وذكر ابن مالك في التسهيل أن التاء بقية لات. فحذفت لا، وبقيت التاء. وربما استغنى مع التقدير عن (لا) بالتاء ... أهـ. والبيت من قصيدة لأبي وجزة السعدي، مدح بها آل الزبير بن العوام، لكنه مركب من مصراعي بيتين. والمصراع الثاني منه" والمسبغون يدا إذا ما أنعموا".]] فإذا وُصلت صارت تاء. وقال بعضهم: الوقف على"لا"، والابتداء بعدها تحين، وزعم أن حكم التاء أن تكون في ابتداء حين، وأوان، والآن؛ ويستشهد لقيله ذلك بقول الشاعر: تَوَلّى قَبْلَ يَوْمِ سَبْيٍ جُمانا ... وَصَلِينا كما زَعَمْتِ تَلانا [[البيت لعمرو بن أحم الباهلي. كما في هامش رقم ١ من الجزء الأول من سر صناعة الإعراب ١٨٥ طبعة الحلبي وروايته في الأصل: نولي قبل نأي دار جمانا ... وصليه كما زعمت تلانا ورواه ابن الأنباري في كتاب" الإنصاف في مسائل الخلاف. طبعة ليدن سنة ١٩١٣ ص ٥١": نولي قبل يوم ناي جمانا ... وصلينا كما زعمت تلانا نولي: من النوال، وأصله العطاء. والمراد هنا ما يزود به المحب من قبله. وجمانا: مرخم: جمانة، وهم اسم امرأة، والألف للإطلاق. والشاهد في قوله" تلانا" حيث زاد تاء قبل الآن، كما تزاد قبل حين..]] وأنه ليس ها هنا"لا" فيوصل بها هاء أو تاء؛ ويقول: إن قوله ﴿لاتَ حِينَ﴾ إنما هي: ليس حين، ولم توجد لات في شيء من الكلام. والصواب من القول في ذلك عندنا: أن"لا" حرف جحد كما، وإن وَصلت بها تصير في الوصل تاء، كما فعلت العرب ذلك بالأدوات، ولم تستعمل ذلك كذلك مع"لا" المُدَّة إلا للأوقات دون غيرها، ولا وجه للعلة التي اعتل بها القائل: إنه لم يجد لات في شيء من كلام العرب، فيجوز توجيه قوله ﴿وَلاتَ حِينَ﴾ إلى ذلك، لأنها تستعمل الكلمة في موضع، ثم تستعملها في موضع آخر بخلاف ذلك، وليس ذلك بأبعد في القياس من الصحة من قولهم: رأيت بالهمز، ثم قالوا: فأنا أراه بترك الهمز لما جرى به استعمالهم، وما أشبه ذلك من الحروف التي تأتي في موضع على صورة، ثم تأتي بخلاف ذلك في موضع آخر للجاري من استعمال العرب ذلك بينها. وأما ما استشهد به من قول الشاعر:"وكما زعمت تلانا"، فإن ذلك منه غلط في تأويل الكلمة؛ وإنما أراد الشاعر بقوله:"وَصِلِينَا كما زَعمْتِ تَلانا": وصلينا كما زعمت أنت الآن، فأسقط الهمزة من أنت، فلقيت التاء من زعمت النون من أنت وهي ساكنة، فسقطت من اللفظ، وبقيت التاء من أنت، ثم حذفت الهمزة من الآن، فصارت الكلمة في اللفظ كهيئة تلان، والتاء الثانية على الحقيقة منفصلة من الآن، لأنها تاء أنت. وأما زعمه أنه رأى في المصحف الذي يقال له الإمام التاء متصلة بحين، فإن الذي جاءت به مصاحف المسلمين في أمصارها هو الحجة على أهل الإسلام، والتاء في جميعها منفصلة عن حين، فلذلك اخترنا أن يكون الوقف على الهاء في قوله ﴿وَلاتَ حِينَ﴾

Al-Mukhtasar (français)

Que sont nombreuses les générations que Nous avons anéanties. Des générations qui traitaient de menteurs leurs messagers et qui ont crié au secours lorsque le châtiment s’est abattu sur eux. Or il était trop tard pour crier au secours et pour qu’on les épargne.

4

وَعَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌۭ مِّنْهُمْ ۖ وَقَالَ ٱلْكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٌۭ كَذَّابٌ

Et ils (les Mecquois) s'étonnèrent qu'un avertisseur parmi eux leur soit venu, et les infidèles disent: «C'est un magicien et un grand menteur,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِي تَعَجُّبِهِمْ مِنْ بِعْثَةِ الرَّسُولِ بَشَرًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أَيْ: أَزَعَمَ أَنَّ الْمَعْبُودَ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟! أَنْكَرَ الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ -قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى-وَتَعَجَّبُوا مِنْ تَرْكِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ تَلَقَّوْا عَنْ آبَائِهِمْ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُهُمْ فَلَمَّا دَعَاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى خَلْعِ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَإِفْرَادِ اللَّهِ [[في ت، س، أ: "الإله".]] بِالْوَحْدَانِيَّةِ أَعَظَمُوا ذَلِكَ وَتَعَجَّبُوا وَقَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ﴾ وَهُمْ سَادَتُهُمْ وَقَادَتُهُمْ وَرُؤَسَاؤُهُمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ قَائِلِينَ: ﴿ [أَنِ] امْشُوا﴾ [[زيادة من أ.]] أَيِ: اسْتَمِرُّوا عَلَى دِينِكُمْ ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ وَلَا تَسْتَجِيبُوا لِمَا يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إِنَّ هَذَا الَّذِي يَدْعُونَا [[في ت: "يدعوا".]] إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ لَشَيْءٌ يُرِيدُ بِهِ الشَّرَفَ عَلَيْكُمْ وَالِاسْتِعْلَاءَ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْكُمْ أَتْبَاعٌ وَلَسْنَا مُجِيبِيهِ إِلَيْهِ. ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ: قَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ أُنَاسًا مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا فِيهِمْ: أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فِي نَفَرٍ مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَلْنُكَلِّمْهُ فِيهِ، فَلْيُنْصِفْنَا مِنْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا وَنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ؛ فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَمُوتَ هَذَا الشَّيْخُ فَيَكُونَ مِنَّا إِلَيْهِ شَيْءٌ. فَتُعَيِّرُنَا [بِهِ] [[زيادة من ت، س، أ.]] العرب يقولون: تَرَكُوهُ حَتَّى إِذَا مَاتَ عَنْهُ [[في أ: "عمه"، وكذا في الطبري.]] تَنَاوَلُوهُ". فَبَعَثُوا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ [[في ت، س، أ: "يدعى".]] الْمُطَّلِبُ" فَاسْتَأْذَنَ لَهُمْ عَلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ وَسَرَاتُهُمْ يَسْتَأْذِنُونَ عَلَيْكَ. قَالَ: أَدْخِلْهُمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ أَنْتَ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا فَأَنْصِفْنَا مِنِ ابْنِ أَخِيكَ فَمُرْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا وَنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ. قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ وَسَرَاتُهُمْ وَقَدْ سَأَلُوكَ أَنْ تَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِهِمْ وَيَدَعُوكَ وَإِلَهَكَ. قَالَ: "يَا عَمِّ أَفَلَا أَدْعُوهُمْ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ؟ " قَالَ: وَإِلَامَ تَدْعُوهُمْ؟ قَالَ: "أَدْعُوهُمْ [إِلَى] [[زيادة من أ.]] أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَيَمْلِكُونَ بِهَا الْعَجَمَ". فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ: مَا هِيَ وَأَبِيكَ؟ لَنُعْطِيَنَّهَا [[في ت، س، أ: "لنعطينكما"]] وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا. قَالَ: تَقُولُونَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". فَنَفَرَ وَقَالَ: سَلْنَا غَيْرَ هَذَا [[في ت، س، أ: "غيرها".]] قَالَ: "لَوْ جِئْتُمُونِي بِالشَّمْسِ حَتَّى تَضَعُوهَا فِي يَدِي مَا سَأَلْتُكُمْ غَيْرَهَا" فَقَامُوا مِنْ عِنْدِهِ غِضَابًا، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَنَشْتُمَنَّكَ وَإِلَهَكَ الَّذِي أَمَرَكَ [[في أ: "يأمرك".]] بِهَذَا. ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَزَادَ: فَلَمَّا خَرَجُوا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمَّهُ إِلَى قَوْلِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَأَبَى وَقَالَ: بَلْ عَلَى دِينِ الْأَشْيَاخِ. وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [الْقَصَصِ:٥٦] [[تفسير الطبري (٢٣/٨٠) .]] وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ وَكِيعٍ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ حَدَّثَنَا عَبَّادٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: لما مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ فَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنَا وَيَفْعَلُ وَيَفْعَلُ وَيَقُولُ وَيَقُولُ فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ الْبَيْتَ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ قَالَ: فَخَشِيَ أَبُو جَهْلٍ إِنْ جَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ أَرَقَّ لَهُ عَلَيْهِ. فَوَثَبَ فَجَلَسَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ فَجَلَسَ عِنْدَ الْبَابِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: أَيِ ابْنَ أَخِي مَا بَالُ قَوْمِكَ يَشُكُونَكَ، يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ وَتَقُولُ وَتَقُولُ؟ قَالَ: وَأَكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ وَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " يَا عَمِّ إِنِّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ! يَقُولُونَهَا تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ" فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ وَلِقَوْلِهِ وَقَالُوا [[في ت، س، أ: "فقال القوم".]] كَلِمَةً وَاحِدَةً! نَعَمْ وَأَبِيكَ عَشْرًا فَقَالُوا: وَمَا هِيَ؟ وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ وَأَيُّ كَلِمَةٍ هِيَ يَا ابْنَ أَخِي؟ فَقَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَقَامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيَابَهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ قَالَ: وَنَزَلَتْ مِنْ [[في أ: "في".]] هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ [[تفسير الطبري (٢٣/٧٩) .]] وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبَّادٍ غَيْرِ مَنْسُوبٍ بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (١/٣٦٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٧) .]] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا كُلُّهُمْ فِي تَفَاسِيرِهِمْ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عن الأعمش عن يحيى بن عمارة الْكُوفِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ [[في ت: "ورواه الترمذي وقال: حديث حسن".]] حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٣٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٦) وتفسير الطبري (٢٣/٧٩) .]] * * وَقَوْلُهُمْ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ أَيْ: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا الَّذِي يَدْعُونَا إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ [[في ت: "وأبو".]] زَيْدٍ: يَعْنُونَ دِينَ قُرَيْشٍ. وَقَالَ غَيْرُهُمْ: يَعْنُونَ النَّصْرَانِيَّةَ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ يَعْنِي: النَّصْرَانِيَّةَ قَالُوا: لَوْ كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ حَقًّا أَخْبَرَتْنَا بِهِ النَّصَارَى. ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ كَذِبٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَخَرُّصٌ. * * وَقَوْلُهُمْ: ﴿أَؤُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَسْتَبْعِدُونَ تَخْصِيصَهُ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ كُلِّهِمْ كَمَا قَالُوا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿لَوْلا نزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٢] وَلِهَذَا لَمَّا قَالُوا هَذَا الَّذِي دَلَّ عَلَى جَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ فِي اسْتِبْعَادِهِمْ إِنْزَالَ الْقُرْآنِ عَلَى الرَّسُولِ مِنْ بَيْنِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَقُولُونَ هَذَا لِأَنَّهُمْ مَا ذَاقُوا إِلَى حِينِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عَذَابَ اللَّهِ وَنِقْمَتَهُ سَيَعْلَمُونَ غِبَّ مَا قَالُوا، وَمَا كَذَّبُوا بِهِ يَوْمَ يُدَعّون إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّا. ثُمَّ قَالَ مُبَيِّنًا أَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي مُلْكِهِ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ الَّذِي يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ مَا يَشَاءُ وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُنَزِّلُ الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَخْتِمُ عَلَى قَلْبِ مَنْ يَشَاءُ، فَلَا يَهْدِيهِ أَحَدٌ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ وَإِنَّ الْعِبَادَ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنَ الْأَمْرِ وَلَيْسَ إِلَيْهِمْ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمُلْكِ وَلَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَمَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ أَيِ: الْعَزِيزِ الَّذِي لَا يُرَامُ جَنَابُهُ الْوَهَّابِ الَّذِي يُعْطِي مَا يُرِيدُ لِمَنْ يُرِيدُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٣: ٥٥] وَقَوْلُهُ ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفَاقِ وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٠] وَذَلِكَ بَعْدَ الْحِكَايَةِ عَنِ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا بِعْثَةَ الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ وَكَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] حِينَ قَالُوا: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٥: ٢٦] وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ﴾ أَيْ: إِنْ كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا فِي الْأَسْبَابِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ: يَعْنِي طُرُقَ السَّمَاءِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: فَلْيَصْعَدُوا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الْجُنْدُ الْمُكَذِّبُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ سَيُهْزَمُونَ وَيُغْلَبُونَ وَيُكْبَتُونَ كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأَحْزَابِ الْمُكَذِّبِينَ وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [الْقَمَرِ: ٤٤: ٤٦] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: وعجب هؤلاء المشركون من قريش أن جاءهم منذر ينذرهم بأس الله على كفرهم به من أنفسهم، ولم يأتهم ملك من السماء بذلك ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ يقول: وقال المنكرون وحدانية الله: هذا، يعنون محمدا ﷺ، ساحر كذّاب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ يعني محمدا ﷺ ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ يعني محمدا ﷺ. * * وقوله ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ يقول: وقال هؤلاء الكافرون الذين قالوا: محمد ساحر كذاب: أجعل محمد المعبودات كلها واحدا، يسمع دعاءنا جميعنا، ويعلم عبادة كل عابد عبدَه منا ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ : أي إن هذا لشيء عجيب. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ قال: عجب المشركون أن دُعوا إلى الله وحده، وقالوا: يسمع لحاجاتنا جميعا إله واحد! ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة. وكان سبب قيل هؤلاء المشركين ما أخبر الله عنهم أنهم قالوه، من ذلك، أن رسول الله ﷺ قال لهم: ﴿أسألكم أن تجيبوني إلى واحدة تدين لكم بها العرب، وتعطيكم بها الخراج العجم" فقالوا: وما هي؟ فقال:"تقولون لا إله إلا الله"، فعند ذلك قالوا: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ تعجبا منهم من ذلك) . ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وابن وكيع، قالا ثنا أبو أسامة، قال: ثنا الأعمش، قال: ثنا عباد، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: (لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته؛ فبعث إليه، فجاء النبي ﷺ فدخل البيت، وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، قال: فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد رسول الله ﷺ مجلسا قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابن أخي، ما بال قومك يشكونك؟ يزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول؛ قال: فأكثروا عليه القول، وتكلم رسول الله ﷺ فقال:"يا عَمّ إنّي أُرِيدهُمْ عَلى كَلِمَةٍ وَاحِدةٍ يَقُولُونَهَا، تَدِينُ لَهُمْ بِها العَرَبُ، وتُؤَدِّي إلَيْهِم بِها العَجَمُ الجِزْيَةَ"، ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة؟ نعم وأبيك عَشْرًا؛ فقالوا: وما هي؟ فقال أبو طالب: وأيّ كلمة هي يا ابن أخي؟ قال:"لا إلَهَ إلا الله"؛ قال: فقاموا فزِعين ينفضون ثيابهم، وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ قال: ونزلت من هذا الموضع إلى قوله ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ اللفظ لأبي كريب. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن يحيى بن عمارة، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس، قال: مرض أبو طالب، فأتاه رسول الله ﷺ يعوده، وهم حوله جلوس، وعند رأسه مكان فارغ، فقام أبو جهل فجلس فيه، فقال أبو طالب: يا ابن أخي ما لقومك يشكونك؟ قال: يا عَمّ أُرِيدُهُمْ عَلى كَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا العَرَبُ، وتُؤَدِّي إلَيْهِمْ بِهَا العَجَمُ الجِزْيَةَ قال: ما هي؟ قال: لا إلَهَ إلا الله" فقاموا وهم يقولون: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ ونزل القرآن: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ذي الشرف ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ حتى قوله ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ . ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن الأعمش، عن يحيى بن عمارة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: مرض أبو طالب، ثم ذكر نحوه، إلا أنه لم يقل ذي الشرف، وقال: إلى قوله ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ . ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن يحيى بن عمارة، عن سعيد بن جُبَير، قال: مرض أبو طالب، قال: فجاء النبي ﷺ يعوده، فكان عند رأسه مقعدُ رجل، فقام أبو جهل، فجلس فيه، فشَكَوا النبيّ ﷺ إلى أبي طالب، وقالوا: إنه يقع في آلهتنا، فقال: يا ابن أخي ما تريد إلى هذا؟ قال:"يا عمّ إنَّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا العَرَبُ، وتُؤَدِّي إلَيْهِمُ العَجَمُ الْجِزْيَةَ" قال: وما هي؟ قال:"لا إلَهَ إلا الله"، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Ils se sont étonnés qu’un Messager issu d’eux, les avertisse qu’un châtiment d’Allah leur était promis s’ils persistaient dans leur mécréance et les mécréants dirent lorsqu’ils virent les preuves de la véracité de ce qu’apportait le Prophète Muħammad: Cet homme est un sorcier qui ensorcelle les gens et un menteur qui prétend être un messager recevant la Révélation d’Allah.

5

أَجَعَلَ ٱلْءَالِهَةَ إِلَٰهًۭا وَٰحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌۭ

Réduira-t-il les divinités à un Seul Dieu? Voilà une chose vraiment étonnante».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِي تَعَجُّبِهِمْ مِنْ بِعْثَةِ الرَّسُولِ بَشَرًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أَيْ: أَزَعَمَ أَنَّ الْمَعْبُودَ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟! أَنْكَرَ الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ -قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى-وَتَعَجَّبُوا مِنْ تَرْكِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ تَلَقَّوْا عَنْ آبَائِهِمْ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُهُمْ فَلَمَّا دَعَاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى خَلْعِ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَإِفْرَادِ اللَّهِ [[في ت، س، أ: "الإله".]] بِالْوَحْدَانِيَّةِ أَعَظَمُوا ذَلِكَ وَتَعَجَّبُوا وَقَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ﴾ وَهُمْ سَادَتُهُمْ وَقَادَتُهُمْ وَرُؤَسَاؤُهُمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ قَائِلِينَ: ﴿ [أَنِ] امْشُوا﴾ [[زيادة من أ.]] أَيِ: اسْتَمِرُّوا عَلَى دِينِكُمْ ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ وَلَا تَسْتَجِيبُوا لِمَا يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إِنَّ هَذَا الَّذِي يَدْعُونَا [[في ت: "يدعوا".]] إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ لَشَيْءٌ يُرِيدُ بِهِ الشَّرَفَ عَلَيْكُمْ وَالِاسْتِعْلَاءَ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْكُمْ أَتْبَاعٌ وَلَسْنَا مُجِيبِيهِ إِلَيْهِ. ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ: قَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ أُنَاسًا مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا فِيهِمْ: أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فِي نَفَرٍ مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَلْنُكَلِّمْهُ فِيهِ، فَلْيُنْصِفْنَا مِنْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا وَنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ؛ فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَمُوتَ هَذَا الشَّيْخُ فَيَكُونَ مِنَّا إِلَيْهِ شَيْءٌ. فَتُعَيِّرُنَا [بِهِ] [[زيادة من ت، س، أ.]] العرب يقولون: تَرَكُوهُ حَتَّى إِذَا مَاتَ عَنْهُ [[في أ: "عمه"، وكذا في الطبري.]] تَنَاوَلُوهُ". فَبَعَثُوا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ [[في ت، س، أ: "يدعى".]] الْمُطَّلِبُ" فَاسْتَأْذَنَ لَهُمْ عَلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ وَسَرَاتُهُمْ يَسْتَأْذِنُونَ عَلَيْكَ. قَالَ: أَدْخِلْهُمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ أَنْتَ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا فَأَنْصِفْنَا مِنِ ابْنِ أَخِيكَ فَمُرْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا وَنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ. قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ وَسَرَاتُهُمْ وَقَدْ سَأَلُوكَ أَنْ تَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِهِمْ وَيَدَعُوكَ وَإِلَهَكَ. قَالَ: "يَا عَمِّ أَفَلَا أَدْعُوهُمْ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ؟ " قَالَ: وَإِلَامَ تَدْعُوهُمْ؟ قَالَ: "أَدْعُوهُمْ [إِلَى] [[زيادة من أ.]] أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَيَمْلِكُونَ بِهَا الْعَجَمَ". فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ: مَا هِيَ وَأَبِيكَ؟ لَنُعْطِيَنَّهَا [[في ت، س، أ: "لنعطينكما"]] وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا. قَالَ: تَقُولُونَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". فَنَفَرَ وَقَالَ: سَلْنَا غَيْرَ هَذَا [[في ت، س، أ: "غيرها".]] قَالَ: "لَوْ جِئْتُمُونِي بِالشَّمْسِ حَتَّى تَضَعُوهَا فِي يَدِي مَا سَأَلْتُكُمْ غَيْرَهَا" فَقَامُوا مِنْ عِنْدِهِ غِضَابًا، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَنَشْتُمَنَّكَ وَإِلَهَكَ الَّذِي أَمَرَكَ [[في أ: "يأمرك".]] بِهَذَا. ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَزَادَ: فَلَمَّا خَرَجُوا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمَّهُ إِلَى قَوْلِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَأَبَى وَقَالَ: بَلْ عَلَى دِينِ الْأَشْيَاخِ. وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [الْقَصَصِ:٥٦] [[تفسير الطبري (٢٣/٨٠) .]] وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ وَكِيعٍ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ حَدَّثَنَا عَبَّادٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: لما مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ فَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنَا وَيَفْعَلُ وَيَفْعَلُ وَيَقُولُ وَيَقُولُ فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ الْبَيْتَ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ قَالَ: فَخَشِيَ أَبُو جَهْلٍ إِنْ جَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ أَرَقَّ لَهُ عَلَيْهِ. فَوَثَبَ فَجَلَسَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ فَجَلَسَ عِنْدَ الْبَابِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: أَيِ ابْنَ أَخِي مَا بَالُ قَوْمِكَ يَشُكُونَكَ، يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ وَتَقُولُ وَتَقُولُ؟ قَالَ: وَأَكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ وَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " يَا عَمِّ إِنِّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ! يَقُولُونَهَا تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ" فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ وَلِقَوْلِهِ وَقَالُوا [[في ت، س، أ: "فقال القوم".]] كَلِمَةً وَاحِدَةً! نَعَمْ وَأَبِيكَ عَشْرًا فَقَالُوا: وَمَا هِيَ؟ وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ وَأَيُّ كَلِمَةٍ هِيَ يَا ابْنَ أَخِي؟ فَقَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَقَامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيَابَهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ قَالَ: وَنَزَلَتْ مِنْ [[في أ: "في".]] هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ [[تفسير الطبري (٢٣/٧٩) .]] وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبَّادٍ غَيْرِ مَنْسُوبٍ بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (١/٣٦٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٧) .]] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا كُلُّهُمْ فِي تَفَاسِيرِهِمْ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عن الأعمش عن يحيى بن عمارة الْكُوفِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ [[في ت: "ورواه الترمذي وقال: حديث حسن".]] حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٣٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٦) وتفسير الطبري (٢٣/٧٩) .]] * * وَقَوْلُهُمْ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ أَيْ: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا الَّذِي يَدْعُونَا إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ [[في ت: "وأبو".]] زَيْدٍ: يَعْنُونَ دِينَ قُرَيْشٍ. وَقَالَ غَيْرُهُمْ: يَعْنُونَ النَّصْرَانِيَّةَ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ يَعْنِي: النَّصْرَانِيَّةَ قَالُوا: لَوْ كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ حَقًّا أَخْبَرَتْنَا بِهِ النَّصَارَى. ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ كَذِبٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَخَرُّصٌ. * * وَقَوْلُهُمْ: ﴿أَؤُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَسْتَبْعِدُونَ تَخْصِيصَهُ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ كُلِّهِمْ كَمَا قَالُوا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿لَوْلا نزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٢] وَلِهَذَا لَمَّا قَالُوا هَذَا الَّذِي دَلَّ عَلَى جَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ فِي اسْتِبْعَادِهِمْ إِنْزَالَ الْقُرْآنِ عَلَى الرَّسُولِ مِنْ بَيْنِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَقُولُونَ هَذَا لِأَنَّهُمْ مَا ذَاقُوا إِلَى حِينِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عَذَابَ اللَّهِ وَنِقْمَتَهُ سَيَعْلَمُونَ غِبَّ مَا قَالُوا، وَمَا كَذَّبُوا بِهِ يَوْمَ يُدَعّون إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّا. ثُمَّ قَالَ مُبَيِّنًا أَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي مُلْكِهِ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ الَّذِي يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ مَا يَشَاءُ وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُنَزِّلُ الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَخْتِمُ عَلَى قَلْبِ مَنْ يَشَاءُ، فَلَا يَهْدِيهِ أَحَدٌ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ وَإِنَّ الْعِبَادَ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنَ الْأَمْرِ وَلَيْسَ إِلَيْهِمْ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمُلْكِ وَلَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَمَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ أَيِ: الْعَزِيزِ الَّذِي لَا يُرَامُ جَنَابُهُ الْوَهَّابِ الَّذِي يُعْطِي مَا يُرِيدُ لِمَنْ يُرِيدُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٣: ٥٥] وَقَوْلُهُ ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفَاقِ وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٠] وَذَلِكَ بَعْدَ الْحِكَايَةِ عَنِ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا بِعْثَةَ الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ وَكَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] حِينَ قَالُوا: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٥: ٢٦] وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ﴾ أَيْ: إِنْ كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا فِي الْأَسْبَابِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ: يَعْنِي طُرُقَ السَّمَاءِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: فَلْيَصْعَدُوا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الْجُنْدُ الْمُكَذِّبُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ سَيُهْزَمُونَ وَيُغْلَبُونَ وَيُكْبَتُونَ كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأَحْزَابِ الْمُكَذِّبِينَ وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [الْقَمَرِ: ٤٤: ٤٦] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: وعجب هؤلاء المشركون من قريش أن جاءهم منذر ينذرهم بأس الله على كفرهم به من أنفسهم، ولم يأتهم ملك من السماء بذلك ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ يقول: وقال المنكرون وحدانية الله: هذا، يعنون محمدا ﷺ، ساحر كذّاب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ يعني محمدا ﷺ ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ يعني محمدا ﷺ. * * وقوله ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ يقول: وقال هؤلاء الكافرون الذين قالوا: محمد ساحر كذاب: أجعل محمد المعبودات كلها واحدا، يسمع دعاءنا جميعنا، ويعلم عبادة كل عابد عبدَه منا ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ : أي إن هذا لشيء عجيب. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ قال: عجب المشركون أن دُعوا إلى الله وحده، وقالوا: يسمع لحاجاتنا جميعا إله واحد! ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة. وكان سبب قيل هؤلاء المشركين ما أخبر الله عنهم أنهم قالوه، من ذلك، أن رسول الله ﷺ قال لهم: ﴿أسألكم أن تجيبوني إلى واحدة تدين لكم بها العرب، وتعطيكم بها الخراج العجم" فقالوا: وما هي؟ فقال:"تقولون لا إله إلا الله"، فعند ذلك قالوا: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ تعجبا منهم من ذلك) . ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وابن وكيع، قالا ثنا أبو أسامة، قال: ثنا الأعمش، قال: ثنا عباد، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: (لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته؛ فبعث إليه، فجاء النبي ﷺ فدخل البيت، وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، قال: فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد رسول الله ﷺ مجلسا قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابن أخي، ما بال قومك يشكونك؟ يزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول؛ قال: فأكثروا عليه القول، وتكلم رسول الله ﷺ فقال:"يا عَمّ إنّي أُرِيدهُمْ عَلى كَلِمَةٍ وَاحِدةٍ يَقُولُونَهَا، تَدِينُ لَهُمْ بِها العَرَبُ، وتُؤَدِّي إلَيْهِم بِها العَجَمُ الجِزْيَةَ"، ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة؟ نعم وأبيك عَشْرًا؛ فقالوا: وما هي؟ فقال أبو طالب: وأيّ كلمة هي يا ابن أخي؟ قال:"لا إلَهَ إلا الله"؛ قال: فقاموا فزِعين ينفضون ثيابهم، وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ قال: ونزلت من هذا الموضع إلى قوله ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ اللفظ لأبي كريب. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن يحيى بن عمارة، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس، قال: مرض أبو طالب، فأتاه رسول الله ﷺ يعوده، وهم حوله جلوس، وعند رأسه مكان فارغ، فقام أبو جهل فجلس فيه، فقال أبو طالب: يا ابن أخي ما لقومك يشكونك؟ قال: يا عَمّ أُرِيدُهُمْ عَلى كَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا العَرَبُ، وتُؤَدِّي إلَيْهِمْ بِهَا العَجَمُ الجِزْيَةَ قال: ما هي؟ قال: لا إلَهَ إلا الله" فقاموا وهم يقولون: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ ونزل القرآن: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ذي الشرف ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ حتى قوله ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ . ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن الأعمش، عن يحيى بن عمارة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: مرض أبو طالب، ثم ذكر نحوه، إلا أنه لم يقل ذي الشرف، وقال: إلى قوله ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ . ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن يحيى بن عمارة، عن سعيد بن جُبَير، قال: مرض أبو طالب، قال: فجاء النبي ﷺ يعوده، فكان عند رأسه مقعدُ رجل، فقام أبو جهل، فجلس فيه، فشَكَوا النبيّ ﷺ إلى أبي طالب، وقالوا: إنه يقع في آلهتنا، فقال: يا ابن أخي ما تريد إلى هذا؟ قال:"يا عمّ إنَّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا العَرَبُ، وتُؤَدِّي إلَيْهِمُ العَجَمُ الْجِزْيَةَ" قال: وما هي؟ قال:"لا إلَهَ إلا الله"، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Cet homme réduit-il le nombre des divinités à un seul Dieu en dehors duquel il n’existe pas d’autres divinités? Ceci est vraiment stupéfiant.

6

وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُوا۟ وَٱصْبِرُوا۟ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌۭ يُرَادُ

Et leurs notables partirent en disant: «Allez-vous en, et restez constants à vos dieux: c'est là vraiment une chose souhaitable.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِي تَعَجُّبِهِمْ مِنْ بِعْثَةِ الرَّسُولِ بَشَرًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أَيْ: أَزَعَمَ أَنَّ الْمَعْبُودَ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟! أَنْكَرَ الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ -قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى-وَتَعَجَّبُوا مِنْ تَرْكِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ تَلَقَّوْا عَنْ آبَائِهِمْ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُهُمْ فَلَمَّا دَعَاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى خَلْعِ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَإِفْرَادِ اللَّهِ [[في ت، س، أ: "الإله".]] بِالْوَحْدَانِيَّةِ أَعَظَمُوا ذَلِكَ وَتَعَجَّبُوا وَقَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ﴾ وَهُمْ سَادَتُهُمْ وَقَادَتُهُمْ وَرُؤَسَاؤُهُمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ قَائِلِينَ: ﴿ [أَنِ] امْشُوا﴾ [[زيادة من أ.]] أَيِ: اسْتَمِرُّوا عَلَى دِينِكُمْ ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ وَلَا تَسْتَجِيبُوا لِمَا يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إِنَّ هَذَا الَّذِي يَدْعُونَا [[في ت: "يدعوا".]] إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ لَشَيْءٌ يُرِيدُ بِهِ الشَّرَفَ عَلَيْكُمْ وَالِاسْتِعْلَاءَ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْكُمْ أَتْبَاعٌ وَلَسْنَا مُجِيبِيهِ إِلَيْهِ. ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ: قَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ أُنَاسًا مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا فِيهِمْ: أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فِي نَفَرٍ مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَلْنُكَلِّمْهُ فِيهِ، فَلْيُنْصِفْنَا مِنْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا وَنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ؛ فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَمُوتَ هَذَا الشَّيْخُ فَيَكُونَ مِنَّا إِلَيْهِ شَيْءٌ. فَتُعَيِّرُنَا [بِهِ] [[زيادة من ت، س، أ.]] العرب يقولون: تَرَكُوهُ حَتَّى إِذَا مَاتَ عَنْهُ [[في أ: "عمه"، وكذا في الطبري.]] تَنَاوَلُوهُ". فَبَعَثُوا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ [[في ت، س، أ: "يدعى".]] الْمُطَّلِبُ" فَاسْتَأْذَنَ لَهُمْ عَلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ وَسَرَاتُهُمْ يَسْتَأْذِنُونَ عَلَيْكَ. قَالَ: أَدْخِلْهُمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ أَنْتَ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا فَأَنْصِفْنَا مِنِ ابْنِ أَخِيكَ فَمُرْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا وَنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ. قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ وَسَرَاتُهُمْ وَقَدْ سَأَلُوكَ أَنْ تَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِهِمْ وَيَدَعُوكَ وَإِلَهَكَ. قَالَ: "يَا عَمِّ أَفَلَا أَدْعُوهُمْ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ؟ " قَالَ: وَإِلَامَ تَدْعُوهُمْ؟ قَالَ: "أَدْعُوهُمْ [إِلَى] [[زيادة من أ.]] أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَيَمْلِكُونَ بِهَا الْعَجَمَ". فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ: مَا هِيَ وَأَبِيكَ؟ لَنُعْطِيَنَّهَا [[في ت، س، أ: "لنعطينكما"]] وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا. قَالَ: تَقُولُونَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". فَنَفَرَ وَقَالَ: سَلْنَا غَيْرَ هَذَا [[في ت، س، أ: "غيرها".]] قَالَ: "لَوْ جِئْتُمُونِي بِالشَّمْسِ حَتَّى تَضَعُوهَا فِي يَدِي مَا سَأَلْتُكُمْ غَيْرَهَا" فَقَامُوا مِنْ عِنْدِهِ غِضَابًا، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَنَشْتُمَنَّكَ وَإِلَهَكَ الَّذِي أَمَرَكَ [[في أ: "يأمرك".]] بِهَذَا. ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَزَادَ: فَلَمَّا خَرَجُوا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمَّهُ إِلَى قَوْلِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَأَبَى وَقَالَ: بَلْ عَلَى دِينِ الْأَشْيَاخِ. وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [الْقَصَصِ:٥٦] [[تفسير الطبري (٢٣/٨٠) .]] وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ وَكِيعٍ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ حَدَّثَنَا عَبَّادٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: لما مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ فَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنَا وَيَفْعَلُ وَيَفْعَلُ وَيَقُولُ وَيَقُولُ فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ الْبَيْتَ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ قَالَ: فَخَشِيَ أَبُو جَهْلٍ إِنْ جَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ أَرَقَّ لَهُ عَلَيْهِ. فَوَثَبَ فَجَلَسَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ فَجَلَسَ عِنْدَ الْبَابِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: أَيِ ابْنَ أَخِي مَا بَالُ قَوْمِكَ يَشُكُونَكَ، يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ وَتَقُولُ وَتَقُولُ؟ قَالَ: وَأَكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ وَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " يَا عَمِّ إِنِّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ! يَقُولُونَهَا تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ" فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ وَلِقَوْلِهِ وَقَالُوا [[في ت، س، أ: "فقال القوم".]] كَلِمَةً وَاحِدَةً! نَعَمْ وَأَبِيكَ عَشْرًا فَقَالُوا: وَمَا هِيَ؟ وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ وَأَيُّ كَلِمَةٍ هِيَ يَا ابْنَ أَخِي؟ فَقَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَقَامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيَابَهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ قَالَ: وَنَزَلَتْ مِنْ [[في أ: "في".]] هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ [[تفسير الطبري (٢٣/٧٩) .]] وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبَّادٍ غَيْرِ مَنْسُوبٍ بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (١/٣٦٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٧) .]] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا كُلُّهُمْ فِي تَفَاسِيرِهِمْ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عن الأعمش عن يحيى بن عمارة الْكُوفِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ [[في ت: "ورواه الترمذي وقال: حديث حسن".]] حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٣٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٦) وتفسير الطبري (٢٣/٧٩) .]] * * وَقَوْلُهُمْ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ أَيْ: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا الَّذِي يَدْعُونَا إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ [[في ت: "وأبو".]] زَيْدٍ: يَعْنُونَ دِينَ قُرَيْشٍ. وَقَالَ غَيْرُهُمْ: يَعْنُونَ النَّصْرَانِيَّةَ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ يَعْنِي: النَّصْرَانِيَّةَ قَالُوا: لَوْ كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ حَقًّا أَخْبَرَتْنَا بِهِ النَّصَارَى. ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ كَذِبٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَخَرُّصٌ. * * وَقَوْلُهُمْ: ﴿أَؤُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَسْتَبْعِدُونَ تَخْصِيصَهُ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ كُلِّهِمْ كَمَا قَالُوا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿لَوْلا نزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٢] وَلِهَذَا لَمَّا قَالُوا هَذَا الَّذِي دَلَّ عَلَى جَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ فِي اسْتِبْعَادِهِمْ إِنْزَالَ الْقُرْآنِ عَلَى الرَّسُولِ مِنْ بَيْنِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَقُولُونَ هَذَا لِأَنَّهُمْ مَا ذَاقُوا إِلَى حِينِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عَذَابَ اللَّهِ وَنِقْمَتَهُ سَيَعْلَمُونَ غِبَّ مَا قَالُوا، وَمَا كَذَّبُوا بِهِ يَوْمَ يُدَعّون إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّا. ثُمَّ قَالَ مُبَيِّنًا أَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي مُلْكِهِ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ الَّذِي يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ مَا يَشَاءُ وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُنَزِّلُ الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَخْتِمُ عَلَى قَلْبِ مَنْ يَشَاءُ، فَلَا يَهْدِيهِ أَحَدٌ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ وَإِنَّ الْعِبَادَ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنَ الْأَمْرِ وَلَيْسَ إِلَيْهِمْ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمُلْكِ وَلَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَمَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ أَيِ: الْعَزِيزِ الَّذِي لَا يُرَامُ جَنَابُهُ الْوَهَّابِ الَّذِي يُعْطِي مَا يُرِيدُ لِمَنْ يُرِيدُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٣: ٥٥] وَقَوْلُهُ ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفَاقِ وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٠] وَذَلِكَ بَعْدَ الْحِكَايَةِ عَنِ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا بِعْثَةَ الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ وَكَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] حِينَ قَالُوا: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٥: ٢٦] وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ﴾ أَيْ: إِنْ كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا فِي الْأَسْبَابِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ: يَعْنِي طُرُقَ السَّمَاءِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: فَلْيَصْعَدُوا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الْجُنْدُ الْمُكَذِّبُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ سَيُهْزَمُونَ وَيُغْلَبُونَ وَيُكْبَتُونَ كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأَحْزَابِ الْمُكَذِّبِينَ وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [الْقَمَرِ: ٤٤: ٤٦] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ (٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: وانطلق الأشراف من هؤلاء الكافرين من قريش، القائلين: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ بأن امضُوا فاصبروا على دينكم وعبادة آلهتكم. فأن من قوله ﴿أَنِ امْشُوا﴾ في موضع نصب يتعلق انطلقوا بها، كأنه قيل: انطلقوا مشيا، ومضيا على دينكم. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله:"وَانْطَلَقَ المَلأ مِنْهُمْ يَمْشُونَ أنِ اصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ". وذُكر أن قائل ذلك كان عُقْبَة بن أبي مُعيط. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ﴾ قال: عقبة بن أبى معيط. * * وقوله ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ : أي إن هذا القول الذي يقول محمد، ويدعونا إليه، من قول لا إله إلا الله، شيء يريده منا محمد يطلب به الاستعلاء علينا، وأن نكون له فيه أتباعا ولسنا مجيبيه إلى ذلك. * * وقوله ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من البراءة من جميع الآلهة إلا من الله تعالى ذكره، وبهذا الكتاب الذي جاء به في الملة النصرانية، قالوا: وهي الملة الآخرة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ يقول: النصرانية. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ يعني النصرانية؛ فقالوا: لو كان هذا القرآن حقا أخبرتنا به النصارى. ⁕ حدثني محمد بن إسحاق، قال: ثنا يحيى بن معين، قال: ثنا ابن عيينة، عن ابن أبي لبيد، عن القرطبي في قوله ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قال: ملة عيسى. ⁕ حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط عن السديّ ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ النصرانية. وقال آخرون: بل عنوا بذلك: ما سمعنا بهذا في ديننا دين قريش. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزّة، عن مجاهد، في قوله ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قال: ملة قريش. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قال: ملة قريش. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ : أي في ديننا هذا، ولا في زماننا قَطُّ. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قال: الملة الآخرة: الدين الآخر. قال: والملة الدين. وقيل: إن الملأ الذين انطلقوا نفر من مشيخة قريش، منهم أبو جهل، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ أن أناسا من قُرَيش اجتمعوا، فيهم أبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبي طالب، فلنكلمه فيه، فلينصفنا منه، فيأمره فليكفّ عن شتم آلهتنا، وندعه وإلهه الذي يَعبُد، فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ، فيكون منا شيء، فتعيرنا العرب فيقولون: تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه، قال: فبعثوا رجلا منهم يُدعى المطَّلب، فاستأذن لهم على أبي طالب، فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسَرَواتهم يستأذنون عليك، قال: أدخلهم؛ فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمُره فليكفّ عن شتم آلهتنا، ونَدَعَه وإلهه؛ قال: فبعث إليه أبو طالب؛ فلما دخل عليه رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسَرَواتهم، وقد سألوك النَّصَف أن تكفّ عن شتم آلهتهم، ويدعوك وإلهك؛ قال: فقال:"أي عم أولا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها؟ " قال: وإلامَ تَدْعُوهُمْ؟ قال:"أدعوهم إلى أن يَتَكَلَّمُوا بِكَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِها العَرَبُ وَيَمْلِكُونَ بِهَا العَجَمَ"؛ قال: فقال أبو جهل من بين القوم: ما هي وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها، قال:"تَقُولُونَ لا إلَهَ إلا الله". قال: فنفروا وقالوا: سلنا غير هذه، قال:"لَوْ جِئْتُمُونِي بالشَّمْسِ حتى تَضَعُوها في يَدِي ما سأَلْتُكُمْ غيرَها"؛ قال: فغضبوا وقاموا من عنده غضابا وقالوا: والله لنشتمنك والذي يأمرك بهذا ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ .. إلى قوله ﴿إِلا اخْتِلاقٌ﴾ وأقبل على عمه، فقال له عمه: يا ابن أخي ما شططت عليهم، فأقبل على عمه فدعاه، فقال:"قُلْ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، تَقُولُ: لا إلَهَ إلا الله"، فقال: لولا أن تعيبكم بها العرب يقولون جزع من الموت لأعطيتكها، ولكن على مِلَّة الأشياخ؛ قال: فنزلت هذه الآية ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ قال: نزلت حين انطلق أشراف قريش إلى أبي طالب فكلموه في النبي ﷺ. * * وقوله ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هؤلاء المشركين في القرآن: ما هذا القرآن إلا اختلاق: أي كذب اختلقه محمد وتخرَّصه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ يقول: تخريص. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ قال: كذب. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ : يقول: كذب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ إلا شيء تخْلُقه. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ اختلقه محمد ﷺ. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ قالوا: إن هذا إلا كذب.

Al-Mukhtasar (français)

Leurs nobles et leurs notables partirent en disant à leurs partisans: Restez fidèles à votre confession et n’embrassez pas la religion de Muħammad. Restez fermement attachés à l’adoration de vos divinités car l’adoration d’un seul Dieu à laquelle vous appelle Muħammad est un stratagème qu’il a ourdi afin qu’il nous domine et que nous lui soyons assujettis.

7

مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلْءَاخِرَةِ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا ٱخْتِلَٰقٌ

Nous n'avons pas entendu cela dans la dernière religion (le Christianisme); ce n'est en vérité que pure invention!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِي تَعَجُّبِهِمْ مِنْ بِعْثَةِ الرَّسُولِ بَشَرًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أَيْ: أَزَعَمَ أَنَّ الْمَعْبُودَ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟! أَنْكَرَ الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ -قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى-وَتَعَجَّبُوا مِنْ تَرْكِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ تَلَقَّوْا عَنْ آبَائِهِمْ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُهُمْ فَلَمَّا دَعَاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى خَلْعِ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَإِفْرَادِ اللَّهِ [[في ت، س، أ: "الإله".]] بِالْوَحْدَانِيَّةِ أَعَظَمُوا ذَلِكَ وَتَعَجَّبُوا وَقَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ﴾ وَهُمْ سَادَتُهُمْ وَقَادَتُهُمْ وَرُؤَسَاؤُهُمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ قَائِلِينَ: ﴿ [أَنِ] امْشُوا﴾ [[زيادة من أ.]] أَيِ: اسْتَمِرُّوا عَلَى دِينِكُمْ ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ وَلَا تَسْتَجِيبُوا لِمَا يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إِنَّ هَذَا الَّذِي يَدْعُونَا [[في ت: "يدعوا".]] إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ لَشَيْءٌ يُرِيدُ بِهِ الشَّرَفَ عَلَيْكُمْ وَالِاسْتِعْلَاءَ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْكُمْ أَتْبَاعٌ وَلَسْنَا مُجِيبِيهِ إِلَيْهِ. ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ: قَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ أُنَاسًا مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا فِيهِمْ: أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فِي نَفَرٍ مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَلْنُكَلِّمْهُ فِيهِ، فَلْيُنْصِفْنَا مِنْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا وَنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ؛ فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَمُوتَ هَذَا الشَّيْخُ فَيَكُونَ مِنَّا إِلَيْهِ شَيْءٌ. فَتُعَيِّرُنَا [بِهِ] [[زيادة من ت، س، أ.]] العرب يقولون: تَرَكُوهُ حَتَّى إِذَا مَاتَ عَنْهُ [[في أ: "عمه"، وكذا في الطبري.]] تَنَاوَلُوهُ". فَبَعَثُوا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ [[في ت، س، أ: "يدعى".]] الْمُطَّلِبُ" فَاسْتَأْذَنَ لَهُمْ عَلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ وَسَرَاتُهُمْ يَسْتَأْذِنُونَ عَلَيْكَ. قَالَ: أَدْخِلْهُمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ أَنْتَ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا فَأَنْصِفْنَا مِنِ ابْنِ أَخِيكَ فَمُرْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا وَنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ. قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ وَسَرَاتُهُمْ وَقَدْ سَأَلُوكَ أَنْ تَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِهِمْ وَيَدَعُوكَ وَإِلَهَكَ. قَالَ: "يَا عَمِّ أَفَلَا أَدْعُوهُمْ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ؟ " قَالَ: وَإِلَامَ تَدْعُوهُمْ؟ قَالَ: "أَدْعُوهُمْ [إِلَى] [[زيادة من أ.]] أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَيَمْلِكُونَ بِهَا الْعَجَمَ". فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ: مَا هِيَ وَأَبِيكَ؟ لَنُعْطِيَنَّهَا [[في ت، س، أ: "لنعطينكما"]] وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا. قَالَ: تَقُولُونَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". فَنَفَرَ وَقَالَ: سَلْنَا غَيْرَ هَذَا [[في ت، س، أ: "غيرها".]] قَالَ: "لَوْ جِئْتُمُونِي بِالشَّمْسِ حَتَّى تَضَعُوهَا فِي يَدِي مَا سَأَلْتُكُمْ غَيْرَهَا" فَقَامُوا مِنْ عِنْدِهِ غِضَابًا، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَنَشْتُمَنَّكَ وَإِلَهَكَ الَّذِي أَمَرَكَ [[في أ: "يأمرك".]] بِهَذَا. ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَزَادَ: فَلَمَّا خَرَجُوا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمَّهُ إِلَى قَوْلِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَأَبَى وَقَالَ: بَلْ عَلَى دِينِ الْأَشْيَاخِ. وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [الْقَصَصِ:٥٦] [[تفسير الطبري (٢٣/٨٠) .]] وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ وَكِيعٍ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ حَدَّثَنَا عَبَّادٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: لما مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ فَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنَا وَيَفْعَلُ وَيَفْعَلُ وَيَقُولُ وَيَقُولُ فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ الْبَيْتَ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ قَالَ: فَخَشِيَ أَبُو جَهْلٍ إِنْ جَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ أَرَقَّ لَهُ عَلَيْهِ. فَوَثَبَ فَجَلَسَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ فَجَلَسَ عِنْدَ الْبَابِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: أَيِ ابْنَ أَخِي مَا بَالُ قَوْمِكَ يَشُكُونَكَ، يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ وَتَقُولُ وَتَقُولُ؟ قَالَ: وَأَكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ وَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " يَا عَمِّ إِنِّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ! يَقُولُونَهَا تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ" فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ وَلِقَوْلِهِ وَقَالُوا [[في ت، س، أ: "فقال القوم".]] كَلِمَةً وَاحِدَةً! نَعَمْ وَأَبِيكَ عَشْرًا فَقَالُوا: وَمَا هِيَ؟ وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ وَأَيُّ كَلِمَةٍ هِيَ يَا ابْنَ أَخِي؟ فَقَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَقَامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيَابَهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ قَالَ: وَنَزَلَتْ مِنْ [[في أ: "في".]] هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ [[تفسير الطبري (٢٣/٧٩) .]] وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبَّادٍ غَيْرِ مَنْسُوبٍ بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (١/٣٦٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٧) .]] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا كُلُّهُمْ فِي تَفَاسِيرِهِمْ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عن الأعمش عن يحيى بن عمارة الْكُوفِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ [[في ت: "ورواه الترمذي وقال: حديث حسن".]] حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٣٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٦) وتفسير الطبري (٢٣/٧٩) .]] * * وَقَوْلُهُمْ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ أَيْ: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا الَّذِي يَدْعُونَا إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ [[في ت: "وأبو".]] زَيْدٍ: يَعْنُونَ دِينَ قُرَيْشٍ. وَقَالَ غَيْرُهُمْ: يَعْنُونَ النَّصْرَانِيَّةَ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ يَعْنِي: النَّصْرَانِيَّةَ قَالُوا: لَوْ كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ حَقًّا أَخْبَرَتْنَا بِهِ النَّصَارَى. ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ كَذِبٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَخَرُّصٌ. * * وَقَوْلُهُمْ: ﴿أَؤُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَسْتَبْعِدُونَ تَخْصِيصَهُ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ كُلِّهِمْ كَمَا قَالُوا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿لَوْلا نزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٢] وَلِهَذَا لَمَّا قَالُوا هَذَا الَّذِي دَلَّ عَلَى جَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ فِي اسْتِبْعَادِهِمْ إِنْزَالَ الْقُرْآنِ عَلَى الرَّسُولِ مِنْ بَيْنِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَقُولُونَ هَذَا لِأَنَّهُمْ مَا ذَاقُوا إِلَى حِينِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عَذَابَ اللَّهِ وَنِقْمَتَهُ سَيَعْلَمُونَ غِبَّ مَا قَالُوا، وَمَا كَذَّبُوا بِهِ يَوْمَ يُدَعّون إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّا. ثُمَّ قَالَ مُبَيِّنًا أَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي مُلْكِهِ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ الَّذِي يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ مَا يَشَاءُ وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُنَزِّلُ الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَخْتِمُ عَلَى قَلْبِ مَنْ يَشَاءُ، فَلَا يَهْدِيهِ أَحَدٌ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ وَإِنَّ الْعِبَادَ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنَ الْأَمْرِ وَلَيْسَ إِلَيْهِمْ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمُلْكِ وَلَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَمَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ أَيِ: الْعَزِيزِ الَّذِي لَا يُرَامُ جَنَابُهُ الْوَهَّابِ الَّذِي يُعْطِي مَا يُرِيدُ لِمَنْ يُرِيدُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٣: ٥٥] وَقَوْلُهُ ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفَاقِ وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٠] وَذَلِكَ بَعْدَ الْحِكَايَةِ عَنِ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا بِعْثَةَ الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ وَكَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] حِينَ قَالُوا: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٥: ٢٦] وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ﴾ أَيْ: إِنْ كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا فِي الْأَسْبَابِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ: يَعْنِي طُرُقَ السَّمَاءِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: فَلْيَصْعَدُوا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الْجُنْدُ الْمُكَذِّبُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ سَيُهْزَمُونَ وَيُغْلَبُونَ وَيُكْبَتُونَ كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأَحْزَابِ الْمُكَذِّبِينَ وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [الْقَمَرِ: ٤٤: ٤٦] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ (٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: وانطلق الأشراف من هؤلاء الكافرين من قريش، القائلين: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ بأن امضُوا فاصبروا على دينكم وعبادة آلهتكم. فأن من قوله ﴿أَنِ امْشُوا﴾ في موضع نصب يتعلق انطلقوا بها، كأنه قيل: انطلقوا مشيا، ومضيا على دينكم. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله:"وَانْطَلَقَ المَلأ مِنْهُمْ يَمْشُونَ أنِ اصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ". وذُكر أن قائل ذلك كان عُقْبَة بن أبي مُعيط. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ﴾ قال: عقبة بن أبى معيط. * * وقوله ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ : أي إن هذا القول الذي يقول محمد، ويدعونا إليه، من قول لا إله إلا الله، شيء يريده منا محمد يطلب به الاستعلاء علينا، وأن نكون له فيه أتباعا ولسنا مجيبيه إلى ذلك. * * وقوله ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من البراءة من جميع الآلهة إلا من الله تعالى ذكره، وبهذا الكتاب الذي جاء به في الملة النصرانية، قالوا: وهي الملة الآخرة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ يقول: النصرانية. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ يعني النصرانية؛ فقالوا: لو كان هذا القرآن حقا أخبرتنا به النصارى. ⁕ حدثني محمد بن إسحاق، قال: ثنا يحيى بن معين، قال: ثنا ابن عيينة، عن ابن أبي لبيد، عن القرطبي في قوله ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قال: ملة عيسى. ⁕ حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط عن السديّ ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ النصرانية. وقال آخرون: بل عنوا بذلك: ما سمعنا بهذا في ديننا دين قريش. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزّة، عن مجاهد، في قوله ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قال: ملة قريش. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قال: ملة قريش. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ : أي في ديننا هذا، ولا في زماننا قَطُّ. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قال: الملة الآخرة: الدين الآخر. قال: والملة الدين. وقيل: إن الملأ الذين انطلقوا نفر من مشيخة قريش، منهم أبو جهل، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ أن أناسا من قُرَيش اجتمعوا، فيهم أبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبي طالب، فلنكلمه فيه، فلينصفنا منه، فيأمره فليكفّ عن شتم آلهتنا، وندعه وإلهه الذي يَعبُد، فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ، فيكون منا شيء، فتعيرنا العرب فيقولون: تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه، قال: فبعثوا رجلا منهم يُدعى المطَّلب، فاستأذن لهم على أبي طالب، فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسَرَواتهم يستأذنون عليك، قال: أدخلهم؛ فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمُره فليكفّ عن شتم آلهتنا، ونَدَعَه وإلهه؛ قال: فبعث إليه أبو طالب؛ فلما دخل عليه رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسَرَواتهم، وقد سألوك النَّصَف أن تكفّ عن شتم آلهتهم، ويدعوك وإلهك؛ قال: فقال:"أي عم أولا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها؟ " قال: وإلامَ تَدْعُوهُمْ؟ قال:"أدعوهم إلى أن يَتَكَلَّمُوا بِكَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِها العَرَبُ وَيَمْلِكُونَ بِهَا العَجَمَ"؛ قال: فقال أبو جهل من بين القوم: ما هي وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها، قال:"تَقُولُونَ لا إلَهَ إلا الله". قال: فنفروا وقالوا: سلنا غير هذه، قال:"لَوْ جِئْتُمُونِي بالشَّمْسِ حتى تَضَعُوها في يَدِي ما سأَلْتُكُمْ غيرَها"؛ قال: فغضبوا وقاموا من عنده غضابا وقالوا: والله لنشتمنك والذي يأمرك بهذا ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ .. إلى قوله ﴿إِلا اخْتِلاقٌ﴾ وأقبل على عمه، فقال له عمه: يا ابن أخي ما شططت عليهم، فأقبل على عمه فدعاه، فقال:"قُلْ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، تَقُولُ: لا إلَهَ إلا الله"، فقال: لولا أن تعيبكم بها العرب يقولون جزع من الموت لأعطيتكها، ولكن على مِلَّة الأشياخ؛ قال: فنزلت هذه الآية ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ قال: نزلت حين انطلق أشراف قريش إلى أبي طالب فكلموه في النبي ﷺ. * * وقوله ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هؤلاء المشركين في القرآن: ما هذا القرآن إلا اختلاق: أي كذب اختلقه محمد وتخرَّصه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ يقول: تخريص. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ قال: كذب. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ : يقول: كذب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ إلا شيء تخْلُقه. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ اختلقه محمد ﷺ. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ قالوا: إن هذا إلا كذب.

Al-Mukhtasar (français)

Nous n’avons pas entendu parler du monothéisme auquel nous appelle Muħammad ni chez nos aïeux ni dans la religion de Jésus. Il ne fait que proférer des mensonges et des inventions.

8

أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِنۢ بَيْنِنَا ۚ بَلْ هُمْ فِى شَكٍّۢ مِّن ذِكْرِى ۖ بَل لَّمَّا يَذُوقُوا۟ عَذَابِ

Quoi! C'est sur lui, parmi nous, qu'on aurait fait descendre le Rappel [le Coran]?» Plutôt ils sont dans le doute au sujet de Mon message. Ou plutôt ils n'ont pas encore goûté à Mon châtiment!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِي تَعَجُّبِهِمْ مِنْ بِعْثَةِ الرَّسُولِ بَشَرًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أَيْ: أَزَعَمَ أَنَّ الْمَعْبُودَ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟! أَنْكَرَ الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ -قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى-وَتَعَجَّبُوا مِنْ تَرْكِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ تَلَقَّوْا عَنْ آبَائِهِمْ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُهُمْ فَلَمَّا دَعَاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى خَلْعِ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَإِفْرَادِ اللَّهِ [[في ت، س، أ: "الإله".]] بِالْوَحْدَانِيَّةِ أَعَظَمُوا ذَلِكَ وَتَعَجَّبُوا وَقَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ﴾ وَهُمْ سَادَتُهُمْ وَقَادَتُهُمْ وَرُؤَسَاؤُهُمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ قَائِلِينَ: ﴿ [أَنِ] امْشُوا﴾ [[زيادة من أ.]] أَيِ: اسْتَمِرُّوا عَلَى دِينِكُمْ ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ وَلَا تَسْتَجِيبُوا لِمَا يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إِنَّ هَذَا الَّذِي يَدْعُونَا [[في ت: "يدعوا".]] إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ لَشَيْءٌ يُرِيدُ بِهِ الشَّرَفَ عَلَيْكُمْ وَالِاسْتِعْلَاءَ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْكُمْ أَتْبَاعٌ وَلَسْنَا مُجِيبِيهِ إِلَيْهِ. ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ: قَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ أُنَاسًا مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا فِيهِمْ: أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فِي نَفَرٍ مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَلْنُكَلِّمْهُ فِيهِ، فَلْيُنْصِفْنَا مِنْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا وَنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ؛ فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَمُوتَ هَذَا الشَّيْخُ فَيَكُونَ مِنَّا إِلَيْهِ شَيْءٌ. فَتُعَيِّرُنَا [بِهِ] [[زيادة من ت، س، أ.]] العرب يقولون: تَرَكُوهُ حَتَّى إِذَا مَاتَ عَنْهُ [[في أ: "عمه"، وكذا في الطبري.]] تَنَاوَلُوهُ". فَبَعَثُوا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ [[في ت، س، أ: "يدعى".]] الْمُطَّلِبُ" فَاسْتَأْذَنَ لَهُمْ عَلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ وَسَرَاتُهُمْ يَسْتَأْذِنُونَ عَلَيْكَ. قَالَ: أَدْخِلْهُمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ أَنْتَ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا فَأَنْصِفْنَا مِنِ ابْنِ أَخِيكَ فَمُرْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا وَنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ. قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ وَسَرَاتُهُمْ وَقَدْ سَأَلُوكَ أَنْ تَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِهِمْ وَيَدَعُوكَ وَإِلَهَكَ. قَالَ: "يَا عَمِّ أَفَلَا أَدْعُوهُمْ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ؟ " قَالَ: وَإِلَامَ تَدْعُوهُمْ؟ قَالَ: "أَدْعُوهُمْ [إِلَى] [[زيادة من أ.]] أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَيَمْلِكُونَ بِهَا الْعَجَمَ". فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ: مَا هِيَ وَأَبِيكَ؟ لَنُعْطِيَنَّهَا [[في ت، س، أ: "لنعطينكما"]] وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا. قَالَ: تَقُولُونَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". فَنَفَرَ وَقَالَ: سَلْنَا غَيْرَ هَذَا [[في ت، س، أ: "غيرها".]] قَالَ: "لَوْ جِئْتُمُونِي بِالشَّمْسِ حَتَّى تَضَعُوهَا فِي يَدِي مَا سَأَلْتُكُمْ غَيْرَهَا" فَقَامُوا مِنْ عِنْدِهِ غِضَابًا، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَنَشْتُمَنَّكَ وَإِلَهَكَ الَّذِي أَمَرَكَ [[في أ: "يأمرك".]] بِهَذَا. ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَزَادَ: فَلَمَّا خَرَجُوا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمَّهُ إِلَى قَوْلِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَأَبَى وَقَالَ: بَلْ عَلَى دِينِ الْأَشْيَاخِ. وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [الْقَصَصِ:٥٦] [[تفسير الطبري (٢٣/٨٠) .]] وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ وَكِيعٍ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ حَدَّثَنَا عَبَّادٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: لما مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ فَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنَا وَيَفْعَلُ وَيَفْعَلُ وَيَقُولُ وَيَقُولُ فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ الْبَيْتَ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ قَالَ: فَخَشِيَ أَبُو جَهْلٍ إِنْ جَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ أَرَقَّ لَهُ عَلَيْهِ. فَوَثَبَ فَجَلَسَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ فَجَلَسَ عِنْدَ الْبَابِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: أَيِ ابْنَ أَخِي مَا بَالُ قَوْمِكَ يَشُكُونَكَ، يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ وَتَقُولُ وَتَقُولُ؟ قَالَ: وَأَكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ وَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " يَا عَمِّ إِنِّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ! يَقُولُونَهَا تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ" فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ وَلِقَوْلِهِ وَقَالُوا [[في ت، س، أ: "فقال القوم".]] كَلِمَةً وَاحِدَةً! نَعَمْ وَأَبِيكَ عَشْرًا فَقَالُوا: وَمَا هِيَ؟ وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ وَأَيُّ كَلِمَةٍ هِيَ يَا ابْنَ أَخِي؟ فَقَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَقَامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيَابَهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ قَالَ: وَنَزَلَتْ مِنْ [[في أ: "في".]] هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ [[تفسير الطبري (٢٣/٧٩) .]] وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبَّادٍ غَيْرِ مَنْسُوبٍ بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (١/٣٦٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٧) .]] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا كُلُّهُمْ فِي تَفَاسِيرِهِمْ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عن الأعمش عن يحيى بن عمارة الْكُوفِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ [[في ت: "ورواه الترمذي وقال: حديث حسن".]] حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٣٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٦) وتفسير الطبري (٢٣/٧٩) .]] * * وَقَوْلُهُمْ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ أَيْ: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا الَّذِي يَدْعُونَا إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ [[في ت: "وأبو".]] زَيْدٍ: يَعْنُونَ دِينَ قُرَيْشٍ. وَقَالَ غَيْرُهُمْ: يَعْنُونَ النَّصْرَانِيَّةَ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ يَعْنِي: النَّصْرَانِيَّةَ قَالُوا: لَوْ كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ حَقًّا أَخْبَرَتْنَا بِهِ النَّصَارَى. ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ كَذِبٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَخَرُّصٌ. * * وَقَوْلُهُمْ: ﴿أَؤُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَسْتَبْعِدُونَ تَخْصِيصَهُ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ كُلِّهِمْ كَمَا قَالُوا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿لَوْلا نزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٢] وَلِهَذَا لَمَّا قَالُوا هَذَا الَّذِي دَلَّ عَلَى جَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ فِي اسْتِبْعَادِهِمْ إِنْزَالَ الْقُرْآنِ عَلَى الرَّسُولِ مِنْ بَيْنِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَقُولُونَ هَذَا لِأَنَّهُمْ مَا ذَاقُوا إِلَى حِينِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عَذَابَ اللَّهِ وَنِقْمَتَهُ سَيَعْلَمُونَ غِبَّ مَا قَالُوا، وَمَا كَذَّبُوا بِهِ يَوْمَ يُدَعّون إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّا. ثُمَّ قَالَ مُبَيِّنًا أَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي مُلْكِهِ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ الَّذِي يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ مَا يَشَاءُ وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُنَزِّلُ الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَخْتِمُ عَلَى قَلْبِ مَنْ يَشَاءُ، فَلَا يَهْدِيهِ أَحَدٌ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ وَإِنَّ الْعِبَادَ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنَ الْأَمْرِ وَلَيْسَ إِلَيْهِمْ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمُلْكِ وَلَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَمَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ أَيِ: الْعَزِيزِ الَّذِي لَا يُرَامُ جَنَابُهُ الْوَهَّابِ الَّذِي يُعْطِي مَا يُرِيدُ لِمَنْ يُرِيدُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٣: ٥٥] وَقَوْلُهُ ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفَاقِ وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٠] وَذَلِكَ بَعْدَ الْحِكَايَةِ عَنِ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا بِعْثَةَ الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ وَكَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] حِينَ قَالُوا: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٥: ٢٦] وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ﴾ أَيْ: إِنْ كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا فِي الْأَسْبَابِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ: يَعْنِي طُرُقَ السَّمَاءِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: فَلْيَصْعَدُوا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الْجُنْدُ الْمُكَذِّبُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ سَيُهْزَمُونَ وَيُغْلَبُونَ وَيُكْبَتُونَ كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأَحْزَابِ الْمُكَذِّبِينَ وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [الْقَمَرِ: ٤٤: ٤٦] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَؤُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هؤلاء المشركين من قريش: أأنزل على محمد الذكر من بيننا فخصّ به، وليس بأشرف منا حسبا. * * وقوله ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء المشركين أن لا يكونوا أهل علم بأن محمدا صادق، ولكنهم في شك من وحينا إليه، وفي هذا القرآن الذي أنزلناه إليه أنه من عندنا ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ يقول: بل لم ينزل بهم بأسنا، فيذوقوا وبال تكذيبهم محمدا، وشكهم في تنزيلنا هذا القرآن عليه، ولو ذاقوا العذاب على ذلك علموا وأيقنوا حقيقة ما هم به مكذِّبون، حين لا ينفعهم علمهم ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ يقول تعالى ذكره: أم عند هؤلاء المشركين المنكرين وحي الله إلى محمد خزائن رحمة ربك، يعنى مفاتيح رحمة ربك يا محمد، العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من خلقه، ما يشاء من ملك وسلطان ونبوة، فيمنعوك يا محمد، ما من الله به عليك من الكرامة، وفضَّلك به من الرسالة.

Al-Mukhtasar (français)

Est-il concevable que le Coran lui soit révélé à lui parmi nous tous et qu’il soit privilégié alors que nous sommes des chefs et des notables? Ces polythéistes douteront de la Révélation tant qu’ils n’auront pas goûté au châtiment d’Allah et ils sont trompés par le délai que Nous leur accordons. S’ils goûtaient au châtiment, ils n’oseraient pas se rendre coupables de mécréance et de polythéisme ni n’oseraient douter de ce qui t’est révélé.

9

أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ

Ou bien détiennent-ils les trésors de la miséricorde de ton Seigneur, le Puissant, le Dispensateur par excellence.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِي تَعَجُّبِهِمْ مِنْ بِعْثَةِ الرَّسُولِ بَشَرًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أَيْ: أَزَعَمَ أَنَّ الْمَعْبُودَ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟! أَنْكَرَ الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ -قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى-وَتَعَجَّبُوا مِنْ تَرْكِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ تَلَقَّوْا عَنْ آبَائِهِمْ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُهُمْ فَلَمَّا دَعَاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى خَلْعِ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَإِفْرَادِ اللَّهِ [[في ت، س، أ: "الإله".]] بِالْوَحْدَانِيَّةِ أَعَظَمُوا ذَلِكَ وَتَعَجَّبُوا وَقَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ﴾ وَهُمْ سَادَتُهُمْ وَقَادَتُهُمْ وَرُؤَسَاؤُهُمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ قَائِلِينَ: ﴿ [أَنِ] امْشُوا﴾ [[زيادة من أ.]] أَيِ: اسْتَمِرُّوا عَلَى دِينِكُمْ ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ وَلَا تَسْتَجِيبُوا لِمَا يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إِنَّ هَذَا الَّذِي يَدْعُونَا [[في ت: "يدعوا".]] إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ لَشَيْءٌ يُرِيدُ بِهِ الشَّرَفَ عَلَيْكُمْ وَالِاسْتِعْلَاءَ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْكُمْ أَتْبَاعٌ وَلَسْنَا مُجِيبِيهِ إِلَيْهِ. ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ: قَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ أُنَاسًا مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا فِيهِمْ: أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فِي نَفَرٍ مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَلْنُكَلِّمْهُ فِيهِ، فَلْيُنْصِفْنَا مِنْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا وَنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ؛ فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَمُوتَ هَذَا الشَّيْخُ فَيَكُونَ مِنَّا إِلَيْهِ شَيْءٌ. فَتُعَيِّرُنَا [بِهِ] [[زيادة من ت، س، أ.]] العرب يقولون: تَرَكُوهُ حَتَّى إِذَا مَاتَ عَنْهُ [[في أ: "عمه"، وكذا في الطبري.]] تَنَاوَلُوهُ". فَبَعَثُوا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ [[في ت، س، أ: "يدعى".]] الْمُطَّلِبُ" فَاسْتَأْذَنَ لَهُمْ عَلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ وَسَرَاتُهُمْ يَسْتَأْذِنُونَ عَلَيْكَ. قَالَ: أَدْخِلْهُمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ أَنْتَ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا فَأَنْصِفْنَا مِنِ ابْنِ أَخِيكَ فَمُرْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا وَنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ. قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ وَسَرَاتُهُمْ وَقَدْ سَأَلُوكَ أَنْ تَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِهِمْ وَيَدَعُوكَ وَإِلَهَكَ. قَالَ: "يَا عَمِّ أَفَلَا أَدْعُوهُمْ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ؟ " قَالَ: وَإِلَامَ تَدْعُوهُمْ؟ قَالَ: "أَدْعُوهُمْ [إِلَى] [[زيادة من أ.]] أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَيَمْلِكُونَ بِهَا الْعَجَمَ". فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ: مَا هِيَ وَأَبِيكَ؟ لَنُعْطِيَنَّهَا [[في ت، س، أ: "لنعطينكما"]] وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا. قَالَ: تَقُولُونَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". فَنَفَرَ وَقَالَ: سَلْنَا غَيْرَ هَذَا [[في ت، س، أ: "غيرها".]] قَالَ: "لَوْ جِئْتُمُونِي بِالشَّمْسِ حَتَّى تَضَعُوهَا فِي يَدِي مَا سَأَلْتُكُمْ غَيْرَهَا" فَقَامُوا مِنْ عِنْدِهِ غِضَابًا، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَنَشْتُمَنَّكَ وَإِلَهَكَ الَّذِي أَمَرَكَ [[في أ: "يأمرك".]] بِهَذَا. ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَزَادَ: فَلَمَّا خَرَجُوا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمَّهُ إِلَى قَوْلِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَأَبَى وَقَالَ: بَلْ عَلَى دِينِ الْأَشْيَاخِ. وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [الْقَصَصِ:٥٦] [[تفسير الطبري (٢٣/٨٠) .]] وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ وَكِيعٍ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ حَدَّثَنَا عَبَّادٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: لما مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ فَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنَا وَيَفْعَلُ وَيَفْعَلُ وَيَقُولُ وَيَقُولُ فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ الْبَيْتَ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ قَالَ: فَخَشِيَ أَبُو جَهْلٍ إِنْ جَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ أَرَقَّ لَهُ عَلَيْهِ. فَوَثَبَ فَجَلَسَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ فَجَلَسَ عِنْدَ الْبَابِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: أَيِ ابْنَ أَخِي مَا بَالُ قَوْمِكَ يَشُكُونَكَ، يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ وَتَقُولُ وَتَقُولُ؟ قَالَ: وَأَكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ وَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " يَا عَمِّ إِنِّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ! يَقُولُونَهَا تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ" فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ وَلِقَوْلِهِ وَقَالُوا [[في ت، س، أ: "فقال القوم".]] كَلِمَةً وَاحِدَةً! نَعَمْ وَأَبِيكَ عَشْرًا فَقَالُوا: وَمَا هِيَ؟ وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ وَأَيُّ كَلِمَةٍ هِيَ يَا ابْنَ أَخِي؟ فَقَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَقَامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيَابَهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ قَالَ: وَنَزَلَتْ مِنْ [[في أ: "في".]] هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ [[تفسير الطبري (٢٣/٧٩) .]] وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبَّادٍ غَيْرِ مَنْسُوبٍ بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (١/٣٦٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٧) .]] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا كُلُّهُمْ فِي تَفَاسِيرِهِمْ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عن الأعمش عن يحيى بن عمارة الْكُوفِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ [[في ت: "ورواه الترمذي وقال: حديث حسن".]] حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٣٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٦) وتفسير الطبري (٢٣/٧٩) .]] * * وَقَوْلُهُمْ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ أَيْ: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا الَّذِي يَدْعُونَا إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ [[في ت: "وأبو".]] زَيْدٍ: يَعْنُونَ دِينَ قُرَيْشٍ. وَقَالَ غَيْرُهُمْ: يَعْنُونَ النَّصْرَانِيَّةَ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ يَعْنِي: النَّصْرَانِيَّةَ قَالُوا: لَوْ كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ حَقًّا أَخْبَرَتْنَا بِهِ النَّصَارَى. ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ كَذِبٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَخَرُّصٌ. * * وَقَوْلُهُمْ: ﴿أَؤُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَسْتَبْعِدُونَ تَخْصِيصَهُ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ كُلِّهِمْ كَمَا قَالُوا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿لَوْلا نزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٢] وَلِهَذَا لَمَّا قَالُوا هَذَا الَّذِي دَلَّ عَلَى جَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ فِي اسْتِبْعَادِهِمْ إِنْزَالَ الْقُرْآنِ عَلَى الرَّسُولِ مِنْ بَيْنِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَقُولُونَ هَذَا لِأَنَّهُمْ مَا ذَاقُوا إِلَى حِينِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عَذَابَ اللَّهِ وَنِقْمَتَهُ سَيَعْلَمُونَ غِبَّ مَا قَالُوا، وَمَا كَذَّبُوا بِهِ يَوْمَ يُدَعّون إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّا. ثُمَّ قَالَ مُبَيِّنًا أَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي مُلْكِهِ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ الَّذِي يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ مَا يَشَاءُ وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُنَزِّلُ الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَخْتِمُ عَلَى قَلْبِ مَنْ يَشَاءُ، فَلَا يَهْدِيهِ أَحَدٌ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ وَإِنَّ الْعِبَادَ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنَ الْأَمْرِ وَلَيْسَ إِلَيْهِمْ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمُلْكِ وَلَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَمَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ أَيِ: الْعَزِيزِ الَّذِي لَا يُرَامُ جَنَابُهُ الْوَهَّابِ الَّذِي يُعْطِي مَا يُرِيدُ لِمَنْ يُرِيدُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٣: ٥٥] وَقَوْلُهُ ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفَاقِ وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٠] وَذَلِكَ بَعْدَ الْحِكَايَةِ عَنِ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا بِعْثَةَ الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ وَكَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] حِينَ قَالُوا: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٥: ٢٦] وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ﴾ أَيْ: إِنْ كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا فِي الْأَسْبَابِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ: يَعْنِي طُرُقَ السَّمَاءِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: فَلْيَصْعَدُوا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الْجُنْدُ الْمُكَذِّبُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ سَيُهْزَمُونَ وَيُغْلَبُونَ وَيُكْبَتُونَ كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأَحْزَابِ الْمُكَذِّبِينَ وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [الْقَمَرِ: ٤٤: ٤٦] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَؤُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هؤلاء المشركين من قريش: أأنزل على محمد الذكر من بيننا فخصّ به، وليس بأشرف منا حسبا. * * وقوله ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء المشركين أن لا يكونوا أهل علم بأن محمدا صادق، ولكنهم في شك من وحينا إليه، وفي هذا القرآن الذي أنزلناه إليه أنه من عندنا ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ يقول: بل لم ينزل بهم بأسنا، فيذوقوا وبال تكذيبهم محمدا، وشكهم في تنزيلنا هذا القرآن عليه، ولو ذاقوا العذاب على ذلك علموا وأيقنوا حقيقة ما هم به مكذِّبون، حين لا ينفعهم علمهم ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ يقول تعالى ذكره: أم عند هؤلاء المشركين المنكرين وحي الله إلى محمد خزائن رحمة ربك، يعنى مفاتيح رحمة ربك يا محمد، العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من خلقه، ما يشاء من ملك وسلطان ونبوة، فيمنعوك يا محمد، ما من الله به عليك من الكرامة، وفضَّلك به من الرسالة.

Al-Mukhtasar (français)

Ces polythéistes dénégateurs détiennent-ils les réserves de la grâce de ton Puissant Seigneur à qui personne ne tient tête, Celui qui donne ce qu’Il veut à qui Il veut? L’une des grâces issues de Sa réserve, est la Prophétie qu’Il donne à qui Il veut et il ne leur appartient pas de prétendre l’accorder à qui ils veulent et en priver qui ils veulent.

10

أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ فَلْيَرْتَقُوا۟ فِى ٱلْأَسْبَٰبِ

Ou bien ont-ils le royaume des cieux et de la terre et de ce qui existe entre eux? Eh bien, qu'ils y montent par n'importe quel moyen!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِي تَعَجُّبِهِمْ مِنْ بِعْثَةِ الرَّسُولِ بَشَرًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أَيْ: أَزَعَمَ أَنَّ الْمَعْبُودَ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟! أَنْكَرَ الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ -قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى-وَتَعَجَّبُوا مِنْ تَرْكِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ تَلَقَّوْا عَنْ آبَائِهِمْ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُهُمْ فَلَمَّا دَعَاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى خَلْعِ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَإِفْرَادِ اللَّهِ [[في ت، س، أ: "الإله".]] بِالْوَحْدَانِيَّةِ أَعَظَمُوا ذَلِكَ وَتَعَجَّبُوا وَقَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ﴾ وَهُمْ سَادَتُهُمْ وَقَادَتُهُمْ وَرُؤَسَاؤُهُمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ قَائِلِينَ: ﴿ [أَنِ] امْشُوا﴾ [[زيادة من أ.]] أَيِ: اسْتَمِرُّوا عَلَى دِينِكُمْ ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ وَلَا تَسْتَجِيبُوا لِمَا يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إِنَّ هَذَا الَّذِي يَدْعُونَا [[في ت: "يدعوا".]] إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ لَشَيْءٌ يُرِيدُ بِهِ الشَّرَفَ عَلَيْكُمْ وَالِاسْتِعْلَاءَ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْكُمْ أَتْبَاعٌ وَلَسْنَا مُجِيبِيهِ إِلَيْهِ. ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ: قَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ أُنَاسًا مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا فِيهِمْ: أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فِي نَفَرٍ مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَلْنُكَلِّمْهُ فِيهِ، فَلْيُنْصِفْنَا مِنْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا وَنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ؛ فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَمُوتَ هَذَا الشَّيْخُ فَيَكُونَ مِنَّا إِلَيْهِ شَيْءٌ. فَتُعَيِّرُنَا [بِهِ] [[زيادة من ت، س، أ.]] العرب يقولون: تَرَكُوهُ حَتَّى إِذَا مَاتَ عَنْهُ [[في أ: "عمه"، وكذا في الطبري.]] تَنَاوَلُوهُ". فَبَعَثُوا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ [[في ت، س، أ: "يدعى".]] الْمُطَّلِبُ" فَاسْتَأْذَنَ لَهُمْ عَلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ وَسَرَاتُهُمْ يَسْتَأْذِنُونَ عَلَيْكَ. قَالَ: أَدْخِلْهُمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ أَنْتَ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا فَأَنْصِفْنَا مِنِ ابْنِ أَخِيكَ فَمُرْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا وَنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ. قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ وَسَرَاتُهُمْ وَقَدْ سَأَلُوكَ أَنْ تَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِهِمْ وَيَدَعُوكَ وَإِلَهَكَ. قَالَ: "يَا عَمِّ أَفَلَا أَدْعُوهُمْ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ؟ " قَالَ: وَإِلَامَ تَدْعُوهُمْ؟ قَالَ: "أَدْعُوهُمْ [إِلَى] [[زيادة من أ.]] أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَيَمْلِكُونَ بِهَا الْعَجَمَ". فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ: مَا هِيَ وَأَبِيكَ؟ لَنُعْطِيَنَّهَا [[في ت، س، أ: "لنعطينكما"]] وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا. قَالَ: تَقُولُونَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". فَنَفَرَ وَقَالَ: سَلْنَا غَيْرَ هَذَا [[في ت، س، أ: "غيرها".]] قَالَ: "لَوْ جِئْتُمُونِي بِالشَّمْسِ حَتَّى تَضَعُوهَا فِي يَدِي مَا سَأَلْتُكُمْ غَيْرَهَا" فَقَامُوا مِنْ عِنْدِهِ غِضَابًا، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَنَشْتُمَنَّكَ وَإِلَهَكَ الَّذِي أَمَرَكَ [[في أ: "يأمرك".]] بِهَذَا. ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَزَادَ: فَلَمَّا خَرَجُوا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمَّهُ إِلَى قَوْلِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَأَبَى وَقَالَ: بَلْ عَلَى دِينِ الْأَشْيَاخِ. وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [الْقَصَصِ:٥٦] [[تفسير الطبري (٢٣/٨٠) .]] وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ وَكِيعٍ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ حَدَّثَنَا عَبَّادٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: لما مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ فَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنَا وَيَفْعَلُ وَيَفْعَلُ وَيَقُولُ وَيَقُولُ فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ الْبَيْتَ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ قَالَ: فَخَشِيَ أَبُو جَهْلٍ إِنْ جَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ أَرَقَّ لَهُ عَلَيْهِ. فَوَثَبَ فَجَلَسَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ فَجَلَسَ عِنْدَ الْبَابِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: أَيِ ابْنَ أَخِي مَا بَالُ قَوْمِكَ يَشُكُونَكَ، يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ وَتَقُولُ وَتَقُولُ؟ قَالَ: وَأَكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ وَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " يَا عَمِّ إِنِّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ! يَقُولُونَهَا تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ" فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ وَلِقَوْلِهِ وَقَالُوا [[في ت، س، أ: "فقال القوم".]] كَلِمَةً وَاحِدَةً! نَعَمْ وَأَبِيكَ عَشْرًا فَقَالُوا: وَمَا هِيَ؟ وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ وَأَيُّ كَلِمَةٍ هِيَ يَا ابْنَ أَخِي؟ فَقَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَقَامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيَابَهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ قَالَ: وَنَزَلَتْ مِنْ [[في أ: "في".]] هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ [[تفسير الطبري (٢٣/٧٩) .]] وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبَّادٍ غَيْرِ مَنْسُوبٍ بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (١/٣٦٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٧) .]] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا كُلُّهُمْ فِي تَفَاسِيرِهِمْ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عن الأعمش عن يحيى بن عمارة الْكُوفِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ [[في ت: "ورواه الترمذي وقال: حديث حسن".]] حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٣٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٦) وتفسير الطبري (٢٣/٧٩) .]] * * وَقَوْلُهُمْ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ أَيْ: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا الَّذِي يَدْعُونَا إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ [[في ت: "وأبو".]] زَيْدٍ: يَعْنُونَ دِينَ قُرَيْشٍ. وَقَالَ غَيْرُهُمْ: يَعْنُونَ النَّصْرَانِيَّةَ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ يَعْنِي: النَّصْرَانِيَّةَ قَالُوا: لَوْ كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ حَقًّا أَخْبَرَتْنَا بِهِ النَّصَارَى. ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ كَذِبٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَخَرُّصٌ. * * وَقَوْلُهُمْ: ﴿أَؤُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَسْتَبْعِدُونَ تَخْصِيصَهُ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ كُلِّهِمْ كَمَا قَالُوا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿لَوْلا نزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٢] وَلِهَذَا لَمَّا قَالُوا هَذَا الَّذِي دَلَّ عَلَى جَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ فِي اسْتِبْعَادِهِمْ إِنْزَالَ الْقُرْآنِ عَلَى الرَّسُولِ مِنْ بَيْنِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَقُولُونَ هَذَا لِأَنَّهُمْ مَا ذَاقُوا إِلَى حِينِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عَذَابَ اللَّهِ وَنِقْمَتَهُ سَيَعْلَمُونَ غِبَّ مَا قَالُوا، وَمَا كَذَّبُوا بِهِ يَوْمَ يُدَعّون إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّا. ثُمَّ قَالَ مُبَيِّنًا أَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي مُلْكِهِ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ الَّذِي يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ مَا يَشَاءُ وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُنَزِّلُ الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَخْتِمُ عَلَى قَلْبِ مَنْ يَشَاءُ، فَلَا يَهْدِيهِ أَحَدٌ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ وَإِنَّ الْعِبَادَ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنَ الْأَمْرِ وَلَيْسَ إِلَيْهِمْ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمُلْكِ وَلَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَمَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ أَيِ: الْعَزِيزِ الَّذِي لَا يُرَامُ جَنَابُهُ الْوَهَّابِ الَّذِي يُعْطِي مَا يُرِيدُ لِمَنْ يُرِيدُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٣: ٥٥] وَقَوْلُهُ ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفَاقِ وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٠] وَذَلِكَ بَعْدَ الْحِكَايَةِ عَنِ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا بِعْثَةَ الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ وَكَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] حِينَ قَالُوا: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٥: ٢٦] وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ﴾ أَيْ: إِنْ كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا فِي الْأَسْبَابِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ: يَعْنِي طُرُقَ السَّمَاءِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: فَلْيَصْعَدُوا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الْجُنْدُ الْمُكَذِّبُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ سَيُهْزَمُونَ وَيُغْلَبُونَ وَيُكْبَتُونَ كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأَحْزَابِ الْمُكَذِّبِينَ وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [الْقَمَرِ: ٤٤: ٤٦] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ (١١) ﴾ يقول تعالى ذكره: أم لهؤلاء المشركين الذين هم في عزّة وشقاق ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ فإنه لا يُعازُّني ويُشاقُّني من كان في مُلكي وسلطاني. * * وقوله ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ﴾ يقول: وإن كان لهم ملك السموات والأرض وما بينهما، فليصعدوّا في أبواب السماء وطرقها، فإن كان له مُلك شيء لم يتعذر عليه الإشراف عليه، وتفقُّده وتعهُّده. واختلف أهل التأويل في معنى الأسباب التي ذكرها الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: عُنِي بها أبواب السماء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ﴾ قال: طرق السماء وأبوابها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ﴾ يقول: في أبواب السماء. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿فِي الأسْبَابِ﴾ قال: أسباب السموات. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ﴾ قال: طرق السموات. ⁕ حُدثت عن المحاربي، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ يقول: إن كان ﴿لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ﴾ يقول: فليرتقوا إلى السماء السابعة. ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ﴾ يقول: في السماء. وذُكر عن الربيع بن أنس في ذلك ما حُدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، قال: الأسباب: أدقّ من الشعر، وأشدّ من الحديد، وهو بكل مكان، غير أنه لا يرى. وأصل السبب عند العرب: كل ما تسبب به إلى الوصول إلى المطلوب من حبل أو وسيلة، أو رحم، أو قرابة أو طريق، أو محجة وغير ذلك. * * وقوله ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ﴾ يقول تعالى ذكره: هم ﴿جُنْد﴾ يعني الذين في عزّة وشقاق هنالك، يعني: ببدر مهزوم. * * وقوله ﴿هُنَالِكَ﴾ من صلة مهزوم وقوله ﴿مِنَ الأحْزَابِ﴾ يعني من أحزاب إبليس وأتباعه الذين مضوا قبلهم، فأهلكهم الله بذنوبهم. و"مِنْ" من قوله ﴿مِنَ الأحْزَابِ﴾ من صلة قوله جند، ومعنى الكلام: هم جند من الأحزاب مهزوم هنالك، وما في قوله ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ﴾ صلة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ﴾ قال: قُريش من الأحزاب، قال: القرون الماضية. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ﴾ قال: وعده الله وهو بمكة يومئذ أنه سيهزم جندا من المشركين، فجاء تأويلها يوم بدر. وكان بعض أهل العربية يتأول ذلك ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ﴾ مغلوب عن أن يصعد إلى السماء.

Al-Mukhtasar (français)

Détiennent-ils la propriété des Cieux, de la Terre et de ce qu’ils contiennent? Ont-ils le droit de donner et de ne pas donner? Si c’est ce qu’ils prétendent, qu’ils se donnent donc les moyens d’atteindre le ciel afin qu’ils puissent donner et ne pas donner comme bon leur semble, mais ils n’en seront jamais capables.

11

جُندٌۭ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌۭ مِّنَ ٱلْأَحْزَابِ

Une armée de coalisés qui, ici-même, sera mise en déroute!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِي تَعَجُّبِهِمْ مِنْ بِعْثَةِ الرَّسُولِ بَشَرًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أَيْ: أَزَعَمَ أَنَّ الْمَعْبُودَ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟! أَنْكَرَ الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ -قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى-وَتَعَجَّبُوا مِنْ تَرْكِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ تَلَقَّوْا عَنْ آبَائِهِمْ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُهُمْ فَلَمَّا دَعَاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى خَلْعِ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَإِفْرَادِ اللَّهِ [[في ت، س، أ: "الإله".]] بِالْوَحْدَانِيَّةِ أَعَظَمُوا ذَلِكَ وَتَعَجَّبُوا وَقَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ﴾ وَهُمْ سَادَتُهُمْ وَقَادَتُهُمْ وَرُؤَسَاؤُهُمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ قَائِلِينَ: ﴿ [أَنِ] امْشُوا﴾ [[زيادة من أ.]] أَيِ: اسْتَمِرُّوا عَلَى دِينِكُمْ ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ وَلَا تَسْتَجِيبُوا لِمَا يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إِنَّ هَذَا الَّذِي يَدْعُونَا [[في ت: "يدعوا".]] إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ لَشَيْءٌ يُرِيدُ بِهِ الشَّرَفَ عَلَيْكُمْ وَالِاسْتِعْلَاءَ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْكُمْ أَتْبَاعٌ وَلَسْنَا مُجِيبِيهِ إِلَيْهِ. ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ: قَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ أُنَاسًا مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا فِيهِمْ: أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فِي نَفَرٍ مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَلْنُكَلِّمْهُ فِيهِ، فَلْيُنْصِفْنَا مِنْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا وَنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ؛ فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَمُوتَ هَذَا الشَّيْخُ فَيَكُونَ مِنَّا إِلَيْهِ شَيْءٌ. فَتُعَيِّرُنَا [بِهِ] [[زيادة من ت، س، أ.]] العرب يقولون: تَرَكُوهُ حَتَّى إِذَا مَاتَ عَنْهُ [[في أ: "عمه"، وكذا في الطبري.]] تَنَاوَلُوهُ". فَبَعَثُوا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ [[في ت، س، أ: "يدعى".]] الْمُطَّلِبُ" فَاسْتَأْذَنَ لَهُمْ عَلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ وَسَرَاتُهُمْ يَسْتَأْذِنُونَ عَلَيْكَ. قَالَ: أَدْخِلْهُمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ أَنْتَ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا فَأَنْصِفْنَا مِنِ ابْنِ أَخِيكَ فَمُرْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا وَنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ. قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ وَسَرَاتُهُمْ وَقَدْ سَأَلُوكَ أَنْ تَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِهِمْ وَيَدَعُوكَ وَإِلَهَكَ. قَالَ: "يَا عَمِّ أَفَلَا أَدْعُوهُمْ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ؟ " قَالَ: وَإِلَامَ تَدْعُوهُمْ؟ قَالَ: "أَدْعُوهُمْ [إِلَى] [[زيادة من أ.]] أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَيَمْلِكُونَ بِهَا الْعَجَمَ". فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ: مَا هِيَ وَأَبِيكَ؟ لَنُعْطِيَنَّهَا [[في ت، س، أ: "لنعطينكما"]] وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا. قَالَ: تَقُولُونَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". فَنَفَرَ وَقَالَ: سَلْنَا غَيْرَ هَذَا [[في ت، س، أ: "غيرها".]] قَالَ: "لَوْ جِئْتُمُونِي بِالشَّمْسِ حَتَّى تَضَعُوهَا فِي يَدِي مَا سَأَلْتُكُمْ غَيْرَهَا" فَقَامُوا مِنْ عِنْدِهِ غِضَابًا، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَنَشْتُمَنَّكَ وَإِلَهَكَ الَّذِي أَمَرَكَ [[في أ: "يأمرك".]] بِهَذَا. ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَزَادَ: فَلَمَّا خَرَجُوا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمَّهُ إِلَى قَوْلِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَأَبَى وَقَالَ: بَلْ عَلَى دِينِ الْأَشْيَاخِ. وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [الْقَصَصِ:٥٦] [[تفسير الطبري (٢٣/٨٠) .]] وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ وَكِيعٍ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ حَدَّثَنَا عَبَّادٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: لما مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ فَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنَا وَيَفْعَلُ وَيَفْعَلُ وَيَقُولُ وَيَقُولُ فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ الْبَيْتَ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ قَالَ: فَخَشِيَ أَبُو جَهْلٍ إِنْ جَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ أَرَقَّ لَهُ عَلَيْهِ. فَوَثَبَ فَجَلَسَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ فَجَلَسَ عِنْدَ الْبَابِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: أَيِ ابْنَ أَخِي مَا بَالُ قَوْمِكَ يَشُكُونَكَ، يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ وَتَقُولُ وَتَقُولُ؟ قَالَ: وَأَكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ وَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " يَا عَمِّ إِنِّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ! يَقُولُونَهَا تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ" فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ وَلِقَوْلِهِ وَقَالُوا [[في ت، س، أ: "فقال القوم".]] كَلِمَةً وَاحِدَةً! نَعَمْ وَأَبِيكَ عَشْرًا فَقَالُوا: وَمَا هِيَ؟ وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ وَأَيُّ كَلِمَةٍ هِيَ يَا ابْنَ أَخِي؟ فَقَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَقَامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيَابَهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ قَالَ: وَنَزَلَتْ مِنْ [[في أ: "في".]] هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ [[تفسير الطبري (٢٣/٧٩) .]] وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبَّادٍ غَيْرِ مَنْسُوبٍ بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (١/٣٦٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٧) .]] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا كُلُّهُمْ فِي تَفَاسِيرِهِمْ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عن الأعمش عن يحيى بن عمارة الْكُوفِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ [[في ت: "ورواه الترمذي وقال: حديث حسن".]] حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٣٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٦) وتفسير الطبري (٢٣/٧٩) .]] * * وَقَوْلُهُمْ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ أَيْ: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا الَّذِي يَدْعُونَا إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ [[في ت: "وأبو".]] زَيْدٍ: يَعْنُونَ دِينَ قُرَيْشٍ. وَقَالَ غَيْرُهُمْ: يَعْنُونَ النَّصْرَانِيَّةَ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ يَعْنِي: النَّصْرَانِيَّةَ قَالُوا: لَوْ كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ حَقًّا أَخْبَرَتْنَا بِهِ النَّصَارَى. ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ كَذِبٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَخَرُّصٌ. * * وَقَوْلُهُمْ: ﴿أَؤُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَسْتَبْعِدُونَ تَخْصِيصَهُ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ كُلِّهِمْ كَمَا قَالُوا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿لَوْلا نزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٢] وَلِهَذَا لَمَّا قَالُوا هَذَا الَّذِي دَلَّ عَلَى جَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ فِي اسْتِبْعَادِهِمْ إِنْزَالَ الْقُرْآنِ عَلَى الرَّسُولِ مِنْ بَيْنِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَقُولُونَ هَذَا لِأَنَّهُمْ مَا ذَاقُوا إِلَى حِينِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عَذَابَ اللَّهِ وَنِقْمَتَهُ سَيَعْلَمُونَ غِبَّ مَا قَالُوا، وَمَا كَذَّبُوا بِهِ يَوْمَ يُدَعّون إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّا. ثُمَّ قَالَ مُبَيِّنًا أَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي مُلْكِهِ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ الَّذِي يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ مَا يَشَاءُ وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُنَزِّلُ الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَخْتِمُ عَلَى قَلْبِ مَنْ يَشَاءُ، فَلَا يَهْدِيهِ أَحَدٌ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ وَإِنَّ الْعِبَادَ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنَ الْأَمْرِ وَلَيْسَ إِلَيْهِمْ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمُلْكِ وَلَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَمَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ أَيِ: الْعَزِيزِ الَّذِي لَا يُرَامُ جَنَابُهُ الْوَهَّابِ الَّذِي يُعْطِي مَا يُرِيدُ لِمَنْ يُرِيدُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٣: ٥٥] وَقَوْلُهُ ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفَاقِ وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٠] وَذَلِكَ بَعْدَ الْحِكَايَةِ عَنِ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا بِعْثَةَ الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ وَكَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] حِينَ قَالُوا: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٥: ٢٦] وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ﴾ أَيْ: إِنْ كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا فِي الْأَسْبَابِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ: يَعْنِي طُرُقَ السَّمَاءِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: فَلْيَصْعَدُوا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الْجُنْدُ الْمُكَذِّبُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ سَيُهْزَمُونَ وَيُغْلَبُونَ وَيُكْبَتُونَ كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأَحْزَابِ الْمُكَذِّبِينَ وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [الْقَمَرِ: ٤٤: ٤٦] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ (١١) ﴾ يقول تعالى ذكره: أم لهؤلاء المشركين الذين هم في عزّة وشقاق ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ فإنه لا يُعازُّني ويُشاقُّني من كان في مُلكي وسلطاني. * * وقوله ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ﴾ يقول: وإن كان لهم ملك السموات والأرض وما بينهما، فليصعدوّا في أبواب السماء وطرقها، فإن كان له مُلك شيء لم يتعذر عليه الإشراف عليه، وتفقُّده وتعهُّده. واختلف أهل التأويل في معنى الأسباب التي ذكرها الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: عُنِي بها أبواب السماء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ﴾ قال: طرق السماء وأبوابها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ﴾ يقول: في أبواب السماء. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿فِي الأسْبَابِ﴾ قال: أسباب السموات. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ﴾ قال: طرق السموات. ⁕ حُدثت عن المحاربي، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ يقول: إن كان ﴿لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ﴾ يقول: فليرتقوا إلى السماء السابعة. ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ﴾ يقول: في السماء. وذُكر عن الربيع بن أنس في ذلك ما حُدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، قال: الأسباب: أدقّ من الشعر، وأشدّ من الحديد، وهو بكل مكان، غير أنه لا يرى. وأصل السبب عند العرب: كل ما تسبب به إلى الوصول إلى المطلوب من حبل أو وسيلة، أو رحم، أو قرابة أو طريق، أو محجة وغير ذلك. * * وقوله ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ﴾ يقول تعالى ذكره: هم ﴿جُنْد﴾ يعني الذين في عزّة وشقاق هنالك، يعني: ببدر مهزوم. * * وقوله ﴿هُنَالِكَ﴾ من صلة مهزوم وقوله ﴿مِنَ الأحْزَابِ﴾ يعني من أحزاب إبليس وأتباعه الذين مضوا قبلهم، فأهلكهم الله بذنوبهم. و"مِنْ" من قوله ﴿مِنَ الأحْزَابِ﴾ من صلة قوله جند، ومعنى الكلام: هم جند من الأحزاب مهزوم هنالك، وما في قوله ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ﴾ صلة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ﴾ قال: قُريش من الأحزاب، قال: القرون الماضية. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ﴾ قال: وعده الله وهو بمكة يومئذ أنه سيهزم جندا من المشركين، فجاء تأويلها يوم بدر. وكان بعض أهل العربية يتأول ذلك ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ﴾ مغلوب عن أن يصعد إلى السماء.

Al-Mukhtasar (français)

Ces gens qui traitent Muħammad de menteur seront des soldats vaincus comme les soldats qui les ont précédés et ont traité de menteurs leurs messagers.

12

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍۢ وَعَادٌۭ وَفِرْعَوْنُ ذُو ٱلْأَوْتَادِ

Avant eux, le peuple de Noé, les Aad et Pharaon l'homme aux pals (ou aux Pyramides),

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ، وَمَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالنَّقَمَاتِ فِي مُخَالَفَةِ الرُّسُلِ وَتَكْذِيبِ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَصُهُمْ مَبْسُوطَةً فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الأحْزَابُ﴾ أَيْ: كَانُوا أَكْثَرَ مِنْكُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَمَا دَافَعَ [[في ت، أ: "دفع"، وفي س: "لما دفع".]] ذَلِكَ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [[في أ: "الله".]] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ فَجَعَلَ عِلَّةَ هَلَاكِهِمْ هُوَ تَكْذِيبُهُمْ بِالرُّسُلِ فَلْيَحْذَرِ الْمُخَاطَبُونَ مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْحَذَرِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [[في أ: "وما ينظرون" وهو خطأ.]] قَالَ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَيْ لَيْسَ لَهَا مَثْنَوِيَّةٌ أَيْ: مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا أَيْ: فَقَدِ اقْتَرَبَتْ وَدَنَتْ وَأَزِفَتْ وَهَذِهِ الصَّيْحَةُ هِيَ نَفْخَةُ الْفَزَعِ الَّتِي يَأْمُرُ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ أَنْ يُطَوِّلَهَا، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فَزِعَ إِلَّا مَنِ اسْتَثْنَى [[في أ: "شاء".]] اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ هَذَا إِنْكَارٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي دُعَائِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِتَعْجِيلِ الْعَذَابِ، فَإِنَّ الْقِطَّ هُوَ الْكِتَابُ وَقِيلَ: هُوَ الْحَظُّ وَالنَّصِيبُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: سَأَلُوا تَعْجِيلَ الْعَذَابِ -زَادَ قَتَادَةُ كَمَا قَالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] وَقِيلَ: سَأَلُوا تَعْجِيلَ نَصِيبِهِمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً أَنْ يَلْقَوْا [[في أ: "يسلموا".]] ذَاكَ فِي الدُّنْيَا. وَإِنَّمَا خَرَجَ هَذَا مِنْهُمْ مَخْرَجَ الِاسْتِبْعَادِ وَالتَّكْذِيبِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: سَأَلُوا تَعْجِيلَ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ فِي الدُّنْيَا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ جَيِّدٌ، وَعَلَيْهِ يَدُورُ كَلَامُ الضَّحَّاكِ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالِاسْتِبْعَادِ قَالَ اللَّهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ آمِرًا لَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ وَمُبَشِّرًا لَهُ عَلَى صَبْرِهِ بِالْعَاقِبَةِ وَالنَّصْرِ [[في أ: "والنصرة".]] وَالظَّفَرِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: كذّبت قبل هؤلاء المشركين من قريش، القائلين: أجعل الآلهة إلها واحدا، رسلها، قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد. واختلف أهل العلم في السبب الذي من أجله قيل لفرعون ذو الأوتاد، فقال بعضهم: قيل ذلك له لأنه كانت له ملاعب من أوتاد، يُلْعَب له عليها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن عليّ بن الهيثم، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتَادِ﴾ قال: كانت ملاعب يلعب له تحتها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتَادِ﴾ قال: كان له أوتاد وأرسان، وملاعب يلعب له عليها. وقال آخرون: بل قيل ذلك له كذلك لتعذيبه الناس بالأوتاد. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ،، قوله ﴿ذُو الأوْتَادِ﴾ قال: كان يعذِّب الناسَ بالأوتاد، يعذّبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع صخرة تُمَدّ بالحبال، ثم تُلْقى عليه فتشدخه. ⁕ حُدثت عن عليّ بن الهيثم، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: كان يعذب الناس بالأوتاد. وقال آخرون: معنى ذلك: ذو البنيان، قالوا: والبنيان: هو الأوتاد. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك ﴿ذُو الأوْتَادِ﴾ قال: ذو البنيان. وأشبه الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني بذلك الأوتاد، إما لتعذيب الناس، وإما للعب، كان يُلْعَب له بها، وذلك أن ذلك هو المعروف من معنى الأوتاد، وثمود وقوم لوط، وقد ذكرنا أخبار كل هؤلاء فيما مضى قبل من كتابنا هذا. ﴿وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ﴾ يعني: وأصحاب الغَيْضَة. وكان أبو عمرو بن العلاء فِيما حُدثت عن معمر بن المثني، عن أبي عمرو يقول: الأيكة: الحَرَجَة من النبع والسدر، وهو الملتفّ منه، قال الشاعر: أفَمِنْ بُكَاءِ حَمَامَةٍ فِي أيْكَةٍ ... يَرْفَضُّ دَمْعُكَ فَوْقَ ظَهْرِ المَحْمِلِ [[البيت لعنترة العبسي (مختار الشعر الجاهلي، بشرح مصطفى السقا طبعة الحلبي ٣٨٧) وهو الرابع من قصيدة يهجو بها قيس بن زهير قائد تميم في بعض حروبها مع عبس. قال شارحه: الأيكة الشجر الكثير الملتف. وذرفت دموعك: سالت. والمحمل علاقة السيف. واستشهد به أبو عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ٢١٣ - ١ (وقال: الأيكة: الحرجة: من النبع والسدر. وهو الملتف قال رجل، وهو يسند على عنترة:" أفمن بكاء ... " البيت. يعني محمل السيف. وهو الحمالة والحمائل. وجماع المحمل: محامل. وبعضهم يقول:" ليكة". لا يقطعون الألف، ولم يعرفوا معناها. أهـ.]] يعني: مَحْمِل السيف. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ﴾ قال: كانوا أصحاب شجر، قال: وكان عامَّة شجرهم الدوم. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ﴾ قال: أصحاب الغَيْضَة. * * وقوله ﴿أُولَئِكَ الأحْزَابُ﴾ يقول تعالى ذكره: هؤلاء الجماعات المجتمعة، والأحزاب المتحزّبة على معاصي الله والكفر به، الذين منهم يا محمد مشركو قومك، وهم مسلوك بهم سبيلهم. ﴿إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ يقول: ما كلّ هؤلاء الأمم إلا كذّب رسل الله؛ وهي في قراءة عبد الله كما ذكر لي:"إنْ كُلٌّ لَمَّا كَذَّبَ الرُّسُل فَحَقَّ عِقَابِ" يقول: فوجب عليهم عقاب الله إياهم. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ قال: هؤلاء كلهم قد كذبوا الرسل، فحقّ عليهم العذاب.

Al-Mukhtasar (français)

Ils ne sont pas les premiers de leur genre puisqu’ils ont été précédés par le peuple de Noé, les ‘Âd et Pharaon qui faisait subir aux gens le supplice du pal.

13

وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍۢ وَأَصْحَٰبُ لْـَٔيْكَةِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْأَحْزَابُ

et les Tamûd, le peuple de Lot, et les gens d'Al-Aykah, (ont tous démenti leurs Messagers). Voilà les coalisés.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ، وَمَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالنَّقَمَاتِ فِي مُخَالَفَةِ الرُّسُلِ وَتَكْذِيبِ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَصُهُمْ مَبْسُوطَةً فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الأحْزَابُ﴾ أَيْ: كَانُوا أَكْثَرَ مِنْكُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَمَا دَافَعَ [[في ت، أ: "دفع"، وفي س: "لما دفع".]] ذَلِكَ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [[في أ: "الله".]] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ فَجَعَلَ عِلَّةَ هَلَاكِهِمْ هُوَ تَكْذِيبُهُمْ بِالرُّسُلِ فَلْيَحْذَرِ الْمُخَاطَبُونَ مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْحَذَرِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [[في أ: "وما ينظرون" وهو خطأ.]] قَالَ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَيْ لَيْسَ لَهَا مَثْنَوِيَّةٌ أَيْ: مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا أَيْ: فَقَدِ اقْتَرَبَتْ وَدَنَتْ وَأَزِفَتْ وَهَذِهِ الصَّيْحَةُ هِيَ نَفْخَةُ الْفَزَعِ الَّتِي يَأْمُرُ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ أَنْ يُطَوِّلَهَا، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فَزِعَ إِلَّا مَنِ اسْتَثْنَى [[في أ: "شاء".]] اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ هَذَا إِنْكَارٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي دُعَائِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِتَعْجِيلِ الْعَذَابِ، فَإِنَّ الْقِطَّ هُوَ الْكِتَابُ وَقِيلَ: هُوَ الْحَظُّ وَالنَّصِيبُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: سَأَلُوا تَعْجِيلَ الْعَذَابِ -زَادَ قَتَادَةُ كَمَا قَالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] وَقِيلَ: سَأَلُوا تَعْجِيلَ نَصِيبِهِمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً أَنْ يَلْقَوْا [[في أ: "يسلموا".]] ذَاكَ فِي الدُّنْيَا. وَإِنَّمَا خَرَجَ هَذَا مِنْهُمْ مَخْرَجَ الِاسْتِبْعَادِ وَالتَّكْذِيبِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: سَأَلُوا تَعْجِيلَ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ فِي الدُّنْيَا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ جَيِّدٌ، وَعَلَيْهِ يَدُورُ كَلَامُ الضَّحَّاكِ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالِاسْتِبْعَادِ قَالَ اللَّهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ آمِرًا لَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ وَمُبَشِّرًا لَهُ عَلَى صَبْرِهِ بِالْعَاقِبَةِ وَالنَّصْرِ [[في أ: "والنصرة".]] وَالظَّفَرِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: كذّبت قبل هؤلاء المشركين من قريش، القائلين: أجعل الآلهة إلها واحدا، رسلها، قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد. واختلف أهل العلم في السبب الذي من أجله قيل لفرعون ذو الأوتاد، فقال بعضهم: قيل ذلك له لأنه كانت له ملاعب من أوتاد، يُلْعَب له عليها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن عليّ بن الهيثم، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتَادِ﴾ قال: كانت ملاعب يلعب له تحتها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتَادِ﴾ قال: كان له أوتاد وأرسان، وملاعب يلعب له عليها. وقال آخرون: بل قيل ذلك له كذلك لتعذيبه الناس بالأوتاد. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ،، قوله ﴿ذُو الأوْتَادِ﴾ قال: كان يعذِّب الناسَ بالأوتاد، يعذّبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع صخرة تُمَدّ بالحبال، ثم تُلْقى عليه فتشدخه. ⁕ حُدثت عن عليّ بن الهيثم، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: كان يعذب الناس بالأوتاد. وقال آخرون: معنى ذلك: ذو البنيان، قالوا: والبنيان: هو الأوتاد. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك ﴿ذُو الأوْتَادِ﴾ قال: ذو البنيان. وأشبه الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني بذلك الأوتاد، إما لتعذيب الناس، وإما للعب، كان يُلْعَب له بها، وذلك أن ذلك هو المعروف من معنى الأوتاد، وثمود وقوم لوط، وقد ذكرنا أخبار كل هؤلاء فيما مضى قبل من كتابنا هذا. ﴿وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ﴾ يعني: وأصحاب الغَيْضَة. وكان أبو عمرو بن العلاء فِيما حُدثت عن معمر بن المثني، عن أبي عمرو يقول: الأيكة: الحَرَجَة من النبع والسدر، وهو الملتفّ منه، قال الشاعر: أفَمِنْ بُكَاءِ حَمَامَةٍ فِي أيْكَةٍ ... يَرْفَضُّ دَمْعُكَ فَوْقَ ظَهْرِ المَحْمِلِ [[البيت لعنترة العبسي (مختار الشعر الجاهلي، بشرح مصطفى السقا طبعة الحلبي ٣٨٧) وهو الرابع من قصيدة يهجو بها قيس بن زهير قائد تميم في بعض حروبها مع عبس. قال شارحه: الأيكة الشجر الكثير الملتف. وذرفت دموعك: سالت. والمحمل علاقة السيف. واستشهد به أبو عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ٢١٣ - ١ (وقال: الأيكة: الحرجة: من النبع والسدر. وهو الملتف قال رجل، وهو يسند على عنترة:" أفمن بكاء ... " البيت. يعني محمل السيف. وهو الحمالة والحمائل. وجماع المحمل: محامل. وبعضهم يقول:" ليكة". لا يقطعون الألف، ولم يعرفوا معناها. أهـ.]] يعني: مَحْمِل السيف. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ﴾ قال: كانوا أصحاب شجر، قال: وكان عامَّة شجرهم الدوم. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ﴾ قال: أصحاب الغَيْضَة. * * وقوله ﴿أُولَئِكَ الأحْزَابُ﴾ يقول تعالى ذكره: هؤلاء الجماعات المجتمعة، والأحزاب المتحزّبة على معاصي الله والكفر به، الذين منهم يا محمد مشركو قومك، وهم مسلوك بهم سبيلهم. ﴿إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ يقول: ما كلّ هؤلاء الأمم إلا كذّب رسل الله؛ وهي في قراءة عبد الله كما ذكر لي:"إنْ كُلٌّ لَمَّا كَذَّبَ الرُّسُل فَحَقَّ عِقَابِ" يقول: فوجب عليهم عقاب الله إياهم. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ قال: هؤلاء كلهم قد كذبوا الرسل، فحقّ عليهم العذاب.

Al-Mukhtasar (français)

Ils ont aussi été précédés par les Thâmûd, le peuple de Loth et le peuple de Chu’ayb. Ce sont eux les coalisés qui se sont unis contre leurs messagers afin de les traiter de menteurs et de mécroire en ce qu’ils apportaient.

14

إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ

Il n'en est aucun qui n'ait traité les Messagers de menteurs. Et bien, Ma punition s'est avérée contre eux!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ، وَمَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالنَّقَمَاتِ فِي مُخَالَفَةِ الرُّسُلِ وَتَكْذِيبِ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَصُهُمْ مَبْسُوطَةً فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الأحْزَابُ﴾ أَيْ: كَانُوا أَكْثَرَ مِنْكُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَمَا دَافَعَ [[في ت، أ: "دفع"، وفي س: "لما دفع".]] ذَلِكَ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [[في أ: "الله".]] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ فَجَعَلَ عِلَّةَ هَلَاكِهِمْ هُوَ تَكْذِيبُهُمْ بِالرُّسُلِ فَلْيَحْذَرِ الْمُخَاطَبُونَ مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْحَذَرِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [[في أ: "وما ينظرون" وهو خطأ.]] قَالَ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَيْ لَيْسَ لَهَا مَثْنَوِيَّةٌ أَيْ: مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا أَيْ: فَقَدِ اقْتَرَبَتْ وَدَنَتْ وَأَزِفَتْ وَهَذِهِ الصَّيْحَةُ هِيَ نَفْخَةُ الْفَزَعِ الَّتِي يَأْمُرُ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ أَنْ يُطَوِّلَهَا، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فَزِعَ إِلَّا مَنِ اسْتَثْنَى [[في أ: "شاء".]] اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ هَذَا إِنْكَارٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي دُعَائِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِتَعْجِيلِ الْعَذَابِ، فَإِنَّ الْقِطَّ هُوَ الْكِتَابُ وَقِيلَ: هُوَ الْحَظُّ وَالنَّصِيبُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: سَأَلُوا تَعْجِيلَ الْعَذَابِ -زَادَ قَتَادَةُ كَمَا قَالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] وَقِيلَ: سَأَلُوا تَعْجِيلَ نَصِيبِهِمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً أَنْ يَلْقَوْا [[في أ: "يسلموا".]] ذَاكَ فِي الدُّنْيَا. وَإِنَّمَا خَرَجَ هَذَا مِنْهُمْ مَخْرَجَ الِاسْتِبْعَادِ وَالتَّكْذِيبِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: سَأَلُوا تَعْجِيلَ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ فِي الدُّنْيَا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ جَيِّدٌ، وَعَلَيْهِ يَدُورُ كَلَامُ الضَّحَّاكِ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالِاسْتِبْعَادِ قَالَ اللَّهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ آمِرًا لَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ وَمُبَشِّرًا لَهُ عَلَى صَبْرِهِ بِالْعَاقِبَةِ وَالنَّصْرِ [[في أ: "والنصرة".]] وَالظَّفَرِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: كذّبت قبل هؤلاء المشركين من قريش، القائلين: أجعل الآلهة إلها واحدا، رسلها، قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد. واختلف أهل العلم في السبب الذي من أجله قيل لفرعون ذو الأوتاد، فقال بعضهم: قيل ذلك له لأنه كانت له ملاعب من أوتاد، يُلْعَب له عليها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن عليّ بن الهيثم، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتَادِ﴾ قال: كانت ملاعب يلعب له تحتها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتَادِ﴾ قال: كان له أوتاد وأرسان، وملاعب يلعب له عليها. وقال آخرون: بل قيل ذلك له كذلك لتعذيبه الناس بالأوتاد. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ،، قوله ﴿ذُو الأوْتَادِ﴾ قال: كان يعذِّب الناسَ بالأوتاد، يعذّبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع صخرة تُمَدّ بالحبال، ثم تُلْقى عليه فتشدخه. ⁕ حُدثت عن عليّ بن الهيثم، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: كان يعذب الناس بالأوتاد. وقال آخرون: معنى ذلك: ذو البنيان، قالوا: والبنيان: هو الأوتاد. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك ﴿ذُو الأوْتَادِ﴾ قال: ذو البنيان. وأشبه الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني بذلك الأوتاد، إما لتعذيب الناس، وإما للعب، كان يُلْعَب له بها، وذلك أن ذلك هو المعروف من معنى الأوتاد، وثمود وقوم لوط، وقد ذكرنا أخبار كل هؤلاء فيما مضى قبل من كتابنا هذا. ﴿وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ﴾ يعني: وأصحاب الغَيْضَة. وكان أبو عمرو بن العلاء فِيما حُدثت عن معمر بن المثني، عن أبي عمرو يقول: الأيكة: الحَرَجَة من النبع والسدر، وهو الملتفّ منه، قال الشاعر: أفَمِنْ بُكَاءِ حَمَامَةٍ فِي أيْكَةٍ ... يَرْفَضُّ دَمْعُكَ فَوْقَ ظَهْرِ المَحْمِلِ [[البيت لعنترة العبسي (مختار الشعر الجاهلي، بشرح مصطفى السقا طبعة الحلبي ٣٨٧) وهو الرابع من قصيدة يهجو بها قيس بن زهير قائد تميم في بعض حروبها مع عبس. قال شارحه: الأيكة الشجر الكثير الملتف. وذرفت دموعك: سالت. والمحمل علاقة السيف. واستشهد به أبو عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ٢١٣ - ١ (وقال: الأيكة: الحرجة: من النبع والسدر. وهو الملتف قال رجل، وهو يسند على عنترة:" أفمن بكاء ... " البيت. يعني محمل السيف. وهو الحمالة والحمائل. وجماع المحمل: محامل. وبعضهم يقول:" ليكة". لا يقطعون الألف، ولم يعرفوا معناها. أهـ.]] يعني: مَحْمِل السيف. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ﴾ قال: كانوا أصحاب شجر، قال: وكان عامَّة شجرهم الدوم. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ﴾ قال: أصحاب الغَيْضَة. * * وقوله ﴿أُولَئِكَ الأحْزَابُ﴾ يقول تعالى ذكره: هؤلاء الجماعات المجتمعة، والأحزاب المتحزّبة على معاصي الله والكفر به، الذين منهم يا محمد مشركو قومك، وهم مسلوك بهم سبيلهم. ﴿إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ يقول: ما كلّ هؤلاء الأمم إلا كذّب رسل الله؛ وهي في قراءة عبد الله كما ذكر لي:"إنْ كُلٌّ لَمَّا كَذَّبَ الرُّسُل فَحَقَّ عِقَابِ" يقول: فوجب عليهم عقاب الله إياهم. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ قال: هؤلاء كلهم قد كذبوا الرسل، فحقّ عليهم العذاب.

Al-Mukhtasar (français)

Aucun de ces coalisés ne s'est épargné de traiter ses messagers de menteurs. Ils méritaient donc le châtiment d’Allah et ils furent punis, même si parfois ce ne fut pas immédiatement.

15

وَمَا يَنظُرُ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍۢ

Ceux-ci n'attendant qu'un seul Cri, sans répétition.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ، وَمَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالنَّقَمَاتِ فِي مُخَالَفَةِ الرُّسُلِ وَتَكْذِيبِ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَصُهُمْ مَبْسُوطَةً فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الأحْزَابُ﴾ أَيْ: كَانُوا أَكْثَرَ مِنْكُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَمَا دَافَعَ [[في ت، أ: "دفع"، وفي س: "لما دفع".]] ذَلِكَ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [[في أ: "الله".]] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ فَجَعَلَ عِلَّةَ هَلَاكِهِمْ هُوَ تَكْذِيبُهُمْ بِالرُّسُلِ فَلْيَحْذَرِ الْمُخَاطَبُونَ مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْحَذَرِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [[في أ: "وما ينظرون" وهو خطأ.]] قَالَ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَيْ لَيْسَ لَهَا مَثْنَوِيَّةٌ أَيْ: مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا أَيْ: فَقَدِ اقْتَرَبَتْ وَدَنَتْ وَأَزِفَتْ وَهَذِهِ الصَّيْحَةُ هِيَ نَفْخَةُ الْفَزَعِ الَّتِي يَأْمُرُ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ أَنْ يُطَوِّلَهَا، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فَزِعَ إِلَّا مَنِ اسْتَثْنَى [[في أ: "شاء".]] اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ هَذَا إِنْكَارٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي دُعَائِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِتَعْجِيلِ الْعَذَابِ، فَإِنَّ الْقِطَّ هُوَ الْكِتَابُ وَقِيلَ: هُوَ الْحَظُّ وَالنَّصِيبُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: سَأَلُوا تَعْجِيلَ الْعَذَابِ -زَادَ قَتَادَةُ كَمَا قَالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] وَقِيلَ: سَأَلُوا تَعْجِيلَ نَصِيبِهِمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً أَنْ يَلْقَوْا [[في أ: "يسلموا".]] ذَاكَ فِي الدُّنْيَا. وَإِنَّمَا خَرَجَ هَذَا مِنْهُمْ مَخْرَجَ الِاسْتِبْعَادِ وَالتَّكْذِيبِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: سَأَلُوا تَعْجِيلَ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ فِي الدُّنْيَا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ جَيِّدٌ، وَعَلَيْهِ يَدُورُ كَلَامُ الضَّحَّاكِ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالِاسْتِبْعَادِ قَالَ اللَّهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ آمِرًا لَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ وَمُبَشِّرًا لَهُ عَلَى صَبْرِهِ بِالْعَاقِبَةِ وَالنَّصْرِ [[في أ: "والنصرة".]] وَالظَّفَرِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ﴾ المشركون بالله من قُريش ﴿إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ يعني بالصيحة الواحدة: النفخة الأولى في الصور ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ يقول: ما لتلك الصيحة من فيقة، يعني من فتور ولا انقطاع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً) يعني: أمة محمد ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا المحاربي، عن إسماعيل بن رافع، عن يزيد بن زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ:"إنَّ الله لما فَرغَ مِنْ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ خَلَقَ الصُّورَ، فَأَعْطَاهُ إسْرَافِيلَ، فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلَى فِيهِ شَاخِص بِبَصَرِهِ إلَى العَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ". قال أبو هريرة: يا رسول الله وما الصور؟ قال:"قَرْنٌ"، قال: كيف هو؟ قال:"قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيهِ ثَلاثُ نَفَخَاتٍ: نَفْخَةُ الفَزَعِ الأولى، والثَّانِيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ القِيَامِ لِرَبّ العَالَمِينَ، يَأْمُرُ الله إسْرَافِيلَ بالنَّفْخَةِ الأولى، فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَوَاتِ وَأهْلُ الأرْضِ إلا مَنْ شَاءَ الله، وَيَأْمُرُهُ الله فَيُدِيمُهَا وَيُطَوِّلُهَا، فَلا يَفْتُرُ وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ الله ﴿مَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ . واختلف أهل التأويل في معنى قوله ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ فقال بعضهم: يعني بذلك: ما لتلك الصيحة من ارتداد ولا رجوع. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ يقول: من ترداد. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ يقول: ما لها من رجعة. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ قال: من رجوع. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ يعني الساعة ما لها من رجوع ولا ارتداد. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما لهؤلاء المشركين بعد ذلك إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ يقول: ليس لهم بعدها إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا. وقال آخرون: الصيحة في هذا الموضع: العذاب. ومعنى الكلام: ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا عذابا يهلكهم، لا إفاقة لهم منه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ قال: ما ينتظرون إلا صيحة واحدة ما لها من فواق، يا لها من صيحة لا يفيقون فيها كما يفيق الذي يغشي عليها وكما يفيق المريض تهلكهم، ليس لهم فيها إفاقة. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة ﴿مِنْ فَوَاقٍ﴾ بفتح الفاء. وقرأته عامة أهل الكوفة:" مِنْ فُوَاقٍ" بضم الفاء. واختلفت أهل العربية في معناها إذا قُرئت بفتح الفاء وضمها، فقال بعض البصريين منهم: معناها، إذا فتحت الفاء: ما لها من راحة، وإذا ضمت جعلها فُواق ناقة ما بين الحلبتين. وكان بعض الكوفيين منهم يقول: معنى الفتح والضم فيها واحد، وإنما هما لغتان مثل السَّوَاف والسُّواف، وجَمام المكوك وجُمامه، وقَصاص الشعر وقُصاصه. والصواب من القول في ذلك أنهما لغتان، وذلك أنا لم نجد أحدا من المتقدمين على اختلافهم في قراءته يفرّقون بين معنى الضمّ فيه والفتح، ولو كان مختلف المعنى باختلاف الفتح فيه والضم، لقد كانوا فرقوا بين ذلك في المعنى. فإذ كان ذلك كذلك، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب؛ وأصل ذلك من قولهم: أفاقت الناقة، فهي تفيق إفاقة، وذلك إذا ردت ما بين الرضعتين ولدها إلى الرضعة الأخرى، وذلك أن ترضع البهيمة أمها، ثم تتركها حتى ينزل شيء من اللبن، فتلك الإفاقة؛ يقال إذا اجتمع ذلك في الضرع فيقة، كما قال الأعشى: حَتَّى إذَا فِيْقَةٌ فِي ضَرْعِها اجْتَمَعَتْ ... جاءَتْ لِتُرْضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لوْ رَضَعا [[البيت في ديوان الأعشى ميمون بن قيس ص ١٣ وهو الثالث والثلاثون من قصيدة يمدح بها هوذة بن علي الحنفي. والفيقة: اللبن الذي يجتمع في الضرع بين الحلبتين. وشق الشيء: شطره، والقطعة منه، وشق النفس: ولدها، لأنه قطعة منها. ويقول: حتى إذا اجتمع اللبن في ضرعها، عادت ترضع ولدها، لو أنه حي يرضع. والضمير في ضرعها: راجع إلى راحلته المذكورة قبل. واستشهد المؤلف بالبيت على معنى قوله تعالى:"ما لها من فواق". قال أبو عبيدة (٢١٣ - ١) من فتحها قال: ما لها من راحة. ومن ضمها قال فواق، وجعلها من" فواق ناقة": ما بين الحلبتين. وقوم قالوا: هما واحد. بمنزلة جمام المكوك وجمام المكوك، وقصاص الشعر وقصاص الشعر (الأول بضم أوله، والثاني بفتحه فيهن) . أهـ. وقال الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٧٧) :" ما لها من فواق": من راحة ولا إفاقة. وأصله من الإفاقة في الرضاع، إذا ارتضعت البهيمة أمها، ثم تركتها حتى تنزل شيئا من اللبن، فتلك الإفاقة والفواق بغير همز. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال:" العيادة قدر فواق ناقة". وقرأها الحسن، وأهل المدينة، وعاصم: فواق بالفتح؛ وهي لغة جيدة عالية. وضم حمزة، ويحيي، والأعمش، والكسائي. أهـ.]] * * وقوله ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون بالله من قريش: يا ربنا عجل لنا كتبنا قبل يوم القيامة. والقطّ في كلام العرب: الصحيفة المكتوبة؛ ومنه قول الأعشى: وَلا المَلِكُ النُّعْمَانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ ... بِنِعْمَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ وَيأْفِقُ [[البيت للأعمش ميمون بن قيس (ديوان طبع القاهرة ص ٣٣) من قصيدة يمدح بها المحلق بن خنثم بن شداد بن ربيعة. وفيه"بأمته" في مكان"بنعمته". والقطوط: جمع قط بكسر القاف، وهو الصك بالجائزة، ويأفق كيضرب يفضل بعض الناس في الجوائز على بعض وهو من شواهد أبي عبيدة في (مجاز القرآن، الورقة ٢١٣\١) قال في قوله تعالى:" ربنا عجل لنا قطنا" القط: الكتاب قال الأعشى:"ولا الملك" البيت القطوط: الكتب بالجوائز يأفق يفضل ويعلو. يقال: ناقة أفقة، وفرس آفق إذا فضله على غيره.]] يعني بالقُطوط: جمع القط، وهي الكتب بالجوائز. واختلف أهل التأويل في المعنى الذي أراد هؤلاء المشركون بمسألتهم تعجيل القطّ لهم، فقال بعضهم: إنما سألوا ربهم تعجيل حظهم من العذاب الذي أعد لهم في الآخرة في الدنيا، كما قال بعضهم: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ . ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ يقول: العذاب. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ قال: سألوا الله أن يعجل لهم العذاب قبل يوم القيامة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد، في قوله ﴿لَنَا قِطَّنَا﴾ قال: عذابنا. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ قال: عذابنا. ⁕ حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أي نصيبنا حظنا من العذاب قبل يوم القيامة، قال: قد قال ذلك أبو جهل: اللهمّ إن كان ما يقول محمد حقا ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ ... الآية. وقال آخرون: بل إنما سألوا ربهم تعجيل أنصبائهم ومنازلهم من الجنة حتى يروها فيعلموا حقيقة ما يعدهم محمد ﷺ فيؤمنوا حينئذ به ويصدّقوه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ قالوا: أرنا منازلنا في الجنة حتى نتابعك. وقال آخرون: مسألتهم نصيبهم من الجنة، ولكنهم سألوا تعجيله لهم في الدنيا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ثابت الحدّاد، قال: سمعت سعيد بن جُبَير يقول في قوله ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ قال: نصيبنا من الجنة. وقال آخرون: بل سألوا ربهم تعجيل الرزق. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمر بن عليّ، قال: ثنا أشعث السجستاني، قال: ثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد في قوله ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ قال: رزقنا. وقال آخرون: سألوا أن يعجل لهم كتبهم التي قال قال الله ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ في الدنيا، لينظروا بأيمانهم يعطونها أم بشمائلهم؟ ولينظروا من أهل الجنة هم، أم من أهل النار قبل يوم القيامة استهزاء منهم بالقرآن وبوعد الله. وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن القوم سألوا ربهم تعجيل صِكاكهم بحظوظهم من الخير أو الشر الذي وعد الله عباده أن يؤتيهموها في الآخرة قبل يوم القيامة في الدنيا استهزاء بوعيد الله. وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن القطّ هو ما وصفت من الكتب بالجوائز والحظوظ، وقد أخبر الله عن هؤلاء المشركين أنهم سألوه تعجيل ذلك لهم، ثم أتبع ذلك قوله لنبيه: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ فكان معلوما بذلك أن مسألتهم ما سألوا النبي ﷺ لو لم تكن على وجه الاستهزاء منهم لم يكن بالذي يتبع الأمر بالصبر عليه، ولكن لما كان ذلك استهزاء، وكان فيه لرسول الله ﷺ أذى، أمره الله بالصبر عليه حتى يأتيه قضاؤه فيهم، ولما لم يكن في قوله ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ بيان أيّ القطوط إرادتهم، لم يكن لما توجيه ذلك إلى أنه معني به القطوط ببعض معاني الخير أو الشرّ، فلذلك قلنا إن مسألتهم كانت بما ذكرت من حظوظهم من الخير والشر.

