← Toutes les sourates

Ghafir سُورَةُ غَافِرٍ

Sourate 40 · 85 versets · Meccan

1

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ حمٓ

H'â, Mîm.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ غَافِرٍ [[في ت، س: "المؤمن".]] وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. قَدْ كَرِهَ بَعْضُ السَّلَفِ، مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أَنْ يُقَالَ: "الْحَوَامِيمُ" وَإِنَّمَا يُقَالُ: "آلُ حم". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "آلُ حم" دِيبَاجُ الْقُرْآنِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ لُبَابًا ولُبَاب الْقُرْآنِ "آلُ حم"-أَوْ قَالَ: الْحَوَامِيمُ. قَالَ مِسْعَر بْنُ كِدَام: كَانَ يُقَالُ لَهُنَّ: "الْعَرَائِسُ". رَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ الْإِمَامُ العَلم [[في أ: "العالم".]] أَبُو عُبيد الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِ: "فَضَائِلِ الْقُرْآنِ". [[فضائل القرآن (ص١٣٧، ١٣٨) .]] وَقَالَ حُميد بْنُ زَنْجويه: حَدَّثَنَا عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في ت: "عبد الله".]] قَالَ: إِنْ مَثَلَ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ انْطَلَقَ يَرْتَادُ لِأَهْلِهِ مَنْزِلًا فَمَرَّ بِأَثَرِ غَيْثٍ فَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ فِيهِ وَيَتَعَجَّبُ [مِنْهُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] ، إِذْ هَبَطَ عَلَى رَوْضَاتٍ دَمِثات فَقَالَ: عَجِبْتُ مِنَ الْغَيْثِ الْأَوَّلِ، فَهَذَا أَعْجَبُ وَأَعْجَبُ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ مَثَلَ الْغَيْثِ الْأَوَّلِ مَثَلُ عِظَم [[في أ: "عظيم".]] الْقُرْآنِ، وَإِنَّ مَثَلَ هَؤُلَاءِ الرَّوْضَاتِ الدَّمِثَاتِ، مَثَلُ آلِ حم فِي الْقُرْآنِ. أَوْرَدَهُ الْبَغَوِيُّ [[معالم التنزيل للبغوي (٧/١٣٤) .]] . وَقَالَ ابْنُ لَهِيعة عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ: أَنَّ الْجَرَّاحَ بْنَ أَبِي الْجِرَاحِ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لِكُلِّ شَيْءٍ لُبَابٌ، وَلُبَابُ الْقُرْآنِ الْحَوَامِيمُ [[رواه أبو عبيد في فضائل القرآن (ص١٣٧) والبغوي في تفسيره (٧/١٣٤) .]] . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا وَقعتُ فِي "آلِ حم" فَقَدْ وقعتُ فِي رَوْضَاتٍ أتأنَّق فِيهِنَّ [[رواه أبو عبيدة في فضائل القرآن (ص١٣٧) .]] . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ، حَدَّثَنَا مِسْعر -هُوَ ابْنُ كِدَام -عَمَّنْ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَجُلًا رَأَى أَبَا الدَّرْدَاءِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من ت، أ.]] يَبْنِي مَسْجِدًا، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: أَبْنِيهِ مِنْ أَجْلِ "آلِ حم" [[فضائل القرآن لأبي عبيد (ص١٣٧) .]] . وَقَدْ يَكُونُ هَذَا الْمَسْجِدُ الَّذِي بَنَاهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ هُوَ الْمَسْجِدُ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ دَاخِلَ قَلْعَةِ دِمَشْقَ. وَقَدْ يَكُونُ صِيَانَتُهَا وَحِفْظُهَا بِبِرْكَتِهِ وَبِرْكَةِ مَا وُضع لَهُ، فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَدُلُّ عَلَى النَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ [[في ت: "النبي".]] ﷺ لِأَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ: "إِنْ بَيّتم اللَّيْلَةَ فَقُولُوا: حم، لَا يُنْصَرُونَ" وَفِي رِوَايَةٍ: "لَا تُنْصَرُونَ" [[رواه الإمام أحمد في مسنده (٤/٦٥) وأبو داود في السنن برقم (٢٥٩٧) والترمذي في السنن برقم (١٦٨٢) عن المهلب بن أبي صفرة عمن سمع النبي صلى الله عليه وسلم.]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ ظَبْيان بْنِ خَلف الْمَازِنِيُّ، وَمُحَمَّدُ بن اللَّيْثِ الْهَمْدَانِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمَلِيكِيِّ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ مُصْعَبٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرة، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَأَوَّلَ حم الْمُؤْمِنِ، عُصِم ذَلِكَ الْيَوْمَ مَنْ كُلِّ سُوءٍ". ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُهُ يُروى إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُلَيْكِيِّ، وَقَالَ: تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٨٧٩) .]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * أَمَّا الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ "سُورَةِ الْبَقَرَةِ" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ﴿حم﴾ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ [[البين في تفسير الطبري (٢٤/٢٦) وفي صحيح البخاري (٨/٥٥٣) "فتح" منسوبا إلى شريح بن أوفى العبسي.]] يُذَكِّرُني حامِيمَ والرمحُ شَاجر ... فَهَلا تَلَا حَاميمَ قَبْل التَّقدُّمِ ... وَقَدْ وَرَدَ [[في أ: "روى".]] فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرة قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنْ بَيَّتم اللَّيْلَةَ فَقُولُوا: حم، لَا يُنْصَرُونَ" وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ [[سنن أبي داود برقم (٢٥٩٧) وسنن الترمذي برقم (١٦٨٢) .]] . وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنْ يُروى: "فَقُولُوا: حم، لَا يُنْصَرُوا" أَيْ: إِنْ قُلْتُمْ ذَلِكَ لَا يُنْصَرُوا، جَعَلَهُ جَزَاءً لِقَوْلِهِ: فَقُولُوا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أَيْ: تَنْزِيلُ هَذَا الْكِتَابِ -وَهُوَ الْقُرْآنُ-مِنَ اللَّهِ ذِي الْعِزَّةِ وَالْعِلْمِ، فَلَا يُرَامُ جَنَابُهُ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ الذَّرُّ وَإِنْ تَكَاثَفَ حِجَابُهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ أَيْ: يَغْفِرُ مَا سَلَفَ مِنَ الذَّنْبِ، وَيَقْبَلُ التَّوْبَةَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ وخَضَع لَدَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أَيْ: لِمَنْ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَعَتَا عَنْ [[في أ: "على".]] أَوَامِرِ اللَّهِ، وَبَغَى [وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ] [[زيادة من أ.]] . وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ﴾ [الْحِجْرِ: ٤٩،٥٠] يَقْرِنُ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ كَثِيرًا فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ؛ لِيَبْقَى الْعَبْدُ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: السَّعَةَ وَالْغِنَى. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ الأصم: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ يعني: الخير الكثير. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ ذِي الْمَنِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: [يَعْنِي] [[زيادة من ت.]] ذِي النِّعَمِ وَالْفَوَاضِلِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ الْمُتَفَضِّلُ عَلَى عِبَادِهِ، الْمُتَطَوِّلُ عَلَيْهِمْ بِمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْمِنَنِ وَالْأَنْعَامِ، الَّتِي لَا يُطِيقُونَ الْقِيَامَ بِشُكْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ] ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٤] [[زيادة من ت، وفي الأصل: "الآية".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أَيْ: لَا نَظِيرَ لَهُ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ، فَلَا إِلَهَ غَيْرَهُ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أَيِ: الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ، فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٤١] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ السَّبِيعي يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من ت، أ.]] فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي قَتَلْتُ، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَرَأَ عَلَيْهِ ﴿حم. تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ وَقَالَ: اعْمَلْ وَلَا تَيْأَسْ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ-وَابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٤/٢٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ الرِّقِّي، حَدَّثَنَا عُمَرُ -يَعْنِي ابْنَ أَيُّوبَ-أَخْبَرَنَا جَعْفَرِ بْنِ بَرْقان، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ [[في ت: "وروى أيضا بإسناده عن يزيد بن الأصم".]] قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ذُو بَأْسٍ، وَكَانَ يَفِدُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من ت.]] ، فَفَقَدَهُ عُمَرُ فَقَالَ: مَا فَعَلَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ؟ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، يُتَابِعُ فِي هَذَا الشَّرَابِ. قَالَ: فَدَعَا عُمَرُ كَاتِبَهُ، فَقَالَ: اكْتُبْ: "مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، [أَمَّا بَعْدُ] [[زيادة من أ.]] : فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، غَافِرُ الذَّنْبِ وَقَابِلُ التوب، شديد العقاب، ذي الطول، لا إله إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ". ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: ادْعُوَا اللَّهَ لِأَخِيكُمْ أَنْ يُقْبِل بِقَلْبِهِ، وَأَنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ [[في س، أ: "أن يقبل بقلبه ويتوب عليه".]] . فَلَمَّا بَلَغَ الرَّجُلَ كتابُ عُمَرَ جَعْلَ يَقْرَؤُهُ وَيُرَدِّدُهُ، وَيَقُولُ: غَافِرُ الذَّنْبِ وَقَابِلُ التَّوْبِ شَدِيدُ الْعِقَابِ، قَدْ حَذَّرَنِي عُقُوبَتَهُ وَوَعَدَنِي أَنْ يَغْفِرَ لِي. وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، وَزَادَ: "فَلَمْ يَزَلْ يُرَدّدها عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ بَكَى ثُمَّ نَزَعَ فَأَحْسَنَ النَّزْعَ فَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] خبرهُ قَالَ: هَكَذَا فَاصْنَعُوا، إِذَا رَأَيْتُمْ أَخَاكُمْ زَلَّ زلَّة فَسَدِّدُوهُ وَوَفِّقُوهُ، وَادْعُوا اللَّهَ لَهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ، وَلَا تَكُونُوا أَعْوَانًا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ [[حلية الأولياء (٤/٩٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّة [[في أ: "ابن أبي شيبة".]] ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ وَاقِدٍ -أَبُو عُمَر الصَّفَّارُ-، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي سَوَادِ الْكُوفَةِ، فَدَخَلْتُ حَائِطًا أَصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَافْتَتَحْتُ: ﴿حم﴾ الْمُؤْمِنِ، حَتَّى بَلَغْتُ: ﴿لَا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ فَإِذَا رَجُلٌ خَلْفِي عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ عَلَيْهِ مُقَطَّعات يَمَنِيَّةٌ فَقَالَ: إِذَا قُلْتَ: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ فَقُلْ: "يَا غَافِرَ الذنب، اغفر لي ذنبي". وَإِذَا قُلْتَ: ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ ، فَقُلْ: "يَا قَابِلَ التَّوْبِ، اقْبَلْ تَوْبَتِي". وَإِذَا قُلْتَ: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ، فَقُلْ: "يَا شَدِيدَ الْعِقَابِ، لَا تُعَاقِبْنِي". قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، فَخَرَجْتُ إِلَى الْبَابِ فَقُلْتُ: مَرّ بِكُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ مُقَطَّعَاتٌ يَمَنِيَّةٌ؟ قَالُوا: مَا رَأَيْنَا أَحَدًا فَكَانُوا يُرَون أَنَّهُ إِلْيَاسُ. ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنْ ثَابِتٍ، بِنَحْوِهِ. وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ إِلْيَاسَ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) ﴾ اختلف أهل التأويل فى معنى قوله ﴿حم﴾ فقال بعضهم: هو حروف مقطعة من اسم الله الذي هو الرحمن الرحيم، وهو الحاء والميم منه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عبد لله بن أحمد بن شبُّويه المَروزي، قال: ثنا عليّ بن الحسن، قال: ثني أبي، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: الر، وحم، ون، حروف الرحمن مقطعة. وقال آخرون: هو قسم أقسمه الله، وهو اسم من أسماء الله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال: ﴿حم﴾ : قسم أقسمه الله، وهو اسم من أسماء الله. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿حم﴾ : من حروف أسماء الله. وقال آخرون: يل هو اسم من أسماء القرآن. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿حم﴾ قال: اسم من أسماء القرآن. وقال آخرون: هو حروف هجاء. وقال آخرون: بل هو اسم، واحتجوا لقولهم ذلك بقول شريح بن أوفى العبسي: يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ ... فَهَلا تَلا حم قَبْلَ التَّقَدُّمِ [[البيت لشريح بن أوفى العبسي، كما قال أبو عبيد في مجاز القرآن (٢١٧ ب) وكما في (اللسان: حمم) وقال: وأنشده غير أبي عبيد للأشتر النخعي. وقال: قال ابن مسعود:" آل حاميم" ديباج القرآن. قال الفراء: هو كقولك آل فلان وآل فلان. وقال الجوهري: أما قول العامة" الحواميم" فليس من كلام العرب. قال أبو عبيد:" الحواميم": سور في القرآن، على غير قياس، وأنشد: وبالطواسين التي قد ثلثت ... وبالحواميم التي قد سبعت قال: والأولى أن تجمع" بذوات حاميم". وأنشد أبو عبيد في" حاميم" لشريح بن أوفى العبسي:" يذكرني حاميم ... البيت" قال: وأنشده غيره للأشتر النخعي. والضمير في" يذكرني": هو لمحمد بن طلحة، وقتله الأشتر أو شريح. (أي في يوم الجمل) اهـ.]] ويقول الكُمَيت: وَجَدْنَا لَكُمْ فِي آلِ حامِيمَ آيَةً ... تَأوَّلَهَا مِنَّا تَقِيٌّ وَمُعْرِبُ [[البيت للكميت بن زيد الأسدي" مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢١٨ - ١) وديوانه طبعه الموسوعات بالقاهرة ١٨. وآل حاميم وذوات حاميم: السور التي أولها" حم" نص الحريري في درة الغواص، على أنه يقال: آل حاميم، وذوات حاميم، وآل طسم، ولا يقال: حواميم ولا طواسيم. اهـ. والآية هي هي قوله تعالى في سورة الشورى:" قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى". وفي سورة الأحزاب من آل حاميم:" إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا". والتقي: الساكت عن التفضيل، والمعرب: الناطق به، رواية البيت في مجاز القرآن: وجدنا لكم في حم آية ... وفي غيرها آي، وأي يعرب ثنا قال: قال يونس: من قال بهذا القول، فهو منكر عليه، لأن السورة" حم" ساكنة الحروف، فخرجت مخرج حروف التهجي وهذه أسماء سور خرجن متحركات؛ وإذا سميت سورة بشيء من هذه الأحرف (كذا) ، دخلها الإعراب. اهـ. وقول المؤلف: يعني الجرمي: نبهنا عليه فيما مضى، لأن الجرمي اسمه صالح بن إسحاق أبو عمر.]] ⁕ وحُدثت عن معمر بن المثنى أنه قال: قال يونس، يعني الجرمي: ومن قال هذا القول فهو منكَر عليه، لأن السورة ﴿حم﴾ ساكنة الحروف، فخرجت مخرج التهجي، وهذه أسماء سور خرجت متحركات، وإذا سميت سورة بشيء من هذه الأحرف المجزومة دخله الإعراب. والقول في ذلك عندي نظير القول في أخواتها، وقد بيَّنا ذلك، في قوله: ﴿الم﴾ ، ففي ذلك كفاية عن إعادته في هذا الموضع، إذ كان القول في حم، وجميع ما جاء في القرآن على هذا الوجه، أعني حروف التهجي قولا واحدا. * * وقوله: ﴿تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ يقول الله تعالى ذكره: من الله العزيز في انتقامه من أعدائه، العليم يما يعملون من الأعمال وغيرها تنزيل هذا الكتاب؛ فالتنزيل مرفوع بقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ . وفي قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ وجهان ؛ أحدهما: أن يكون بمعنى يغفر ذنوب العباد، وإذا أريد هذا المعنى، كان خفض غافر وقابل من وجهين، أحدهما من نية تكرير"من"، فيكون معنى الكلام حينئذ: تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، من غافر الذنب، وقابل التوب، لأن غافر الذنب نكرة، وليس بالأفصح أن يكون نعتا للمعرفة، وهو نكرة، والآخر أن يكون أجرى في إعرابه، وهو نكرة على إعراب الأول كالنعت له، لوقوعه بينه وبين قوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ وهو معرفة.. وقد يجوز أن يكون أتبع إعرابه وهو نكرة إعراب الأول، إذ كان مدحا، وكان المدح يتبع إعرابه ما قبله أحيانا، ويعدل به عن إعراب الأول أحيانا بالنصب والرفع كما قال الشاعر: لا يَبْعَدَنْ قَوْمي الَّذِينَ همُ ... سُمُّ العُدَاةِ وآفَةُ الجُزُرِ النَّازِلينَ بِكُلّ مُعْتَركٍ ... والطَّيِّبِينَ مَعَاقِدَ الأزُر [[البيتان لخرنق بنت هفان من قصيدة رثت بها زوجها بشر بن عمرو بن مرثد الضبعي، وابنها علقمة بن بشر وجماعة من قومها قتلوا في معركة (خزاية الأدب الكبرى للبغدادي ٢: ٣٠٦) ومحل الشاهد في البيتين أنه يجوز قطع نعت المعرفة بالواو، فقولها: والطيبون نعت مقطوع بالواو من قومي، للمدح والتعظيم، يجعله خبر مبتدأ محذوف، أي هم الطيبون. وقوله" النازلين": مقطوع فالنصب، مع أنه نعت لقومي المرفوع. وإنما نصب بفعل مقدر أي أمدح أو أعني، أو نحوهما، واستشهد بهما المؤلف (الطبري) على أن قوله تعالى:" غافر الذنب" نعت للفظ" الله" المجرور بمن، ويجوز في هذا النعت الجر على الإتباع، كما يجوز فيه القطع بالنصب، بتقدير فعل: أي أخص غافر الذنب، أو بالرفع، بتقدير مبتدإ: أي هو غافر الذنب.]] وكما قال جلّ ثناؤه ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ فرفع فعال وهو نكرة محضة، وأتبع إعراب الغفور الودود؛ والآخر: أن يكون معناه: أن ذلك من صفته تعالى، إذ كان لم يزل لذنوب العباد غفورا من قبل نزول هذه الآية وفي حال نزولها، ومن بعد ذلك، فيكون عند ذلك معرفة صحيحة ونعتا على الصحة. وقال: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ ولم يقل الذنوب، لأنه أريد به الفعل، وأما قوله: ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ فإن التوب قد يكون جمع توبة، كما يجمع الدَّومة دَوما والعَومة عَوما من عومة السفينة، كما قال الشاعر: عَوْمَ السَّفِينَ فَلَمَّا حالَ دُونَهُمُ [[هذا صدر بيت لم نعرف قائله، ولا عجزه. استشهد به المؤلف على أن التوب في قوله تعالى:" قابل التوب": قد يكون جمع توبة كما يجمع الدومة دوما، والعومة عوما، من عوم السفينة.]] وقد يكون مصدر تاب يتوب توبا. ⁕ وقد حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، قال: جاء رجل إلى عمر، فقال: إني قتلت، فهل لي من توبة؟ قال: نعم، اعمل ولا تيأس، ثم قرأ: ﴿حم تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ . * * وقوله: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ يقول تعالى ذكره: شديد عقابه لمن عاقبه من أهل العصيان له، فلا تتكلوا على سعة رحمته، ولكن كونوا منه على حذر، باجتناب معاصيه، وأداء فرائضه، فإنه كما أن لا يؤيس أهل الإجرام والآثام من عفوه، وقبول توبة من تاب منهم من جرمه، كذلك لا يؤمنهم من عقابه وانتقامه منهم بما استحلوا من محارمه، وركبوا من معاصيه. * * وقوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ يقول: ذي الفضل والنعم المبسوطة على من شاء من خلقه؛ يقال منه: إن فلانا لذو طول على أصحابه، إذا كان ذا فضل عليهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ يقول: ذي السعة والغنى. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ الغنى. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ : أي ذي النعم. وقال بعضهم: الطول: القدرة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فى قوله ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ قال: الطول القدرة، ذاك الطول. * * وقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ يقول: لا معبود تصلح له العبادة إلا الله العزيز العليم، الذي صفته ما وصف جلّ ثناؤه، فلا تعبدوا شيئا سواه ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ يقول تعالى ذكره: إلى الله مصيركم ومرجعكم أيها الناس، فإياه فاعبدوا، فإنه لا ينفعكم شيء عبدتموه عند ذلك سواه.

Al-Mukhtasar (français)

Ħâ, Mîm: Il a déjà été question de telles lettres séparées au début de Sourate Al-Baqarah.

2

تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ

La révélation du Livre vient d'Allah, le Puissant, l'Omniscient.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ غَافِرٍ [[في ت، س: "المؤمن".]] وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. قَدْ كَرِهَ بَعْضُ السَّلَفِ، مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أَنْ يُقَالَ: "الْحَوَامِيمُ" وَإِنَّمَا يُقَالُ: "آلُ حم". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "آلُ حم" دِيبَاجُ الْقُرْآنِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ لُبَابًا ولُبَاب الْقُرْآنِ "آلُ حم"-أَوْ قَالَ: الْحَوَامِيمُ. قَالَ مِسْعَر بْنُ كِدَام: كَانَ يُقَالُ لَهُنَّ: "الْعَرَائِسُ". رَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ الْإِمَامُ العَلم [[في أ: "العالم".]] أَبُو عُبيد الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِ: "فَضَائِلِ الْقُرْآنِ". [[فضائل القرآن (ص١٣٧، ١٣٨) .]] وَقَالَ حُميد بْنُ زَنْجويه: حَدَّثَنَا عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في ت: "عبد الله".]] قَالَ: إِنْ مَثَلَ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ انْطَلَقَ يَرْتَادُ لِأَهْلِهِ مَنْزِلًا فَمَرَّ بِأَثَرِ غَيْثٍ فَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ فِيهِ وَيَتَعَجَّبُ [مِنْهُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] ، إِذْ هَبَطَ عَلَى رَوْضَاتٍ دَمِثات فَقَالَ: عَجِبْتُ مِنَ الْغَيْثِ الْأَوَّلِ، فَهَذَا أَعْجَبُ وَأَعْجَبُ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ مَثَلَ الْغَيْثِ الْأَوَّلِ مَثَلُ عِظَم [[في أ: "عظيم".]] الْقُرْآنِ، وَإِنَّ مَثَلَ هَؤُلَاءِ الرَّوْضَاتِ الدَّمِثَاتِ، مَثَلُ آلِ حم فِي الْقُرْآنِ. أَوْرَدَهُ الْبَغَوِيُّ [[معالم التنزيل للبغوي (٧/١٣٤) .]] . وَقَالَ ابْنُ لَهِيعة عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ: أَنَّ الْجَرَّاحَ بْنَ أَبِي الْجِرَاحِ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لِكُلِّ شَيْءٍ لُبَابٌ، وَلُبَابُ الْقُرْآنِ الْحَوَامِيمُ [[رواه أبو عبيد في فضائل القرآن (ص١٣٧) والبغوي في تفسيره (٧/١٣٤) .]] . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا وَقعتُ فِي "آلِ حم" فَقَدْ وقعتُ فِي رَوْضَاتٍ أتأنَّق فِيهِنَّ [[رواه أبو عبيدة في فضائل القرآن (ص١٣٧) .]] . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ، حَدَّثَنَا مِسْعر -هُوَ ابْنُ كِدَام -عَمَّنْ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَجُلًا رَأَى أَبَا الدَّرْدَاءِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من ت، أ.]] يَبْنِي مَسْجِدًا، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: أَبْنِيهِ مِنْ أَجْلِ "آلِ حم" [[فضائل القرآن لأبي عبيد (ص١٣٧) .]] . وَقَدْ يَكُونُ هَذَا الْمَسْجِدُ الَّذِي بَنَاهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ هُوَ الْمَسْجِدُ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ دَاخِلَ قَلْعَةِ دِمَشْقَ. وَقَدْ يَكُونُ صِيَانَتُهَا وَحِفْظُهَا بِبِرْكَتِهِ وَبِرْكَةِ مَا وُضع لَهُ، فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَدُلُّ عَلَى النَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ [[في ت: "النبي".]] ﷺ لِأَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ: "إِنْ بَيّتم اللَّيْلَةَ فَقُولُوا: حم، لَا يُنْصَرُونَ" وَفِي رِوَايَةٍ: "لَا تُنْصَرُونَ" [[رواه الإمام أحمد في مسنده (٤/٦٥) وأبو داود في السنن برقم (٢٥٩٧) والترمذي في السنن برقم (١٦٨٢) عن المهلب بن أبي صفرة عمن سمع النبي صلى الله عليه وسلم.]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ ظَبْيان بْنِ خَلف الْمَازِنِيُّ، وَمُحَمَّدُ بن اللَّيْثِ الْهَمْدَانِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمَلِيكِيِّ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ مُصْعَبٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرة، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَأَوَّلَ حم الْمُؤْمِنِ، عُصِم ذَلِكَ الْيَوْمَ مَنْ كُلِّ سُوءٍ". ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُهُ يُروى إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُلَيْكِيِّ، وَقَالَ: تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٨٧٩) .]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * أَمَّا الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ "سُورَةِ الْبَقَرَةِ" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ﴿حم﴾ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ [[البين في تفسير الطبري (٢٤/٢٦) وفي صحيح البخاري (٨/٥٥٣) "فتح" منسوبا إلى شريح بن أوفى العبسي.]] يُذَكِّرُني حامِيمَ والرمحُ شَاجر ... فَهَلا تَلَا حَاميمَ قَبْل التَّقدُّمِ ... وَقَدْ وَرَدَ [[في أ: "روى".]] فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرة قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنْ بَيَّتم اللَّيْلَةَ فَقُولُوا: حم، لَا يُنْصَرُونَ" وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ [[سنن أبي داود برقم (٢٥٩٧) وسنن الترمذي برقم (١٦٨٢) .]] . وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنْ يُروى: "فَقُولُوا: حم، لَا يُنْصَرُوا" أَيْ: إِنْ قُلْتُمْ ذَلِكَ لَا يُنْصَرُوا، جَعَلَهُ جَزَاءً لِقَوْلِهِ: فَقُولُوا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أَيْ: تَنْزِيلُ هَذَا الْكِتَابِ -وَهُوَ الْقُرْآنُ-مِنَ اللَّهِ ذِي الْعِزَّةِ وَالْعِلْمِ، فَلَا يُرَامُ جَنَابُهُ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ الذَّرُّ وَإِنْ تَكَاثَفَ حِجَابُهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ أَيْ: يَغْفِرُ مَا سَلَفَ مِنَ الذَّنْبِ، وَيَقْبَلُ التَّوْبَةَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ وخَضَع لَدَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أَيْ: لِمَنْ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَعَتَا عَنْ [[في أ: "على".]] أَوَامِرِ اللَّهِ، وَبَغَى [وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ] [[زيادة من أ.]] . وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ﴾ [الْحِجْرِ: ٤٩،٥٠] يَقْرِنُ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ كَثِيرًا فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ؛ لِيَبْقَى الْعَبْدُ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: السَّعَةَ وَالْغِنَى. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ الأصم: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ يعني: الخير الكثير. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ ذِي الْمَنِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: [يَعْنِي] [[زيادة من ت.]] ذِي النِّعَمِ وَالْفَوَاضِلِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ الْمُتَفَضِّلُ عَلَى عِبَادِهِ، الْمُتَطَوِّلُ عَلَيْهِمْ بِمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْمِنَنِ وَالْأَنْعَامِ، الَّتِي لَا يُطِيقُونَ الْقِيَامَ بِشُكْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ] ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٤] [[زيادة من ت، وفي الأصل: "الآية".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أَيْ: لَا نَظِيرَ لَهُ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ، فَلَا إِلَهَ غَيْرَهُ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أَيِ: الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ، فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٤١] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ السَّبِيعي يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من ت، أ.]] فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي قَتَلْتُ، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَرَأَ عَلَيْهِ ﴿حم. تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ وَقَالَ: اعْمَلْ وَلَا تَيْأَسْ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ-وَابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٤/٢٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ الرِّقِّي، حَدَّثَنَا عُمَرُ -يَعْنِي ابْنَ أَيُّوبَ-أَخْبَرَنَا جَعْفَرِ بْنِ بَرْقان، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ [[في ت: "وروى أيضا بإسناده عن يزيد بن الأصم".]] قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ذُو بَأْسٍ، وَكَانَ يَفِدُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من ت.]] ، فَفَقَدَهُ عُمَرُ فَقَالَ: مَا فَعَلَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ؟ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، يُتَابِعُ فِي هَذَا الشَّرَابِ. قَالَ: فَدَعَا عُمَرُ كَاتِبَهُ، فَقَالَ: اكْتُبْ: "مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، [أَمَّا بَعْدُ] [[زيادة من أ.]] : فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، غَافِرُ الذَّنْبِ وَقَابِلُ التوب، شديد العقاب، ذي الطول، لا إله إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ". ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: ادْعُوَا اللَّهَ لِأَخِيكُمْ أَنْ يُقْبِل بِقَلْبِهِ، وَأَنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ [[في س، أ: "أن يقبل بقلبه ويتوب عليه".]] . فَلَمَّا بَلَغَ الرَّجُلَ كتابُ عُمَرَ جَعْلَ يَقْرَؤُهُ وَيُرَدِّدُهُ، وَيَقُولُ: غَافِرُ الذَّنْبِ وَقَابِلُ التَّوْبِ شَدِيدُ الْعِقَابِ، قَدْ حَذَّرَنِي عُقُوبَتَهُ وَوَعَدَنِي أَنْ يَغْفِرَ لِي. وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، وَزَادَ: "فَلَمْ يَزَلْ يُرَدّدها عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ بَكَى ثُمَّ نَزَعَ فَأَحْسَنَ النَّزْعَ فَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] خبرهُ قَالَ: هَكَذَا فَاصْنَعُوا، إِذَا رَأَيْتُمْ أَخَاكُمْ زَلَّ زلَّة فَسَدِّدُوهُ وَوَفِّقُوهُ، وَادْعُوا اللَّهَ لَهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ، وَلَا تَكُونُوا أَعْوَانًا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ [[حلية الأولياء (٤/٩٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّة [[في أ: "ابن أبي شيبة".]] ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ وَاقِدٍ -أَبُو عُمَر الصَّفَّارُ-، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي سَوَادِ الْكُوفَةِ، فَدَخَلْتُ حَائِطًا أَصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَافْتَتَحْتُ: ﴿حم﴾ الْمُؤْمِنِ، حَتَّى بَلَغْتُ: ﴿لَا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ فَإِذَا رَجُلٌ خَلْفِي عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ عَلَيْهِ مُقَطَّعات يَمَنِيَّةٌ فَقَالَ: إِذَا قُلْتَ: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ فَقُلْ: "يَا غَافِرَ الذنب، اغفر لي ذنبي". وَإِذَا قُلْتَ: ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ ، فَقُلْ: "يَا قَابِلَ التَّوْبِ، اقْبَلْ تَوْبَتِي". وَإِذَا قُلْتَ: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ، فَقُلْ: "يَا شَدِيدَ الْعِقَابِ، لَا تُعَاقِبْنِي". قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، فَخَرَجْتُ إِلَى الْبَابِ فَقُلْتُ: مَرّ بِكُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ مُقَطَّعَاتٌ يَمَنِيَّةٌ؟ قَالُوا: مَا رَأَيْنَا أَحَدًا فَكَانُوا يُرَون أَنَّهُ إِلْيَاسُ. ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنْ ثَابِتٍ، بِنَحْوِهِ. وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ إِلْيَاسَ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) ﴾ اختلف أهل التأويل فى معنى قوله ﴿حم﴾ فقال بعضهم: هو حروف مقطعة من اسم الله الذي هو الرحمن الرحيم، وهو الحاء والميم منه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عبد لله بن أحمد بن شبُّويه المَروزي، قال: ثنا عليّ بن الحسن، قال: ثني أبي، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: الر، وحم، ون، حروف الرحمن مقطعة. وقال آخرون: هو قسم أقسمه الله، وهو اسم من أسماء الله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال: ﴿حم﴾ : قسم أقسمه الله، وهو اسم من أسماء الله. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿حم﴾ : من حروف أسماء الله. وقال آخرون: يل هو اسم من أسماء القرآن. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿حم﴾ قال: اسم من أسماء القرآن. وقال آخرون: هو حروف هجاء. وقال آخرون: بل هو اسم، واحتجوا لقولهم ذلك بقول شريح بن أوفى العبسي: يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ ... فَهَلا تَلا حم قَبْلَ التَّقَدُّمِ [[البيت لشريح بن أوفى العبسي، كما قال أبو عبيد في مجاز القرآن (٢١٧ ب) وكما في (اللسان: حمم) وقال: وأنشده غير أبي عبيد للأشتر النخعي. وقال: قال ابن مسعود:" آل حاميم" ديباج القرآن. قال الفراء: هو كقولك آل فلان وآل فلان. وقال الجوهري: أما قول العامة" الحواميم" فليس من كلام العرب. قال أبو عبيد:" الحواميم": سور في القرآن، على غير قياس، وأنشد: وبالطواسين التي قد ثلثت ... وبالحواميم التي قد سبعت قال: والأولى أن تجمع" بذوات حاميم". وأنشد أبو عبيد في" حاميم" لشريح بن أوفى العبسي:" يذكرني حاميم ... البيت" قال: وأنشده غيره للأشتر النخعي. والضمير في" يذكرني": هو لمحمد بن طلحة، وقتله الأشتر أو شريح. (أي في يوم الجمل) اهـ.]] ويقول الكُمَيت: وَجَدْنَا لَكُمْ فِي آلِ حامِيمَ آيَةً ... تَأوَّلَهَا مِنَّا تَقِيٌّ وَمُعْرِبُ [[البيت للكميت بن زيد الأسدي" مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢١٨ - ١) وديوانه طبعه الموسوعات بالقاهرة ١٨. وآل حاميم وذوات حاميم: السور التي أولها" حم" نص الحريري في درة الغواص، على أنه يقال: آل حاميم، وذوات حاميم، وآل طسم، ولا يقال: حواميم ولا طواسيم. اهـ. والآية هي هي قوله تعالى في سورة الشورى:" قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى". وفي سورة الأحزاب من آل حاميم:" إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا". والتقي: الساكت عن التفضيل، والمعرب: الناطق به، رواية البيت في مجاز القرآن: وجدنا لكم في حم آية ... وفي غيرها آي، وأي يعرب ثنا قال: قال يونس: من قال بهذا القول، فهو منكر عليه، لأن السورة" حم" ساكنة الحروف، فخرجت مخرج حروف التهجي وهذه أسماء سور خرجن متحركات؛ وإذا سميت سورة بشيء من هذه الأحرف (كذا) ، دخلها الإعراب. اهـ. وقول المؤلف: يعني الجرمي: نبهنا عليه فيما مضى، لأن الجرمي اسمه صالح بن إسحاق أبو عمر.]] ⁕ وحُدثت عن معمر بن المثنى أنه قال: قال يونس، يعني الجرمي: ومن قال هذا القول فهو منكَر عليه، لأن السورة ﴿حم﴾ ساكنة الحروف، فخرجت مخرج التهجي، وهذه أسماء سور خرجت متحركات، وإذا سميت سورة بشيء من هذه الأحرف المجزومة دخله الإعراب. والقول في ذلك عندي نظير القول في أخواتها، وقد بيَّنا ذلك، في قوله: ﴿الم﴾ ، ففي ذلك كفاية عن إعادته في هذا الموضع، إذ كان القول في حم، وجميع ما جاء في القرآن على هذا الوجه، أعني حروف التهجي قولا واحدا. * * وقوله: ﴿تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ يقول الله تعالى ذكره: من الله العزيز في انتقامه من أعدائه، العليم يما يعملون من الأعمال وغيرها تنزيل هذا الكتاب؛ فالتنزيل مرفوع بقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ . وفي قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ وجهان ؛ أحدهما: أن يكون بمعنى يغفر ذنوب العباد، وإذا أريد هذا المعنى، كان خفض غافر وقابل من وجهين، أحدهما من نية تكرير"من"، فيكون معنى الكلام حينئذ: تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، من غافر الذنب، وقابل التوب، لأن غافر الذنب نكرة، وليس بالأفصح أن يكون نعتا للمعرفة، وهو نكرة، والآخر أن يكون أجرى في إعرابه، وهو نكرة على إعراب الأول كالنعت له، لوقوعه بينه وبين قوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ وهو معرفة.. وقد يجوز أن يكون أتبع إعرابه وهو نكرة إعراب الأول، إذ كان مدحا، وكان المدح يتبع إعرابه ما قبله أحيانا، ويعدل به عن إعراب الأول أحيانا بالنصب والرفع كما قال الشاعر: لا يَبْعَدَنْ قَوْمي الَّذِينَ همُ ... سُمُّ العُدَاةِ وآفَةُ الجُزُرِ النَّازِلينَ بِكُلّ مُعْتَركٍ ... والطَّيِّبِينَ مَعَاقِدَ الأزُر [[البيتان لخرنق بنت هفان من قصيدة رثت بها زوجها بشر بن عمرو بن مرثد الضبعي، وابنها علقمة بن بشر وجماعة من قومها قتلوا في معركة (خزاية الأدب الكبرى للبغدادي ٢: ٣٠٦) ومحل الشاهد في البيتين أنه يجوز قطع نعت المعرفة بالواو، فقولها: والطيبون نعت مقطوع بالواو من قومي، للمدح والتعظيم، يجعله خبر مبتدأ محذوف، أي هم الطيبون. وقوله" النازلين": مقطوع فالنصب، مع أنه نعت لقومي المرفوع. وإنما نصب بفعل مقدر أي أمدح أو أعني، أو نحوهما، واستشهد بهما المؤلف (الطبري) على أن قوله تعالى:" غافر الذنب" نعت للفظ" الله" المجرور بمن، ويجوز في هذا النعت الجر على الإتباع، كما يجوز فيه القطع بالنصب، بتقدير فعل: أي أخص غافر الذنب، أو بالرفع، بتقدير مبتدإ: أي هو غافر الذنب.]] وكما قال جلّ ثناؤه ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ فرفع فعال وهو نكرة محضة، وأتبع إعراب الغفور الودود؛ والآخر: أن يكون معناه: أن ذلك من صفته تعالى، إذ كان لم يزل لذنوب العباد غفورا من قبل نزول هذه الآية وفي حال نزولها، ومن بعد ذلك، فيكون عند ذلك معرفة صحيحة ونعتا على الصحة. وقال: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ ولم يقل الذنوب، لأنه أريد به الفعل، وأما قوله: ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ فإن التوب قد يكون جمع توبة، كما يجمع الدَّومة دَوما والعَومة عَوما من عومة السفينة، كما قال الشاعر: عَوْمَ السَّفِينَ فَلَمَّا حالَ دُونَهُمُ [[هذا صدر بيت لم نعرف قائله، ولا عجزه. استشهد به المؤلف على أن التوب في قوله تعالى:" قابل التوب": قد يكون جمع توبة كما يجمع الدومة دوما، والعومة عوما، من عوم السفينة.]] وقد يكون مصدر تاب يتوب توبا. ⁕ وقد حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، قال: جاء رجل إلى عمر، فقال: إني قتلت، فهل لي من توبة؟ قال: نعم، اعمل ولا تيأس، ثم قرأ: ﴿حم تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ . * * وقوله: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ يقول تعالى ذكره: شديد عقابه لمن عاقبه من أهل العصيان له، فلا تتكلوا على سعة رحمته، ولكن كونوا منه على حذر، باجتناب معاصيه، وأداء فرائضه، فإنه كما أن لا يؤيس أهل الإجرام والآثام من عفوه، وقبول توبة من تاب منهم من جرمه، كذلك لا يؤمنهم من عقابه وانتقامه منهم بما استحلوا من محارمه، وركبوا من معاصيه. * * وقوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ يقول: ذي الفضل والنعم المبسوطة على من شاء من خلقه؛ يقال منه: إن فلانا لذو طول على أصحابه، إذا كان ذا فضل عليهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ يقول: ذي السعة والغنى. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ الغنى. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ : أي ذي النعم. وقال بعضهم: الطول: القدرة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فى قوله ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ قال: الطول القدرة، ذاك الطول. * * وقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ يقول: لا معبود تصلح له العبادة إلا الله العزيز العليم، الذي صفته ما وصف جلّ ثناؤه، فلا تعبدوا شيئا سواه ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ يقول تعالى ذكره: إلى الله مصيركم ومرجعكم أيها الناس، فإياه فاعبدوا، فإنه لا ينفعكم شيء عبدتموه عند ذلك سواه.