Al-Mukhtasar (français)

Ces gens qui traitent Muħammad de menteur n’attendent que le second et dernier souffle dans la Trompe et que le châtiment s’abatte sur eux, s’ils meurent pendant qu’ils persistent à le traiter de menteur.

16

وَقَالُوا۟ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ

Et ils disent: «Seigneur, hâte-nous notre part avant le jour des Comptes».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ، وَمَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالنَّقَمَاتِ فِي مُخَالَفَةِ الرُّسُلِ وَتَكْذِيبِ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَصُهُمْ مَبْسُوطَةً فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الأحْزَابُ﴾ أَيْ: كَانُوا أَكْثَرَ مِنْكُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَمَا دَافَعَ [[في ت، أ: "دفع"، وفي س: "لما دفع".]] ذَلِكَ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [[في أ: "الله".]] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ فَجَعَلَ عِلَّةَ هَلَاكِهِمْ هُوَ تَكْذِيبُهُمْ بِالرُّسُلِ فَلْيَحْذَرِ الْمُخَاطَبُونَ مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْحَذَرِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [[في أ: "وما ينظرون" وهو خطأ.]] قَالَ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَيْ لَيْسَ لَهَا مَثْنَوِيَّةٌ أَيْ: مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا أَيْ: فَقَدِ اقْتَرَبَتْ وَدَنَتْ وَأَزِفَتْ وَهَذِهِ الصَّيْحَةُ هِيَ نَفْخَةُ الْفَزَعِ الَّتِي يَأْمُرُ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ أَنْ يُطَوِّلَهَا، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فَزِعَ إِلَّا مَنِ اسْتَثْنَى [[في أ: "شاء".]] اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ هَذَا إِنْكَارٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي دُعَائِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِتَعْجِيلِ الْعَذَابِ، فَإِنَّ الْقِطَّ هُوَ الْكِتَابُ وَقِيلَ: هُوَ الْحَظُّ وَالنَّصِيبُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: سَأَلُوا تَعْجِيلَ الْعَذَابِ -زَادَ قَتَادَةُ كَمَا قَالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] وَقِيلَ: سَأَلُوا تَعْجِيلَ نَصِيبِهِمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً أَنْ يَلْقَوْا [[في أ: "يسلموا".]] ذَاكَ فِي الدُّنْيَا. وَإِنَّمَا خَرَجَ هَذَا مِنْهُمْ مَخْرَجَ الِاسْتِبْعَادِ وَالتَّكْذِيبِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: سَأَلُوا تَعْجِيلَ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ فِي الدُّنْيَا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ جَيِّدٌ، وَعَلَيْهِ يَدُورُ كَلَامُ الضَّحَّاكِ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالِاسْتِبْعَادِ قَالَ اللَّهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ آمِرًا لَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ وَمُبَشِّرًا لَهُ عَلَى صَبْرِهِ بِالْعَاقِبَةِ وَالنَّصْرِ [[في أ: "والنصرة".]] وَالظَّفَرِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ﴾ المشركون بالله من قُريش ﴿إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ يعني بالصيحة الواحدة: النفخة الأولى في الصور ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ يقول: ما لتلك الصيحة من فيقة، يعني من فتور ولا انقطاع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً) يعني: أمة محمد ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا المحاربي، عن إسماعيل بن رافع، عن يزيد بن زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ:"إنَّ الله لما فَرغَ مِنْ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ خَلَقَ الصُّورَ، فَأَعْطَاهُ إسْرَافِيلَ، فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلَى فِيهِ شَاخِص بِبَصَرِهِ إلَى العَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ". قال أبو هريرة: يا رسول الله وما الصور؟ قال:"قَرْنٌ"، قال: كيف هو؟ قال:"قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيهِ ثَلاثُ نَفَخَاتٍ: نَفْخَةُ الفَزَعِ الأولى، والثَّانِيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ القِيَامِ لِرَبّ العَالَمِينَ، يَأْمُرُ الله إسْرَافِيلَ بالنَّفْخَةِ الأولى، فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَوَاتِ وَأهْلُ الأرْضِ إلا مَنْ شَاءَ الله، وَيَأْمُرُهُ الله فَيُدِيمُهَا وَيُطَوِّلُهَا، فَلا يَفْتُرُ وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ الله ﴿مَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ . واختلف أهل التأويل في معنى قوله ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ فقال بعضهم: يعني بذلك: ما لتلك الصيحة من ارتداد ولا رجوع. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ يقول: من ترداد. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ يقول: ما لها من رجعة. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ قال: من رجوع. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ يعني الساعة ما لها من رجوع ولا ارتداد. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما لهؤلاء المشركين بعد ذلك إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ يقول: ليس لهم بعدها إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا. وقال آخرون: الصيحة في هذا الموضع: العذاب. ومعنى الكلام: ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا عذابا يهلكهم، لا إفاقة لهم منه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ قال: ما ينتظرون إلا صيحة واحدة ما لها من فواق، يا لها من صيحة لا يفيقون فيها كما يفيق الذي يغشي عليها وكما يفيق المريض تهلكهم، ليس لهم فيها إفاقة. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة ﴿مِنْ فَوَاقٍ﴾ بفتح الفاء. وقرأته عامة أهل الكوفة:" مِنْ فُوَاقٍ" بضم الفاء. واختلفت أهل العربية في معناها إذا قُرئت بفتح الفاء وضمها، فقال بعض البصريين منهم: معناها، إذا فتحت الفاء: ما لها من راحة، وإذا ضمت جعلها فُواق ناقة ما بين الحلبتين. وكان بعض الكوفيين منهم يقول: معنى الفتح والضم فيها واحد، وإنما هما لغتان مثل السَّوَاف والسُّواف، وجَمام المكوك وجُمامه، وقَصاص الشعر وقُصاصه. والصواب من القول في ذلك أنهما لغتان، وذلك أنا لم نجد أحدا من المتقدمين على اختلافهم في قراءته يفرّقون بين معنى الضمّ فيه والفتح، ولو كان مختلف المعنى باختلاف الفتح فيه والضم، لقد كانوا فرقوا بين ذلك في المعنى. فإذ كان ذلك كذلك، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب؛ وأصل ذلك من قولهم: أفاقت الناقة، فهي تفيق إفاقة، وذلك إذا ردت ما بين الرضعتين ولدها إلى الرضعة الأخرى، وذلك أن ترضع البهيمة أمها، ثم تتركها حتى ينزل شيء من اللبن، فتلك الإفاقة؛ يقال إذا اجتمع ذلك في الضرع فيقة، كما قال الأعشى: حَتَّى إذَا فِيْقَةٌ فِي ضَرْعِها اجْتَمَعَتْ ... جاءَتْ لِتُرْضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لوْ رَضَعا [[البيت في ديوان الأعشى ميمون بن قيس ص ١٣ وهو الثالث والثلاثون من قصيدة يمدح بها هوذة بن علي الحنفي. والفيقة: اللبن الذي يجتمع في الضرع بين الحلبتين. وشق الشيء: شطره، والقطعة منه، وشق النفس: ولدها، لأنه قطعة منها. ويقول: حتى إذا اجتمع اللبن في ضرعها، عادت ترضع ولدها، لو أنه حي يرضع. والضمير في ضرعها: راجع إلى راحلته المذكورة قبل. واستشهد المؤلف بالبيت على معنى قوله تعالى:"ما لها من فواق". قال أبو عبيدة (٢١٣ - ١) من فتحها قال: ما لها من راحة. ومن ضمها قال فواق، وجعلها من" فواق ناقة": ما بين الحلبتين. وقوم قالوا: هما واحد. بمنزلة جمام المكوك وجمام المكوك، وقصاص الشعر وقصاص الشعر (الأول بضم أوله، والثاني بفتحه فيهن) . أهـ. وقال الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٧٧) :" ما لها من فواق": من راحة ولا إفاقة. وأصله من الإفاقة في الرضاع، إذا ارتضعت البهيمة أمها، ثم تركتها حتى تنزل شيئا من اللبن، فتلك الإفاقة والفواق بغير همز. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال:" العيادة قدر فواق ناقة". وقرأها الحسن، وأهل المدينة، وعاصم: فواق بالفتح؛ وهي لغة جيدة عالية. وضم حمزة، ويحيي، والأعمش، والكسائي. أهـ.]] * * وقوله ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون بالله من قريش: يا ربنا عجل لنا كتبنا قبل يوم القيامة. والقطّ في كلام العرب: الصحيفة المكتوبة؛ ومنه قول الأعشى: وَلا المَلِكُ النُّعْمَانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ ... بِنِعْمَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ وَيأْفِقُ [[البيت للأعمش ميمون بن قيس (ديوان طبع القاهرة ص ٣٣) من قصيدة يمدح بها المحلق بن خنثم بن شداد بن ربيعة. وفيه"بأمته" في مكان"بنعمته". والقطوط: جمع قط بكسر القاف، وهو الصك بالجائزة، ويأفق كيضرب يفضل بعض الناس في الجوائز على بعض وهو من شواهد أبي عبيدة في (مجاز القرآن، الورقة ٢١٣\١) قال في قوله تعالى:" ربنا عجل لنا قطنا" القط: الكتاب قال الأعشى:"ولا الملك" البيت القطوط: الكتب بالجوائز يأفق يفضل ويعلو. يقال: ناقة أفقة، وفرس آفق إذا فضله على غيره.]] يعني بالقُطوط: جمع القط، وهي الكتب بالجوائز. واختلف أهل التأويل في المعنى الذي أراد هؤلاء المشركون بمسألتهم تعجيل القطّ لهم، فقال بعضهم: إنما سألوا ربهم تعجيل حظهم من العذاب الذي أعد لهم في الآخرة في الدنيا، كما قال بعضهم: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ . ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ يقول: العذاب. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ قال: سألوا الله أن يعجل لهم العذاب قبل يوم القيامة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد، في قوله ﴿لَنَا قِطَّنَا﴾ قال: عذابنا. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ قال: عذابنا. ⁕ حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أي نصيبنا حظنا من العذاب قبل يوم القيامة، قال: قد قال ذلك أبو جهل: اللهمّ إن كان ما يقول محمد حقا ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ ... الآية. وقال آخرون: بل إنما سألوا ربهم تعجيل أنصبائهم ومنازلهم من الجنة حتى يروها فيعلموا حقيقة ما يعدهم محمد ﷺ فيؤمنوا حينئذ به ويصدّقوه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ قالوا: أرنا منازلنا في الجنة حتى نتابعك. وقال آخرون: مسألتهم نصيبهم من الجنة، ولكنهم سألوا تعجيله لهم في الدنيا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ثابت الحدّاد، قال: سمعت سعيد بن جُبَير يقول في قوله ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ قال: نصيبنا من الجنة. وقال آخرون: بل سألوا ربهم تعجيل الرزق. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمر بن عليّ، قال: ثنا أشعث السجستاني، قال: ثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد في قوله ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ قال: رزقنا. وقال آخرون: سألوا أن يعجل لهم كتبهم التي قال قال الله ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ في الدنيا، لينظروا بأيمانهم يعطونها أم بشمائلهم؟ ولينظروا من أهل الجنة هم، أم من أهل النار قبل يوم القيامة استهزاء منهم بالقرآن وبوعد الله. وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن القوم سألوا ربهم تعجيل صِكاكهم بحظوظهم من الخير أو الشر الذي وعد الله عباده أن يؤتيهموها في الآخرة قبل يوم القيامة في الدنيا استهزاء بوعيد الله. وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن القطّ هو ما وصفت من الكتب بالجوائز والحظوظ، وقد أخبر الله عن هؤلاء المشركين أنهم سألوه تعجيل ذلك لهم، ثم أتبع ذلك قوله لنبيه: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ فكان معلوما بذلك أن مسألتهم ما سألوا النبي ﷺ لو لم تكن على وجه الاستهزاء منهم لم يكن بالذي يتبع الأمر بالصبر عليه، ولكن لما كان ذلك استهزاء، وكان فيه لرسول الله ﷺ أذى، أمره الله بالصبر عليه حتى يأتيه قضاؤه فيهم، ولما لم يكن في قوله ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ بيان أيّ القطوط إرادتهم، لم يكن لما توجيه ذلك إلى أنه معني به القطوط ببعض معاني الخير أو الشرّ، فلذلك قلنا إن مسألتهم كانت بما ذكرت من حظوظهم من الخير والشر.

Al-Mukhtasar (français)

Ils dirent d’un ton railleur: Ô notre Seigneur, avance donc notre part de châtiment dans le bas monde avant l’au-delà.

17

ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ

Endure ce qu'ils disent; et rappelle-toi David, Notre serviteur, doué de force [dans l'adoration] et plein de repentir [à Allah].

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَذْكُرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَنَّهُ كَانَ ذَا أَيْدٍ وَالْأَيْدُ: الْقُوَّةُ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ. قَالَ [ابْنُ عَبَّاسٍ] [[زيادة من ت، س.]] وَابْنُ زَيْدٍ وَالسُّدِّيُّ: الْأَيْدُ: الْقُوَّةُ وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٤٧] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَيْدُ: الْقُوَّةُ فِي الطَّاعَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أُعْطِيَ دَاوُدُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] قُوَّةً فِي الْعِبَادَةِ وَفِقْهًا فِي الْإِسْلَامِ، وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ وَيَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ. وَهَذَا ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى" [[صحيح البخاري برقم (١١٣١) وصحيح مسلم برقم (١١٥٩) .]] وَإِنَّهُ كَانَ أَوَّابًا، وَهُوَ الرَّجَّاعُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ وَشُئُونِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ أَيْ: إِنَّهُ تَعَالَى سَخَّرَ الْجِبَالَ تُسَبِّحُ مَعَهُ عِنْدَ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ وَآخِرِ النَّهَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سَبَأٍ: ١٠] وَكَذَلِكَ كَانَتِ الطَّيْرُ تُسَبِّحُ بِتَسْبِيحِهِ وَتُرَجِّعُ بِتَرْجِيعِهِ إِذَا مَرَّ بِهِ الطَّيْرُ وَهُوَ سَابِحٌ فِي الْهَوَاءِ فَسَمِعَهُ وَهُوَ يَتَرَنَّمُ بِقِرَاءَةِ الزَّبُورِ لَا تَسْتَطِيعُ الذَّهَابَ بَلْ تَقِفُ فِي الْهَوَاءِ وَتُسَبِّحُ مَعَهُ وَتُجِيبُهُ الْجِبَالُ الشَّامِخَاتُ تُرَجِّعُ مَعَهُ وَتُسَبِّحُ تَبَعًا لَهُ. قَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَر عَنْ عبد الكريم عن مُوسَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ [[في ت: "بإسناده".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في أ: "ابن عباس رضي الله عنهما".]] أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ ذَكَرَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يوم فَتْحِ مَكَّةَ صَلَّى الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، قَالَ [[في ت: "فقال".]] ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ لِهَذِهِ السَّاعَةِ صَلَاةً يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ [[تفسير الطبري (٢٣/٨٧) .]] ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ صَفْوَانَ عَنْ مَوْلَاهُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ [[في أ: "عن".]] نَوْفَلٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ لَا يُصَلِّي الضُّحَى قَالَ: فَأَدْخَلْتُهُ عَلَى أُمِّ هَانِئٍ فَقُلْتُ: أَخْبِرِي هَذَا مَا أَخْبَرْتِنِي بِهِ. فَقَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ فِي بَيْتِي ثُمَّ أَمَرَ بِمَاءٍ صُبَّ فِي قَصْعَةٍ ثُمَّ أَمَرَ بِثَوْبٍ فَأَخَذَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ رَشَّ نَاحِيَةَ الْبَيْتِ فَصَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، وَذَلِكَ مِنَ الضُّحَى قِيَامُهُنَّ وَرُكُوعُهُنَّ وَسُجُودُهُنَّ وَجُلُوسُهُنَّ سَوَاءٌ قَرِيبٌ بِعَضُهُنَّ مِنْ بَعْضٍ فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَقُولُ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ مَا عَرَفْتُ صَلَاةَ الضُّحَى إِلَّا الْآنَ: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ وَكُنْتُ أَقُولُ: أَيْنَ صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ وَكَانَ بَعْدُ يَقُولُ: صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ. [[تفسير الطبري (٢٣/٨٧) .]] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ أَيْ: مَحْبُوسَةً فِي الْهَوَاءِ، ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ أَيْ: مُطِيعٌ يُسَبِّحُ تَبَعًا لَهُ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَابْنِ زَيْدٍ: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ أَيْ: مُطِيعٌ. [وَقَوْلُهُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ أَيْ: جَعَلْنَا لَهُ مُلْكًا كَامِلًا مِنْ جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُلُوكُ. قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: كَانَ أَشَدَّ أَهْلِ الدُّنْيَا سُلْطَانًا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ يَحْرُسُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَرْبَعَةُ آلَافٍ. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ حَرَسُه فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا لَا تَدُورُ عَلَيْهِمُ النَّوْبَةُ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَرْبَعُونَ أَلْفًا مُشْتَمِلُونَ [[في ت، س، أ: "مشتكون".]] بِالسِّلَاحِ. وَقَدْ ذَكَرَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عِلْباء بْنُ أَحْمَرَ عَنْ عِكْرِمة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَفَرَيْنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ اسْتَعْدَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ اغْتَصَبَهُ بَقَرًا فَأَنْكَرَ الْآخَرُ، وَلَمْ يَكُنْ [[في س: "تكن".]] لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ فَأَرْجَأَ أَمْرَهُمَا فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أُمِرَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي الْمَنَامِ بِقَتْلِ الْمُدَّعِي فَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ طَلَبَهُمَا وَأَمَرَ بِقَتْلِ الْمُدَّعِي فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ عَلَامَ تَقْتُلُنِي وَقَدِ اغْتَصَبَنِي هَذَا بَقَرِي؟ فَقَالَ: إِنِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَنِي بِقَتْلِكَ فَأَنَا قَاتِلُكَ لَا مَحَالَةَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ يا نبي اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْكَ بِقَتْلِي لِأَجْلِ هَذَا الَّذِي ادَّعَيْتُ عَلَيْهِ، وَإِنِّي لَصَادِقٌ فِيمَا ادَّعَيْتُ وَلَكِنِّي كُنْتُ قَدِ اغْتَلْتُ أَبَاهُ وَقَتَلْتُهُ، وَلَمْ يَشْعُرْ بِذَلِكَ أَحَدٌ فَأَمَرَ بِهِ دَاوُدُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من س، ت، أ.]] فَقُتِلَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاشْتَدَّتْ هَيْبَتُهُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: الْفَهْمَ وَالْعَقْلَ وَالْفِطْنَةَ. وَقَالَ مَرَّةً: الْحِكْمَةَ وَالْعَدْلَ. وَقَالَ مَرَّةً: الصَّوَابَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كِتَابَ اللَّهِ وَاتِّبَاعَ مَا فِيهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ النُّبُوَّةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قَالَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي وَالشَّعْبِيُّ فَصْلُ الْخِطَابِ: الشُّهُودُ وَالْأَيْمَانُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: شَاهِدَانِ عَلَى الْمُدَّعِي أَوْ يَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي فَصَلَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ -أَوْ قَالَ: الْمُؤْمِنُونَ وَالصَّالِحُونَ-وَهُوَ قَضَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَذَا قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ إِصَابَةُ الْقَضَاءِ وَفَهْمِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: هُوَ الْفَصْلُ فِي الْكَلَامِ وَفِي الْحُكْمِ [[في ت: "في القضاء والحكم".]] وَهَذَا يَشْمَلُ هَذَا كُلَّهُ وَهُوَ الْمُرَادُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ [[في ت: "ورواه".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ النُّمَيْرِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ بِلَالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ" دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ. وَكَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَصْلُ الْخِطَابِ: "أَمَّا بَعْدُ".

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: اصبر يا محمد على ما يقول مشركو قومك لك مما تكره قيلهم لك، فإنا ممتحنوك بالمكاره امتحاننا سائر رسلنا قبلك، ثم جاعلو العلوّ والرفعة والظفر لك على من كذبك وشاقك سنتنا في الرسل الذين أرسلناهم إلى عبادنا قبلك فمنهم عبدنا أيوب وداود بن إيشا، فاذكره ذا الأيد؛ ويعني بقوله ﴿ذَا الأيْدِ﴾ ذا القوّة والبطش الشديد في ذات الله والصبر على طاعته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿دَاوُدَ ذَا الأيْدِ﴾ قال: ذا القوّة. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثني أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿ذَا الأيْدِ﴾ قالَ ذا القوّة في طاعة الله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأيْدِ﴾ قال: أعطي قوّة في العبادة، وفقها في الإسلام. وقد ذُكر لنا أن داود ﷺ كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿دَاوُدَ ذَا الأيْدِ﴾ ذا القوّة في طاعة الله. ⁕ حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿دَاوُدَ ذَا الأيْدِ﴾ قال: ذا القوّة في عبادة الله، الأيد: القوّة، وقرأ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ قال: بقوة. * * وقوله ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ يقول: إن داود رَجَّاع لما يكرهه الله إلى ما يرضيه أواب، وهو من قولهم: آب الرجل إلى أهله: إذا رجع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: رجاع عن الذنوب. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: الراجع عن الذنوب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ : أي كان مطيعا لله كثير الصلاة. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: المسبح. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: الأوّاب التوّاب الذي يئوب إلى طاعة الله ويرجع إليها، ذلك الأوّاب، قال: والأوّاب: المطيع. * * وقوله ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ يقول تعالى ذكره: إنا سخرنا الجبال يسبحن مع داود بالعشيّ، وذلك من وقت العصر إلى الليل، والإشراق، وذلك بالغداة وقت الضحى. ذُكر أن داود كان إذا سبح سبحت معه الجبال. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ يسبحن مع داود إذا سبح بالعشيّ والإشراق. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ قال: حين تُشرق الشمس وتضحى. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا محمد بن بشر، عن مسعر بن عبد الكريم، عن موسى بن أبي كثير، عن ابن عباس أنه بلغه أن أم هانئ ذكرت أن رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، صلى الضحى ثمان ركعات، فقال ابن عباس: قد ظننت أن لهذه الساعة صلاة، يقول الله: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: ثنا صدقة، قال: ثني سعيد بن أبي عَروبة، عن أبي المتوكل، عن أيوب بن صفوان، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل أن ابن عباس كان لا يصلي الضحى، قال: فأدخلته على أم هانئ، فقلت: اخبري هذا بما أخبرتني به، فقالت أم هانئ: دخل عليّ رسول الله ﷺ يوم الفتح في بيتي، فأمر بماء فصب في قصعة، ثم أمر بثوب فأخذ بيني وبينه، فاغتسل، ثم رشّ ناحية البيت فصلى ثمان ركعات، وذلك من الضحى قيامهنّ وركوعهنّ وسجودهنّ وجلوسهنّ سواء، قريب بعضهن من بعض، فخرج ابن عباس، وهو يقول: لقد قرأت ما بين اللوحين، ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ وكنت أقول: أين صلاة الإشراق، ثم قال: بعد هنّ صلاة الإشراق. ⁕ حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن متوكل، عن أيوب بن صفوان، مولى عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن الحارث،"أن أم هانئ ابنة أبي طالب، حَدثت أن رسول الله ﷺ يوم الفتح دخل عليها ثم ذكر نحوه". وعن ابن عباس في قوله ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ﴾ مثل ذلك. * * وقوله ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ يقول تعالى ذكره: وسخرنا الطير يسبحن معه محشورة بمعنى: مجموعة له؛ ذكر أنه ﷺ كان إذا سبح أجابته الجبال، واجتمعت إليه الطير، فسبحت معه واجتماعها إليه كان حشرها. وقد ذكرنا أقوال أهل التأويل في معنى الحشر فيما مضى، فكرهنا إعادته. وكان قتادة يقول في ذلك في هذا الموضع ما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ : مسخَّرة. * * وقوله ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ يقول: كل ذلك له مطيع رجَّاع إلى طاعته وأمره. ويعني بالكلّ: كلّ الطير. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ : أي مطيع. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ قال: كل له مطيع. وقال آخرون: معنى ذلك: كل ذلك لله مسبِّح. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ يقول: مسبِّح لله. * * وقوله ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ اختلف أهل التأويل في المعنى الذي به شدّد ملكه، فقال بعضهم: شدّد ذلك بالجنود والرجال، فكان يحرسه كل يوم وليلة أربعة آلاف، أربعة آلاف. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ قال: كان يحرسه كلّ يوم وليلة أربعة آلاف، أربعة آلاف. وقال آخرون: كان الذي شدد به ملكه، أن أعطي هيبة من الناس له لقضية كان قضاها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني ابن حرب، قال: ثنا موسى، قال: ثنا داود، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم، فاجتمعا عند داود النبيّ ﷺ فقال المستعدي: إن هذا اغتصبني بقرًا لي، فسأل داود الرجل عن ذلك فجحده، فسأل الآخر البيِّنة، فلم يكن له بيِّنة، فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في أمركما؛ فقاما من عنده، فأوحى الله إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي استعدي عليه، فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأوحى الله إلى داود في منامه مرة أخرى أن يقتل الرجل، وأوحى الله إليه الثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل: إن الله قد أوحى إلي أن أقتلك، فقال الرجل: تقتلني بغير بينة ولا تثبت؟! فقال له داود: نعم، والله لأنفذنّ أمر الله فيك؛ فلما عرف الرجل أنه قاتله، قال: لا تعجل عليّ حتى أخبرك، إني والله ما أُخِذت بهذا الذنب، ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته، فبذلك قُتلت، فأمر به داود فقُتل، فاشتدت هيبة بني إسرائيل عند ذلك لداود، وشدد به مُلْكه، فهو قول الله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تبارك تعالى أخبر أنه شَدَّد ملك داود، ولم يحضر ذلك من تشديده على التشديد بالرجال والجنود دون الهيبة من الناس له ولا على هيبة الناس له دون الجنود. وجائز أن يكون تشديده ذلك كان ببعض ما ذكرنا، وجائز أن يكون كان بجميعها، ولا قول أولى في ذلك بالصحة من قول الله، إذ لم يحر ذلك على بعض معاني التشديد خبر يجب التسليم له. * * وقوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى الحكمة في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني بها النبوة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط عن السديّ، قوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قال: النبوّة. وقال آخرون: عنى بها أنه علم السنن. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ : أي السنة. وقد بينا معنى الحكمة في غير هذا الموضع بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. * * وقوله ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: عني به أنه علم القضاء والفهم به. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾ قال: أعطي الفهم. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: إصابة القضاء وفهمه. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: علم القضاء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: الخصومات التي يخاصم الناس إليه فصل ذلك الخطاب، الكلام الفهم، وإصابة القضاء والبيِّنات. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، قال: سمعت أبا عبد الرحمن يقول: فصل الخطاب: القضاء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وفصل الخطاب، بتكليف المدّعي البينة، واليمين على المدعى عليه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، قال: ثني الشعبيّ أو غيره، عن شريح أنه قال في قوله ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: بيِّنة المدَّعي، أو يمين المُدَّعى عليه. ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَية، عن داود بن أبي هند، في قوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: نُبِّئْت عن شريح أنه قال: شاهدان أو يمين. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمر، قال: سمعت داود قال: بلغني أن شريحا قال ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ الشاهدان على المدعي، واليمين على من أنكر. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن طاوس، أن شريحا قال لرجل: إن هذا يعيب عليّ ما أُعْطِيَ داود، الشهود والأيمان. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن شريح أنه قال في هذه الآية ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: الشهود والأيمان. ⁕ حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا داود، عن الشعبي، في قوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: يمين أوْ شَاهِدٌ. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ البينة على الطالب، واليمين على المطلوب، هذا فصل الخطاب. وقال آخرون: بل هو قولُ: أما بعد. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا إسماعيل، عن الشعبي في قوله ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: قول الرجل: أما بعد. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه آتى داود صلوات الله عليه فصل الخطاب، والفصل: هو القطع، والخطاب هو المخاطبة، ومن قطع مخاطبة الرجل الرجل في حال احتكام أحدهما إلى صاحبه قطع المحتكم إليه الحكم بين المحتكم إليه وخصمه بصواب من الحكم، ومن قطع مخاطبته أيضا صاحبه إلزام المخاطب في الحكم ما يجب عليه إن كان مدعيا، فإقامة البينة على دعواه وإن كان مدعى عليه فتكليفه اليمين إن طلب ذلك خصمه. ومن قطع الخطاب أيضا الذي هو خطبة عند انقضاء قصة وابتداء في أخرى الفصل بينهما بأما بعد. فإذ كان ذلك كله محتملا ظاهر الخبر ولم تكن في هذه الآية دلالة على أي ذلك المراد، ولا ورد به خبر عن الرسول ﷺ ثابت، فالصواب أن يعم الخبر، كما عمه الله، فيقال: أوتي داود فصل الخطاب في القضاء والمحاورة والخطب.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, endure les paroles désagréables que profèrent ces dénégateurs et rappelle-toi Notre serviteur David doué d’une grande force qui lui permettait de combattre ses ennemis et d’être endurant dans son obéissance à Allah. Il se repentait souvent à Allah et œuvrait de manière à mériter Son agrément.

18

إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلْجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِشْرَاقِ

Nous soumîmes les montagnes à glorifier Allah, soir et matin, en sa compagnie,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَذْكُرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَنَّهُ كَانَ ذَا أَيْدٍ وَالْأَيْدُ: الْقُوَّةُ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ. قَالَ [ابْنُ عَبَّاسٍ] [[زيادة من ت، س.]] وَابْنُ زَيْدٍ وَالسُّدِّيُّ: الْأَيْدُ: الْقُوَّةُ وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٤٧] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَيْدُ: الْقُوَّةُ فِي الطَّاعَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أُعْطِيَ دَاوُدُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] قُوَّةً فِي الْعِبَادَةِ وَفِقْهًا فِي الْإِسْلَامِ، وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ وَيَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ. وَهَذَا ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى" [[صحيح البخاري برقم (١١٣١) وصحيح مسلم برقم (١١٥٩) .]] وَإِنَّهُ كَانَ أَوَّابًا، وَهُوَ الرَّجَّاعُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ وَشُئُونِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ أَيْ: إِنَّهُ تَعَالَى سَخَّرَ الْجِبَالَ تُسَبِّحُ مَعَهُ عِنْدَ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ وَآخِرِ النَّهَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سَبَأٍ: ١٠] وَكَذَلِكَ كَانَتِ الطَّيْرُ تُسَبِّحُ بِتَسْبِيحِهِ وَتُرَجِّعُ بِتَرْجِيعِهِ إِذَا مَرَّ بِهِ الطَّيْرُ وَهُوَ سَابِحٌ فِي الْهَوَاءِ فَسَمِعَهُ وَهُوَ يَتَرَنَّمُ بِقِرَاءَةِ الزَّبُورِ لَا تَسْتَطِيعُ الذَّهَابَ بَلْ تَقِفُ فِي الْهَوَاءِ وَتُسَبِّحُ مَعَهُ وَتُجِيبُهُ الْجِبَالُ الشَّامِخَاتُ تُرَجِّعُ مَعَهُ وَتُسَبِّحُ تَبَعًا لَهُ. قَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَر عَنْ عبد الكريم عن مُوسَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ [[في ت: "بإسناده".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في أ: "ابن عباس رضي الله عنهما".]] أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ ذَكَرَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يوم فَتْحِ مَكَّةَ صَلَّى الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، قَالَ [[في ت: "فقال".]] ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ لِهَذِهِ السَّاعَةِ صَلَاةً يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ [[تفسير الطبري (٢٣/٨٧) .]] ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ صَفْوَانَ عَنْ مَوْلَاهُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ [[في أ: "عن".]] نَوْفَلٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ لَا يُصَلِّي الضُّحَى قَالَ: فَأَدْخَلْتُهُ عَلَى أُمِّ هَانِئٍ فَقُلْتُ: أَخْبِرِي هَذَا مَا أَخْبَرْتِنِي بِهِ. فَقَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ فِي بَيْتِي ثُمَّ أَمَرَ بِمَاءٍ صُبَّ فِي قَصْعَةٍ ثُمَّ أَمَرَ بِثَوْبٍ فَأَخَذَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ رَشَّ نَاحِيَةَ الْبَيْتِ فَصَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، وَذَلِكَ مِنَ الضُّحَى قِيَامُهُنَّ وَرُكُوعُهُنَّ وَسُجُودُهُنَّ وَجُلُوسُهُنَّ سَوَاءٌ قَرِيبٌ بِعَضُهُنَّ مِنْ بَعْضٍ فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَقُولُ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ مَا عَرَفْتُ صَلَاةَ الضُّحَى إِلَّا الْآنَ: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ وَكُنْتُ أَقُولُ: أَيْنَ صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ وَكَانَ بَعْدُ يَقُولُ: صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ. [[تفسير الطبري (٢٣/٨٧) .]] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ أَيْ: مَحْبُوسَةً فِي الْهَوَاءِ، ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ أَيْ: مُطِيعٌ يُسَبِّحُ تَبَعًا لَهُ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَابْنِ زَيْدٍ: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ أَيْ: مُطِيعٌ. [وَقَوْلُهُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ أَيْ: جَعَلْنَا لَهُ مُلْكًا كَامِلًا مِنْ جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُلُوكُ. قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: كَانَ أَشَدَّ أَهْلِ الدُّنْيَا سُلْطَانًا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ يَحْرُسُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَرْبَعَةُ آلَافٍ. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ حَرَسُه فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا لَا تَدُورُ عَلَيْهِمُ النَّوْبَةُ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَرْبَعُونَ أَلْفًا مُشْتَمِلُونَ [[في ت، س، أ: "مشتكون".]] بِالسِّلَاحِ. وَقَدْ ذَكَرَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عِلْباء بْنُ أَحْمَرَ عَنْ عِكْرِمة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَفَرَيْنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ اسْتَعْدَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ اغْتَصَبَهُ بَقَرًا فَأَنْكَرَ الْآخَرُ، وَلَمْ يَكُنْ [[في س: "تكن".]] لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ فَأَرْجَأَ أَمْرَهُمَا فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أُمِرَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي الْمَنَامِ بِقَتْلِ الْمُدَّعِي فَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ طَلَبَهُمَا وَأَمَرَ بِقَتْلِ الْمُدَّعِي فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ عَلَامَ تَقْتُلُنِي وَقَدِ اغْتَصَبَنِي هَذَا بَقَرِي؟ فَقَالَ: إِنِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَنِي بِقَتْلِكَ فَأَنَا قَاتِلُكَ لَا مَحَالَةَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ يا نبي اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْكَ بِقَتْلِي لِأَجْلِ هَذَا الَّذِي ادَّعَيْتُ عَلَيْهِ، وَإِنِّي لَصَادِقٌ فِيمَا ادَّعَيْتُ وَلَكِنِّي كُنْتُ قَدِ اغْتَلْتُ أَبَاهُ وَقَتَلْتُهُ، وَلَمْ يَشْعُرْ بِذَلِكَ أَحَدٌ فَأَمَرَ بِهِ دَاوُدُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من س، ت، أ.]] فَقُتِلَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاشْتَدَّتْ هَيْبَتُهُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: الْفَهْمَ وَالْعَقْلَ وَالْفِطْنَةَ. وَقَالَ مَرَّةً: الْحِكْمَةَ وَالْعَدْلَ. وَقَالَ مَرَّةً: الصَّوَابَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كِتَابَ اللَّهِ وَاتِّبَاعَ مَا فِيهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ النُّبُوَّةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قَالَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي وَالشَّعْبِيُّ فَصْلُ الْخِطَابِ: الشُّهُودُ وَالْأَيْمَانُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: شَاهِدَانِ عَلَى الْمُدَّعِي أَوْ يَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي فَصَلَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ -أَوْ قَالَ: الْمُؤْمِنُونَ وَالصَّالِحُونَ-وَهُوَ قَضَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَذَا قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ إِصَابَةُ الْقَضَاءِ وَفَهْمِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: هُوَ الْفَصْلُ فِي الْكَلَامِ وَفِي الْحُكْمِ [[في ت: "في القضاء والحكم".]] وَهَذَا يَشْمَلُ هَذَا كُلَّهُ وَهُوَ الْمُرَادُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ [[في ت: "ورواه".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ النُّمَيْرِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ بِلَالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ" دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ. وَكَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَصْلُ الْخِطَابِ: "أَمَّا بَعْدُ".

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: اصبر يا محمد على ما يقول مشركو قومك لك مما تكره قيلهم لك، فإنا ممتحنوك بالمكاره امتحاننا سائر رسلنا قبلك، ثم جاعلو العلوّ والرفعة والظفر لك على من كذبك وشاقك سنتنا في الرسل الذين أرسلناهم إلى عبادنا قبلك فمنهم عبدنا أيوب وداود بن إيشا، فاذكره ذا الأيد؛ ويعني بقوله ﴿ذَا الأيْدِ﴾ ذا القوّة والبطش الشديد في ذات الله والصبر على طاعته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿دَاوُدَ ذَا الأيْدِ﴾ قال: ذا القوّة. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثني أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿ذَا الأيْدِ﴾ قالَ ذا القوّة في طاعة الله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأيْدِ﴾ قال: أعطي قوّة في العبادة، وفقها في الإسلام. وقد ذُكر لنا أن داود ﷺ كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿دَاوُدَ ذَا الأيْدِ﴾ ذا القوّة في طاعة الله. ⁕ حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿دَاوُدَ ذَا الأيْدِ﴾ قال: ذا القوّة في عبادة الله، الأيد: القوّة، وقرأ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ قال: بقوة. * * وقوله ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ يقول: إن داود رَجَّاع لما يكرهه الله إلى ما يرضيه أواب، وهو من قولهم: آب الرجل إلى أهله: إذا رجع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: رجاع عن الذنوب. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: الراجع عن الذنوب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ : أي كان مطيعا لله كثير الصلاة. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: المسبح. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: الأوّاب التوّاب الذي يئوب إلى طاعة الله ويرجع إليها، ذلك الأوّاب، قال: والأوّاب: المطيع. * * وقوله ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ يقول تعالى ذكره: إنا سخرنا الجبال يسبحن مع داود بالعشيّ، وذلك من وقت العصر إلى الليل، والإشراق، وذلك بالغداة وقت الضحى. ذُكر أن داود كان إذا سبح سبحت معه الجبال. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ يسبحن مع داود إذا سبح بالعشيّ والإشراق. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ قال: حين تُشرق الشمس وتضحى. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا محمد بن بشر، عن مسعر بن عبد الكريم، عن موسى بن أبي كثير، عن ابن عباس أنه بلغه أن أم هانئ ذكرت أن رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، صلى الضحى ثمان ركعات، فقال ابن عباس: قد ظننت أن لهذه الساعة صلاة، يقول الله: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: ثنا صدقة، قال: ثني سعيد بن أبي عَروبة، عن أبي المتوكل، عن أيوب بن صفوان، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل أن ابن عباس كان لا يصلي الضحى، قال: فأدخلته على أم هانئ، فقلت: اخبري هذا بما أخبرتني به، فقالت أم هانئ: دخل عليّ رسول الله ﷺ يوم الفتح في بيتي، فأمر بماء فصب في قصعة، ثم أمر بثوب فأخذ بيني وبينه، فاغتسل، ثم رشّ ناحية البيت فصلى ثمان ركعات، وذلك من الضحى قيامهنّ وركوعهنّ وسجودهنّ وجلوسهنّ سواء، قريب بعضهن من بعض، فخرج ابن عباس، وهو يقول: لقد قرأت ما بين اللوحين، ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ وكنت أقول: أين صلاة الإشراق، ثم قال: بعد هنّ صلاة الإشراق. ⁕ حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن متوكل، عن أيوب بن صفوان، مولى عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن الحارث،"أن أم هانئ ابنة أبي طالب، حَدثت أن رسول الله ﷺ يوم الفتح دخل عليها ثم ذكر نحوه". وعن ابن عباس في قوله ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ﴾ مثل ذلك. * * وقوله ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ يقول تعالى ذكره: وسخرنا الطير يسبحن معه محشورة بمعنى: مجموعة له؛ ذكر أنه ﷺ كان إذا سبح أجابته الجبال، واجتمعت إليه الطير، فسبحت معه واجتماعها إليه كان حشرها. وقد ذكرنا أقوال أهل التأويل في معنى الحشر فيما مضى، فكرهنا إعادته. وكان قتادة يقول في ذلك في هذا الموضع ما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ : مسخَّرة. * * وقوله ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ يقول: كل ذلك له مطيع رجَّاع إلى طاعته وأمره. ويعني بالكلّ: كلّ الطير. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ : أي مطيع. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ قال: كل له مطيع. وقال آخرون: معنى ذلك: كل ذلك لله مسبِّح. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ يقول: مسبِّح لله. * * وقوله ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ اختلف أهل التأويل في المعنى الذي به شدّد ملكه، فقال بعضهم: شدّد ذلك بالجنود والرجال، فكان يحرسه كل يوم وليلة أربعة آلاف، أربعة آلاف. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ قال: كان يحرسه كلّ يوم وليلة أربعة آلاف، أربعة آلاف. وقال آخرون: كان الذي شدد به ملكه، أن أعطي هيبة من الناس له لقضية كان قضاها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني ابن حرب، قال: ثنا موسى، قال: ثنا داود، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم، فاجتمعا عند داود النبيّ ﷺ فقال المستعدي: إن هذا اغتصبني بقرًا لي، فسأل داود الرجل عن ذلك فجحده، فسأل الآخر البيِّنة، فلم يكن له بيِّنة، فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في أمركما؛ فقاما من عنده، فأوحى الله إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي استعدي عليه، فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأوحى الله إلى داود في منامه مرة أخرى أن يقتل الرجل، وأوحى الله إليه الثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل: إن الله قد أوحى إلي أن أقتلك، فقال الرجل: تقتلني بغير بينة ولا تثبت؟! فقال له داود: نعم، والله لأنفذنّ أمر الله فيك؛ فلما عرف الرجل أنه قاتله، قال: لا تعجل عليّ حتى أخبرك، إني والله ما أُخِذت بهذا الذنب، ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته، فبذلك قُتلت، فأمر به داود فقُتل، فاشتدت هيبة بني إسرائيل عند ذلك لداود، وشدد به مُلْكه، فهو قول الله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تبارك تعالى أخبر أنه شَدَّد ملك داود، ولم يحضر ذلك من تشديده على التشديد بالرجال والجنود دون الهيبة من الناس له ولا على هيبة الناس له دون الجنود. وجائز أن يكون تشديده ذلك كان ببعض ما ذكرنا، وجائز أن يكون كان بجميعها، ولا قول أولى في ذلك بالصحة من قول الله، إذ لم يحر ذلك على بعض معاني التشديد خبر يجب التسليم له. * * وقوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى الحكمة في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني بها النبوة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط عن السديّ، قوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قال: النبوّة. وقال آخرون: عنى بها أنه علم السنن. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ : أي السنة. وقد بينا معنى الحكمة في غير هذا الموضع بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. * * وقوله ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: عني به أنه علم القضاء والفهم به. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾ قال: أعطي الفهم. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: إصابة القضاء وفهمه. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: علم القضاء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: الخصومات التي يخاصم الناس إليه فصل ذلك الخطاب، الكلام الفهم، وإصابة القضاء والبيِّنات. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، قال: سمعت أبا عبد الرحمن يقول: فصل الخطاب: القضاء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وفصل الخطاب، بتكليف المدّعي البينة، واليمين على المدعى عليه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، قال: ثني الشعبيّ أو غيره، عن شريح أنه قال في قوله ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: بيِّنة المدَّعي، أو يمين المُدَّعى عليه. ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَية، عن داود بن أبي هند، في قوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: نُبِّئْت عن شريح أنه قال: شاهدان أو يمين. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمر، قال: سمعت داود قال: بلغني أن شريحا قال ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ الشاهدان على المدعي، واليمين على من أنكر. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن طاوس، أن شريحا قال لرجل: إن هذا يعيب عليّ ما أُعْطِيَ داود، الشهود والأيمان. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن شريح أنه قال في هذه الآية ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: الشهود والأيمان. ⁕ حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا داود، عن الشعبي، في قوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: يمين أوْ شَاهِدٌ. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ البينة على الطالب، واليمين على المطلوب، هذا فصل الخطاب. وقال آخرون: بل هو قولُ: أما بعد. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا إسماعيل، عن الشعبي في قوله ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: قول الرجل: أما بعد. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه آتى داود صلوات الله عليه فصل الخطاب، والفصل: هو القطع، والخطاب هو المخاطبة، ومن قطع مخاطبة الرجل الرجل في حال احتكام أحدهما إلى صاحبه قطع المحتكم إليه الحكم بين المحتكم إليه وخصمه بصواب من الحكم، ومن قطع مخاطبته أيضا صاحبه إلزام المخاطب في الحكم ما يجب عليه إن كان مدعيا، فإقامة البينة على دعواه وإن كان مدعى عليه فتكليفه اليمين إن طلب ذلك خصمه. ومن قطع الخطاب أيضا الذي هو خطبة عند انقضاء قصة وابتداء في أخرى الفصل بينهما بأما بعد. فإذ كان ذلك كله محتملا ظاهر الخبر ولم تكن في هذه الآية دلالة على أي ذلك المراد، ولا ورد به خبر عن الرسول ﷺ ثابت، فالصواب أن يعم الخبر، كما عمه الله، فيقال: أوتي داود فصل الخطاب في القضاء والمحاورة والخطب.

Al-Mukhtasar (français)

Nous avons assujetti les montagnes afin qu’elles glorifient Allah de concert avec David en début et en fin de journée.

19

وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةًۭ ۖ كُلٌّۭ لَّهُۥٓ أَوَّابٌۭ

de même que les oiseaux assemblés en masse, tous ne faisant qu'obéir à lui [Allah].

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَذْكُرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَنَّهُ كَانَ ذَا أَيْدٍ وَالْأَيْدُ: الْقُوَّةُ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ. قَالَ [ابْنُ عَبَّاسٍ] [[زيادة من ت، س.]] وَابْنُ زَيْدٍ وَالسُّدِّيُّ: الْأَيْدُ: الْقُوَّةُ وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٤٧] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَيْدُ: الْقُوَّةُ فِي الطَّاعَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أُعْطِيَ دَاوُدُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] قُوَّةً فِي الْعِبَادَةِ وَفِقْهًا فِي الْإِسْلَامِ، وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ وَيَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ. وَهَذَا ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى" [[صحيح البخاري برقم (١١٣١) وصحيح مسلم برقم (١١٥٩) .]] وَإِنَّهُ كَانَ أَوَّابًا، وَهُوَ الرَّجَّاعُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ وَشُئُونِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ أَيْ: إِنَّهُ تَعَالَى سَخَّرَ الْجِبَالَ تُسَبِّحُ مَعَهُ عِنْدَ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ وَآخِرِ النَّهَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سَبَأٍ: ١٠] وَكَذَلِكَ كَانَتِ الطَّيْرُ تُسَبِّحُ بِتَسْبِيحِهِ وَتُرَجِّعُ بِتَرْجِيعِهِ إِذَا مَرَّ بِهِ الطَّيْرُ وَهُوَ سَابِحٌ فِي الْهَوَاءِ فَسَمِعَهُ وَهُوَ يَتَرَنَّمُ بِقِرَاءَةِ الزَّبُورِ لَا تَسْتَطِيعُ الذَّهَابَ بَلْ تَقِفُ فِي الْهَوَاءِ وَتُسَبِّحُ مَعَهُ وَتُجِيبُهُ الْجِبَالُ الشَّامِخَاتُ تُرَجِّعُ مَعَهُ وَتُسَبِّحُ تَبَعًا لَهُ. قَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَر عَنْ عبد الكريم عن مُوسَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ [[في ت: "بإسناده".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في أ: "ابن عباس رضي الله عنهما".]] أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ ذَكَرَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يوم فَتْحِ مَكَّةَ صَلَّى الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، قَالَ [[في ت: "فقال".]] ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ لِهَذِهِ السَّاعَةِ صَلَاةً يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ [[تفسير الطبري (٢٣/٨٧) .]] ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ صَفْوَانَ عَنْ مَوْلَاهُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ [[في أ: "عن".]] نَوْفَلٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ لَا يُصَلِّي الضُّحَى قَالَ: فَأَدْخَلْتُهُ عَلَى أُمِّ هَانِئٍ فَقُلْتُ: أَخْبِرِي هَذَا مَا أَخْبَرْتِنِي بِهِ. فَقَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ فِي بَيْتِي ثُمَّ أَمَرَ بِمَاءٍ صُبَّ فِي قَصْعَةٍ ثُمَّ أَمَرَ بِثَوْبٍ فَأَخَذَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ رَشَّ نَاحِيَةَ الْبَيْتِ فَصَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، وَذَلِكَ مِنَ الضُّحَى قِيَامُهُنَّ وَرُكُوعُهُنَّ وَسُجُودُهُنَّ وَجُلُوسُهُنَّ سَوَاءٌ قَرِيبٌ بِعَضُهُنَّ مِنْ بَعْضٍ فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَقُولُ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ مَا عَرَفْتُ صَلَاةَ الضُّحَى إِلَّا الْآنَ: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ وَكُنْتُ أَقُولُ: أَيْنَ صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ وَكَانَ بَعْدُ يَقُولُ: صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ. [[تفسير الطبري (٢٣/٨٧) .]] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ أَيْ: مَحْبُوسَةً فِي الْهَوَاءِ، ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ أَيْ: مُطِيعٌ يُسَبِّحُ تَبَعًا لَهُ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَابْنِ زَيْدٍ: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ أَيْ: مُطِيعٌ. [وَقَوْلُهُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ أَيْ: جَعَلْنَا لَهُ مُلْكًا كَامِلًا مِنْ جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُلُوكُ. قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: كَانَ أَشَدَّ أَهْلِ الدُّنْيَا سُلْطَانًا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ يَحْرُسُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَرْبَعَةُ آلَافٍ. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ حَرَسُه فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا لَا تَدُورُ عَلَيْهِمُ النَّوْبَةُ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَرْبَعُونَ أَلْفًا مُشْتَمِلُونَ [[في ت، س، أ: "مشتكون".]] بِالسِّلَاحِ. وَقَدْ ذَكَرَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عِلْباء بْنُ أَحْمَرَ عَنْ عِكْرِمة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَفَرَيْنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ اسْتَعْدَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ اغْتَصَبَهُ بَقَرًا فَأَنْكَرَ الْآخَرُ، وَلَمْ يَكُنْ [[في س: "تكن".]] لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ فَأَرْجَأَ أَمْرَهُمَا فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أُمِرَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي الْمَنَامِ بِقَتْلِ الْمُدَّعِي فَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ طَلَبَهُمَا وَأَمَرَ بِقَتْلِ الْمُدَّعِي فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ عَلَامَ تَقْتُلُنِي وَقَدِ اغْتَصَبَنِي هَذَا بَقَرِي؟ فَقَالَ: إِنِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَنِي بِقَتْلِكَ فَأَنَا قَاتِلُكَ لَا مَحَالَةَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ يا نبي اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْكَ بِقَتْلِي لِأَجْلِ هَذَا الَّذِي ادَّعَيْتُ عَلَيْهِ، وَإِنِّي لَصَادِقٌ فِيمَا ادَّعَيْتُ وَلَكِنِّي كُنْتُ قَدِ اغْتَلْتُ أَبَاهُ وَقَتَلْتُهُ، وَلَمْ يَشْعُرْ بِذَلِكَ أَحَدٌ فَأَمَرَ بِهِ دَاوُدُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من س، ت، أ.]] فَقُتِلَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاشْتَدَّتْ هَيْبَتُهُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: الْفَهْمَ وَالْعَقْلَ وَالْفِطْنَةَ. وَقَالَ مَرَّةً: الْحِكْمَةَ وَالْعَدْلَ. وَقَالَ مَرَّةً: الصَّوَابَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كِتَابَ اللَّهِ وَاتِّبَاعَ مَا فِيهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ النُّبُوَّةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قَالَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي وَالشَّعْبِيُّ فَصْلُ الْخِطَابِ: الشُّهُودُ وَالْأَيْمَانُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: شَاهِدَانِ عَلَى الْمُدَّعِي أَوْ يَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي فَصَلَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ -أَوْ قَالَ: الْمُؤْمِنُونَ وَالصَّالِحُونَ-وَهُوَ قَضَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَذَا قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ إِصَابَةُ الْقَضَاءِ وَفَهْمِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: هُوَ الْفَصْلُ فِي الْكَلَامِ وَفِي الْحُكْمِ [[في ت: "في القضاء والحكم".]] وَهَذَا يَشْمَلُ هَذَا كُلَّهُ وَهُوَ الْمُرَادُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ [[في ت: "ورواه".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ النُّمَيْرِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ بِلَالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ" دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ. وَكَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَصْلُ الْخِطَابِ: "أَمَّا بَعْدُ".

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: اصبر يا محمد على ما يقول مشركو قومك لك مما تكره قيلهم لك، فإنا ممتحنوك بالمكاره امتحاننا سائر رسلنا قبلك، ثم جاعلو العلوّ والرفعة والظفر لك على من كذبك وشاقك سنتنا في الرسل الذين أرسلناهم إلى عبادنا قبلك فمنهم عبدنا أيوب وداود بن إيشا، فاذكره ذا الأيد؛ ويعني بقوله ﴿ذَا الأيْدِ﴾ ذا القوّة والبطش الشديد في ذات الله والصبر على طاعته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿دَاوُدَ ذَا الأيْدِ﴾ قال: ذا القوّة. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثني أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿ذَا الأيْدِ﴾ قالَ ذا القوّة في طاعة الله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأيْدِ﴾ قال: أعطي قوّة في العبادة، وفقها في الإسلام. وقد ذُكر لنا أن داود ﷺ كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿دَاوُدَ ذَا الأيْدِ﴾ ذا القوّة في طاعة الله. ⁕ حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿دَاوُدَ ذَا الأيْدِ﴾ قال: ذا القوّة في عبادة الله، الأيد: القوّة، وقرأ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ قال: بقوة. * * وقوله ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ يقول: إن داود رَجَّاع لما يكرهه الله إلى ما يرضيه أواب، وهو من قولهم: آب الرجل إلى أهله: إذا رجع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: رجاع عن الذنوب. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: الراجع عن الذنوب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ : أي كان مطيعا لله كثير الصلاة. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: المسبح. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: الأوّاب التوّاب الذي يئوب إلى طاعة الله ويرجع إليها، ذلك الأوّاب، قال: والأوّاب: المطيع. * * وقوله ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ يقول تعالى ذكره: إنا سخرنا الجبال يسبحن مع داود بالعشيّ، وذلك من وقت العصر إلى الليل، والإشراق، وذلك بالغداة وقت الضحى. ذُكر أن داود كان إذا سبح سبحت معه الجبال. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ يسبحن مع داود إذا سبح بالعشيّ والإشراق. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ قال: حين تُشرق الشمس وتضحى. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا محمد بن بشر، عن مسعر بن عبد الكريم، عن موسى بن أبي كثير، عن ابن عباس أنه بلغه أن أم هانئ ذكرت أن رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، صلى الضحى ثمان ركعات، فقال ابن عباس: قد ظننت أن لهذه الساعة صلاة، يقول الله: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: ثنا صدقة، قال: ثني سعيد بن أبي عَروبة، عن أبي المتوكل، عن أيوب بن صفوان، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل أن ابن عباس كان لا يصلي الضحى، قال: فأدخلته على أم هانئ، فقلت: اخبري هذا بما أخبرتني به، فقالت أم هانئ: دخل عليّ رسول الله ﷺ يوم الفتح في بيتي، فأمر بماء فصب في قصعة، ثم أمر بثوب فأخذ بيني وبينه، فاغتسل، ثم رشّ ناحية البيت فصلى ثمان ركعات، وذلك من الضحى قيامهنّ وركوعهنّ وسجودهنّ وجلوسهنّ سواء، قريب بعضهن من بعض، فخرج ابن عباس، وهو يقول: لقد قرأت ما بين اللوحين، ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ وكنت أقول: أين صلاة الإشراق، ثم قال: بعد هنّ صلاة الإشراق. ⁕ حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن متوكل، عن أيوب بن صفوان، مولى عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن الحارث،"أن أم هانئ ابنة أبي طالب، حَدثت أن رسول الله ﷺ يوم الفتح دخل عليها ثم ذكر نحوه". وعن ابن عباس في قوله ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ﴾ مثل ذلك. * * وقوله ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ يقول تعالى ذكره: وسخرنا الطير يسبحن معه محشورة بمعنى: مجموعة له؛ ذكر أنه ﷺ كان إذا سبح أجابته الجبال، واجتمعت إليه الطير، فسبحت معه واجتماعها إليه كان حشرها. وقد ذكرنا أقوال أهل التأويل في معنى الحشر فيما مضى، فكرهنا إعادته. وكان قتادة يقول في ذلك في هذا الموضع ما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ : مسخَّرة. * * وقوله ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ يقول: كل ذلك له مطيع رجَّاع إلى طاعته وأمره. ويعني بالكلّ: كلّ الطير. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ : أي مطيع. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ قال: كل له مطيع. وقال آخرون: معنى ذلك: كل ذلك لله مسبِّح. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ يقول: مسبِّح لله. * * وقوله ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ اختلف أهل التأويل في المعنى الذي به شدّد ملكه، فقال بعضهم: شدّد ذلك بالجنود والرجال، فكان يحرسه كل يوم وليلة أربعة آلاف، أربعة آلاف. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ قال: كان يحرسه كلّ يوم وليلة أربعة آلاف، أربعة آلاف. وقال آخرون: كان الذي شدد به ملكه، أن أعطي هيبة من الناس له لقضية كان قضاها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني ابن حرب، قال: ثنا موسى، قال: ثنا داود، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم، فاجتمعا عند داود النبيّ ﷺ فقال المستعدي: إن هذا اغتصبني بقرًا لي، فسأل داود الرجل عن ذلك فجحده، فسأل الآخر البيِّنة، فلم يكن له بيِّنة، فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في أمركما؛ فقاما من عنده، فأوحى الله إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي استعدي عليه، فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأوحى الله إلى داود في منامه مرة أخرى أن يقتل الرجل، وأوحى الله إليه الثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل: إن الله قد أوحى إلي أن أقتلك، فقال الرجل: تقتلني بغير بينة ولا تثبت؟! فقال له داود: نعم، والله لأنفذنّ أمر الله فيك؛ فلما عرف الرجل أنه قاتله، قال: لا تعجل عليّ حتى أخبرك، إني والله ما أُخِذت بهذا الذنب، ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته، فبذلك قُتلت، فأمر به داود فقُتل، فاشتدت هيبة بني إسرائيل عند ذلك لداود، وشدد به مُلْكه، فهو قول الله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تبارك تعالى أخبر أنه شَدَّد ملك داود، ولم يحضر ذلك من تشديده على التشديد بالرجال والجنود دون الهيبة من الناس له ولا على هيبة الناس له دون الجنود. وجائز أن يكون تشديده ذلك كان ببعض ما ذكرنا، وجائز أن يكون كان بجميعها، ولا قول أولى في ذلك بالصحة من قول الله، إذ لم يحر ذلك على بعض معاني التشديد خبر يجب التسليم له. * * وقوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى الحكمة في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني بها النبوة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط عن السديّ، قوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قال: النبوّة. وقال آخرون: عنى بها أنه علم السنن. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ : أي السنة. وقد بينا معنى الحكمة في غير هذا الموضع بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. * * وقوله ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: عني به أنه علم القضاء والفهم به. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾ قال: أعطي الفهم. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: إصابة القضاء وفهمه. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: علم القضاء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: الخصومات التي يخاصم الناس إليه فصل ذلك الخطاب، الكلام الفهم، وإصابة القضاء والبيِّنات. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، قال: سمعت أبا عبد الرحمن يقول: فصل الخطاب: القضاء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وفصل الخطاب، بتكليف المدّعي البينة، واليمين على المدعى عليه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، قال: ثني الشعبيّ أو غيره، عن شريح أنه قال في قوله ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: بيِّنة المدَّعي، أو يمين المُدَّعى عليه. ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَية، عن داود بن أبي هند، في قوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: نُبِّئْت عن شريح أنه قال: شاهدان أو يمين. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمر، قال: سمعت داود قال: بلغني أن شريحا قال ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ الشاهدان على المدعي، واليمين على من أنكر. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن طاوس، أن شريحا قال لرجل: إن هذا يعيب عليّ ما أُعْطِيَ داود، الشهود والأيمان. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن شريح أنه قال في هذه الآية ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: الشهود والأيمان. ⁕ حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا داود، عن الشعبي، في قوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: يمين أوْ شَاهِدٌ. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ البينة على الطالب، واليمين على المطلوب، هذا فصل الخطاب. وقال آخرون: بل هو قولُ: أما بعد. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا إسماعيل، عن الشعبي في قوله ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: قول الرجل: أما بعد. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه آتى داود صلوات الله عليه فصل الخطاب، والفصل: هو القطع، والخطاب هو المخاطبة، ومن قطع مخاطبة الرجل الرجل في حال احتكام أحدهما إلى صاحبه قطع المحتكم إليه الحكم بين المحتكم إليه وخصمه بصواب من الحكم، ومن قطع مخاطبته أيضا صاحبه إلزام المخاطب في الحكم ما يجب عليه إن كان مدعيا، فإقامة البينة على دعواه وإن كان مدعى عليه فتكليفه اليمين إن طلب ذلك خصمه. ومن قطع الخطاب أيضا الذي هو خطبة عند انقضاء قصة وابتداء في أخرى الفصل بينهما بأما بعد. فإذ كان ذلك كله محتملا ظاهر الخبر ولم تكن في هذه الآية دلالة على أي ذلك المراد، ولا ورد به خبر عن الرسول ﷺ ثابت، فالصواب أن يعم الخبر، كما عمه الله، فيقال: أوتي داود فصل الخطاب في القضاء والمحاورة والخطب.

Al-Mukhtasar (français)

Nous avons également assujetti les oiseaux en suspens dans les airs et tous Le glorifient et se repentent à Lui.

20

وَشَدَدْنَا مُلْكَهُۥ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ

Et Nous renforçâmes son royaume et lui donnâmes la sagesse et la faculté de bien juger.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَذْكُرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَنَّهُ كَانَ ذَا أَيْدٍ وَالْأَيْدُ: الْقُوَّةُ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ. قَالَ [ابْنُ عَبَّاسٍ] [[زيادة من ت، س.]] وَابْنُ زَيْدٍ وَالسُّدِّيُّ: الْأَيْدُ: الْقُوَّةُ وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٤٧] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَيْدُ: الْقُوَّةُ فِي الطَّاعَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أُعْطِيَ دَاوُدُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] قُوَّةً فِي الْعِبَادَةِ وَفِقْهًا فِي الْإِسْلَامِ، وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ وَيَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ. وَهَذَا ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى" [[صحيح البخاري برقم (١١٣١) وصحيح مسلم برقم (١١٥٩) .]] وَإِنَّهُ كَانَ أَوَّابًا، وَهُوَ الرَّجَّاعُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ وَشُئُونِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ أَيْ: إِنَّهُ تَعَالَى سَخَّرَ الْجِبَالَ تُسَبِّحُ مَعَهُ عِنْدَ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ وَآخِرِ النَّهَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سَبَأٍ: ١٠] وَكَذَلِكَ كَانَتِ الطَّيْرُ تُسَبِّحُ بِتَسْبِيحِهِ وَتُرَجِّعُ بِتَرْجِيعِهِ إِذَا مَرَّ بِهِ الطَّيْرُ وَهُوَ سَابِحٌ فِي الْهَوَاءِ فَسَمِعَهُ وَهُوَ يَتَرَنَّمُ بِقِرَاءَةِ الزَّبُورِ لَا تَسْتَطِيعُ الذَّهَابَ بَلْ تَقِفُ فِي الْهَوَاءِ وَتُسَبِّحُ مَعَهُ وَتُجِيبُهُ الْجِبَالُ الشَّامِخَاتُ تُرَجِّعُ مَعَهُ وَتُسَبِّحُ تَبَعًا لَهُ. قَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَر عَنْ عبد الكريم عن مُوسَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ [[في ت: "بإسناده".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في أ: "ابن عباس رضي الله عنهما".]] أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ ذَكَرَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يوم فَتْحِ مَكَّةَ صَلَّى الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، قَالَ [[في ت: "فقال".]] ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ لِهَذِهِ السَّاعَةِ صَلَاةً يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ [[تفسير الطبري (٢٣/٨٧) .]] ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ صَفْوَانَ عَنْ مَوْلَاهُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ [[في أ: "عن".]] نَوْفَلٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ لَا يُصَلِّي الضُّحَى قَالَ: فَأَدْخَلْتُهُ عَلَى أُمِّ هَانِئٍ فَقُلْتُ: أَخْبِرِي هَذَا مَا أَخْبَرْتِنِي بِهِ. فَقَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ فِي بَيْتِي ثُمَّ أَمَرَ بِمَاءٍ صُبَّ فِي قَصْعَةٍ ثُمَّ أَمَرَ بِثَوْبٍ فَأَخَذَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ رَشَّ نَاحِيَةَ الْبَيْتِ فَصَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، وَذَلِكَ مِنَ الضُّحَى قِيَامُهُنَّ وَرُكُوعُهُنَّ وَسُجُودُهُنَّ وَجُلُوسُهُنَّ سَوَاءٌ قَرِيبٌ بِعَضُهُنَّ مِنْ بَعْضٍ فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَقُولُ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ مَا عَرَفْتُ صَلَاةَ الضُّحَى إِلَّا الْآنَ: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ وَكُنْتُ أَقُولُ: أَيْنَ صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ وَكَانَ بَعْدُ يَقُولُ: صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ. [[تفسير الطبري (٢٣/٨٧) .]] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ أَيْ: مَحْبُوسَةً فِي الْهَوَاءِ، ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ أَيْ: مُطِيعٌ يُسَبِّحُ تَبَعًا لَهُ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَابْنِ زَيْدٍ: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ أَيْ: مُطِيعٌ. [وَقَوْلُهُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ أَيْ: جَعَلْنَا لَهُ مُلْكًا كَامِلًا مِنْ جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُلُوكُ. قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: كَانَ أَشَدَّ أَهْلِ الدُّنْيَا سُلْطَانًا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ يَحْرُسُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَرْبَعَةُ آلَافٍ. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ حَرَسُه فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا لَا تَدُورُ عَلَيْهِمُ النَّوْبَةُ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَرْبَعُونَ أَلْفًا مُشْتَمِلُونَ [[في ت، س، أ: "مشتكون".]] بِالسِّلَاحِ. وَقَدْ ذَكَرَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عِلْباء بْنُ أَحْمَرَ عَنْ عِكْرِمة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَفَرَيْنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ اسْتَعْدَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ اغْتَصَبَهُ بَقَرًا فَأَنْكَرَ الْآخَرُ، وَلَمْ يَكُنْ [[في س: "تكن".]] لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ فَأَرْجَأَ أَمْرَهُمَا فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أُمِرَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي الْمَنَامِ بِقَتْلِ الْمُدَّعِي فَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ طَلَبَهُمَا وَأَمَرَ بِقَتْلِ الْمُدَّعِي فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ عَلَامَ تَقْتُلُنِي وَقَدِ اغْتَصَبَنِي هَذَا بَقَرِي؟ فَقَالَ: إِنِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَنِي بِقَتْلِكَ فَأَنَا قَاتِلُكَ لَا مَحَالَةَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ يا نبي اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْكَ بِقَتْلِي لِأَجْلِ هَذَا الَّذِي ادَّعَيْتُ عَلَيْهِ، وَإِنِّي لَصَادِقٌ فِيمَا ادَّعَيْتُ وَلَكِنِّي كُنْتُ قَدِ اغْتَلْتُ أَبَاهُ وَقَتَلْتُهُ، وَلَمْ يَشْعُرْ بِذَلِكَ أَحَدٌ فَأَمَرَ بِهِ دَاوُدُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من س، ت، أ.]] فَقُتِلَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاشْتَدَّتْ هَيْبَتُهُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: الْفَهْمَ وَالْعَقْلَ وَالْفِطْنَةَ. وَقَالَ مَرَّةً: الْحِكْمَةَ وَالْعَدْلَ. وَقَالَ مَرَّةً: الصَّوَابَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كِتَابَ اللَّهِ وَاتِّبَاعَ مَا فِيهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ النُّبُوَّةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قَالَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي وَالشَّعْبِيُّ فَصْلُ الْخِطَابِ: الشُّهُودُ وَالْأَيْمَانُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: شَاهِدَانِ عَلَى الْمُدَّعِي أَوْ يَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي فَصَلَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ -أَوْ قَالَ: الْمُؤْمِنُونَ وَالصَّالِحُونَ-وَهُوَ قَضَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَذَا قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ إِصَابَةُ الْقَضَاءِ وَفَهْمِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: هُوَ الْفَصْلُ فِي الْكَلَامِ وَفِي الْحُكْمِ [[في ت: "في القضاء والحكم".]] وَهَذَا يَشْمَلُ هَذَا كُلَّهُ وَهُوَ الْمُرَادُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ [[في ت: "ورواه".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ النُّمَيْرِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ بِلَالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ" دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ. وَكَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَصْلُ الْخِطَابِ: "أَمَّا بَعْدُ".

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: اصبر يا محمد على ما يقول مشركو قومك لك مما تكره قيلهم لك، فإنا ممتحنوك بالمكاره امتحاننا سائر رسلنا قبلك، ثم جاعلو العلوّ والرفعة والظفر لك على من كذبك وشاقك سنتنا في الرسل الذين أرسلناهم إلى عبادنا قبلك فمنهم عبدنا أيوب وداود بن إيشا، فاذكره ذا الأيد؛ ويعني بقوله ﴿ذَا الأيْدِ﴾ ذا القوّة والبطش الشديد في ذات الله والصبر على طاعته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿دَاوُدَ ذَا الأيْدِ﴾ قال: ذا القوّة. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثني أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿ذَا الأيْدِ﴾ قالَ ذا القوّة في طاعة الله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأيْدِ﴾ قال: أعطي قوّة في العبادة، وفقها في الإسلام. وقد ذُكر لنا أن داود ﷺ كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿دَاوُدَ ذَا الأيْدِ﴾ ذا القوّة في طاعة الله. ⁕ حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿دَاوُدَ ذَا الأيْدِ﴾ قال: ذا القوّة في عبادة الله، الأيد: القوّة، وقرأ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ قال: بقوة. * * وقوله ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ يقول: إن داود رَجَّاع لما يكرهه الله إلى ما يرضيه أواب، وهو من قولهم: آب الرجل إلى أهله: إذا رجع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: رجاع عن الذنوب. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: الراجع عن الذنوب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ : أي كان مطيعا لله كثير الصلاة. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: المسبح. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: الأوّاب التوّاب الذي يئوب إلى طاعة الله ويرجع إليها، ذلك الأوّاب، قال: والأوّاب: المطيع. * * وقوله ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ يقول تعالى ذكره: إنا سخرنا الجبال يسبحن مع داود بالعشيّ، وذلك من وقت العصر إلى الليل، والإشراق، وذلك بالغداة وقت الضحى. ذُكر أن داود كان إذا سبح سبحت معه الجبال. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ يسبحن مع داود إذا سبح بالعشيّ والإشراق. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ قال: حين تُشرق الشمس وتضحى. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا محمد بن بشر، عن مسعر بن عبد الكريم، عن موسى بن أبي كثير، عن ابن عباس أنه بلغه أن أم هانئ ذكرت أن رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، صلى الضحى ثمان ركعات، فقال ابن عباس: قد ظننت أن لهذه الساعة صلاة، يقول الله: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: ثنا صدقة، قال: ثني سعيد بن أبي عَروبة، عن أبي المتوكل، عن أيوب بن صفوان، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل أن ابن عباس كان لا يصلي الضحى، قال: فأدخلته على أم هانئ، فقلت: اخبري هذا بما أخبرتني به، فقالت أم هانئ: دخل عليّ رسول الله ﷺ يوم الفتح في بيتي، فأمر بماء فصب في قصعة، ثم أمر بثوب فأخذ بيني وبينه، فاغتسل، ثم رشّ ناحية البيت فصلى ثمان ركعات، وذلك من الضحى قيامهنّ وركوعهنّ وسجودهنّ وجلوسهنّ سواء، قريب بعضهن من بعض، فخرج ابن عباس، وهو يقول: لقد قرأت ما بين اللوحين، ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ﴾ وكنت أقول: أين صلاة الإشراق، ثم قال: بعد هنّ صلاة الإشراق. ⁕ حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن متوكل، عن أيوب بن صفوان، مولى عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن الحارث،"أن أم هانئ ابنة أبي طالب، حَدثت أن رسول الله ﷺ يوم الفتح دخل عليها ثم ذكر نحوه". وعن ابن عباس في قوله ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ﴾ مثل ذلك. * * وقوله ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ يقول تعالى ذكره: وسخرنا الطير يسبحن معه محشورة بمعنى: مجموعة له؛ ذكر أنه ﷺ كان إذا سبح أجابته الجبال، واجتمعت إليه الطير، فسبحت معه واجتماعها إليه كان حشرها. وقد ذكرنا أقوال أهل التأويل في معنى الحشر فيما مضى، فكرهنا إعادته. وكان قتادة يقول في ذلك في هذا الموضع ما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ : مسخَّرة. * * وقوله ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ يقول: كل ذلك له مطيع رجَّاع إلى طاعته وأمره. ويعني بالكلّ: كلّ الطير. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ : أي مطيع. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ قال: كل له مطيع. وقال آخرون: معنى ذلك: كل ذلك لله مسبِّح. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ يقول: مسبِّح لله. * * وقوله ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ اختلف أهل التأويل في المعنى الذي به شدّد ملكه، فقال بعضهم: شدّد ذلك بالجنود والرجال، فكان يحرسه كل يوم وليلة أربعة آلاف، أربعة آلاف. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ قال: كان يحرسه كلّ يوم وليلة أربعة آلاف، أربعة آلاف. وقال آخرون: كان الذي شدد به ملكه، أن أعطي هيبة من الناس له لقضية كان قضاها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني ابن حرب، قال: ثنا موسى، قال: ثنا داود، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم، فاجتمعا عند داود النبيّ ﷺ فقال المستعدي: إن هذا اغتصبني بقرًا لي، فسأل داود الرجل عن ذلك فجحده، فسأل الآخر البيِّنة، فلم يكن له بيِّنة، فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في أمركما؛ فقاما من عنده، فأوحى الله إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي استعدي عليه، فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأوحى الله إلى داود في منامه مرة أخرى أن يقتل الرجل، وأوحى الله إليه الثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل: إن الله قد أوحى إلي أن أقتلك، فقال الرجل: تقتلني بغير بينة ولا تثبت؟! فقال له داود: نعم، والله لأنفذنّ أمر الله فيك؛ فلما عرف الرجل أنه قاتله، قال: لا تعجل عليّ حتى أخبرك، إني والله ما أُخِذت بهذا الذنب، ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته، فبذلك قُتلت، فأمر به داود فقُتل، فاشتدت هيبة بني إسرائيل عند ذلك لداود، وشدد به مُلْكه، فهو قول الله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تبارك تعالى أخبر أنه شَدَّد ملك داود، ولم يحضر ذلك من تشديده على التشديد بالرجال والجنود دون الهيبة من الناس له ولا على هيبة الناس له دون الجنود. وجائز أن يكون تشديده ذلك كان ببعض ما ذكرنا، وجائز أن يكون كان بجميعها، ولا قول أولى في ذلك بالصحة من قول الله، إذ لم يحر ذلك على بعض معاني التشديد خبر يجب التسليم له. * * وقوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى الحكمة في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني بها النبوة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط عن السديّ، قوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قال: النبوّة. وقال آخرون: عنى بها أنه علم السنن. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ : أي السنة. وقد بينا معنى الحكمة في غير هذا الموضع بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. * * وقوله ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: عني به أنه علم القضاء والفهم به. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾ قال: أعطي الفهم. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: إصابة القضاء وفهمه. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: علم القضاء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: الخصومات التي يخاصم الناس إليه فصل ذلك الخطاب، الكلام الفهم، وإصابة القضاء والبيِّنات. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، قال: سمعت أبا عبد الرحمن يقول: فصل الخطاب: القضاء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وفصل الخطاب، بتكليف المدّعي البينة، واليمين على المدعى عليه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، قال: ثني الشعبيّ أو غيره، عن شريح أنه قال في قوله ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: بيِّنة المدَّعي، أو يمين المُدَّعى عليه. ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَية، عن داود بن أبي هند، في قوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: نُبِّئْت عن شريح أنه قال: شاهدان أو يمين. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمر، قال: سمعت داود قال: بلغني أن شريحا قال ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ الشاهدان على المدعي، واليمين على من أنكر. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن طاوس، أن شريحا قال لرجل: إن هذا يعيب عليّ ما أُعْطِيَ داود، الشهود والأيمان. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن شريح أنه قال في هذه الآية ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: الشهود والأيمان. ⁕ حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا داود، عن الشعبي، في قوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: يمين أوْ شَاهِدٌ. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ البينة على الطالب، واليمين على المطلوب، هذا فصل الخطاب. وقال آخرون: بل هو قولُ: أما بعد. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا إسماعيل، عن الشعبي في قوله ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال: قول الرجل: أما بعد. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه آتى داود صلوات الله عليه فصل الخطاب، والفصل: هو القطع، والخطاب هو المخاطبة، ومن قطع مخاطبة الرجل الرجل في حال احتكام أحدهما إلى صاحبه قطع المحتكم إليه الحكم بين المحتكم إليه وخصمه بصواب من الحكم، ومن قطع مخاطبته أيضا صاحبه إلزام المخاطب في الحكم ما يجب عليه إن كان مدعيا، فإقامة البينة على دعواه وإن كان مدعى عليه فتكليفه اليمين إن طلب ذلك خصمه. ومن قطع الخطاب أيضا الذي هو خطبة عند انقضاء قصة وابتداء في أخرى الفصل بينهما بأما بعد. فإذ كان ذلك كله محتملا ظاهر الخبر ولم تكن في هذه الآية دلالة على أي ذلك المراد، ولا ورد به خبر عن الرسول ﷺ ثابت، فالصواب أن يعم الخبر، كما عمه الله، فيقال: أوتي داود فصل الخطاب في القضاء والمحاورة والخطب.

Al-Mukhtasar (français)

Nous rendîmes son royaume plus puissant par le prestige, la force et la domination que Nous lui avons accordés sur ses ennemis. Nous lui avons aussi fait don de la Prophétie, la sagesse dans la prise de décision, la faculté d’exprimer tout ce qu’il désire, et la pertinence dans le jugement.

21

۞ وَهَلْ أَتَىٰكَ نَبَؤُا۟ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا۟ ٱلْمِحْرَابَ

Et t'est-elle parvenue la nouvelle des disputeurs quand ils grimpèrent au mur du sanctuaire!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

قَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ هَاهُنَا قِصَّةً أَكْثَرُهَا مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهَا عَنِ الْمَعْصُومِ حَدِيثٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَلَكِنْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هُنَا حَدِيثًا لَا يَصِحُّ سَنَدُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ أَنَسٍ -وَيَزِيدُ وَإِنْ كَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ-لَكِنَّهُ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ فَالْأُولَى أَنْ [[في ت: "أنه".]] يُقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ تِلَاوَةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَأَنْ يُرَدَّ عِلْمُهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ وَمَا تَضَمَّنَ فَهُوَ حَقٌّ أَيْضًا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ [إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ] فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ [[زيادة من ت، أ.]] إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي مِحْرَابِهِ، وَهُوَ أَشْرَفُ مَكَانٍ فِي دَارِهِ وَكَانَ قَدْ أَمَرَ أَلَّا يَدْخُلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَلَمْ يَشْعُرْ إِلَّا بِشَخْصَيْنِ قَدْ تَسَوَّرا عَلَيْهِ الْمِحْرَابَ أَيِ: احْتَاطَا بِهِ يَسْأَلَانِهِ عَنْ شَأْنِهِمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أَيْ: غَلَبَنِي يُقَالُ: عَزَّ يَعِزُّ: إِذَا قَهَرَ وَغَلَبَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيِ اخْتَبَرْنَاهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ أَيْ: سَاجِدًا ﴿وَأَنَابَ﴾ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَكَعَ أَوَّلًا ثُمَّ سَجَدَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ اسْتَمَرَّ سَاجِدًا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أَيْ: مَا كَانَ مِنْهُ مِمَّا يُقَالُ فِيهِ: إِنَّ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [[في أ: "رحمهم الله".]] فِي سَجْدَةِ "ص" هَلْ هِيَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ الْجَدِيدُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ بَلْ هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ-عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في أ: "عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ"، وفي ت: "ما رواه الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس" زيادة من أ.]] أَنَّهُ قَالَ فِي السُّجُودِ فِي "ص": لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ بِهِ [[المسند (١/٣٦٠) وصحيح البخاري برقم (١٠٦٩) وسنن أبي داود برقم (١٤٠٩) وسنن الترمذي برقم (٥٧٧) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ [[في أ: "حديث حسن".]] صَحِيحٌ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] النَّسَائِيُّ أَيْضًا عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ -هُوَ الْمِقْسَمِيُّ-حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو [[في أ: "عمر".]] بْنُ ذَرٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أن النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِي "ص" وَقَالَ: "سَجَدَهَا دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَوْبَةً وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا". تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ النَّسَائِيُّ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٨) .]] وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَقَدْ أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الحجاج المزي قراءة عليه وأنا أسمع: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُدَرَّجِيُّ [[في أ: "أبو إسحاق بن المدرجي".]] أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الثَّقَفِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ الشَّحَامِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الكَنْجَرُوذي أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا محمد بن يزيد ابن خُنَيْس عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يَا حَسَنُ حَدَّثَنِي جَدُّكَ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ فَقَرَأْتُ السَّجْدَةَ فَسَجَدْتُ فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي فَسَمِعْتُهَا تَقُولُ وَهِيَ سَاجِدَةٌ: اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا وَاقْبَلْهَا مِنِّي كَمَا قَبِلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ فَقَرَأَ السَّجْدَةَ ثُمَّ سَجَدَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَهُوَ سَاجِدٌ كَمَا حَكَى الرَّجُلُ مِنْ كَلَامِ الشَّجَرَةِ [[رواه المزي في تهذيب الكمال (٦/٣١٤) .]] رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ خَلَّادٍ كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ [[في أ: "يزيد بن حبيش".]] نَحْوَهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[سنن الترمذي برقم (٥٧٩) وسنن ابن ماجة برقم (١٠٥٣) .]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِهَا أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبِيدِ الطَّنَافِسِيُّ عَنِ الْعَوَامِّ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةِ "ص" فَقَالَ: [[في ت: "بإسناده إلى مجاهد قال".]] سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: مِنْ أين سجدت؟ فقال: أو ما تَقْرَأُ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الْأَنْعَامِ:٨٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ:٩٠] [[في ت، س، أ: "هداهم" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.]] فَكَانَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّنْ [[في ت، س: "فيمن".]] أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فَسَجَدَهَا دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٠٧) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا بَكْرٌ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ-أَنَّهُ أَخْبَرَهُ [[في ت: "بإسناده".]] أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ [[في أ: "الخدري رضي الله عنه".]] رَأَى رُؤْيَا أَنَّهُ يَكْتُبُ "ص" فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى الَّتِي يَسْجُدُ بِهَا رَأَى الدَّوَاةَ وَالْقَلَمَ وَكُلَّ شَيْءٍ بِحَضْرَتِهِ انْقَلَبَ سَاجِدًا قَالَ: فَقَصَّهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَزَلْ يَسْجُدُ بِهَا بَعْدُ. تَفَرَّدَ بِهِ [الْإِمَامُ] [[زيادة من أ.]] أَحْمَدُ [[المسند (٣/٧٨) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عن أبي سعيد الخدري رضي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ "ص" فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزّن [[في ت: "تشدد".]] النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ: "إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ وَلَكِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَشَزّنْتُم". فَنَزَلَ وَسَجَدَ وَسَجَدُوا. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (١٤١٠) .]] وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أَيْ: وَإِنَّ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا وَحُسْنَ مَرْجِعٍ وَهُوَ الدَّرَجَاتُ الْعَالِيَاتُ فِي الْجَنَّةِ لِتَوْبَتِهِ [[في ت، س: "لنبوته".]] وَعَدْلِهِ التَّامِّ فِي مُلْكِهِ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يُقْسِطُونَ فِي أَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا" [[صحيح مسلم برقم (١٨٢٧) من حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ عَنْ عَطِيَّةَ [[في ت: "وروى الترمذي".]] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِلٌ [[في أ: "عدل".]] وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَشَدَّهُمْ عَذَابًا إِمَامٌ جَائِرٌ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ فُضَيْلٍ -وَهُوَ ابْنُ مَرْزُوقٍ الْأَغَرُّ-عَنْ عَطِيَّةَ بِهِ [[المسند (٣/٢٢) وسنن الترمذي برقم (١٣٢٩) .]] وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قَالَ: يُقَامُ دَاوُدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ سَاقِ الْعَرْشِ ثُمَّ يَقُولُ: يَا دَاوُدُ مَجِّدْنِي الْيَوْمَ بِذَلِكَ الصَّوْتِ الْحَسَنِ الرَّخِيمِ الَّذِي كُنْتَ تُمَجِّدُنِي بِهِ فِي الدُّنْيَا. فَيَقُولُ: وَكَيْفَ وَقَدْ سُلِبْتُهُ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي أَرُدُّهُ عَلَيْكَ الْيَوْمَ. قَالَ: فَيَرْفَعُ دَاوُدُ بِصَوْتٍ يَسْتَفْرِغُ نعيم أهل الجنان.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وهل أتاك يا محمد نبأ الخصم وقيل: إنه عني بالخصم في هذا الموضع ملكان، وخرج في لفظ الواحد، لأنه مصدر مثل الزور والسفر، لا يثنى ولا يجمع؛ ومنه قول لبيد: وَخَصْمٍ يَعدوّنَ الذُّحُولَ كَأَنَّهُمْ ... قُرُوم غَيَارَى كلُّ أزْهَرَ مُصْعَب [[البيت للبيد (مجاز القرآن لأبي عبيدة، الورقة ٢١٣ - ب) . قال:" نبأ الخصم": يقع على الواحد والجمع. قال لبيد:" وخصم ... " البيت. والذحول: جمع ذحل، وهو الثأر. والقروم جمع قرم، وهو الفحل العظيم من الإبل. وغياري: جمع غيران. والأزهر: الأبيض والمصعب: الشديد القوي الذي يودع من الركوب والعمل، للفحلة. (اللسان: صعب. أهـ شبه الخصوم الأقوياء بالفحول من الإبل.]] * * وقوله ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ يقول: دخلوا عليه من غير باب المحراب؛ والمحراب مقدّم كل مجلس وبيت وأشرفه. * * وقوله ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ﴾ فكرّر إذ مرّتين وكان بعض أهل العربية يقول في ذلك: قد يكون معناهما كالواحد، كقولك: ضربتك إذ دخلت عليّ إذ اجترأت، فيكون الدخول هو الاجتراء، ويكون أن تجعل إحداهما على مذهب لما، فكأنه قال: إذ تسوّروا المحراب لما دخلوا، قال: وإن شئت جعلت لما في الأول، فإذا كان لما أولا أو آخرا، فهي بعد صاحبتها، كما تقول: أعطيته لما سألني، فالسؤال قبل الإعطاء في تقدّمه وتأخره. * * وقوله ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ يقول القائل: وما كان وجه فزعه منهما وهما خصمان، فإن فزعه منهما كان لدخولهما عليه من غير الباب الذي كان المدخل عليه، فراعه دخولهما كذلك عليه. وقيل: إن فزعه كان منهما، لأنهما دخلا عليه ليلا في غير وقت نظره بين الناس؛ قالوا: ﴿لا تَخَفْ﴾ يقول تعالى ذكره: قال له الخصم: لا تخف يا داود، وذلك لمَّا رأياه قد ارتاع من دخولهما عليه من غير الباب. وفي الكلام محذوف استغني بدلالة ما ظهر من الكلام منه، وهو مرافع خصمان، وذلك نحن. وإنما جاز ترك إظهار ذلك مع حاجة الخصمين إلى المرافع، لأن قوله ﴿خَصْمَانِ﴾ فعل للمتكلم، والعرب تضمر للمتكلم والمكلم والمخاطب ما يرفع أفعالهما، ولا يكادون أن يفعلوا ذلك بغيرهما، فيقولون للرجل يخاطبونه: أمنطلق يا فلان ويقول المتكلم لصاحبه: أحسن إليك وتجمل، وإنما يفعلون ذلك كذلك في المتكلم والمكَّلم، لأنهما حاضران يعرف السامع مراد المتكلم إذا حُذف الاسم، وأكثر ما يجيءُ ذلك في الاستفهام، وإن كان جائزا في غير الاستفهام، فيقال: أجالس راكب؟ فمن ذلك قوله خَصْمان؛ ومنه قول الشاعر: وَقُولا إذا جاوَزْتُمَا أرْضَ عامِرٍ ... وَجَاوَزْتُمَا الحَيْين نَهْدًا وَخَشْعَما نزيعانِ مِنْ جَرْمِ بْنِ رَبَّانَ إنهمْ ... أبَوْا أنْ يُميرُوا في الهَزَاهِزِ مِحْجَما [[البيتان: من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٧٨) على أن خصمان من قوله تعالى:" قالوا خصمان": رفع بإضمار نحن. قال: والعرب تضمر للمتكلم والمخاطب ما يرفع فعله، ولا يكادون يفعلون ذلك بغير المخاطب أو المتكلم. من ذلك أن تقول للرجل: أذاهب؟ أو أن يقول المتكلم: واصلكم إن شاء الله، ومحسن إليكم. من ذلك أن تقول للرجل: أذاهب؟ أو أن يقول المتكلم: واصلكم إن شاء الله، ومحسن إليكم. وذلك أن المتكلم والمكلم حاضران فتعرف معنى أسمائها إذ تركت. وأكثره في الاستفهام، يقولون: أجاد؟ أمنطق وقد يكون في غير الاستفهام. فقوله" خصمان" من ذلك. وقال الشاعر:" وقولا إذا ... " البيتين. وقد جاء في آثار للراجع من سفر:" تائبون آيبون، لربنا حامدون"..... الخ. قلت: والشاهد في البيتين قوله" نزيعان": أي نحن نزيعان. فهو مرفوع على تقدير مضمر قبله، وإن لم يكن معه استفهام]] وقول الآخر: تَقُولُ ابْنَةُ الكَعْبِيّ يوْمَ لَقِيتُها ... أمُنْطَلِقٌ فِي الجَيشِ أمْ مُتَثَاقِلُ [[وهذا البيت أيضاً من شواهد الفراء في معاني القرآن، على أنه قد يكون المبتدأ محذوفاً ويكثر أن يكون ذلك مع وجود الاستفهام في الكلام، كقوله في البيت: أمنطلق في الجيش أم متثاقل؟ أي أأنت منطلق ... الخ.]] ومنه قولهم:"مُحْسِنة فهيلى". وقول النبي ﷺ:"آئِبُونَ تَائِبُونَ". وقوله:"جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ الله" كلّ ذلك بضمير رَفَعه. وقوله عزّ وجلّ ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ يقول: تعدّى أحدنا على صاحبه بغير حقّ ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ يقول: فاقض بيننا بالعدل ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ : يقول: ولا تجُر، ولا تسرف في حكمك، بالميل منك مع أحدنا على صاحبه. وفيه لغتان: أشَطَّ، وشَطَّ. ومن الإشطاط قول الأحوص: ألا يا لقَوْمٍ قدْ أشَطَّتْ عَوَاذِلِي ... وَيَزْعُمْنَ أنْ أودَى بحَقِّي باطِلي [[وهذا البيت للأحوص، وهو كسابقه مروي في اللسان:" شطط" وفي مجاز القرآن لأبي عبيدة، شاهداً على أن معنى أشطت، بالهمز في أوله: أبعدت. وأودى بحقه: ذهب به وأهلكه.]] ومسموع من بعضهم: شَطَطْتَ عليّ في السَّوم. فأما في البعد فإن أكثر كلامهم: شَطَّتْ الدار، فهي تَشِطّ، كما قال الشاعر: تَشِطُّ غَدًا دَارُ جِيرَانِنَا ... وللدَّارُ بَعْدَ غَدٍ أبْعَدُ [[البيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ٢١٣) عند قوله تعالى:" ولا تشطط" أي: لا تسرف. وأنشد" تشطط غدا دار جيراننا ... " البيت. ويقال: كلفتني شططا: منه وشطت الدار: بعدت. أهـ. وفي اللسان: (شطط) : وفي التنزيل" ولا تشطط". وقريء" ولا تشطط" بضم الطاء الأولى، وفتح التاء، ومعناها: لا تبعد عن الحق. أهـ.]] * * وقوله ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ يقول: وأرشدنا إلى قصد الطريق المستقيم. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ : أي لا تمل. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ يقول: لا تُحِف. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ تخالف عن الحقّ، وكالذي قلنا أيضا في قوله ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ قالوا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ إلى عدله وخيره. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ إلى عدل القضاء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ قال: إلى الحق الذي هو الحق: الطريق المستقيم ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ تذهب إلى غيرها. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ : أي احملنا على الحق، ولا تخالف بنا إلى غيره.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, la nouvelle des deux antagonistes qui escaladèrent le mur du sanctuaire de David t’est-elle parvenue?

22

إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فَٱحْكُم بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ

Quand ils entrèrent auprès de David, il en fut effrayé. Ils dirent: «N'aie pas peur! Nous sommes tous deux en dispute; l'un de nous a fait du tort à l'autre. Juge donc en toute équité entre nous, ne sois pas injuste et guide-nous vers le chemin droit.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

قَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ هَاهُنَا قِصَّةً أَكْثَرُهَا مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهَا عَنِ الْمَعْصُومِ حَدِيثٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَلَكِنْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هُنَا حَدِيثًا لَا يَصِحُّ سَنَدُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ أَنَسٍ -وَيَزِيدُ وَإِنْ كَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ-لَكِنَّهُ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ فَالْأُولَى أَنْ [[في ت: "أنه".]] يُقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ تِلَاوَةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَأَنْ يُرَدَّ عِلْمُهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ وَمَا تَضَمَّنَ فَهُوَ حَقٌّ أَيْضًا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ [إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ] فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ [[زيادة من ت، أ.]] إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي مِحْرَابِهِ، وَهُوَ أَشْرَفُ مَكَانٍ فِي دَارِهِ وَكَانَ قَدْ أَمَرَ أَلَّا يَدْخُلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَلَمْ يَشْعُرْ إِلَّا بِشَخْصَيْنِ قَدْ تَسَوَّرا عَلَيْهِ الْمِحْرَابَ أَيِ: احْتَاطَا بِهِ يَسْأَلَانِهِ عَنْ شَأْنِهِمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أَيْ: غَلَبَنِي يُقَالُ: عَزَّ يَعِزُّ: إِذَا قَهَرَ وَغَلَبَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيِ اخْتَبَرْنَاهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ أَيْ: سَاجِدًا ﴿وَأَنَابَ﴾ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَكَعَ أَوَّلًا ثُمَّ سَجَدَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ اسْتَمَرَّ سَاجِدًا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أَيْ: مَا كَانَ مِنْهُ مِمَّا يُقَالُ فِيهِ: إِنَّ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [[في أ: "رحمهم الله".]] فِي سَجْدَةِ "ص" هَلْ هِيَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ الْجَدِيدُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ بَلْ هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ-عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في أ: "عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ"، وفي ت: "ما رواه الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس" زيادة من أ.]] أَنَّهُ قَالَ فِي السُّجُودِ فِي "ص": لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ بِهِ [[المسند (١/٣٦٠) وصحيح البخاري برقم (١٠٦٩) وسنن أبي داود برقم (١٤٠٩) وسنن الترمذي برقم (٥٧٧) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ [[في أ: "حديث حسن".]] صَحِيحٌ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] النَّسَائِيُّ أَيْضًا عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ -هُوَ الْمِقْسَمِيُّ-حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو [[في أ: "عمر".]] بْنُ ذَرٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أن النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِي "ص" وَقَالَ: "سَجَدَهَا دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَوْبَةً وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا". تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ النَّسَائِيُّ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٨) .]] وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَقَدْ أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الحجاج المزي قراءة عليه وأنا أسمع: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُدَرَّجِيُّ [[في أ: "أبو إسحاق بن المدرجي".]] أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الثَّقَفِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ الشَّحَامِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الكَنْجَرُوذي أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا محمد بن يزيد ابن خُنَيْس عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يَا حَسَنُ حَدَّثَنِي جَدُّكَ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ فَقَرَأْتُ السَّجْدَةَ فَسَجَدْتُ فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي فَسَمِعْتُهَا تَقُولُ وَهِيَ سَاجِدَةٌ: اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا وَاقْبَلْهَا مِنِّي كَمَا قَبِلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ فَقَرَأَ السَّجْدَةَ ثُمَّ سَجَدَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَهُوَ سَاجِدٌ كَمَا حَكَى الرَّجُلُ مِنْ كَلَامِ الشَّجَرَةِ [[رواه المزي في تهذيب الكمال (٦/٣١٤) .]] رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ خَلَّادٍ كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ [[في أ: "يزيد بن حبيش".]] نَحْوَهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[سنن الترمذي برقم (٥٧٩) وسنن ابن ماجة برقم (١٠٥٣) .]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِهَا أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبِيدِ الطَّنَافِسِيُّ عَنِ الْعَوَامِّ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةِ "ص" فَقَالَ: [[في ت: "بإسناده إلى مجاهد قال".]] سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: مِنْ أين سجدت؟ فقال: أو ما تَقْرَأُ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الْأَنْعَامِ:٨٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ:٩٠] [[في ت، س، أ: "هداهم" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.]] فَكَانَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّنْ [[في ت، س: "فيمن".]] أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فَسَجَدَهَا دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٠٧) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا بَكْرٌ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ-أَنَّهُ أَخْبَرَهُ [[في ت: "بإسناده".]] أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ [[في أ: "الخدري رضي الله عنه".]] رَأَى رُؤْيَا أَنَّهُ يَكْتُبُ "ص" فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى الَّتِي يَسْجُدُ بِهَا رَأَى الدَّوَاةَ وَالْقَلَمَ وَكُلَّ شَيْءٍ بِحَضْرَتِهِ انْقَلَبَ سَاجِدًا قَالَ: فَقَصَّهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَزَلْ يَسْجُدُ بِهَا بَعْدُ. تَفَرَّدَ بِهِ [الْإِمَامُ] [[زيادة من أ.]] أَحْمَدُ [[المسند (٣/٧٨) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عن أبي سعيد الخدري رضي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ "ص" فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزّن [[في ت: "تشدد".]] النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ: "إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ وَلَكِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَشَزّنْتُم". فَنَزَلَ وَسَجَدَ وَسَجَدُوا. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (١٤١٠) .]] وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أَيْ: وَإِنَّ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا وَحُسْنَ مَرْجِعٍ وَهُوَ الدَّرَجَاتُ الْعَالِيَاتُ فِي الْجَنَّةِ لِتَوْبَتِهِ [[في ت، س: "لنبوته".]] وَعَدْلِهِ التَّامِّ فِي مُلْكِهِ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يُقْسِطُونَ فِي أَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا" [[صحيح مسلم برقم (١٨٢٧) من حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ عَنْ عَطِيَّةَ [[في ت: "وروى الترمذي".]] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِلٌ [[في أ: "عدل".]] وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَشَدَّهُمْ عَذَابًا إِمَامٌ جَائِرٌ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ فُضَيْلٍ -وَهُوَ ابْنُ مَرْزُوقٍ الْأَغَرُّ-عَنْ عَطِيَّةَ بِهِ [[المسند (٣/٢٢) وسنن الترمذي برقم (١٣٢٩) .]] وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قَالَ: يُقَامُ دَاوُدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ سَاقِ الْعَرْشِ ثُمَّ يَقُولُ: يَا دَاوُدُ مَجِّدْنِي الْيَوْمَ بِذَلِكَ الصَّوْتِ الْحَسَنِ الرَّخِيمِ الَّذِي كُنْتَ تُمَجِّدُنِي بِهِ فِي الدُّنْيَا. فَيَقُولُ: وَكَيْفَ وَقَدْ سُلِبْتُهُ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي أَرُدُّهُ عَلَيْكَ الْيَوْمَ. قَالَ: فَيَرْفَعُ دَاوُدُ بِصَوْتٍ يَسْتَفْرِغُ نعيم أهل الجنان.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وهل أتاك يا محمد نبأ الخصم وقيل: إنه عني بالخصم في هذا الموضع ملكان، وخرج في لفظ الواحد، لأنه مصدر مثل الزور والسفر، لا يثنى ولا يجمع؛ ومنه قول لبيد: وَخَصْمٍ يَعدوّنَ الذُّحُولَ كَأَنَّهُمْ ... قُرُوم غَيَارَى كلُّ أزْهَرَ مُصْعَب [[البيت للبيد (مجاز القرآن لأبي عبيدة، الورقة ٢١٣ - ب) . قال:" نبأ الخصم": يقع على الواحد والجمع. قال لبيد:" وخصم ... " البيت. والذحول: جمع ذحل، وهو الثأر. والقروم جمع قرم، وهو الفحل العظيم من الإبل. وغياري: جمع غيران. والأزهر: الأبيض والمصعب: الشديد القوي الذي يودع من الركوب والعمل، للفحلة. (اللسان: صعب. أهـ شبه الخصوم الأقوياء بالفحول من الإبل.]] * * وقوله ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ يقول: دخلوا عليه من غير باب المحراب؛ والمحراب مقدّم كل مجلس وبيت وأشرفه. * * وقوله ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ﴾ فكرّر إذ مرّتين وكان بعض أهل العربية يقول في ذلك: قد يكون معناهما كالواحد، كقولك: ضربتك إذ دخلت عليّ إذ اجترأت، فيكون الدخول هو الاجتراء، ويكون أن تجعل إحداهما على مذهب لما، فكأنه قال: إذ تسوّروا المحراب لما دخلوا، قال: وإن شئت جعلت لما في الأول، فإذا كان لما أولا أو آخرا، فهي بعد صاحبتها، كما تقول: أعطيته لما سألني، فالسؤال قبل الإعطاء في تقدّمه وتأخره. * * وقوله ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ يقول القائل: وما كان وجه فزعه منهما وهما خصمان، فإن فزعه منهما كان لدخولهما عليه من غير الباب الذي كان المدخل عليه، فراعه دخولهما كذلك عليه. وقيل: إن فزعه كان منهما، لأنهما دخلا عليه ليلا في غير وقت نظره بين الناس؛ قالوا: ﴿لا تَخَفْ﴾ يقول تعالى ذكره: قال له الخصم: لا تخف يا داود، وذلك لمَّا رأياه قد ارتاع من دخولهما عليه من غير الباب. وفي الكلام محذوف استغني بدلالة ما ظهر من الكلام منه، وهو مرافع خصمان، وذلك نحن. وإنما جاز ترك إظهار ذلك مع حاجة الخصمين إلى المرافع، لأن قوله ﴿خَصْمَانِ﴾ فعل للمتكلم، والعرب تضمر للمتكلم والمكلم والمخاطب ما يرفع أفعالهما، ولا يكادون أن يفعلوا ذلك بغيرهما، فيقولون للرجل يخاطبونه: أمنطلق يا فلان ويقول المتكلم لصاحبه: أحسن إليك وتجمل، وإنما يفعلون ذلك كذلك في المتكلم والمكَّلم، لأنهما حاضران يعرف السامع مراد المتكلم إذا حُذف الاسم، وأكثر ما يجيءُ ذلك في الاستفهام، وإن كان جائزا في غير الاستفهام، فيقال: أجالس راكب؟ فمن ذلك قوله خَصْمان؛ ومنه قول الشاعر: وَقُولا إذا جاوَزْتُمَا أرْضَ عامِرٍ ... وَجَاوَزْتُمَا الحَيْين نَهْدًا وَخَشْعَما نزيعانِ مِنْ جَرْمِ بْنِ رَبَّانَ إنهمْ ... أبَوْا أنْ يُميرُوا في الهَزَاهِزِ مِحْجَما [[البيتان: من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٧٨) على أن خصمان من قوله تعالى:" قالوا خصمان": رفع بإضمار نحن. قال: والعرب تضمر للمتكلم والمخاطب ما يرفع فعله، ولا يكادون يفعلون ذلك بغير المخاطب أو المتكلم. من ذلك أن تقول للرجل: أذاهب؟ أو أن يقول المتكلم: واصلكم إن شاء الله، ومحسن إليكم. من ذلك أن تقول للرجل: أذاهب؟ أو أن يقول المتكلم: واصلكم إن شاء الله، ومحسن إليكم. وذلك أن المتكلم والمكلم حاضران فتعرف معنى أسمائها إذ تركت. وأكثره في الاستفهام، يقولون: أجاد؟ أمنطق وقد يكون في غير الاستفهام. فقوله" خصمان" من ذلك. وقال الشاعر:" وقولا إذا ... " البيتين. وقد جاء في آثار للراجع من سفر:" تائبون آيبون، لربنا حامدون"..... الخ. قلت: والشاهد في البيتين قوله" نزيعان": أي نحن نزيعان. فهو مرفوع على تقدير مضمر قبله، وإن لم يكن معه استفهام]] وقول الآخر: تَقُولُ ابْنَةُ الكَعْبِيّ يوْمَ لَقِيتُها ... أمُنْطَلِقٌ فِي الجَيشِ أمْ مُتَثَاقِلُ [[وهذا البيت أيضاً من شواهد الفراء في معاني القرآن، على أنه قد يكون المبتدأ محذوفاً ويكثر أن يكون ذلك مع وجود الاستفهام في الكلام، كقوله في البيت: أمنطلق في الجيش أم متثاقل؟ أي أأنت منطلق ... الخ.]] ومنه قولهم:"مُحْسِنة فهيلى". وقول النبي ﷺ:"آئِبُونَ تَائِبُونَ". وقوله:"جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ الله" كلّ ذلك بضمير رَفَعه. وقوله عزّ وجلّ ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ يقول: تعدّى أحدنا على صاحبه بغير حقّ ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ يقول: فاقض بيننا بالعدل ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ : يقول: ولا تجُر، ولا تسرف في حكمك، بالميل منك مع أحدنا على صاحبه. وفيه لغتان: أشَطَّ، وشَطَّ. ومن الإشطاط قول الأحوص: ألا يا لقَوْمٍ قدْ أشَطَّتْ عَوَاذِلِي ... وَيَزْعُمْنَ أنْ أودَى بحَقِّي باطِلي [[وهذا البيت للأحوص، وهو كسابقه مروي في اللسان:" شطط" وفي مجاز القرآن لأبي عبيدة، شاهداً على أن معنى أشطت، بالهمز في أوله: أبعدت. وأودى بحقه: ذهب به وأهلكه.]] ومسموع من بعضهم: شَطَطْتَ عليّ في السَّوم. فأما في البعد فإن أكثر كلامهم: شَطَّتْ الدار، فهي تَشِطّ، كما قال الشاعر: تَشِطُّ غَدًا دَارُ جِيرَانِنَا ... وللدَّارُ بَعْدَ غَدٍ أبْعَدُ [[البيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ٢١٣) عند قوله تعالى:" ولا تشطط" أي: لا تسرف. وأنشد" تشطط غدا دار جيراننا ... " البيت. ويقال: كلفتني شططا: منه وشطت الدار: بعدت. أهـ. وفي اللسان: (شطط) : وفي التنزيل" ولا تشطط". وقريء" ولا تشطط" بضم الطاء الأولى، وفتح التاء، ومعناها: لا تبعد عن الحق. أهـ.]] * * وقوله ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ يقول: وأرشدنا إلى قصد الطريق المستقيم. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ : أي لا تمل. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ يقول: لا تُحِف. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ تخالف عن الحقّ، وكالذي قلنا أيضا في قوله ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ قالوا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ إلى عدله وخيره. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ إلى عدل القضاء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ قال: إلى الحق الذي هو الحق: الطريق المستقيم ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ تذهب إلى غيرها. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ : أي احملنا على الحق، ولا تخالف بنا إلى غيره.

Al-Mukhtasar (français)

Ils entrèrent soudainement auprès de lui et il fut pris de frayeur par cette intrusion. Lorsqu’ils virent sa réaction, ils lui dirent: Ne crains rien, nous sommes deux antagonistes et l’un de nous a commis une injustice envers l’autre. Juge entre nous avec équité, ne sois pas injuste et oriente-nous vers le droit chemin.

23

إِنَّ هَٰذَآ أَخِى لَهُۥ تِسْعٌۭ وَتِسْعُونَ نَعْجَةًۭ وَلِىَ نَعْجَةٌۭ وَٰحِدَةٌۭ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ

Celui-ci est mon frère: il a quatre-vingt-dix-neuf brebis, tandis que je n'ai qu'une brebis. Il m'a dit: «Confie-la-moi» et dans la conversation, il a beaucoup fait pression sur moi».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

قَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ هَاهُنَا قِصَّةً أَكْثَرُهَا مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهَا عَنِ الْمَعْصُومِ حَدِيثٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَلَكِنْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هُنَا حَدِيثًا لَا يَصِحُّ سَنَدُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ أَنَسٍ -وَيَزِيدُ وَإِنْ كَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ-لَكِنَّهُ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ فَالْأُولَى أَنْ [[في ت: "أنه".]] يُقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ تِلَاوَةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَأَنْ يُرَدَّ عِلْمُهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ وَمَا تَضَمَّنَ فَهُوَ حَقٌّ أَيْضًا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ [إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ] فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ [[زيادة من ت، أ.]] إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي مِحْرَابِهِ، وَهُوَ أَشْرَفُ مَكَانٍ فِي دَارِهِ وَكَانَ قَدْ أَمَرَ أَلَّا يَدْخُلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَلَمْ يَشْعُرْ إِلَّا بِشَخْصَيْنِ قَدْ تَسَوَّرا عَلَيْهِ الْمِحْرَابَ أَيِ: احْتَاطَا بِهِ يَسْأَلَانِهِ عَنْ شَأْنِهِمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أَيْ: غَلَبَنِي يُقَالُ: عَزَّ يَعِزُّ: إِذَا قَهَرَ وَغَلَبَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيِ اخْتَبَرْنَاهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ أَيْ: سَاجِدًا ﴿وَأَنَابَ﴾ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَكَعَ أَوَّلًا ثُمَّ سَجَدَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ اسْتَمَرَّ سَاجِدًا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أَيْ: مَا كَانَ مِنْهُ مِمَّا يُقَالُ فِيهِ: إِنَّ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [[في أ: "رحمهم الله".]] فِي سَجْدَةِ "ص" هَلْ هِيَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ الْجَدِيدُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ بَلْ هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ-عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في أ: "عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ"، وفي ت: "ما رواه الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس" زيادة من أ.]] أَنَّهُ قَالَ فِي السُّجُودِ فِي "ص": لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ بِهِ [[المسند (١/٣٦٠) وصحيح البخاري برقم (١٠٦٩) وسنن أبي داود برقم (١٤٠٩) وسنن الترمذي برقم (٥٧٧) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ [[في أ: "حديث حسن".]] صَحِيحٌ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] النَّسَائِيُّ أَيْضًا عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ -هُوَ الْمِقْسَمِيُّ-حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو [[في أ: "عمر".]] بْنُ ذَرٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أن النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِي "ص" وَقَالَ: "سَجَدَهَا دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَوْبَةً وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا". تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ النَّسَائِيُّ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٨) .]] وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَقَدْ أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الحجاج المزي قراءة عليه وأنا أسمع: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُدَرَّجِيُّ [[في أ: "أبو إسحاق بن المدرجي".]] أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الثَّقَفِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ الشَّحَامِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الكَنْجَرُوذي أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا محمد بن يزيد ابن خُنَيْس عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يَا حَسَنُ حَدَّثَنِي جَدُّكَ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ فَقَرَأْتُ السَّجْدَةَ فَسَجَدْتُ فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي فَسَمِعْتُهَا تَقُولُ وَهِيَ سَاجِدَةٌ: اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا وَاقْبَلْهَا مِنِّي كَمَا قَبِلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ فَقَرَأَ السَّجْدَةَ ثُمَّ سَجَدَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَهُوَ سَاجِدٌ كَمَا حَكَى الرَّجُلُ مِنْ كَلَامِ الشَّجَرَةِ [[رواه المزي في تهذيب الكمال (٦/٣١٤) .]] رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ خَلَّادٍ كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ [[في أ: "يزيد بن حبيش".]] نَحْوَهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[سنن الترمذي برقم (٥٧٩) وسنن ابن ماجة برقم (١٠٥٣) .]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِهَا أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبِيدِ الطَّنَافِسِيُّ عَنِ الْعَوَامِّ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةِ "ص" فَقَالَ: [[في ت: "بإسناده إلى مجاهد قال".]] سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: مِنْ أين سجدت؟ فقال: أو ما تَقْرَأُ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الْأَنْعَامِ:٨٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ:٩٠] [[في ت، س، أ: "هداهم" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.]] فَكَانَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّنْ [[في ت، س: "فيمن".]] أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فَسَجَدَهَا دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٠٧) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا بَكْرٌ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ-أَنَّهُ أَخْبَرَهُ [[في ت: "بإسناده".]] أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ [[في أ: "الخدري رضي الله عنه".]] رَأَى رُؤْيَا أَنَّهُ يَكْتُبُ "ص" فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى الَّتِي يَسْجُدُ بِهَا رَأَى الدَّوَاةَ وَالْقَلَمَ وَكُلَّ شَيْءٍ بِحَضْرَتِهِ انْقَلَبَ سَاجِدًا قَالَ: فَقَصَّهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَزَلْ يَسْجُدُ بِهَا بَعْدُ. تَفَرَّدَ بِهِ [الْإِمَامُ] [[زيادة من أ.]] أَحْمَدُ [[المسند (٣/٧٨) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عن أبي سعيد الخدري رضي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ "ص" فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزّن [[في ت: "تشدد".]] النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ: "إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ وَلَكِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَشَزّنْتُم". فَنَزَلَ وَسَجَدَ وَسَجَدُوا. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (١٤١٠) .]] وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أَيْ: وَإِنَّ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا وَحُسْنَ مَرْجِعٍ وَهُوَ الدَّرَجَاتُ الْعَالِيَاتُ فِي الْجَنَّةِ لِتَوْبَتِهِ [[في ت، س: "لنبوته".]] وَعَدْلِهِ التَّامِّ فِي مُلْكِهِ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يُقْسِطُونَ فِي أَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا" [[صحيح مسلم برقم (١٨٢٧) من حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ عَنْ عَطِيَّةَ [[في ت: "وروى الترمذي".]] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِلٌ [[في أ: "عدل".]] وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَشَدَّهُمْ عَذَابًا إِمَامٌ جَائِرٌ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ فُضَيْلٍ -وَهُوَ ابْنُ مَرْزُوقٍ الْأَغَرُّ-عَنْ عَطِيَّةَ بِهِ [[المسند (٣/٢٢) وسنن الترمذي برقم (١٣٢٩) .]] وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قَالَ: يُقَامُ دَاوُدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ سَاقِ الْعَرْشِ ثُمَّ يَقُولُ: يَا دَاوُدُ مَجِّدْنِي الْيَوْمَ بِذَلِكَ الصَّوْتِ الْحَسَنِ الرَّخِيمِ الَّذِي كُنْتَ تُمَجِّدُنِي بِهِ فِي الدُّنْيَا. فَيَقُولُ: وَكَيْفَ وَقَدْ سُلِبْتُهُ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي أَرُدُّهُ عَلَيْكَ الْيَوْمَ. قَالَ: فَيَرْفَعُ دَاوُدُ بِصَوْتٍ يَسْتَفْرِغُ نعيم أهل الجنان.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) ﴾ وهذا مثل ضربه الخصم المتسوّرون على داود محرابه له، وذلك أن داود كانت له فيما قيل: تسع وتسعون امرأة، وكانت للرجل الذي أغزاه حتى قُتل امرأة واحدة؛ فلما قتل نكح فيما ذكر داود امرأته، فقال له أحدهما: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ يقول: أخي على ديني. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ : أي على ديني ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ . وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله:" إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى" وذلك على سبيل توكيد العرب الكلمة، كقولهم: هذا رجل ذكر، ولا يكادون أن يفعلوا ذلك إلا في المؤنث والمذكر الذي تذكيره وتأنيثه في نفسه كالمرأة والرجل والناقة، ولا يكادون أن يقولوا هذه دار أنثى، وملحفة أنثى، لأن تأنيثها في اسمها لا في معناها. وقيل: عنى بقوله: أنثى: أنها حسنة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن المحاربي، عن جُوَيبر، عن الضحاك" إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى" يعني بتأنيثها. حسنها. * * وقوله ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ يقول: فقال لي: انزل عنها لي وضمها إليّ. كما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ قال: أعطنيها، طلِّقها لي، أنكحها، وخلّ سبيلها. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، فقال: ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ أي احملني عليها. * * وقوله ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ يقول: وصار أعز مني في مخاطبته إياي، لأنه إن تكلم فهو أبين مني، وإن بطش كان أشدّ مني فقهرني. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: قال عبد الله في قوله ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ قال: ما زاد داود على أن قال: انزل لي عنها. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن المسعودي، عن المنهال، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: ما زاد على أن قال: انزل لي عنها. ⁕ وحدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال: قال عبد الله: ما زاد داود على أن قال: ﴿أكفلنيها﴾ . ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ قال: إن دعوت ودعا كان أكثر، وإن بطشت وبطش كان أشدّ مني، فذلك قوله ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ ؛ أي ظلمني وقهرني. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ قال: قهرني، وذلك العزّ؛ قال: والخطاب: الكلام. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ : أي قهرني في الخطاب، وكان أقوى مني، فحاز نعجتي إلى نعاجه، وتركني لا شيء لي. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ قال: إن تكلم كان أبين مني، وإن بطش كان أشدّ مني، وإن دعا كان أكثر مني.

Al-Mukhtasar (français)

L’un des deux antagonistes dit à David: Cet homme est mon frère. Il possède quatre-vingt-dix-neuf brebis et j’en possède une. Il me demanda de lui donner la mienne et a fait preuve de grande persuasion.

24

قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٌۭ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًۭا وَأَنَابَ ۩

Il [David] dit: «Il a été certes injuste envers toi en demandant de joindre ta brebis à ses brebis». Beaucoup de gens transgressent les droits de leurs associés, sauf ceux qui croient et accomplissent les bonnes œuvres - cependant ils sont bien rares -. Et David pensa alors que Nous l'avions mis à l'épreuve. Il demanda donc pardon à son Seigneur et tomba prosterné et se repentit.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

قَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ هَاهُنَا قِصَّةً أَكْثَرُهَا مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهَا عَنِ الْمَعْصُومِ حَدِيثٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَلَكِنْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هُنَا حَدِيثًا لَا يَصِحُّ سَنَدُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ أَنَسٍ -وَيَزِيدُ وَإِنْ كَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ-لَكِنَّهُ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ فَالْأُولَى أَنْ [[في ت: "أنه".]] يُقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ تِلَاوَةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَأَنْ يُرَدَّ عِلْمُهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ وَمَا تَضَمَّنَ فَهُوَ حَقٌّ أَيْضًا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ [إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ] فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ [[زيادة من ت، أ.]] إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي مِحْرَابِهِ، وَهُوَ أَشْرَفُ مَكَانٍ فِي دَارِهِ وَكَانَ قَدْ أَمَرَ أَلَّا يَدْخُلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَلَمْ يَشْعُرْ إِلَّا بِشَخْصَيْنِ قَدْ تَسَوَّرا عَلَيْهِ الْمِحْرَابَ أَيِ: احْتَاطَا بِهِ يَسْأَلَانِهِ عَنْ شَأْنِهِمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أَيْ: غَلَبَنِي يُقَالُ: عَزَّ يَعِزُّ: إِذَا قَهَرَ وَغَلَبَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيِ اخْتَبَرْنَاهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ أَيْ: سَاجِدًا ﴿وَأَنَابَ﴾ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَكَعَ أَوَّلًا ثُمَّ سَجَدَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ اسْتَمَرَّ سَاجِدًا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أَيْ: مَا كَانَ مِنْهُ مِمَّا يُقَالُ فِيهِ: إِنَّ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [[في أ: "رحمهم الله".]] فِي سَجْدَةِ "ص" هَلْ هِيَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ الْجَدِيدُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ بَلْ هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ-عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في أ: "عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ"، وفي ت: "ما رواه الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس" زيادة من أ.]] أَنَّهُ قَالَ فِي السُّجُودِ فِي "ص": لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ بِهِ [[المسند (١/٣٦٠) وصحيح البخاري برقم (١٠٦٩) وسنن أبي داود برقم (١٤٠٩) وسنن الترمذي برقم (٥٧٧) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ [[في أ: "حديث حسن".]] صَحِيحٌ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] النَّسَائِيُّ أَيْضًا عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ -هُوَ الْمِقْسَمِيُّ-حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو [[في أ: "عمر".]] بْنُ ذَرٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أن النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِي "ص" وَقَالَ: "سَجَدَهَا دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَوْبَةً وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا". تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ النَّسَائِيُّ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٨) .]] وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَقَدْ أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الحجاج المزي قراءة عليه وأنا أسمع: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُدَرَّجِيُّ [[في أ: "أبو إسحاق بن المدرجي".]] أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الثَّقَفِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ الشَّحَامِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الكَنْجَرُوذي أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا محمد بن يزيد ابن خُنَيْس عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يَا حَسَنُ حَدَّثَنِي جَدُّكَ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ فَقَرَأْتُ السَّجْدَةَ فَسَجَدْتُ فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي فَسَمِعْتُهَا تَقُولُ وَهِيَ سَاجِدَةٌ: اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا وَاقْبَلْهَا مِنِّي كَمَا قَبِلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ فَقَرَأَ السَّجْدَةَ ثُمَّ سَجَدَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَهُوَ سَاجِدٌ كَمَا حَكَى الرَّجُلُ مِنْ كَلَامِ الشَّجَرَةِ [[رواه المزي في تهذيب الكمال (٦/٣١٤) .]] رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ خَلَّادٍ كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ [[في أ: "يزيد بن حبيش".]] نَحْوَهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[سنن الترمذي برقم (٥٧٩) وسنن ابن ماجة برقم (١٠٥٣) .]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِهَا أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبِيدِ الطَّنَافِسِيُّ عَنِ الْعَوَامِّ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةِ "ص" فَقَالَ: [[في ت: "بإسناده إلى مجاهد قال".]] سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: مِنْ أين سجدت؟ فقال: أو ما تَقْرَأُ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الْأَنْعَامِ:٨٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ:٩٠] [[في ت، س، أ: "هداهم" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.]] فَكَانَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّنْ [[في ت، س: "فيمن".]] أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فَسَجَدَهَا دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٠٧) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا بَكْرٌ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ-أَنَّهُ أَخْبَرَهُ [[في ت: "بإسناده".]] أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ [[في أ: "الخدري رضي الله عنه".]] رَأَى رُؤْيَا أَنَّهُ يَكْتُبُ "ص" فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى الَّتِي يَسْجُدُ بِهَا رَأَى الدَّوَاةَ وَالْقَلَمَ وَكُلَّ شَيْءٍ بِحَضْرَتِهِ انْقَلَبَ سَاجِدًا قَالَ: فَقَصَّهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَزَلْ يَسْجُدُ بِهَا بَعْدُ. تَفَرَّدَ بِهِ [الْإِمَامُ] [[زيادة من أ.]] أَحْمَدُ [[المسند (٣/٧٨) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عن أبي سعيد الخدري رضي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ "ص" فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزّن [[في ت: "تشدد".]] النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ: "إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ وَلَكِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَشَزّنْتُم". فَنَزَلَ وَسَجَدَ وَسَجَدُوا. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (١٤١٠) .]] وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أَيْ: وَإِنَّ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا وَحُسْنَ مَرْجِعٍ وَهُوَ الدَّرَجَاتُ الْعَالِيَاتُ فِي الْجَنَّةِ لِتَوْبَتِهِ [[في ت، س: "لنبوته".]] وَعَدْلِهِ التَّامِّ فِي مُلْكِهِ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يُقْسِطُونَ فِي أَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا" [[صحيح مسلم برقم (١٨٢٧) من حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ عَنْ عَطِيَّةَ [[في ت: "وروى الترمذي".]] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِلٌ [[في أ: "عدل".]] وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَشَدَّهُمْ عَذَابًا إِمَامٌ جَائِرٌ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ فُضَيْلٍ -وَهُوَ ابْنُ مَرْزُوقٍ الْأَغَرُّ-عَنْ عَطِيَّةَ بِهِ [[المسند (٣/٢٢) وسنن الترمذي برقم (١٣٢٩) .]] وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قَالَ: يُقَامُ دَاوُدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ سَاقِ الْعَرْشِ ثُمَّ يَقُولُ: يَا دَاوُدُ مَجِّدْنِي الْيَوْمَ بِذَلِكَ الصَّوْتِ الْحَسَنِ الرَّخِيمِ الَّذِي كُنْتَ تُمَجِّدُنِي بِهِ فِي الدُّنْيَا. فَيَقُولُ: وَكَيْفَ وَقَدْ سُلِبْتُهُ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي أَرُدُّهُ عَلَيْكَ الْيَوْمَ. قَالَ: فَيَرْفَعُ دَاوُدُ بِصَوْتٍ يَسْتَفْرِغُ نعيم أهل الجنان.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: قال داود للخصم المتظلم من صاحبه: لقد ظلمك صاحبك بسؤاله نعجتك إلى نعاجه؛ وهذا مما حذفت منه الهاء فأضيف بسقوط الهاء منه إلى المفعول به، ومثله قوله عزّ وجلّ: ﴿لا يَسْأَمُ الإنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ والمعنى: من دعائه بالخير، فلما ألقيت الهاء من الدعاء أضيف إلى الخير، وألقي من الخير الباء؛ وإنما كنى بالنعجة ها هنا عن المرأة، والعرب تفعل ذلك؛ ومنه قول الأعشى: قَدْ كُنْتُ رَائِدَهَا وَشاةِ مُحَاذِرٍ ... حَذرًا يُقِلُّ بعَيْنِهِ إغْفَالَهَا [[البيت في ديوان الأعشى ميمون بن قيس (طبعة القاهرة ص ٢٧) من لاميته التي مطلعها:" رحلت سمية غدوة أجمالها ... " البيت وفيه:" بت" في مكان" كنت". والضمير في رائدها: راجع على الأرض التي تزينت بأنواع النبات في البيت السابق. والشاة من الحيوان: يكنى بها عن المرأة. ومحاذر: شديد المحاذرة عليها دائم المراقبة لها، وهو زوجها. وقوله" شاة" بالجر: معطوف على قوله في بيت سابق:" رب غانية صرمت وصالها". يقول: رب مصاب سحابة بت رائدها، ورب امرأة لها زوج يحذر عليها ويراقبها مراقبة شديدة، حتى إذا غفل عنها آخر الليل، دنوت منها.... الخ.]] يعني بالشاة: امرأة رجل يحذر الناس عليها؛ وإنما يعني: لقد ظلمت بسؤال امرأتك الواحدة إلى التسع والتسعين من نسائه. * * وقوله ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يقول: وإن كثيرا من الشركاء ليتعدَّى بعضهم على بعض ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يقول: وعملوا بطاعة الله، وانتهوا إلى أمره ونهيه، ولم يتجاوزوه ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ وفي"ما" التي في قوله ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ وجهان: أحدهما أن تكون صلة بمعنى: وقليل هم، فيكون إثباتها وإخراجها من الكلام لا يفسد معنى الكلام: والآخر أن تكون اسما، و"هم" صلة لها، بمعنى: وقليل ما تجدهم، كما يقال: قد كنت أحسبك أعقل مما أنت، فتكون أنت صلة لما، والمعنى: كنت أحسب عقلك أكثر مما هو، فتكون"ما" والاسم مصدرا، ولو لم ترد المصدر لكان الكلام بمن، لأن من التي تكون للناس وأشباههم، ومحكي عن العرب: قد كنت أراك أعقل منك مثل ذلك، وقد كنت أرى أنه غير ما هو، بمعنى: كنت أراه على غير ما رأيت. ورُوي عن ابن عباس في ذلك ما:- ⁕ حدثني به عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن على، عن ابن عباس، في قوله ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ يقول: وقليل الذين هم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ قال: قليل من لا يبغي. فعلى هذا التأويل الذي تأوله ابن عباس معنى الكلام: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وقليل الذين هم كذلك، بمعنى: الذين لا يبغي بعضهم على بعض، و"ما" على هذا القول بمعنى: مَنْ. * * وقوله ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ يقول: وعلم داود أنما ابتُليناه، كما: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ﴾ : علم داود. ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ قال: ظن أنما ابتُلي بذاك. ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ قال: ظن أنما ابتُلي بذاك. ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ اختبرناه. والعرب توجه الظن إذا أدخلته على الإخبار كثيرا إلى العلم الذي هو من غير وجه العيان. * * وقوله ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ يقول: فسأل داود ربه غفران ذنبه ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ يقول: وخر ساجدا لله ﴿وَأَنَابَ﴾ يقول: ورجع إلى رضا ربه، وتاب من خطيئته. واختلف في سبب البلاء الذي ابتُلي به نبي الله داود ﷺ، فقال بعضهم: كان سبب ذلك أنه تذكر ما أعطى الله إبراهيم وإسحاق ويعقوب من حسن الثناء الباقي لهم في الناس، فتمنّى مثله، فقيل له: إنهم امتُحنوا فصبروا، فسأل أن يُبتلى كالذي ابتلوا، ويُعطى كالذي أعطوا إن هو صبر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ قال: إن داود قال: يا رب قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لوددت أنك أعطيتني مثله، قال الله: إني ابتُليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتُليتك بمثل ما ابتُليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم، قال: نعم، قال له: فاعمل حتى أرى بلاءك؛ فكان ما شاء الله أن يكون، وطال ذلك عليه، فكاد أن ينساه؛ فبينا هو في محرابه، إذ وقعت عليه حمامة من ذهب فأراد أن يأخذها، فطار إلى كوّة المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت، فاطلع من الكوّة، فرأى امرأة تغتسل، فنزل نبي الله ﷺ من المحراب، فأرسل إليها فجاءته، فسألها عن زوجها وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السَّرية أن يُؤَمِّره على السرايا ليهلك زوجها، ففعل، فكان يُصاب أصحابه وينجو، وربما نُصروا، وإن الله عزّ وجلّ لما رأى الذي وقع فيه داود، أراد أن يستنقذه؛ فبينما داود ذات يوم في محرابه، إذ تسوّر عليه الخصمان من قبل وجهه؛ فلما رآهما وهو يقرأ فزع وسكت، وقال: لقد استضعفت في ملكي حتى إن الناس يستوّرون عليّ محرابي، قالا له: ﴿لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ ولم يكن لنا بد من أن نأتيك، فاسمع منا؛ قال أحدهما: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ أنثى ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ يريد أن يتمم بها مئة، ويتركني ليس لي شيء ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ قال: إن دعوت ودعا كان أكثر، وإن بطشت وبطش كان أشد مني، فذلك قوله ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ قال له داود: أنت كنت أحوج إلى نعجتك منه ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ .. إلى قوله ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ ونسي نفسه ﷺ، فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك، فتبسم أحدهما إلى الآخر، فرآه داود وظن أنما فتن ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ أربعين ليلة، حتى نبتت الخُضرة من دموع عينيه، ثم شدّد الله له ملكه. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ قال: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام: يوم يقضي فيه بين الناس، ويوم يخلو فيه لعبادة ربه، ويوم يخلو فيه لنسائه؛ وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب أنه كان يجد فيه فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال: يا رب إن الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي، فأعطني مثل ما أعطيتهم، وافعل بي مثل ما فعلت بهم، قال: فأوحى الله إليه: إن آباءك ابتُلوا ببلايا لم تبتل بها؛ ابتُلي إبراهيم بذبح ابنه، وابتُلي إسحاق بذهاب بصره، وابتُلي يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تبتل من ذلك بشيء، قال: يا رب ابتلني بمثل ما ابتُليتهم به، وأعطني مثل ما أعطيتهم؛ قال. فأوحي إليه: إنك مبتلى فاحترس؛ قال: فمكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، إذ جاءه الشيطان قد تمثّل في صورة حمامة من ذهب، حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي، فمد يده ليأخذه، فتنحى فتبعه، فتباعد حتى وقع في كوّة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوّة، فنظر أين يقع، فيبعث في أثره. قال: فأبصر امرأة تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خَلْقا، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقت شعرها فاستترت به، قال: فزاده ذلك فيها رغبة، قال: فسأل عنها، فأخبر أن لها زوجا، وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا؛ قال: فبعث إلى صاحب المسلحة أن يبعث أهريا [[سيأتي في ١٤٩ أن اسمه" أوريا".]] إلى عدوّ كذا وكذا، قال: فبعثه، ففتح له. قال: وكتب إليه بذلك، قال: فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدوّ كذا وكذا، أشد منهم بأسا، قال: فبعثا ففتح له أيضا. قال: فكتب إلى داود بذلك، قال: فكتب إليه أن ابعثه إلى عدوّ كذا وكذا، فبعثه فقتل المرة الثالثة، قال: وتزوج امرأته. قال: فلما دخلت عليه، قال: لم تلبث عنده إلا يسيرا حتى بعث الله مَلَكين في صور إنسيين، فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته، فمنعهما الحرس أن يدخلا فتسوّروا عليه المحراب، قالا فما شعر وهو يصلي إذ هو بهما بين يديه جالسين، قال: ففزع منهما، فقالا ﴿لا تَخَفْ﴾ إنما نحن ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ﴾ يقول: لا تحف ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ : إلى عدل القضاء. قال: فقال: قصّا عليّ قصّتكما، قال: فقال أحدهما: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ فهو يريد أن يأخذ نعجتي، فيكمل بها نعاجه مئة. قال: فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي تسعا وتسعين نعجة، ولأخي هذا نعجة واحدة، فأنا أريد أن آخذها منه، فأكمل بها نعاجي مئة، قال: وهو كاره؟ قال: وهو كاره، قال: وهو كاره؟ قال: إذن لا ندعك وذاك، قال: ما أنت على ذلك بقادر، قال: فإن ذهبت تروم ذلك أو تريد، ضربنا منك هذا هذا وهذا، وفسر أسباط طرف الأنف، وأصل الأنف والجبهة؛ قال: يا داود أنت أحق أن يُضرب منك هذا وهذا وهذا، حيث لك تسع وتسعون نعجة امرأة، ولم يكن لأهريا إلا امرأة واحدة، فلم تزل به تعرضه للقتل حتى قتلته، وتزوجت امرأته. قال: فنظر فلم ير شيئا، فعرف ما قد وقع فيه، وما قد ابتُلي به. قال: فخر ساجدا، قال: فبكى. قال: فمكث يبكي ساجدا أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا لحاجة منها، ثم يقع ساجدا يبكي، ثم يدعو حتى نبت العشب من دموع عينيه. قال: فأوحى الله إليه بعد أربعين يوما: يا داود ارفع رأسك، فقد غفرت لك، فقال: يا رب كيف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء، إذا جاءك أهريا يوم القيامة آخذا رأسه بيمينه أو بشماله تشخب أوداجه دما فى قبل عرشك يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني؟ قال: فأوحى إليه: إذا كان ذلك دعوت أهريا فأستوهبك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة، قال: رب الآن علمت أنك قد غفرت لي، قال: فما استطاع أن يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض ﷺ. ⁕ حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: ثني عطاء الخراساني، قال: نقش داود خطيئته في كفه لكيلا ينساها، قال: فكان إذا رآها خفقت يده واضطربت. وقال آخرون: بل كان ذلك لعارض كان عرض في نفسه من ظن أنه يطيق أن يتم يوما لا يصيب فيه حوبة، فابتُلي بالفتنة التي ابتُلي بها في اليوم الذي طمع في نفسه بإتمامه بغير إصابة ذنب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن مطر، عن الحسن: إن داود جَزَّأ الدهر أربعة أجزاء: يوما لنسائه، ويوما لعبادته، ويوما لقضاء بني إسرائيل، ويوما لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه، ويبكيهم ويبكونه؛ فلما كان يوم بني إسرائيل قال: ذكروا فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك؛ فلما كان يوم عبادته، أغلق أبوابه، وأمر أن لا يدخل عليه أحد، وأكب على التوراة؛ فبينما هو يقرؤها، فإذا حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن، قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، قال: فطارت، فوقعت غير بعيد، من غير أن تُؤيسه من نفسها، قال: فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل، فأعجبه خَلْقها وحُسنها؛ قال: فلما رأت ظله في الأرض، جللت نفسها بشعرها، فزاده ذلك أيضا إعجابا بها، وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسير إلى مكان كذا وكذا، مكان إذا سار إليه لم يرجع، قال: ففعل، فأصيب فخطبها فتزوجها. قال: وقال قتادة: بلغنا إنها أم سليمان، قال: فبينما هو في المحراب، إذ تسور الملكان عليه، وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من بان المحراب، ففزع منهم حين تسوروا المحراب، فقالوا: ﴿لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ .. حتى بلغ ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ : أي لا تمل ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ : أي أعدله وخيره ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ وكان لداود تسع وتسعون امرأة ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ قال: وإنما كان للرجل امرأة واحدة ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أي: ظلمني وقهرني، فقال: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ .. إلى قوله ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ﴾ فعلم داود أنما صمد له: أي عنى به ذلك ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ قال: وكان في حديث مطر، أنه سجد أربعين ليلة، حتى أوحى الله إليه: إني قد غمرت لك، قال: رب وكيف تغفر لي وأنت حكم عدل، لا تظلم أحدا؟ قال: إني أقضيك له، ثم أستوهبه دمك أو ذنبك، ثم أثيبه حتى يرضى، قال: الآن طابت نفسي، وعلمت أنك قد غفرت لي. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه اليماني، قال: لما اجتمعت بنو إسرائيل، على داود، أنزل الله عليه الزبور، وعلمه صنعة الحديد، فألانه له، وأمر الجبال والطير أن يسبِّحن معه إذا سبح، ولم يعط الله فيما يذكرون أحدا من خلقه مثل صوته، كان إذا قرأ الزبور فيما يذكرون، تدنو له الوحوش حتى يأخذ بأعناقها، وإنها لمصيخة تسمع لصوته، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج، إلا على أصناف صوته، وكان شديد الاجتهاد دائب العبادة، فأقام في بني إسرائيل يحكم فيهم بأمر الله نبيا مستخلفا، وكان شديد الاجتهاد من الأنبياء، كثير البكاء، ثم عرض من فتنة تلك المرأة ما عرض له، وكان له محراب يتوحَّد فيه لتلاوة الزبور، ولصلاته إذا صلى، وكان أسفل منه جنينة لرجل من بني إسرائيل، كان عند ذلك الرجل المرأة التي أصاب داود فيها ما أصابه ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، أن داود حين دخل محرابه ذلك اليوم، قال: لا يدخلن عليّ محرابي اليوم أحد حتى الليل، ولا يشغلني شيء عما خلوت له حتى أمسي؛ ودخل محرابه، ونشر زبوره يقرؤه وفي المحراب كوّة تطلعه على تلك الجنينة، فبينا هو جالس يقرأ زبور، إذ أقبلت حمامة من ذهب حتى وقعت في الكوّة، فرفع رأسه فرآها، فأعجبته، ثم ذكر ما كان قال: لا يشغله شيء عما دخل له، فنكَّس رأسه وأقبل على زَبوره، فتصوبت الحمامة للبلاء والاختبار من الكوّة، فوقعت بين يديه، فتناولها بيده، فاستأخرت غير بعيد، فاتبعها، فنهضت إلى الكوّة، فتناولها في الكوّة، فتصوبت إلى الجنينة، فأتبعها بصره أين تقع، فإذا المرأة جالسة تغتسل بهيئة الله أعلم بها في الجمال والحُسن والخَلْق؛ فيزعمون أنها لما رأته نقضت رأسها فوارت به جسدها منه، واختطفت قلبه، ورجع إلى زَبوره ومجلسه، وهي من شأنه لا يفارق قلبه ذكرها. وتمادى به البلاء حتى أغزى زوجها، ثم أمر صاحب جيشه فيما يزعم أهل الكتاب أن يقدم زوجها للمهالك حتى أصابه بعض ما أراد به من الهلاك، ولداود تسع وتسعون امرأة؛ فلما أصيب زوجها خطبها داود، فنكحها، فبعث الله إليه وهو في محرابه ملَكين يختصمان إليه، مثلا يضربه له ولصاحبه، فلم يرع داود إلا بهما واقفين على رأسه في محرابه، ففال: ما أدخلكما عليّ؟ قالا لا تخف لم ندخل لبأس ولا لريبة ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ فجئناك لتقضي بيننا ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ : أي احملنا على الحقّ، ولا تخالف بنا إلى غيره؛ قال الملك الذي يتكلم عن أوريا بن حنانيا زوج المرأة: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ أي على ديني ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ أي احملني عليها، ثم عزّني في الخطاب: أي قهرني في الخطاب، وكان أقوى مني هو وأعزّ، فحاز نعجتي إلى نعاجه وتركني لا شيء لي؛ فغضب داود، فنظر إلى خصمه الذي لم يتكلم، فقال: لئن كان صدقني ما يقول، لأضربن بين عينيك بالفأس! ثم ارعوى داود، فعرف أنه هو الذي يراد بما صنع في امرأة أوريا، فوقع ساجدا تائبا منيبا باكيا، فسجد أربعين صباحا صائما لا يأكل فيها ولا يشرب، حتى أنبت دمعه الخضر تحت وجهه، وحتى أندب السجود في لحم وجهه، فتاب الله عليه وقبل منه. ويزعمون أنه قال: أي رب هذا غفرت ما جنيت في شأن المرأة، فكيف بدم القتيل المظلوم؟ قيل له: يا داود، فيما زعم أهل الكتاب، أما إن ربك لم يظلمه بدمه، ولكنه سيسأله إياك فيعطيه، فيضعه عنك؛ فلما فرج عن داود ما كان فيه، رسم خطيئته في كفه اليمنى بطن راحته، فما رفع إلى فيه طعاما ولا شرابا قط إلا بكى إذا رآها، وما قام خطيبا في الناس قط إلا نشر راحته، فاستقبل بها الناس ليروا رسم خطيئته في يده. ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا يذكر عن مجاهد قال: لما أصاب داود الخطيئة خر لله ساجدا أربعين يوما حتى نبت من دموع عينيه من البقل ما غطَّى رأسه؛ ثم نادى: رب قرح الجبين، وَجمَدت العين، وداود لم يرجع إليه في خطيئته شيء، فنودي: أجائع فتطعم، أم مريض فتشفى، أم مظلوم فينتصر لك؟ قال: فنحب نحبة هاج كلّ شيء كان نبت، فعند ذلك غفر له. وكانت خطيئته مكتوبة بكفه يقرؤها، وكان يؤتى بالإناء ليشرب فلا يشرب إلا ثلثه أو نصفه، وكان يذكر خطيئته، فينحِب النَّحْبة تكاد مفاصله تزول بعضها من بعض، ثم ما يتم شرابه حتى يملأه من دموعه؛ وكان يقال: إن دمعة داود، تعدل دمعة الخلائق، ودمعة آدم تعدل دمعة داود ودمعة الخلائق، قال: فهو يجيء يوم القيامة خطيئته مكتوبة بكفه، فيقول: رب ذنبي ذنبي قدّمني، قال: فيقدّم فلا يأمن فيقول: ربّ أخِّرني فيؤخَّر فلا يأمن. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لَهِيعة، عن أبي صخر، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك سمعه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول:"إنَّ دَاوُدَ النَّبِيّ ﷺ حِينَ نَظَرَ إلَى المَرْأَةِ فَأَهَمَّ، قَطَعَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ، فَأَوْصَى صَاحِبَ البَعْثِ، فَقَالَ: إذَا حَضَرَ العَدُوُّ، فَقَرَّبَ فُلانًا بَيْنَ يَدَيِ التَّابُوتِ، وَكَانَ التَّابُوتُ فِي ذَلِكَ الزَّمانِ يُسْتَنْصَرُ بِهِ، وَمَنْ قُدّمَ بَيْنَ يَدَيِ التَّابُوتِ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يُقْتَلَ أوْ يُهْزَمَ عَنْهُ الجَيْشُ، فَقُتِلَ زُوْجُ المَرْأَةِ وَنزلَ المَلَكَانِ عَلى دَاوُدَ يَقُصَّانِ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ، فَفَطِنَ دَاوُدُ فَسَجَدَ، فَمَكَثَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً سَاجِدًا حَتَّى نَبَتَ الزَّرْعُ مِنْ دُمُوعِهِ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَكَلَتِ الأرْضُ جَبِينَهُ وَهُوَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ" فَلَمْ أُحْصِ مِنَ الرّقاشيِّ إلا هؤلاء الكلمات:"رَبِّ زَلَّ دَاوُدُ أبْعَدُ مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، إنْ لَمْ تَرْحَمْ ضَعْفَ دَاوُدَ وَتَغْفِرْ ذَنْبَهُ، جَعَلْتُ ذَنْبَهُ حَدِيثًا فِي الخُلُوفِ مِنْ بَعْدِهِ، فَجَاءَهُ جِبْرَائِيلُ ﷺ مِنْ بَعْدِ الأرْبَعِينَ لَيْلَةً، قَالَ: يَا دَاوُدُ إنَّ الله قَدْ غَفَرَ لَكَ الهَمَّ الَّذِي هَمَمْتَ بِهِ، فَقَالَ دَاوُدُ: عَلِمْت أن الرب قادر على أن يغفر لي الهم الذي هممت به، وقد عرفت أن الله عدل لا يميل فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة فقال: يا رب دمي الذي عنْدَ دَاوُدَ، فَقالَ جِبْرائيل ﷺ: ما سألْتُ رَبَّكَ عَنْ ذلكَ، وَلَئنْ شِئْتَ لأفْعَلَنَّ، فقال: نَعَمْ، فَعَرجَ جِبْريلُ وَسَجَدَ دَاوُدُ، فَمَكَثَ ما شاء الله، ثُمَّ نزلَ فَقَالَ: قَدْ سَأَلت رَبَّكَ عَزَّ وجَلّ َيا دَاوُدُ عَنِ الَّذي أرْسَلْتَنِي فِيهِ، فَقَالَ: قُلْ لِدَاوُدَ: إنَّ الله يَجْمَعُكُما يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ: هَبْ لي دَمَكَ الَّذِي عِنْدَ دَاوُدَ، فَيَقُولُ: هُوَ لَك يا رَبّ، فَيَقُولُ: فإنَّ لَكَ فِي الجَنَّةِ ما شِئْتَ وَما اشْتَهَيْتَ عِوَضًا) . ⁕ حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا ابن جابر، عن عطاء الخراسانيّ: أن كتاب صاحب البعث جاء ينعي من قُتل، فلما قرأ داود نعي رجل منهم رجع، فلما انتهى إلى اسم الرجل قال: كتب الله على كل نفس الموت، قال: فلما انقضت عِدّتها خطبها.

Al-Mukhtasar (français)

David émit son jugement et s’adressa au plaignant en ces termes: Ton frère a certainement été injuste envers toi lorsqu’il t’a demandé de lui donner ta brebis pour l’ajouter aux siennes. Nombreux sont ceux qui violent les droits de leurs associés, excepté les croyants qui accomplissent de bonnes œuvres. Eux ne lèsent pas leurs associés, mais ils sont peu nombreux. David s’aperçut ensuite que Nous l’avions éprouvé par cette querelle et il demanda alors pardon à son Seigneur, se prosterna afin de se rapprocher de Lui et se repentit à Lui. Ceci est une parabole énoncée parAllah, faisant référence à ce qui arriva à David avec la femme qui sollicita son jugement.

25

فَغَفَرْنَا لَهُۥ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ

Nous lui pardonnâmes. Il aura une place proche de Nous et un beau refuge.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

قَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ هَاهُنَا قِصَّةً أَكْثَرُهَا مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهَا عَنِ الْمَعْصُومِ حَدِيثٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَلَكِنْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هُنَا حَدِيثًا لَا يَصِحُّ سَنَدُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ أَنَسٍ -وَيَزِيدُ وَإِنْ كَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ-لَكِنَّهُ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ فَالْأُولَى أَنْ [[في ت: "أنه".]] يُقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ تِلَاوَةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَأَنْ يُرَدَّ عِلْمُهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ وَمَا تَضَمَّنَ فَهُوَ حَقٌّ أَيْضًا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ [إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ] فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ [[زيادة من ت، أ.]] إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي مِحْرَابِهِ، وَهُوَ أَشْرَفُ مَكَانٍ فِي دَارِهِ وَكَانَ قَدْ أَمَرَ أَلَّا يَدْخُلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَلَمْ يَشْعُرْ إِلَّا بِشَخْصَيْنِ قَدْ تَسَوَّرا عَلَيْهِ الْمِحْرَابَ أَيِ: احْتَاطَا بِهِ يَسْأَلَانِهِ عَنْ شَأْنِهِمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أَيْ: غَلَبَنِي يُقَالُ: عَزَّ يَعِزُّ: إِذَا قَهَرَ وَغَلَبَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيِ اخْتَبَرْنَاهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ أَيْ: سَاجِدًا ﴿وَأَنَابَ﴾ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَكَعَ أَوَّلًا ثُمَّ سَجَدَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ اسْتَمَرَّ سَاجِدًا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أَيْ: مَا كَانَ مِنْهُ مِمَّا يُقَالُ فِيهِ: إِنَّ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [[في أ: "رحمهم الله".]] فِي سَجْدَةِ "ص" هَلْ هِيَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ الْجَدِيدُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ بَلْ هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ-عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في أ: "عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ"، وفي ت: "ما رواه الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس" زيادة من أ.]] أَنَّهُ قَالَ فِي السُّجُودِ فِي "ص": لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ بِهِ [[المسند (١/٣٦٠) وصحيح البخاري برقم (١٠٦٩) وسنن أبي داود برقم (١٤٠٩) وسنن الترمذي برقم (٥٧٧) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ [[في أ: "حديث حسن".]] صَحِيحٌ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] النَّسَائِيُّ أَيْضًا عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ -هُوَ الْمِقْسَمِيُّ-حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو [[في أ: "عمر".]] بْنُ ذَرٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أن النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِي "ص" وَقَالَ: "سَجَدَهَا دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَوْبَةً وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا". تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ النَّسَائِيُّ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٨) .]] وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَقَدْ أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الحجاج المزي قراءة عليه وأنا أسمع: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُدَرَّجِيُّ [[في أ: "أبو إسحاق بن المدرجي".]] أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الثَّقَفِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ الشَّحَامِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الكَنْجَرُوذي أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا محمد بن يزيد ابن خُنَيْس عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يَا حَسَنُ حَدَّثَنِي جَدُّكَ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ فَقَرَأْتُ السَّجْدَةَ فَسَجَدْتُ فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي فَسَمِعْتُهَا تَقُولُ وَهِيَ سَاجِدَةٌ: اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا وَاقْبَلْهَا مِنِّي كَمَا قَبِلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ فَقَرَأَ السَّجْدَةَ ثُمَّ سَجَدَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَهُوَ سَاجِدٌ كَمَا حَكَى الرَّجُلُ مِنْ كَلَامِ الشَّجَرَةِ [[رواه المزي في تهذيب الكمال (٦/٣١٤) .]] رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ خَلَّادٍ كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ [[في أ: "يزيد بن حبيش".]] نَحْوَهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[سنن الترمذي برقم (٥٧٩) وسنن ابن ماجة برقم (١٠٥٣) .]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِهَا أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبِيدِ الطَّنَافِسِيُّ عَنِ الْعَوَامِّ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةِ "ص" فَقَالَ: [[في ت: "بإسناده إلى مجاهد قال".]] سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: مِنْ أين سجدت؟ فقال: أو ما تَقْرَأُ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الْأَنْعَامِ:٨٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ:٩٠] [[في ت، س، أ: "هداهم" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.]] فَكَانَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّنْ [[في ت، س: "فيمن".]] أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فَسَجَدَهَا دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٠٧) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا بَكْرٌ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ-أَنَّهُ أَخْبَرَهُ [[في ت: "بإسناده".]] أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ [[في أ: "الخدري رضي الله عنه".]] رَأَى رُؤْيَا أَنَّهُ يَكْتُبُ "ص" فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى الَّتِي يَسْجُدُ بِهَا رَأَى الدَّوَاةَ وَالْقَلَمَ وَكُلَّ شَيْءٍ بِحَضْرَتِهِ انْقَلَبَ سَاجِدًا قَالَ: فَقَصَّهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَزَلْ يَسْجُدُ بِهَا بَعْدُ. تَفَرَّدَ بِهِ [الْإِمَامُ] [[زيادة من أ.]] أَحْمَدُ [[المسند (٣/٧٨) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عن أبي سعيد الخدري رضي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ "ص" فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزّن [[في ت: "تشدد".]] النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ: "إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ وَلَكِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَشَزّنْتُم". فَنَزَلَ وَسَجَدَ وَسَجَدُوا. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (١٤١٠) .]] وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أَيْ: وَإِنَّ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا وَحُسْنَ مَرْجِعٍ وَهُوَ الدَّرَجَاتُ الْعَالِيَاتُ فِي الْجَنَّةِ لِتَوْبَتِهِ [[في ت، س: "لنبوته".]] وَعَدْلِهِ التَّامِّ فِي مُلْكِهِ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يُقْسِطُونَ فِي أَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا" [[صحيح مسلم برقم (١٨٢٧) من حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ عَنْ عَطِيَّةَ [[في ت: "وروى الترمذي".]] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِلٌ [[في أ: "عدل".]] وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَشَدَّهُمْ عَذَابًا إِمَامٌ جَائِرٌ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ فُضَيْلٍ -وَهُوَ ابْنُ مَرْزُوقٍ الْأَغَرُّ-عَنْ عَطِيَّةَ بِهِ [[المسند (٣/٢٢) وسنن الترمذي برقم (١٣٢٩) .]] وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قَالَ: يُقَامُ دَاوُدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ سَاقِ الْعَرْشِ ثُمَّ يَقُولُ: يَا دَاوُدُ مَجِّدْنِي الْيَوْمَ بِذَلِكَ الصَّوْتِ الْحَسَنِ الرَّخِيمِ الَّذِي كُنْتَ تُمَجِّدُنِي بِهِ فِي الدُّنْيَا. فَيَقُولُ: وَكَيْفَ وَقَدْ سُلِبْتُهُ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي أَرُدُّهُ عَلَيْكَ الْيَوْمَ. قَالَ: فَيَرْفَعُ دَاوُدُ بِصَوْتٍ يَسْتَفْرِغُ نعيم أهل الجنان.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦) ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ فعفونا عنه، وصفحنا له عن أن نؤاخذه بخطيئته وذنبه ذلك ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ يقول: وإن له عندنا للقُرْبة منا يوم القيامة. وبنحو الذي قلنا في قوله ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ الذنب. * * وقوله ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ يقول: مَرْجع ومنقَلب ينقلب إليه يوم القيامة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ : أي حسن مصير. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله:. ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ قال: حسن المنقلب. * * وقوله ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ﴾ يقول تعالى ذكره: وقلنا لداود: يا داود إنا استخلفناك في الأرض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكما ببن أهلها. كما:- ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ ملَّكه في الأرض ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ يعني: بالعدل والإنصاف ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ يقول: ولا تؤثر هواك في قضائك بينهم على الحق والعدل فيه، فتجور عن الحقّ ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يقول: فيميل بك اتباعك هواك في قضائك على العدل والعمل بالحقّ عن طريق الله الذي جعله لأهل الإيمان فيه، فتكون من الهالكين بضلالك عن سبيل الله. * * وقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الذين يميلون عن سبيل الله، وذلك الحقّ الذي شرعه لعباده، وأمرهم بالعمل به، فيجورون عنه في الدنيا، لهم في الآخرة يوم الحساب عذاب شديد على ضلالهم عن سبيل الله بما نسوا أمر الله، يقول: بما تركوا القضاء بالعدل، والعمل بطاعة الله ﴿يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ من صلة العذاب الشديد. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوّام، عن عكرمة، في قوله ﴿عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ قال: هذا من التقديم والتأخير، يقول: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ قال: نُسوا: تركوا.

Al-Mukhtasar (français)

Nous l’exauçâmes et lui pardonnâmes. Il est du nombre de ceux qui sont rapprochés de Nous et qui connaîtront un sort favorable dans l’au-delà.

26

يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَٰكَ خَلِيفَةًۭ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ

«O David, Nous avons fait de toi un calife sur la terre. Juge donc en toute équité parmi les gens et ne suis pas la passion: sinon elle t'égarera du sentier d'Allah». Car ceux qui s'égarent du sentier d'Allah auront un dur châtiment pour avoir oublié le Jour des Comptes.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذِهِ وَصِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِوُلَاةِ الْأُمُورِ أَنْ يَحْكُمُوا بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ الْمُنَزَّلِ مِنْ عِنْدِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَلَا يَعْدِلُوا عَنْهُ فَيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ [[في أ: "سبيل الله".]] وَقَدْ تَوَعَّدَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى مَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ، وَتَنَاسَى يَوْمَ الْحِسَابِ، بِالْوَعِيدِ الْأَكِيدِ وَالْعَذَابِ الشَّدِيدِ. قَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ جَنَاحٍ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ أَبُو زُرْعَةَ -وَكَانَ قَدْ قَرَأَ الْكِتَابَ-أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ لَهُ: [[في ت: "لأبي وزعة".]] أَيُحَاسَبُ الْخَلِيفَةُ فَإِنَّكَ قَدْ قَرَأْتَ الْكِتَابَ الْأَوَّلَ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ وَفَقِهْتَ؟ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ فِي أَمَانٍ. قَلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْتَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ أَوْ دَاوُدُ؟ إِنِ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ-جَمَعَ لَهُ النُّبُوَّةَ وَالْخِلَافَةَ ثُمَّ تَوَعَّدَهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ﴾ الْآيَةَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ هَذَا مِنَ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ يَوْمَ الْحِسَابِ بِمَا نَسُوا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا تَرَكُوا أَنْ يَعْمَلُوا لِيَوْمِ الْحِسَابِ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَمَشَى عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ فَاللَّهُ أعلم.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦) ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ فعفونا عنه، وصفحنا له عن أن نؤاخذه بخطيئته وذنبه ذلك ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ يقول: وإن له عندنا للقُرْبة منا يوم القيامة. وبنحو الذي قلنا في قوله ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ الذنب. * * وقوله ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ يقول: مَرْجع ومنقَلب ينقلب إليه يوم القيامة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ : أي حسن مصير. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله:. ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ قال: حسن المنقلب. * * وقوله ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ﴾ يقول تعالى ذكره: وقلنا لداود: يا داود إنا استخلفناك في الأرض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكما ببن أهلها. كما:- ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ ملَّكه في الأرض ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ يعني: بالعدل والإنصاف ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ يقول: ولا تؤثر هواك في قضائك بينهم على الحق والعدل فيه، فتجور عن الحقّ ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يقول: فيميل بك اتباعك هواك في قضائك على العدل والعمل بالحقّ عن طريق الله الذي جعله لأهل الإيمان فيه، فتكون من الهالكين بضلالك عن سبيل الله. * * وقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الذين يميلون عن سبيل الله، وذلك الحقّ الذي شرعه لعباده، وأمرهم بالعمل به، فيجورون عنه في الدنيا، لهم في الآخرة يوم الحساب عذاب شديد على ضلالهم عن سبيل الله بما نسوا أمر الله، يقول: بما تركوا القضاء بالعدل، والعمل بطاعة الله ﴿يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ من صلة العذاب الشديد. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوّام، عن عكرمة، في قوله ﴿عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ قال: هذا من التقديم والتأخير، يقول: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ قال: نُسوا: تركوا.

Al-Mukhtasar (français)

Ô David, Nous avons fait de toi un successeur sur Terre qui exécute les jugements qui tranchent les affaires terrestres ou religieuses. Juge donc entre les gens avec équité et ne suis pas ta passion, en favorisant par exemple un des antagonistes en raison d’une proximité amicale ou familiale ou au contraire en le lésant en raison d’une animosité. La passion t’égarerait alors du droit chemin. Ceux qui s’égarent du droit chemin d’Allah subiront un châtiment sévère pour leur oubli du Jour du Jugement, s’ils l’avaient eu en mémoire et l’avaient redouté, ils n’auraient pas suivi leurs penchants.

27

وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَٰطِلًۭا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ

Nous n'avons pas créé le ciel et la terre et ce qui existe entre eux en vain. C'est ce que pensent ceux qui ont mécru. Malheur à ceux qui ont mécru pour le feu [qui les attend]!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ مَا خَلَقَ الْخَلْقَ عَبَثًا وَإِنَّمَا خَلَقَهُمْ لِيَعْبُدُوهُ وَيُوَحِّدُوهُ ثُمَّ يَجْمَعُهُمْ [[في ت، س: "جمعهم".]] لِيَوْمِ الْجَمْعِ فَيُثِيبُ الْمُطِيعَ وَيُعَذِّبُ الْكَافِرَ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيِ: الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ بَعْثًا وَلَا مَعَادًا وَإِنَّمَا يَعْتَقِدُونَ هَذِهِ الدَّارَ فَقَطْ، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ أَيْ: وَيْلٌ لَهُمْ يَوْمَ مَعَادِهِمْ وَنَشُورِهِمْ مِنَ النَّارِ الْمُعَدَّةِ لَهُمْ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ مِنْ عَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ لَا يُسَاوِي بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فَقَالَ: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ أَيْ: لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ دَارٍ أُخْرَى يُثَابُ فِيهَا هَذَا الْمُطِيعُ وَيُعَاقَبُ [[في ت: "ويعذب".]] فِيهَا هَذَا الْفَاجِرُ. [[في س: "العاصي".]] وَهَذَا الْإِرْشَادُ يَدُلُّ الْعُقُولَ السَّلِيمَةَ وَالْفِطَرَ الْمُسْتَقِيمَةَ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعَادٍ وَجَزَاءٍ فَإِنَّا نَرَى الظَّالِمَ الْبَاغِيَ يَزْدَادُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ وَنَعِيمُهُ وَيَمُوتُ كَذَلِكَ وَنَرَى الْمُطِيعَ الْمَظْلُومَ يَمُوتُ بِكَمَدِهِ فَلَا بُدَّ فِي حِكْمَةِ الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ الْعَادِلِ الَّذِي لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِنْصَافِ هَذَا مِنْ هَذَا. وَإِذَا لَمْ يَقَعْ هَذَا فِي هَذِهِ الدَّارِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ هُنَاكَ دَارًا أُخْرَى لِهَذَا الْجَزَاءِ وَالْمُوَاسَاةِ. وَلَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ يُرْشِدُ إِلَى الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ وَالْمَآخِذِ الْعَقْلِيَّةِ الصَّرِيحَةِ، قَالَ: ﴿كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ أَيْ: ذَوُو الْعُقُولِ وَهِيَ الْأَلْبَابُ، جَمْعُ لُبٍّ، وَهُوَ العقل. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَاللَّهِ مَا تَدَبُّره بِحِفْظِ حُرُوفِهِ وَإِضَاعَةِ حُدُودِهِ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَقُولُ: قَرَأْتُ الْقُرْآنَ [كُلَّهُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] مَا يُرَى لَهُ القرآنُ فِي خُلُقٍ وَلَا عَمَلٍ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ (٢٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ عبثا ولهوا، ما خلقناهما إلا ليعمل فيهما بطاعتنا، وينتهى إلى أمرنا ونهينا. ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقول: أي ظنّ أنَّا خلقنا ذلك باطلا ولعبا، ظنّ الذين كفروا بالله فلم يُوَحِّدُوه، ولم يعرفوا عظمته، وأنه لا ينبغي أن يَعْبَث، فيتيقنوا بذلك أنه لا يخلق شيئا باطلا. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ يعني: من نار جهنم. * * وقوله ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ﴾ يقول: أنجعل الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بما أمر الله به، وانتهوا عما نهاهم عنه ﴿كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ﴾ يقول: كالذين يشركون بالله ويعصونه ويخالفون أمره ونهيه. ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ﴾ يقول: الذين اتقوا الله بطاعته وراقبوه، فحذروا معاصيه ﴿كَالْفُجَّارِ﴾ يعني: كالكفار المنتهكين حرمات الله. * * وقوله ﴿كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وهذا القرآن ﴿كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ يقول: ليتدبَّروا حُجَج الله التي فيه، وما شرع فيه من شرائعه، فيتعظوا ويعملوا به. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة القراء: ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ بالياء، يعني: ليتدبر هذا القرآن من أرسلناك إليه من قومك يا محمد. وقراءة أبو جعفر وعاصم"لتَدَّبَّرُوا آياته" بالتاء، بمعنى: لتتدبره أنت يا محمد وأتباعك. وأولى القراءتين عندنا بالصواب في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ يقول: وليعتبر أولو العقول والحِجَا ما في هذا الكتاب من الآيات، فيرتدعوا عما هم عليه مقيمين من الضلالة، وينتهوا إلى ما دلهم عليه من الرشاد وسبيل الصواب. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله ﴿أُولُو الألْبَابِ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿أُولُو الألْبَابِ﴾ قال: أولو العقول من الناس، وقد بيَّنا ذلك فيما مضى قبل بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

Al-Mukhtasar (français)

Nous n’avons pas créé le Ciel et la Terre vainement. C'est ce que pensent ceux qui ont mécru. Malheur donc à eux pour le châtiment du feu qui les attend le Jour de la Résurrection s’ils meurent mécréants et entretenant un mauvais soupçon à l’égard d’Allah.

28

أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ

Traiterons-Nous ceux qui croient et accomplissent les bonnes œuvres comme ceux qui commettent du désordre sur terre? ou traiterons-Nous les pieux comme les pervers?

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ مَا خَلَقَ الْخَلْقَ عَبَثًا وَإِنَّمَا خَلَقَهُمْ لِيَعْبُدُوهُ وَيُوَحِّدُوهُ ثُمَّ يَجْمَعُهُمْ [[في ت، س: "جمعهم".]] لِيَوْمِ الْجَمْعِ فَيُثِيبُ الْمُطِيعَ وَيُعَذِّبُ الْكَافِرَ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيِ: الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ بَعْثًا وَلَا مَعَادًا وَإِنَّمَا يَعْتَقِدُونَ هَذِهِ الدَّارَ فَقَطْ، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ أَيْ: وَيْلٌ لَهُمْ يَوْمَ مَعَادِهِمْ وَنَشُورِهِمْ مِنَ النَّارِ الْمُعَدَّةِ لَهُمْ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ مِنْ عَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ لَا يُسَاوِي بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فَقَالَ: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ أَيْ: لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ دَارٍ أُخْرَى يُثَابُ فِيهَا هَذَا الْمُطِيعُ وَيُعَاقَبُ [[في ت: "ويعذب".]] فِيهَا هَذَا الْفَاجِرُ. [[في س: "العاصي".]] وَهَذَا الْإِرْشَادُ يَدُلُّ الْعُقُولَ السَّلِيمَةَ وَالْفِطَرَ الْمُسْتَقِيمَةَ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعَادٍ وَجَزَاءٍ فَإِنَّا نَرَى الظَّالِمَ الْبَاغِيَ يَزْدَادُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ وَنَعِيمُهُ وَيَمُوتُ كَذَلِكَ وَنَرَى الْمُطِيعَ الْمَظْلُومَ يَمُوتُ بِكَمَدِهِ فَلَا بُدَّ فِي حِكْمَةِ الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ الْعَادِلِ الَّذِي لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِنْصَافِ هَذَا مِنْ هَذَا. وَإِذَا لَمْ يَقَعْ هَذَا فِي هَذِهِ الدَّارِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ هُنَاكَ دَارًا أُخْرَى لِهَذَا الْجَزَاءِ وَالْمُوَاسَاةِ. وَلَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ يُرْشِدُ إِلَى الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ وَالْمَآخِذِ الْعَقْلِيَّةِ الصَّرِيحَةِ، قَالَ: ﴿كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ أَيْ: ذَوُو الْعُقُولِ وَهِيَ الْأَلْبَابُ، جَمْعُ لُبٍّ، وَهُوَ العقل. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَاللَّهِ مَا تَدَبُّره بِحِفْظِ حُرُوفِهِ وَإِضَاعَةِ حُدُودِهِ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَقُولُ: قَرَأْتُ الْقُرْآنَ [كُلَّهُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] مَا يُرَى لَهُ القرآنُ فِي خُلُقٍ وَلَا عَمَلٍ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ (٢٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ عبثا ولهوا، ما خلقناهما إلا ليعمل فيهما بطاعتنا، وينتهى إلى أمرنا ونهينا. ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقول: أي ظنّ أنَّا خلقنا ذلك باطلا ولعبا، ظنّ الذين كفروا بالله فلم يُوَحِّدُوه، ولم يعرفوا عظمته، وأنه لا ينبغي أن يَعْبَث، فيتيقنوا بذلك أنه لا يخلق شيئا باطلا. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ يعني: من نار جهنم. * * وقوله ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ﴾ يقول: أنجعل الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بما أمر الله به، وانتهوا عما نهاهم عنه ﴿كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ﴾ يقول: كالذين يشركون بالله ويعصونه ويخالفون أمره ونهيه. ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ﴾ يقول: الذين اتقوا الله بطاعته وراقبوه، فحذروا معاصيه ﴿كَالْفُجَّارِ﴾ يعني: كالكفار المنتهكين حرمات الله. * * وقوله ﴿كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وهذا القرآن ﴿كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ يقول: ليتدبَّروا حُجَج الله التي فيه، وما شرع فيه من شرائعه، فيتعظوا ويعملوا به. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة القراء: ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ بالياء، يعني: ليتدبر هذا القرآن من أرسلناك إليه من قومك يا محمد. وقراءة أبو جعفر وعاصم"لتَدَّبَّرُوا آياته" بالتاء، بمعنى: لتتدبره أنت يا محمد وأتباعك. وأولى القراءتين عندنا بالصواب في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ يقول: وليعتبر أولو العقول والحِجَا ما في هذا الكتاب من الآيات، فيرتدعوا عما هم عليه مقيمين من الضلالة، وينتهوا إلى ما دلهم عليه من الرشاد وسبيل الصواب. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله ﴿أُولُو الألْبَابِ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿أُولُو الألْبَابِ﴾ قال: أولو العقول من الناس، وقد بيَّنا ذلك فيما مضى قبل بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

Al-Mukhtasar (français)

Nous ne mettrons pas sur un même pied d’égalité ceux qui croient en Allah, suivent Son Messager et accomplissent de bonnes œuvres et ceux qui, par leur mécréance et leurs péchés, commettent du désordre sur terre. Nous ne mettrons pas non plus sur un même pied d’égalité ceux qui craignent leur Seigneur en se conformant à Ses commandements et en renonçant à Ses interdits et les hypocrites qui se complaisent dans les actes de désobéissance. Les considérer comme égaux est une injustice qu'il ne sied pas à Allah de commettre. Au contraire, Allah rétribuera plutôt les croyants pieux en les faisant entrer au Paradis et punira les mécréants misérables en les faisant entrer en Enfer. Comme les deux partis ne sont pas égaux pour Allah, leur rétribution n’est pas égale pour Lui non plus.

29

كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ مُبَٰرَكٌۭ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ

[Voici] un Livre béni que Nous avons fait descendre vers toi, afin qu'ils méditent sur ses versets et que les doués d'intelligence réfléchissent!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ مَا خَلَقَ الْخَلْقَ عَبَثًا وَإِنَّمَا خَلَقَهُمْ لِيَعْبُدُوهُ وَيُوَحِّدُوهُ ثُمَّ يَجْمَعُهُمْ [[في ت، س: "جمعهم".]] لِيَوْمِ الْجَمْعِ فَيُثِيبُ الْمُطِيعَ وَيُعَذِّبُ الْكَافِرَ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيِ: الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ بَعْثًا وَلَا مَعَادًا وَإِنَّمَا يَعْتَقِدُونَ هَذِهِ الدَّارَ فَقَطْ، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ أَيْ: وَيْلٌ لَهُمْ يَوْمَ مَعَادِهِمْ وَنَشُورِهِمْ مِنَ النَّارِ الْمُعَدَّةِ لَهُمْ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ مِنْ عَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ لَا يُسَاوِي بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فَقَالَ: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ أَيْ: لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ دَارٍ أُخْرَى يُثَابُ فِيهَا هَذَا الْمُطِيعُ وَيُعَاقَبُ [[في ت: "ويعذب".]] فِيهَا هَذَا الْفَاجِرُ. [[في س: "العاصي".]] وَهَذَا الْإِرْشَادُ يَدُلُّ الْعُقُولَ السَّلِيمَةَ وَالْفِطَرَ الْمُسْتَقِيمَةَ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعَادٍ وَجَزَاءٍ فَإِنَّا نَرَى الظَّالِمَ الْبَاغِيَ يَزْدَادُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ وَنَعِيمُهُ وَيَمُوتُ كَذَلِكَ وَنَرَى الْمُطِيعَ الْمَظْلُومَ يَمُوتُ بِكَمَدِهِ فَلَا بُدَّ فِي حِكْمَةِ الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ الْعَادِلِ الَّذِي لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِنْصَافِ هَذَا مِنْ هَذَا. وَإِذَا لَمْ يَقَعْ هَذَا فِي هَذِهِ الدَّارِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ هُنَاكَ دَارًا أُخْرَى لِهَذَا الْجَزَاءِ وَالْمُوَاسَاةِ. وَلَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ يُرْشِدُ إِلَى الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ وَالْمَآخِذِ الْعَقْلِيَّةِ الصَّرِيحَةِ، قَالَ: ﴿كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ أَيْ: ذَوُو الْعُقُولِ وَهِيَ الْأَلْبَابُ، جَمْعُ لُبٍّ، وَهُوَ العقل. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَاللَّهِ مَا تَدَبُّره بِحِفْظِ حُرُوفِهِ وَإِضَاعَةِ حُدُودِهِ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَقُولُ: قَرَأْتُ الْقُرْآنَ [كُلَّهُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] مَا يُرَى لَهُ القرآنُ فِي خُلُقٍ وَلَا عَمَلٍ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ (٢٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ عبثا ولهوا، ما خلقناهما إلا ليعمل فيهما بطاعتنا، وينتهى إلى أمرنا ونهينا. ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقول: أي ظنّ أنَّا خلقنا ذلك باطلا ولعبا، ظنّ الذين كفروا بالله فلم يُوَحِّدُوه، ولم يعرفوا عظمته، وأنه لا ينبغي أن يَعْبَث، فيتيقنوا بذلك أنه لا يخلق شيئا باطلا. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ يعني: من نار جهنم. * * وقوله ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ﴾ يقول: أنجعل الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بما أمر الله به، وانتهوا عما نهاهم عنه ﴿كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ﴾ يقول: كالذين يشركون بالله ويعصونه ويخالفون أمره ونهيه. ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ﴾ يقول: الذين اتقوا الله بطاعته وراقبوه، فحذروا معاصيه ﴿كَالْفُجَّارِ﴾ يعني: كالكفار المنتهكين حرمات الله. * * وقوله ﴿كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وهذا القرآن ﴿كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ يقول: ليتدبَّروا حُجَج الله التي فيه، وما شرع فيه من شرائعه، فيتعظوا ويعملوا به. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة القراء: ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ بالياء، يعني: ليتدبر هذا القرآن من أرسلناك إليه من قومك يا محمد. وقراءة أبو جعفر وعاصم"لتَدَّبَّرُوا آياته" بالتاء، بمعنى: لتتدبره أنت يا محمد وأتباعك. وأولى القراءتين عندنا بالصواب في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ يقول: وليعتبر أولو العقول والحِجَا ما في هذا الكتاب من الآيات، فيرتدعوا عما هم عليه مقيمين من الضلالة، وينتهوا إلى ما دلهم عليه من الرشاد وسبيل الصواب. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله ﴿أُولُو الألْبَابِ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿أُولُو الألْبَابِ﴾ قال: أولو العقول من الناس، وقد بيَّنا ذلك فيما مضى قبل بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

Al-Mukhtasar (français)

Ce Coran est un Livre que Nous t’avons révélé. Il contient de nombreux récits ainsi qu’une multitude de prescriptions utiles, afin que les gens méditent ses versets et réfléchissent sur leur sens et que les personnes douées d’une raison éclairée en tirent des enseignements.

30

وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَٰنَ ۚ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ

Et à David Nous fîmes don de Salomon, - quel bon serviteur! - Il était plein de repentir.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّهُ وَهَبَ لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ، أَيْ: نَبِيًّا كَمَا قَالَ: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ أَيْ: فِي النُّبُوَّةِ وَإِلَّا فَقَدَ كَانَ لَهُ بَنُونَ غَيْرُهُ، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ عِنْدَهُ مِائَةُ امْرَأَةٍ حَرَائِرَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ثَنَاءٌ عَلَى سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِأَنَّهُ كَثِيرُ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالْإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا [[في ت: "بإسناده".]] مَكْحُولٌ قَالَ: لَمَّا وَهَبَ اللَّهُ لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ [[في ت، س: "عليهما".]] السَّلَامُ قَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ مَا أَحْسَنُ؟ قَالَ: سَكِينَةُ اللَّهِ وَإِيمَانٌ. قَالَ: فَمَا أَقْبَحُ؟ قَالَ: كَفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ. قَالَ: فَمَا أَحْلَى؟ قَالَ: رَوْحُ اللَّهِ بَيْنَ عِبَادِهِ. قَالَ: فَمَا أَبْرَدُ؟ قَالَ: عَفْوُ اللَّهِ عَنِ النَّاسِ وَعَفْوُ النَّاسِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ. قَالَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَأَنْتَ نَبِيٌّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ أَيْ: إِذْ عُرِضَ عَلَى سُلَيْمَانَ فِي حَالِ مَمْلَكَتِهِ وَسُلْطَانِهِ الْخَيْلُ الصَّافِنَاتُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهِيَ الَّتِي تَقِفُ عَلَى ثَلَاثٍ وَطَرَفِ حَافِرِ الرَّابِعَةِ، وَالْجِيَادُ: السِّرَاعُ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. وَقَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُؤمَّل حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِيهِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قَالَ: كَانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا ذَاتَ أَجْنِحَةٍ. كَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ أَخْبَرَنِي إِسْرَائِيلُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: كَانَتِ الْخَيْلُ الَّتِي شَغَلَتْ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِشْرِينَ أَلْفَ فَرَسٍ، فَعَقَرَهَا وَهَذَا أَشْبَهُ [[في أ: "الأشبه".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي عُمَارة بْنُ غَزيَّة: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ -أَوْ خَيْبَرَ-وَفِي سَهْوَتِهَا سَتْرٌ فَهَبَّتِ الرِّيحُ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السَّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ -لُعَب-فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ " قَالَتْ: بَنَاتِي. وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ [[في أ: "لها".]] جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ فَقَالَ: "مَا هَذَا [[في أ: "ما هذا يا عائشة".]] الَّذِي أَرَى وَسَطَهُنَّ؟ " قَالَتْ: فَرَسٌ. قَالَ: "وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ؟ " قَالَتْ: جَنَاحَانِ قَالَ: "فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ؟! " قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلٌ لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ ﷺ [[سنن أبي داود برقم (٤٩٣٢) .]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [[في ت، س: "قال".]] ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِعَرْضِهَا حَتَّى فَاتَ وَقْتُ [[في ت، أ: "عن وقت".]] صَلَاةِ الْعَصْرِ وَالَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهَا عَمْدًا بَلْ نِسْيَانًا كَمَا شُغِلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى صَلَّاهَا بَعْدَ الْغُرُوبِ [[في أ: "المغرب".]] وَذَلِكَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، مِنْ ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا" فَقَالَ: [[في ت: "قال".]] فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَان فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا [[في ت: "فتوضأنا".]] لَهَا فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ [[صحيح البخاري برقم (٤١١٢) وصحيح مسلم برقم (٦٣١) .]] وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ [[في أ: "ادعى هذا طائفة".]] سَائِغًا فِي مِلَّتِهِمْ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِعُذْرِ الْغَزْوِ وَالْقِتَالِ. وَالْخَيْلُ تُرَادُ لِلْقِتَالِ. وَقَدِ ادَّعَى طَائِفَةٌ [[في س، أ: "أنه قد كان".]] مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا كَانَ مَشْرُوعًا فَنُسِخَ ذَلِكَ بِصَلَاةِ الْخَوْفِ وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ وَالْمُضَايَقَةِ، حَيْثُ لَا يُمْكِنُ صَلَاةٌ وَلَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي فَتْحِ تُسْتَرَ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مَكْحُولٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَالْأَوَّلُ أُقَرَبُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَهَا: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا تَشْغَلِينِي عَنْ عِبَادَةِ رَبِّي آخِرَ مَا [[في أ: "أحر ما".]] عَلَيْكِ. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُقِرَتْ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ضَرَبَ أَعْنَاقَهَا وَعَرَاقِيبَهَا بِالسُّيُوفِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: جَعَلَ يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ، وَعَرَاقِيبُهَا حِبَالُهَا. وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَ حَيَوَانًا بِالْعَرْقَبَةِ وَيُهْلِكَ مَالًا مِنْ مَالِهِ بِلَا سَبَبٍ سِوَى أَنَّهُ اشْتَغَلَ عَنْ صِلَاتِهِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا وَلَا ذَنْبَ لَهَا. وَهَذَا الَّذِي رَجَّحَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي شَرْعِهِمْ جَوَازُ مِثْلِ هَذَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ غَضَبًا لله عز وجل بسبب أنه اشْتَغَلَ بِهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا خَرَجَ عَنْهَا لِلَّهِ تَعَالَى [[في ت، س: "عز وجل".]] عَوَّضَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا [[في ت، س: "بما".]] هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَهِيَ [[في ت، س، أ: "وهو".]] الرِّيحُ الَّتِي تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ فَهَذَا أَسْرَعُ وَخَيْرٌ مِنَ الْخَيْلِ [[وهذا هو الصواب، وانظر كلام القرطبي في: الجامع لأحكام القرآن (١٥/١٩٥، ١٩٦) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ [[في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده".]] عَنْ أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي الدَّهْمَاءِ -وَكَانَا يُكْثِرَانِ السَّفَرَ نَحْوَ الْبَيْتِ-قَالَا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ الْبَدَوِيُّ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فجعل يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ: "إِنَّكَ لَا تَدَعُ شَيْئًا اتِّقَاءَ اللَّهِ [[في أ: "لله".]] -عَزَّ وَجَلَّ-إِلَّا أَعْطَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ" [[المسند (٥/٧٨) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٩٦) : "رجاله رجال الصحيح".]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ (٣٣) ﴾ يقول تعالى ذكره ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ﴾ ابنه ولدا ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ يقول: نعم العبد سليمان ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ يقول: إنه رجاع إلى طاعة الله توّاب إليه مما يكرهه منه. وقيل: إنه عُنِي به أنه كثير الذكر لله والطاعة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: شي عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: الأواب: المسبّح. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: كان مطيعًا لله كثير الصلاة. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: المسبِّح. والمسبِّح قد يكون في الصلاة والذكر. وقد بيَّنَّا معنى الأوّاب، وذكرنا اختلاف أهل التأويل فيه فيما مضى بما أغنى عن إعادته هاهنا. * * وقوله ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ يقول تعالى ذكره: إنه تواب إلى الله من خطيئته التي أخطأها، إذ عرض عليه بالعشي الصافنات؛ فإذ من صلة أواب، والصافنات: جمع الصافن من الخيل، والأنثى: صافنة، والصافن منها عند بعض العرب: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه، وعند آخرين: الذي يجمع يديه. وزعم الفرّاء أن الصافن: هو القائم، يقال منه: صَفَنَتِ الخيلُ تَصْفِن صُفُونًا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قال: صُفُون الفرس: رَفْع إحدى يديه حتى يكون على طرف الحافر. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: صَفَنَ الفرسُ: رفع إحدى يديه حتى يكون على طرف الحافر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) يعني: الخيل، وصُفونها: قيامها وبَسْطها قوائمها. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: الصافنات، قال: الخيل. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قال: الخيل أخرجها الشيطان لسليمان، من مرج من مروج البحر. قال: الخيل والبغال والحمير تَصْفِن، والصَّفْن [[لم نجد" الصفن" بسكون الفاء مصدرا لصفنت الخيل، وإنما مصدره الصفون مثل جلس يجلس جلوسا، وهو القياس، لأن الفعل لازم، والصفن: مصدر للمعتدي.]] أن تقوم على ثلاث، وترفع رجلا واحدة حتى يكون طرف الحافر على الأرض. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الصافنات: الخيل، وكانت لها أجنحة. وأما الجياد، فإنها السِّراع، واحدها: جواد. كما:- ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قاله. ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الجياد: قال: السِّراع. وذُكر أنها كانت عشرين فرسا ذوات أجنحة. ذكر الخبر بذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن إبراهيم التيمي، في قوله ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قال: كانت عشرين فرسا ذات أجنحة. * * وقوله ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ وفي هذا الكلام محذوف استغني بدلالة الظاهر عليه من ذكره: فَلَهِيَ عن الصلاة حتى فاتته، فقال: إني أحببت حب الخير. ويعني بقوله (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ) : أي المال والخيل، أو الخير من المال. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن السُّدِّيّ ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ قال: الخيل. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ قال: المال. * * وقوله ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ يقول: إني أحببت حب الخير حتى سهوت عن ذكر ربي وأداء فريضته. وقيل: إن ذلك كان صلاة العصر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ عن صلاة العصر. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ قال. صلاة العصر. حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أبو زرعة، قال: ثنا حيوة بن شريح، قال: ثنا أبو صخر، أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصَّهباء البكري يقول: سألت عليّ بن أبي طالب، عن الصلاة الوسطى، فقال: هي العصر، وهي التي فُتِن بها سليمان بن داود. * * وقوله ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ يقول: حتى توارت الشمس بالحجاب، يعني: تغيبت في مغيبها. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ميكائيل، عن داود بن أبي هند، قال: قال ابن مسعود، في قوله ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ قال: توارت الشمس من وراء ياقوتة خضراء، فخضرة السماء منها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) حتى دَلَكَتْ براح. قال قتادة: فوالله ما نازعته بنو إسرائيل ولا كابروه، ولكن ولوه من ذلك ما ولاه الله. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ حتى غابت. * * وقوله ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ يقول: ردّوا عليّ الخيل التي عرضت عليّ، فشغلتني عن الصلاة، فكروها عليّ. كما:- ⁕ حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ قال: الخيل. * * وقوله ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ يقول: فجعل يمسح منها السوق، وهي جمع الساق، والأعناق. واختلف أهل التأويل في معنى مسح سليمان بسوق هذه الخيل الجياد وأعناقها، فقال بعضهم: معنى ذلك أنه عقرها وضرب أعناقها، من قولهم: مَسَحَ علاوته: إذا ضرب عنقه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ قال: قال الحسن: قال لا والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك، قال قولهما فيه، يعني قتادة والحسن قال: فكَسَف عراقيبها، وضرب أعناقها. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ فضرب سوقها وأعناقها. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، عن عوف، عن الحسن، قال: أمر بها فعقرت. وقال آخرون: بل جعل يمسح أعرافها وعراقيبها بيده حُبًّا لها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ يقول: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها: حبا لها. وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس أشبه بتأويل الآية، لأن نبيّ الله ﷺ لم يكن إن شاء الله ليعذب حيوانًا بالعرقبة، ويهلك مالا من ماله بغير سبب، سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنطر إليها، ولا ذنب لها باشتغاله بالنظر إليها.

Al-Mukhtasar (français)

Nous avons donné Salomon comme fils à David, en guise de faveur de notre part, afin qu’il y trouve de la quiétude. Quel bon serviteur que Salomon: il se repentait souvent à Allah et s’en remettait à Lui.

31

إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلْجِيَادُ

Quand un après-midi, on lui présenta de magnifiques chevaux de course,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّهُ وَهَبَ لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ، أَيْ: نَبِيًّا كَمَا قَالَ: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ أَيْ: فِي النُّبُوَّةِ وَإِلَّا فَقَدَ كَانَ لَهُ بَنُونَ غَيْرُهُ، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ عِنْدَهُ مِائَةُ امْرَأَةٍ حَرَائِرَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ثَنَاءٌ عَلَى سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِأَنَّهُ كَثِيرُ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالْإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا [[في ت: "بإسناده".]] مَكْحُولٌ قَالَ: لَمَّا وَهَبَ اللَّهُ لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ [[في ت، س: "عليهما".]] السَّلَامُ قَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ مَا أَحْسَنُ؟ قَالَ: سَكِينَةُ اللَّهِ وَإِيمَانٌ. قَالَ: فَمَا أَقْبَحُ؟ قَالَ: كَفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ. قَالَ: فَمَا أَحْلَى؟ قَالَ: رَوْحُ اللَّهِ بَيْنَ عِبَادِهِ. قَالَ: فَمَا أَبْرَدُ؟ قَالَ: عَفْوُ اللَّهِ عَنِ النَّاسِ وَعَفْوُ النَّاسِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ. قَالَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَأَنْتَ نَبِيٌّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ أَيْ: إِذْ عُرِضَ عَلَى سُلَيْمَانَ فِي حَالِ مَمْلَكَتِهِ وَسُلْطَانِهِ الْخَيْلُ الصَّافِنَاتُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهِيَ الَّتِي تَقِفُ عَلَى ثَلَاثٍ وَطَرَفِ حَافِرِ الرَّابِعَةِ، وَالْجِيَادُ: السِّرَاعُ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. وَقَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُؤمَّل حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِيهِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قَالَ: كَانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا ذَاتَ أَجْنِحَةٍ. كَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ أَخْبَرَنِي إِسْرَائِيلُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: كَانَتِ الْخَيْلُ الَّتِي شَغَلَتْ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِشْرِينَ أَلْفَ فَرَسٍ، فَعَقَرَهَا وَهَذَا أَشْبَهُ [[في أ: "الأشبه".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي عُمَارة بْنُ غَزيَّة: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ -أَوْ خَيْبَرَ-وَفِي سَهْوَتِهَا سَتْرٌ فَهَبَّتِ الرِّيحُ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السَّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ -لُعَب-فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ " قَالَتْ: بَنَاتِي. وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ [[في أ: "لها".]] جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ فَقَالَ: "مَا هَذَا [[في أ: "ما هذا يا عائشة".]] الَّذِي أَرَى وَسَطَهُنَّ؟ " قَالَتْ: فَرَسٌ. قَالَ: "وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ؟ " قَالَتْ: جَنَاحَانِ قَالَ: "فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ؟! " قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلٌ لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ ﷺ [[سنن أبي داود برقم (٤٩٣٢) .]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [[في ت، س: "قال".]] ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِعَرْضِهَا حَتَّى فَاتَ وَقْتُ [[في ت، أ: "عن وقت".]] صَلَاةِ الْعَصْرِ وَالَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهَا عَمْدًا بَلْ نِسْيَانًا كَمَا شُغِلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى صَلَّاهَا بَعْدَ الْغُرُوبِ [[في أ: "المغرب".]] وَذَلِكَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، مِنْ ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا" فَقَالَ: [[في ت: "قال".]] فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَان فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا [[في ت: "فتوضأنا".]] لَهَا فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ [[صحيح البخاري برقم (٤١١٢) وصحيح مسلم برقم (٦٣١) .]] وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ [[في أ: "ادعى هذا طائفة".]] سَائِغًا فِي مِلَّتِهِمْ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِعُذْرِ الْغَزْوِ وَالْقِتَالِ. وَالْخَيْلُ تُرَادُ لِلْقِتَالِ. وَقَدِ ادَّعَى طَائِفَةٌ [[في س، أ: "أنه قد كان".]] مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا كَانَ مَشْرُوعًا فَنُسِخَ ذَلِكَ بِصَلَاةِ الْخَوْفِ وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ وَالْمُضَايَقَةِ، حَيْثُ لَا يُمْكِنُ صَلَاةٌ وَلَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي فَتْحِ تُسْتَرَ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مَكْحُولٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَالْأَوَّلُ أُقَرَبُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَهَا: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا تَشْغَلِينِي عَنْ عِبَادَةِ رَبِّي آخِرَ مَا [[في أ: "أحر ما".]] عَلَيْكِ. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُقِرَتْ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ضَرَبَ أَعْنَاقَهَا وَعَرَاقِيبَهَا بِالسُّيُوفِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: جَعَلَ يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ، وَعَرَاقِيبُهَا حِبَالُهَا. وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَ حَيَوَانًا بِالْعَرْقَبَةِ وَيُهْلِكَ مَالًا مِنْ مَالِهِ بِلَا سَبَبٍ سِوَى أَنَّهُ اشْتَغَلَ عَنْ صِلَاتِهِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا وَلَا ذَنْبَ لَهَا. وَهَذَا الَّذِي رَجَّحَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي شَرْعِهِمْ جَوَازُ مِثْلِ هَذَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ غَضَبًا لله عز وجل بسبب أنه اشْتَغَلَ بِهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا خَرَجَ عَنْهَا لِلَّهِ تَعَالَى [[في ت، س: "عز وجل".]] عَوَّضَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا [[في ت، س: "بما".]] هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَهِيَ [[في ت، س، أ: "وهو".]] الرِّيحُ الَّتِي تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ فَهَذَا أَسْرَعُ وَخَيْرٌ مِنَ الْخَيْلِ [[وهذا هو الصواب، وانظر كلام القرطبي في: الجامع لأحكام القرآن (١٥/١٩٥، ١٩٦) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ [[في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده".]] عَنْ أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي الدَّهْمَاءِ -وَكَانَا يُكْثِرَانِ السَّفَرَ نَحْوَ الْبَيْتِ-قَالَا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ الْبَدَوِيُّ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فجعل يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ: "إِنَّكَ لَا تَدَعُ شَيْئًا اتِّقَاءَ اللَّهِ [[في أ: "لله".]] -عَزَّ وَجَلَّ-إِلَّا أَعْطَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ" [[المسند (٥/٧٨) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٩٦) : "رجاله رجال الصحيح".]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ (٣٣) ﴾ يقول تعالى ذكره ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ﴾ ابنه ولدا ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ يقول: نعم العبد سليمان ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ يقول: إنه رجاع إلى طاعة الله توّاب إليه مما يكرهه منه. وقيل: إنه عُنِي به أنه كثير الذكر لله والطاعة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: شي عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: الأواب: المسبّح. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: كان مطيعًا لله كثير الصلاة. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: المسبِّح. والمسبِّح قد يكون في الصلاة والذكر. وقد بيَّنَّا معنى الأوّاب، وذكرنا اختلاف أهل التأويل فيه فيما مضى بما أغنى عن إعادته هاهنا. * * وقوله ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ يقول تعالى ذكره: إنه تواب إلى الله من خطيئته التي أخطأها، إذ عرض عليه بالعشي الصافنات؛ فإذ من صلة أواب، والصافنات: جمع الصافن من الخيل، والأنثى: صافنة، والصافن منها عند بعض العرب: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه، وعند آخرين: الذي يجمع يديه. وزعم الفرّاء أن الصافن: هو القائم، يقال منه: صَفَنَتِ الخيلُ تَصْفِن صُفُونًا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قال: صُفُون الفرس: رَفْع إحدى يديه حتى يكون على طرف الحافر. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: صَفَنَ الفرسُ: رفع إحدى يديه حتى يكون على طرف الحافر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) يعني: الخيل، وصُفونها: قيامها وبَسْطها قوائمها. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: الصافنات، قال: الخيل. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قال: الخيل أخرجها الشيطان لسليمان، من مرج من مروج البحر. قال: الخيل والبغال والحمير تَصْفِن، والصَّفْن [[لم نجد" الصفن" بسكون الفاء مصدرا لصفنت الخيل، وإنما مصدره الصفون مثل جلس يجلس جلوسا، وهو القياس، لأن الفعل لازم، والصفن: مصدر للمعتدي.]] أن تقوم على ثلاث، وترفع رجلا واحدة حتى يكون طرف الحافر على الأرض. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الصافنات: الخيل، وكانت لها أجنحة. وأما الجياد، فإنها السِّراع، واحدها: جواد. كما:- ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قاله. ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الجياد: قال: السِّراع. وذُكر أنها كانت عشرين فرسا ذوات أجنحة. ذكر الخبر بذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن إبراهيم التيمي، في قوله ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قال: كانت عشرين فرسا ذات أجنحة. * * وقوله ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ وفي هذا الكلام محذوف استغني بدلالة الظاهر عليه من ذكره: فَلَهِيَ عن الصلاة حتى فاتته، فقال: إني أحببت حب الخير. ويعني بقوله (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ) : أي المال والخيل، أو الخير من المال. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن السُّدِّيّ ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ قال: الخيل. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ قال: المال. * * وقوله ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ يقول: إني أحببت حب الخير حتى سهوت عن ذكر ربي وأداء فريضته. وقيل: إن ذلك كان صلاة العصر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ عن صلاة العصر. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ قال. صلاة العصر. حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أبو زرعة، قال: ثنا حيوة بن شريح، قال: ثنا أبو صخر، أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصَّهباء البكري يقول: سألت عليّ بن أبي طالب، عن الصلاة الوسطى، فقال: هي العصر، وهي التي فُتِن بها سليمان بن داود. * * وقوله ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ يقول: حتى توارت الشمس بالحجاب، يعني: تغيبت في مغيبها. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ميكائيل، عن داود بن أبي هند، قال: قال ابن مسعود، في قوله ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ قال: توارت الشمس من وراء ياقوتة خضراء، فخضرة السماء منها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) حتى دَلَكَتْ براح. قال قتادة: فوالله ما نازعته بنو إسرائيل ولا كابروه، ولكن ولوه من ذلك ما ولاه الله. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ حتى غابت. * * وقوله ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ يقول: ردّوا عليّ الخيل التي عرضت عليّ، فشغلتني عن الصلاة، فكروها عليّ. كما:- ⁕ حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ قال: الخيل. * * وقوله ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ يقول: فجعل يمسح منها السوق، وهي جمع الساق، والأعناق. واختلف أهل التأويل في معنى مسح سليمان بسوق هذه الخيل الجياد وأعناقها، فقال بعضهم: معنى ذلك أنه عقرها وضرب أعناقها، من قولهم: مَسَحَ علاوته: إذا ضرب عنقه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ قال: قال الحسن: قال لا والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك، قال قولهما فيه، يعني قتادة والحسن قال: فكَسَف عراقيبها، وضرب أعناقها. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ فضرب سوقها وأعناقها. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، عن عوف، عن الحسن، قال: أمر بها فعقرت. وقال آخرون: بل جعل يمسح أعرافها وعراقيبها بيده حُبًّا لها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ يقول: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها: حبا لها. وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس أشبه بتأويل الآية، لأن نبيّ الله ﷺ لم يكن إن شاء الله ليعذب حيوانًا بالعرقبة، ويهلك مالا من ماله بغير سبب، سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنطر إليها، ولا ذنب لها باشتغاله بالنظر إليها.

Al-Mukhtasar (français)

Rappelle-toi lorsqu’on lui présenta un après-midi des pur-sang de course qui se tiennent debout sur trois pattes et lèvent la quatrième. On ne cessa de lui en présenter jusqu’à ce que le soleil se soit couché.

32

فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ

il dit: «Oui, je me suis complu à aimer les biens (de ce monde) au point [d'oublier] le rappel de mon Seigneur jusqu'à ce que [le soleil] se soit caché derrière son voile.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّهُ وَهَبَ لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ، أَيْ: نَبِيًّا كَمَا قَالَ: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ أَيْ: فِي النُّبُوَّةِ وَإِلَّا فَقَدَ كَانَ لَهُ بَنُونَ غَيْرُهُ، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ عِنْدَهُ مِائَةُ امْرَأَةٍ حَرَائِرَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ثَنَاءٌ عَلَى سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِأَنَّهُ كَثِيرُ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالْإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا [[في ت: "بإسناده".]] مَكْحُولٌ قَالَ: لَمَّا وَهَبَ اللَّهُ لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ [[في ت، س: "عليهما".]] السَّلَامُ قَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ مَا أَحْسَنُ؟ قَالَ: سَكِينَةُ اللَّهِ وَإِيمَانٌ. قَالَ: فَمَا أَقْبَحُ؟ قَالَ: كَفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ. قَالَ: فَمَا أَحْلَى؟ قَالَ: رَوْحُ اللَّهِ بَيْنَ عِبَادِهِ. قَالَ: فَمَا أَبْرَدُ؟ قَالَ: عَفْوُ اللَّهِ عَنِ النَّاسِ وَعَفْوُ النَّاسِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ. قَالَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَأَنْتَ نَبِيٌّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ أَيْ: إِذْ عُرِضَ عَلَى سُلَيْمَانَ فِي حَالِ مَمْلَكَتِهِ وَسُلْطَانِهِ الْخَيْلُ الصَّافِنَاتُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهِيَ الَّتِي تَقِفُ عَلَى ثَلَاثٍ وَطَرَفِ حَافِرِ الرَّابِعَةِ، وَالْجِيَادُ: السِّرَاعُ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. وَقَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُؤمَّل حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِيهِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قَالَ: كَانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا ذَاتَ أَجْنِحَةٍ. كَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ أَخْبَرَنِي إِسْرَائِيلُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: كَانَتِ الْخَيْلُ الَّتِي شَغَلَتْ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِشْرِينَ أَلْفَ فَرَسٍ، فَعَقَرَهَا وَهَذَا أَشْبَهُ [[في أ: "الأشبه".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي عُمَارة بْنُ غَزيَّة: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ -أَوْ خَيْبَرَ-وَفِي سَهْوَتِهَا سَتْرٌ فَهَبَّتِ الرِّيحُ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السَّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ -لُعَب-فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ " قَالَتْ: بَنَاتِي. وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ [[في أ: "لها".]] جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ فَقَالَ: "مَا هَذَا [[في أ: "ما هذا يا عائشة".]] الَّذِي أَرَى وَسَطَهُنَّ؟ " قَالَتْ: فَرَسٌ. قَالَ: "وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ؟ " قَالَتْ: جَنَاحَانِ قَالَ: "فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ؟! " قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلٌ لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ ﷺ [[سنن أبي داود برقم (٤٩٣٢) .]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [[في ت، س: "قال".]] ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِعَرْضِهَا حَتَّى فَاتَ وَقْتُ [[في ت، أ: "عن وقت".]] صَلَاةِ الْعَصْرِ وَالَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهَا عَمْدًا بَلْ نِسْيَانًا كَمَا شُغِلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى صَلَّاهَا بَعْدَ الْغُرُوبِ [[في أ: "المغرب".]] وَذَلِكَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، مِنْ ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا" فَقَالَ: [[في ت: "قال".]] فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَان فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا [[في ت: "فتوضأنا".]] لَهَا فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ [[صحيح البخاري برقم (٤١١٢) وصحيح مسلم برقم (٦٣١) .]] وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ [[في أ: "ادعى هذا طائفة".]] سَائِغًا فِي مِلَّتِهِمْ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِعُذْرِ الْغَزْوِ وَالْقِتَالِ. وَالْخَيْلُ تُرَادُ لِلْقِتَالِ. وَقَدِ ادَّعَى طَائِفَةٌ [[في س، أ: "أنه قد كان".]] مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا كَانَ مَشْرُوعًا فَنُسِخَ ذَلِكَ بِصَلَاةِ الْخَوْفِ وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ وَالْمُضَايَقَةِ، حَيْثُ لَا يُمْكِنُ صَلَاةٌ وَلَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي فَتْحِ تُسْتَرَ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مَكْحُولٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَالْأَوَّلُ أُقَرَبُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَهَا: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا تَشْغَلِينِي عَنْ عِبَادَةِ رَبِّي آخِرَ مَا [[في أ: "أحر ما".]] عَلَيْكِ. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُقِرَتْ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ضَرَبَ أَعْنَاقَهَا وَعَرَاقِيبَهَا بِالسُّيُوفِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: جَعَلَ يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ، وَعَرَاقِيبُهَا حِبَالُهَا. وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَ حَيَوَانًا بِالْعَرْقَبَةِ وَيُهْلِكَ مَالًا مِنْ مَالِهِ بِلَا سَبَبٍ سِوَى أَنَّهُ اشْتَغَلَ عَنْ صِلَاتِهِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا وَلَا ذَنْبَ لَهَا. وَهَذَا الَّذِي رَجَّحَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي شَرْعِهِمْ جَوَازُ مِثْلِ هَذَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ غَضَبًا لله عز وجل بسبب أنه اشْتَغَلَ بِهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا خَرَجَ عَنْهَا لِلَّهِ تَعَالَى [[في ت، س: "عز وجل".]] عَوَّضَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا [[في ت، س: "بما".]] هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَهِيَ [[في ت، س، أ: "وهو".]] الرِّيحُ الَّتِي تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ فَهَذَا أَسْرَعُ وَخَيْرٌ مِنَ الْخَيْلِ [[وهذا هو الصواب، وانظر كلام القرطبي في: الجامع لأحكام القرآن (١٥/١٩٥، ١٩٦) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ [[في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده".]] عَنْ أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي الدَّهْمَاءِ -وَكَانَا يُكْثِرَانِ السَّفَرَ نَحْوَ الْبَيْتِ-قَالَا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ الْبَدَوِيُّ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فجعل يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ: "إِنَّكَ لَا تَدَعُ شَيْئًا اتِّقَاءَ اللَّهِ [[في أ: "لله".]] -عَزَّ وَجَلَّ-إِلَّا أَعْطَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ" [[المسند (٥/٧٨) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٩٦) : "رجاله رجال الصحيح".]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ (٣٣) ﴾ يقول تعالى ذكره ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ﴾ ابنه ولدا ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ يقول: نعم العبد سليمان ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ يقول: إنه رجاع إلى طاعة الله توّاب إليه مما يكرهه منه. وقيل: إنه عُنِي به أنه كثير الذكر لله والطاعة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: شي عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: الأواب: المسبّح. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: كان مطيعًا لله كثير الصلاة. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: المسبِّح. والمسبِّح قد يكون في الصلاة والذكر. وقد بيَّنَّا معنى الأوّاب، وذكرنا اختلاف أهل التأويل فيه فيما مضى بما أغنى عن إعادته هاهنا. * * وقوله ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ يقول تعالى ذكره: إنه تواب إلى الله من خطيئته التي أخطأها، إذ عرض عليه بالعشي الصافنات؛ فإذ من صلة أواب، والصافنات: جمع الصافن من الخيل، والأنثى: صافنة، والصافن منها عند بعض العرب: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه، وعند آخرين: الذي يجمع يديه. وزعم الفرّاء أن الصافن: هو القائم، يقال منه: صَفَنَتِ الخيلُ تَصْفِن صُفُونًا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قال: صُفُون الفرس: رَفْع إحدى يديه حتى يكون على طرف الحافر. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: صَفَنَ الفرسُ: رفع إحدى يديه حتى يكون على طرف الحافر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) يعني: الخيل، وصُفونها: قيامها وبَسْطها قوائمها. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: الصافنات، قال: الخيل. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قال: الخيل أخرجها الشيطان لسليمان، من مرج من مروج البحر. قال: الخيل والبغال والحمير تَصْفِن، والصَّفْن [[لم نجد" الصفن" بسكون الفاء مصدرا لصفنت الخيل، وإنما مصدره الصفون مثل جلس يجلس جلوسا، وهو القياس، لأن الفعل لازم، والصفن: مصدر للمعتدي.]] أن تقوم على ثلاث، وترفع رجلا واحدة حتى يكون طرف الحافر على الأرض. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الصافنات: الخيل، وكانت لها أجنحة. وأما الجياد، فإنها السِّراع، واحدها: جواد. كما:- ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قاله. ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الجياد: قال: السِّراع. وذُكر أنها كانت عشرين فرسا ذوات أجنحة. ذكر الخبر بذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن إبراهيم التيمي، في قوله ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قال: كانت عشرين فرسا ذات أجنحة. * * وقوله ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ وفي هذا الكلام محذوف استغني بدلالة الظاهر عليه من ذكره: فَلَهِيَ عن الصلاة حتى فاتته، فقال: إني أحببت حب الخير. ويعني بقوله (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ) : أي المال والخيل، أو الخير من المال. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن السُّدِّيّ ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ قال: الخيل. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ قال: المال. * * وقوله ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ يقول: إني أحببت حب الخير حتى سهوت عن ذكر ربي وأداء فريضته. وقيل: إن ذلك كان صلاة العصر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ عن صلاة العصر. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ قال. صلاة العصر. حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أبو زرعة، قال: ثنا حيوة بن شريح، قال: ثنا أبو صخر، أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصَّهباء البكري يقول: سألت عليّ بن أبي طالب، عن الصلاة الوسطى، فقال: هي العصر، وهي التي فُتِن بها سليمان بن داود. * * وقوله ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ يقول: حتى توارت الشمس بالحجاب، يعني: تغيبت في مغيبها. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ميكائيل، عن داود بن أبي هند، قال: قال ابن مسعود، في قوله ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ قال: توارت الشمس من وراء ياقوتة خضراء، فخضرة السماء منها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) حتى دَلَكَتْ براح. قال قتادة: فوالله ما نازعته بنو إسرائيل ولا كابروه، ولكن ولوه من ذلك ما ولاه الله. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ حتى غابت. * * وقوله ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ يقول: ردّوا عليّ الخيل التي عرضت عليّ، فشغلتني عن الصلاة، فكروها عليّ. كما:- ⁕ حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ قال: الخيل. * * وقوله ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ يقول: فجعل يمسح منها السوق، وهي جمع الساق، والأعناق. واختلف أهل التأويل في معنى مسح سليمان بسوق هذه الخيل الجياد وأعناقها، فقال بعضهم: معنى ذلك أنه عقرها وضرب أعناقها، من قولهم: مَسَحَ علاوته: إذا ضرب عنقه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ قال: قال الحسن: قال لا والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك، قال قولهما فيه، يعني قتادة والحسن قال: فكَسَف عراقيبها، وضرب أعناقها. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ فضرب سوقها وأعناقها. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، عن عوف، عن الحسن، قال: أمر بها فعقرت. وقال آخرون: بل جعل يمسح أعرافها وعراقيبها بيده حُبًّا لها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ يقول: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها: حبا لها. وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس أشبه بتأويل الآية، لأن نبيّ الله ﷺ لم يكن إن شاء الله ليعذب حيوانًا بالعرقبة، ويهلك مالا من ماله بغير سبب، سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنطر إليها، ولا ذنب لها باشتغاله بالنظر إليها.

Al-Mukhtasar (français)

Salomon dit: J’ai préféré mon amour des biens de ce monde, dont font partie les chevaux, à l’évocation de mon Seigneur au point que le soleil s’est couché et que j’ai manqué la prière de l’après-midi.

33

رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ

Ramenez-les moi.» Alors il se mit à leur couper les pattes et les cous.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّهُ وَهَبَ لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ، أَيْ: نَبِيًّا كَمَا قَالَ: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ أَيْ: فِي النُّبُوَّةِ وَإِلَّا فَقَدَ كَانَ لَهُ بَنُونَ غَيْرُهُ، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ عِنْدَهُ مِائَةُ امْرَأَةٍ حَرَائِرَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ثَنَاءٌ عَلَى سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِأَنَّهُ كَثِيرُ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالْإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا [[في ت: "بإسناده".]] مَكْحُولٌ قَالَ: لَمَّا وَهَبَ اللَّهُ لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ [[في ت، س: "عليهما".]] السَّلَامُ قَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ مَا أَحْسَنُ؟ قَالَ: سَكِينَةُ اللَّهِ وَإِيمَانٌ. قَالَ: فَمَا أَقْبَحُ؟ قَالَ: كَفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ. قَالَ: فَمَا أَحْلَى؟ قَالَ: رَوْحُ اللَّهِ بَيْنَ عِبَادِهِ. قَالَ: فَمَا أَبْرَدُ؟ قَالَ: عَفْوُ اللَّهِ عَنِ النَّاسِ وَعَفْوُ النَّاسِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ. قَالَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَأَنْتَ نَبِيٌّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ أَيْ: إِذْ عُرِضَ عَلَى سُلَيْمَانَ فِي حَالِ مَمْلَكَتِهِ وَسُلْطَانِهِ الْخَيْلُ الصَّافِنَاتُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهِيَ الَّتِي تَقِفُ عَلَى ثَلَاثٍ وَطَرَفِ حَافِرِ الرَّابِعَةِ، وَالْجِيَادُ: السِّرَاعُ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. وَقَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُؤمَّل حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِيهِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قَالَ: كَانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا ذَاتَ أَجْنِحَةٍ. كَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ أَخْبَرَنِي إِسْرَائِيلُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: كَانَتِ الْخَيْلُ الَّتِي شَغَلَتْ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِشْرِينَ أَلْفَ فَرَسٍ، فَعَقَرَهَا وَهَذَا أَشْبَهُ [[في أ: "الأشبه".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي عُمَارة بْنُ غَزيَّة: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ -أَوْ خَيْبَرَ-وَفِي سَهْوَتِهَا سَتْرٌ فَهَبَّتِ الرِّيحُ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السَّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ -لُعَب-فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ " قَالَتْ: بَنَاتِي. وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ [[في أ: "لها".]] جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ فَقَالَ: "مَا هَذَا [[في أ: "ما هذا يا عائشة".]] الَّذِي أَرَى وَسَطَهُنَّ؟ " قَالَتْ: فَرَسٌ. قَالَ: "وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ؟ " قَالَتْ: جَنَاحَانِ قَالَ: "فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ؟! " قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلٌ لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ ﷺ [[سنن أبي داود برقم (٤٩٣٢) .]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [[في ت، س: "قال".]] ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِعَرْضِهَا حَتَّى فَاتَ وَقْتُ [[في ت، أ: "عن وقت".]] صَلَاةِ الْعَصْرِ وَالَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهَا عَمْدًا بَلْ نِسْيَانًا كَمَا شُغِلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى صَلَّاهَا بَعْدَ الْغُرُوبِ [[في أ: "المغرب".]] وَذَلِكَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، مِنْ ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا" فَقَالَ: [[في ت: "قال".]] فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَان فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا [[في ت: "فتوضأنا".]] لَهَا فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ [[صحيح البخاري برقم (٤١١٢) وصحيح مسلم برقم (٦٣١) .]] وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ [[في أ: "ادعى هذا طائفة".]] سَائِغًا فِي مِلَّتِهِمْ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِعُذْرِ الْغَزْوِ وَالْقِتَالِ. وَالْخَيْلُ تُرَادُ لِلْقِتَالِ. وَقَدِ ادَّعَى طَائِفَةٌ [[في س، أ: "أنه قد كان".]] مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا كَانَ مَشْرُوعًا فَنُسِخَ ذَلِكَ بِصَلَاةِ الْخَوْفِ وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ وَالْمُضَايَقَةِ، حَيْثُ لَا يُمْكِنُ صَلَاةٌ وَلَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي فَتْحِ تُسْتَرَ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مَكْحُولٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَالْأَوَّلُ أُقَرَبُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَهَا: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا تَشْغَلِينِي عَنْ عِبَادَةِ رَبِّي آخِرَ مَا [[في أ: "أحر ما".]] عَلَيْكِ. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُقِرَتْ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ضَرَبَ أَعْنَاقَهَا وَعَرَاقِيبَهَا بِالسُّيُوفِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: جَعَلَ يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ، وَعَرَاقِيبُهَا حِبَالُهَا. وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَ حَيَوَانًا بِالْعَرْقَبَةِ وَيُهْلِكَ مَالًا مِنْ مَالِهِ بِلَا سَبَبٍ سِوَى أَنَّهُ اشْتَغَلَ عَنْ صِلَاتِهِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا وَلَا ذَنْبَ لَهَا. وَهَذَا الَّذِي رَجَّحَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي شَرْعِهِمْ جَوَازُ مِثْلِ هَذَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ غَضَبًا لله عز وجل بسبب أنه اشْتَغَلَ بِهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا خَرَجَ عَنْهَا لِلَّهِ تَعَالَى [[في ت، س: "عز وجل".]] عَوَّضَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا [[في ت، س: "بما".]] هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَهِيَ [[في ت، س، أ: "وهو".]] الرِّيحُ الَّتِي تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ فَهَذَا أَسْرَعُ وَخَيْرٌ مِنَ الْخَيْلِ [[وهذا هو الصواب، وانظر كلام القرطبي في: الجامع لأحكام القرآن (١٥/١٩٥، ١٩٦) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ [[في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده".]] عَنْ أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي الدَّهْمَاءِ -وَكَانَا يُكْثِرَانِ السَّفَرَ نَحْوَ الْبَيْتِ-قَالَا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ الْبَدَوِيُّ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فجعل يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ: "إِنَّكَ لَا تَدَعُ شَيْئًا اتِّقَاءَ اللَّهِ [[في أ: "لله".]] -عَزَّ وَجَلَّ-إِلَّا أَعْطَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ" [[المسند (٥/٧٨) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٩٦) : "رجاله رجال الصحيح".]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ (٣٣) ﴾ يقول تعالى ذكره ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ﴾ ابنه ولدا ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ يقول: نعم العبد سليمان ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ يقول: إنه رجاع إلى طاعة الله توّاب إليه مما يكرهه منه. وقيل: إنه عُنِي به أنه كثير الذكر لله والطاعة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: شي عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: الأواب: المسبّح. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: كان مطيعًا لله كثير الصلاة. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: المسبِّح. والمسبِّح قد يكون في الصلاة والذكر. وقد بيَّنَّا معنى الأوّاب، وذكرنا اختلاف أهل التأويل فيه فيما مضى بما أغنى عن إعادته هاهنا. * * وقوله ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ يقول تعالى ذكره: إنه تواب إلى الله من خطيئته التي أخطأها، إذ عرض عليه بالعشي الصافنات؛ فإذ من صلة أواب، والصافنات: جمع الصافن من الخيل، والأنثى: صافنة، والصافن منها عند بعض العرب: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه، وعند آخرين: الذي يجمع يديه. وزعم الفرّاء أن الصافن: هو القائم، يقال منه: صَفَنَتِ الخيلُ تَصْفِن صُفُونًا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قال: صُفُون الفرس: رَفْع إحدى يديه حتى يكون على طرف الحافر. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: صَفَنَ الفرسُ: رفع إحدى يديه حتى يكون على طرف الحافر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) يعني: الخيل، وصُفونها: قيامها وبَسْطها قوائمها. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: الصافنات، قال: الخيل. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قال: الخيل أخرجها الشيطان لسليمان، من مرج من مروج البحر. قال: الخيل والبغال والحمير تَصْفِن، والصَّفْن [[لم نجد" الصفن" بسكون الفاء مصدرا لصفنت الخيل، وإنما مصدره الصفون مثل جلس يجلس جلوسا، وهو القياس، لأن الفعل لازم، والصفن: مصدر للمعتدي.]] أن تقوم على ثلاث، وترفع رجلا واحدة حتى يكون طرف الحافر على الأرض. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الصافنات: الخيل، وكانت لها أجنحة. وأما الجياد، فإنها السِّراع، واحدها: جواد. كما:- ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قاله. ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الجياد: قال: السِّراع. وذُكر أنها كانت عشرين فرسا ذوات أجنحة. ذكر الخبر بذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن إبراهيم التيمي، في قوله ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قال: كانت عشرين فرسا ذات أجنحة. * * وقوله ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ وفي هذا الكلام محذوف استغني بدلالة الظاهر عليه من ذكره: فَلَهِيَ عن الصلاة حتى فاتته، فقال: إني أحببت حب الخير. ويعني بقوله (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ) : أي المال والخيل، أو الخير من المال. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن السُّدِّيّ ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ قال: الخيل. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ قال: المال. * * وقوله ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ يقول: إني أحببت حب الخير حتى سهوت عن ذكر ربي وأداء فريضته. وقيل: إن ذلك كان صلاة العصر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ عن صلاة العصر. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ قال. صلاة العصر. حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أبو زرعة، قال: ثنا حيوة بن شريح، قال: ثنا أبو صخر، أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصَّهباء البكري يقول: سألت عليّ بن أبي طالب، عن الصلاة الوسطى، فقال: هي العصر، وهي التي فُتِن بها سليمان بن داود. * * وقوله ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ يقول: حتى توارت الشمس بالحجاب، يعني: تغيبت في مغيبها. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ميكائيل، عن داود بن أبي هند، قال: قال ابن مسعود، في قوله ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ قال: توارت الشمس من وراء ياقوتة خضراء، فخضرة السماء منها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) حتى دَلَكَتْ براح. قال قتادة: فوالله ما نازعته بنو إسرائيل ولا كابروه، ولكن ولوه من ذلك ما ولاه الله. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ حتى غابت. * * وقوله ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ يقول: ردّوا عليّ الخيل التي عرضت عليّ، فشغلتني عن الصلاة، فكروها عليّ. كما:- ⁕ حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ قال: الخيل. * * وقوله ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ يقول: فجعل يمسح منها السوق، وهي جمع الساق، والأعناق. واختلف أهل التأويل في معنى مسح سليمان بسوق هذه الخيل الجياد وأعناقها، فقال بعضهم: معنى ذلك أنه عقرها وضرب أعناقها، من قولهم: مَسَحَ علاوته: إذا ضرب عنقه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ قال: قال الحسن: قال لا والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك، قال قولهما فيه، يعني قتادة والحسن قال: فكَسَف عراقيبها، وضرب أعناقها. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ فضرب سوقها وأعناقها. ⁕ حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، عن عوف، عن الحسن، قال: أمر بها فعقرت. وقال آخرون: بل جعل يمسح أعرافها وعراقيبها بيده حُبًّا لها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ يقول: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها: حبا لها. وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس أشبه بتأويل الآية، لأن نبيّ الله ﷺ لم يكن إن شاء الله ليعذب حيوانًا بالعرقبة، ويهلك مالا من ماله بغير سبب، سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنطر إليها، ولا ذنب لها باشتغاله بالنظر إليها.

Al-Mukhtasar (français)

Approchez de moi ces chevaux, ordonna-t-il et on les approcha de lui. Puis il se mit à les frapper au cou et aux pattes avec son sabre.

34

وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًۭا ثُمَّ أَنَابَ

Et Nous avions certes éprouvé Salomon en plaçant sur son siège un corps. Ensuite, il se repentit.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أَيِ: اخْتَبَرْنَاهُ بِأَنْ سَلَبْنَاهُ الْمُلْكَ مَرَّةً، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ: يَعْنِي شَيْطَانًا. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أَيْ: [[في ت، س: "ثم".]] رَجَعَ إِلَى مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ وَأُبَّهَتِهِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَانَ اسْمُ ذَلِكَ الشَّيْطَانِ صَخْرًا. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: آصِفُ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقِيلَ: آصِرُوا. قَالَهُ مُجَاهِدٌ أَيْضًا. وَقِيلَ: حبقيقُ. قَالَهُ السُّدِّيُّ. وَقَدْ ذَكَرُوا هَذِهِ الْقِصَّةَ مَبْسُوطَةً وَمُخْتَصَرَةً. وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبة عَنْ قَتَادَةَ: قَالَ أَمَرَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقِيلَ لَهُ: ابْنِهِ وَلَا يُسمَعُ فِيهِ صَوْتُ حَدِيدٍ. فَقَالَ: فَطَلَبَ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ شَيْطَانًا فِي الْبَحْرِ يُقَالُ لَهُ: "صَخْرٌ" شِبْهُ الْمَارِدِ. قَالَ: فَطَلَبَهُ وَكَانَتْ عَيْنٌ فِي الْبَحْرِ يَردهُا فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ مَرَّةً فَنُزِحَ مَاؤُهَا وَجُعِلَ فِيهَا خَمْرٌ، فَجَاءَ يَوْمَ ورْده فَإِذَا هُوَ بِالْخَمْرِ فَقَالَ: إِنَّكِ لَشَرَابٌ طَيِّبٌ إِلَّا أَنَّكِ تُصْبِينَ الْحَلِيمَ، وَتَزِيدِينَ الْجَاهِلَ جَهْلًا. ثُمَّ رَجَعَ حَتَّى عَطِشَ عَطَشًا شَدِيدًا ثُمَّ أَتَاهَا [[في أ: "أتاه".]] فَقَالَ: إِنَّكِ لَشَرَابٌ طَيِّبٌ إِلَّا أَنَّكِ تُصْبِينَ الْحَلِيمَ، وَتَزِيدِينَ الْجَاهِلَ جَهْلًا. ثُمَّ شَرِبَهَا حَتَّى غَلَبَتْ عَلَى عَقْلِهِ، قَالَ: فَأُرِيَ الْخَاتَمَ أَوْ خُتِمَ بِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَذَلَّ. قَالَ: وَكَانَ مُلْكُهُ فِي خَاتَمِهِ فأتي به سليمان فقال: إنه قَدْ أُمِرْنَا بِبِنَاءِ هَذَا الْبَيْتِ وَقِيلَ لَنَا: لَا يُسْمَعَنَّ فِيهِ صَوْتُ حَدِيدٍ. قَالَ: فَأَتَى بِبَيْضِ الْهُدْهُدِ فَجَعَلَ عَلَيْهِ زُجَاجَةً فَجَاءَ الْهُدْهُدُ فَدَارَ حَوْلَهَا، فَجَعَلَ يَرَى بَيْضَهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَذَهَبَ فَجَاءَ بِالْمَاسِ فَوَضَعَهُ عَلَيْهِ فَقَطَعَهَا بِهِ حَتَّى أَفْضَى إِلَى بَيْضِهِ. فَأَخَذَ الْمَاسَ فَجَعَلُوا يَقْطَعُونَ بِهِ الْحِجَارَةَ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ -أَوِ: الْحَمَّامَ-لَمْ يَدْخُلْ بِخَاتَمِهِ فَانْطَلَقَ يَوْمًا إِلَى الْحَمَّامِ وَذَلِكَ الشَّيْطَانُ صَخْرٌ مَعَهُ، وَذَلِكَ عِنْدَ مُقَارَفَةٍ قَارَفَ فِيهِ [[في ت: "فيها".]] بَعْضَ نِسَائِهِ. قَالَ: فَدَخَلَ الْحَمَّامَ وَأَعْطَى الشَّيْطَانَ خَاتَمَهُ فَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ فَالْتَقَمَتْهُ سَمَكَةٌ، وَنُزِعَ مُلك سُلَيْمَانَ مِنْهُ وَأُلْقِيَ عَلَى الشَّيْطَانِ شَبَه سُلَيْمَانَ. قَالَ: فَجَاءَ فَقَعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَسَرِيرِهِ وسُلِّط عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ كُلِّهِ غَيْرَ نِسَائِهِ. قَالَ: فَجَعَلَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ، وَجَعَلُوا يُنْكِرُونَ مِنْهُ أَشْيَاءَ حَتَّى قَالُوا: لَقَدْ فُتِنَ نَبِيُّ اللَّهِ. وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ يُشَبِّهُونَهُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْقُوَّةِ فَقَالَ: وَاللَّهُ لَأُجَرِّبَنَّهُ. قَالَ: فَقَالَ: يَا نَبِيَّ [[في أ: "أنبي".]] اللَّهِ -وَهُوَ لَا يَرَى إِلَّا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ-أَحَدُنَا تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ فَيَدَعُ الْغُسْلَ عَمْدًا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَتُرَى [[في ت: "ترى".]] عَلَيْهِ بَأْسًا؟ فَقَالَ: [[في ت، س: "قال".]] لَا. قَالَ: فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى وَجَدَ نَبِيُّ اللَّهِ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِ سَمَكَةٍ فَأَقْبَلَ فَجَعَلَ لَا يَسْتَقْبِلُهُ جِنِّيٌّ وَلَا طَيْرٌ إِلَّا سَجَدَ لَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: هُوَ الشَّيْطَانُ صَخْرٌ [[تفسير الطبري (٢٣/١٠١) .]] وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أَيِ: ابْتَلَيْنَا سُلَيْمَانَ، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: جَلَسَ الشَّيْطَانُ عَلَى كُرْسِيِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. قَالَ: وَكَانَ لِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِائَةُ امْرَأَةٍ وَكَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ يُقَالُ لَهَا: "جَرَادَةُ"، وَهِيَ آثَرُ نِسَائِهِ وَآمَنُهُنَّ عِنْدَهُ وَكَانَ إِذَا أَجْنَبَ أَوْ أَتَى حَاجَةً [[في أ: "حاجته".]] نَزَعَ خَاتَمَهُ وَلَمْ يَأْتَمِنْ [[في ت: "يأمن".]] عَلَيْهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ غَيْرَهَا فَأَعْطَاهَا يَوْمًا خَاتَمَهُ وَدَخَلَ الْخَلَاءَ فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَتِهِ فَقَالَ: هَاتِي الْخَاتَمَ. فَأَعْطَتْهُ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى مَجْلِسِ سُلَيْمَانَ وَخَرَجَ سُلَيْمَانُ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلَهَا أَنْ تُعْطِيَهِ خَاتَمَهُ، فَقَالَتْ: أَلَمْ تَأْخُذْهُ قَبْلُ؟ قَالَ: لَا. وَخَرَجَ مَكَانَهُ تَائِهًا. قَالَ: وَمَكَثَ الشَّيْطَانُ يُحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، قَالَ: فَأَنْكَرَ النَّاسُ أَحْكَامَهُ فَاجْتَمَعَ قُرَّاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعُلَمَاؤُهُمْ فَجَاءُوا حَتَّى دَخَلُوا عَلَى نِسَائِهِ فَقَالُوا: إِنَّا قَدْ أَنْكَرْنَا هَذَا فَإِنْ كَانَ سُلَيْمَانَ فَقَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ وَأَنْكَرْنَا أَحْكَامَهُ. قَالَ: فَبَكَى النِّسَاءُ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ: فَأَقْبَلُوا يَمْشُونَ حَتَّى أَتَوْا [[في أ: "أتوه".]] فَأَحْدَقُوا بِهِ ثُمَّ نَشَرُوا التَّوْرَاةَ فَقَرَءُوا. قَالَ: فَطَارَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ حَتَّى وَقَعَ عَلَى شُرْفَةٍ وَالْخَاتَمُ مَعَهُ. ثُمَّ طَارَ حَتَّى ذَهَبَ إِلَى الْبَحْرِ فَوَقَعَ الْخَاتَمُ مِنْهُ فِي الْبَحْرِ فَابْتَلَعَهُ حُوتٌ مِنْ حِيتَانِ الْبَحْرِ. قَالَ: وَأَقْبَلَ سُلَيْمَانُ فِي حَالِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى صَيَّادٍ مِنْ صَيَّادِي [[في ت، س، أ: "صيادين".]] الْبَحْرِ وَهُوَ جَائِعٌ وَقَدِ اشْتَدَّ جُوعُهُ. فَاسْتَطْعَمَهُمْ مِنْ صَيْدِهِمْ وَقَالَ: إِنِّي أَنَا سُلَيْمَانُ. فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَضَرَبَهُ بِعَصًا فَشَجَّهُ فَجَعَلَ يَغْسِلُ دَمَهُ وَهُوَ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ فَلَامَ الصَّيَّادُونَ صَاحِبَهُمُ الَّذِي ضَرَبَهُ فَقَالُوا بِئْسَ مَا صَنَعْتَ حيث ضربته. قال: إنه زَعَمَ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ. قَالَ: فَأَعْطَوْهُ سَمَكَتَيْنِ مِمَّا قَدْ مَذِرَ عِنْدَهُمْ فَلَمْ يَشْغَلْهُ مَا كَانَ بِهِ مِنَ الضَّرْبِ حَتَّى قَامَ إِلَى شَطِّ الْبَحْرِ فَشَقَّ بُطُونَهُمَا فَجَعَلَ يَغْسِلُ [دَمَهُ] [[زيادة من أ.]] فَوَجَدَ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِ إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَهُ فَلَبِسَهُ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَهَاءَهُ وَمُلْكَهُ، وَجَاءَتِ الطَّيْرُ حَتَّى حَامَتْ عَلَيْهِ فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَامَ الْقَوْمُ يَعْتَذِرُونَ مِمَّا صَنَعُوا [بِهِ] [[زيادة من أ.]] فَقَالَ: مَا أَحْمَدُكُمْ عَلَى عُذْرِكُمْ وَلَا أَلُومُكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ، كَانَ هَذَا الْأَمْرُ لَا بُدَّ مِنْهُ. قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى أَتَى مُلْكَهُ وَأَرْسَلَ إِلَى الشَّيْطَانِ فَجِيءَ بِهِ فَأَمَرَ بِهِ فَجُعِلَ فِي صُنْدُوقٍ مِنْ حَدِيدٍ، ثُمَّ أَطْبَقَ عَلَيْهِ وَقَفَلَ عَلَيْهِ بِقُفْلٍ وَخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِهِ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُلْقِي فِي الْبَحْرِ فَهُوَ فِيهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. وَكَانَ اسْمُهُ حبقيقُ قَالَ: وَسَخَّرَ [[في ت، أ: "وسخرت".]] لَهُ الرِّيحَ وَلَمْ تَكُنْ سُخِّرَتْ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [[تفسير الطبري (٢٣/١٠١) .]] وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ: آصِفُ. فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: كَيْفَ تَفْتِنُونَ النَّاسَ؟ قَالَ: أَرِنِي خَاتَمَكَ أُخْبِرْكَ. فَلَمَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ نَبَذَهُ آصِفُ فِي الْبَحْرِ فَسَاحَ سُلَيْمَانُ وَذَهَبَ مُلْكُهُ، وَقَعَدَ آصِفُ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَمَنَعَهُ اللَّهُ نِسَاءَ سُلَيْمَانَ فَلَمْ يَقْرَبْهُنَّ -وَلَمْ يَقْرَبْنَهُ وَأَنْكَرْنَهُ. قَالَ: فَكَانَ سُلَيْمَانُ يَسْتَطْعِمُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُونِي؟ أَطْعِمُونِي أَنَا سُلَيْمَانُ فَيُكَذِّبُونَهُ، حَتَّى أَعْطَتْهُ امْرَأَةٌ يَوْمًا حُوتًا فَجَعَلَ يُطَيِّبُ بَطْنَهُ، فَوَجَدَ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِهِ فَرَجَعَ إِلَيْهِ مُلْكُهُ وَفَرَّ آصِفُ فَدَخَلَ الْبَحْرَ فَارًّا. وَهَذِهِ كُلُّهَا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ وَمِنْ أَنْكَرِهَا مَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشِ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قَالَ: أَرَادَ سُلَيْمَانُ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ فَأَعْطَى الْجَرَادَةَ خَاتَمَهُ -وَكَانَتِ الْجَرَادَةُ [[في ت: "جرادة".]] امْرَأَتَهُ وَكَانَتْ أَحَبَّ نِسَائِهِ إِلَيْهِ-فَجَاءَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ سُلَيْمَانَ فَقَالَ لَهَا: هَاتِي خَاتَمِي. فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ. فَلَمَّا لَبِسَهُ دَانَتْ لَهُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ [[في أ: "والجن والطير".]] وَالشَّيَاطِينُ فَلَمَّا خَرَجَ سُلَيْمَانُ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ لَهَا: هَاتِي خَاتَمِي. قَالَتْ: قَدْ أَعْطَيْتُهُ سُلَيْمَانَ. قَالَ: أَنَا سُلَيْمَانُ. قَالَتْ: كَذَبْتَ لَسْتَ سُلَيْمَانَ [[في ت: "بسليمان".]] فَجَعَلَ لَا يَأْتِي أَحَدًا يَقُولُ لَهُ: "أَنَا سُلَيْمَانُ"، إِلَّا كَذَّبَهُ حَتَّى جَعَلَ [[في أ: "جاء".]] الصِّبْيَانُ يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَرَف أَنَّهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: وَقَامَ الشَّيْطَانُ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى سُلَيْمَانَ سُلْطَانَهُ أَلْقَى فِي قُلُوبِ النَّاسِ إِنْكَارَ ذَلِكَ الشَّيْطَانِ. قَالَ: فَأَرْسَلُوا إِلَى نِسَاءِ سُلَيْمَانَ فَقَالُوا لَهُنَّ: أَتُنْكِرْنَ مِنْ سُلَيْمَانَ شَيْئًا؟ قُلْنَ: نَعَمْ إِنَّهُ يَأْتِينَا وَنَحْنُ حُيَّضٌ وَمَا كَانَ يَأْتِينَا قَبْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّيْطَانُ أَنَّهُ قَدْ فَطِنَ لَهُ [[في ت: "أنه فطن له".]] ظَنَّ أَنَّ أَمْرَهُ قَدِ انْقَطَعَ فَكَتَبُوا كُتُبًا فِيهَا سِحْرٌ وَكُفْرٌ، فَدَفَنُوهَا تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ ثُمَّ أَثَارُوهَا وقرءوها على الناس. وقالوا: بِهَذَا كَانَ يَظْهَرُ سُلَيْمَانُ عَلَى النَّاسِ [وَيَغْلِبُهُمْ] [[زيادة من أ.]] فَأَكْفَرَ النَّاسُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَمْ يَزَالُوا يُكَفِّرُونَهُ وَبَعَثَ ذَلِكَ الشيطانُ بِالْخَاتَمِ فَطَرَحَهُ فِي الْبَحْرِ فَتَلَقَّتْهُ سَمَكَةٌ فَأَخَذَتْهُ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ يَحْمِلُ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ بِالْأَجْرِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَاشْتَرَى سَمَكًا فِيهِ تِلْكَ السَّمَكَةُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا الْخَاتَمُ فَدَعَا سُلَيْمَانُ فَقَالَ: تَحْمِلُ لِي هَذَا السَّمَكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: بِكَمْ؟ قَالَ بِسَمَكَةٍ مِنْ هَذَا السَّمَكِ. قَالَ: فَحَمَلَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ السَّمَكَ ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمَّا انْتَهَى الرَّجُلُ إِلَى بَابِهِ أَعْطَاهُ تِلْكَ السَّمَكَةَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا الْخَاتَمُ فَأَخَذَهَا سُلَيْمَانُ فَشَقَّ بَطْنَهَا، فَإِذَا الْخَاتَمُ فِي جَوْفِهَا فَأَخَذَهُ فَلَبِسَهُ. قَالَ: فَلَمَّا لَبِسَهُ دَانَتْ لَهُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَالشَّيَاطِينُ وَعَادَ إِلَى حَالِهِ وَهَرب الشَّيْطَانُ حَتَّى دَخَلَ جَزِيرَةً [[في ت: "لحق بجزيرة".]] مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ فَأَرْسَلَ سُلَيْمَانُ فِي طَلَبِهِ وَكَانَ شَيْطَانًا مَرِيدًا فَجَعَلُوا يَطْلُبُونَهُ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ حَتَّى وَجَدُوهُ يَوْمًا نَائِمًا فَجَاءُوا فَبَنَوْا عَلَيْهِ بُنْيَانًا مِنْ رَصَاصٍ فَاسْتَيْقَظَ فَوَثَبَ فَجَعَلَ لَا يَثِبُ فِي مَكَانٍ من البيت إلا أنماط معه من الرَّصَاصُ قَالَ: فَأَخَذُوهُ فَأَوْثَقُوهُ وَجَاءُوا بِهِ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَأَمَرَ بِهِ فَنُقِرَ [[في ت: "فثقب".]] لَهُ تَخْتٌ مِنْ رُخَامٍ ثُمَّ أُدْخِلَ فِي جَوْفِهِ ثُمَّ سُدَّ بِالنُّحَاسِ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَطُرِحَ فِي الْبَحْرِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قَالَ: يَعْنِي الشَّيْطَانَ الَّذِي كَانَ سُلِّطَ عَلَيْهِ. إِسْنَادُهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَوِيٌّ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إِنَّمَا تَلَقَّاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -إِنْ صَحَّ عَنْهُ-مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَفِيهِمْ طَائِفَةٌ لَا يَعْتَقِدُونَ نُبُوَّةَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَيْهِ وَلِهَذَا كَانَ فِي السِّيَاقِ مُنْكَرَاتٌ مِنْ أَشَدِّهَا ذِكْرُ النِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ [[في أ: "فإن المشهور عن مجاهد وغير واحد من السلف أن".]] ذَلِكَ الْجِنِّيَّ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَى نِسَاءِ سُلَيْمَانَ بَلْ عَصَمَهُنَّ اللَّهُ مِنْهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا لِنَبِيِّهِ ﷺ، وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ مُطَوَّلَةً عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَجَمَاعَةٍ آخَرِينَ وَكُلُّهَا متُلقًّاة مِنْ قَصَصِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيُّ: وَجَدَ سُلَيْمَانُ خَاتَمَهُ فِي عَسْقَلَانَ، فَمَشَى فِي خِرْقَةٍ [[في أ: "بحرقة".]] إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي صِفَةِ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَبَرًا عَجِيبًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاقَ الْمِصْرِيُّ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ؛ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ حَدِيثِ "إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ" قَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ أَخْبِرْنِي عَنْ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ؛ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ فَقَالَ: كَانَ كُرْسِيُّ سُلَيْمَانَ مِنْ أَنْيَابِ الْفِيَلَةِ مُفَصّصاً بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَاللُّؤْلُؤِ. وَقَدْ جُعل لَهُ دَرَجَةً مِنْهَا مُفَصّصة بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ ثُمَّ أَمَرَ بِالْكُرْسِيِّ فحُفّ مِنْ جَانِبَيْهِ بِالنَّخْلِ، نَخْلٌ مِنْ ذَهَبٍ شَمَارِيخُهَا مِنْ يَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ وَلُؤْلُؤٍ. وَجُعِلَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ الَّتِي عَنْ يَمِينِ الْكُرْسِيِّ طَوَاوِيسُ مَنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ جُعِلَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ الَّتِي عَلَى يَسَارِ الْكُرْسِيِّ نُسُورٌ مَنْ ذَهَبٍ مُقَابَلَةَ الطَّوَاوِيسِ، وَجُعِلَ على يمين الدرجة الأولى شَجَرَتَا صَنَوْبَرٍ مَنْ ذَهَبٍ، وَعَنْ يَسَارِهَا أَسَدَانِ مَنْ ذَهَبٍ وَعَلَى رُءُوسِ الْأَسَدَيْنِ عَمُودَانِ مِنْ زَبَرْجَدٍ وَجُعِلَ مِنْ جَانِبَيِ الْكُرْسِيِّ شَجَرَتَا كَرْمٍ مَنْ ذَهَبٍ قَدْ أَظَلَّتَا الْكُرْسِيَّ وَجُعِلَ عَنَاقِيدُهُمَا دُرًّا وَيَاقُوتًا أَحْمَرَ. ثُمَّ جُعل فَوْقَ دَرَج الْكُرْسِيِّ أسَدَان عَظِيمَانِ مِنْ ذَهَبٍ مُجَوَّفَانِ مَحْشُوَّانِ مِسْكًا وَعَنْبَرًا. فَإِذَا أَرَادَ سُلَيْمَانُ أَنْ يَصْعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ اسْتَدَارَ الْأَسَدَانِ سَاعَةً ثُمَّ يَقَعَانِ [[في ت: "يقفان".]] فَيَنْضَحَانِ مَا فِي أَجْوَافِهِمَا مِنَ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ حَوْلَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ يُوضَعُ مِنْبَرَانِ مِنْ ذَهَبٍ وَاحِدٌ لِخَلِيفَتِهِ وَالْآخِرُ لِرَئِيسِ أَحْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ. ثُمَّ يُوضَعُ أَمَامَ كُرْسِيِّهِ سَبْعُونَ مِنْبَرًا مِنْ ذَهَبٍ يَقْعُدُ عَلَيْهَا سَبْعُونَ قَاضِيًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعُلَمَائِهِمْ وَأَهْلِ الشَّرَفِ مِنْهُمْ وَالطَوْلِ وَمِنْ خَلْفِ تِلْكَ الْمَنَابِرِ كُلِّهَا خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ مِنْبَرًا مِنْ ذَهَبٍ لَيْسَ عَلَيْهَا أَحَدٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَصْعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَضَعَ قَدَمَيْهِ عَلَى الدَّرَجَةِ السُّفْلَى فَاسْتَدَارَ الْكُرْسِيُّ كُلُّهُ بِمَا فِيهِ وَمَا عَلَيْهِ، وَيَبْسُطُ الْأَسَدُ يَدَهُ الْيُمْنَى وَيَنْشُرُ النَّسْرُ جَنَاحَهُ الْأَيْسَرَ ثُمَّ يَصْعَدُ [سُلَيْمَانُ] [[زيادة من ت، أ.]] عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ فَيَبْسُطُ الْأَسَدُ يَدَهُ الْيُسْرَى وَيَنْشُرُ النَّسْرُ جَنَاحَهُ الْأَيْمَنَ فَإِذَا اسْتَوَى سُلَيْمَانُ عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ وَقَعَدَ عَلَى الْكُرْسِيِّ أَخَذَ نَسْرٌ مِنْ تِلْكَ النُّسُورِ عَظِيمٌ تَاجَ سُلَيْمَانَ فَوَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَإِذَا وَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ اسْتَدَارَ الْكُرْسِيُّ بِمَا فِيهِ كَمَا تَدُورُ الرَّحَى الْمُسْرِعَةُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَمَا الَّذِي يُدِيرُهُ يَا أَبَا إِسْحَاقَ؟ قَالَ: تِنِّينٌ مِنْ ذَهَبِ ذَلِكَ الْكُرْسِيِّ عَلَيْهِ وَهُوَ عَظِيمٌ مِمَّا عَمِلَهُ صَخْرٌ الْجِنِّيُّ فَإِذَا أَحَسَّتْ بِدَوَرَانِهِ تِلْكَ النُّسُورُ والأسْدُ وَالطَّوَاوِيسُ الَّتِي فِي أَسْفَلِ الْكُرْسِيِّ دُرْنَ إِلَى أَعْلَاهُ فَإِذَا وَقَفَ وَقَفْنَ كُلُّهُنَّ مُنَكِّسَاتٍ رُءُوسَهُنَّ عَلَى رَأْسِ سُلَيْمَانَ [ابْنِ دَاوُدَ] [[زيادة من أ.]] عَلَيْهِ [[في أ: "عليهما".]] السَّلَامُ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ يَنْضَحْنَ جَمِيعًا مَا فِي أَجْوَافِهِنَّ مِنَ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ عَلَى رَأْسِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثُمَّ تَتَنَاوَلُ حَمَامَةٌ مَنْ ذَهَبٍ وَاقِفَةٌ عَلَى عَمُودٍ مِنْ جَوْهَرٍ التوراةَ فَتَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ فَيَقْرَؤُهَا سُلَيْمَانُ عَلَى النَّاسِ. وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ [[في ت: "الحديث".]] وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أَيْ: لَا يَصْلُحُ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْلُبَنِيهِ كَمَا كَانَ مِنْ قَضِيَّةِ [[في ت: "في قصة"، وفي أ: "من قصة".]] الْجَسَدِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَى كُرْسِيِّهِ لَا أَنَّهُ يَحْجُرُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ النَّاسِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سَأَلَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مُلْكًا لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ مِنَ الْبَشَرِ مِثْلُهُ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ مِنَ الْآيَةِ وَبِهِ [[في ت، س، أ: "وبذلك".]] وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ [[في ت: "فروى".]] الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّت عَلَيَّ الْبَارِحَةَ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا-لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ وَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصبحوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ قَالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خَاسِئًا [[صحيح البخاري برقم (٤٨٠٨) .]] وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٥٤١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٤٠) .]] وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ المُرَادي حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ حَدَّثَنِي رَبِيعَةَ بْنِ يَزيد عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ". ثُمَّ قَالَ: "أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ" -ثَلَاثًا-وَبَسَطَ يَدَه كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَرَأَيْنَاكَ بَسَطَتْ يَدَكَ؟ قَالَ: "إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ. فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَرَدْتُ أخْذَه وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ صِبْيَانُ [[في ت، س، أ: "ولدان".]] أَهْلِ الْمَدِينَةِ" [[صحيح مسلم برقم (٥٤٢) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مَيْسَرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ حَاجِبُ سُلَيْمَانَ قَالَ: رَأَيْتُ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ قَائِمًا يُصَلِّي، فَذَهَبْتُ أَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَرَدَّنِي ثُمَّ قَالَ [[في ت: "بإسناده".]] حَدَّثَنِي [[في ت: "عن".]] أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ يُصَلِّي [[في ت: "فصلى".]] صَلَاةَ الصُّبْحِ وَهُوَ خَلْفُهُ فَقَرَأَ فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صِلَاتِهِ قَالَ: "لَوْ رَأَيْتُمُونِي وَإِبْلِيسَ فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي فَمَا زِلْتُ أَخْنُقُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لُعَابِهِ بَيْنَ أُصْبُعَيَّ هَاتَيْنِ -الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا-وَلَوْلَا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ [[في ت: "أصبح".]] مَرْبُوطًا بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، يَتَلَاعَبُ بِهِ صِبْيَانُ الْمَدِينَةِ فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ أَحَدٌ فَلْيَفْعَلْ". وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْهُ: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ أَحَدٌ فَلْيَفْعَلْ" عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي سُرَيج عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ بِهِ [[المسند (٣/٨٣) وسنن أبي داود برقم (٦٩٩) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَهُوَ فِي حَائِطٍ لَهُ بِالطَّائِفِ يُقَالُ لَهُ: "الْوَهْطُ"، وَهُوَ مُخَاصر فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ يُزَنّ بشُرْب الْخَمْرِ، فَقُلْتُ: بَلَغَنِي عَنْكَ حَدِيثٌ أَنَّهُ "مِنْ شَرِبِ شَرْبَةَ خَمْر لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-لَهُ تَوبَةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَإِنَّهُ مَنْ أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ لا يَنْهَزه إلا الصلاة فيه، خرج مِنْ خَطِيئَتِهِ مِثْلَ يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، فَلَمَّا سَمِعَ الْفَتَى ذَكْرَ الْخَمْرِ اجْتَذَبَ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ انْطَلَقَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو [[في أ: "عمرو رضي الله عنهما".]] إِنِّي لَا أُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ عَلَيّ مَا لَمْ أَقُلْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ شَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ شَرْبَةً لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِنْ [[في أ: "وإن".]] عَادَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَإِنْ عَادَ -قَالَ فَلَا أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ-فَإِنْ عَادَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ رَدْغَة الْخَبَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" قَالَ: وَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ اهْتَدَى وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ فَلِذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] أَقُولُ جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" وَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ سُلَيْمَانَ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى ثَلَاثًا فَأَعْطَاهُ اثْنَتَيْنِ وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ تَكُونَ لَنَا الثَّالِثَةُ: سَأَلَهُ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَسَأَلَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَسَأَلَهُ أَيُّمَا رَجُلٍ خَرَجَ مَنْ بَيْتِهِ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ خَرَجَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ [[في ت، س، أ: "مثل يوم".]] وَلَدَتْهُ أُمُّهُ فَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى [[في ت، س، أ: "عز وجل".]] قَدْ أَعْطَانَا إِيَّاهَا" [[المسند (٢/١٧٦) .]] وَقَدْ رَوَى هَذَا الْفَصْلَ الْأَخِيرَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلِمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَأَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خِلَالًا ثَلَاثًا ... " وَذَكَرَهُ [[سنن النسائي (٢/٤٣) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٠٨) .]] وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِإِسْنَادٍ وَسِيَاقٍ غَرِيبَيْنِ فَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبة الْعَسْقَلَانِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْد حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَة عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ [[في ت: "وروى الطبراني بإسناده".]] عَنْ رَافِعِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِدَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْضِ. فَبَنَى دَاوُدُ [[في ت: "داود عليه السلام".]] بَيْتًا لِنَفْسِهِ قَبْلَ الْبَيْتِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا دَاوُدُ نَصَبْتَ بَيْتَكَ قَبْلَ بَيْتِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ هَكَذَا قَضَيْتَ [[في ت، س، أ: "هكذا قلت فيما قضيت".]] مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ ثُمَّ أَخَذَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا تَمَّ السُّورَ سَقَطَ ثَلَاثًا فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: يَا دَاوُدُ [[في ت، أ: "فأوحى الله إليه"]] إِنَّكَ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَبْنِيَ لِي بَيْتًا قَالَ: وَلِمَ يَا رَبِّ؟ قَالَ: لِمَا جَرَى عَلَى يَدَيْكَ مِنَ الدِّمَاءِ. قَالَ: يَا رَبِّ أَوْ مَا كَانَ [[في ت، س، أ: "أو لم يكن".]] ذَلِكَ فِي هَوَاكَ وَمَحَبَّتِكَ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنَّهُمْ عِبَادِي وَأَنَا أَرْحَمُهُمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: لَا تَحْزَنْ فَإِنِّي سَأَقْضِي بِنَاءَهُ عَلَى يَدَيِ ابْنِكَ سُلَيْمَانَ. فَلَمَّا مَاتَ دَاوُدُ أَخْذَ سُلَيْمَانُ فِي بِنَائِهِ فَلَمَّا تَمَّ قَرَّبَ الْقَرَابِينَ وَذَبَحَ الذَّبَائِحَ وَجَمَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: قَدْ أَرَى سرورَك بِبُنْيَانِ بَيْتِي فَسَلْنِي أُعْطِكَ. قَالَ: أَسْأَلُكَ ثَلَاثَ خِصَالٍ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَكَ وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي وَمَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ لَا يُرِيدُ إلا الصلاة فيه خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما ثِنْتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ" [[المعجم الكبير (٥/٢٤) قال الهيثمي في المجمع (٤/٨) : "فيه محمد بن أيوب بن سويد الرملي وهو متهم بالوضع".]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا عُمَر بْنُ رَاشِدٍ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا دُعَاءً إِلَّا اسْتَفْتَحَهُ بِـ "سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّي الْأَعْلَى الْعَلِيِّ الْوَهَّابِ" [[المسند (٤/٥٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/١٥٦) : "فيه عمر بن راشد اليمامي وثقه غير واحد، وبقية رجاله رجال الصحيح".]] وَقَدْ قَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو عَبِيدٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَرْقان عَنْ صَالِحِ بْنِ مِسْمَارٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ نَبِيُّ اللَّهِ دَاوُدُ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى ابْنِهِ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِمَا [[في ت، أ: "عليه".]] السَّلَامُ: أَنْ سَلْنِي حَاجَتَكَ. قَالَ: أَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ لِي قَلْبًا يَخْشَاكَ كَمَا كَانَ قَلْبُ أَبِي وَأَنْ تَجْعَلَ قَلْبِي يُحِبُّكَ كَمَا كَانَ قَلْبُ أَبِي. فَقَالَ اللَّهُ: أَرْسَلْتُ إِلَى عَبْدِي وَسَأَلَتْهُ [[في ت، س: "أسأله".]] حَاجَتَهُ فَكَانَتْ [حَاجَتُهُ] [[زيادة من ت، س.]] أَنْ أَجْعَلَ قَلْبَهُ يَخْشَانِي وَأَنْ أَجْعَلَ قَلْبَهُ يُحِبُّنِي لأهَبَنّ لَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ وَالَّتِي بَعْدَهَا، قَالَ: فَأَعْطَاهُ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] مَا أَعْطَاهُ وَفِي الْآخِرَةِ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ. هَكَذَا أَوْرَدَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي تَارِيخِهِ [[تاريخ دمشق (٧/٥٦٩) "القسم المخطوط".]] وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ دَاوُدَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] أَنَّهُ قَالَ: "إِلَهِي كُنْ لِسُلَيْمَانَ كَمَا كُنْتَ لِي": فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنْ قُلْ لِسُلَيْمَانَ: يَكُونُ لِي كَمَا كُنْتَ لِي، أَكُونُ لَهُ كَمَا كنتُ لَكَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمَّا عَقَرَ سُلَيْمَانُ الْخَيْلَ غَضَبًا لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ عَوَّضَهُ اللَّهُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَسْرَعُ الرِّيحُ الَّتِي غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أَيْ: حَيْثُ أَرَادَ مِنَ الْبِلَادِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ أَيْ: مِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْأَبْنِيَةِ الْهَائِلَةِ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجَفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْبَشَرُ وَطَائِفَةٌ غَوَّاصُونَ فِي الْبِحَارِ يَسْتَخْرِجُونَ مِمَّا [[في ت: "ما".]] فِيهَا مِنَ اللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْأَشْيَاءِ النَّفِيسَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ إِلَّا فِيهَا ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ أَيْ: مُوثَقُونَ فِي الْأَغْلَالِ وَالْأَكْبَالِ مِمَّنْ قَدْ تَمَرّد وَعَصَى وَامْتَنَعَ مِنَ الْعَمَلِ وَأَبَى أَوْ قَدْ أَسَاءَ فِي صنيعه واعتدى. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْنَاكَ مِنَ الْمُلْكِ التَّامِّ وَالسُّلْطَانِ الْكَامِلِ كَمَا سَأَلْتَنَا فَأَعْطِ مَنْ شِئْتَ وَاحْرِمْ مَنْ شِئْتَ، لَا حِسَابَ عَلَيْكَ، أَيْ: مَهْمَا فعلتَ فَهُوَ جَائِزٌ لَكَ احْكُمْ بِمَا شِئْتَ فَهُوَ صَوَابٌ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[في أ: "الصحيح".]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خُيِّر بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا -وَهُوَ الَّذِي يَفْعَلُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ قَاسِمٌ يَقْسِمُ بَيْنَ النَّاسِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ-وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا نَبِيًّا يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَاءُ بِلَا حِسَابٍ وَلَا جُنَاحٍ، اخْتَارَ الْمَنْزِلَةَ الْأُولَى بَعْدَ مَا اسْتَشَارَ جِبْرِيلَ فَقَالَ لَهُ: تَوَاضَعْ فَاخْتَارَ الْمَنْزِلَةَ الْأُولَى لِأَنَّهَا أَرْفَعُ قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ وَأَعْلَى مَنْزِلَةً فِي الْمَعَادِ وَإِنْ كَانَتِ الْمَنْزِلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ النُّبُوَّةُ مَعَ الْمُلْكِ عَظِيمَةً أَيْضًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا أَعْطَى سُلَيْمَانَ فِي الدُّنْيَا نَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْضًا، فَقَالَ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولقد ابتُلينا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا شيطانا متمثلا بإنسان، ذكروا أن اسمه صخر. وقيل: إن اسمه آصَف. وقيل: إن اسمه آصر. وقيل: إن اسمه حبقيق. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: هو صخر الجنيّ تمثَّل على كرسيه جسدا. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ) قال: الجسد: الشيطان الذي كان دفع إليه سليمان خاتمه، فقذفه في البحر، وكان مُلك سليمان في خاتمه، وكان اسم الجنيّ صخرا. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا مبارك، عن الحسن ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: شيطانا. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: شيطانا يقال له آصر. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: شيطانا يقال له آصف، فقال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر، فساح سليمان وذهب مُلكه، وقعد آصف على كرسيه، ومنعه الله نساء سليمان، فلم يقربهنّ، وأنكرنه؛ قال: فكان سليمان يستطعم فيقول: أتعرفوني أطعموني أنا سليمان، فيكذّبونه، حتى أعطته امرأة يوما حوتا يطيب بطنه، فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه مُلكه، وفر آصف فدخل البحر فارّا. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه، غير أنه قال في حديثه: فيقول: لو تعرفوني أطعمتموني. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قال: حدثنا قتادة أن سلمان أمر ببناء بيت المقدس، فقيل له: ابنه ولا يسمع فيه صوت حديد، قال: فطلب ذلك فلم يقدر عليه، فقيل له: إن شيطانا في البحر يقال له صخر شبه المارد، قال: فطلبه، وكانت عين في البحر يردها في كلّ سبعة أيام مرّة، فنزح ماؤها وجعل فيها خمر، فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر، فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك تصبين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلا قال: ثم رجع حتى عطش عطشا شديدا، ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك تصبين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلا قال: ثم شربها حتى غلبت على عقله، قال: فأري الخاتم أو ختم به بين كتفيه، فذلّ، قال: فكان مُلكه في خاتمه، فأتى به سليمان، فقال: إنا قد أمرنا ببناء هذا البيت. وقيل لنا: لا يسمعنّ فيه صوت حديد، قال: فأتى ببيض الهدهد، فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد، فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه، فذهب فجاء بالماس، فوضعه عليه، فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه، فأخذ الماس، فجعلوا يقطعون به الحجارة، فكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء أو الحمام لم يدخلها بخاتمه؛ فانطلق يوما إلى الحمام، وذلك الشيطان صخر معه، وذلك عند مقارفة ذنب قارف فيه بعض نسائه، قال: فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر، فالتقمته سمكة، ونزع مُلك سليمان منه، وألقي على الشيطان شبه سليمان؛ قال: فجاء فقعد على كرسيه وسريره، وسلِّط على ملك سليمان كله غير نسائه؛ قال: فجعل يقضي بينهم، وجعلوا ينكرون منه أشياء حتى قالوا: لقد فُتِن نبيّ الله؛ وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطَّاب في القوّة، فقال: والله لأجربنه؛ قال: فقال له: يا نبيّ الله، وهو يرى إلا أنه نبيّ الله، أحدنا تصيبه الجَنابة في الليلة الباردة، فيدع الغسل عمدا حتى تطلع الشمس، أترى عليه بأسا؟ قال: لا قال: فبينا هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله خاتمه في بطن سمكة، فأقبل فجعل لا يستقبله جنيّ ولا طير إلا سجد له، حتى انتهى إليهم ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: هو الشيطان صخر. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ قال: لقد ابتلينا ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: الشيطان حين جلس على كرسيه أربعين يوما؛ قال: كان لسليمان مئة امرأة، وكانت امرأة منهنّ يقال لها جرادة، وهي آثر نسائه عنده، وآمنهن عنده، وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه، ولم يأتمن عليه أحد من الناس غيرها؛ فجاءته يوما من الأيام، فقالت: إن أخي بينه وبين فلان خصومة، وأنا أحب أن تقضي له إذا جاءك، فقال لها: نعم، ولم يفعل، فابتُلي وأعطاها خاتمه، ودخل المخرج، فخرج الشيطان في صورته، فقال لها: هاتي الخاتم، فأعطته، فجاء حتى جلس على مجلس سليمان، وخرج سليمان بعد، فسألها أن تعطيه خاتمه، فقالت: ألم تأخذه قبل؟ قال: لا وخرج مكانه تائها؛ قال: ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما. قال: فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع قرّاء بني إسرائيل وعلماؤهم، فجاءو احتى دخلوا على نسائه، فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا، فإن كان سليمان فقد ذهب عقله، وأنكرنا أحكامه. قال: فبكى النساء عند ذلك، قال: فأقبلوا يمشون حتى أتوه، فأحدقوا به، ثم نشروا التوراة، فقرءوا؛ قال: فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوت من حيتان البحر. قال: وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع، وقد اشتدّ جوعه، فاستطعمهم من صيدهم، قال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجَّه، فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر، فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، فقالوا: بئس ما صنعت حيث ضربته، قال: إنه زعم أنه سليمان، قال: فأعطوه سمكتين مما قد مَذِر عندهم، ولم يشغله ما كان به من الضرر، حتى قام إلى شطّ البحر، فشقّ بطونهما، فجعل يغسل ... ، فوجد خاتمه في بطن إحداهما، فأخذه فلبسه، فرد الله عليه بهاءه وملكه، وجاءت الطير حتى حامت عليه، فعرف القوم أنه سليمان، فقام القوم يعتذرون مما صنعوا، فقال: ما أحمدكم على عذركم، ولا ألومكم على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بُدّ منه، قال: فجاء حتى أتى ملكه، فأرسل إلى الشيطان فجيء به، وسخر له الريح والشياطين يومئذ، ولم تكن سخرت له قبل ذلك، وهو قوله ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ قال: وبعث إلى الشيطان، فأتي به، فأمر به فجعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه فأقفل عليه بقفل، وختم عليه بخاتمه، ثم أمر به، فألقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة، وكان اسمه حبقيق. * * وقوله ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ سليمان، فرجع إلى ملكه من بعد ما زال عنه ملكه فذهب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن المحاربي، عن عبد الرحمن، عن جُوَيبر، عن الضحاك، في قوله ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ قال: دخل سليمان على امرأة تبيع السمك، فاشترى منها سمكة، فشقّ بطنها، فوجد خاتمه، فجعل لا يمر على شجر ولا حجر ولا شيء إلا سجد له، حتى أتى مُلكه وأهله، فذلك قوله؛ ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ يقول: ثم رجع. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ وأقبل، يعني سليمان. * * قوله ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ يقول تعالى ذكره: قال سليمان راغبا إلى ربه: ربّ استر عليّ ذنبي الذي أذنبت بيني وبينك، فلا تعاقبني به ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لا يسلبنيه أحدكما كما سلبنيه قبل هذه الشيطان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ يقول: ملكا لا أسلَبه كما سُلبتُه. وكان بعض أهل العربية يوجه معنى قوله ﴿لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ إلى: أن لا يكون لأحد من بعدي، كما قال ابن أحمر: ما أُمُّ غُفْرٍ على دعْجَاءَ ذي عَلَقٍ ... يَنْفي القَراميدَ عنها الأعْصَمُ الوَقِلُ في رأْسِ حَلْقاءَ مِن عَنقاءَ مُشْرِفةً ... لا يَنْبَغي دُونها سَهْل وَلا جَبَل [[البيتان لابن أحمر الباهلي. أنشد أولهما صاحب اللسان في (دعج، علق) وأنشد الثاني في (علق) ، وقال: دعجاء: هضبة عن أبي عبيدة. والغفر، بضم أوله وفتحه: ولد الأروية، والأنثى بالهاء والقراميد في البيت: أولاد الوعول. والقرمود: ذكر الوعول: والقراميد في غير هذا: الصخور وطوابيق الدار والحمامات. وبناء مقرمد: مبني بالآجر أو الحجارة. والأعصم: الوعل الذي في ذراعيه أو أحدهما بياض. والوعل بكسر العين وضمها: الذي يسرع في الصعود في الجبل. وهضبة حلقاء: مصمتة ملساء، لا نبات فيها. ويقال: هضبة معنقة وعنقاء: إذا كانت مرتفعة طويلة في السماء. ولا ينبغي: أي لا يكون مثلها في سهل أو جبل. وهذا محل الشاهد في البيتين، وهو مثل قوله تعالى:" هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي". قال أبو عبيدة وأنشد البيتين (الورقة ٢١٤) لا ينبغي أن يكون فوقها سهل ولا جبل أعز منها أو أحصن منها. ورواية البيت الثاني في (اللسان: علق) : لا ينبغي تحريف. وقد مر هذا البيت في شواهد المؤلف مرتين في الجزء (١٦: ٨٤، ١٣١) . أهـ.]] بمعنى: لا يكون فوقها سهل ولا جبل أحصن منها. * * وقوله ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ يقول: إنك وهاب ما تشاء لمن تشاء بيدك خزائن كلّ شيء تفتح من ذلك ما أردت لمن أردت.