Al-Mukhtasar (français)

Ceci est la Révélation du Coran qu’Allah a fait descendre sur Son Messager Muħammad, le Puissant à qui personne ne tient tête et Celui qui connaît le mieux les intérêts de Ses serviteurs.

3

غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ

Le Pardonneur des péchés, l'Accueillant au repentir, le Dur en punition, le Détenteur des faveurs. Point de divinité à part Lui et vers Lui est la destination.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ غَافِرٍ [[في ت، س: "المؤمن".]] وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. قَدْ كَرِهَ بَعْضُ السَّلَفِ، مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أَنْ يُقَالَ: "الْحَوَامِيمُ" وَإِنَّمَا يُقَالُ: "آلُ حم". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "آلُ حم" دِيبَاجُ الْقُرْآنِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ لُبَابًا ولُبَاب الْقُرْآنِ "آلُ حم"-أَوْ قَالَ: الْحَوَامِيمُ. قَالَ مِسْعَر بْنُ كِدَام: كَانَ يُقَالُ لَهُنَّ: "الْعَرَائِسُ". رَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ الْإِمَامُ العَلم [[في أ: "العالم".]] أَبُو عُبيد الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِ: "فَضَائِلِ الْقُرْآنِ". [[فضائل القرآن (ص١٣٧، ١٣٨) .]] وَقَالَ حُميد بْنُ زَنْجويه: حَدَّثَنَا عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في ت: "عبد الله".]] قَالَ: إِنْ مَثَلَ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ انْطَلَقَ يَرْتَادُ لِأَهْلِهِ مَنْزِلًا فَمَرَّ بِأَثَرِ غَيْثٍ فَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ فِيهِ وَيَتَعَجَّبُ [مِنْهُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] ، إِذْ هَبَطَ عَلَى رَوْضَاتٍ دَمِثات فَقَالَ: عَجِبْتُ مِنَ الْغَيْثِ الْأَوَّلِ، فَهَذَا أَعْجَبُ وَأَعْجَبُ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ مَثَلَ الْغَيْثِ الْأَوَّلِ مَثَلُ عِظَم [[في أ: "عظيم".]] الْقُرْآنِ، وَإِنَّ مَثَلَ هَؤُلَاءِ الرَّوْضَاتِ الدَّمِثَاتِ، مَثَلُ آلِ حم فِي الْقُرْآنِ. أَوْرَدَهُ الْبَغَوِيُّ [[معالم التنزيل للبغوي (٧/١٣٤) .]] . وَقَالَ ابْنُ لَهِيعة عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ: أَنَّ الْجَرَّاحَ بْنَ أَبِي الْجِرَاحِ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لِكُلِّ شَيْءٍ لُبَابٌ، وَلُبَابُ الْقُرْآنِ الْحَوَامِيمُ [[رواه أبو عبيد في فضائل القرآن (ص١٣٧) والبغوي في تفسيره (٧/١٣٤) .]] . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا وَقعتُ فِي "آلِ حم" فَقَدْ وقعتُ فِي رَوْضَاتٍ أتأنَّق فِيهِنَّ [[رواه أبو عبيدة في فضائل القرآن (ص١٣٧) .]] . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ، حَدَّثَنَا مِسْعر -هُوَ ابْنُ كِدَام -عَمَّنْ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَجُلًا رَأَى أَبَا الدَّرْدَاءِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من ت، أ.]] يَبْنِي مَسْجِدًا، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: أَبْنِيهِ مِنْ أَجْلِ "آلِ حم" [[فضائل القرآن لأبي عبيد (ص١٣٧) .]] . وَقَدْ يَكُونُ هَذَا الْمَسْجِدُ الَّذِي بَنَاهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ هُوَ الْمَسْجِدُ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ دَاخِلَ قَلْعَةِ دِمَشْقَ. وَقَدْ يَكُونُ صِيَانَتُهَا وَحِفْظُهَا بِبِرْكَتِهِ وَبِرْكَةِ مَا وُضع لَهُ، فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَدُلُّ عَلَى النَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ [[في ت: "النبي".]] ﷺ لِأَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ: "إِنْ بَيّتم اللَّيْلَةَ فَقُولُوا: حم، لَا يُنْصَرُونَ" وَفِي رِوَايَةٍ: "لَا تُنْصَرُونَ" [[رواه الإمام أحمد في مسنده (٤/٦٥) وأبو داود في السنن برقم (٢٥٩٧) والترمذي في السنن برقم (١٦٨٢) عن المهلب بن أبي صفرة عمن سمع النبي صلى الله عليه وسلم.]] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ ظَبْيان بْنِ خَلف الْمَازِنِيُّ، وَمُحَمَّدُ بن اللَّيْثِ الْهَمْدَانِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمَلِيكِيِّ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ مُصْعَبٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرة، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَأَوَّلَ حم الْمُؤْمِنِ، عُصِم ذَلِكَ الْيَوْمَ مَنْ كُلِّ سُوءٍ". ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُهُ يُروى إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُلَيْكِيِّ، وَقَالَ: تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٨٧٩) .]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * أَمَّا الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ "سُورَةِ الْبَقَرَةِ" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ﴿حم﴾ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ [[البين في تفسير الطبري (٢٤/٢٦) وفي صحيح البخاري (٨/٥٥٣) "فتح" منسوبا إلى شريح بن أوفى العبسي.]] يُذَكِّرُني حامِيمَ والرمحُ شَاجر ... فَهَلا تَلَا حَاميمَ قَبْل التَّقدُّمِ ... وَقَدْ وَرَدَ [[في أ: "روى".]] فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرة قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنْ بَيَّتم اللَّيْلَةَ فَقُولُوا: حم، لَا يُنْصَرُونَ" وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ [[سنن أبي داود برقم (٢٥٩٧) وسنن الترمذي برقم (١٦٨٢) .]] . وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنْ يُروى: "فَقُولُوا: حم، لَا يُنْصَرُوا" أَيْ: إِنْ قُلْتُمْ ذَلِكَ لَا يُنْصَرُوا، جَعَلَهُ جَزَاءً لِقَوْلِهِ: فَقُولُوا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أَيْ: تَنْزِيلُ هَذَا الْكِتَابِ -وَهُوَ الْقُرْآنُ-مِنَ اللَّهِ ذِي الْعِزَّةِ وَالْعِلْمِ، فَلَا يُرَامُ جَنَابُهُ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ الذَّرُّ وَإِنْ تَكَاثَفَ حِجَابُهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ أَيْ: يَغْفِرُ مَا سَلَفَ مِنَ الذَّنْبِ، وَيَقْبَلُ التَّوْبَةَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ وخَضَع لَدَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أَيْ: لِمَنْ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَعَتَا عَنْ [[في أ: "على".]] أَوَامِرِ اللَّهِ، وَبَغَى [وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ] [[زيادة من أ.]] . وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ﴾ [الْحِجْرِ: ٤٩،٥٠] يَقْرِنُ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ كَثِيرًا فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ؛ لِيَبْقَى الْعَبْدُ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: السَّعَةَ وَالْغِنَى. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ الأصم: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ يعني: الخير الكثير. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ ذِي الْمَنِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: [يَعْنِي] [[زيادة من ت.]] ذِي النِّعَمِ وَالْفَوَاضِلِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ الْمُتَفَضِّلُ عَلَى عِبَادِهِ، الْمُتَطَوِّلُ عَلَيْهِمْ بِمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْمِنَنِ وَالْأَنْعَامِ، الَّتِي لَا يُطِيقُونَ الْقِيَامَ بِشُكْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ] ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٤] [[زيادة من ت، وفي الأصل: "الآية".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أَيْ: لَا نَظِيرَ لَهُ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ، فَلَا إِلَهَ غَيْرَهُ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أَيِ: الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ، فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٤١] . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ السَّبِيعي يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من ت، أ.]] فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي قَتَلْتُ، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَرَأَ عَلَيْهِ ﴿حم. تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ وَقَالَ: اعْمَلْ وَلَا تَيْأَسْ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ-وَابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٤/٢٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ الرِّقِّي، حَدَّثَنَا عُمَرُ -يَعْنِي ابْنَ أَيُّوبَ-أَخْبَرَنَا جَعْفَرِ بْنِ بَرْقان، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ [[في ت: "وروى أيضا بإسناده عن يزيد بن الأصم".]] قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ذُو بَأْسٍ، وَكَانَ يَفِدُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من ت.]] ، فَفَقَدَهُ عُمَرُ فَقَالَ: مَا فَعَلَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ؟ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، يُتَابِعُ فِي هَذَا الشَّرَابِ. قَالَ: فَدَعَا عُمَرُ كَاتِبَهُ، فَقَالَ: اكْتُبْ: "مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، [أَمَّا بَعْدُ] [[زيادة من أ.]] : فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، غَافِرُ الذَّنْبِ وَقَابِلُ التوب، شديد العقاب، ذي الطول، لا إله إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ". ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: ادْعُوَا اللَّهَ لِأَخِيكُمْ أَنْ يُقْبِل بِقَلْبِهِ، وَأَنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ [[في س، أ: "أن يقبل بقلبه ويتوب عليه".]] . فَلَمَّا بَلَغَ الرَّجُلَ كتابُ عُمَرَ جَعْلَ يَقْرَؤُهُ وَيُرَدِّدُهُ، وَيَقُولُ: غَافِرُ الذَّنْبِ وَقَابِلُ التَّوْبِ شَدِيدُ الْعِقَابِ، قَدْ حَذَّرَنِي عُقُوبَتَهُ وَوَعَدَنِي أَنْ يَغْفِرَ لِي. وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، وَزَادَ: "فَلَمْ يَزَلْ يُرَدّدها عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ بَكَى ثُمَّ نَزَعَ فَأَحْسَنَ النَّزْعَ فَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] خبرهُ قَالَ: هَكَذَا فَاصْنَعُوا، إِذَا رَأَيْتُمْ أَخَاكُمْ زَلَّ زلَّة فَسَدِّدُوهُ وَوَفِّقُوهُ، وَادْعُوا اللَّهَ لَهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ، وَلَا تَكُونُوا أَعْوَانًا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ [[حلية الأولياء (٤/٩٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّة [[في أ: "ابن أبي شيبة".]] ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ وَاقِدٍ -أَبُو عُمَر الصَّفَّارُ-، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي سَوَادِ الْكُوفَةِ، فَدَخَلْتُ حَائِطًا أَصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَافْتَتَحْتُ: ﴿حم﴾ الْمُؤْمِنِ، حَتَّى بَلَغْتُ: ﴿لَا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ فَإِذَا رَجُلٌ خَلْفِي عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ عَلَيْهِ مُقَطَّعات يَمَنِيَّةٌ فَقَالَ: إِذَا قُلْتَ: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ فَقُلْ: "يَا غَافِرَ الذنب، اغفر لي ذنبي". وَإِذَا قُلْتَ: ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ ، فَقُلْ: "يَا قَابِلَ التَّوْبِ، اقْبَلْ تَوْبَتِي". وَإِذَا قُلْتَ: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ، فَقُلْ: "يَا شَدِيدَ الْعِقَابِ، لَا تُعَاقِبْنِي". قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، فَخَرَجْتُ إِلَى الْبَابِ فَقُلْتُ: مَرّ بِكُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ مُقَطَّعَاتٌ يَمَنِيَّةٌ؟ قَالُوا: مَا رَأَيْنَا أَحَدًا فَكَانُوا يُرَون أَنَّهُ إِلْيَاسُ. ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنْ ثَابِتٍ، بِنَحْوِهِ. وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ إِلْيَاسَ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) ﴾ اختلف أهل التأويل فى معنى قوله ﴿حم﴾ فقال بعضهم: هو حروف مقطعة من اسم الله الذي هو الرحمن الرحيم، وهو الحاء والميم منه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عبد لله بن أحمد بن شبُّويه المَروزي، قال: ثنا عليّ بن الحسن، قال: ثني أبي، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: الر، وحم، ون، حروف الرحمن مقطعة. وقال آخرون: هو قسم أقسمه الله، وهو اسم من أسماء الله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال: ﴿حم﴾ : قسم أقسمه الله، وهو اسم من أسماء الله. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿حم﴾ : من حروف أسماء الله. وقال آخرون: يل هو اسم من أسماء القرآن. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿حم﴾ قال: اسم من أسماء القرآن. وقال آخرون: هو حروف هجاء. وقال آخرون: بل هو اسم، واحتجوا لقولهم ذلك بقول شريح بن أوفى العبسي: يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ ... فَهَلا تَلا حم قَبْلَ التَّقَدُّمِ [[البيت لشريح بن أوفى العبسي، كما قال أبو عبيد في مجاز القرآن (٢١٧ ب) وكما في (اللسان: حمم) وقال: وأنشده غير أبي عبيد للأشتر النخعي. وقال: قال ابن مسعود:" آل حاميم" ديباج القرآن. قال الفراء: هو كقولك آل فلان وآل فلان. وقال الجوهري: أما قول العامة" الحواميم" فليس من كلام العرب. قال أبو عبيد:" الحواميم": سور في القرآن، على غير قياس، وأنشد: وبالطواسين التي قد ثلثت ... وبالحواميم التي قد سبعت قال: والأولى أن تجمع" بذوات حاميم". وأنشد أبو عبيد في" حاميم" لشريح بن أوفى العبسي:" يذكرني حاميم ... البيت" قال: وأنشده غيره للأشتر النخعي. والضمير في" يذكرني": هو لمحمد بن طلحة، وقتله الأشتر أو شريح. (أي في يوم الجمل) اهـ.]] ويقول الكُمَيت: وَجَدْنَا لَكُمْ فِي آلِ حامِيمَ آيَةً ... تَأوَّلَهَا مِنَّا تَقِيٌّ وَمُعْرِبُ [[البيت للكميت بن زيد الأسدي" مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢١٨ - ١) وديوانه طبعه الموسوعات بالقاهرة ١٨. وآل حاميم وذوات حاميم: السور التي أولها" حم" نص الحريري في درة الغواص، على أنه يقال: آل حاميم، وذوات حاميم، وآل طسم، ولا يقال: حواميم ولا طواسيم. اهـ. والآية هي هي قوله تعالى في سورة الشورى:" قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى". وفي سورة الأحزاب من آل حاميم:" إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا". والتقي: الساكت عن التفضيل، والمعرب: الناطق به، رواية البيت في مجاز القرآن: وجدنا لكم في حم آية ... وفي غيرها آي، وأي يعرب ثنا قال: قال يونس: من قال بهذا القول، فهو منكر عليه، لأن السورة" حم" ساكنة الحروف، فخرجت مخرج حروف التهجي وهذه أسماء سور خرجن متحركات؛ وإذا سميت سورة بشيء من هذه الأحرف (كذا) ، دخلها الإعراب. اهـ. وقول المؤلف: يعني الجرمي: نبهنا عليه فيما مضى، لأن الجرمي اسمه صالح بن إسحاق أبو عمر.]] ⁕ وحُدثت عن معمر بن المثنى أنه قال: قال يونس، يعني الجرمي: ومن قال هذا القول فهو منكَر عليه، لأن السورة ﴿حم﴾ ساكنة الحروف، فخرجت مخرج التهجي، وهذه أسماء سور خرجت متحركات، وإذا سميت سورة بشيء من هذه الأحرف المجزومة دخله الإعراب. والقول في ذلك عندي نظير القول في أخواتها، وقد بيَّنا ذلك، في قوله: ﴿الم﴾ ، ففي ذلك كفاية عن إعادته في هذا الموضع، إذ كان القول في حم، وجميع ما جاء في القرآن على هذا الوجه، أعني حروف التهجي قولا واحدا. * * وقوله: ﴿تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ يقول الله تعالى ذكره: من الله العزيز في انتقامه من أعدائه، العليم يما يعملون من الأعمال وغيرها تنزيل هذا الكتاب؛ فالتنزيل مرفوع بقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ . وفي قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ وجهان ؛ أحدهما: أن يكون بمعنى يغفر ذنوب العباد، وإذا أريد هذا المعنى، كان خفض غافر وقابل من وجهين، أحدهما من نية تكرير"من"، فيكون معنى الكلام حينئذ: تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، من غافر الذنب، وقابل التوب، لأن غافر الذنب نكرة، وليس بالأفصح أن يكون نعتا للمعرفة، وهو نكرة، والآخر أن يكون أجرى في إعرابه، وهو نكرة على إعراب الأول كالنعت له، لوقوعه بينه وبين قوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ وهو معرفة.. وقد يجوز أن يكون أتبع إعرابه وهو نكرة إعراب الأول، إذ كان مدحا، وكان المدح يتبع إعرابه ما قبله أحيانا، ويعدل به عن إعراب الأول أحيانا بالنصب والرفع كما قال الشاعر: لا يَبْعَدَنْ قَوْمي الَّذِينَ همُ ... سُمُّ العُدَاةِ وآفَةُ الجُزُرِ النَّازِلينَ بِكُلّ مُعْتَركٍ ... والطَّيِّبِينَ مَعَاقِدَ الأزُر [[البيتان لخرنق بنت هفان من قصيدة رثت بها زوجها بشر بن عمرو بن مرثد الضبعي، وابنها علقمة بن بشر وجماعة من قومها قتلوا في معركة (خزاية الأدب الكبرى للبغدادي ٢: ٣٠٦) ومحل الشاهد في البيتين أنه يجوز قطع نعت المعرفة بالواو، فقولها: والطيبون نعت مقطوع بالواو من قومي، للمدح والتعظيم، يجعله خبر مبتدأ محذوف، أي هم الطيبون. وقوله" النازلين": مقطوع فالنصب، مع أنه نعت لقومي المرفوع. وإنما نصب بفعل مقدر أي أمدح أو أعني، أو نحوهما، واستشهد بهما المؤلف (الطبري) على أن قوله تعالى:" غافر الذنب" نعت للفظ" الله" المجرور بمن، ويجوز في هذا النعت الجر على الإتباع، كما يجوز فيه القطع بالنصب، بتقدير فعل: أي أخص غافر الذنب، أو بالرفع، بتقدير مبتدإ: أي هو غافر الذنب.]] وكما قال جلّ ثناؤه ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ فرفع فعال وهو نكرة محضة، وأتبع إعراب الغفور الودود؛ والآخر: أن يكون معناه: أن ذلك من صفته تعالى، إذ كان لم يزل لذنوب العباد غفورا من قبل نزول هذه الآية وفي حال نزولها، ومن بعد ذلك، فيكون عند ذلك معرفة صحيحة ونعتا على الصحة. وقال: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ ولم يقل الذنوب، لأنه أريد به الفعل، وأما قوله: ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ فإن التوب قد يكون جمع توبة، كما يجمع الدَّومة دَوما والعَومة عَوما من عومة السفينة، كما قال الشاعر: عَوْمَ السَّفِينَ فَلَمَّا حالَ دُونَهُمُ [[هذا صدر بيت لم نعرف قائله، ولا عجزه. استشهد به المؤلف على أن التوب في قوله تعالى:" قابل التوب": قد يكون جمع توبة كما يجمع الدومة دوما، والعومة عوما، من عوم السفينة.]] وقد يكون مصدر تاب يتوب توبا. ⁕ وقد حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، قال: جاء رجل إلى عمر، فقال: إني قتلت، فهل لي من توبة؟ قال: نعم، اعمل ولا تيأس، ثم قرأ: ﴿حم تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ . * * وقوله: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ يقول تعالى ذكره: شديد عقابه لمن عاقبه من أهل العصيان له، فلا تتكلوا على سعة رحمته، ولكن كونوا منه على حذر، باجتناب معاصيه، وأداء فرائضه، فإنه كما أن لا يؤيس أهل الإجرام والآثام من عفوه، وقبول توبة من تاب منهم من جرمه، كذلك لا يؤمنهم من عقابه وانتقامه منهم بما استحلوا من محارمه، وركبوا من معاصيه. * * وقوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ يقول: ذي الفضل والنعم المبسوطة على من شاء من خلقه؛ يقال منه: إن فلانا لذو طول على أصحابه، إذا كان ذا فضل عليهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ يقول: ذي السعة والغنى. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ الغنى. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ : أي ذي النعم. وقال بعضهم: الطول: القدرة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فى قوله ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ قال: الطول القدرة، ذاك الطول. * * وقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ يقول: لا معبود تصلح له العبادة إلا الله العزيز العليم، الذي صفته ما وصف جلّ ثناؤه، فلا تعبدوا شيئا سواه ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ يقول تعالى ذكره: إلى الله مصيركم ومرجعكم أيها الناس، فإياه فاعبدوا، فإنه لا ينفعكم شيء عبدتموه عند ذلك سواه.

Al-Mukhtasar (français)

Celui qui pardonne les péchés des pécheurs, accepte le repentir de Ses serviteurs qui se repentent à Lui et punit sévèrement ceux qui ne se repentent pas de leurs péchés. Le Détenteur des Bienfaits de la Grâce, aucune divinité ne mérite être adorée hormis Lui. C’est vers Lui Seul que les serviteurs retourneront le Jour de la Résurrection et Il les rétribuera selon ce qu’ils méritent.

4

مَا يُجَٰدِلُ فِىٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلَٰدِ

Seuls ceux qui ont mécru discutent les versets d'Allah. Que leurs activités dans le pays ne te trompent pas.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: مَا يَدْفَعُ الْحَقَّ وَيُجَادِلُ فِيهِ بَعْدَ الْبَيَانِ وَظُهُورِ الْبُرْهَانِ ﴿إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيِ: الْجَاحِدُونَ لِآيَاتِ اللَّهِ وَحُجَجِهِ وَبَرَاهِينِهِ، ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ أَيْ: فِي أَمْوَالِهِمْ وَنَعِيمِهَا وَزَهْرَتِهَا، كَمَا قَالَ: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٦،١٩٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٤] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ [[في ت: "لرسوله".]] مُحَمَّدٍ ﷺ فِي تَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ قَوْمِهِ، بِأَنَّ لَهُ أُسْوَةَ مَنْ سَلَفَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ كَذَّبَهُمْ [[في س، أ: "كذبتهم".]] أُمَمُهُمْ وَخَالَفُوهُمْ، وَمَا آمَنَ بِهِمْ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ [[في ت، س: "القليل".]] ، فَقَالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ وَهُوَ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثه اللَّهُ يَنْهَى عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، ﴿وَالأحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ، ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أَيْ: حَرَصُوا عَلَى قَتْلِهِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَتَلَ رَسُولَهُ [[في ت، س، أ: "رسولهم".]] ، ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أَيْ: مَاحَلُوا بِالشُّبْهَةِ [[في ت، أ: "ما جاءوا به من الشبهة".]] لِيَرُدُّوا الْحَقَّ الْوَاضِحَ الْجَلِيَّ. وَقَدْ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَارِمٌ أَبُو النعمان، حدثنا مُعْتَمِر ابن سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ حَنَش، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في ت: "وقد روى الطبراني بإسناده".]] [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مِنْ أَعَانَ بَاطِلًا لِيَدْحَضَ بِبَاطِلِهِ حَقًّا، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ" [[المعجم الكبير (١١/٢١٥) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/١٠٠) من طريق علي بن عبد العزيز به موقوفا وقال: "صحيح الإسناد" وتعقبه الذهبي بقوله: "فيه حنش الرحبي وهو ضعيف".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ أَيْ: أَهْلَكَتْهُمْ عَلَى مَا صَنَعُوا مِنْ هَذِهِ الْآثَامِ وَالذُّنُوبِ الْعِظَامِ، ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ بَلَغَكَ عَذَابِي لَهُمْ، وَنَكَالِي بِهِمْ؟ قَدْ كَانَ شَدِيدًا مُوجِعًا مُؤْلِمًا. قَالَ قتادة: كان والله شديدًا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أَيْ: كَمَا حَقَّتْ كلمةُ الْعَذَابِ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، كَذَلِكَ حَقَّتْ عَلَى الْمُكَذِّبِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوكَ وَخَالَفُوكَ يَا مُحَمَّدُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى؛ لِأَنَّ مَنْ كَذَّبَكَ [[في س: "كذب بك".]] فَلَا وُثُوقَ لَهُ بِتَصْدِيقِ غَيْرِكَ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: ما يخاصم في حجج الله وأدلته على وحدانيته بالإنكار لها، إلا الذين جحدوا توحيده. * * وقوله: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ يقول جلّ ثناؤه: فلا يخدعك يا محمد تصرفهم في البلاد وبقاؤهم ومكثهم فيها، مع كفرهم بربهم، فتحسب أنهم إنما أمهلوا وتقلبوا، فتصرّفوا في البلاد مع كفرهم بالله، ولم يعاجلوا بالنقمة والعذاب على كفرهم لأنهم على شيء من الحق فإنا لم نمهلهم لذلك، ولكن ليبلغ الكتاب أجله، ولتحقّ عليهم كلمة العذاب، عذاب ربك. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ أسفارهم فيها، ومجيئهم وذهابهم. ثم قصّ على رسول الله ﷺ قصص الأمم المكذّبة رسلها، وأخبره أنهم كانوا من جدالهم لرسله على مثل الذي عليه قومه الذين أرسل إليهم، وإنه أحلّ بهم من نقمته عند بلوغهم أمدهم بعد إعذار رسله إليهم، وإنذارهم بأسه ما قد ذكر في كتابه إعلاما منه بذلك نبيه، أن سنته في قومه الذين سلكوا سبيل أولئك في تكذيبه وجداله سنته من إحلال نقمته بهم، وسطوته بهم، فقال تعالى ذكره: كذبت قبل قومك المكذبين لرسالتك إليهم رسولا المجادليك بالباطل قوم نوح والأحزاب من بعدهم، وهم الأمم الذين تحزبوا وتجمعوا على رسلهم بالتكذيب لها، كعاد وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مَدْيَن وأشباههم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ قال: الكفار. * * وقوله: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ يقول تعالى ذكره: وهمت كل أمة من هذه الأمم المكذّبة رسلها، المتحزّبة على أنبيائها، برسولهم الذي أرسل إليهم ليأخذوه فيقتلوه. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ : أي ليقتلوه، وقيل برسولهم؛ وقد قيل: كل أمة، فوجَّهت الهاء والميم إلى الرجل دون لفظ الأمة، وقد ذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله"برسولها"، يعني برسول الأمة. * * وقوله: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ يقول: وخاصموا رسولهم بالباطل من الخصومة ليبطلوا بجدالهم إياه وخصومتهم له الحق الذي جاءهم به من عند الله، من الدخول في طاعته، والإقرار بتوحيده، والبراءة من عبادة ما سواه، كما يخاصمك كفار قومك يا محمد بالباطل. * * وقوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ يقول تعالى ذكره: فأخذت الذين هموا برسولهم ليأخذوه بالعذاب من عندي، فكيف كان عقابي إياهم، الم أهلكهم فأجعلهم للخلق عبرة، ولمن بعدهم عظة؟ وأجعل ديارهم ومساكنهم منهم خلاء، وللوحوش ثواء. ⁕ وقد حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ قال: شديد والله.

Al-Mukhtasar (français)

Ne polémiquent sur les versets d’Allah qui démontrent Son Unicité et la véracité de Ses messagers que ceux qui, à cause de leur raison corrompue, mécroient en Allah. Ne t’attriste donc pas pour eux et ne sois pas trompé par leur prospérité, car le délai qui leur est accordé est en réalité un stratagème qui vise à les mener progressivement à leur perte.

5

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍۢ وَٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۖ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍۭ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَٰدَلُوا۟ بِٱلْبَٰطِلِ لِيُدْحِضُوا۟ بِهِ ٱلْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ

Avant eux, le peuple de Noé a traité (Son Messager) de menteur, et les coalisés après eux (ont fait de même), et chaque communauté a conçu le dessein de s'emparer de Son Messager. Et ils ont discuté de faux arguments pour rejeter la vérité. Alors Je les ai saisis. Et quelle punition fut la Mienne!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: مَا يَدْفَعُ الْحَقَّ وَيُجَادِلُ فِيهِ بَعْدَ الْبَيَانِ وَظُهُورِ الْبُرْهَانِ ﴿إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيِ: الْجَاحِدُونَ لِآيَاتِ اللَّهِ وَحُجَجِهِ وَبَرَاهِينِهِ، ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ أَيْ: فِي أَمْوَالِهِمْ وَنَعِيمِهَا وَزَهْرَتِهَا، كَمَا قَالَ: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٦،١٩٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٤] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ [[في ت: "لرسوله".]] مُحَمَّدٍ ﷺ فِي تَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ قَوْمِهِ، بِأَنَّ لَهُ أُسْوَةَ مَنْ سَلَفَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ كَذَّبَهُمْ [[في س، أ: "كذبتهم".]] أُمَمُهُمْ وَخَالَفُوهُمْ، وَمَا آمَنَ بِهِمْ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ [[في ت، س: "القليل".]] ، فَقَالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ وَهُوَ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثه اللَّهُ يَنْهَى عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، ﴿وَالأحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ، ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أَيْ: حَرَصُوا عَلَى قَتْلِهِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَتَلَ رَسُولَهُ [[في ت، س، أ: "رسولهم".]] ، ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أَيْ: مَاحَلُوا بِالشُّبْهَةِ [[في ت، أ: "ما جاءوا به من الشبهة".]] لِيَرُدُّوا الْحَقَّ الْوَاضِحَ الْجَلِيَّ. وَقَدْ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَارِمٌ أَبُو النعمان، حدثنا مُعْتَمِر ابن سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ حَنَش، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في ت: "وقد روى الطبراني بإسناده".]] [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مِنْ أَعَانَ بَاطِلًا لِيَدْحَضَ بِبَاطِلِهِ حَقًّا، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ" [[المعجم الكبير (١١/٢١٥) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/١٠٠) من طريق علي بن عبد العزيز به موقوفا وقال: "صحيح الإسناد" وتعقبه الذهبي بقوله: "فيه حنش الرحبي وهو ضعيف".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ أَيْ: أَهْلَكَتْهُمْ عَلَى مَا صَنَعُوا مِنْ هَذِهِ الْآثَامِ وَالذُّنُوبِ الْعِظَامِ، ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ بَلَغَكَ عَذَابِي لَهُمْ، وَنَكَالِي بِهِمْ؟ قَدْ كَانَ شَدِيدًا مُوجِعًا مُؤْلِمًا. قَالَ قتادة: كان والله شديدًا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أَيْ: كَمَا حَقَّتْ كلمةُ الْعَذَابِ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، كَذَلِكَ حَقَّتْ عَلَى الْمُكَذِّبِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوكَ وَخَالَفُوكَ يَا مُحَمَّدُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى؛ لِأَنَّ مَنْ كَذَّبَكَ [[في س: "كذب بك".]] فَلَا وُثُوقَ لَهُ بِتَصْدِيقِ غَيْرِكَ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: ما يخاصم في حجج الله وأدلته على وحدانيته بالإنكار لها، إلا الذين جحدوا توحيده. * * وقوله: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ يقول جلّ ثناؤه: فلا يخدعك يا محمد تصرفهم في البلاد وبقاؤهم ومكثهم فيها، مع كفرهم بربهم، فتحسب أنهم إنما أمهلوا وتقلبوا، فتصرّفوا في البلاد مع كفرهم بالله، ولم يعاجلوا بالنقمة والعذاب على كفرهم لأنهم على شيء من الحق فإنا لم نمهلهم لذلك، ولكن ليبلغ الكتاب أجله، ولتحقّ عليهم كلمة العذاب، عذاب ربك. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ أسفارهم فيها، ومجيئهم وذهابهم. ثم قصّ على رسول الله ﷺ قصص الأمم المكذّبة رسلها، وأخبره أنهم كانوا من جدالهم لرسله على مثل الذي عليه قومه الذين أرسل إليهم، وإنه أحلّ بهم من نقمته عند بلوغهم أمدهم بعد إعذار رسله إليهم، وإنذارهم بأسه ما قد ذكر في كتابه إعلاما منه بذلك نبيه، أن سنته في قومه الذين سلكوا سبيل أولئك في تكذيبه وجداله سنته من إحلال نقمته بهم، وسطوته بهم، فقال تعالى ذكره: كذبت قبل قومك المكذبين لرسالتك إليهم رسولا المجادليك بالباطل قوم نوح والأحزاب من بعدهم، وهم الأمم الذين تحزبوا وتجمعوا على رسلهم بالتكذيب لها، كعاد وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مَدْيَن وأشباههم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ قال: الكفار. * * وقوله: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ يقول تعالى ذكره: وهمت كل أمة من هذه الأمم المكذّبة رسلها، المتحزّبة على أنبيائها، برسولهم الذي أرسل إليهم ليأخذوه فيقتلوه. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ : أي ليقتلوه، وقيل برسولهم؛ وقد قيل: كل أمة، فوجَّهت الهاء والميم إلى الرجل دون لفظ الأمة، وقد ذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله"برسولها"، يعني برسول الأمة. * * وقوله: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ يقول: وخاصموا رسولهم بالباطل من الخصومة ليبطلوا بجدالهم إياه وخصومتهم له الحق الذي جاءهم به من عند الله، من الدخول في طاعته، والإقرار بتوحيده، والبراءة من عبادة ما سواه، كما يخاصمك كفار قومك يا محمد بالباطل. * * وقوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ يقول تعالى ذكره: فأخذت الذين هموا برسولهم ليأخذوه بالعذاب من عندي، فكيف كان عقابي إياهم، الم أهلكهم فأجعلهم للخلق عبرة، ولمن بعدهم عظة؟ وأجعل ديارهم ومساكنهم منهم خلاء، وللوحوش ثواء. ⁕ وقد حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ قال: شديد والله.

Al-Mukhtasar (français)

Avant ceux-là, le peuple de Noé a traité de menteur son messager et après le peuple de Noé les coalisés ont fait de même, ainsi que les ‘Âd, les Thamûd, le peuple de Loth, les habitants de Madyan et Pharaon. Tout peuple a eu l’intention de saisir son messager afin de le tuer et a polémiqué en prenant la défense du faux dans la finalité de faire disparaître le vrai. Ces peuples ont tous été punis par surprise. Vois donc comment Ma punitions fut sévère.

6

وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ

Ainsi s'avéra juste la Parole de ton Seigneur contre ceux qui ont mécru: «Ils seront les gens du Feu».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: مَا يَدْفَعُ الْحَقَّ وَيُجَادِلُ فِيهِ بَعْدَ الْبَيَانِ وَظُهُورِ الْبُرْهَانِ ﴿إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيِ: الْجَاحِدُونَ لِآيَاتِ اللَّهِ وَحُجَجِهِ وَبَرَاهِينِهِ، ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ أَيْ: فِي أَمْوَالِهِمْ وَنَعِيمِهَا وَزَهْرَتِهَا، كَمَا قَالَ: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٦،١٩٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٤] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ [[في ت: "لرسوله".]] مُحَمَّدٍ ﷺ فِي تَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ قَوْمِهِ، بِأَنَّ لَهُ أُسْوَةَ مَنْ سَلَفَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ كَذَّبَهُمْ [[في س، أ: "كذبتهم".]] أُمَمُهُمْ وَخَالَفُوهُمْ، وَمَا آمَنَ بِهِمْ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ [[في ت، س: "القليل".]] ، فَقَالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ وَهُوَ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثه اللَّهُ يَنْهَى عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، ﴿وَالأحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ، ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أَيْ: حَرَصُوا عَلَى قَتْلِهِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَتَلَ رَسُولَهُ [[في ت، س، أ: "رسولهم".]] ، ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أَيْ: مَاحَلُوا بِالشُّبْهَةِ [[في ت، أ: "ما جاءوا به من الشبهة".]] لِيَرُدُّوا الْحَقَّ الْوَاضِحَ الْجَلِيَّ. وَقَدْ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَارِمٌ أَبُو النعمان، حدثنا مُعْتَمِر ابن سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ حَنَش، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في ت: "وقد روى الطبراني بإسناده".]] [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مِنْ أَعَانَ بَاطِلًا لِيَدْحَضَ بِبَاطِلِهِ حَقًّا، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ" [[المعجم الكبير (١١/٢١٥) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/١٠٠) من طريق علي بن عبد العزيز به موقوفا وقال: "صحيح الإسناد" وتعقبه الذهبي بقوله: "فيه حنش الرحبي وهو ضعيف".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ أَيْ: أَهْلَكَتْهُمْ عَلَى مَا صَنَعُوا مِنْ هَذِهِ الْآثَامِ وَالذُّنُوبِ الْعِظَامِ، ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ بَلَغَكَ عَذَابِي لَهُمْ، وَنَكَالِي بِهِمْ؟ قَدْ كَانَ شَدِيدًا مُوجِعًا مُؤْلِمًا. قَالَ قتادة: كان والله شديدًا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أَيْ: كَمَا حَقَّتْ كلمةُ الْعَذَابِ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، كَذَلِكَ حَقَّتْ عَلَى الْمُكَذِّبِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوكَ وَخَالَفُوكَ يَا مُحَمَّدُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى؛ لِأَنَّ مَنْ كَذَّبَكَ [[في س: "كذب بك".]] فَلَا وُثُوقَ لَهُ بِتَصْدِيقِ غَيْرِكَ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: وكما حق على الأمم التي كذبت رسلها التي قصصت عليك يا محمد قصصها عذابي، وحل بها عقابي بتكذيبهم رسلهم، وجدالهم إياهم بالباطل، ليدحضوا به الحق، كذلك وجبت كلمة ربك على الذين كفروا بالله من قومك، الذين يجادلون في آيات الله. * * وقوله: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ اختلف أهل العربية في موضع قوله ﴿أنَّهُمْ﴾ ، فقال بعض نحويّي البصرة: معنى ذلك: حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار: أي لأنهم، أو بأنهم، وليس أنهم في موضع مفعول ليس مثل قولك: أحققت أنهم لو كان كذلك كان أيضا أحققت، لأنهم. وكان غيره يقول:"أنهم" بدل من الكلمة، كأنه أحقت الكلمة حقا أنهم أصحاب النار. والصواب من القول في ذلك، أن قوله"أنهم" ترجمة عن الكلمة، بمعنى: وكذلك حقّ عليهم عذاب النار، الذي وعد الله أهل الكفر به.