Al-Mukhtasar (français)

Nous avons éprouvé Salomon et avons placé sur son trône un démon ayant une apparence humaine qui régna une courte période sur son royaume, puis Salomon récupéra son royaume et son ascendant sur les démons.

35

قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًۭا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍۢ مِّنۢ بَعْدِىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ

Il dit: «Seigneur, pardonne-moi et fais-moi don d'un royaume tel que nul après moi n'aura de pareil. C'est Toi le grand Dispensateur».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أَيِ: اخْتَبَرْنَاهُ بِأَنْ سَلَبْنَاهُ الْمُلْكَ مَرَّةً، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ: يَعْنِي شَيْطَانًا. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أَيْ: [[في ت، س: "ثم".]] رَجَعَ إِلَى مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ وَأُبَّهَتِهِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَانَ اسْمُ ذَلِكَ الشَّيْطَانِ صَخْرًا. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: آصِفُ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقِيلَ: آصِرُوا. قَالَهُ مُجَاهِدٌ أَيْضًا. وَقِيلَ: حبقيقُ. قَالَهُ السُّدِّيُّ. وَقَدْ ذَكَرُوا هَذِهِ الْقِصَّةَ مَبْسُوطَةً وَمُخْتَصَرَةً. وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبة عَنْ قَتَادَةَ: قَالَ أَمَرَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقِيلَ لَهُ: ابْنِهِ وَلَا يُسمَعُ فِيهِ صَوْتُ حَدِيدٍ. فَقَالَ: فَطَلَبَ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ شَيْطَانًا فِي الْبَحْرِ يُقَالُ لَهُ: "صَخْرٌ" شِبْهُ الْمَارِدِ. قَالَ: فَطَلَبَهُ وَكَانَتْ عَيْنٌ فِي الْبَحْرِ يَردهُا فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ مَرَّةً فَنُزِحَ مَاؤُهَا وَجُعِلَ فِيهَا خَمْرٌ، فَجَاءَ يَوْمَ ورْده فَإِذَا هُوَ بِالْخَمْرِ فَقَالَ: إِنَّكِ لَشَرَابٌ طَيِّبٌ إِلَّا أَنَّكِ تُصْبِينَ الْحَلِيمَ، وَتَزِيدِينَ الْجَاهِلَ جَهْلًا. ثُمَّ رَجَعَ حَتَّى عَطِشَ عَطَشًا شَدِيدًا ثُمَّ أَتَاهَا [[في أ: "أتاه".]] فَقَالَ: إِنَّكِ لَشَرَابٌ طَيِّبٌ إِلَّا أَنَّكِ تُصْبِينَ الْحَلِيمَ، وَتَزِيدِينَ الْجَاهِلَ جَهْلًا. ثُمَّ شَرِبَهَا حَتَّى غَلَبَتْ عَلَى عَقْلِهِ، قَالَ: فَأُرِيَ الْخَاتَمَ أَوْ خُتِمَ بِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَذَلَّ. قَالَ: وَكَانَ مُلْكُهُ فِي خَاتَمِهِ فأتي به سليمان فقال: إنه قَدْ أُمِرْنَا بِبِنَاءِ هَذَا الْبَيْتِ وَقِيلَ لَنَا: لَا يُسْمَعَنَّ فِيهِ صَوْتُ حَدِيدٍ. قَالَ: فَأَتَى بِبَيْضِ الْهُدْهُدِ فَجَعَلَ عَلَيْهِ زُجَاجَةً فَجَاءَ الْهُدْهُدُ فَدَارَ حَوْلَهَا، فَجَعَلَ يَرَى بَيْضَهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَذَهَبَ فَجَاءَ بِالْمَاسِ فَوَضَعَهُ عَلَيْهِ فَقَطَعَهَا بِهِ حَتَّى أَفْضَى إِلَى بَيْضِهِ. فَأَخَذَ الْمَاسَ فَجَعَلُوا يَقْطَعُونَ بِهِ الْحِجَارَةَ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ -أَوِ: الْحَمَّامَ-لَمْ يَدْخُلْ بِخَاتَمِهِ فَانْطَلَقَ يَوْمًا إِلَى الْحَمَّامِ وَذَلِكَ الشَّيْطَانُ صَخْرٌ مَعَهُ، وَذَلِكَ عِنْدَ مُقَارَفَةٍ قَارَفَ فِيهِ [[في ت: "فيها".]] بَعْضَ نِسَائِهِ. قَالَ: فَدَخَلَ الْحَمَّامَ وَأَعْطَى الشَّيْطَانَ خَاتَمَهُ فَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ فَالْتَقَمَتْهُ سَمَكَةٌ، وَنُزِعَ مُلك سُلَيْمَانَ مِنْهُ وَأُلْقِيَ عَلَى الشَّيْطَانِ شَبَه سُلَيْمَانَ. قَالَ: فَجَاءَ فَقَعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَسَرِيرِهِ وسُلِّط عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ كُلِّهِ غَيْرَ نِسَائِهِ. قَالَ: فَجَعَلَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ، وَجَعَلُوا يُنْكِرُونَ مِنْهُ أَشْيَاءَ حَتَّى قَالُوا: لَقَدْ فُتِنَ نَبِيُّ اللَّهِ. وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ يُشَبِّهُونَهُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْقُوَّةِ فَقَالَ: وَاللَّهُ لَأُجَرِّبَنَّهُ. قَالَ: فَقَالَ: يَا نَبِيَّ [[في أ: "أنبي".]] اللَّهِ -وَهُوَ لَا يَرَى إِلَّا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ-أَحَدُنَا تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ فَيَدَعُ الْغُسْلَ عَمْدًا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَتُرَى [[في ت: "ترى".]] عَلَيْهِ بَأْسًا؟ فَقَالَ: [[في ت، س: "قال".]] لَا. قَالَ: فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى وَجَدَ نَبِيُّ اللَّهِ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِ سَمَكَةٍ فَأَقْبَلَ فَجَعَلَ لَا يَسْتَقْبِلُهُ جِنِّيٌّ وَلَا طَيْرٌ إِلَّا سَجَدَ لَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: هُوَ الشَّيْطَانُ صَخْرٌ [[تفسير الطبري (٢٣/١٠١) .]] وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أَيِ: ابْتَلَيْنَا سُلَيْمَانَ، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: جَلَسَ الشَّيْطَانُ عَلَى كُرْسِيِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. قَالَ: وَكَانَ لِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِائَةُ امْرَأَةٍ وَكَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ يُقَالُ لَهَا: "جَرَادَةُ"، وَهِيَ آثَرُ نِسَائِهِ وَآمَنُهُنَّ عِنْدَهُ وَكَانَ إِذَا أَجْنَبَ أَوْ أَتَى حَاجَةً [[في أ: "حاجته".]] نَزَعَ خَاتَمَهُ وَلَمْ يَأْتَمِنْ [[في ت: "يأمن".]] عَلَيْهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ غَيْرَهَا فَأَعْطَاهَا يَوْمًا خَاتَمَهُ وَدَخَلَ الْخَلَاءَ فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَتِهِ فَقَالَ: هَاتِي الْخَاتَمَ. فَأَعْطَتْهُ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى مَجْلِسِ سُلَيْمَانَ وَخَرَجَ سُلَيْمَانُ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلَهَا أَنْ تُعْطِيَهِ خَاتَمَهُ، فَقَالَتْ: أَلَمْ تَأْخُذْهُ قَبْلُ؟ قَالَ: لَا. وَخَرَجَ مَكَانَهُ تَائِهًا. قَالَ: وَمَكَثَ الشَّيْطَانُ يُحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، قَالَ: فَأَنْكَرَ النَّاسُ أَحْكَامَهُ فَاجْتَمَعَ قُرَّاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعُلَمَاؤُهُمْ فَجَاءُوا حَتَّى دَخَلُوا عَلَى نِسَائِهِ فَقَالُوا: إِنَّا قَدْ أَنْكَرْنَا هَذَا فَإِنْ كَانَ سُلَيْمَانَ فَقَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ وَأَنْكَرْنَا أَحْكَامَهُ. قَالَ: فَبَكَى النِّسَاءُ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ: فَأَقْبَلُوا يَمْشُونَ حَتَّى أَتَوْا [[في أ: "أتوه".]] فَأَحْدَقُوا بِهِ ثُمَّ نَشَرُوا التَّوْرَاةَ فَقَرَءُوا. قَالَ: فَطَارَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ حَتَّى وَقَعَ عَلَى شُرْفَةٍ وَالْخَاتَمُ مَعَهُ. ثُمَّ طَارَ حَتَّى ذَهَبَ إِلَى الْبَحْرِ فَوَقَعَ الْخَاتَمُ مِنْهُ فِي الْبَحْرِ فَابْتَلَعَهُ حُوتٌ مِنْ حِيتَانِ الْبَحْرِ. قَالَ: وَأَقْبَلَ سُلَيْمَانُ فِي حَالِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى صَيَّادٍ مِنْ صَيَّادِي [[في ت، س، أ: "صيادين".]] الْبَحْرِ وَهُوَ جَائِعٌ وَقَدِ اشْتَدَّ جُوعُهُ. فَاسْتَطْعَمَهُمْ مِنْ صَيْدِهِمْ وَقَالَ: إِنِّي أَنَا سُلَيْمَانُ. فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَضَرَبَهُ بِعَصًا فَشَجَّهُ فَجَعَلَ يَغْسِلُ دَمَهُ وَهُوَ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ فَلَامَ الصَّيَّادُونَ صَاحِبَهُمُ الَّذِي ضَرَبَهُ فَقَالُوا بِئْسَ مَا صَنَعْتَ حيث ضربته. قال: إنه زَعَمَ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ. قَالَ: فَأَعْطَوْهُ سَمَكَتَيْنِ مِمَّا قَدْ مَذِرَ عِنْدَهُمْ فَلَمْ يَشْغَلْهُ مَا كَانَ بِهِ مِنَ الضَّرْبِ حَتَّى قَامَ إِلَى شَطِّ الْبَحْرِ فَشَقَّ بُطُونَهُمَا فَجَعَلَ يَغْسِلُ [دَمَهُ] [[زيادة من أ.]] فَوَجَدَ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِ إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَهُ فَلَبِسَهُ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَهَاءَهُ وَمُلْكَهُ، وَجَاءَتِ الطَّيْرُ حَتَّى حَامَتْ عَلَيْهِ فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَامَ الْقَوْمُ يَعْتَذِرُونَ مِمَّا صَنَعُوا [بِهِ] [[زيادة من أ.]] فَقَالَ: مَا أَحْمَدُكُمْ عَلَى عُذْرِكُمْ وَلَا أَلُومُكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ، كَانَ هَذَا الْأَمْرُ لَا بُدَّ مِنْهُ. قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى أَتَى مُلْكَهُ وَأَرْسَلَ إِلَى الشَّيْطَانِ فَجِيءَ بِهِ فَأَمَرَ بِهِ فَجُعِلَ فِي صُنْدُوقٍ مِنْ حَدِيدٍ، ثُمَّ أَطْبَقَ عَلَيْهِ وَقَفَلَ عَلَيْهِ بِقُفْلٍ وَخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِهِ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُلْقِي فِي الْبَحْرِ فَهُوَ فِيهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. وَكَانَ اسْمُهُ حبقيقُ قَالَ: وَسَخَّرَ [[في ت، أ: "وسخرت".]] لَهُ الرِّيحَ وَلَمْ تَكُنْ سُخِّرَتْ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [[تفسير الطبري (٢٣/١٠١) .]] وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ: آصِفُ. فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: كَيْفَ تَفْتِنُونَ النَّاسَ؟ قَالَ: أَرِنِي خَاتَمَكَ أُخْبِرْكَ. فَلَمَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ نَبَذَهُ آصِفُ فِي الْبَحْرِ فَسَاحَ سُلَيْمَانُ وَذَهَبَ مُلْكُهُ، وَقَعَدَ آصِفُ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَمَنَعَهُ اللَّهُ نِسَاءَ سُلَيْمَانَ فَلَمْ يَقْرَبْهُنَّ -وَلَمْ يَقْرَبْنَهُ وَأَنْكَرْنَهُ. قَالَ: فَكَانَ سُلَيْمَانُ يَسْتَطْعِمُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُونِي؟ أَطْعِمُونِي أَنَا سُلَيْمَانُ فَيُكَذِّبُونَهُ، حَتَّى أَعْطَتْهُ امْرَأَةٌ يَوْمًا حُوتًا فَجَعَلَ يُطَيِّبُ بَطْنَهُ، فَوَجَدَ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِهِ فَرَجَعَ إِلَيْهِ مُلْكُهُ وَفَرَّ آصِفُ فَدَخَلَ الْبَحْرَ فَارًّا. وَهَذِهِ كُلُّهَا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ وَمِنْ أَنْكَرِهَا مَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشِ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قَالَ: أَرَادَ سُلَيْمَانُ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ فَأَعْطَى الْجَرَادَةَ خَاتَمَهُ -وَكَانَتِ الْجَرَادَةُ [[في ت: "جرادة".]] امْرَأَتَهُ وَكَانَتْ أَحَبَّ نِسَائِهِ إِلَيْهِ-فَجَاءَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ سُلَيْمَانَ فَقَالَ لَهَا: هَاتِي خَاتَمِي. فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ. فَلَمَّا لَبِسَهُ دَانَتْ لَهُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ [[في أ: "والجن والطير".]] وَالشَّيَاطِينُ فَلَمَّا خَرَجَ سُلَيْمَانُ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ لَهَا: هَاتِي خَاتَمِي. قَالَتْ: قَدْ أَعْطَيْتُهُ سُلَيْمَانَ. قَالَ: أَنَا سُلَيْمَانُ. قَالَتْ: كَذَبْتَ لَسْتَ سُلَيْمَانَ [[في ت: "بسليمان".]] فَجَعَلَ لَا يَأْتِي أَحَدًا يَقُولُ لَهُ: "أَنَا سُلَيْمَانُ"، إِلَّا كَذَّبَهُ حَتَّى جَعَلَ [[في أ: "جاء".]] الصِّبْيَانُ يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَرَف أَنَّهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: وَقَامَ الشَّيْطَانُ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى سُلَيْمَانَ سُلْطَانَهُ أَلْقَى فِي قُلُوبِ النَّاسِ إِنْكَارَ ذَلِكَ الشَّيْطَانِ. قَالَ: فَأَرْسَلُوا إِلَى نِسَاءِ سُلَيْمَانَ فَقَالُوا لَهُنَّ: أَتُنْكِرْنَ مِنْ سُلَيْمَانَ شَيْئًا؟ قُلْنَ: نَعَمْ إِنَّهُ يَأْتِينَا وَنَحْنُ حُيَّضٌ وَمَا كَانَ يَأْتِينَا قَبْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّيْطَانُ أَنَّهُ قَدْ فَطِنَ لَهُ [[في ت: "أنه فطن له".]] ظَنَّ أَنَّ أَمْرَهُ قَدِ انْقَطَعَ فَكَتَبُوا كُتُبًا فِيهَا سِحْرٌ وَكُفْرٌ، فَدَفَنُوهَا تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ ثُمَّ أَثَارُوهَا وقرءوها على الناس. وقالوا: بِهَذَا كَانَ يَظْهَرُ سُلَيْمَانُ عَلَى النَّاسِ [وَيَغْلِبُهُمْ] [[زيادة من أ.]] فَأَكْفَرَ النَّاسُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَمْ يَزَالُوا يُكَفِّرُونَهُ وَبَعَثَ ذَلِكَ الشيطانُ بِالْخَاتَمِ فَطَرَحَهُ فِي الْبَحْرِ فَتَلَقَّتْهُ سَمَكَةٌ فَأَخَذَتْهُ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ يَحْمِلُ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ بِالْأَجْرِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَاشْتَرَى سَمَكًا فِيهِ تِلْكَ السَّمَكَةُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا الْخَاتَمُ فَدَعَا سُلَيْمَانُ فَقَالَ: تَحْمِلُ لِي هَذَا السَّمَكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: بِكَمْ؟ قَالَ بِسَمَكَةٍ مِنْ هَذَا السَّمَكِ. قَالَ: فَحَمَلَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ السَّمَكَ ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمَّا انْتَهَى الرَّجُلُ إِلَى بَابِهِ أَعْطَاهُ تِلْكَ السَّمَكَةَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا الْخَاتَمُ فَأَخَذَهَا سُلَيْمَانُ فَشَقَّ بَطْنَهَا، فَإِذَا الْخَاتَمُ فِي جَوْفِهَا فَأَخَذَهُ فَلَبِسَهُ. قَالَ: فَلَمَّا لَبِسَهُ دَانَتْ لَهُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَالشَّيَاطِينُ وَعَادَ إِلَى حَالِهِ وَهَرب الشَّيْطَانُ حَتَّى دَخَلَ جَزِيرَةً [[في ت: "لحق بجزيرة".]] مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ فَأَرْسَلَ سُلَيْمَانُ فِي طَلَبِهِ وَكَانَ شَيْطَانًا مَرِيدًا فَجَعَلُوا يَطْلُبُونَهُ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ حَتَّى وَجَدُوهُ يَوْمًا نَائِمًا فَجَاءُوا فَبَنَوْا عَلَيْهِ بُنْيَانًا مِنْ رَصَاصٍ فَاسْتَيْقَظَ فَوَثَبَ فَجَعَلَ لَا يَثِبُ فِي مَكَانٍ من البيت إلا أنماط معه من الرَّصَاصُ قَالَ: فَأَخَذُوهُ فَأَوْثَقُوهُ وَجَاءُوا بِهِ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَأَمَرَ بِهِ فَنُقِرَ [[في ت: "فثقب".]] لَهُ تَخْتٌ مِنْ رُخَامٍ ثُمَّ أُدْخِلَ فِي جَوْفِهِ ثُمَّ سُدَّ بِالنُّحَاسِ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَطُرِحَ فِي الْبَحْرِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قَالَ: يَعْنِي الشَّيْطَانَ الَّذِي كَانَ سُلِّطَ عَلَيْهِ. إِسْنَادُهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَوِيٌّ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إِنَّمَا تَلَقَّاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -إِنْ صَحَّ عَنْهُ-مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَفِيهِمْ طَائِفَةٌ لَا يَعْتَقِدُونَ نُبُوَّةَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَيْهِ وَلِهَذَا كَانَ فِي السِّيَاقِ مُنْكَرَاتٌ مِنْ أَشَدِّهَا ذِكْرُ النِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ [[في أ: "فإن المشهور عن مجاهد وغير واحد من السلف أن".]] ذَلِكَ الْجِنِّيَّ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَى نِسَاءِ سُلَيْمَانَ بَلْ عَصَمَهُنَّ اللَّهُ مِنْهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا لِنَبِيِّهِ ﷺ، وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ مُطَوَّلَةً عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَجَمَاعَةٍ آخَرِينَ وَكُلُّهَا متُلقًّاة مِنْ قَصَصِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيُّ: وَجَدَ سُلَيْمَانُ خَاتَمَهُ فِي عَسْقَلَانَ، فَمَشَى فِي خِرْقَةٍ [[في أ: "بحرقة".]] إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي صِفَةِ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَبَرًا عَجِيبًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاقَ الْمِصْرِيُّ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ؛ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ حَدِيثِ "إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ" قَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ أَخْبِرْنِي عَنْ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ؛ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ فَقَالَ: كَانَ كُرْسِيُّ سُلَيْمَانَ مِنْ أَنْيَابِ الْفِيَلَةِ مُفَصّصاً بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَاللُّؤْلُؤِ. وَقَدْ جُعل لَهُ دَرَجَةً مِنْهَا مُفَصّصة بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ ثُمَّ أَمَرَ بِالْكُرْسِيِّ فحُفّ مِنْ جَانِبَيْهِ بِالنَّخْلِ، نَخْلٌ مِنْ ذَهَبٍ شَمَارِيخُهَا مِنْ يَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ وَلُؤْلُؤٍ. وَجُعِلَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ الَّتِي عَنْ يَمِينِ الْكُرْسِيِّ طَوَاوِيسُ مَنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ جُعِلَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ الَّتِي عَلَى يَسَارِ الْكُرْسِيِّ نُسُورٌ مَنْ ذَهَبٍ مُقَابَلَةَ الطَّوَاوِيسِ، وَجُعِلَ على يمين الدرجة الأولى شَجَرَتَا صَنَوْبَرٍ مَنْ ذَهَبٍ، وَعَنْ يَسَارِهَا أَسَدَانِ مَنْ ذَهَبٍ وَعَلَى رُءُوسِ الْأَسَدَيْنِ عَمُودَانِ مِنْ زَبَرْجَدٍ وَجُعِلَ مِنْ جَانِبَيِ الْكُرْسِيِّ شَجَرَتَا كَرْمٍ مَنْ ذَهَبٍ قَدْ أَظَلَّتَا الْكُرْسِيَّ وَجُعِلَ عَنَاقِيدُهُمَا دُرًّا وَيَاقُوتًا أَحْمَرَ. ثُمَّ جُعل فَوْقَ دَرَج الْكُرْسِيِّ أسَدَان عَظِيمَانِ مِنْ ذَهَبٍ مُجَوَّفَانِ مَحْشُوَّانِ مِسْكًا وَعَنْبَرًا. فَإِذَا أَرَادَ سُلَيْمَانُ أَنْ يَصْعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ اسْتَدَارَ الْأَسَدَانِ سَاعَةً ثُمَّ يَقَعَانِ [[في ت: "يقفان".]] فَيَنْضَحَانِ مَا فِي أَجْوَافِهِمَا مِنَ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ حَوْلَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ يُوضَعُ مِنْبَرَانِ مِنْ ذَهَبٍ وَاحِدٌ لِخَلِيفَتِهِ وَالْآخِرُ لِرَئِيسِ أَحْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ. ثُمَّ يُوضَعُ أَمَامَ كُرْسِيِّهِ سَبْعُونَ مِنْبَرًا مِنْ ذَهَبٍ يَقْعُدُ عَلَيْهَا سَبْعُونَ قَاضِيًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعُلَمَائِهِمْ وَأَهْلِ الشَّرَفِ مِنْهُمْ وَالطَوْلِ وَمِنْ خَلْفِ تِلْكَ الْمَنَابِرِ كُلِّهَا خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ مِنْبَرًا مِنْ ذَهَبٍ لَيْسَ عَلَيْهَا أَحَدٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَصْعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَضَعَ قَدَمَيْهِ عَلَى الدَّرَجَةِ السُّفْلَى فَاسْتَدَارَ الْكُرْسِيُّ كُلُّهُ بِمَا فِيهِ وَمَا عَلَيْهِ، وَيَبْسُطُ الْأَسَدُ يَدَهُ الْيُمْنَى وَيَنْشُرُ النَّسْرُ جَنَاحَهُ الْأَيْسَرَ ثُمَّ يَصْعَدُ [سُلَيْمَانُ] [[زيادة من ت، أ.]] عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ فَيَبْسُطُ الْأَسَدُ يَدَهُ الْيُسْرَى وَيَنْشُرُ النَّسْرُ جَنَاحَهُ الْأَيْمَنَ فَإِذَا اسْتَوَى سُلَيْمَانُ عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ وَقَعَدَ عَلَى الْكُرْسِيِّ أَخَذَ نَسْرٌ مِنْ تِلْكَ النُّسُورِ عَظِيمٌ تَاجَ سُلَيْمَانَ فَوَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَإِذَا وَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ اسْتَدَارَ الْكُرْسِيُّ بِمَا فِيهِ كَمَا تَدُورُ الرَّحَى الْمُسْرِعَةُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَمَا الَّذِي يُدِيرُهُ يَا أَبَا إِسْحَاقَ؟ قَالَ: تِنِّينٌ مِنْ ذَهَبِ ذَلِكَ الْكُرْسِيِّ عَلَيْهِ وَهُوَ عَظِيمٌ مِمَّا عَمِلَهُ صَخْرٌ الْجِنِّيُّ فَإِذَا أَحَسَّتْ بِدَوَرَانِهِ تِلْكَ النُّسُورُ والأسْدُ وَالطَّوَاوِيسُ الَّتِي فِي أَسْفَلِ الْكُرْسِيِّ دُرْنَ إِلَى أَعْلَاهُ فَإِذَا وَقَفَ وَقَفْنَ كُلُّهُنَّ مُنَكِّسَاتٍ رُءُوسَهُنَّ عَلَى رَأْسِ سُلَيْمَانَ [ابْنِ دَاوُدَ] [[زيادة من أ.]] عَلَيْهِ [[في أ: "عليهما".]] السَّلَامُ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ يَنْضَحْنَ جَمِيعًا مَا فِي أَجْوَافِهِنَّ مِنَ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ عَلَى رَأْسِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثُمَّ تَتَنَاوَلُ حَمَامَةٌ مَنْ ذَهَبٍ وَاقِفَةٌ عَلَى عَمُودٍ مِنْ جَوْهَرٍ التوراةَ فَتَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ فَيَقْرَؤُهَا سُلَيْمَانُ عَلَى النَّاسِ. وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ [[في ت: "الحديث".]] وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أَيْ: لَا يَصْلُحُ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْلُبَنِيهِ كَمَا كَانَ مِنْ قَضِيَّةِ [[في ت: "في قصة"، وفي أ: "من قصة".]] الْجَسَدِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَى كُرْسِيِّهِ لَا أَنَّهُ يَحْجُرُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ النَّاسِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سَأَلَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مُلْكًا لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ مِنَ الْبَشَرِ مِثْلُهُ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ مِنَ الْآيَةِ وَبِهِ [[في ت، س، أ: "وبذلك".]] وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ [[في ت: "فروى".]] الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّت عَلَيَّ الْبَارِحَةَ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا-لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ وَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصبحوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ قَالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خَاسِئًا [[صحيح البخاري برقم (٤٨٠٨) .]] وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٥٤١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٤٠) .]] وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ المُرَادي حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ حَدَّثَنِي رَبِيعَةَ بْنِ يَزيد عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ". ثُمَّ قَالَ: "أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ" -ثَلَاثًا-وَبَسَطَ يَدَه كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَرَأَيْنَاكَ بَسَطَتْ يَدَكَ؟ قَالَ: "إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ. فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَرَدْتُ أخْذَه وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ صِبْيَانُ [[في ت، س، أ: "ولدان".]] أَهْلِ الْمَدِينَةِ" [[صحيح مسلم برقم (٥٤٢) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مَيْسَرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ حَاجِبُ سُلَيْمَانَ قَالَ: رَأَيْتُ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ قَائِمًا يُصَلِّي، فَذَهَبْتُ أَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَرَدَّنِي ثُمَّ قَالَ [[في ت: "بإسناده".]] حَدَّثَنِي [[في ت: "عن".]] أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ يُصَلِّي [[في ت: "فصلى".]] صَلَاةَ الصُّبْحِ وَهُوَ خَلْفُهُ فَقَرَأَ فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صِلَاتِهِ قَالَ: "لَوْ رَأَيْتُمُونِي وَإِبْلِيسَ فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي فَمَا زِلْتُ أَخْنُقُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لُعَابِهِ بَيْنَ أُصْبُعَيَّ هَاتَيْنِ -الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا-وَلَوْلَا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ [[في ت: "أصبح".]] مَرْبُوطًا بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، يَتَلَاعَبُ بِهِ صِبْيَانُ الْمَدِينَةِ فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ أَحَدٌ فَلْيَفْعَلْ". وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْهُ: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ أَحَدٌ فَلْيَفْعَلْ" عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي سُرَيج عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ بِهِ [[المسند (٣/٨٣) وسنن أبي داود برقم (٦٩٩) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَهُوَ فِي حَائِطٍ لَهُ بِالطَّائِفِ يُقَالُ لَهُ: "الْوَهْطُ"، وَهُوَ مُخَاصر فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ يُزَنّ بشُرْب الْخَمْرِ، فَقُلْتُ: بَلَغَنِي عَنْكَ حَدِيثٌ أَنَّهُ "مِنْ شَرِبِ شَرْبَةَ خَمْر لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-لَهُ تَوبَةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَإِنَّهُ مَنْ أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ لا يَنْهَزه إلا الصلاة فيه، خرج مِنْ خَطِيئَتِهِ مِثْلَ يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، فَلَمَّا سَمِعَ الْفَتَى ذَكْرَ الْخَمْرِ اجْتَذَبَ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ انْطَلَقَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو [[في أ: "عمرو رضي الله عنهما".]] إِنِّي لَا أُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ عَلَيّ مَا لَمْ أَقُلْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ شَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ شَرْبَةً لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِنْ [[في أ: "وإن".]] عَادَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَإِنْ عَادَ -قَالَ فَلَا أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ-فَإِنْ عَادَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ رَدْغَة الْخَبَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" قَالَ: وَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ اهْتَدَى وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ فَلِذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] أَقُولُ جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" وَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ سُلَيْمَانَ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى ثَلَاثًا فَأَعْطَاهُ اثْنَتَيْنِ وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ تَكُونَ لَنَا الثَّالِثَةُ: سَأَلَهُ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَسَأَلَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَسَأَلَهُ أَيُّمَا رَجُلٍ خَرَجَ مَنْ بَيْتِهِ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ خَرَجَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ [[في ت، س، أ: "مثل يوم".]] وَلَدَتْهُ أُمُّهُ فَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى [[في ت، س، أ: "عز وجل".]] قَدْ أَعْطَانَا إِيَّاهَا" [[المسند (٢/١٧٦) .]] وَقَدْ رَوَى هَذَا الْفَصْلَ الْأَخِيرَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلِمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَأَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خِلَالًا ثَلَاثًا ... " وَذَكَرَهُ [[سنن النسائي (٢/٤٣) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٠٨) .]] وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِإِسْنَادٍ وَسِيَاقٍ غَرِيبَيْنِ فَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبة الْعَسْقَلَانِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْد حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَة عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ [[في ت: "وروى الطبراني بإسناده".]] عَنْ رَافِعِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِدَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْضِ. فَبَنَى دَاوُدُ [[في ت: "داود عليه السلام".]] بَيْتًا لِنَفْسِهِ قَبْلَ الْبَيْتِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا دَاوُدُ نَصَبْتَ بَيْتَكَ قَبْلَ بَيْتِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ هَكَذَا قَضَيْتَ [[في ت، س، أ: "هكذا قلت فيما قضيت".]] مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ ثُمَّ أَخَذَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا تَمَّ السُّورَ سَقَطَ ثَلَاثًا فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: يَا دَاوُدُ [[في ت، أ: "فأوحى الله إليه"]] إِنَّكَ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَبْنِيَ لِي بَيْتًا قَالَ: وَلِمَ يَا رَبِّ؟ قَالَ: لِمَا جَرَى عَلَى يَدَيْكَ مِنَ الدِّمَاءِ. قَالَ: يَا رَبِّ أَوْ مَا كَانَ [[في ت، س، أ: "أو لم يكن".]] ذَلِكَ فِي هَوَاكَ وَمَحَبَّتِكَ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنَّهُمْ عِبَادِي وَأَنَا أَرْحَمُهُمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: لَا تَحْزَنْ فَإِنِّي سَأَقْضِي بِنَاءَهُ عَلَى يَدَيِ ابْنِكَ سُلَيْمَانَ. فَلَمَّا مَاتَ دَاوُدُ أَخْذَ سُلَيْمَانُ فِي بِنَائِهِ فَلَمَّا تَمَّ قَرَّبَ الْقَرَابِينَ وَذَبَحَ الذَّبَائِحَ وَجَمَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: قَدْ أَرَى سرورَك بِبُنْيَانِ بَيْتِي فَسَلْنِي أُعْطِكَ. قَالَ: أَسْأَلُكَ ثَلَاثَ خِصَالٍ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَكَ وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي وَمَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ لَا يُرِيدُ إلا الصلاة فيه خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما ثِنْتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ" [[المعجم الكبير (٥/٢٤) قال الهيثمي في المجمع (٤/٨) : "فيه محمد بن أيوب بن سويد الرملي وهو متهم بالوضع".]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا عُمَر بْنُ رَاشِدٍ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا دُعَاءً إِلَّا اسْتَفْتَحَهُ بِـ "سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّي الْأَعْلَى الْعَلِيِّ الْوَهَّابِ" [[المسند (٤/٥٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/١٥٦) : "فيه عمر بن راشد اليمامي وثقه غير واحد، وبقية رجاله رجال الصحيح".]] وَقَدْ قَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو عَبِيدٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَرْقان عَنْ صَالِحِ بْنِ مِسْمَارٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ نَبِيُّ اللَّهِ دَاوُدُ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى ابْنِهِ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِمَا [[في ت، أ: "عليه".]] السَّلَامُ: أَنْ سَلْنِي حَاجَتَكَ. قَالَ: أَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ لِي قَلْبًا يَخْشَاكَ كَمَا كَانَ قَلْبُ أَبِي وَأَنْ تَجْعَلَ قَلْبِي يُحِبُّكَ كَمَا كَانَ قَلْبُ أَبِي. فَقَالَ اللَّهُ: أَرْسَلْتُ إِلَى عَبْدِي وَسَأَلَتْهُ [[في ت، س: "أسأله".]] حَاجَتَهُ فَكَانَتْ [حَاجَتُهُ] [[زيادة من ت، س.]] أَنْ أَجْعَلَ قَلْبَهُ يَخْشَانِي وَأَنْ أَجْعَلَ قَلْبَهُ يُحِبُّنِي لأهَبَنّ لَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ وَالَّتِي بَعْدَهَا، قَالَ: فَأَعْطَاهُ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] مَا أَعْطَاهُ وَفِي الْآخِرَةِ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ. هَكَذَا أَوْرَدَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي تَارِيخِهِ [[تاريخ دمشق (٧/٥٦٩) "القسم المخطوط".]] وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ دَاوُدَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] أَنَّهُ قَالَ: "إِلَهِي كُنْ لِسُلَيْمَانَ كَمَا كُنْتَ لِي": فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنْ قُلْ لِسُلَيْمَانَ: يَكُونُ لِي كَمَا كُنْتَ لِي، أَكُونُ لَهُ كَمَا كنتُ لَكَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمَّا عَقَرَ سُلَيْمَانُ الْخَيْلَ غَضَبًا لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ عَوَّضَهُ اللَّهُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَسْرَعُ الرِّيحُ الَّتِي غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أَيْ: حَيْثُ أَرَادَ مِنَ الْبِلَادِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ أَيْ: مِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْأَبْنِيَةِ الْهَائِلَةِ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجَفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْبَشَرُ وَطَائِفَةٌ غَوَّاصُونَ فِي الْبِحَارِ يَسْتَخْرِجُونَ مِمَّا [[في ت: "ما".]] فِيهَا مِنَ اللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْأَشْيَاءِ النَّفِيسَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ إِلَّا فِيهَا ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ أَيْ: مُوثَقُونَ فِي الْأَغْلَالِ وَالْأَكْبَالِ مِمَّنْ قَدْ تَمَرّد وَعَصَى وَامْتَنَعَ مِنَ الْعَمَلِ وَأَبَى أَوْ قَدْ أَسَاءَ فِي صنيعه واعتدى. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْنَاكَ مِنَ الْمُلْكِ التَّامِّ وَالسُّلْطَانِ الْكَامِلِ كَمَا سَأَلْتَنَا فَأَعْطِ مَنْ شِئْتَ وَاحْرِمْ مَنْ شِئْتَ، لَا حِسَابَ عَلَيْكَ، أَيْ: مَهْمَا فعلتَ فَهُوَ جَائِزٌ لَكَ احْكُمْ بِمَا شِئْتَ فَهُوَ صَوَابٌ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[في أ: "الصحيح".]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خُيِّر بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا -وَهُوَ الَّذِي يَفْعَلُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ قَاسِمٌ يَقْسِمُ بَيْنَ النَّاسِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ-وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا نَبِيًّا يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَاءُ بِلَا حِسَابٍ وَلَا جُنَاحٍ، اخْتَارَ الْمَنْزِلَةَ الْأُولَى بَعْدَ مَا اسْتَشَارَ جِبْرِيلَ فَقَالَ لَهُ: تَوَاضَعْ فَاخْتَارَ الْمَنْزِلَةَ الْأُولَى لِأَنَّهَا أَرْفَعُ قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ وَأَعْلَى مَنْزِلَةً فِي الْمَعَادِ وَإِنْ كَانَتِ الْمَنْزِلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ النُّبُوَّةُ مَعَ الْمُلْكِ عَظِيمَةً أَيْضًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا أَعْطَى سُلَيْمَانَ فِي الدُّنْيَا نَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْضًا، فَقَالَ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولقد ابتُلينا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا شيطانا متمثلا بإنسان، ذكروا أن اسمه صخر. وقيل: إن اسمه آصَف. وقيل: إن اسمه آصر. وقيل: إن اسمه حبقيق. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: هو صخر الجنيّ تمثَّل على كرسيه جسدا. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ) قال: الجسد: الشيطان الذي كان دفع إليه سليمان خاتمه، فقذفه في البحر، وكان مُلك سليمان في خاتمه، وكان اسم الجنيّ صخرا. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا مبارك، عن الحسن ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: شيطانا. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: شيطانا يقال له آصر. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: شيطانا يقال له آصف، فقال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر، فساح سليمان وذهب مُلكه، وقعد آصف على كرسيه، ومنعه الله نساء سليمان، فلم يقربهنّ، وأنكرنه؛ قال: فكان سليمان يستطعم فيقول: أتعرفوني أطعموني أنا سليمان، فيكذّبونه، حتى أعطته امرأة يوما حوتا يطيب بطنه، فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه مُلكه، وفر آصف فدخل البحر فارّا. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه، غير أنه قال في حديثه: فيقول: لو تعرفوني أطعمتموني. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قال: حدثنا قتادة أن سلمان أمر ببناء بيت المقدس، فقيل له: ابنه ولا يسمع فيه صوت حديد، قال: فطلب ذلك فلم يقدر عليه، فقيل له: إن شيطانا في البحر يقال له صخر شبه المارد، قال: فطلبه، وكانت عين في البحر يردها في كلّ سبعة أيام مرّة، فنزح ماؤها وجعل فيها خمر، فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر، فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك تصبين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلا قال: ثم رجع حتى عطش عطشا شديدا، ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك تصبين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلا قال: ثم شربها حتى غلبت على عقله، قال: فأري الخاتم أو ختم به بين كتفيه، فذلّ، قال: فكان مُلكه في خاتمه، فأتى به سليمان، فقال: إنا قد أمرنا ببناء هذا البيت. وقيل لنا: لا يسمعنّ فيه صوت حديد، قال: فأتى ببيض الهدهد، فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد، فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه، فذهب فجاء بالماس، فوضعه عليه، فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه، فأخذ الماس، فجعلوا يقطعون به الحجارة، فكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء أو الحمام لم يدخلها بخاتمه؛ فانطلق يوما إلى الحمام، وذلك الشيطان صخر معه، وذلك عند مقارفة ذنب قارف فيه بعض نسائه، قال: فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر، فالتقمته سمكة، ونزع مُلك سليمان منه، وألقي على الشيطان شبه سليمان؛ قال: فجاء فقعد على كرسيه وسريره، وسلِّط على ملك سليمان كله غير نسائه؛ قال: فجعل يقضي بينهم، وجعلوا ينكرون منه أشياء حتى قالوا: لقد فُتِن نبيّ الله؛ وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطَّاب في القوّة، فقال: والله لأجربنه؛ قال: فقال له: يا نبيّ الله، وهو يرى إلا أنه نبيّ الله، أحدنا تصيبه الجَنابة في الليلة الباردة، فيدع الغسل عمدا حتى تطلع الشمس، أترى عليه بأسا؟ قال: لا قال: فبينا هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله خاتمه في بطن سمكة، فأقبل فجعل لا يستقبله جنيّ ولا طير إلا سجد له، حتى انتهى إليهم ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: هو الشيطان صخر. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ قال: لقد ابتلينا ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: الشيطان حين جلس على كرسيه أربعين يوما؛ قال: كان لسليمان مئة امرأة، وكانت امرأة منهنّ يقال لها جرادة، وهي آثر نسائه عنده، وآمنهن عنده، وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه، ولم يأتمن عليه أحد من الناس غيرها؛ فجاءته يوما من الأيام، فقالت: إن أخي بينه وبين فلان خصومة، وأنا أحب أن تقضي له إذا جاءك، فقال لها: نعم، ولم يفعل، فابتُلي وأعطاها خاتمه، ودخل المخرج، فخرج الشيطان في صورته، فقال لها: هاتي الخاتم، فأعطته، فجاء حتى جلس على مجلس سليمان، وخرج سليمان بعد، فسألها أن تعطيه خاتمه، فقالت: ألم تأخذه قبل؟ قال: لا وخرج مكانه تائها؛ قال: ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما. قال: فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع قرّاء بني إسرائيل وعلماؤهم، فجاءو احتى دخلوا على نسائه، فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا، فإن كان سليمان فقد ذهب عقله، وأنكرنا أحكامه. قال: فبكى النساء عند ذلك، قال: فأقبلوا يمشون حتى أتوه، فأحدقوا به، ثم نشروا التوراة، فقرءوا؛ قال: فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوت من حيتان البحر. قال: وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع، وقد اشتدّ جوعه، فاستطعمهم من صيدهم، قال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجَّه، فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر، فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، فقالوا: بئس ما صنعت حيث ضربته، قال: إنه زعم أنه سليمان، قال: فأعطوه سمكتين مما قد مَذِر عندهم، ولم يشغله ما كان به من الضرر، حتى قام إلى شطّ البحر، فشقّ بطونهما، فجعل يغسل ... ، فوجد خاتمه في بطن إحداهما، فأخذه فلبسه، فرد الله عليه بهاءه وملكه، وجاءت الطير حتى حامت عليه، فعرف القوم أنه سليمان، فقام القوم يعتذرون مما صنعوا، فقال: ما أحمدكم على عذركم، ولا ألومكم على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بُدّ منه، قال: فجاء حتى أتى ملكه، فأرسل إلى الشيطان فجيء به، وسخر له الريح والشياطين يومئذ، ولم تكن سخرت له قبل ذلك، وهو قوله ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ قال: وبعث إلى الشيطان، فأتي به، فأمر به فجعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه فأقفل عليه بقفل، وختم عليه بخاتمه، ثم أمر به، فألقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة، وكان اسمه حبقيق. * * وقوله ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ سليمان، فرجع إلى ملكه من بعد ما زال عنه ملكه فذهب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن المحاربي، عن عبد الرحمن، عن جُوَيبر، عن الضحاك، في قوله ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ قال: دخل سليمان على امرأة تبيع السمك، فاشترى منها سمكة، فشقّ بطنها، فوجد خاتمه، فجعل لا يمر على شجر ولا حجر ولا شيء إلا سجد له، حتى أتى مُلكه وأهله، فذلك قوله؛ ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ يقول: ثم رجع. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ وأقبل، يعني سليمان. * * قوله ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ يقول تعالى ذكره: قال سليمان راغبا إلى ربه: ربّ استر عليّ ذنبي الذي أذنبت بيني وبينك، فلا تعاقبني به ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لا يسلبنيه أحدكما كما سلبنيه قبل هذه الشيطان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ يقول: ملكا لا أسلَبه كما سُلبتُه. وكان بعض أهل العربية يوجه معنى قوله ﴿لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ إلى: أن لا يكون لأحد من بعدي، كما قال ابن أحمر: ما أُمُّ غُفْرٍ على دعْجَاءَ ذي عَلَقٍ ... يَنْفي القَراميدَ عنها الأعْصَمُ الوَقِلُ في رأْسِ حَلْقاءَ مِن عَنقاءَ مُشْرِفةً ... لا يَنْبَغي دُونها سَهْل وَلا جَبَل [[البيتان لابن أحمر الباهلي. أنشد أولهما صاحب اللسان في (دعج، علق) وأنشد الثاني في (علق) ، وقال: دعجاء: هضبة عن أبي عبيدة. والغفر، بضم أوله وفتحه: ولد الأروية، والأنثى بالهاء والقراميد في البيت: أولاد الوعول. والقرمود: ذكر الوعول: والقراميد في غير هذا: الصخور وطوابيق الدار والحمامات. وبناء مقرمد: مبني بالآجر أو الحجارة. والأعصم: الوعل الذي في ذراعيه أو أحدهما بياض. والوعل بكسر العين وضمها: الذي يسرع في الصعود في الجبل. وهضبة حلقاء: مصمتة ملساء، لا نبات فيها. ويقال: هضبة معنقة وعنقاء: إذا كانت مرتفعة طويلة في السماء. ولا ينبغي: أي لا يكون مثلها في سهل أو جبل. وهذا محل الشاهد في البيتين، وهو مثل قوله تعالى:" هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي". قال أبو عبيدة وأنشد البيتين (الورقة ٢١٤) لا ينبغي أن يكون فوقها سهل ولا جبل أعز منها أو أحصن منها. ورواية البيت الثاني في (اللسان: علق) : لا ينبغي تحريف. وقد مر هذا البيت في شواهد المؤلف مرتين في الجزء (١٦: ٨٤، ١٣١) . أهـ.]] بمعنى: لا يكون فوقها سهل ولا جبل أحصن منها. * * وقوله ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ يقول: إنك وهاب ما تشاء لمن تشاء بيدك خزائن كلّ شيء تفتح من ذلك ما أردت لمن أردت.

Al-Mukhtasar (français)

Salomon dit: Ô Seigneur, pardonne-moi mes péchés et accorde-moi un royaume qui m’est spécifique et que personne n’aura après moi. Ô Seigneur, c’est Toi qui dispenses ce que Tu veux.

36

فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ

Nous lui assujettîmes alors le vent qui, par son ordre, soufflait modérément partout où il voulait.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أَيِ: اخْتَبَرْنَاهُ بِأَنْ سَلَبْنَاهُ الْمُلْكَ مَرَّةً، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ: يَعْنِي شَيْطَانًا. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أَيْ: [[في ت، س: "ثم".]] رَجَعَ إِلَى مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ وَأُبَّهَتِهِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَانَ اسْمُ ذَلِكَ الشَّيْطَانِ صَخْرًا. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: آصِفُ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقِيلَ: آصِرُوا. قَالَهُ مُجَاهِدٌ أَيْضًا. وَقِيلَ: حبقيقُ. قَالَهُ السُّدِّيُّ. وَقَدْ ذَكَرُوا هَذِهِ الْقِصَّةَ مَبْسُوطَةً وَمُخْتَصَرَةً. وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبة عَنْ قَتَادَةَ: قَالَ أَمَرَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقِيلَ لَهُ: ابْنِهِ وَلَا يُسمَعُ فِيهِ صَوْتُ حَدِيدٍ. فَقَالَ: فَطَلَبَ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ شَيْطَانًا فِي الْبَحْرِ يُقَالُ لَهُ: "صَخْرٌ" شِبْهُ الْمَارِدِ. قَالَ: فَطَلَبَهُ وَكَانَتْ عَيْنٌ فِي الْبَحْرِ يَردهُا فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ مَرَّةً فَنُزِحَ مَاؤُهَا وَجُعِلَ فِيهَا خَمْرٌ، فَجَاءَ يَوْمَ ورْده فَإِذَا هُوَ بِالْخَمْرِ فَقَالَ: إِنَّكِ لَشَرَابٌ طَيِّبٌ إِلَّا أَنَّكِ تُصْبِينَ الْحَلِيمَ، وَتَزِيدِينَ الْجَاهِلَ جَهْلًا. ثُمَّ رَجَعَ حَتَّى عَطِشَ عَطَشًا شَدِيدًا ثُمَّ أَتَاهَا [[في أ: "أتاه".]] فَقَالَ: إِنَّكِ لَشَرَابٌ طَيِّبٌ إِلَّا أَنَّكِ تُصْبِينَ الْحَلِيمَ، وَتَزِيدِينَ الْجَاهِلَ جَهْلًا. ثُمَّ شَرِبَهَا حَتَّى غَلَبَتْ عَلَى عَقْلِهِ، قَالَ: فَأُرِيَ الْخَاتَمَ أَوْ خُتِمَ بِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَذَلَّ. قَالَ: وَكَانَ مُلْكُهُ فِي خَاتَمِهِ فأتي به سليمان فقال: إنه قَدْ أُمِرْنَا بِبِنَاءِ هَذَا الْبَيْتِ وَقِيلَ لَنَا: لَا يُسْمَعَنَّ فِيهِ صَوْتُ حَدِيدٍ. قَالَ: فَأَتَى بِبَيْضِ الْهُدْهُدِ فَجَعَلَ عَلَيْهِ زُجَاجَةً فَجَاءَ الْهُدْهُدُ فَدَارَ حَوْلَهَا، فَجَعَلَ يَرَى بَيْضَهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَذَهَبَ فَجَاءَ بِالْمَاسِ فَوَضَعَهُ عَلَيْهِ فَقَطَعَهَا بِهِ حَتَّى أَفْضَى إِلَى بَيْضِهِ. فَأَخَذَ الْمَاسَ فَجَعَلُوا يَقْطَعُونَ بِهِ الْحِجَارَةَ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ -أَوِ: الْحَمَّامَ-لَمْ يَدْخُلْ بِخَاتَمِهِ فَانْطَلَقَ يَوْمًا إِلَى الْحَمَّامِ وَذَلِكَ الشَّيْطَانُ صَخْرٌ مَعَهُ، وَذَلِكَ عِنْدَ مُقَارَفَةٍ قَارَفَ فِيهِ [[في ت: "فيها".]] بَعْضَ نِسَائِهِ. قَالَ: فَدَخَلَ الْحَمَّامَ وَأَعْطَى الشَّيْطَانَ خَاتَمَهُ فَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ فَالْتَقَمَتْهُ سَمَكَةٌ، وَنُزِعَ مُلك سُلَيْمَانَ مِنْهُ وَأُلْقِيَ عَلَى الشَّيْطَانِ شَبَه سُلَيْمَانَ. قَالَ: فَجَاءَ فَقَعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَسَرِيرِهِ وسُلِّط عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ كُلِّهِ غَيْرَ نِسَائِهِ. قَالَ: فَجَعَلَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ، وَجَعَلُوا يُنْكِرُونَ مِنْهُ أَشْيَاءَ حَتَّى قَالُوا: لَقَدْ فُتِنَ نَبِيُّ اللَّهِ. وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ يُشَبِّهُونَهُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْقُوَّةِ فَقَالَ: وَاللَّهُ لَأُجَرِّبَنَّهُ. قَالَ: فَقَالَ: يَا نَبِيَّ [[في أ: "أنبي".]] اللَّهِ -وَهُوَ لَا يَرَى إِلَّا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ-أَحَدُنَا تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ فَيَدَعُ الْغُسْلَ عَمْدًا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَتُرَى [[في ت: "ترى".]] عَلَيْهِ بَأْسًا؟ فَقَالَ: [[في ت، س: "قال".]] لَا. قَالَ: فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى وَجَدَ نَبِيُّ اللَّهِ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِ سَمَكَةٍ فَأَقْبَلَ فَجَعَلَ لَا يَسْتَقْبِلُهُ جِنِّيٌّ وَلَا طَيْرٌ إِلَّا سَجَدَ لَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: هُوَ الشَّيْطَانُ صَخْرٌ [[تفسير الطبري (٢٣/١٠١) .]] وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أَيِ: ابْتَلَيْنَا سُلَيْمَانَ، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: جَلَسَ الشَّيْطَانُ عَلَى كُرْسِيِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. قَالَ: وَكَانَ لِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِائَةُ امْرَأَةٍ وَكَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ يُقَالُ لَهَا: "جَرَادَةُ"، وَهِيَ آثَرُ نِسَائِهِ وَآمَنُهُنَّ عِنْدَهُ وَكَانَ إِذَا أَجْنَبَ أَوْ أَتَى حَاجَةً [[في أ: "حاجته".]] نَزَعَ خَاتَمَهُ وَلَمْ يَأْتَمِنْ [[في ت: "يأمن".]] عَلَيْهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ غَيْرَهَا فَأَعْطَاهَا يَوْمًا خَاتَمَهُ وَدَخَلَ الْخَلَاءَ فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَتِهِ فَقَالَ: هَاتِي الْخَاتَمَ. فَأَعْطَتْهُ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى مَجْلِسِ سُلَيْمَانَ وَخَرَجَ سُلَيْمَانُ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلَهَا أَنْ تُعْطِيَهِ خَاتَمَهُ، فَقَالَتْ: أَلَمْ تَأْخُذْهُ قَبْلُ؟ قَالَ: لَا. وَخَرَجَ مَكَانَهُ تَائِهًا. قَالَ: وَمَكَثَ الشَّيْطَانُ يُحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، قَالَ: فَأَنْكَرَ النَّاسُ أَحْكَامَهُ فَاجْتَمَعَ قُرَّاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعُلَمَاؤُهُمْ فَجَاءُوا حَتَّى دَخَلُوا عَلَى نِسَائِهِ فَقَالُوا: إِنَّا قَدْ أَنْكَرْنَا هَذَا فَإِنْ كَانَ سُلَيْمَانَ فَقَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ وَأَنْكَرْنَا أَحْكَامَهُ. قَالَ: فَبَكَى النِّسَاءُ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ: فَأَقْبَلُوا يَمْشُونَ حَتَّى أَتَوْا [[في أ: "أتوه".]] فَأَحْدَقُوا بِهِ ثُمَّ نَشَرُوا التَّوْرَاةَ فَقَرَءُوا. قَالَ: فَطَارَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ حَتَّى وَقَعَ عَلَى شُرْفَةٍ وَالْخَاتَمُ مَعَهُ. ثُمَّ طَارَ حَتَّى ذَهَبَ إِلَى الْبَحْرِ فَوَقَعَ الْخَاتَمُ مِنْهُ فِي الْبَحْرِ فَابْتَلَعَهُ حُوتٌ مِنْ حِيتَانِ الْبَحْرِ. قَالَ: وَأَقْبَلَ سُلَيْمَانُ فِي حَالِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى صَيَّادٍ مِنْ صَيَّادِي [[في ت، س، أ: "صيادين".]] الْبَحْرِ وَهُوَ جَائِعٌ وَقَدِ اشْتَدَّ جُوعُهُ. فَاسْتَطْعَمَهُمْ مِنْ صَيْدِهِمْ وَقَالَ: إِنِّي أَنَا سُلَيْمَانُ. فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَضَرَبَهُ بِعَصًا فَشَجَّهُ فَجَعَلَ يَغْسِلُ دَمَهُ وَهُوَ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ فَلَامَ الصَّيَّادُونَ صَاحِبَهُمُ الَّذِي ضَرَبَهُ فَقَالُوا بِئْسَ مَا صَنَعْتَ حيث ضربته. قال: إنه زَعَمَ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ. قَالَ: فَأَعْطَوْهُ سَمَكَتَيْنِ مِمَّا قَدْ مَذِرَ عِنْدَهُمْ فَلَمْ يَشْغَلْهُ مَا كَانَ بِهِ مِنَ الضَّرْبِ حَتَّى قَامَ إِلَى شَطِّ الْبَحْرِ فَشَقَّ بُطُونَهُمَا فَجَعَلَ يَغْسِلُ [دَمَهُ] [[زيادة من أ.]] فَوَجَدَ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِ إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَهُ فَلَبِسَهُ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَهَاءَهُ وَمُلْكَهُ، وَجَاءَتِ الطَّيْرُ حَتَّى حَامَتْ عَلَيْهِ فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَامَ الْقَوْمُ يَعْتَذِرُونَ مِمَّا صَنَعُوا [بِهِ] [[زيادة من أ.]] فَقَالَ: مَا أَحْمَدُكُمْ عَلَى عُذْرِكُمْ وَلَا أَلُومُكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ، كَانَ هَذَا الْأَمْرُ لَا بُدَّ مِنْهُ. قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى أَتَى مُلْكَهُ وَأَرْسَلَ إِلَى الشَّيْطَانِ فَجِيءَ بِهِ فَأَمَرَ بِهِ فَجُعِلَ فِي صُنْدُوقٍ مِنْ حَدِيدٍ، ثُمَّ أَطْبَقَ عَلَيْهِ وَقَفَلَ عَلَيْهِ بِقُفْلٍ وَخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِهِ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُلْقِي فِي الْبَحْرِ فَهُوَ فِيهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. وَكَانَ اسْمُهُ حبقيقُ قَالَ: وَسَخَّرَ [[في ت، أ: "وسخرت".]] لَهُ الرِّيحَ وَلَمْ تَكُنْ سُخِّرَتْ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [[تفسير الطبري (٢٣/١٠١) .]] وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ: آصِفُ. فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: كَيْفَ تَفْتِنُونَ النَّاسَ؟ قَالَ: أَرِنِي خَاتَمَكَ أُخْبِرْكَ. فَلَمَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ نَبَذَهُ آصِفُ فِي الْبَحْرِ فَسَاحَ سُلَيْمَانُ وَذَهَبَ مُلْكُهُ، وَقَعَدَ آصِفُ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَمَنَعَهُ اللَّهُ نِسَاءَ سُلَيْمَانَ فَلَمْ يَقْرَبْهُنَّ -وَلَمْ يَقْرَبْنَهُ وَأَنْكَرْنَهُ. قَالَ: فَكَانَ سُلَيْمَانُ يَسْتَطْعِمُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُونِي؟ أَطْعِمُونِي أَنَا سُلَيْمَانُ فَيُكَذِّبُونَهُ، حَتَّى أَعْطَتْهُ امْرَأَةٌ يَوْمًا حُوتًا فَجَعَلَ يُطَيِّبُ بَطْنَهُ، فَوَجَدَ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِهِ فَرَجَعَ إِلَيْهِ مُلْكُهُ وَفَرَّ آصِفُ فَدَخَلَ الْبَحْرَ فَارًّا. وَهَذِهِ كُلُّهَا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ وَمِنْ أَنْكَرِهَا مَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشِ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قَالَ: أَرَادَ سُلَيْمَانُ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ فَأَعْطَى الْجَرَادَةَ خَاتَمَهُ -وَكَانَتِ الْجَرَادَةُ [[في ت: "جرادة".]] امْرَأَتَهُ وَكَانَتْ أَحَبَّ نِسَائِهِ إِلَيْهِ-فَجَاءَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ سُلَيْمَانَ فَقَالَ لَهَا: هَاتِي خَاتَمِي. فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ. فَلَمَّا لَبِسَهُ دَانَتْ لَهُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ [[في أ: "والجن والطير".]] وَالشَّيَاطِينُ فَلَمَّا خَرَجَ سُلَيْمَانُ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ لَهَا: هَاتِي خَاتَمِي. قَالَتْ: قَدْ أَعْطَيْتُهُ سُلَيْمَانَ. قَالَ: أَنَا سُلَيْمَانُ. قَالَتْ: كَذَبْتَ لَسْتَ سُلَيْمَانَ [[في ت: "بسليمان".]] فَجَعَلَ لَا يَأْتِي أَحَدًا يَقُولُ لَهُ: "أَنَا سُلَيْمَانُ"، إِلَّا كَذَّبَهُ حَتَّى جَعَلَ [[في أ: "جاء".]] الصِّبْيَانُ يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَرَف أَنَّهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: وَقَامَ الشَّيْطَانُ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى سُلَيْمَانَ سُلْطَانَهُ أَلْقَى فِي قُلُوبِ النَّاسِ إِنْكَارَ ذَلِكَ الشَّيْطَانِ. قَالَ: فَأَرْسَلُوا إِلَى نِسَاءِ سُلَيْمَانَ فَقَالُوا لَهُنَّ: أَتُنْكِرْنَ مِنْ سُلَيْمَانَ شَيْئًا؟ قُلْنَ: نَعَمْ إِنَّهُ يَأْتِينَا وَنَحْنُ حُيَّضٌ وَمَا كَانَ يَأْتِينَا قَبْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّيْطَانُ أَنَّهُ قَدْ فَطِنَ لَهُ [[في ت: "أنه فطن له".]] ظَنَّ أَنَّ أَمْرَهُ قَدِ انْقَطَعَ فَكَتَبُوا كُتُبًا فِيهَا سِحْرٌ وَكُفْرٌ، فَدَفَنُوهَا تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ ثُمَّ أَثَارُوهَا وقرءوها على الناس. وقالوا: بِهَذَا كَانَ يَظْهَرُ سُلَيْمَانُ عَلَى النَّاسِ [وَيَغْلِبُهُمْ] [[زيادة من أ.]] فَأَكْفَرَ النَّاسُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَمْ يَزَالُوا يُكَفِّرُونَهُ وَبَعَثَ ذَلِكَ الشيطانُ بِالْخَاتَمِ فَطَرَحَهُ فِي الْبَحْرِ فَتَلَقَّتْهُ سَمَكَةٌ فَأَخَذَتْهُ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ يَحْمِلُ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ بِالْأَجْرِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَاشْتَرَى سَمَكًا فِيهِ تِلْكَ السَّمَكَةُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا الْخَاتَمُ فَدَعَا سُلَيْمَانُ فَقَالَ: تَحْمِلُ لِي هَذَا السَّمَكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: بِكَمْ؟ قَالَ بِسَمَكَةٍ مِنْ هَذَا السَّمَكِ. قَالَ: فَحَمَلَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ السَّمَكَ ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمَّا انْتَهَى الرَّجُلُ إِلَى بَابِهِ أَعْطَاهُ تِلْكَ السَّمَكَةَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا الْخَاتَمُ فَأَخَذَهَا سُلَيْمَانُ فَشَقَّ بَطْنَهَا، فَإِذَا الْخَاتَمُ فِي جَوْفِهَا فَأَخَذَهُ فَلَبِسَهُ. قَالَ: فَلَمَّا لَبِسَهُ دَانَتْ لَهُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَالشَّيَاطِينُ وَعَادَ إِلَى حَالِهِ وَهَرب الشَّيْطَانُ حَتَّى دَخَلَ جَزِيرَةً [[في ت: "لحق بجزيرة".]] مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ فَأَرْسَلَ سُلَيْمَانُ فِي طَلَبِهِ وَكَانَ شَيْطَانًا مَرِيدًا فَجَعَلُوا يَطْلُبُونَهُ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ حَتَّى وَجَدُوهُ يَوْمًا نَائِمًا فَجَاءُوا فَبَنَوْا عَلَيْهِ بُنْيَانًا مِنْ رَصَاصٍ فَاسْتَيْقَظَ فَوَثَبَ فَجَعَلَ لَا يَثِبُ فِي مَكَانٍ من البيت إلا أنماط معه من الرَّصَاصُ قَالَ: فَأَخَذُوهُ فَأَوْثَقُوهُ وَجَاءُوا بِهِ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَأَمَرَ بِهِ فَنُقِرَ [[في ت: "فثقب".]] لَهُ تَخْتٌ مِنْ رُخَامٍ ثُمَّ أُدْخِلَ فِي جَوْفِهِ ثُمَّ سُدَّ بِالنُّحَاسِ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَطُرِحَ فِي الْبَحْرِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قَالَ: يَعْنِي الشَّيْطَانَ الَّذِي كَانَ سُلِّطَ عَلَيْهِ. إِسْنَادُهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَوِيٌّ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إِنَّمَا تَلَقَّاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -إِنْ صَحَّ عَنْهُ-مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَفِيهِمْ طَائِفَةٌ لَا يَعْتَقِدُونَ نُبُوَّةَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَيْهِ وَلِهَذَا كَانَ فِي السِّيَاقِ مُنْكَرَاتٌ مِنْ أَشَدِّهَا ذِكْرُ النِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ [[في أ: "فإن المشهور عن مجاهد وغير واحد من السلف أن".]] ذَلِكَ الْجِنِّيَّ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَى نِسَاءِ سُلَيْمَانَ بَلْ عَصَمَهُنَّ اللَّهُ مِنْهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا لِنَبِيِّهِ ﷺ، وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ مُطَوَّلَةً عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَجَمَاعَةٍ آخَرِينَ وَكُلُّهَا متُلقًّاة مِنْ قَصَصِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيُّ: وَجَدَ سُلَيْمَانُ خَاتَمَهُ فِي عَسْقَلَانَ، فَمَشَى فِي خِرْقَةٍ [[في أ: "بحرقة".]] إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي صِفَةِ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَبَرًا عَجِيبًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاقَ الْمِصْرِيُّ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ؛ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ حَدِيثِ "إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ" قَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ أَخْبِرْنِي عَنْ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ؛ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ فَقَالَ: كَانَ كُرْسِيُّ سُلَيْمَانَ مِنْ أَنْيَابِ الْفِيَلَةِ مُفَصّصاً بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَاللُّؤْلُؤِ. وَقَدْ جُعل لَهُ دَرَجَةً مِنْهَا مُفَصّصة بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ ثُمَّ أَمَرَ بِالْكُرْسِيِّ فحُفّ مِنْ جَانِبَيْهِ بِالنَّخْلِ، نَخْلٌ مِنْ ذَهَبٍ شَمَارِيخُهَا مِنْ يَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ وَلُؤْلُؤٍ. وَجُعِلَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ الَّتِي عَنْ يَمِينِ الْكُرْسِيِّ طَوَاوِيسُ مَنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ جُعِلَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ الَّتِي عَلَى يَسَارِ الْكُرْسِيِّ نُسُورٌ مَنْ ذَهَبٍ مُقَابَلَةَ الطَّوَاوِيسِ، وَجُعِلَ على يمين الدرجة الأولى شَجَرَتَا صَنَوْبَرٍ مَنْ ذَهَبٍ، وَعَنْ يَسَارِهَا أَسَدَانِ مَنْ ذَهَبٍ وَعَلَى رُءُوسِ الْأَسَدَيْنِ عَمُودَانِ مِنْ زَبَرْجَدٍ وَجُعِلَ مِنْ جَانِبَيِ الْكُرْسِيِّ شَجَرَتَا كَرْمٍ مَنْ ذَهَبٍ قَدْ أَظَلَّتَا الْكُرْسِيَّ وَجُعِلَ عَنَاقِيدُهُمَا دُرًّا وَيَاقُوتًا أَحْمَرَ. ثُمَّ جُعل فَوْقَ دَرَج الْكُرْسِيِّ أسَدَان عَظِيمَانِ مِنْ ذَهَبٍ مُجَوَّفَانِ مَحْشُوَّانِ مِسْكًا وَعَنْبَرًا. فَإِذَا أَرَادَ سُلَيْمَانُ أَنْ يَصْعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ اسْتَدَارَ الْأَسَدَانِ سَاعَةً ثُمَّ يَقَعَانِ [[في ت: "يقفان".]] فَيَنْضَحَانِ مَا فِي أَجْوَافِهِمَا مِنَ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ حَوْلَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ يُوضَعُ مِنْبَرَانِ مِنْ ذَهَبٍ وَاحِدٌ لِخَلِيفَتِهِ وَالْآخِرُ لِرَئِيسِ أَحْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ. ثُمَّ يُوضَعُ أَمَامَ كُرْسِيِّهِ سَبْعُونَ مِنْبَرًا مِنْ ذَهَبٍ يَقْعُدُ عَلَيْهَا سَبْعُونَ قَاضِيًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعُلَمَائِهِمْ وَأَهْلِ الشَّرَفِ مِنْهُمْ وَالطَوْلِ وَمِنْ خَلْفِ تِلْكَ الْمَنَابِرِ كُلِّهَا خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ مِنْبَرًا مِنْ ذَهَبٍ لَيْسَ عَلَيْهَا أَحَدٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَصْعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَضَعَ قَدَمَيْهِ عَلَى الدَّرَجَةِ السُّفْلَى فَاسْتَدَارَ الْكُرْسِيُّ كُلُّهُ بِمَا فِيهِ وَمَا عَلَيْهِ، وَيَبْسُطُ الْأَسَدُ يَدَهُ الْيُمْنَى وَيَنْشُرُ النَّسْرُ جَنَاحَهُ الْأَيْسَرَ ثُمَّ يَصْعَدُ [سُلَيْمَانُ] [[زيادة من ت، أ.]] عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ فَيَبْسُطُ الْأَسَدُ يَدَهُ الْيُسْرَى وَيَنْشُرُ النَّسْرُ جَنَاحَهُ الْأَيْمَنَ فَإِذَا اسْتَوَى سُلَيْمَانُ عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ وَقَعَدَ عَلَى الْكُرْسِيِّ أَخَذَ نَسْرٌ مِنْ تِلْكَ النُّسُورِ عَظِيمٌ تَاجَ سُلَيْمَانَ فَوَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَإِذَا وَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ اسْتَدَارَ الْكُرْسِيُّ بِمَا فِيهِ كَمَا تَدُورُ الرَّحَى الْمُسْرِعَةُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَمَا الَّذِي يُدِيرُهُ يَا أَبَا إِسْحَاقَ؟ قَالَ: تِنِّينٌ مِنْ ذَهَبِ ذَلِكَ الْكُرْسِيِّ عَلَيْهِ وَهُوَ عَظِيمٌ مِمَّا عَمِلَهُ صَخْرٌ الْجِنِّيُّ فَإِذَا أَحَسَّتْ بِدَوَرَانِهِ تِلْكَ النُّسُورُ والأسْدُ وَالطَّوَاوِيسُ الَّتِي فِي أَسْفَلِ الْكُرْسِيِّ دُرْنَ إِلَى أَعْلَاهُ فَإِذَا وَقَفَ وَقَفْنَ كُلُّهُنَّ مُنَكِّسَاتٍ رُءُوسَهُنَّ عَلَى رَأْسِ سُلَيْمَانَ [ابْنِ دَاوُدَ] [[زيادة من أ.]] عَلَيْهِ [[في أ: "عليهما".]] السَّلَامُ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ يَنْضَحْنَ جَمِيعًا مَا فِي أَجْوَافِهِنَّ مِنَ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ عَلَى رَأْسِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثُمَّ تَتَنَاوَلُ حَمَامَةٌ مَنْ ذَهَبٍ وَاقِفَةٌ عَلَى عَمُودٍ مِنْ جَوْهَرٍ التوراةَ فَتَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ فَيَقْرَؤُهَا سُلَيْمَانُ عَلَى النَّاسِ. وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ [[في ت: "الحديث".]] وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أَيْ: لَا يَصْلُحُ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْلُبَنِيهِ كَمَا كَانَ مِنْ قَضِيَّةِ [[في ت: "في قصة"، وفي أ: "من قصة".]] الْجَسَدِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَى كُرْسِيِّهِ لَا أَنَّهُ يَحْجُرُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ النَّاسِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سَأَلَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مُلْكًا لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ مِنَ الْبَشَرِ مِثْلُهُ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ مِنَ الْآيَةِ وَبِهِ [[في ت، س، أ: "وبذلك".]] وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ [[في ت: "فروى".]] الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّت عَلَيَّ الْبَارِحَةَ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا-لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ وَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصبحوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ قَالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خَاسِئًا [[صحيح البخاري برقم (٤٨٠٨) .]] وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٥٤١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٤٠) .]] وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ المُرَادي حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ حَدَّثَنِي رَبِيعَةَ بْنِ يَزيد عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ". ثُمَّ قَالَ: "أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ" -ثَلَاثًا-وَبَسَطَ يَدَه كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَرَأَيْنَاكَ بَسَطَتْ يَدَكَ؟ قَالَ: "إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ. فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَرَدْتُ أخْذَه وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ صِبْيَانُ [[في ت، س، أ: "ولدان".]] أَهْلِ الْمَدِينَةِ" [[صحيح مسلم برقم (٥٤٢) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مَيْسَرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ حَاجِبُ سُلَيْمَانَ قَالَ: رَأَيْتُ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ قَائِمًا يُصَلِّي، فَذَهَبْتُ أَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَرَدَّنِي ثُمَّ قَالَ [[في ت: "بإسناده".]] حَدَّثَنِي [[في ت: "عن".]] أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ يُصَلِّي [[في ت: "فصلى".]] صَلَاةَ الصُّبْحِ وَهُوَ خَلْفُهُ فَقَرَأَ فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صِلَاتِهِ قَالَ: "لَوْ رَأَيْتُمُونِي وَإِبْلِيسَ فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي فَمَا زِلْتُ أَخْنُقُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لُعَابِهِ بَيْنَ أُصْبُعَيَّ هَاتَيْنِ -الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا-وَلَوْلَا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ [[في ت: "أصبح".]] مَرْبُوطًا بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، يَتَلَاعَبُ بِهِ صِبْيَانُ الْمَدِينَةِ فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ أَحَدٌ فَلْيَفْعَلْ". وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْهُ: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ أَحَدٌ فَلْيَفْعَلْ" عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي سُرَيج عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ بِهِ [[المسند (٣/٨٣) وسنن أبي داود برقم (٦٩٩) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَهُوَ فِي حَائِطٍ لَهُ بِالطَّائِفِ يُقَالُ لَهُ: "الْوَهْطُ"، وَهُوَ مُخَاصر فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ يُزَنّ بشُرْب الْخَمْرِ، فَقُلْتُ: بَلَغَنِي عَنْكَ حَدِيثٌ أَنَّهُ "مِنْ شَرِبِ شَرْبَةَ خَمْر لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-لَهُ تَوبَةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَإِنَّهُ مَنْ أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ لا يَنْهَزه إلا الصلاة فيه، خرج مِنْ خَطِيئَتِهِ مِثْلَ يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، فَلَمَّا سَمِعَ الْفَتَى ذَكْرَ الْخَمْرِ اجْتَذَبَ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ انْطَلَقَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو [[في أ: "عمرو رضي الله عنهما".]] إِنِّي لَا أُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ عَلَيّ مَا لَمْ أَقُلْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ شَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ شَرْبَةً لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِنْ [[في أ: "وإن".]] عَادَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَإِنْ عَادَ -قَالَ فَلَا أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ-فَإِنْ عَادَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ رَدْغَة الْخَبَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" قَالَ: وَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ اهْتَدَى وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ فَلِذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] أَقُولُ جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" وَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ سُلَيْمَانَ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى ثَلَاثًا فَأَعْطَاهُ اثْنَتَيْنِ وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ تَكُونَ لَنَا الثَّالِثَةُ: سَأَلَهُ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَسَأَلَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَسَأَلَهُ أَيُّمَا رَجُلٍ خَرَجَ مَنْ بَيْتِهِ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ خَرَجَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ [[في ت، س، أ: "مثل يوم".]] وَلَدَتْهُ أُمُّهُ فَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى [[في ت، س، أ: "عز وجل".]] قَدْ أَعْطَانَا إِيَّاهَا" [[المسند (٢/١٧٦) .]] وَقَدْ رَوَى هَذَا الْفَصْلَ الْأَخِيرَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلِمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَأَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خِلَالًا ثَلَاثًا ... " وَذَكَرَهُ [[سنن النسائي (٢/٤٣) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٠٨) .]] وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِإِسْنَادٍ وَسِيَاقٍ غَرِيبَيْنِ فَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبة الْعَسْقَلَانِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْد حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَة عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ [[في ت: "وروى الطبراني بإسناده".]] عَنْ رَافِعِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِدَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْضِ. فَبَنَى دَاوُدُ [[في ت: "داود عليه السلام".]] بَيْتًا لِنَفْسِهِ قَبْلَ الْبَيْتِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا دَاوُدُ نَصَبْتَ بَيْتَكَ قَبْلَ بَيْتِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ هَكَذَا قَضَيْتَ [[في ت، س، أ: "هكذا قلت فيما قضيت".]] مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ ثُمَّ أَخَذَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا تَمَّ السُّورَ سَقَطَ ثَلَاثًا فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: يَا دَاوُدُ [[في ت، أ: "فأوحى الله إليه"]] إِنَّكَ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَبْنِيَ لِي بَيْتًا قَالَ: وَلِمَ يَا رَبِّ؟ قَالَ: لِمَا جَرَى عَلَى يَدَيْكَ مِنَ الدِّمَاءِ. قَالَ: يَا رَبِّ أَوْ مَا كَانَ [[في ت، س، أ: "أو لم يكن".]] ذَلِكَ فِي هَوَاكَ وَمَحَبَّتِكَ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنَّهُمْ عِبَادِي وَأَنَا أَرْحَمُهُمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: لَا تَحْزَنْ فَإِنِّي سَأَقْضِي بِنَاءَهُ عَلَى يَدَيِ ابْنِكَ سُلَيْمَانَ. فَلَمَّا مَاتَ دَاوُدُ أَخْذَ سُلَيْمَانُ فِي بِنَائِهِ فَلَمَّا تَمَّ قَرَّبَ الْقَرَابِينَ وَذَبَحَ الذَّبَائِحَ وَجَمَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: قَدْ أَرَى سرورَك بِبُنْيَانِ بَيْتِي فَسَلْنِي أُعْطِكَ. قَالَ: أَسْأَلُكَ ثَلَاثَ خِصَالٍ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَكَ وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي وَمَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ لَا يُرِيدُ إلا الصلاة فيه خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما ثِنْتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ" [[المعجم الكبير (٥/٢٤) قال الهيثمي في المجمع (٤/٨) : "فيه محمد بن أيوب بن سويد الرملي وهو متهم بالوضع".]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا عُمَر بْنُ رَاشِدٍ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا دُعَاءً إِلَّا اسْتَفْتَحَهُ بِـ "سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّي الْأَعْلَى الْعَلِيِّ الْوَهَّابِ" [[المسند (٤/٥٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/١٥٦) : "فيه عمر بن راشد اليمامي وثقه غير واحد، وبقية رجاله رجال الصحيح".]] وَقَدْ قَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو عَبِيدٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَرْقان عَنْ صَالِحِ بْنِ مِسْمَارٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ نَبِيُّ اللَّهِ دَاوُدُ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى ابْنِهِ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِمَا [[في ت، أ: "عليه".]] السَّلَامُ: أَنْ سَلْنِي حَاجَتَكَ. قَالَ: أَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ لِي قَلْبًا يَخْشَاكَ كَمَا كَانَ قَلْبُ أَبِي وَأَنْ تَجْعَلَ قَلْبِي يُحِبُّكَ كَمَا كَانَ قَلْبُ أَبِي. فَقَالَ اللَّهُ: أَرْسَلْتُ إِلَى عَبْدِي وَسَأَلَتْهُ [[في ت، س: "أسأله".]] حَاجَتَهُ فَكَانَتْ [حَاجَتُهُ] [[زيادة من ت، س.]] أَنْ أَجْعَلَ قَلْبَهُ يَخْشَانِي وَأَنْ أَجْعَلَ قَلْبَهُ يُحِبُّنِي لأهَبَنّ لَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ وَالَّتِي بَعْدَهَا، قَالَ: فَأَعْطَاهُ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] مَا أَعْطَاهُ وَفِي الْآخِرَةِ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ. هَكَذَا أَوْرَدَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي تَارِيخِهِ [[تاريخ دمشق (٧/٥٦٩) "القسم المخطوط".]] وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ دَاوُدَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] أَنَّهُ قَالَ: "إِلَهِي كُنْ لِسُلَيْمَانَ كَمَا كُنْتَ لِي": فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنْ قُلْ لِسُلَيْمَانَ: يَكُونُ لِي كَمَا كُنْتَ لِي، أَكُونُ لَهُ كَمَا كنتُ لَكَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمَّا عَقَرَ سُلَيْمَانُ الْخَيْلَ غَضَبًا لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ عَوَّضَهُ اللَّهُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَسْرَعُ الرِّيحُ الَّتِي غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أَيْ: حَيْثُ أَرَادَ مِنَ الْبِلَادِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ أَيْ: مِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْأَبْنِيَةِ الْهَائِلَةِ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجَفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْبَشَرُ وَطَائِفَةٌ غَوَّاصُونَ فِي الْبِحَارِ يَسْتَخْرِجُونَ مِمَّا [[في ت: "ما".]] فِيهَا مِنَ اللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْأَشْيَاءِ النَّفِيسَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ إِلَّا فِيهَا ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ أَيْ: مُوثَقُونَ فِي الْأَغْلَالِ وَالْأَكْبَالِ مِمَّنْ قَدْ تَمَرّد وَعَصَى وَامْتَنَعَ مِنَ الْعَمَلِ وَأَبَى أَوْ قَدْ أَسَاءَ فِي صنيعه واعتدى. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْنَاكَ مِنَ الْمُلْكِ التَّامِّ وَالسُّلْطَانِ الْكَامِلِ كَمَا سَأَلْتَنَا فَأَعْطِ مَنْ شِئْتَ وَاحْرِمْ مَنْ شِئْتَ، لَا حِسَابَ عَلَيْكَ، أَيْ: مَهْمَا فعلتَ فَهُوَ جَائِزٌ لَكَ احْكُمْ بِمَا شِئْتَ فَهُوَ صَوَابٌ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[في أ: "الصحيح".]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خُيِّر بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا -وَهُوَ الَّذِي يَفْعَلُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ قَاسِمٌ يَقْسِمُ بَيْنَ النَّاسِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ-وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا نَبِيًّا يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَاءُ بِلَا حِسَابٍ وَلَا جُنَاحٍ، اخْتَارَ الْمَنْزِلَةَ الْأُولَى بَعْدَ مَا اسْتَشَارَ جِبْرِيلَ فَقَالَ لَهُ: تَوَاضَعْ فَاخْتَارَ الْمَنْزِلَةَ الْأُولَى لِأَنَّهَا أَرْفَعُ قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ وَأَعْلَى مَنْزِلَةً فِي الْمَعَادِ وَإِنْ كَانَتِ الْمَنْزِلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ النُّبُوَّةُ مَعَ الْمُلْكِ عَظِيمَةً أَيْضًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا أَعْطَى سُلَيْمَانَ فِي الدُّنْيَا نَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْضًا، فَقَالَ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: فاستجبنا له دعاءه، فأعطيناه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ مكان الخيل التي شغلته عن الصلاة ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ يعني: رِخوة لينة، وهي من الرخاوة. كما:- ⁕ حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا عوف، عن الحسن، أن نبي الله سليمان ﷺ لما عرضت عليه الخيل، فشغله النظر إليها عن صلاة العصر ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ فغضب لله، فأمر بها فعُقرت، فأبدله الله مكانها أسرع منها، سخر الريح تجري بأمره رُخاء حيث شاء، فكان يغدو من إيلياء، ويقيل بقزوين، ثم يروح من قَزْوين ويبيت بكابُل. ⁕ حُدثت عن الحسن، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فإنه دعا يوم دعا ولم يكن في مُلكه الريح، وكل بناء وغواص من الشياطين، فدعا ربه عند توبته واستغفاره، فوهب الله له ما سأل، فتمّ مُلكه. واختلف أهل التأويل في معنى الرخاء، فقال فيه بعضهم نحو الذي قلنا فيه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قال: طَيِّبة. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: سريعة طيبة، قال: ليست بعاصفة ولا بطيئة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿رُخَاءً﴾ قال: الرخاء اللينة. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن الحسن، في قوله ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: ليست بعاصفة، ولا الهَيِّنة بين ذلك رُخاء. وقال آخرون: معنى ذلك: مطيعة لسليمان. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن على، عن ابن عباس، قوله ﴿رُخَاءً﴾ يقول: مُطيعة له. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قال: يعني بالرُّخاء: المطيعة. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قال: مطيعة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿رُخَاءً﴾ يقول: مطيعة. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿رُخَاءً﴾ قال: طوعا. * * وقوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ يقول: حيث أراد، من قولهم: أصاب الله بك خيرا: أي أراد الله بك خيرا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ عن ابن عباس، قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ يقول: حيث أراد. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ يقول: حيث أراد، انتهى عليها. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال. ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث شاء. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث أراد. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: إلى حيث أراد. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث أراد. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ : أي حيث أراد. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث أراد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث أراد. * * وقوله ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ يقول تعالى ذكره: وسخرنا له الشياطين سلطناه عليها مكان ما ابتُليناه بالذي ألقينا على كرسيّه منها يستعملها فيما يشاء من أعماله من بنَّاء وغوَّاص؛ فالبُناة منها يصنعون محاريب وتماثيل، والغاصة يستخرجون له الحُلِيّ من البحار، وآخرون ينحتون له جِفانا وقدورا، والمَردَة في الأغلال مُقَرَّنون. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ قال: يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل، وغوّاص يستخرجون الحليّ من البحر ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ قال: مردة الشياطين في الأغلال. ⁕ حُدثت عن المحاربيّ، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ قال: لم يكن هذا في ملك داود، أعطاه الله ملك داود وزاده الريح ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ يقول: في السلاسل. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿الأصْفَادِ﴾ قال: تجمع اليدين إلى عنقه، والأصفاد: جمع صَفَد وهي الأغلال. * * وقوله ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ اختلف أهل التأويل في المشار إليه بقوله ﴿هَذَا﴾ من العطاء، وأيّ عطاء أريد بقوله: عَطاؤنا، فقال بعضهم: عني به الملك الذي أعطاه الله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: قال الحسن: الملك الذي أعطيناك فأعط ما شئت وامنع ما شئت. ⁕ حدثنا عن المحاربي، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ : هذا ملكنا. وقال آخرون: بل عَنَى بذلك تسخيره له الشياطين، وقالوا: ومعنى الكلام: هذا الذي أعطيناك من كلّ بنّاء وغوّاص من الشياطين، وغيرهم عطاؤنا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: هؤلاء الشياطين احبس من شئت منهم فى وثاقك وفي عذابك أو سرِّح من شئت منهم تتخذ عنده يدًا، اصنع ما شئت. وقال آخرون: بل ذلك ما كان أوتي من القوّة على الجماع. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن أبي يوسف، عن سعيد بن طريف، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان سليمان في ظهره ماءُ مِئَة رجل، وكان له ثلاث مِئَة امرأة وتسع مِئَة سُرِّيَّة ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب القولُ الذي ذكرناه عن الحسن والضحاك من أنه عني بالعطاء ما أعطاه من الملك تعالى ذكره، وذلك أنه جلّ ثناؤه ذكر ذلك عَقِيب خبره عن مسألة نبيه سليمان صلوات الله وسلامه عليه إياه مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، فأخبر أنه سخر له ما لم يُسَخَّر لأحد من بني آدم، وذلك تسخيره له الريح والشياطين على ما وصفت، ثم قال له عزّ ذكره: هذا الذي أعطيناك من المُلك، وتسخيرنا ما سخرنا لك عطاؤنا، ووهبنا لك ما سألتنا أن نهبه لك من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعدك ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ واختلف أهل التأويل في تأويل قوله ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فقال بعضهم: عنى بذلك. فأعط من شئت ما شئت من الملك الذي آتيناك، وامنع ما شئت منه ما شئت، لا حساب عليك في ذلك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ المُلك الذي أعطيناك، فأعط ما شئت وامنع ما شئت، فليس عليك تبعة ولا حساب. ⁕ حُدثت عن المحاربي، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ سأل مُلكا هنيئا لا يُحاسب به يوم القيامة، فقال: ما أعطيت، وما أمسكت، فلا حرج عليك. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرمة ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: أعط أو أمسك، فلا حساب عليك. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿فَامْنُنْ﴾ قال: أعط أو أمسك بغير حساب. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أعْتِق من هؤلاء الشياطين الذين سخرناهم لك من الخدمة، أو من الوَثاق ممن كان منهم مُقَرَّنا في الأصفاد مَنْ شئت واحبس من شئت فلا حرج عليك في ذلك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يقول: هؤلاء الشياطين احبس من شئت منهم في وَثاقك وفي عذابك، وسرح من شئت منهم تتخذ عنده يدًا، اصنع ما شئت لا حساب عليك في ذلك. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يقول: أعتق من الجنّ من شئت، وأمسك من شئت. حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: تَمُنّ على من تشاء منهم فتُعْتِقُهُ، وتُمسِك من شئت فتستخدمه ليس عليك في ذلك حساب. وقال آخرون: بل معنى ذلك: هذا الذي أعطيناك من القوّة على الجماع عطاؤنا، فجامع من شئت من نسائك وجواريك ما شئت بغير حساب، واترك جماع من شئت منهن. وقال آخرون: بل ذلك من المقدم والمؤخر. ومعنى الكلام: هذا عطاؤنا بغير حساب، فامْنُن أو أمسك. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله:"هذا فامنن أو أمسك عطاؤنا بغير حساب". وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من البصريين يقول في قوله ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وجهان؛ أحدهما: بغير جزاء ولا ثواب، والآخر: مِنَّةٍ ولا قِلَّةٍ. والصواب من القول في ذلك ما ذكرته عن أهل التأويل من أن معناه: لا يحاسب على ما أعطى من ذلك المُلك والسلطان. وإنما قلنا ذلك هو الصواب لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه. * * وقوله ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ يقول: وإن لسليمان عندنا لقُرْبةً بإنابته إلينا وتوبته وطاعته لنا، وحُسْنَ مآب: يقول: وحسن مرجع ومصير في الآخرة. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ : أي مصير. إن قال لنا قائل: وما وجه رغبة سليمان إلى ربه في الملك، وهو نبيّ من الأنبياء، وإنما يرغب في الملك أهل الدنيا المؤثِرون لها على الآخرة؟ أم ما وجه مسألته إياه، إذ سأله ذلك مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، وما كان يضرّه أن يكون كلّ من بعده يُؤْتَى مثل الذي أوتي من ذلك؟ أكان به بخل بذلك، فلم يكن من مُلكه، يُعطي ذلك من يعطاه، أم حسد للناس، كما ذُكر عن الحجاج بن يوسف؛ فإنه ذكر أنه قرأ قوله ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فقال: إن كان لحسودًا، فإن ذلك ليس من أخلاق الأنبياء! قيل: أما رغبته إلى ربه فيما يرغب إليه من المُلك، فلم تكن إن شاء الله به رغبةً في الدنيا، ولكن إرادة منه أن يعلم منزلته من الله فى إجابته فيما رغب إليه فيه، وقبوله توبته، وإجابته دعاءه. وأما مسألته ربه مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، فإنا قد ذكرنا فيما مضى قبلُ قولَ من قال: إن معنى ذلك: هب لي مُلكا لا أسلبه كما سلبته قبل. وإنما معناه عند هؤلاء: هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي أن يَسلُبنيه. وقد يتجه ذلك أن يكون بمعنى: لا ينبغي لأحد سواي من أهل زماني، فيكون حجة وعَلَما لي على نبوتي وأني رسولك إليهم مبعوث، إذ كانت الرسل لا بد لها من أعلام تفارق بها سائر الناس سواهم. ويتجه أيضا لأن يكون معناه: وهب لي ملكا تخُصُّني به، لا تعطيه أحدا غيري تشريفا منك لي بذلك، وتكرمة، لتبين منزلتي منك به من منازل من سواي، وليس في وجه من هذه الوجوه مما ظنه الحجاج في معنى ذلك شيء.

Al-Mukhtasar (français)

Nous l’exauçâmes alors et lui avons assujetti le vent qui soufflait doucement par son ordre, malgré sa force et sa vitesse, et le transportait où il le voulait.

37

وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍۢ وَغَوَّاصٍۢ

De même que les diables, bâtisseurs et plongeurs de toutes sortes.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أَيِ: اخْتَبَرْنَاهُ بِأَنْ سَلَبْنَاهُ الْمُلْكَ مَرَّةً، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ: يَعْنِي شَيْطَانًا. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أَيْ: [[في ت، س: "ثم".]] رَجَعَ إِلَى مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ وَأُبَّهَتِهِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَانَ اسْمُ ذَلِكَ الشَّيْطَانِ صَخْرًا. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: آصِفُ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقِيلَ: آصِرُوا. قَالَهُ مُجَاهِدٌ أَيْضًا. وَقِيلَ: حبقيقُ. قَالَهُ السُّدِّيُّ. وَقَدْ ذَكَرُوا هَذِهِ الْقِصَّةَ مَبْسُوطَةً وَمُخْتَصَرَةً. وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبة عَنْ قَتَادَةَ: قَالَ أَمَرَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقِيلَ لَهُ: ابْنِهِ وَلَا يُسمَعُ فِيهِ صَوْتُ حَدِيدٍ. فَقَالَ: فَطَلَبَ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ شَيْطَانًا فِي الْبَحْرِ يُقَالُ لَهُ: "صَخْرٌ" شِبْهُ الْمَارِدِ. قَالَ: فَطَلَبَهُ وَكَانَتْ عَيْنٌ فِي الْبَحْرِ يَردهُا فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ مَرَّةً فَنُزِحَ مَاؤُهَا وَجُعِلَ فِيهَا خَمْرٌ، فَجَاءَ يَوْمَ ورْده فَإِذَا هُوَ بِالْخَمْرِ فَقَالَ: إِنَّكِ لَشَرَابٌ طَيِّبٌ إِلَّا أَنَّكِ تُصْبِينَ الْحَلِيمَ، وَتَزِيدِينَ الْجَاهِلَ جَهْلًا. ثُمَّ رَجَعَ حَتَّى عَطِشَ عَطَشًا شَدِيدًا ثُمَّ أَتَاهَا [[في أ: "أتاه".]] فَقَالَ: إِنَّكِ لَشَرَابٌ طَيِّبٌ إِلَّا أَنَّكِ تُصْبِينَ الْحَلِيمَ، وَتَزِيدِينَ الْجَاهِلَ جَهْلًا. ثُمَّ شَرِبَهَا حَتَّى غَلَبَتْ عَلَى عَقْلِهِ، قَالَ: فَأُرِيَ الْخَاتَمَ أَوْ خُتِمَ بِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَذَلَّ. قَالَ: وَكَانَ مُلْكُهُ فِي خَاتَمِهِ فأتي به سليمان فقال: إنه قَدْ أُمِرْنَا بِبِنَاءِ هَذَا الْبَيْتِ وَقِيلَ لَنَا: لَا يُسْمَعَنَّ فِيهِ صَوْتُ حَدِيدٍ. قَالَ: فَأَتَى بِبَيْضِ الْهُدْهُدِ فَجَعَلَ عَلَيْهِ زُجَاجَةً فَجَاءَ الْهُدْهُدُ فَدَارَ حَوْلَهَا، فَجَعَلَ يَرَى بَيْضَهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَذَهَبَ فَجَاءَ بِالْمَاسِ فَوَضَعَهُ عَلَيْهِ فَقَطَعَهَا بِهِ حَتَّى أَفْضَى إِلَى بَيْضِهِ. فَأَخَذَ الْمَاسَ فَجَعَلُوا يَقْطَعُونَ بِهِ الْحِجَارَةَ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ -أَوِ: الْحَمَّامَ-لَمْ يَدْخُلْ بِخَاتَمِهِ فَانْطَلَقَ يَوْمًا إِلَى الْحَمَّامِ وَذَلِكَ الشَّيْطَانُ صَخْرٌ مَعَهُ، وَذَلِكَ عِنْدَ مُقَارَفَةٍ قَارَفَ فِيهِ [[في ت: "فيها".]] بَعْضَ نِسَائِهِ. قَالَ: فَدَخَلَ الْحَمَّامَ وَأَعْطَى الشَّيْطَانَ خَاتَمَهُ فَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ فَالْتَقَمَتْهُ سَمَكَةٌ، وَنُزِعَ مُلك سُلَيْمَانَ مِنْهُ وَأُلْقِيَ عَلَى الشَّيْطَانِ شَبَه سُلَيْمَانَ. قَالَ: فَجَاءَ فَقَعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَسَرِيرِهِ وسُلِّط عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ كُلِّهِ غَيْرَ نِسَائِهِ. قَالَ: فَجَعَلَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ، وَجَعَلُوا يُنْكِرُونَ مِنْهُ أَشْيَاءَ حَتَّى قَالُوا: لَقَدْ فُتِنَ نَبِيُّ اللَّهِ. وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ يُشَبِّهُونَهُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْقُوَّةِ فَقَالَ: وَاللَّهُ لَأُجَرِّبَنَّهُ. قَالَ: فَقَالَ: يَا نَبِيَّ [[في أ: "أنبي".]] اللَّهِ -وَهُوَ لَا يَرَى إِلَّا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ-أَحَدُنَا تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ فَيَدَعُ الْغُسْلَ عَمْدًا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَتُرَى [[في ت: "ترى".]] عَلَيْهِ بَأْسًا؟ فَقَالَ: [[في ت، س: "قال".]] لَا. قَالَ: فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى وَجَدَ نَبِيُّ اللَّهِ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِ سَمَكَةٍ فَأَقْبَلَ فَجَعَلَ لَا يَسْتَقْبِلُهُ جِنِّيٌّ وَلَا طَيْرٌ إِلَّا سَجَدَ لَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: هُوَ الشَّيْطَانُ صَخْرٌ [[تفسير الطبري (٢٣/١٠١) .]] وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أَيِ: ابْتَلَيْنَا سُلَيْمَانَ، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: جَلَسَ الشَّيْطَانُ عَلَى كُرْسِيِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. قَالَ: وَكَانَ لِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِائَةُ امْرَأَةٍ وَكَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ يُقَالُ لَهَا: "جَرَادَةُ"، وَهِيَ آثَرُ نِسَائِهِ وَآمَنُهُنَّ عِنْدَهُ وَكَانَ إِذَا أَجْنَبَ أَوْ أَتَى حَاجَةً [[في أ: "حاجته".]] نَزَعَ خَاتَمَهُ وَلَمْ يَأْتَمِنْ [[في ت: "يأمن".]] عَلَيْهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ غَيْرَهَا فَأَعْطَاهَا يَوْمًا خَاتَمَهُ وَدَخَلَ الْخَلَاءَ فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَتِهِ فَقَالَ: هَاتِي الْخَاتَمَ. فَأَعْطَتْهُ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى مَجْلِسِ سُلَيْمَانَ وَخَرَجَ سُلَيْمَانُ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلَهَا أَنْ تُعْطِيَهِ خَاتَمَهُ، فَقَالَتْ: أَلَمْ تَأْخُذْهُ قَبْلُ؟ قَالَ: لَا. وَخَرَجَ مَكَانَهُ تَائِهًا. قَالَ: وَمَكَثَ الشَّيْطَانُ يُحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، قَالَ: فَأَنْكَرَ النَّاسُ أَحْكَامَهُ فَاجْتَمَعَ قُرَّاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعُلَمَاؤُهُمْ فَجَاءُوا حَتَّى دَخَلُوا عَلَى نِسَائِهِ فَقَالُوا: إِنَّا قَدْ أَنْكَرْنَا هَذَا فَإِنْ كَانَ سُلَيْمَانَ فَقَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ وَأَنْكَرْنَا أَحْكَامَهُ. قَالَ: فَبَكَى النِّسَاءُ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ: فَأَقْبَلُوا يَمْشُونَ حَتَّى أَتَوْا [[في أ: "أتوه".]] فَأَحْدَقُوا بِهِ ثُمَّ نَشَرُوا التَّوْرَاةَ فَقَرَءُوا. قَالَ: فَطَارَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ حَتَّى وَقَعَ عَلَى شُرْفَةٍ وَالْخَاتَمُ مَعَهُ. ثُمَّ طَارَ حَتَّى ذَهَبَ إِلَى الْبَحْرِ فَوَقَعَ الْخَاتَمُ مِنْهُ فِي الْبَحْرِ فَابْتَلَعَهُ حُوتٌ مِنْ حِيتَانِ الْبَحْرِ. قَالَ: وَأَقْبَلَ سُلَيْمَانُ فِي حَالِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى صَيَّادٍ مِنْ صَيَّادِي [[في ت، س، أ: "صيادين".]] الْبَحْرِ وَهُوَ جَائِعٌ وَقَدِ اشْتَدَّ جُوعُهُ. فَاسْتَطْعَمَهُمْ مِنْ صَيْدِهِمْ وَقَالَ: إِنِّي أَنَا سُلَيْمَانُ. فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَضَرَبَهُ بِعَصًا فَشَجَّهُ فَجَعَلَ يَغْسِلُ دَمَهُ وَهُوَ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ فَلَامَ الصَّيَّادُونَ صَاحِبَهُمُ الَّذِي ضَرَبَهُ فَقَالُوا بِئْسَ مَا صَنَعْتَ حيث ضربته. قال: إنه زَعَمَ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ. قَالَ: فَأَعْطَوْهُ سَمَكَتَيْنِ مِمَّا قَدْ مَذِرَ عِنْدَهُمْ فَلَمْ يَشْغَلْهُ مَا كَانَ بِهِ مِنَ الضَّرْبِ حَتَّى قَامَ إِلَى شَطِّ الْبَحْرِ فَشَقَّ بُطُونَهُمَا فَجَعَلَ يَغْسِلُ [دَمَهُ] [[زيادة من أ.]] فَوَجَدَ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِ إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَهُ فَلَبِسَهُ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَهَاءَهُ وَمُلْكَهُ، وَجَاءَتِ الطَّيْرُ حَتَّى حَامَتْ عَلَيْهِ فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَامَ الْقَوْمُ يَعْتَذِرُونَ مِمَّا صَنَعُوا [بِهِ] [[زيادة من أ.]] فَقَالَ: مَا أَحْمَدُكُمْ عَلَى عُذْرِكُمْ وَلَا أَلُومُكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ، كَانَ هَذَا الْأَمْرُ لَا بُدَّ مِنْهُ. قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى أَتَى مُلْكَهُ وَأَرْسَلَ إِلَى الشَّيْطَانِ فَجِيءَ بِهِ فَأَمَرَ بِهِ فَجُعِلَ فِي صُنْدُوقٍ مِنْ حَدِيدٍ، ثُمَّ أَطْبَقَ عَلَيْهِ وَقَفَلَ عَلَيْهِ بِقُفْلٍ وَخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِهِ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُلْقِي فِي الْبَحْرِ فَهُوَ فِيهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. وَكَانَ اسْمُهُ حبقيقُ قَالَ: وَسَخَّرَ [[في ت، أ: "وسخرت".]] لَهُ الرِّيحَ وَلَمْ تَكُنْ سُخِّرَتْ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [[تفسير الطبري (٢٣/١٠١) .]] وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ: آصِفُ. فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: كَيْفَ تَفْتِنُونَ النَّاسَ؟ قَالَ: أَرِنِي خَاتَمَكَ أُخْبِرْكَ. فَلَمَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ نَبَذَهُ آصِفُ فِي الْبَحْرِ فَسَاحَ سُلَيْمَانُ وَذَهَبَ مُلْكُهُ، وَقَعَدَ آصِفُ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَمَنَعَهُ اللَّهُ نِسَاءَ سُلَيْمَانَ فَلَمْ يَقْرَبْهُنَّ -وَلَمْ يَقْرَبْنَهُ وَأَنْكَرْنَهُ. قَالَ: فَكَانَ سُلَيْمَانُ يَسْتَطْعِمُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُونِي؟ أَطْعِمُونِي أَنَا سُلَيْمَانُ فَيُكَذِّبُونَهُ، حَتَّى أَعْطَتْهُ امْرَأَةٌ يَوْمًا حُوتًا فَجَعَلَ يُطَيِّبُ بَطْنَهُ، فَوَجَدَ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِهِ فَرَجَعَ إِلَيْهِ مُلْكُهُ وَفَرَّ آصِفُ فَدَخَلَ الْبَحْرَ فَارًّا. وَهَذِهِ كُلُّهَا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ وَمِنْ أَنْكَرِهَا مَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشِ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قَالَ: أَرَادَ سُلَيْمَانُ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ فَأَعْطَى الْجَرَادَةَ خَاتَمَهُ -وَكَانَتِ الْجَرَادَةُ [[في ت: "جرادة".]] امْرَأَتَهُ وَكَانَتْ أَحَبَّ نِسَائِهِ إِلَيْهِ-فَجَاءَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ سُلَيْمَانَ فَقَالَ لَهَا: هَاتِي خَاتَمِي. فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ. فَلَمَّا لَبِسَهُ دَانَتْ لَهُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ [[في أ: "والجن والطير".]] وَالشَّيَاطِينُ فَلَمَّا خَرَجَ سُلَيْمَانُ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ لَهَا: هَاتِي خَاتَمِي. قَالَتْ: قَدْ أَعْطَيْتُهُ سُلَيْمَانَ. قَالَ: أَنَا سُلَيْمَانُ. قَالَتْ: كَذَبْتَ لَسْتَ سُلَيْمَانَ [[في ت: "بسليمان".]] فَجَعَلَ لَا يَأْتِي أَحَدًا يَقُولُ لَهُ: "أَنَا سُلَيْمَانُ"، إِلَّا كَذَّبَهُ حَتَّى جَعَلَ [[في أ: "جاء".]] الصِّبْيَانُ يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَرَف أَنَّهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: وَقَامَ الشَّيْطَانُ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى سُلَيْمَانَ سُلْطَانَهُ أَلْقَى فِي قُلُوبِ النَّاسِ إِنْكَارَ ذَلِكَ الشَّيْطَانِ. قَالَ: فَأَرْسَلُوا إِلَى نِسَاءِ سُلَيْمَانَ فَقَالُوا لَهُنَّ: أَتُنْكِرْنَ مِنْ سُلَيْمَانَ شَيْئًا؟ قُلْنَ: نَعَمْ إِنَّهُ يَأْتِينَا وَنَحْنُ حُيَّضٌ وَمَا كَانَ يَأْتِينَا قَبْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّيْطَانُ أَنَّهُ قَدْ فَطِنَ لَهُ [[في ت: "أنه فطن له".]] ظَنَّ أَنَّ أَمْرَهُ قَدِ انْقَطَعَ فَكَتَبُوا كُتُبًا فِيهَا سِحْرٌ وَكُفْرٌ، فَدَفَنُوهَا تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ ثُمَّ أَثَارُوهَا وقرءوها على الناس. وقالوا: بِهَذَا كَانَ يَظْهَرُ سُلَيْمَانُ عَلَى النَّاسِ [وَيَغْلِبُهُمْ] [[زيادة من أ.]] فَأَكْفَرَ النَّاسُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَمْ يَزَالُوا يُكَفِّرُونَهُ وَبَعَثَ ذَلِكَ الشيطانُ بِالْخَاتَمِ فَطَرَحَهُ فِي الْبَحْرِ فَتَلَقَّتْهُ سَمَكَةٌ فَأَخَذَتْهُ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ يَحْمِلُ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ بِالْأَجْرِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَاشْتَرَى سَمَكًا فِيهِ تِلْكَ السَّمَكَةُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا الْخَاتَمُ فَدَعَا سُلَيْمَانُ فَقَالَ: تَحْمِلُ لِي هَذَا السَّمَكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: بِكَمْ؟ قَالَ بِسَمَكَةٍ مِنْ هَذَا السَّمَكِ. قَالَ: فَحَمَلَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ السَّمَكَ ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمَّا انْتَهَى الرَّجُلُ إِلَى بَابِهِ أَعْطَاهُ تِلْكَ السَّمَكَةَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا الْخَاتَمُ فَأَخَذَهَا سُلَيْمَانُ فَشَقَّ بَطْنَهَا، فَإِذَا الْخَاتَمُ فِي جَوْفِهَا فَأَخَذَهُ فَلَبِسَهُ. قَالَ: فَلَمَّا لَبِسَهُ دَانَتْ لَهُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَالشَّيَاطِينُ وَعَادَ إِلَى حَالِهِ وَهَرب الشَّيْطَانُ حَتَّى دَخَلَ جَزِيرَةً [[في ت: "لحق بجزيرة".]] مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ فَأَرْسَلَ سُلَيْمَانُ فِي طَلَبِهِ وَكَانَ شَيْطَانًا مَرِيدًا فَجَعَلُوا يَطْلُبُونَهُ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ حَتَّى وَجَدُوهُ يَوْمًا نَائِمًا فَجَاءُوا فَبَنَوْا عَلَيْهِ بُنْيَانًا مِنْ رَصَاصٍ فَاسْتَيْقَظَ فَوَثَبَ فَجَعَلَ لَا يَثِبُ فِي مَكَانٍ من البيت إلا أنماط معه من الرَّصَاصُ قَالَ: فَأَخَذُوهُ فَأَوْثَقُوهُ وَجَاءُوا بِهِ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَأَمَرَ بِهِ فَنُقِرَ [[في ت: "فثقب".]] لَهُ تَخْتٌ مِنْ رُخَامٍ ثُمَّ أُدْخِلَ فِي جَوْفِهِ ثُمَّ سُدَّ بِالنُّحَاسِ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَطُرِحَ فِي الْبَحْرِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قَالَ: يَعْنِي الشَّيْطَانَ الَّذِي كَانَ سُلِّطَ عَلَيْهِ. إِسْنَادُهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَوِيٌّ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إِنَّمَا تَلَقَّاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -إِنْ صَحَّ عَنْهُ-مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَفِيهِمْ طَائِفَةٌ لَا يَعْتَقِدُونَ نُبُوَّةَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَيْهِ وَلِهَذَا كَانَ فِي السِّيَاقِ مُنْكَرَاتٌ مِنْ أَشَدِّهَا ذِكْرُ النِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ [[في أ: "فإن المشهور عن مجاهد وغير واحد من السلف أن".]] ذَلِكَ الْجِنِّيَّ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَى نِسَاءِ سُلَيْمَانَ بَلْ عَصَمَهُنَّ اللَّهُ مِنْهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا لِنَبِيِّهِ ﷺ، وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ مُطَوَّلَةً عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَجَمَاعَةٍ آخَرِينَ وَكُلُّهَا متُلقًّاة مِنْ قَصَصِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيُّ: وَجَدَ سُلَيْمَانُ خَاتَمَهُ فِي عَسْقَلَانَ، فَمَشَى فِي خِرْقَةٍ [[في أ: "بحرقة".]] إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي صِفَةِ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَبَرًا عَجِيبًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاقَ الْمِصْرِيُّ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ؛ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ حَدِيثِ "إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ" قَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ أَخْبِرْنِي عَنْ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ؛ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ فَقَالَ: كَانَ كُرْسِيُّ سُلَيْمَانَ مِنْ أَنْيَابِ الْفِيَلَةِ مُفَصّصاً بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَاللُّؤْلُؤِ. وَقَدْ جُعل لَهُ دَرَجَةً مِنْهَا مُفَصّصة بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ ثُمَّ أَمَرَ بِالْكُرْسِيِّ فحُفّ مِنْ جَانِبَيْهِ بِالنَّخْلِ، نَخْلٌ مِنْ ذَهَبٍ شَمَارِيخُهَا مِنْ يَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ وَلُؤْلُؤٍ. وَجُعِلَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ الَّتِي عَنْ يَمِينِ الْكُرْسِيِّ طَوَاوِيسُ مَنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ جُعِلَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ الَّتِي عَلَى يَسَارِ الْكُرْسِيِّ نُسُورٌ مَنْ ذَهَبٍ مُقَابَلَةَ الطَّوَاوِيسِ، وَجُعِلَ على يمين الدرجة الأولى شَجَرَتَا صَنَوْبَرٍ مَنْ ذَهَبٍ، وَعَنْ يَسَارِهَا أَسَدَانِ مَنْ ذَهَبٍ وَعَلَى رُءُوسِ الْأَسَدَيْنِ عَمُودَانِ مِنْ زَبَرْجَدٍ وَجُعِلَ مِنْ جَانِبَيِ الْكُرْسِيِّ شَجَرَتَا كَرْمٍ مَنْ ذَهَبٍ قَدْ أَظَلَّتَا الْكُرْسِيَّ وَجُعِلَ عَنَاقِيدُهُمَا دُرًّا وَيَاقُوتًا أَحْمَرَ. ثُمَّ جُعل فَوْقَ دَرَج الْكُرْسِيِّ أسَدَان عَظِيمَانِ مِنْ ذَهَبٍ مُجَوَّفَانِ مَحْشُوَّانِ مِسْكًا وَعَنْبَرًا. فَإِذَا أَرَادَ سُلَيْمَانُ أَنْ يَصْعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ اسْتَدَارَ الْأَسَدَانِ سَاعَةً ثُمَّ يَقَعَانِ [[في ت: "يقفان".]] فَيَنْضَحَانِ مَا فِي أَجْوَافِهِمَا مِنَ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ حَوْلَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ يُوضَعُ مِنْبَرَانِ مِنْ ذَهَبٍ وَاحِدٌ لِخَلِيفَتِهِ وَالْآخِرُ لِرَئِيسِ أَحْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ. ثُمَّ يُوضَعُ أَمَامَ كُرْسِيِّهِ سَبْعُونَ مِنْبَرًا مِنْ ذَهَبٍ يَقْعُدُ عَلَيْهَا سَبْعُونَ قَاضِيًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعُلَمَائِهِمْ وَأَهْلِ الشَّرَفِ مِنْهُمْ وَالطَوْلِ وَمِنْ خَلْفِ تِلْكَ الْمَنَابِرِ كُلِّهَا خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ مِنْبَرًا مِنْ ذَهَبٍ لَيْسَ عَلَيْهَا أَحَدٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَصْعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَضَعَ قَدَمَيْهِ عَلَى الدَّرَجَةِ السُّفْلَى فَاسْتَدَارَ الْكُرْسِيُّ كُلُّهُ بِمَا فِيهِ وَمَا عَلَيْهِ، وَيَبْسُطُ الْأَسَدُ يَدَهُ الْيُمْنَى وَيَنْشُرُ النَّسْرُ جَنَاحَهُ الْأَيْسَرَ ثُمَّ يَصْعَدُ [سُلَيْمَانُ] [[زيادة من ت، أ.]] عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ فَيَبْسُطُ الْأَسَدُ يَدَهُ الْيُسْرَى وَيَنْشُرُ النَّسْرُ جَنَاحَهُ الْأَيْمَنَ فَإِذَا اسْتَوَى سُلَيْمَانُ عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ وَقَعَدَ عَلَى الْكُرْسِيِّ أَخَذَ نَسْرٌ مِنْ تِلْكَ النُّسُورِ عَظِيمٌ تَاجَ سُلَيْمَانَ فَوَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَإِذَا وَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ اسْتَدَارَ الْكُرْسِيُّ بِمَا فِيهِ كَمَا تَدُورُ الرَّحَى الْمُسْرِعَةُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَمَا الَّذِي يُدِيرُهُ يَا أَبَا إِسْحَاقَ؟ قَالَ: تِنِّينٌ مِنْ ذَهَبِ ذَلِكَ الْكُرْسِيِّ عَلَيْهِ وَهُوَ عَظِيمٌ مِمَّا عَمِلَهُ صَخْرٌ الْجِنِّيُّ فَإِذَا أَحَسَّتْ بِدَوَرَانِهِ تِلْكَ النُّسُورُ والأسْدُ وَالطَّوَاوِيسُ الَّتِي فِي أَسْفَلِ الْكُرْسِيِّ دُرْنَ إِلَى أَعْلَاهُ فَإِذَا وَقَفَ وَقَفْنَ كُلُّهُنَّ مُنَكِّسَاتٍ رُءُوسَهُنَّ عَلَى رَأْسِ سُلَيْمَانَ [ابْنِ دَاوُدَ] [[زيادة من أ.]] عَلَيْهِ [[في أ: "عليهما".]] السَّلَامُ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ يَنْضَحْنَ جَمِيعًا مَا فِي أَجْوَافِهِنَّ مِنَ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ عَلَى رَأْسِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثُمَّ تَتَنَاوَلُ حَمَامَةٌ مَنْ ذَهَبٍ وَاقِفَةٌ عَلَى عَمُودٍ مِنْ جَوْهَرٍ التوراةَ فَتَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ فَيَقْرَؤُهَا سُلَيْمَانُ عَلَى النَّاسِ. وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ [[في ت: "الحديث".]] وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أَيْ: لَا يَصْلُحُ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْلُبَنِيهِ كَمَا كَانَ مِنْ قَضِيَّةِ [[في ت: "في قصة"، وفي أ: "من قصة".]] الْجَسَدِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَى كُرْسِيِّهِ لَا أَنَّهُ يَحْجُرُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ النَّاسِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سَأَلَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مُلْكًا لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ مِنَ الْبَشَرِ مِثْلُهُ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ مِنَ الْآيَةِ وَبِهِ [[في ت، س، أ: "وبذلك".]] وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ [[في ت: "فروى".]] الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّت عَلَيَّ الْبَارِحَةَ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا-لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ وَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصبحوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ قَالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خَاسِئًا [[صحيح البخاري برقم (٤٨٠٨) .]] وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٥٤١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٤٠) .]] وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ المُرَادي حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ حَدَّثَنِي رَبِيعَةَ بْنِ يَزيد عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ". ثُمَّ قَالَ: "أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ" -ثَلَاثًا-وَبَسَطَ يَدَه كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَرَأَيْنَاكَ بَسَطَتْ يَدَكَ؟ قَالَ: "إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ. فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَرَدْتُ أخْذَه وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ صِبْيَانُ [[في ت، س، أ: "ولدان".]] أَهْلِ الْمَدِينَةِ" [[صحيح مسلم برقم (٥٤٢) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مَيْسَرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ حَاجِبُ سُلَيْمَانَ قَالَ: رَأَيْتُ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ قَائِمًا يُصَلِّي، فَذَهَبْتُ أَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَرَدَّنِي ثُمَّ قَالَ [[في ت: "بإسناده".]] حَدَّثَنِي [[في ت: "عن".]] أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ يُصَلِّي [[في ت: "فصلى".]] صَلَاةَ الصُّبْحِ وَهُوَ خَلْفُهُ فَقَرَأَ فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صِلَاتِهِ قَالَ: "لَوْ رَأَيْتُمُونِي وَإِبْلِيسَ فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي فَمَا زِلْتُ أَخْنُقُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لُعَابِهِ بَيْنَ أُصْبُعَيَّ هَاتَيْنِ -الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا-وَلَوْلَا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ [[في ت: "أصبح".]] مَرْبُوطًا بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، يَتَلَاعَبُ بِهِ صِبْيَانُ الْمَدِينَةِ فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ أَحَدٌ فَلْيَفْعَلْ". وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْهُ: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ أَحَدٌ فَلْيَفْعَلْ" عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي سُرَيج عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ بِهِ [[المسند (٣/٨٣) وسنن أبي داود برقم (٦٩٩) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَهُوَ فِي حَائِطٍ لَهُ بِالطَّائِفِ يُقَالُ لَهُ: "الْوَهْطُ"، وَهُوَ مُخَاصر فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ يُزَنّ بشُرْب الْخَمْرِ، فَقُلْتُ: بَلَغَنِي عَنْكَ حَدِيثٌ أَنَّهُ "مِنْ شَرِبِ شَرْبَةَ خَمْر لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-لَهُ تَوبَةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَإِنَّهُ مَنْ أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ لا يَنْهَزه إلا الصلاة فيه، خرج مِنْ خَطِيئَتِهِ مِثْلَ يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، فَلَمَّا سَمِعَ الْفَتَى ذَكْرَ الْخَمْرِ اجْتَذَبَ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ انْطَلَقَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو [[في أ: "عمرو رضي الله عنهما".]] إِنِّي لَا أُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ عَلَيّ مَا لَمْ أَقُلْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ شَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ شَرْبَةً لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِنْ [[في أ: "وإن".]] عَادَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَإِنْ عَادَ -قَالَ فَلَا أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ-فَإِنْ عَادَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ رَدْغَة الْخَبَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" قَالَ: وَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ اهْتَدَى وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ فَلِذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] أَقُولُ جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" وَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ سُلَيْمَانَ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى ثَلَاثًا فَأَعْطَاهُ اثْنَتَيْنِ وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ تَكُونَ لَنَا الثَّالِثَةُ: سَأَلَهُ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَسَأَلَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَسَأَلَهُ أَيُّمَا رَجُلٍ خَرَجَ مَنْ بَيْتِهِ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ خَرَجَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ [[في ت، س، أ: "مثل يوم".]] وَلَدَتْهُ أُمُّهُ فَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى [[في ت، س، أ: "عز وجل".]] قَدْ أَعْطَانَا إِيَّاهَا" [[المسند (٢/١٧٦) .]] وَقَدْ رَوَى هَذَا الْفَصْلَ الْأَخِيرَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلِمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَأَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خِلَالًا ثَلَاثًا ... " وَذَكَرَهُ [[سنن النسائي (٢/٤٣) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٠٨) .]] وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِإِسْنَادٍ وَسِيَاقٍ غَرِيبَيْنِ فَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبة الْعَسْقَلَانِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْد حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَة عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ [[في ت: "وروى الطبراني بإسناده".]] عَنْ رَافِعِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِدَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْضِ. فَبَنَى دَاوُدُ [[في ت: "داود عليه السلام".]] بَيْتًا لِنَفْسِهِ قَبْلَ الْبَيْتِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا دَاوُدُ نَصَبْتَ بَيْتَكَ قَبْلَ بَيْتِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ هَكَذَا قَضَيْتَ [[في ت، س، أ: "هكذا قلت فيما قضيت".]] مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ ثُمَّ أَخَذَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا تَمَّ السُّورَ سَقَطَ ثَلَاثًا فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: يَا دَاوُدُ [[في ت، أ: "فأوحى الله إليه"]] إِنَّكَ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَبْنِيَ لِي بَيْتًا قَالَ: وَلِمَ يَا رَبِّ؟ قَالَ: لِمَا جَرَى عَلَى يَدَيْكَ مِنَ الدِّمَاءِ. قَالَ: يَا رَبِّ أَوْ مَا كَانَ [[في ت، س، أ: "أو لم يكن".]] ذَلِكَ فِي هَوَاكَ وَمَحَبَّتِكَ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنَّهُمْ عِبَادِي وَأَنَا أَرْحَمُهُمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: لَا تَحْزَنْ فَإِنِّي سَأَقْضِي بِنَاءَهُ عَلَى يَدَيِ ابْنِكَ سُلَيْمَانَ. فَلَمَّا مَاتَ دَاوُدُ أَخْذَ سُلَيْمَانُ فِي بِنَائِهِ فَلَمَّا تَمَّ قَرَّبَ الْقَرَابِينَ وَذَبَحَ الذَّبَائِحَ وَجَمَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: قَدْ أَرَى سرورَك بِبُنْيَانِ بَيْتِي فَسَلْنِي أُعْطِكَ. قَالَ: أَسْأَلُكَ ثَلَاثَ خِصَالٍ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَكَ وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي وَمَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ لَا يُرِيدُ إلا الصلاة فيه خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما ثِنْتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ" [[المعجم الكبير (٥/٢٤) قال الهيثمي في المجمع (٤/٨) : "فيه محمد بن أيوب بن سويد الرملي وهو متهم بالوضع".]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا عُمَر بْنُ رَاشِدٍ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا دُعَاءً إِلَّا اسْتَفْتَحَهُ بِـ "سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّي الْأَعْلَى الْعَلِيِّ الْوَهَّابِ" [[المسند (٤/٥٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/١٥٦) : "فيه عمر بن راشد اليمامي وثقه غير واحد، وبقية رجاله رجال الصحيح".]] وَقَدْ قَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو عَبِيدٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَرْقان عَنْ صَالِحِ بْنِ مِسْمَارٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ نَبِيُّ اللَّهِ دَاوُدُ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى ابْنِهِ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِمَا [[في ت، أ: "عليه".]] السَّلَامُ: أَنْ سَلْنِي حَاجَتَكَ. قَالَ: أَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ لِي قَلْبًا يَخْشَاكَ كَمَا كَانَ قَلْبُ أَبِي وَأَنْ تَجْعَلَ قَلْبِي يُحِبُّكَ كَمَا كَانَ قَلْبُ أَبِي. فَقَالَ اللَّهُ: أَرْسَلْتُ إِلَى عَبْدِي وَسَأَلَتْهُ [[في ت، س: "أسأله".]] حَاجَتَهُ فَكَانَتْ [حَاجَتُهُ] [[زيادة من ت، س.]] أَنْ أَجْعَلَ قَلْبَهُ يَخْشَانِي وَأَنْ أَجْعَلَ قَلْبَهُ يُحِبُّنِي لأهَبَنّ لَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ وَالَّتِي بَعْدَهَا، قَالَ: فَأَعْطَاهُ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] مَا أَعْطَاهُ وَفِي الْآخِرَةِ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ. هَكَذَا أَوْرَدَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي تَارِيخِهِ [[تاريخ دمشق (٧/٥٦٩) "القسم المخطوط".]] وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ دَاوُدَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] أَنَّهُ قَالَ: "إِلَهِي كُنْ لِسُلَيْمَانَ كَمَا كُنْتَ لِي": فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنْ قُلْ لِسُلَيْمَانَ: يَكُونُ لِي كَمَا كُنْتَ لِي، أَكُونُ لَهُ كَمَا كنتُ لَكَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمَّا عَقَرَ سُلَيْمَانُ الْخَيْلَ غَضَبًا لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ عَوَّضَهُ اللَّهُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَسْرَعُ الرِّيحُ الَّتِي غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أَيْ: حَيْثُ أَرَادَ مِنَ الْبِلَادِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ أَيْ: مِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْأَبْنِيَةِ الْهَائِلَةِ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجَفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْبَشَرُ وَطَائِفَةٌ غَوَّاصُونَ فِي الْبِحَارِ يَسْتَخْرِجُونَ مِمَّا [[في ت: "ما".]] فِيهَا مِنَ اللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْأَشْيَاءِ النَّفِيسَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ إِلَّا فِيهَا ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ أَيْ: مُوثَقُونَ فِي الْأَغْلَالِ وَالْأَكْبَالِ مِمَّنْ قَدْ تَمَرّد وَعَصَى وَامْتَنَعَ مِنَ الْعَمَلِ وَأَبَى أَوْ قَدْ أَسَاءَ فِي صنيعه واعتدى. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْنَاكَ مِنَ الْمُلْكِ التَّامِّ وَالسُّلْطَانِ الْكَامِلِ كَمَا سَأَلْتَنَا فَأَعْطِ مَنْ شِئْتَ وَاحْرِمْ مَنْ شِئْتَ، لَا حِسَابَ عَلَيْكَ، أَيْ: مَهْمَا فعلتَ فَهُوَ جَائِزٌ لَكَ احْكُمْ بِمَا شِئْتَ فَهُوَ صَوَابٌ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[في أ: "الصحيح".]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خُيِّر بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا -وَهُوَ الَّذِي يَفْعَلُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ قَاسِمٌ يَقْسِمُ بَيْنَ النَّاسِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ-وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا نَبِيًّا يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَاءُ بِلَا حِسَابٍ وَلَا جُنَاحٍ، اخْتَارَ الْمَنْزِلَةَ الْأُولَى بَعْدَ مَا اسْتَشَارَ جِبْرِيلَ فَقَالَ لَهُ: تَوَاضَعْ فَاخْتَارَ الْمَنْزِلَةَ الْأُولَى لِأَنَّهَا أَرْفَعُ قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ وَأَعْلَى مَنْزِلَةً فِي الْمَعَادِ وَإِنْ كَانَتِ الْمَنْزِلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ النُّبُوَّةُ مَعَ الْمُلْكِ عَظِيمَةً أَيْضًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا أَعْطَى سُلَيْمَانَ فِي الدُّنْيَا نَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْضًا، فَقَالَ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: فاستجبنا له دعاءه، فأعطيناه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ مكان الخيل التي شغلته عن الصلاة ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ يعني: رِخوة لينة، وهي من الرخاوة. كما:- ⁕ حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا عوف، عن الحسن، أن نبي الله سليمان ﷺ لما عرضت عليه الخيل، فشغله النظر إليها عن صلاة العصر ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ فغضب لله، فأمر بها فعُقرت، فأبدله الله مكانها أسرع منها، سخر الريح تجري بأمره رُخاء حيث شاء، فكان يغدو من إيلياء، ويقيل بقزوين، ثم يروح من قَزْوين ويبيت بكابُل. ⁕ حُدثت عن الحسن، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فإنه دعا يوم دعا ولم يكن في مُلكه الريح، وكل بناء وغواص من الشياطين، فدعا ربه عند توبته واستغفاره، فوهب الله له ما سأل، فتمّ مُلكه. واختلف أهل التأويل في معنى الرخاء، فقال فيه بعضهم نحو الذي قلنا فيه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قال: طَيِّبة. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: سريعة طيبة، قال: ليست بعاصفة ولا بطيئة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿رُخَاءً﴾ قال: الرخاء اللينة. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن الحسن، في قوله ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: ليست بعاصفة، ولا الهَيِّنة بين ذلك رُخاء. وقال آخرون: معنى ذلك: مطيعة لسليمان. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن على، عن ابن عباس، قوله ﴿رُخَاءً﴾ يقول: مُطيعة له. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قال: يعني بالرُّخاء: المطيعة. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قال: مطيعة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿رُخَاءً﴾ يقول: مطيعة. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿رُخَاءً﴾ قال: طوعا. * * وقوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ يقول: حيث أراد، من قولهم: أصاب الله بك خيرا: أي أراد الله بك خيرا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ عن ابن عباس، قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ يقول: حيث أراد. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ يقول: حيث أراد، انتهى عليها. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال. ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث شاء. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث أراد. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: إلى حيث أراد. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث أراد. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ : أي حيث أراد. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث أراد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث أراد. * * وقوله ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ يقول تعالى ذكره: وسخرنا له الشياطين سلطناه عليها مكان ما ابتُليناه بالذي ألقينا على كرسيّه منها يستعملها فيما يشاء من أعماله من بنَّاء وغوَّاص؛ فالبُناة منها يصنعون محاريب وتماثيل، والغاصة يستخرجون له الحُلِيّ من البحار، وآخرون ينحتون له جِفانا وقدورا، والمَردَة في الأغلال مُقَرَّنون. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ قال: يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل، وغوّاص يستخرجون الحليّ من البحر ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ قال: مردة الشياطين في الأغلال. ⁕ حُدثت عن المحاربيّ، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ قال: لم يكن هذا في ملك داود، أعطاه الله ملك داود وزاده الريح ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ يقول: في السلاسل. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿الأصْفَادِ﴾ قال: تجمع اليدين إلى عنقه، والأصفاد: جمع صَفَد وهي الأغلال. * * وقوله ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ اختلف أهل التأويل في المشار إليه بقوله ﴿هَذَا﴾ من العطاء، وأيّ عطاء أريد بقوله: عَطاؤنا، فقال بعضهم: عني به الملك الذي أعطاه الله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: قال الحسن: الملك الذي أعطيناك فأعط ما شئت وامنع ما شئت. ⁕ حدثنا عن المحاربي، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ : هذا ملكنا. وقال آخرون: بل عَنَى بذلك تسخيره له الشياطين، وقالوا: ومعنى الكلام: هذا الذي أعطيناك من كلّ بنّاء وغوّاص من الشياطين، وغيرهم عطاؤنا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: هؤلاء الشياطين احبس من شئت منهم فى وثاقك وفي عذابك أو سرِّح من شئت منهم تتخذ عنده يدًا، اصنع ما شئت. وقال آخرون: بل ذلك ما كان أوتي من القوّة على الجماع. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن أبي يوسف، عن سعيد بن طريف، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان سليمان في ظهره ماءُ مِئَة رجل، وكان له ثلاث مِئَة امرأة وتسع مِئَة سُرِّيَّة ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب القولُ الذي ذكرناه عن الحسن والضحاك من أنه عني بالعطاء ما أعطاه من الملك تعالى ذكره، وذلك أنه جلّ ثناؤه ذكر ذلك عَقِيب خبره عن مسألة نبيه سليمان صلوات الله وسلامه عليه إياه مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، فأخبر أنه سخر له ما لم يُسَخَّر لأحد من بني آدم، وذلك تسخيره له الريح والشياطين على ما وصفت، ثم قال له عزّ ذكره: هذا الذي أعطيناك من المُلك، وتسخيرنا ما سخرنا لك عطاؤنا، ووهبنا لك ما سألتنا أن نهبه لك من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعدك ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ واختلف أهل التأويل في تأويل قوله ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فقال بعضهم: عنى بذلك. فأعط من شئت ما شئت من الملك الذي آتيناك، وامنع ما شئت منه ما شئت، لا حساب عليك في ذلك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ المُلك الذي أعطيناك، فأعط ما شئت وامنع ما شئت، فليس عليك تبعة ولا حساب. ⁕ حُدثت عن المحاربي، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ سأل مُلكا هنيئا لا يُحاسب به يوم القيامة، فقال: ما أعطيت، وما أمسكت، فلا حرج عليك. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرمة ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: أعط أو أمسك، فلا حساب عليك. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿فَامْنُنْ﴾ قال: أعط أو أمسك بغير حساب. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أعْتِق من هؤلاء الشياطين الذين سخرناهم لك من الخدمة، أو من الوَثاق ممن كان منهم مُقَرَّنا في الأصفاد مَنْ شئت واحبس من شئت فلا حرج عليك في ذلك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يقول: هؤلاء الشياطين احبس من شئت منهم في وَثاقك وفي عذابك، وسرح من شئت منهم تتخذ عنده يدًا، اصنع ما شئت لا حساب عليك في ذلك. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يقول: أعتق من الجنّ من شئت، وأمسك من شئت. حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: تَمُنّ على من تشاء منهم فتُعْتِقُهُ، وتُمسِك من شئت فتستخدمه ليس عليك في ذلك حساب. وقال آخرون: بل معنى ذلك: هذا الذي أعطيناك من القوّة على الجماع عطاؤنا، فجامع من شئت من نسائك وجواريك ما شئت بغير حساب، واترك جماع من شئت منهن. وقال آخرون: بل ذلك من المقدم والمؤخر. ومعنى الكلام: هذا عطاؤنا بغير حساب، فامْنُن أو أمسك. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله:"هذا فامنن أو أمسك عطاؤنا بغير حساب". وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من البصريين يقول في قوله ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وجهان؛ أحدهما: بغير جزاء ولا ثواب، والآخر: مِنَّةٍ ولا قِلَّةٍ. والصواب من القول في ذلك ما ذكرته عن أهل التأويل من أن معناه: لا يحاسب على ما أعطى من ذلك المُلك والسلطان. وإنما قلنا ذلك هو الصواب لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه. * * وقوله ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ يقول: وإن لسليمان عندنا لقُرْبةً بإنابته إلينا وتوبته وطاعته لنا، وحُسْنَ مآب: يقول: وحسن مرجع ومصير في الآخرة. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ : أي مصير. إن قال لنا قائل: وما وجه رغبة سليمان إلى ربه في الملك، وهو نبيّ من الأنبياء، وإنما يرغب في الملك أهل الدنيا المؤثِرون لها على الآخرة؟ أم ما وجه مسألته إياه، إذ سأله ذلك مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، وما كان يضرّه أن يكون كلّ من بعده يُؤْتَى مثل الذي أوتي من ذلك؟ أكان به بخل بذلك، فلم يكن من مُلكه، يُعطي ذلك من يعطاه، أم حسد للناس، كما ذُكر عن الحجاج بن يوسف؛ فإنه ذكر أنه قرأ قوله ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فقال: إن كان لحسودًا، فإن ذلك ليس من أخلاق الأنبياء! قيل: أما رغبته إلى ربه فيما يرغب إليه من المُلك، فلم تكن إن شاء الله به رغبةً في الدنيا، ولكن إرادة منه أن يعلم منزلته من الله فى إجابته فيما رغب إليه فيه، وقبوله توبته، وإجابته دعاءه. وأما مسألته ربه مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، فإنا قد ذكرنا فيما مضى قبلُ قولَ من قال: إن معنى ذلك: هب لي مُلكا لا أسلبه كما سلبته قبل. وإنما معناه عند هؤلاء: هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي أن يَسلُبنيه. وقد يتجه ذلك أن يكون بمعنى: لا ينبغي لأحد سواي من أهل زماني، فيكون حجة وعَلَما لي على نبوتي وأني رسولك إليهم مبعوث، إذ كانت الرسل لا بد لها من أعلام تفارق بها سائر الناس سواهم. ويتجه أيضا لأن يكون معناه: وهب لي ملكا تخُصُّني به، لا تعطيه أحدا غيري تشريفا منك لي بذلك، وتكرمة، لتبين منزلتي منك به من منازل من سواي، وليس في وجه من هذه الوجوه مما ظنه الحجاج في معنى ذلك شيء.