Al-Mukhtasar (français)

Tout comme Allah décréta d’anéantir ces peuples dénégateurs, Son décret d’envoyer en Enfer ceux qui ont mécru sera exécuté.

7

ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍۢ رَّحْمَةًۭ وَعِلْمًۭا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ

Ceux (les Anges) qui portent le Trône et ceux qui l'entourent célèbrent les louanges de leur Seigneur, croient en Lui et implorent le pardon pour ceux qui croient: «Seigneur! Tu étends sur toute chose Ta miséricorde et Ta science. Pardonne donc à ceux qui se repentent et suivent Ton chemin et protège-les du châtiment de l'Enfer.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ حَمَلة الْعَرْشِ الْأَرْبَعَةِ، وَمَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْكُرُوبِيِّينَ، بِأَنَّهُمْ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ، أَيْ: يَقْرِنُونَ بَيْنَ التَّسْبِيحِ الدَّالِّ عَلَى نَفْيِ النَّقَائِصِ، وَالتَّحْمِيدِ الْمُقْتَضِي لِإِثْبَاتِ صِفَاتِ الْمَدْحِ، ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أَيْ: خَاشِعُونَ لَهُ أَذِلَّاءُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنَّهُمْ ﴿يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ مِمَّنْ آمَنَ بِالْغَيْبِ، فَقَيَّضَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ أَنْ يَدْعُوا لِلْمُؤْمِنِينَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا مِنْ سَجَايَا الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَانُوا يُؤمِّنون عَلَى دُعَاءِ الْمُؤْمِنِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: "إِذَا دَعَا الْمُسْلِمُ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قَالَ الْمَلَكُ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلِهِ" [[صحيح مسلم برقم (٢٧٣٢) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.]] . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ -هُوَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ -حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في ت: "وقد روى الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس".]] [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من ت، أ.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَدّق أُمَيَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْ شِعْرِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ وَثَور تَحْتَ رِجْل يَمينه ... وَالنَّسْرُ للأخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصَدُ ... فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "صَدَقَ". فَقَالَ: وَالشمس تَطلعُ كُلَّ آخِرِ لَيْلةٍ ... حَمْراءُ يُصْبحُ لَونُها يَتَوَرّدُ ... تَأبَى فَما تَطلُع لَنَا فِي رِسْلها ... إِلَّا معَذّبَة وَإلا تُجْلدَ ... فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "صَدَقَ" [[المسند (١/٢٥٦) وقال الهيثمي في المجمع (٨/١٢٧) : "رجاله ثقات إلا أن ابن إسحاق مدلس".]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ: وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ الْيَوْمَ أَرْبَعَةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ القيامة كانوا ثمانية، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٧] . وَهُنَا سُؤَالٌ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: مَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَفْهُومِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، وَدَلَالَةِ هَذَا الْحَدِيثِ؟ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِماك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمِيرة [[في ت: عمرة".]] ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قيس، عن العباس بن عبد الْمُطَّلِبِ، قَالَ: كُنْتُ بِالْبَطْحَاءِ فِي عِصَابَةٍ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَرَّتْ بِهِمْ سَحَابَةٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: "مَا تُسَمَّوْنَ هَذِهِ؟ " قَالُوا: السَّحَابَ. قَالَ: "وَالْمُزْنَ؟ " قَالُوا: وَالْمُزْنَ. قَالَ: "والعَنَان؟ " قَالُوا: وَالْعَنَانَ -قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَمْ أُتْقِنِ الْعَنَانَ جَيِّدًا -قَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ بُعْدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟ " قَالُوا: لَا نَدْرِي. قَالَ: "بُعد مَا بَيْنَهُمَا إِمَّا وَاحِدَةٌ، أَوِ اثْنَتَانِ، أَوْ ثَلَاثٌ [[في ت، س: "أو اثنين أو ثلاثة".]] وَسَبْعُونَ سَنَةً، ثُمَّ السماء فوقها كذلك" حتى عَدّ سبع سموات "ثُمَّ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ [[في ت: "ثم فوق السماء بحرا" وفي س: "ثم فوق السابعة بحر".]] ، بَيْنَ [[في أ: "بحر ما بين".]] أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أوْعَال، بَيْنَ أَظْلَافِهِنَّ ورُكبهن مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ عَلَى ظُهُورِهِنَّ الْعَرْشُ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فَوْقَ ذَلِكَ" ثُمَّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٤٧٢٣- ٤٧٢٥) وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٠) وسنن ابن ماجه برقم (١٩٣) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ، كَمَا قَالَ شَهْر بْنُ حَوْشَب: حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ، أَرْبَعَةٌ يَقُولُونَ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَكَ الْحَمْدُ عَلَى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ". وَأَرْبَعَةٌ يَقُولُونَ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَكَ الْحَمْدُ عَلَى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ". وَلِهَذَا يَقُولُونَ إِذَا اسْتَغْفَرُوا [[في ت: "استغفروا للمؤمنين".]] لِلَّذِينِ آمَنُوا: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ أَيْ: إِنَّ رَحْمَتَكَ تَسَع ذُنُوبَهُمْ وَخَطَايَاهُمْ، وَعِلْمُكَ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ [وَأَقْوَالِهِمْ] [[زيادة من أ.]] وَحَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ، ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أَيْ: فَاصْفَحْ عَنِ الْمُسِيئِينَ [[في أ: "المسلمين".]] إِذَا تَابُوا وَأَنَابُوا وَأَقْلَعُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ، وَاتَّبَعُوا مَا أَمَرْتَهُمْ بِهِ، مِنْ فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ، ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ أَيْ: وَزَحْزِحْهُمْ عَنْ عَذَابِ الْجَحِيمِ، وَهُوَ الْعَذَابُ الْمُوجِعُ الْأَلِيمُ [[في ت: "المؤلم".]] . ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ أَيْ: اجْمَعْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ، لِتَقَرَّ بِذَلِكَ أَعْيُنُهُمْ بِالِاجْتِمَاعِ فِي مَنَازِلَ مُتَجَاوِرَةٍ، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ت، س، أ.]] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطُّورِ: ٢١] [[في س: "واتبعتهم ذريتهم".]] أَيْ: سَاوَيْنَا بَيْنَ الْكُلِّ فِي الْمَنْزِلَةِ، لِتَقَرَّ أَعْيُنُهُمْ، وَمَا نَقَصْنَا الْعَالِيَ حَتَّى يُسَاوِيَ الدَّانِيَ، بَلْ رَفَعْنَا النَّاقِصَ فِي الْعَمَلِ [[في ت، أ: "رفعنا ناقص العمل".]] ، فَسَاوَيْنَاهُ بِكَثِيرِ العمل، تفضلا منا ومنة. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ سَأَلَ عَنْ أَبِيهِ وَابْنِهِ وَأَخِيهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا طَبَقَتَكَ [[في ت: "رقبتك".]] فِي الْعَمَلِ فَيَقُولُ: إِنِّي إِنَّمَا عَمِلْتُ لِي وَلَهُمْ. فَيُلحَقُونَ بِهِ فِي الدَّرَجَةِ، ثُمَّ تَلَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . قَالَ مُطرِّف بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّير: أنصحُ عبادِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ الملائكةُ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ وأغشُّ عِبَادِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ الشياطينُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أَيِ: الَّذِي لَا يُمَانَعُ وَلَا يُغَالَبُ، وَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، الْحَكِيمُ فِي أَقْوَالِكَ وَأَفْعَالِكَ، مِنْ شَرْعِكَ وَقَدَرِكَ [[في أ: "وقدرتك".]] ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ أَيْ: فِعْلَهَا أَوْ وَبالها مِمَّنْ وَقَعَتْ مِنْهُ، ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أَيْ: لَطَفْتَ بِهِ وَنَجَّيْتَهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ، ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: الذين يحملون عرش الله من ملائكته، ومن حول عرشه، ممن يحفّ به من الملائكة ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ يقول: يصلون لربهم بحمده وشكره ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يقول: ويقرّون بالله أنه لا إله لهم سواه، ويشهدون بذلك، لا يستكبرون عن عبادته ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يقول: ويسألون ربهم أن يغفر للذين أقرّوا بمثل إقرارهم من توحيد الله، والبراءة من كلّ معبود سواه ذنوبهم، فيعفوها عنهم. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأهل لا اله إلا الله. * * وقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ ، وفي هذا الكلام محذوف، وهو يقولون؛ ومعنى الكلام ويستغفرون للذين آمنوا يقولون: يا ربنا وسعت كلّ شيء رحمة وعلما. ويعني بقوله: ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ : وسعت رحمتك وعلمك كل شيء من خلقك، فعلمت كل شيء، فلم يخف عليك شيء، ورحمت خلقك، ووسعتهم برحمتك. وقد اختلف أهل العربية في وجه نصب الرحمة والعلم، فقال بعض نحويّي البصرة: انتصاب ذلك كانتصاب لك مثله عبدا، لأنك قد جعلت وسعت كلّ شيء، وهو مفعول له، والفاعل التاء، وجاء بالرحمة والعلم تفسيرا، وقد شغلت عنهما الفعل كما شغلت المثل بالهاء، فلذلك نصبته تشبيها بالمفعول بعد الفاعل؛ وقال غيره: هو من المنقول، وهو مفسر، وسعت رحمته وعلمه، ووسع هو كلّ شيء رحمة، كما تقول: طابت به نفسي، طبت به نفسا،. قال: أما لك مثله عبدا، فإن المقادير لا تكون إلا معلومة مثل عندي رطل زيتا، والمثل غير معلوم، ولكن لفظه لفظ المعرفة والعبد نكرة، فلذلك نصب العبد، وله أن يرفع، واستشهد لقيله ذلك بقول الشاعر: ما في مَعَدّ والقبائِلِ كُلِّها ... قَحْطَانَ مِثْلُكَ وَاحِدٌ مَعْدُودُ [[لم اقف على قائله. واستشهد به المؤلف عند قوله تعالى:" ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما" وقد اختلف أهل العربية في نصب رحمة.... الخ. والشاهد في البيت قوله" مثلك واحد"؛ فيجوز في" واحد" أن يرد على" مثلك" بطريق البدل منه. ويجوز أيضا أن يكون تفسيرا. أي تمييزا لمثل، لأنه وإن كان معرفة في لفظه، فهو نكرة في معناه، فاحتاج من أجل ذلك إلى التفسير" التمييز" مثل قولك: لك مثله أرضا، وعندي فدان أرضا، ورطل زيتا. لأن المقادير لا تكون إلا معلومة، وقوله" مثلك" في المعنى ألفاظ المقادير. وأما نصب رحمة في الآية، فقد بينه المؤلف.]] وقال: ردّ"الواحد" على"مثل" لأنه نكرة، قال: ولو قلت: ما مثلك رجل، ومثلك رجل، ومثلك رجلا جاز، لأن مثل يكون نكرة، وإن كان لفظها معرفة. * * وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ يقول: فاصفح عن جرم من تاب من الشرك بك من عبادك، فرجع إلى توحيدك، واتبع أمرك ونهيك. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتاده ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ من الشرك. * * وقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ يقول: وسلكوا الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه، ولزموا المنهاج الذي أمرتهم بلزومه، وذلك الدخول في الإسلام. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ : أي طاعتك وقوله: ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ يقول: واصرف عن الذين تابوا من الشرك، واتبعوا سبيلك عذاب النار يوم القيامة.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, les anges qui portent le Trône de ton Seigneur et qui L’entourent, nient ce qui ne sied pas à Allah, croient en Lui et implorent Son pardon en faveur de ceux qui croient en Lui en disant: Ô notre Seigneur, Ta connaissance et Ta miséricorde s’étendent à toute chose. Pardonne donc à ceux qui se sont repentis de leurs péchés et ont suivi Ta religion et préserve-les du Feu.

8

رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

Seigneur! Fais-les entrer aux jardins d'Eden que Tu leur as promis, ainsi qu'aux vertueux parmi leurs ancêtres, leurs épouses et leurs descendants, car c'est Toi le Puissant, le Sage.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ حَمَلة الْعَرْشِ الْأَرْبَعَةِ، وَمَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْكُرُوبِيِّينَ، بِأَنَّهُمْ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ، أَيْ: يَقْرِنُونَ بَيْنَ التَّسْبِيحِ الدَّالِّ عَلَى نَفْيِ النَّقَائِصِ، وَالتَّحْمِيدِ الْمُقْتَضِي لِإِثْبَاتِ صِفَاتِ الْمَدْحِ، ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أَيْ: خَاشِعُونَ لَهُ أَذِلَّاءُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنَّهُمْ ﴿يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ مِمَّنْ آمَنَ بِالْغَيْبِ، فَقَيَّضَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ أَنْ يَدْعُوا لِلْمُؤْمِنِينَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا مِنْ سَجَايَا الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَانُوا يُؤمِّنون عَلَى دُعَاءِ الْمُؤْمِنِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: "إِذَا دَعَا الْمُسْلِمُ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قَالَ الْمَلَكُ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلِهِ" [[صحيح مسلم برقم (٢٧٣٢) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.]] . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ -هُوَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ -حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في ت: "وقد روى الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس".]] [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من ت، أ.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَدّق أُمَيَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْ شِعْرِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ وَثَور تَحْتَ رِجْل يَمينه ... وَالنَّسْرُ للأخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصَدُ ... فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "صَدَقَ". فَقَالَ: وَالشمس تَطلعُ كُلَّ آخِرِ لَيْلةٍ ... حَمْراءُ يُصْبحُ لَونُها يَتَوَرّدُ ... تَأبَى فَما تَطلُع لَنَا فِي رِسْلها ... إِلَّا معَذّبَة وَإلا تُجْلدَ ... فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "صَدَقَ" [[المسند (١/٢٥٦) وقال الهيثمي في المجمع (٨/١٢٧) : "رجاله ثقات إلا أن ابن إسحاق مدلس".]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ: وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ الْيَوْمَ أَرْبَعَةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ القيامة كانوا ثمانية، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٧] . وَهُنَا سُؤَالٌ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: مَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَفْهُومِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، وَدَلَالَةِ هَذَا الْحَدِيثِ؟ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِماك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمِيرة [[في ت: عمرة".]] ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قيس، عن العباس بن عبد الْمُطَّلِبِ، قَالَ: كُنْتُ بِالْبَطْحَاءِ فِي عِصَابَةٍ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَرَّتْ بِهِمْ سَحَابَةٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: "مَا تُسَمَّوْنَ هَذِهِ؟ " قَالُوا: السَّحَابَ. قَالَ: "وَالْمُزْنَ؟ " قَالُوا: وَالْمُزْنَ. قَالَ: "والعَنَان؟ " قَالُوا: وَالْعَنَانَ -قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَمْ أُتْقِنِ الْعَنَانَ جَيِّدًا -قَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ بُعْدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟ " قَالُوا: لَا نَدْرِي. قَالَ: "بُعد مَا بَيْنَهُمَا إِمَّا وَاحِدَةٌ، أَوِ اثْنَتَانِ، أَوْ ثَلَاثٌ [[في ت، س: "أو اثنين أو ثلاثة".]] وَسَبْعُونَ سَنَةً، ثُمَّ السماء فوقها كذلك" حتى عَدّ سبع سموات "ثُمَّ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ [[في ت: "ثم فوق السماء بحرا" وفي س: "ثم فوق السابعة بحر".]] ، بَيْنَ [[في أ: "بحر ما بين".]] أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أوْعَال، بَيْنَ أَظْلَافِهِنَّ ورُكبهن مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ عَلَى ظُهُورِهِنَّ الْعَرْشُ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فَوْقَ ذَلِكَ" ثُمَّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٤٧٢٣- ٤٧٢٥) وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٠) وسنن ابن ماجه برقم (١٩٣) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ، كَمَا قَالَ شَهْر بْنُ حَوْشَب: حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ، أَرْبَعَةٌ يَقُولُونَ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَكَ الْحَمْدُ عَلَى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ". وَأَرْبَعَةٌ يَقُولُونَ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَكَ الْحَمْدُ عَلَى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ". وَلِهَذَا يَقُولُونَ إِذَا اسْتَغْفَرُوا [[في ت: "استغفروا للمؤمنين".]] لِلَّذِينِ آمَنُوا: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ أَيْ: إِنَّ رَحْمَتَكَ تَسَع ذُنُوبَهُمْ وَخَطَايَاهُمْ، وَعِلْمُكَ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ [وَأَقْوَالِهِمْ] [[زيادة من أ.]] وَحَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ، ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أَيْ: فَاصْفَحْ عَنِ الْمُسِيئِينَ [[في أ: "المسلمين".]] إِذَا تَابُوا وَأَنَابُوا وَأَقْلَعُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ، وَاتَّبَعُوا مَا أَمَرْتَهُمْ بِهِ، مِنْ فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ، ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ أَيْ: وَزَحْزِحْهُمْ عَنْ عَذَابِ الْجَحِيمِ، وَهُوَ الْعَذَابُ الْمُوجِعُ الْأَلِيمُ [[في ت: "المؤلم".]] . ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ أَيْ: اجْمَعْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ، لِتَقَرَّ بِذَلِكَ أَعْيُنُهُمْ بِالِاجْتِمَاعِ فِي مَنَازِلَ مُتَجَاوِرَةٍ، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ت، س، أ.]] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطُّورِ: ٢١] [[في س: "واتبعتهم ذريتهم".]] أَيْ: سَاوَيْنَا بَيْنَ الْكُلِّ فِي الْمَنْزِلَةِ، لِتَقَرَّ أَعْيُنُهُمْ، وَمَا نَقَصْنَا الْعَالِيَ حَتَّى يُسَاوِيَ الدَّانِيَ، بَلْ رَفَعْنَا النَّاقِصَ فِي الْعَمَلِ [[في ت، أ: "رفعنا ناقص العمل".]] ، فَسَاوَيْنَاهُ بِكَثِيرِ العمل، تفضلا منا ومنة. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ سَأَلَ عَنْ أَبِيهِ وَابْنِهِ وَأَخِيهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا طَبَقَتَكَ [[في ت: "رقبتك".]] فِي الْعَمَلِ فَيَقُولُ: إِنِّي إِنَّمَا عَمِلْتُ لِي وَلَهُمْ. فَيُلحَقُونَ بِهِ فِي الدَّرَجَةِ، ثُمَّ تَلَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . قَالَ مُطرِّف بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّير: أنصحُ عبادِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ الملائكةُ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ وأغشُّ عِبَادِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ الشياطينُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أَيِ: الَّذِي لَا يُمَانَعُ وَلَا يُغَالَبُ، وَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، الْحَكِيمُ فِي أَقْوَالِكَ وَأَفْعَالِكَ، مِنْ شَرْعِكَ وَقَدَرِكَ [[في أ: "وقدرتك".]] ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ أَيْ: فِعْلَهَا أَوْ وَبالها مِمَّنْ وَقَعَتْ مِنْهُ، ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أَيْ: لَطَفْتَ بِهِ وَنَجَّيْتَهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ، ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن دعاء ملائكته لأهل الإيمان به من عباده، تقول: يا ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ يعني: بساتين إقامة ﴿الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ يعني التي وعدت أهل الإنابة إلى طاعتك أن تدخلهموها ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ يقول: وأدخل مع هؤلاء الذين تابوا ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ جنات عدن من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، فعمل بما يرضيك عنه من الأعمال الصالحة في الدنيا، وذكر أنه يدخل مع الرجل أبواه وولده وزوجته الجنة، وإن لم يكونوا عملوا عمله بفضل رحمة الله إياه. كما:- ⁕ حدثنا أبو هشام، قال: ثنا يحيى بن يمان العجلي، قال: ثنا شريك، عن سعيد، قال: يدخل الرجل الجنة، فيقول: أين أبي، أين أمي، أين ولدي، أين زوجتي، فيقال: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم، فيقال: أدخلوهم الجنة؛ ثم قرأ ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ . فمن إذن، إذ كان ذلك معناه، في موضع نصب عطفا على الهاء والميم في قوله ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾ وجائز أن يكون نصبا على العطف على الهاء والميم في وعدتهم ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ يقول: أنك أنت يا ربنا العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه.

Al-Mukhtasar (français)

Les anges disent également: Ô notre Seigneur, fais entrer les croyants dans les vergers d’éternité dans lesquels Tu leur as promis de les faire entrer et fais entrer avec eux, ceux de leurs ancêtres, de leurs épouses et de leur progéniture qui ont accompli de bonnes œuvres. Tu es le Puissant à qui personne ne tient tête et le Sage dans ce que Tu décrètes et ce que Tu gères.

9

وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوْمَئِذٍۢ فَقَدْ رَحِمْتَهُۥ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Et préserve-les [du châtiment] des mauvaises actions. Quiconque Tu préserves [du châtiment] des mauvaises actions ce jour-là, Tu lui feras miséricorde». Et c'est là l'énorme succès.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ حَمَلة الْعَرْشِ الْأَرْبَعَةِ، وَمَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْكُرُوبِيِّينَ، بِأَنَّهُمْ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ، أَيْ: يَقْرِنُونَ بَيْنَ التَّسْبِيحِ الدَّالِّ عَلَى نَفْيِ النَّقَائِصِ، وَالتَّحْمِيدِ الْمُقْتَضِي لِإِثْبَاتِ صِفَاتِ الْمَدْحِ، ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أَيْ: خَاشِعُونَ لَهُ أَذِلَّاءُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنَّهُمْ ﴿يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ مِمَّنْ آمَنَ بِالْغَيْبِ، فَقَيَّضَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ أَنْ يَدْعُوا لِلْمُؤْمِنِينَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا مِنْ سَجَايَا الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَانُوا يُؤمِّنون عَلَى دُعَاءِ الْمُؤْمِنِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: "إِذَا دَعَا الْمُسْلِمُ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قَالَ الْمَلَكُ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلِهِ" [[صحيح مسلم برقم (٢٧٣٢) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.]] . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ -هُوَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ -حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في ت: "وقد روى الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس".]] [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من ت، أ.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَدّق أُمَيَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْ شِعْرِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ وَثَور تَحْتَ رِجْل يَمينه ... وَالنَّسْرُ للأخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصَدُ ... فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "صَدَقَ". فَقَالَ: وَالشمس تَطلعُ كُلَّ آخِرِ لَيْلةٍ ... حَمْراءُ يُصْبحُ لَونُها يَتَوَرّدُ ... تَأبَى فَما تَطلُع لَنَا فِي رِسْلها ... إِلَّا معَذّبَة وَإلا تُجْلدَ ... فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "صَدَقَ" [[المسند (١/٢٥٦) وقال الهيثمي في المجمع (٨/١٢٧) : "رجاله ثقات إلا أن ابن إسحاق مدلس".]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ: وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ الْيَوْمَ أَرْبَعَةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ القيامة كانوا ثمانية، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٧] . وَهُنَا سُؤَالٌ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: مَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَفْهُومِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، وَدَلَالَةِ هَذَا الْحَدِيثِ؟ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِماك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمِيرة [[في ت: عمرة".]] ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قيس، عن العباس بن عبد الْمُطَّلِبِ، قَالَ: كُنْتُ بِالْبَطْحَاءِ فِي عِصَابَةٍ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَرَّتْ بِهِمْ سَحَابَةٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: "مَا تُسَمَّوْنَ هَذِهِ؟ " قَالُوا: السَّحَابَ. قَالَ: "وَالْمُزْنَ؟ " قَالُوا: وَالْمُزْنَ. قَالَ: "والعَنَان؟ " قَالُوا: وَالْعَنَانَ -قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَمْ أُتْقِنِ الْعَنَانَ جَيِّدًا -قَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ بُعْدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟ " قَالُوا: لَا نَدْرِي. قَالَ: "بُعد مَا بَيْنَهُمَا إِمَّا وَاحِدَةٌ، أَوِ اثْنَتَانِ، أَوْ ثَلَاثٌ [[في ت، س: "أو اثنين أو ثلاثة".]] وَسَبْعُونَ سَنَةً، ثُمَّ السماء فوقها كذلك" حتى عَدّ سبع سموات "ثُمَّ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ [[في ت: "ثم فوق السماء بحرا" وفي س: "ثم فوق السابعة بحر".]] ، بَيْنَ [[في أ: "بحر ما بين".]] أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أوْعَال، بَيْنَ أَظْلَافِهِنَّ ورُكبهن مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ عَلَى ظُهُورِهِنَّ الْعَرْشُ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فَوْقَ ذَلِكَ" ثُمَّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٤٧٢٣- ٤٧٢٥) وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٠) وسنن ابن ماجه برقم (١٩٣) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ، كَمَا قَالَ شَهْر بْنُ حَوْشَب: حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ، أَرْبَعَةٌ يَقُولُونَ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَكَ الْحَمْدُ عَلَى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ". وَأَرْبَعَةٌ يَقُولُونَ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَكَ الْحَمْدُ عَلَى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ". وَلِهَذَا يَقُولُونَ إِذَا اسْتَغْفَرُوا [[في ت: "استغفروا للمؤمنين".]] لِلَّذِينِ آمَنُوا: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ أَيْ: إِنَّ رَحْمَتَكَ تَسَع ذُنُوبَهُمْ وَخَطَايَاهُمْ، وَعِلْمُكَ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ [وَأَقْوَالِهِمْ] [[زيادة من أ.]] وَحَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ، ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أَيْ: فَاصْفَحْ عَنِ الْمُسِيئِينَ [[في أ: "المسلمين".]] إِذَا تَابُوا وَأَنَابُوا وَأَقْلَعُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ، وَاتَّبَعُوا مَا أَمَرْتَهُمْ بِهِ، مِنْ فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ، ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ أَيْ: وَزَحْزِحْهُمْ عَنْ عَذَابِ الْجَحِيمِ، وَهُوَ الْعَذَابُ الْمُوجِعُ الْأَلِيمُ [[في ت: "المؤلم".]] . ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ أَيْ: اجْمَعْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ، لِتَقَرَّ بِذَلِكَ أَعْيُنُهُمْ بِالِاجْتِمَاعِ فِي مَنَازِلَ مُتَجَاوِرَةٍ، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ت، س، أ.]] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطُّورِ: ٢١] [[في س: "واتبعتهم ذريتهم".]] أَيْ: سَاوَيْنَا بَيْنَ الْكُلِّ فِي الْمَنْزِلَةِ، لِتَقَرَّ أَعْيُنُهُمْ، وَمَا نَقَصْنَا الْعَالِيَ حَتَّى يُسَاوِيَ الدَّانِيَ، بَلْ رَفَعْنَا النَّاقِصَ فِي الْعَمَلِ [[في ت، أ: "رفعنا ناقص العمل".]] ، فَسَاوَيْنَاهُ بِكَثِيرِ العمل، تفضلا منا ومنة. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ سَأَلَ عَنْ أَبِيهِ وَابْنِهِ وَأَخِيهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا طَبَقَتَكَ [[في ت: "رقبتك".]] فِي الْعَمَلِ فَيَقُولُ: إِنِّي إِنَّمَا عَمِلْتُ لِي وَلَهُمْ. فَيُلحَقُونَ بِهِ فِي الدَّرَجَةِ، ثُمَّ تَلَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . قَالَ مُطرِّف بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّير: أنصحُ عبادِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ الملائكةُ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ وأغشُّ عِبَادِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ الشياطينُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أَيِ: الَّذِي لَا يُمَانَعُ وَلَا يُغَالَبُ، وَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، الْحَكِيمُ فِي أَقْوَالِكَ وَأَفْعَالِكَ، مِنْ شَرْعِكَ وَقَدَرِكَ [[في أ: "وقدرتك".]] ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ أَيْ: فِعْلَهَا أَوْ وَبالها مِمَّنْ وَقَعَتْ مِنْهُ، ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أَيْ: لَطَفْتَ بِهِ وَنَجَّيْتَهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ، ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله مخبرا عن قيل ملائكته: وقِهِم: اصرف عنهم سوء عاقبة سيئاتهم التي كانوا أتوها قبل توبتهم وإنابتهم، يقولون: لا يؤاخذهم بذلك، فتعذبهم به ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ يقول: ومن تصرف عنه سوء عاقبة سيئاته بذلك يوم القيامة، فقد رحمته، فنجيته من عذابك ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ لأنه من نجا من النار وأدخل الجنة فقد فاز، وذلك لا شك هو الفوز العظيم. وبنحو الذي قلنا في معنى السيئات قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ : أي العذاب. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا معمر بن بشير، قال: ثنا ابن المبارك، عن معمر، عن قتادة وعن مطرف قال: وجدنا أنصح العباد للعباد ملائكة وأغش العباد للعباد الشياطين، وتلا ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ ... الآية. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال مطرف: وجدنا أغشّ عباد الله لعباد الله الشياطين، ووجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة.

Al-Mukhtasar (français)

Préserve-les de leurs mauvaises actions et ne les châtie-pas pour les avoir commises. Celui que Tu préserves le Jour de la Résurrection de ses mauvaises actions, Tu lui fais assurément miséricorde. Cette exemption de châtiment et cette miséricorde consistant à entrer au Paradis représentent l’immense succès qui n’est égalé par aucun autre.

10

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلْإِيمَٰنِ فَتَكْفُرُونَ

A ceux qui n'auront pas cru on proclamera: «l'aversion d'Allah [envers vous] est plus grande que votre aversion envers vous-mêmes, lorsque vous étiez appelés à la foi et que vous persistiez dans la mécréance».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْكُفَّارِ: أَنَّهُمْ يُنَادَون يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُمْ فِي غَمَرات النِّيرَانِ يَتَلَظَّوْنَ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا [[في أ: "بعدما".]] بَاشَرُوا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مَا لَا قِبَل لِأَحَدٍ بِهِ، فَمَقَتُوا عِنْدَ ذَلِكَ أَنْفُسَهُمْ وَأَبْغَضُوهَا غَايَةَ الْبُغْضِ، بِسَبَبِ مَا أَسْلَفُوا [[في ت، س: "أسلفوه".]] مِنَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ، الَّتِي كَانَتْ سَبَبَ دُخُولِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَأَخْبَرَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ إِخْبَارًا عَالِيًا، نَادَوْهُمْ [بِهِ] [[زيادة من ت، أ.]] نِدَاءً بِأَنَّ مَقْتَ اللَّهِ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا حِينَ كَانَ يُعرض عَلَيْهِمُ الْإِيمَانُ، فَيَكْفُرُونَ، أَشَدُّ مِنْ مَقْتِكُمْ أَيُّهَا الْمُعَذَّبُونَ أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ يَقُولُ: لمقتُ اللَّهِ أَهْلَ الضَّلَالَةِ حِينَ عُرض عَلَيْهِمُ الْإِيمَانُ فِي الدُّنْيَا، فَتَرَكُوهُ وَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوهُ، أَكْبَرُ مِمَّا مَقَتُوا أَنْفُسَهُمْ حِينَ عَايَنُوا عَذَابَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [[في أ: "عذاب الله في يوم القيامة".]] . وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وذَرُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [[في س: "عبيد الله".]] الهَمْداني، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَابْنُ جَرِيرٍ الطبري، رحمهم الله. وَقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي [[في أ: "ابن".]] إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] : هَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨] وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو مَالِكٍ. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا مِرْيَةَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: أُميتوا فِي الدُّنْيَا ثُمَّ أُحْيَوْا فِي قُبُورِهِمْ فَخُوطِبُوا، ثُمَّ أُمِيتُوا ثُمَّ أُحْيَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أُحْيَوْا حِينَ أُخِذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقُ مِنْ صُلْبِ آدَمَ، ثُمَّ خَلَقَهُمْ فِي الْأَرْحَامِ ثُمَّ أَمَاتَهُمْ [ثُمَّ أَحْيَاهُمْ] [[زيادة من ت، س، أ.]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَهَذَانَ الْقَوْلَانِ -مِنَ السُّدِّيِّ وَابْنِ زَيْدٍ-ضَعِيفَانِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُمَا عَلَى مَا قَالَا ثَلَاثُ إِحْيَاءَاتٍ وَإِمَاتَاتٍ. وَالصَّحِيحُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَابَعَهُمَا. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ: أَنَّ الْكُفَّارَ يَسْأَلُونَ الرَّجْعَةَ وَهُمْ وُقُوفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السَّجْدَةِ:١٢] ، فَلَا يُجَابُونَ. ثُمَّ إِذَا رَأَوُا النَّارَ وَعَايَنُوهَا وَوَقَفُوا عَلَيْهَا، وَنَظَرُوا إِلَى مَا فِيهَا مِنَ الْعَذَابِ والنَّكال، سَأَلُوا الرَّجْعَةَ أَشَدَّ مِمَّا سَأَلُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَلَا يُجَابُونَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون﴾ [الْأَنْعَامِ:٢٧، ٢٨] فَإِذَا دَخَلُوا النَّارَ وَذَاقُوا مَسّها وحَسِيسها وَمَقَامِعَهَا وَأَغْلَالَهَا، كَانَ سؤُالهم لِلرَّجْعَةِ أَشَدَّ وَأَعْظَمَ، ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فَاطِرٍ:٣٧] ، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ. قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠٧، ١٠٨] ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ تَلَطَّفُوا فِي السُّؤَالِ، وَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ كَلَامِهِمْ مُقدّمة، وَهِيَ قَوْلُهُمْ: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ أَيْ: قُدْرَتُكَ عَظِيمَةٌ، فَإِنَّكَ أَحْيَيْتَنَا بَعْدَ مَا كُنَّا أَمْوَاتًا، ثُمَّ أَمَتَّنَا ثُمَّ أَحْيَيْتَنَا، فَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَى مَا تَشَاءُ، وَقَدِ اعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا، وَإِنَّنَا كُنَّا ظَالِمِينَ لِأَنْفُسِنَا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا، ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أَيْ فَهَلْ أَنْتَ مُجِيبُنَا إِلَى أَنْ تُعِيدَنَا إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا؟ فَإِنَّكَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ؛ لِنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ، فَإِنْ عُدْنَا إِلَى مَا كُنَّا فِيهِ فَإِنَّا ظَالِمُونَ. فأُجِيبُوا أَلَّا سَبِيلَ إِلَى عَوْدِكُمْ وَمَرْجِعِكُمْ إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا. ثُمَّ عَلَّلَ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّ سَجَايَاكُمْ لَا تَقْبَلُ الْحَقَّ وَلَا تَقْتَضِيهِ بَلْ تَجْحَده وَتَنْفِيهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أَيْ: أَنْتُمْ هَكَذَا تَكُونُونَ، وَإِنْ رُدِدْتُمْ إِلَى الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٨] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ أَيْ: هُوَ الْحَاكِمُ فِي خَلْقِهِ، الْعَادِلُ الَّذِي لَا يَجُورُ، فَيَهْدِي مَنْ يشاء، ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أَيْ: يُظْهِرُ قُدْرَتَهُ لِخَلْقِهِ [[في أ: "بخلقه".]] بِمَا يُشَاهِدُونَهُ فِي خَلْقِهِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِ خَالِقِهَا وَمُبْدِعِهَا وَمُنْشِئِهَا، ﴿وَيُنزلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ ، وَهُوَ الْمَطَرُ الَّذِي يُخْرِجُ بِهِ مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ مَا هُوَ مُشَاهَدٌ بِالْحِسِّ، مِنِ اخْتِلَافِ أَلْوَانِهِ وَطَعُومِهِ، وَرَوَائِحِهِ وَأَشْكَالِهِ وَأَلْوَانِهِ، وَهُوَ مَاءٌ وَاحِدٌ، فَبِالْقُدْرَةِ الْعَظِيمَةِ فَاوَتَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ﴾ أَيْ: يَعْتَبِرُ وَيَتَفَكَّرُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَيَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى عَظَمَةِ خَالِقِهَا ﴿إِلا مَنْ يُنِيبُ﴾ أَيْ: مَنْ هُوَ بَصِيرٌ مُنِيبٌ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ أَيْ: فَأَخْلِصُوا لِلَّهِ وَحْدَهُ الْعِبَادَةَ وَالدُّعَاءَ، وَخَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ فِي مَسْلَكِهِمْ وَمَذْهَبِهِمْ. قَالَ [[في ت: "روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ -يعني بن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ-عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ مُحَمَّدِ بن مسلم بن مدرس الْمَكِّيِّ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ [[في أ: "عقب الصلوات المكتوبات".]] : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُهَلِّل بِهِنَّ [[في ت: "بهن في دبر".]] دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ [[المسند (٤/٤) .]] . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَحَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ [[في ت: "لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وهو على كل شيء قدير".]] وَذَكَرَ تَمَامَهُ [[صحيح مسلم برقم (٥٩٤) .]] . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" [[صحيح مسلم برقم (٥٩٤) وسنن أبي داود برقم (١٥٠٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٢٦٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ حَدَّثَنَا الخَصِيب بْنُ نَاصِحٍ، حَدَّثَنَا صَالِحٌ -يَعْنِي المِرِّي-عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ادعوا الله وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ" [[ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٤٧٩) عن معاوية بن صالح ورواه الحاكم في المستدرك (١/٤٩٣) عن عفان بن مسلم وموسى ابن إسماعيل ورواه الطبراني في كتاب الدعاء برقم (٦٢) عن مخلد بن خداش كلهم من طريق صالح المري به. قال اطبراني في المعجم الأوسط: "لم يرو هذا الحديث عن هشام بن حسان إلا صالح المري" ومداره على صالح المري وهو متروك.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الذين كفروا بالله ينادون في النار يوم القيامة إذا دخلوها، فمقتوا بدخولهموها أنفسهم حين عاينوا ما أعدّ الله لهم فيها من أنواع العذاب، فيقال لهم: لمقت الله إياكم أيها القوم في الدنيا، إذ تدعون فيها للإيمان بالله فتكفرون، أكبر من مقتكم اليوم أنفسكم لما حل بكم من سخط الله عليكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قال: مقتوا أنفسهم حين رأوا أعمالهم، ومقت الله إياهم في الدنيا، إذ يدعون إلى الإيمان، فيكفرون أكبر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ يقول: لمقت الله أهل الضلالة حين عرض عليهم الإيمان في الدنيا، فتركوه، وأبوا أن يقبلوا، أكبر مما مقتوا أنفسهم، حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ في النار ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ﴾ في الدنيا ﴿فَتَكْفُرُونَ﴾ . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ ... الآية، قال: لما دخلوا النار مقتوا أنفسهم في معاصي الله التي ركبوها، فنودوا: إن مقت الله إياكم حين دعاكم إلى الإسلام أشد من مقتكم أنفسكم اليوم حين دخلتم النار. واختلف أهل العربية في وجه دخول هذه اللام في قوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ فقال بعض أهل العربية من أهل البصرة: هي لام الابتداء، كان ينادون يقال لهم، لأن في النداء قول. قال: ومثله في الإعراب يقال: لزيد أفضل من عمرو. وقال بعض نحويِّي الكوفة: المعنى فيه: ينادون إن مقت الله إياكم، ولكن اللام تكفي من أن تقول في الكلام: ناديت أنّ زيدا قائم، قال: ومثله قوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ اللام بمنزلة"إن" في كل كلام ضارع القول مثل ينادون ويخبرون، وأشباه ذلك. وقال آخر غيره منهم: هذه لام اليمين، تدخل مع الحكاية، وما ضارع الحكاية لتدلّ على أن ما بعدها ائتناف. قال: ولا يجوز في جوابات الإيمان أن تقوم مقام اليمين، لأن اللام كانت معها النون أو لم تكن، فاكتفي بها من اليمين، لأنها لا تقع إلا معها. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: دخلت لتؤذن أن ما بعدها ائتناف وأنها لام اليمين. * * وقوله: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قد أتينا عليه في سورة البقرة، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع، ولكنا نذكر بعض ما قال بعضهم فيه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم، فأحياهم الله في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، فهما حياتان وموتتان. ⁕ وحُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول فى قوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ هو قول الله ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: هو كقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ ... الآية. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، في قوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: هي كالتي في البقرة ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ . ⁕ حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن أبي مالك في هذه الآية ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: خلقتنا ولم نكن شيئا ثم أمتنا، ثم أحييتنا. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، في قوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قالوا: كانوا أمواتا فأحياهم الله، ثم أماتهم، ثم أحياهم. وقال آخرون فيه ما:- ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: أميتوا في الدنيا، ثم أحيوا في قبورهم، فسئلوا أو خوطبوا، ثم أميتوا في قبورهم، ثم أحيوا في الآخرة. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق، وقرأ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ قال: فنساهم الفعل، وأخذ عليهم الميثاق، قال: وانتزع ضلعا من أضلاع آدم القصرى، فخلق منه حواء، ذكره عن النبي ﷺ، قال: وذلك قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ قال: بث منهما بعد ذلك في الأرحام خلقا كثيرا، وقرأ: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ قال: خلقا بعد ذلك، قال: فلما أخذ عليهم الميثاق، أماتهم ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة، فذلك قول الله: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ ، وقرأ قول الله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ قال: يومئذ، وقرأ قول الله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ . * * وقوله: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ يقول: فأقررنا بما عملنا من الذنوب في الدنيا ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ يقول: فهل إلى خروج من النار لنا سبيل، لنرجع إلى الدنيا، فنعمل غير الذي كنا نعمل فيها. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ : فهل إلى كرّة إلى الدنيا.