Al-Mukhtasar (français)

Nous lui avons également assujetti les démons qui suivaient ses ordres à la lettre: certains étaient des bâtisseurs et d’autres des plongeurs qui s’introduisaient profondément sous la mer pour en extraire des perles.

38

وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ

Et d'autres encore, accouplés dans des chaînes.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أَيِ: اخْتَبَرْنَاهُ بِأَنْ سَلَبْنَاهُ الْمُلْكَ مَرَّةً، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ: يَعْنِي شَيْطَانًا. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أَيْ: [[في ت، س: "ثم".]] رَجَعَ إِلَى مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ وَأُبَّهَتِهِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَانَ اسْمُ ذَلِكَ الشَّيْطَانِ صَخْرًا. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: آصِفُ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقِيلَ: آصِرُوا. قَالَهُ مُجَاهِدٌ أَيْضًا. وَقِيلَ: حبقيقُ. قَالَهُ السُّدِّيُّ. وَقَدْ ذَكَرُوا هَذِهِ الْقِصَّةَ مَبْسُوطَةً وَمُخْتَصَرَةً. وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبة عَنْ قَتَادَةَ: قَالَ أَمَرَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقِيلَ لَهُ: ابْنِهِ وَلَا يُسمَعُ فِيهِ صَوْتُ حَدِيدٍ. فَقَالَ: فَطَلَبَ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ شَيْطَانًا فِي الْبَحْرِ يُقَالُ لَهُ: "صَخْرٌ" شِبْهُ الْمَارِدِ. قَالَ: فَطَلَبَهُ وَكَانَتْ عَيْنٌ فِي الْبَحْرِ يَردهُا فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ مَرَّةً فَنُزِحَ مَاؤُهَا وَجُعِلَ فِيهَا خَمْرٌ، فَجَاءَ يَوْمَ ورْده فَإِذَا هُوَ بِالْخَمْرِ فَقَالَ: إِنَّكِ لَشَرَابٌ طَيِّبٌ إِلَّا أَنَّكِ تُصْبِينَ الْحَلِيمَ، وَتَزِيدِينَ الْجَاهِلَ جَهْلًا. ثُمَّ رَجَعَ حَتَّى عَطِشَ عَطَشًا شَدِيدًا ثُمَّ أَتَاهَا [[في أ: "أتاه".]] فَقَالَ: إِنَّكِ لَشَرَابٌ طَيِّبٌ إِلَّا أَنَّكِ تُصْبِينَ الْحَلِيمَ، وَتَزِيدِينَ الْجَاهِلَ جَهْلًا. ثُمَّ شَرِبَهَا حَتَّى غَلَبَتْ عَلَى عَقْلِهِ، قَالَ: فَأُرِيَ الْخَاتَمَ أَوْ خُتِمَ بِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَذَلَّ. قَالَ: وَكَانَ مُلْكُهُ فِي خَاتَمِهِ فأتي به سليمان فقال: إنه قَدْ أُمِرْنَا بِبِنَاءِ هَذَا الْبَيْتِ وَقِيلَ لَنَا: لَا يُسْمَعَنَّ فِيهِ صَوْتُ حَدِيدٍ. قَالَ: فَأَتَى بِبَيْضِ الْهُدْهُدِ فَجَعَلَ عَلَيْهِ زُجَاجَةً فَجَاءَ الْهُدْهُدُ فَدَارَ حَوْلَهَا، فَجَعَلَ يَرَى بَيْضَهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَذَهَبَ فَجَاءَ بِالْمَاسِ فَوَضَعَهُ عَلَيْهِ فَقَطَعَهَا بِهِ حَتَّى أَفْضَى إِلَى بَيْضِهِ. فَأَخَذَ الْمَاسَ فَجَعَلُوا يَقْطَعُونَ بِهِ الْحِجَارَةَ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ -أَوِ: الْحَمَّامَ-لَمْ يَدْخُلْ بِخَاتَمِهِ فَانْطَلَقَ يَوْمًا إِلَى الْحَمَّامِ وَذَلِكَ الشَّيْطَانُ صَخْرٌ مَعَهُ، وَذَلِكَ عِنْدَ مُقَارَفَةٍ قَارَفَ فِيهِ [[في ت: "فيها".]] بَعْضَ نِسَائِهِ. قَالَ: فَدَخَلَ الْحَمَّامَ وَأَعْطَى الشَّيْطَانَ خَاتَمَهُ فَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ فَالْتَقَمَتْهُ سَمَكَةٌ، وَنُزِعَ مُلك سُلَيْمَانَ مِنْهُ وَأُلْقِيَ عَلَى الشَّيْطَانِ شَبَه سُلَيْمَانَ. قَالَ: فَجَاءَ فَقَعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَسَرِيرِهِ وسُلِّط عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ كُلِّهِ غَيْرَ نِسَائِهِ. قَالَ: فَجَعَلَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ، وَجَعَلُوا يُنْكِرُونَ مِنْهُ أَشْيَاءَ حَتَّى قَالُوا: لَقَدْ فُتِنَ نَبِيُّ اللَّهِ. وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ يُشَبِّهُونَهُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْقُوَّةِ فَقَالَ: وَاللَّهُ لَأُجَرِّبَنَّهُ. قَالَ: فَقَالَ: يَا نَبِيَّ [[في أ: "أنبي".]] اللَّهِ -وَهُوَ لَا يَرَى إِلَّا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ-أَحَدُنَا تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ فَيَدَعُ الْغُسْلَ عَمْدًا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَتُرَى [[في ت: "ترى".]] عَلَيْهِ بَأْسًا؟ فَقَالَ: [[في ت، س: "قال".]] لَا. قَالَ: فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى وَجَدَ نَبِيُّ اللَّهِ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِ سَمَكَةٍ فَأَقْبَلَ فَجَعَلَ لَا يَسْتَقْبِلُهُ جِنِّيٌّ وَلَا طَيْرٌ إِلَّا سَجَدَ لَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: هُوَ الشَّيْطَانُ صَخْرٌ [[تفسير الطبري (٢٣/١٠١) .]] وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أَيِ: ابْتَلَيْنَا سُلَيْمَانَ، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: جَلَسَ الشَّيْطَانُ عَلَى كُرْسِيِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. قَالَ: وَكَانَ لِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِائَةُ امْرَأَةٍ وَكَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ يُقَالُ لَهَا: "جَرَادَةُ"، وَهِيَ آثَرُ نِسَائِهِ وَآمَنُهُنَّ عِنْدَهُ وَكَانَ إِذَا أَجْنَبَ أَوْ أَتَى حَاجَةً [[في أ: "حاجته".]] نَزَعَ خَاتَمَهُ وَلَمْ يَأْتَمِنْ [[في ت: "يأمن".]] عَلَيْهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ غَيْرَهَا فَأَعْطَاهَا يَوْمًا خَاتَمَهُ وَدَخَلَ الْخَلَاءَ فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَتِهِ فَقَالَ: هَاتِي الْخَاتَمَ. فَأَعْطَتْهُ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى مَجْلِسِ سُلَيْمَانَ وَخَرَجَ سُلَيْمَانُ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلَهَا أَنْ تُعْطِيَهِ خَاتَمَهُ، فَقَالَتْ: أَلَمْ تَأْخُذْهُ قَبْلُ؟ قَالَ: لَا. وَخَرَجَ مَكَانَهُ تَائِهًا. قَالَ: وَمَكَثَ الشَّيْطَانُ يُحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، قَالَ: فَأَنْكَرَ النَّاسُ أَحْكَامَهُ فَاجْتَمَعَ قُرَّاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعُلَمَاؤُهُمْ فَجَاءُوا حَتَّى دَخَلُوا عَلَى نِسَائِهِ فَقَالُوا: إِنَّا قَدْ أَنْكَرْنَا هَذَا فَإِنْ كَانَ سُلَيْمَانَ فَقَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ وَأَنْكَرْنَا أَحْكَامَهُ. قَالَ: فَبَكَى النِّسَاءُ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ: فَأَقْبَلُوا يَمْشُونَ حَتَّى أَتَوْا [[في أ: "أتوه".]] فَأَحْدَقُوا بِهِ ثُمَّ نَشَرُوا التَّوْرَاةَ فَقَرَءُوا. قَالَ: فَطَارَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ حَتَّى وَقَعَ عَلَى شُرْفَةٍ وَالْخَاتَمُ مَعَهُ. ثُمَّ طَارَ حَتَّى ذَهَبَ إِلَى الْبَحْرِ فَوَقَعَ الْخَاتَمُ مِنْهُ فِي الْبَحْرِ فَابْتَلَعَهُ حُوتٌ مِنْ حِيتَانِ الْبَحْرِ. قَالَ: وَأَقْبَلَ سُلَيْمَانُ فِي حَالِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى صَيَّادٍ مِنْ صَيَّادِي [[في ت، س، أ: "صيادين".]] الْبَحْرِ وَهُوَ جَائِعٌ وَقَدِ اشْتَدَّ جُوعُهُ. فَاسْتَطْعَمَهُمْ مِنْ صَيْدِهِمْ وَقَالَ: إِنِّي أَنَا سُلَيْمَانُ. فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَضَرَبَهُ بِعَصًا فَشَجَّهُ فَجَعَلَ يَغْسِلُ دَمَهُ وَهُوَ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ فَلَامَ الصَّيَّادُونَ صَاحِبَهُمُ الَّذِي ضَرَبَهُ فَقَالُوا بِئْسَ مَا صَنَعْتَ حيث ضربته. قال: إنه زَعَمَ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ. قَالَ: فَأَعْطَوْهُ سَمَكَتَيْنِ مِمَّا قَدْ مَذِرَ عِنْدَهُمْ فَلَمْ يَشْغَلْهُ مَا كَانَ بِهِ مِنَ الضَّرْبِ حَتَّى قَامَ إِلَى شَطِّ الْبَحْرِ فَشَقَّ بُطُونَهُمَا فَجَعَلَ يَغْسِلُ [دَمَهُ] [[زيادة من أ.]] فَوَجَدَ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِ إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَهُ فَلَبِسَهُ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَهَاءَهُ وَمُلْكَهُ، وَجَاءَتِ الطَّيْرُ حَتَّى حَامَتْ عَلَيْهِ فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَامَ الْقَوْمُ يَعْتَذِرُونَ مِمَّا صَنَعُوا [بِهِ] [[زيادة من أ.]] فَقَالَ: مَا أَحْمَدُكُمْ عَلَى عُذْرِكُمْ وَلَا أَلُومُكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ، كَانَ هَذَا الْأَمْرُ لَا بُدَّ مِنْهُ. قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى أَتَى مُلْكَهُ وَأَرْسَلَ إِلَى الشَّيْطَانِ فَجِيءَ بِهِ فَأَمَرَ بِهِ فَجُعِلَ فِي صُنْدُوقٍ مِنْ حَدِيدٍ، ثُمَّ أَطْبَقَ عَلَيْهِ وَقَفَلَ عَلَيْهِ بِقُفْلٍ وَخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِهِ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُلْقِي فِي الْبَحْرِ فَهُوَ فِيهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. وَكَانَ اسْمُهُ حبقيقُ قَالَ: وَسَخَّرَ [[في ت، أ: "وسخرت".]] لَهُ الرِّيحَ وَلَمْ تَكُنْ سُخِّرَتْ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [[تفسير الطبري (٢٣/١٠١) .]] وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ: آصِفُ. فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: كَيْفَ تَفْتِنُونَ النَّاسَ؟ قَالَ: أَرِنِي خَاتَمَكَ أُخْبِرْكَ. فَلَمَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ نَبَذَهُ آصِفُ فِي الْبَحْرِ فَسَاحَ سُلَيْمَانُ وَذَهَبَ مُلْكُهُ، وَقَعَدَ آصِفُ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَمَنَعَهُ اللَّهُ نِسَاءَ سُلَيْمَانَ فَلَمْ يَقْرَبْهُنَّ -وَلَمْ يَقْرَبْنَهُ وَأَنْكَرْنَهُ. قَالَ: فَكَانَ سُلَيْمَانُ يَسْتَطْعِمُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُونِي؟ أَطْعِمُونِي أَنَا سُلَيْمَانُ فَيُكَذِّبُونَهُ، حَتَّى أَعْطَتْهُ امْرَأَةٌ يَوْمًا حُوتًا فَجَعَلَ يُطَيِّبُ بَطْنَهُ، فَوَجَدَ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِهِ فَرَجَعَ إِلَيْهِ مُلْكُهُ وَفَرَّ آصِفُ فَدَخَلَ الْبَحْرَ فَارًّا. وَهَذِهِ كُلُّهَا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ وَمِنْ أَنْكَرِهَا مَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشِ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قَالَ: أَرَادَ سُلَيْمَانُ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ فَأَعْطَى الْجَرَادَةَ خَاتَمَهُ -وَكَانَتِ الْجَرَادَةُ [[في ت: "جرادة".]] امْرَأَتَهُ وَكَانَتْ أَحَبَّ نِسَائِهِ إِلَيْهِ-فَجَاءَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ سُلَيْمَانَ فَقَالَ لَهَا: هَاتِي خَاتَمِي. فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ. فَلَمَّا لَبِسَهُ دَانَتْ لَهُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ [[في أ: "والجن والطير".]] وَالشَّيَاطِينُ فَلَمَّا خَرَجَ سُلَيْمَانُ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ لَهَا: هَاتِي خَاتَمِي. قَالَتْ: قَدْ أَعْطَيْتُهُ سُلَيْمَانَ. قَالَ: أَنَا سُلَيْمَانُ. قَالَتْ: كَذَبْتَ لَسْتَ سُلَيْمَانَ [[في ت: "بسليمان".]] فَجَعَلَ لَا يَأْتِي أَحَدًا يَقُولُ لَهُ: "أَنَا سُلَيْمَانُ"، إِلَّا كَذَّبَهُ حَتَّى جَعَلَ [[في أ: "جاء".]] الصِّبْيَانُ يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَرَف أَنَّهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: وَقَامَ الشَّيْطَانُ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى سُلَيْمَانَ سُلْطَانَهُ أَلْقَى فِي قُلُوبِ النَّاسِ إِنْكَارَ ذَلِكَ الشَّيْطَانِ. قَالَ: فَأَرْسَلُوا إِلَى نِسَاءِ سُلَيْمَانَ فَقَالُوا لَهُنَّ: أَتُنْكِرْنَ مِنْ سُلَيْمَانَ شَيْئًا؟ قُلْنَ: نَعَمْ إِنَّهُ يَأْتِينَا وَنَحْنُ حُيَّضٌ وَمَا كَانَ يَأْتِينَا قَبْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّيْطَانُ أَنَّهُ قَدْ فَطِنَ لَهُ [[في ت: "أنه فطن له".]] ظَنَّ أَنَّ أَمْرَهُ قَدِ انْقَطَعَ فَكَتَبُوا كُتُبًا فِيهَا سِحْرٌ وَكُفْرٌ، فَدَفَنُوهَا تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ ثُمَّ أَثَارُوهَا وقرءوها على الناس. وقالوا: بِهَذَا كَانَ يَظْهَرُ سُلَيْمَانُ عَلَى النَّاسِ [وَيَغْلِبُهُمْ] [[زيادة من أ.]] فَأَكْفَرَ النَّاسُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَمْ يَزَالُوا يُكَفِّرُونَهُ وَبَعَثَ ذَلِكَ الشيطانُ بِالْخَاتَمِ فَطَرَحَهُ فِي الْبَحْرِ فَتَلَقَّتْهُ سَمَكَةٌ فَأَخَذَتْهُ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ يَحْمِلُ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ بِالْأَجْرِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَاشْتَرَى سَمَكًا فِيهِ تِلْكَ السَّمَكَةُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا الْخَاتَمُ فَدَعَا سُلَيْمَانُ فَقَالَ: تَحْمِلُ لِي هَذَا السَّمَكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: بِكَمْ؟ قَالَ بِسَمَكَةٍ مِنْ هَذَا السَّمَكِ. قَالَ: فَحَمَلَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ السَّمَكَ ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمَّا انْتَهَى الرَّجُلُ إِلَى بَابِهِ أَعْطَاهُ تِلْكَ السَّمَكَةَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا الْخَاتَمُ فَأَخَذَهَا سُلَيْمَانُ فَشَقَّ بَطْنَهَا، فَإِذَا الْخَاتَمُ فِي جَوْفِهَا فَأَخَذَهُ فَلَبِسَهُ. قَالَ: فَلَمَّا لَبِسَهُ دَانَتْ لَهُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَالشَّيَاطِينُ وَعَادَ إِلَى حَالِهِ وَهَرب الشَّيْطَانُ حَتَّى دَخَلَ جَزِيرَةً [[في ت: "لحق بجزيرة".]] مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ فَأَرْسَلَ سُلَيْمَانُ فِي طَلَبِهِ وَكَانَ شَيْطَانًا مَرِيدًا فَجَعَلُوا يَطْلُبُونَهُ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ حَتَّى وَجَدُوهُ يَوْمًا نَائِمًا فَجَاءُوا فَبَنَوْا عَلَيْهِ بُنْيَانًا مِنْ رَصَاصٍ فَاسْتَيْقَظَ فَوَثَبَ فَجَعَلَ لَا يَثِبُ فِي مَكَانٍ من البيت إلا أنماط معه من الرَّصَاصُ قَالَ: فَأَخَذُوهُ فَأَوْثَقُوهُ وَجَاءُوا بِهِ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَأَمَرَ بِهِ فَنُقِرَ [[في ت: "فثقب".]] لَهُ تَخْتٌ مِنْ رُخَامٍ ثُمَّ أُدْخِلَ فِي جَوْفِهِ ثُمَّ سُدَّ بِالنُّحَاسِ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَطُرِحَ فِي الْبَحْرِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قَالَ: يَعْنِي الشَّيْطَانَ الَّذِي كَانَ سُلِّطَ عَلَيْهِ. إِسْنَادُهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَوِيٌّ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إِنَّمَا تَلَقَّاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -إِنْ صَحَّ عَنْهُ-مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَفِيهِمْ طَائِفَةٌ لَا يَعْتَقِدُونَ نُبُوَّةَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَيْهِ وَلِهَذَا كَانَ فِي السِّيَاقِ مُنْكَرَاتٌ مِنْ أَشَدِّهَا ذِكْرُ النِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ [[في أ: "فإن المشهور عن مجاهد وغير واحد من السلف أن".]] ذَلِكَ الْجِنِّيَّ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَى نِسَاءِ سُلَيْمَانَ بَلْ عَصَمَهُنَّ اللَّهُ مِنْهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا لِنَبِيِّهِ ﷺ، وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ مُطَوَّلَةً عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَجَمَاعَةٍ آخَرِينَ وَكُلُّهَا متُلقًّاة مِنْ قَصَصِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيُّ: وَجَدَ سُلَيْمَانُ خَاتَمَهُ فِي عَسْقَلَانَ، فَمَشَى فِي خِرْقَةٍ [[في أ: "بحرقة".]] إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي صِفَةِ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَبَرًا عَجِيبًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاقَ الْمِصْرِيُّ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ؛ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ حَدِيثِ "إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ" قَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ أَخْبِرْنِي عَنْ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ؛ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ فَقَالَ: كَانَ كُرْسِيُّ سُلَيْمَانَ مِنْ أَنْيَابِ الْفِيَلَةِ مُفَصّصاً بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَاللُّؤْلُؤِ. وَقَدْ جُعل لَهُ دَرَجَةً مِنْهَا مُفَصّصة بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ ثُمَّ أَمَرَ بِالْكُرْسِيِّ فحُفّ مِنْ جَانِبَيْهِ بِالنَّخْلِ، نَخْلٌ مِنْ ذَهَبٍ شَمَارِيخُهَا مِنْ يَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ وَلُؤْلُؤٍ. وَجُعِلَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ الَّتِي عَنْ يَمِينِ الْكُرْسِيِّ طَوَاوِيسُ مَنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ جُعِلَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ الَّتِي عَلَى يَسَارِ الْكُرْسِيِّ نُسُورٌ مَنْ ذَهَبٍ مُقَابَلَةَ الطَّوَاوِيسِ، وَجُعِلَ على يمين الدرجة الأولى شَجَرَتَا صَنَوْبَرٍ مَنْ ذَهَبٍ، وَعَنْ يَسَارِهَا أَسَدَانِ مَنْ ذَهَبٍ وَعَلَى رُءُوسِ الْأَسَدَيْنِ عَمُودَانِ مِنْ زَبَرْجَدٍ وَجُعِلَ مِنْ جَانِبَيِ الْكُرْسِيِّ شَجَرَتَا كَرْمٍ مَنْ ذَهَبٍ قَدْ أَظَلَّتَا الْكُرْسِيَّ وَجُعِلَ عَنَاقِيدُهُمَا دُرًّا وَيَاقُوتًا أَحْمَرَ. ثُمَّ جُعل فَوْقَ دَرَج الْكُرْسِيِّ أسَدَان عَظِيمَانِ مِنْ ذَهَبٍ مُجَوَّفَانِ مَحْشُوَّانِ مِسْكًا وَعَنْبَرًا. فَإِذَا أَرَادَ سُلَيْمَانُ أَنْ يَصْعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ اسْتَدَارَ الْأَسَدَانِ سَاعَةً ثُمَّ يَقَعَانِ [[في ت: "يقفان".]] فَيَنْضَحَانِ مَا فِي أَجْوَافِهِمَا مِنَ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ حَوْلَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ يُوضَعُ مِنْبَرَانِ مِنْ ذَهَبٍ وَاحِدٌ لِخَلِيفَتِهِ وَالْآخِرُ لِرَئِيسِ أَحْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ. ثُمَّ يُوضَعُ أَمَامَ كُرْسِيِّهِ سَبْعُونَ مِنْبَرًا مِنْ ذَهَبٍ يَقْعُدُ عَلَيْهَا سَبْعُونَ قَاضِيًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعُلَمَائِهِمْ وَأَهْلِ الشَّرَفِ مِنْهُمْ وَالطَوْلِ وَمِنْ خَلْفِ تِلْكَ الْمَنَابِرِ كُلِّهَا خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ مِنْبَرًا مِنْ ذَهَبٍ لَيْسَ عَلَيْهَا أَحَدٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَصْعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَضَعَ قَدَمَيْهِ عَلَى الدَّرَجَةِ السُّفْلَى فَاسْتَدَارَ الْكُرْسِيُّ كُلُّهُ بِمَا فِيهِ وَمَا عَلَيْهِ، وَيَبْسُطُ الْأَسَدُ يَدَهُ الْيُمْنَى وَيَنْشُرُ النَّسْرُ جَنَاحَهُ الْأَيْسَرَ ثُمَّ يَصْعَدُ [سُلَيْمَانُ] [[زيادة من ت، أ.]] عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ فَيَبْسُطُ الْأَسَدُ يَدَهُ الْيُسْرَى وَيَنْشُرُ النَّسْرُ جَنَاحَهُ الْأَيْمَنَ فَإِذَا اسْتَوَى سُلَيْمَانُ عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ وَقَعَدَ عَلَى الْكُرْسِيِّ أَخَذَ نَسْرٌ مِنْ تِلْكَ النُّسُورِ عَظِيمٌ تَاجَ سُلَيْمَانَ فَوَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَإِذَا وَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ اسْتَدَارَ الْكُرْسِيُّ بِمَا فِيهِ كَمَا تَدُورُ الرَّحَى الْمُسْرِعَةُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَمَا الَّذِي يُدِيرُهُ يَا أَبَا إِسْحَاقَ؟ قَالَ: تِنِّينٌ مِنْ ذَهَبِ ذَلِكَ الْكُرْسِيِّ عَلَيْهِ وَهُوَ عَظِيمٌ مِمَّا عَمِلَهُ صَخْرٌ الْجِنِّيُّ فَإِذَا أَحَسَّتْ بِدَوَرَانِهِ تِلْكَ النُّسُورُ والأسْدُ وَالطَّوَاوِيسُ الَّتِي فِي أَسْفَلِ الْكُرْسِيِّ دُرْنَ إِلَى أَعْلَاهُ فَإِذَا وَقَفَ وَقَفْنَ كُلُّهُنَّ مُنَكِّسَاتٍ رُءُوسَهُنَّ عَلَى رَأْسِ سُلَيْمَانَ [ابْنِ دَاوُدَ] [[زيادة من أ.]] عَلَيْهِ [[في أ: "عليهما".]] السَّلَامُ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ يَنْضَحْنَ جَمِيعًا مَا فِي أَجْوَافِهِنَّ مِنَ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ عَلَى رَأْسِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثُمَّ تَتَنَاوَلُ حَمَامَةٌ مَنْ ذَهَبٍ وَاقِفَةٌ عَلَى عَمُودٍ مِنْ جَوْهَرٍ التوراةَ فَتَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ فَيَقْرَؤُهَا سُلَيْمَانُ عَلَى النَّاسِ. وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ [[في ت: "الحديث".]] وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أَيْ: لَا يَصْلُحُ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْلُبَنِيهِ كَمَا كَانَ مِنْ قَضِيَّةِ [[في ت: "في قصة"، وفي أ: "من قصة".]] الْجَسَدِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَى كُرْسِيِّهِ لَا أَنَّهُ يَحْجُرُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ النَّاسِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سَأَلَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مُلْكًا لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ مِنَ الْبَشَرِ مِثْلُهُ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ مِنَ الْآيَةِ وَبِهِ [[في ت، س، أ: "وبذلك".]] وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ [[في ت: "فروى".]] الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّت عَلَيَّ الْبَارِحَةَ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا-لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ وَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصبحوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ قَالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خَاسِئًا [[صحيح البخاري برقم (٤٨٠٨) .]] وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٥٤١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٤٠) .]] وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ المُرَادي حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ حَدَّثَنِي رَبِيعَةَ بْنِ يَزيد عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ". ثُمَّ قَالَ: "أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ" -ثَلَاثًا-وَبَسَطَ يَدَه كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَرَأَيْنَاكَ بَسَطَتْ يَدَكَ؟ قَالَ: "إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ. فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَرَدْتُ أخْذَه وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ صِبْيَانُ [[في ت، س، أ: "ولدان".]] أَهْلِ الْمَدِينَةِ" [[صحيح مسلم برقم (٥٤٢) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مَيْسَرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ حَاجِبُ سُلَيْمَانَ قَالَ: رَأَيْتُ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ قَائِمًا يُصَلِّي، فَذَهَبْتُ أَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَرَدَّنِي ثُمَّ قَالَ [[في ت: "بإسناده".]] حَدَّثَنِي [[في ت: "عن".]] أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ يُصَلِّي [[في ت: "فصلى".]] صَلَاةَ الصُّبْحِ وَهُوَ خَلْفُهُ فَقَرَأَ فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صِلَاتِهِ قَالَ: "لَوْ رَأَيْتُمُونِي وَإِبْلِيسَ فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي فَمَا زِلْتُ أَخْنُقُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لُعَابِهِ بَيْنَ أُصْبُعَيَّ هَاتَيْنِ -الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا-وَلَوْلَا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ [[في ت: "أصبح".]] مَرْبُوطًا بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، يَتَلَاعَبُ بِهِ صِبْيَانُ الْمَدِينَةِ فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ أَحَدٌ فَلْيَفْعَلْ". وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْهُ: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ أَحَدٌ فَلْيَفْعَلْ" عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي سُرَيج عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ بِهِ [[المسند (٣/٨٣) وسنن أبي داود برقم (٦٩٩) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَهُوَ فِي حَائِطٍ لَهُ بِالطَّائِفِ يُقَالُ لَهُ: "الْوَهْطُ"، وَهُوَ مُخَاصر فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ يُزَنّ بشُرْب الْخَمْرِ، فَقُلْتُ: بَلَغَنِي عَنْكَ حَدِيثٌ أَنَّهُ "مِنْ شَرِبِ شَرْبَةَ خَمْر لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-لَهُ تَوبَةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَإِنَّهُ مَنْ أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ لا يَنْهَزه إلا الصلاة فيه، خرج مِنْ خَطِيئَتِهِ مِثْلَ يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، فَلَمَّا سَمِعَ الْفَتَى ذَكْرَ الْخَمْرِ اجْتَذَبَ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ انْطَلَقَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو [[في أ: "عمرو رضي الله عنهما".]] إِنِّي لَا أُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ عَلَيّ مَا لَمْ أَقُلْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ شَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ شَرْبَةً لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِنْ [[في أ: "وإن".]] عَادَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَإِنْ عَادَ -قَالَ فَلَا أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ-فَإِنْ عَادَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ رَدْغَة الْخَبَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" قَالَ: وَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ اهْتَدَى وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ فَلِذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] أَقُولُ جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" وَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ سُلَيْمَانَ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى ثَلَاثًا فَأَعْطَاهُ اثْنَتَيْنِ وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ تَكُونَ لَنَا الثَّالِثَةُ: سَأَلَهُ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَسَأَلَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَسَأَلَهُ أَيُّمَا رَجُلٍ خَرَجَ مَنْ بَيْتِهِ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ خَرَجَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ [[في ت، س، أ: "مثل يوم".]] وَلَدَتْهُ أُمُّهُ فَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى [[في ت، س، أ: "عز وجل".]] قَدْ أَعْطَانَا إِيَّاهَا" [[المسند (٢/١٧٦) .]] وَقَدْ رَوَى هَذَا الْفَصْلَ الْأَخِيرَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلِمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَأَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خِلَالًا ثَلَاثًا ... " وَذَكَرَهُ [[سنن النسائي (٢/٤٣) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٠٨) .]] وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِإِسْنَادٍ وَسِيَاقٍ غَرِيبَيْنِ فَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبة الْعَسْقَلَانِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْد حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَة عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ [[في ت: "وروى الطبراني بإسناده".]] عَنْ رَافِعِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِدَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْضِ. فَبَنَى دَاوُدُ [[في ت: "داود عليه السلام".]] بَيْتًا لِنَفْسِهِ قَبْلَ الْبَيْتِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا دَاوُدُ نَصَبْتَ بَيْتَكَ قَبْلَ بَيْتِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ هَكَذَا قَضَيْتَ [[في ت، س، أ: "هكذا قلت فيما قضيت".]] مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ ثُمَّ أَخَذَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا تَمَّ السُّورَ سَقَطَ ثَلَاثًا فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: يَا دَاوُدُ [[في ت، أ: "فأوحى الله إليه"]] إِنَّكَ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَبْنِيَ لِي بَيْتًا قَالَ: وَلِمَ يَا رَبِّ؟ قَالَ: لِمَا جَرَى عَلَى يَدَيْكَ مِنَ الدِّمَاءِ. قَالَ: يَا رَبِّ أَوْ مَا كَانَ [[في ت، س، أ: "أو لم يكن".]] ذَلِكَ فِي هَوَاكَ وَمَحَبَّتِكَ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنَّهُمْ عِبَادِي وَأَنَا أَرْحَمُهُمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: لَا تَحْزَنْ فَإِنِّي سَأَقْضِي بِنَاءَهُ عَلَى يَدَيِ ابْنِكَ سُلَيْمَانَ. فَلَمَّا مَاتَ دَاوُدُ أَخْذَ سُلَيْمَانُ فِي بِنَائِهِ فَلَمَّا تَمَّ قَرَّبَ الْقَرَابِينَ وَذَبَحَ الذَّبَائِحَ وَجَمَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: قَدْ أَرَى سرورَك بِبُنْيَانِ بَيْتِي فَسَلْنِي أُعْطِكَ. قَالَ: أَسْأَلُكَ ثَلَاثَ خِصَالٍ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَكَ وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي وَمَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ لَا يُرِيدُ إلا الصلاة فيه خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما ثِنْتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ" [[المعجم الكبير (٥/٢٤) قال الهيثمي في المجمع (٤/٨) : "فيه محمد بن أيوب بن سويد الرملي وهو متهم بالوضع".]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا عُمَر بْنُ رَاشِدٍ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا دُعَاءً إِلَّا اسْتَفْتَحَهُ بِـ "سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّي الْأَعْلَى الْعَلِيِّ الْوَهَّابِ" [[المسند (٤/٥٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/١٥٦) : "فيه عمر بن راشد اليمامي وثقه غير واحد، وبقية رجاله رجال الصحيح".]] وَقَدْ قَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو عَبِيدٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَرْقان عَنْ صَالِحِ بْنِ مِسْمَارٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ نَبِيُّ اللَّهِ دَاوُدُ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى ابْنِهِ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِمَا [[في ت، أ: "عليه".]] السَّلَامُ: أَنْ سَلْنِي حَاجَتَكَ. قَالَ: أَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ لِي قَلْبًا يَخْشَاكَ كَمَا كَانَ قَلْبُ أَبِي وَأَنْ تَجْعَلَ قَلْبِي يُحِبُّكَ كَمَا كَانَ قَلْبُ أَبِي. فَقَالَ اللَّهُ: أَرْسَلْتُ إِلَى عَبْدِي وَسَأَلَتْهُ [[في ت، س: "أسأله".]] حَاجَتَهُ فَكَانَتْ [حَاجَتُهُ] [[زيادة من ت، س.]] أَنْ أَجْعَلَ قَلْبَهُ يَخْشَانِي وَأَنْ أَجْعَلَ قَلْبَهُ يُحِبُّنِي لأهَبَنّ لَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ وَالَّتِي بَعْدَهَا، قَالَ: فَأَعْطَاهُ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] مَا أَعْطَاهُ وَفِي الْآخِرَةِ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ. هَكَذَا أَوْرَدَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي تَارِيخِهِ [[تاريخ دمشق (٧/٥٦٩) "القسم المخطوط".]] وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ دَاوُدَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] أَنَّهُ قَالَ: "إِلَهِي كُنْ لِسُلَيْمَانَ كَمَا كُنْتَ لِي": فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنْ قُلْ لِسُلَيْمَانَ: يَكُونُ لِي كَمَا كُنْتَ لِي، أَكُونُ لَهُ كَمَا كنتُ لَكَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمَّا عَقَرَ سُلَيْمَانُ الْخَيْلَ غَضَبًا لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ عَوَّضَهُ اللَّهُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَسْرَعُ الرِّيحُ الَّتِي غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أَيْ: حَيْثُ أَرَادَ مِنَ الْبِلَادِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ أَيْ: مِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْأَبْنِيَةِ الْهَائِلَةِ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجَفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْبَشَرُ وَطَائِفَةٌ غَوَّاصُونَ فِي الْبِحَارِ يَسْتَخْرِجُونَ مِمَّا [[في ت: "ما".]] فِيهَا مِنَ اللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْأَشْيَاءِ النَّفِيسَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ إِلَّا فِيهَا ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ أَيْ: مُوثَقُونَ فِي الْأَغْلَالِ وَالْأَكْبَالِ مِمَّنْ قَدْ تَمَرّد وَعَصَى وَامْتَنَعَ مِنَ الْعَمَلِ وَأَبَى أَوْ قَدْ أَسَاءَ فِي صنيعه واعتدى. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْنَاكَ مِنَ الْمُلْكِ التَّامِّ وَالسُّلْطَانِ الْكَامِلِ كَمَا سَأَلْتَنَا فَأَعْطِ مَنْ شِئْتَ وَاحْرِمْ مَنْ شِئْتَ، لَا حِسَابَ عَلَيْكَ، أَيْ: مَهْمَا فعلتَ فَهُوَ جَائِزٌ لَكَ احْكُمْ بِمَا شِئْتَ فَهُوَ صَوَابٌ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[في أ: "الصحيح".]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خُيِّر بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا -وَهُوَ الَّذِي يَفْعَلُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ قَاسِمٌ يَقْسِمُ بَيْنَ النَّاسِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ-وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا نَبِيًّا يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَاءُ بِلَا حِسَابٍ وَلَا جُنَاحٍ، اخْتَارَ الْمَنْزِلَةَ الْأُولَى بَعْدَ مَا اسْتَشَارَ جِبْرِيلَ فَقَالَ لَهُ: تَوَاضَعْ فَاخْتَارَ الْمَنْزِلَةَ الْأُولَى لِأَنَّهَا أَرْفَعُ قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ وَأَعْلَى مَنْزِلَةً فِي الْمَعَادِ وَإِنْ كَانَتِ الْمَنْزِلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ النُّبُوَّةُ مَعَ الْمُلْكِ عَظِيمَةً أَيْضًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا أَعْطَى سُلَيْمَانَ فِي الدُّنْيَا نَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْضًا، فَقَالَ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: فاستجبنا له دعاءه، فأعطيناه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ مكان الخيل التي شغلته عن الصلاة ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ يعني: رِخوة لينة، وهي من الرخاوة. كما:- ⁕ حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا عوف، عن الحسن، أن نبي الله سليمان ﷺ لما عرضت عليه الخيل، فشغله النظر إليها عن صلاة العصر ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ فغضب لله، فأمر بها فعُقرت، فأبدله الله مكانها أسرع منها، سخر الريح تجري بأمره رُخاء حيث شاء، فكان يغدو من إيلياء، ويقيل بقزوين، ثم يروح من قَزْوين ويبيت بكابُل. ⁕ حُدثت عن الحسن، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فإنه دعا يوم دعا ولم يكن في مُلكه الريح، وكل بناء وغواص من الشياطين، فدعا ربه عند توبته واستغفاره، فوهب الله له ما سأل، فتمّ مُلكه. واختلف أهل التأويل في معنى الرخاء، فقال فيه بعضهم نحو الذي قلنا فيه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قال: طَيِّبة. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: سريعة طيبة، قال: ليست بعاصفة ولا بطيئة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿رُخَاءً﴾ قال: الرخاء اللينة. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن الحسن، في قوله ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: ليست بعاصفة، ولا الهَيِّنة بين ذلك رُخاء. وقال آخرون: معنى ذلك: مطيعة لسليمان. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن على، عن ابن عباس، قوله ﴿رُخَاءً﴾ يقول: مُطيعة له. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قال: يعني بالرُّخاء: المطيعة. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قال: مطيعة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿رُخَاءً﴾ يقول: مطيعة. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿رُخَاءً﴾ قال: طوعا. * * وقوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ يقول: حيث أراد، من قولهم: أصاب الله بك خيرا: أي أراد الله بك خيرا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ عن ابن عباس، قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ يقول: حيث أراد. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ يقول: حيث أراد، انتهى عليها. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال. ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث شاء. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث أراد. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: إلى حيث أراد. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث أراد. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ : أي حيث أراد. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث أراد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث أراد. * * وقوله ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ يقول تعالى ذكره: وسخرنا له الشياطين سلطناه عليها مكان ما ابتُليناه بالذي ألقينا على كرسيّه منها يستعملها فيما يشاء من أعماله من بنَّاء وغوَّاص؛ فالبُناة منها يصنعون محاريب وتماثيل، والغاصة يستخرجون له الحُلِيّ من البحار، وآخرون ينحتون له جِفانا وقدورا، والمَردَة في الأغلال مُقَرَّنون. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ قال: يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل، وغوّاص يستخرجون الحليّ من البحر ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ قال: مردة الشياطين في الأغلال. ⁕ حُدثت عن المحاربيّ، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ قال: لم يكن هذا في ملك داود، أعطاه الله ملك داود وزاده الريح ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ يقول: في السلاسل. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿الأصْفَادِ﴾ قال: تجمع اليدين إلى عنقه، والأصفاد: جمع صَفَد وهي الأغلال. * * وقوله ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ اختلف أهل التأويل في المشار إليه بقوله ﴿هَذَا﴾ من العطاء، وأيّ عطاء أريد بقوله: عَطاؤنا، فقال بعضهم: عني به الملك الذي أعطاه الله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: قال الحسن: الملك الذي أعطيناك فأعط ما شئت وامنع ما شئت. ⁕ حدثنا عن المحاربي، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ : هذا ملكنا. وقال آخرون: بل عَنَى بذلك تسخيره له الشياطين، وقالوا: ومعنى الكلام: هذا الذي أعطيناك من كلّ بنّاء وغوّاص من الشياطين، وغيرهم عطاؤنا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: هؤلاء الشياطين احبس من شئت منهم فى وثاقك وفي عذابك أو سرِّح من شئت منهم تتخذ عنده يدًا، اصنع ما شئت. وقال آخرون: بل ذلك ما كان أوتي من القوّة على الجماع. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن أبي يوسف، عن سعيد بن طريف، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان سليمان في ظهره ماءُ مِئَة رجل، وكان له ثلاث مِئَة امرأة وتسع مِئَة سُرِّيَّة ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب القولُ الذي ذكرناه عن الحسن والضحاك من أنه عني بالعطاء ما أعطاه من الملك تعالى ذكره، وذلك أنه جلّ ثناؤه ذكر ذلك عَقِيب خبره عن مسألة نبيه سليمان صلوات الله وسلامه عليه إياه مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، فأخبر أنه سخر له ما لم يُسَخَّر لأحد من بني آدم، وذلك تسخيره له الريح والشياطين على ما وصفت، ثم قال له عزّ ذكره: هذا الذي أعطيناك من المُلك، وتسخيرنا ما سخرنا لك عطاؤنا، ووهبنا لك ما سألتنا أن نهبه لك من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعدك ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ واختلف أهل التأويل في تأويل قوله ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فقال بعضهم: عنى بذلك. فأعط من شئت ما شئت من الملك الذي آتيناك، وامنع ما شئت منه ما شئت، لا حساب عليك في ذلك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ المُلك الذي أعطيناك، فأعط ما شئت وامنع ما شئت، فليس عليك تبعة ولا حساب. ⁕ حُدثت عن المحاربي، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ سأل مُلكا هنيئا لا يُحاسب به يوم القيامة، فقال: ما أعطيت، وما أمسكت، فلا حرج عليك. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرمة ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: أعط أو أمسك، فلا حساب عليك. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿فَامْنُنْ﴾ قال: أعط أو أمسك بغير حساب. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أعْتِق من هؤلاء الشياطين الذين سخرناهم لك من الخدمة، أو من الوَثاق ممن كان منهم مُقَرَّنا في الأصفاد مَنْ شئت واحبس من شئت فلا حرج عليك في ذلك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يقول: هؤلاء الشياطين احبس من شئت منهم في وَثاقك وفي عذابك، وسرح من شئت منهم تتخذ عنده يدًا، اصنع ما شئت لا حساب عليك في ذلك. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يقول: أعتق من الجنّ من شئت، وأمسك من شئت. حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: تَمُنّ على من تشاء منهم فتُعْتِقُهُ، وتُمسِك من شئت فتستخدمه ليس عليك في ذلك حساب. وقال آخرون: بل معنى ذلك: هذا الذي أعطيناك من القوّة على الجماع عطاؤنا، فجامع من شئت من نسائك وجواريك ما شئت بغير حساب، واترك جماع من شئت منهن. وقال آخرون: بل ذلك من المقدم والمؤخر. ومعنى الكلام: هذا عطاؤنا بغير حساب، فامْنُن أو أمسك. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله:"هذا فامنن أو أمسك عطاؤنا بغير حساب". وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من البصريين يقول في قوله ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وجهان؛ أحدهما: بغير جزاء ولا ثواب، والآخر: مِنَّةٍ ولا قِلَّةٍ. والصواب من القول في ذلك ما ذكرته عن أهل التأويل من أن معناه: لا يحاسب على ما أعطى من ذلك المُلك والسلطان. وإنما قلنا ذلك هو الصواب لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه. * * وقوله ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ يقول: وإن لسليمان عندنا لقُرْبةً بإنابته إلينا وتوبته وطاعته لنا، وحُسْنَ مآب: يقول: وحسن مرجع ومصير في الآخرة. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ : أي مصير. إن قال لنا قائل: وما وجه رغبة سليمان إلى ربه في الملك، وهو نبيّ من الأنبياء، وإنما يرغب في الملك أهل الدنيا المؤثِرون لها على الآخرة؟ أم ما وجه مسألته إياه، إذ سأله ذلك مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، وما كان يضرّه أن يكون كلّ من بعده يُؤْتَى مثل الذي أوتي من ذلك؟ أكان به بخل بذلك، فلم يكن من مُلكه، يُعطي ذلك من يعطاه، أم حسد للناس، كما ذُكر عن الحجاج بن يوسف؛ فإنه ذكر أنه قرأ قوله ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فقال: إن كان لحسودًا، فإن ذلك ليس من أخلاق الأنبياء! قيل: أما رغبته إلى ربه فيما يرغب إليه من المُلك، فلم تكن إن شاء الله به رغبةً في الدنيا، ولكن إرادة منه أن يعلم منزلته من الله فى إجابته فيما رغب إليه فيه، وقبوله توبته، وإجابته دعاءه. وأما مسألته ربه مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، فإنا قد ذكرنا فيما مضى قبلُ قولَ من قال: إن معنى ذلك: هب لي مُلكا لا أسلبه كما سلبته قبل. وإنما معناه عند هؤلاء: هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي أن يَسلُبنيه. وقد يتجه ذلك أن يكون بمعنى: لا ينبغي لأحد سواي من أهل زماني، فيكون حجة وعَلَما لي على نبوتي وأني رسولك إليهم مبعوث، إذ كانت الرسل لا بد لها من أعلام تفارق بها سائر الناس سواهم. ويتجه أيضا لأن يكون معناه: وهب لي ملكا تخُصُّني به، لا تعطيه أحدا غيري تشريفا منك لي بذلك، وتكرمة، لتبين منزلتي منك به من منازل من سواي، وليس في وجه من هذه الوجوه مما ظنه الحجاج في معنى ذلك شيء.

Al-Mukhtasar (français)

Il y a avait aussi parmi les démons qui lui étaient assujettis, des démons rebelles enchaînés incapables de se mouvoir avec liberté.

39

هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ

«Voilà Notre don; distribue-le ou retiens-le sans avoir à en rendre compte».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أَيِ: اخْتَبَرْنَاهُ بِأَنْ سَلَبْنَاهُ الْمُلْكَ مَرَّةً، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ: يَعْنِي شَيْطَانًا. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أَيْ: [[في ت، س: "ثم".]] رَجَعَ إِلَى مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ وَأُبَّهَتِهِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَانَ اسْمُ ذَلِكَ الشَّيْطَانِ صَخْرًا. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: آصِفُ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقِيلَ: آصِرُوا. قَالَهُ مُجَاهِدٌ أَيْضًا. وَقِيلَ: حبقيقُ. قَالَهُ السُّدِّيُّ. وَقَدْ ذَكَرُوا هَذِهِ الْقِصَّةَ مَبْسُوطَةً وَمُخْتَصَرَةً. وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبة عَنْ قَتَادَةَ: قَالَ أَمَرَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقِيلَ لَهُ: ابْنِهِ وَلَا يُسمَعُ فِيهِ صَوْتُ حَدِيدٍ. فَقَالَ: فَطَلَبَ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ شَيْطَانًا فِي الْبَحْرِ يُقَالُ لَهُ: "صَخْرٌ" شِبْهُ الْمَارِدِ. قَالَ: فَطَلَبَهُ وَكَانَتْ عَيْنٌ فِي الْبَحْرِ يَردهُا فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ مَرَّةً فَنُزِحَ مَاؤُهَا وَجُعِلَ فِيهَا خَمْرٌ، فَجَاءَ يَوْمَ ورْده فَإِذَا هُوَ بِالْخَمْرِ فَقَالَ: إِنَّكِ لَشَرَابٌ طَيِّبٌ إِلَّا أَنَّكِ تُصْبِينَ الْحَلِيمَ، وَتَزِيدِينَ الْجَاهِلَ جَهْلًا. ثُمَّ رَجَعَ حَتَّى عَطِشَ عَطَشًا شَدِيدًا ثُمَّ أَتَاهَا [[في أ: "أتاه".]] فَقَالَ: إِنَّكِ لَشَرَابٌ طَيِّبٌ إِلَّا أَنَّكِ تُصْبِينَ الْحَلِيمَ، وَتَزِيدِينَ الْجَاهِلَ جَهْلًا. ثُمَّ شَرِبَهَا حَتَّى غَلَبَتْ عَلَى عَقْلِهِ، قَالَ: فَأُرِيَ الْخَاتَمَ أَوْ خُتِمَ بِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَذَلَّ. قَالَ: وَكَانَ مُلْكُهُ فِي خَاتَمِهِ فأتي به سليمان فقال: إنه قَدْ أُمِرْنَا بِبِنَاءِ هَذَا الْبَيْتِ وَقِيلَ لَنَا: لَا يُسْمَعَنَّ فِيهِ صَوْتُ حَدِيدٍ. قَالَ: فَأَتَى بِبَيْضِ الْهُدْهُدِ فَجَعَلَ عَلَيْهِ زُجَاجَةً فَجَاءَ الْهُدْهُدُ فَدَارَ حَوْلَهَا، فَجَعَلَ يَرَى بَيْضَهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَذَهَبَ فَجَاءَ بِالْمَاسِ فَوَضَعَهُ عَلَيْهِ فَقَطَعَهَا بِهِ حَتَّى أَفْضَى إِلَى بَيْضِهِ. فَأَخَذَ الْمَاسَ فَجَعَلُوا يَقْطَعُونَ بِهِ الْحِجَارَةَ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ -أَوِ: الْحَمَّامَ-لَمْ يَدْخُلْ بِخَاتَمِهِ فَانْطَلَقَ يَوْمًا إِلَى الْحَمَّامِ وَذَلِكَ الشَّيْطَانُ صَخْرٌ مَعَهُ، وَذَلِكَ عِنْدَ مُقَارَفَةٍ قَارَفَ فِيهِ [[في ت: "فيها".]] بَعْضَ نِسَائِهِ. قَالَ: فَدَخَلَ الْحَمَّامَ وَأَعْطَى الشَّيْطَانَ خَاتَمَهُ فَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ فَالْتَقَمَتْهُ سَمَكَةٌ، وَنُزِعَ مُلك سُلَيْمَانَ مِنْهُ وَأُلْقِيَ عَلَى الشَّيْطَانِ شَبَه سُلَيْمَانَ. قَالَ: فَجَاءَ فَقَعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَسَرِيرِهِ وسُلِّط عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ كُلِّهِ غَيْرَ نِسَائِهِ. قَالَ: فَجَعَلَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ، وَجَعَلُوا يُنْكِرُونَ مِنْهُ أَشْيَاءَ حَتَّى قَالُوا: لَقَدْ فُتِنَ نَبِيُّ اللَّهِ. وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ يُشَبِّهُونَهُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْقُوَّةِ فَقَالَ: وَاللَّهُ لَأُجَرِّبَنَّهُ. قَالَ: فَقَالَ: يَا نَبِيَّ [[في أ: "أنبي".]] اللَّهِ -وَهُوَ لَا يَرَى إِلَّا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ-أَحَدُنَا تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ فَيَدَعُ الْغُسْلَ عَمْدًا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَتُرَى [[في ت: "ترى".]] عَلَيْهِ بَأْسًا؟ فَقَالَ: [[في ت، س: "قال".]] لَا. قَالَ: فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى وَجَدَ نَبِيُّ اللَّهِ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِ سَمَكَةٍ فَأَقْبَلَ فَجَعَلَ لَا يَسْتَقْبِلُهُ جِنِّيٌّ وَلَا طَيْرٌ إِلَّا سَجَدَ لَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: هُوَ الشَّيْطَانُ صَخْرٌ [[تفسير الطبري (٢٣/١٠١) .]] وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أَيِ: ابْتَلَيْنَا سُلَيْمَانَ، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: جَلَسَ الشَّيْطَانُ عَلَى كُرْسِيِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. قَالَ: وَكَانَ لِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِائَةُ امْرَأَةٍ وَكَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ يُقَالُ لَهَا: "جَرَادَةُ"، وَهِيَ آثَرُ نِسَائِهِ وَآمَنُهُنَّ عِنْدَهُ وَكَانَ إِذَا أَجْنَبَ أَوْ أَتَى حَاجَةً [[في أ: "حاجته".]] نَزَعَ خَاتَمَهُ وَلَمْ يَأْتَمِنْ [[في ت: "يأمن".]] عَلَيْهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ غَيْرَهَا فَأَعْطَاهَا يَوْمًا خَاتَمَهُ وَدَخَلَ الْخَلَاءَ فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَتِهِ فَقَالَ: هَاتِي الْخَاتَمَ. فَأَعْطَتْهُ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى مَجْلِسِ سُلَيْمَانَ وَخَرَجَ سُلَيْمَانُ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلَهَا أَنْ تُعْطِيَهِ خَاتَمَهُ، فَقَالَتْ: أَلَمْ تَأْخُذْهُ قَبْلُ؟ قَالَ: لَا. وَخَرَجَ مَكَانَهُ تَائِهًا. قَالَ: وَمَكَثَ الشَّيْطَانُ يُحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، قَالَ: فَأَنْكَرَ النَّاسُ أَحْكَامَهُ فَاجْتَمَعَ قُرَّاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعُلَمَاؤُهُمْ فَجَاءُوا حَتَّى دَخَلُوا عَلَى نِسَائِهِ فَقَالُوا: إِنَّا قَدْ أَنْكَرْنَا هَذَا فَإِنْ كَانَ سُلَيْمَانَ فَقَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ وَأَنْكَرْنَا أَحْكَامَهُ. قَالَ: فَبَكَى النِّسَاءُ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ: فَأَقْبَلُوا يَمْشُونَ حَتَّى أَتَوْا [[في أ: "أتوه".]] فَأَحْدَقُوا بِهِ ثُمَّ نَشَرُوا التَّوْرَاةَ فَقَرَءُوا. قَالَ: فَطَارَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ حَتَّى وَقَعَ عَلَى شُرْفَةٍ وَالْخَاتَمُ مَعَهُ. ثُمَّ طَارَ حَتَّى ذَهَبَ إِلَى الْبَحْرِ فَوَقَعَ الْخَاتَمُ مِنْهُ فِي الْبَحْرِ فَابْتَلَعَهُ حُوتٌ مِنْ حِيتَانِ الْبَحْرِ. قَالَ: وَأَقْبَلَ سُلَيْمَانُ فِي حَالِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى صَيَّادٍ مِنْ صَيَّادِي [[في ت، س، أ: "صيادين".]] الْبَحْرِ وَهُوَ جَائِعٌ وَقَدِ اشْتَدَّ جُوعُهُ. فَاسْتَطْعَمَهُمْ مِنْ صَيْدِهِمْ وَقَالَ: إِنِّي أَنَا سُلَيْمَانُ. فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَضَرَبَهُ بِعَصًا فَشَجَّهُ فَجَعَلَ يَغْسِلُ دَمَهُ وَهُوَ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ فَلَامَ الصَّيَّادُونَ صَاحِبَهُمُ الَّذِي ضَرَبَهُ فَقَالُوا بِئْسَ مَا صَنَعْتَ حيث ضربته. قال: إنه زَعَمَ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ. قَالَ: فَأَعْطَوْهُ سَمَكَتَيْنِ مِمَّا قَدْ مَذِرَ عِنْدَهُمْ فَلَمْ يَشْغَلْهُ مَا كَانَ بِهِ مِنَ الضَّرْبِ حَتَّى قَامَ إِلَى شَطِّ الْبَحْرِ فَشَقَّ بُطُونَهُمَا فَجَعَلَ يَغْسِلُ [دَمَهُ] [[زيادة من أ.]] فَوَجَدَ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِ إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَهُ فَلَبِسَهُ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَهَاءَهُ وَمُلْكَهُ، وَجَاءَتِ الطَّيْرُ حَتَّى حَامَتْ عَلَيْهِ فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَامَ الْقَوْمُ يَعْتَذِرُونَ مِمَّا صَنَعُوا [بِهِ] [[زيادة من أ.]] فَقَالَ: مَا أَحْمَدُكُمْ عَلَى عُذْرِكُمْ وَلَا أَلُومُكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ، كَانَ هَذَا الْأَمْرُ لَا بُدَّ مِنْهُ. قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى أَتَى مُلْكَهُ وَأَرْسَلَ إِلَى الشَّيْطَانِ فَجِيءَ بِهِ فَأَمَرَ بِهِ فَجُعِلَ فِي صُنْدُوقٍ مِنْ حَدِيدٍ، ثُمَّ أَطْبَقَ عَلَيْهِ وَقَفَلَ عَلَيْهِ بِقُفْلٍ وَخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِهِ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُلْقِي فِي الْبَحْرِ فَهُوَ فِيهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. وَكَانَ اسْمُهُ حبقيقُ قَالَ: وَسَخَّرَ [[في ت، أ: "وسخرت".]] لَهُ الرِّيحَ وَلَمْ تَكُنْ سُخِّرَتْ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [[تفسير الطبري (٢٣/١٠١) .]] وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ: آصِفُ. فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: كَيْفَ تَفْتِنُونَ النَّاسَ؟ قَالَ: أَرِنِي خَاتَمَكَ أُخْبِرْكَ. فَلَمَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ نَبَذَهُ آصِفُ فِي الْبَحْرِ فَسَاحَ سُلَيْمَانُ وَذَهَبَ مُلْكُهُ، وَقَعَدَ آصِفُ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَمَنَعَهُ اللَّهُ نِسَاءَ سُلَيْمَانَ فَلَمْ يَقْرَبْهُنَّ -وَلَمْ يَقْرَبْنَهُ وَأَنْكَرْنَهُ. قَالَ: فَكَانَ سُلَيْمَانُ يَسْتَطْعِمُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُونِي؟ أَطْعِمُونِي أَنَا سُلَيْمَانُ فَيُكَذِّبُونَهُ، حَتَّى أَعْطَتْهُ امْرَأَةٌ يَوْمًا حُوتًا فَجَعَلَ يُطَيِّبُ بَطْنَهُ، فَوَجَدَ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِهِ فَرَجَعَ إِلَيْهِ مُلْكُهُ وَفَرَّ آصِفُ فَدَخَلَ الْبَحْرَ فَارًّا. وَهَذِهِ كُلُّهَا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ وَمِنْ أَنْكَرِهَا مَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشِ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قَالَ: أَرَادَ سُلَيْمَانُ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ فَأَعْطَى الْجَرَادَةَ خَاتَمَهُ -وَكَانَتِ الْجَرَادَةُ [[في ت: "جرادة".]] امْرَأَتَهُ وَكَانَتْ أَحَبَّ نِسَائِهِ إِلَيْهِ-فَجَاءَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ سُلَيْمَانَ فَقَالَ لَهَا: هَاتِي خَاتَمِي. فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ. فَلَمَّا لَبِسَهُ دَانَتْ لَهُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ [[في أ: "والجن والطير".]] وَالشَّيَاطِينُ فَلَمَّا خَرَجَ سُلَيْمَانُ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ لَهَا: هَاتِي خَاتَمِي. قَالَتْ: قَدْ أَعْطَيْتُهُ سُلَيْمَانَ. قَالَ: أَنَا سُلَيْمَانُ. قَالَتْ: كَذَبْتَ لَسْتَ سُلَيْمَانَ [[في ت: "بسليمان".]] فَجَعَلَ لَا يَأْتِي أَحَدًا يَقُولُ لَهُ: "أَنَا سُلَيْمَانُ"، إِلَّا كَذَّبَهُ حَتَّى جَعَلَ [[في أ: "جاء".]] الصِّبْيَانُ يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَرَف أَنَّهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: وَقَامَ الشَّيْطَانُ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى سُلَيْمَانَ سُلْطَانَهُ أَلْقَى فِي قُلُوبِ النَّاسِ إِنْكَارَ ذَلِكَ الشَّيْطَانِ. قَالَ: فَأَرْسَلُوا إِلَى نِسَاءِ سُلَيْمَانَ فَقَالُوا لَهُنَّ: أَتُنْكِرْنَ مِنْ سُلَيْمَانَ شَيْئًا؟ قُلْنَ: نَعَمْ إِنَّهُ يَأْتِينَا وَنَحْنُ حُيَّضٌ وَمَا كَانَ يَأْتِينَا قَبْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّيْطَانُ أَنَّهُ قَدْ فَطِنَ لَهُ [[في ت: "أنه فطن له".]] ظَنَّ أَنَّ أَمْرَهُ قَدِ انْقَطَعَ فَكَتَبُوا كُتُبًا فِيهَا سِحْرٌ وَكُفْرٌ، فَدَفَنُوهَا تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ ثُمَّ أَثَارُوهَا وقرءوها على الناس. وقالوا: بِهَذَا كَانَ يَظْهَرُ سُلَيْمَانُ عَلَى النَّاسِ [وَيَغْلِبُهُمْ] [[زيادة من أ.]] فَأَكْفَرَ النَّاسُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَمْ يَزَالُوا يُكَفِّرُونَهُ وَبَعَثَ ذَلِكَ الشيطانُ بِالْخَاتَمِ فَطَرَحَهُ فِي الْبَحْرِ فَتَلَقَّتْهُ سَمَكَةٌ فَأَخَذَتْهُ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ يَحْمِلُ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ بِالْأَجْرِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَاشْتَرَى سَمَكًا فِيهِ تِلْكَ السَّمَكَةُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا الْخَاتَمُ فَدَعَا سُلَيْمَانُ فَقَالَ: تَحْمِلُ لِي هَذَا السَّمَكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: بِكَمْ؟ قَالَ بِسَمَكَةٍ مِنْ هَذَا السَّمَكِ. قَالَ: فَحَمَلَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ السَّمَكَ ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمَّا انْتَهَى الرَّجُلُ إِلَى بَابِهِ أَعْطَاهُ تِلْكَ السَّمَكَةَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا الْخَاتَمُ فَأَخَذَهَا سُلَيْمَانُ فَشَقَّ بَطْنَهَا، فَإِذَا الْخَاتَمُ فِي جَوْفِهَا فَأَخَذَهُ فَلَبِسَهُ. قَالَ: فَلَمَّا لَبِسَهُ دَانَتْ لَهُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَالشَّيَاطِينُ وَعَادَ إِلَى حَالِهِ وَهَرب الشَّيْطَانُ حَتَّى دَخَلَ جَزِيرَةً [[في ت: "لحق بجزيرة".]] مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ فَأَرْسَلَ سُلَيْمَانُ فِي طَلَبِهِ وَكَانَ شَيْطَانًا مَرِيدًا فَجَعَلُوا يَطْلُبُونَهُ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ حَتَّى وَجَدُوهُ يَوْمًا نَائِمًا فَجَاءُوا فَبَنَوْا عَلَيْهِ بُنْيَانًا مِنْ رَصَاصٍ فَاسْتَيْقَظَ فَوَثَبَ فَجَعَلَ لَا يَثِبُ فِي مَكَانٍ من البيت إلا أنماط معه من الرَّصَاصُ قَالَ: فَأَخَذُوهُ فَأَوْثَقُوهُ وَجَاءُوا بِهِ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَأَمَرَ بِهِ فَنُقِرَ [[في ت: "فثقب".]] لَهُ تَخْتٌ مِنْ رُخَامٍ ثُمَّ أُدْخِلَ فِي جَوْفِهِ ثُمَّ سُدَّ بِالنُّحَاسِ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَطُرِحَ فِي الْبَحْرِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قَالَ: يَعْنِي الشَّيْطَانَ الَّذِي كَانَ سُلِّطَ عَلَيْهِ. إِسْنَادُهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَوِيٌّ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إِنَّمَا تَلَقَّاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -إِنْ صَحَّ عَنْهُ-مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَفِيهِمْ طَائِفَةٌ لَا يَعْتَقِدُونَ نُبُوَّةَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَيْهِ وَلِهَذَا كَانَ فِي السِّيَاقِ مُنْكَرَاتٌ مِنْ أَشَدِّهَا ذِكْرُ النِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ [[في أ: "فإن المشهور عن مجاهد وغير واحد من السلف أن".]] ذَلِكَ الْجِنِّيَّ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَى نِسَاءِ سُلَيْمَانَ بَلْ عَصَمَهُنَّ اللَّهُ مِنْهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا لِنَبِيِّهِ ﷺ، وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ مُطَوَّلَةً عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَجَمَاعَةٍ آخَرِينَ وَكُلُّهَا متُلقًّاة مِنْ قَصَصِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيُّ: وَجَدَ سُلَيْمَانُ خَاتَمَهُ فِي عَسْقَلَانَ، فَمَشَى فِي خِرْقَةٍ [[في أ: "بحرقة".]] إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي صِفَةِ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَبَرًا عَجِيبًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاقَ الْمِصْرِيُّ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ؛ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ حَدِيثِ "إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ" قَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ أَخْبِرْنِي عَنْ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ؛ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ فَقَالَ: كَانَ كُرْسِيُّ سُلَيْمَانَ مِنْ أَنْيَابِ الْفِيَلَةِ مُفَصّصاً بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَاللُّؤْلُؤِ. وَقَدْ جُعل لَهُ دَرَجَةً مِنْهَا مُفَصّصة بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ ثُمَّ أَمَرَ بِالْكُرْسِيِّ فحُفّ مِنْ جَانِبَيْهِ بِالنَّخْلِ، نَخْلٌ مِنْ ذَهَبٍ شَمَارِيخُهَا مِنْ يَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ وَلُؤْلُؤٍ. وَجُعِلَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ الَّتِي عَنْ يَمِينِ الْكُرْسِيِّ طَوَاوِيسُ مَنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ جُعِلَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ الَّتِي عَلَى يَسَارِ الْكُرْسِيِّ نُسُورٌ مَنْ ذَهَبٍ مُقَابَلَةَ الطَّوَاوِيسِ، وَجُعِلَ على يمين الدرجة الأولى شَجَرَتَا صَنَوْبَرٍ مَنْ ذَهَبٍ، وَعَنْ يَسَارِهَا أَسَدَانِ مَنْ ذَهَبٍ وَعَلَى رُءُوسِ الْأَسَدَيْنِ عَمُودَانِ مِنْ زَبَرْجَدٍ وَجُعِلَ مِنْ جَانِبَيِ الْكُرْسِيِّ شَجَرَتَا كَرْمٍ مَنْ ذَهَبٍ قَدْ أَظَلَّتَا الْكُرْسِيَّ وَجُعِلَ عَنَاقِيدُهُمَا دُرًّا وَيَاقُوتًا أَحْمَرَ. ثُمَّ جُعل فَوْقَ دَرَج الْكُرْسِيِّ أسَدَان عَظِيمَانِ مِنْ ذَهَبٍ مُجَوَّفَانِ مَحْشُوَّانِ مِسْكًا وَعَنْبَرًا. فَإِذَا أَرَادَ سُلَيْمَانُ أَنْ يَصْعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ اسْتَدَارَ الْأَسَدَانِ سَاعَةً ثُمَّ يَقَعَانِ [[في ت: "يقفان".]] فَيَنْضَحَانِ مَا فِي أَجْوَافِهِمَا مِنَ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ حَوْلَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ يُوضَعُ مِنْبَرَانِ مِنْ ذَهَبٍ وَاحِدٌ لِخَلِيفَتِهِ وَالْآخِرُ لِرَئِيسِ أَحْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ. ثُمَّ يُوضَعُ أَمَامَ كُرْسِيِّهِ سَبْعُونَ مِنْبَرًا مِنْ ذَهَبٍ يَقْعُدُ عَلَيْهَا سَبْعُونَ قَاضِيًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعُلَمَائِهِمْ وَأَهْلِ الشَّرَفِ مِنْهُمْ وَالطَوْلِ وَمِنْ خَلْفِ تِلْكَ الْمَنَابِرِ كُلِّهَا خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ مِنْبَرًا مِنْ ذَهَبٍ لَيْسَ عَلَيْهَا أَحَدٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَصْعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَضَعَ قَدَمَيْهِ عَلَى الدَّرَجَةِ السُّفْلَى فَاسْتَدَارَ الْكُرْسِيُّ كُلُّهُ بِمَا فِيهِ وَمَا عَلَيْهِ، وَيَبْسُطُ الْأَسَدُ يَدَهُ الْيُمْنَى وَيَنْشُرُ النَّسْرُ جَنَاحَهُ الْأَيْسَرَ ثُمَّ يَصْعَدُ [سُلَيْمَانُ] [[زيادة من ت، أ.]] عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ فَيَبْسُطُ الْأَسَدُ يَدَهُ الْيُسْرَى وَيَنْشُرُ النَّسْرُ جَنَاحَهُ الْأَيْمَنَ فَإِذَا اسْتَوَى سُلَيْمَانُ عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ وَقَعَدَ عَلَى الْكُرْسِيِّ أَخَذَ نَسْرٌ مِنْ تِلْكَ النُّسُورِ عَظِيمٌ تَاجَ سُلَيْمَانَ فَوَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَإِذَا وَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ اسْتَدَارَ الْكُرْسِيُّ بِمَا فِيهِ كَمَا تَدُورُ الرَّحَى الْمُسْرِعَةُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَمَا الَّذِي يُدِيرُهُ يَا أَبَا إِسْحَاقَ؟ قَالَ: تِنِّينٌ مِنْ ذَهَبِ ذَلِكَ الْكُرْسِيِّ عَلَيْهِ وَهُوَ عَظِيمٌ مِمَّا عَمِلَهُ صَخْرٌ الْجِنِّيُّ فَإِذَا أَحَسَّتْ بِدَوَرَانِهِ تِلْكَ النُّسُورُ والأسْدُ وَالطَّوَاوِيسُ الَّتِي فِي أَسْفَلِ الْكُرْسِيِّ دُرْنَ إِلَى أَعْلَاهُ فَإِذَا وَقَفَ وَقَفْنَ كُلُّهُنَّ مُنَكِّسَاتٍ رُءُوسَهُنَّ عَلَى رَأْسِ سُلَيْمَانَ [ابْنِ دَاوُدَ] [[زيادة من أ.]] عَلَيْهِ [[في أ: "عليهما".]] السَّلَامُ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ يَنْضَحْنَ جَمِيعًا مَا فِي أَجْوَافِهِنَّ مِنَ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ عَلَى رَأْسِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثُمَّ تَتَنَاوَلُ حَمَامَةٌ مَنْ ذَهَبٍ وَاقِفَةٌ عَلَى عَمُودٍ مِنْ جَوْهَرٍ التوراةَ فَتَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ فَيَقْرَؤُهَا سُلَيْمَانُ عَلَى النَّاسِ. وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ [[في ت: "الحديث".]] وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أَيْ: لَا يَصْلُحُ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْلُبَنِيهِ كَمَا كَانَ مِنْ قَضِيَّةِ [[في ت: "في قصة"، وفي أ: "من قصة".]] الْجَسَدِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَى كُرْسِيِّهِ لَا أَنَّهُ يَحْجُرُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ النَّاسِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سَأَلَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مُلْكًا لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ مِنَ الْبَشَرِ مِثْلُهُ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ مِنَ الْآيَةِ وَبِهِ [[في ت، س، أ: "وبذلك".]] وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ [[في ت: "فروى".]] الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّت عَلَيَّ الْبَارِحَةَ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا-لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ وَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصبحوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ قَالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خَاسِئًا [[صحيح البخاري برقم (٤٨٠٨) .]] وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٥٤١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٤٠) .]] وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ المُرَادي حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ حَدَّثَنِي رَبِيعَةَ بْنِ يَزيد عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ". ثُمَّ قَالَ: "أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ" -ثَلَاثًا-وَبَسَطَ يَدَه كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَرَأَيْنَاكَ بَسَطَتْ يَدَكَ؟ قَالَ: "إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ. فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَرَدْتُ أخْذَه وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ صِبْيَانُ [[في ت، س، أ: "ولدان".]] أَهْلِ الْمَدِينَةِ" [[صحيح مسلم برقم (٥٤٢) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مَيْسَرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ حَاجِبُ سُلَيْمَانَ قَالَ: رَأَيْتُ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ قَائِمًا يُصَلِّي، فَذَهَبْتُ أَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَرَدَّنِي ثُمَّ قَالَ [[في ت: "بإسناده".]] حَدَّثَنِي [[في ت: "عن".]] أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ يُصَلِّي [[في ت: "فصلى".]] صَلَاةَ الصُّبْحِ وَهُوَ خَلْفُهُ فَقَرَأَ فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صِلَاتِهِ قَالَ: "لَوْ رَأَيْتُمُونِي وَإِبْلِيسَ فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي فَمَا زِلْتُ أَخْنُقُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لُعَابِهِ بَيْنَ أُصْبُعَيَّ هَاتَيْنِ -الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا-وَلَوْلَا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ [[في ت: "أصبح".]] مَرْبُوطًا بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، يَتَلَاعَبُ بِهِ صِبْيَانُ الْمَدِينَةِ فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ أَحَدٌ فَلْيَفْعَلْ". وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْهُ: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ أَحَدٌ فَلْيَفْعَلْ" عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي سُرَيج عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ بِهِ [[المسند (٣/٨٣) وسنن أبي داود برقم (٦٩٩) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَهُوَ فِي حَائِطٍ لَهُ بِالطَّائِفِ يُقَالُ لَهُ: "الْوَهْطُ"، وَهُوَ مُخَاصر فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ يُزَنّ بشُرْب الْخَمْرِ، فَقُلْتُ: بَلَغَنِي عَنْكَ حَدِيثٌ أَنَّهُ "مِنْ شَرِبِ شَرْبَةَ خَمْر لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-لَهُ تَوبَةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَإِنَّهُ مَنْ أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ لا يَنْهَزه إلا الصلاة فيه، خرج مِنْ خَطِيئَتِهِ مِثْلَ يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، فَلَمَّا سَمِعَ الْفَتَى ذَكْرَ الْخَمْرِ اجْتَذَبَ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ انْطَلَقَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو [[في أ: "عمرو رضي الله عنهما".]] إِنِّي لَا أُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ عَلَيّ مَا لَمْ أَقُلْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ شَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ شَرْبَةً لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِنْ [[في أ: "وإن".]] عَادَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَإِنْ عَادَ -قَالَ فَلَا أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ-فَإِنْ عَادَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ رَدْغَة الْخَبَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" قَالَ: وَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ اهْتَدَى وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ فَلِذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] أَقُولُ جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" وَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ سُلَيْمَانَ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى ثَلَاثًا فَأَعْطَاهُ اثْنَتَيْنِ وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ تَكُونَ لَنَا الثَّالِثَةُ: سَأَلَهُ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَسَأَلَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَسَأَلَهُ أَيُّمَا رَجُلٍ خَرَجَ مَنْ بَيْتِهِ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ خَرَجَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ [[في ت، س، أ: "مثل يوم".]] وَلَدَتْهُ أُمُّهُ فَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى [[في ت، س، أ: "عز وجل".]] قَدْ أَعْطَانَا إِيَّاهَا" [[المسند (٢/١٧٦) .]] وَقَدْ رَوَى هَذَا الْفَصْلَ الْأَخِيرَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلِمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَأَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خِلَالًا ثَلَاثًا ... " وَذَكَرَهُ [[سنن النسائي (٢/٤٣) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٠٨) .]] وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِإِسْنَادٍ وَسِيَاقٍ غَرِيبَيْنِ فَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبة الْعَسْقَلَانِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْد حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَة عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ [[في ت: "وروى الطبراني بإسناده".]] عَنْ رَافِعِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِدَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْضِ. فَبَنَى دَاوُدُ [[في ت: "داود عليه السلام".]] بَيْتًا لِنَفْسِهِ قَبْلَ الْبَيْتِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا دَاوُدُ نَصَبْتَ بَيْتَكَ قَبْلَ بَيْتِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ هَكَذَا قَضَيْتَ [[في ت، س، أ: "هكذا قلت فيما قضيت".]] مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ ثُمَّ أَخَذَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا تَمَّ السُّورَ سَقَطَ ثَلَاثًا فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: يَا دَاوُدُ [[في ت، أ: "فأوحى الله إليه"]] إِنَّكَ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَبْنِيَ لِي بَيْتًا قَالَ: وَلِمَ يَا رَبِّ؟ قَالَ: لِمَا جَرَى عَلَى يَدَيْكَ مِنَ الدِّمَاءِ. قَالَ: يَا رَبِّ أَوْ مَا كَانَ [[في ت، س، أ: "أو لم يكن".]] ذَلِكَ فِي هَوَاكَ وَمَحَبَّتِكَ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنَّهُمْ عِبَادِي وَأَنَا أَرْحَمُهُمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: لَا تَحْزَنْ فَإِنِّي سَأَقْضِي بِنَاءَهُ عَلَى يَدَيِ ابْنِكَ سُلَيْمَانَ. فَلَمَّا مَاتَ دَاوُدُ أَخْذَ سُلَيْمَانُ فِي بِنَائِهِ فَلَمَّا تَمَّ قَرَّبَ الْقَرَابِينَ وَذَبَحَ الذَّبَائِحَ وَجَمَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: قَدْ أَرَى سرورَك بِبُنْيَانِ بَيْتِي فَسَلْنِي أُعْطِكَ. قَالَ: أَسْأَلُكَ ثَلَاثَ خِصَالٍ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَكَ وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي وَمَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ لَا يُرِيدُ إلا الصلاة فيه خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما ثِنْتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ" [[المعجم الكبير (٥/٢٤) قال الهيثمي في المجمع (٤/٨) : "فيه محمد بن أيوب بن سويد الرملي وهو متهم بالوضع".]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا عُمَر بْنُ رَاشِدٍ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا دُعَاءً إِلَّا اسْتَفْتَحَهُ بِـ "سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّي الْأَعْلَى الْعَلِيِّ الْوَهَّابِ" [[المسند (٤/٥٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/١٥٦) : "فيه عمر بن راشد اليمامي وثقه غير واحد، وبقية رجاله رجال الصحيح".]] وَقَدْ قَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو عَبِيدٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَرْقان عَنْ صَالِحِ بْنِ مِسْمَارٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ نَبِيُّ اللَّهِ دَاوُدُ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى ابْنِهِ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِمَا [[في ت، أ: "عليه".]] السَّلَامُ: أَنْ سَلْنِي حَاجَتَكَ. قَالَ: أَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ لِي قَلْبًا يَخْشَاكَ كَمَا كَانَ قَلْبُ أَبِي وَأَنْ تَجْعَلَ قَلْبِي يُحِبُّكَ كَمَا كَانَ قَلْبُ أَبِي. فَقَالَ اللَّهُ: أَرْسَلْتُ إِلَى عَبْدِي وَسَأَلَتْهُ [[في ت، س: "أسأله".]] حَاجَتَهُ فَكَانَتْ [حَاجَتُهُ] [[زيادة من ت، س.]] أَنْ أَجْعَلَ قَلْبَهُ يَخْشَانِي وَأَنْ أَجْعَلَ قَلْبَهُ يُحِبُّنِي لأهَبَنّ لَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ وَالَّتِي بَعْدَهَا، قَالَ: فَأَعْطَاهُ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] مَا أَعْطَاهُ وَفِي الْآخِرَةِ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ. هَكَذَا أَوْرَدَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي تَارِيخِهِ [[تاريخ دمشق (٧/٥٦٩) "القسم المخطوط".]] وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ دَاوُدَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] أَنَّهُ قَالَ: "إِلَهِي كُنْ لِسُلَيْمَانَ كَمَا كُنْتَ لِي": فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنْ قُلْ لِسُلَيْمَانَ: يَكُونُ لِي كَمَا كُنْتَ لِي، أَكُونُ لَهُ كَمَا كنتُ لَكَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمَّا عَقَرَ سُلَيْمَانُ الْخَيْلَ غَضَبًا لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ عَوَّضَهُ اللَّهُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَسْرَعُ الرِّيحُ الَّتِي غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أَيْ: حَيْثُ أَرَادَ مِنَ الْبِلَادِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ أَيْ: مِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْأَبْنِيَةِ الْهَائِلَةِ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجَفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْبَشَرُ وَطَائِفَةٌ غَوَّاصُونَ فِي الْبِحَارِ يَسْتَخْرِجُونَ مِمَّا [[في ت: "ما".]] فِيهَا مِنَ اللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْأَشْيَاءِ النَّفِيسَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ إِلَّا فِيهَا ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ أَيْ: مُوثَقُونَ فِي الْأَغْلَالِ وَالْأَكْبَالِ مِمَّنْ قَدْ تَمَرّد وَعَصَى وَامْتَنَعَ مِنَ الْعَمَلِ وَأَبَى أَوْ قَدْ أَسَاءَ فِي صنيعه واعتدى. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْنَاكَ مِنَ الْمُلْكِ التَّامِّ وَالسُّلْطَانِ الْكَامِلِ كَمَا سَأَلْتَنَا فَأَعْطِ مَنْ شِئْتَ وَاحْرِمْ مَنْ شِئْتَ، لَا حِسَابَ عَلَيْكَ، أَيْ: مَهْمَا فعلتَ فَهُوَ جَائِزٌ لَكَ احْكُمْ بِمَا شِئْتَ فَهُوَ صَوَابٌ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[في أ: "الصحيح".]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خُيِّر بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا -وَهُوَ الَّذِي يَفْعَلُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ قَاسِمٌ يَقْسِمُ بَيْنَ النَّاسِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ-وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا نَبِيًّا يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَاءُ بِلَا حِسَابٍ وَلَا جُنَاحٍ، اخْتَارَ الْمَنْزِلَةَ الْأُولَى بَعْدَ مَا اسْتَشَارَ جِبْرِيلَ فَقَالَ لَهُ: تَوَاضَعْ فَاخْتَارَ الْمَنْزِلَةَ الْأُولَى لِأَنَّهَا أَرْفَعُ قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ وَأَعْلَى مَنْزِلَةً فِي الْمَعَادِ وَإِنْ كَانَتِ الْمَنْزِلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ النُّبُوَّةُ مَعَ الْمُلْكِ عَظِيمَةً أَيْضًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا أَعْطَى سُلَيْمَانَ فِي الدُّنْيَا نَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْضًا، فَقَالَ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: فاستجبنا له دعاءه، فأعطيناه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ مكان الخيل التي شغلته عن الصلاة ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ يعني: رِخوة لينة، وهي من الرخاوة. كما:- ⁕ حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا عوف، عن الحسن، أن نبي الله سليمان ﷺ لما عرضت عليه الخيل، فشغله النظر إليها عن صلاة العصر ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ فغضب لله، فأمر بها فعُقرت، فأبدله الله مكانها أسرع منها، سخر الريح تجري بأمره رُخاء حيث شاء، فكان يغدو من إيلياء، ويقيل بقزوين، ثم يروح من قَزْوين ويبيت بكابُل. ⁕ حُدثت عن الحسن، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فإنه دعا يوم دعا ولم يكن في مُلكه الريح، وكل بناء وغواص من الشياطين، فدعا ربه عند توبته واستغفاره، فوهب الله له ما سأل، فتمّ مُلكه. واختلف أهل التأويل في معنى الرخاء، فقال فيه بعضهم نحو الذي قلنا فيه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قال: طَيِّبة. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: سريعة طيبة، قال: ليست بعاصفة ولا بطيئة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿رُخَاءً﴾ قال: الرخاء اللينة. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن الحسن، في قوله ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: ليست بعاصفة، ولا الهَيِّنة بين ذلك رُخاء. وقال آخرون: معنى ذلك: مطيعة لسليمان. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن على، عن ابن عباس، قوله ﴿رُخَاءً﴾ يقول: مُطيعة له. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قال: يعني بالرُّخاء: المطيعة. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قال: مطيعة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿رُخَاءً﴾ يقول: مطيعة. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿رُخَاءً﴾ قال: طوعا. * * وقوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ يقول: حيث أراد، من قولهم: أصاب الله بك خيرا: أي أراد الله بك خيرا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ عن ابن عباس، قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ يقول: حيث أراد. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ يقول: حيث أراد، انتهى عليها. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال. ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث شاء. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث أراد. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: إلى حيث أراد. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث أراد. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ : أي حيث أراد. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث أراد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث أراد. * * وقوله ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ يقول تعالى ذكره: وسخرنا له الشياطين سلطناه عليها مكان ما ابتُليناه بالذي ألقينا على كرسيّه منها يستعملها فيما يشاء من أعماله من بنَّاء وغوَّاص؛ فالبُناة منها يصنعون محاريب وتماثيل، والغاصة يستخرجون له الحُلِيّ من البحار، وآخرون ينحتون له جِفانا وقدورا، والمَردَة في الأغلال مُقَرَّنون. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ قال: يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل، وغوّاص يستخرجون الحليّ من البحر ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ قال: مردة الشياطين في الأغلال. ⁕ حُدثت عن المحاربيّ، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ قال: لم يكن هذا في ملك داود، أعطاه الله ملك داود وزاده الريح ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ يقول: في السلاسل. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿الأصْفَادِ﴾ قال: تجمع اليدين إلى عنقه، والأصفاد: جمع صَفَد وهي الأغلال. * * وقوله ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ اختلف أهل التأويل في المشار إليه بقوله ﴿هَذَا﴾ من العطاء، وأيّ عطاء أريد بقوله: عَطاؤنا، فقال بعضهم: عني به الملك الذي أعطاه الله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: قال الحسن: الملك الذي أعطيناك فأعط ما شئت وامنع ما شئت. ⁕ حدثنا عن المحاربي، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ : هذا ملكنا. وقال آخرون: بل عَنَى بذلك تسخيره له الشياطين، وقالوا: ومعنى الكلام: هذا الذي أعطيناك من كلّ بنّاء وغوّاص من الشياطين، وغيرهم عطاؤنا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: هؤلاء الشياطين احبس من شئت منهم فى وثاقك وفي عذابك أو سرِّح من شئت منهم تتخذ عنده يدًا، اصنع ما شئت. وقال آخرون: بل ذلك ما كان أوتي من القوّة على الجماع. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن أبي يوسف، عن سعيد بن طريف، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان سليمان في ظهره ماءُ مِئَة رجل، وكان له ثلاث مِئَة امرأة وتسع مِئَة سُرِّيَّة ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب القولُ الذي ذكرناه عن الحسن والضحاك من أنه عني بالعطاء ما أعطاه من الملك تعالى ذكره، وذلك أنه جلّ ثناؤه ذكر ذلك عَقِيب خبره عن مسألة نبيه سليمان صلوات الله وسلامه عليه إياه مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، فأخبر أنه سخر له ما لم يُسَخَّر لأحد من بني آدم، وذلك تسخيره له الريح والشياطين على ما وصفت، ثم قال له عزّ ذكره: هذا الذي أعطيناك من المُلك، وتسخيرنا ما سخرنا لك عطاؤنا، ووهبنا لك ما سألتنا أن نهبه لك من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعدك ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ واختلف أهل التأويل في تأويل قوله ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فقال بعضهم: عنى بذلك. فأعط من شئت ما شئت من الملك الذي آتيناك، وامنع ما شئت منه ما شئت، لا حساب عليك في ذلك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ المُلك الذي أعطيناك، فأعط ما شئت وامنع ما شئت، فليس عليك تبعة ولا حساب. ⁕ حُدثت عن المحاربي، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ سأل مُلكا هنيئا لا يُحاسب به يوم القيامة، فقال: ما أعطيت، وما أمسكت، فلا حرج عليك. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرمة ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: أعط أو أمسك، فلا حساب عليك. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿فَامْنُنْ﴾ قال: أعط أو أمسك بغير حساب. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أعْتِق من هؤلاء الشياطين الذين سخرناهم لك من الخدمة، أو من الوَثاق ممن كان منهم مُقَرَّنا في الأصفاد مَنْ شئت واحبس من شئت فلا حرج عليك في ذلك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يقول: هؤلاء الشياطين احبس من شئت منهم في وَثاقك وفي عذابك، وسرح من شئت منهم تتخذ عنده يدًا، اصنع ما شئت لا حساب عليك في ذلك. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يقول: أعتق من الجنّ من شئت، وأمسك من شئت. حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: تَمُنّ على من تشاء منهم فتُعْتِقُهُ، وتُمسِك من شئت فتستخدمه ليس عليك في ذلك حساب. وقال آخرون: بل معنى ذلك: هذا الذي أعطيناك من القوّة على الجماع عطاؤنا، فجامع من شئت من نسائك وجواريك ما شئت بغير حساب، واترك جماع من شئت منهن. وقال آخرون: بل ذلك من المقدم والمؤخر. ومعنى الكلام: هذا عطاؤنا بغير حساب، فامْنُن أو أمسك. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله:"هذا فامنن أو أمسك عطاؤنا بغير حساب". وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من البصريين يقول في قوله ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وجهان؛ أحدهما: بغير جزاء ولا ثواب، والآخر: مِنَّةٍ ولا قِلَّةٍ. والصواب من القول في ذلك ما ذكرته عن أهل التأويل من أن معناه: لا يحاسب على ما أعطى من ذلك المُلك والسلطان. وإنما قلنا ذلك هو الصواب لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه. * * وقوله ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ يقول: وإن لسليمان عندنا لقُرْبةً بإنابته إلينا وتوبته وطاعته لنا، وحُسْنَ مآب: يقول: وحسن مرجع ومصير في الآخرة. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ : أي مصير. إن قال لنا قائل: وما وجه رغبة سليمان إلى ربه في الملك، وهو نبيّ من الأنبياء، وإنما يرغب في الملك أهل الدنيا المؤثِرون لها على الآخرة؟ أم ما وجه مسألته إياه، إذ سأله ذلك مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، وما كان يضرّه أن يكون كلّ من بعده يُؤْتَى مثل الذي أوتي من ذلك؟ أكان به بخل بذلك، فلم يكن من مُلكه، يُعطي ذلك من يعطاه، أم حسد للناس، كما ذُكر عن الحجاج بن يوسف؛ فإنه ذكر أنه قرأ قوله ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فقال: إن كان لحسودًا، فإن ذلك ليس من أخلاق الأنبياء! قيل: أما رغبته إلى ربه فيما يرغب إليه من المُلك، فلم تكن إن شاء الله به رغبةً في الدنيا، ولكن إرادة منه أن يعلم منزلته من الله فى إجابته فيما رغب إليه فيه، وقبوله توبته، وإجابته دعاءه. وأما مسألته ربه مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، فإنا قد ذكرنا فيما مضى قبلُ قولَ من قال: إن معنى ذلك: هب لي مُلكا لا أسلبه كما سلبته قبل. وإنما معناه عند هؤلاء: هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي أن يَسلُبنيه. وقد يتجه ذلك أن يكون بمعنى: لا ينبغي لأحد سواي من أهل زماني، فيكون حجة وعَلَما لي على نبوتي وأني رسولك إليهم مبعوث، إذ كانت الرسل لا بد لها من أعلام تفارق بها سائر الناس سواهم. ويتجه أيضا لأن يكون معناه: وهب لي ملكا تخُصُّني به، لا تعطيه أحدا غيري تشريفا منك لي بذلك، وتكرمة، لتبين منزلتي منك به من منازل من سواي، وليس في وجه من هذه الوجوه مما ظنه الحجاج في معنى ذلك شيء.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Salomon, voici le don que Nous t’avons fait en guise de réponse à ce que tu Nous as demandé. Donnes-en à qui tu veux et prives-en qui tu veux, tu n’auras aucun compte à rendre à ce sujet.

40

وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ

Et il a une place rapprochée de Nous et un beau refuge.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أَيِ: اخْتَبَرْنَاهُ بِأَنْ سَلَبْنَاهُ الْمُلْكَ مَرَّةً، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ: يَعْنِي شَيْطَانًا. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أَيْ: [[في ت، س: "ثم".]] رَجَعَ إِلَى مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ وَأُبَّهَتِهِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَانَ اسْمُ ذَلِكَ الشَّيْطَانِ صَخْرًا. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: آصِفُ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقِيلَ: آصِرُوا. قَالَهُ مُجَاهِدٌ أَيْضًا. وَقِيلَ: حبقيقُ. قَالَهُ السُّدِّيُّ. وَقَدْ ذَكَرُوا هَذِهِ الْقِصَّةَ مَبْسُوطَةً وَمُخْتَصَرَةً. وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبة عَنْ قَتَادَةَ: قَالَ أَمَرَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقِيلَ لَهُ: ابْنِهِ وَلَا يُسمَعُ فِيهِ صَوْتُ حَدِيدٍ. فَقَالَ: فَطَلَبَ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ شَيْطَانًا فِي الْبَحْرِ يُقَالُ لَهُ: "صَخْرٌ" شِبْهُ الْمَارِدِ. قَالَ: فَطَلَبَهُ وَكَانَتْ عَيْنٌ فِي الْبَحْرِ يَردهُا فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ مَرَّةً فَنُزِحَ مَاؤُهَا وَجُعِلَ فِيهَا خَمْرٌ، فَجَاءَ يَوْمَ ورْده فَإِذَا هُوَ بِالْخَمْرِ فَقَالَ: إِنَّكِ لَشَرَابٌ طَيِّبٌ إِلَّا أَنَّكِ تُصْبِينَ الْحَلِيمَ، وَتَزِيدِينَ الْجَاهِلَ جَهْلًا. ثُمَّ رَجَعَ حَتَّى عَطِشَ عَطَشًا شَدِيدًا ثُمَّ أَتَاهَا [[في أ: "أتاه".]] فَقَالَ: إِنَّكِ لَشَرَابٌ طَيِّبٌ إِلَّا أَنَّكِ تُصْبِينَ الْحَلِيمَ، وَتَزِيدِينَ الْجَاهِلَ جَهْلًا. ثُمَّ شَرِبَهَا حَتَّى غَلَبَتْ عَلَى عَقْلِهِ، قَالَ: فَأُرِيَ الْخَاتَمَ أَوْ خُتِمَ بِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَذَلَّ. قَالَ: وَكَانَ مُلْكُهُ فِي خَاتَمِهِ فأتي به سليمان فقال: إنه قَدْ أُمِرْنَا بِبِنَاءِ هَذَا الْبَيْتِ وَقِيلَ لَنَا: لَا يُسْمَعَنَّ فِيهِ صَوْتُ حَدِيدٍ. قَالَ: فَأَتَى بِبَيْضِ الْهُدْهُدِ فَجَعَلَ عَلَيْهِ زُجَاجَةً فَجَاءَ الْهُدْهُدُ فَدَارَ حَوْلَهَا، فَجَعَلَ يَرَى بَيْضَهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَذَهَبَ فَجَاءَ بِالْمَاسِ فَوَضَعَهُ عَلَيْهِ فَقَطَعَهَا بِهِ حَتَّى أَفْضَى إِلَى بَيْضِهِ. فَأَخَذَ الْمَاسَ فَجَعَلُوا يَقْطَعُونَ بِهِ الْحِجَارَةَ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ -أَوِ: الْحَمَّامَ-لَمْ يَدْخُلْ بِخَاتَمِهِ فَانْطَلَقَ يَوْمًا إِلَى الْحَمَّامِ وَذَلِكَ الشَّيْطَانُ صَخْرٌ مَعَهُ، وَذَلِكَ عِنْدَ مُقَارَفَةٍ قَارَفَ فِيهِ [[في ت: "فيها".]] بَعْضَ نِسَائِهِ. قَالَ: فَدَخَلَ الْحَمَّامَ وَأَعْطَى الشَّيْطَانَ خَاتَمَهُ فَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ فَالْتَقَمَتْهُ سَمَكَةٌ، وَنُزِعَ مُلك سُلَيْمَانَ مِنْهُ وَأُلْقِيَ عَلَى الشَّيْطَانِ شَبَه سُلَيْمَانَ. قَالَ: فَجَاءَ فَقَعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَسَرِيرِهِ وسُلِّط عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ كُلِّهِ غَيْرَ نِسَائِهِ. قَالَ: فَجَعَلَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ، وَجَعَلُوا يُنْكِرُونَ مِنْهُ أَشْيَاءَ حَتَّى قَالُوا: لَقَدْ فُتِنَ نَبِيُّ اللَّهِ. وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ يُشَبِّهُونَهُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْقُوَّةِ فَقَالَ: وَاللَّهُ لَأُجَرِّبَنَّهُ. قَالَ: فَقَالَ: يَا نَبِيَّ [[في أ: "أنبي".]] اللَّهِ -وَهُوَ لَا يَرَى إِلَّا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ-أَحَدُنَا تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ فَيَدَعُ الْغُسْلَ عَمْدًا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَتُرَى [[في ت: "ترى".]] عَلَيْهِ بَأْسًا؟ فَقَالَ: [[في ت، س: "قال".]] لَا. قَالَ: فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى وَجَدَ نَبِيُّ اللَّهِ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِ سَمَكَةٍ فَأَقْبَلَ فَجَعَلَ لَا يَسْتَقْبِلُهُ جِنِّيٌّ وَلَا طَيْرٌ إِلَّا سَجَدَ لَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: هُوَ الشَّيْطَانُ صَخْرٌ [[تفسير الطبري (٢٣/١٠١) .]] وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أَيِ: ابْتَلَيْنَا سُلَيْمَانَ، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: جَلَسَ الشَّيْطَانُ عَلَى كُرْسِيِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. قَالَ: وَكَانَ لِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِائَةُ امْرَأَةٍ وَكَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ يُقَالُ لَهَا: "جَرَادَةُ"، وَهِيَ آثَرُ نِسَائِهِ وَآمَنُهُنَّ عِنْدَهُ وَكَانَ إِذَا أَجْنَبَ أَوْ أَتَى حَاجَةً [[في أ: "حاجته".]] نَزَعَ خَاتَمَهُ وَلَمْ يَأْتَمِنْ [[في ت: "يأمن".]] عَلَيْهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ غَيْرَهَا فَأَعْطَاهَا يَوْمًا خَاتَمَهُ وَدَخَلَ الْخَلَاءَ فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَتِهِ فَقَالَ: هَاتِي الْخَاتَمَ. فَأَعْطَتْهُ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى مَجْلِسِ سُلَيْمَانَ وَخَرَجَ سُلَيْمَانُ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلَهَا أَنْ تُعْطِيَهِ خَاتَمَهُ، فَقَالَتْ: أَلَمْ تَأْخُذْهُ قَبْلُ؟ قَالَ: لَا. وَخَرَجَ مَكَانَهُ تَائِهًا. قَالَ: وَمَكَثَ الشَّيْطَانُ يُحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، قَالَ: فَأَنْكَرَ النَّاسُ أَحْكَامَهُ فَاجْتَمَعَ قُرَّاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعُلَمَاؤُهُمْ فَجَاءُوا حَتَّى دَخَلُوا عَلَى نِسَائِهِ فَقَالُوا: إِنَّا قَدْ أَنْكَرْنَا هَذَا فَإِنْ كَانَ سُلَيْمَانَ فَقَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ وَأَنْكَرْنَا أَحْكَامَهُ. قَالَ: فَبَكَى النِّسَاءُ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ: فَأَقْبَلُوا يَمْشُونَ حَتَّى أَتَوْا [[في أ: "أتوه".]] فَأَحْدَقُوا بِهِ ثُمَّ نَشَرُوا التَّوْرَاةَ فَقَرَءُوا. قَالَ: فَطَارَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ حَتَّى وَقَعَ عَلَى شُرْفَةٍ وَالْخَاتَمُ مَعَهُ. ثُمَّ طَارَ حَتَّى ذَهَبَ إِلَى الْبَحْرِ فَوَقَعَ الْخَاتَمُ مِنْهُ فِي الْبَحْرِ فَابْتَلَعَهُ حُوتٌ مِنْ حِيتَانِ الْبَحْرِ. قَالَ: وَأَقْبَلَ سُلَيْمَانُ فِي حَالِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى صَيَّادٍ مِنْ صَيَّادِي [[في ت، س، أ: "صيادين".]] الْبَحْرِ وَهُوَ جَائِعٌ وَقَدِ اشْتَدَّ جُوعُهُ. فَاسْتَطْعَمَهُمْ مِنْ صَيْدِهِمْ وَقَالَ: إِنِّي أَنَا سُلَيْمَانُ. فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَضَرَبَهُ بِعَصًا فَشَجَّهُ فَجَعَلَ يَغْسِلُ دَمَهُ وَهُوَ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ فَلَامَ الصَّيَّادُونَ صَاحِبَهُمُ الَّذِي ضَرَبَهُ فَقَالُوا بِئْسَ مَا صَنَعْتَ حيث ضربته. قال: إنه زَعَمَ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ. قَالَ: فَأَعْطَوْهُ سَمَكَتَيْنِ مِمَّا قَدْ مَذِرَ عِنْدَهُمْ فَلَمْ يَشْغَلْهُ مَا كَانَ بِهِ مِنَ الضَّرْبِ حَتَّى قَامَ إِلَى شَطِّ الْبَحْرِ فَشَقَّ بُطُونَهُمَا فَجَعَلَ يَغْسِلُ [دَمَهُ] [[زيادة من أ.]] فَوَجَدَ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِ إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَهُ فَلَبِسَهُ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَهَاءَهُ وَمُلْكَهُ، وَجَاءَتِ الطَّيْرُ حَتَّى حَامَتْ عَلَيْهِ فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَامَ الْقَوْمُ يَعْتَذِرُونَ مِمَّا صَنَعُوا [بِهِ] [[زيادة من أ.]] فَقَالَ: مَا أَحْمَدُكُمْ عَلَى عُذْرِكُمْ وَلَا أَلُومُكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ، كَانَ هَذَا الْأَمْرُ لَا بُدَّ مِنْهُ. قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى أَتَى مُلْكَهُ وَأَرْسَلَ إِلَى الشَّيْطَانِ فَجِيءَ بِهِ فَأَمَرَ بِهِ فَجُعِلَ فِي صُنْدُوقٍ مِنْ حَدِيدٍ، ثُمَّ أَطْبَقَ عَلَيْهِ وَقَفَلَ عَلَيْهِ بِقُفْلٍ وَخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِهِ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُلْقِي فِي الْبَحْرِ فَهُوَ فِيهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. وَكَانَ اسْمُهُ حبقيقُ قَالَ: وَسَخَّرَ [[في ت، أ: "وسخرت".]] لَهُ الرِّيحَ وَلَمْ تَكُنْ سُخِّرَتْ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [[تفسير الطبري (٢٣/١٠١) .]] وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ: آصِفُ. فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: كَيْفَ تَفْتِنُونَ النَّاسَ؟ قَالَ: أَرِنِي خَاتَمَكَ أُخْبِرْكَ. فَلَمَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ نَبَذَهُ آصِفُ فِي الْبَحْرِ فَسَاحَ سُلَيْمَانُ وَذَهَبَ مُلْكُهُ، وَقَعَدَ آصِفُ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَمَنَعَهُ اللَّهُ نِسَاءَ سُلَيْمَانَ فَلَمْ يَقْرَبْهُنَّ -وَلَمْ يَقْرَبْنَهُ وَأَنْكَرْنَهُ. قَالَ: فَكَانَ سُلَيْمَانُ يَسْتَطْعِمُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُونِي؟ أَطْعِمُونِي أَنَا سُلَيْمَانُ فَيُكَذِّبُونَهُ، حَتَّى أَعْطَتْهُ امْرَأَةٌ يَوْمًا حُوتًا فَجَعَلَ يُطَيِّبُ بَطْنَهُ، فَوَجَدَ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِهِ فَرَجَعَ إِلَيْهِ مُلْكُهُ وَفَرَّ آصِفُ فَدَخَلَ الْبَحْرَ فَارًّا. وَهَذِهِ كُلُّهَا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ وَمِنْ أَنْكَرِهَا مَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشِ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قَالَ: أَرَادَ سُلَيْمَانُ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ فَأَعْطَى الْجَرَادَةَ خَاتَمَهُ -وَكَانَتِ الْجَرَادَةُ [[في ت: "جرادة".]] امْرَأَتَهُ وَكَانَتْ أَحَبَّ نِسَائِهِ إِلَيْهِ-فَجَاءَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ سُلَيْمَانَ فَقَالَ لَهَا: هَاتِي خَاتَمِي. فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ. فَلَمَّا لَبِسَهُ دَانَتْ لَهُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ [[في أ: "والجن والطير".]] وَالشَّيَاطِينُ فَلَمَّا خَرَجَ سُلَيْمَانُ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ لَهَا: هَاتِي خَاتَمِي. قَالَتْ: قَدْ أَعْطَيْتُهُ سُلَيْمَانَ. قَالَ: أَنَا سُلَيْمَانُ. قَالَتْ: كَذَبْتَ لَسْتَ سُلَيْمَانَ [[في ت: "بسليمان".]] فَجَعَلَ لَا يَأْتِي أَحَدًا يَقُولُ لَهُ: "أَنَا سُلَيْمَانُ"، إِلَّا كَذَّبَهُ حَتَّى جَعَلَ [[في أ: "جاء".]] الصِّبْيَانُ يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَرَف أَنَّهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: وَقَامَ الشَّيْطَانُ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى سُلَيْمَانَ سُلْطَانَهُ أَلْقَى فِي قُلُوبِ النَّاسِ إِنْكَارَ ذَلِكَ الشَّيْطَانِ. قَالَ: فَأَرْسَلُوا إِلَى نِسَاءِ سُلَيْمَانَ فَقَالُوا لَهُنَّ: أَتُنْكِرْنَ مِنْ سُلَيْمَانَ شَيْئًا؟ قُلْنَ: نَعَمْ إِنَّهُ يَأْتِينَا وَنَحْنُ حُيَّضٌ وَمَا كَانَ يَأْتِينَا قَبْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّيْطَانُ أَنَّهُ قَدْ فَطِنَ لَهُ [[في ت: "أنه فطن له".]] ظَنَّ أَنَّ أَمْرَهُ قَدِ انْقَطَعَ فَكَتَبُوا كُتُبًا فِيهَا سِحْرٌ وَكُفْرٌ، فَدَفَنُوهَا تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ ثُمَّ أَثَارُوهَا وقرءوها على الناس. وقالوا: بِهَذَا كَانَ يَظْهَرُ سُلَيْمَانُ عَلَى النَّاسِ [وَيَغْلِبُهُمْ] [[زيادة من أ.]] فَأَكْفَرَ النَّاسُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَمْ يَزَالُوا يُكَفِّرُونَهُ وَبَعَثَ ذَلِكَ الشيطانُ بِالْخَاتَمِ فَطَرَحَهُ فِي الْبَحْرِ فَتَلَقَّتْهُ سَمَكَةٌ فَأَخَذَتْهُ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ يَحْمِلُ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ بِالْأَجْرِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَاشْتَرَى سَمَكًا فِيهِ تِلْكَ السَّمَكَةُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا الْخَاتَمُ فَدَعَا سُلَيْمَانُ فَقَالَ: تَحْمِلُ لِي هَذَا السَّمَكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: بِكَمْ؟ قَالَ بِسَمَكَةٍ مِنْ هَذَا السَّمَكِ. قَالَ: فَحَمَلَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ السَّمَكَ ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمَّا انْتَهَى الرَّجُلُ إِلَى بَابِهِ أَعْطَاهُ تِلْكَ السَّمَكَةَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا الْخَاتَمُ فَأَخَذَهَا سُلَيْمَانُ فَشَقَّ بَطْنَهَا، فَإِذَا الْخَاتَمُ فِي جَوْفِهَا فَأَخَذَهُ فَلَبِسَهُ. قَالَ: فَلَمَّا لَبِسَهُ دَانَتْ لَهُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَالشَّيَاطِينُ وَعَادَ إِلَى حَالِهِ وَهَرب الشَّيْطَانُ حَتَّى دَخَلَ جَزِيرَةً [[في ت: "لحق بجزيرة".]] مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ فَأَرْسَلَ سُلَيْمَانُ فِي طَلَبِهِ وَكَانَ شَيْطَانًا مَرِيدًا فَجَعَلُوا يَطْلُبُونَهُ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ حَتَّى وَجَدُوهُ يَوْمًا نَائِمًا فَجَاءُوا فَبَنَوْا عَلَيْهِ بُنْيَانًا مِنْ رَصَاصٍ فَاسْتَيْقَظَ فَوَثَبَ فَجَعَلَ لَا يَثِبُ فِي مَكَانٍ من البيت إلا أنماط معه من الرَّصَاصُ قَالَ: فَأَخَذُوهُ فَأَوْثَقُوهُ وَجَاءُوا بِهِ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَأَمَرَ بِهِ فَنُقِرَ [[في ت: "فثقب".]] لَهُ تَخْتٌ مِنْ رُخَامٍ ثُمَّ أُدْخِلَ فِي جَوْفِهِ ثُمَّ سُدَّ بِالنُّحَاسِ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَطُرِحَ فِي الْبَحْرِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قَالَ: يَعْنِي الشَّيْطَانَ الَّذِي كَانَ سُلِّطَ عَلَيْهِ. إِسْنَادُهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَوِيٌّ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إِنَّمَا تَلَقَّاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -إِنْ صَحَّ عَنْهُ-مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَفِيهِمْ طَائِفَةٌ لَا يَعْتَقِدُونَ نُبُوَّةَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَيْهِ وَلِهَذَا كَانَ فِي السِّيَاقِ مُنْكَرَاتٌ مِنْ أَشَدِّهَا ذِكْرُ النِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ [[في أ: "فإن المشهور عن مجاهد وغير واحد من السلف أن".]] ذَلِكَ الْجِنِّيَّ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَى نِسَاءِ سُلَيْمَانَ بَلْ عَصَمَهُنَّ اللَّهُ مِنْهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا لِنَبِيِّهِ ﷺ، وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ مُطَوَّلَةً عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَجَمَاعَةٍ آخَرِينَ وَكُلُّهَا متُلقًّاة مِنْ قَصَصِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيُّ: وَجَدَ سُلَيْمَانُ خَاتَمَهُ فِي عَسْقَلَانَ، فَمَشَى فِي خِرْقَةٍ [[في أ: "بحرقة".]] إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي صِفَةِ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَبَرًا عَجِيبًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاقَ الْمِصْرِيُّ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ؛ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ حَدِيثِ "إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ" قَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ أَخْبِرْنِي عَنْ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ؛ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ فَقَالَ: كَانَ كُرْسِيُّ سُلَيْمَانَ مِنْ أَنْيَابِ الْفِيَلَةِ مُفَصّصاً بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَاللُّؤْلُؤِ. وَقَدْ جُعل لَهُ دَرَجَةً مِنْهَا مُفَصّصة بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ ثُمَّ أَمَرَ بِالْكُرْسِيِّ فحُفّ مِنْ جَانِبَيْهِ بِالنَّخْلِ، نَخْلٌ مِنْ ذَهَبٍ شَمَارِيخُهَا مِنْ يَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ وَلُؤْلُؤٍ. وَجُعِلَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ الَّتِي عَنْ يَمِينِ الْكُرْسِيِّ طَوَاوِيسُ مَنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ جُعِلَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ الَّتِي عَلَى يَسَارِ الْكُرْسِيِّ نُسُورٌ مَنْ ذَهَبٍ مُقَابَلَةَ الطَّوَاوِيسِ، وَجُعِلَ على يمين الدرجة الأولى شَجَرَتَا صَنَوْبَرٍ مَنْ ذَهَبٍ، وَعَنْ يَسَارِهَا أَسَدَانِ مَنْ ذَهَبٍ وَعَلَى رُءُوسِ الْأَسَدَيْنِ عَمُودَانِ مِنْ زَبَرْجَدٍ وَجُعِلَ مِنْ جَانِبَيِ الْكُرْسِيِّ شَجَرَتَا كَرْمٍ مَنْ ذَهَبٍ قَدْ أَظَلَّتَا الْكُرْسِيَّ وَجُعِلَ عَنَاقِيدُهُمَا دُرًّا وَيَاقُوتًا أَحْمَرَ. ثُمَّ جُعل فَوْقَ دَرَج الْكُرْسِيِّ أسَدَان عَظِيمَانِ مِنْ ذَهَبٍ مُجَوَّفَانِ مَحْشُوَّانِ مِسْكًا وَعَنْبَرًا. فَإِذَا أَرَادَ سُلَيْمَانُ أَنْ يَصْعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ اسْتَدَارَ الْأَسَدَانِ سَاعَةً ثُمَّ يَقَعَانِ [[في ت: "يقفان".]] فَيَنْضَحَانِ مَا فِي أَجْوَافِهِمَا مِنَ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ حَوْلَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ يُوضَعُ مِنْبَرَانِ مِنْ ذَهَبٍ وَاحِدٌ لِخَلِيفَتِهِ وَالْآخِرُ لِرَئِيسِ أَحْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ. ثُمَّ يُوضَعُ أَمَامَ كُرْسِيِّهِ سَبْعُونَ مِنْبَرًا مِنْ ذَهَبٍ يَقْعُدُ عَلَيْهَا سَبْعُونَ قَاضِيًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعُلَمَائِهِمْ وَأَهْلِ الشَّرَفِ مِنْهُمْ وَالطَوْلِ وَمِنْ خَلْفِ تِلْكَ الْمَنَابِرِ كُلِّهَا خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ مِنْبَرًا مِنْ ذَهَبٍ لَيْسَ عَلَيْهَا أَحَدٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَصْعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَضَعَ قَدَمَيْهِ عَلَى الدَّرَجَةِ السُّفْلَى فَاسْتَدَارَ الْكُرْسِيُّ كُلُّهُ بِمَا فِيهِ وَمَا عَلَيْهِ، وَيَبْسُطُ الْأَسَدُ يَدَهُ الْيُمْنَى وَيَنْشُرُ النَّسْرُ جَنَاحَهُ الْأَيْسَرَ ثُمَّ يَصْعَدُ [سُلَيْمَانُ] [[زيادة من ت، أ.]] عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ فَيَبْسُطُ الْأَسَدُ يَدَهُ الْيُسْرَى وَيَنْشُرُ النَّسْرُ جَنَاحَهُ الْأَيْمَنَ فَإِذَا اسْتَوَى سُلَيْمَانُ عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ وَقَعَدَ عَلَى الْكُرْسِيِّ أَخَذَ نَسْرٌ مِنْ تِلْكَ النُّسُورِ عَظِيمٌ تَاجَ سُلَيْمَانَ فَوَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَإِذَا وَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ اسْتَدَارَ الْكُرْسِيُّ بِمَا فِيهِ كَمَا تَدُورُ الرَّحَى الْمُسْرِعَةُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَمَا الَّذِي يُدِيرُهُ يَا أَبَا إِسْحَاقَ؟ قَالَ: تِنِّينٌ مِنْ ذَهَبِ ذَلِكَ الْكُرْسِيِّ عَلَيْهِ وَهُوَ عَظِيمٌ مِمَّا عَمِلَهُ صَخْرٌ الْجِنِّيُّ فَإِذَا أَحَسَّتْ بِدَوَرَانِهِ تِلْكَ النُّسُورُ والأسْدُ وَالطَّوَاوِيسُ الَّتِي فِي أَسْفَلِ الْكُرْسِيِّ دُرْنَ إِلَى أَعْلَاهُ فَإِذَا وَقَفَ وَقَفْنَ كُلُّهُنَّ مُنَكِّسَاتٍ رُءُوسَهُنَّ عَلَى رَأْسِ سُلَيْمَانَ [ابْنِ دَاوُدَ] [[زيادة من أ.]] عَلَيْهِ [[في أ: "عليهما".]] السَّلَامُ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ يَنْضَحْنَ جَمِيعًا مَا فِي أَجْوَافِهِنَّ مِنَ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ عَلَى رَأْسِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثُمَّ تَتَنَاوَلُ حَمَامَةٌ مَنْ ذَهَبٍ وَاقِفَةٌ عَلَى عَمُودٍ مِنْ جَوْهَرٍ التوراةَ فَتَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ فَيَقْرَؤُهَا سُلَيْمَانُ عَلَى النَّاسِ. وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ [[في ت: "الحديث".]] وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أَيْ: لَا يَصْلُحُ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْلُبَنِيهِ كَمَا كَانَ مِنْ قَضِيَّةِ [[في ت: "في قصة"، وفي أ: "من قصة".]] الْجَسَدِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَى كُرْسِيِّهِ لَا أَنَّهُ يَحْجُرُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ النَّاسِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سَأَلَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مُلْكًا لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ مِنَ الْبَشَرِ مِثْلُهُ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ مِنَ الْآيَةِ وَبِهِ [[في ت، س، أ: "وبذلك".]] وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ [[في ت: "فروى".]] الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّت عَلَيَّ الْبَارِحَةَ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا-لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ وَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصبحوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ قَالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خَاسِئًا [[صحيح البخاري برقم (٤٨٠٨) .]] وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٥٤١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٤٠) .]] وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ المُرَادي حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ حَدَّثَنِي رَبِيعَةَ بْنِ يَزيد عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ". ثُمَّ قَالَ: "أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ" -ثَلَاثًا-وَبَسَطَ يَدَه كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَرَأَيْنَاكَ بَسَطَتْ يَدَكَ؟ قَالَ: "إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ. فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَرَدْتُ أخْذَه وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ صِبْيَانُ [[في ت، س، أ: "ولدان".]] أَهْلِ الْمَدِينَةِ" [[صحيح مسلم برقم (٥٤٢) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مَيْسَرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ حَاجِبُ سُلَيْمَانَ قَالَ: رَأَيْتُ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ قَائِمًا يُصَلِّي، فَذَهَبْتُ أَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَرَدَّنِي ثُمَّ قَالَ [[في ت: "بإسناده".]] حَدَّثَنِي [[في ت: "عن".]] أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ يُصَلِّي [[في ت: "فصلى".]] صَلَاةَ الصُّبْحِ وَهُوَ خَلْفُهُ فَقَرَأَ فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صِلَاتِهِ قَالَ: "لَوْ رَأَيْتُمُونِي وَإِبْلِيسَ فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي فَمَا زِلْتُ أَخْنُقُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لُعَابِهِ بَيْنَ أُصْبُعَيَّ هَاتَيْنِ -الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا-وَلَوْلَا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ [[في ت: "أصبح".]] مَرْبُوطًا بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، يَتَلَاعَبُ بِهِ صِبْيَانُ الْمَدِينَةِ فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ أَحَدٌ فَلْيَفْعَلْ". وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْهُ: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ أَحَدٌ فَلْيَفْعَلْ" عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي سُرَيج عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ بِهِ [[المسند (٣/٨٣) وسنن أبي داود برقم (٦٩٩) .]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَهُوَ فِي حَائِطٍ لَهُ بِالطَّائِفِ يُقَالُ لَهُ: "الْوَهْطُ"، وَهُوَ مُخَاصر فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ يُزَنّ بشُرْب الْخَمْرِ، فَقُلْتُ: بَلَغَنِي عَنْكَ حَدِيثٌ أَنَّهُ "مِنْ شَرِبِ شَرْبَةَ خَمْر لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-لَهُ تَوبَةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَإِنَّهُ مَنْ أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ لا يَنْهَزه إلا الصلاة فيه، خرج مِنْ خَطِيئَتِهِ مِثْلَ يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، فَلَمَّا سَمِعَ الْفَتَى ذَكْرَ الْخَمْرِ اجْتَذَبَ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ انْطَلَقَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو [[في أ: "عمرو رضي الله عنهما".]] إِنِّي لَا أُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ عَلَيّ مَا لَمْ أَقُلْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ شَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ شَرْبَةً لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِنْ [[في أ: "وإن".]] عَادَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَإِنْ عَادَ -قَالَ فَلَا أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ-فَإِنْ عَادَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ رَدْغَة الْخَبَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" قَالَ: وَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ اهْتَدَى وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ فَلِذَلِكَ [[في أ: "ولذلك".]] أَقُولُ جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" وَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ سُلَيْمَانَ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى ثَلَاثًا فَأَعْطَاهُ اثْنَتَيْنِ وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ تَكُونَ لَنَا الثَّالِثَةُ: سَأَلَهُ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَسَأَلَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَسَأَلَهُ أَيُّمَا رَجُلٍ خَرَجَ مَنْ بَيْتِهِ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ خَرَجَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ [[في ت، س، أ: "مثل يوم".]] وَلَدَتْهُ أُمُّهُ فَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى [[في ت، س، أ: "عز وجل".]] قَدْ أَعْطَانَا إِيَّاهَا" [[المسند (٢/١٧٦) .]] وَقَدْ رَوَى هَذَا الْفَصْلَ الْأَخِيرَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلِمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَأَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خِلَالًا ثَلَاثًا ... " وَذَكَرَهُ [[سنن النسائي (٢/٤٣) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٠٨) .]] وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِإِسْنَادٍ وَسِيَاقٍ غَرِيبَيْنِ فَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبة الْعَسْقَلَانِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْد حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَة عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ [[في ت: "وروى الطبراني بإسناده".]] عَنْ رَافِعِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِدَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْضِ. فَبَنَى دَاوُدُ [[في ت: "داود عليه السلام".]] بَيْتًا لِنَفْسِهِ قَبْلَ الْبَيْتِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا دَاوُدُ نَصَبْتَ بَيْتَكَ قَبْلَ بَيْتِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ هَكَذَا قَضَيْتَ [[في ت، س، أ: "هكذا قلت فيما قضيت".]] مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ ثُمَّ أَخَذَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا تَمَّ السُّورَ سَقَطَ ثَلَاثًا فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: يَا دَاوُدُ [[في ت، أ: "فأوحى الله إليه"]] إِنَّكَ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَبْنِيَ لِي بَيْتًا قَالَ: وَلِمَ يَا رَبِّ؟ قَالَ: لِمَا جَرَى عَلَى يَدَيْكَ مِنَ الدِّمَاءِ. قَالَ: يَا رَبِّ أَوْ مَا كَانَ [[في ت، س، أ: "أو لم يكن".]] ذَلِكَ فِي هَوَاكَ وَمَحَبَّتِكَ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنَّهُمْ عِبَادِي وَأَنَا أَرْحَمُهُمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: لَا تَحْزَنْ فَإِنِّي سَأَقْضِي بِنَاءَهُ عَلَى يَدَيِ ابْنِكَ سُلَيْمَانَ. فَلَمَّا مَاتَ دَاوُدُ أَخْذَ سُلَيْمَانُ فِي بِنَائِهِ فَلَمَّا تَمَّ قَرَّبَ الْقَرَابِينَ وَذَبَحَ الذَّبَائِحَ وَجَمَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: قَدْ أَرَى سرورَك بِبُنْيَانِ بَيْتِي فَسَلْنِي أُعْطِكَ. قَالَ: أَسْأَلُكَ ثَلَاثَ خِصَالٍ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَكَ وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي وَمَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ لَا يُرِيدُ إلا الصلاة فيه خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما ثِنْتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ" [[المعجم الكبير (٥/٢٤) قال الهيثمي في المجمع (٤/٨) : "فيه محمد بن أيوب بن سويد الرملي وهو متهم بالوضع".]] وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا عُمَر بْنُ رَاشِدٍ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا دُعَاءً إِلَّا اسْتَفْتَحَهُ بِـ "سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّي الْأَعْلَى الْعَلِيِّ الْوَهَّابِ" [[المسند (٤/٥٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/١٥٦) : "فيه عمر بن راشد اليمامي وثقه غير واحد، وبقية رجاله رجال الصحيح".]] وَقَدْ قَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو عَبِيدٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَرْقان عَنْ صَالِحِ بْنِ مِسْمَارٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ نَبِيُّ اللَّهِ دَاوُدُ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى ابْنِهِ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِمَا [[في ت، أ: "عليه".]] السَّلَامُ: أَنْ سَلْنِي حَاجَتَكَ. قَالَ: أَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ لِي قَلْبًا يَخْشَاكَ كَمَا كَانَ قَلْبُ أَبِي وَأَنْ تَجْعَلَ قَلْبِي يُحِبُّكَ كَمَا كَانَ قَلْبُ أَبِي. فَقَالَ اللَّهُ: أَرْسَلْتُ إِلَى عَبْدِي وَسَأَلَتْهُ [[في ت، س: "أسأله".]] حَاجَتَهُ فَكَانَتْ [حَاجَتُهُ] [[زيادة من ت، س.]] أَنْ أَجْعَلَ قَلْبَهُ يَخْشَانِي وَأَنْ أَجْعَلَ قَلْبَهُ يُحِبُّنِي لأهَبَنّ لَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ وَالَّتِي بَعْدَهَا، قَالَ: فَأَعْطَاهُ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] مَا أَعْطَاهُ وَفِي الْآخِرَةِ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ. هَكَذَا أَوْرَدَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي تَارِيخِهِ [[تاريخ دمشق (٧/٥٦٩) "القسم المخطوط".]] وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ دَاوُدَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] أَنَّهُ قَالَ: "إِلَهِي كُنْ لِسُلَيْمَانَ كَمَا كُنْتَ لِي": فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنْ قُلْ لِسُلَيْمَانَ: يَكُونُ لِي كَمَا كُنْتَ لِي، أَكُونُ لَهُ كَمَا كنتُ لَكَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمَّا عَقَرَ سُلَيْمَانُ الْخَيْلَ غَضَبًا لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ عَوَّضَهُ اللَّهُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَسْرَعُ الرِّيحُ الَّتِي غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أَيْ: حَيْثُ أَرَادَ مِنَ الْبِلَادِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ أَيْ: مِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْأَبْنِيَةِ الْهَائِلَةِ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجَفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْبَشَرُ وَطَائِفَةٌ غَوَّاصُونَ فِي الْبِحَارِ يَسْتَخْرِجُونَ مِمَّا [[في ت: "ما".]] فِيهَا مِنَ اللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْأَشْيَاءِ النَّفِيسَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ إِلَّا فِيهَا ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ أَيْ: مُوثَقُونَ فِي الْأَغْلَالِ وَالْأَكْبَالِ مِمَّنْ قَدْ تَمَرّد وَعَصَى وَامْتَنَعَ مِنَ الْعَمَلِ وَأَبَى أَوْ قَدْ أَسَاءَ فِي صنيعه واعتدى. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْنَاكَ مِنَ الْمُلْكِ التَّامِّ وَالسُّلْطَانِ الْكَامِلِ كَمَا سَأَلْتَنَا فَأَعْطِ مَنْ شِئْتَ وَاحْرِمْ مَنْ شِئْتَ، لَا حِسَابَ عَلَيْكَ، أَيْ: مَهْمَا فعلتَ فَهُوَ جَائِزٌ لَكَ احْكُمْ بِمَا شِئْتَ فَهُوَ صَوَابٌ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[في أ: "الصحيح".]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خُيِّر بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا -وَهُوَ الَّذِي يَفْعَلُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ قَاسِمٌ يَقْسِمُ بَيْنَ النَّاسِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ-وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا نَبِيًّا يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَاءُ بِلَا حِسَابٍ وَلَا جُنَاحٍ، اخْتَارَ الْمَنْزِلَةَ الْأُولَى بَعْدَ مَا اسْتَشَارَ جِبْرِيلَ فَقَالَ لَهُ: تَوَاضَعْ فَاخْتَارَ الْمَنْزِلَةَ الْأُولَى لِأَنَّهَا أَرْفَعُ قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ وَأَعْلَى مَنْزِلَةً فِي الْمَعَادِ وَإِنْ كَانَتِ الْمَنْزِلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ النُّبُوَّةُ مَعَ الْمُلْكِ عَظِيمَةً أَيْضًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا أَعْطَى سُلَيْمَانَ فِي الدُّنْيَا نَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْضًا، فَقَالَ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: فاستجبنا له دعاءه، فأعطيناه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ مكان الخيل التي شغلته عن الصلاة ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ يعني: رِخوة لينة، وهي من الرخاوة. كما:- ⁕ حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا عوف، عن الحسن، أن نبي الله سليمان ﷺ لما عرضت عليه الخيل، فشغله النظر إليها عن صلاة العصر ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ فغضب لله، فأمر بها فعُقرت، فأبدله الله مكانها أسرع منها، سخر الريح تجري بأمره رُخاء حيث شاء، فكان يغدو من إيلياء، ويقيل بقزوين، ثم يروح من قَزْوين ويبيت بكابُل. ⁕ حُدثت عن الحسن، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فإنه دعا يوم دعا ولم يكن في مُلكه الريح، وكل بناء وغواص من الشياطين، فدعا ربه عند توبته واستغفاره، فوهب الله له ما سأل، فتمّ مُلكه. واختلف أهل التأويل في معنى الرخاء، فقال فيه بعضهم نحو الذي قلنا فيه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قال: طَيِّبة. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: سريعة طيبة، قال: ليست بعاصفة ولا بطيئة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿رُخَاءً﴾ قال: الرخاء اللينة. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن الحسن، في قوله ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: ليست بعاصفة، ولا الهَيِّنة بين ذلك رُخاء. وقال آخرون: معنى ذلك: مطيعة لسليمان. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن على، عن ابن عباس، قوله ﴿رُخَاءً﴾ يقول: مُطيعة له. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قال: يعني بالرُّخاء: المطيعة. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ قال: مطيعة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿رُخَاءً﴾ يقول: مطيعة. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿رُخَاءً﴾ قال: طوعا. * * وقوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ يقول: حيث أراد، من قولهم: أصاب الله بك خيرا: أي أراد الله بك خيرا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ عن ابن عباس، قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ يقول: حيث أراد. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ يقول: حيث أراد، انتهى عليها. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال. ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث شاء. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث أراد. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: إلى حيث أراد. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث أراد. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ : أي حيث أراد. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث أراد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ قال: حيث أراد. * * وقوله ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ يقول تعالى ذكره: وسخرنا له الشياطين سلطناه عليها مكان ما ابتُليناه بالذي ألقينا على كرسيّه منها يستعملها فيما يشاء من أعماله من بنَّاء وغوَّاص؛ فالبُناة منها يصنعون محاريب وتماثيل، والغاصة يستخرجون له الحُلِيّ من البحار، وآخرون ينحتون له جِفانا وقدورا، والمَردَة في الأغلال مُقَرَّنون. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ قال: يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل، وغوّاص يستخرجون الحليّ من البحر ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ قال: مردة الشياطين في الأغلال. ⁕ حُدثت عن المحاربيّ، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ قال: لم يكن هذا في ملك داود، أعطاه الله ملك داود وزاده الريح ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ يقول: في السلاسل. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿الأصْفَادِ﴾ قال: تجمع اليدين إلى عنقه، والأصفاد: جمع صَفَد وهي الأغلال. * * وقوله ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ اختلف أهل التأويل في المشار إليه بقوله ﴿هَذَا﴾ من العطاء، وأيّ عطاء أريد بقوله: عَطاؤنا، فقال بعضهم: عني به الملك الذي أعطاه الله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: قال الحسن: الملك الذي أعطيناك فأعط ما شئت وامنع ما شئت. ⁕ حدثنا عن المحاربي، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ : هذا ملكنا. وقال آخرون: بل عَنَى بذلك تسخيره له الشياطين، وقالوا: ومعنى الكلام: هذا الذي أعطيناك من كلّ بنّاء وغوّاص من الشياطين، وغيرهم عطاؤنا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: هؤلاء الشياطين احبس من شئت منهم فى وثاقك وفي عذابك أو سرِّح من شئت منهم تتخذ عنده يدًا، اصنع ما شئت. وقال آخرون: بل ذلك ما كان أوتي من القوّة على الجماع. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن أبي يوسف، عن سعيد بن طريف، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان سليمان في ظهره ماءُ مِئَة رجل، وكان له ثلاث مِئَة امرأة وتسع مِئَة سُرِّيَّة ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب القولُ الذي ذكرناه عن الحسن والضحاك من أنه عني بالعطاء ما أعطاه من الملك تعالى ذكره، وذلك أنه جلّ ثناؤه ذكر ذلك عَقِيب خبره عن مسألة نبيه سليمان صلوات الله وسلامه عليه إياه مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، فأخبر أنه سخر له ما لم يُسَخَّر لأحد من بني آدم، وذلك تسخيره له الريح والشياطين على ما وصفت، ثم قال له عزّ ذكره: هذا الذي أعطيناك من المُلك، وتسخيرنا ما سخرنا لك عطاؤنا، ووهبنا لك ما سألتنا أن نهبه لك من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعدك ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ واختلف أهل التأويل في تأويل قوله ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فقال بعضهم: عنى بذلك. فأعط من شئت ما شئت من الملك الذي آتيناك، وامنع ما شئت منه ما شئت، لا حساب عليك في ذلك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ المُلك الذي أعطيناك، فأعط ما شئت وامنع ما شئت، فليس عليك تبعة ولا حساب. ⁕ حُدثت عن المحاربي، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ سأل مُلكا هنيئا لا يُحاسب به يوم القيامة، فقال: ما أعطيت، وما أمسكت، فلا حرج عليك. ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرمة ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: أعط أو أمسك، فلا حساب عليك. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿فَامْنُنْ﴾ قال: أعط أو أمسك بغير حساب. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أعْتِق من هؤلاء الشياطين الذين سخرناهم لك من الخدمة، أو من الوَثاق ممن كان منهم مُقَرَّنا في الأصفاد مَنْ شئت واحبس من شئت فلا حرج عليك في ذلك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يقول: هؤلاء الشياطين احبس من شئت منهم في وَثاقك وفي عذابك، وسرح من شئت منهم تتخذ عنده يدًا، اصنع ما شئت لا حساب عليك في ذلك. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يقول: أعتق من الجنّ من شئت، وأمسك من شئت. حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: تَمُنّ على من تشاء منهم فتُعْتِقُهُ، وتُمسِك من شئت فتستخدمه ليس عليك في ذلك حساب. وقال آخرون: بل معنى ذلك: هذا الذي أعطيناك من القوّة على الجماع عطاؤنا، فجامع من شئت من نسائك وجواريك ما شئت بغير حساب، واترك جماع من شئت منهن. وقال آخرون: بل ذلك من المقدم والمؤخر. ومعنى الكلام: هذا عطاؤنا بغير حساب، فامْنُن أو أمسك. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله:"هذا فامنن أو أمسك عطاؤنا بغير حساب". وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من البصريين يقول في قوله ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وجهان؛ أحدهما: بغير جزاء ولا ثواب، والآخر: مِنَّةٍ ولا قِلَّةٍ. والصواب من القول في ذلك ما ذكرته عن أهل التأويل من أن معناه: لا يحاسب على ما أعطى من ذلك المُلك والسلطان. وإنما قلنا ذلك هو الصواب لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه. * * وقوله ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ يقول: وإن لسليمان عندنا لقُرْبةً بإنابته إلينا وتوبته وطاعته لنا، وحُسْنَ مآب: يقول: وحسن مرجع ومصير في الآخرة. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ : أي مصير. إن قال لنا قائل: وما وجه رغبة سليمان إلى ربه في الملك، وهو نبيّ من الأنبياء، وإنما يرغب في الملك أهل الدنيا المؤثِرون لها على الآخرة؟ أم ما وجه مسألته إياه، إذ سأله ذلك مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، وما كان يضرّه أن يكون كلّ من بعده يُؤْتَى مثل الذي أوتي من ذلك؟ أكان به بخل بذلك، فلم يكن من مُلكه، يُعطي ذلك من يعطاه، أم حسد للناس، كما ذُكر عن الحجاج بن يوسف؛ فإنه ذكر أنه قرأ قوله ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فقال: إن كان لحسودًا، فإن ذلك ليس من أخلاق الأنبياء! قيل: أما رغبته إلى ربه فيما يرغب إليه من المُلك، فلم تكن إن شاء الله به رغبةً في الدنيا، ولكن إرادة منه أن يعلم منزلته من الله فى إجابته فيما رغب إليه فيه، وقبوله توبته، وإجابته دعاءه. وأما مسألته ربه مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، فإنا قد ذكرنا فيما مضى قبلُ قولَ من قال: إن معنى ذلك: هب لي مُلكا لا أسلبه كما سلبته قبل. وإنما معناه عند هؤلاء: هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي أن يَسلُبنيه. وقد يتجه ذلك أن يكون بمعنى: لا ينبغي لأحد سواي من أهل زماني، فيكون حجة وعَلَما لي على نبوتي وأني رسولك إليهم مبعوث، إذ كانت الرسل لا بد لها من أعلام تفارق بها سائر الناس سواهم. ويتجه أيضا لأن يكون معناه: وهب لي ملكا تخُصُّني به، لا تعطيه أحدا غيري تشريفا منك لي بذلك، وتكرمة، لتبين منزلتي منك به من منازل من سواي، وليس في وجه من هذه الوجوه مما ظنه الحجاج في معنى ذلك شيء.

Al-Mukhtasar (français)

Salomon est pour Nous du nombre des rapprochés et il habitera dans une demeure agréable lorsqu’il retournera auprès de Nous. Cette demeure est le Paradis.

41

وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَٰنُ بِنُصْبٍۢ وَعَذَابٍ

Et rappelle-toi Job, Notre serviteur, lorsqu'il appela son Seigneur: «Le Diable m'a infligé détresse et souffrance».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَذْكُرُ تَعَالَى عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَا كَانَ ابْتَلَاهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الضُّرِّ فِي جَسَدِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَنْ جَسَدِهِ مَغْرز إِبْرَةٍ سَلِيمًا سِوَى قَلْبِهِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ مَنْ حَالِ الدُّنْيَا شَيْءٌ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى مَرَضِهِ وَمَا هُوَ فِيهِ غَيْرَ أَنَّ زَوْجَتَهُ حَفِظَتْ وِدَّهُ لِإِيمَانِهَا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَكَانَتْ تَخْدُمُ النَّاسَ بِالْأُجْرَةِ [[في أ: "بالأجر".]] وَتُطْعِمُهُ وَتَخْدُمُهُ نَحْوًا مِنْ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةٍ. وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي مَالٍ جَزِيلٍ وَأَوْلَادٍ وَسَعَةٍ طَائِلَةٍ مِنَ الدُّنْيَا فَسُلبَ جَمِيعَ ذَلِكَ حَتَّى آلَ بِهِ الْحَالُ إِلَى أَنْ أُلْقِيَ عَلَى مَزْبَلَةٍ مِنْ مَزَابِلِ الْبَلْدَةِ هَذِهِ الْمُدَّةَ بِكَمَالِهَا وَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ سِوَى زَوْجَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَإِنَّهَا كَانَتْ لَا تُفَارِقُهُ صَبَاحًا وَ [لَا] [[زيادة من أ.]] مَسَاءً إِلَّا بِسَبَبِ خِدْمَةِ النَّاسِ ثُمَّ تَعُودُ إِلَيْهِ قَرِيبًا. فَلَمَّا طَالَ الْمَطَالُ وَاشْتَدَّ الْحَالُ وَانْتَهَى الْقَدَرُ الْمَقْدُورُ وَتَمَّ الْأَجَلُ الْمُقَدَّرُ تَضَرَّعَ [[في ت، س: "ضرع".]] إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ وَإِلَهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٨٣] وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ قَالَ: رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ، قِيلَ: بِنُصْبٍ فِي بَدَنِي وَعَذَابٍ فِي مَالِي وَوَلَدِي. فَعِنْدَ ذَلِكَ اسْتَجَابَ لَهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَقَامِهِ وَأَنْ يَرْكُضَ الْأَرْضَ بِرِجْلِهِ. فَفَعَلَ فَأَنْبَعَ اللَّهُ عَيْنًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْهَا فَأَذْهَبَ جَمِيعَ مَا كَانَ فِي بَدَنِهِ مِنَ الْأَذَى [[في ت، س: "ما كان به من الأذى".]] ثُمَّ أَمَرَهُ فَضَرَبَ الْأَرْضَ فِي مَكَانٍ آخَرَ فَأَنْبَعَ لَهُ عَيْنًا أُخْرَى وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهَا فَأَذْهَبَتْ مَا كَانَ فِي بَاطِنِهِ [[في أ: "بباطنه".]] مِنَ السُّوءِ وَتَكَامَلَتِ الْعَافِيَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ قَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ جَمِيعًا: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ [[في ت: "بسندهما".]] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَبِثَ بِهِ بَلَاؤُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ إِلَّا رَجُلَيْنِ كَانَا مِنْ أَخَصِّ إِخْوَانِهِ بِهِ كَانَا يَغْدُوَانِ إِلَيْهِ وَيَرُوحَانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: تَعَلَّمْ -وَاللَّهِ-لَقَدْ أَذْنَبَ أَيُّوبُ ذَنْبًا مَا أَذْنَبَهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ. قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ اللَّهُ، فيكشفَ مَا بِهِ [[في أ: "ما به من مرضه".]] فَلَمَّا رَاحَا إِلَيْهِ لَمْ يَصْبِرِ الرَّجُلُ حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ أَيُّوبُ: لَا أَدْرِي مَا تَقُولُ غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ عَلَى الرَّجُلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ فَيَذْكُرَانِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي فَأُكَفِّرُ عَنْهُمَا، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَذْكُرَا اللَّهَ إِلَّا فِي حَقٍّ. قَالَ: وَكَانَ [[في أ: "وكان أيوب".]] يَخْرُجُ إِلَى حَاجَتِهِ فَإِذَا قَضَاهَا أَمْسَكَتِ امْرَأَتُهُ بِيَدِهِ حَتَّى يَبْلُغَ فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَبْطَأَ عَلَيْهَا وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَيُّوبَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنِ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فَاسْتَبْطَأَتْهُ فَتَلَقَّتْهُ تَنْظُرُ فَأَقْبَلَ [[في أ: "وأقبل".]] عَلَيْهَا قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ مَا بِهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَهُوَ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَ. فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: أَيْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ هَلْ رَأَيْتَ نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا الْمُبْتَلَى. فَوَاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ بِهِ مِنْكَ إِذْ كَانَ صَحِيحًا. قَالَ: فَإِنِّي [[في أ: "فقال إني".]] أَنَا هُوَ. قَالَ: وَكَانَ لَهُ أَنْدَرَانِ أَنْدَرُ لِلْقَمْحِ وَأَنْدَرُ لِلشَّعِيرِ فَبَعَثَ اللَّهُ سَحَابَتَيْنِ فَلَمَّا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى أَنْدَرِ الْقَمْحِ أَفْرَغَتْ فِيهِ الذَّهَبَ حَتَّى فَاضَ وَأَفْرَغَتِ الْأُخْرَى فِي أَنْدَرِ الشَّعِيرِ حَتَّى فَاضَ. هَذَا لَفْظُ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ [[تفسير الطبري (٢٣/١٠٧) ورواه البزار في مسنده (٢٣٥٧) "كشف الأستار" وأبو نعيم في الحلية (٣/٣٧٤) من طريق سعيد ابن أبي مريم عن نافع بن يزيد به. قال البزار: "لا نعلم رواه عن الزهري عن أنس إلا عقيل، ولا عنه إلا نافع ورواه عن نافع غير واحد" وقال الهيثمي في المجمع (٨/٢٠٨) : "رجال البزار رجال الصحيح".]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَر عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّه قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا [[في ت: "وروى القاري".]] أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْثُو فِي ثَوْبِهِ فَنَادَاهُ رَبُّهُ [[في ت، س، أ: "ربه عز وجل".]] يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ". انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهِ [[المسند (٢/٣١٤) وصحيح البخاري برقم (٢٧٨) .]] وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بِأَعْيَانِهِمْ وَزَادَهُمْ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ أَيْ: بِهِ عَلَى صَبْرِهِ وَثَبَاتِهِ وَإِنَابَتِهِ وَتَوَاضُعِهِ وَاسْتِكَانَتِهِ ﴿وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ﴾ أَيْ: لِذَوِي الْعُقُولِ لِيَعْلَمُوا أَنَّ عاقبةَ الصَّبْرِ الفرجُ والمخرجُ والراحة. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ قَدْ غَضِبَ عَلَى زَوْجَتِهِ وَوَجَدَ عَلَيْهَا فِي أَمْرٍ فَعَلَتْهُ. قِيلَ: [إِنَّهَا] [[زيادة من ت، أ.]] بَاعَتْ ضَفِيرَتَهَا [[في أ: "ضفيرتيها".]] بِخُبْزٍ فَأَطْعَمَتْهُ إِيَّاهُ فَلَامَهَا عَلَى ذَلِكَ وَحَلِفَ إِنْ شَفَاهُ اللَّهُ لَيَضْرِبَنَّهَا مِائَةَ جِلْدَةٍ. وَقِيلَ: لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ. فَلَمَّا شَفَاهُ اللَّهُ وَعَافَاهُ مَا كَانَ جَزَاؤُهَا مَعَ هَذِهِ الْخِدْمَةِ التَّامَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ وَالْإِحْسَانِ أَنْ تُقَابَلَ بِالضَّرْبِ فَأَفْتَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا -وَهُوَ: الشِّمراخ-فِيهِ مِائَةُ قَضِيبٍ فَيَضْرِبُهَا بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً وَقَدْ بَرّت يَمِينُهُ وَخَرَجَ مِنْ حِنْثِهِ وَوَفَى بِنَذْرِهِ وَهَذَا مِنَ الْفَرَجِ وَالْمَخْرَجِ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَأَنَابَ إِلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَمَدَحَهُ بِأَنَّهُ ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أَيْ: رَجَّاع مُنِيبٌ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطَّلَاقِ: ٢، ٣] وَقَدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى مَسَائِلَ فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا وَأَخَذُوهَا [[في ت، س: "وأخذوا".]] بِمُقْتَضَاهَا [وَمَنَعَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالُوا: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْكَفَّارَةَ كَانَتْ مَشْرُوعَةً فِي شَرْعِ أَيُّوبَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَغْنَى اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالْكَفَّارَةِ] [[زيادة من ت، أ.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿وَاذْكُرْ﴾ أيضا يا محمد عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ) مستغيثا به فيما نزل به من البلاء: يا ربّ ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ﴾ فاختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿بِنُصْبٍ﴾ فقرأته عامة قرّاء الأمصار خلا أبي جعفر القارئ: ﴿بِنُصْبٍ﴾ بضم النون وسكون الصاد، وقرأ ذلك أبو جعفر: بضم النون والصاد كليهما، وقد حُكي عنه بفتح النون والصاد؛ والنُّصْب والنَّصَب بمنزلة الحُزْن والحَزَن، والعُدم والعَدَم، والرُّشْد والرَّشَد، والصُّلْب والصَّلَب. وكان الفرّاء يقول: إذا ضُمّ أوّله لم يثقل، لأنهم جعلوهما على سِمَتين: إذا فتحوا أوّله ثقّلوا، وإذا ضمّوا أوّله خففوا. قال: وأنشدني بعض العرب: لَئِنْ بَعَثَتْ أُمُّ الحُمَيْدَيْنِ مائِرًا ... لَقَدْ غَنِيَتْ في غَيرِ بُؤْسٍ ولا جُحدِ [[البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٨٠) . قال: وقوله: (بنصب وعذاب": اجتمعت القراء على ضم النون من نصب وتخفيفها (أي الكلمة بتسكين وسطها) ، وذكروا أن أبا جعفر المدني قرأ:" بنصب وعذاب" بنصب النون والصاد. وكلاهما في التفسير واحد. وذكروا أنه المرض، وما أصابه من العناء فيه. والنصب بمنزلة الحزن والحزن، والعدم والعدم، والرشد والرشد، والصلب والصلب: إذا خفف ضم أوله، ولم يثقل، لأنهم جعلوها على سمتين. إذا فتحوا أوله، ثقلوا، وإذا ضموا أوله خففوا قال: وأنشدني بعض العرب:"لئن بعثت أم الحميدين ... البيت". قال: والعرب تقول: جحد عيشهم جحدا: إذا ضاف واشتد. فلما قال حجد، وضم أوله خفف. فابن على هذا ما رأيت من هاتين اللغتين. أهـ. قلت: والمائر الذي يجلب الميرة.]] من قولهم: جَحِد عيشه: إذا ضاق واشتدّ؛ قال: فلما قال جُحْد خَفَّف. وقال بعض أهل العلم بكلام العرب من البصريين: النَّصُب من العذاب. وقال: العرب تقول: أنصبني: عذّبني وبرّح بي. قال: وبعضهم يقول: نَصَبَني، واستشهد لقيله ذلك بقول بشر بن أبي خازم: تَعَنَّاكَ نَصْب مِن أُمَيْمَةَ مُنْصِبُ ... كَذِي الشَّجْوِ لَمَّا يَسْلُه وسيَذْهَبُ [[البيت لبشر بن أبي حازم" مجاز القرآن لآبي عبيدة (الورقة ٢١٥) قال:" بنصب وعذاب": قال بشر بن أبي حازم" ... البيت". وقال النابغة:" كليني لهم يا أميمة ناصب.... البيت" ثم قال بعد البيتين: تقول العرب: أنصبني: أي عذبني وبرح بي. وبعضهم يقول: نصبني. والنصب: إذا فتحت وحركت حروفها، كانت من الإعياء. والنصب إذا فتح أولها وأسكن ثانيها: واحد أنصاب الحرم، وكل شيء نصبته وجعلته علما. يقال: لأنصبنك نصب العود.]] وقال: يعني بالنَّصْب: البلاء والشرّ؛ ومنه قول نابغة بني ذُبيان: كِلِيني لِهَمّ يا أمَيْمَةَ ناصِبِ ... وَلَيْلٍ أُقاسِيهِ بَطيءِ الكَوَاكِب [[البيت للنابغة الذبياني (مختار الشعر الجاهلي، بشرح مصطفى السقا طبعة الحبلي ص ١٥٩) قال شارحه: كليني: دعيني. وأميمة بالفتح (والأحسن بالضم) : منادى. قال الخليل: من عادة العرب أن تنادى المؤنت بالترخيم، فلما لم يرخم هنا (بسبب الوزن) : أجراها على لفظها مرخمة، وأتى بها بالفتح. وناصب: متعب. وبطيء الكواكب: أى لا تغور كواكبه، وهي كناية عن الطول، لأن الشاعر كان قلقا. أهـ. وقد تقدم ذكر البيت في شرح الشاهد الذي قبله، عن أبي عبيدة لأن موضع الشاهد فيهما مشترك.]] ⁕ حدثني بشر بن آدم، قال: ثنا أبو قُتيبة، قال: ثنا أبو هلال، قال: سمعت الحسن، في قول الله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ فركض برجله، فنبعت عين فاغتسل منها، ثم مشى نحوا من أربعين ذراعا، ثم ركض برجله، فنبعت عين، فشرب منها، فذلك قوله ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ وعنى بقوله ﴿مُغْتَسَلٌ﴾ : ما يُغْتَسل به من الماء، يقال منه: هذا مُغْتَسل، وغسول للذي يَغْتسل به من الماء. * * وقوله ﴿وَشَرَابٌ﴾ يعني: ويشرب منه، والموضع الذي يغتسل فيه يسمى مغتسلا.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, rappelle-toi de Notre serviteur Job (`Ayyûb) qui dit en invoquant Allah: Satan m’a infligé un mal et une peine douloureuse.

42

ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌۢ بَارِدٌۭ وَشَرَابٌۭ

Frappe [la terre] de ton pied: voici une eau fraîche pour te laver et voici de quoi boire.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَذْكُرُ تَعَالَى عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَا كَانَ ابْتَلَاهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الضُّرِّ فِي جَسَدِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَنْ جَسَدِهِ مَغْرز إِبْرَةٍ سَلِيمًا سِوَى قَلْبِهِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ مَنْ حَالِ الدُّنْيَا شَيْءٌ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى مَرَضِهِ وَمَا هُوَ فِيهِ غَيْرَ أَنَّ زَوْجَتَهُ حَفِظَتْ وِدَّهُ لِإِيمَانِهَا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَكَانَتْ تَخْدُمُ النَّاسَ بِالْأُجْرَةِ [[في أ: "بالأجر".]] وَتُطْعِمُهُ وَتَخْدُمُهُ نَحْوًا مِنْ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةٍ. وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي مَالٍ جَزِيلٍ وَأَوْلَادٍ وَسَعَةٍ طَائِلَةٍ مِنَ الدُّنْيَا فَسُلبَ جَمِيعَ ذَلِكَ حَتَّى آلَ بِهِ الْحَالُ إِلَى أَنْ أُلْقِيَ عَلَى مَزْبَلَةٍ مِنْ مَزَابِلِ الْبَلْدَةِ هَذِهِ الْمُدَّةَ بِكَمَالِهَا وَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ سِوَى زَوْجَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَإِنَّهَا كَانَتْ لَا تُفَارِقُهُ صَبَاحًا وَ [لَا] [[زيادة من أ.]] مَسَاءً إِلَّا بِسَبَبِ خِدْمَةِ النَّاسِ ثُمَّ تَعُودُ إِلَيْهِ قَرِيبًا. فَلَمَّا طَالَ الْمَطَالُ وَاشْتَدَّ الْحَالُ وَانْتَهَى الْقَدَرُ الْمَقْدُورُ وَتَمَّ الْأَجَلُ الْمُقَدَّرُ تَضَرَّعَ [[في ت، س: "ضرع".]] إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ وَإِلَهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٨٣] وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ قَالَ: رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ، قِيلَ: بِنُصْبٍ فِي بَدَنِي وَعَذَابٍ فِي مَالِي وَوَلَدِي. فَعِنْدَ ذَلِكَ اسْتَجَابَ لَهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَقَامِهِ وَأَنْ يَرْكُضَ الْأَرْضَ بِرِجْلِهِ. فَفَعَلَ فَأَنْبَعَ اللَّهُ عَيْنًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْهَا فَأَذْهَبَ جَمِيعَ مَا كَانَ فِي بَدَنِهِ مِنَ الْأَذَى [[في ت، س: "ما كان به من الأذى".]] ثُمَّ أَمَرَهُ فَضَرَبَ الْأَرْضَ فِي مَكَانٍ آخَرَ فَأَنْبَعَ لَهُ عَيْنًا أُخْرَى وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهَا فَأَذْهَبَتْ مَا كَانَ فِي بَاطِنِهِ [[في أ: "بباطنه".]] مِنَ السُّوءِ وَتَكَامَلَتِ الْعَافِيَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ قَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ جَمِيعًا: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ [[في ت: "بسندهما".]] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَبِثَ بِهِ بَلَاؤُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ إِلَّا رَجُلَيْنِ كَانَا مِنْ أَخَصِّ إِخْوَانِهِ بِهِ كَانَا يَغْدُوَانِ إِلَيْهِ وَيَرُوحَانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: تَعَلَّمْ -وَاللَّهِ-لَقَدْ أَذْنَبَ أَيُّوبُ ذَنْبًا مَا أَذْنَبَهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ. قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ اللَّهُ، فيكشفَ مَا بِهِ [[في أ: "ما به من مرضه".]] فَلَمَّا رَاحَا إِلَيْهِ لَمْ يَصْبِرِ الرَّجُلُ حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ أَيُّوبُ: لَا أَدْرِي مَا تَقُولُ غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ عَلَى الرَّجُلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ فَيَذْكُرَانِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي فَأُكَفِّرُ عَنْهُمَا، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَذْكُرَا اللَّهَ إِلَّا فِي حَقٍّ. قَالَ: وَكَانَ [[في أ: "وكان أيوب".]] يَخْرُجُ إِلَى حَاجَتِهِ فَإِذَا قَضَاهَا أَمْسَكَتِ امْرَأَتُهُ بِيَدِهِ حَتَّى يَبْلُغَ فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَبْطَأَ عَلَيْهَا وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَيُّوبَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنِ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فَاسْتَبْطَأَتْهُ فَتَلَقَّتْهُ تَنْظُرُ فَأَقْبَلَ [[في أ: "وأقبل".]] عَلَيْهَا قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ مَا بِهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَهُوَ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَ. فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: أَيْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ هَلْ رَأَيْتَ نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا الْمُبْتَلَى. فَوَاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ بِهِ مِنْكَ إِذْ كَانَ صَحِيحًا. قَالَ: فَإِنِّي [[في أ: "فقال إني".]] أَنَا هُوَ. قَالَ: وَكَانَ لَهُ أَنْدَرَانِ أَنْدَرُ لِلْقَمْحِ وَأَنْدَرُ لِلشَّعِيرِ فَبَعَثَ اللَّهُ سَحَابَتَيْنِ فَلَمَّا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى أَنْدَرِ الْقَمْحِ أَفْرَغَتْ فِيهِ الذَّهَبَ حَتَّى فَاضَ وَأَفْرَغَتِ الْأُخْرَى فِي أَنْدَرِ الشَّعِيرِ حَتَّى فَاضَ. هَذَا لَفْظُ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ [[تفسير الطبري (٢٣/١٠٧) ورواه البزار في مسنده (٢٣٥٧) "كشف الأستار" وأبو نعيم في الحلية (٣/٣٧٤) من طريق سعيد ابن أبي مريم عن نافع بن يزيد به. قال البزار: "لا نعلم رواه عن الزهري عن أنس إلا عقيل، ولا عنه إلا نافع ورواه عن نافع غير واحد" وقال الهيثمي في المجمع (٨/٢٠٨) : "رجال البزار رجال الصحيح".]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَر عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّه قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا [[في ت: "وروى القاري".]] أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْثُو فِي ثَوْبِهِ فَنَادَاهُ رَبُّهُ [[في ت، س، أ: "ربه عز وجل".]] يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ". انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهِ [[المسند (٢/٣١٤) وصحيح البخاري برقم (٢٧٨) .]] وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بِأَعْيَانِهِمْ وَزَادَهُمْ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ أَيْ: بِهِ عَلَى صَبْرِهِ وَثَبَاتِهِ وَإِنَابَتِهِ وَتَوَاضُعِهِ وَاسْتِكَانَتِهِ ﴿وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ﴾ أَيْ: لِذَوِي الْعُقُولِ لِيَعْلَمُوا أَنَّ عاقبةَ الصَّبْرِ الفرجُ والمخرجُ والراحة. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ قَدْ غَضِبَ عَلَى زَوْجَتِهِ وَوَجَدَ عَلَيْهَا فِي أَمْرٍ فَعَلَتْهُ. قِيلَ: [إِنَّهَا] [[زيادة من ت، أ.]] بَاعَتْ ضَفِيرَتَهَا [[في أ: "ضفيرتيها".]] بِخُبْزٍ فَأَطْعَمَتْهُ إِيَّاهُ فَلَامَهَا عَلَى ذَلِكَ وَحَلِفَ إِنْ شَفَاهُ اللَّهُ لَيَضْرِبَنَّهَا مِائَةَ جِلْدَةٍ. وَقِيلَ: لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ. فَلَمَّا شَفَاهُ اللَّهُ وَعَافَاهُ مَا كَانَ جَزَاؤُهَا مَعَ هَذِهِ الْخِدْمَةِ التَّامَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ وَالْإِحْسَانِ أَنْ تُقَابَلَ بِالضَّرْبِ فَأَفْتَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا -وَهُوَ: الشِّمراخ-فِيهِ مِائَةُ قَضِيبٍ فَيَضْرِبُهَا بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً وَقَدْ بَرّت يَمِينُهُ وَخَرَجَ مِنْ حِنْثِهِ وَوَفَى بِنَذْرِهِ وَهَذَا مِنَ الْفَرَجِ وَالْمَخْرَجِ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَأَنَابَ إِلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَمَدَحَهُ بِأَنَّهُ ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أَيْ: رَجَّاع مُنِيبٌ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطَّلَاقِ: ٢، ٣] وَقَدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى مَسَائِلَ فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا وَأَخَذُوهَا [[في ت، س: "وأخذوا".]] بِمُقْتَضَاهَا [وَمَنَعَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالُوا: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْكَفَّارَةَ كَانَتْ مَشْرُوعَةً فِي شَرْعِ أَيُّوبَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَغْنَى اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالْكَفَّارَةِ] [[زيادة من ت، أ.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿وَاذْكُرْ﴾ أيضا يا محمد عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ) مستغيثا به فيما نزل به من البلاء: يا ربّ ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ﴾ فاختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿بِنُصْبٍ﴾ فقرأته عامة قرّاء الأمصار خلا أبي جعفر القارئ: ﴿بِنُصْبٍ﴾ بضم النون وسكون الصاد، وقرأ ذلك أبو جعفر: بضم النون والصاد كليهما، وقد حُكي عنه بفتح النون والصاد؛ والنُّصْب والنَّصَب بمنزلة الحُزْن والحَزَن، والعُدم والعَدَم، والرُّشْد والرَّشَد، والصُّلْب والصَّلَب. وكان الفرّاء يقول: إذا ضُمّ أوّله لم يثقل، لأنهم جعلوهما على سِمَتين: إذا فتحوا أوّله ثقّلوا، وإذا ضمّوا أوّله خففوا. قال: وأنشدني بعض العرب: لَئِنْ بَعَثَتْ أُمُّ الحُمَيْدَيْنِ مائِرًا ... لَقَدْ غَنِيَتْ في غَيرِ بُؤْسٍ ولا جُحدِ [[البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٨٠) . قال: وقوله: (بنصب وعذاب": اجتمعت القراء على ضم النون من نصب وتخفيفها (أي الكلمة بتسكين وسطها) ، وذكروا أن أبا جعفر المدني قرأ:" بنصب وعذاب" بنصب النون والصاد. وكلاهما في التفسير واحد. وذكروا أنه المرض، وما أصابه من العناء فيه. والنصب بمنزلة الحزن والحزن، والعدم والعدم، والرشد والرشد، والصلب والصلب: إذا خفف ضم أوله، ولم يثقل، لأنهم جعلوها على سمتين. إذا فتحوا أوله، ثقلوا، وإذا ضموا أوله خففوا قال: وأنشدني بعض العرب:"لئن بعثت أم الحميدين ... البيت". قال: والعرب تقول: جحد عيشهم جحدا: إذا ضاف واشتد. فلما قال حجد، وضم أوله خفف. فابن على هذا ما رأيت من هاتين اللغتين. أهـ. قلت: والمائر الذي يجلب الميرة.]] من قولهم: جَحِد عيشه: إذا ضاق واشتدّ؛ قال: فلما قال جُحْد خَفَّف. وقال بعض أهل العلم بكلام العرب من البصريين: النَّصُب من العذاب. وقال: العرب تقول: أنصبني: عذّبني وبرّح بي. قال: وبعضهم يقول: نَصَبَني، واستشهد لقيله ذلك بقول بشر بن أبي خازم: تَعَنَّاكَ نَصْب مِن أُمَيْمَةَ مُنْصِبُ ... كَذِي الشَّجْوِ لَمَّا يَسْلُه وسيَذْهَبُ [[البيت لبشر بن أبي حازم" مجاز القرآن لآبي عبيدة (الورقة ٢١٥) قال:" بنصب وعذاب": قال بشر بن أبي حازم" ... البيت". وقال النابغة:" كليني لهم يا أميمة ناصب.... البيت" ثم قال بعد البيتين: تقول العرب: أنصبني: أي عذبني وبرح بي. وبعضهم يقول: نصبني. والنصب: إذا فتحت وحركت حروفها، كانت من الإعياء. والنصب إذا فتح أولها وأسكن ثانيها: واحد أنصاب الحرم، وكل شيء نصبته وجعلته علما. يقال: لأنصبنك نصب العود.]] وقال: يعني بالنَّصْب: البلاء والشرّ؛ ومنه قول نابغة بني ذُبيان: كِلِيني لِهَمّ يا أمَيْمَةَ ناصِبِ ... وَلَيْلٍ أُقاسِيهِ بَطيءِ الكَوَاكِب [[البيت للنابغة الذبياني (مختار الشعر الجاهلي، بشرح مصطفى السقا طبعة الحبلي ص ١٥٩) قال شارحه: كليني: دعيني. وأميمة بالفتح (والأحسن بالضم) : منادى. قال الخليل: من عادة العرب أن تنادى المؤنت بالترخيم، فلما لم يرخم هنا (بسبب الوزن) : أجراها على لفظها مرخمة، وأتى بها بالفتح. وناصب: متعب. وبطيء الكواكب: أى لا تغور كواكبه، وهي كناية عن الطول، لأن الشاعر كان قلقا. أهـ. وقد تقدم ذكر البيت في شرح الشاهد الذي قبله، عن أبي عبيدة لأن موضع الشاهد فيهما مشترك.]] ⁕ حدثني بشر بن آدم، قال: ثنا أبو قُتيبة، قال: ثنا أبو هلال، قال: سمعت الحسن، في قول الله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ فركض برجله، فنبعت عين فاغتسل منها، ثم مشى نحوا من أربعين ذراعا، ثم ركض برجله، فنبعت عين، فشرب منها، فذلك قوله ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ وعنى بقوله ﴿مُغْتَسَلٌ﴾ : ما يُغْتَسل به من الماء، يقال منه: هذا مُغْتَسل، وغسول للذي يَغْتسل به من الماء. * * وقوله ﴿وَشَرَابٌ﴾ يعني: ويشرب منه، والموضع الذي يغتسل فيه يسمى مغتسلا.

Al-Mukhtasar (français)

Nous lui répondîmes: Frappe le sol de ton pied. Il s’exécuta et du sol jaillit une eau dont il but et se lava le corps. C’est alors que le mal dont il souffrait disparut.

43

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةًۭ مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ

Et Nous lui rendîmes sa famille et la fîmes deux fois plus nombreuse, comme une miséricorde de Notre part et comme un rappel pour les gens doués d'intelligence.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَذْكُرُ تَعَالَى عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَا كَانَ ابْتَلَاهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الضُّرِّ فِي جَسَدِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَنْ جَسَدِهِ مَغْرز إِبْرَةٍ سَلِيمًا سِوَى قَلْبِهِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ مَنْ حَالِ الدُّنْيَا شَيْءٌ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى مَرَضِهِ وَمَا هُوَ فِيهِ غَيْرَ أَنَّ زَوْجَتَهُ حَفِظَتْ وِدَّهُ لِإِيمَانِهَا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَكَانَتْ تَخْدُمُ النَّاسَ بِالْأُجْرَةِ [[في أ: "بالأجر".]] وَتُطْعِمُهُ وَتَخْدُمُهُ نَحْوًا مِنْ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةٍ. وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي مَالٍ جَزِيلٍ وَأَوْلَادٍ وَسَعَةٍ طَائِلَةٍ مِنَ الدُّنْيَا فَسُلبَ جَمِيعَ ذَلِكَ حَتَّى آلَ بِهِ الْحَالُ إِلَى أَنْ أُلْقِيَ عَلَى مَزْبَلَةٍ مِنْ مَزَابِلِ الْبَلْدَةِ هَذِهِ الْمُدَّةَ بِكَمَالِهَا وَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ سِوَى زَوْجَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَإِنَّهَا كَانَتْ لَا تُفَارِقُهُ صَبَاحًا وَ [لَا] [[زيادة من أ.]] مَسَاءً إِلَّا بِسَبَبِ خِدْمَةِ النَّاسِ ثُمَّ تَعُودُ إِلَيْهِ قَرِيبًا. فَلَمَّا طَالَ الْمَطَالُ وَاشْتَدَّ الْحَالُ وَانْتَهَى الْقَدَرُ الْمَقْدُورُ وَتَمَّ الْأَجَلُ الْمُقَدَّرُ تَضَرَّعَ [[في ت، س: "ضرع".]] إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ وَإِلَهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٨٣] وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ قَالَ: رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ، قِيلَ: بِنُصْبٍ فِي بَدَنِي وَعَذَابٍ فِي مَالِي وَوَلَدِي. فَعِنْدَ ذَلِكَ اسْتَجَابَ لَهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَقَامِهِ وَأَنْ يَرْكُضَ الْأَرْضَ بِرِجْلِهِ. فَفَعَلَ فَأَنْبَعَ اللَّهُ عَيْنًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْهَا فَأَذْهَبَ جَمِيعَ مَا كَانَ فِي بَدَنِهِ مِنَ الْأَذَى [[في ت، س: "ما كان به من الأذى".]] ثُمَّ أَمَرَهُ فَضَرَبَ الْأَرْضَ فِي مَكَانٍ آخَرَ فَأَنْبَعَ لَهُ عَيْنًا أُخْرَى وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهَا فَأَذْهَبَتْ مَا كَانَ فِي بَاطِنِهِ [[في أ: "بباطنه".]] مِنَ السُّوءِ وَتَكَامَلَتِ الْعَافِيَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ قَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ جَمِيعًا: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ [[في ت: "بسندهما".]] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَبِثَ بِهِ بَلَاؤُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ إِلَّا رَجُلَيْنِ كَانَا مِنْ أَخَصِّ إِخْوَانِهِ بِهِ كَانَا يَغْدُوَانِ إِلَيْهِ وَيَرُوحَانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: تَعَلَّمْ -وَاللَّهِ-لَقَدْ أَذْنَبَ أَيُّوبُ ذَنْبًا مَا أَذْنَبَهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ. قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ اللَّهُ، فيكشفَ مَا بِهِ [[في أ: "ما به من مرضه".]] فَلَمَّا رَاحَا إِلَيْهِ لَمْ يَصْبِرِ الرَّجُلُ حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ أَيُّوبُ: لَا أَدْرِي مَا تَقُولُ غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ عَلَى الرَّجُلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ فَيَذْكُرَانِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي فَأُكَفِّرُ عَنْهُمَا، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَذْكُرَا اللَّهَ إِلَّا فِي حَقٍّ. قَالَ: وَكَانَ [[في أ: "وكان أيوب".]] يَخْرُجُ إِلَى حَاجَتِهِ فَإِذَا قَضَاهَا أَمْسَكَتِ امْرَأَتُهُ بِيَدِهِ حَتَّى يَبْلُغَ فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَبْطَأَ عَلَيْهَا وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَيُّوبَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنِ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فَاسْتَبْطَأَتْهُ فَتَلَقَّتْهُ تَنْظُرُ فَأَقْبَلَ [[في أ: "وأقبل".]] عَلَيْهَا قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ مَا بِهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَهُوَ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَ. فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: أَيْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ هَلْ رَأَيْتَ نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا الْمُبْتَلَى. فَوَاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ بِهِ مِنْكَ إِذْ كَانَ صَحِيحًا. قَالَ: فَإِنِّي [[في أ: "فقال إني".]] أَنَا هُوَ. قَالَ: وَكَانَ لَهُ أَنْدَرَانِ أَنْدَرُ لِلْقَمْحِ وَأَنْدَرُ لِلشَّعِيرِ فَبَعَثَ اللَّهُ سَحَابَتَيْنِ فَلَمَّا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى أَنْدَرِ الْقَمْحِ أَفْرَغَتْ فِيهِ الذَّهَبَ حَتَّى فَاضَ وَأَفْرَغَتِ الْأُخْرَى فِي أَنْدَرِ الشَّعِيرِ حَتَّى فَاضَ. هَذَا لَفْظُ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ [[تفسير الطبري (٢٣/١٠٧) ورواه البزار في مسنده (٢٣٥٧) "كشف الأستار" وأبو نعيم في الحلية (٣/٣٧٤) من طريق سعيد ابن أبي مريم عن نافع بن يزيد به. قال البزار: "لا نعلم رواه عن الزهري عن أنس إلا عقيل، ولا عنه إلا نافع ورواه عن نافع غير واحد" وقال الهيثمي في المجمع (٨/٢٠٨) : "رجال البزار رجال الصحيح".]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَر عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّه قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا [[في ت: "وروى القاري".]] أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْثُو فِي ثَوْبِهِ فَنَادَاهُ رَبُّهُ [[في ت، س، أ: "ربه عز وجل".]] يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ". انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهِ [[المسند (٢/٣١٤) وصحيح البخاري برقم (٢٧٨) .]] وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بِأَعْيَانِهِمْ وَزَادَهُمْ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ أَيْ: بِهِ عَلَى صَبْرِهِ وَثَبَاتِهِ وَإِنَابَتِهِ وَتَوَاضُعِهِ وَاسْتِكَانَتِهِ ﴿وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ﴾ أَيْ: لِذَوِي الْعُقُولِ لِيَعْلَمُوا أَنَّ عاقبةَ الصَّبْرِ الفرجُ والمخرجُ والراحة. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ قَدْ غَضِبَ عَلَى زَوْجَتِهِ وَوَجَدَ عَلَيْهَا فِي أَمْرٍ فَعَلَتْهُ. قِيلَ: [إِنَّهَا] [[زيادة من ت، أ.]] بَاعَتْ ضَفِيرَتَهَا [[في أ: "ضفيرتيها".]] بِخُبْزٍ فَأَطْعَمَتْهُ إِيَّاهُ فَلَامَهَا عَلَى ذَلِكَ وَحَلِفَ إِنْ شَفَاهُ اللَّهُ لَيَضْرِبَنَّهَا مِائَةَ جِلْدَةٍ. وَقِيلَ: لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ. فَلَمَّا شَفَاهُ اللَّهُ وَعَافَاهُ مَا كَانَ جَزَاؤُهَا مَعَ هَذِهِ الْخِدْمَةِ التَّامَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ وَالْإِحْسَانِ أَنْ تُقَابَلَ بِالضَّرْبِ فَأَفْتَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا -وَهُوَ: الشِّمراخ-فِيهِ مِائَةُ قَضِيبٍ فَيَضْرِبُهَا بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً وَقَدْ بَرّت يَمِينُهُ وَخَرَجَ مِنْ حِنْثِهِ وَوَفَى بِنَذْرِهِ وَهَذَا مِنَ الْفَرَجِ وَالْمَخْرَجِ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَأَنَابَ إِلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَمَدَحَهُ بِأَنَّهُ ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أَيْ: رَجَّاع مُنِيبٌ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطَّلَاقِ: ٢، ٣] وَقَدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى مَسَائِلَ فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا وَأَخَذُوهَا [[في ت، س: "وأخذوا".]] بِمُقْتَضَاهَا [وَمَنَعَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالُوا: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْكَفَّارَةَ كَانَتْ مَشْرُوعَةً فِي شَرْعِ أَيُّوبَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَغْنَى اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالْكَفَّارَةِ] [[زيادة من ت، أ.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤) ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى قوله ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ وقد ذكرنا اختلافهم في ذلك والصواب من القول عندنا فيه في سورة الأنبياء بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. فتأويل الكلام: فاغتسل وشرب، ففرجنا عنه ما كان فيه من البلاء، ووهبنا له أهله، من زوجة وولد ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا﴾ له ورأفة ﴿وَذِكْرَى﴾ يقول: وتذكيرا لأولي العقول، ليعتبروا بها فيتعظوا. ⁕ وقد حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني نافع بن يزيد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال:"إنَّ نَبِيَّ الله أيُّوبَ لَبِثَ بِهِ بَلاؤهُ ثَمانِيَ عَشْرَة سَنَة، فَرَفَضَه القَرِيبُ وَالبَعِيدُ، إلا رَجُلانِ مِنْ إخْوَانِهِ كانا مِنْ أخَصّ إخْوَانِهِ بِهِ، كَانَا يَغْدُوانِ إلَيْهِ ويَرُوحانِ، فَقالَ أحَدُهُما لِصَاحِبه: تَعْلَم والله لَقَدْ أذْنَبَ أيُّوبُ ذَنْبًا ما أذْنَبَهُ أحَدٌ مِنَ العَالَمِينَ، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: ومَا ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ الله فَيَكْشِفَ ما بِهِ؛ فَلَمَّا رَاحا إلَيْهِ لَمْ يَصْبِر الرَّجُلُ حتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فقَالَ أيَّوُّبُ: لا أدْرِي ما تَقُولُ، غَيرَ أنَّ الله يَعْلَمُ أنِّي كُنْتُ أمُرُّ على الرُّجُلَيْنِ يَتَنازَعانِ فَيَذْكُرَانِ الله، فَأَرْجِعَ إلى بَيْتِي فَأكفِّرُ عَنْهُما كَرَاهِيَةَ أنْ يُذْكَرَ الله إلا في حَقّ؛ قال: وكان يَخْرُجُ إلى حاجَتِهِ، فإذَا قَضَاها أمْسَكَت امْرأُتُه بِيَدِهِ حتى يَبْلُغ فَلَما كانَ ذاتَ يَوْمٍ أبْطَأُ عَلَيْها، وأوحِيَ إلى أيُّوب في مَكانِهِ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فاسْتَبطأتَهُ، فَتَلقتهُ تَنْظُرُ، فأقْبَلَ عَلَيْهَا قَدْ أذْهَبَ الله ما بِهِ مِنَ البَلاءِ، وَهُوَ عَلى أحْسَنِ ما كانَ؛ فَلَمَّا رَأتْهُ قَالَتْ: أيْ بارَكَ الله فِيكَ، هَلْ رَأَيْتَ نَبِيَّ الله هَذَا المُبْتَلى، فوالله على ذلك ما رَأَيْتُ أحَدًا أشْبَهَ بِهِ منْكَ إذْ كانَ صحيحا؟ قال: فإنّي أنا هُوَ؛ قال: وكانَ لَهُ أنْدرَانِ: أنْدَرٌ للْقَمْحِ، وأنْدَرٌ للشَّعِيرِ، فَبَعَثَ الله سَحَابَتَيْنِ، فَلَمَّا كانَتْ إحْداهُما على أنْدَرِ القَمْحِ، أفْرَغَتْ فِيهِ الذَّهَبَ حتى فاضَ، وأفرغَتِ الأخْرَى في أنْدَرِ الشَّعِيرِ الوَرِق حتى فاضَ". ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ قال: قال الحسن وقتادة: فأحياهم الله بأعيانهم، وزادهم مثلهم. ⁕ حدثني محمد بن عوف، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا عبد الرحمن بن جُبَير، قال: لما ابتُلي نبيّ الله أيوب ﷺ بماله وولده وجسده، وطُرح في مَزْبَلة، جعلت امرأته تخرج تكسب عليه ما تطعمه، فحسده الشيطان على ذلك، وكان يأتي أصحاب الخبز والشويّ الذين كانوا يتصدّقون عليها، فيقول: اطردوا هذه المرأة التي تغشاكم، فإنها تعالج صاحبها وتلمسه بيدها، فالناس يتقذّرون طعامكم من أجل أنها تأتيكم وتغشاكم على ذلك؛ وكان يلقاها إذا خرجت كالمحزون لمَا لقي أيوب، فيقول: لَجَّ صاحبك، فأبى إلا ما أتى، فوالله لو تكلم بكلمة واحدة لكشف عنه كلّ ضرّ، ولرجع إليه ماله وولده، فتجيء، فتخبر أيوب، فيقول لها: لقيك عدوّ الله فلقنك هذا الكلام؛ ويلك، إنما مثلك كمثل المرأة الزانية إذا جاء صديقها بشيء قبلته وأدخلته، وإن لم يأتها بشيء طردته، وأغلقت بابها عنه! لما أعطانا الله المال والولد آمنا به، وإذا قبض الذي له منا نكفر به، ونبدّل فيره! إن أقامني الله من مرضي هذا لأجلدنَّك مئةً، قال: فلذلك قال الله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ وقوله ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ يقول: وقلنا لأيوب: خذ بيدك ضغثا، وهو ما يجمع من شيء مثل حزمة الرُّطْبة، وكملء الكفّ من الشجر أو الحشيش والشماريخ ونحو ذلك مما قام على ساق؛ ومنه قول عوف بن الخَرِع: وأسْفَل مِنِّي نَهْدَةٌ قَدْ رَبَطْتُها ... وألْقَيْتُ ضِغْثا مِن خَلا متَطَيِّبِ [[البيت لعوف بن الخرع (مجاز القرآن لأبى عبيدة الورقة ٢١٥ - ب) ويؤيد أنه في معجم الشعراء: عوف بن عطية بن الخرع، وكذا في التاج. قال أبو عبيدة عند تفسير قوله تعالى:" وخذ بيدك ضعثا: وهو ملء الكف من الشجر أو الحشيش والشماريخ وما أشبه ذلك، قال عوف بن الخرع:" واسفل منى ... البيت". وفي اللسان: وفرس نهد جسيم مشرف وقيل النهد الضخم القوى والأنثى نهدة. والخلا: الرطب من الحشيش (مثل البرسيم، أو هو البرسيم) .]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثني عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية عن عليّ عن ابن عباس، قوله ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ يقول: حُزْمة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ قال: أمر أن يأخذ ضغثا من رطبة بقدر ما حلف عليه فيضرب به. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، في قوله ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ قال: عيدانا رطبة. ⁕ حدثنا أبو هشام الرفاعيّ، قال: ثنا يحيى، عن إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر، عن أبيه، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ قال: هو الأثْل. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ .. الآية، قال: كانت امرأته قد عَرَضت له بأمر، وأرادها إبليس على شيء، فقال: لو تكلمت بكذا وكذا، وإنما حملها عليها الجزع، فحلف نبي الله: لِئن الله شفاه ليجلِدنَّها مئة جلدة؛ قال: فأمر بغصن فيه تسعة وتسعون قضيبا، والأصل تكملة المِئَة، فضربها ضربة واحدة، فأبرّ نبيُّ الله، وخَفَّفَ الله عن أمَتِهِ، والله رحيم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ يعني: ضِغْثا من الشجر الرَّطْب، كان حلف على يمين، فأخذ من الشجر عدد ما حلف عليه، فضرب به ضَرْبة واحدة، فبرّت يمينه، وهو اليوم في الناس يمين أيوب، من أخذ بها فهو حسن. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ قال: ضِغْثا واحدا من الكلأ فيه أكثر من مِئَة عود، فضرب به ضربة واحدة، فذلك مِئَة ضربة. ⁕ حدثني محمد بن عوف، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا عبد الرحمن بن جُبَير ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ﴾ يقول: فاضرب زوجتك بالضِّغْث، لتَبرّ في يمينك التي حلفت بها عليها أن تضربها ﴿وَلا تَحْنَثْ﴾ يقول: ولا تحنَثْ في يمينك. * * وقوله ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ يقول: إنا وجدنا أيوب صابرا على البلاء، لا يحمله البلاء على الخروج عن طاعة الله، والدخول في معصيته ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ يقول: إنه على طاعة الله مقبل، وإلى رضاه رجَّاع.

Al-Mukhtasar (français)

Nous l’exauçâmes alors et fîmes disparaître le mal dont il souffrait. Puis Nous lui donnâmes une famille et doublèrent le nombre de ses enfants et petits-enfants, par miséricorde de Notre part, comme rétribution pour sa patience et afin que les gens doués d’intelligence se rappellent que les fruits de la patience sont une issue favorable et une récompense.

44

وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًۭا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَٰهُ صَابِرًۭا ۚ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌۭ

«Et prends dans ta main un faisceau de brindilles, puis frappe avec cela. Et ne viole pas ton serment». Oui, Nous l'avons trouvé vraiment endurant. Quel bon serviteur! Sans cesse il se repentait.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَذْكُرُ تَعَالَى عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَا كَانَ ابْتَلَاهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الضُّرِّ فِي جَسَدِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَنْ جَسَدِهِ مَغْرز إِبْرَةٍ سَلِيمًا سِوَى قَلْبِهِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ مَنْ حَالِ الدُّنْيَا شَيْءٌ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى مَرَضِهِ وَمَا هُوَ فِيهِ غَيْرَ أَنَّ زَوْجَتَهُ حَفِظَتْ وِدَّهُ لِإِيمَانِهَا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَكَانَتْ تَخْدُمُ النَّاسَ بِالْأُجْرَةِ [[في أ: "بالأجر".]] وَتُطْعِمُهُ وَتَخْدُمُهُ نَحْوًا مِنْ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةٍ. وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي مَالٍ جَزِيلٍ وَأَوْلَادٍ وَسَعَةٍ طَائِلَةٍ مِنَ الدُّنْيَا فَسُلبَ جَمِيعَ ذَلِكَ حَتَّى آلَ بِهِ الْحَالُ إِلَى أَنْ أُلْقِيَ عَلَى مَزْبَلَةٍ مِنْ مَزَابِلِ الْبَلْدَةِ هَذِهِ الْمُدَّةَ بِكَمَالِهَا وَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ سِوَى زَوْجَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَإِنَّهَا كَانَتْ لَا تُفَارِقُهُ صَبَاحًا وَ [لَا] [[زيادة من أ.]] مَسَاءً إِلَّا بِسَبَبِ خِدْمَةِ النَّاسِ ثُمَّ تَعُودُ إِلَيْهِ قَرِيبًا. فَلَمَّا طَالَ الْمَطَالُ وَاشْتَدَّ الْحَالُ وَانْتَهَى الْقَدَرُ الْمَقْدُورُ وَتَمَّ الْأَجَلُ الْمُقَدَّرُ تَضَرَّعَ [[في ت، س: "ضرع".]] إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ وَإِلَهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٨٣] وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ قَالَ: رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ، قِيلَ: بِنُصْبٍ فِي بَدَنِي وَعَذَابٍ فِي مَالِي وَوَلَدِي. فَعِنْدَ ذَلِكَ اسْتَجَابَ لَهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَقَامِهِ وَأَنْ يَرْكُضَ الْأَرْضَ بِرِجْلِهِ. فَفَعَلَ فَأَنْبَعَ اللَّهُ عَيْنًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْهَا فَأَذْهَبَ جَمِيعَ مَا كَانَ فِي بَدَنِهِ مِنَ الْأَذَى [[في ت، س: "ما كان به من الأذى".]] ثُمَّ أَمَرَهُ فَضَرَبَ الْأَرْضَ فِي مَكَانٍ آخَرَ فَأَنْبَعَ لَهُ عَيْنًا أُخْرَى وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهَا فَأَذْهَبَتْ مَا كَانَ فِي بَاطِنِهِ [[في أ: "بباطنه".]] مِنَ السُّوءِ وَتَكَامَلَتِ الْعَافِيَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ قَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ جَمِيعًا: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ [[في ت: "بسندهما".]] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَبِثَ بِهِ بَلَاؤُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ إِلَّا رَجُلَيْنِ كَانَا مِنْ أَخَصِّ إِخْوَانِهِ بِهِ كَانَا يَغْدُوَانِ إِلَيْهِ وَيَرُوحَانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: تَعَلَّمْ -وَاللَّهِ-لَقَدْ أَذْنَبَ أَيُّوبُ ذَنْبًا مَا أَذْنَبَهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ. قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ اللَّهُ، فيكشفَ مَا بِهِ [[في أ: "ما به من مرضه".]] فَلَمَّا رَاحَا إِلَيْهِ لَمْ يَصْبِرِ الرَّجُلُ حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ أَيُّوبُ: لَا أَدْرِي مَا تَقُولُ غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ عَلَى الرَّجُلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ فَيَذْكُرَانِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي فَأُكَفِّرُ عَنْهُمَا، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَذْكُرَا اللَّهَ إِلَّا فِي حَقٍّ. قَالَ: وَكَانَ [[في أ: "وكان أيوب".]] يَخْرُجُ إِلَى حَاجَتِهِ فَإِذَا قَضَاهَا أَمْسَكَتِ امْرَأَتُهُ بِيَدِهِ حَتَّى يَبْلُغَ فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَبْطَأَ عَلَيْهَا وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَيُّوبَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنِ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فَاسْتَبْطَأَتْهُ فَتَلَقَّتْهُ تَنْظُرُ فَأَقْبَلَ [[في أ: "وأقبل".]] عَلَيْهَا قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ مَا بِهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَهُوَ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَ. فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: أَيْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ هَلْ رَأَيْتَ نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا الْمُبْتَلَى. فَوَاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ بِهِ مِنْكَ إِذْ كَانَ صَحِيحًا. قَالَ: فَإِنِّي [[في أ: "فقال إني".]] أَنَا هُوَ. قَالَ: وَكَانَ لَهُ أَنْدَرَانِ أَنْدَرُ لِلْقَمْحِ وَأَنْدَرُ لِلشَّعِيرِ فَبَعَثَ اللَّهُ سَحَابَتَيْنِ فَلَمَّا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى أَنْدَرِ الْقَمْحِ أَفْرَغَتْ فِيهِ الذَّهَبَ حَتَّى فَاضَ وَأَفْرَغَتِ الْأُخْرَى فِي أَنْدَرِ الشَّعِيرِ حَتَّى فَاضَ. هَذَا لَفْظُ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ [[تفسير الطبري (٢٣/١٠٧) ورواه البزار في مسنده (٢٣٥٧) "كشف الأستار" وأبو نعيم في الحلية (٣/٣٧٤) من طريق سعيد ابن أبي مريم عن نافع بن يزيد به. قال البزار: "لا نعلم رواه عن الزهري عن أنس إلا عقيل، ولا عنه إلا نافع ورواه عن نافع غير واحد" وقال الهيثمي في المجمع (٨/٢٠٨) : "رجال البزار رجال الصحيح".]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَر عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّه قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا [[في ت: "وروى القاري".]] أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْثُو فِي ثَوْبِهِ فَنَادَاهُ رَبُّهُ [[في ت، س، أ: "ربه عز وجل".]] يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ". انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهِ [[المسند (٢/٣١٤) وصحيح البخاري برقم (٢٧٨) .]] وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بِأَعْيَانِهِمْ وَزَادَهُمْ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ أَيْ: بِهِ عَلَى صَبْرِهِ وَثَبَاتِهِ وَإِنَابَتِهِ وَتَوَاضُعِهِ وَاسْتِكَانَتِهِ ﴿وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ﴾ أَيْ: لِذَوِي الْعُقُولِ لِيَعْلَمُوا أَنَّ عاقبةَ الصَّبْرِ الفرجُ والمخرجُ والراحة. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ قَدْ غَضِبَ عَلَى زَوْجَتِهِ وَوَجَدَ عَلَيْهَا فِي أَمْرٍ فَعَلَتْهُ. قِيلَ: [إِنَّهَا] [[زيادة من ت، أ.]] بَاعَتْ ضَفِيرَتَهَا [[في أ: "ضفيرتيها".]] بِخُبْزٍ فَأَطْعَمَتْهُ إِيَّاهُ فَلَامَهَا عَلَى ذَلِكَ وَحَلِفَ إِنْ شَفَاهُ اللَّهُ لَيَضْرِبَنَّهَا مِائَةَ جِلْدَةٍ. وَقِيلَ: لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ. فَلَمَّا شَفَاهُ اللَّهُ وَعَافَاهُ مَا كَانَ جَزَاؤُهَا مَعَ هَذِهِ الْخِدْمَةِ التَّامَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ وَالْإِحْسَانِ أَنْ تُقَابَلَ بِالضَّرْبِ فَأَفْتَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا -وَهُوَ: الشِّمراخ-فِيهِ مِائَةُ قَضِيبٍ فَيَضْرِبُهَا بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً وَقَدْ بَرّت يَمِينُهُ وَخَرَجَ مِنْ حِنْثِهِ وَوَفَى بِنَذْرِهِ وَهَذَا مِنَ الْفَرَجِ وَالْمَخْرَجِ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَأَنَابَ إِلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَمَدَحَهُ بِأَنَّهُ ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أَيْ: رَجَّاع مُنِيبٌ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطَّلَاقِ: ٢، ٣] وَقَدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى مَسَائِلَ فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا وَأَخَذُوهَا [[في ت، س: "وأخذوا".]] بِمُقْتَضَاهَا [وَمَنَعَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالُوا: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْكَفَّارَةَ كَانَتْ مَشْرُوعَةً فِي شَرْعِ أَيُّوبَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَغْنَى اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالْكَفَّارَةِ] [[زيادة من ت، أ.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤) ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى قوله ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ وقد ذكرنا اختلافهم في ذلك والصواب من القول عندنا فيه في سورة الأنبياء بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. فتأويل الكلام: فاغتسل وشرب، ففرجنا عنه ما كان فيه من البلاء، ووهبنا له أهله، من زوجة وولد ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا﴾ له ورأفة ﴿وَذِكْرَى﴾ يقول: وتذكيرا لأولي العقول، ليعتبروا بها فيتعظوا. ⁕ وقد حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني نافع بن يزيد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال:"إنَّ نَبِيَّ الله أيُّوبَ لَبِثَ بِهِ بَلاؤهُ ثَمانِيَ عَشْرَة سَنَة، فَرَفَضَه القَرِيبُ وَالبَعِيدُ، إلا رَجُلانِ مِنْ إخْوَانِهِ كانا مِنْ أخَصّ إخْوَانِهِ بِهِ، كَانَا يَغْدُوانِ إلَيْهِ ويَرُوحانِ، فَقالَ أحَدُهُما لِصَاحِبه: تَعْلَم والله لَقَدْ أذْنَبَ أيُّوبُ ذَنْبًا ما أذْنَبَهُ أحَدٌ مِنَ العَالَمِينَ، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: ومَا ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ الله فَيَكْشِفَ ما بِهِ؛ فَلَمَّا رَاحا إلَيْهِ لَمْ يَصْبِر الرَّجُلُ حتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فقَالَ أيَّوُّبُ: لا أدْرِي ما تَقُولُ، غَيرَ أنَّ الله يَعْلَمُ أنِّي كُنْتُ أمُرُّ على الرُّجُلَيْنِ يَتَنازَعانِ فَيَذْكُرَانِ الله، فَأَرْجِعَ إلى بَيْتِي فَأكفِّرُ عَنْهُما كَرَاهِيَةَ أنْ يُذْكَرَ الله إلا في حَقّ؛ قال: وكان يَخْرُجُ إلى حاجَتِهِ، فإذَا قَضَاها أمْسَكَت امْرأُتُه بِيَدِهِ حتى يَبْلُغ فَلَما كانَ ذاتَ يَوْمٍ أبْطَأُ عَلَيْها، وأوحِيَ إلى أيُّوب في مَكانِهِ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فاسْتَبطأتَهُ، فَتَلقتهُ تَنْظُرُ، فأقْبَلَ عَلَيْهَا قَدْ أذْهَبَ الله ما بِهِ مِنَ البَلاءِ، وَهُوَ عَلى أحْسَنِ ما كانَ؛ فَلَمَّا رَأتْهُ قَالَتْ: أيْ بارَكَ الله فِيكَ، هَلْ رَأَيْتَ نَبِيَّ الله هَذَا المُبْتَلى، فوالله على ذلك ما رَأَيْتُ أحَدًا أشْبَهَ بِهِ منْكَ إذْ كانَ صحيحا؟ قال: فإنّي أنا هُوَ؛ قال: وكانَ لَهُ أنْدرَانِ: أنْدَرٌ للْقَمْحِ، وأنْدَرٌ للشَّعِيرِ، فَبَعَثَ الله سَحَابَتَيْنِ، فَلَمَّا كانَتْ إحْداهُما على أنْدَرِ القَمْحِ، أفْرَغَتْ فِيهِ الذَّهَبَ حتى فاضَ، وأفرغَتِ الأخْرَى في أنْدَرِ الشَّعِيرِ الوَرِق حتى فاضَ". ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ قال: قال الحسن وقتادة: فأحياهم الله بأعيانهم، وزادهم مثلهم. ⁕ حدثني محمد بن عوف، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا عبد الرحمن بن جُبَير، قال: لما ابتُلي نبيّ الله أيوب ﷺ بماله وولده وجسده، وطُرح في مَزْبَلة، جعلت امرأته تخرج تكسب عليه ما تطعمه، فحسده الشيطان على ذلك، وكان يأتي أصحاب الخبز والشويّ الذين كانوا يتصدّقون عليها، فيقول: اطردوا هذه المرأة التي تغشاكم، فإنها تعالج صاحبها وتلمسه بيدها، فالناس يتقذّرون طعامكم من أجل أنها تأتيكم وتغشاكم على ذلك؛ وكان يلقاها إذا خرجت كالمحزون لمَا لقي أيوب، فيقول: لَجَّ صاحبك، فأبى إلا ما أتى، فوالله لو تكلم بكلمة واحدة لكشف عنه كلّ ضرّ، ولرجع إليه ماله وولده، فتجيء، فتخبر أيوب، فيقول لها: لقيك عدوّ الله فلقنك هذا الكلام؛ ويلك، إنما مثلك كمثل المرأة الزانية إذا جاء صديقها بشيء قبلته وأدخلته، وإن لم يأتها بشيء طردته، وأغلقت بابها عنه! لما أعطانا الله المال والولد آمنا به، وإذا قبض الذي له منا نكفر به، ونبدّل فيره! إن أقامني الله من مرضي هذا لأجلدنَّك مئةً، قال: فلذلك قال الله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ وقوله ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ يقول: وقلنا لأيوب: خذ بيدك ضغثا، وهو ما يجمع من شيء مثل حزمة الرُّطْبة، وكملء الكفّ من الشجر أو الحشيش والشماريخ ونحو ذلك مما قام على ساق؛ ومنه قول عوف بن الخَرِع: وأسْفَل مِنِّي نَهْدَةٌ قَدْ رَبَطْتُها ... وألْقَيْتُ ضِغْثا مِن خَلا متَطَيِّبِ [[البيت لعوف بن الخرع (مجاز القرآن لأبى عبيدة الورقة ٢١٥ - ب) ويؤيد أنه في معجم الشعراء: عوف بن عطية بن الخرع، وكذا في التاج. قال أبو عبيدة عند تفسير قوله تعالى:" وخذ بيدك ضعثا: وهو ملء الكف من الشجر أو الحشيش والشماريخ وما أشبه ذلك، قال عوف بن الخرع:" واسفل منى ... البيت". وفي اللسان: وفرس نهد جسيم مشرف وقيل النهد الضخم القوى والأنثى نهدة. والخلا: الرطب من الحشيش (مثل البرسيم، أو هو البرسيم) .]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثني عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية عن عليّ عن ابن عباس، قوله ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ يقول: حُزْمة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ قال: أمر أن يأخذ ضغثا من رطبة بقدر ما حلف عليه فيضرب به. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، في قوله ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ قال: عيدانا رطبة. ⁕ حدثنا أبو هشام الرفاعيّ، قال: ثنا يحيى، عن إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر، عن أبيه، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ قال: هو الأثْل. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ .. الآية، قال: كانت امرأته قد عَرَضت له بأمر، وأرادها إبليس على شيء، فقال: لو تكلمت بكذا وكذا، وإنما حملها عليها الجزع، فحلف نبي الله: لِئن الله شفاه ليجلِدنَّها مئة جلدة؛ قال: فأمر بغصن فيه تسعة وتسعون قضيبا، والأصل تكملة المِئَة، فضربها ضربة واحدة، فأبرّ نبيُّ الله، وخَفَّفَ الله عن أمَتِهِ، والله رحيم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ يعني: ضِغْثا من الشجر الرَّطْب، كان حلف على يمين، فأخذ من الشجر عدد ما حلف عليه، فضرب به ضَرْبة واحدة، فبرّت يمينه، وهو اليوم في الناس يمين أيوب، من أخذ بها فهو حسن. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ قال: ضِغْثا واحدا من الكلأ فيه أكثر من مِئَة عود، فضرب به ضربة واحدة، فذلك مِئَة ضربة. ⁕ حدثني محمد بن عوف، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا عبد الرحمن بن جُبَير ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ﴾ يقول: فاضرب زوجتك بالضِّغْث، لتَبرّ في يمينك التي حلفت بها عليها أن تضربها ﴿وَلا تَحْنَثْ﴾ يقول: ولا تحنَثْ في يمينك. * * وقوله ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ يقول: إنا وجدنا أيوب صابرا على البلاء، لا يحمله البلاء على الخروج عن طاعة الله، والدخول في معصيته ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ يقول: إنه على طاعة الله مقبل، وإلى رضاه رجَّاع.

Al-Mukhtasar (français)

Lorsque Job fut en colère contre son épouse, il fit le serment qu’il allait lui infliger cent coups de fouet mais Nous lui dîmes: Ô Job, prends un faisceau de brindilles et frappe-la avec, afin de ne pas commettre de parjure. Il obéit et Nous le trouvâmes patient dans l’épreuve que Nous lui avons fait subir. Quel bon serviteur qui se repentait souvent à Allah.

45

وَٱذْكُرْ عِبَٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَٰرِ

Et rappelle-toi Abraham, Isaac et Jacob, Nos serviteurs puissants et clairvoyants.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فَضَائِلَ عِبَادِهِ الْمُرْسَلِينَ وَأَنْبِيَائِهِ الْعَابِدِينَ: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَالْعِلْمَ النَّافِعَ وَالْقُوَّةَ فِي الْعِبَادَةِ وَالْبَصِيرَةَ النَّافِذَةَ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ يَقُولُ: أُولِي الْقُوَّةِ ﴿وَالأبْصَارِ﴾ يَقُولُ: الْفِقْهِ فِي الدِّينِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ يَعْنِي: الْقُوَّةَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ﴿وَالأبْصَارِ﴾ يَعْنِي: الْبَصَرَ [[في أ: "البصير".]] فِي الْحَقِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: أعطُوا قُوَّةً فِي الْعِبَادَةِ وبَصرًا فِي الدِّينِ. [وَقَوْلُهُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ جَعَلْنَاهُمْ يَعْمَلُونَ لِلْآخِرَةِ لَيْسَ لَهُمْ هَمّ غَيْرُهَا. وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ: ذِكْرُهُمْ لِلْآخِرَةِ وَعَمَلُهُمْ لَهَا. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قُلُوبِهِمْ حُبَّ الدُّنْيَا وَذِكْرَهَا وَأَخْلَصَهُمْ بِحُبِّ الْآخِرَةِ وَذَكَرِهَا. وَكَذَا قال عطاء الخراساني. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر: يَعْنِي بِالدَّارِ الْجَنَّةَ يَقُولُ: أَخْلَصْنَاهَا لَهُمْ بِذِكْرِهِمْ لَهَا [[في ت: "أخلصناهم بذكرهم لها".]] وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ عُقْبَى الدَّارِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا يذَكّرون النَّاسَ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَالْعَمَلَ لَهَا. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: جُعِلَ لَهُمْ [[في ت: "لها".]] خَاصَّةً أَفْضَلُ شَيْءٍ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ﴾ أَيْ: لَمِنَ الْمُخْتَارِينَ الْمُجْتَبِينَ الْأَخْيَارِ فَهُمْ أَخْيَارٌ مُخْتَارُونَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأخْيَارِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَصَصِهِمْ وَأَخْبَارِهِمْ مُسْتَقْصَاةً فِي سُورَةِ "الْأَنْبِيَاءِ" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ أَيْ: هَذَا فَصْلٌ فِيهِ ذِكْرٌ لِمَنْ يَتَذَكَّرُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي الْقُرْآنَ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ (٤٧) ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿عِبَادِنَا﴾ فقرأته عامة قرّاء الأمصار: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا﴾ على الجماع غير ابن كثير، فإنه ذكر عنه أنه قرأه:"واذكر عبدنا" على التوحيد، كأنه يوجه الكلام إلى أن إسحاق ويعقوب من ذرّية إبراهيم، وأنهما ذُكِرا من بعده. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، سمع ابن عباس يقرأ:"واذكر عبدنا إن إبراهيم" قال: إنما ذكر إبراهيم، ثم ذُكِر ولده بعده. والصواب عنده من القراءة في ذلك، قراءة من قرأه على الجماع، على أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب بيان عن العباد، وترجمة عنه، لإجماع الحجة من القرّاء عليه. * * وقوله ﴿أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ ويعني بالأيدي: القوّة، يقول: أهل القوّة على عبادة الله وطاعته. ويعني بالأبصار: أنهم أهل أبصار القلوب، يعني به: أولى العقول [[لعل العبارة قد سقط منهما كلمة" والأبصار". كما يفهم مما قبله، ومما يجيء.]] للحقّ. وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم في ذلك نحوًا مما قلنا فيه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ يقول: أولي القوّة والعبادة، والأبْصَارِ يقول: الفقه في الدين. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ قال: فضِّلوا بالقوّة والعبادة. ⁕ حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور أنه قال في هذه الآية ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ قال: القوّة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزّة، عن مجاهد، في قوله ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ قال: القوّة في أمر الله. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ قال: الأيدي: القوّة في أمر الله، ﴿وَالأبْصَارَ﴾ : العقول. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ قال: القوّة في طاعة الله، ﴿وَالأبْصَارَ﴾ : قال: البصر في الحقّ. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ يقول: أعطوا قوة في العبادة، وبصرًا في الدين. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ قال: الأيدي: القوّة في طاعة الله، والأبصار: البصر بعقولهم في دينهم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله ﴿أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ قال: الأيدي: القوّة، والأبصار: العقول. فإن قال لنا قائل: وما الأيدي من القوّة، والأيدي إنما هي جمع يد، واليد جارحة، وما العقول من الأبصار، وإنما الأبصار جمع بصر؟ قيل: إن ذلك مثل، وذلك أن باليد البطش، وبالبطش تُعرف قوّة القويّ، فلذلك قيل للقويّ: ذو يَدٍ؛ وأما البصر، فإنه عنى به بصر القلب، وبه تنال معرفة الأشياء، فلذلك قيل للرجل العالم بالشيء: يصير به. وقد يُمكن أن يكون عَنى بقوله ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ : أولي الأيدي عند الله بالأعمال الصالحة، فجعل الله أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا أيديا لهم عند الله تمثيلا لها باليد، تكون عند الرجل الآخر. وقد ذُكر عن عبد الله أنه كان يقرؤه:"أولى الأيدِ" بغير ياء، وقد يُحتمل أن يكون ذلك من التأييد، وأن يكون بمعنى الأيدي، ولكنه أسقط منه الياء، كما قيل: ﴿يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي﴾ ، وقوله عَزّ وجلّ: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ﴾ يقول تعالى ذكره: إنا خصصناهم بخاصة: ذكر الدار. واختلف القرّاء في قراءة قوله ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ فقرأته عامة قرّاء المدينة:"بخالصة ذكرى الدار" بإضافة خالصة إلى ذكرى الدار، بمعنى: أنهم أخلصوا بخالصة الذكرى، والذكرى إذا قُرئ كذلك غير الخالصة، كما المتكبر إذا قُرئ:"على كلّ قلب متكبر" بإضافة القلب إلى المتكبر، هو الذي له القلب وليس بالقلب. وقرأ ذلك عامة قرّاء العراق: ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ بتنوين قوله ﴿خَالِصَةً﴾ وردّ ذكرى عليها، على أن الدار هي الخالصة، فردّوا الذكر وهي معرفة على خالصة، وهي نكرة، كما قيل: لشرّ مآب: جهنم، فرد جهنم وهي معرفة على المآب وهي نكرة. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مستفيضتان في قَرَأَة الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقد اختلف أهل التأويل، في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: إنا أخلصناهم بخالصة هي ذكرى الدار: أي أنهم كانوا يذَكِّرون الناس الدار الآخرة، ويدعونهم إلى طاعة الله، والعمل للدار الآخرة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قال: بهذه أخلصهم الله، كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله. وقال آخرون: معنى ذلك أنه أخلصهم بعملهم للآخرة وذكرهم لها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ بن الحسن الأزدي، قال: ثنا يحي بن يمان، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قال: بذكر الآخرة فليس لهم همّ غيرها. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قال: بذكرهم الدار الآخرة، وعملهم للآخرة. وقال آخرون: معنى ذلك: إنا أخلصناهم بأفضلِ ما في الآخرة؛ وهذا التأويل على قراءة من قرأه بالإضافة. وأما القولان الأوّلان فعلى تأويل قراءة من قرأه بالتنوين. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال أبن زيد، في قوله:"إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار" قال: بأفضل ما في الآخرة أخلصناهم به، وأعطيناهم إياه؛ قال: والدار: الجنة، وقرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ﴾ قال: الجنة، وقرأ: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ قال: هذا كله الجنة، وقال: أخلصناهم بخير الآخرة. وقال آخرون: بل معنى ذلك: خالصة عُقْبَى الدار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جُبَير ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قال: عُقبى الدار. وقال آخرون: بل معنى ذلك: بخالصة أهل الدار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن ابن أبي زائدة، عن ابن جُرَيج، قال: ثني ابن أبي نجيح، أنه سمع مجاهدا يقول: ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ هم أهل الدار؛ وذو الدار، كقولك: ذو الكلاع، وذو يَزَن. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من البصريين يتأوّل ذلك على القراءة بالتنوين ﴿بِخَالِصَةٍ﴾ عمل في ذكر الآخرة. وأولى الأقوال بالصواب في ذلك على قراءة من قرأه بالتنوين أن يقال: معناه: إنا أخلصناهُمْ بخالصة هي ذكرى الدار الآخرة، فعملوا لها في الدنيا، فأطاعوا الله وراقبوه؛ وقد يدخل في وصفهم بذلك أن يكون من صفتهم أيضا الدعاء إلى الله وإلى الدار الآخرة، لأن ذلك من طاعة الله، والعمل للدار الآخرة، غير أن معنى الكلمة ما ذكرت. وأما على قراءة من قرأه بالإضافة، فأن يقال: معناه: إنا أخلصناهم بخالصة ما ذكر في الدار الآخرة؛ فلمَّا لم تُذْكر"في" أضيفت الذكرى إلى الدار كما قد بيَّنا قبل في معنى قوله ﴿لا يَسْأَمُ الإنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ وقوله ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ وقوله ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ﴾ يقول: وإن هؤلاء الذين ذكرنا عندنا لمن الذين اصطفيناهم لذكرى الآخرة الأخيار، الذين اخترناهم لطاعتنا ورسالتنا إلى خلقنا.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, rappelle-toi de Nos serviteurs que Nous avons élus et de Nos messagers que Nous avons envoyés: Abraham, Isaac et Jacob. Ils étaient doués de force dans leur obéissance à Allah et la recherche de Son agrément. Ils étaient également dotés d’une sincère clairvoyance qui leur faisait suivre la vérité.

46

إِنَّآ أَخْلَصْنَٰهُم بِخَالِصَةٍۢ ذِكْرَى ٱلدَّارِ

Nous avons fait d'eux l'objet d'une distinction particulière: le rappel de l'au-delà.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فَضَائِلَ عِبَادِهِ الْمُرْسَلِينَ وَأَنْبِيَائِهِ الْعَابِدِينَ: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَالْعِلْمَ النَّافِعَ وَالْقُوَّةَ فِي الْعِبَادَةِ وَالْبَصِيرَةَ النَّافِذَةَ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ يَقُولُ: أُولِي الْقُوَّةِ ﴿وَالأبْصَارِ﴾ يَقُولُ: الْفِقْهِ فِي الدِّينِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ يَعْنِي: الْقُوَّةَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ﴿وَالأبْصَارِ﴾ يَعْنِي: الْبَصَرَ [[في أ: "البصير".]] فِي الْحَقِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: أعطُوا قُوَّةً فِي الْعِبَادَةِ وبَصرًا فِي الدِّينِ. [وَقَوْلُهُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ جَعَلْنَاهُمْ يَعْمَلُونَ لِلْآخِرَةِ لَيْسَ لَهُمْ هَمّ غَيْرُهَا. وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ: ذِكْرُهُمْ لِلْآخِرَةِ وَعَمَلُهُمْ لَهَا. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قُلُوبِهِمْ حُبَّ الدُّنْيَا وَذِكْرَهَا وَأَخْلَصَهُمْ بِحُبِّ الْآخِرَةِ وَذَكَرِهَا. وَكَذَا قال عطاء الخراساني. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر: يَعْنِي بِالدَّارِ الْجَنَّةَ يَقُولُ: أَخْلَصْنَاهَا لَهُمْ بِذِكْرِهِمْ لَهَا [[في ت: "أخلصناهم بذكرهم لها".]] وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ عُقْبَى الدَّارِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا يذَكّرون النَّاسَ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَالْعَمَلَ لَهَا. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: جُعِلَ لَهُمْ [[في ت: "لها".]] خَاصَّةً أَفْضَلُ شَيْءٍ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ﴾ أَيْ: لَمِنَ الْمُخْتَارِينَ الْمُجْتَبِينَ الْأَخْيَارِ فَهُمْ أَخْيَارٌ مُخْتَارُونَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأخْيَارِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَصَصِهِمْ وَأَخْبَارِهِمْ مُسْتَقْصَاةً فِي سُورَةِ "الْأَنْبِيَاءِ" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ أَيْ: هَذَا فَصْلٌ فِيهِ ذِكْرٌ لِمَنْ يَتَذَكَّرُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي الْقُرْآنَ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ (٤٧) ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿عِبَادِنَا﴾ فقرأته عامة قرّاء الأمصار: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا﴾ على الجماع غير ابن كثير، فإنه ذكر عنه أنه قرأه:"واذكر عبدنا" على التوحيد، كأنه يوجه الكلام إلى أن إسحاق ويعقوب من ذرّية إبراهيم، وأنهما ذُكِرا من بعده. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، سمع ابن عباس يقرأ:"واذكر عبدنا إن إبراهيم" قال: إنما ذكر إبراهيم، ثم ذُكِر ولده بعده. والصواب عنده من القراءة في ذلك، قراءة من قرأه على الجماع، على أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب بيان عن العباد، وترجمة عنه، لإجماع الحجة من القرّاء عليه. * * وقوله ﴿أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ ويعني بالأيدي: القوّة، يقول: أهل القوّة على عبادة الله وطاعته. ويعني بالأبصار: أنهم أهل أبصار القلوب، يعني به: أولى العقول [[لعل العبارة قد سقط منهما كلمة" والأبصار". كما يفهم مما قبله، ومما يجيء.]] للحقّ. وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم في ذلك نحوًا مما قلنا فيه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ يقول: أولي القوّة والعبادة، والأبْصَارِ يقول: الفقه في الدين. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ قال: فضِّلوا بالقوّة والعبادة. ⁕ حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور أنه قال في هذه الآية ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ قال: القوّة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزّة، عن مجاهد، في قوله ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ قال: القوّة في أمر الله. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ قال: الأيدي: القوّة في أمر الله، ﴿وَالأبْصَارَ﴾ : العقول. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ قال: القوّة في طاعة الله، ﴿وَالأبْصَارَ﴾ : قال: البصر في الحقّ. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ يقول: أعطوا قوة في العبادة، وبصرًا في الدين. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ قال: الأيدي: القوّة في طاعة الله، والأبصار: البصر بعقولهم في دينهم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله ﴿أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ قال: الأيدي: القوّة، والأبصار: العقول. فإن قال لنا قائل: وما الأيدي من القوّة، والأيدي إنما هي جمع يد، واليد جارحة، وما العقول من الأبصار، وإنما الأبصار جمع بصر؟ قيل: إن ذلك مثل، وذلك أن باليد البطش، وبالبطش تُعرف قوّة القويّ، فلذلك قيل للقويّ: ذو يَدٍ؛ وأما البصر، فإنه عنى به بصر القلب، وبه تنال معرفة الأشياء، فلذلك قيل للرجل العالم بالشيء: يصير به. وقد يُمكن أن يكون عَنى بقوله ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ : أولي الأيدي عند الله بالأعمال الصالحة، فجعل الله أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا أيديا لهم عند الله تمثيلا لها باليد، تكون عند الرجل الآخر. وقد ذُكر عن عبد الله أنه كان يقرؤه:"أولى الأيدِ" بغير ياء، وقد يُحتمل أن يكون ذلك من التأييد، وأن يكون بمعنى الأيدي، ولكنه أسقط منه الياء، كما قيل: ﴿يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي﴾ ، وقوله عَزّ وجلّ: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ﴾ يقول تعالى ذكره: إنا خصصناهم بخاصة: ذكر الدار. واختلف القرّاء في قراءة قوله ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ فقرأته عامة قرّاء المدينة:"بخالصة ذكرى الدار" بإضافة خالصة إلى ذكرى الدار، بمعنى: أنهم أخلصوا بخالصة الذكرى، والذكرى إذا قُرئ كذلك غير الخالصة، كما المتكبر إذا قُرئ:"على كلّ قلب متكبر" بإضافة القلب إلى المتكبر، هو الذي له القلب وليس بالقلب. وقرأ ذلك عامة قرّاء العراق: ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ بتنوين قوله ﴿خَالِصَةً﴾ وردّ ذكرى عليها، على أن الدار هي الخالصة، فردّوا الذكر وهي معرفة على خالصة، وهي نكرة، كما قيل: لشرّ مآب: جهنم، فرد جهنم وهي معرفة على المآب وهي نكرة. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مستفيضتان في قَرَأَة الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقد اختلف أهل التأويل، في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: إنا أخلصناهم بخالصة هي ذكرى الدار: أي أنهم كانوا يذَكِّرون الناس الدار الآخرة، ويدعونهم إلى طاعة الله، والعمل للدار الآخرة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قال: بهذه أخلصهم الله، كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله. وقال آخرون: معنى ذلك أنه أخلصهم بعملهم للآخرة وذكرهم لها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ بن الحسن الأزدي، قال: ثنا يحي بن يمان، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قال: بذكر الآخرة فليس لهم همّ غيرها. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قال: بذكرهم الدار الآخرة، وعملهم للآخرة. وقال آخرون: معنى ذلك: إنا أخلصناهم بأفضلِ ما في الآخرة؛ وهذا التأويل على قراءة من قرأه بالإضافة. وأما القولان الأوّلان فعلى تأويل قراءة من قرأه بالتنوين. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال أبن زيد، في قوله:"إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار" قال: بأفضل ما في الآخرة أخلصناهم به، وأعطيناهم إياه؛ قال: والدار: الجنة، وقرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ﴾ قال: الجنة، وقرأ: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ قال: هذا كله الجنة، وقال: أخلصناهم بخير الآخرة. وقال آخرون: بل معنى ذلك: خالصة عُقْبَى الدار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جُبَير ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قال: عُقبى الدار. وقال آخرون: بل معنى ذلك: بخالصة أهل الدار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن ابن أبي زائدة، عن ابن جُرَيج، قال: ثني ابن أبي نجيح، أنه سمع مجاهدا يقول: ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ هم أهل الدار؛ وذو الدار، كقولك: ذو الكلاع، وذو يَزَن. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من البصريين يتأوّل ذلك على القراءة بالتنوين ﴿بِخَالِصَةٍ﴾ عمل في ذكر الآخرة. وأولى الأقوال بالصواب في ذلك على قراءة من قرأه بالتنوين أن يقال: معناه: إنا أخلصناهُمْ بخالصة هي ذكرى الدار الآخرة، فعملوا لها في الدنيا، فأطاعوا الله وراقبوه؛ وقد يدخل في وصفهم بذلك أن يكون من صفتهم أيضا الدعاء إلى الله وإلى الدار الآخرة، لأن ذلك من طاعة الله، والعمل للدار الآخرة، غير أن معنى الكلمة ما ذكرت. وأما على قراءة من قرأه بالإضافة، فأن يقال: معناه: إنا أخلصناهم بخالصة ما ذكر في الدار الآخرة؛ فلمَّا لم تُذْكر"في" أضيفت الذكرى إلى الدار كما قد بيَّنا قبل في معنى قوله ﴿لا يَسْأَمُ الإنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ وقوله ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ وقوله ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ﴾ يقول: وإن هؤلاء الذين ذكرنا عندنا لمن الذين اصطفيناهم لذكرى الآخرة الأخيار، الذين اخترناهم لطاعتنا ورسالتنا إلى خلقنا.

Al-Mukhtasar (français)

Nous leur avons fait la faveur spécifique d’emplir leur cœur du rappel de l’au-delà et de les préparer à rejoindre cette demeure en accomplissant de bonnes œuvres et en appelant les gens à en accomplir.

47

وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلْأَخْيَارِ

Ils sont auprès de Nous, certes, parmi les meilleurs élus.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فَضَائِلَ عِبَادِهِ الْمُرْسَلِينَ وَأَنْبِيَائِهِ الْعَابِدِينَ: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَالْعِلْمَ النَّافِعَ وَالْقُوَّةَ فِي الْعِبَادَةِ وَالْبَصِيرَةَ النَّافِذَةَ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ يَقُولُ: أُولِي الْقُوَّةِ ﴿وَالأبْصَارِ﴾ يَقُولُ: الْفِقْهِ فِي الدِّينِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ يَعْنِي: الْقُوَّةَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ﴿وَالأبْصَارِ﴾ يَعْنِي: الْبَصَرَ [[في أ: "البصير".]] فِي الْحَقِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: أعطُوا قُوَّةً فِي الْعِبَادَةِ وبَصرًا فِي الدِّينِ. [وَقَوْلُهُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ جَعَلْنَاهُمْ يَعْمَلُونَ لِلْآخِرَةِ لَيْسَ لَهُمْ هَمّ غَيْرُهَا. وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ: ذِكْرُهُمْ لِلْآخِرَةِ وَعَمَلُهُمْ لَهَا. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قُلُوبِهِمْ حُبَّ الدُّنْيَا وَذِكْرَهَا وَأَخْلَصَهُمْ بِحُبِّ الْآخِرَةِ وَذَكَرِهَا. وَكَذَا قال عطاء الخراساني. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر: يَعْنِي بِالدَّارِ الْجَنَّةَ يَقُولُ: أَخْلَصْنَاهَا لَهُمْ بِذِكْرِهِمْ لَهَا [[في ت: "أخلصناهم بذكرهم لها".]] وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ عُقْبَى الدَّارِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا يذَكّرون النَّاسَ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَالْعَمَلَ لَهَا. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: جُعِلَ لَهُمْ [[في ت: "لها".]] خَاصَّةً أَفْضَلُ شَيْءٍ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ﴾ أَيْ: لَمِنَ الْمُخْتَارِينَ الْمُجْتَبِينَ الْأَخْيَارِ فَهُمْ أَخْيَارٌ مُخْتَارُونَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأخْيَارِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَصَصِهِمْ وَأَخْبَارِهِمْ مُسْتَقْصَاةً فِي سُورَةِ "الْأَنْبِيَاءِ" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ أَيْ: هَذَا فَصْلٌ فِيهِ ذِكْرٌ لِمَنْ يَتَذَكَّرُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي الْقُرْآنَ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ (٤٧) ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿عِبَادِنَا﴾ فقرأته عامة قرّاء الأمصار: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا﴾ على الجماع غير ابن كثير، فإنه ذكر عنه أنه قرأه:"واذكر عبدنا" على التوحيد، كأنه يوجه الكلام إلى أن إسحاق ويعقوب من ذرّية إبراهيم، وأنهما ذُكِرا من بعده. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، سمع ابن عباس يقرأ:"واذكر عبدنا إن إبراهيم" قال: إنما ذكر إبراهيم، ثم ذُكِر ولده بعده. والصواب عنده من القراءة في ذلك، قراءة من قرأه على الجماع، على أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب بيان عن العباد، وترجمة عنه، لإجماع الحجة من القرّاء عليه. * * وقوله ﴿أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ ويعني بالأيدي: القوّة، يقول: أهل القوّة على عبادة الله وطاعته. ويعني بالأبصار: أنهم أهل أبصار القلوب، يعني به: أولى العقول [[لعل العبارة قد سقط منهما كلمة" والأبصار". كما يفهم مما قبله، ومما يجيء.]] للحقّ. وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم في ذلك نحوًا مما قلنا فيه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ يقول: أولي القوّة والعبادة، والأبْصَارِ يقول: الفقه في الدين. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ قال: فضِّلوا بالقوّة والعبادة. ⁕ حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور أنه قال في هذه الآية ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ قال: القوّة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزّة، عن مجاهد، في قوله ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ قال: القوّة في أمر الله. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ قال: الأيدي: القوّة في أمر الله، ﴿وَالأبْصَارَ﴾ : العقول. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ قال: القوّة في طاعة الله، ﴿وَالأبْصَارَ﴾ : قال: البصر في الحقّ. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ يقول: أعطوا قوة في العبادة، وبصرًا في الدين. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ قال: الأيدي: القوّة في طاعة الله، والأبصار: البصر بعقولهم في دينهم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله ﴿أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ قال: الأيدي: القوّة، والأبصار: العقول. فإن قال لنا قائل: وما الأيدي من القوّة، والأيدي إنما هي جمع يد، واليد جارحة، وما العقول من الأبصار، وإنما الأبصار جمع بصر؟ قيل: إن ذلك مثل، وذلك أن باليد البطش، وبالبطش تُعرف قوّة القويّ، فلذلك قيل للقويّ: ذو يَدٍ؛ وأما البصر، فإنه عنى به بصر القلب، وبه تنال معرفة الأشياء، فلذلك قيل للرجل العالم بالشيء: يصير به. وقد يُمكن أن يكون عَنى بقوله ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ : أولي الأيدي عند الله بالأعمال الصالحة، فجعل الله أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا أيديا لهم عند الله تمثيلا لها باليد، تكون عند الرجل الآخر. وقد ذُكر عن عبد الله أنه كان يقرؤه:"أولى الأيدِ" بغير ياء، وقد يُحتمل أن يكون ذلك من التأييد، وأن يكون بمعنى الأيدي، ولكنه أسقط منه الياء، كما قيل: ﴿يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي﴾ ، وقوله عَزّ وجلّ: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ﴾ يقول تعالى ذكره: إنا خصصناهم بخاصة: ذكر الدار. واختلف القرّاء في قراءة قوله ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ فقرأته عامة قرّاء المدينة:"بخالصة ذكرى الدار" بإضافة خالصة إلى ذكرى الدار، بمعنى: أنهم أخلصوا بخالصة الذكرى، والذكرى إذا قُرئ كذلك غير الخالصة، كما المتكبر إذا قُرئ:"على كلّ قلب متكبر" بإضافة القلب إلى المتكبر، هو الذي له القلب وليس بالقلب. وقرأ ذلك عامة قرّاء العراق: ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ بتنوين قوله ﴿خَالِصَةً﴾ وردّ ذكرى عليها، على أن الدار هي الخالصة، فردّوا الذكر وهي معرفة على خالصة، وهي نكرة، كما قيل: لشرّ مآب: جهنم، فرد جهنم وهي معرفة على المآب وهي نكرة. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مستفيضتان في قَرَأَة الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقد اختلف أهل التأويل، في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: إنا أخلصناهم بخالصة هي ذكرى الدار: أي أنهم كانوا يذَكِّرون الناس الدار الآخرة، ويدعونهم إلى طاعة الله، والعمل للدار الآخرة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قال: بهذه أخلصهم الله، كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله. وقال آخرون: معنى ذلك أنه أخلصهم بعملهم للآخرة وذكرهم لها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ بن الحسن الأزدي، قال: ثنا يحي بن يمان، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قال: بذكر الآخرة فليس لهم همّ غيرها. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قال: بذكرهم الدار الآخرة، وعملهم للآخرة. وقال آخرون: معنى ذلك: إنا أخلصناهم بأفضلِ ما في الآخرة؛ وهذا التأويل على قراءة من قرأه بالإضافة. وأما القولان الأوّلان فعلى تأويل قراءة من قرأه بالتنوين. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال أبن زيد، في قوله:"إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار" قال: بأفضل ما في الآخرة أخلصناهم به، وأعطيناهم إياه؛ قال: والدار: الجنة، وقرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ﴾ قال: الجنة، وقرأ: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ قال: هذا كله الجنة، وقال: أخلصناهم بخير الآخرة. وقال آخرون: بل معنى ذلك: خالصة عُقْبَى الدار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جُبَير ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قال: عُقبى الدار. وقال آخرون: بل معنى ذلك: بخالصة أهل الدار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن ابن أبي زائدة، عن ابن جُرَيج، قال: ثني ابن أبي نجيح، أنه سمع مجاهدا يقول: ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ هم أهل الدار؛ وذو الدار، كقولك: ذو الكلاع، وذو يَزَن. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من البصريين يتأوّل ذلك على القراءة بالتنوين ﴿بِخَالِصَةٍ﴾ عمل في ذكر الآخرة. وأولى الأقوال بالصواب في ذلك على قراءة من قرأه بالتنوين أن يقال: معناه: إنا أخلصناهُمْ بخالصة هي ذكرى الدار الآخرة، فعملوا لها في الدنيا، فأطاعوا الله وراقبوه؛ وقد يدخل في وصفهم بذلك أن يكون من صفتهم أيضا الدعاء إلى الله وإلى الدار الآخرة، لأن ذلك من طاعة الله، والعمل للدار الآخرة، غير أن معنى الكلمة ما ذكرت. وأما على قراءة من قرأه بالإضافة، فأن يقال: معناه: إنا أخلصناهم بخالصة ما ذكر في الدار الآخرة؛ فلمَّا لم تُذْكر"في" أضيفت الذكرى إلى الدار كما قد بيَّنا قبل في معنى قوله ﴿لا يَسْأَمُ الإنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ وقوله ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ وقوله ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ﴾ يقول: وإن هؤلاء الذين ذكرنا عندنا لمن الذين اصطفيناهم لذكرى الآخرة الأخيار، الذين اخترناهم لطاعتنا ورسالتنا إلى خلقنا.

Al-Mukhtasar (français)

Pour Nous, ils sont du nombre de ceux que Nous avons élus pour Nous obéir et Nous adorer. Nous les avons, en effet, choisis afin qu’ils portent Notre Message et le transmettent aux gens.

48

وَٱذْكُرْ إِسْمَٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ وَكُلٌّۭ مِّنَ ٱلْأَخْيَارِ

Et rappelle-toi Ismaël et Elisée, et Dal Kifl, chacun d'eux parmi les meilleurs.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فَضَائِلَ عِبَادِهِ الْمُرْسَلِينَ وَأَنْبِيَائِهِ الْعَابِدِينَ: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَالْعِلْمَ النَّافِعَ وَالْقُوَّةَ فِي الْعِبَادَةِ وَالْبَصِيرَةَ النَّافِذَةَ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ يَقُولُ: أُولِي الْقُوَّةِ ﴿وَالأبْصَارِ﴾ يَقُولُ: الْفِقْهِ فِي الدِّينِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أُولِي الأيْدِي﴾ يَعْنِي: الْقُوَّةَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ﴿وَالأبْصَارِ﴾ يَعْنِي: الْبَصَرَ [[في أ: "البصير".]] فِي الْحَقِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: أعطُوا قُوَّةً فِي الْعِبَادَةِ وبَصرًا فِي الدِّينِ. [وَقَوْلُهُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ جَعَلْنَاهُمْ يَعْمَلُونَ لِلْآخِرَةِ لَيْسَ لَهُمْ هَمّ غَيْرُهَا. وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ: ذِكْرُهُمْ لِلْآخِرَةِ وَعَمَلُهُمْ لَهَا. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قُلُوبِهِمْ حُبَّ الدُّنْيَا وَذِكْرَهَا وَأَخْلَصَهُمْ بِحُبِّ الْآخِرَةِ وَذَكَرِهَا. وَكَذَا قال عطاء الخراساني. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر: يَعْنِي بِالدَّارِ الْجَنَّةَ يَقُولُ: أَخْلَصْنَاهَا لَهُمْ بِذِكْرِهِمْ لَهَا [[في ت: "أخلصناهم بذكرهم لها".]] وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ عُقْبَى الدَّارِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا يذَكّرون النَّاسَ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَالْعَمَلَ لَهَا. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: جُعِلَ لَهُمْ [[في ت: "لها".]] خَاصَّةً أَفْضَلُ شَيْءٍ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ﴾ أَيْ: لَمِنَ الْمُخْتَارِينَ الْمُجْتَبِينَ الْأَخْيَارِ فَهُمْ أَخْيَارٌ مُخْتَارُونَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأخْيَارِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَصَصِهِمْ وَأَخْبَارِهِمْ مُسْتَقْصَاةً فِي سُورَةِ "الْأَنْبِيَاءِ" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ أَيْ: هَذَا فَصْلٌ فِيهِ ذِكْرٌ لِمَنْ يَتَذَكَّرُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي الْقُرْآنَ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأخْيَارِ (٤٨) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ: واذكر يا محمد إسماعيل واليسع وذا الكفل، وما أبلوا في طاعة الله، فتأسَّ بهم، واسلك منهاجَهم في الصبر على ما نالك في الله، والنفاذ لبلاغ رسالته. وقد بينا قبل من أخبار إسماعيل واليسع وذا الكفل فيما مضى من كتابنا هذا ما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. والكِفْل في كلام العرب: الحظّ والجَدّ. * * وقوله ﴿هَذَا ذِكْرُ﴾ يقول تعالى ذكره: هذا القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد ذكر لك ولقومك، ذكرناك وإياهم به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿هَذَا ذِكْرُ﴾ قال: القرآن. * * وقوله: ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ يقول: وإن للمتقين الذين اتقوا الله فخافوه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، لحسنَ مَرْجع يرجعون إليه في الآخرة، ومَصِير يصيرون إليه. ثم أخبر تعالى ذكره عن ذلك الذي وعده من حُسن المآب ما هو، فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوَابُ﴾ ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قال: لحسن منقلب.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, rappelle-toi d’Ismaël fils d’Abraham, d’Elisée (Alyasa’), de Dhû al-Kifl et fais leur éloge car ils le méritent. Tous ont été élus et choisis par Allah

49

هَٰذَا ذِكْرٌۭ ۚ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ

Cela est un rappel. C'est aux pieux qu'appartient, en vérité, la meilleure retraite,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ السُّعَدَاءِ أَنَّ لَهُمْ فِي [الدَّارِ] [[زيادة من س، أ.]] الْآخِرَةِ ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وَهُوَ: الْمُرْجِعُ وَالْمُنْقَلَبُ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أَيْ: جَنَّاتِ إِقَامَةٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ. وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ هُنَا [[في ت: "هاهنا".]] بِمَعْنَى الْإِضَافَةِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: "مُفَتَّحَةً لَهُمْ أَبْوَابُهَا" أَيْ: إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُهَا. قَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوَابٍ الهَبَّاري حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ -يَعْنِي: ابْنَ هُرْمُزَ-عَنِ ابْنِ سَابِطٍ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ قَصْرًا يُقَالُ لَهُ: "عَدْنٌ" حَوْلَهُ الْبُرُوجُ وَالْمُرُوجُ لَهُ خَمْسَةُ آلَافِ بَابٍ عِنْدَ كُلِّ بَابٍ خَمْسَةُ آلَافِ حبَرَة لَا يَدْخُلُهُ -أَوْ: لَا يَسْكُنُهُ-إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ أَوْ إِمَامٌ عَدْلٌ". [[ورواه البزار في مسنده برقم (١٥٩١) "كشف الأستار" من طريق محمد بن ثواب به، وقال الهيثمي في المجمع (٥/١٩٦) : "فيه عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف".]] وَقَدْ وَرَدَ فِي [ذِكْرِ] [[زيادة من ت، أ.]] أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْ وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ قِيلَ: مُتَرَبِّعِينَ فِيهَا عَلَى سُرُرٍ [[في أ: " سرير".]] تَحْتَ الْحِجَالِ ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ أَيْ: مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا وَحَضَرَ كَمَا أَرَادُوا. ﴿وَشَرَابٍ﴾ أَيْ: مِنْ أَيِّ أَنْوَاعِهِ شَاءُوا أَتَتْهُمْ بِهِ الْخُدَّامُ ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ١٨] ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أَيْ: عَنْ غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ فَلَا يَلْتَفِتْنَ إِلَى غَيْرِ بُعُولَتِهِنَّ ﴿أَتْرَابٌ﴾ أَيْ: مُتَسَاوِيَاتٌ فِي السِّنِّ وَالْعُمُرِ. هَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَالسُّدِّيِّ. ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ صِفَةِ الْجَنَّةِ الَّتِي [[في ت، س، أ: "الجنة هي التي".]] وَعَدَهَا لِعِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ الَّتِي [[في أ: "الذين".]] يَصِيرُونَ إِلَيْهَا بَعْدَ نُشُورِهِمْ وَقِيَامِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ وَسَلَامَتِهِمْ مِنَ النَّارِ. ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ الْجَنَّةِ أَنَّهُ لَا فَرَاغَ لَهَا وَلَا انْقِضَاءَ وَلَا زَوَالَ وَلَا انْتِهَاءَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النَّحْلِ: ٩٦] وَكَقَوْلِهِ ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هُودٍ: ١٠٨] وَكَقَوْلِهِ ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٨] أَيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ وَكَقَوْلِهِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٥] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأخْيَارِ (٤٨) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ: واذكر يا محمد إسماعيل واليسع وذا الكفل، وما أبلوا في طاعة الله، فتأسَّ بهم، واسلك منهاجَهم في الصبر على ما نالك في الله، والنفاذ لبلاغ رسالته. وقد بينا قبل من أخبار إسماعيل واليسع وذا الكفل فيما مضى من كتابنا هذا ما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. والكِفْل في كلام العرب: الحظّ والجَدّ. * * وقوله ﴿هَذَا ذِكْرُ﴾ يقول تعالى ذكره: هذا القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد ذكر لك ولقومك، ذكرناك وإياهم به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿هَذَا ذِكْرُ﴾ قال: القرآن. * * وقوله: ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ يقول: وإن للمتقين الذين اتقوا الله فخافوه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، لحسنَ مَرْجع يرجعون إليه في الآخرة، ومَصِير يصيرون إليه. ثم أخبر تعالى ذكره عن ذلك الذي وعده من حُسن المآب ما هو، فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوَابُ﴾ ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قال: لحسن منقلب.

Al-Mukhtasar (français)

Ceci est une mention élogieuse de ces hommes dans le Coran et ceux qui craignent Allah en se conformant à Ses commandements et en renonçant à Ses interdits, connaîtront un retour favorable dans l’au-delà.

50

جَنَّٰتِ عَدْنٍۢ مُّفَتَّحَةًۭ لَّهُمُ ٱلْأَبْوَٰبُ

Les Jardins d'Eden, aux portes ouvertes pour eux,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ السُّعَدَاءِ أَنَّ لَهُمْ فِي [الدَّارِ] [[زيادة من س، أ.]] الْآخِرَةِ ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وَهُوَ: الْمُرْجِعُ وَالْمُنْقَلَبُ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أَيْ: جَنَّاتِ إِقَامَةٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ. وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ هُنَا [[في ت: "هاهنا".]] بِمَعْنَى الْإِضَافَةِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: "مُفَتَّحَةً لَهُمْ أَبْوَابُهَا" أَيْ: إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُهَا. قَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوَابٍ الهَبَّاري حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ -يَعْنِي: ابْنَ هُرْمُزَ-عَنِ ابْنِ سَابِطٍ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ قَصْرًا يُقَالُ لَهُ: "عَدْنٌ" حَوْلَهُ الْبُرُوجُ وَالْمُرُوجُ لَهُ خَمْسَةُ آلَافِ بَابٍ عِنْدَ كُلِّ بَابٍ خَمْسَةُ آلَافِ حبَرَة لَا يَدْخُلُهُ -أَوْ: لَا يَسْكُنُهُ-إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ أَوْ إِمَامٌ عَدْلٌ". [[ورواه البزار في مسنده برقم (١٥٩١) "كشف الأستار" من طريق محمد بن ثواب به، وقال الهيثمي في المجمع (٥/١٩٦) : "فيه عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف".]] وَقَدْ وَرَدَ فِي [ذِكْرِ] [[زيادة من ت، أ.]] أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْ وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ قِيلَ: مُتَرَبِّعِينَ فِيهَا عَلَى سُرُرٍ [[في أ: " سرير".]] تَحْتَ الْحِجَالِ ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ أَيْ: مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا وَحَضَرَ كَمَا أَرَادُوا. ﴿وَشَرَابٍ﴾ أَيْ: مِنْ أَيِّ أَنْوَاعِهِ شَاءُوا أَتَتْهُمْ بِهِ الْخُدَّامُ ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ١٨] ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أَيْ: عَنْ غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ فَلَا يَلْتَفِتْنَ إِلَى غَيْرِ بُعُولَتِهِنَّ ﴿أَتْرَابٌ﴾ أَيْ: مُتَسَاوِيَاتٌ فِي السِّنِّ وَالْعُمُرِ. هَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَالسُّدِّيِّ. ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ صِفَةِ الْجَنَّةِ الَّتِي [[في ت، س، أ: "الجنة هي التي".]] وَعَدَهَا لِعِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ الَّتِي [[في أ: "الذين".]] يَصِيرُونَ إِلَيْهَا بَعْدَ نُشُورِهِمْ وَقِيَامِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ وَسَلَامَتِهِمْ مِنَ النَّارِ. ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ الْجَنَّةِ أَنَّهُ لَا فَرَاغَ لَهَا وَلَا انْقِضَاءَ وَلَا زَوَالَ وَلَا انْتِهَاءَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النَّحْلِ: ٩٦] وَكَقَوْلِهِ ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هُودٍ: ١٠٨] وَكَقَوْلِهِ ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٨] أَيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ وَكَقَوْلِهِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٥] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١) ﴾ قوله تعالى ذكره: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ : بيان عن حسن المآب، وترجمة عنه، ومعناه: بساتينُ إقامة. وقد بيَّنا معنى ذلك بشواهده، وذكرنا ما فيه من الاختلاف فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. ⁕ وقد حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، فال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ قال: سأل عمر كعبا ما عَدَن؟ قال: يا أمير المؤمنين، قصور في الجنة من ذهب يسكنها النبيون والصدّيقون والشهداء وأئمةُ العدل. * * وقوله ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوَابُ﴾ يعني: مفتحة لهم أبوابها؛ وأدخلت الألف واللام في الأبواب بدلا من الإضافة، كما قيل: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ بمعنى: هي مَأْواه، وكما قال الشاعر: ما وَلَدتْكُمْ حَيَّةُ ابْنَة مالِكٍ ... سِفاحا وَما كَانَتْ أحاديثَ كاذِبِ وَلَكِنْ نَرَى أقْدَامَنَا فِي نِعَالِكُمْ ... وآنفُنَا بينَ اللِّحَى والحَوَاجِبِ [[البيتان من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٨١) على أن قوله تعالى" مفتحة لهم الأبواب" برفع الأبواب، لأن المعنى مفتحة لهم أبوابها. والعرب تجعل الألف واللام خلفا من الإضافة ومنه قوله:" فإن الجحيم هي المأوى" فالمعنى والله أعلم: مأواه. ومثله قول الشاعر:" ما ولدتكم حية ربعية.... البيتين". فمعناه: ونرى آنفنا بين لحاكم وحواجبكم في الشبه. أهـ. وحية ابنة مالك: قبيلة وسفاحا: زنا. واللحى: جمع لحية.]] بمعنى: بين لحاكم وحواجبكم؛ ولو كانت الأبواب جاءت بالنصب لم يكن لحنا، وكان نصبه على توجيه المفتحة في اللفظ إلى جنات، وإن كان في المعنى للأبواب، وكان كقول الشاعر: وَما قَوْمي بثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدٍ ... وَلا بِفَزَارَةَ الشِّعْرَ الرَقابا [[البيت للحارث بن ظالم المري من قصيدة من الوافر قالها لما هرب من النعمان بن المنذر. فلحق بقريش. (انظر فرائد القلائد في مختصر شرح الشواهد للعيني ص ٢٦٤) والرواية فيه"الشعر بدون ألف بعد الراء. قال: والشاهد في الشعر الرقابا" فإنه مثل" الحسن الوجه بنصب الوجه" على أنه شبيه بالمفعول به (لأن الشعر جمع أشعر، كثير شعر الجسد، صفة مشبهة. أنشد الفراء البيت في معاني القرآن (الورقة ٢٨١) مع الشاهد السابق، وقال في قوله تعالى"مفتحة لهم الأبواب" وقال: ولو قال" مفتحة لهم الأبواب" (بنصب الأبواب) على أن تجعل المفتحة في اللفظ للجنان، وفي المعنى للأبواب، فيكون مثل قول الشاعر: ما قومي بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشعري رقابا ولم يأت الفراء في كلامه بجواب لو ... أي لكان وجها.. والخلاصة أن في لفظة" الأبواب" من قوله تعالى" مفتحة لهم الأبواب" وجهان من الإعراب: الرفع على أن نائب فاعل، أي مفتحة لهم أبوابها. والنصب على أن نائب الفاعل ضمير راجع على الجنات، وتنصب الأبواب على أنه شبيه بالمفعول به. وكذلك في قوله:" الشعر الرقابا" النصب فيه على أنه شبيه بالمفعول به لأنه فعله" شعر" لازم لا ينصب المفعول به وعلى رواية"الشعرى رقاباً:" تنصب رقابه على أنه تمييز. وانظر معمول اسم المفعول ومعمول الصفة المشبهة في التصريح والأشموني.]] ثم نوِّنت مفتحة، ونصبت الأبواب. فإن قال لنا قائل: وما في قوله ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوَابُ﴾ من فائدة خبر حتى ذكر ذلك؟ قيل: فإن الفائدة في ذلك إخبار الله تعالى عنها أن أبوابها تفتح لهم بغير فتح سكانها إياها، بمعاناة بيد ولا جارحة، ولكن بالأمر فيما ذُكر. كما:- ⁕ حدثنا أحمد بن الوليد الرملي، قال: ثنا ابن نفيل، قال: ثنا ابن دعيج، عن الحسن، في قوله ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوَابُ﴾ قال: أبواب تكلم، فتكلم: انفتحي، انغلقي. * * وقوله ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾ يقول: متكئين في جنات عدن، على سُرر يدعون فيها بفاكهة، يعني بثمار من ثمار الجنة كثيرة، وشراب من شرابها.

Al-Mukhtasar (français)

Ils iront le Jour de la Résurrection dans des vergers pour y demeurer et on leur ouvrira leurs portes afin de les accueillir.

51

مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَٰكِهَةٍۢ كَثِيرَةٍۢ وَشَرَابٍۢ

où, accoudés, ils demanderont des fruits abondants et des boissons.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ السُّعَدَاءِ أَنَّ لَهُمْ فِي [الدَّارِ] [[زيادة من س، أ.]] الْآخِرَةِ ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وَهُوَ: الْمُرْجِعُ وَالْمُنْقَلَبُ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أَيْ: جَنَّاتِ إِقَامَةٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ. وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ هُنَا [[في ت: "هاهنا".]] بِمَعْنَى الْإِضَافَةِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: "مُفَتَّحَةً لَهُمْ أَبْوَابُهَا" أَيْ: إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُهَا. قَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوَابٍ الهَبَّاري حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ -يَعْنِي: ابْنَ هُرْمُزَ-عَنِ ابْنِ سَابِطٍ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ قَصْرًا يُقَالُ لَهُ: "عَدْنٌ" حَوْلَهُ الْبُرُوجُ وَالْمُرُوجُ لَهُ خَمْسَةُ آلَافِ بَابٍ عِنْدَ كُلِّ بَابٍ خَمْسَةُ آلَافِ حبَرَة لَا يَدْخُلُهُ -أَوْ: لَا يَسْكُنُهُ-إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ أَوْ إِمَامٌ عَدْلٌ". [[ورواه البزار في مسنده برقم (١٥٩١) "كشف الأستار" من طريق محمد بن ثواب به، وقال الهيثمي في المجمع (٥/١٩٦) : "فيه عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف".]] وَقَدْ وَرَدَ فِي [ذِكْرِ] [[زيادة من ت، أ.]] أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْ وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ قِيلَ: مُتَرَبِّعِينَ فِيهَا عَلَى سُرُرٍ [[في أ: " سرير".]] تَحْتَ الْحِجَالِ ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ أَيْ: مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا وَحَضَرَ كَمَا أَرَادُوا. ﴿وَشَرَابٍ﴾ أَيْ: مِنْ أَيِّ أَنْوَاعِهِ شَاءُوا أَتَتْهُمْ بِهِ الْخُدَّامُ ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ١٨] ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أَيْ: عَنْ غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ فَلَا يَلْتَفِتْنَ إِلَى غَيْرِ بُعُولَتِهِنَّ ﴿أَتْرَابٌ﴾ أَيْ: مُتَسَاوِيَاتٌ فِي السِّنِّ وَالْعُمُرِ. هَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَالسُّدِّيِّ. ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ صِفَةِ الْجَنَّةِ الَّتِي [[في ت، س، أ: "الجنة هي التي".]] وَعَدَهَا لِعِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ الَّتِي [[في أ: "الذين".]] يَصِيرُونَ إِلَيْهَا بَعْدَ نُشُورِهِمْ وَقِيَامِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ وَسَلَامَتِهِمْ مِنَ النَّارِ. ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ الْجَنَّةِ أَنَّهُ لَا فَرَاغَ لَهَا وَلَا انْقِضَاءَ وَلَا زَوَالَ وَلَا انْتِهَاءَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النَّحْلِ: ٩٦] وَكَقَوْلِهِ ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هُودٍ: ١٠٨] وَكَقَوْلِهِ ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٨] أَيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ وَكَقَوْلِهِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٥] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١) ﴾ قوله تعالى ذكره: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ : بيان عن حسن المآب، وترجمة عنه، ومعناه: بساتينُ إقامة. وقد بيَّنا معنى ذلك بشواهده، وذكرنا ما فيه من الاختلاف فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. ⁕ وقد حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، فال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ قال: سأل عمر كعبا ما عَدَن؟ قال: يا أمير المؤمنين، قصور في الجنة من ذهب يسكنها النبيون والصدّيقون والشهداء وأئمةُ العدل. * * وقوله ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوَابُ﴾ يعني: مفتحة لهم أبوابها؛ وأدخلت الألف واللام في الأبواب بدلا من الإضافة، كما قيل: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ بمعنى: هي مَأْواه، وكما قال الشاعر: ما وَلَدتْكُمْ حَيَّةُ ابْنَة مالِكٍ ... سِفاحا وَما كَانَتْ أحاديثَ كاذِبِ وَلَكِنْ نَرَى أقْدَامَنَا فِي نِعَالِكُمْ ... وآنفُنَا بينَ اللِّحَى والحَوَاجِبِ [[البيتان من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٨١) على أن قوله تعالى" مفتحة لهم الأبواب" برفع الأبواب، لأن المعنى مفتحة لهم أبوابها. والعرب تجعل الألف واللام خلفا من الإضافة ومنه قوله:" فإن الجحيم هي المأوى" فالمعنى والله أعلم: مأواه. ومثله قول الشاعر:" ما ولدتكم حية ربعية.... البيتين". فمعناه: ونرى آنفنا بين لحاكم وحواجبكم في الشبه. أهـ. وحية ابنة مالك: قبيلة وسفاحا: زنا. واللحى: جمع لحية.]] بمعنى: بين لحاكم وحواجبكم؛ ولو كانت الأبواب جاءت بالنصب لم يكن لحنا، وكان نصبه على توجيه المفتحة في اللفظ إلى جنات، وإن كان في المعنى للأبواب، وكان كقول الشاعر: وَما قَوْمي بثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدٍ ... وَلا بِفَزَارَةَ الشِّعْرَ الرَقابا [[البيت للحارث بن ظالم المري من قصيدة من الوافر قالها لما هرب من النعمان بن المنذر. فلحق بقريش. (انظر فرائد القلائد في مختصر شرح الشواهد للعيني ص ٢٦٤) والرواية فيه"الشعر بدون ألف بعد الراء. قال: والشاهد في الشعر الرقابا" فإنه مثل" الحسن الوجه بنصب الوجه" على أنه شبيه بالمفعول به (لأن الشعر جمع أشعر، كثير شعر الجسد، صفة مشبهة. أنشد الفراء البيت في معاني القرآن (الورقة ٢٨١) مع الشاهد السابق، وقال في قوله تعالى"مفتحة لهم الأبواب" وقال: ولو قال" مفتحة لهم الأبواب" (بنصب الأبواب) على أن تجعل المفتحة في اللفظ للجنان، وفي المعنى للأبواب، فيكون مثل قول الشاعر: ما قومي بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشعري رقابا ولم يأت الفراء في كلامه بجواب لو ... أي لكان وجها.. والخلاصة أن في لفظة" الأبواب" من قوله تعالى" مفتحة لهم الأبواب" وجهان من الإعراب: الرفع على أن نائب فاعل، أي مفتحة لهم أبوابها. والنصب على أن نائب الفاعل ضمير راجع على الجنات، وتنصب الأبواب على أنه شبيه بالمفعول به. وكذلك في قوله:" الشعر الرقابا" النصب فيه على أنه شبيه بالمفعول به لأنه فعله" شعر" لازم لا ينصب المفعول به وعلى رواية"الشعرى رقاباً:" تنصب رقابه على أنه تمييز. وانظر معمول اسم المفعول ومعمول الصفة المشبهة في التصريح والأشموني.]] ثم نوِّنت مفتحة، ونصبت الأبواب. فإن قال لنا قائل: وما في قوله ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوَابُ﴾ من فائدة خبر حتى ذكر ذلك؟ قيل: فإن الفائدة في ذلك إخبار الله تعالى عنها أن أبوابها تفتح لهم بغير فتح سكانها إياها، بمعاناة بيد ولا جارحة، ولكن بالأمر فيما ذُكر. كما:- ⁕ حدثنا أحمد بن الوليد الرملي، قال: ثنا ابن نفيل، قال: ثنا ابن دعيج، عن الحسن، في قوله ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوَابُ﴾ قال: أبواب تكلم، فتكلم: انفتحي، انغلقي. * * وقوله ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾ يقول: متكئين في جنات عدن، على سُرر يدعون فيها بفاكهة، يعني بثمار من ثمار الجنة كثيرة، وشراب من شرابها.

Al-Mukhtasar (français)

Ils y seront accoudés à des banquettes qui auront été ornées pour eux et ils ordonneront à leurs serviteurs de leur présenter les variétés de fruits et de boissons, vin ou autre, qu’ils désirent.

52

۞ وَعِندَهُمْ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ

Et auprès d'eux seront les belles au regard chaste, toutes du même âge.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ السُّعَدَاءِ أَنَّ لَهُمْ فِي [الدَّارِ] [[زيادة من س، أ.]] الْآخِرَةِ ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وَهُوَ: الْمُرْجِعُ وَالْمُنْقَلَبُ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أَيْ: جَنَّاتِ إِقَامَةٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ. وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ هُنَا [[في ت: "هاهنا".]] بِمَعْنَى الْإِضَافَةِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: "مُفَتَّحَةً لَهُمْ أَبْوَابُهَا" أَيْ: إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُهَا. قَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوَابٍ الهَبَّاري حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ -يَعْنِي: ابْنَ هُرْمُزَ-عَنِ ابْنِ سَابِطٍ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ قَصْرًا يُقَالُ لَهُ: "عَدْنٌ" حَوْلَهُ الْبُرُوجُ وَالْمُرُوجُ لَهُ خَمْسَةُ آلَافِ بَابٍ عِنْدَ كُلِّ بَابٍ خَمْسَةُ آلَافِ حبَرَة لَا يَدْخُلُهُ -أَوْ: لَا يَسْكُنُهُ-إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ أَوْ إِمَامٌ عَدْلٌ". [[ورواه البزار في مسنده برقم (١٥٩١) "كشف الأستار" من طريق محمد بن ثواب به، وقال الهيثمي في المجمع (٥/١٩٦) : "فيه عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف".]] وَقَدْ وَرَدَ فِي [ذِكْرِ] [[زيادة من ت، أ.]] أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْ وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ قِيلَ: مُتَرَبِّعِينَ فِيهَا عَلَى سُرُرٍ [[في أ: " سرير".]] تَحْتَ الْحِجَالِ ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ أَيْ: مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا وَحَضَرَ كَمَا أَرَادُوا. ﴿وَشَرَابٍ﴾ أَيْ: مِنْ أَيِّ أَنْوَاعِهِ شَاءُوا أَتَتْهُمْ بِهِ الْخُدَّامُ ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ١٨] ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أَيْ: عَنْ غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ فَلَا يَلْتَفِتْنَ إِلَى غَيْرِ بُعُولَتِهِنَّ ﴿أَتْرَابٌ﴾ أَيْ: مُتَسَاوِيَاتٌ فِي السِّنِّ وَالْعُمُرِ. هَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَالسُّدِّيِّ. ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ صِفَةِ الْجَنَّةِ الَّتِي [[في ت، س، أ: "الجنة هي التي".]] وَعَدَهَا لِعِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ الَّتِي [[في أ: "الذين".]] يَصِيرُونَ إِلَيْهَا بَعْدَ نُشُورِهِمْ وَقِيَامِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ وَسَلَامَتِهِمْ مِنَ النَّارِ. ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ الْجَنَّةِ أَنَّهُ لَا فَرَاغَ لَهَا وَلَا انْقِضَاءَ وَلَا زَوَالَ وَلَا انْتِهَاءَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النَّحْلِ: ٩٦] وَكَقَوْلِهِ ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هُودٍ: ١٠٨] وَكَقَوْلِهِ ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٨] أَيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ وَكَقَوْلِهِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٥] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤) ﴾ ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ يقول تعالى ذكره: عند هؤلاء المتقين الذين أكرمهم الله بما وصف في هذه الآية من إسكانهم جنات عدن ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ يعني: نساء قصرت أطرافهنّ على أزواجهنّ، فلا يردن غيرهم، ولا يمددن أعينهن إلى سواهم. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ قال: قصرن طرفهم على أزواجهم، فلا يردن غيرهم. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ قال: قصرن أبصارهنّ وقلوبهنّ وأسماعهنّ على أزواجهنّ، فلا يردن غيرهم. * * وقوله ﴿أَتْرَابٌ﴾ يعني: أسنان واحدة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف بين أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ قال: أمثال. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَتْرَابٌ﴾ سن واحدة. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿أَتْرَابٌ﴾ قال: مستويات. قال: وقال بعضهم: متواخيات لا يتباغضن، ولا يتعادين، ولا يتغايرن، ولا يتحاسدن. * * وقوله ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ يقول تعالى ذكره: هذا الذي يعدكم الله في الدنيا أيها المؤمنون به من الكرامة لمن أدخله الله الجنة منكم في الآخرة. كما:- ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ قال: هو في الدنيا ليوم القيامة. * * وقوله ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ يقول تعالى ذكره: إن هذا الذي أعطينا هؤلاء المتقين في جنَّات عدن من الفاكهة الكثيرة والشراب، والقاصرات الطرف، ومكنَّاهم فيها من الوصول إلى اللّذات وما اشْتهته فيها أنفسهم لرزقنا، رزقناهم فيها كرامة منا لهم ﴿مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ يقول: ليس له عنهم انقطاع ولا له فناء، وذلك أنهم كلما أخذوا ثمرة من ثمار شجرة من أشجارها، فأكلوها، عادت مكانها أخرى مثلها، فذلك لهم دائم أبدا، لا ينقطع انقطاع ما كان أهل الدنيا أوتوه فى الدنيا، فانقطع بالفناء، ونَفِد بالإنفاد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ قال: رزق الجنة، كلما أخذ منه شيء عاد مثله مكانه، ورزق الدنيا له نفاد. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ : أي ما له انقطاع.