Al-Mukhtasar (français)

Ceux qui mécroient en Allah et en Ses messagers, le Jour de la Résurrection, lorsqu’ils entreront dans le Feu et alors qu’ils se feront des reproches à eux-mêmes et se maudiront, on les apostrophera en ces termes: Allah vous déteste plus que certains d’entre vous se détestent, car lorsque l’on vous appelait à croire en Allah dans le bas monde, vous préfériez mécroire en Lui et Lui associer des divinités.

11

قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍۢ مِّن سَبِيلٍۢ

Ils diront: «Notre Seigneur, Tu nous as fais mourir deux fois et redonné la vie deux fois: nous reconnaissons donc nos péchés. Y a-t-il un moyen d'en sortir?»

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْكُفَّارِ: أَنَّهُمْ يُنَادَون يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُمْ فِي غَمَرات النِّيرَانِ يَتَلَظَّوْنَ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا [[في أ: "بعدما".]] بَاشَرُوا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مَا لَا قِبَل لِأَحَدٍ بِهِ، فَمَقَتُوا عِنْدَ ذَلِكَ أَنْفُسَهُمْ وَأَبْغَضُوهَا غَايَةَ الْبُغْضِ، بِسَبَبِ مَا أَسْلَفُوا [[في ت، س: "أسلفوه".]] مِنَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ، الَّتِي كَانَتْ سَبَبَ دُخُولِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَأَخْبَرَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ إِخْبَارًا عَالِيًا، نَادَوْهُمْ [بِهِ] [[زيادة من ت، أ.]] نِدَاءً بِأَنَّ مَقْتَ اللَّهِ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا حِينَ كَانَ يُعرض عَلَيْهِمُ الْإِيمَانُ، فَيَكْفُرُونَ، أَشَدُّ مِنْ مَقْتِكُمْ أَيُّهَا الْمُعَذَّبُونَ أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ يَقُولُ: لمقتُ اللَّهِ أَهْلَ الضَّلَالَةِ حِينَ عُرض عَلَيْهِمُ الْإِيمَانُ فِي الدُّنْيَا، فَتَرَكُوهُ وَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوهُ، أَكْبَرُ مِمَّا مَقَتُوا أَنْفُسَهُمْ حِينَ عَايَنُوا عَذَابَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [[في أ: "عذاب الله في يوم القيامة".]] . وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وذَرُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [[في س: "عبيد الله".]] الهَمْداني، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَابْنُ جَرِيرٍ الطبري، رحمهم الله. وَقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي [[في أ: "ابن".]] إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] : هَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨] وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو مَالِكٍ. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا مِرْيَةَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: أُميتوا فِي الدُّنْيَا ثُمَّ أُحْيَوْا فِي قُبُورِهِمْ فَخُوطِبُوا، ثُمَّ أُمِيتُوا ثُمَّ أُحْيَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أُحْيَوْا حِينَ أُخِذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقُ مِنْ صُلْبِ آدَمَ، ثُمَّ خَلَقَهُمْ فِي الْأَرْحَامِ ثُمَّ أَمَاتَهُمْ [ثُمَّ أَحْيَاهُمْ] [[زيادة من ت، س، أ.]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَهَذَانَ الْقَوْلَانِ -مِنَ السُّدِّيِّ وَابْنِ زَيْدٍ-ضَعِيفَانِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُمَا عَلَى مَا قَالَا ثَلَاثُ إِحْيَاءَاتٍ وَإِمَاتَاتٍ. وَالصَّحِيحُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَابَعَهُمَا. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ: أَنَّ الْكُفَّارَ يَسْأَلُونَ الرَّجْعَةَ وَهُمْ وُقُوفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السَّجْدَةِ:١٢] ، فَلَا يُجَابُونَ. ثُمَّ إِذَا رَأَوُا النَّارَ وَعَايَنُوهَا وَوَقَفُوا عَلَيْهَا، وَنَظَرُوا إِلَى مَا فِيهَا مِنَ الْعَذَابِ والنَّكال، سَأَلُوا الرَّجْعَةَ أَشَدَّ مِمَّا سَأَلُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَلَا يُجَابُونَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون﴾ [الْأَنْعَامِ:٢٧، ٢٨] فَإِذَا دَخَلُوا النَّارَ وَذَاقُوا مَسّها وحَسِيسها وَمَقَامِعَهَا وَأَغْلَالَهَا، كَانَ سؤُالهم لِلرَّجْعَةِ أَشَدَّ وَأَعْظَمَ، ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فَاطِرٍ:٣٧] ، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ. قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠٧، ١٠٨] ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ تَلَطَّفُوا فِي السُّؤَالِ، وَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ كَلَامِهِمْ مُقدّمة، وَهِيَ قَوْلُهُمْ: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ أَيْ: قُدْرَتُكَ عَظِيمَةٌ، فَإِنَّكَ أَحْيَيْتَنَا بَعْدَ مَا كُنَّا أَمْوَاتًا، ثُمَّ أَمَتَّنَا ثُمَّ أَحْيَيْتَنَا، فَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَى مَا تَشَاءُ، وَقَدِ اعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا، وَإِنَّنَا كُنَّا ظَالِمِينَ لِأَنْفُسِنَا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا، ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أَيْ فَهَلْ أَنْتَ مُجِيبُنَا إِلَى أَنْ تُعِيدَنَا إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا؟ فَإِنَّكَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ؛ لِنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ، فَإِنْ عُدْنَا إِلَى مَا كُنَّا فِيهِ فَإِنَّا ظَالِمُونَ. فأُجِيبُوا أَلَّا سَبِيلَ إِلَى عَوْدِكُمْ وَمَرْجِعِكُمْ إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا. ثُمَّ عَلَّلَ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّ سَجَايَاكُمْ لَا تَقْبَلُ الْحَقَّ وَلَا تَقْتَضِيهِ بَلْ تَجْحَده وَتَنْفِيهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أَيْ: أَنْتُمْ هَكَذَا تَكُونُونَ، وَإِنْ رُدِدْتُمْ إِلَى الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٨] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ أَيْ: هُوَ الْحَاكِمُ فِي خَلْقِهِ، الْعَادِلُ الَّذِي لَا يَجُورُ، فَيَهْدِي مَنْ يشاء، ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أَيْ: يُظْهِرُ قُدْرَتَهُ لِخَلْقِهِ [[في أ: "بخلقه".]] بِمَا يُشَاهِدُونَهُ فِي خَلْقِهِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِ خَالِقِهَا وَمُبْدِعِهَا وَمُنْشِئِهَا، ﴿وَيُنزلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ ، وَهُوَ الْمَطَرُ الَّذِي يُخْرِجُ بِهِ مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ مَا هُوَ مُشَاهَدٌ بِالْحِسِّ، مِنِ اخْتِلَافِ أَلْوَانِهِ وَطَعُومِهِ، وَرَوَائِحِهِ وَأَشْكَالِهِ وَأَلْوَانِهِ، وَهُوَ مَاءٌ وَاحِدٌ، فَبِالْقُدْرَةِ الْعَظِيمَةِ فَاوَتَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ﴾ أَيْ: يَعْتَبِرُ وَيَتَفَكَّرُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَيَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى عَظَمَةِ خَالِقِهَا ﴿إِلا مَنْ يُنِيبُ﴾ أَيْ: مَنْ هُوَ بَصِيرٌ مُنِيبٌ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ أَيْ: فَأَخْلِصُوا لِلَّهِ وَحْدَهُ الْعِبَادَةَ وَالدُّعَاءَ، وَخَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ فِي مَسْلَكِهِمْ وَمَذْهَبِهِمْ. قَالَ [[في ت: "روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ -يعني بن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ-عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ مُحَمَّدِ بن مسلم بن مدرس الْمَكِّيِّ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ [[في أ: "عقب الصلوات المكتوبات".]] : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُهَلِّل بِهِنَّ [[في ت: "بهن في دبر".]] دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ [[المسند (٤/٤) .]] . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَحَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ [[في ت: "لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وهو على كل شيء قدير".]] وَذَكَرَ تَمَامَهُ [[صحيح مسلم برقم (٥٩٤) .]] . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" [[صحيح مسلم برقم (٥٩٤) وسنن أبي داود برقم (١٥٠٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٢٦٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ حَدَّثَنَا الخَصِيب بْنُ نَاصِحٍ، حَدَّثَنَا صَالِحٌ -يَعْنِي المِرِّي-عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ادعوا الله وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ" [[ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٤٧٩) عن معاوية بن صالح ورواه الحاكم في المستدرك (١/٤٩٣) عن عفان بن مسلم وموسى ابن إسماعيل ورواه الطبراني في كتاب الدعاء برقم (٦٢) عن مخلد بن خداش كلهم من طريق صالح المري به. قال اطبراني في المعجم الأوسط: "لم يرو هذا الحديث عن هشام بن حسان إلا صالح المري" ومداره على صالح المري وهو متروك.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الذين كفروا بالله ينادون في النار يوم القيامة إذا دخلوها، فمقتوا بدخولهموها أنفسهم حين عاينوا ما أعدّ الله لهم فيها من أنواع العذاب، فيقال لهم: لمقت الله إياكم أيها القوم في الدنيا، إذ تدعون فيها للإيمان بالله فتكفرون، أكبر من مقتكم اليوم أنفسكم لما حل بكم من سخط الله عليكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قال: مقتوا أنفسهم حين رأوا أعمالهم، ومقت الله إياهم في الدنيا، إذ يدعون إلى الإيمان، فيكفرون أكبر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ يقول: لمقت الله أهل الضلالة حين عرض عليهم الإيمان في الدنيا، فتركوه، وأبوا أن يقبلوا، أكبر مما مقتوا أنفسهم، حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ في النار ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ﴾ في الدنيا ﴿فَتَكْفُرُونَ﴾ . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ ... الآية، قال: لما دخلوا النار مقتوا أنفسهم في معاصي الله التي ركبوها، فنودوا: إن مقت الله إياكم حين دعاكم إلى الإسلام أشد من مقتكم أنفسكم اليوم حين دخلتم النار. واختلف أهل العربية في وجه دخول هذه اللام في قوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ فقال بعض أهل العربية من أهل البصرة: هي لام الابتداء، كان ينادون يقال لهم، لأن في النداء قول. قال: ومثله في الإعراب يقال: لزيد أفضل من عمرو. وقال بعض نحويِّي الكوفة: المعنى فيه: ينادون إن مقت الله إياكم، ولكن اللام تكفي من أن تقول في الكلام: ناديت أنّ زيدا قائم، قال: ومثله قوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ اللام بمنزلة"إن" في كل كلام ضارع القول مثل ينادون ويخبرون، وأشباه ذلك. وقال آخر غيره منهم: هذه لام اليمين، تدخل مع الحكاية، وما ضارع الحكاية لتدلّ على أن ما بعدها ائتناف. قال: ولا يجوز في جوابات الإيمان أن تقوم مقام اليمين، لأن اللام كانت معها النون أو لم تكن، فاكتفي بها من اليمين، لأنها لا تقع إلا معها. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: دخلت لتؤذن أن ما بعدها ائتناف وأنها لام اليمين. * * وقوله: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قد أتينا عليه في سورة البقرة، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع، ولكنا نذكر بعض ما قال بعضهم فيه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم، فأحياهم الله في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، فهما حياتان وموتتان. ⁕ وحُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول فى قوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ هو قول الله ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: هو كقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ ... الآية. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، في قوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: هي كالتي في البقرة ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ . ⁕ حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن أبي مالك في هذه الآية ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: خلقتنا ولم نكن شيئا ثم أمتنا، ثم أحييتنا. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، في قوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قالوا: كانوا أمواتا فأحياهم الله، ثم أماتهم، ثم أحياهم. وقال آخرون فيه ما:- ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: أميتوا في الدنيا، ثم أحيوا في قبورهم، فسئلوا أو خوطبوا، ثم أميتوا في قبورهم، ثم أحيوا في الآخرة. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق، وقرأ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ قال: فنساهم الفعل، وأخذ عليهم الميثاق، قال: وانتزع ضلعا من أضلاع آدم القصرى، فخلق منه حواء، ذكره عن النبي ﷺ، قال: وذلك قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ قال: بث منهما بعد ذلك في الأرحام خلقا كثيرا، وقرأ: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ قال: خلقا بعد ذلك، قال: فلما أخذ عليهم الميثاق، أماتهم ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة، فذلك قول الله: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ ، وقرأ قول الله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ قال: يومئذ، وقرأ قول الله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ . * * وقوله: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ يقول: فأقررنا بما عملنا من الذنوب في الدنيا ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ يقول: فهل إلى خروج من النار لنا سبيل، لنرجع إلى الدنيا، فنعمل غير الذي كنا نعمل فيها. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ : فهل إلى كرّة إلى الدنيا.

Al-Mukhtasar (français)

Reconnaissant leurs péchés au moment où ni reconnaître ses péchés ni s’en repentir ne sera utile, ils diront: Ô notre Seigneur, Tu nous a fait mourir à deux reprises: lorsque nous faisions partie du néant puis en nous faisant mourir [après notre vie] et Tu nous as donné la vie à deux reprises en nous faisant exister à partir du néant et en nous ressuscitant. Nous reconnaissons les péchés que nous avons commis. Existe-t-il un moyen de sortir du Feu et de revenir à la vie, afin que nous accomplissions de bonnes œuvres et que Tu nous agrées?

12

ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُۥ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِۦ تُؤْمِنُوا۟ ۚ فَٱلْحُكْمُ لِلَّهِ ٱلْعَلِىِّ ٱلْكَبِيرِ

«... Il en est ainsi car lorsqu'Allah était invoqué seul (sans associé), vous ne croyiez pas; et si on Lui donnait des associés, alors vous croyiez. Le jugement appartient à Allah, le Très Haut, le Très Grand».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْكُفَّارِ: أَنَّهُمْ يُنَادَون يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُمْ فِي غَمَرات النِّيرَانِ يَتَلَظَّوْنَ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا [[في أ: "بعدما".]] بَاشَرُوا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مَا لَا قِبَل لِأَحَدٍ بِهِ، فَمَقَتُوا عِنْدَ ذَلِكَ أَنْفُسَهُمْ وَأَبْغَضُوهَا غَايَةَ الْبُغْضِ، بِسَبَبِ مَا أَسْلَفُوا [[في ت، س: "أسلفوه".]] مِنَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ، الَّتِي كَانَتْ سَبَبَ دُخُولِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَأَخْبَرَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ إِخْبَارًا عَالِيًا، نَادَوْهُمْ [بِهِ] [[زيادة من ت، أ.]] نِدَاءً بِأَنَّ مَقْتَ اللَّهِ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا حِينَ كَانَ يُعرض عَلَيْهِمُ الْإِيمَانُ، فَيَكْفُرُونَ، أَشَدُّ مِنْ مَقْتِكُمْ أَيُّهَا الْمُعَذَّبُونَ أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ يَقُولُ: لمقتُ اللَّهِ أَهْلَ الضَّلَالَةِ حِينَ عُرض عَلَيْهِمُ الْإِيمَانُ فِي الدُّنْيَا، فَتَرَكُوهُ وَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوهُ، أَكْبَرُ مِمَّا مَقَتُوا أَنْفُسَهُمْ حِينَ عَايَنُوا عَذَابَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [[في أ: "عذاب الله في يوم القيامة".]] . وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وذَرُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [[في س: "عبيد الله".]] الهَمْداني، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَابْنُ جَرِيرٍ الطبري، رحمهم الله. وَقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي [[في أ: "ابن".]] إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] : هَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨] وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو مَالِكٍ. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا مِرْيَةَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: أُميتوا فِي الدُّنْيَا ثُمَّ أُحْيَوْا فِي قُبُورِهِمْ فَخُوطِبُوا، ثُمَّ أُمِيتُوا ثُمَّ أُحْيَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أُحْيَوْا حِينَ أُخِذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقُ مِنْ صُلْبِ آدَمَ، ثُمَّ خَلَقَهُمْ فِي الْأَرْحَامِ ثُمَّ أَمَاتَهُمْ [ثُمَّ أَحْيَاهُمْ] [[زيادة من ت، س، أ.]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَهَذَانَ الْقَوْلَانِ -مِنَ السُّدِّيِّ وَابْنِ زَيْدٍ-ضَعِيفَانِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُمَا عَلَى مَا قَالَا ثَلَاثُ إِحْيَاءَاتٍ وَإِمَاتَاتٍ. وَالصَّحِيحُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَابَعَهُمَا. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ: أَنَّ الْكُفَّارَ يَسْأَلُونَ الرَّجْعَةَ وَهُمْ وُقُوفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السَّجْدَةِ:١٢] ، فَلَا يُجَابُونَ. ثُمَّ إِذَا رَأَوُا النَّارَ وَعَايَنُوهَا وَوَقَفُوا عَلَيْهَا، وَنَظَرُوا إِلَى مَا فِيهَا مِنَ الْعَذَابِ والنَّكال، سَأَلُوا الرَّجْعَةَ أَشَدَّ مِمَّا سَأَلُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَلَا يُجَابُونَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون﴾ [الْأَنْعَامِ:٢٧، ٢٨] فَإِذَا دَخَلُوا النَّارَ وَذَاقُوا مَسّها وحَسِيسها وَمَقَامِعَهَا وَأَغْلَالَهَا، كَانَ سؤُالهم لِلرَّجْعَةِ أَشَدَّ وَأَعْظَمَ، ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فَاطِرٍ:٣٧] ، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ. قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠٧، ١٠٨] ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ تَلَطَّفُوا فِي السُّؤَالِ، وَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ كَلَامِهِمْ مُقدّمة، وَهِيَ قَوْلُهُمْ: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ أَيْ: قُدْرَتُكَ عَظِيمَةٌ، فَإِنَّكَ أَحْيَيْتَنَا بَعْدَ مَا كُنَّا أَمْوَاتًا، ثُمَّ أَمَتَّنَا ثُمَّ أَحْيَيْتَنَا، فَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَى مَا تَشَاءُ، وَقَدِ اعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا، وَإِنَّنَا كُنَّا ظَالِمِينَ لِأَنْفُسِنَا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا، ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أَيْ فَهَلْ أَنْتَ مُجِيبُنَا إِلَى أَنْ تُعِيدَنَا إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا؟ فَإِنَّكَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ؛ لِنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ، فَإِنْ عُدْنَا إِلَى مَا كُنَّا فِيهِ فَإِنَّا ظَالِمُونَ. فأُجِيبُوا أَلَّا سَبِيلَ إِلَى عَوْدِكُمْ وَمَرْجِعِكُمْ إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا. ثُمَّ عَلَّلَ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّ سَجَايَاكُمْ لَا تَقْبَلُ الْحَقَّ وَلَا تَقْتَضِيهِ بَلْ تَجْحَده وَتَنْفِيهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أَيْ: أَنْتُمْ هَكَذَا تَكُونُونَ، وَإِنْ رُدِدْتُمْ إِلَى الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٨] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ أَيْ: هُوَ الْحَاكِمُ فِي خَلْقِهِ، الْعَادِلُ الَّذِي لَا يَجُورُ، فَيَهْدِي مَنْ يشاء، ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أَيْ: يُظْهِرُ قُدْرَتَهُ لِخَلْقِهِ [[في أ: "بخلقه".]] بِمَا يُشَاهِدُونَهُ فِي خَلْقِهِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِ خَالِقِهَا وَمُبْدِعِهَا وَمُنْشِئِهَا، ﴿وَيُنزلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ ، وَهُوَ الْمَطَرُ الَّذِي يُخْرِجُ بِهِ مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ مَا هُوَ مُشَاهَدٌ بِالْحِسِّ، مِنِ اخْتِلَافِ أَلْوَانِهِ وَطَعُومِهِ، وَرَوَائِحِهِ وَأَشْكَالِهِ وَأَلْوَانِهِ، وَهُوَ مَاءٌ وَاحِدٌ، فَبِالْقُدْرَةِ الْعَظِيمَةِ فَاوَتَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ﴾ أَيْ: يَعْتَبِرُ وَيَتَفَكَّرُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَيَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى عَظَمَةِ خَالِقِهَا ﴿إِلا مَنْ يُنِيبُ﴾ أَيْ: مَنْ هُوَ بَصِيرٌ مُنِيبٌ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ أَيْ: فَأَخْلِصُوا لِلَّهِ وَحْدَهُ الْعِبَادَةَ وَالدُّعَاءَ، وَخَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ فِي مَسْلَكِهِمْ وَمَذْهَبِهِمْ. قَالَ [[في ت: "روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ -يعني بن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ-عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ مُحَمَّدِ بن مسلم بن مدرس الْمَكِّيِّ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ [[في أ: "عقب الصلوات المكتوبات".]] : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُهَلِّل بِهِنَّ [[في ت: "بهن في دبر".]] دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ [[المسند (٤/٤) .]] . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَحَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ [[في ت: "لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وهو على كل شيء قدير".]] وَذَكَرَ تَمَامَهُ [[صحيح مسلم برقم (٥٩٤) .]] . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" [[صحيح مسلم برقم (٥٩٤) وسنن أبي داود برقم (١٥٠٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٢٦٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ حَدَّثَنَا الخَصِيب بْنُ نَاصِحٍ، حَدَّثَنَا صَالِحٌ -يَعْنِي المِرِّي-عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ادعوا الله وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ" [[ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٤٧٩) عن معاوية بن صالح ورواه الحاكم في المستدرك (١/٤٩٣) عن عفان بن مسلم وموسى ابن إسماعيل ورواه الطبراني في كتاب الدعاء برقم (٦٢) عن مخلد بن خداش كلهم من طريق صالح المري به. قال اطبراني في المعجم الأوسط: "لم يرو هذا الحديث عن هشام بن حسان إلا صالح المري" ومداره على صالح المري وهو متروك.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) ﴾ وفي هذا الكلام متروك استغني بدلالة الظاهر من ذكره عليه؛ وهو: فأجيبوا أن لا سبيل إلى ذلك هذا الذي لكم من العذاب أيها الكافرون ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ ، فأنكرتم أن تكون الألوهة له خالصة، وقلتم ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ . ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ يقول: وإن يجعل لله شريك تصدّقوا من جعل ذلك له ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ يقول: فالقضاء لله العلي على كل شيء، الكبير الذي كل شيء دونه متصاغرا له اليوم. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنزلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلا مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: الذي يريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته وربوبيته ﴿وَيُنزلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ يقول ينزل لكم من أرزاقكم من السماء بإدرار الغيث الذي يخرج به أقواتكم من الأرض، وغذاء أنعامكم عليكم ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلا مَنْ يُنِيبُ﴾ يقول: وما يتذكر حجج الله التي جعلها أدلة على وحدانيته، فيعتبر بها ويتعظ، ويعلم حقيقة ما تدل عليه، إلا من ينيب، يقول: إلا من يرجع إلى توحيده، ويقبل على طاعته. كما:- ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿إِلا مَنْ يُنِيبُ﴾ قال: من يقبل إلى طاعة الله. * * وقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ وللمؤمنين به، فاعبدوا الله أيها المؤمنون له، مخلصين له الطاعة غير مشركين به شيئا مما دونه ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ يقول: ولو كره عبادتكم إياه مخلصين له الطاعة الكافرون المشركون في عبادتهم إياه الأوثان والأنداد.

Al-Mukhtasar (français)

Ce châtiment vous est infligé car lorsque l’on invoquait Allah Seul et qu’on ne Lui associait personne, vous mécroyiez en Lui et Lui attribuiez des associés. A l’inverse, lorsque l’on adorait un associé avec Allah, vous croyiez. Le jugement appartient donc à Allah Seul, le Très-Haut par Son Etre, par Son pouvoir de décréter et par Sa domination, le Très Grand devant lequel tout est petit.

13

هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقًۭا ۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ

C'est Lui qui vous fait voir Ses preuves, et fait descendre du ciel, pour vous, une subsistance. Seul se rappelle celui qui revient [à Allah].

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْكُفَّارِ: أَنَّهُمْ يُنَادَون يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُمْ فِي غَمَرات النِّيرَانِ يَتَلَظَّوْنَ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا [[في أ: "بعدما".]] بَاشَرُوا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مَا لَا قِبَل لِأَحَدٍ بِهِ، فَمَقَتُوا عِنْدَ ذَلِكَ أَنْفُسَهُمْ وَأَبْغَضُوهَا غَايَةَ الْبُغْضِ، بِسَبَبِ مَا أَسْلَفُوا [[في ت، س: "أسلفوه".]] مِنَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ، الَّتِي كَانَتْ سَبَبَ دُخُولِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَأَخْبَرَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ إِخْبَارًا عَالِيًا، نَادَوْهُمْ [بِهِ] [[زيادة من ت، أ.]] نِدَاءً بِأَنَّ مَقْتَ اللَّهِ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا حِينَ كَانَ يُعرض عَلَيْهِمُ الْإِيمَانُ، فَيَكْفُرُونَ، أَشَدُّ مِنْ مَقْتِكُمْ أَيُّهَا الْمُعَذَّبُونَ أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ يَقُولُ: لمقتُ اللَّهِ أَهْلَ الضَّلَالَةِ حِينَ عُرض عَلَيْهِمُ الْإِيمَانُ فِي الدُّنْيَا، فَتَرَكُوهُ وَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوهُ، أَكْبَرُ مِمَّا مَقَتُوا أَنْفُسَهُمْ حِينَ عَايَنُوا عَذَابَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [[في أ: "عذاب الله في يوم القيامة".]] . وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وذَرُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [[في س: "عبيد الله".]] الهَمْداني، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَابْنُ جَرِيرٍ الطبري، رحمهم الله. وَقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي [[في أ: "ابن".]] إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] : هَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨] وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو مَالِكٍ. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا مِرْيَةَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: أُميتوا فِي الدُّنْيَا ثُمَّ أُحْيَوْا فِي قُبُورِهِمْ فَخُوطِبُوا، ثُمَّ أُمِيتُوا ثُمَّ أُحْيَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أُحْيَوْا حِينَ أُخِذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقُ مِنْ صُلْبِ آدَمَ، ثُمَّ خَلَقَهُمْ فِي الْأَرْحَامِ ثُمَّ أَمَاتَهُمْ [ثُمَّ أَحْيَاهُمْ] [[زيادة من ت، س، أ.]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَهَذَانَ الْقَوْلَانِ -مِنَ السُّدِّيِّ وَابْنِ زَيْدٍ-ضَعِيفَانِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُمَا عَلَى مَا قَالَا ثَلَاثُ إِحْيَاءَاتٍ وَإِمَاتَاتٍ. وَالصَّحِيحُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَابَعَهُمَا. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ: أَنَّ الْكُفَّارَ يَسْأَلُونَ الرَّجْعَةَ وَهُمْ وُقُوفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السَّجْدَةِ:١٢] ، فَلَا يُجَابُونَ. ثُمَّ إِذَا رَأَوُا النَّارَ وَعَايَنُوهَا وَوَقَفُوا عَلَيْهَا، وَنَظَرُوا إِلَى مَا فِيهَا مِنَ الْعَذَابِ والنَّكال، سَأَلُوا الرَّجْعَةَ أَشَدَّ مِمَّا سَأَلُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَلَا يُجَابُونَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون﴾ [الْأَنْعَامِ:٢٧، ٢٨] فَإِذَا دَخَلُوا النَّارَ وَذَاقُوا مَسّها وحَسِيسها وَمَقَامِعَهَا وَأَغْلَالَهَا، كَانَ سؤُالهم لِلرَّجْعَةِ أَشَدَّ وَأَعْظَمَ، ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فَاطِرٍ:٣٧] ، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ. قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠٧، ١٠٨] ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ تَلَطَّفُوا فِي السُّؤَالِ، وَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ كَلَامِهِمْ مُقدّمة، وَهِيَ قَوْلُهُمْ: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ أَيْ: قُدْرَتُكَ عَظِيمَةٌ، فَإِنَّكَ أَحْيَيْتَنَا بَعْدَ مَا كُنَّا أَمْوَاتًا، ثُمَّ أَمَتَّنَا ثُمَّ أَحْيَيْتَنَا، فَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَى مَا تَشَاءُ، وَقَدِ اعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا، وَإِنَّنَا كُنَّا ظَالِمِينَ لِأَنْفُسِنَا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا، ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أَيْ فَهَلْ أَنْتَ مُجِيبُنَا إِلَى أَنْ تُعِيدَنَا إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا؟ فَإِنَّكَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ؛ لِنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ، فَإِنْ عُدْنَا إِلَى مَا كُنَّا فِيهِ فَإِنَّا ظَالِمُونَ. فأُجِيبُوا أَلَّا سَبِيلَ إِلَى عَوْدِكُمْ وَمَرْجِعِكُمْ إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا. ثُمَّ عَلَّلَ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّ سَجَايَاكُمْ لَا تَقْبَلُ الْحَقَّ وَلَا تَقْتَضِيهِ بَلْ تَجْحَده وَتَنْفِيهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أَيْ: أَنْتُمْ هَكَذَا تَكُونُونَ، وَإِنْ رُدِدْتُمْ إِلَى الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٨] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ أَيْ: هُوَ الْحَاكِمُ فِي خَلْقِهِ، الْعَادِلُ الَّذِي لَا يَجُورُ، فَيَهْدِي مَنْ يشاء، ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أَيْ: يُظْهِرُ قُدْرَتَهُ لِخَلْقِهِ [[في أ: "بخلقه".]] بِمَا يُشَاهِدُونَهُ فِي خَلْقِهِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِ خَالِقِهَا وَمُبْدِعِهَا وَمُنْشِئِهَا، ﴿وَيُنزلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ ، وَهُوَ الْمَطَرُ الَّذِي يُخْرِجُ بِهِ مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ مَا هُوَ مُشَاهَدٌ بِالْحِسِّ، مِنِ اخْتِلَافِ أَلْوَانِهِ وَطَعُومِهِ، وَرَوَائِحِهِ وَأَشْكَالِهِ وَأَلْوَانِهِ، وَهُوَ مَاءٌ وَاحِدٌ، فَبِالْقُدْرَةِ الْعَظِيمَةِ فَاوَتَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ﴾ أَيْ: يَعْتَبِرُ وَيَتَفَكَّرُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَيَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى عَظَمَةِ خَالِقِهَا ﴿إِلا مَنْ يُنِيبُ﴾ أَيْ: مَنْ هُوَ بَصِيرٌ مُنِيبٌ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ أَيْ: فَأَخْلِصُوا لِلَّهِ وَحْدَهُ الْعِبَادَةَ وَالدُّعَاءَ، وَخَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ فِي مَسْلَكِهِمْ وَمَذْهَبِهِمْ. قَالَ [[في ت: "روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ -يعني بن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ-عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ مُحَمَّدِ بن مسلم بن مدرس الْمَكِّيِّ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ [[في أ: "عقب الصلوات المكتوبات".]] : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُهَلِّل بِهِنَّ [[في ت: "بهن في دبر".]] دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ [[المسند (٤/٤) .]] . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَحَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ [[في ت: "لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وهو على كل شيء قدير".]] وَذَكَرَ تَمَامَهُ [[صحيح مسلم برقم (٥٩٤) .]] . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" [[صحيح مسلم برقم (٥٩٤) وسنن أبي داود برقم (١٥٠٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٢٦٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ حَدَّثَنَا الخَصِيب بْنُ نَاصِحٍ، حَدَّثَنَا صَالِحٌ -يَعْنِي المِرِّي-عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ادعوا الله وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ" [[ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٤٧٩) عن معاوية بن صالح ورواه الحاكم في المستدرك (١/٤٩٣) عن عفان بن مسلم وموسى ابن إسماعيل ورواه الطبراني في كتاب الدعاء برقم (٦٢) عن مخلد بن خداش كلهم من طريق صالح المري به. قال اطبراني في المعجم الأوسط: "لم يرو هذا الحديث عن هشام بن حسان إلا صالح المري" ومداره على صالح المري وهو متروك.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) ﴾ وفي هذا الكلام متروك استغني بدلالة الظاهر من ذكره عليه؛ وهو: فأجيبوا أن لا سبيل إلى ذلك هذا الذي لكم من العذاب أيها الكافرون ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ ، فأنكرتم أن تكون الألوهة له خالصة، وقلتم ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ . ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ يقول: وإن يجعل لله شريك تصدّقوا من جعل ذلك له ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ يقول: فالقضاء لله العلي على كل شيء، الكبير الذي كل شيء دونه متصاغرا له اليوم. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنزلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلا مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: الذي يريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته وربوبيته ﴿وَيُنزلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ يقول ينزل لكم من أرزاقكم من السماء بإدرار الغيث الذي يخرج به أقواتكم من الأرض، وغذاء أنعامكم عليكم ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلا مَنْ يُنِيبُ﴾ يقول: وما يتذكر حجج الله التي جعلها أدلة على وحدانيته، فيعتبر بها ويتعظ، ويعلم حقيقة ما تدل عليه، إلا من ينيب، يقول: إلا من يرجع إلى توحيده، ويقبل على طاعته. كما:- ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿إِلا مَنْ يُنِيبُ﴾ قال: من يقبل إلى طاعة الله. * * وقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ وللمؤمنين به، فاعبدوا الله أيها المؤمنون له، مخلصين له الطاعة غير مشركين به شيئا مما دونه ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ يقول: ولو كره عبادتكم إياه مخلصين له الطاعة الكافرون المشركون في عبادتهم إياه الأوثان والأنداد.

Al-Mukhtasar (français)

Allah est Celui qui vous montre Ses signes dans la nature et dans vos personnes afin de vous exposer Son pouvoir et Son Unicité. Il fait aussi descendre pour vous du Ciel l’eau de pluie afin qu’elle soit la cause de l’existence des plantes, des grains et d’autres choses dont vous êtes pourvus. Seuls ceux qui se repentent sincèrement à Allah tirent profit de Ses enseignements.

14

فَٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ

Invoquez Allah donc, en Lui vouant un culte exclusif quelque répulsion qu'en aient les mécréants.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْكُفَّارِ: أَنَّهُمْ يُنَادَون يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُمْ فِي غَمَرات النِّيرَانِ يَتَلَظَّوْنَ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا [[في أ: "بعدما".]] بَاشَرُوا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مَا لَا قِبَل لِأَحَدٍ بِهِ، فَمَقَتُوا عِنْدَ ذَلِكَ أَنْفُسَهُمْ وَأَبْغَضُوهَا غَايَةَ الْبُغْضِ، بِسَبَبِ مَا أَسْلَفُوا [[في ت، س: "أسلفوه".]] مِنَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ، الَّتِي كَانَتْ سَبَبَ دُخُولِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَأَخْبَرَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ إِخْبَارًا عَالِيًا، نَادَوْهُمْ [بِهِ] [[زيادة من ت، أ.]] نِدَاءً بِأَنَّ مَقْتَ اللَّهِ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا حِينَ كَانَ يُعرض عَلَيْهِمُ الْإِيمَانُ، فَيَكْفُرُونَ، أَشَدُّ مِنْ مَقْتِكُمْ أَيُّهَا الْمُعَذَّبُونَ أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ يَقُولُ: لمقتُ اللَّهِ أَهْلَ الضَّلَالَةِ حِينَ عُرض عَلَيْهِمُ الْإِيمَانُ فِي الدُّنْيَا، فَتَرَكُوهُ وَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوهُ، أَكْبَرُ مِمَّا مَقَتُوا أَنْفُسَهُمْ حِينَ عَايَنُوا عَذَابَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [[في أ: "عذاب الله في يوم القيامة".]] . وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وذَرُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [[في س: "عبيد الله".]] الهَمْداني، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَابْنُ جَرِيرٍ الطبري، رحمهم الله. وَقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي [[في أ: "ابن".]] إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] : هَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨] وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو مَالِكٍ. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا مِرْيَةَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: أُميتوا فِي الدُّنْيَا ثُمَّ أُحْيَوْا فِي قُبُورِهِمْ فَخُوطِبُوا، ثُمَّ أُمِيتُوا ثُمَّ أُحْيَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أُحْيَوْا حِينَ أُخِذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقُ مِنْ صُلْبِ آدَمَ، ثُمَّ خَلَقَهُمْ فِي الْأَرْحَامِ ثُمَّ أَمَاتَهُمْ [ثُمَّ أَحْيَاهُمْ] [[زيادة من ت، س، أ.]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَهَذَانَ الْقَوْلَانِ -مِنَ السُّدِّيِّ وَابْنِ زَيْدٍ-ضَعِيفَانِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُمَا عَلَى مَا قَالَا ثَلَاثُ إِحْيَاءَاتٍ وَإِمَاتَاتٍ. وَالصَّحِيحُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَابَعَهُمَا. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ: أَنَّ الْكُفَّارَ يَسْأَلُونَ الرَّجْعَةَ وَهُمْ وُقُوفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السَّجْدَةِ:١٢] ، فَلَا يُجَابُونَ. ثُمَّ إِذَا رَأَوُا النَّارَ وَعَايَنُوهَا وَوَقَفُوا عَلَيْهَا، وَنَظَرُوا إِلَى مَا فِيهَا مِنَ الْعَذَابِ والنَّكال، سَأَلُوا الرَّجْعَةَ أَشَدَّ مِمَّا سَأَلُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَلَا يُجَابُونَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون﴾ [الْأَنْعَامِ:٢٧، ٢٨] فَإِذَا دَخَلُوا النَّارَ وَذَاقُوا مَسّها وحَسِيسها وَمَقَامِعَهَا وَأَغْلَالَهَا، كَانَ سؤُالهم لِلرَّجْعَةِ أَشَدَّ وَأَعْظَمَ، ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فَاطِرٍ:٣٧] ، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ. قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠٧، ١٠٨] ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ تَلَطَّفُوا فِي السُّؤَالِ، وَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ كَلَامِهِمْ مُقدّمة، وَهِيَ قَوْلُهُمْ: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ أَيْ: قُدْرَتُكَ عَظِيمَةٌ، فَإِنَّكَ أَحْيَيْتَنَا بَعْدَ مَا كُنَّا أَمْوَاتًا، ثُمَّ أَمَتَّنَا ثُمَّ أَحْيَيْتَنَا، فَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَى مَا تَشَاءُ، وَقَدِ اعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا، وَإِنَّنَا كُنَّا ظَالِمِينَ لِأَنْفُسِنَا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا، ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أَيْ فَهَلْ أَنْتَ مُجِيبُنَا إِلَى أَنْ تُعِيدَنَا إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا؟ فَإِنَّكَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ؛ لِنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ، فَإِنْ عُدْنَا إِلَى مَا كُنَّا فِيهِ فَإِنَّا ظَالِمُونَ. فأُجِيبُوا أَلَّا سَبِيلَ إِلَى عَوْدِكُمْ وَمَرْجِعِكُمْ إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا. ثُمَّ عَلَّلَ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّ سَجَايَاكُمْ لَا تَقْبَلُ الْحَقَّ وَلَا تَقْتَضِيهِ بَلْ تَجْحَده وَتَنْفِيهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أَيْ: أَنْتُمْ هَكَذَا تَكُونُونَ، وَإِنْ رُدِدْتُمْ إِلَى الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٨] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ أَيْ: هُوَ الْحَاكِمُ فِي خَلْقِهِ، الْعَادِلُ الَّذِي لَا يَجُورُ، فَيَهْدِي مَنْ يشاء، ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أَيْ: يُظْهِرُ قُدْرَتَهُ لِخَلْقِهِ [[في أ: "بخلقه".]] بِمَا يُشَاهِدُونَهُ فِي خَلْقِهِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِ خَالِقِهَا وَمُبْدِعِهَا وَمُنْشِئِهَا، ﴿وَيُنزلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ ، وَهُوَ الْمَطَرُ الَّذِي يُخْرِجُ بِهِ مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ مَا هُوَ مُشَاهَدٌ بِالْحِسِّ، مِنِ اخْتِلَافِ أَلْوَانِهِ وَطَعُومِهِ، وَرَوَائِحِهِ وَأَشْكَالِهِ وَأَلْوَانِهِ، وَهُوَ مَاءٌ وَاحِدٌ، فَبِالْقُدْرَةِ الْعَظِيمَةِ فَاوَتَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ﴾ أَيْ: يَعْتَبِرُ وَيَتَفَكَّرُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَيَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى عَظَمَةِ خَالِقِهَا ﴿إِلا مَنْ يُنِيبُ﴾ أَيْ: مَنْ هُوَ بَصِيرٌ مُنِيبٌ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ أَيْ: فَأَخْلِصُوا لِلَّهِ وَحْدَهُ الْعِبَادَةَ وَالدُّعَاءَ، وَخَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ فِي مَسْلَكِهِمْ وَمَذْهَبِهِمْ. قَالَ [[في ت: "روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ -يعني بن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ-عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ مُحَمَّدِ بن مسلم بن مدرس الْمَكِّيِّ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ [[في أ: "عقب الصلوات المكتوبات".]] : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُهَلِّل بِهِنَّ [[في ت: "بهن في دبر".]] دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ [[المسند (٤/٤) .]] . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَحَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ [[في ت: "لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وهو على كل شيء قدير".]] وَذَكَرَ تَمَامَهُ [[صحيح مسلم برقم (٥٩٤) .]] . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" [[صحيح مسلم برقم (٥٩٤) وسنن أبي داود برقم (١٥٠٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٢٦٢) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ حَدَّثَنَا الخَصِيب بْنُ نَاصِحٍ، حَدَّثَنَا صَالِحٌ -يَعْنِي المِرِّي-عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ادعوا الله وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ" [[ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٤٧٩) عن معاوية بن صالح ورواه الحاكم في المستدرك (١/٤٩٣) عن عفان بن مسلم وموسى ابن إسماعيل ورواه الطبراني في كتاب الدعاء برقم (٦٢) عن مخلد بن خداش كلهم من طريق صالح المري به. قال اطبراني في المعجم الأوسط: "لم يرو هذا الحديث عن هشام بن حسان إلا صالح المري" ومداره على صالح المري وهو متروك.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) ﴾ وفي هذا الكلام متروك استغني بدلالة الظاهر من ذكره عليه؛ وهو: فأجيبوا أن لا سبيل إلى ذلك هذا الذي لكم من العذاب أيها الكافرون ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ ، فأنكرتم أن تكون الألوهة له خالصة، وقلتم ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ . ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ يقول: وإن يجعل لله شريك تصدّقوا من جعل ذلك له ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ يقول: فالقضاء لله العلي على كل شيء، الكبير الذي كل شيء دونه متصاغرا له اليوم. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنزلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلا مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: الذي يريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته وربوبيته ﴿وَيُنزلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ يقول ينزل لكم من أرزاقكم من السماء بإدرار الغيث الذي يخرج به أقواتكم من الأرض، وغذاء أنعامكم عليكم ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلا مَنْ يُنِيبُ﴾ يقول: وما يتذكر حجج الله التي جعلها أدلة على وحدانيته، فيعتبر بها ويتعظ، ويعلم حقيقة ما تدل عليه، إلا من ينيب، يقول: إلا من يرجع إلى توحيده، ويقبل على طاعته. كما:- ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿إِلا مَنْ يُنِيبُ﴾ قال: من يقبل إلى طاعة الله. * * وقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ وللمؤمنين به، فاعبدوا الله أيها المؤمنون له، مخلصين له الطاعة غير مشركين به شيئا مما دونه ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ يقول: ولو كره عبادتكم إياه مخلصين له الطاعة الكافرون المشركون في عبادتهم إياه الأوثان والأنداد.

Al-Mukhtasar (français)

Ô croyants, invoquez Allah et obéissez-Lui en vous adressant exclusivement à Lui et en ne Lui associant rien, même si cela déplaît aux mécréants et les met hors d’eux.

15

رَفِيعُ ٱلدَّرَجَٰتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلَاقِ

Il est Celui qui est élevé aux degrés les plus hauts, Possesseur du Trône, Il envoie par son ordre l'Esprit sur celui qu'Il veut parmi Ses serviteurs, afin que celui-ci avertisse du jour de la Rencontre,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى [مُخْبِرًا] [[زيادة من ت، س، أ.]] عَنْ عَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ، وَارْتِفَاعِ عَرْشِهِ الْعَظِيمِ الْعَالِي عَلَى جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ كَالسَّقْفِ لَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [فَاصْبِرْ] ﴾ [الْمَعَارِجِ:٣، ٤] ، [[زيادة من ت.]] وَسَيَأْتِي بَيَانُ أَنَّ هَذِهِ مَسَافَةُ مَا بَيْنَ الْعَرْشِ إِلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، فِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ الْأَرْجَحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] . وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْعَرْشَ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، اتِّسَاعُ مَا بَيْنَ قُطْرَيْهِ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَارْتِفَاعُهُ عَنِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ "الْأَوْعَالِ" مَا يَدُلُّ عَلَى ارْتِفَاعِهِ عن [[في ت، س: "من".]] السموات السَّبْعِ بِشَيْءٍ عَظِيمٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُنزلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا [فَاتَّقُونِ] ﴾ [النَّحْلِ: ٢] [[في س: "فاعبدوه" وهو خطأ والصواب ما أثبتناه.]] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. [بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين] ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٩٢ -١٩٤] [[في ت: "إنه" وهو خطأ والصواب ما أثبتناه.]] [[زيادة من ت.]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، حَذَّرَ مِنْهُ عِبَادَهُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيج: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَلْتَقِي فِيهِ آدَمُ وَآخِرُ وَلَدِهِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَلْتَقِي فِيهِ الْعِبَادُ. وَقَالَ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَبِلَالُ بْنُ سَعْدٍ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ [[في ت: "قتادة وغيره".]] : يَلْتَقِي فِيهِ أَهْلُ السَّمَاءِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ. وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: يَلْتَقِي فِيهِ أَهْلُ السَّمَاءِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ، وَالْخَالِقُ وَالْخَلْقُ. وَقَالَ مَيْمون بْنُ مِهْران: يَلْتَقِي [فِيهِ] [[زيادة من أ.]] الظَّالِمُ وَالْمَظْلُومُ. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [[في ت، س: "التلاق".]] هُوَ يَشْمَلُ هَذَا كُلَّهُ، وَيَشْمَلُ أَنَّ كُلَّ عَامِلٍ سَيَلْقَى مَا عَمِلَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ. كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ أَيْ: ظَاهِرُونَ بَادُونَ كُلُّهُمْ، لَا شَيْءَ يُكِنُّهُمْ وَلَا يُظِلُّهُمْ وَلَا يَسْتُرُهُمْ. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ فِي عِلْمِهِ عَلَى السَّوَاءِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ تَعَالَى [[في ت: "أن الله".]] يَطْوِي السموات وَالْأَرْضَ بِيَدِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ: أَنَّهُ تَعَالَى إِذَا قَبَضَ أَرْوَاحَ جَمِيعِ خَلْقِهِ، فَلَمْ يَبْقَ سِوَاهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، حِينَئِذٍ يَقُولُ: لِمَنِ الْمَلِكُ الْيَوْمَ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يُجِيبُ نَفْسَهُ قَائِلًا ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أَيِ: الَّذِي هُوَ وَحْدَهُ قَدْ قَهَر كُلَّ شَيْءٍ وَغَلَبَهُ [[انظر حديث الصور بتمامه عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.]] . وَقَدْ قَالَ [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ الدَّقَّاقُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] قَالَ: يُنَادِي مُنَادٍ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ. فَيَسْمَعُهَا الْأَحْيَاءُ وَالْأَمْوَاتُ، قَالَ: وَيَنْزِلُ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من ت، أ.]] إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَيَقُولُ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَدْلِهِ فِي حُكْمِهِ بَيْنَ خَلْقِهِ، أَنَّهُ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَلَا مِنْ شَرٍّ، بَلْ يَجْزِي بِالْحَسَنَةِ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، وَبِالسَّيِّئَةِ وَاحِدَةً؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ [[في ت: "البخاري" وهو خطأ.]] ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ-أَنَّهُ قَالَ: "يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا -إِلَى أَنْ قَالَ-: يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ [[في ت، س: "لكم".]] ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نَفْسَهُ" [[صحيح مسلم برقم (٢٥٧٧) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أَيْ: يُحَاسِبُ الْخَلَائِقَ كُلَّهُمْ، كَمَا يُحَاسِبُ نَفْسًا وَاحِدَةً، كَمَا قَالَ: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٨] ، وَقَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من س.]] : ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [الْقَمَرِ: ٥٠] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: هو رفيع الدرجات؛ ورفع قوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ على الابتداء؛ ولو جاء نصبا على الرد على قوله: فادعوا الله، كان صوابا. ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ يقول: ذو السرير المحيط بما دونه. * * وقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ يقول: ينزل الوحي من أمره على من يشاء من عباده. وقد اختلف أهل التأويل في معنى الروح في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني به الوحي. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتاده، قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ قال: الوحي من أمره. وقال آخرون: عني به القرآن والكتاب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني هارون بن إدريس الأصمّ، قال: ثنا عيد الرحمن بن المحاربيّ، عن جُوَيبر، عن الضحاك في قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ قال: يعني بالروح: الكتاب ينزله على من يشاء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ، وقرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ قال: هذا القرآن هو الروح، أوحاه الله إلى جبريل، وجبريل روح نزل به على النبي ﷺ، وقرأ: ﴿نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ قال. فالكتب التي أنزلها الله على أنبيائه هي الروح، لينذر بها ما قال الله يوم التلاق، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ قال: الروح: القرآن، كان أبي يقوله، قال ابن زيد: يقومون له صفا بين السماء والأرض حين ينزل جل جلاله. وقال آخرون: عني به النبوّة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قول الله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ قال: النبوّة على من يشاء. وهذه الأقوال متقاربات المعاني، وإن اختلفت ألفاظ أصحابها بها. * * وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ يقول: لينذر من يلقي الروح عليه من عباده من أمر الله بإنذاره من خلقه عذاب يوم تلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض، وهو يوم التلاق، وذلك يوم القيامة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس، قوله: ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ من أسماء يوم القيامة، عظمه الله، وحذّره عباده. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ : يوم تلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض، والخالق والخلق. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ تلقي أهل السماء وأهل الأرض. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ قال: يوم القيامة. قال: يوم تتلاقى العباد. * * وقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ يعني بقوله ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ يعني المنذرين الذين أرسل الله إليهم رسله لينذروهم وهم ظاهرون يعني للناظرين لا يحول بينهم وبينهم جبل ولا شجر، ولا يستر بعضهم عن بعض ساتر، ولكنهم بقاع صفصف لا أمت فيه ولا عوج. و"هم" من قوله: ﴿يَوْمِهِمْ﴾ في موضع رفع بما بعده، كقول القائل: فعلت ذلك يوم الحجاج أمير. واختلف أهل العربية في العلة التي من أجلها لم تخفض هم بيوم وقد أضيف إليه؟ فقال بعض نحويي البصرة: أضاف يوم إلى هم في المعنى، فلذلك لا ينوّن اليوم، كما قال: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ وقال: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ومعناه: هذا يوم فتنتهم، ولكن لما ابتدأ بالاسم، وبنى عليه لم يقدر على جرّه، وكانت الإضافة في المعنى إلى الفتنة، وهذا إنما يكون إذا كان اليوم في معنى إذ، وإلا فهو قبيح؛ ألا ترى أنك تقول: ليتك زمن زيد أمير: أي إذ زيد أمير، ولو قلت: ألقاك زمن زيدٌ أمير، لم يحسن. وقال غيره: معنى ذلك: أن الأوقات جعلت بمعنى إذ وإذا، فلذلك بقيت عل نصبها في الرفع والخفض والنصب، فقال: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ فنصبوا، والموضع خفض، وذلك دليل على أنه جعل موضعَ الأداة، ويجوز أن يعرب بوجوه الإعراب، لأنه ظهر ظهور الأسماء؛ ألا ترى أنه لا يعود عليه العائد كما يعود على الأسماء، فإن عاد العائد نوّن وأعرب ولم يضف، فقيل: أعجبني يوم فيه تقول، لما أن خرج من معنى الأداة، وعاد عليه الذكر صار اسما صحيحا. وقال: وجائز فى إذ أن تقول: أتيتك إذ تقوم، كما تقول: أتيتك يوم يجلس القاضي، فيكون زمنا معلوما، فأما أتيتك يوم تقوم فلا مؤنة فيه وهو جائز عند جميعهم، وقال: وهذه التي تسمى إضافة غير محضة. والصواب من القول عندي في ذلك، أن نصب يوم وسائر الأزمنة في مثل هذا الموضع نظير نصب الأدوات لوقوعها مواقعها، وإذا أعربت بوجوه الإعراب، فلأنها ظهرت ظهور الأسماء، فعوملت معاملتها. * * وقوله: ﴿لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ﴾ أي ولا من أعمالهم التي عملوها في الدنيا ﴿شَيْءٌ﴾ . وكان قتادة يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ ولكنهم برزوا له يوم القيامة، فلا يستترون بحبل ولا مدر. * * وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ يعني بذلك: يقول الربّ: لمن الملك اليوم؛ وترك ذكر"يقول" استغناء بدلالة الكلام عليه. * * وقوله: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ وقد ذكرنا الرواية الواردة بذلك فيما مضى قبل. ومعنى الكلام: يقول الربّ: لمن السلطان اليوم؟ وذلك يوم القيامة، فيحيب نفسه فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ﴾ الذي لا مثل له ولا شبيه ﴿القَهَّارِ﴾ لكلّ شيء سواه بقدرته، الغالب بعزّته.

Al-Mukhtasar (français)

Il mérite qu’on L’adore et qu’on Lui obéisse exclusivement car Ses degrés sont les plus hauts et sont de loin supérieurs à ceux de toutes Ses créatures et Il est le Seigneur du Trône Suprême. Il fait descendre la Révélation sur qui Il veut parmi Ses serviteurs afin que leurs âmes deviennent vivantes, qu’ils transmettent cette vie à d’autres et qu’ils avertissent les gens de ce qui aura lieu le Jour de la Résurrection, le Jour où les premières et les dernières générations seront réunies.

16

يَوْمَ هُم بَٰرِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌۭ ۚ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ

le jour où ils comparaîtront sans que rien en eux ne soit caché à Allah. A qui appartient la royauté, aujourd'hui? A Allah, l'Unique, le Dominateur.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى [مُخْبِرًا] [[زيادة من ت، س، أ.]] عَنْ عَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ، وَارْتِفَاعِ عَرْشِهِ الْعَظِيمِ الْعَالِي عَلَى جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ كَالسَّقْفِ لَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [فَاصْبِرْ] ﴾ [الْمَعَارِجِ:٣، ٤] ، [[زيادة من ت.]] وَسَيَأْتِي بَيَانُ أَنَّ هَذِهِ مَسَافَةُ مَا بَيْنَ الْعَرْشِ إِلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، فِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ الْأَرْجَحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] . وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْعَرْشَ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، اتِّسَاعُ مَا بَيْنَ قُطْرَيْهِ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَارْتِفَاعُهُ عَنِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ "الْأَوْعَالِ" مَا يَدُلُّ عَلَى ارْتِفَاعِهِ عن [[في ت، س: "من".]] السموات السَّبْعِ بِشَيْءٍ عَظِيمٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُنزلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا [فَاتَّقُونِ] ﴾ [النَّحْلِ: ٢] [[في س: "فاعبدوه" وهو خطأ والصواب ما أثبتناه.]] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. [بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين] ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٩٢ -١٩٤] [[في ت: "إنه" وهو خطأ والصواب ما أثبتناه.]] [[زيادة من ت.]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، حَذَّرَ مِنْهُ عِبَادَهُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيج: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَلْتَقِي فِيهِ آدَمُ وَآخِرُ وَلَدِهِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَلْتَقِي فِيهِ الْعِبَادُ. وَقَالَ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَبِلَالُ بْنُ سَعْدٍ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ [[في ت: "قتادة وغيره".]] : يَلْتَقِي فِيهِ أَهْلُ السَّمَاءِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ. وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: يَلْتَقِي فِيهِ أَهْلُ السَّمَاءِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ، وَالْخَالِقُ وَالْخَلْقُ. وَقَالَ مَيْمون بْنُ مِهْران: يَلْتَقِي [فِيهِ] [[زيادة من أ.]] الظَّالِمُ وَالْمَظْلُومُ. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [[في ت، س: "التلاق".]] هُوَ يَشْمَلُ هَذَا كُلَّهُ، وَيَشْمَلُ أَنَّ كُلَّ عَامِلٍ سَيَلْقَى مَا عَمِلَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ. كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ أَيْ: ظَاهِرُونَ بَادُونَ كُلُّهُمْ، لَا شَيْءَ يُكِنُّهُمْ وَلَا يُظِلُّهُمْ وَلَا يَسْتُرُهُمْ. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ فِي عِلْمِهِ عَلَى السَّوَاءِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ تَعَالَى [[في ت: "أن الله".]] يَطْوِي السموات وَالْأَرْضَ بِيَدِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ: أَنَّهُ تَعَالَى إِذَا قَبَضَ أَرْوَاحَ جَمِيعِ خَلْقِهِ، فَلَمْ يَبْقَ سِوَاهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، حِينَئِذٍ يَقُولُ: لِمَنِ الْمَلِكُ الْيَوْمَ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يُجِيبُ نَفْسَهُ قَائِلًا ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أَيِ: الَّذِي هُوَ وَحْدَهُ قَدْ قَهَر كُلَّ شَيْءٍ وَغَلَبَهُ [[انظر حديث الصور بتمامه عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.]] . وَقَدْ قَالَ [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ الدَّقَّاقُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] قَالَ: يُنَادِي مُنَادٍ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ. فَيَسْمَعُهَا الْأَحْيَاءُ وَالْأَمْوَاتُ، قَالَ: وَيَنْزِلُ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من ت، أ.]] إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَيَقُولُ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَدْلِهِ فِي حُكْمِهِ بَيْنَ خَلْقِهِ، أَنَّهُ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَلَا مِنْ شَرٍّ، بَلْ يَجْزِي بِالْحَسَنَةِ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، وَبِالسَّيِّئَةِ وَاحِدَةً؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ [[في ت: "البخاري" وهو خطأ.]] ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ-أَنَّهُ قَالَ: "يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا -إِلَى أَنْ قَالَ-: يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ [[في ت، س: "لكم".]] ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نَفْسَهُ" [[صحيح مسلم برقم (٢٥٧٧) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أَيْ: يُحَاسِبُ الْخَلَائِقَ كُلَّهُمْ، كَمَا يُحَاسِبُ نَفْسًا وَاحِدَةً، كَمَا قَالَ: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٨] ، وَقَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من س.]] : ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [الْقَمَرِ: ٥٠] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: هو رفيع الدرجات؛ ورفع قوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ على الابتداء؛ ولو جاء نصبا على الرد على قوله: فادعوا الله، كان صوابا. ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ يقول: ذو السرير المحيط بما دونه. * * وقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ يقول: ينزل الوحي من أمره على من يشاء من عباده. وقد اختلف أهل التأويل في معنى الروح في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني به الوحي. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتاده، قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ قال: الوحي من أمره. وقال آخرون: عني به القرآن والكتاب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني هارون بن إدريس الأصمّ، قال: ثنا عيد الرحمن بن المحاربيّ، عن جُوَيبر، عن الضحاك في قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ قال: يعني بالروح: الكتاب ينزله على من يشاء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ، وقرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ قال: هذا القرآن هو الروح، أوحاه الله إلى جبريل، وجبريل روح نزل به على النبي ﷺ، وقرأ: ﴿نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ قال. فالكتب التي أنزلها الله على أنبيائه هي الروح، لينذر بها ما قال الله يوم التلاق، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ قال: الروح: القرآن، كان أبي يقوله، قال ابن زيد: يقومون له صفا بين السماء والأرض حين ينزل جل جلاله. وقال آخرون: عني به النبوّة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قول الله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ قال: النبوّة على من يشاء. وهذه الأقوال متقاربات المعاني، وإن اختلفت ألفاظ أصحابها بها. * * وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ يقول: لينذر من يلقي الروح عليه من عباده من أمر الله بإنذاره من خلقه عذاب يوم تلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض، وهو يوم التلاق، وذلك يوم القيامة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس، قوله: ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ من أسماء يوم القيامة، عظمه الله، وحذّره عباده. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ : يوم تلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض، والخالق والخلق. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ تلقي أهل السماء وأهل الأرض. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ قال: يوم القيامة. قال: يوم تتلاقى العباد. * * وقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ يعني بقوله ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ يعني المنذرين الذين أرسل الله إليهم رسله لينذروهم وهم ظاهرون يعني للناظرين لا يحول بينهم وبينهم جبل ولا شجر، ولا يستر بعضهم عن بعض ساتر، ولكنهم بقاع صفصف لا أمت فيه ولا عوج. و"هم" من قوله: ﴿يَوْمِهِمْ﴾ في موضع رفع بما بعده، كقول القائل: فعلت ذلك يوم الحجاج أمير. واختلف أهل العربية في العلة التي من أجلها لم تخفض هم بيوم وقد أضيف إليه؟ فقال بعض نحويي البصرة: أضاف يوم إلى هم في المعنى، فلذلك لا ينوّن اليوم، كما قال: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ وقال: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ومعناه: هذا يوم فتنتهم، ولكن لما ابتدأ بالاسم، وبنى عليه لم يقدر على جرّه، وكانت الإضافة في المعنى إلى الفتنة، وهذا إنما يكون إذا كان اليوم في معنى إذ، وإلا فهو قبيح؛ ألا ترى أنك تقول: ليتك زمن زيد أمير: أي إذ زيد أمير، ولو قلت: ألقاك زمن زيدٌ أمير، لم يحسن. وقال غيره: معنى ذلك: أن الأوقات جعلت بمعنى إذ وإذا، فلذلك بقيت عل نصبها في الرفع والخفض والنصب، فقال: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ فنصبوا، والموضع خفض، وذلك دليل على أنه جعل موضعَ الأداة، ويجوز أن يعرب بوجوه الإعراب، لأنه ظهر ظهور الأسماء؛ ألا ترى أنه لا يعود عليه العائد كما يعود على الأسماء، فإن عاد العائد نوّن وأعرب ولم يضف، فقيل: أعجبني يوم فيه تقول، لما أن خرج من معنى الأداة، وعاد عليه الذكر صار اسما صحيحا. وقال: وجائز فى إذ أن تقول: أتيتك إذ تقوم، كما تقول: أتيتك يوم يجلس القاضي، فيكون زمنا معلوما، فأما أتيتك يوم تقوم فلا مؤنة فيه وهو جائز عند جميعهم، وقال: وهذه التي تسمى إضافة غير محضة. والصواب من القول عندي في ذلك، أن نصب يوم وسائر الأزمنة في مثل هذا الموضع نظير نصب الأدوات لوقوعها مواقعها، وإذا أعربت بوجوه الإعراب، فلأنها ظهرت ظهور الأسماء، فعوملت معاملتها. * * وقوله: ﴿لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ﴾ أي ولا من أعمالهم التي عملوها في الدنيا ﴿شَيْءٌ﴾ . وكان قتادة يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ ولكنهم برزوا له يوم القيامة، فلا يستترون بحبل ولا مدر. * * وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ يعني بذلك: يقول الربّ: لمن الملك اليوم؛ وترك ذكر"يقول" استغناء بدلالة الكلام عليه. * * وقوله: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ وقد ذكرنا الرواية الواردة بذلك فيما مضى قبل. ومعنى الكلام: يقول الربّ: لمن السلطان اليوم؟ وذلك يوم القيامة، فيحيب نفسه فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ﴾ الذي لا مثل له ولا شبيه ﴿القَهَّارِ﴾ لكلّ شيء سواه بقدرته، الغالب بعزّته.

Al-Mukhtasar (français)

Le Jour où ils seront à découvert et réunis dans un seul lieu, et que rien de ce qui les concerne n’échappera à Allah, que ce soit au sujet de leurs personnes, de leurs œuvres ou de leurs rétributions, Allah leur demandera: Qui détient la Royauté aujourd’hui? Il n’y aura alors qu’une seule réponse possible: La Royauté est détenue par Allah l’Unique dans Son Etre, Ses attributs et Ses actes, le Dominateur à qui tout est soumis.

17

ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

Ce jour-là, chaque âme sera rétribuée selon ce qu'elle aura acquis. Ce jour-là, pas d'injustice, car Allah est prompt dans [Ses] comptes.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى [مُخْبِرًا] [[زيادة من ت، س، أ.]] عَنْ عَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ، وَارْتِفَاعِ عَرْشِهِ الْعَظِيمِ الْعَالِي عَلَى جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ كَالسَّقْفِ لَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [فَاصْبِرْ] ﴾ [الْمَعَارِجِ:٣، ٤] ، [[زيادة من ت.]] وَسَيَأْتِي بَيَانُ أَنَّ هَذِهِ مَسَافَةُ مَا بَيْنَ الْعَرْشِ إِلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، فِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ الْأَرْجَحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] . وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْعَرْشَ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، اتِّسَاعُ مَا بَيْنَ قُطْرَيْهِ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَارْتِفَاعُهُ عَنِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ "الْأَوْعَالِ" مَا يَدُلُّ عَلَى ارْتِفَاعِهِ عن [[في ت، س: "من".]] السموات السَّبْعِ بِشَيْءٍ عَظِيمٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُنزلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا [فَاتَّقُونِ] ﴾ [النَّحْلِ: ٢] [[في س: "فاعبدوه" وهو خطأ والصواب ما أثبتناه.]] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. [بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين] ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٩٢ -١٩٤] [[في ت: "إنه" وهو خطأ والصواب ما أثبتناه.]] [[زيادة من ت.]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، حَذَّرَ مِنْهُ عِبَادَهُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيج: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَلْتَقِي فِيهِ آدَمُ وَآخِرُ وَلَدِهِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَلْتَقِي فِيهِ الْعِبَادُ. وَقَالَ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَبِلَالُ بْنُ سَعْدٍ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ [[في ت: "قتادة وغيره".]] : يَلْتَقِي فِيهِ أَهْلُ السَّمَاءِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ. وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: يَلْتَقِي فِيهِ أَهْلُ السَّمَاءِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ، وَالْخَالِقُ وَالْخَلْقُ. وَقَالَ مَيْمون بْنُ مِهْران: يَلْتَقِي [فِيهِ] [[زيادة من أ.]] الظَّالِمُ وَالْمَظْلُومُ. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [[في ت، س: "التلاق".]] هُوَ يَشْمَلُ هَذَا كُلَّهُ، وَيَشْمَلُ أَنَّ كُلَّ عَامِلٍ سَيَلْقَى مَا عَمِلَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ. كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ أَيْ: ظَاهِرُونَ بَادُونَ كُلُّهُمْ، لَا شَيْءَ يُكِنُّهُمْ وَلَا يُظِلُّهُمْ وَلَا يَسْتُرُهُمْ. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ فِي عِلْمِهِ عَلَى السَّوَاءِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ تَعَالَى [[في ت: "أن الله".]] يَطْوِي السموات وَالْأَرْضَ بِيَدِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ: أَنَّهُ تَعَالَى إِذَا قَبَضَ أَرْوَاحَ جَمِيعِ خَلْقِهِ، فَلَمْ يَبْقَ سِوَاهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، حِينَئِذٍ يَقُولُ: لِمَنِ الْمَلِكُ الْيَوْمَ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يُجِيبُ نَفْسَهُ قَائِلًا ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أَيِ: الَّذِي هُوَ وَحْدَهُ قَدْ قَهَر كُلَّ شَيْءٍ وَغَلَبَهُ [[انظر حديث الصور بتمامه عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.]] . وَقَدْ قَالَ [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ الدَّقَّاقُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] قَالَ: يُنَادِي مُنَادٍ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ. فَيَسْمَعُهَا الْأَحْيَاءُ وَالْأَمْوَاتُ، قَالَ: وَيَنْزِلُ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من ت، أ.]] إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَيَقُولُ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَدْلِهِ فِي حُكْمِهِ بَيْنَ خَلْقِهِ، أَنَّهُ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَلَا مِنْ شَرٍّ، بَلْ يَجْزِي بِالْحَسَنَةِ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، وَبِالسَّيِّئَةِ وَاحِدَةً؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ [[في ت: "البخاري" وهو خطأ.]] ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ-أَنَّهُ قَالَ: "يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا -إِلَى أَنْ قَالَ-: يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ [[في ت، س: "لكم".]] ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نَفْسَهُ" [[صحيح مسلم برقم (٢٥٧٧) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أَيْ: يُحَاسِبُ الْخَلَائِقَ كُلَّهُمْ، كَمَا يُحَاسِبُ نَفْسًا وَاحِدَةً، كَمَا قَالَ: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٨] ، وَقَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من س.]] : ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [الْقَمَرِ: ٥٠] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيله يوم القيامة حين يبعث خلقه من قبورهم لموقف الحساب: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ يقول: اليوم يثاب كلّ عامل بعمله، فيوفى أجر عمله، فعامل الخير يجزى الخير، وعامل الشر يجزى جزاءه. * * وقوله: ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ يقول: لا بخس على أحد فيما استوجبه من أجر عمله في الدنيا، فينقص منه إن كان محسنا، ولا حُمِل على مسيء إثم ذنب لم يعمله فيعاقب عليه ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يقول: إن الله ذو سرعة في محاسبة عباده يومئذ على أعمالهم التي عملوها في الدنيا؛ ذُكر أن ذلك اليوم لا يَنْتَصِف حتى يقيل أهل الجنة في الحنة، وأهل النار في النار، وقد فرغ من حسابهم، والقضاء بينهم.

Al-Mukhtasar (français)

Ce jour-là, chaque âme sera rétribuée selon les œuvres qu’elle aura accomplies, bonnes ou mauvaises, et personne ne subira d’injustice ce jour-là car c’est Allah qui sera l’arbitre équitable. Allah est prompt à demander des comptes à Ses serviteurs car Il les entoure de Sa connaissance.

18

وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْءَازِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍۢ وَلَا شَفِيعٍۢ يُطَاعُ

Et avertis-les du jour qui approche, quand les cœurs remonteront aux gorges, terrifiés (ou angoissés). Les injustes n'auront ni ami zélé, ni intercesseur écouté.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَوْمَ الْآزِفَةِ هُوَ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاقْتِرَابِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ. لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النَّجْمِ:٥٧، ٥٨] وَقَالَ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [الْقَمَرِ: ١] ، وَقَالَ ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:١] وَقَالَ ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النَّحْلِ:١] وَقَالَ ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الْمُلْكِ:٢٧] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [أَيْ سَاكِتِينَ] [[زيادة من ت.]] ، قَالَ قَتَادَةُ: وَقَفَتِ الْقُلُوبُ فِي الْحَنَاجِرِ مِنَ الْخَوْفِ، فَلَا تَخْرُجُ وَلَا تَعُودُ إِلَى أَمَاكِنِهَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَمَعْنَى ﴿كَاظِمِينَ﴾ أَيْ: سَاكِتِينَ، لَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النَّبَأِ:٣٨] . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج [[في ت: "جرير".]] : ﴿كَاظِمِينَ﴾ أَيْ: بَاكِينَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ أَيْ: لَيْسَ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ مِنْ قَرِيبٍ مِنْهُمْ يَنْفَعُهُمْ، وَلَا شَفِيعٍ يُشَفَّعُ فِيهِمْ، بَلْ قَدْ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عِلْمِهِ التَّامِّ الْمُحِيطِ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، جَلِيلِهَا وَحَقِيرِهَا، صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، دَقِيقِهَا وَلَطِيفِهَا؛ لِيَحْذَرَ النَّاسُ عِلْمَهُ فِيهِمْ، فَيَسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقّ الْحَيَاءِ، ويَتَّقُوهُ حَقَّ تَقْوَاهُ، وَيُرَاقِبُوهُ مُرَاقَبَةَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَاهُ، فَإِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الْعَيْنَ الْخَائِنَةَ وَإِنْ أَبْدَتْ أَمَانَةً، وَيَعْلَمُ مَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ خَبَايَا الصُّدُورِ مِنَ الضَّمَائِرِ وَالسَّرَائِرِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ وَهُوَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ، وَفِيهِمُ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ، أَوْ تَمُرُّ بِهِ وَبِهِمُ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ، فَإِذَا غَفَلُوا لَحَظَ إِلَيْهَا، فَإِذَا فَطِنُوا غَضّ، فَإِذَا غَفَلُوا لَحَظَ، فَإِذَا فَطِنُوا غَضَّ [بَصَرَهُ عَنْهَا] [[زيادة من س، أ.]] وَقَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ وَدّ أَنْ لَوِ اطَّلَعَ عَلَى فَرْجِهَا. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿خَائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ هُوَ الْغَمْزُ، وَقَوْلُ الرَّجُلِ: رَأَيْتُ، وَلَمْ يَرَ؛ أَوْ: لَمْ أَرَ، وَقَدْ رَأَى. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْلَمُ [اللَّهُ] [[زيادة من س.]] تَعَالَى مِنَ الْعَيْنِ فِي نَظَرِهَا، هَلْ تُرِيدُ الْخِيَانَةَ أَمْ لَا؟ وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ يَعْلَمُ إِذَا أَنْتَ قَدَرْتَ عَلَيْهَا هَلْ تَزْنِي بِهَا أَمْ لَا؟. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أي: من الوسوسة. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: يَحْكُمُ بِالْعَدْلِ. وَقَالَ الْأَعْمَشِ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْزِيَ بِالْحَسَنَةِ الْحَسَنَةَ، وَبِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . وَهَذَا الَّذِي فَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النَّجْمِ: ٣١] [[في س: "لتجزي".]] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أَيْ: مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ، ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أَيْ: لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَحْكُمُونَ بِشَيْءٍ ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أَيْ: سَمِيعٌ لِأَقْوَالِ خَلْقِهِ، بَصِيرٌ بِهِمْ، فَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ الْحَاكِمُ الْعَادِلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه: وأنذر يا محمد مشركي قومك يوم الآزفة، يعنى يوم القيامة، أن يوافوا الله فيه بأعمالهم الخبيثة، فيستحقوا من الله عقابه الأليم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ قال: يوم القيامة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ يوم القيامة. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ) قال: يوم القيامة. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فى قوله ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ قال: يوم القيامة، وقرأ: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ . * * وقوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: إذ قلوب العباد من مخافة عقاب الله لدى حناجرهم قد شخصت من صدورهم، فتعلقت بحلوقهم كاظميها، يرومون ردّها إلى مواضعها من صدورهم فلا ترجع، ولا هي تخرج من أبدانهم فيموتوا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ قال: قد وقعت القلوب في الحناجر من المخافة، فلا هي تخرج ولا تعود إلى أمكنتها. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ قال: شخصت أفئدتهم عن أمكنتها، فنشبت في حلوقهم، فلم تخرج من أجوافهم فيموتوا، ولم ترجع إلى أمكنتها فتستقرّ. واختلف أهل العربية في وجه النصب ﴿كَاظِمِينَ﴾ فقال بعض نحويِّي البصرة: انتصابه على الحال، كأنه أراد: إذ القلوب لدى الحناجر في هذه الحال. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: الألف واللام بدل من الإضافة، كأنه قال: إذا قلوبهم لدى حناجرهم في حال كظمهم. وقال آخر منهم: هو نصب على القطع من المعنى الذي يرجع من ذكرهم في القلوب والحناجر، المعمى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين. قال: فإن شئت جعلت قطعة من الهاء التي في قوله ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ قال: والأول أجود في العربية، وقد تقدّم بيان وجه ذلك. * * وقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ما للكافرين بالله يومئذ من حميم يحم [[في اللسان: حمنى: الأمر وأحمني: أهمني. وقال الأزهري: أحمني هذا الأمر واحتممت له، كأنه اهتمام بحميم قريب.]] لهم، فيدفع عنهم عظيم ما نزل بهم من عذاب الله، ولا شفيع يشفع لهم عند ربهم فيطاع فيما شفع، ويُجاب فيما سأل. وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ﴾ قال: من يعنيه أمرهم، ولا شفيع لهم. * * وقوله: ﴿يطاع﴾ صلة للشفيع. ومعنى الكلام: ما للظالمين من حميم ولا شفيع إذا شفع أطيع فيما شفع، فأجيب وقبلت شفاعته له. * * وقوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ يقول جلّ ذكره مخبرا عن صفة نفسه: يعلم ربكم ما خانت أعين عباده، وما أخفته صدورهم، يعني: وما أضمرته قلوبهم؛ يقول: لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى ما يحدث به نفسه، ويضمره قلبه إذا نظر ماذا يريد بنظره، وما ينوي ذلك بقلبه ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ يقول: والله تعالى ذكره يقضي في الذي خانته الأعين بنظرها، وأخفته الصدور عند نظر العيون بالحق، فيجزي الذين أغمضوا أبصارهم، وصرفوها عن محارمه حذارَ الموقف بين يديه، ومسألته عنه بالحُسنى، والذين ردّدوا النظر، وعزمت قلوبهم على مواقعة الفواحش إذا قدّرت، جزاءها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عبد الله بن أحمد المَرْوَزِيّ، قال: ثنا عليّ بن حسين بن واقد قال: ثني أبي، قال: ثنا الأعمش، قال: ثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ إذا نظرت إليها تريد الخيانة أم لا ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ إذا قدرت عليها أتزني بها أم لا؟ قال: ثم سكت، ثم قال: ألا أخبركم بالتي تليها؟ قلت نعم، قال: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة السيئة ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ قال الحسن: فقلت للأعمش: حدثني الكلبيّ، إلا أنه قال: إن الله قادر على أن يجزي بالسيئة السيئة، وبالحسنة عشرا. وقال الأعمش: إن الذي عند الكلبيّ عندي، ما خرج مني إلا بحقير. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ قال: نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿خَائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ : أي يعلم همزه بعينه، وإغماضه فيما لا يحبّ الله ولا يرضاه. * * وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ يقول: والأوثان والآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون بالله من قومك من دونه لا يقضون بشيء، لأنها لا تعلم شيئا، ولا تقدر على شيء، يقول جلّ ثناؤه لهم: فاعبدوا الذي يقدر على كل شيء، ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم، فيجزي محسنكم بالإحسان، والمسيء بالإساءة، لا ما لا يقدر على شيء ولا يعلم شيئا، فيعرف المحسن من المسيء، فيثيب المحسن، ويعاقب المسيء. * * وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ يقول: إن الله هو السميع لما تنطق به ألسنتكم أيها الناس، البصير بما تفعلون من الأفعال، محيط بكل ذلك محصيه عليكم، ليجازي جميعكم جزاءه يوم الجزاء. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة:"وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ" بالتاء على وجه الخطاب. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة بالياء على وجه الخبر. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, menace-les du Jour de la Résurrection. En effet, ce jour-là aura indubitablement lieu et toute chose qui aura indubitablement lieu peut être considérée comme proche.. La terreur sera telle que les cœurs monteront jusqu’aux gorges et les gens resteront silencieux. Personne ne parlera, excepté ceux que le Tout Miséricordieux autorisera, et ceux qui auront été injustes envers eux-mêmes par leur polythéisme et leurs péchés n’auront alors ni ami, ni proche ni intercesseur influent.