Al-Mukhtasar (français)

Il y aura auprès d’eux des femmes d’un âge moyen qui ne regarderont que leurs époux et personne d’autre.

53

هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ

Voilà ce qui vous est promis pour le Jour des Comptes.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ السُّعَدَاءِ أَنَّ لَهُمْ فِي [الدَّارِ] [[زيادة من س، أ.]] الْآخِرَةِ ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وَهُوَ: الْمُرْجِعُ وَالْمُنْقَلَبُ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أَيْ: جَنَّاتِ إِقَامَةٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ. وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ هُنَا [[في ت: "هاهنا".]] بِمَعْنَى الْإِضَافَةِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: "مُفَتَّحَةً لَهُمْ أَبْوَابُهَا" أَيْ: إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُهَا. قَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوَابٍ الهَبَّاري حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ -يَعْنِي: ابْنَ هُرْمُزَ-عَنِ ابْنِ سَابِطٍ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ قَصْرًا يُقَالُ لَهُ: "عَدْنٌ" حَوْلَهُ الْبُرُوجُ وَالْمُرُوجُ لَهُ خَمْسَةُ آلَافِ بَابٍ عِنْدَ كُلِّ بَابٍ خَمْسَةُ آلَافِ حبَرَة لَا يَدْخُلُهُ -أَوْ: لَا يَسْكُنُهُ-إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ أَوْ إِمَامٌ عَدْلٌ". [[ورواه البزار في مسنده برقم (١٥٩١) "كشف الأستار" من طريق محمد بن ثواب به، وقال الهيثمي في المجمع (٥/١٩٦) : "فيه عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف".]] وَقَدْ وَرَدَ فِي [ذِكْرِ] [[زيادة من ت، أ.]] أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْ وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ قِيلَ: مُتَرَبِّعِينَ فِيهَا عَلَى سُرُرٍ [[في أ: " سرير".]] تَحْتَ الْحِجَالِ ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ أَيْ: مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا وَحَضَرَ كَمَا أَرَادُوا. ﴿وَشَرَابٍ﴾ أَيْ: مِنْ أَيِّ أَنْوَاعِهِ شَاءُوا أَتَتْهُمْ بِهِ الْخُدَّامُ ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ١٨] ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أَيْ: عَنْ غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ فَلَا يَلْتَفِتْنَ إِلَى غَيْرِ بُعُولَتِهِنَّ ﴿أَتْرَابٌ﴾ أَيْ: مُتَسَاوِيَاتٌ فِي السِّنِّ وَالْعُمُرِ. هَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَالسُّدِّيِّ. ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ صِفَةِ الْجَنَّةِ الَّتِي [[في ت، س، أ: "الجنة هي التي".]] وَعَدَهَا لِعِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ الَّتِي [[في أ: "الذين".]] يَصِيرُونَ إِلَيْهَا بَعْدَ نُشُورِهِمْ وَقِيَامِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ وَسَلَامَتِهِمْ مِنَ النَّارِ. ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ الْجَنَّةِ أَنَّهُ لَا فَرَاغَ لَهَا وَلَا انْقِضَاءَ وَلَا زَوَالَ وَلَا انْتِهَاءَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النَّحْلِ: ٩٦] وَكَقَوْلِهِ ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هُودٍ: ١٠٨] وَكَقَوْلِهِ ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٨] أَيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ وَكَقَوْلِهِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٥] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤) ﴾ ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ يقول تعالى ذكره: عند هؤلاء المتقين الذين أكرمهم الله بما وصف في هذه الآية من إسكانهم جنات عدن ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ يعني: نساء قصرت أطرافهنّ على أزواجهنّ، فلا يردن غيرهم، ولا يمددن أعينهن إلى سواهم. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ قال: قصرن طرفهم على أزواجهم، فلا يردن غيرهم. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ قال: قصرن أبصارهنّ وقلوبهنّ وأسماعهنّ على أزواجهنّ، فلا يردن غيرهم. * * وقوله ﴿أَتْرَابٌ﴾ يعني: أسنان واحدة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف بين أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ قال: أمثال. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَتْرَابٌ﴾ سن واحدة. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿أَتْرَابٌ﴾ قال: مستويات. قال: وقال بعضهم: متواخيات لا يتباغضن، ولا يتعادين، ولا يتغايرن، ولا يتحاسدن. * * وقوله ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ يقول تعالى ذكره: هذا الذي يعدكم الله في الدنيا أيها المؤمنون به من الكرامة لمن أدخله الله الجنة منكم في الآخرة. كما:- ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ قال: هو في الدنيا ليوم القيامة. * * وقوله ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ يقول تعالى ذكره: إن هذا الذي أعطينا هؤلاء المتقين في جنَّات عدن من الفاكهة الكثيرة والشراب، والقاصرات الطرف، ومكنَّاهم فيها من الوصول إلى اللّذات وما اشْتهته فيها أنفسهم لرزقنا، رزقناهم فيها كرامة منا لهم ﴿مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ يقول: ليس له عنهم انقطاع ولا له فناء، وذلك أنهم كلما أخذوا ثمرة من ثمار شجرة من أشجارها، فأكلوها، عادت مكانها أخرى مثلها، فذلك لهم دائم أبدا، لا ينقطع انقطاع ما كان أهل الدنيا أوتوه فى الدنيا، فانقطع بالفناء، ونَفِد بالإنفاد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ قال: رزق الجنة، كلما أخذ منه شيء عاد مثله مكانه، ورزق الدنيا له نفاد. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ : أي ما له انقطاع.

Al-Mukhtasar (français)

Ô gens pieux, voilà la rétribution agréable que l’on vous promet le Jour de la Résurrection pour les bonnes œuvres que vous accomplissiez dans le bas monde.

54

إِنَّ هَٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ

Ce sera Notre attribution inépuisable.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ السُّعَدَاءِ أَنَّ لَهُمْ فِي [الدَّارِ] [[زيادة من س، أ.]] الْآخِرَةِ ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وَهُوَ: الْمُرْجِعُ وَالْمُنْقَلَبُ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أَيْ: جَنَّاتِ إِقَامَةٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ. وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ هُنَا [[في ت: "هاهنا".]] بِمَعْنَى الْإِضَافَةِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: "مُفَتَّحَةً لَهُمْ أَبْوَابُهَا" أَيْ: إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُهَا. قَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوَابٍ الهَبَّاري حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ -يَعْنِي: ابْنَ هُرْمُزَ-عَنِ ابْنِ سَابِطٍ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ قَصْرًا يُقَالُ لَهُ: "عَدْنٌ" حَوْلَهُ الْبُرُوجُ وَالْمُرُوجُ لَهُ خَمْسَةُ آلَافِ بَابٍ عِنْدَ كُلِّ بَابٍ خَمْسَةُ آلَافِ حبَرَة لَا يَدْخُلُهُ -أَوْ: لَا يَسْكُنُهُ-إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ أَوْ إِمَامٌ عَدْلٌ". [[ورواه البزار في مسنده برقم (١٥٩١) "كشف الأستار" من طريق محمد بن ثواب به، وقال الهيثمي في المجمع (٥/١٩٦) : "فيه عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف".]] وَقَدْ وَرَدَ فِي [ذِكْرِ] [[زيادة من ت، أ.]] أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْ وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ قِيلَ: مُتَرَبِّعِينَ فِيهَا عَلَى سُرُرٍ [[في أ: " سرير".]] تَحْتَ الْحِجَالِ ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ أَيْ: مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا وَحَضَرَ كَمَا أَرَادُوا. ﴿وَشَرَابٍ﴾ أَيْ: مِنْ أَيِّ أَنْوَاعِهِ شَاءُوا أَتَتْهُمْ بِهِ الْخُدَّامُ ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ١٨] ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أَيْ: عَنْ غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ فَلَا يَلْتَفِتْنَ إِلَى غَيْرِ بُعُولَتِهِنَّ ﴿أَتْرَابٌ﴾ أَيْ: مُتَسَاوِيَاتٌ فِي السِّنِّ وَالْعُمُرِ. هَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَالسُّدِّيِّ. ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ صِفَةِ الْجَنَّةِ الَّتِي [[في ت، س، أ: "الجنة هي التي".]] وَعَدَهَا لِعِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ الَّتِي [[في أ: "الذين".]] يَصِيرُونَ إِلَيْهَا بَعْدَ نُشُورِهِمْ وَقِيَامِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ وَسَلَامَتِهِمْ مِنَ النَّارِ. ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ الْجَنَّةِ أَنَّهُ لَا فَرَاغَ لَهَا وَلَا انْقِضَاءَ وَلَا زَوَالَ وَلَا انْتِهَاءَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النَّحْلِ: ٩٦] وَكَقَوْلِهِ ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هُودٍ: ١٠٨] وَكَقَوْلِهِ ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٨] أَيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ وَكَقَوْلِهِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٥] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤) ﴾ ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ يقول تعالى ذكره: عند هؤلاء المتقين الذين أكرمهم الله بما وصف في هذه الآية من إسكانهم جنات عدن ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ يعني: نساء قصرت أطرافهنّ على أزواجهنّ، فلا يردن غيرهم، ولا يمددن أعينهن إلى سواهم. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ قال: قصرن طرفهم على أزواجهم، فلا يردن غيرهم. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ قال: قصرن أبصارهنّ وقلوبهنّ وأسماعهنّ على أزواجهنّ، فلا يردن غيرهم. * * وقوله ﴿أَتْرَابٌ﴾ يعني: أسنان واحدة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف بين أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ قال: أمثال. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَتْرَابٌ﴾ سن واحدة. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿أَتْرَابٌ﴾ قال: مستويات. قال: وقال بعضهم: متواخيات لا يتباغضن، ولا يتعادين، ولا يتغايرن، ولا يتحاسدن. * * وقوله ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ يقول تعالى ذكره: هذا الذي يعدكم الله في الدنيا أيها المؤمنون به من الكرامة لمن أدخله الله الجنة منكم في الآخرة. كما:- ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ قال: هو في الدنيا ليوم القيامة. * * وقوله ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ يقول تعالى ذكره: إن هذا الذي أعطينا هؤلاء المتقين في جنَّات عدن من الفاكهة الكثيرة والشراب، والقاصرات الطرف، ومكنَّاهم فيها من الوصول إلى اللّذات وما اشْتهته فيها أنفسهم لرزقنا، رزقناهم فيها كرامة منا لهم ﴿مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ يقول: ليس له عنهم انقطاع ولا له فناء، وذلك أنهم كلما أخذوا ثمرة من ثمار شجرة من أشجارها، فأكلوها، عادت مكانها أخرى مثلها، فذلك لهم دائم أبدا، لا ينقطع انقطاع ما كان أهل الدنيا أوتوه فى الدنيا، فانقطع بالفناء، ونَفِد بالإنفاد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ قال: رزق الجنة، كلما أخذ منه شيء عاد مثله مكانه، ورزق الدنيا له نفاد. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ : أي ما له انقطاع.

Al-Mukhtasar (français)

Ce que Nous avons mentionné est la rétribution dont Nous pourvoirons les serviteurs pieux le Jour de la Résurrection. Ce sera un don continu qui ne s’interrompra jamais

55

هَٰذَا ۚ وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٍۢ

Voilà! Alors que les rebelles auront certes la pire retraite,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السُّعَدَاءِ ثَنّى بِذِكْرِ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ وَمَرْجِعِهِمْ وَمَآبِهِمْ فِي دَارِ مَعَادِهِمْ وَحِسَابِهِمْ فَقَالَ: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ وَهُمُ: الْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ الْمُخَالِفُونَ لِرُسُلِ اللَّهِ ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ أَيْ: لَسُوءَ مُنْقَلَبٍ وَمَرْجِعٍ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ أَيْ: يَدْخُلُونَهَا فَتَغْمُرُهُمْ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِمْ ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ. هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ أَمَّا الْحَمِيمُ فَهُوَ: الْحَارُّ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ وَأَمَّا الغَسَّاق فَهُوَ: ضِدُّهُ، وَهُوَ الْبَارِدُ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ بَرْدِهِ الْمُؤْلِمِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أَيْ: وَأَشْيَاءُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، الشَّيْءُ وَضِدُّهُ يُعَاقَبُونَ بِهَا. قَالَ [[في ت: "روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة حَدَّثَنَا دَرّاج عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ [[في ت: "بسنده".]] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ [[في أ: "سعيد رضي الله عنه".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاق يُهَرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأنتن أهل الدنيا" [[المسند (٣/٢٨) .]] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ رِشْدين بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ دَرّاج بِهِ. ثُمَّ قَالَ: "لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٨٤) .]] كَذَا قَالَ: وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بِهِ [[تفسير الطبري (٢٣/١١٤) .]] وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: غَسَّاقٌ: عَيْنٌ فِي جَهَنَّمَ يَسِيلُ إِلَيْهَا حُمَة كُلِّ ذَاتِ حُمَة مِنْ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَسْتَنْقِعُ فَيُؤْتَى بِالْآدَمِيِّ فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً وَاحِدَةً فَيَخْرُجُ وَقَدْ سَقَطَ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ عَنِ الْعِظَامِ وَيَتَعَلَّقُ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ فِي كَعْبَيْهِ وَعَقِبَيْهِ ويُجَر لَحْمَهُ كَمَا يَجُر الرَّجُلُ ثَوْبَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أَلْوَانٌ مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَالزَّمْهَرِيرِ وَالسَّمُومِ وَشُرْبِ الْحَمِيمِ وَأَكْلِ الزَّقُّومِ وَالصُّعُودِ وَالْهُوِيُّ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْمُتَضَادَّةِ [[في ت، س: "المتضاضة والمتخالفة".]] وَالْجَمِيعُ مِمَّا يُعَذَّبُونَ بِهِ وَيُهَانُونَ بِسَبَبِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ قِيلِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] يَعْنِي بَدَلَ السَّلَامِ يَتَلَاعَنُونَ وَيَتَكَاذَبُونَ [[في ت: "ويتجاذبون".]] وَيَكْفُرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَتَقُولُ الطَّائِفَةُ الَّتِي تَدْخُلُ قَبْلَ الْأُخْرَى إِذَا أَقْبَلَتِ الَّتِي بَعْدَهَا مَعَ الْخَزَنَةِ مِنَ الزَّبَانِيَةِ: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ﴾ أَيْ: دَاخِلٌ مَعَكُمْ ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ت، س.]] لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ جَهَنَّمَ [[في ت: "النار".]] ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ أَيْ: فَيَقُولُ لَهُمُ الدَّاخِلُونَ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ أَيْ: أَنْتُمْ دَعَوْتُمُونَا إِلَى مَا أَفْضَى بِنَا إِلَى هَذَا الْمَصِيرِ ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ أَيْ: فَبِئْسَ الْمَنْزِلُ وَالْمُسْتَقَرُّ وَالْمَصِيرُ. ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ [[في ت، س: "تعالى".]] ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] أَيْ: لِكُلٍّ مِنْكُمْ عَذَابٌ بِحَسَبِهِ ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ هَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ أَنَّهُمْ يَفْقِدُونَ رِجَالًا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ فِي زَعْمِهِمْ قَالُوا: مَا لَنَا لَا نَرَاهُمْ مَعَنَا فِي النَّارِ؟. قَالَ [[في ت: "وقال".]] مُجَاهِدٌ: هَذَا قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ يَقُولُ: مَا لِي لَا أَرَى بِلَالًا وَعَمَّارًا وَصُهَيْبًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا. وَهَذَا مَثَلٌ ضُرِبَ، وَإِلَّا فَكُلُّ الْكُفَّارِ هَذَا حَالُهُمْ: يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ فَلَمَّا دَخَلَ الْكُفَّارُ النَّارَ افْتَقَدُوهُمْ فَلَمْ يَجِدُوهُمْ فَقَالُوا: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا [[في أ: "دار الدنيا".]] ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ يُسَلُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْمُحَالِ يقولون: أو لعلهم مَعَنَا فِي جَهَنَّمَ وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ بَصَرُنَا عَلَيْهِمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ فِي الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ [[في ت: "العلا".]] وَهُوَ [[في أ: "وهي".]] قَوْلُهُ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ [وَنَادَى أَصْحَابُ الأعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ. أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ] ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٤٤ -٤٩] [[زيادة من ت، س.]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَاكَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ مِنْ تَخَاصُمِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ وَلَعْنِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لَحَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله ﴿هَذَا﴾ : الذي وصفت لهؤلاء المتقين: ثم استأنف جلّ وعزّ الخبر عن الكافرين به الذين طَغَوا عليه وبَغَوا، فقال: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ وهم الذين تمرّدوا على ربهم، فعصوا أمره مع إحسانه إليهم ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ يقول: لشرّ مرجع ومصير يصيرون إليه في الآخرة بعد خروجهم من الدنيا. كما:- ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ قال: لشرَّ مُنْقَلَب. ثم بين تعالى ذكره: ما ذلك الذي إليه ينقلبون ويصيرون في الآخرة، فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ فترجم عن جهنم بقوله ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ومعنى الكلام: إن للكافرين لشرَّ مَصِير يصيرون إليه يوم القيامة، لأن مصيرهم إلى جهنم، وإليها منقلبهم بعد وفاتهم ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ يقول تعالى ذكره: فبئس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم جهنم. * * وقوله ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ يقول تعالى ذكره: هذا حميم، وهو الذي قد أغلي حتى انتهى حرّه، وغساق فَلْيذوقوه؛ فالحميم مرفوع بهذا، وقوله ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ معناه التأخير، لأن معنى الكلام ما ذكرت، وهو: هذا حميم وغساق فليذوقوه. وقد يتجه إلى أن يكون هذا مكتفيا بقوله فليذوقوه ثم يُبْتَدأ فيقال: حميم وغَسَّاق، بمعنى: منه حميم ومنه غَسَّاق. كما قال الشاعر: حتى إذا أضَاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ ... وَغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ وَمَحْصُودٌ [[البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٨١) قال في قوله تعالى:" هذا فليذوقوه حميم وغساق": رفعت الحميم والغساق بهذا، مقدما ومؤخرا. والمعنى: هذا حميم وغساق فليذوقوه. وإن شئت جعلته (حميم وغساق) : مستأنفا، وجعلت الكلام قبله مكتفيا، كأنك قلت:" هذا فليذوقوه" ثم قلت: منه غساق. كقول الشاعر:" حتى إذا ... البيت) . أهـ.]] وإذا وُجِّه إلى هذا المعنى جاز في هذا النصب والرفع. النصب: على أن يُضْمر قبلها لها ناصب، كم قال الشاعر: زِيادَتَنا نُعْمانُ لا تَحْرِمَنَّنا ... تَقِ الله فِينا والكِتابَ الَّذي تَتْلُو [[هذا البيت لعبد الله بن همام السلولي (اللسان: وفي) يخاطب النعمان بن بشير الأنصاري، وكان قد ولي الكوفة لمعاوية، وكان معاوية قد زاد أناسا في أعطياتهم عشرة، فأنفذ النعمان، وترك بعضهم لأنهم جاءوا بكتب بعد ما فرغ من الحملة، وكان ابن همام ممن تخلف، فكلمه فأبى عليه: فقال ابن همام قصيدة يرفقه عليه، ويتشفع بالأنصار، ويمدح معاوية. وقوله" زيادتنا" منصوب بفعل محذوف يفسره الفعل المؤكد بالنون. لأنه يعمل فيما قبله، كما قال الرضى: والفعل المؤكد يروي: لا تنسبنها، ويروي لا تحرمننا (انظر شرح شواهد الشافية للرضي ص ٤٩٧) .]] والرفع بالهاء في قوله ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ كما يقال: الليلَ فبادروه، والليلُ فبادروه. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المضفل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ قال: الحميم: الذي قد انتهى حَرُّه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الحميم دموع أعينهم، تجمع في حياض النار فيسقونه. * * وقوله ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ اختلفت القرّاء في قراءته، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين والشام بالتخفيف:"وَغَسَاق" وقالوا: هو اسم موضوع. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ مشددة، ووجهوه إلى أنه صفة من قولهم: غَسَقَ يَغْسِقُ غُسُوقا: إذا سال، وقالوا: إنما معناه: أنهم يُسْقَون الحميم، وما يسيل من صديدهم. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وإن كان التشديد في السِّين أتم عندنا في ذلك، لأن المعروف ذلك في الكلام، وإن كان الآخر غير مدفوعة صحته. واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: هو ما يسيل من جلودهم من الصديد والدم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ قال: كنا نحدث أن الغسَّاق: ما يَسِيل من بين جلده ولحمه. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: الغساق: الذي يسيل من أعينهم من دموعهم، يسقونه مع الحميم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قال: الغسَّاق: ما يسيل من سُرْمهم، وما يسقط من جلودهم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ﴿الغساق﴾ : الصديد الذي يجمع من جلودهم مما تصهرهم النار في حياض يجتمع فيها فيسقونه. ⁕ حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهميّ، قال: ثني أبي، قال: ثنا ابن لَهِيعة، قال: ثني أبو قبيل أنه سمع أبا هبيرة الزيادي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: أيّ شيء الغسَّاق؟ قالوا: الله أعلم، فقال عبد الله بن عمرو: هو القَيْح الغليظ، لو أن قطرة منه تُهَرَاق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تُهَرَاق في المشرق لأنتنت أهل المغرب. قال يحيى بن عثمان، قال أبي: ثنا ابن لهيعة مرة أخرى، فقال: ثنا أبو قبيل، عن عبد الله بن هبيرة، ولم يذكر لنا أبا هبيرة. ⁕ حدثنا ابن عوف، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا أبو يحيى عطية الكلاعيّ، أن كعبا كان يقول: هل تدرون ما غسَّاق؟ قالوا: لا والله، قال: عين في جهنم يسيل إليها حُمَّةٌ كل ذات حُمَة من حية أو عقرب أو غيرها، فيستنقع فيؤتي بالآدمي، فيُغْمَس فيها غمسة واحدة، فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام. حتى يتعلق جلده في كعبيه وعقبيه، وينجر لحمه كجر الرجل ثوبه. وقال آخرون: هو البارد الذي لا يستطاع من برده. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن يحيى بن أبي زائدة، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ قال: بارد لا يُسْتطاع، أو قال: برد لا يُسْتطاع. ⁕ حدثني عليّ بن عبد الأعلى، قال: ثنا المحاربيّ، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ قال: يقال: الغسَّاق: أبرد البرد، ويقول آخرون: لا بل هو أنْتَن النَّتْن. وقال آخرون: بل هو المُنْتِن. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن المسيب، عن إبراهيم النكري، عن صالح بن حيان، عن أبيه، عن عبد الله بن بُرَيدة، قال: الغسَّاق: المنتن، وهو بالطُّخارية [[لعله يريد بالطخارية: المنسوبة إلى طخارستان، بضم أوله، وهو إقليم من بلاد العجم، شرقي جرجان يريد أن لفظة"غساق" ليست عربية الأصل.]] . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدريّ، أن النبيّ ﷺ قال:"لَوْ أنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ يُهَراقُ فِي الدُّنْيا لأنْتَنَ أهْلَ الدُّنْيا". وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هو ما يسيل من صديدهم، لأن ذلك هو الأغلب من معنى الغُسُوق، وإن كان للآخر وجه صحيح. * * وقوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ على التوحيد، بمعنى: هذا حميم وغساق فليذوقوه، وعذاب آخر من نحو الحميم ألوان وأنواع، كما يقال: لك عذاب من فلان: ضروب وأنواع؛ وقد يحتمل أن يكون مرادًا بالأزواج الخبر عن الحميم والغساق، وآخر من شكله، وذلك ثلاثة، فقيل أزواج، يراد أن ينعت بالأزواج تلك الأشياء الثلاثة. وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصريين:"وأخَرُ" على الجماع، وكأن من قرأ ذلك كذلك كان عنده لا يصلح أن يكون الأزواج وهي جمع نَعْتا لواحد، فلذلك جمع أخر، لتكون الأزواج نعتا لها؛ والعرب لا تمنع أن ينعَت الاسم إذا كان فعلا بالكثير والقليل والاثنين كما بيَّنا، فتقول: عذاب فلان أنواع، ونوعان مختلفان. وأعجب القراءتين إليَّ أن أقرأ بها: ﴿وآخَرُ﴾ على التوحيد، وإن كانت الأخرى صحيحة لاستفاضة القراءة بها في قرّاء الأمصار؛ وإنما اخترنا التوحيد لأنه أصحّ مخرجا في العربية، وأنه في التفسير بمعنى التوحيد. وقيل إنه الزَّمهرير. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن مُرّة، عن عبد الله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال الزمهرير. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن مرة، عن عبد الله، بمثله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا معاوية، عن سفيان، عن السديّ، عمن أخبره عن عبد الله بمثله، إلا أنه قال: عذاب الزمهرير. ⁕ حدثنا محمد قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، عن مرّة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: هو الزمهرير. ⁕ حُدثت عن يحيى بن أبي زائدة، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: ذكر الله العذاب، فذكر السلاسل والأغلال، وما يكون في الدنيا، ثم قال: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: وآخر لم ير في الدنيا. وأما قوله ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ فإن معناه: من ضربه، ونحوه يقول الرجل للرجل: ما أنت من شكلي، بمعنى: ما أنت من ضربي بفتح الشين. وأما الشِّكْل فإنه من المراة ما عَلَّقَتْ مما تتحسن به، وهو الدَّلُّ أيضا منها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ يقول: من نحوه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ من نحوه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: من كُلّ شَكْلٍ ذلك العذاب الذي سمي الله، أزواج لم يسمها الله، قال: والشَّكل: الشبيه. * * وقوله ﴿أَزْوَاجٌ﴾ يعني: ألوان وأنواع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: ألوان من العذاب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَزْوَاجٌ﴾ زوج زوج من العذاب. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿أَزْوَاجٌ﴾ قال: أزواج من العذاب في النار. * * وقوله ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله ﴿هَذَا فَوْجٌ﴾ هذا فرقة وجماعة مقتحمة معكم أيها الطاغون النار، وذلك دخول أمة من الأمم الكافرة بعد أمة؛ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ وهذا خبر من الله عن قيلِ الطاغين الذين كانوا قد دخلوا النار قبل هذا الفوج المقتحِم للفوج المقتَحم فيها عليهم، لا مرحبا بهم، ولكن الكلام اتصل فصار كأنه قول واحد، كما قيل: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ فاتصل قول فرعون بقول ملئه، وهذا كما قال تعالى ذكره مخبرا عن أهل النار: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ ويعني بقولهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ لا اتسعت بهم مداخلهم، كما قال أبو الأسود: لا مرْحَب وَاديكَ غيرُ مُضَيَّقِ [[هذا شطر بيت لأبي الأسود الدؤلي، ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ٢١٢ من مصورة جامعة القاهرة رقم (٢٦٠٥٩) قال عند قوله تعالى" لا مرحبا بهم": تقول العرب للرجل:" لا مرحبا بك" أي لا رحبت عليك، أي لا اتسعت. قال أبو الأسود:" لا مرحب واديك غير مضيق". ولم أجده في ترجمته في الأغاني، ولا في معجم ياقوت.]] وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ في النار ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ .. حتى بلغ: ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ قال: هؤلاء التباع يقولون للرءوس. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ قال: الفوج: القوم الذين يدخلون فوجا بعد فوج، وقرأ: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ التي كانت قبلها. * * وقوله ﴿إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ يقول: إنهم واردو النار وداخلوها. ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ يقول: قال الفوج الواردون جهنم على الطاغين الذين وصف جل ثناؤه صفتهم لهم: بل أنتم أيها القوم لا مرحبا بكم: أي لا اتسعت بكم أماكنكم، ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ يعنون: أنتم قدمتم لنا سُكنى هذا المكان، وصِليّ النار بإضلالكم إيانا، ودعائكم لنا إلى الكفر بالله، وتكذيب رسله، حتى ضللنا باتباعكم، فاستوجبنا سكنى جهنم اليوم، فذلك تقديمهم لهم ما قدموا في الدنيا من عذاب الله لهم في الآخرة ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ يقول: فبئس المكان يُسْتَقَرُّ فيه جهنم.

Al-Mukhtasar (français)

Ceci est en effet la rétribution des gens pieux, tandis que ceux qui outrepassent les limites d’Allah en mécroyant et en commettant des péchés auront droit à une rétribution totalement opposée: leur retour sera le pire qui soit le Jour de la Résurrection.

56

جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

L'Enfer où ils brûleront. Et quel affreux lit!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السُّعَدَاءِ ثَنّى بِذِكْرِ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ وَمَرْجِعِهِمْ وَمَآبِهِمْ فِي دَارِ مَعَادِهِمْ وَحِسَابِهِمْ فَقَالَ: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ وَهُمُ: الْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ الْمُخَالِفُونَ لِرُسُلِ اللَّهِ ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ أَيْ: لَسُوءَ مُنْقَلَبٍ وَمَرْجِعٍ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ أَيْ: يَدْخُلُونَهَا فَتَغْمُرُهُمْ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِمْ ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ. هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ أَمَّا الْحَمِيمُ فَهُوَ: الْحَارُّ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ وَأَمَّا الغَسَّاق فَهُوَ: ضِدُّهُ، وَهُوَ الْبَارِدُ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ بَرْدِهِ الْمُؤْلِمِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أَيْ: وَأَشْيَاءُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، الشَّيْءُ وَضِدُّهُ يُعَاقَبُونَ بِهَا. قَالَ [[في ت: "روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة حَدَّثَنَا دَرّاج عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ [[في ت: "بسنده".]] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ [[في أ: "سعيد رضي الله عنه".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاق يُهَرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأنتن أهل الدنيا" [[المسند (٣/٢٨) .]] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ رِشْدين بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ دَرّاج بِهِ. ثُمَّ قَالَ: "لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٨٤) .]] كَذَا قَالَ: وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بِهِ [[تفسير الطبري (٢٣/١١٤) .]] وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: غَسَّاقٌ: عَيْنٌ فِي جَهَنَّمَ يَسِيلُ إِلَيْهَا حُمَة كُلِّ ذَاتِ حُمَة مِنْ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَسْتَنْقِعُ فَيُؤْتَى بِالْآدَمِيِّ فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً وَاحِدَةً فَيَخْرُجُ وَقَدْ سَقَطَ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ عَنِ الْعِظَامِ وَيَتَعَلَّقُ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ فِي كَعْبَيْهِ وَعَقِبَيْهِ ويُجَر لَحْمَهُ كَمَا يَجُر الرَّجُلُ ثَوْبَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أَلْوَانٌ مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَالزَّمْهَرِيرِ وَالسَّمُومِ وَشُرْبِ الْحَمِيمِ وَأَكْلِ الزَّقُّومِ وَالصُّعُودِ وَالْهُوِيُّ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْمُتَضَادَّةِ [[في ت، س: "المتضاضة والمتخالفة".]] وَالْجَمِيعُ مِمَّا يُعَذَّبُونَ بِهِ وَيُهَانُونَ بِسَبَبِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ قِيلِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] يَعْنِي بَدَلَ السَّلَامِ يَتَلَاعَنُونَ وَيَتَكَاذَبُونَ [[في ت: "ويتجاذبون".]] وَيَكْفُرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَتَقُولُ الطَّائِفَةُ الَّتِي تَدْخُلُ قَبْلَ الْأُخْرَى إِذَا أَقْبَلَتِ الَّتِي بَعْدَهَا مَعَ الْخَزَنَةِ مِنَ الزَّبَانِيَةِ: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ﴾ أَيْ: دَاخِلٌ مَعَكُمْ ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ت، س.]] لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ جَهَنَّمَ [[في ت: "النار".]] ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ أَيْ: فَيَقُولُ لَهُمُ الدَّاخِلُونَ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ أَيْ: أَنْتُمْ دَعَوْتُمُونَا إِلَى مَا أَفْضَى بِنَا إِلَى هَذَا الْمَصِيرِ ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ أَيْ: فَبِئْسَ الْمَنْزِلُ وَالْمُسْتَقَرُّ وَالْمَصِيرُ. ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ [[في ت، س: "تعالى".]] ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] أَيْ: لِكُلٍّ مِنْكُمْ عَذَابٌ بِحَسَبِهِ ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ هَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ أَنَّهُمْ يَفْقِدُونَ رِجَالًا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ فِي زَعْمِهِمْ قَالُوا: مَا لَنَا لَا نَرَاهُمْ مَعَنَا فِي النَّارِ؟. قَالَ [[في ت: "وقال".]] مُجَاهِدٌ: هَذَا قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ يَقُولُ: مَا لِي لَا أَرَى بِلَالًا وَعَمَّارًا وَصُهَيْبًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا. وَهَذَا مَثَلٌ ضُرِبَ، وَإِلَّا فَكُلُّ الْكُفَّارِ هَذَا حَالُهُمْ: يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ فَلَمَّا دَخَلَ الْكُفَّارُ النَّارَ افْتَقَدُوهُمْ فَلَمْ يَجِدُوهُمْ فَقَالُوا: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا [[في أ: "دار الدنيا".]] ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ يُسَلُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْمُحَالِ يقولون: أو لعلهم مَعَنَا فِي جَهَنَّمَ وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ بَصَرُنَا عَلَيْهِمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ فِي الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ [[في ت: "العلا".]] وَهُوَ [[في أ: "وهي".]] قَوْلُهُ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ [وَنَادَى أَصْحَابُ الأعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ. أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ] ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٤٤ -٤٩] [[زيادة من ت، س.]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَاكَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ مِنْ تَخَاصُمِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ وَلَعْنِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لَحَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله ﴿هَذَا﴾ : الذي وصفت لهؤلاء المتقين: ثم استأنف جلّ وعزّ الخبر عن الكافرين به الذين طَغَوا عليه وبَغَوا، فقال: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ وهم الذين تمرّدوا على ربهم، فعصوا أمره مع إحسانه إليهم ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ يقول: لشرّ مرجع ومصير يصيرون إليه في الآخرة بعد خروجهم من الدنيا. كما:- ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ قال: لشرَّ مُنْقَلَب. ثم بين تعالى ذكره: ما ذلك الذي إليه ينقلبون ويصيرون في الآخرة، فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ فترجم عن جهنم بقوله ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ومعنى الكلام: إن للكافرين لشرَّ مَصِير يصيرون إليه يوم القيامة، لأن مصيرهم إلى جهنم، وإليها منقلبهم بعد وفاتهم ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ يقول تعالى ذكره: فبئس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم جهنم. * * وقوله ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ يقول تعالى ذكره: هذا حميم، وهو الذي قد أغلي حتى انتهى حرّه، وغساق فَلْيذوقوه؛ فالحميم مرفوع بهذا، وقوله ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ معناه التأخير، لأن معنى الكلام ما ذكرت، وهو: هذا حميم وغساق فليذوقوه. وقد يتجه إلى أن يكون هذا مكتفيا بقوله فليذوقوه ثم يُبْتَدأ فيقال: حميم وغَسَّاق، بمعنى: منه حميم ومنه غَسَّاق. كما قال الشاعر: حتى إذا أضَاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ ... وَغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ وَمَحْصُودٌ [[البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٨١) قال في قوله تعالى:" هذا فليذوقوه حميم وغساق": رفعت الحميم والغساق بهذا، مقدما ومؤخرا. والمعنى: هذا حميم وغساق فليذوقوه. وإن شئت جعلته (حميم وغساق) : مستأنفا، وجعلت الكلام قبله مكتفيا، كأنك قلت:" هذا فليذوقوه" ثم قلت: منه غساق. كقول الشاعر:" حتى إذا ... البيت) . أهـ.]] وإذا وُجِّه إلى هذا المعنى جاز في هذا النصب والرفع. النصب: على أن يُضْمر قبلها لها ناصب، كم قال الشاعر: زِيادَتَنا نُعْمانُ لا تَحْرِمَنَّنا ... تَقِ الله فِينا والكِتابَ الَّذي تَتْلُو [[هذا البيت لعبد الله بن همام السلولي (اللسان: وفي) يخاطب النعمان بن بشير الأنصاري، وكان قد ولي الكوفة لمعاوية، وكان معاوية قد زاد أناسا في أعطياتهم عشرة، فأنفذ النعمان، وترك بعضهم لأنهم جاءوا بكتب بعد ما فرغ من الحملة، وكان ابن همام ممن تخلف، فكلمه فأبى عليه: فقال ابن همام قصيدة يرفقه عليه، ويتشفع بالأنصار، ويمدح معاوية. وقوله" زيادتنا" منصوب بفعل محذوف يفسره الفعل المؤكد بالنون. لأنه يعمل فيما قبله، كما قال الرضى: والفعل المؤكد يروي: لا تنسبنها، ويروي لا تحرمننا (انظر شرح شواهد الشافية للرضي ص ٤٩٧) .]] والرفع بالهاء في قوله ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ كما يقال: الليلَ فبادروه، والليلُ فبادروه. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المضفل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ قال: الحميم: الذي قد انتهى حَرُّه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الحميم دموع أعينهم، تجمع في حياض النار فيسقونه. * * وقوله ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ اختلفت القرّاء في قراءته، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين والشام بالتخفيف:"وَغَسَاق" وقالوا: هو اسم موضوع. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ مشددة، ووجهوه إلى أنه صفة من قولهم: غَسَقَ يَغْسِقُ غُسُوقا: إذا سال، وقالوا: إنما معناه: أنهم يُسْقَون الحميم، وما يسيل من صديدهم. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وإن كان التشديد في السِّين أتم عندنا في ذلك، لأن المعروف ذلك في الكلام، وإن كان الآخر غير مدفوعة صحته. واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: هو ما يسيل من جلودهم من الصديد والدم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ قال: كنا نحدث أن الغسَّاق: ما يَسِيل من بين جلده ولحمه. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: الغساق: الذي يسيل من أعينهم من دموعهم، يسقونه مع الحميم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قال: الغسَّاق: ما يسيل من سُرْمهم، وما يسقط من جلودهم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ﴿الغساق﴾ : الصديد الذي يجمع من جلودهم مما تصهرهم النار في حياض يجتمع فيها فيسقونه. ⁕ حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهميّ، قال: ثني أبي، قال: ثنا ابن لَهِيعة، قال: ثني أبو قبيل أنه سمع أبا هبيرة الزيادي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: أيّ شيء الغسَّاق؟ قالوا: الله أعلم، فقال عبد الله بن عمرو: هو القَيْح الغليظ، لو أن قطرة منه تُهَرَاق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تُهَرَاق في المشرق لأنتنت أهل المغرب. قال يحيى بن عثمان، قال أبي: ثنا ابن لهيعة مرة أخرى، فقال: ثنا أبو قبيل، عن عبد الله بن هبيرة، ولم يذكر لنا أبا هبيرة. ⁕ حدثنا ابن عوف، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا أبو يحيى عطية الكلاعيّ، أن كعبا كان يقول: هل تدرون ما غسَّاق؟ قالوا: لا والله، قال: عين في جهنم يسيل إليها حُمَّةٌ كل ذات حُمَة من حية أو عقرب أو غيرها، فيستنقع فيؤتي بالآدمي، فيُغْمَس فيها غمسة واحدة، فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام. حتى يتعلق جلده في كعبيه وعقبيه، وينجر لحمه كجر الرجل ثوبه. وقال آخرون: هو البارد الذي لا يستطاع من برده. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن يحيى بن أبي زائدة، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ قال: بارد لا يُسْتطاع، أو قال: برد لا يُسْتطاع. ⁕ حدثني عليّ بن عبد الأعلى، قال: ثنا المحاربيّ، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ قال: يقال: الغسَّاق: أبرد البرد، ويقول آخرون: لا بل هو أنْتَن النَّتْن. وقال آخرون: بل هو المُنْتِن. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن المسيب، عن إبراهيم النكري، عن صالح بن حيان، عن أبيه، عن عبد الله بن بُرَيدة، قال: الغسَّاق: المنتن، وهو بالطُّخارية [[لعله يريد بالطخارية: المنسوبة إلى طخارستان، بضم أوله، وهو إقليم من بلاد العجم، شرقي جرجان يريد أن لفظة"غساق" ليست عربية الأصل.]] . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدريّ، أن النبيّ ﷺ قال:"لَوْ أنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ يُهَراقُ فِي الدُّنْيا لأنْتَنَ أهْلَ الدُّنْيا". وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هو ما يسيل من صديدهم، لأن ذلك هو الأغلب من معنى الغُسُوق، وإن كان للآخر وجه صحيح. * * وقوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ على التوحيد، بمعنى: هذا حميم وغساق فليذوقوه، وعذاب آخر من نحو الحميم ألوان وأنواع، كما يقال: لك عذاب من فلان: ضروب وأنواع؛ وقد يحتمل أن يكون مرادًا بالأزواج الخبر عن الحميم والغساق، وآخر من شكله، وذلك ثلاثة، فقيل أزواج، يراد أن ينعت بالأزواج تلك الأشياء الثلاثة. وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصريين:"وأخَرُ" على الجماع، وكأن من قرأ ذلك كذلك كان عنده لا يصلح أن يكون الأزواج وهي جمع نَعْتا لواحد، فلذلك جمع أخر، لتكون الأزواج نعتا لها؛ والعرب لا تمنع أن ينعَت الاسم إذا كان فعلا بالكثير والقليل والاثنين كما بيَّنا، فتقول: عذاب فلان أنواع، ونوعان مختلفان. وأعجب القراءتين إليَّ أن أقرأ بها: ﴿وآخَرُ﴾ على التوحيد، وإن كانت الأخرى صحيحة لاستفاضة القراءة بها في قرّاء الأمصار؛ وإنما اخترنا التوحيد لأنه أصحّ مخرجا في العربية، وأنه في التفسير بمعنى التوحيد. وقيل إنه الزَّمهرير. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن مُرّة، عن عبد الله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال الزمهرير. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن مرة، عن عبد الله، بمثله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا معاوية، عن سفيان، عن السديّ، عمن أخبره عن عبد الله بمثله، إلا أنه قال: عذاب الزمهرير. ⁕ حدثنا محمد قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، عن مرّة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: هو الزمهرير. ⁕ حُدثت عن يحيى بن أبي زائدة، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: ذكر الله العذاب، فذكر السلاسل والأغلال، وما يكون في الدنيا، ثم قال: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: وآخر لم ير في الدنيا. وأما قوله ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ فإن معناه: من ضربه، ونحوه يقول الرجل للرجل: ما أنت من شكلي، بمعنى: ما أنت من ضربي بفتح الشين. وأما الشِّكْل فإنه من المراة ما عَلَّقَتْ مما تتحسن به، وهو الدَّلُّ أيضا منها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ يقول: من نحوه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ من نحوه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: من كُلّ شَكْلٍ ذلك العذاب الذي سمي الله، أزواج لم يسمها الله، قال: والشَّكل: الشبيه. * * وقوله ﴿أَزْوَاجٌ﴾ يعني: ألوان وأنواع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: ألوان من العذاب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَزْوَاجٌ﴾ زوج زوج من العذاب. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿أَزْوَاجٌ﴾ قال: أزواج من العذاب في النار. * * وقوله ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله ﴿هَذَا فَوْجٌ﴾ هذا فرقة وجماعة مقتحمة معكم أيها الطاغون النار، وذلك دخول أمة من الأمم الكافرة بعد أمة؛ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ وهذا خبر من الله عن قيلِ الطاغين الذين كانوا قد دخلوا النار قبل هذا الفوج المقتحِم للفوج المقتَحم فيها عليهم، لا مرحبا بهم، ولكن الكلام اتصل فصار كأنه قول واحد، كما قيل: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ فاتصل قول فرعون بقول ملئه، وهذا كما قال تعالى ذكره مخبرا عن أهل النار: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ ويعني بقولهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ لا اتسعت بهم مداخلهم، كما قال أبو الأسود: لا مرْحَب وَاديكَ غيرُ مُضَيَّقِ [[هذا شطر بيت لأبي الأسود الدؤلي، ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ٢١٢ من مصورة جامعة القاهرة رقم (٢٦٠٥٩) قال عند قوله تعالى" لا مرحبا بهم": تقول العرب للرجل:" لا مرحبا بك" أي لا رحبت عليك، أي لا اتسعت. قال أبو الأسود:" لا مرحب واديك غير مضيق". ولم أجده في ترجمته في الأغاني، ولا في معجم ياقوت.]] وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ في النار ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ .. حتى بلغ: ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ قال: هؤلاء التباع يقولون للرءوس. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ قال: الفوج: القوم الذين يدخلون فوجا بعد فوج، وقرأ: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ التي كانت قبلها. * * وقوله ﴿إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ يقول: إنهم واردو النار وداخلوها. ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ يقول: قال الفوج الواردون جهنم على الطاغين الذين وصف جل ثناؤه صفتهم لهم: بل أنتم أيها القوم لا مرحبا بكم: أي لا اتسعت بكم أماكنكم، ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ يعنون: أنتم قدمتم لنا سُكنى هذا المكان، وصِليّ النار بإضلالكم إيانا، ودعائكم لنا إلى الكفر بالله، وتكذيب رسله، حتى ضللنا باتباعكم، فاستوجبنا سكنى جهنم اليوم، فذلك تقديمهم لهم ما قدموا في الدنيا من عذاب الله لهم في الآخرة ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ يقول: فبئس المكان يُسْتَقَرُّ فيه جهنم.

Al-Mukhtasar (français)

Ils iront en Enfer qui les cernera de toutes parts et ils endureront sa chaleur et ses flammes. Il sera leur literie et quelle pire literie que l’Enfer.

57

هَٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌۭ وَغَسَّاقٌۭ

Voilà! Qu'ils y goûtent: eau bouillante et eau purulente,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السُّعَدَاءِ ثَنّى بِذِكْرِ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ وَمَرْجِعِهِمْ وَمَآبِهِمْ فِي دَارِ مَعَادِهِمْ وَحِسَابِهِمْ فَقَالَ: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ وَهُمُ: الْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ الْمُخَالِفُونَ لِرُسُلِ اللَّهِ ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ أَيْ: لَسُوءَ مُنْقَلَبٍ وَمَرْجِعٍ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ أَيْ: يَدْخُلُونَهَا فَتَغْمُرُهُمْ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِمْ ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ. هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ أَمَّا الْحَمِيمُ فَهُوَ: الْحَارُّ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ وَأَمَّا الغَسَّاق فَهُوَ: ضِدُّهُ، وَهُوَ الْبَارِدُ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ بَرْدِهِ الْمُؤْلِمِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أَيْ: وَأَشْيَاءُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، الشَّيْءُ وَضِدُّهُ يُعَاقَبُونَ بِهَا. قَالَ [[في ت: "روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة حَدَّثَنَا دَرّاج عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ [[في ت: "بسنده".]] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ [[في أ: "سعيد رضي الله عنه".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاق يُهَرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأنتن أهل الدنيا" [[المسند (٣/٢٨) .]] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ رِشْدين بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ دَرّاج بِهِ. ثُمَّ قَالَ: "لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٨٤) .]] كَذَا قَالَ: وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بِهِ [[تفسير الطبري (٢٣/١١٤) .]] وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: غَسَّاقٌ: عَيْنٌ فِي جَهَنَّمَ يَسِيلُ إِلَيْهَا حُمَة كُلِّ ذَاتِ حُمَة مِنْ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَسْتَنْقِعُ فَيُؤْتَى بِالْآدَمِيِّ فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً وَاحِدَةً فَيَخْرُجُ وَقَدْ سَقَطَ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ عَنِ الْعِظَامِ وَيَتَعَلَّقُ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ فِي كَعْبَيْهِ وَعَقِبَيْهِ ويُجَر لَحْمَهُ كَمَا يَجُر الرَّجُلُ ثَوْبَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أَلْوَانٌ مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَالزَّمْهَرِيرِ وَالسَّمُومِ وَشُرْبِ الْحَمِيمِ وَأَكْلِ الزَّقُّومِ وَالصُّعُودِ وَالْهُوِيُّ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْمُتَضَادَّةِ [[في ت، س: "المتضاضة والمتخالفة".]] وَالْجَمِيعُ مِمَّا يُعَذَّبُونَ بِهِ وَيُهَانُونَ بِسَبَبِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ قِيلِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] يَعْنِي بَدَلَ السَّلَامِ يَتَلَاعَنُونَ وَيَتَكَاذَبُونَ [[في ت: "ويتجاذبون".]] وَيَكْفُرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَتَقُولُ الطَّائِفَةُ الَّتِي تَدْخُلُ قَبْلَ الْأُخْرَى إِذَا أَقْبَلَتِ الَّتِي بَعْدَهَا مَعَ الْخَزَنَةِ مِنَ الزَّبَانِيَةِ: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ﴾ أَيْ: دَاخِلٌ مَعَكُمْ ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ت، س.]] لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ جَهَنَّمَ [[في ت: "النار".]] ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ أَيْ: فَيَقُولُ لَهُمُ الدَّاخِلُونَ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ أَيْ: أَنْتُمْ دَعَوْتُمُونَا إِلَى مَا أَفْضَى بِنَا إِلَى هَذَا الْمَصِيرِ ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ أَيْ: فَبِئْسَ الْمَنْزِلُ وَالْمُسْتَقَرُّ وَالْمَصِيرُ. ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ [[في ت، س: "تعالى".]] ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] أَيْ: لِكُلٍّ مِنْكُمْ عَذَابٌ بِحَسَبِهِ ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ هَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ أَنَّهُمْ يَفْقِدُونَ رِجَالًا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ فِي زَعْمِهِمْ قَالُوا: مَا لَنَا لَا نَرَاهُمْ مَعَنَا فِي النَّارِ؟. قَالَ [[في ت: "وقال".]] مُجَاهِدٌ: هَذَا قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ يَقُولُ: مَا لِي لَا أَرَى بِلَالًا وَعَمَّارًا وَصُهَيْبًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا. وَهَذَا مَثَلٌ ضُرِبَ، وَإِلَّا فَكُلُّ الْكُفَّارِ هَذَا حَالُهُمْ: يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ فَلَمَّا دَخَلَ الْكُفَّارُ النَّارَ افْتَقَدُوهُمْ فَلَمْ يَجِدُوهُمْ فَقَالُوا: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا [[في أ: "دار الدنيا".]] ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ يُسَلُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْمُحَالِ يقولون: أو لعلهم مَعَنَا فِي جَهَنَّمَ وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ بَصَرُنَا عَلَيْهِمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ فِي الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ [[في ت: "العلا".]] وَهُوَ [[في أ: "وهي".]] قَوْلُهُ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ [وَنَادَى أَصْحَابُ الأعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ. أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ] ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٤٤ -٤٩] [[زيادة من ت، س.]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَاكَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ مِنْ تَخَاصُمِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ وَلَعْنِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لَحَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله ﴿هَذَا﴾ : الذي وصفت لهؤلاء المتقين: ثم استأنف جلّ وعزّ الخبر عن الكافرين به الذين طَغَوا عليه وبَغَوا، فقال: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ وهم الذين تمرّدوا على ربهم، فعصوا أمره مع إحسانه إليهم ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ يقول: لشرّ مرجع ومصير يصيرون إليه في الآخرة بعد خروجهم من الدنيا. كما:- ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ قال: لشرَّ مُنْقَلَب. ثم بين تعالى ذكره: ما ذلك الذي إليه ينقلبون ويصيرون في الآخرة، فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ فترجم عن جهنم بقوله ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ومعنى الكلام: إن للكافرين لشرَّ مَصِير يصيرون إليه يوم القيامة، لأن مصيرهم إلى جهنم، وإليها منقلبهم بعد وفاتهم ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ يقول تعالى ذكره: فبئس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم جهنم. * * وقوله ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ يقول تعالى ذكره: هذا حميم، وهو الذي قد أغلي حتى انتهى حرّه، وغساق فَلْيذوقوه؛ فالحميم مرفوع بهذا، وقوله ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ معناه التأخير، لأن معنى الكلام ما ذكرت، وهو: هذا حميم وغساق فليذوقوه. وقد يتجه إلى أن يكون هذا مكتفيا بقوله فليذوقوه ثم يُبْتَدأ فيقال: حميم وغَسَّاق، بمعنى: منه حميم ومنه غَسَّاق. كما قال الشاعر: حتى إذا أضَاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ ... وَغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ وَمَحْصُودٌ [[البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٨١) قال في قوله تعالى:" هذا فليذوقوه حميم وغساق": رفعت الحميم والغساق بهذا، مقدما ومؤخرا. والمعنى: هذا حميم وغساق فليذوقوه. وإن شئت جعلته (حميم وغساق) : مستأنفا، وجعلت الكلام قبله مكتفيا، كأنك قلت:" هذا فليذوقوه" ثم قلت: منه غساق. كقول الشاعر:" حتى إذا ... البيت) . أهـ.]] وإذا وُجِّه إلى هذا المعنى جاز في هذا النصب والرفع. النصب: على أن يُضْمر قبلها لها ناصب، كم قال الشاعر: زِيادَتَنا نُعْمانُ لا تَحْرِمَنَّنا ... تَقِ الله فِينا والكِتابَ الَّذي تَتْلُو [[هذا البيت لعبد الله بن همام السلولي (اللسان: وفي) يخاطب النعمان بن بشير الأنصاري، وكان قد ولي الكوفة لمعاوية، وكان معاوية قد زاد أناسا في أعطياتهم عشرة، فأنفذ النعمان، وترك بعضهم لأنهم جاءوا بكتب بعد ما فرغ من الحملة، وكان ابن همام ممن تخلف، فكلمه فأبى عليه: فقال ابن همام قصيدة يرفقه عليه، ويتشفع بالأنصار، ويمدح معاوية. وقوله" زيادتنا" منصوب بفعل محذوف يفسره الفعل المؤكد بالنون. لأنه يعمل فيما قبله، كما قال الرضى: والفعل المؤكد يروي: لا تنسبنها، ويروي لا تحرمننا (انظر شرح شواهد الشافية للرضي ص ٤٩٧) .]] والرفع بالهاء في قوله ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ كما يقال: الليلَ فبادروه، والليلُ فبادروه. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المضفل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ قال: الحميم: الذي قد انتهى حَرُّه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الحميم دموع أعينهم، تجمع في حياض النار فيسقونه. * * وقوله ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ اختلفت القرّاء في قراءته، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين والشام بالتخفيف:"وَغَسَاق" وقالوا: هو اسم موضوع. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ مشددة، ووجهوه إلى أنه صفة من قولهم: غَسَقَ يَغْسِقُ غُسُوقا: إذا سال، وقالوا: إنما معناه: أنهم يُسْقَون الحميم، وما يسيل من صديدهم. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وإن كان التشديد في السِّين أتم عندنا في ذلك، لأن المعروف ذلك في الكلام، وإن كان الآخر غير مدفوعة صحته. واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: هو ما يسيل من جلودهم من الصديد والدم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ قال: كنا نحدث أن الغسَّاق: ما يَسِيل من بين جلده ولحمه. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: الغساق: الذي يسيل من أعينهم من دموعهم، يسقونه مع الحميم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قال: الغسَّاق: ما يسيل من سُرْمهم، وما يسقط من جلودهم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ﴿الغساق﴾ : الصديد الذي يجمع من جلودهم مما تصهرهم النار في حياض يجتمع فيها فيسقونه. ⁕ حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهميّ، قال: ثني أبي، قال: ثنا ابن لَهِيعة، قال: ثني أبو قبيل أنه سمع أبا هبيرة الزيادي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: أيّ شيء الغسَّاق؟ قالوا: الله أعلم، فقال عبد الله بن عمرو: هو القَيْح الغليظ، لو أن قطرة منه تُهَرَاق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تُهَرَاق في المشرق لأنتنت أهل المغرب. قال يحيى بن عثمان، قال أبي: ثنا ابن لهيعة مرة أخرى، فقال: ثنا أبو قبيل، عن عبد الله بن هبيرة، ولم يذكر لنا أبا هبيرة. ⁕ حدثنا ابن عوف، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا أبو يحيى عطية الكلاعيّ، أن كعبا كان يقول: هل تدرون ما غسَّاق؟ قالوا: لا والله، قال: عين في جهنم يسيل إليها حُمَّةٌ كل ذات حُمَة من حية أو عقرب أو غيرها، فيستنقع فيؤتي بالآدمي، فيُغْمَس فيها غمسة واحدة، فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام. حتى يتعلق جلده في كعبيه وعقبيه، وينجر لحمه كجر الرجل ثوبه. وقال آخرون: هو البارد الذي لا يستطاع من برده. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن يحيى بن أبي زائدة، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ قال: بارد لا يُسْتطاع، أو قال: برد لا يُسْتطاع. ⁕ حدثني عليّ بن عبد الأعلى، قال: ثنا المحاربيّ، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ قال: يقال: الغسَّاق: أبرد البرد، ويقول آخرون: لا بل هو أنْتَن النَّتْن. وقال آخرون: بل هو المُنْتِن. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن المسيب، عن إبراهيم النكري، عن صالح بن حيان، عن أبيه، عن عبد الله بن بُرَيدة، قال: الغسَّاق: المنتن، وهو بالطُّخارية [[لعله يريد بالطخارية: المنسوبة إلى طخارستان، بضم أوله، وهو إقليم من بلاد العجم، شرقي جرجان يريد أن لفظة"غساق" ليست عربية الأصل.]] . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدريّ، أن النبيّ ﷺ قال:"لَوْ أنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ يُهَراقُ فِي الدُّنْيا لأنْتَنَ أهْلَ الدُّنْيا". وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هو ما يسيل من صديدهم، لأن ذلك هو الأغلب من معنى الغُسُوق، وإن كان للآخر وجه صحيح. * * وقوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ على التوحيد، بمعنى: هذا حميم وغساق فليذوقوه، وعذاب آخر من نحو الحميم ألوان وأنواع، كما يقال: لك عذاب من فلان: ضروب وأنواع؛ وقد يحتمل أن يكون مرادًا بالأزواج الخبر عن الحميم والغساق، وآخر من شكله، وذلك ثلاثة، فقيل أزواج، يراد أن ينعت بالأزواج تلك الأشياء الثلاثة. وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصريين:"وأخَرُ" على الجماع، وكأن من قرأ ذلك كذلك كان عنده لا يصلح أن يكون الأزواج وهي جمع نَعْتا لواحد، فلذلك جمع أخر، لتكون الأزواج نعتا لها؛ والعرب لا تمنع أن ينعَت الاسم إذا كان فعلا بالكثير والقليل والاثنين كما بيَّنا، فتقول: عذاب فلان أنواع، ونوعان مختلفان. وأعجب القراءتين إليَّ أن أقرأ بها: ﴿وآخَرُ﴾ على التوحيد، وإن كانت الأخرى صحيحة لاستفاضة القراءة بها في قرّاء الأمصار؛ وإنما اخترنا التوحيد لأنه أصحّ مخرجا في العربية، وأنه في التفسير بمعنى التوحيد. وقيل إنه الزَّمهرير. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن مُرّة، عن عبد الله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال الزمهرير. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن مرة، عن عبد الله، بمثله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا معاوية، عن سفيان، عن السديّ، عمن أخبره عن عبد الله بمثله، إلا أنه قال: عذاب الزمهرير. ⁕ حدثنا محمد قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، عن مرّة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: هو الزمهرير. ⁕ حُدثت عن يحيى بن أبي زائدة، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: ذكر الله العذاب، فذكر السلاسل والأغلال، وما يكون في الدنيا، ثم قال: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: وآخر لم ير في الدنيا. وأما قوله ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ فإن معناه: من ضربه، ونحوه يقول الرجل للرجل: ما أنت من شكلي، بمعنى: ما أنت من ضربي بفتح الشين. وأما الشِّكْل فإنه من المراة ما عَلَّقَتْ مما تتحسن به، وهو الدَّلُّ أيضا منها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ يقول: من نحوه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ من نحوه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: من كُلّ شَكْلٍ ذلك العذاب الذي سمي الله، أزواج لم يسمها الله، قال: والشَّكل: الشبيه. * * وقوله ﴿أَزْوَاجٌ﴾ يعني: ألوان وأنواع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: ألوان من العذاب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَزْوَاجٌ﴾ زوج زوج من العذاب. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿أَزْوَاجٌ﴾ قال: أزواج من العذاب في النار. * * وقوله ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله ﴿هَذَا فَوْجٌ﴾ هذا فرقة وجماعة مقتحمة معكم أيها الطاغون النار، وذلك دخول أمة من الأمم الكافرة بعد أمة؛ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ وهذا خبر من الله عن قيلِ الطاغين الذين كانوا قد دخلوا النار قبل هذا الفوج المقتحِم للفوج المقتَحم فيها عليهم، لا مرحبا بهم، ولكن الكلام اتصل فصار كأنه قول واحد، كما قيل: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ فاتصل قول فرعون بقول ملئه، وهذا كما قال تعالى ذكره مخبرا عن أهل النار: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ ويعني بقولهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ لا اتسعت بهم مداخلهم، كما قال أبو الأسود: لا مرْحَب وَاديكَ غيرُ مُضَيَّقِ [[هذا شطر بيت لأبي الأسود الدؤلي، ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ٢١٢ من مصورة جامعة القاهرة رقم (٢٦٠٥٩) قال عند قوله تعالى" لا مرحبا بهم": تقول العرب للرجل:" لا مرحبا بك" أي لا رحبت عليك، أي لا اتسعت. قال أبو الأسود:" لا مرحب واديك غير مضيق". ولم أجده في ترجمته في الأغاني، ولا في معجم ياقوت.]] وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ في النار ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ .. حتى بلغ: ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ قال: هؤلاء التباع يقولون للرءوس. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ قال: الفوج: القوم الذين يدخلون فوجا بعد فوج، وقرأ: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ التي كانت قبلها. * * وقوله ﴿إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ يقول: إنهم واردو النار وداخلوها. ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ يقول: قال الفوج الواردون جهنم على الطاغين الذين وصف جل ثناؤه صفتهم لهم: بل أنتم أيها القوم لا مرحبا بكم: أي لا اتسعت بكم أماكنكم، ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ يعنون: أنتم قدمتم لنا سُكنى هذا المكان، وصِليّ النار بإضلالكم إيانا، ودعائكم لنا إلى الكفر بالله، وتكذيب رسله، حتى ضللنا باتباعكم، فاستوجبنا سكنى جهنم اليوم، فذلك تقديمهم لهم ما قدموا في الدنيا من عذاب الله لهم في الآخرة ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ يقول: فبئس المكان يُسْتَقَرُّ فيه جهنم.

Al-Mukhtasar (français)

Leur supplice consistera à boire une eau extrêmement brûlante et du pus s’écoulant des corps des suppliciés en Enfer. Qu’ils boivent de ces boissons qui n’étancheront jamais leur soif.

58

وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِۦٓ أَزْوَٰجٌ

et d'autres punitions du même genre.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السُّعَدَاءِ ثَنّى بِذِكْرِ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ وَمَرْجِعِهِمْ وَمَآبِهِمْ فِي دَارِ مَعَادِهِمْ وَحِسَابِهِمْ فَقَالَ: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ وَهُمُ: الْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ الْمُخَالِفُونَ لِرُسُلِ اللَّهِ ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ أَيْ: لَسُوءَ مُنْقَلَبٍ وَمَرْجِعٍ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ أَيْ: يَدْخُلُونَهَا فَتَغْمُرُهُمْ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِمْ ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ. هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ أَمَّا الْحَمِيمُ فَهُوَ: الْحَارُّ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ وَأَمَّا الغَسَّاق فَهُوَ: ضِدُّهُ، وَهُوَ الْبَارِدُ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ بَرْدِهِ الْمُؤْلِمِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أَيْ: وَأَشْيَاءُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، الشَّيْءُ وَضِدُّهُ يُعَاقَبُونَ بِهَا. قَالَ [[في ت: "روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة حَدَّثَنَا دَرّاج عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ [[في ت: "بسنده".]] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ [[في أ: "سعيد رضي الله عنه".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاق يُهَرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأنتن أهل الدنيا" [[المسند (٣/٢٨) .]] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ رِشْدين بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ دَرّاج بِهِ. ثُمَّ قَالَ: "لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٨٤) .]] كَذَا قَالَ: وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بِهِ [[تفسير الطبري (٢٣/١١٤) .]] وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: غَسَّاقٌ: عَيْنٌ فِي جَهَنَّمَ يَسِيلُ إِلَيْهَا حُمَة كُلِّ ذَاتِ حُمَة مِنْ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَسْتَنْقِعُ فَيُؤْتَى بِالْآدَمِيِّ فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً وَاحِدَةً فَيَخْرُجُ وَقَدْ سَقَطَ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ عَنِ الْعِظَامِ وَيَتَعَلَّقُ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ فِي كَعْبَيْهِ وَعَقِبَيْهِ ويُجَر لَحْمَهُ كَمَا يَجُر الرَّجُلُ ثَوْبَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أَلْوَانٌ مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَالزَّمْهَرِيرِ وَالسَّمُومِ وَشُرْبِ الْحَمِيمِ وَأَكْلِ الزَّقُّومِ وَالصُّعُودِ وَالْهُوِيُّ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْمُتَضَادَّةِ [[في ت، س: "المتضاضة والمتخالفة".]] وَالْجَمِيعُ مِمَّا يُعَذَّبُونَ بِهِ وَيُهَانُونَ بِسَبَبِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ قِيلِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] يَعْنِي بَدَلَ السَّلَامِ يَتَلَاعَنُونَ وَيَتَكَاذَبُونَ [[في ت: "ويتجاذبون".]] وَيَكْفُرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَتَقُولُ الطَّائِفَةُ الَّتِي تَدْخُلُ قَبْلَ الْأُخْرَى إِذَا أَقْبَلَتِ الَّتِي بَعْدَهَا مَعَ الْخَزَنَةِ مِنَ الزَّبَانِيَةِ: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ﴾ أَيْ: دَاخِلٌ مَعَكُمْ ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ت، س.]] لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ جَهَنَّمَ [[في ت: "النار".]] ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ أَيْ: فَيَقُولُ لَهُمُ الدَّاخِلُونَ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ أَيْ: أَنْتُمْ دَعَوْتُمُونَا إِلَى مَا أَفْضَى بِنَا إِلَى هَذَا الْمَصِيرِ ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ أَيْ: فَبِئْسَ الْمَنْزِلُ وَالْمُسْتَقَرُّ وَالْمَصِيرُ. ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ [[في ت، س: "تعالى".]] ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] أَيْ: لِكُلٍّ مِنْكُمْ عَذَابٌ بِحَسَبِهِ ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ هَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ أَنَّهُمْ يَفْقِدُونَ رِجَالًا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ فِي زَعْمِهِمْ قَالُوا: مَا لَنَا لَا نَرَاهُمْ مَعَنَا فِي النَّارِ؟. قَالَ [[في ت: "وقال".]] مُجَاهِدٌ: هَذَا قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ يَقُولُ: مَا لِي لَا أَرَى بِلَالًا وَعَمَّارًا وَصُهَيْبًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا. وَهَذَا مَثَلٌ ضُرِبَ، وَإِلَّا فَكُلُّ الْكُفَّارِ هَذَا حَالُهُمْ: يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ فَلَمَّا دَخَلَ الْكُفَّارُ النَّارَ افْتَقَدُوهُمْ فَلَمْ يَجِدُوهُمْ فَقَالُوا: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا [[في أ: "دار الدنيا".]] ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ يُسَلُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْمُحَالِ يقولون: أو لعلهم مَعَنَا فِي جَهَنَّمَ وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ بَصَرُنَا عَلَيْهِمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ فِي الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ [[في ت: "العلا".]] وَهُوَ [[في أ: "وهي".]] قَوْلُهُ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ [وَنَادَى أَصْحَابُ الأعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ. أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ] ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٤٤ -٤٩] [[زيادة من ت، س.]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَاكَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ مِنْ تَخَاصُمِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ وَلَعْنِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لَحَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله ﴿هَذَا﴾ : الذي وصفت لهؤلاء المتقين: ثم استأنف جلّ وعزّ الخبر عن الكافرين به الذين طَغَوا عليه وبَغَوا، فقال: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ وهم الذين تمرّدوا على ربهم، فعصوا أمره مع إحسانه إليهم ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ يقول: لشرّ مرجع ومصير يصيرون إليه في الآخرة بعد خروجهم من الدنيا. كما:- ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ قال: لشرَّ مُنْقَلَب. ثم بين تعالى ذكره: ما ذلك الذي إليه ينقلبون ويصيرون في الآخرة، فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ فترجم عن جهنم بقوله ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ومعنى الكلام: إن للكافرين لشرَّ مَصِير يصيرون إليه يوم القيامة، لأن مصيرهم إلى جهنم، وإليها منقلبهم بعد وفاتهم ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ يقول تعالى ذكره: فبئس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم جهنم. * * وقوله ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ يقول تعالى ذكره: هذا حميم، وهو الذي قد أغلي حتى انتهى حرّه، وغساق فَلْيذوقوه؛ فالحميم مرفوع بهذا، وقوله ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ معناه التأخير، لأن معنى الكلام ما ذكرت، وهو: هذا حميم وغساق فليذوقوه. وقد يتجه إلى أن يكون هذا مكتفيا بقوله فليذوقوه ثم يُبْتَدأ فيقال: حميم وغَسَّاق، بمعنى: منه حميم ومنه غَسَّاق. كما قال الشاعر: حتى إذا أضَاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ ... وَغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ وَمَحْصُودٌ [[البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٨١) قال في قوله تعالى:" هذا فليذوقوه حميم وغساق": رفعت الحميم والغساق بهذا، مقدما ومؤخرا. والمعنى: هذا حميم وغساق فليذوقوه. وإن شئت جعلته (حميم وغساق) : مستأنفا، وجعلت الكلام قبله مكتفيا، كأنك قلت:" هذا فليذوقوه" ثم قلت: منه غساق. كقول الشاعر:" حتى إذا ... البيت) . أهـ.]] وإذا وُجِّه إلى هذا المعنى جاز في هذا النصب والرفع. النصب: على أن يُضْمر قبلها لها ناصب، كم قال الشاعر: زِيادَتَنا نُعْمانُ لا تَحْرِمَنَّنا ... تَقِ الله فِينا والكِتابَ الَّذي تَتْلُو [[هذا البيت لعبد الله بن همام السلولي (اللسان: وفي) يخاطب النعمان بن بشير الأنصاري، وكان قد ولي الكوفة لمعاوية، وكان معاوية قد زاد أناسا في أعطياتهم عشرة، فأنفذ النعمان، وترك بعضهم لأنهم جاءوا بكتب بعد ما فرغ من الحملة، وكان ابن همام ممن تخلف، فكلمه فأبى عليه: فقال ابن همام قصيدة يرفقه عليه، ويتشفع بالأنصار، ويمدح معاوية. وقوله" زيادتنا" منصوب بفعل محذوف يفسره الفعل المؤكد بالنون. لأنه يعمل فيما قبله، كما قال الرضى: والفعل المؤكد يروي: لا تنسبنها، ويروي لا تحرمننا (انظر شرح شواهد الشافية للرضي ص ٤٩٧) .]] والرفع بالهاء في قوله ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ كما يقال: الليلَ فبادروه، والليلُ فبادروه. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المضفل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ قال: الحميم: الذي قد انتهى حَرُّه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الحميم دموع أعينهم، تجمع في حياض النار فيسقونه. * * وقوله ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ اختلفت القرّاء في قراءته، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين والشام بالتخفيف:"وَغَسَاق" وقالوا: هو اسم موضوع. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ مشددة، ووجهوه إلى أنه صفة من قولهم: غَسَقَ يَغْسِقُ غُسُوقا: إذا سال، وقالوا: إنما معناه: أنهم يُسْقَون الحميم، وما يسيل من صديدهم. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وإن كان التشديد في السِّين أتم عندنا في ذلك، لأن المعروف ذلك في الكلام، وإن كان الآخر غير مدفوعة صحته. واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: هو ما يسيل من جلودهم من الصديد والدم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ قال: كنا نحدث أن الغسَّاق: ما يَسِيل من بين جلده ولحمه. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: الغساق: الذي يسيل من أعينهم من دموعهم، يسقونه مع الحميم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قال: الغسَّاق: ما يسيل من سُرْمهم، وما يسقط من جلودهم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ﴿الغساق﴾ : الصديد الذي يجمع من جلودهم مما تصهرهم النار في حياض يجتمع فيها فيسقونه. ⁕ حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهميّ، قال: ثني أبي، قال: ثنا ابن لَهِيعة، قال: ثني أبو قبيل أنه سمع أبا هبيرة الزيادي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: أيّ شيء الغسَّاق؟ قالوا: الله أعلم، فقال عبد الله بن عمرو: هو القَيْح الغليظ، لو أن قطرة منه تُهَرَاق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تُهَرَاق في المشرق لأنتنت أهل المغرب. قال يحيى بن عثمان، قال أبي: ثنا ابن لهيعة مرة أخرى، فقال: ثنا أبو قبيل، عن عبد الله بن هبيرة، ولم يذكر لنا أبا هبيرة. ⁕ حدثنا ابن عوف، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا أبو يحيى عطية الكلاعيّ، أن كعبا كان يقول: هل تدرون ما غسَّاق؟ قالوا: لا والله، قال: عين في جهنم يسيل إليها حُمَّةٌ كل ذات حُمَة من حية أو عقرب أو غيرها، فيستنقع فيؤتي بالآدمي، فيُغْمَس فيها غمسة واحدة، فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام. حتى يتعلق جلده في كعبيه وعقبيه، وينجر لحمه كجر الرجل ثوبه. وقال آخرون: هو البارد الذي لا يستطاع من برده. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن يحيى بن أبي زائدة، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ قال: بارد لا يُسْتطاع، أو قال: برد لا يُسْتطاع. ⁕ حدثني عليّ بن عبد الأعلى، قال: ثنا المحاربيّ، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ قال: يقال: الغسَّاق: أبرد البرد، ويقول آخرون: لا بل هو أنْتَن النَّتْن. وقال آخرون: بل هو المُنْتِن. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن المسيب، عن إبراهيم النكري، عن صالح بن حيان، عن أبيه، عن عبد الله بن بُرَيدة، قال: الغسَّاق: المنتن، وهو بالطُّخارية [[لعله يريد بالطخارية: المنسوبة إلى طخارستان، بضم أوله، وهو إقليم من بلاد العجم، شرقي جرجان يريد أن لفظة"غساق" ليست عربية الأصل.]] . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدريّ، أن النبيّ ﷺ قال:"لَوْ أنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ يُهَراقُ فِي الدُّنْيا لأنْتَنَ أهْلَ الدُّنْيا". وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هو ما يسيل من صديدهم، لأن ذلك هو الأغلب من معنى الغُسُوق، وإن كان للآخر وجه صحيح. * * وقوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ على التوحيد، بمعنى: هذا حميم وغساق فليذوقوه، وعذاب آخر من نحو الحميم ألوان وأنواع، كما يقال: لك عذاب من فلان: ضروب وأنواع؛ وقد يحتمل أن يكون مرادًا بالأزواج الخبر عن الحميم والغساق، وآخر من شكله، وذلك ثلاثة، فقيل أزواج، يراد أن ينعت بالأزواج تلك الأشياء الثلاثة. وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصريين:"وأخَرُ" على الجماع، وكأن من قرأ ذلك كذلك كان عنده لا يصلح أن يكون الأزواج وهي جمع نَعْتا لواحد، فلذلك جمع أخر، لتكون الأزواج نعتا لها؛ والعرب لا تمنع أن ينعَت الاسم إذا كان فعلا بالكثير والقليل والاثنين كما بيَّنا، فتقول: عذاب فلان أنواع، ونوعان مختلفان. وأعجب القراءتين إليَّ أن أقرأ بها: ﴿وآخَرُ﴾ على التوحيد، وإن كانت الأخرى صحيحة لاستفاضة القراءة بها في قرّاء الأمصار؛ وإنما اخترنا التوحيد لأنه أصحّ مخرجا في العربية، وأنه في التفسير بمعنى التوحيد. وقيل إنه الزَّمهرير. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن مُرّة، عن عبد الله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال الزمهرير. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن مرة، عن عبد الله، بمثله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا معاوية، عن سفيان، عن السديّ، عمن أخبره عن عبد الله بمثله، إلا أنه قال: عذاب الزمهرير. ⁕ حدثنا محمد قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، عن مرّة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: هو الزمهرير. ⁕ حُدثت عن يحيى بن أبي زائدة، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: ذكر الله العذاب، فذكر السلاسل والأغلال، وما يكون في الدنيا، ثم قال: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: وآخر لم ير في الدنيا. وأما قوله ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ فإن معناه: من ضربه، ونحوه يقول الرجل للرجل: ما أنت من شكلي، بمعنى: ما أنت من ضربي بفتح الشين. وأما الشِّكْل فإنه من المراة ما عَلَّقَتْ مما تتحسن به، وهو الدَّلُّ أيضا منها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ يقول: من نحوه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ من نحوه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: من كُلّ شَكْلٍ ذلك العذاب الذي سمي الله، أزواج لم يسمها الله، قال: والشَّكل: الشبيه. * * وقوله ﴿أَزْوَاجٌ﴾ يعني: ألوان وأنواع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: ألوان من العذاب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَزْوَاجٌ﴾ زوج زوج من العذاب. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿أَزْوَاجٌ﴾ قال: أزواج من العذاب في النار. * * وقوله ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله ﴿هَذَا فَوْجٌ﴾ هذا فرقة وجماعة مقتحمة معكم أيها الطاغون النار، وذلك دخول أمة من الأمم الكافرة بعد أمة؛ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ وهذا خبر من الله عن قيلِ الطاغين الذين كانوا قد دخلوا النار قبل هذا الفوج المقتحِم للفوج المقتَحم فيها عليهم، لا مرحبا بهم، ولكن الكلام اتصل فصار كأنه قول واحد، كما قيل: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ فاتصل قول فرعون بقول ملئه، وهذا كما قال تعالى ذكره مخبرا عن أهل النار: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ ويعني بقولهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ لا اتسعت بهم مداخلهم، كما قال أبو الأسود: لا مرْحَب وَاديكَ غيرُ مُضَيَّقِ [[هذا شطر بيت لأبي الأسود الدؤلي، ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ٢١٢ من مصورة جامعة القاهرة رقم (٢٦٠٥٩) قال عند قوله تعالى" لا مرحبا بهم": تقول العرب للرجل:" لا مرحبا بك" أي لا رحبت عليك، أي لا اتسعت. قال أبو الأسود:" لا مرحب واديك غير مضيق". ولم أجده في ترجمته في الأغاني، ولا في معجم ياقوت.]] وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ في النار ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ .. حتى بلغ: ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ قال: هؤلاء التباع يقولون للرءوس. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ قال: الفوج: القوم الذين يدخلون فوجا بعد فوج، وقرأ: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ التي كانت قبلها. * * وقوله ﴿إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ يقول: إنهم واردو النار وداخلوها. ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ يقول: قال الفوج الواردون جهنم على الطاغين الذين وصف جل ثناؤه صفتهم لهم: بل أنتم أيها القوم لا مرحبا بكم: أي لا اتسعت بكم أماكنكم، ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ يعنون: أنتم قدمتم لنا سُكنى هذا المكان، وصِليّ النار بإضلالكم إيانا، ودعائكم لنا إلى الكفر بالله، وتكذيب رسله، حتى ضللنا باتباعكم، فاستوجبنا سكنى جهنم اليوم، فذلك تقديمهم لهم ما قدموا في الدنيا من عذاب الله لهم في الآخرة ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ يقول: فبئس المكان يُسْتَقَرُّ فيه جهنم.

Al-Mukhtasar (français)

Ils subiront d’autres supplices du même genre et d’autres complètement différents.

59

هَٰذَا فَوْجٌۭ مُّقْتَحِمٌۭ مَّعَكُمْ ۖ لَا مَرْحَبًۢا بِهِمْ ۚ إِنَّهُمْ صَالُوا۟ ٱلنَّارِ

Voici un groupe qui entre précipitamment en même temps que vous, nulle bienvenue à eux. Ils vont brûler dans le Feu.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السُّعَدَاءِ ثَنّى بِذِكْرِ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ وَمَرْجِعِهِمْ وَمَآبِهِمْ فِي دَارِ مَعَادِهِمْ وَحِسَابِهِمْ فَقَالَ: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ وَهُمُ: الْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ الْمُخَالِفُونَ لِرُسُلِ اللَّهِ ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ أَيْ: لَسُوءَ مُنْقَلَبٍ وَمَرْجِعٍ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ أَيْ: يَدْخُلُونَهَا فَتَغْمُرُهُمْ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِمْ ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ. هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ أَمَّا الْحَمِيمُ فَهُوَ: الْحَارُّ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ وَأَمَّا الغَسَّاق فَهُوَ: ضِدُّهُ، وَهُوَ الْبَارِدُ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ بَرْدِهِ الْمُؤْلِمِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أَيْ: وَأَشْيَاءُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، الشَّيْءُ وَضِدُّهُ يُعَاقَبُونَ بِهَا. قَالَ [[في ت: "روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة حَدَّثَنَا دَرّاج عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ [[في ت: "بسنده".]] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ [[في أ: "سعيد رضي الله عنه".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاق يُهَرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأنتن أهل الدنيا" [[المسند (٣/٢٨) .]] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ رِشْدين بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ دَرّاج بِهِ. ثُمَّ قَالَ: "لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٨٤) .]] كَذَا قَالَ: وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بِهِ [[تفسير الطبري (٢٣/١١٤) .]] وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: غَسَّاقٌ: عَيْنٌ فِي جَهَنَّمَ يَسِيلُ إِلَيْهَا حُمَة كُلِّ ذَاتِ حُمَة مِنْ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَسْتَنْقِعُ فَيُؤْتَى بِالْآدَمِيِّ فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً وَاحِدَةً فَيَخْرُجُ وَقَدْ سَقَطَ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ عَنِ الْعِظَامِ وَيَتَعَلَّقُ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ فِي كَعْبَيْهِ وَعَقِبَيْهِ ويُجَر لَحْمَهُ كَمَا يَجُر الرَّجُلُ ثَوْبَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أَلْوَانٌ مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَالزَّمْهَرِيرِ وَالسَّمُومِ وَشُرْبِ الْحَمِيمِ وَأَكْلِ الزَّقُّومِ وَالصُّعُودِ وَالْهُوِيُّ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْمُتَضَادَّةِ [[في ت، س: "المتضاضة والمتخالفة".]] وَالْجَمِيعُ مِمَّا يُعَذَّبُونَ بِهِ وَيُهَانُونَ بِسَبَبِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ قِيلِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] يَعْنِي بَدَلَ السَّلَامِ يَتَلَاعَنُونَ وَيَتَكَاذَبُونَ [[في ت: "ويتجاذبون".]] وَيَكْفُرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَتَقُولُ الطَّائِفَةُ الَّتِي تَدْخُلُ قَبْلَ الْأُخْرَى إِذَا أَقْبَلَتِ الَّتِي بَعْدَهَا مَعَ الْخَزَنَةِ مِنَ الزَّبَانِيَةِ: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ﴾ أَيْ: دَاخِلٌ مَعَكُمْ ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ت، س.]] لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ جَهَنَّمَ [[في ت: "النار".]] ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ أَيْ: فَيَقُولُ لَهُمُ الدَّاخِلُونَ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ أَيْ: أَنْتُمْ دَعَوْتُمُونَا إِلَى مَا أَفْضَى بِنَا إِلَى هَذَا الْمَصِيرِ ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ أَيْ: فَبِئْسَ الْمَنْزِلُ وَالْمُسْتَقَرُّ وَالْمَصِيرُ. ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ [[في ت، س: "تعالى".]] ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] أَيْ: لِكُلٍّ مِنْكُمْ عَذَابٌ بِحَسَبِهِ ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ هَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ أَنَّهُمْ يَفْقِدُونَ رِجَالًا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ فِي زَعْمِهِمْ قَالُوا: مَا لَنَا لَا نَرَاهُمْ مَعَنَا فِي النَّارِ؟. قَالَ [[في ت: "وقال".]] مُجَاهِدٌ: هَذَا قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ يَقُولُ: مَا لِي لَا أَرَى بِلَالًا وَعَمَّارًا وَصُهَيْبًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا. وَهَذَا مَثَلٌ ضُرِبَ، وَإِلَّا فَكُلُّ الْكُفَّارِ هَذَا حَالُهُمْ: يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ فَلَمَّا دَخَلَ الْكُفَّارُ النَّارَ افْتَقَدُوهُمْ فَلَمْ يَجِدُوهُمْ فَقَالُوا: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا [[في أ: "دار الدنيا".]] ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ يُسَلُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْمُحَالِ يقولون: أو لعلهم مَعَنَا فِي جَهَنَّمَ وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ بَصَرُنَا عَلَيْهِمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ فِي الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ [[في ت: "العلا".]] وَهُوَ [[في أ: "وهي".]] قَوْلُهُ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ [وَنَادَى أَصْحَابُ الأعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ. أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ] ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٤٤ -٤٩] [[زيادة من ت، س.]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَاكَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ مِنْ تَخَاصُمِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ وَلَعْنِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لَحَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله ﴿هَذَا﴾ : الذي وصفت لهؤلاء المتقين: ثم استأنف جلّ وعزّ الخبر عن الكافرين به الذين طَغَوا عليه وبَغَوا، فقال: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ وهم الذين تمرّدوا على ربهم، فعصوا أمره مع إحسانه إليهم ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ يقول: لشرّ مرجع ومصير يصيرون إليه في الآخرة بعد خروجهم من الدنيا. كما:- ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ قال: لشرَّ مُنْقَلَب. ثم بين تعالى ذكره: ما ذلك الذي إليه ينقلبون ويصيرون في الآخرة، فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ فترجم عن جهنم بقوله ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ومعنى الكلام: إن للكافرين لشرَّ مَصِير يصيرون إليه يوم القيامة، لأن مصيرهم إلى جهنم، وإليها منقلبهم بعد وفاتهم ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ يقول تعالى ذكره: فبئس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم جهنم. * * وقوله ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ يقول تعالى ذكره: هذا حميم، وهو الذي قد أغلي حتى انتهى حرّه، وغساق فَلْيذوقوه؛ فالحميم مرفوع بهذا، وقوله ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ معناه التأخير، لأن معنى الكلام ما ذكرت، وهو: هذا حميم وغساق فليذوقوه. وقد يتجه إلى أن يكون هذا مكتفيا بقوله فليذوقوه ثم يُبْتَدأ فيقال: حميم وغَسَّاق، بمعنى: منه حميم ومنه غَسَّاق. كما قال الشاعر: حتى إذا أضَاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ ... وَغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ وَمَحْصُودٌ [[البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٨١) قال في قوله تعالى:" هذا فليذوقوه حميم وغساق": رفعت الحميم والغساق بهذا، مقدما ومؤخرا. والمعنى: هذا حميم وغساق فليذوقوه. وإن شئت جعلته (حميم وغساق) : مستأنفا، وجعلت الكلام قبله مكتفيا، كأنك قلت:" هذا فليذوقوه" ثم قلت: منه غساق. كقول الشاعر:" حتى إذا ... البيت) . أهـ.]] وإذا وُجِّه إلى هذا المعنى جاز في هذا النصب والرفع. النصب: على أن يُضْمر قبلها لها ناصب، كم قال الشاعر: زِيادَتَنا نُعْمانُ لا تَحْرِمَنَّنا ... تَقِ الله فِينا والكِتابَ الَّذي تَتْلُو [[هذا البيت لعبد الله بن همام السلولي (اللسان: وفي) يخاطب النعمان بن بشير الأنصاري، وكان قد ولي الكوفة لمعاوية، وكان معاوية قد زاد أناسا في أعطياتهم عشرة، فأنفذ النعمان، وترك بعضهم لأنهم جاءوا بكتب بعد ما فرغ من الحملة، وكان ابن همام ممن تخلف، فكلمه فأبى عليه: فقال ابن همام قصيدة يرفقه عليه، ويتشفع بالأنصار، ويمدح معاوية. وقوله" زيادتنا" منصوب بفعل محذوف يفسره الفعل المؤكد بالنون. لأنه يعمل فيما قبله، كما قال الرضى: والفعل المؤكد يروي: لا تنسبنها، ويروي لا تحرمننا (انظر شرح شواهد الشافية للرضي ص ٤٩٧) .]] والرفع بالهاء في قوله ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ كما يقال: الليلَ فبادروه، والليلُ فبادروه. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المضفل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ قال: الحميم: الذي قد انتهى حَرُّه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الحميم دموع أعينهم، تجمع في حياض النار فيسقونه. * * وقوله ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ اختلفت القرّاء في قراءته، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين والشام بالتخفيف:"وَغَسَاق" وقالوا: هو اسم موضوع. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ مشددة، ووجهوه إلى أنه صفة من قولهم: غَسَقَ يَغْسِقُ غُسُوقا: إذا سال، وقالوا: إنما معناه: أنهم يُسْقَون الحميم، وما يسيل من صديدهم. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وإن كان التشديد في السِّين أتم عندنا في ذلك، لأن المعروف ذلك في الكلام، وإن كان الآخر غير مدفوعة صحته. واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: هو ما يسيل من جلودهم من الصديد والدم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ قال: كنا نحدث أن الغسَّاق: ما يَسِيل من بين جلده ولحمه. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: الغساق: الذي يسيل من أعينهم من دموعهم، يسقونه مع الحميم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قال: الغسَّاق: ما يسيل من سُرْمهم، وما يسقط من جلودهم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ﴿الغساق﴾ : الصديد الذي يجمع من جلودهم مما تصهرهم النار في حياض يجتمع فيها فيسقونه. ⁕ حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهميّ، قال: ثني أبي، قال: ثنا ابن لَهِيعة، قال: ثني أبو قبيل أنه سمع أبا هبيرة الزيادي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: أيّ شيء الغسَّاق؟ قالوا: الله أعلم، فقال عبد الله بن عمرو: هو القَيْح الغليظ، لو أن قطرة منه تُهَرَاق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تُهَرَاق في المشرق لأنتنت أهل المغرب. قال يحيى بن عثمان، قال أبي: ثنا ابن لهيعة مرة أخرى، فقال: ثنا أبو قبيل، عن عبد الله بن هبيرة، ولم يذكر لنا أبا هبيرة. ⁕ حدثنا ابن عوف، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا أبو يحيى عطية الكلاعيّ، أن كعبا كان يقول: هل تدرون ما غسَّاق؟ قالوا: لا والله، قال: عين في جهنم يسيل إليها حُمَّةٌ كل ذات حُمَة من حية أو عقرب أو غيرها، فيستنقع فيؤتي بالآدمي، فيُغْمَس فيها غمسة واحدة، فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام. حتى يتعلق جلده في كعبيه وعقبيه، وينجر لحمه كجر الرجل ثوبه. وقال آخرون: هو البارد الذي لا يستطاع من برده. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن يحيى بن أبي زائدة، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ قال: بارد لا يُسْتطاع، أو قال: برد لا يُسْتطاع. ⁕ حدثني عليّ بن عبد الأعلى، قال: ثنا المحاربيّ، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ قال: يقال: الغسَّاق: أبرد البرد، ويقول آخرون: لا بل هو أنْتَن النَّتْن. وقال آخرون: بل هو المُنْتِن. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن المسيب، عن إبراهيم النكري، عن صالح بن حيان، عن أبيه، عن عبد الله بن بُرَيدة، قال: الغسَّاق: المنتن، وهو بالطُّخارية [[لعله يريد بالطخارية: المنسوبة إلى طخارستان، بضم أوله، وهو إقليم من بلاد العجم، شرقي جرجان يريد أن لفظة"غساق" ليست عربية الأصل.]] . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدريّ، أن النبيّ ﷺ قال:"لَوْ أنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ يُهَراقُ فِي الدُّنْيا لأنْتَنَ أهْلَ الدُّنْيا". وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هو ما يسيل من صديدهم، لأن ذلك هو الأغلب من معنى الغُسُوق، وإن كان للآخر وجه صحيح. * * وقوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ على التوحيد، بمعنى: هذا حميم وغساق فليذوقوه، وعذاب آخر من نحو الحميم ألوان وأنواع، كما يقال: لك عذاب من فلان: ضروب وأنواع؛ وقد يحتمل أن يكون مرادًا بالأزواج الخبر عن الحميم والغساق، وآخر من شكله، وذلك ثلاثة، فقيل أزواج، يراد أن ينعت بالأزواج تلك الأشياء الثلاثة. وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصريين:"وأخَرُ" على الجماع، وكأن من قرأ ذلك كذلك كان عنده لا يصلح أن يكون الأزواج وهي جمع نَعْتا لواحد، فلذلك جمع أخر، لتكون الأزواج نعتا لها؛ والعرب لا تمنع أن ينعَت الاسم إذا كان فعلا بالكثير والقليل والاثنين كما بيَّنا، فتقول: عذاب فلان أنواع، ونوعان مختلفان. وأعجب القراءتين إليَّ أن أقرأ بها: ﴿وآخَرُ﴾ على التوحيد، وإن كانت الأخرى صحيحة لاستفاضة القراءة بها في قرّاء الأمصار؛ وإنما اخترنا التوحيد لأنه أصحّ مخرجا في العربية، وأنه في التفسير بمعنى التوحيد. وقيل إنه الزَّمهرير. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن مُرّة، عن عبد الله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال الزمهرير. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن مرة، عن عبد الله، بمثله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا معاوية، عن سفيان، عن السديّ، عمن أخبره عن عبد الله بمثله، إلا أنه قال: عذاب الزمهرير. ⁕ حدثنا محمد قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، عن مرّة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: هو الزمهرير. ⁕ حُدثت عن يحيى بن أبي زائدة، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: ذكر الله العذاب، فذكر السلاسل والأغلال، وما يكون في الدنيا، ثم قال: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: وآخر لم ير في الدنيا. وأما قوله ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ فإن معناه: من ضربه، ونحوه يقول الرجل للرجل: ما أنت من شكلي، بمعنى: ما أنت من ضربي بفتح الشين. وأما الشِّكْل فإنه من المراة ما عَلَّقَتْ مما تتحسن به، وهو الدَّلُّ أيضا منها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ يقول: من نحوه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ من نحوه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: من كُلّ شَكْلٍ ذلك العذاب الذي سمي الله، أزواج لم يسمها الله، قال: والشَّكل: الشبيه. * * وقوله ﴿أَزْوَاجٌ﴾ يعني: ألوان وأنواع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: ألوان من العذاب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَزْوَاجٌ﴾ زوج زوج من العذاب. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿أَزْوَاجٌ﴾ قال: أزواج من العذاب في النار. * * وقوله ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله ﴿هَذَا فَوْجٌ﴾ هذا فرقة وجماعة مقتحمة معكم أيها الطاغون النار، وذلك دخول أمة من الأمم الكافرة بعد أمة؛ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ وهذا خبر من الله عن قيلِ الطاغين الذين كانوا قد دخلوا النار قبل هذا الفوج المقتحِم للفوج المقتَحم فيها عليهم، لا مرحبا بهم، ولكن الكلام اتصل فصار كأنه قول واحد، كما قيل: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ فاتصل قول فرعون بقول ملئه، وهذا كما قال تعالى ذكره مخبرا عن أهل النار: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ ويعني بقولهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ لا اتسعت بهم مداخلهم، كما قال أبو الأسود: لا مرْحَب وَاديكَ غيرُ مُضَيَّقِ [[هذا شطر بيت لأبي الأسود الدؤلي، ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ٢١٢ من مصورة جامعة القاهرة رقم (٢٦٠٥٩) قال عند قوله تعالى" لا مرحبا بهم": تقول العرب للرجل:" لا مرحبا بك" أي لا رحبت عليك، أي لا اتسعت. قال أبو الأسود:" لا مرحب واديك غير مضيق". ولم أجده في ترجمته في الأغاني، ولا في معجم ياقوت.]] وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ في النار ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ .. حتى بلغ: ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ قال: هؤلاء التباع يقولون للرءوس. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ قال: الفوج: القوم الذين يدخلون فوجا بعد فوج، وقرأ: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ التي كانت قبلها. * * وقوله ﴿إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ يقول: إنهم واردو النار وداخلوها. ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ يقول: قال الفوج الواردون جهنم على الطاغين الذين وصف جل ثناؤه صفتهم لهم: بل أنتم أيها القوم لا مرحبا بكم: أي لا اتسعت بكم أماكنكم، ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ يعنون: أنتم قدمتم لنا سُكنى هذا المكان، وصِليّ النار بإضلالكم إيانا، ودعائكم لنا إلى الكفر بالله، وتكذيب رسله، حتى ضللنا باتباعكم، فاستوجبنا سكنى جهنم اليوم، فذلك تقديمهم لهم ما قدموا في الدنيا من عذاب الله لهم في الآخرة ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ يقول: فبئس المكان يُسْتَقَرُّ فيه جهنم.

Al-Mukhtasar (français)

Lorsque les gens de l’Enfer entreront en Enfer, des disputes éclateront entre eux. Ils s’invectiveront les uns les autres et les uns se désavoueront des autres. Certains diront: Voici un groupe qui entrera en Enfer avec vous. Les autres répondront: Qu’ils ne soient pas les bienvenus car ils endureront le feu que nous endurons.

60

قَالُوا۟ بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًۢا بِكُمْ ۖ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا ۖ فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ

Ils dirent: «Pas de bienvenue pour vous, plutôt. C'est vous qui avez préparé cela pour nous». Quel mauvais lieu de séjour!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السُّعَدَاءِ ثَنّى بِذِكْرِ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ وَمَرْجِعِهِمْ وَمَآبِهِمْ فِي دَارِ مَعَادِهِمْ وَحِسَابِهِمْ فَقَالَ: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ وَهُمُ: الْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ الْمُخَالِفُونَ لِرُسُلِ اللَّهِ ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ أَيْ: لَسُوءَ مُنْقَلَبٍ وَمَرْجِعٍ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ أَيْ: يَدْخُلُونَهَا فَتَغْمُرُهُمْ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِمْ ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ. هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ أَمَّا الْحَمِيمُ فَهُوَ: الْحَارُّ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ وَأَمَّا الغَسَّاق فَهُوَ: ضِدُّهُ، وَهُوَ الْبَارِدُ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ بَرْدِهِ الْمُؤْلِمِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أَيْ: وَأَشْيَاءُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، الشَّيْءُ وَضِدُّهُ يُعَاقَبُونَ بِهَا. قَالَ [[في ت: "روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة حَدَّثَنَا دَرّاج عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ [[في ت: "بسنده".]] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ [[في أ: "سعيد رضي الله عنه".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاق يُهَرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأنتن أهل الدنيا" [[المسند (٣/٢٨) .]] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ رِشْدين بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ دَرّاج بِهِ. ثُمَّ قَالَ: "لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٨٤) .]] كَذَا قَالَ: وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بِهِ [[تفسير الطبري (٢٣/١١٤) .]] وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: غَسَّاقٌ: عَيْنٌ فِي جَهَنَّمَ يَسِيلُ إِلَيْهَا حُمَة كُلِّ ذَاتِ حُمَة مِنْ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَسْتَنْقِعُ فَيُؤْتَى بِالْآدَمِيِّ فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً وَاحِدَةً فَيَخْرُجُ وَقَدْ سَقَطَ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ عَنِ الْعِظَامِ وَيَتَعَلَّقُ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ فِي كَعْبَيْهِ وَعَقِبَيْهِ ويُجَر لَحْمَهُ كَمَا يَجُر الرَّجُلُ ثَوْبَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أَلْوَانٌ مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَالزَّمْهَرِيرِ وَالسَّمُومِ وَشُرْبِ الْحَمِيمِ وَأَكْلِ الزَّقُّومِ وَالصُّعُودِ وَالْهُوِيُّ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْمُتَضَادَّةِ [[في ت، س: "المتضاضة والمتخالفة".]] وَالْجَمِيعُ مِمَّا يُعَذَّبُونَ بِهِ وَيُهَانُونَ بِسَبَبِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ قِيلِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] يَعْنِي بَدَلَ السَّلَامِ يَتَلَاعَنُونَ وَيَتَكَاذَبُونَ [[في ت: "ويتجاذبون".]] وَيَكْفُرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَتَقُولُ الطَّائِفَةُ الَّتِي تَدْخُلُ قَبْلَ الْأُخْرَى إِذَا أَقْبَلَتِ الَّتِي بَعْدَهَا مَعَ الْخَزَنَةِ مِنَ الزَّبَانِيَةِ: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ﴾ أَيْ: دَاخِلٌ مَعَكُمْ ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ت، س.]] لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ جَهَنَّمَ [[في ت: "النار".]] ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ أَيْ: فَيَقُولُ لَهُمُ الدَّاخِلُونَ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ أَيْ: أَنْتُمْ دَعَوْتُمُونَا إِلَى مَا أَفْضَى بِنَا إِلَى هَذَا الْمَصِيرِ ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ أَيْ: فَبِئْسَ الْمَنْزِلُ وَالْمُسْتَقَرُّ وَالْمَصِيرُ. ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ [[في ت، س: "تعالى".]] ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] أَيْ: لِكُلٍّ مِنْكُمْ عَذَابٌ بِحَسَبِهِ ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ هَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ أَنَّهُمْ يَفْقِدُونَ رِجَالًا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ فِي زَعْمِهِمْ قَالُوا: مَا لَنَا لَا نَرَاهُمْ مَعَنَا فِي النَّارِ؟. قَالَ [[في ت: "وقال".]] مُجَاهِدٌ: هَذَا قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ يَقُولُ: مَا لِي لَا أَرَى بِلَالًا وَعَمَّارًا وَصُهَيْبًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا. وَهَذَا مَثَلٌ ضُرِبَ، وَإِلَّا فَكُلُّ الْكُفَّارِ هَذَا حَالُهُمْ: يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ فَلَمَّا دَخَلَ الْكُفَّارُ النَّارَ افْتَقَدُوهُمْ فَلَمْ يَجِدُوهُمْ فَقَالُوا: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا [[في أ: "دار الدنيا".]] ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ يُسَلُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْمُحَالِ يقولون: أو لعلهم مَعَنَا فِي جَهَنَّمَ وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ بَصَرُنَا عَلَيْهِمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ فِي الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ [[في ت: "العلا".]] وَهُوَ [[في أ: "وهي".]] قَوْلُهُ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ [وَنَادَى أَصْحَابُ الأعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ. أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ] ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٤٤ -٤٩] [[زيادة من ت، س.]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَاكَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ مِنْ تَخَاصُمِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ وَلَعْنِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لَحَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله ﴿هَذَا﴾ : الذي وصفت لهؤلاء المتقين: ثم استأنف جلّ وعزّ الخبر عن الكافرين به الذين طَغَوا عليه وبَغَوا، فقال: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ وهم الذين تمرّدوا على ربهم، فعصوا أمره مع إحسانه إليهم ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ يقول: لشرّ مرجع ومصير يصيرون إليه في الآخرة بعد خروجهم من الدنيا. كما:- ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ قال: لشرَّ مُنْقَلَب. ثم بين تعالى ذكره: ما ذلك الذي إليه ينقلبون ويصيرون في الآخرة، فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ فترجم عن جهنم بقوله ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ومعنى الكلام: إن للكافرين لشرَّ مَصِير يصيرون إليه يوم القيامة، لأن مصيرهم إلى جهنم، وإليها منقلبهم بعد وفاتهم ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ يقول تعالى ذكره: فبئس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم جهنم. * * وقوله ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ يقول تعالى ذكره: هذا حميم، وهو الذي قد أغلي حتى انتهى حرّه، وغساق فَلْيذوقوه؛ فالحميم مرفوع بهذا، وقوله ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ معناه التأخير، لأن معنى الكلام ما ذكرت، وهو: هذا حميم وغساق فليذوقوه. وقد يتجه إلى أن يكون هذا مكتفيا بقوله فليذوقوه ثم يُبْتَدأ فيقال: حميم وغَسَّاق، بمعنى: منه حميم ومنه غَسَّاق. كما قال الشاعر: حتى إذا أضَاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ ... وَغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ وَمَحْصُودٌ [[البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٨١) قال في قوله تعالى:" هذا فليذوقوه حميم وغساق": رفعت الحميم والغساق بهذا، مقدما ومؤخرا. والمعنى: هذا حميم وغساق فليذوقوه. وإن شئت جعلته (حميم وغساق) : مستأنفا، وجعلت الكلام قبله مكتفيا، كأنك قلت:" هذا فليذوقوه" ثم قلت: منه غساق. كقول الشاعر:" حتى إذا ... البيت) . أهـ.]] وإذا وُجِّه إلى هذا المعنى جاز في هذا النصب والرفع. النصب: على أن يُضْمر قبلها لها ناصب، كم قال الشاعر: زِيادَتَنا نُعْمانُ لا تَحْرِمَنَّنا ... تَقِ الله فِينا والكِتابَ الَّذي تَتْلُو [[هذا البيت لعبد الله بن همام السلولي (اللسان: وفي) يخاطب النعمان بن بشير الأنصاري، وكان قد ولي الكوفة لمعاوية، وكان معاوية قد زاد أناسا في أعطياتهم عشرة، فأنفذ النعمان، وترك بعضهم لأنهم جاءوا بكتب بعد ما فرغ من الحملة، وكان ابن همام ممن تخلف، فكلمه فأبى عليه: فقال ابن همام قصيدة يرفقه عليه، ويتشفع بالأنصار، ويمدح معاوية. وقوله" زيادتنا" منصوب بفعل محذوف يفسره الفعل المؤكد بالنون. لأنه يعمل فيما قبله، كما قال الرضى: والفعل المؤكد يروي: لا تنسبنها، ويروي لا تحرمننا (انظر شرح شواهد الشافية للرضي ص ٤٩٧) .]] والرفع بالهاء في قوله ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ كما يقال: الليلَ فبادروه، والليلُ فبادروه. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المضفل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ قال: الحميم: الذي قد انتهى حَرُّه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الحميم دموع أعينهم، تجمع في حياض النار فيسقونه. * * وقوله ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ اختلفت القرّاء في قراءته، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين والشام بالتخفيف:"وَغَسَاق" وقالوا: هو اسم موضوع. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ مشددة، ووجهوه إلى أنه صفة من قولهم: غَسَقَ يَغْسِقُ غُسُوقا: إذا سال، وقالوا: إنما معناه: أنهم يُسْقَون الحميم، وما يسيل من صديدهم. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وإن كان التشديد في السِّين أتم عندنا في ذلك، لأن المعروف ذلك في الكلام، وإن كان الآخر غير مدفوعة صحته. واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: هو ما يسيل من جلودهم من الصديد والدم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ قال: كنا نحدث أن الغسَّاق: ما يَسِيل من بين جلده ولحمه. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: الغساق: الذي يسيل من أعينهم من دموعهم، يسقونه مع الحميم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قال: الغسَّاق: ما يسيل من سُرْمهم، وما يسقط من جلودهم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ﴿الغساق﴾ : الصديد الذي يجمع من جلودهم مما تصهرهم النار في حياض يجتمع فيها فيسقونه. ⁕ حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهميّ، قال: ثني أبي، قال: ثنا ابن لَهِيعة، قال: ثني أبو قبيل أنه سمع أبا هبيرة الزيادي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: أيّ شيء الغسَّاق؟ قالوا: الله أعلم، فقال عبد الله بن عمرو: هو القَيْح الغليظ، لو أن قطرة منه تُهَرَاق في المغرب لأنتنت أهل المشرق، ولو تُهَرَاق في المشرق لأنتنت أهل المغرب. قال يحيى بن عثمان، قال أبي: ثنا ابن لهيعة مرة أخرى، فقال: ثنا أبو قبيل، عن عبد الله بن هبيرة، ولم يذكر لنا أبا هبيرة. ⁕ حدثنا ابن عوف، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا أبو يحيى عطية الكلاعيّ، أن كعبا كان يقول: هل تدرون ما غسَّاق؟ قالوا: لا والله، قال: عين في جهنم يسيل إليها حُمَّةٌ كل ذات حُمَة من حية أو عقرب أو غيرها، فيستنقع فيؤتي بالآدمي، فيُغْمَس فيها غمسة واحدة، فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام. حتى يتعلق جلده في كعبيه وعقبيه، وينجر لحمه كجر الرجل ثوبه. وقال آخرون: هو البارد الذي لا يستطاع من برده. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن يحيى بن أبي زائدة، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ قال: بارد لا يُسْتطاع، أو قال: برد لا يُسْتطاع. ⁕ حدثني عليّ بن عبد الأعلى، قال: ثنا المحاربيّ، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ قال: يقال: الغسَّاق: أبرد البرد، ويقول آخرون: لا بل هو أنْتَن النَّتْن. وقال آخرون: بل هو المُنْتِن. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن المسيب، عن إبراهيم النكري، عن صالح بن حيان، عن أبيه، عن عبد الله بن بُرَيدة، قال: الغسَّاق: المنتن، وهو بالطُّخارية [[لعله يريد بالطخارية: المنسوبة إلى طخارستان، بضم أوله، وهو إقليم من بلاد العجم، شرقي جرجان يريد أن لفظة"غساق" ليست عربية الأصل.]] . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدريّ، أن النبيّ ﷺ قال:"لَوْ أنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ يُهَراقُ فِي الدُّنْيا لأنْتَنَ أهْلَ الدُّنْيا". وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هو ما يسيل من صديدهم، لأن ذلك هو الأغلب من معنى الغُسُوق، وإن كان للآخر وجه صحيح. * * وقوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ على التوحيد، بمعنى: هذا حميم وغساق فليذوقوه، وعذاب آخر من نحو الحميم ألوان وأنواع، كما يقال: لك عذاب من فلان: ضروب وأنواع؛ وقد يحتمل أن يكون مرادًا بالأزواج الخبر عن الحميم والغساق، وآخر من شكله، وذلك ثلاثة، فقيل أزواج، يراد أن ينعت بالأزواج تلك الأشياء الثلاثة. وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصريين:"وأخَرُ" على الجماع، وكأن من قرأ ذلك كذلك كان عنده لا يصلح أن يكون الأزواج وهي جمع نَعْتا لواحد، فلذلك جمع أخر، لتكون الأزواج نعتا لها؛ والعرب لا تمنع أن ينعَت الاسم إذا كان فعلا بالكثير والقليل والاثنين كما بيَّنا، فتقول: عذاب فلان أنواع، ونوعان مختلفان. وأعجب القراءتين إليَّ أن أقرأ بها: ﴿وآخَرُ﴾ على التوحيد، وإن كانت الأخرى صحيحة لاستفاضة القراءة بها في قرّاء الأمصار؛ وإنما اخترنا التوحيد لأنه أصحّ مخرجا في العربية، وأنه في التفسير بمعنى التوحيد. وقيل إنه الزَّمهرير. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن مُرّة، عن عبد الله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال الزمهرير. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن مرة، عن عبد الله، بمثله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا معاوية، عن سفيان، عن السديّ، عمن أخبره عن عبد الله بمثله، إلا أنه قال: عذاب الزمهرير. ⁕ حدثنا محمد قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، عن مرّة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: هو الزمهرير. ⁕ حُدثت عن يحيى بن أبي زائدة، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: ذكر الله العذاب، فذكر السلاسل والأغلال، وما يكون في الدنيا، ثم قال: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: وآخر لم ير في الدنيا. وأما قوله ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ فإن معناه: من ضربه، ونحوه يقول الرجل للرجل: ما أنت من شكلي، بمعنى: ما أنت من ضربي بفتح الشين. وأما الشِّكْل فإنه من المراة ما عَلَّقَتْ مما تتحسن به، وهو الدَّلُّ أيضا منها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ يقول: من نحوه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ من نحوه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: من كُلّ شَكْلٍ ذلك العذاب الذي سمي الله، أزواج لم يسمها الله، قال: والشَّكل: الشبيه. * * وقوله ﴿أَزْوَاجٌ﴾ يعني: ألوان وأنواع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ قال: ألوان من العذاب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَزْوَاجٌ﴾ زوج زوج من العذاب. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿أَزْوَاجٌ﴾ قال: أزواج من العذاب في النار. * * وقوله ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله ﴿هَذَا فَوْجٌ﴾ هذا فرقة وجماعة مقتحمة معكم أيها الطاغون النار، وذلك دخول أمة من الأمم الكافرة بعد أمة؛ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ وهذا خبر من الله عن قيلِ الطاغين الذين كانوا قد دخلوا النار قبل هذا الفوج المقتحِم للفوج المقتَحم فيها عليهم، لا مرحبا بهم، ولكن الكلام اتصل فصار كأنه قول واحد، كما قيل: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ فاتصل قول فرعون بقول ملئه، وهذا كما قال تعالى ذكره مخبرا عن أهل النار: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ ويعني بقولهم: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ لا اتسعت بهم مداخلهم، كما قال أبو الأسود: لا مرْحَب وَاديكَ غيرُ مُضَيَّقِ [[هذا شطر بيت لأبي الأسود الدؤلي، ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ٢١٢ من مصورة جامعة القاهرة رقم (٢٦٠٥٩) قال عند قوله تعالى" لا مرحبا بهم": تقول العرب للرجل:" لا مرحبا بك" أي لا رحبت عليك، أي لا اتسعت. قال أبو الأسود:" لا مرحب واديك غير مضيق". ولم أجده في ترجمته في الأغاني، ولا في معجم ياقوت.]] وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ في النار ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ .. حتى بلغ: ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ قال: هؤلاء التباع يقولون للرءوس. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ قال: الفوج: القوم الذين يدخلون فوجا بعد فوج، وقرأ: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ التي كانت قبلها. * * وقوله ﴿إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ يقول: إنهم واردو النار وداخلوها. ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ يقول: قال الفوج الواردون جهنم على الطاغين الذين وصف جل ثناؤه صفتهم لهم: بل أنتم أيها القوم لا مرحبا بكم: أي لا اتسعت بكم أماكنكم، ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ يعنون: أنتم قدمتم لنا سُكنى هذا المكان، وصِليّ النار بإضلالكم إيانا، ودعائكم لنا إلى الكفر بالله، وتكذيب رسله، حتى ضللنا باتباعكم، فاستوجبنا سكنى جهنم اليوم، فذلك تقديمهم لهم ما قدموا في الدنيا من عذاب الله لهم في الآخرة ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ يقول: فبئس المكان يُسْتَقَرُّ فيه جهنم.

Al-Mukhtasar (français)

Les suiveurs diront à leurs chefs meneurs: Ô chefs meneurs, c’est plutôt vous qui n’êtes pas les bienvenus car c’est vous qui êtes la cause du châtiment douloureux que nous subissons car vous nous avez égarés et nous avez trompés. Que la demeure, l’Enfer, de tous ces gens est mauvaise.

61

قَالُوا۟ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَٰذَا فَزِدْهُ عَذَابًۭا ضِعْفًۭا فِى ٱلنَّارِ

Ils dirent: «Seigneur, celui qui nous a préparé cela, ajoute-lui un double châtiment dans le Feu».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السُّعَدَاءِ ثَنّى بِذِكْرِ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ وَمَرْجِعِهِمْ وَمَآبِهِمْ فِي دَارِ مَعَادِهِمْ وَحِسَابِهِمْ فَقَالَ: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ وَهُمُ: الْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ الْمُخَالِفُونَ لِرُسُلِ اللَّهِ ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ أَيْ: لَسُوءَ مُنْقَلَبٍ وَمَرْجِعٍ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ أَيْ: يَدْخُلُونَهَا فَتَغْمُرُهُمْ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِمْ ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ. هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ أَمَّا الْحَمِيمُ فَهُوَ: الْحَارُّ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ وَأَمَّا الغَسَّاق فَهُوَ: ضِدُّهُ، وَهُوَ الْبَارِدُ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ بَرْدِهِ الْمُؤْلِمِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أَيْ: وَأَشْيَاءُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، الشَّيْءُ وَضِدُّهُ يُعَاقَبُونَ بِهَا. قَالَ [[في ت: "روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة حَدَّثَنَا دَرّاج عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ [[في ت: "بسنده".]] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ [[في أ: "سعيد رضي الله عنه".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاق يُهَرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأنتن أهل الدنيا" [[المسند (٣/٢٨) .]] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ رِشْدين بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ دَرّاج بِهِ. ثُمَّ قَالَ: "لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٨٤) .]] كَذَا قَالَ: وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بِهِ [[تفسير الطبري (٢٣/١١٤) .]] وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: غَسَّاقٌ: عَيْنٌ فِي جَهَنَّمَ يَسِيلُ إِلَيْهَا حُمَة كُلِّ ذَاتِ حُمَة مِنْ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَسْتَنْقِعُ فَيُؤْتَى بِالْآدَمِيِّ فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً وَاحِدَةً فَيَخْرُجُ وَقَدْ سَقَطَ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ عَنِ الْعِظَامِ وَيَتَعَلَّقُ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ فِي كَعْبَيْهِ وَعَقِبَيْهِ ويُجَر لَحْمَهُ كَمَا يَجُر الرَّجُلُ ثَوْبَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أَلْوَانٌ مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَالزَّمْهَرِيرِ وَالسَّمُومِ وَشُرْبِ الْحَمِيمِ وَأَكْلِ الزَّقُّومِ وَالصُّعُودِ وَالْهُوِيُّ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْمُتَضَادَّةِ [[في ت، س: "المتضاضة والمتخالفة".]] وَالْجَمِيعُ مِمَّا يُعَذَّبُونَ بِهِ وَيُهَانُونَ بِسَبَبِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ قِيلِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] يَعْنِي بَدَلَ السَّلَامِ يَتَلَاعَنُونَ وَيَتَكَاذَبُونَ [[في ت: "ويتجاذبون".]] وَيَكْفُرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَتَقُولُ الطَّائِفَةُ الَّتِي تَدْخُلُ قَبْلَ الْأُخْرَى إِذَا أَقْبَلَتِ الَّتِي بَعْدَهَا مَعَ الْخَزَنَةِ مِنَ الزَّبَانِيَةِ: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ﴾ أَيْ: دَاخِلٌ مَعَكُمْ ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ت، س.]] لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ جَهَنَّمَ [[في ت: "النار".]] ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ أَيْ: فَيَقُولُ لَهُمُ الدَّاخِلُونَ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ أَيْ: أَنْتُمْ دَعَوْتُمُونَا إِلَى مَا أَفْضَى بِنَا إِلَى هَذَا الْمَصِيرِ ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ أَيْ: فَبِئْسَ الْمَنْزِلُ وَالْمُسْتَقَرُّ وَالْمَصِيرُ. ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ [[في ت، س: "تعالى".]] ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] أَيْ: لِكُلٍّ مِنْكُمْ عَذَابٌ بِحَسَبِهِ ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ هَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ أَنَّهُمْ يَفْقِدُونَ رِجَالًا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ فِي زَعْمِهِمْ قَالُوا: مَا لَنَا لَا نَرَاهُمْ مَعَنَا فِي النَّارِ؟. قَالَ [[في ت: "وقال".]] مُجَاهِدٌ: هَذَا قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ يَقُولُ: مَا لِي لَا أَرَى بِلَالًا وَعَمَّارًا وَصُهَيْبًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا. وَهَذَا مَثَلٌ ضُرِبَ، وَإِلَّا فَكُلُّ الْكُفَّارِ هَذَا حَالُهُمْ: يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ فَلَمَّا دَخَلَ الْكُفَّارُ النَّارَ افْتَقَدُوهُمْ فَلَمْ يَجِدُوهُمْ فَقَالُوا: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا [[في أ: "دار الدنيا".]] ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ يُسَلُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْمُحَالِ يقولون: أو لعلهم مَعَنَا فِي جَهَنَّمَ وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ بَصَرُنَا عَلَيْهِمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ فِي الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ [[في ت: "العلا".]] وَهُوَ [[في أ: "وهي".]] قَوْلُهُ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ [وَنَادَى أَصْحَابُ الأعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ. أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ] ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٤٤ -٤٩] [[زيادة من ت، س.]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَاكَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ مِنْ تَخَاصُمِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ وَلَعْنِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لَحَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١) ﴾ وهذا أيضا قول الفوج المقتحم على الطاغين، وهم كانوا أتباع الطاغين في الدنيا، يقول جل ثناؤه: وقال الأتباع: ﴿رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا﴾ يعنون: من قدم لهم في الدنيا بدعائهم إلى العمل الذي يوجب لهم النار التي ورودها، وسكنى المنزل الذي سكنوه منها. ويعنون بقولهم ﴿هَذَا﴾ : العذاب الذي وردناه ﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ يقولون: فأضعف له العذاب في النار على العذاب الذي هو فيه فيها، وهذا أيضا من دعاء الأتباع للمتبوعين.

Al-Mukhtasar (français)

Les suiveurs diront: Ô notre Seigneur, double le châtiment de ceux qui nous ont détournés de la guidée lorsque celle-ci nous est parvenue.

62

وَقَالُوا۟ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًۭا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلْأَشْرَارِ

Et ils dirent: «Pourquoi ne voyons-nous pas des gens que nous comptions parmi les malfaiteurs?

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السُّعَدَاءِ ثَنّى بِذِكْرِ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ وَمَرْجِعِهِمْ وَمَآبِهِمْ فِي دَارِ مَعَادِهِمْ وَحِسَابِهِمْ فَقَالَ: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ وَهُمُ: الْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ الْمُخَالِفُونَ لِرُسُلِ اللَّهِ ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ أَيْ: لَسُوءَ مُنْقَلَبٍ وَمَرْجِعٍ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ أَيْ: يَدْخُلُونَهَا فَتَغْمُرُهُمْ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِمْ ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ. هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ أَمَّا الْحَمِيمُ فَهُوَ: الْحَارُّ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ وَأَمَّا الغَسَّاق فَهُوَ: ضِدُّهُ، وَهُوَ الْبَارِدُ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ بَرْدِهِ الْمُؤْلِمِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أَيْ: وَأَشْيَاءُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، الشَّيْءُ وَضِدُّهُ يُعَاقَبُونَ بِهَا. قَالَ [[في ت: "روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة حَدَّثَنَا دَرّاج عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ [[في ت: "بسنده".]] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ [[في أ: "سعيد رضي الله عنه".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاق يُهَرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأنتن أهل الدنيا" [[المسند (٣/٢٨) .]] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ رِشْدين بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ دَرّاج بِهِ. ثُمَّ قَالَ: "لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٨٤) .]] كَذَا قَالَ: وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بِهِ [[تفسير الطبري (٢٣/١١٤) .]] وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: غَسَّاقٌ: عَيْنٌ فِي جَهَنَّمَ يَسِيلُ إِلَيْهَا حُمَة كُلِّ ذَاتِ حُمَة مِنْ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَسْتَنْقِعُ فَيُؤْتَى بِالْآدَمِيِّ فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً وَاحِدَةً فَيَخْرُجُ وَقَدْ سَقَطَ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ عَنِ الْعِظَامِ وَيَتَعَلَّقُ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ فِي كَعْبَيْهِ وَعَقِبَيْهِ ويُجَر لَحْمَهُ كَمَا يَجُر الرَّجُلُ ثَوْبَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أَلْوَانٌ مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَالزَّمْهَرِيرِ وَالسَّمُومِ وَشُرْبِ الْحَمِيمِ وَأَكْلِ الزَّقُّومِ وَالصُّعُودِ وَالْهُوِيُّ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْمُتَضَادَّةِ [[في ت، س: "المتضاضة والمتخالفة".]] وَالْجَمِيعُ مِمَّا يُعَذَّبُونَ بِهِ وَيُهَانُونَ بِسَبَبِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ قِيلِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] يَعْنِي بَدَلَ السَّلَامِ يَتَلَاعَنُونَ وَيَتَكَاذَبُونَ [[في ت: "ويتجاذبون".]] وَيَكْفُرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَتَقُولُ الطَّائِفَةُ الَّتِي تَدْخُلُ قَبْلَ الْأُخْرَى إِذَا أَقْبَلَتِ الَّتِي بَعْدَهَا مَعَ الْخَزَنَةِ مِنَ الزَّبَانِيَةِ: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ﴾ أَيْ: دَاخِلٌ مَعَكُمْ ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ت، س.]] لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ جَهَنَّمَ [[في ت: "النار".]] ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ أَيْ: فَيَقُولُ لَهُمُ الدَّاخِلُونَ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ أَيْ: أَنْتُمْ دَعَوْتُمُونَا إِلَى مَا أَفْضَى بِنَا إِلَى هَذَا الْمَصِيرِ ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ أَيْ: فَبِئْسَ الْمَنْزِلُ وَالْمُسْتَقَرُّ وَالْمَصِيرُ. ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ [[في ت، س: "تعالى".]] ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] أَيْ: لِكُلٍّ مِنْكُمْ عَذَابٌ بِحَسَبِهِ ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ هَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ أَنَّهُمْ يَفْقِدُونَ رِجَالًا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ فِي زَعْمِهِمْ قَالُوا: مَا لَنَا لَا نَرَاهُمْ مَعَنَا فِي النَّارِ؟. قَالَ [[في ت: "وقال".]] مُجَاهِدٌ: هَذَا قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ يَقُولُ: مَا لِي لَا أَرَى بِلَالًا وَعَمَّارًا وَصُهَيْبًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا. وَهَذَا مَثَلٌ ضُرِبَ، وَإِلَّا فَكُلُّ الْكُفَّارِ هَذَا حَالُهُمْ: يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ فَلَمَّا دَخَلَ الْكُفَّارُ النَّارَ افْتَقَدُوهُمْ فَلَمْ يَجِدُوهُمْ فَقَالُوا: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا [[في أ: "دار الدنيا".]] ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ يُسَلُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْمُحَالِ يقولون: أو لعلهم مَعَنَا فِي جَهَنَّمَ وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ بَصَرُنَا عَلَيْهِمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ فِي الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ [[في ت: "العلا".]] وَهُوَ [[في أ: "وهي".]] قَوْلُهُ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ [وَنَادَى أَصْحَابُ الأعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ. أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ] ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٤٤ -٤٩] [[زيادة من ت، س.]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَاكَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ مِنْ تَخَاصُمِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ وَلَعْنِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لَحَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ (٦٢) أَأَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: قال الطاغون الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم في هذه الآيات، وهم فيما ذُكر أبو جهل والوليد بن المُغيرة وذووهما: ﴿مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا﴾ يقول: ما بالنا لا نرى معنا في النار رجالا ﴿كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ﴾ يقول: كنا نعدهم في الدنيا من أشرارنا، وعنوا بذلك فيما ذُكر صُهَيْبا وخَبَّابا وبِلالا وسَلْمان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن ليث، عن مجاهد، في قوله ﴿مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ﴾ قال: ذاك أبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة، وذكر أناسا صُهيبا وَعَمَّارًا وخبابا، كنَّا نعدّهم من الأشرار في الدنيا. ⁕ حدثنا أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا يذكر عن مجاهد في قوله ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ﴾ قال: قالوا: أين سَلْمان؟ أين خَبَّاب؟ أين بِلال؟. * * وقوله ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ اختلفت القرّاء في قراءته، فقرأته عامة قرّاء المدينة والشام وبعض قرّاء الكوفة: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ بفتح الألف من أتخذناهم، وقطعها على وجه الاستفهام، وقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة، وبعض قرّاء مكة بوصل الألف من الأشرار:"اتخذناهم". وقد بيَّنا فيما مضى قبلُ، أن كل استفهام كان بمعنى التعجب والتوبيخ، فإن العرب تستفهم فيه أحيانا، وتُخرجه على وجه الخبر أحيانا. وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بالوصل على غير وجه الاستفهام، لتقدّم الاستفهام قبل ذلك في قوله ﴿مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا﴾ فيصير قوله:"اتخذناهم" بالخبر أولى وإن كان للاستفهام وجه مفهوم لما وصفتُ قبل من أنه بمعنى التعجب. وإذ كان الصواب من القراءة في ذلك ما اخترنا لما وصفنا، فمعنى الكلام: وقال الطاغون: ما لنا لا نرى سَلْمان وبِلالا وخَبَّابا الذين كنَّا نعدّهم في الدنيا أشرارا، أتخذناهم فيها سُخريا نهزأ بهم فيها معنا اليوم في النار؟. وكان بعض أهل العلم بالعربية من أهل البصرة يقول: من كسر السين من السُّخْريّ، فإنه يريد به الهُزْء، يريد يسخر به، ومن ضمها فإنه يجعله من السُّخْرَة، يستسخِرونهم: يستذِلُّونهم، أزاغت عنهم أبصارنا وهم معنا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ يقول: أهم في النار لا نعرف مكانهم؟. ⁕ حُدثت عن المحاربيّ، عن جويبر، عن الضحاك ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ﴾ قال: هم قوم كانوا يسخَرون من محمد وأصحابه، فانطلق به وبأصحابه إلى الجنة وذهب بهم إلى النار ف ﴿َقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَار أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ يقولون: أزاغت أبصارنا عنهم فلا ندري أين هم؟. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ قال: أخطأناهم ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ ولا نراهم؟. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ﴾ قال: فقدوا أهل الجنة ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ في الدنيا ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ وهم معنا في النار. * * وقوله ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ يقول تعالى ذكره: إن هذا الذي أخبرتكم أيها الناس من الخبر عن تراجع أهل النار، ولعْن بعضهم بعضا، ودعاء بعضهم على بعض في النار لحق يقين، فلا تشكُّوا في ذلك، ولكن استيقنوه تخاصم أهل النار. * * وقوله ﴿تَخَاصُمُ﴾ رد على قوله ﴿لَحَقٌّ﴾ ومعنى الكلام: إن تخاصم أهل النار الذي أخبرتكم به لحقّ. وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يوجه معنى قوله ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ إلى: بل زاغت عنهم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ فقرأ: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقرأ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ .. حتى بلغ: ﴿إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ قال: إن كنتم تعبدوننا كما تقولون إن كنا عن عبادتكم لغافلين، ما كنا نسمع ولا نبصر، قال: وهذه الأصنام، قال: هذه خصومة أهل النار، وقرأ: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قال: وضل عنهم يوم القيامة ما كانوا يفترون في الدنيا.

Al-Mukhtasar (français)

Les arrogants et les tyrans diront: Pourquoi ne voyons-nous pas dans le feu, des hommes que nous considérions dans le bas monde comme des misérables qui méritent le châtiment.

63

أَتَّخَذْنَٰهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلْأَبْصَٰرُ

Est-ce que nous les avons raillés (à tort) ou échappent-ils à nos regards?»