19

يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ

Il (Allah) connaît la trahison des yeux, tout comme ce que les poitrines cachent.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَوْمَ الْآزِفَةِ هُوَ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاقْتِرَابِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ. لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النَّجْمِ:٥٧، ٥٨] وَقَالَ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [الْقَمَرِ: ١] ، وَقَالَ ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:١] وَقَالَ ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النَّحْلِ:١] وَقَالَ ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الْمُلْكِ:٢٧] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [أَيْ سَاكِتِينَ] [[زيادة من ت.]] ، قَالَ قَتَادَةُ: وَقَفَتِ الْقُلُوبُ فِي الْحَنَاجِرِ مِنَ الْخَوْفِ، فَلَا تَخْرُجُ وَلَا تَعُودُ إِلَى أَمَاكِنِهَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَمَعْنَى ﴿كَاظِمِينَ﴾ أَيْ: سَاكِتِينَ، لَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النَّبَأِ:٣٨] . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج [[في ت: "جرير".]] : ﴿كَاظِمِينَ﴾ أَيْ: بَاكِينَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ أَيْ: لَيْسَ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ مِنْ قَرِيبٍ مِنْهُمْ يَنْفَعُهُمْ، وَلَا شَفِيعٍ يُشَفَّعُ فِيهِمْ، بَلْ قَدْ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عِلْمِهِ التَّامِّ الْمُحِيطِ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، جَلِيلِهَا وَحَقِيرِهَا، صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، دَقِيقِهَا وَلَطِيفِهَا؛ لِيَحْذَرَ النَّاسُ عِلْمَهُ فِيهِمْ، فَيَسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقّ الْحَيَاءِ، ويَتَّقُوهُ حَقَّ تَقْوَاهُ، وَيُرَاقِبُوهُ مُرَاقَبَةَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَاهُ، فَإِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الْعَيْنَ الْخَائِنَةَ وَإِنْ أَبْدَتْ أَمَانَةً، وَيَعْلَمُ مَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ خَبَايَا الصُّدُورِ مِنَ الضَّمَائِرِ وَالسَّرَائِرِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ وَهُوَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ، وَفِيهِمُ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ، أَوْ تَمُرُّ بِهِ وَبِهِمُ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ، فَإِذَا غَفَلُوا لَحَظَ إِلَيْهَا، فَإِذَا فَطِنُوا غَضّ، فَإِذَا غَفَلُوا لَحَظَ، فَإِذَا فَطِنُوا غَضَّ [بَصَرَهُ عَنْهَا] [[زيادة من س، أ.]] وَقَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ وَدّ أَنْ لَوِ اطَّلَعَ عَلَى فَرْجِهَا. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿خَائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ هُوَ الْغَمْزُ، وَقَوْلُ الرَّجُلِ: رَأَيْتُ، وَلَمْ يَرَ؛ أَوْ: لَمْ أَرَ، وَقَدْ رَأَى. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْلَمُ [اللَّهُ] [[زيادة من س.]] تَعَالَى مِنَ الْعَيْنِ فِي نَظَرِهَا، هَلْ تُرِيدُ الْخِيَانَةَ أَمْ لَا؟ وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ يَعْلَمُ إِذَا أَنْتَ قَدَرْتَ عَلَيْهَا هَلْ تَزْنِي بِهَا أَمْ لَا؟. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أي: من الوسوسة. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: يَحْكُمُ بِالْعَدْلِ. وَقَالَ الْأَعْمَشِ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْزِيَ بِالْحَسَنَةِ الْحَسَنَةَ، وَبِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . وَهَذَا الَّذِي فَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النَّجْمِ: ٣١] [[في س: "لتجزي".]] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أَيْ: مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ، ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أَيْ: لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَحْكُمُونَ بِشَيْءٍ ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أَيْ: سَمِيعٌ لِأَقْوَالِ خَلْقِهِ، بَصِيرٌ بِهِمْ، فَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ الْحَاكِمُ الْعَادِلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه: وأنذر يا محمد مشركي قومك يوم الآزفة، يعنى يوم القيامة، أن يوافوا الله فيه بأعمالهم الخبيثة، فيستحقوا من الله عقابه الأليم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ قال: يوم القيامة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ يوم القيامة. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ) قال: يوم القيامة. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فى قوله ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ قال: يوم القيامة، وقرأ: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ . * * وقوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: إذ قلوب العباد من مخافة عقاب الله لدى حناجرهم قد شخصت من صدورهم، فتعلقت بحلوقهم كاظميها، يرومون ردّها إلى مواضعها من صدورهم فلا ترجع، ولا هي تخرج من أبدانهم فيموتوا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ قال: قد وقعت القلوب في الحناجر من المخافة، فلا هي تخرج ولا تعود إلى أمكنتها. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ قال: شخصت أفئدتهم عن أمكنتها، فنشبت في حلوقهم، فلم تخرج من أجوافهم فيموتوا، ولم ترجع إلى أمكنتها فتستقرّ. واختلف أهل العربية في وجه النصب ﴿كَاظِمِينَ﴾ فقال بعض نحويِّي البصرة: انتصابه على الحال، كأنه أراد: إذ القلوب لدى الحناجر في هذه الحال. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: الألف واللام بدل من الإضافة، كأنه قال: إذا قلوبهم لدى حناجرهم في حال كظمهم. وقال آخر منهم: هو نصب على القطع من المعنى الذي يرجع من ذكرهم في القلوب والحناجر، المعمى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين. قال: فإن شئت جعلت قطعة من الهاء التي في قوله ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ قال: والأول أجود في العربية، وقد تقدّم بيان وجه ذلك. * * وقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ما للكافرين بالله يومئذ من حميم يحم [[في اللسان: حمنى: الأمر وأحمني: أهمني. وقال الأزهري: أحمني هذا الأمر واحتممت له، كأنه اهتمام بحميم قريب.]] لهم، فيدفع عنهم عظيم ما نزل بهم من عذاب الله، ولا شفيع يشفع لهم عند ربهم فيطاع فيما شفع، ويُجاب فيما سأل. وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ﴾ قال: من يعنيه أمرهم، ولا شفيع لهم. * * وقوله: ﴿يطاع﴾ صلة للشفيع. ومعنى الكلام: ما للظالمين من حميم ولا شفيع إذا شفع أطيع فيما شفع، فأجيب وقبلت شفاعته له. * * وقوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ يقول جلّ ذكره مخبرا عن صفة نفسه: يعلم ربكم ما خانت أعين عباده، وما أخفته صدورهم، يعني: وما أضمرته قلوبهم؛ يقول: لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى ما يحدث به نفسه، ويضمره قلبه إذا نظر ماذا يريد بنظره، وما ينوي ذلك بقلبه ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ يقول: والله تعالى ذكره يقضي في الذي خانته الأعين بنظرها، وأخفته الصدور عند نظر العيون بالحق، فيجزي الذين أغمضوا أبصارهم، وصرفوها عن محارمه حذارَ الموقف بين يديه، ومسألته عنه بالحُسنى، والذين ردّدوا النظر، وعزمت قلوبهم على مواقعة الفواحش إذا قدّرت، جزاءها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عبد الله بن أحمد المَرْوَزِيّ، قال: ثنا عليّ بن حسين بن واقد قال: ثني أبي، قال: ثنا الأعمش، قال: ثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ إذا نظرت إليها تريد الخيانة أم لا ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ إذا قدرت عليها أتزني بها أم لا؟ قال: ثم سكت، ثم قال: ألا أخبركم بالتي تليها؟ قلت نعم، قال: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة السيئة ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ قال الحسن: فقلت للأعمش: حدثني الكلبيّ، إلا أنه قال: إن الله قادر على أن يجزي بالسيئة السيئة، وبالحسنة عشرا. وقال الأعمش: إن الذي عند الكلبيّ عندي، ما خرج مني إلا بحقير. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ قال: نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿خَائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ : أي يعلم همزه بعينه، وإغماضه فيما لا يحبّ الله ولا يرضاه. * * وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ يقول: والأوثان والآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون بالله من قومك من دونه لا يقضون بشيء، لأنها لا تعلم شيئا، ولا تقدر على شيء، يقول جلّ ثناؤه لهم: فاعبدوا الذي يقدر على كل شيء، ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم، فيجزي محسنكم بالإحسان، والمسيء بالإساءة، لا ما لا يقدر على شيء ولا يعلم شيئا، فيعرف المحسن من المسيء، فيثيب المحسن، ويعاقب المسيء. * * وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ يقول: إن الله هو السميع لما تنطق به ألسنتكم أيها الناس، البصير بما تفعلون من الأفعال، محيط بكل ذلك محصيه عليكم، ليجازي جميعكم جزاءه يوم الجزاء. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة:"وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ" بالتاء على وجه الخطاب. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة بالياء على وجه الخبر. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

Al-Mukhtasar (français)

Allah sait ce que les gens regardent subrepticement et sait ce que cachent les poitrines. Rien de tout cela ne Lui échappe.

20

وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقِّ ۖ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ

Et Allah juge en toute équité, tandis que ceux qu'ils invoquent en dehors de Lui ne jugent rien. En vérité c'est Allah qui est l'Audient, le Clairvoyant.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَوْمَ الْآزِفَةِ هُوَ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاقْتِرَابِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ. لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النَّجْمِ:٥٧، ٥٨] وَقَالَ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [الْقَمَرِ: ١] ، وَقَالَ ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:١] وَقَالَ ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النَّحْلِ:١] وَقَالَ ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الْمُلْكِ:٢٧] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [أَيْ سَاكِتِينَ] [[زيادة من ت.]] ، قَالَ قَتَادَةُ: وَقَفَتِ الْقُلُوبُ فِي الْحَنَاجِرِ مِنَ الْخَوْفِ، فَلَا تَخْرُجُ وَلَا تَعُودُ إِلَى أَمَاكِنِهَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَمَعْنَى ﴿كَاظِمِينَ﴾ أَيْ: سَاكِتِينَ، لَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النَّبَأِ:٣٨] . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج [[في ت: "جرير".]] : ﴿كَاظِمِينَ﴾ أَيْ: بَاكِينَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ أَيْ: لَيْسَ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ مِنْ قَرِيبٍ مِنْهُمْ يَنْفَعُهُمْ، وَلَا شَفِيعٍ يُشَفَّعُ فِيهِمْ، بَلْ قَدْ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عِلْمِهِ التَّامِّ الْمُحِيطِ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، جَلِيلِهَا وَحَقِيرِهَا، صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، دَقِيقِهَا وَلَطِيفِهَا؛ لِيَحْذَرَ النَّاسُ عِلْمَهُ فِيهِمْ، فَيَسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقّ الْحَيَاءِ، ويَتَّقُوهُ حَقَّ تَقْوَاهُ، وَيُرَاقِبُوهُ مُرَاقَبَةَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَاهُ، فَإِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الْعَيْنَ الْخَائِنَةَ وَإِنْ أَبْدَتْ أَمَانَةً، وَيَعْلَمُ مَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ خَبَايَا الصُّدُورِ مِنَ الضَّمَائِرِ وَالسَّرَائِرِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ وَهُوَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ، وَفِيهِمُ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ، أَوْ تَمُرُّ بِهِ وَبِهِمُ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ، فَإِذَا غَفَلُوا لَحَظَ إِلَيْهَا، فَإِذَا فَطِنُوا غَضّ، فَإِذَا غَفَلُوا لَحَظَ، فَإِذَا فَطِنُوا غَضَّ [بَصَرَهُ عَنْهَا] [[زيادة من س، أ.]] وَقَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ وَدّ أَنْ لَوِ اطَّلَعَ عَلَى فَرْجِهَا. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿خَائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ هُوَ الْغَمْزُ، وَقَوْلُ الرَّجُلِ: رَأَيْتُ، وَلَمْ يَرَ؛ أَوْ: لَمْ أَرَ، وَقَدْ رَأَى. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْلَمُ [اللَّهُ] [[زيادة من س.]] تَعَالَى مِنَ الْعَيْنِ فِي نَظَرِهَا، هَلْ تُرِيدُ الْخِيَانَةَ أَمْ لَا؟ وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ يَعْلَمُ إِذَا أَنْتَ قَدَرْتَ عَلَيْهَا هَلْ تَزْنِي بِهَا أَمْ لَا؟. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أي: من الوسوسة. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: يَحْكُمُ بِالْعَدْلِ. وَقَالَ الْأَعْمَشِ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْزِيَ بِالْحَسَنَةِ الْحَسَنَةَ، وَبِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . وَهَذَا الَّذِي فَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النَّجْمِ: ٣١] [[في س: "لتجزي".]] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أَيْ: مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ، ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أَيْ: لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَحْكُمُونَ بِشَيْءٍ ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أَيْ: سَمِيعٌ لِأَقْوَالِ خَلْقِهِ، بَصِيرٌ بِهِمْ، فَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ الْحَاكِمُ الْعَادِلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه: وأنذر يا محمد مشركي قومك يوم الآزفة، يعنى يوم القيامة، أن يوافوا الله فيه بأعمالهم الخبيثة، فيستحقوا من الله عقابه الأليم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ قال: يوم القيامة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ يوم القيامة. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ) قال: يوم القيامة. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فى قوله ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ قال: يوم القيامة، وقرأ: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ . * * وقوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: إذ قلوب العباد من مخافة عقاب الله لدى حناجرهم قد شخصت من صدورهم، فتعلقت بحلوقهم كاظميها، يرومون ردّها إلى مواضعها من صدورهم فلا ترجع، ولا هي تخرج من أبدانهم فيموتوا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ قال: قد وقعت القلوب في الحناجر من المخافة، فلا هي تخرج ولا تعود إلى أمكنتها. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ قال: شخصت أفئدتهم عن أمكنتها، فنشبت في حلوقهم، فلم تخرج من أجوافهم فيموتوا، ولم ترجع إلى أمكنتها فتستقرّ. واختلف أهل العربية في وجه النصب ﴿كَاظِمِينَ﴾ فقال بعض نحويِّي البصرة: انتصابه على الحال، كأنه أراد: إذ القلوب لدى الحناجر في هذه الحال. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: الألف واللام بدل من الإضافة، كأنه قال: إذا قلوبهم لدى حناجرهم في حال كظمهم. وقال آخر منهم: هو نصب على القطع من المعنى الذي يرجع من ذكرهم في القلوب والحناجر، المعمى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين. قال: فإن شئت جعلت قطعة من الهاء التي في قوله ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ قال: والأول أجود في العربية، وقد تقدّم بيان وجه ذلك. * * وقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ما للكافرين بالله يومئذ من حميم يحم [[في اللسان: حمنى: الأمر وأحمني: أهمني. وقال الأزهري: أحمني هذا الأمر واحتممت له، كأنه اهتمام بحميم قريب.]] لهم، فيدفع عنهم عظيم ما نزل بهم من عذاب الله، ولا شفيع يشفع لهم عند ربهم فيطاع فيما شفع، ويُجاب فيما سأل. وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ﴾ قال: من يعنيه أمرهم، ولا شفيع لهم. * * وقوله: ﴿يطاع﴾ صلة للشفيع. ومعنى الكلام: ما للظالمين من حميم ولا شفيع إذا شفع أطيع فيما شفع، فأجيب وقبلت شفاعته له. * * وقوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ يقول جلّ ذكره مخبرا عن صفة نفسه: يعلم ربكم ما خانت أعين عباده، وما أخفته صدورهم، يعني: وما أضمرته قلوبهم؛ يقول: لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى ما يحدث به نفسه، ويضمره قلبه إذا نظر ماذا يريد بنظره، وما ينوي ذلك بقلبه ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ يقول: والله تعالى ذكره يقضي في الذي خانته الأعين بنظرها، وأخفته الصدور عند نظر العيون بالحق، فيجزي الذين أغمضوا أبصارهم، وصرفوها عن محارمه حذارَ الموقف بين يديه، ومسألته عنه بالحُسنى، والذين ردّدوا النظر، وعزمت قلوبهم على مواقعة الفواحش إذا قدّرت، جزاءها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عبد الله بن أحمد المَرْوَزِيّ، قال: ثنا عليّ بن حسين بن واقد قال: ثني أبي، قال: ثنا الأعمش، قال: ثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ إذا نظرت إليها تريد الخيانة أم لا ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ إذا قدرت عليها أتزني بها أم لا؟ قال: ثم سكت، ثم قال: ألا أخبركم بالتي تليها؟ قلت نعم، قال: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة السيئة ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ قال الحسن: فقلت للأعمش: حدثني الكلبيّ، إلا أنه قال: إن الله قادر على أن يجزي بالسيئة السيئة، وبالحسنة عشرا. وقال الأعمش: إن الذي عند الكلبيّ عندي، ما خرج مني إلا بحقير. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ قال: نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿خَائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ : أي يعلم همزه بعينه، وإغماضه فيما لا يحبّ الله ولا يرضاه. * * وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ يقول: والأوثان والآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون بالله من قومك من دونه لا يقضون بشيء، لأنها لا تعلم شيئا، ولا تقدر على شيء، يقول جلّ ثناؤه لهم: فاعبدوا الذي يقدر على كل شيء، ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم، فيجزي محسنكم بالإحسان، والمسيء بالإساءة، لا ما لا يقدر على شيء ولا يعلم شيئا، فيعرف المحسن من المسيء، فيثيب المحسن، ويعاقب المسيء. * * وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ يقول: إن الله هو السميع لما تنطق به ألسنتكم أيها الناس، البصير بما تفعلون من الأفعال، محيط بكل ذلك محصيه عليكم، ليجازي جميعكم جزاءه يوم الجزاء. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة:"وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ" بالتاء على وجه الخطاب. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة بالياء على وجه الخبر. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

Al-Mukhtasar (français)

Allah juge avec équité et ne lèse personne en diminuant de ses bonnes œuvres ou en augmentant ses mauvaises œuvres. Quant à ceux que les polythéistes adorent en dehors d’Allah, ils n’ont pas le pouvoir de juger quoi que ce soit car ils ne possèdent rien. Allah entend les paroles de Ses serviteurs, voit leurs intentions et leurs agissements et les rétribuera selon leur nature.

21

۞ أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا۟ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةًۭ وَءَاثَارًۭا فِى ٱلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍۢ

Ne parcourent-ils pas la terre, pour voir ce qu'il est advenu de ceux qui ont vécu avant eux? Ils étaient [pourtant] plus forts qu'eux et ont laissé sur terre bien plus de vestiges. Allah les saisit pour leurs péchés et ils n'eurent point de protecteur contre Allah.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يقول تعالى: أو لم يَسِرْ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِرِسَالَتِكَ يَا مُحَمَّدُ ﴿فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أَيْ: مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ بِالْأَنْبِيَاءِ، مَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْ هَؤُلَاءِ قُوَّةً ﴿وَآثَارًا فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: أَثَّرُوا فِي الْأَرْضِ مِنَ الْبِنَايَاتِ وَالْمَعَالِمِ وَالدِّيَارَاتِ، مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٢٦] ، وَقَالَ ﴿وَأَثَارُوا الأرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الرُّومِ: ٩] أَيْ: وَمَعَ هَذِهِ الْقُوَّةِ الْعَظِيمَةِ وَالْبَأْسِ الشَّدِيدِ، أَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ، وَهِيَ كُفْرُهُمْ بِرُسُلِهِمْ، ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ أَيْ: وَمَا دَفَعَ عَنْهُمْ عَذَابَ اللَّهِ أَحَدٌ، وَلَا رَدَّهُ عَنْهُمْ رَادٌّ، وَلَا وَقَاهُمْ وَاقٍ. ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّةَ أَخْذِهِ إِيَّاهُمْ وَذُنُوبَهُمُ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا وَاجْتَرَمُوهَا، فَقَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَيْ: بِالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَاتِ، ﴿فَكَفَرُوا﴾ أَيْ: مَعَ هَذَا الْبَيَانِ وَالْبُرْهَانِ كَفَرُوا وَجَحَدُوا، ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ أَيْ: أَهْلَكَهُمْ ودمَّر عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا، ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أَيْ: ذُو قُوَّةٍ عَظِيمَةٍ وَبَطْشٍ شَدِيدٍ، وَهُوَ ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أَيْ: عِقَابُهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ وَجِيعٌ. أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهُ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) ﴾ يقول تعالى ذكره: أو لم يسر هؤلاء المقيمون على شركهم بالله، المكذبون رسوله من قريش، في البلاد، ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يقول: فيروا ما الذي كان خاتمة أمم الذين كانوا من قبلهم من الأمم الذين سلكوا سبيلهم، في الكفر بالله، وتكذيب رسله ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ يقول: كانت تلك الأمم الذين كانوا من قبلهم أشد منهم بطشا، وأبقى في الأرض آثارا، فلم تنفعهم شدة قواهم، وعظم أجسامهم، إذ جاءهم أمر الله، وأخذهم بما أجرموا من معاصيه، واكتسبوا من الآثام، ولكنه أباد جمعهم، وصارت مساكنهم خاوية منهم بما ظلموا ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ يقول: وما كان لهم من عذاب الله إذ جاءهم، من واق يقيهم، فيدفعه عنهم. كالذي:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ يقيهم، ولا ينفعهم. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: هذا الذي فعلت بهؤلاء الأمم الذين من قبل مشركي قريش من إهلاكناهم بذنوبهم فعلنا بهم بأنهم كانت تأتيهم رسل الله إليهم بالبيّنات، يعني بالآيات الدالات على حقيقة ما تدعوهم إليه من توحيد الله، والانتهاء إلى طاعته ﴿فَكَفَرُوا﴾ يقول: فانكروا رسالتها، وجحدوا توحيد الله، وأبوا أن يطيعوا الله ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ يقول: فأخذهم الله بعذابه فأهلكهم ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ يقول: إن الله ذو قوّة لا يقهره شيء، ولا يغلبه، ولا يعجزه شيء أراده، شديد عقابه من عاقب من خلقه، وهذا وعيد من الله مشركي قريش، المكذّبين رسوله محمدا ﷺ يقول لهم جلّ ثناؤه: فاحذروا أيها القوم أن تسلكوا سبيلهم في تكذيب محمد ﷺ وجحود توحيد الله، ومخالفة أمره ونهيه فيسلك بكم في تعجيل الهلاك لكم مسلَكَهم.

Al-Mukhtasar (français)

Ces polythéistes n’ont-ils pas parcouru la Terre pour voir quelle fut la fin des peuples dénégateurs qui les ont précédés. Leur fin fut mauvaise alors que ces peuples étaient plus forts qu’eux et ont bâti plus d’édifices qu’eux, mais Allah les a anéantis pour leurs péchés et rien ne les protégea contre le châtiment d’Allah.

22

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَكَفَرُوا۟ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّهُۥ قَوِىٌّۭ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

Ce fut ainsi, parce que leurs Messagers leur avaient apporté les preuves, mais ils se montrèrent mécréants. Allah donc les saisit, car Il est fort et redoutable dans Son châtiment.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يقول تعالى: أو لم يَسِرْ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِرِسَالَتِكَ يَا مُحَمَّدُ ﴿فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أَيْ: مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ بِالْأَنْبِيَاءِ، مَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْ هَؤُلَاءِ قُوَّةً ﴿وَآثَارًا فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: أَثَّرُوا فِي الْأَرْضِ مِنَ الْبِنَايَاتِ وَالْمَعَالِمِ وَالدِّيَارَاتِ، مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٢٦] ، وَقَالَ ﴿وَأَثَارُوا الأرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الرُّومِ: ٩] أَيْ: وَمَعَ هَذِهِ الْقُوَّةِ الْعَظِيمَةِ وَالْبَأْسِ الشَّدِيدِ، أَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ، وَهِيَ كُفْرُهُمْ بِرُسُلِهِمْ، ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ أَيْ: وَمَا دَفَعَ عَنْهُمْ عَذَابَ اللَّهِ أَحَدٌ، وَلَا رَدَّهُ عَنْهُمْ رَادٌّ، وَلَا وَقَاهُمْ وَاقٍ. ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّةَ أَخْذِهِ إِيَّاهُمْ وَذُنُوبَهُمُ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا وَاجْتَرَمُوهَا، فَقَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَيْ: بِالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَاتِ، ﴿فَكَفَرُوا﴾ أَيْ: مَعَ هَذَا الْبَيَانِ وَالْبُرْهَانِ كَفَرُوا وَجَحَدُوا، ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ أَيْ: أَهْلَكَهُمْ ودمَّر عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا، ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أَيْ: ذُو قُوَّةٍ عَظِيمَةٍ وَبَطْشٍ شَدِيدٍ، وَهُوَ ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أَيْ: عِقَابُهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ وَجِيعٌ. أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهُ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) ﴾ يقول تعالى ذكره: أو لم يسر هؤلاء المقيمون على شركهم بالله، المكذبون رسوله من قريش، في البلاد، ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يقول: فيروا ما الذي كان خاتمة أمم الذين كانوا من قبلهم من الأمم الذين سلكوا سبيلهم، في الكفر بالله، وتكذيب رسله ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ يقول: كانت تلك الأمم الذين كانوا من قبلهم أشد منهم بطشا، وأبقى في الأرض آثارا، فلم تنفعهم شدة قواهم، وعظم أجسامهم، إذ جاءهم أمر الله، وأخذهم بما أجرموا من معاصيه، واكتسبوا من الآثام، ولكنه أباد جمعهم، وصارت مساكنهم خاوية منهم بما ظلموا ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ يقول: وما كان لهم من عذاب الله إذ جاءهم، من واق يقيهم، فيدفعه عنهم. كالذي:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ يقيهم، ولا ينفعهم. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: هذا الذي فعلت بهؤلاء الأمم الذين من قبل مشركي قريش من إهلاكناهم بذنوبهم فعلنا بهم بأنهم كانت تأتيهم رسل الله إليهم بالبيّنات، يعني بالآيات الدالات على حقيقة ما تدعوهم إليه من توحيد الله، والانتهاء إلى طاعته ﴿فَكَفَرُوا﴾ يقول: فانكروا رسالتها، وجحدوا توحيد الله، وأبوا أن يطيعوا الله ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ يقول: فأخذهم الله بعذابه فأهلكهم ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ يقول: إن الله ذو قوّة لا يقهره شيء، ولا يغلبه، ولا يعجزه شيء أراده، شديد عقابه من عاقب من خلقه، وهذا وعيد من الله مشركي قريش، المكذّبين رسوله محمدا ﷺ يقول لهم جلّ ثناؤه: فاحذروا أيها القوم أن تسلكوا سبيلهم في تكذيب محمد ﷺ وجحود توحيد الله، ومخالفة أمره ونهيه فيسلك بكم في تعجيل الهلاك لكم مسلَكَهم.

Al-Mukhtasar (français)

Ce châtiment s’abattit sur eux car les messagers leur apportaient de la part d’Allah des preuves claires et des arguments décisifs, mais ils mécrurent en Allah et démentirent Ses messagers. Malgré leur force, Allah les anéantit puisqu’Il est fort et dur en punition à l’égard de ceux qui mécroient en Lui et démentent Ses messagers.

23

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلْطَٰنٍۢ مُّبِينٍ

Nous envoyâmes effectivement Moïse avec Nos signes et une preuve évidente,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ ﷺ [[في س: "لنبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه".]] فِي تَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ قَوْمِهُ، وَمُبَشِّرًا لَهُ بِأَنَّ الْعَاقِبَةَ وَالنُّصْرَةَ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَمَا جَرَى لِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ [[في أ: "لموسى عليه السلام".]] ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَالدَّلَائِلِ [[في ت: "والدلالات".]] الْوَاضِحَاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ وَالسُّلْطَانُ هُوَ: الحُجة وَالْبُرْهَانُ. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ هُوَ: مَلِكُ الْقِبْطِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، ﴿وَهَامَانَ﴾ وَهُوَ: وَزِيرُهُ فِي مَمْلَكَتِهِ ﴿وَقَارُونَ﴾ وَكَانَ أَكْثَرَ النَّاسِ فِي زَمَانِهِ مَالًا وَتِجَارَةً ﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ أَيْ: كَذَّبُوهُ وَجَعَلُوهُ سَاحِرًا مُمَخْرِقًا مُمَوِّهًا كَذَّابًا فِي أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من ت، س.]] : ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ ٥٢، ٥٣] . ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ أَيْ: بِالْبُرْهَانِ الْقَاطِعِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ، ﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ وَهَذَا أَمْرٌ ثَانٍ مِنْ فِرْعَوْنَ بِقَتْلِ ذُكُورِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَكَانَ لِأَجْلِ الِاحْتِرَازِ مِنْ وُجُودِ مُوسَى، أَوْ لِإِذْلَالِ هَذَا الشَّعْبِ وَتَقْلِيلِ عَدَدِهِمْ، أَوْ لِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ. وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي: فَلِلْعِلَّةِ الثَّانِيَةِ، لِإِهَانَةِ هَذَا الشَّعْبِ، وَلِكَيْ يَتَشَاءَمُوا بِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٢٩] . قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا أَمْرٌ بَعْدَ أَمْرٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ أَيْ: وَمَا مَكْرُهُمْ وَقَصْدُهُمُ الَّذِي هُوَ تَقْلِيلُ عَدَدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِئَلَّا يُنصروا عَلَيْهِمْ، إِلَّا ذَاهِبٌ وَهَالِكٌ فِي ضَلَالٍ. ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ وَهَذَا عَزْمٌ مِنْ فِرْعَوْنَ -لَعَنَهُ اللَّهُ-عَلَى قَتْلِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَيْ: قَالَ لِقَوْمِهِ: دَعُونِي حَتَّى أَقْتُلَ لَكُمْ هَذَا، ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أَيْ: لَا أُبَالِي مِنْهُ. وَهَذَا فِي غَايَةِ الْجَحْدِ وَالتَّجَهْرُمِ وَالْعِنَادِ. * * وَقَوْلُهُ -قَبَّحَهُ اللَّهُ-: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ﴾ يَعْنِي: مُوسَى، يَخْشَى فِرْعَوْنُ أَنْ يُضِلَّ مُوسَى النَّاسَ وَيُغَيِّرَ رُسُومَهُمْ وَعَادَاتِهُمْ. وَهَذَا كَمَا يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: "صَارَ فِرْعَوْنُ مُذَكِّرًا" يَعْنِي: وَاعِظًا، يُشْفِقُ عَلَى النَّاسِ مِنْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَرَأَ الْأَكْثَرُونَ: "أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ وَأَنْ يُظهِر فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ" وَقَرَأَ آخَرُونَ: ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ﴾ وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: "يَظْهَر فِي الْأَرْضِ الفسادُ" بِالضَّمِّ. وَقَالَ مُوسَى: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أَيْ: لَمَّا بَلَغَهُ قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ قَالَ مُوسَى: استجرتُ بِاللَّهِ وعُذْتُ بِهِ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ أَمْثَالِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُونَ، ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ أَيْ: عَنِ الْحَقِّ، مجرم، ﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي مُوسَى، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَافَ قَوْمًا قَالَ: "اللَّهُمَّ، إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ، وَنَدْرَأُ بِكَ فِي نُحُورِهِمْ" [[رواه أحمد في مسنده (٤/٤١٤) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) ﴾ يقول تعالى ذكره مُسَلِّيا نبيه محمد ﷺ، عما كان يلقى من مشركي قومه من قريش، بإعلامه ما لقي موسى ممن أرسل إليه من التكذيب، ومخيره أنه معليه عليهم، وجاعل دائرة السَّوْء على من حادّه وشاقَّه، كسنته في موسى صلوات الله عليه، إذ أعلاه، وأهلك عدوه فرعون ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ : يعني بأدلته. ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ : كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ : أي عذر مبين، يقول: وحججه المبينة لمن يراها أنها حجة محققة ما يدعو إليه موسى ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ يقول: فقال هؤلاء الذين أرسل إليهم موسى لموسى: هو ساحر يسحر العصا، فيرى الناظر إليها أنها حية تسعى. ﴿كَذَّابٌ﴾ يقول: يكذب على الله، ويزعم أنه أرسله إلى الناس رسولا.

Al-Mukhtasar (français)

Nous avons envoyé Moïse accompagné de preuves claires et d’un argument décisif.

24

إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ وَقَٰرُونَ فَقَالُوا۟ سَٰحِرٌۭ كَذَّابٌۭ

vers Pharaon, Hâmân et Coré. Mais ils dirent: «Magicien! Grand menteur!»

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ ﷺ [[في س: "لنبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه".]] فِي تَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ قَوْمِهُ، وَمُبَشِّرًا لَهُ بِأَنَّ الْعَاقِبَةَ وَالنُّصْرَةَ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَمَا جَرَى لِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ [[في أ: "لموسى عليه السلام".]] ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَالدَّلَائِلِ [[في ت: "والدلالات".]] الْوَاضِحَاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ وَالسُّلْطَانُ هُوَ: الحُجة وَالْبُرْهَانُ. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ هُوَ: مَلِكُ الْقِبْطِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، ﴿وَهَامَانَ﴾ وَهُوَ: وَزِيرُهُ فِي مَمْلَكَتِهِ ﴿وَقَارُونَ﴾ وَكَانَ أَكْثَرَ النَّاسِ فِي زَمَانِهِ مَالًا وَتِجَارَةً ﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ أَيْ: كَذَّبُوهُ وَجَعَلُوهُ سَاحِرًا مُمَخْرِقًا مُمَوِّهًا كَذَّابًا فِي أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من ت، س.]] : ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ ٥٢، ٥٣] . ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ أَيْ: بِالْبُرْهَانِ الْقَاطِعِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ، ﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ وَهَذَا أَمْرٌ ثَانٍ مِنْ فِرْعَوْنَ بِقَتْلِ ذُكُورِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَكَانَ لِأَجْلِ الِاحْتِرَازِ مِنْ وُجُودِ مُوسَى، أَوْ لِإِذْلَالِ هَذَا الشَّعْبِ وَتَقْلِيلِ عَدَدِهِمْ، أَوْ لِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ. وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي: فَلِلْعِلَّةِ الثَّانِيَةِ، لِإِهَانَةِ هَذَا الشَّعْبِ، وَلِكَيْ يَتَشَاءَمُوا بِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٢٩] . قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا أَمْرٌ بَعْدَ أَمْرٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ أَيْ: وَمَا مَكْرُهُمْ وَقَصْدُهُمُ الَّذِي هُوَ تَقْلِيلُ عَدَدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِئَلَّا يُنصروا عَلَيْهِمْ، إِلَّا ذَاهِبٌ وَهَالِكٌ فِي ضَلَالٍ. ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ وَهَذَا عَزْمٌ مِنْ فِرْعَوْنَ -لَعَنَهُ اللَّهُ-عَلَى قَتْلِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَيْ: قَالَ لِقَوْمِهِ: دَعُونِي حَتَّى أَقْتُلَ لَكُمْ هَذَا، ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أَيْ: لَا أُبَالِي مِنْهُ. وَهَذَا فِي غَايَةِ الْجَحْدِ وَالتَّجَهْرُمِ وَالْعِنَادِ. * * وَقَوْلُهُ -قَبَّحَهُ اللَّهُ-: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ﴾ يَعْنِي: مُوسَى، يَخْشَى فِرْعَوْنُ أَنْ يُضِلَّ مُوسَى النَّاسَ وَيُغَيِّرَ رُسُومَهُمْ وَعَادَاتِهُمْ. وَهَذَا كَمَا يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: "صَارَ فِرْعَوْنُ مُذَكِّرًا" يَعْنِي: وَاعِظًا، يُشْفِقُ عَلَى النَّاسِ مِنْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَرَأَ الْأَكْثَرُونَ: "أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ وَأَنْ يُظهِر فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ" وَقَرَأَ آخَرُونَ: ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ﴾ وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: "يَظْهَر فِي الْأَرْضِ الفسادُ" بِالضَّمِّ. وَقَالَ مُوسَى: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أَيْ: لَمَّا بَلَغَهُ قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ قَالَ مُوسَى: استجرتُ بِاللَّهِ وعُذْتُ بِهِ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ أَمْثَالِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُونَ، ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ أَيْ: عَنِ الْحَقِّ، مجرم، ﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي مُوسَى، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَافَ قَوْمًا قَالَ: "اللَّهُمَّ، إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ، وَنَدْرَأُ بِكَ فِي نُحُورِهِمْ" [[رواه أحمد في مسنده (٤/٤١٤) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) ﴾ يقول تعالى ذكره مُسَلِّيا نبيه محمد ﷺ، عما كان يلقى من مشركي قومه من قريش، بإعلامه ما لقي موسى ممن أرسل إليه من التكذيب، ومخيره أنه معليه عليهم، وجاعل دائرة السَّوْء على من حادّه وشاقَّه، كسنته في موسى صلوات الله عليه، إذ أعلاه، وأهلك عدوه فرعون ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ : يعني بأدلته. ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ : كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ : أي عذر مبين، يقول: وحججه المبينة لمن يراها أنها حجة محققة ما يدعو إليه موسى ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ يقول: فقال هؤلاء الذين أرسل إليهم موسى لموسى: هو ساحر يسحر العصا، فيرى الناظر إليها أنها حية تسعى. ﴿كَذَّابٌ﴾ يقول: يكذب على الله، ويزعم أنه أرسله إلى الناس رسولا.

Al-Mukhtasar (français)

Nous l’avons envoyé à Pharaon et à ses deux ministres Hâmân et Coré (Qârûn) qui dirent: Moïse est un sorcier et ment lorsqu’il prétend être un messager.

25

فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا۟ ٱقْتُلُوٓا۟ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ وَٱسْتَحْيُوا۟ نِسَآءَهُمْ ۚ وَمَا كَيْدُ ٱلْكَٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍۢ

Puis, quand il leur eut apporté la vérité venant de Nous, ils dirent: «Tuez les fils de ceux qui ont cru avec lui, et laissez vivre leurs femmes». Et les ruses des mécréants ne vont qu'en pure perte.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ ﷺ [[في س: "لنبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه".]] فِي تَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ قَوْمِهُ، وَمُبَشِّرًا لَهُ بِأَنَّ الْعَاقِبَةَ وَالنُّصْرَةَ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَمَا جَرَى لِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ [[في أ: "لموسى عليه السلام".]] ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَالدَّلَائِلِ [[في ت: "والدلالات".]] الْوَاضِحَاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ وَالسُّلْطَانُ هُوَ: الحُجة وَالْبُرْهَانُ. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ هُوَ: مَلِكُ الْقِبْطِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، ﴿وَهَامَانَ﴾ وَهُوَ: وَزِيرُهُ فِي مَمْلَكَتِهِ ﴿وَقَارُونَ﴾ وَكَانَ أَكْثَرَ النَّاسِ فِي زَمَانِهِ مَالًا وَتِجَارَةً ﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ أَيْ: كَذَّبُوهُ وَجَعَلُوهُ سَاحِرًا مُمَخْرِقًا مُمَوِّهًا كَذَّابًا فِي أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من ت، س.]] : ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ ٥٢، ٥٣] . ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ أَيْ: بِالْبُرْهَانِ الْقَاطِعِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ، ﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ وَهَذَا أَمْرٌ ثَانٍ مِنْ فِرْعَوْنَ بِقَتْلِ ذُكُورِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَكَانَ لِأَجْلِ الِاحْتِرَازِ مِنْ وُجُودِ مُوسَى، أَوْ لِإِذْلَالِ هَذَا الشَّعْبِ وَتَقْلِيلِ عَدَدِهِمْ، أَوْ لِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ. وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي: فَلِلْعِلَّةِ الثَّانِيَةِ، لِإِهَانَةِ هَذَا الشَّعْبِ، وَلِكَيْ يَتَشَاءَمُوا بِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٢٩] . قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا أَمْرٌ بَعْدَ أَمْرٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ أَيْ: وَمَا مَكْرُهُمْ وَقَصْدُهُمُ الَّذِي هُوَ تَقْلِيلُ عَدَدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِئَلَّا يُنصروا عَلَيْهِمْ، إِلَّا ذَاهِبٌ وَهَالِكٌ فِي ضَلَالٍ. ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ وَهَذَا عَزْمٌ مِنْ فِرْعَوْنَ -لَعَنَهُ اللَّهُ-عَلَى قَتْلِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَيْ: قَالَ لِقَوْمِهِ: دَعُونِي حَتَّى أَقْتُلَ لَكُمْ هَذَا، ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أَيْ: لَا أُبَالِي مِنْهُ. وَهَذَا فِي غَايَةِ الْجَحْدِ وَالتَّجَهْرُمِ وَالْعِنَادِ. * * وَقَوْلُهُ -قَبَّحَهُ اللَّهُ-: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ﴾ يَعْنِي: مُوسَى، يَخْشَى فِرْعَوْنُ أَنْ يُضِلَّ مُوسَى النَّاسَ وَيُغَيِّرَ رُسُومَهُمْ وَعَادَاتِهُمْ. وَهَذَا كَمَا يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: "صَارَ فِرْعَوْنُ مُذَكِّرًا" يَعْنِي: وَاعِظًا، يُشْفِقُ عَلَى النَّاسِ مِنْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَرَأَ الْأَكْثَرُونَ: "أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ وَأَنْ يُظهِر فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ" وَقَرَأَ آخَرُونَ: ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ﴾ وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: "يَظْهَر فِي الْأَرْضِ الفسادُ" بِالضَّمِّ. وَقَالَ مُوسَى: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أَيْ: لَمَّا بَلَغَهُ قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ قَالَ مُوسَى: استجرتُ بِاللَّهِ وعُذْتُ بِهِ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ أَمْثَالِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُونَ، ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ أَيْ: عَنِ الْحَقِّ، مجرم، ﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي مُوسَى، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَافَ قَوْمًا قَالَ: "اللَّهُمَّ، إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ، وَنَدْرَأُ بِكَ فِي نُحُورِهِمْ" [[رواه أحمد في مسنده (٤/٤١٤) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ (٢٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: فلما جاء موسى هؤلاء الذين أرسله الله إليهم بالحق من عندنا، وذلك مجيئه إياهم بتوحيد الله، والعمل بطاعته، مع إقامة الحجة عليهم، بأن الله ابتعثه إليهم بالدعاء إلى ذلك ﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ﴿مَعَهُ﴾ من بني إسرائيل ﴿وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ يقول: واستبقوا نساءهم للخدمة. فإن قال قائل: وكيف قيل ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ ، وإنما كان قتل فرعون الولدان من بني إسرائيل حذار المولود الذي كان أخبر أنه على رأسه ذهاب ملكه، وهلاك قومه، وذلك كان فيما يقال قبل أن يبعث الله موسى نبيًّا؟ قيل: إن هذا الأمر بقتل أبناء الذين آمنوا مع موسى، واستحياء نسائهم، كان أمرا من فرعون وملئه من بعد الأمر الأول الذي كان من فرعون قبل مولد موسى. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتاده: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ قال: هذا قتل غير القتل الأوّل الذي كان. * * وقوله: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ يقول: وما احتيال أهل الكفر لأهل الإيمان بالله إلا في جوز عن سبيل الحقّ، وصدّ عن قصد المحجة، وأخذ على غير هدى.

Al-Mukhtasar (français)

Lorsque Moïse leur apporta la preuve évidente de sa véracité, Pharaon dit: Tuez les fils des croyants qui l’accompagnent et épargnez leurs femmes afin de les humilier. Or le stratagème des mécréants consistant à réduire le nombre des croyants n’atteindra pas sa fin.

26

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِىٓ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُۥٓ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْفَسَادَ

Et Pharaon dit: «Laissez-moi tuer Moïse. Et qu'il appelle son Seigneur! Je crains qu'il ne change votre religion ou qu'il ne fasse apparaître la corruption sur terre».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ ﷺ [[في س: "لنبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه".]] فِي تَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ قَوْمِهُ، وَمُبَشِّرًا لَهُ بِأَنَّ الْعَاقِبَةَ وَالنُّصْرَةَ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَمَا جَرَى لِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ [[في أ: "لموسى عليه السلام".]] ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَالدَّلَائِلِ [[في ت: "والدلالات".]] الْوَاضِحَاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ وَالسُّلْطَانُ هُوَ: الحُجة وَالْبُرْهَانُ. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ هُوَ: مَلِكُ الْقِبْطِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، ﴿وَهَامَانَ﴾ وَهُوَ: وَزِيرُهُ فِي مَمْلَكَتِهِ ﴿وَقَارُونَ﴾ وَكَانَ أَكْثَرَ النَّاسِ فِي زَمَانِهِ مَالًا وَتِجَارَةً ﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ أَيْ: كَذَّبُوهُ وَجَعَلُوهُ سَاحِرًا مُمَخْرِقًا مُمَوِّهًا كَذَّابًا فِي أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من ت، س.]] : ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ ٥٢، ٥٣] . ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ أَيْ: بِالْبُرْهَانِ الْقَاطِعِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ، ﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ وَهَذَا أَمْرٌ ثَانٍ مِنْ فِرْعَوْنَ بِقَتْلِ ذُكُورِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَكَانَ لِأَجْلِ الِاحْتِرَازِ مِنْ وُجُودِ مُوسَى، أَوْ لِإِذْلَالِ هَذَا الشَّعْبِ وَتَقْلِيلِ عَدَدِهِمْ، أَوْ لِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ. وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي: فَلِلْعِلَّةِ الثَّانِيَةِ، لِإِهَانَةِ هَذَا الشَّعْبِ، وَلِكَيْ يَتَشَاءَمُوا بِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٢٩] . قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا أَمْرٌ بَعْدَ أَمْرٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ أَيْ: وَمَا مَكْرُهُمْ وَقَصْدُهُمُ الَّذِي هُوَ تَقْلِيلُ عَدَدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِئَلَّا يُنصروا عَلَيْهِمْ، إِلَّا ذَاهِبٌ وَهَالِكٌ فِي ضَلَالٍ. ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ وَهَذَا عَزْمٌ مِنْ فِرْعَوْنَ -لَعَنَهُ اللَّهُ-عَلَى قَتْلِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَيْ: قَالَ لِقَوْمِهِ: دَعُونِي حَتَّى أَقْتُلَ لَكُمْ هَذَا، ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أَيْ: لَا أُبَالِي مِنْهُ. وَهَذَا فِي غَايَةِ الْجَحْدِ وَالتَّجَهْرُمِ وَالْعِنَادِ. * * وَقَوْلُهُ -قَبَّحَهُ اللَّهُ-: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ﴾ يَعْنِي: مُوسَى، يَخْشَى فِرْعَوْنُ أَنْ يُضِلَّ مُوسَى النَّاسَ وَيُغَيِّرَ رُسُومَهُمْ وَعَادَاتِهُمْ. وَهَذَا كَمَا يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: "صَارَ فِرْعَوْنُ مُذَكِّرًا" يَعْنِي: وَاعِظًا، يُشْفِقُ عَلَى النَّاسِ مِنْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَرَأَ الْأَكْثَرُونَ: "أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ وَأَنْ يُظهِر فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ" وَقَرَأَ آخَرُونَ: ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ﴾ وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: "يَظْهَر فِي الْأَرْضِ الفسادُ" بِالضَّمِّ. وَقَالَ مُوسَى: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أَيْ: لَمَّا بَلَغَهُ قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ قَالَ مُوسَى: استجرتُ بِاللَّهِ وعُذْتُ بِهِ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ أَمْثَالِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُونَ، ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ أَيْ: عَنِ الْحَقِّ، مجرم، ﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي مُوسَى، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَافَ قَوْمًا قَالَ: "اللَّهُمَّ، إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ، وَنَدْرَأُ بِكَ فِي نُحُورِهِمْ" [[رواه أحمد في مسنده (٤/٤١٤) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ (٢٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: فلما جاء موسى هؤلاء الذين أرسله الله إليهم بالحق من عندنا، وذلك مجيئه إياهم بتوحيد الله، والعمل بطاعته، مع إقامة الحجة عليهم، بأن الله ابتعثه إليهم بالدعاء إلى ذلك ﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ﴿مَعَهُ﴾ من بني إسرائيل ﴿وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ يقول: واستبقوا نساءهم للخدمة. فإن قال قائل: وكيف قيل ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ ، وإنما كان قتل فرعون الولدان من بني إسرائيل حذار المولود الذي كان أخبر أنه على رأسه ذهاب ملكه، وهلاك قومه، وذلك كان فيما يقال قبل أن يبعث الله موسى نبيًّا؟ قيل: إن هذا الأمر بقتل أبناء الذين آمنوا مع موسى، واستحياء نسائهم، كان أمرا من فرعون وملئه من بعد الأمر الأول الذي كان من فرعون قبل مولد موسى. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتاده: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ قال: هذا قتل غير القتل الأوّل الذي كان. * * وقوله: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ يقول: وما احتيال أهل الكفر لأهل الإيمان بالله إلا في جوز عن سبيل الحقّ، وصدّ عن قصد المحجة، وأخذ على غير هدى.

Al-Mukhtasar (français)

Pharaon dit: Laissez-moi tuer Moïse afin de le punir et qu’il invoque donc son Seigneur pour qu’il m’en empêche et peu m’importe qu’il invoque son Seigneur. Je crains qu’il ne change la religion à laquelle vous êtes fidèles et que la Terre ne soit corrompue par le meurtre et la destruction.

27

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍۢ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ

Moïse [lui] dit: «Je cherche auprès de mon Seigneur et le vôtre, protection contre tout orgueilleux qui ne croit pas au jour du Compte».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ ﷺ [[في س: "لنبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه".]] فِي تَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ قَوْمِهُ، وَمُبَشِّرًا لَهُ بِأَنَّ الْعَاقِبَةَ وَالنُّصْرَةَ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَمَا جَرَى لِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ [[في أ: "لموسى عليه السلام".]] ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَالدَّلَائِلِ [[في ت: "والدلالات".]] الْوَاضِحَاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ وَالسُّلْطَانُ هُوَ: الحُجة وَالْبُرْهَانُ. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ هُوَ: مَلِكُ الْقِبْطِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، ﴿وَهَامَانَ﴾ وَهُوَ: وَزِيرُهُ فِي مَمْلَكَتِهِ ﴿وَقَارُونَ﴾ وَكَانَ أَكْثَرَ النَّاسِ فِي زَمَانِهِ مَالًا وَتِجَارَةً ﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ أَيْ: كَذَّبُوهُ وَجَعَلُوهُ سَاحِرًا مُمَخْرِقًا مُمَوِّهًا كَذَّابًا فِي أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من ت، س.]] : ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ ٥٢، ٥٣] . ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ أَيْ: بِالْبُرْهَانِ الْقَاطِعِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ، ﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ وَهَذَا أَمْرٌ ثَانٍ مِنْ فِرْعَوْنَ بِقَتْلِ ذُكُورِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَكَانَ لِأَجْلِ الِاحْتِرَازِ مِنْ وُجُودِ مُوسَى، أَوْ لِإِذْلَالِ هَذَا الشَّعْبِ وَتَقْلِيلِ عَدَدِهِمْ، أَوْ لِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ. وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي: فَلِلْعِلَّةِ الثَّانِيَةِ، لِإِهَانَةِ هَذَا الشَّعْبِ، وَلِكَيْ يَتَشَاءَمُوا بِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٢٩] . قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا أَمْرٌ بَعْدَ أَمْرٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ أَيْ: وَمَا مَكْرُهُمْ وَقَصْدُهُمُ الَّذِي هُوَ تَقْلِيلُ عَدَدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِئَلَّا يُنصروا عَلَيْهِمْ، إِلَّا ذَاهِبٌ وَهَالِكٌ فِي ضَلَالٍ. ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ وَهَذَا عَزْمٌ مِنْ فِرْعَوْنَ -لَعَنَهُ اللَّهُ-عَلَى قَتْلِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَيْ: قَالَ لِقَوْمِهِ: دَعُونِي حَتَّى أَقْتُلَ لَكُمْ هَذَا، ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أَيْ: لَا أُبَالِي مِنْهُ. وَهَذَا فِي غَايَةِ الْجَحْدِ وَالتَّجَهْرُمِ وَالْعِنَادِ. * * وَقَوْلُهُ -قَبَّحَهُ اللَّهُ-: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ﴾ يَعْنِي: مُوسَى، يَخْشَى فِرْعَوْنُ أَنْ يُضِلَّ مُوسَى النَّاسَ وَيُغَيِّرَ رُسُومَهُمْ وَعَادَاتِهُمْ. وَهَذَا كَمَا يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: "صَارَ فِرْعَوْنُ مُذَكِّرًا" يَعْنِي: وَاعِظًا، يُشْفِقُ عَلَى النَّاسِ مِنْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَرَأَ الْأَكْثَرُونَ: "أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ وَأَنْ يُظهِر فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ" وَقَرَأَ آخَرُونَ: ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ﴾ وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: "يَظْهَر فِي الْأَرْضِ الفسادُ" بِالضَّمِّ. وَقَالَ مُوسَى: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أَيْ: لَمَّا بَلَغَهُ قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ قَالَ مُوسَى: استجرتُ بِاللَّهِ وعُذْتُ بِهِ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ أَمْثَالِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُونَ، ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ أَيْ: عَنِ الْحَقِّ، مجرم، ﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي مُوسَى، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَافَ قَوْمًا قَالَ: "اللَّهُمَّ، إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ، وَنَدْرَأُ بِكَ فِي نُحُورِهِمْ" [[رواه أحمد في مسنده (٤/٤١٤) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ﴾ لملئه: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ الذي يزعم أنه أرسله إلينا فيمنعه منا ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ يقول: إني أخاف أن يغير دينكم الذي أنتم عليه بسحره. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والشأم والبصرة:"وَأَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الفَسَادَ" بغير ألف، وكذلك ذلك في مصاحف أهل المدينة، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: ﴿أوْ أن﴾ بالألف، وكذلك ذلك في مصاحفهم"يَظْهَرَ فِي الأرْضِ" بفتح الياء ورفع الفساد. والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار متقاربتا المعنى، وذلك أن الفساد إذا أظهره مظهرا كان ظاهرا، وإذا ظهر فبإظهار مظهره يظهر، ففي القراءة بإحدى القرّاءتين فى ذلك دليل واضح على صحة معنى الأخرى. وأما القراءة في: ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ﴾ بالألف وبحذفها، فإنهما أيضا متقاربتا المعنى، وذلك أن الشيء إذا بدل إلى خلافه فلا شك أن خلافه المبدل إليه الأوّل هو الظاهر دون المبدل، فسواء عطف على خبره عن خوفه من موسى أن يبدّل دينهم بالواو أو بأو، لأن تبديل دينهم كان عنده ظهور الفساد، وظهور الفساد كان عنده هو تبديل الدين. فتأويل الكلام إن: إني أخاف من موسى أن يغير دينكم الذي أنتم عليه، أو أن يظهر في أرضكم أرض مصر، عبادة ربه الذي يدعوكم إلى عبادته، وذلك كان عنده هو الفساد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ) : أي أمركم الذي أنتم عليه ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ﴾ والفساد عنده أن يعمل بطاعة الله. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧) وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: وقال موسى لفرعون وملئه: إني استجرت أيها القوم بربي وربكم، من كلّ متكبر عليه، تكبر عن توحيده، والإقرار بألوهيته وطاعته، لا يؤمن بيوم يحاسب الله فيه خلقه، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بما أساء؛ وإنما خص موسى صلوات الله وسلامه عليه، الاستعاذة بالله ممن لا يؤمن بيوم الحساب، لأن من لم يؤمن بيوم الحساب مصدقا، لم يكن للثواب على الإحسان راجيا، ولا للعقاب على الإساءة، وقبيح ما يأتي من الأفعال خائفا، ولذلك كان استجارته من هذا الصنف من الناس خاصة. * * وقوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ اختلف أهل العلم في هذا الرجل المؤمن، فقال بعضهم: كان من قوم فرعون، غير أنه كان قد آمن بموسى، وكان يُسِرّ إيمانه من فرعون وقومه خوفا على نفسه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال: هو ابن عم فرعون. ويقال: هو الذي نجا مع موسى، فمن قال هذا القول، وتأوّل هذا التأويل، كان صوابا الوقف إذا أراد القارئ الوقف على قوله: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ، لأن ذلك خبر متناه قد تمّ. وقال آخرون: بل كان الرجل إسرائيليا، ولكنه كان يكتم إيمانه من آل فرعون. والصواب على هذا القول لمن أراد الوقف أن يجعل وقفه على قوله: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ لأن قوله: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ صلة لقوله: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ فتمامه قوله: يكتم إيمانه، وقد ذكر أن اسم هذا الرجل المؤمن من آل فرعون: جبريل، كذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق. وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي القول الذي قاله السديّ من أن الرجل المؤمن كان من آل فرعون، قد أصغى لكلامه، واستمع منه ما قاله، وتوقف عن قتل موسى عند نهيه عن قتله. وقيله ما قاله. وقال له: ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، ولو كان إسرائليا لكان حريا أن يعاجل هذا القاتل له، ولملئه ما قال بالعقوبة على قوله، لأنه لم يكن يستنصح بني إسرائيل، لاعتداده إياهم أعداء له، فكيف بقوله عن قتل موسى لو وجد إليه سبيلا؟ ولكنه لما كان من ملأ قومه، استمع قوله، وكفّ عما كان همّ به في موسى. * * وقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ يقول: أتقتلون أيها القوم موسى لأن يقول ربي الله؟ فإن في موضع نصب لما وصفت. ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يقول: وقد جاءكم بالآيات الواضحات على حقيقة ما يقول من ذلك. وتلك البيّنات من الآيات يده وعصاه. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال. ثنا سلمة، عن ابن إسحاق ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بعصاه وبيده. * * وقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ يقول: وإن يك موسى كاذبا في قيله: إن الله أرسله إليك يأمركم بعبادته، وترك دينكم الذي أنتم عليه، فإنما إثم كذبه عليه دونكم ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ يقول: وإن يك صادقا في قيله ذلك، أصابكم الذي وعدكم من العقوبة على مقامكم على الدين الذي أنتم عليه مقيمون، فلا حاجة بكم إلى قتله، فتزيدوا ربكم بذلك إلى سخطه عليكم بكفركم سخطا ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ يقول: إن الله لا يوفّق للحقّ من هو متعد إلى فعل ما ليس له فعله، كذّاب عليه يكذب، ويقول عليه الباطل وغير الحقّ. وقد اختلف أهل التأويل في معنى الإسراف الذي ذكره المؤمن في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني به الشرك، وأراد: إن الله لا يهدي من هو مشرك به مفتر عليه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال. ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ : مشرك أسرف على نفسه بالشرك. وقال آخرون: عنى به من هو قتَّال سفَّاك للدماء بغير حق. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ قال: المسرف: هو صاحب الدم، ويقال: هم المشركون. والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن هذا المؤمن أنه عمّ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ والشرك من الإسراف، وسفك الدم بغير حقّ من الإسراف، وقد كان مجتمعا في فرعون الأمران كلاهما، فالحقّ أن يعم ذلك كما أخبر جلّ ثناؤه عن قائله، أنه عم القول بذلك.

Al-Mukhtasar (français)

Lorsque Moïse eut connaissance de la menace que Pharaon lui adressait, il dit: Je me refugie et recherche la protection auprès de mon Seigneur et du vôtre contre tout individu arrogant qui refuse de croire à la vérité, de croire au Jour de la Résurrection, à la Reddition des Comptes et à la punition qui y aura lieu.

28

وَقَالَ رَجُلٌۭ مُّؤْمِنٌۭ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَٰذِبًۭا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًۭا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌۭ كَذَّابٌۭ

Et un homme croyant de la famille de Pharaon, qui dissimulait sa foi dit: «Tuez-vous un homme parce qu'il dit: «Mon Seigneur est Allah?» Alors qu'il est venu à vous avec les preuves évidentes de la part de votre Seigneur. S'il est menteur, son mensonge sera à son détriment; tandis que s'il est véridique, alors une partie de ce dont il vous menace tombera sur vous». Certes, Allah ne guide pas celui qui est outrancier et imposteur!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

الْمَشْهُورُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الْمُؤْمِنَ كَانَ قبْطيًا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ. قَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ الَّذِي نَجَا مَعَ مُوسَى. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٤/٣٨) .]] ، وَرَدَّ قَوْلَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا؛ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ انْفَعَلَ لِكَلَامِهِ وَاسْتَمَعَهُ، وَكَفَّ عَنْ قَتْلِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَوْ كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا لَأَوْشَكَ أَنْ يُعَاجَلَ [[في ت: "يقابل".]] بِالْعُقُوبَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ [[في ت، س: "متهم".]] . وَقَالَ ابْنُ جُرَيج عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمْ يُؤْمَنْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ سِوَى هَذَا الرَّجُلِ وَامْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَالَّذِي قَالَ: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [الْقَصَصِ:٢٠] رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَدْ كَانَ هَذَا الرجلُ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ عَنْ قَوْمِهِ الْقِبْطِ، فَلَمْ يَظْهَرْ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ حِينَ قَالَ فِرْعَوْنُ: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ ، فَأَخَذَتِ الرَّجُلَ غَضْبَةٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَ"أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ"، كَمَا ثَبَتَ بِذَلِكَ الْحَدِيثُ، وَلَا أَعْظَمَ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [أَيْ: لِأَجْلِ أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] ، اللَّهُمَّ إِلَّا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنِي [[في ت: "في صحيحه بإسناده عن".]] عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ شَيْءٍ مِمَّا صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَقْبَلَ عُقْبة بْنُ أَبِي مُعَيط، فَأَخَذَ بمَنْكب رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ [[في ت، س: "بمنكبيه".]] ودَفَع عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ . انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨١٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدة عَنْ هِشَامٍ -يَعْنِي ابْنَ عُرْوَةَ-عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سُئِل: مَا أَشَدُّ مَا رَأَيْتَ قُرَيْشًا بَلَغُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قال: مَرَّ بِهِمْ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ تَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا؟ فَقَالَ: "أَنَا ذَاكَ" فَقَامُوا إِلَيْهِ، فَأَخَذُوا بِمَجَامِعِ ثِيَابِهِ، فرأيتُ أَبَا بَكْرٍ مُحْتَضِنُهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَهُوَ يَصِيحُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ، وَإِنَّ عَيْنَيْهِ لَيَسِيلَانِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا قَوْمِ، ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ كُلِّهَا. وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدَةَ، فَجَعْلَهُ مِنْ مُسْنَدِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٦٢) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أَيْ: كَيْفَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا لِكَوْنِهِ يَقُولُ: "رُبِّيَ اللَّهُ"، وَقَدْ أَقَامَ لَكُمُ الْبُرْهَانَ عَلَى صِدْقِ مَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ؟ ثُمَّ تَنزل مَعَهُمْ فِي الْمُخَاطَبَةِ فَقَالَ: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ يَعْنِي: إِذَا لَمْ يُظْهِرْ لَكُمْ صِحَّةَ مَا جَاءَكُمْ بِهِ، فَمِنَ الْعَقْلِ وَالرَّأْيِ التَّامِّ وَالْحَزَمِ أَنْ تَتْرُكُوهُ وَنَفْسَهُ، فَلَا تُؤْذُوهُ، فَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَإِنَّ اللَّهَ سَيُجَازِيهِ عَلَى كَذِبِهِ بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ يَكُ صَادِقًا وَقَدْ آذَيْتُمُوهُ يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، فَإِنَّهُ يَتَوَعَّدُكُمْ إِنْ خَالَفْتُمُوهُ بِعَذَابٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَمِنَ الْجَائِزِ عِنْدَكُمْ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا، فَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَلَّا تَتَعَرَّضُوا لَهُ، بَلِ اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ يَدْعُوهُمْ وَيَتْبَعُونَهُ. وَهَكَذَا أَخْبَرَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت، س، أ.]] عَنْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ طَلَبَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ الْمُوَادَعَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ. أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ. وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ. وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ [الدُّخَانِ:١٧ -٢١] وَهَكَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِقُرَيْشٍ أَنْ يَتْرُكُوهُ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] عِبَادَ اللَّهِ، وَلَا يَمَسُّوهُ بِسُوءٍ، وَأَنْ يَصِلُوا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ فِي تَرْكِ أَذِيَّتِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشُّورَى: ٢٣] أَيْ: إِلَّا أَلَّا تُؤْذُونِي فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ، فَلَا تُؤْذُونِي وَتَتْرُكُوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ. وَعَلَى هَذَا وُقِّعَتِ الْهُدْنَةُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ فَتْحًا مُبِينًا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ أَيْ: لَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ إِلَيْكُمْ كَاذِبًا كَمَا تَزْعُمُونَ، لَكَانَ أَمْرُهُ بَيِّنًا، يَظْهَرُ لِكُلِّ أَحَدٍ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، كَانَتْ تَكُونُ فِي غَايَةِ الِاخْتِلَافِ وَالِاضْطِرَابِ، وَهَذَا نَرَى أَمْرَهُ سَدِيدًا وَمَنْهَجَهُ مُسْتَقِيمًا، وَلَوْ كَانَ مِنَ الْمُسْرِفِينَ الْكَذَّابِينَ لَمَا هَدَاهُ اللَّهُ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى مَا تَرَوْنَ مِنِ انْتِظَامِ أَمْرِهِ وَفِعْلِهِ. ثُمَّ قَالَ الْمُؤْمِنُ مُحَذِّرًا قَوْمَهُ زَوَالَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَنْهُمْ [[في س، أ: "عليهم".]] وَحُلُولَ نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْمُلْكِ وَالظُّهُورِ فِي الْأَرْضِ بِالْكَلِمَةِ النَّافِذَةِ وَالْجَاهِ الْعَرِيضِ، فَرَاعُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ بِشُكْرِ اللَّهِ، وَتَصْدِيقِ رَسُولِهِ ﷺ، وَاحْذَرُوا نِقْمَةَ اللَّهِ إِنْ كَذَّبْتُمْ رَسُولَهُ، ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ أَيْ: لَا تُغْنِي عَنْكُمْ هَذِهِ الْجُنُودُ وَهَذِهِ الْعَسَاكِرُ، وَلَا تَرُدُّ عَنَّا شَيْئًا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنَا بِسُوءٍ. ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ لِقَوْمِهِ، رَادًّا عَلَى مَا أَشَارَ بِهِ هَذَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ الْبَارُّ الرَّاشِدُ الَّذِي كَانَ أَحَقَّ بِالْمُلْكِ مِنْ فِرْعَوْنَ: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى﴾ أَيْ: مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُشِيرُ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَرَاهُ لِنَفْسِي وَقَدْ كَذَبَ فِرْعَوْنُ، فَإِنَّهُ كَانَ يَتَحَقَّقُ صِدْقَ مُوسَى فِيمَا جَاءَ بِهِ [[في س: "جاءه".]] مِنَ الرِّسَالَةِ ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الْإِسْرَاءِ:١٠٢] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النَّمْلِ: ١٤] . فَقَوْلُهُ: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى﴾ كَذَبَ فِيهِ وَافْتَرَى، وَخَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَرَعِيَّتَهُ، فَغَشَّهُمْ وَمَا نَصَحَهُمْ وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ أَيْ: وَمَا أَدْعُوكُمْ إِلَّا إِلَى طَرِيقِ الْحَقِّ وَالصِّدْقِ وَالرُّشْدِ وَقَدْ كَذَبَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَوْمُهُ قَدْ أَطَاعُوهُ وَاتَّبَعُوهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هُودٍ: ٩٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طَهَ: ٧٩] ، وَفِي الْحَدِيثِ: "مَا مِنْ إِمَامٍ يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا لَمْ يَرح رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لِيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٧١٥٠، ٧١٥١) ومسلم في صحيحه برقم (١٤٢) بنحوه من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ﴾ لملئه: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ الذي يزعم أنه أرسله إلينا فيمنعه منا ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ يقول: إني أخاف أن يغير دينكم الذي أنتم عليه بسحره. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والشأم والبصرة:"وَأَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الفَسَادَ" بغير ألف، وكذلك ذلك في مصاحف أهل المدينة، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: ﴿أوْ أن﴾ بالألف، وكذلك ذلك في مصاحفهم"يَظْهَرَ فِي الأرْضِ" بفتح الياء ورفع الفساد. والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار متقاربتا المعنى، وذلك أن الفساد إذا أظهره مظهرا كان ظاهرا، وإذا ظهر فبإظهار مظهره يظهر، ففي القراءة بإحدى القرّاءتين فى ذلك دليل واضح على صحة معنى الأخرى. وأما القراءة في: ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ﴾ بالألف وبحذفها، فإنهما أيضا متقاربتا المعنى، وذلك أن الشيء إذا بدل إلى خلافه فلا شك أن خلافه المبدل إليه الأوّل هو الظاهر دون المبدل، فسواء عطف على خبره عن خوفه من موسى أن يبدّل دينهم بالواو أو بأو، لأن تبديل دينهم كان عنده ظهور الفساد، وظهور الفساد كان عنده هو تبديل الدين. فتأويل الكلام إن: إني أخاف من موسى أن يغير دينكم الذي أنتم عليه، أو أن يظهر في أرضكم أرض مصر، عبادة ربه الذي يدعوكم إلى عبادته، وذلك كان عنده هو الفساد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ) : أي أمركم الذي أنتم عليه ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ﴾ والفساد عنده أن يعمل بطاعة الله. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧) وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: وقال موسى لفرعون وملئه: إني استجرت أيها القوم بربي وربكم، من كلّ متكبر عليه، تكبر عن توحيده، والإقرار بألوهيته وطاعته، لا يؤمن بيوم يحاسب الله فيه خلقه، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بما أساء؛ وإنما خص موسى صلوات الله وسلامه عليه، الاستعاذة بالله ممن لا يؤمن بيوم الحساب، لأن من لم يؤمن بيوم الحساب مصدقا، لم يكن للثواب على الإحسان راجيا، ولا للعقاب على الإساءة، وقبيح ما يأتي من الأفعال خائفا، ولذلك كان استجارته من هذا الصنف من الناس خاصة. * * وقوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ اختلف أهل العلم في هذا الرجل المؤمن، فقال بعضهم: كان من قوم فرعون، غير أنه كان قد آمن بموسى، وكان يُسِرّ إيمانه من فرعون وقومه خوفا على نفسه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال: هو ابن عم فرعون. ويقال: هو الذي نجا مع موسى، فمن قال هذا القول، وتأوّل هذا التأويل، كان صوابا الوقف إذا أراد القارئ الوقف على قوله: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ، لأن ذلك خبر متناه قد تمّ. وقال آخرون: بل كان الرجل إسرائيليا، ولكنه كان يكتم إيمانه من آل فرعون. والصواب على هذا القول لمن أراد الوقف أن يجعل وقفه على قوله: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ لأن قوله: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ صلة لقوله: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ فتمامه قوله: يكتم إيمانه، وقد ذكر أن اسم هذا الرجل المؤمن من آل فرعون: جبريل، كذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق. وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي القول الذي قاله السديّ من أن الرجل المؤمن كان من آل فرعون، قد أصغى لكلامه، واستمع منه ما قاله، وتوقف عن قتل موسى عند نهيه عن قتله. وقيله ما قاله. وقال له: ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، ولو كان إسرائليا لكان حريا أن يعاجل هذا القاتل له، ولملئه ما قال بالعقوبة على قوله، لأنه لم يكن يستنصح بني إسرائيل، لاعتداده إياهم أعداء له، فكيف بقوله عن قتل موسى لو وجد إليه سبيلا؟ ولكنه لما كان من ملأ قومه، استمع قوله، وكفّ عما كان همّ به في موسى. * * وقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ يقول: أتقتلون أيها القوم موسى لأن يقول ربي الله؟ فإن في موضع نصب لما وصفت. ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يقول: وقد جاءكم بالآيات الواضحات على حقيقة ما يقول من ذلك. وتلك البيّنات من الآيات يده وعصاه. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال. ثنا سلمة، عن ابن إسحاق ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بعصاه وبيده. * * وقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ يقول: وإن يك موسى كاذبا في قيله: إن الله أرسله إليك يأمركم بعبادته، وترك دينكم الذي أنتم عليه، فإنما إثم كذبه عليه دونكم ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ يقول: وإن يك صادقا في قيله ذلك، أصابكم الذي وعدكم من العقوبة على مقامكم على الدين الذي أنتم عليه مقيمون، فلا حاجة بكم إلى قتله، فتزيدوا ربكم بذلك إلى سخطه عليكم بكفركم سخطا ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ يقول: إن الله لا يوفّق للحقّ من هو متعد إلى فعل ما ليس له فعله، كذّاب عليه يكذب، ويقول عليه الباطل وغير الحقّ. وقد اختلف أهل التأويل في معنى الإسراف الذي ذكره المؤمن في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني به الشرك، وأراد: إن الله لا يهدي من هو مشرك به مفتر عليه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال. ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ : مشرك أسرف على نفسه بالشرك. وقال آخرون: عنى به من هو قتَّال سفَّاك للدماء بغير حق. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ قال: المسرف: هو صاحب الدم، ويقال: هم المشركون. والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن هذا المؤمن أنه عمّ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ والشرك من الإسراف، وسفك الدم بغير حقّ من الإسراف، وقد كان مجتمعا في فرعون الأمران كلاهما، فالحقّ أن يعم ذلك كما أخبر جلّ ثناؤه عن قائله، أنه عم القول بذلك.

Al-Mukhtasar (français)

Un homme, croyant en Allah appartenant aux gens de Pharaon et qui dissimulait sa foi aux siens, réprouva leur projet de tuer Moïse. Il leur dit: Allez-vous tuer un homme qui n’a commis d’autre crime que de dire « Mon Seigneur est Allah », alors qu’il vous a apporté les preuves évidentes de sa véracité et de sa qualité de messager envoyé par Allah? S’il s’avérait que c’est un menteur, le préjudice de son mensonge retomberait sur lui et s’il est véridique, une part du châtiment qu’il vous promet s’abattra sur vous bientôt. Allah ne facilite pas la vérité à ceux qui outrepassent Ses limites et inventent des mensonges sur Lui et sur Ses messagers.