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السُّعَدَاءِ ثَنّى بِذِكْرِ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ وَمَرْجِعِهِمْ وَمَآبِهِمْ فِي دَارِ مَعَادِهِمْ وَحِسَابِهِمْ فَقَالَ: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ وَهُمُ: الْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ الْمُخَالِفُونَ لِرُسُلِ اللَّهِ ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ أَيْ: لَسُوءَ مُنْقَلَبٍ وَمَرْجِعٍ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ أَيْ: يَدْخُلُونَهَا فَتَغْمُرُهُمْ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِمْ ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ. هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ أَمَّا الْحَمِيمُ فَهُوَ: الْحَارُّ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ وَأَمَّا الغَسَّاق فَهُوَ: ضِدُّهُ، وَهُوَ الْبَارِدُ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ بَرْدِهِ الْمُؤْلِمِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أَيْ: وَأَشْيَاءُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، الشَّيْءُ وَضِدُّهُ يُعَاقَبُونَ بِهَا. قَالَ [[في ت: "روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة حَدَّثَنَا دَرّاج عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ [[في ت: "بسنده".]] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ [[في أ: "سعيد رضي الله عنه".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاق يُهَرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأنتن أهل الدنيا" [[المسند (٣/٢٨) .]] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ رِشْدين بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ دَرّاج بِهِ. ثُمَّ قَالَ: "لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٨٤) .]] كَذَا قَالَ: وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بِهِ [[تفسير الطبري (٢٣/١١٤) .]] وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: غَسَّاقٌ: عَيْنٌ فِي جَهَنَّمَ يَسِيلُ إِلَيْهَا حُمَة كُلِّ ذَاتِ حُمَة مِنْ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَسْتَنْقِعُ فَيُؤْتَى بِالْآدَمِيِّ فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً وَاحِدَةً فَيَخْرُجُ وَقَدْ سَقَطَ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ عَنِ الْعِظَامِ وَيَتَعَلَّقُ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ فِي كَعْبَيْهِ وَعَقِبَيْهِ ويُجَر لَحْمَهُ كَمَا يَجُر الرَّجُلُ ثَوْبَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أَلْوَانٌ مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَالزَّمْهَرِيرِ وَالسَّمُومِ وَشُرْبِ الْحَمِيمِ وَأَكْلِ الزَّقُّومِ وَالصُّعُودِ وَالْهُوِيُّ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْمُتَضَادَّةِ [[في ت، س: "المتضاضة والمتخالفة".]] وَالْجَمِيعُ مِمَّا يُعَذَّبُونَ بِهِ وَيُهَانُونَ بِسَبَبِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ قِيلِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] يَعْنِي بَدَلَ السَّلَامِ يَتَلَاعَنُونَ وَيَتَكَاذَبُونَ [[في ت: "ويتجاذبون".]] وَيَكْفُرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَتَقُولُ الطَّائِفَةُ الَّتِي تَدْخُلُ قَبْلَ الْأُخْرَى إِذَا أَقْبَلَتِ الَّتِي بَعْدَهَا مَعَ الْخَزَنَةِ مِنَ الزَّبَانِيَةِ: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ﴾ أَيْ: دَاخِلٌ مَعَكُمْ ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ت، س.]] لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ جَهَنَّمَ [[في ت: "النار".]] ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ أَيْ: فَيَقُولُ لَهُمُ الدَّاخِلُونَ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ أَيْ: أَنْتُمْ دَعَوْتُمُونَا إِلَى مَا أَفْضَى بِنَا إِلَى هَذَا الْمَصِيرِ ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ أَيْ: فَبِئْسَ الْمَنْزِلُ وَالْمُسْتَقَرُّ وَالْمَصِيرُ. ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ [[في ت، س: "تعالى".]] ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] أَيْ: لِكُلٍّ مِنْكُمْ عَذَابٌ بِحَسَبِهِ ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ هَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ أَنَّهُمْ يَفْقِدُونَ رِجَالًا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ فِي زَعْمِهِمْ قَالُوا: مَا لَنَا لَا نَرَاهُمْ مَعَنَا فِي النَّارِ؟. قَالَ [[في ت: "وقال".]] مُجَاهِدٌ: هَذَا قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ يَقُولُ: مَا لِي لَا أَرَى بِلَالًا وَعَمَّارًا وَصُهَيْبًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا. وَهَذَا مَثَلٌ ضُرِبَ، وَإِلَّا فَكُلُّ الْكُفَّارِ هَذَا حَالُهُمْ: يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ فَلَمَّا دَخَلَ الْكُفَّارُ النَّارَ افْتَقَدُوهُمْ فَلَمْ يَجِدُوهُمْ فَقَالُوا: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا [[في أ: "دار الدنيا".]] ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ يُسَلُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْمُحَالِ يقولون: أو لعلهم مَعَنَا فِي جَهَنَّمَ وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ بَصَرُنَا عَلَيْهِمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ فِي الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ [[في ت: "العلا".]] وَهُوَ [[في أ: "وهي".]] قَوْلُهُ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ [وَنَادَى أَصْحَابُ الأعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ. أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ] ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٤٤ -٤٩] [[زيادة من ت، س.]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَاكَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ مِنْ تَخَاصُمِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ وَلَعْنِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لَحَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ (٦٢) أَأَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: قال الطاغون الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم في هذه الآيات، وهم فيما ذُكر أبو جهل والوليد بن المُغيرة وذووهما: ﴿مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا﴾ يقول: ما بالنا لا نرى معنا في النار رجالا ﴿كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ﴾ يقول: كنا نعدهم في الدنيا من أشرارنا، وعنوا بذلك فيما ذُكر صُهَيْبا وخَبَّابا وبِلالا وسَلْمان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن ليث، عن مجاهد، في قوله ﴿مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ﴾ قال: ذاك أبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة، وذكر أناسا صُهيبا وَعَمَّارًا وخبابا، كنَّا نعدّهم من الأشرار في الدنيا. ⁕ حدثنا أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا يذكر عن مجاهد في قوله ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ﴾ قال: قالوا: أين سَلْمان؟ أين خَبَّاب؟ أين بِلال؟. * * وقوله ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ اختلفت القرّاء في قراءته، فقرأته عامة قرّاء المدينة والشام وبعض قرّاء الكوفة: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ بفتح الألف من أتخذناهم، وقطعها على وجه الاستفهام، وقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة، وبعض قرّاء مكة بوصل الألف من الأشرار:"اتخذناهم". وقد بيَّنا فيما مضى قبلُ، أن كل استفهام كان بمعنى التعجب والتوبيخ، فإن العرب تستفهم فيه أحيانا، وتُخرجه على وجه الخبر أحيانا. وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بالوصل على غير وجه الاستفهام، لتقدّم الاستفهام قبل ذلك في قوله ﴿مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا﴾ فيصير قوله:"اتخذناهم" بالخبر أولى وإن كان للاستفهام وجه مفهوم لما وصفتُ قبل من أنه بمعنى التعجب. وإذ كان الصواب من القراءة في ذلك ما اخترنا لما وصفنا، فمعنى الكلام: وقال الطاغون: ما لنا لا نرى سَلْمان وبِلالا وخَبَّابا الذين كنَّا نعدّهم في الدنيا أشرارا، أتخذناهم فيها سُخريا نهزأ بهم فيها معنا اليوم في النار؟. وكان بعض أهل العلم بالعربية من أهل البصرة يقول: من كسر السين من السُّخْريّ، فإنه يريد به الهُزْء، يريد يسخر به، ومن ضمها فإنه يجعله من السُّخْرَة، يستسخِرونهم: يستذِلُّونهم، أزاغت عنهم أبصارنا وهم معنا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ يقول: أهم في النار لا نعرف مكانهم؟. ⁕ حُدثت عن المحاربيّ، عن جويبر، عن الضحاك ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ﴾ قال: هم قوم كانوا يسخَرون من محمد وأصحابه، فانطلق به وبأصحابه إلى الجنة وذهب بهم إلى النار ف ﴿َقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَار أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ يقولون: أزاغت أبصارنا عنهم فلا ندري أين هم؟. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ قال: أخطأناهم ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ ولا نراهم؟. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ﴾ قال: فقدوا أهل الجنة ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ في الدنيا ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ وهم معنا في النار. * * وقوله ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ يقول تعالى ذكره: إن هذا الذي أخبرتكم أيها الناس من الخبر عن تراجع أهل النار، ولعْن بعضهم بعضا، ودعاء بعضهم على بعض في النار لحق يقين، فلا تشكُّوا في ذلك، ولكن استيقنوه تخاصم أهل النار. * * وقوله ﴿تَخَاصُمُ﴾ رد على قوله ﴿لَحَقٌّ﴾ ومعنى الكلام: إن تخاصم أهل النار الذي أخبرتكم به لحقّ. وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يوجه معنى قوله ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ إلى: بل زاغت عنهم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ فقرأ: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقرأ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ .. حتى بلغ: ﴿إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ قال: إن كنتم تعبدوننا كما تقولون إن كنا عن عبادتكم لغافلين، ما كنا نسمع ولا نبصر، قال: وهذه الأصنام، قال: هذه خصومة أهل النار، وقرأ: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قال: وضل عنهم يوم القيامة ما كانوا يفترون في الدنيا.

Al-Mukhtasar (français)

Nous sommes-nous trompés lorsque nous les avons raillés alors qu’il s’avère qu’ils ne méritent pas d’être châtiés? Ou alors avions-nous raison et ils sont bien entrés en Enfer sans que nous ne les ayons vus?

64

إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّۭ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ

Telles sont en vérité les querelles des gens du Feu.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السُّعَدَاءِ ثَنّى بِذِكْرِ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ وَمَرْجِعِهِمْ وَمَآبِهِمْ فِي دَارِ مَعَادِهِمْ وَحِسَابِهِمْ فَقَالَ: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ وَهُمُ: الْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ الْمُخَالِفُونَ لِرُسُلِ اللَّهِ ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ أَيْ: لَسُوءَ مُنْقَلَبٍ وَمَرْجِعٍ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ أَيْ: يَدْخُلُونَهَا فَتَغْمُرُهُمْ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِمْ ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ. هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ أَمَّا الْحَمِيمُ فَهُوَ: الْحَارُّ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ وَأَمَّا الغَسَّاق فَهُوَ: ضِدُّهُ، وَهُوَ الْبَارِدُ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ بَرْدِهِ الْمُؤْلِمِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أَيْ: وَأَشْيَاءُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، الشَّيْءُ وَضِدُّهُ يُعَاقَبُونَ بِهَا. قَالَ [[في ت: "روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة حَدَّثَنَا دَرّاج عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ [[في ت: "بسنده".]] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ [[في أ: "سعيد رضي الله عنه".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاق يُهَرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأنتن أهل الدنيا" [[المسند (٣/٢٨) .]] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ رِشْدين بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ دَرّاج بِهِ. ثُمَّ قَالَ: "لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ" [[سنن الترمذي برقم (٢٥٨٤) .]] كَذَا قَالَ: وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بِهِ [[تفسير الطبري (٢٣/١١٤) .]] وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: غَسَّاقٌ: عَيْنٌ فِي جَهَنَّمَ يَسِيلُ إِلَيْهَا حُمَة كُلِّ ذَاتِ حُمَة مِنْ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَسْتَنْقِعُ فَيُؤْتَى بِالْآدَمِيِّ فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً وَاحِدَةً فَيَخْرُجُ وَقَدْ سَقَطَ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ عَنِ الْعِظَامِ وَيَتَعَلَّقُ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ فِي كَعْبَيْهِ وَعَقِبَيْهِ ويُجَر لَحْمَهُ كَمَا يَجُر الرَّجُلُ ثَوْبَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أَلْوَانٌ مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَالزَّمْهَرِيرِ وَالسَّمُومِ وَشُرْبِ الْحَمِيمِ وَأَكْلِ الزَّقُّومِ وَالصُّعُودِ وَالْهُوِيُّ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْمُتَضَادَّةِ [[في ت، س: "المتضاضة والمتخالفة".]] وَالْجَمِيعُ مِمَّا يُعَذَّبُونَ بِهِ وَيُهَانُونَ بِسَبَبِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ قِيلِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] يَعْنِي بَدَلَ السَّلَامِ يَتَلَاعَنُونَ وَيَتَكَاذَبُونَ [[في ت: "ويتجاذبون".]] وَيَكْفُرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَتَقُولُ الطَّائِفَةُ الَّتِي تَدْخُلُ قَبْلَ الْأُخْرَى إِذَا أَقْبَلَتِ الَّتِي بَعْدَهَا مَعَ الْخَزَنَةِ مِنَ الزَّبَانِيَةِ: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ﴾ أَيْ: دَاخِلٌ مَعَكُمْ ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ت، س.]] لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ جَهَنَّمَ [[في ت: "النار".]] ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ أَيْ: فَيَقُولُ لَهُمُ الدَّاخِلُونَ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ أَيْ: أَنْتُمْ دَعَوْتُمُونَا إِلَى مَا أَفْضَى بِنَا إِلَى هَذَا الْمَصِيرِ ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ أَيْ: فَبِئْسَ الْمَنْزِلُ وَالْمُسْتَقَرُّ وَالْمَصِيرُ. ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ [[في ت، س: "تعالى".]] ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] أَيْ: لِكُلٍّ مِنْكُمْ عَذَابٌ بِحَسَبِهِ ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ هَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ أَنَّهُمْ يَفْقِدُونَ رِجَالًا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ فِي زَعْمِهِمْ قَالُوا: مَا لَنَا لَا نَرَاهُمْ مَعَنَا فِي النَّارِ؟. قَالَ [[في ت: "وقال".]] مُجَاهِدٌ: هَذَا قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ يَقُولُ: مَا لِي لَا أَرَى بِلَالًا وَعَمَّارًا وَصُهَيْبًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا. وَهَذَا مَثَلٌ ضُرِبَ، وَإِلَّا فَكُلُّ الْكُفَّارِ هَذَا حَالُهُمْ: يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ فَلَمَّا دَخَلَ الْكُفَّارُ النَّارَ افْتَقَدُوهُمْ فَلَمْ يَجِدُوهُمْ فَقَالُوا: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا [[في أ: "دار الدنيا".]] ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ يُسَلُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْمُحَالِ يقولون: أو لعلهم مَعَنَا فِي جَهَنَّمَ وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ بَصَرُنَا عَلَيْهِمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ فِي الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ [[في ت: "العلا".]] وَهُوَ [[في أ: "وهي".]] قَوْلُهُ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ [وَنَادَى أَصْحَابُ الأعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ. أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ] ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٤٤ -٤٩] [[زيادة من ت، س.]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَاكَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ مِنْ تَخَاصُمِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ وَلَعْنِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لَحَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ (٦٢) أَأَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: قال الطاغون الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم في هذه الآيات، وهم فيما ذُكر أبو جهل والوليد بن المُغيرة وذووهما: ﴿مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا﴾ يقول: ما بالنا لا نرى معنا في النار رجالا ﴿كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ﴾ يقول: كنا نعدهم في الدنيا من أشرارنا، وعنوا بذلك فيما ذُكر صُهَيْبا وخَبَّابا وبِلالا وسَلْمان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن ليث، عن مجاهد، في قوله ﴿مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ﴾ قال: ذاك أبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة، وذكر أناسا صُهيبا وَعَمَّارًا وخبابا، كنَّا نعدّهم من الأشرار في الدنيا. ⁕ حدثنا أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا يذكر عن مجاهد في قوله ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ﴾ قال: قالوا: أين سَلْمان؟ أين خَبَّاب؟ أين بِلال؟. * * وقوله ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ اختلفت القرّاء في قراءته، فقرأته عامة قرّاء المدينة والشام وبعض قرّاء الكوفة: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ بفتح الألف من أتخذناهم، وقطعها على وجه الاستفهام، وقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة، وبعض قرّاء مكة بوصل الألف من الأشرار:"اتخذناهم". وقد بيَّنا فيما مضى قبلُ، أن كل استفهام كان بمعنى التعجب والتوبيخ، فإن العرب تستفهم فيه أحيانا، وتُخرجه على وجه الخبر أحيانا. وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بالوصل على غير وجه الاستفهام، لتقدّم الاستفهام قبل ذلك في قوله ﴿مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا﴾ فيصير قوله:"اتخذناهم" بالخبر أولى وإن كان للاستفهام وجه مفهوم لما وصفتُ قبل من أنه بمعنى التعجب. وإذ كان الصواب من القراءة في ذلك ما اخترنا لما وصفنا، فمعنى الكلام: وقال الطاغون: ما لنا لا نرى سَلْمان وبِلالا وخَبَّابا الذين كنَّا نعدّهم في الدنيا أشرارا، أتخذناهم فيها سُخريا نهزأ بهم فيها معنا اليوم في النار؟. وكان بعض أهل العلم بالعربية من أهل البصرة يقول: من كسر السين من السُّخْريّ، فإنه يريد به الهُزْء، يريد يسخر به، ومن ضمها فإنه يجعله من السُّخْرَة، يستسخِرونهم: يستذِلُّونهم، أزاغت عنهم أبصارنا وهم معنا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ يقول: أهم في النار لا نعرف مكانهم؟. ⁕ حُدثت عن المحاربيّ، عن جويبر، عن الضحاك ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ﴾ قال: هم قوم كانوا يسخَرون من محمد وأصحابه، فانطلق به وبأصحابه إلى الجنة وذهب بهم إلى النار ف ﴿َقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَار أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ يقولون: أزاغت أبصارنا عنهم فلا ندري أين هم؟. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ قال: أخطأناهم ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ ولا نراهم؟. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ﴾ قال: فقدوا أهل الجنة ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ في الدنيا ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ وهم معنا في النار. * * وقوله ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ يقول تعالى ذكره: إن هذا الذي أخبرتكم أيها الناس من الخبر عن تراجع أهل النار، ولعْن بعضهم بعضا، ودعاء بعضهم على بعض في النار لحق يقين، فلا تشكُّوا في ذلك، ولكن استيقنوه تخاصم أهل النار. * * وقوله ﴿تَخَاصُمُ﴾ رد على قوله ﴿لَحَقٌّ﴾ ومعنى الكلام: إن تخاصم أهل النار الذي أخبرتكم به لحقّ. وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يوجه معنى قوله ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ﴾ إلى: بل زاغت عنهم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ فقرأ: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقرأ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ .. حتى بلغ: ﴿إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ قال: إن كنتم تعبدوننا كما تقولون إن كنا عن عبادتكم لغافلين، ما كنا نسمع ولا نبصر، قال: وهذه الأصنام، قال: هذه خصومة أهل النار، وقرأ: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قال: وضل عنهم يوم القيامة ما كانوا يفترون في الدنيا.

Al-Mukhtasar (français)

Les disputes entre mécréants qui sont décrites ici et qui auront lieu le Jour de la Résurrection sont une vérité indubitable.

65

قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٌۭ ۖ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ

Dis: «Je ne suis qu'un avertisseur. Point de divinité à part Allah, l'Unique, le Dominateur Suprême,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ ﷺ [[في س: "صلوات الله وسلامه عليه".]] أَنْ يَقُولَ لِلْكَفَّارِ بِاللَّهِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ الْمُكَذِّبِينَ لِرَسُولِهِ: إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ [[في أ: "نذير مبين".]] لَسْتُ كَمَا تَزْعُمُونَ ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أَيْ: هُوَ [[في ت: "وهو".]] وَحْدَهُ قَدْ قَهَرَ كل شيء وغلبه. ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ أَيْ: هُوَ مَالِكٌ جَمِيعَ ذَلِكَ وَمُتَصَرِّفٌ فِيهِ ﴿الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ أَيْ: غَفَّارٌ مَعَ عِزَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ. ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: خَبَرٌ عَظِيمٌ وَشَأْنٌ بَلِيغٌ وَهُوَ إِرْسَالُ اللَّهِ إِيَّايَ إِلَيْكُمْ ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: غَافِلُونَ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي وَالسُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أَيْ: لَوْلَا الْوَحْيُ مِنْ أَيْنَ كُنْتُ أَدْرِي بِاخْتِلَافِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى؟ يَعْنِي: فِي شَأْنِ آدَمَ وَامْتِنَاعِ إِبْلِيسَ مِنَ السُّجُودِ لَهُ، وَمُحَاجَّتِهِ رَبَّهُ فِي تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ حَدَّثَنَا جَهْضَمٌ الْيَمَامِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي سَلَّامٍ عَنْ أَبِي سَلَّامٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: احْتَبَسَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى قَرْنَ الشَّمْسِ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيعًا فَثَوّب بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى وتَجَوّز فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: "كَمَا أَنْتُمْ عَلَى مَصَافِّكُمْ". ثُمَّ أَقْبَلُ إِلَيْنَا فَقَالَ: "إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الْغَدَاةَ، إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيْتُ مَا قُدّر لِي فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي [[في ت، س، أ: "بربي عز وجل".]] فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَدْرِي فِيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قُلْتُ لَا أَدْرِي رَبِّ -أَعَادَهَا ثَلَاثًا-فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفِي حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ صَدْرِي فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ. قَالَ: وَمَا الْكَفَّارَاتُ؟ قُلْتُ [[في أ: "قال".]] نَقْلُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ [[في ت، أ: "الجماعات".]] وَالْجُلُوسُ [[في ت، س، أ: "حسن صحيح".]] فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْكَرِيهَاتِ. قَالَ: وَمَا الدَّرَجَاتُ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَلِينُ الْكَلَامِ وَالصَّلَاةُ وَالنَّاسُ نِيَامٌ. قَالَ: سَلْ. قُلْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً بِقَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ". وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا وَتَعَلَّمُوهَا" [[المسند (٥/٢٤٣) .]] فَهُوَ حَدِيثُ الْمَنَامِ الْمَشْهُورُ وَمَنْ جَعَلَهُ يَقَظَةً فَقَدْ غَلِطَ وَهُوَ فِي السُّنَنِ مِنْ طُرُقٍ. وَهَذَا الْحَدِيثُ بِعَيْنِهِ قَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ "جَهْضَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَمَامِيِّ" بِهِ. وَقَالَ: "حَسَنٌ صَحِيحٌ" [[سنن الترمذي برقم (٣٢٣٥) وقال: "سألت محمد بن إسماعيل -يعني: عن هذا الحديث- فقال: "حسن صحيح".]] وَلَيْسَ هَذَا الِاخْتِصَامُ هُوَ الِاخْتِصَامُ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ [[في ت: "المذكور في الآية الكريمة في القرآن".]] فَإِنَّ هَذَا قَدْ فُسِّرَ وَأَمَّا الِاخْتِصَامُ الَّذِي فِي الْقُرْآنِ فَقَدْ فُسِّرَ بَعْدَ هَذَا وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لمشركي قومك. ﴿إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾ لكم يا معشر قريش بين يدي عذاب شديد، أنذركم عذاب الله وسخطه أن يحلّ بكم على كفركم به، فاحذروه وبادروا حلوله بكم بالتوبة ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ يقول: وما من معبود تصلح له العبادة، وتنبغي له الربوبية، إلا الله الذي يدين له كل شيء، ويعبدُه كلّ خلق، الواحد الذي لا ينبغي أن يكون له في ملكه شريك، ولا ينبغي أن تكون له صاحبة، القهار لكلّ ما دونه بقدرته، ربّ السموات والأرض، يقول: مالك السموات والأرض وما بينهما من الخلق؛ يقول: فهذا الذي هذه صفته، هو الإله الذي لا إله سواه، لا الذي لا يملك شيئا، ولا يضرّ، ولا ينفع. * * وقوله ﴿الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ يقول: العزيز في نقمته من أهل الكفر به، المدّعين معه إلها غيره، الغفَّار لذنوب من تاب منهم ومن غيرهم من كفره ومعاصيه، فأناب إلى الإيمان به، والطاعة له بالانتهاء إلى أمره ونهيه.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Muħammad, dis aux mécréants de ton peuple: Je ne fais que vous avertir contre le châtiment qu’Allah abattra sur vous pour votre mécréance et le démenti que vous opposiez à Ses messagers. Il n’existe pas de dieu méritant d’être adoré hormis Allah. Il est Unique dans Son éminence, Ses attributs et Ses noms. Il est le Dominateur qui domine tout et tout Lui est soumis.

66

رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّٰرُ

Seigneur des cieux et de la terre et de ce qui existe entre eux, le Puissant, le Grand Pardonneur».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ ﷺ [[في س: "صلوات الله وسلامه عليه".]] أَنْ يَقُولَ لِلْكَفَّارِ بِاللَّهِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ الْمُكَذِّبِينَ لِرَسُولِهِ: إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ [[في أ: "نذير مبين".]] لَسْتُ كَمَا تَزْعُمُونَ ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أَيْ: هُوَ [[في ت: "وهو".]] وَحْدَهُ قَدْ قَهَرَ كل شيء وغلبه. ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ أَيْ: هُوَ مَالِكٌ جَمِيعَ ذَلِكَ وَمُتَصَرِّفٌ فِيهِ ﴿الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ أَيْ: غَفَّارٌ مَعَ عِزَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ. ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: خَبَرٌ عَظِيمٌ وَشَأْنٌ بَلِيغٌ وَهُوَ إِرْسَالُ اللَّهِ إِيَّايَ إِلَيْكُمْ ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: غَافِلُونَ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي وَالسُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أَيْ: لَوْلَا الْوَحْيُ مِنْ أَيْنَ كُنْتُ أَدْرِي بِاخْتِلَافِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى؟ يَعْنِي: فِي شَأْنِ آدَمَ وَامْتِنَاعِ إِبْلِيسَ مِنَ السُّجُودِ لَهُ، وَمُحَاجَّتِهِ رَبَّهُ فِي تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ حَدَّثَنَا جَهْضَمٌ الْيَمَامِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي سَلَّامٍ عَنْ أَبِي سَلَّامٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: احْتَبَسَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى قَرْنَ الشَّمْسِ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيعًا فَثَوّب بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى وتَجَوّز فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: "كَمَا أَنْتُمْ عَلَى مَصَافِّكُمْ". ثُمَّ أَقْبَلُ إِلَيْنَا فَقَالَ: "إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الْغَدَاةَ، إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيْتُ مَا قُدّر لِي فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي [[في ت، س، أ: "بربي عز وجل".]] فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَدْرِي فِيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قُلْتُ لَا أَدْرِي رَبِّ -أَعَادَهَا ثَلَاثًا-فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفِي حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ صَدْرِي فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ. قَالَ: وَمَا الْكَفَّارَاتُ؟ قُلْتُ [[في أ: "قال".]] نَقْلُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ [[في ت، أ: "الجماعات".]] وَالْجُلُوسُ [[في ت، س، أ: "حسن صحيح".]] فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْكَرِيهَاتِ. قَالَ: وَمَا الدَّرَجَاتُ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَلِينُ الْكَلَامِ وَالصَّلَاةُ وَالنَّاسُ نِيَامٌ. قَالَ: سَلْ. قُلْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً بِقَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ". وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا وَتَعَلَّمُوهَا" [[المسند (٥/٢٤٣) .]] فَهُوَ حَدِيثُ الْمَنَامِ الْمَشْهُورُ وَمَنْ جَعَلَهُ يَقَظَةً فَقَدْ غَلِطَ وَهُوَ فِي السُّنَنِ مِنْ طُرُقٍ. وَهَذَا الْحَدِيثُ بِعَيْنِهِ قَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ "جَهْضَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَمَامِيِّ" بِهِ. وَقَالَ: "حَسَنٌ صَحِيحٌ" [[سنن الترمذي برقم (٣٢٣٥) وقال: "سألت محمد بن إسماعيل -يعني: عن هذا الحديث- فقال: "حسن صحيح".]] وَلَيْسَ هَذَا الِاخْتِصَامُ هُوَ الِاخْتِصَامُ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ [[في ت: "المذكور في الآية الكريمة في القرآن".]] فَإِنَّ هَذَا قَدْ فُسِّرَ وَأَمَّا الِاخْتِصَامُ الَّذِي فِي الْقُرْآنِ فَقَدْ فُسِّرَ بَعْدَ هَذَا وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لمشركي قومك. ﴿إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾ لكم يا معشر قريش بين يدي عذاب شديد، أنذركم عذاب الله وسخطه أن يحلّ بكم على كفركم به، فاحذروه وبادروا حلوله بكم بالتوبة ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ يقول: وما من معبود تصلح له العبادة، وتنبغي له الربوبية، إلا الله الذي يدين له كل شيء، ويعبدُه كلّ خلق، الواحد الذي لا ينبغي أن يكون له في ملكه شريك، ولا ينبغي أن تكون له صاحبة، القهار لكلّ ما دونه بقدرته، ربّ السموات والأرض، يقول: مالك السموات والأرض وما بينهما من الخلق؛ يقول: فهذا الذي هذه صفته، هو الإله الذي لا إله سواه، لا الذي لا يملك شيئا، ولا يضرّ، ولا ينفع. * * وقوله ﴿الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ يقول: العزيز في نقمته من أهل الكفر به، المدّعين معه إلها غيره، الغفَّار لذنوب من تاب منهم ومن غيرهم من كفره ومعاصيه، فأناب إلى الإيمان به، والطاعة له بالانتهاء إلى أمره ونهيه.

Al-Mukhtasar (français)

Il est le Seigneur des Cieux, de la Terre et de ce qui se trouve entre les deux. Il est le Puissant dans Son Royaume, où personne ne Lui tient tête, et Il pardonne les péchés de Ses serviteurs qui se repentent.

67

قُلْ هُوَ نَبَؤٌا۟ عَظِيمٌ

Dis: «Ceci (le Coran) est une grande nouvelle,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ ﷺ [[في س: "صلوات الله وسلامه عليه".]] أَنْ يَقُولَ لِلْكَفَّارِ بِاللَّهِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ الْمُكَذِّبِينَ لِرَسُولِهِ: إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ [[في أ: "نذير مبين".]] لَسْتُ كَمَا تَزْعُمُونَ ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أَيْ: هُوَ [[في ت: "وهو".]] وَحْدَهُ قَدْ قَهَرَ كل شيء وغلبه. ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ أَيْ: هُوَ مَالِكٌ جَمِيعَ ذَلِكَ وَمُتَصَرِّفٌ فِيهِ ﴿الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ أَيْ: غَفَّارٌ مَعَ عِزَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ. ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: خَبَرٌ عَظِيمٌ وَشَأْنٌ بَلِيغٌ وَهُوَ إِرْسَالُ اللَّهِ إِيَّايَ إِلَيْكُمْ ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: غَافِلُونَ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي وَالسُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أَيْ: لَوْلَا الْوَحْيُ مِنْ أَيْنَ كُنْتُ أَدْرِي بِاخْتِلَافِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى؟ يَعْنِي: فِي شَأْنِ آدَمَ وَامْتِنَاعِ إِبْلِيسَ مِنَ السُّجُودِ لَهُ، وَمُحَاجَّتِهِ رَبَّهُ فِي تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ حَدَّثَنَا جَهْضَمٌ الْيَمَامِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي سَلَّامٍ عَنْ أَبِي سَلَّامٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: احْتَبَسَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى قَرْنَ الشَّمْسِ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيعًا فَثَوّب بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى وتَجَوّز فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: "كَمَا أَنْتُمْ عَلَى مَصَافِّكُمْ". ثُمَّ أَقْبَلُ إِلَيْنَا فَقَالَ: "إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الْغَدَاةَ، إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيْتُ مَا قُدّر لِي فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي [[في ت، س، أ: "بربي عز وجل".]] فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَدْرِي فِيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قُلْتُ لَا أَدْرِي رَبِّ -أَعَادَهَا ثَلَاثًا-فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفِي حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ صَدْرِي فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ. قَالَ: وَمَا الْكَفَّارَاتُ؟ قُلْتُ [[في أ: "قال".]] نَقْلُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ [[في ت، أ: "الجماعات".]] وَالْجُلُوسُ [[في ت، س، أ: "حسن صحيح".]] فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْكَرِيهَاتِ. قَالَ: وَمَا الدَّرَجَاتُ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَلِينُ الْكَلَامِ وَالصَّلَاةُ وَالنَّاسُ نِيَامٌ. قَالَ: سَلْ. قُلْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً بِقَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ". وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا وَتَعَلَّمُوهَا" [[المسند (٥/٢٤٣) .]] فَهُوَ حَدِيثُ الْمَنَامِ الْمَشْهُورُ وَمَنْ جَعَلَهُ يَقَظَةً فَقَدْ غَلِطَ وَهُوَ فِي السُّنَنِ مِنْ طُرُقٍ. وَهَذَا الْحَدِيثُ بِعَيْنِهِ قَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ "جَهْضَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَمَامِيِّ" بِهِ. وَقَالَ: "حَسَنٌ صَحِيحٌ" [[سنن الترمذي برقم (٣٢٣٥) وقال: "سألت محمد بن إسماعيل -يعني: عن هذا الحديث- فقال: "حسن صحيح".]] وَلَيْسَ هَذَا الِاخْتِصَامُ هُوَ الِاخْتِصَامُ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ [[في ت: "المذكور في الآية الكريمة في القرآن".]] فَإِنَّ هَذَا قَدْ فُسِّرَ وَأَمَّا الِاخْتِصَامُ الَّذِي فِي الْقُرْآنِ فَقَدْ فُسِّرَ بَعْدَ هَذَا وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لقومك المكذبيك فيما جئتهم به من عند الله من هذا القرآن، القائلين لك فيه: إن هذا إلا اختلاق ﴿هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ يقول: هذا القرآن خبر عظيم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عبد الأعلى بن واصل الأسدي، قال: ثنا أبو أسامة، عن شبل بن عباد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ قال: القرآن. ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، عن شريح، أن رجلا قال له: أتقضي عليّ بالنبأ؟ قال: فقال له شريح: أو ليس القرآن نبأ؟ قال: وتلا هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ قال: وقضَى عليه. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ قال: القرآن. * * وقوله ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ يقول: أنتم عنه منصرفون لا تعملون به، ولا تصدّقون بما فيه من حجج الله وآياته. * * وقوله ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى﴾ يقول لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لمشركي قومك: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في شأن آدم من قبل أن يوحي إلي ربّي فيعلمني ذلك، يقول: ففي إخباري لكم عن ذلك دليل واضح على أن هذا القرآن وحي من الله وتنزيل من عنده، لأنكم تعلمون أن علم ذلك لم يكن عندي قبل نزول هذا القرآن، ولا هو مما شاهدته فعاينته، ولكني علمت ذلك بإخبار الله إياي به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ قال: الملأ الأعلى: الملائكة حين شووروا في خلق آدم، فاختصموا فيه، وقالوا: لا تجعل في الأرض خليفة. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هو: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى) قال: هم الملائكة، كانت خصومتهم في شأن آدم حين قال ربك للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ ... حتى بلغ ﴿سَاجِدِينَ﴾ وحين قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ ... حتى بلغ ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ ففي هذا اختصم الملأ الأعلى. * * وقوله ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لمشركي قريش: ما يوحي الله إليّ علم ما لا علم لي به، من نحو العلم بالملأ الأعلى واختصامهم في أمر آدم إذا أراد خلقه، إلا لأني إنما أنا نذير مبين؛"فإنما" على هذا التأويل في موضع خفض على قول من كان يرى أن مثل هذا الحرف الذي ذكرنا لا بد له من حرف خافض، فسواء إسقاط خافضه منه وإثباته. وإما على قول من رأى أن مثل هذا ينصب إذا أسقط منه الخافض، فإنه على مذهبه نصب، وقد بيَّنا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقد يتجه لهذا الكلام وجه آخر، وهو أن يكون معناه: ما يوحي الله إلى إنذاركم. وإذا وجه الكلام إلى هذا المعنى، كانت"أنما" في موضع رفع، لأن الكلام يصير حينئذ بمعنى: ما يوحى إلي إلا الإنذار. * * قوله ﴿إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يقول: إلا أني نذير لكم مبين لكم إلا إنذاركم. وقيل: إلا أنما أنا، ولم يقل: إلا أنما أنك، والخبر من محمد عن الله، لأن الوحْي قول، فصار في معنى الحكاية، كما يقال في الكلام: أخبروني أني مسيء، وأخبروني أنك مسيء بمعنى واحد، كما قال الشاعر: رَجُلانِ مِنْ ضَبَّةَ أخْبَرَانا ... أنَّا رأيْنا رَجُلا عُرْيانا [[هذا البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٨٢) قال: وقوله" إن يوحى إلى إلا أنما أنا نذير مبين": إن شئت جعلت" أنما" في موضع رفع (نائب فاعل بيوحى) كأنك قلت: ما يوحى إلي إلا الإنذار، وإن شئت جعلت المعنى: ما يوحى إلي لأني نبي ونذير. فإذا ألقيت اللام كان موضع" إنما" نصبا،ويكون في هذا الموضع ما يوحى إلي إلا أنك نذير مبين، لأن المعنى حكاية، كما تقول في الكلام: أخبروني أني مسيء، وأخبروني أنك مسيء. وهو كقوله:" رجلان من ضبة.... البيت". والمعنى: أخبرانا أنهما رأيا، فجاز ذلك لأن أصله الحكاية أهـ.]] بمعنى: أخبرانا أنهما رأيا، وجاز ذلك لأن الخبر أصله حكاية.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, dis à ces dénégateurs: Le Coran est une nouvelle d’une importance suprême.

68

أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ

mais vous vous en détournez.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ ﷺ [[في س: "صلوات الله وسلامه عليه".]] أَنْ يَقُولَ لِلْكَفَّارِ بِاللَّهِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ الْمُكَذِّبِينَ لِرَسُولِهِ: إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ [[في أ: "نذير مبين".]] لَسْتُ كَمَا تَزْعُمُونَ ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أَيْ: هُوَ [[في ت: "وهو".]] وَحْدَهُ قَدْ قَهَرَ كل شيء وغلبه. ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ أَيْ: هُوَ مَالِكٌ جَمِيعَ ذَلِكَ وَمُتَصَرِّفٌ فِيهِ ﴿الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ أَيْ: غَفَّارٌ مَعَ عِزَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ. ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: خَبَرٌ عَظِيمٌ وَشَأْنٌ بَلِيغٌ وَهُوَ إِرْسَالُ اللَّهِ إِيَّايَ إِلَيْكُمْ ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: غَافِلُونَ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي وَالسُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أَيْ: لَوْلَا الْوَحْيُ مِنْ أَيْنَ كُنْتُ أَدْرِي بِاخْتِلَافِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى؟ يَعْنِي: فِي شَأْنِ آدَمَ وَامْتِنَاعِ إِبْلِيسَ مِنَ السُّجُودِ لَهُ، وَمُحَاجَّتِهِ رَبَّهُ فِي تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ حَدَّثَنَا جَهْضَمٌ الْيَمَامِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي سَلَّامٍ عَنْ أَبِي سَلَّامٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: احْتَبَسَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى قَرْنَ الشَّمْسِ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيعًا فَثَوّب بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى وتَجَوّز فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: "كَمَا أَنْتُمْ عَلَى مَصَافِّكُمْ". ثُمَّ أَقْبَلُ إِلَيْنَا فَقَالَ: "إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الْغَدَاةَ، إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيْتُ مَا قُدّر لِي فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي [[في ت، س، أ: "بربي عز وجل".]] فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَدْرِي فِيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قُلْتُ لَا أَدْرِي رَبِّ -أَعَادَهَا ثَلَاثًا-فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفِي حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ صَدْرِي فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ. قَالَ: وَمَا الْكَفَّارَاتُ؟ قُلْتُ [[في أ: "قال".]] نَقْلُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ [[في ت، أ: "الجماعات".]] وَالْجُلُوسُ [[في ت، س، أ: "حسن صحيح".]] فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْكَرِيهَاتِ. قَالَ: وَمَا الدَّرَجَاتُ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَلِينُ الْكَلَامِ وَالصَّلَاةُ وَالنَّاسُ نِيَامٌ. قَالَ: سَلْ. قُلْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً بِقَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ". وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا وَتَعَلَّمُوهَا" [[المسند (٥/٢٤٣) .]] فَهُوَ حَدِيثُ الْمَنَامِ الْمَشْهُورُ وَمَنْ جَعَلَهُ يَقَظَةً فَقَدْ غَلِطَ وَهُوَ فِي السُّنَنِ مِنْ طُرُقٍ. وَهَذَا الْحَدِيثُ بِعَيْنِهِ قَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ "جَهْضَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَمَامِيِّ" بِهِ. وَقَالَ: "حَسَنٌ صَحِيحٌ" [[سنن الترمذي برقم (٣٢٣٥) وقال: "سألت محمد بن إسماعيل -يعني: عن هذا الحديث- فقال: "حسن صحيح".]] وَلَيْسَ هَذَا الِاخْتِصَامُ هُوَ الِاخْتِصَامُ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ [[في ت: "المذكور في الآية الكريمة في القرآن".]] فَإِنَّ هَذَا قَدْ فُسِّرَ وَأَمَّا الِاخْتِصَامُ الَّذِي فِي الْقُرْآنِ فَقَدْ فُسِّرَ بَعْدَ هَذَا وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لقومك المكذبيك فيما جئتهم به من عند الله من هذا القرآن، القائلين لك فيه: إن هذا إلا اختلاق ﴿هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ يقول: هذا القرآن خبر عظيم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عبد الأعلى بن واصل الأسدي، قال: ثنا أبو أسامة، عن شبل بن عباد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ قال: القرآن. ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، عن شريح، أن رجلا قال له: أتقضي عليّ بالنبأ؟ قال: فقال له شريح: أو ليس القرآن نبأ؟ قال: وتلا هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ قال: وقضَى عليه. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ قال: القرآن. * * وقوله ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ يقول: أنتم عنه منصرفون لا تعملون به، ولا تصدّقون بما فيه من حجج الله وآياته. * * وقوله ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى﴾ يقول لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لمشركي قومك: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في شأن آدم من قبل أن يوحي إلي ربّي فيعلمني ذلك، يقول: ففي إخباري لكم عن ذلك دليل واضح على أن هذا القرآن وحي من الله وتنزيل من عنده، لأنكم تعلمون أن علم ذلك لم يكن عندي قبل نزول هذا القرآن، ولا هو مما شاهدته فعاينته، ولكني علمت ذلك بإخبار الله إياي به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ قال: الملأ الأعلى: الملائكة حين شووروا في خلق آدم، فاختصموا فيه، وقالوا: لا تجعل في الأرض خليفة. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هو: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى) قال: هم الملائكة، كانت خصومتهم في شأن آدم حين قال ربك للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ ... حتى بلغ ﴿سَاجِدِينَ﴾ وحين قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ ... حتى بلغ ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ ففي هذا اختصم الملأ الأعلى. * * وقوله ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لمشركي قريش: ما يوحي الله إليّ علم ما لا علم لي به، من نحو العلم بالملأ الأعلى واختصامهم في أمر آدم إذا أراد خلقه، إلا لأني إنما أنا نذير مبين؛"فإنما" على هذا التأويل في موضع خفض على قول من كان يرى أن مثل هذا الحرف الذي ذكرنا لا بد له من حرف خافض، فسواء إسقاط خافضه منه وإثباته. وإما على قول من رأى أن مثل هذا ينصب إذا أسقط منه الخافض، فإنه على مذهبه نصب، وقد بيَّنا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقد يتجه لهذا الكلام وجه آخر، وهو أن يكون معناه: ما يوحي الله إلى إنذاركم. وإذا وجه الكلام إلى هذا المعنى، كانت"أنما" في موضع رفع، لأن الكلام يصير حينئذ بمعنى: ما يوحى إلي إلا الإنذار. * * قوله ﴿إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يقول: إلا أني نذير لكم مبين لكم إلا إنذاركم. وقيل: إلا أنما أنا، ولم يقل: إلا أنما أنك، والخبر من محمد عن الله، لأن الوحْي قول، فصار في معنى الحكاية، كما يقال في الكلام: أخبروني أني مسيء، وأخبروني أنك مسيء بمعنى واحد، كما قال الشاعر: رَجُلانِ مِنْ ضَبَّةَ أخْبَرَانا ... أنَّا رأيْنا رَجُلا عُرْيانا [[هذا البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٨٢) قال: وقوله" إن يوحى إلى إلا أنما أنا نذير مبين": إن شئت جعلت" أنما" في موضع رفع (نائب فاعل بيوحى) كأنك قلت: ما يوحى إلي إلا الإنذار، وإن شئت جعلت المعنى: ما يوحى إلي لأني نبي ونذير. فإذا ألقيت اللام كان موضع" إنما" نصبا،ويكون في هذا الموضع ما يوحى إلي إلا أنك نذير مبين، لأن المعنى حكاية، كما تقول في الكلام: أخبروني أني مسيء، وأخبروني أنك مسيء. وهو كقوله:" رجلان من ضبة.... البيت". والمعنى: أخبرانا أنهما رأيا، فجاز ذلك لأن أصله الحكاية أهـ.]] بمعنى: أخبرانا أنهما رأيا، وجاز ذلك لأن الخبر أصله حكاية.

Al-Mukhtasar (français)

Mais vous vous en détournez et ne lui accordez pas d’importance.

69

مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍۭ بِٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ إِذْ يَخْتَصِمُونَ

Je n'avais aucune connaissance de la cohorte sublime au moment où elle disputait.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ ﷺ [[في س: "صلوات الله وسلامه عليه".]] أَنْ يَقُولَ لِلْكَفَّارِ بِاللَّهِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ الْمُكَذِّبِينَ لِرَسُولِهِ: إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ [[في أ: "نذير مبين".]] لَسْتُ كَمَا تَزْعُمُونَ ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أَيْ: هُوَ [[في ت: "وهو".]] وَحْدَهُ قَدْ قَهَرَ كل شيء وغلبه. ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ أَيْ: هُوَ مَالِكٌ جَمِيعَ ذَلِكَ وَمُتَصَرِّفٌ فِيهِ ﴿الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ أَيْ: غَفَّارٌ مَعَ عِزَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ. ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: خَبَرٌ عَظِيمٌ وَشَأْنٌ بَلِيغٌ وَهُوَ إِرْسَالُ اللَّهِ إِيَّايَ إِلَيْكُمْ ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: غَافِلُونَ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي وَالسُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أَيْ: لَوْلَا الْوَحْيُ مِنْ أَيْنَ كُنْتُ أَدْرِي بِاخْتِلَافِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى؟ يَعْنِي: فِي شَأْنِ آدَمَ وَامْتِنَاعِ إِبْلِيسَ مِنَ السُّجُودِ لَهُ، وَمُحَاجَّتِهِ رَبَّهُ فِي تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ حَدَّثَنَا جَهْضَمٌ الْيَمَامِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي سَلَّامٍ عَنْ أَبِي سَلَّامٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: احْتَبَسَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى قَرْنَ الشَّمْسِ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيعًا فَثَوّب بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى وتَجَوّز فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: "كَمَا أَنْتُمْ عَلَى مَصَافِّكُمْ". ثُمَّ أَقْبَلُ إِلَيْنَا فَقَالَ: "إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الْغَدَاةَ، إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيْتُ مَا قُدّر لِي فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي [[في ت، س، أ: "بربي عز وجل".]] فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَدْرِي فِيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قُلْتُ لَا أَدْرِي رَبِّ -أَعَادَهَا ثَلَاثًا-فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفِي حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ صَدْرِي فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ. قَالَ: وَمَا الْكَفَّارَاتُ؟ قُلْتُ [[في أ: "قال".]] نَقْلُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ [[في ت، أ: "الجماعات".]] وَالْجُلُوسُ [[في ت، س، أ: "حسن صحيح".]] فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْكَرِيهَاتِ. قَالَ: وَمَا الدَّرَجَاتُ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَلِينُ الْكَلَامِ وَالصَّلَاةُ وَالنَّاسُ نِيَامٌ. قَالَ: سَلْ. قُلْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً بِقَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ". وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا وَتَعَلَّمُوهَا" [[المسند (٥/٢٤٣) .]] فَهُوَ حَدِيثُ الْمَنَامِ الْمَشْهُورُ وَمَنْ جَعَلَهُ يَقَظَةً فَقَدْ غَلِطَ وَهُوَ فِي السُّنَنِ مِنْ طُرُقٍ. وَهَذَا الْحَدِيثُ بِعَيْنِهِ قَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ "جَهْضَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَمَامِيِّ" بِهِ. وَقَالَ: "حَسَنٌ صَحِيحٌ" [[سنن الترمذي برقم (٣٢٣٥) وقال: "سألت محمد بن إسماعيل -يعني: عن هذا الحديث- فقال: "حسن صحيح".]] وَلَيْسَ هَذَا الِاخْتِصَامُ هُوَ الِاخْتِصَامُ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ [[في ت: "المذكور في الآية الكريمة في القرآن".]] فَإِنَّ هَذَا قَدْ فُسِّرَ وَأَمَّا الِاخْتِصَامُ الَّذِي فِي الْقُرْآنِ فَقَدْ فُسِّرَ بَعْدَ هَذَا وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لقومك المكذبيك فيما جئتهم به من عند الله من هذا القرآن، القائلين لك فيه: إن هذا إلا اختلاق ﴿هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ يقول: هذا القرآن خبر عظيم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عبد الأعلى بن واصل الأسدي، قال: ثنا أبو أسامة، عن شبل بن عباد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ قال: القرآن. ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، عن شريح، أن رجلا قال له: أتقضي عليّ بالنبأ؟ قال: فقال له شريح: أو ليس القرآن نبأ؟ قال: وتلا هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ قال: وقضَى عليه. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ قال: القرآن. * * وقوله ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ يقول: أنتم عنه منصرفون لا تعملون به، ولا تصدّقون بما فيه من حجج الله وآياته. * * وقوله ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى﴾ يقول لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لمشركي قومك: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في شأن آدم من قبل أن يوحي إلي ربّي فيعلمني ذلك، يقول: ففي إخباري لكم عن ذلك دليل واضح على أن هذا القرآن وحي من الله وتنزيل من عنده، لأنكم تعلمون أن علم ذلك لم يكن عندي قبل نزول هذا القرآن، ولا هو مما شاهدته فعاينته، ولكني علمت ذلك بإخبار الله إياي به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ قال: الملأ الأعلى: الملائكة حين شووروا في خلق آدم، فاختصموا فيه، وقالوا: لا تجعل في الأرض خليفة. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هو: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى) قال: هم الملائكة، كانت خصومتهم في شأن آدم حين قال ربك للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ ... حتى بلغ ﴿سَاجِدِينَ﴾ وحين قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ ... حتى بلغ ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ ففي هذا اختصم الملأ الأعلى. * * وقوله ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لمشركي قريش: ما يوحي الله إليّ علم ما لا علم لي به، من نحو العلم بالملأ الأعلى واختصامهم في أمر آدم إذا أراد خلقه، إلا لأني إنما أنا نذير مبين؛"فإنما" على هذا التأويل في موضع خفض على قول من كان يرى أن مثل هذا الحرف الذي ذكرنا لا بد له من حرف خافض، فسواء إسقاط خافضه منه وإثباته. وإما على قول من رأى أن مثل هذا ينصب إذا أسقط منه الخافض، فإنه على مذهبه نصب، وقد بيَّنا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقد يتجه لهذا الكلام وجه آخر، وهو أن يكون معناه: ما يوحي الله إلى إنذاركم. وإذا وجه الكلام إلى هذا المعنى، كانت"أنما" في موضع رفع، لأن الكلام يصير حينئذ بمعنى: ما يوحى إلي إلا الإنذار. * * قوله ﴿إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يقول: إلا أني نذير لكم مبين لكم إلا إنذاركم. وقيل: إلا أنما أنا، ولم يقل: إلا أنما أنك، والخبر من محمد عن الله، لأن الوحْي قول، فصار في معنى الحكاية، كما يقال في الكلام: أخبروني أني مسيء، وأخبروني أنك مسيء بمعنى واحد، كما قال الشاعر: رَجُلانِ مِنْ ضَبَّةَ أخْبَرَانا ... أنَّا رأيْنا رَجُلا عُرْيانا [[هذا البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٨٢) قال: وقوله" إن يوحى إلى إلا أنما أنا نذير مبين": إن شئت جعلت" أنما" في موضع رفع (نائب فاعل بيوحى) كأنك قلت: ما يوحى إلي إلا الإنذار، وإن شئت جعلت المعنى: ما يوحى إلي لأني نبي ونذير. فإذا ألقيت اللام كان موضع" إنما" نصبا،ويكون في هذا الموضع ما يوحى إلي إلا أنك نذير مبين، لأن المعنى حكاية، كما تقول في الكلام: أخبروني أني مسيء، وأخبروني أنك مسيء. وهو كقوله:" رجلان من ضبة.... البيت". والمعنى: أخبرانا أنهما رأيا، فجاز ذلك لأن أصله الحكاية أهـ.]] بمعنى: أخبرانا أنهما رأيا، وجاز ذلك لأن الخبر أصله حكاية.

Al-Mukhtasar (français)

Je n’ai aucune connaissance de ce que disent les anges au sujet de la création d'Adam, si ce n’est qu’Allah a fait descendre sur moi la Révélation et m’a instruit.

70

إِن يُوحَىٰٓ إِلَىَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ

Il m'est seulement révélé que je suis un avertisseur clair».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ ﷺ [[في س: "صلوات الله وسلامه عليه".]] أَنْ يَقُولَ لِلْكَفَّارِ بِاللَّهِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ الْمُكَذِّبِينَ لِرَسُولِهِ: إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ [[في أ: "نذير مبين".]] لَسْتُ كَمَا تَزْعُمُونَ ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أَيْ: هُوَ [[في ت: "وهو".]] وَحْدَهُ قَدْ قَهَرَ كل شيء وغلبه. ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ أَيْ: هُوَ مَالِكٌ جَمِيعَ ذَلِكَ وَمُتَصَرِّفٌ فِيهِ ﴿الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ أَيْ: غَفَّارٌ مَعَ عِزَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ. ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: خَبَرٌ عَظِيمٌ وَشَأْنٌ بَلِيغٌ وَهُوَ إِرْسَالُ اللَّهِ إِيَّايَ إِلَيْكُمْ ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: غَافِلُونَ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي وَالسُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أَيْ: لَوْلَا الْوَحْيُ مِنْ أَيْنَ كُنْتُ أَدْرِي بِاخْتِلَافِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى؟ يَعْنِي: فِي شَأْنِ آدَمَ وَامْتِنَاعِ إِبْلِيسَ مِنَ السُّجُودِ لَهُ، وَمُحَاجَّتِهِ رَبَّهُ فِي تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ حَدَّثَنَا جَهْضَمٌ الْيَمَامِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي سَلَّامٍ عَنْ أَبِي سَلَّامٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: احْتَبَسَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى قَرْنَ الشَّمْسِ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيعًا فَثَوّب بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى وتَجَوّز فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: "كَمَا أَنْتُمْ عَلَى مَصَافِّكُمْ". ثُمَّ أَقْبَلُ إِلَيْنَا فَقَالَ: "إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الْغَدَاةَ، إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيْتُ مَا قُدّر لِي فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي [[في ت، س، أ: "بربي عز وجل".]] فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَدْرِي فِيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قُلْتُ لَا أَدْرِي رَبِّ -أَعَادَهَا ثَلَاثًا-فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفِي حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ صَدْرِي فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ. قَالَ: وَمَا الْكَفَّارَاتُ؟ قُلْتُ [[في أ: "قال".]] نَقْلُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ [[في ت، أ: "الجماعات".]] وَالْجُلُوسُ [[في ت، س، أ: "حسن صحيح".]] فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْكَرِيهَاتِ. قَالَ: وَمَا الدَّرَجَاتُ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَلِينُ الْكَلَامِ وَالصَّلَاةُ وَالنَّاسُ نِيَامٌ. قَالَ: سَلْ. قُلْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً بِقَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ". وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا وَتَعَلَّمُوهَا" [[المسند (٥/٢٤٣) .]] فَهُوَ حَدِيثُ الْمَنَامِ الْمَشْهُورُ وَمَنْ جَعَلَهُ يَقَظَةً فَقَدْ غَلِطَ وَهُوَ فِي السُّنَنِ مِنْ طُرُقٍ. وَهَذَا الْحَدِيثُ بِعَيْنِهِ قَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ "جَهْضَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَمَامِيِّ" بِهِ. وَقَالَ: "حَسَنٌ صَحِيحٌ" [[سنن الترمذي برقم (٣٢٣٥) وقال: "سألت محمد بن إسماعيل -يعني: عن هذا الحديث- فقال: "حسن صحيح".]] وَلَيْسَ هَذَا الِاخْتِصَامُ هُوَ الِاخْتِصَامُ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ [[في ت: "المذكور في الآية الكريمة في القرآن".]] فَإِنَّ هَذَا قَدْ فُسِّرَ وَأَمَّا الِاخْتِصَامُ الَّذِي فِي الْقُرْآنِ فَقَدْ فُسِّرَ بَعْدَ هَذَا وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لقومك المكذبيك فيما جئتهم به من عند الله من هذا القرآن، القائلين لك فيه: إن هذا إلا اختلاق ﴿هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ يقول: هذا القرآن خبر عظيم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عبد الأعلى بن واصل الأسدي، قال: ثنا أبو أسامة، عن شبل بن عباد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ قال: القرآن. ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، عن شريح، أن رجلا قال له: أتقضي عليّ بالنبأ؟ قال: فقال له شريح: أو ليس القرآن نبأ؟ قال: وتلا هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ قال: وقضَى عليه. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ قال: القرآن. * * وقوله ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ يقول: أنتم عنه منصرفون لا تعملون به، ولا تصدّقون بما فيه من حجج الله وآياته. * * وقوله ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى﴾ يقول لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لمشركي قومك: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في شأن آدم من قبل أن يوحي إلي ربّي فيعلمني ذلك، يقول: ففي إخباري لكم عن ذلك دليل واضح على أن هذا القرآن وحي من الله وتنزيل من عنده، لأنكم تعلمون أن علم ذلك لم يكن عندي قبل نزول هذا القرآن، ولا هو مما شاهدته فعاينته، ولكني علمت ذلك بإخبار الله إياي به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ قال: الملأ الأعلى: الملائكة حين شووروا في خلق آدم، فاختصموا فيه، وقالوا: لا تجعل في الأرض خليفة. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ هو: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى) قال: هم الملائكة، كانت خصومتهم في شأن آدم حين قال ربك للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ ... حتى بلغ ﴿سَاجِدِينَ﴾ وحين قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ ... حتى بلغ ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ ففي هذا اختصم الملأ الأعلى. * * وقوله ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لمشركي قريش: ما يوحي الله إليّ علم ما لا علم لي به، من نحو العلم بالملأ الأعلى واختصامهم في أمر آدم إذا أراد خلقه، إلا لأني إنما أنا نذير مبين؛"فإنما" على هذا التأويل في موضع خفض على قول من كان يرى أن مثل هذا الحرف الذي ذكرنا لا بد له من حرف خافض، فسواء إسقاط خافضه منه وإثباته. وإما على قول من رأى أن مثل هذا ينصب إذا أسقط منه الخافض، فإنه على مذهبه نصب، وقد بيَّنا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقد يتجه لهذا الكلام وجه آخر، وهو أن يكون معناه: ما يوحي الله إلى إنذاركم. وإذا وجه الكلام إلى هذا المعنى، كانت"أنما" في موضع رفع، لأن الكلام يصير حينئذ بمعنى: ما يوحى إلي إلا الإنذار. * * قوله ﴿إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يقول: إلا أني نذير لكم مبين لكم إلا إنذاركم. وقيل: إلا أنما أنا، ولم يقل: إلا أنما أنك، والخبر من محمد عن الله، لأن الوحْي قول، فصار في معنى الحكاية، كما يقال في الكلام: أخبروني أني مسيء، وأخبروني أنك مسيء بمعنى واحد، كما قال الشاعر: رَجُلانِ مِنْ ضَبَّةَ أخْبَرَانا ... أنَّا رأيْنا رَجُلا عُرْيانا [[هذا البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٢٨٢) قال: وقوله" إن يوحى إلى إلا أنما أنا نذير مبين": إن شئت جعلت" أنما" في موضع رفع (نائب فاعل بيوحى) كأنك قلت: ما يوحى إلي إلا الإنذار، وإن شئت جعلت المعنى: ما يوحى إلي لأني نبي ونذير. فإذا ألقيت اللام كان موضع" إنما" نصبا،ويكون في هذا الموضع ما يوحى إلي إلا أنك نذير مبين، لأن المعنى حكاية، كما تقول في الكلام: أخبروني أني مسيء، وأخبروني أنك مسيء. وهو كقوله:" رجلان من ضبة.... البيت". والمعنى: أخبرانا أنهما رأيا، فجاز ذلك لأن أصله الحكاية أهـ.]] بمعنى: أخبرانا أنهما رأيا، وجاز ذلك لأن الخبر أصله حكاية.

Al-Mukhtasar (français)

Allah ne me révèle ce qu’Il me révèle que pour vous avertir clairement de Son châtiment.

71

إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى خَٰلِقٌۢ بَشَرًۭا مِّن طِينٍۢ

Quand ton Seigneur dit aux Anges: «Je vais créer d'argile un être humain.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذِهِ الْقِصَّةُ ذَكَرَهَا اللَّهُ، تَعَالَى فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" وَفِي أَوَّلِ "الْأَعْرَافِ" وَفِي سُورَةِ "الْحِجْرِ" وَ [فِي] [[زيادة من ت.]] سُبْحَانَ" وَ "الْكَهْفِ"، وَهَاهُنَا وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ الْمَلَائِكَةَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالْأَمْرِ مَتَى فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ وَتَسْوِيَتِهِ فَلْيَسْجُدُوا لَهُ إِكْرَامًا وَإِعْظَامًا وَاحْتِرَامًا وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَامْتَثَلَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ ذَلِكَ سِوَى إِبْلِيسَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ جِنْسًا كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَخَانَهُ طَبْعُهُ وَجِبِلَّتُهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ فَاسْتَنْكَفَ [[في أ: "فاستأنف".]] عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ وَخَاصَمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ وَادَّعَى [[في ت: "فادعى".]] أنه خير من آدم فإنه مخلوق مِنْ نَارٍ وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ طِينٍ وَالنَّارُ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ فِي زَعْمِهِ. وَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ، وَكَفَرَ بِذَلِكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَرْغَمَ أَنْفَهُ وَطَرَدَهَ عَنْ [[في أ: "لم".]] بَابِ رَحْمَتِهِ وَمَحَلِّ أُنْسِهِ وَحَضْرَةِ قُدْسِهِ وَسَمَّاهُ "إِبْلِيسَ" إِعْلَامًا لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أبْلَس مِنَ الرَّحْمَةِ وَأَنْزَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ مَذْمُومًا مَدْحُورًا إِلَى الْأَرْضِ فَسَأَلَ اللَّهَ النَّظِرَةَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَأَنْظَرَهُ الْحَلِيمُ الَّذِي لَا يَعْجَل عَلَى مَنْ عَصَاهُ. فَلَمَّا أَمِنَ الْهَلَاكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَقَالَ: ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٢] وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُسْتَثْنَوْنَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ [[في أ: "الله عز وجل".]] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ. أَقُولُ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ بِرَفْعِ "الْحَقُّ" الْأَوْلَى [[في أ: "من".]] وَفَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَا الْحَقُّ، وَالْحَقُّ أَقُولُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْحَقُّ مِنِّي، وَأَقُولُ الْحَقَّ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِنَصْبِهِمَا. قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٣]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) ﴾ وقوله ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ من صلة قوله ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ وتأويل الكلام: ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون حين قال ربك يا محمد ﴿لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ يعني بذلك خلق آدم. * * وقوله ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ يقول تعالى ذكره: فإذا سويت خلقه، وعدلت صورته، ونفخت فيه من روحي، قيل: عني بذلك: ونفخت فيه من قُدرتي. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي روق، عن الضحاك ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ قال: من قدرتي. ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ يقول: فاسجدوا له وخِرّوا له سُجَّدا. * * وقوله ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: فلما سوّى الله خلق ذلك البشر، وهو آدم، ونفخ فيه من روحه، سجد له الملائكة كلهم أجمعون، يعني بذلك: الملائكة الذين هم في السموات والأرض. ﴿إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ﴾ يقول: غير إبليس، فإنه لم يسجد، استكبر عن السجود له تعظُّمًا وتكبرا (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) يقول: وكان بتعظُّمه ذلك، وتكبره على ربه ومعصيته أمره، ممن كفر في علم الله السابق، فجحد ربوبيته، وأنكر ما عليه الإقرار له به من الإذعان بالطاعة. كما:- ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: قال أبو بكر في: ﴿إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ قال: قال ابن عباس: كان في علم الله من الكافرين.

Al-Mukhtasar (français)

Rappelle-toi lorsque ton Seigneur dit aux anges: Je vais créer un être humain à partir d’argile. Il s’agit d’Adam.

72

فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَٰجِدِينَ

Quand Je l'aurai bien formé et lui aurai insufflé de Mon Esprit, jetez-vous devant lui, prosternés».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذِهِ الْقِصَّةُ ذَكَرَهَا اللَّهُ، تَعَالَى فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" وَفِي أَوَّلِ "الْأَعْرَافِ" وَفِي سُورَةِ "الْحِجْرِ" وَ [فِي] [[زيادة من ت.]] سُبْحَانَ" وَ "الْكَهْفِ"، وَهَاهُنَا وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ الْمَلَائِكَةَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالْأَمْرِ مَتَى فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ وَتَسْوِيَتِهِ فَلْيَسْجُدُوا لَهُ إِكْرَامًا وَإِعْظَامًا وَاحْتِرَامًا وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَامْتَثَلَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ ذَلِكَ سِوَى إِبْلِيسَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ جِنْسًا كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَخَانَهُ طَبْعُهُ وَجِبِلَّتُهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ فَاسْتَنْكَفَ [[في أ: "فاستأنف".]] عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ وَخَاصَمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ وَادَّعَى [[في ت: "فادعى".]] أنه خير من آدم فإنه مخلوق مِنْ نَارٍ وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ طِينٍ وَالنَّارُ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ فِي زَعْمِهِ. وَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ، وَكَفَرَ بِذَلِكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَرْغَمَ أَنْفَهُ وَطَرَدَهَ عَنْ [[في أ: "لم".]] بَابِ رَحْمَتِهِ وَمَحَلِّ أُنْسِهِ وَحَضْرَةِ قُدْسِهِ وَسَمَّاهُ "إِبْلِيسَ" إِعْلَامًا لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أبْلَس مِنَ الرَّحْمَةِ وَأَنْزَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ مَذْمُومًا مَدْحُورًا إِلَى الْأَرْضِ فَسَأَلَ اللَّهَ النَّظِرَةَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَأَنْظَرَهُ الْحَلِيمُ الَّذِي لَا يَعْجَل عَلَى مَنْ عَصَاهُ. فَلَمَّا أَمِنَ الْهَلَاكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَقَالَ: ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٢] وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُسْتَثْنَوْنَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ [[في أ: "الله عز وجل".]] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ. أَقُولُ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ بِرَفْعِ "الْحَقُّ" الْأَوْلَى [[في أ: "من".]] وَفَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَا الْحَقُّ، وَالْحَقُّ أَقُولُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْحَقُّ مِنِّي، وَأَقُولُ الْحَقَّ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِنَصْبِهِمَا. قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٣]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) ﴾ وقوله ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ من صلة قوله ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ وتأويل الكلام: ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون حين قال ربك يا محمد ﴿لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ يعني بذلك خلق آدم. * * وقوله ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ يقول تعالى ذكره: فإذا سويت خلقه، وعدلت صورته، ونفخت فيه من روحي، قيل: عني بذلك: ونفخت فيه من قُدرتي. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي روق، عن الضحاك ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ قال: من قدرتي. ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ يقول: فاسجدوا له وخِرّوا له سُجَّدا. * * وقوله ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: فلما سوّى الله خلق ذلك البشر، وهو آدم، ونفخ فيه من روحه، سجد له الملائكة كلهم أجمعون، يعني بذلك: الملائكة الذين هم في السموات والأرض. ﴿إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ﴾ يقول: غير إبليس، فإنه لم يسجد، استكبر عن السجود له تعظُّمًا وتكبرا (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) يقول: وكان بتعظُّمه ذلك، وتكبره على ربه ومعصيته أمره، ممن كفر في علم الله السابق، فجحد ربوبيته، وأنكر ما عليه الإقرار له به من الإذعان بالطاعة. كما:- ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: قال أبو بكر في: ﴿إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ قال: قال ابن عباس: كان في علم الله من الكافرين.

Al-Mukhtasar (français)

Lorsque J’aurai achevé sa création, l’aurai bien formé et lui aurai insufflé de Mon Esprit, prosternez-vous devant lui.

73

فَسَجَدَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ

Alors tous les Anges se prosternèrent,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذِهِ الْقِصَّةُ ذَكَرَهَا اللَّهُ، تَعَالَى فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" وَفِي أَوَّلِ "الْأَعْرَافِ" وَفِي سُورَةِ "الْحِجْرِ" وَ [فِي] [[زيادة من ت.]] سُبْحَانَ" وَ "الْكَهْفِ"، وَهَاهُنَا وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ الْمَلَائِكَةَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالْأَمْرِ مَتَى فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ وَتَسْوِيَتِهِ فَلْيَسْجُدُوا لَهُ إِكْرَامًا وَإِعْظَامًا وَاحْتِرَامًا وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَامْتَثَلَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ ذَلِكَ سِوَى إِبْلِيسَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ جِنْسًا كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَخَانَهُ طَبْعُهُ وَجِبِلَّتُهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ فَاسْتَنْكَفَ [[في أ: "فاستأنف".]] عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ وَخَاصَمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ وَادَّعَى [[في ت: "فادعى".]] أنه خير من آدم فإنه مخلوق مِنْ نَارٍ وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ طِينٍ وَالنَّارُ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ فِي زَعْمِهِ. وَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ، وَكَفَرَ بِذَلِكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَرْغَمَ أَنْفَهُ وَطَرَدَهَ عَنْ [[في أ: "لم".]] بَابِ رَحْمَتِهِ وَمَحَلِّ أُنْسِهِ وَحَضْرَةِ قُدْسِهِ وَسَمَّاهُ "إِبْلِيسَ" إِعْلَامًا لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أبْلَس مِنَ الرَّحْمَةِ وَأَنْزَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ مَذْمُومًا مَدْحُورًا إِلَى الْأَرْضِ فَسَأَلَ اللَّهَ النَّظِرَةَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَأَنْظَرَهُ الْحَلِيمُ الَّذِي لَا يَعْجَل عَلَى مَنْ عَصَاهُ. فَلَمَّا أَمِنَ الْهَلَاكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَقَالَ: ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٢] وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُسْتَثْنَوْنَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ [[في أ: "الله عز وجل".]] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ. أَقُولُ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ بِرَفْعِ "الْحَقُّ" الْأَوْلَى [[في أ: "من".]] وَفَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَا الْحَقُّ، وَالْحَقُّ أَقُولُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْحَقُّ مِنِّي، وَأَقُولُ الْحَقَّ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِنَصْبِهِمَا. قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٣]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) ﴾ وقوله ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ من صلة قوله ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ وتأويل الكلام: ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون حين قال ربك يا محمد ﴿لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ يعني بذلك خلق آدم. * * وقوله ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ يقول تعالى ذكره: فإذا سويت خلقه، وعدلت صورته، ونفخت فيه من روحي، قيل: عني بذلك: ونفخت فيه من قُدرتي. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي روق، عن الضحاك ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ قال: من قدرتي. ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ يقول: فاسجدوا له وخِرّوا له سُجَّدا. * * وقوله ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: فلما سوّى الله خلق ذلك البشر، وهو آدم، ونفخ فيه من روحه، سجد له الملائكة كلهم أجمعون، يعني بذلك: الملائكة الذين هم في السموات والأرض. ﴿إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ﴾ يقول: غير إبليس، فإنه لم يسجد، استكبر عن السجود له تعظُّمًا وتكبرا (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) يقول: وكان بتعظُّمه ذلك، وتكبره على ربه ومعصيته أمره، ممن كفر في علم الله السابق، فجحد ربوبيته، وأنكر ما عليه الإقرار له به من الإذعان بالطاعة. كما:- ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: قال أبو بكر في: ﴿إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ قال: قال ابن عباس: كان في علم الله من الكافرين.

Al-Mukhtasar (français)

Les anges obéirent tous sans exception à l’ordre de leur Seigneur et se prosternèrent en guise de respect à Adam.

74

إِلَّآ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ

à l'exception d'Iblîs qui s'enfla d'orgueil et fut du nombre des infidèles.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذِهِ الْقِصَّةُ ذَكَرَهَا اللَّهُ، تَعَالَى فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" وَفِي أَوَّلِ "الْأَعْرَافِ" وَفِي سُورَةِ "الْحِجْرِ" وَ [فِي] [[زيادة من ت.]] سُبْحَانَ" وَ "الْكَهْفِ"، وَهَاهُنَا وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ الْمَلَائِكَةَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالْأَمْرِ مَتَى فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ وَتَسْوِيَتِهِ فَلْيَسْجُدُوا لَهُ إِكْرَامًا وَإِعْظَامًا وَاحْتِرَامًا وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَامْتَثَلَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ ذَلِكَ سِوَى إِبْلِيسَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ جِنْسًا كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَخَانَهُ طَبْعُهُ وَجِبِلَّتُهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ فَاسْتَنْكَفَ [[في أ: "فاستأنف".]] عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ وَخَاصَمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ وَادَّعَى [[في ت: "فادعى".]] أنه خير من آدم فإنه مخلوق مِنْ نَارٍ وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ طِينٍ وَالنَّارُ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ فِي زَعْمِهِ. وَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ، وَكَفَرَ بِذَلِكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَرْغَمَ أَنْفَهُ وَطَرَدَهَ عَنْ [[في أ: "لم".]] بَابِ رَحْمَتِهِ وَمَحَلِّ أُنْسِهِ وَحَضْرَةِ قُدْسِهِ وَسَمَّاهُ "إِبْلِيسَ" إِعْلَامًا لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أبْلَس مِنَ الرَّحْمَةِ وَأَنْزَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ مَذْمُومًا مَدْحُورًا إِلَى الْأَرْضِ فَسَأَلَ اللَّهَ النَّظِرَةَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَأَنْظَرَهُ الْحَلِيمُ الَّذِي لَا يَعْجَل عَلَى مَنْ عَصَاهُ. فَلَمَّا أَمِنَ الْهَلَاكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَقَالَ: ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٢] وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُسْتَثْنَوْنَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ [[في أ: "الله عز وجل".]] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ. أَقُولُ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ بِرَفْعِ "الْحَقُّ" الْأَوْلَى [[في أ: "من".]] وَفَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَا الْحَقُّ، وَالْحَقُّ أَقُولُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْحَقُّ مِنِّي، وَأَقُولُ الْحَقَّ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِنَصْبِهِمَا. قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٣]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) ﴾ وقوله ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ من صلة قوله ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ وتأويل الكلام: ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون حين قال ربك يا محمد ﴿لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ يعني بذلك خلق آدم. * * وقوله ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ يقول تعالى ذكره: فإذا سويت خلقه، وعدلت صورته، ونفخت فيه من روحي، قيل: عني بذلك: ونفخت فيه من قُدرتي. ذكر من قال ذلك: ⁕ حُدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي روق، عن الضحاك ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ قال: من قدرتي. ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ يقول: فاسجدوا له وخِرّوا له سُجَّدا. * * وقوله ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: فلما سوّى الله خلق ذلك البشر، وهو آدم، ونفخ فيه من روحه، سجد له الملائكة كلهم أجمعون، يعني بذلك: الملائكة الذين هم في السموات والأرض. ﴿إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ﴾ يقول: غير إبليس، فإنه لم يسجد، استكبر عن السجود له تعظُّمًا وتكبرا (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) يقول: وكان بتعظُّمه ذلك، وتكبره على ربه ومعصيته أمره، ممن كفر في علم الله السابق، فجحد ربوبيته، وأنكر ما عليه الإقرار له به من الإذعان بالطاعة. كما:- ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: قال أبو بكر في: ﴿إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ قال: قال ابن عباس: كان في علم الله من الكافرين.

Al-Mukhtasar (français)

Seul `Iblîs dédaigna se prosterner et pour cette raison il devint mécréant.

75

قَالَ يَٰٓإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ

(Allah) lui dit: «O Iblîs, qui t'a empêché de te prosterner devant ce que J'ai créé de Mes mains? T'enfles-tu d'orgueil ou te considères-tu parmi les hauts placés?»

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذِهِ الْقِصَّةُ ذَكَرَهَا اللَّهُ، تَعَالَى فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" وَفِي أَوَّلِ "الْأَعْرَافِ" وَفِي سُورَةِ "الْحِجْرِ" وَ [فِي] [[زيادة من ت.]] سُبْحَانَ" وَ "الْكَهْفِ"، وَهَاهُنَا وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ الْمَلَائِكَةَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالْأَمْرِ مَتَى فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ وَتَسْوِيَتِهِ فَلْيَسْجُدُوا لَهُ إِكْرَامًا وَإِعْظَامًا وَاحْتِرَامًا وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَامْتَثَلَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ ذَلِكَ سِوَى إِبْلِيسَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ جِنْسًا كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَخَانَهُ طَبْعُهُ وَجِبِلَّتُهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ فَاسْتَنْكَفَ [[في أ: "فاستأنف".]] عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ وَخَاصَمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ وَادَّعَى [[في ت: "فادعى".]] أنه خير من آدم فإنه مخلوق مِنْ نَارٍ وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ طِينٍ وَالنَّارُ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ فِي زَعْمِهِ. وَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ، وَكَفَرَ بِذَلِكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَرْغَمَ أَنْفَهُ وَطَرَدَهَ عَنْ [[في أ: "لم".]] بَابِ رَحْمَتِهِ وَمَحَلِّ أُنْسِهِ وَحَضْرَةِ قُدْسِهِ وَسَمَّاهُ "إِبْلِيسَ" إِعْلَامًا لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أبْلَس مِنَ الرَّحْمَةِ وَأَنْزَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ مَذْمُومًا مَدْحُورًا إِلَى الْأَرْضِ فَسَأَلَ اللَّهَ النَّظِرَةَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَأَنْظَرَهُ الْحَلِيمُ الَّذِي لَا يَعْجَل عَلَى مَنْ عَصَاهُ. فَلَمَّا أَمِنَ الْهَلَاكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَقَالَ: ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٢] وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُسْتَثْنَوْنَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ [[في أ: "الله عز وجل".]] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ. أَقُولُ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ بِرَفْعِ "الْحَقُّ" الْأَوْلَى [[في أ: "من".]] وَفَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَا الْحَقُّ، وَالْحَقُّ أَقُولُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْحَقُّ مِنِّي، وَأَقُولُ الْحَقَّ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِنَصْبِهِمَا. قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٣]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَأَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿قَالَ﴾ الله لإبليس، إذ لم يسجد لآدم، وخالف أمره: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ يقول: أي شيء منعك من السجود ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ يقول: لخلق يديّ ؛ يخبر تعالى ذكره بذلك أنه خلق آدم بيديه. كما:- ⁕ حدثنا ابن المثني، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني عبيد المكتب، قال: سمعت مجاهدا يحدّث عن ابن عمر، قال: خلق الله أربعة بيده: العرش، وعَدْن، والقلم، وآدم، ثم قال لكلّ شيء كن فكان. * * وقوله ﴿أَسْتَكْبَرْت﴾ يقول لإبليس: تعظَّمت عن السجود لآدم، فتركت السجود له استكبارا عليه، ولم تكن من المتكبرين العالين قبل ذلك ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ يقول: أم كنت كذلك من قبل ذا علوّ وتكبُّر على ربك ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ يقول جل ثناؤه: قال إبليس لربه: فعلت ذلك فلم أسجد للذي أمرتني بالسجود له لأني خير منه وكنت خيرا لأنك خلقتني من نار وخلقته من طين، والنار تأكل الطين وتحرقه، فالنار خير منه، يقول: لم أفعل ذلك استكبارا عليك، ولا لأني كنت من العالين، ولكني فعلته من أجل أني أشرف منه؛ وهذا تقريع من الله للمشركين الذين كفروا بمحمد ﷺ، وأبوا الانقياد له، واتباع ما جاءهم به من عند الله استكبارا عن أن يكونوا تبعا لرجل منهم حين قالُوا: ﴿أَؤُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ و ﴿هَلْ هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فقصّ عليهم تعالى قصة إبليس وإهلاكه باستكباره عن السجود لآدم بدعواه أنه خير منه، من أجل أنه خلق من نار، وخلق آدم من طين، حتى صار شيطانا رجيما، وحقت عليه من الله لعنته، محذّرهم بذلك أن يستحقوا باستكبارهم على محمد، وتكذيبهم إياه فيما جاءهم به من عند الله حسدا، وتعظما من اللعن والسخط ما استحقه إبليس بتكبره عن السجود لآدم.

Al-Mukhtasar (français)

Allah dit: Ô `Iblîs, que t’a empêché de te prosterner devant Adam que J’ai créé de Mes mains? Est-ce de l’orgueil, te montrais-tu auparavant orgueilleux à l’égard de ton Seigneur?

76

قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍۢ

«Je suis meilleur que lui, dit [Iblîs,] Tu m'as créé de feu et tu l'as créé d'argile».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذِهِ الْقِصَّةُ ذَكَرَهَا اللَّهُ، تَعَالَى فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" وَفِي أَوَّلِ "الْأَعْرَافِ" وَفِي سُورَةِ "الْحِجْرِ" وَ [فِي] [[زيادة من ت.]] سُبْحَانَ" وَ "الْكَهْفِ"، وَهَاهُنَا وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ الْمَلَائِكَةَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالْأَمْرِ مَتَى فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ وَتَسْوِيَتِهِ فَلْيَسْجُدُوا لَهُ إِكْرَامًا وَإِعْظَامًا وَاحْتِرَامًا وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَامْتَثَلَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ ذَلِكَ سِوَى إِبْلِيسَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ جِنْسًا كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَخَانَهُ طَبْعُهُ وَجِبِلَّتُهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ فَاسْتَنْكَفَ [[في أ: "فاستأنف".]] عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ وَخَاصَمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ وَادَّعَى [[في ت: "فادعى".]] أنه خير من آدم فإنه مخلوق مِنْ نَارٍ وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ طِينٍ وَالنَّارُ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ فِي زَعْمِهِ. وَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ، وَكَفَرَ بِذَلِكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَرْغَمَ أَنْفَهُ وَطَرَدَهَ عَنْ [[في أ: "لم".]] بَابِ رَحْمَتِهِ وَمَحَلِّ أُنْسِهِ وَحَضْرَةِ قُدْسِهِ وَسَمَّاهُ "إِبْلِيسَ" إِعْلَامًا لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أبْلَس مِنَ الرَّحْمَةِ وَأَنْزَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ مَذْمُومًا مَدْحُورًا إِلَى الْأَرْضِ فَسَأَلَ اللَّهَ النَّظِرَةَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَأَنْظَرَهُ الْحَلِيمُ الَّذِي لَا يَعْجَل عَلَى مَنْ عَصَاهُ. فَلَمَّا أَمِنَ الْهَلَاكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَقَالَ: ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٢] وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُسْتَثْنَوْنَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ [[في أ: "الله عز وجل".]] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ. أَقُولُ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ بِرَفْعِ "الْحَقُّ" الْأَوْلَى [[في أ: "من".]] وَفَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَا الْحَقُّ، وَالْحَقُّ أَقُولُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْحَقُّ مِنِّي، وَأَقُولُ الْحَقَّ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِنَصْبِهِمَا. قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٣]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَأَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿قَالَ﴾ الله لإبليس، إذ لم يسجد لآدم، وخالف أمره: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ يقول: أي شيء منعك من السجود ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ يقول: لخلق يديّ ؛ يخبر تعالى ذكره بذلك أنه خلق آدم بيديه. كما:- ⁕ حدثنا ابن المثني، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني عبيد المكتب، قال: سمعت مجاهدا يحدّث عن ابن عمر، قال: خلق الله أربعة بيده: العرش، وعَدْن، والقلم، وآدم، ثم قال لكلّ شيء كن فكان. * * وقوله ﴿أَسْتَكْبَرْت﴾ يقول لإبليس: تعظَّمت عن السجود لآدم، فتركت السجود له استكبارا عليه، ولم تكن من المتكبرين العالين قبل ذلك ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ يقول: أم كنت كذلك من قبل ذا علوّ وتكبُّر على ربك ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ يقول جل ثناؤه: قال إبليس لربه: فعلت ذلك فلم أسجد للذي أمرتني بالسجود له لأني خير منه وكنت خيرا لأنك خلقتني من نار وخلقته من طين، والنار تأكل الطين وتحرقه، فالنار خير منه، يقول: لم أفعل ذلك استكبارا عليك، ولا لأني كنت من العالين، ولكني فعلته من أجل أني أشرف منه؛ وهذا تقريع من الله للمشركين الذين كفروا بمحمد ﷺ، وأبوا الانقياد له، واتباع ما جاءهم به من عند الله استكبارا عن أن يكونوا تبعا لرجل منهم حين قالُوا: ﴿أَؤُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ و ﴿هَلْ هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فقصّ عليهم تعالى قصة إبليس وإهلاكه باستكباره عن السجود لآدم بدعواه أنه خير منه، من أجل أنه خلق من نار، وخلق آدم من طين، حتى صار شيطانا رجيما، وحقت عليه من الله لعنته، محذّرهم بذلك أن يستحقوا باستكبارهم على محمد، وتكذيبهم إياه فيما جاءهم به من عند الله حسدا، وتعظما من اللعن والسخط ما استحقه إبليس بتكبره عن السجود لآدم.

Al-Mukhtasar (français)

`Iblîs répondit: Je suis meilleur qu’Adam car Tu m’as créé de feu alors que lui, Tu l’as créé d’argile. `Iblîs prétendait ainsi que le feu est un élément plus noble que l’argile.

77

قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌۭ

(Allah) dit: «Sors d'ici, te voilà banni;

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذِهِ الْقِصَّةُ ذَكَرَهَا اللَّهُ، تَعَالَى فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" وَفِي أَوَّلِ "الْأَعْرَافِ" وَفِي سُورَةِ "الْحِجْرِ" وَ [فِي] [[زيادة من ت.]] سُبْحَانَ" وَ "الْكَهْفِ"، وَهَاهُنَا وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ الْمَلَائِكَةَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالْأَمْرِ مَتَى فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ وَتَسْوِيَتِهِ فَلْيَسْجُدُوا لَهُ إِكْرَامًا وَإِعْظَامًا وَاحْتِرَامًا وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَامْتَثَلَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ ذَلِكَ سِوَى إِبْلِيسَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ جِنْسًا كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَخَانَهُ طَبْعُهُ وَجِبِلَّتُهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ فَاسْتَنْكَفَ [[في أ: "فاستأنف".]] عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ وَخَاصَمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ وَادَّعَى [[في ت: "فادعى".]] أنه خير من آدم فإنه مخلوق مِنْ نَارٍ وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ طِينٍ وَالنَّارُ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ فِي زَعْمِهِ. وَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ، وَكَفَرَ بِذَلِكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَرْغَمَ أَنْفَهُ وَطَرَدَهَ عَنْ [[في أ: "لم".]] بَابِ رَحْمَتِهِ وَمَحَلِّ أُنْسِهِ وَحَضْرَةِ قُدْسِهِ وَسَمَّاهُ "إِبْلِيسَ" إِعْلَامًا لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أبْلَس مِنَ الرَّحْمَةِ وَأَنْزَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ مَذْمُومًا مَدْحُورًا إِلَى الْأَرْضِ فَسَأَلَ اللَّهَ النَّظِرَةَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَأَنْظَرَهُ الْحَلِيمُ الَّذِي لَا يَعْجَل عَلَى مَنْ عَصَاهُ. فَلَمَّا أَمِنَ الْهَلَاكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَقَالَ: ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٢] وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُسْتَثْنَوْنَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ [[في أ: "الله عز وجل".]] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ. أَقُولُ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ بِرَفْعِ "الْحَقُّ" الْأَوْلَى [[في أ: "من".]] وَفَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَا الْحَقُّ، وَالْحَقُّ أَقُولُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْحَقُّ مِنِّي، وَأَقُولُ الْحَقَّ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِنَصْبِهِمَا. قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٣]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) ﴾ يقول تعالى ذكره لإبليس: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ يعني من الجنة ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ يقول: فإنك مرجوم بالقوم، مشتوم ملعون. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ قال: والرجيم: اللعين. ⁕ حُدثت عن المحاربيّ، عن جُوَيبر، عن الضحاك بمثله. * * وقوله ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ يقول: وإن لك طردي من الجنة ﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ يعني: إلى يوم مجازاة العباد ومحاسبتهم ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: قال إبليس لربه: ربّ فإذ لعنتني، وأخرجتني من جنتك ﴿فَأَنْظِرْنِي﴾ يقول: فأخرني في الأجل، ولا تهلكني ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يقول: إلى يوم تبعث خلقك من قبورهم.

Al-Mukhtasar (français)

Allah dit à `Iblîs: Sors du Paradis maudit et honni.

78

وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ

et sur toi sera ma malédiction jusqu'au jour de la Rétribution».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذِهِ الْقِصَّةُ ذَكَرَهَا اللَّهُ، تَعَالَى فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" وَفِي أَوَّلِ "الْأَعْرَافِ" وَفِي سُورَةِ "الْحِجْرِ" وَ [فِي] [[زيادة من ت.]] سُبْحَانَ" وَ "الْكَهْفِ"، وَهَاهُنَا وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ الْمَلَائِكَةَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالْأَمْرِ مَتَى فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ وَتَسْوِيَتِهِ فَلْيَسْجُدُوا لَهُ إِكْرَامًا وَإِعْظَامًا وَاحْتِرَامًا وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَامْتَثَلَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ ذَلِكَ سِوَى إِبْلِيسَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ جِنْسًا كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَخَانَهُ طَبْعُهُ وَجِبِلَّتُهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ فَاسْتَنْكَفَ [[في أ: "فاستأنف".]] عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ وَخَاصَمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ وَادَّعَى [[في ت: "فادعى".]] أنه خير من آدم فإنه مخلوق مِنْ نَارٍ وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ طِينٍ وَالنَّارُ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ فِي زَعْمِهِ. وَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ، وَكَفَرَ بِذَلِكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَرْغَمَ أَنْفَهُ وَطَرَدَهَ عَنْ [[في أ: "لم".]] بَابِ رَحْمَتِهِ وَمَحَلِّ أُنْسِهِ وَحَضْرَةِ قُدْسِهِ وَسَمَّاهُ "إِبْلِيسَ" إِعْلَامًا لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أبْلَس مِنَ الرَّحْمَةِ وَأَنْزَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ مَذْمُومًا مَدْحُورًا إِلَى الْأَرْضِ فَسَأَلَ اللَّهَ النَّظِرَةَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَأَنْظَرَهُ الْحَلِيمُ الَّذِي لَا يَعْجَل عَلَى مَنْ عَصَاهُ. فَلَمَّا أَمِنَ الْهَلَاكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَقَالَ: ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٢] وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُسْتَثْنَوْنَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ [[في أ: "الله عز وجل".]] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ. أَقُولُ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ بِرَفْعِ "الْحَقُّ" الْأَوْلَى [[في أ: "من".]] وَفَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَا الْحَقُّ، وَالْحَقُّ أَقُولُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْحَقُّ مِنِّي، وَأَقُولُ الْحَقَّ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِنَصْبِهِمَا. قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٣]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) ﴾ يقول تعالى ذكره لإبليس: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ يعني من الجنة ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ يقول: فإنك مرجوم بالقوم، مشتوم ملعون. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ قال: والرجيم: اللعين. ⁕ حُدثت عن المحاربيّ، عن جُوَيبر، عن الضحاك بمثله. * * وقوله ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ يقول: وإن لك طردي من الجنة ﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ يعني: إلى يوم مجازاة العباد ومحاسبتهم ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: قال إبليس لربه: ربّ فإذ لعنتني، وأخرجتني من جنتك ﴿فَأَنْظِرْنِي﴾ يقول: فأخرني في الأجل، ولا تهلكني ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يقول: إلى يوم تبعث خلقك من قبورهم.

Al-Mukhtasar (français)

Tu seras chassé du Paradis jusqu’au Jour de la Rétribution qui est le Jour de la Résurrection.

79

قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ

«Seigneur, dit [Iblîs], donne-moi donc un délai, jusqu'au jour où ils seront ressuscités».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذِهِ الْقِصَّةُ ذَكَرَهَا اللَّهُ، تَعَالَى فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" وَفِي أَوَّلِ "الْأَعْرَافِ" وَفِي سُورَةِ "الْحِجْرِ" وَ [فِي] [[زيادة من ت.]] سُبْحَانَ" وَ "الْكَهْفِ"، وَهَاهُنَا وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ الْمَلَائِكَةَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالْأَمْرِ مَتَى فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ وَتَسْوِيَتِهِ فَلْيَسْجُدُوا لَهُ إِكْرَامًا وَإِعْظَامًا وَاحْتِرَامًا وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَامْتَثَلَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ ذَلِكَ سِوَى إِبْلِيسَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ جِنْسًا كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَخَانَهُ طَبْعُهُ وَجِبِلَّتُهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ فَاسْتَنْكَفَ [[في أ: "فاستأنف".]] عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ وَخَاصَمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ وَادَّعَى [[في ت: "فادعى".]] أنه خير من آدم فإنه مخلوق مِنْ نَارٍ وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ طِينٍ وَالنَّارُ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ فِي زَعْمِهِ. وَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ، وَكَفَرَ بِذَلِكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَرْغَمَ أَنْفَهُ وَطَرَدَهَ عَنْ [[في أ: "لم".]] بَابِ رَحْمَتِهِ وَمَحَلِّ أُنْسِهِ وَحَضْرَةِ قُدْسِهِ وَسَمَّاهُ "إِبْلِيسَ" إِعْلَامًا لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أبْلَس مِنَ الرَّحْمَةِ وَأَنْزَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ مَذْمُومًا مَدْحُورًا إِلَى الْأَرْضِ فَسَأَلَ اللَّهَ النَّظِرَةَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَأَنْظَرَهُ الْحَلِيمُ الَّذِي لَا يَعْجَل عَلَى مَنْ عَصَاهُ. فَلَمَّا أَمِنَ الْهَلَاكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَقَالَ: ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٢] وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُسْتَثْنَوْنَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ [[في أ: "الله عز وجل".]] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ. أَقُولُ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ بِرَفْعِ "الْحَقُّ" الْأَوْلَى [[في أ: "من".]] وَفَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَا الْحَقُّ، وَالْحَقُّ أَقُولُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْحَقُّ مِنِّي، وَأَقُولُ الْحَقَّ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِنَصْبِهِمَا. قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٣]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) ﴾ يقول تعالى ذكره لإبليس: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ يعني من الجنة ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ يقول: فإنك مرجوم بالقوم، مشتوم ملعون. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ قال: والرجيم: اللعين. ⁕ حُدثت عن المحاربيّ، عن جُوَيبر، عن الضحاك بمثله. * * وقوله ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ يقول: وإن لك طردي من الجنة ﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ يعني: إلى يوم مجازاة العباد ومحاسبتهم ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: قال إبليس لربه: ربّ فإذ لعنتني، وأخرجتني من جنتك ﴿فَأَنْظِرْنِي﴾ يقول: فأخرني في الأجل، ولا تهلكني ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يقول: إلى يوم تبعث خلقك من قبورهم.

Al-Mukhtasar (français)

`Iblîs demanda ensuite à Allah: Accorde-moi un délai et ne me fais pas mourir jusqu’au jour où Tu ressusciteras Tes serviteurs.

80

قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ

(Allah) dit: «Tu es de ceux à qui un délai est accordé,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذِهِ الْقِصَّةُ ذَكَرَهَا اللَّهُ، تَعَالَى فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" وَفِي أَوَّلِ "الْأَعْرَافِ" وَفِي سُورَةِ "الْحِجْرِ" وَ [فِي] [[زيادة من ت.]] سُبْحَانَ" وَ "الْكَهْفِ"، وَهَاهُنَا وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ الْمَلَائِكَةَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالْأَمْرِ مَتَى فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ وَتَسْوِيَتِهِ فَلْيَسْجُدُوا لَهُ إِكْرَامًا وَإِعْظَامًا وَاحْتِرَامًا وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَامْتَثَلَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ ذَلِكَ سِوَى إِبْلِيسَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ جِنْسًا كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَخَانَهُ طَبْعُهُ وَجِبِلَّتُهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ فَاسْتَنْكَفَ [[في أ: "فاستأنف".]] عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ وَخَاصَمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ وَادَّعَى [[في ت: "فادعى".]] أنه خير من آدم فإنه مخلوق مِنْ نَارٍ وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ طِينٍ وَالنَّارُ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ فِي زَعْمِهِ. وَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ، وَكَفَرَ بِذَلِكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَرْغَمَ أَنْفَهُ وَطَرَدَهَ عَنْ [[في أ: "لم".]] بَابِ رَحْمَتِهِ وَمَحَلِّ أُنْسِهِ وَحَضْرَةِ قُدْسِهِ وَسَمَّاهُ "إِبْلِيسَ" إِعْلَامًا لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أبْلَس مِنَ الرَّحْمَةِ وَأَنْزَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ مَذْمُومًا مَدْحُورًا إِلَى الْأَرْضِ فَسَأَلَ اللَّهَ النَّظِرَةَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَأَنْظَرَهُ الْحَلِيمُ الَّذِي لَا يَعْجَل عَلَى مَنْ عَصَاهُ. فَلَمَّا أَمِنَ الْهَلَاكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَقَالَ: ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٢] وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُسْتَثْنَوْنَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ [[في أ: "الله عز وجل".]] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ. أَقُولُ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ بِرَفْعِ "الْحَقُّ" الْأَوْلَى [[في أ: "من".]] وَفَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَا الْحَقُّ، وَالْحَقُّ أَقُولُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْحَقُّ مِنِّي، وَأَقُولُ الْحَقَّ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِنَصْبِهِمَا. قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٣]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: قال الله لإبليس: فإنك ممن أنظرته إلى يوم الوقت المعلوم، وذلك الوقت الذي جعله الله أجلا لهلاكه. وقد بيَّنت وقت ذلك فيما مضى على اختلاف أهل العلم فيه، وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: قال إبليس: فبعزّتك: أي بقدرتك وسلطانك وقهرك ما دونك من خلقك ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يقول: لأضلَّنّ بني آدم أجمعين ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ يقول: إلا من أخلصته منهم لعبادتك، وعصمتَه من إضلالي، فلم تجعل لي عليه سبيلا فإني لا أقدر على إضلاله وإغوائه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال: علم عدوّ الله أنه ليست له عزّة.

Al-Mukhtasar (français)

Allah lui répondit: Ce délai t’est accordé.

81

إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ

jusqu'au jour de l'Instant bien Connu».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذِهِ الْقِصَّةُ ذَكَرَهَا اللَّهُ، تَعَالَى فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" وَفِي أَوَّلِ "الْأَعْرَافِ" وَفِي سُورَةِ "الْحِجْرِ" وَ [فِي] [[زيادة من ت.]] سُبْحَانَ" وَ "الْكَهْفِ"، وَهَاهُنَا وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ الْمَلَائِكَةَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالْأَمْرِ مَتَى فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ وَتَسْوِيَتِهِ فَلْيَسْجُدُوا لَهُ إِكْرَامًا وَإِعْظَامًا وَاحْتِرَامًا وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَامْتَثَلَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ ذَلِكَ سِوَى إِبْلِيسَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ جِنْسًا كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَخَانَهُ طَبْعُهُ وَجِبِلَّتُهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ فَاسْتَنْكَفَ [[في أ: "فاستأنف".]] عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ وَخَاصَمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ وَادَّعَى [[في ت: "فادعى".]] أنه خير من آدم فإنه مخلوق مِنْ نَارٍ وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ طِينٍ وَالنَّارُ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ فِي زَعْمِهِ. وَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ، وَكَفَرَ بِذَلِكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَرْغَمَ أَنْفَهُ وَطَرَدَهَ عَنْ [[في أ: "لم".]] بَابِ رَحْمَتِهِ وَمَحَلِّ أُنْسِهِ وَحَضْرَةِ قُدْسِهِ وَسَمَّاهُ "إِبْلِيسَ" إِعْلَامًا لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أبْلَس مِنَ الرَّحْمَةِ وَأَنْزَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ مَذْمُومًا مَدْحُورًا إِلَى الْأَرْضِ فَسَأَلَ اللَّهَ النَّظِرَةَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَأَنْظَرَهُ الْحَلِيمُ الَّذِي لَا يَعْجَل عَلَى مَنْ عَصَاهُ. فَلَمَّا أَمِنَ الْهَلَاكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَقَالَ: ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٢] وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُسْتَثْنَوْنَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ [[في أ: "الله عز وجل".]] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ. أَقُولُ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ بِرَفْعِ "الْحَقُّ" الْأَوْلَى [[في أ: "من".]] وَفَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَا الْحَقُّ، وَالْحَقُّ أَقُولُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْحَقُّ مِنِّي، وَأَقُولُ الْحَقَّ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِنَصْبِهِمَا. قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٣]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: قال الله لإبليس: فإنك ممن أنظرته إلى يوم الوقت المعلوم، وذلك الوقت الذي جعله الله أجلا لهلاكه. وقد بيَّنت وقت ذلك فيما مضى على اختلاف أهل العلم فيه، وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: قال إبليس: فبعزّتك: أي بقدرتك وسلطانك وقهرك ما دونك من خلقك ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يقول: لأضلَّنّ بني آدم أجمعين ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ يقول: إلا من أخلصته منهم لعبادتك، وعصمتَه من إضلالي، فلم تجعل لي عليه سبيلا فإني لا أقدر على إضلاله وإغوائه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال: علم عدوّ الله أنه ليست له عزّة.

Al-Mukhtasar (français)

Ton délai s’étendra jusqu’au jour de l’instant bien connu où tu connaîtras la mort.

82

قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ

«Par Ta puissance! dit [Satan]. Je les séduirai assurément tous,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذِهِ الْقِصَّةُ ذَكَرَهَا اللَّهُ، تَعَالَى فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" وَفِي أَوَّلِ "الْأَعْرَافِ" وَفِي سُورَةِ "الْحِجْرِ" وَ [فِي] [[زيادة من ت.]] سُبْحَانَ" وَ "الْكَهْفِ"، وَهَاهُنَا وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ الْمَلَائِكَةَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالْأَمْرِ مَتَى فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ وَتَسْوِيَتِهِ فَلْيَسْجُدُوا لَهُ إِكْرَامًا وَإِعْظَامًا وَاحْتِرَامًا وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَامْتَثَلَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ ذَلِكَ سِوَى إِبْلِيسَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ جِنْسًا كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَخَانَهُ طَبْعُهُ وَجِبِلَّتُهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ فَاسْتَنْكَفَ [[في أ: "فاستأنف".]] عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ وَخَاصَمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ وَادَّعَى [[في ت: "فادعى".]] أنه خير من آدم فإنه مخلوق مِنْ نَارٍ وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ طِينٍ وَالنَّارُ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ فِي زَعْمِهِ. وَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ، وَكَفَرَ بِذَلِكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَرْغَمَ أَنْفَهُ وَطَرَدَهَ عَنْ [[في أ: "لم".]] بَابِ رَحْمَتِهِ وَمَحَلِّ أُنْسِهِ وَحَضْرَةِ قُدْسِهِ وَسَمَّاهُ "إِبْلِيسَ" إِعْلَامًا لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أبْلَس مِنَ الرَّحْمَةِ وَأَنْزَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ مَذْمُومًا مَدْحُورًا إِلَى الْأَرْضِ فَسَأَلَ اللَّهَ النَّظِرَةَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَأَنْظَرَهُ الْحَلِيمُ الَّذِي لَا يَعْجَل عَلَى مَنْ عَصَاهُ. فَلَمَّا أَمِنَ الْهَلَاكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَقَالَ: ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٢] وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُسْتَثْنَوْنَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ [[في أ: "الله عز وجل".]] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ. أَقُولُ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ بِرَفْعِ "الْحَقُّ" الْأَوْلَى [[في أ: "من".]] وَفَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَا الْحَقُّ، وَالْحَقُّ أَقُولُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْحَقُّ مِنِّي، وَأَقُولُ الْحَقَّ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِنَصْبِهِمَا. قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٣]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: قال الله لإبليس: فإنك ممن أنظرته إلى يوم الوقت المعلوم، وذلك الوقت الذي جعله الله أجلا لهلاكه. وقد بيَّنت وقت ذلك فيما مضى على اختلاف أهل العلم فيه، وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: قال إبليس: فبعزّتك: أي بقدرتك وسلطانك وقهرك ما دونك من خلقك ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يقول: لأضلَّنّ بني آدم أجمعين ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ يقول: إلا من أخلصته منهم لعبادتك، وعصمتَه من إضلالي، فلم تجعل لي عليه سبيلا فإني لا أقدر على إضلاله وإغوائه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال: علم عدوّ الله أنه ليست له عزّة.

Al-Mukhtasar (français)

`Iblîs dit: Je fais le serment par Ton pouvoir et Ta domination que j’égarerai tous les descendants d’Adam.

83

إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ

sauf Tes serviteurs élus parmi eux».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذِهِ الْقِصَّةُ ذَكَرَهَا اللَّهُ، تَعَالَى فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" وَفِي أَوَّلِ "الْأَعْرَافِ" وَفِي سُورَةِ "الْحِجْرِ" وَ [فِي] [[زيادة من ت.]] سُبْحَانَ" وَ "الْكَهْفِ"، وَهَاهُنَا وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ الْمَلَائِكَةَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالْأَمْرِ مَتَى فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ وَتَسْوِيَتِهِ فَلْيَسْجُدُوا لَهُ إِكْرَامًا وَإِعْظَامًا وَاحْتِرَامًا وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَامْتَثَلَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ ذَلِكَ سِوَى إِبْلِيسَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ جِنْسًا كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَخَانَهُ طَبْعُهُ وَجِبِلَّتُهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ فَاسْتَنْكَفَ [[في أ: "فاستأنف".]] عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ وَخَاصَمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ وَادَّعَى [[في ت: "فادعى".]] أنه خير من آدم فإنه مخلوق مِنْ نَارٍ وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ طِينٍ وَالنَّارُ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ فِي زَعْمِهِ. وَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ، وَكَفَرَ بِذَلِكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَرْغَمَ أَنْفَهُ وَطَرَدَهَ عَنْ [[في أ: "لم".]] بَابِ رَحْمَتِهِ وَمَحَلِّ أُنْسِهِ وَحَضْرَةِ قُدْسِهِ وَسَمَّاهُ "إِبْلِيسَ" إِعْلَامًا لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أبْلَس مِنَ الرَّحْمَةِ وَأَنْزَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ مَذْمُومًا مَدْحُورًا إِلَى الْأَرْضِ فَسَأَلَ اللَّهَ النَّظِرَةَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَأَنْظَرَهُ الْحَلِيمُ الَّذِي لَا يَعْجَل عَلَى مَنْ عَصَاهُ. فَلَمَّا أَمِنَ الْهَلَاكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَقَالَ: ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٢] وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُسْتَثْنَوْنَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ [[في أ: "الله عز وجل".]] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ. أَقُولُ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ بِرَفْعِ "الْحَقُّ" الْأَوْلَى [[في أ: "من".]] وَفَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَا الْحَقُّ، وَالْحَقُّ أَقُولُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْحَقُّ مِنِّي، وَأَقُولُ الْحَقَّ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِنَصْبِهِمَا. قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٣]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: قال الله لإبليس: فإنك ممن أنظرته إلى يوم الوقت المعلوم، وذلك الوقت الذي جعله الله أجلا لهلاكه. وقد بيَّنت وقت ذلك فيما مضى على اختلاف أهل العلم فيه، وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: قال إبليس: فبعزّتك: أي بقدرتك وسلطانك وقهرك ما دونك من خلقك ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يقول: لأضلَّنّ بني آدم أجمعين ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ يقول: إلا من أخلصته منهم لعبادتك، وعصمتَه من إضلالي، فلم تجعل لي عليه سبيلا فإني لا أقدر على إضلاله وإغوائه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال: علم عدوّ الله أنه ليست له عزّة.

Al-Mukhtasar (français)

Excepté ceux que Tu auras préservés de mon égarement et que Tu as élus afin qu’ils T’adorent Seul.

84

قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ

(Allah) dit: «En vérité, et c'est la vérité que je dis,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذِهِ الْقِصَّةُ ذَكَرَهَا اللَّهُ، تَعَالَى فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" وَفِي أَوَّلِ "الْأَعْرَافِ" وَفِي سُورَةِ "الْحِجْرِ" وَ [فِي] [[زيادة من ت.]] سُبْحَانَ" وَ "الْكَهْفِ"، وَهَاهُنَا وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ الْمَلَائِكَةَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالْأَمْرِ مَتَى فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ وَتَسْوِيَتِهِ فَلْيَسْجُدُوا لَهُ إِكْرَامًا وَإِعْظَامًا وَاحْتِرَامًا وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَامْتَثَلَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ ذَلِكَ سِوَى إِبْلِيسَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ جِنْسًا كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَخَانَهُ طَبْعُهُ وَجِبِلَّتُهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ فَاسْتَنْكَفَ [[في أ: "فاستأنف".]] عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ وَخَاصَمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ وَادَّعَى [[في ت: "فادعى".]] أنه خير من آدم فإنه مخلوق مِنْ نَارٍ وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ طِينٍ وَالنَّارُ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ فِي زَعْمِهِ. وَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ، وَكَفَرَ بِذَلِكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَرْغَمَ أَنْفَهُ وَطَرَدَهَ عَنْ [[في أ: "لم".]] بَابِ رَحْمَتِهِ وَمَحَلِّ أُنْسِهِ وَحَضْرَةِ قُدْسِهِ وَسَمَّاهُ "إِبْلِيسَ" إِعْلَامًا لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أبْلَس مِنَ الرَّحْمَةِ وَأَنْزَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ مَذْمُومًا مَدْحُورًا إِلَى الْأَرْضِ فَسَأَلَ اللَّهَ النَّظِرَةَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَأَنْظَرَهُ الْحَلِيمُ الَّذِي لَا يَعْجَل عَلَى مَنْ عَصَاهُ. فَلَمَّا أَمِنَ الْهَلَاكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَقَالَ: ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٢] وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُسْتَثْنَوْنَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ [[في أ: "الله عز وجل".]] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ. أَقُولُ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ بِرَفْعِ "الْحَقُّ" الْأَوْلَى [[في أ: "من".]] وَفَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَا الْحَقُّ، وَالْحَقُّ أَقُولُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْحَقُّ مِنِّي، وَأَقُولُ الْحَقَّ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِنَصْبِهِمَا. قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٣]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ فقرأه بعض أهل الحجاز وعامة الكوفيين برفع الحقّ الأوّل، ونصب الثاني. وفي رفع الحقّ الأول إذا قرئ كذلك وجهان: أحدهما رفعه بضمير لله الحق، أو أنا الحق وأقول الحق. والثاني: أن يكون مرفوعا بتأويل قوله ﴿لأمْلأنَّ﴾ فيكون معنى الكلام حينئذ: فالحق أن أملأ جهنم منك، كما يقول: عزمة صادقة لآتينك، فرفع عزمة بتأويل لآتينك، لأن تأويله أن آتيك، كما قال: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ فلا بدّ لقوله ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ من مرفوع، وهو مضمر في المعنى. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض المكيين والكوفيين بنصب الحقّ الأوّل والثاني كليهما، بمعنى: حقا لأملأن جهنم والحقّ أقول، ثم أدخلت الألف واللام عليه، وهو منصوب، لأن دخولهما إذا كان كذلك معنى الكلام وخروجهما منه سواء، كما سواء قولهم: حمدا لله، والحمد لله عندهم إذا نصب. وقد يحتمل أن يكون نصبه على وجه الإغراء بمعنى: الزموا الحقّ، واتبعوا الحقّ، والأوّل أشبه لأنه خطاب من إلله لإبليس بما هو فاعل به وبتُبَّاعه. وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، فبأيتهما قرأ القاريّ فمصيب، لصحة معنييهما. وأما الحقّ الثاني، فلا اختلاف في نصبه بين قرّاء الأمصار كلهم، بمعنى: وأقول الحق. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن مجاهد، في قوله ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ يقول الله: أنا الحقُّ، والحقَّ أقول. ⁕ وحُدثت عن ابن أبي زائدة، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ يقول الله: الحقُّ مني، وأقول الحقَّ. ⁕ حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، قال: ثنا أبان بن تغلب، عن طلحة اليامي، عن مجاهد، أنه قرأها ﴿فَالحَقُّ﴾ بالرفع ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ نصبا وقال: يقول الله: أنا الحق، والحق أقول. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ قال: قسم أقسم الله به. * * وقوله ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ﴾ يقول لإبليس: لأملأن جهنم منك وممن تبعك من بني آدم أجمعين. * * وقوله ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لمشركي قومك، القائلين لك ﴿أَؤُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ : ما أسألكم على هذا الذكر وهو القرآن الذي أتيتكم به من عند الله أجرًا، يعني ثوابًا وجزاء ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ يقول: وما أنا ممن يتكلف تخرصه وافتراءه، فتقولون: ﴿إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ و ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ . كما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ قال: لا أسألكم على القرآن أجرا تعطوني شيئا، وما أنا من المتكلفين أتخرّص وأتكلف ما لم يأمرني الله به.

Al-Mukhtasar (français)

Allah dit: La vérité provient de Moi et Je dis la vérité, rien d’autre que la vérité.

85

لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ

J'emplirai certainement l'Enfer de toi et de tous ceux d'entre eux qui te suivront».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذِهِ الْقِصَّةُ ذَكَرَهَا اللَّهُ، تَعَالَى فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" وَفِي أَوَّلِ "الْأَعْرَافِ" وَفِي سُورَةِ "الْحِجْرِ" وَ [فِي] [[زيادة من ت.]] سُبْحَانَ" وَ "الْكَهْفِ"، وَهَاهُنَا وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ الْمَلَائِكَةَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالْأَمْرِ مَتَى فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ وَتَسْوِيَتِهِ فَلْيَسْجُدُوا لَهُ إِكْرَامًا وَإِعْظَامًا وَاحْتِرَامًا وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَامْتَثَلَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ ذَلِكَ سِوَى إِبْلِيسَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ جِنْسًا كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَخَانَهُ طَبْعُهُ وَجِبِلَّتُهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ فَاسْتَنْكَفَ [[في أ: "فاستأنف".]] عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ وَخَاصَمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ وَادَّعَى [[في ت: "فادعى".]] أنه خير من آدم فإنه مخلوق مِنْ نَارٍ وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ طِينٍ وَالنَّارُ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ فِي زَعْمِهِ. وَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ، وَكَفَرَ بِذَلِكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَرْغَمَ أَنْفَهُ وَطَرَدَهَ عَنْ [[في أ: "لم".]] بَابِ رَحْمَتِهِ وَمَحَلِّ أُنْسِهِ وَحَضْرَةِ قُدْسِهِ وَسَمَّاهُ "إِبْلِيسَ" إِعْلَامًا لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أبْلَس مِنَ الرَّحْمَةِ وَأَنْزَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ مَذْمُومًا مَدْحُورًا إِلَى الْأَرْضِ فَسَأَلَ اللَّهَ النَّظِرَةَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَأَنْظَرَهُ الْحَلِيمُ الَّذِي لَا يَعْجَل عَلَى مَنْ عَصَاهُ. فَلَمَّا أَمِنَ الْهَلَاكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَقَالَ: ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٢] وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُسْتَثْنَوْنَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ [[في أ: "الله عز وجل".]] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٥] * * وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ. أَقُولُ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ بِرَفْعِ "الْحَقُّ" الْأَوْلَى [[في أ: "من".]] وَفَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَا الْحَقُّ، وَالْحَقُّ أَقُولُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْحَقُّ مِنِّي، وَأَقُولُ الْحَقَّ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِنَصْبِهِمَا. قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٣]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ فقرأه بعض أهل الحجاز وعامة الكوفيين برفع الحقّ الأوّل، ونصب الثاني. وفي رفع الحقّ الأول إذا قرئ كذلك وجهان: أحدهما رفعه بضمير لله الحق، أو أنا الحق وأقول الحق. والثاني: أن يكون مرفوعا بتأويل قوله ﴿لأمْلأنَّ﴾ فيكون معنى الكلام حينئذ: فالحق أن أملأ جهنم منك، كما يقول: عزمة صادقة لآتينك، فرفع عزمة بتأويل لآتينك، لأن تأويله أن آتيك، كما قال: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ فلا بدّ لقوله ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ من مرفوع، وهو مضمر في المعنى. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض المكيين والكوفيين بنصب الحقّ الأوّل والثاني كليهما، بمعنى: حقا لأملأن جهنم والحقّ أقول، ثم أدخلت الألف واللام عليه، وهو منصوب، لأن دخولهما إذا كان كذلك معنى الكلام وخروجهما منه سواء، كما سواء قولهم: حمدا لله، والحمد لله عندهم إذا نصب. وقد يحتمل أن يكون نصبه على وجه الإغراء بمعنى: الزموا الحقّ، واتبعوا الحقّ، والأوّل أشبه لأنه خطاب من إلله لإبليس بما هو فاعل به وبتُبَّاعه. وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، فبأيتهما قرأ القاريّ فمصيب، لصحة معنييهما. وأما الحقّ الثاني، فلا اختلاف في نصبه بين قرّاء الأمصار كلهم، بمعنى: وأقول الحق. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن مجاهد، في قوله ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ يقول الله: أنا الحقُّ، والحقَّ أقول. ⁕ وحُدثت عن ابن أبي زائدة، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ يقول الله: الحقُّ مني، وأقول الحقَّ. ⁕ حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، قال: ثنا أبان بن تغلب، عن طلحة اليامي، عن مجاهد، أنه قرأها ﴿فَالحَقُّ﴾ بالرفع ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ نصبا وقال: يقول الله: أنا الحق، والحق أقول. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ قال: قسم أقسم الله به. * * وقوله ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ﴾ يقول لإبليس: لأملأن جهنم منك وممن تبعك من بني آدم أجمعين. * * وقوله ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لمشركي قومك، القائلين لك ﴿أَؤُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ : ما أسألكم على هذا الذكر وهو القرآن الذي أتيتكم به من عند الله أجرًا، يعني ثوابًا وجزاء ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ يقول: وما أنا ممن يتكلف تخرصه وافتراءه، فتقولون: ﴿إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ و ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ . كما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ قال: لا أسألكم على القرآن أجرا تعطوني شيئا، وما أنا من المتكلفين أتخرّص وأتكلف ما لم يأمرني الله به.

Al-Mukhtasar (français)

Le Jour de la Résurrection, J’emplirai l’Enfer de toi et de tous les descendants d’Adam qui t’auront suivi dans la mécréance.

86

قُلْ مَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍۢ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ

Dis: «Pour cela, je ne vous demande aucun salaire; et je ne suis pas un imposteur.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ: مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَى هَذَا الْبَلَاغِ وَهَذَا النُّصْحِ أَجْرًا تُعْطُونِيهِ مِنْ عَرَضِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ أَيْ: وَمَا أَزِيدُ عَلَى مَا أَرْسَلَنِي اللَّهُ بِهِ، وَلَا أَبْتَغِي زِيَادَةً عَلَيْهِ بَلْ مَا أُمِرْتُ بِهِ أَدَّيْتُهُ لَا أَزْيَدُ عَلَيْهِ وَلَا أَنْقَصُ مِنْهُ وَإِنَّمَا أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ. قَالَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنِ الْأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: أَتَيْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ وَمَنْ لَا [[في أ: "وهو".]] يَعْلَمُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّ من العلم أن يقول الرجل لما لا يَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّ اللَّهَ [[في أ: "الأول".]] قَالَ لِنَبِيِّكُمْ ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ أخرجاه [[في ت: "أخرجه البخاري ومسلم".]] من حديث الأعمش به [[صحيح البخاري برقم (٤٨٠٩) وصحيح مسلم برقم (٢٧٩٨) .]] وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنُ ذِكْرٌ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا قَيْسُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبير [[في ت: "بإسناده".]] ، عَنِ [[في ت: "إلى".]] ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: الْجِنُّ وَالْإِنْسُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٩] ، [وَكَقَوْلِهِ] [[زيادة من أ.]] ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هُودٍ: ١٧] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ أَيْ: خَبَرَهُ وَصِدْقَهُ ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أَيْ: عَنْ قَرِيبٍ. قَالَ قَتَادَةُ: بَعْدَ الْمَوْتِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ؛ فَإِنَّ مَنْ مَاتَ فَقَدْ [[في ت، س، أ: "قد".]] دَخَلَ فِي حُكْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ الْمَوْتِ يَأْتِيكَ الْخَبَرُ الْيَقِينُ. آخَرُ تَفْسِيرِ سورة "ص"، ولله الحمد والمنة.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ فقرأه بعض أهل الحجاز وعامة الكوفيين برفع الحقّ الأوّل، ونصب الثاني. وفي رفع الحقّ الأول إذا قرئ كذلك وجهان: أحدهما رفعه بضمير لله الحق، أو أنا الحق وأقول الحق. والثاني: أن يكون مرفوعا بتأويل قوله ﴿لأمْلأنَّ﴾ فيكون معنى الكلام حينئذ: فالحق أن أملأ جهنم منك، كما يقول: عزمة صادقة لآتينك، فرفع عزمة بتأويل لآتينك، لأن تأويله أن آتيك، كما قال: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ فلا بدّ لقوله ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ من مرفوع، وهو مضمر في المعنى. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض المكيين والكوفيين بنصب الحقّ الأوّل والثاني كليهما، بمعنى: حقا لأملأن جهنم والحقّ أقول، ثم أدخلت الألف واللام عليه، وهو منصوب، لأن دخولهما إذا كان كذلك معنى الكلام وخروجهما منه سواء، كما سواء قولهم: حمدا لله، والحمد لله عندهم إذا نصب. وقد يحتمل أن يكون نصبه على وجه الإغراء بمعنى: الزموا الحقّ، واتبعوا الحقّ، والأوّل أشبه لأنه خطاب من إلله لإبليس بما هو فاعل به وبتُبَّاعه. وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، فبأيتهما قرأ القاريّ فمصيب، لصحة معنييهما. وأما الحقّ الثاني، فلا اختلاف في نصبه بين قرّاء الأمصار كلهم، بمعنى: وأقول الحق. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن مجاهد، في قوله ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ يقول الله: أنا الحقُّ، والحقَّ أقول. ⁕ وحُدثت عن ابن أبي زائدة، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ يقول الله: الحقُّ مني، وأقول الحقَّ. ⁕ حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، قال: ثنا أبان بن تغلب، عن طلحة اليامي، عن مجاهد، أنه قرأها ﴿فَالحَقُّ﴾ بالرفع ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ نصبا وقال: يقول الله: أنا الحق، والحق أقول. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ قال: قسم أقسم الله به. * * وقوله ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ﴾ يقول لإبليس: لأملأن جهنم منك وممن تبعك من بني آدم أجمعين. * * وقوله ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لمشركي قومك، القائلين لك ﴿أَؤُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ : ما أسألكم على هذا الذكر وهو القرآن الذي أتيتكم به من عند الله أجرًا، يعني ثوابًا وجزاء ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ يقول: وما أنا ممن يتكلف تخرصه وافتراءه، فتقولون: ﴿إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ و ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ . كما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ قال: لا أسألكم على القرآن أجرا تعطوني شيئا، وما أنا من المتكلفين أتخرّص وأتكلف ما لم يأمرني الله به.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, dis à ces polythéistes: Je ne vous demande aucune rétribution pour les bons conseils que je vous transmets et je ne me permets pas d’ajouter à ce qui m’a été ordonné de transmettre

87

إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ لِّلْعَٰلَمِينَ

Ceci [le Coran] n'est qu'un rappel à l'univers.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ: مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَى هَذَا الْبَلَاغِ وَهَذَا النُّصْحِ أَجْرًا تُعْطُونِيهِ مِنْ عَرَضِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ أَيْ: وَمَا أَزِيدُ عَلَى مَا أَرْسَلَنِي اللَّهُ بِهِ، وَلَا أَبْتَغِي زِيَادَةً عَلَيْهِ بَلْ مَا أُمِرْتُ بِهِ أَدَّيْتُهُ لَا أَزْيَدُ عَلَيْهِ وَلَا أَنْقَصُ مِنْهُ وَإِنَّمَا أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ. قَالَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنِ الْأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: أَتَيْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ وَمَنْ لَا [[في أ: "وهو".]] يَعْلَمُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّ من العلم أن يقول الرجل لما لا يَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّ اللَّهَ [[في أ: "الأول".]] قَالَ لِنَبِيِّكُمْ ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ أخرجاه [[في ت: "أخرجه البخاري ومسلم".]] من حديث الأعمش به [[صحيح البخاري برقم (٤٨٠٩) وصحيح مسلم برقم (٢٧٩٨) .]] وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنُ ذِكْرٌ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا قَيْسُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبير [[في ت: "بإسناده".]] ، عَنِ [[في ت: "إلى".]] ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: الْجِنُّ وَالْإِنْسُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٩] ، [وَكَقَوْلِهِ] [[زيادة من أ.]] ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هُودٍ: ١٧] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ أَيْ: خَبَرَهُ وَصِدْقَهُ ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أَيْ: عَنْ قَرِيبٍ. قَالَ قَتَادَةُ: بَعْدَ الْمَوْتِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ؛ فَإِنَّ مَنْ مَاتَ فَقَدْ [[في ت، س، أ: "قد".]] دَخَلَ فِي حُكْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ الْمَوْتِ يَأْتِيكَ الْخَبَرُ الْيَقِينُ. آخَرُ تَفْسِيرِ سورة "ص"، ولله الحمد والمنة.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل لهؤلاء المشركين من قومك: ﴿إِنْ هُوَ﴾ يعني: ما هذا القرآن ﴿إِلا ذِكْرٌ﴾ يقول: إلا تذكير من الله ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ من الجنّ والإنس، ذكرهم ربهم إرادة استنقاذ من آمن به منهم من الهَلَكة. * * وقوله ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ يقول: ولتعلمن أيها المشركون بالله من قريش نبأه، يعني: نبأ هذا القرآن، وهو خبره، يعني حقيقة ما فيه من الوعد والوعيد بعد حين. وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ قال: صدق هذا الحديث نبأ ما كذّبوا به.، قيل: ﴿نَبَأَهُ﴾ حقيقة أمر محمد ﷺ أنه نبيّ. ثم اختلفوا في مدة الحين الذي ذكره الله في هذا الموضع: ما هي، وما نهايتها؟ فقال بعضهم: نهايتها الموت. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ : أي بعد الموت؛ وقال الحسن: يابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. وقال بعضهم: كانت نهايتها إلى يوم بدر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ قال: يوم بدر. وقال بعضهم: يوم القيامة. وقال بعضهم: نهايتها القيامة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ قال: يوم القيامة يعلمون نبأ ما كذبوا به بعد حين من الدنيا وهو يوم القيامة. وقرأ: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُون﴾ قال: وهذا أيضا الأخرة يستقرّ فيها الحقّ، ويبطل الباطل. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أعلم المشركين المكذبين بهذا القرآن أنهم يعلمون نبأه بعد حين من غير حد منه لذلك الحين بحد، وقد علم نبأه من أحيائهم الذين عاشوا إلى ظهور حقيقته، ووضوح صحته في الدنيا، ومنهم من علم حقيقة ذلك بهلاكه ببدر، وقبل ذلك، ولا حد عند العرب للحين، لا يُجاوز ولا يقصر عنه. فإذ كان ذلك كذلك فلا قول فيه أصح من أن يطلق كما أطلقه الله من غير حصر ذلك على وقت دون وقت. وبنحو الذين قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يعقوب ابن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: ثنا أيوب، قال: قال عكرمة: سُئِلْت عن رجل حلف أن لا يصنع كذا وكذا إلى حين، فقلت: إن من الحين حينا لا يُدرك، ومن الحين حين يدرك، فالحين الذي لا يُدرك قوله ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ والحين الذي يدرك قوله ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ وذلك من حين تُصْرَم النخلة إلى حين تُطْلِع، وذلك ستة أشهر. آخر تفسير سورة ص

Al-Mukhtasar (français)

Le Coran n’est qu’un rappel adressé aux humains et aux djinns juridiquement aptes [à assumer les charges de la religion].

88

وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعْدَ حِينٍۭ

Et certainement vous en aurez des nouvelles bientôt!»

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ: مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَى هَذَا الْبَلَاغِ وَهَذَا النُّصْحِ أَجْرًا تُعْطُونِيهِ مِنْ عَرَضِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ أَيْ: وَمَا أَزِيدُ عَلَى مَا أَرْسَلَنِي اللَّهُ بِهِ، وَلَا أَبْتَغِي زِيَادَةً عَلَيْهِ بَلْ مَا أُمِرْتُ بِهِ أَدَّيْتُهُ لَا أَزْيَدُ عَلَيْهِ وَلَا أَنْقَصُ مِنْهُ وَإِنَّمَا أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ. قَالَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنِ الْأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: أَتَيْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ وَمَنْ لَا [[في أ: "وهو".]] يَعْلَمُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّ من العلم أن يقول الرجل لما لا يَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّ اللَّهَ [[في أ: "الأول".]] قَالَ لِنَبِيِّكُمْ ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ أخرجاه [[في ت: "أخرجه البخاري ومسلم".]] من حديث الأعمش به [[صحيح البخاري برقم (٤٨٠٩) وصحيح مسلم برقم (٢٧٩٨) .]] وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنُ ذِكْرٌ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا قَيْسُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبير [[في ت: "بإسناده".]] ، عَنِ [[في ت: "إلى".]] ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: الْجِنُّ وَالْإِنْسُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٩] ، [وَكَقَوْلِهِ] [[زيادة من أ.]] ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هُودٍ: ١٧] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ أَيْ: خَبَرَهُ وَصِدْقَهُ ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أَيْ: عَنْ قَرِيبٍ. قَالَ قَتَادَةُ: بَعْدَ الْمَوْتِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ؛ فَإِنَّ مَنْ مَاتَ فَقَدْ [[في ت، س، أ: "قد".]] دَخَلَ فِي حُكْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ الْمَوْتِ يَأْتِيكَ الْخَبَرُ الْيَقِينُ. آخَرُ تَفْسِيرِ سورة "ص"، ولله الحمد والمنة.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل لهؤلاء المشركين من قومك: ﴿إِنْ هُوَ﴾ يعني: ما هذا القرآن ﴿إِلا ذِكْرٌ﴾ يقول: إلا تذكير من الله ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ من الجنّ والإنس، ذكرهم ربهم إرادة استنقاذ من آمن به منهم من الهَلَكة. * * وقوله ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ يقول: ولتعلمن أيها المشركون بالله من قريش نبأه، يعني: نبأ هذا القرآن، وهو خبره، يعني حقيقة ما فيه من الوعد والوعيد بعد حين. وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ قال: صدق هذا الحديث نبأ ما كذّبوا به.، قيل: ﴿نَبَأَهُ﴾ حقيقة أمر محمد ﷺ أنه نبيّ. ثم اختلفوا في مدة الحين الذي ذكره الله في هذا الموضع: ما هي، وما نهايتها؟ فقال بعضهم: نهايتها الموت. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ : أي بعد الموت؛ وقال الحسن: يابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. وقال بعضهم: كانت نهايتها إلى يوم بدر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ قال: يوم بدر. وقال بعضهم: يوم القيامة. وقال بعضهم: نهايتها القيامة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ قال: يوم القيامة يعلمون نبأ ما كذبوا به بعد حين من الدنيا وهو يوم القيامة. وقرأ: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُون﴾ قال: وهذا أيضا الأخرة يستقرّ فيها الحقّ، ويبطل الباطل. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أعلم المشركين المكذبين بهذا القرآن أنهم يعلمون نبأه بعد حين من غير حد منه لذلك الحين بحد، وقد علم نبأه من أحيائهم الذين عاشوا إلى ظهور حقيقته، ووضوح صحته في الدنيا، ومنهم من علم حقيقة ذلك بهلاكه ببدر، وقبل ذلك، ولا حد عند العرب للحين، لا يُجاوز ولا يقصر عنه. فإذ كان ذلك كذلك فلا قول فيه أصح من أن يطلق كما أطلقه الله من غير حصر ذلك على وقت دون وقت. وبنحو الذين قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يعقوب ابن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: ثنا أيوب، قال: قال عكرمة: سُئِلْت عن رجل حلف أن لا يصنع كذا وكذا إلى حين، فقلت: إن من الحين حينا لا يُدرك، ومن الحين حين يدرك، فالحين الذي لا يُدرك قوله ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ والحين الذي يدرك قوله ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ وذلك من حين تُصْرَم النخلة إلى حين تُطْلِع، وذلك ستة أشهر. آخر تفسير سورة ص

Al-Mukhtasar (français)

Vous vérifierez certainement la véracité de ce Coran dans peu de temps lorsque vous mourrez.

← Toutes les sourates