29

يَٰقَوْمِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَٰهِرِينَ فِى ٱلْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ

«O mon peuple, triomphant sur la terre, vous avez la royauté aujourd'hui. Mais qui nous secourra de la rigueur d'Allah si elle nous vient?» Pharaon dit: «Je ne vous indique que ce que je considère bon. Je ne vous guide qu'au sentier de la droiture».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

الْمَشْهُورُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الْمُؤْمِنَ كَانَ قبْطيًا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ. قَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ الَّذِي نَجَا مَعَ مُوسَى. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٤/٣٨) .]] ، وَرَدَّ قَوْلَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا؛ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ انْفَعَلَ لِكَلَامِهِ وَاسْتَمَعَهُ، وَكَفَّ عَنْ قَتْلِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَوْ كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا لَأَوْشَكَ أَنْ يُعَاجَلَ [[في ت: "يقابل".]] بِالْعُقُوبَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ [[في ت، س: "متهم".]] . وَقَالَ ابْنُ جُرَيج عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمْ يُؤْمَنْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ سِوَى هَذَا الرَّجُلِ وَامْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَالَّذِي قَالَ: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [الْقَصَصِ:٢٠] رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَدْ كَانَ هَذَا الرجلُ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ عَنْ قَوْمِهِ الْقِبْطِ، فَلَمْ يَظْهَرْ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ حِينَ قَالَ فِرْعَوْنُ: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ ، فَأَخَذَتِ الرَّجُلَ غَضْبَةٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَ"أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ"، كَمَا ثَبَتَ بِذَلِكَ الْحَدِيثُ، وَلَا أَعْظَمَ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [أَيْ: لِأَجْلِ أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ] [[زيادة من ت، س، أ.]] ، اللَّهُمَّ إِلَّا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنِي [[في ت: "في صحيحه بإسناده عن".]] عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ شَيْءٍ مِمَّا صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَقْبَلَ عُقْبة بْنُ أَبِي مُعَيط، فَأَخَذَ بمَنْكب رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ [[في ت، س: "بمنكبيه".]] ودَفَع عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ . انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨١٥) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدة عَنْ هِشَامٍ -يَعْنِي ابْنَ عُرْوَةَ-عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سُئِل: مَا أَشَدُّ مَا رَأَيْتَ قُرَيْشًا بَلَغُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قال: مَرَّ بِهِمْ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ تَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا؟ فَقَالَ: "أَنَا ذَاكَ" فَقَامُوا إِلَيْهِ، فَأَخَذُوا بِمَجَامِعِ ثِيَابِهِ، فرأيتُ أَبَا بَكْرٍ مُحْتَضِنُهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَهُوَ يَصِيحُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ، وَإِنَّ عَيْنَيْهِ لَيَسِيلَانِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا قَوْمِ، ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ كُلِّهَا. وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدَةَ، فَجَعْلَهُ مِنْ مُسْنَدِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٦٢) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أَيْ: كَيْفَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا لِكَوْنِهِ يَقُولُ: "رُبِّيَ اللَّهُ"، وَقَدْ أَقَامَ لَكُمُ الْبُرْهَانَ عَلَى صِدْقِ مَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ؟ ثُمَّ تَنزل مَعَهُمْ فِي الْمُخَاطَبَةِ فَقَالَ: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ يَعْنِي: إِذَا لَمْ يُظْهِرْ لَكُمْ صِحَّةَ مَا جَاءَكُمْ بِهِ، فَمِنَ الْعَقْلِ وَالرَّأْيِ التَّامِّ وَالْحَزَمِ أَنْ تَتْرُكُوهُ وَنَفْسَهُ، فَلَا تُؤْذُوهُ، فَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَإِنَّ اللَّهَ سَيُجَازِيهِ عَلَى كَذِبِهِ بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ يَكُ صَادِقًا وَقَدْ آذَيْتُمُوهُ يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، فَإِنَّهُ يَتَوَعَّدُكُمْ إِنْ خَالَفْتُمُوهُ بِعَذَابٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَمِنَ الْجَائِزِ عِنْدَكُمْ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا، فَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَلَّا تَتَعَرَّضُوا لَهُ، بَلِ اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ يَدْعُوهُمْ وَيَتْبَعُونَهُ. وَهَكَذَا أَخْبَرَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت، س، أ.]] عَنْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ طَلَبَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ الْمُوَادَعَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ. أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ. وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ. وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ [الدُّخَانِ:١٧ -٢١] وَهَكَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِقُرَيْشٍ أَنْ يَتْرُكُوهُ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] عِبَادَ اللَّهِ، وَلَا يَمَسُّوهُ بِسُوءٍ، وَأَنْ يَصِلُوا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ فِي تَرْكِ أَذِيَّتِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشُّورَى: ٢٣] أَيْ: إِلَّا أَلَّا تُؤْذُونِي فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ، فَلَا تُؤْذُونِي وَتَتْرُكُوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ. وَعَلَى هَذَا وُقِّعَتِ الْهُدْنَةُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ فَتْحًا مُبِينًا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ أَيْ: لَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ إِلَيْكُمْ كَاذِبًا كَمَا تَزْعُمُونَ، لَكَانَ أَمْرُهُ بَيِّنًا، يَظْهَرُ لِكُلِّ أَحَدٍ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، كَانَتْ تَكُونُ فِي غَايَةِ الِاخْتِلَافِ وَالِاضْطِرَابِ، وَهَذَا نَرَى أَمْرَهُ سَدِيدًا وَمَنْهَجَهُ مُسْتَقِيمًا، وَلَوْ كَانَ مِنَ الْمُسْرِفِينَ الْكَذَّابِينَ لَمَا هَدَاهُ اللَّهُ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى مَا تَرَوْنَ مِنِ انْتِظَامِ أَمْرِهِ وَفِعْلِهِ. ثُمَّ قَالَ الْمُؤْمِنُ مُحَذِّرًا قَوْمَهُ زَوَالَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَنْهُمْ [[في س، أ: "عليهم".]] وَحُلُولَ نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْمُلْكِ وَالظُّهُورِ فِي الْأَرْضِ بِالْكَلِمَةِ النَّافِذَةِ وَالْجَاهِ الْعَرِيضِ، فَرَاعُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ بِشُكْرِ اللَّهِ، وَتَصْدِيقِ رَسُولِهِ ﷺ، وَاحْذَرُوا نِقْمَةَ اللَّهِ إِنْ كَذَّبْتُمْ رَسُولَهُ، ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ أَيْ: لَا تُغْنِي عَنْكُمْ هَذِهِ الْجُنُودُ وَهَذِهِ الْعَسَاكِرُ، وَلَا تَرُدُّ عَنَّا شَيْئًا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنَا بِسُوءٍ. ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ لِقَوْمِهِ، رَادًّا عَلَى مَا أَشَارَ بِهِ هَذَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ الْبَارُّ الرَّاشِدُ الَّذِي كَانَ أَحَقَّ بِالْمُلْكِ مِنْ فِرْعَوْنَ: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى﴾ أَيْ: مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُشِيرُ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَرَاهُ لِنَفْسِي وَقَدْ كَذَبَ فِرْعَوْنُ، فَإِنَّهُ كَانَ يَتَحَقَّقُ صِدْقَ مُوسَى فِيمَا جَاءَ بِهِ [[في س: "جاءه".]] مِنَ الرِّسَالَةِ ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الْإِسْرَاءِ:١٠٢] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النَّمْلِ: ١٤] . فَقَوْلُهُ: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى﴾ كَذَبَ فِيهِ وَافْتَرَى، وَخَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَرَعِيَّتَهُ، فَغَشَّهُمْ وَمَا نَصَحَهُمْ وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ أَيْ: وَمَا أَدْعُوكُمْ إِلَّا إِلَى طَرِيقِ الْحَقِّ وَالصِّدْقِ وَالرُّشْدِ وَقَدْ كَذَبَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَوْمُهُ قَدْ أَطَاعُوهُ وَاتَّبَعُوهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هُودٍ: ٩٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طَهَ: ٧٩] ، وَفِي الْحَدِيثِ: "مَا مِنْ إِمَامٍ يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا لَمْ يَرح رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لِيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٧١٥٠، ٧١٥١) ومسلم في صحيحه برقم (١٤٢) بنحوه من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وملئه: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأرْضِ﴾ يعني: أرض مصر، يقول: لكم السلطان اليوم والملك ظاهرين أنتم على بنى إسرائيل في أرض مصر ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ يقول: فمن يدفع عنا بأس الله وسطوته إن حل بنا، وعقوبته أن جاءتنا، قال فرعون ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى﴾ يقول: قال فرعون مجيبا لهذا المؤمن الناهي عن قتل موسى: ما رأيكم أيها الناس من الرأي والنصيحة إلا ما أرى لنفسي ولكم صلاحا وصوابا، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. يقول: وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصواب في أمر موسى وقتله، فإنكم إن لم تقتلوه بدل دينكم، وأظهر في أرضكم الفساد. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) ﴾ يقول تعالى ذكره: وقال المؤمن من آل فرعون لفرعون وملثه: يا قوم إني أخاف عليكم بقتلكم موسى إن قتلتموه مثل يوم الأحزاب الذين تحزّبوا على رسل الله نوح وهود وصالح، فأهلكهم الله بتجرّئهم عليه، فيهلككم كما أهلكهم. * * وقوله: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ يقول: يفعل ذلك بكم فيهلككم مثل سنته في قوم نوح وعاد وثمود وفعله بهم. وقد بيَّنا معنى الدأب فيما مضى بشواهده، المغنية عن إعادته، مع ذكر أقوال أهل التأويل فيه. ⁕ وقد حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ يقول: مثل حال. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ قال: مثل ما أصابهم. * * وقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني قوم إبراهيم، وقوم لوط، وهم أيضا من الأحزاب. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ قال: هم الأحزاب. * * وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وملئه: وما أهلك الله هذه الأحزاب من هذه الأمم ظلما منه لهم بغير جرم اجترموه بينهم وبينه، لأنه لا يريد ظلم عباده، ولا يشاؤه، ولكنه أهلكهم بإجرامهم وكفرهم به، وخلافهم أمره.

Al-Mukhtasar (français)

Ô mon peuple, vous êtes aujourd’hui les vainqueurs et vous régnez sur la Terre d’Egypte. Qui donc nous secourra du châtiment d’Allah si nous tuions Moïse? Pharaon dit: Ce sera mon avis et mon jugement qui prévaudront. Je suis d’avis de tuer Moïse afin d’éloigner le mal et la corruption, et je ne vous oriente que vers ce qui est bon et pertinent.

30

وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ ٱلْأَحْزَابِ

Et celui qui était croyant dit: «O mon peuple, je crains pour vous un jour semblable à celui des coalisés.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ، مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: أَنَّهُ حَذَّرَ قَوْمَهُ بَأْسَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَالَ: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأحْزَابِ﴾ أَيِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَ اللَّهِ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ، كَقَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ، كَيْفَ حَلَّ بِهِمْ بَأْسُ اللَّهِ، وَمَا رَدَّهُ عَنْهُمْ رَادٌّ، وَلَا صَدَّهُ عنهم صاد. ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ، وَمُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَهُ. فَأَنْفَذَ فِيهِمْ قَدَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا جَاءَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ: إِنَّ الْأَرْضَ إِذَا زُلْزِلَتْ وَانْشَقَّتْ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَمَاجَتْ وَارْتَجَّتْ، فَنَظَرَ النَّاسُ إِلَى ذَلِكَ ذَهَبُوا هَارِبِينَ يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ: بَلْ ذَلِكَ إِذَا جِيءَ بِجَهَنَّمَ، ذَهَبَ النَّاسُ هِرَابا [[في س، أ: "هرابا منه".]] ، فَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ فَتَرُدُّهُمْ إِلَى مَقَامِ الْمَحْشَرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٧] ، وَقَوْلُهُ ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرَّحْمَنِ:٣٣] . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ، وَالضَّحَّاكِ: أَنَّهُمْ قَرَؤُوا: "يَوْمَ التَّنَادِّ" بِتَشْدِيدِ الدَّالِّ مِنْ نَدَّ الْبَعِيرُ: إِذَا شَرَدَ وَذَهَبَ. وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمِيزَانَ عِنْدَهُ مَلَكٌ، وَإِذَا وَزَنَ عَمَلَ الْعَبْدِ [[في ت: "أعمال العبد".]] فَرَجَحَ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَلَا قَدْ سَعِدَ فَلَانُ بْنُ فُلَانٌ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا. وَإِنْ خَفَّ عَمَلُهُ نَادَى: أَلَا قَدْ شَقِيَ فَلَانُ بْنُ فُلَانٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يُنَادَى كُلُّ قَوْمٍ بِأَعْمَالِهِمْ: يُنَادَى أَهْلُ الْجَنَّةِ أَهْلَ الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ أَهْلَ النَّارِ. وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُنَادَاةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٤٤] . وَمُنَادَاةُ أَهْلِ النَّارِ أَهْلَ الْجَنَّةِ: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٠] ، وَلِمُنَادَاةِ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ أَهْلَ الْجَنَّةِ وَأَهْلَ النَّارِ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ. وَاخْتَارَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَجْمُوعِ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ جَيِّدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[معالم التنزيل للبغوي (٧/١٤٧، ١٤٨) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ أَيْ: ذَاهِبِينَ هَارِبِينَ، ﴿كَلا لَا وَزَرَ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [الْقِيَامَةِ: ١١، ١٢] ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ أَيْ: مَا لَكُمْ مَانِعٌ يَمْنَعُكُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَعَذَابِهِ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أَيْ: مَنْ أَضَلَّهُ [اللَّهُ] [[زيادة من ت، س.]] فَلَا هَادِيَ لَهُ غَيْرُهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يَعْنِي: أَهْلَ مِصْرَ، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ قَبْلِ مُوسَى، وَهُوَ يُوسُفُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ عَزِيزَ أَهْلِ مِصْرَ، وَكَانَ رَسُولًا يَدْعُو إِلَى اللَّهِ أُمَّتَهُ [[في أ: "أمة".]] الْقِبْطَ، فَمَا أَطَاعُوهُ تِلْكَ السَّاعَةَ [[في ت، س، أ: "تلك الطاعة".]] إِلَّا لِمُجَرَّدِ الْوِزَارَةِ وَالْجَاهِ الدُّنْيَوِيِّ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا﴾ أَيْ: يَئِسْتُمْ فَقُلْتُمْ طَامِعِينَ: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا﴾ وَذَلِكَ لِكُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ أي: كحالكم هذا. ثُمَّ قَالَ: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أَيِ: الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَيُجَادِلُونَ الْحُجَجَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَحُجَّةٍ مَعَهُمْ مِنَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ أَشَدَّ الْمَقْتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: وَالْمُؤْمِنُونَ أَيْضًا يُبغضُون مَنْ تَكُونُ هَذِهِ صِفَتَهُ، فَإِنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ، فَلَا يَعْرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ أَيْ: عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ ﴿جَبَّارٍ﴾ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ -وَحُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ-أَنَّهُمَا قَالَا لَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ جَبَّارًا حَتَّى يَقْتُلَ نَفْسَيْنِ. وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ وَقَتَادَةُ: آيَةُ الْجَبَابِرَةِ الْقَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وملئه: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأرْضِ﴾ يعني: أرض مصر، يقول: لكم السلطان اليوم والملك ظاهرين أنتم على بنى إسرائيل في أرض مصر ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ يقول: فمن يدفع عنا بأس الله وسطوته إن حل بنا، وعقوبته أن جاءتنا، قال فرعون ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى﴾ يقول: قال فرعون مجيبا لهذا المؤمن الناهي عن قتل موسى: ما رأيكم أيها الناس من الرأي والنصيحة إلا ما أرى لنفسي ولكم صلاحا وصوابا، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. يقول: وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصواب في أمر موسى وقتله، فإنكم إن لم تقتلوه بدل دينكم، وأظهر في أرضكم الفساد. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) ﴾ يقول تعالى ذكره: وقال المؤمن من آل فرعون لفرعون وملثه: يا قوم إني أخاف عليكم بقتلكم موسى إن قتلتموه مثل يوم الأحزاب الذين تحزّبوا على رسل الله نوح وهود وصالح، فأهلكهم الله بتجرّئهم عليه، فيهلككم كما أهلكهم. * * وقوله: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ يقول: يفعل ذلك بكم فيهلككم مثل سنته في قوم نوح وعاد وثمود وفعله بهم. وقد بيَّنا معنى الدأب فيما مضى بشواهده، المغنية عن إعادته، مع ذكر أقوال أهل التأويل فيه. ⁕ وقد حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ يقول: مثل حال. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ قال: مثل ما أصابهم. * * وقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني قوم إبراهيم، وقوم لوط، وهم أيضا من الأحزاب. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ قال: هم الأحزاب. * * وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وملئه: وما أهلك الله هذه الأحزاب من هذه الأمم ظلما منه لهم بغير جرم اجترموه بينهم وبينه، لأنه لا يريد ظلم عباده، ولا يشاؤه، ولكنه أهلكهم بإجرامهم وكفرهم به، وخلافهم أمره.

Al-Mukhtasar (français)

Celui qui avait la foi dit aux siens en guise de conseil: Je crains que, si vous tuez Moïse injustement et arbitrairement, s’abatte sur vous un châtiment semblable à celui qui s’est abattu sur les coalisés du passé qui s’allièrent contre leurs messagers et qu’Allah a anéantis.

31

مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍۢ وَعَادٍۢ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًۭا لِّلْعِبَادِ

Un sort semblable à celui du peuple de Noé, des 'Aad et des Thamûd et de ceux [qui vécurent] après eux». Allah ne veut [faire subir] aucune injustice aux serviteurs.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ، مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: أَنَّهُ حَذَّرَ قَوْمَهُ بَأْسَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَالَ: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأحْزَابِ﴾ أَيِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَ اللَّهِ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ، كَقَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ، كَيْفَ حَلَّ بِهِمْ بَأْسُ اللَّهِ، وَمَا رَدَّهُ عَنْهُمْ رَادٌّ، وَلَا صَدَّهُ عنهم صاد. ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ، وَمُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَهُ. فَأَنْفَذَ فِيهِمْ قَدَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا جَاءَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ: إِنَّ الْأَرْضَ إِذَا زُلْزِلَتْ وَانْشَقَّتْ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَمَاجَتْ وَارْتَجَّتْ، فَنَظَرَ النَّاسُ إِلَى ذَلِكَ ذَهَبُوا هَارِبِينَ يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ: بَلْ ذَلِكَ إِذَا جِيءَ بِجَهَنَّمَ، ذَهَبَ النَّاسُ هِرَابا [[في س، أ: "هرابا منه".]] ، فَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ فَتَرُدُّهُمْ إِلَى مَقَامِ الْمَحْشَرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٧] ، وَقَوْلُهُ ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرَّحْمَنِ:٣٣] . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ، وَالضَّحَّاكِ: أَنَّهُمْ قَرَؤُوا: "يَوْمَ التَّنَادِّ" بِتَشْدِيدِ الدَّالِّ مِنْ نَدَّ الْبَعِيرُ: إِذَا شَرَدَ وَذَهَبَ. وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمِيزَانَ عِنْدَهُ مَلَكٌ، وَإِذَا وَزَنَ عَمَلَ الْعَبْدِ [[في ت: "أعمال العبد".]] فَرَجَحَ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَلَا قَدْ سَعِدَ فَلَانُ بْنُ فُلَانٌ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا. وَإِنْ خَفَّ عَمَلُهُ نَادَى: أَلَا قَدْ شَقِيَ فَلَانُ بْنُ فُلَانٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يُنَادَى كُلُّ قَوْمٍ بِأَعْمَالِهِمْ: يُنَادَى أَهْلُ الْجَنَّةِ أَهْلَ الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ أَهْلَ النَّارِ. وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُنَادَاةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٤٤] . وَمُنَادَاةُ أَهْلِ النَّارِ أَهْلَ الْجَنَّةِ: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٠] ، وَلِمُنَادَاةِ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ أَهْلَ الْجَنَّةِ وَأَهْلَ النَّارِ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ. وَاخْتَارَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَجْمُوعِ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ جَيِّدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[معالم التنزيل للبغوي (٧/١٤٧، ١٤٨) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ أَيْ: ذَاهِبِينَ هَارِبِينَ، ﴿كَلا لَا وَزَرَ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [الْقِيَامَةِ: ١١، ١٢] ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ أَيْ: مَا لَكُمْ مَانِعٌ يَمْنَعُكُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَعَذَابِهِ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أَيْ: مَنْ أَضَلَّهُ [اللَّهُ] [[زيادة من ت، س.]] فَلَا هَادِيَ لَهُ غَيْرُهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يَعْنِي: أَهْلَ مِصْرَ، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ قَبْلِ مُوسَى، وَهُوَ يُوسُفُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ عَزِيزَ أَهْلِ مِصْرَ، وَكَانَ رَسُولًا يَدْعُو إِلَى اللَّهِ أُمَّتَهُ [[في أ: "أمة".]] الْقِبْطَ، فَمَا أَطَاعُوهُ تِلْكَ السَّاعَةَ [[في ت، س، أ: "تلك الطاعة".]] إِلَّا لِمُجَرَّدِ الْوِزَارَةِ وَالْجَاهِ الدُّنْيَوِيِّ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا﴾ أَيْ: يَئِسْتُمْ فَقُلْتُمْ طَامِعِينَ: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا﴾ وَذَلِكَ لِكُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ أي: كحالكم هذا. ثُمَّ قَالَ: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أَيِ: الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَيُجَادِلُونَ الْحُجَجَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَحُجَّةٍ مَعَهُمْ مِنَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ أَشَدَّ الْمَقْتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: وَالْمُؤْمِنُونَ أَيْضًا يُبغضُون مَنْ تَكُونُ هَذِهِ صِفَتَهُ، فَإِنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ، فَلَا يَعْرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ أَيْ: عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ ﴿جَبَّارٍ﴾ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ -وَحُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ-أَنَّهُمَا قَالَا لَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ جَبَّارًا حَتَّى يَقْتُلَ نَفْسَيْنِ. وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ وَقَتَادَةُ: آيَةُ الْجَبَابِرَةِ الْقَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وملئه: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأرْضِ﴾ يعني: أرض مصر، يقول: لكم السلطان اليوم والملك ظاهرين أنتم على بنى إسرائيل في أرض مصر ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ يقول: فمن يدفع عنا بأس الله وسطوته إن حل بنا، وعقوبته أن جاءتنا، قال فرعون ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى﴾ يقول: قال فرعون مجيبا لهذا المؤمن الناهي عن قتل موسى: ما رأيكم أيها الناس من الرأي والنصيحة إلا ما أرى لنفسي ولكم صلاحا وصوابا، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. يقول: وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصواب في أمر موسى وقتله، فإنكم إن لم تقتلوه بدل دينكم، وأظهر في أرضكم الفساد. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) ﴾ يقول تعالى ذكره: وقال المؤمن من آل فرعون لفرعون وملثه: يا قوم إني أخاف عليكم بقتلكم موسى إن قتلتموه مثل يوم الأحزاب الذين تحزّبوا على رسل الله نوح وهود وصالح، فأهلكهم الله بتجرّئهم عليه، فيهلككم كما أهلكهم. * * وقوله: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ يقول: يفعل ذلك بكم فيهلككم مثل سنته في قوم نوح وعاد وثمود وفعله بهم. وقد بيَّنا معنى الدأب فيما مضى بشواهده، المغنية عن إعادته، مع ذكر أقوال أهل التأويل فيه. ⁕ وقد حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ يقول: مثل حال. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ قال: مثل ما أصابهم. * * وقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني قوم إبراهيم، وقوم لوط، وهم أيضا من الأحزاب. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ قال: هم الأحزاب. * * وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وملئه: وما أهلك الله هذه الأحزاب من هذه الأمم ظلما منه لهم بغير جرم اجترموه بينهم وبينه، لأنه لا يريد ظلم عباده، ولا يشاؤه، ولكنه أهلكهم بإجرامهم وكفرهم به، وخلافهم أمره.

Al-Mukhtasar (français)

Il en est ainsi de ceux qui mécroient et démentent les messagers, à l’image du peuple de Noé, les ‘Âd, et les Thamûd qui vécurent après eux. Allah les a anéantis pour leur mécréance et le démenti qu’ils ont opposé à Ses messagers. Allah ne veut pas être injuste envers les gens mais Il les châtie pour leurs péchés, ce qui est une rétribution équitable.

32

وَيَٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ

«O mon peuple, je crains pour vous le jour de l'Appel Mutuel,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ، مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: أَنَّهُ حَذَّرَ قَوْمَهُ بَأْسَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَالَ: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأحْزَابِ﴾ أَيِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَ اللَّهِ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ، كَقَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ، كَيْفَ حَلَّ بِهِمْ بَأْسُ اللَّهِ، وَمَا رَدَّهُ عَنْهُمْ رَادٌّ، وَلَا صَدَّهُ عنهم صاد. ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ، وَمُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَهُ. فَأَنْفَذَ فِيهِمْ قَدَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا جَاءَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ: إِنَّ الْأَرْضَ إِذَا زُلْزِلَتْ وَانْشَقَّتْ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَمَاجَتْ وَارْتَجَّتْ، فَنَظَرَ النَّاسُ إِلَى ذَلِكَ ذَهَبُوا هَارِبِينَ يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ: بَلْ ذَلِكَ إِذَا جِيءَ بِجَهَنَّمَ، ذَهَبَ النَّاسُ هِرَابا [[في س، أ: "هرابا منه".]] ، فَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ فَتَرُدُّهُمْ إِلَى مَقَامِ الْمَحْشَرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٧] ، وَقَوْلُهُ ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرَّحْمَنِ:٣٣] . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ، وَالضَّحَّاكِ: أَنَّهُمْ قَرَؤُوا: "يَوْمَ التَّنَادِّ" بِتَشْدِيدِ الدَّالِّ مِنْ نَدَّ الْبَعِيرُ: إِذَا شَرَدَ وَذَهَبَ. وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمِيزَانَ عِنْدَهُ مَلَكٌ، وَإِذَا وَزَنَ عَمَلَ الْعَبْدِ [[في ت: "أعمال العبد".]] فَرَجَحَ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَلَا قَدْ سَعِدَ فَلَانُ بْنُ فُلَانٌ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا. وَإِنْ خَفَّ عَمَلُهُ نَادَى: أَلَا قَدْ شَقِيَ فَلَانُ بْنُ فُلَانٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يُنَادَى كُلُّ قَوْمٍ بِأَعْمَالِهِمْ: يُنَادَى أَهْلُ الْجَنَّةِ أَهْلَ الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ أَهْلَ النَّارِ. وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُنَادَاةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٤٤] . وَمُنَادَاةُ أَهْلِ النَّارِ أَهْلَ الْجَنَّةِ: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٠] ، وَلِمُنَادَاةِ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ أَهْلَ الْجَنَّةِ وَأَهْلَ النَّارِ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ. وَاخْتَارَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَجْمُوعِ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ جَيِّدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[معالم التنزيل للبغوي (٧/١٤٧، ١٤٨) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ أَيْ: ذَاهِبِينَ هَارِبِينَ، ﴿كَلا لَا وَزَرَ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [الْقِيَامَةِ: ١١، ١٢] ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ أَيْ: مَا لَكُمْ مَانِعٌ يَمْنَعُكُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَعَذَابِهِ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أَيْ: مَنْ أَضَلَّهُ [اللَّهُ] [[زيادة من ت، س.]] فَلَا هَادِيَ لَهُ غَيْرُهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يَعْنِي: أَهْلَ مِصْرَ، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ قَبْلِ مُوسَى، وَهُوَ يُوسُفُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ عَزِيزَ أَهْلِ مِصْرَ، وَكَانَ رَسُولًا يَدْعُو إِلَى اللَّهِ أُمَّتَهُ [[في أ: "أمة".]] الْقِبْطَ، فَمَا أَطَاعُوهُ تِلْكَ السَّاعَةَ [[في ت، س، أ: "تلك الطاعة".]] إِلَّا لِمُجَرَّدِ الْوِزَارَةِ وَالْجَاهِ الدُّنْيَوِيِّ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا﴾ أَيْ: يَئِسْتُمْ فَقُلْتُمْ طَامِعِينَ: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا﴾ وَذَلِكَ لِكُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ أي: كحالكم هذا. ثُمَّ قَالَ: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أَيِ: الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَيُجَادِلُونَ الْحُجَجَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَحُجَّةٍ مَعَهُمْ مِنَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ أَشَدَّ الْمَقْتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: وَالْمُؤْمِنُونَ أَيْضًا يُبغضُون مَنْ تَكُونُ هَذِهِ صِفَتَهُ، فَإِنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ، فَلَا يَعْرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ أَيْ: عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ ﴿جَبَّارٍ﴾ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ -وَحُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ-أَنَّهُمَا قَالَا لَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ جَبَّارًا حَتَّى يَقْتُلَ نَفْسَيْنِ. وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ وَقَتَادَةُ: آيَةُ الْجَبَابِرَةِ الْقَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هذا المؤمن لفرعون وقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ بقتلكم موسى إن قتلتموه عقاب الله ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ . واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ بتخفيف الدال، وترك إثبات الياء، بمعنى التفاعل، من تنادى القوم تناديا، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ وقال: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ فلذلك تأوله قارئو ذلك كذلك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاريّ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة أنه قال في هذه الآية ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ قال: يوم ينادي أهل النار أهل الجنة: أن أفيضوا علينا من الماء. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ يوم ينادي أهل الجنة أهل النار ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ وينادي أهل النار أهل الجنة ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ قال: يوم القيامة ينادي أهل الجنة أهل النار. وقد روي عن رسول الله ﷺ في معنى ذلك على هذه القراءة تأويل آخر على غير هذا الوجه. وهو ما:- ⁕ حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظيّ، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال:"يَأْمُرُ الله إسْرَافِيلَ بالنَّفْخَةِ الأولَى، فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ، فَفَزِعَ أهْلُ السَّمَوَاتِ وأهْلُ الأرْضِ إلا مَنْ شَاءَ الله، وَيَأْمُرُهُ الله أنْ يُدِيمَهَا وَيُطَوِّلَهَا فَلا يَفْتَرُ، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللهُ: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ فَيُسَيِّرُ اللهُ الجِبَالَ فَتَكُونَ سَرَابًا، فَتُرَجُّ الأرْضُ بأهْلِها رَجًّا، وَهِيَ التي يَقُولُ اللهُ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ فَتَكُونُ كالسَّفِينَة المُرْتَعَةِ فِي البَحْرِ تَضرِبُها الأمْوَاجُ تَكْفَأُ بأهْلِهَا، أوْ كالقِنْدِيلِ المُعَلَّقِ بالعَرْشِ تَرُجُّهُ الأرْوَاحُ، فَتَمِيدُ النَّاسَ عَلى ظَهْرِها، فَتَذْهَلُ المَرَاضِعُ، وَتَضَعُ الحَوَامِلُ، وَتَشِيبُ الوِلْدَانُ، وَتَطِيرُ الشَّيَاطِينُ هَارِبَةً حتى تأتي الأقْطارَ، فَتَلَقَّاها المَلائِكَةُ، فَتَضْرِبُ وُجُوهَها، فَتَرْجِعَ وَيُوَلِّي النَّاسُ مُدْبِرِينَ، يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ الله: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ ". فعلى هذا التأويل معنى الكلام: ويا قوم إني أخاف عليكم يوم ينادي الناس بعضهم بعضا من فزع نفخة الفزع. وقرأ ذلك آخرون:"يَوْمَ التَّنَادِّ" بتشديد الدال، بمعنى: التفاعل من النَّدّ، وذلك إذا هربوا فنَدُّوا في الأرض، كما تَنِدّ الإبل: إذا شَرَدَت على أربابها. ذكر من قال ذلك، وذكر المعنى الذي قَصَد بقراءته ذلك كذلك. ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقيّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن الأجلح، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، قال: إذا كان يوم القيامة، أمر الله السماء الدنيا فتشقَّقت بأهلها، ونزل من فيها من الملائكة، فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا وجدوا السبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قول الله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ وذلك قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ وقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ وذلك قوله: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ . ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ قال: تَنِدون ورُوِي عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك:"يَوْمَ التَّنَادِي" بإثبات الياء وتخفيف الدال. والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، وهو تخفيف الدال وبغير إثبات الياء، وذلك أن ذلك هو القراءة التي عليها الحجة مجمعة من قرّاء الأمصار، وغير جائز خلافها فيما جاءت به نقلا. فإذا كان ذلك هو الصواب، فمعنى الكلام: ويا قوم إني أخاف عليكم يوم ينادي الناس بعضهم بعضا، إما من هول ما قد عاينوا من عظيم سلطان الله، وفظاعة ما غشيهم من كرب ذلك اليوم، وإما لتذكير بعضُهم بعضا إنجاز إلله إياهم الوعد الذي وعدهم في الدنيا، واستغاثة من بعضهم ببعض، مما لقي من عظيم البلاء فيه. * * وقوله: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ فتأويله على التأويل الذي ذكرنا من الخبر عن رسول الله ﷺ:"يَوْمَ يُوَلُّونَ هارِبينَ فِي الأرْضِ حِذَارَ عَذَابِ اللهِ وَعِقابِهِ عِنْدَ مُعَايَنَتِهم جَهَنَّمَ". وتأويله على التأويل الذي قاله قَتادة في معنى ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ : يوم تولُّون مُنْصَرِفِينَ عن موقف الحساب إلى جهنم. وبنحو ذلك روي الخبر عنه، وعمن قال نحو مقالته في معنى ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ . ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال. ثنا يزيد، قال. ثنا سعيد، عن قتادة ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ : أي منطَلقا بكم إلى النار. وأولى القولين في ذلك بالصواب، القول الذي رُوي عن رسول الله ﷺ، وإن كان الذي قاله قتادة في ذلك غير بعيد من الحقّ، وبه قال جماعه من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال. ثنا أبو عاصم، قال. ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ قال: فارّين غير معجزين. * * وقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ يقول: ما لكم من الله مانع يمنعكم، وناصر ينصركم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال. ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ : أي من ناصر. * * وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ يقول: ومن يخذله الله فلم يوفّقه لرشده، فما له من موفّق يوفّقه له.

Al-Mukhtasar (français)

Ô mon peuple, je crains pour vous le Jour de la Résurrection, ce Jour où les gens appelleront ceux qui leur sont proches ou qui jouissent de prestige pensant, qu’ils leur seront utiles dans cette situation terrifiante.

33

يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍۢ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ

Le jour où vous tournerez le dos en déroute, sans qu'il y ait pour vous de protecteur contre Allah». Et quiconque Allah égare, n'a point de guide.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ، مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: أَنَّهُ حَذَّرَ قَوْمَهُ بَأْسَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَالَ: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأحْزَابِ﴾ أَيِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَ اللَّهِ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ، كَقَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ، كَيْفَ حَلَّ بِهِمْ بَأْسُ اللَّهِ، وَمَا رَدَّهُ عَنْهُمْ رَادٌّ، وَلَا صَدَّهُ عنهم صاد. ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ، وَمُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَهُ. فَأَنْفَذَ فِيهِمْ قَدَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا جَاءَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ: إِنَّ الْأَرْضَ إِذَا زُلْزِلَتْ وَانْشَقَّتْ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَمَاجَتْ وَارْتَجَّتْ، فَنَظَرَ النَّاسُ إِلَى ذَلِكَ ذَهَبُوا هَارِبِينَ يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ: بَلْ ذَلِكَ إِذَا جِيءَ بِجَهَنَّمَ، ذَهَبَ النَّاسُ هِرَابا [[في س، أ: "هرابا منه".]] ، فَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ فَتَرُدُّهُمْ إِلَى مَقَامِ الْمَحْشَرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٧] ، وَقَوْلُهُ ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرَّحْمَنِ:٣٣] . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ، وَالضَّحَّاكِ: أَنَّهُمْ قَرَؤُوا: "يَوْمَ التَّنَادِّ" بِتَشْدِيدِ الدَّالِّ مِنْ نَدَّ الْبَعِيرُ: إِذَا شَرَدَ وَذَهَبَ. وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمِيزَانَ عِنْدَهُ مَلَكٌ، وَإِذَا وَزَنَ عَمَلَ الْعَبْدِ [[في ت: "أعمال العبد".]] فَرَجَحَ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَلَا قَدْ سَعِدَ فَلَانُ بْنُ فُلَانٌ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا. وَإِنْ خَفَّ عَمَلُهُ نَادَى: أَلَا قَدْ شَقِيَ فَلَانُ بْنُ فُلَانٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يُنَادَى كُلُّ قَوْمٍ بِأَعْمَالِهِمْ: يُنَادَى أَهْلُ الْجَنَّةِ أَهْلَ الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ أَهْلَ النَّارِ. وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُنَادَاةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٤٤] . وَمُنَادَاةُ أَهْلِ النَّارِ أَهْلَ الْجَنَّةِ: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٠] ، وَلِمُنَادَاةِ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ أَهْلَ الْجَنَّةِ وَأَهْلَ النَّارِ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ. وَاخْتَارَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَجْمُوعِ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ جَيِّدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[معالم التنزيل للبغوي (٧/١٤٧، ١٤٨) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ أَيْ: ذَاهِبِينَ هَارِبِينَ، ﴿كَلا لَا وَزَرَ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [الْقِيَامَةِ: ١١، ١٢] ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ أَيْ: مَا لَكُمْ مَانِعٌ يَمْنَعُكُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَعَذَابِهِ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أَيْ: مَنْ أَضَلَّهُ [اللَّهُ] [[زيادة من ت، س.]] فَلَا هَادِيَ لَهُ غَيْرُهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يَعْنِي: أَهْلَ مِصْرَ، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ قَبْلِ مُوسَى، وَهُوَ يُوسُفُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ عَزِيزَ أَهْلِ مِصْرَ، وَكَانَ رَسُولًا يَدْعُو إِلَى اللَّهِ أُمَّتَهُ [[في أ: "أمة".]] الْقِبْطَ، فَمَا أَطَاعُوهُ تِلْكَ السَّاعَةَ [[في ت، س، أ: "تلك الطاعة".]] إِلَّا لِمُجَرَّدِ الْوِزَارَةِ وَالْجَاهِ الدُّنْيَوِيِّ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا﴾ أَيْ: يَئِسْتُمْ فَقُلْتُمْ طَامِعِينَ: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا﴾ وَذَلِكَ لِكُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ أي: كحالكم هذا. ثُمَّ قَالَ: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أَيِ: الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَيُجَادِلُونَ الْحُجَجَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَحُجَّةٍ مَعَهُمْ مِنَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ أَشَدَّ الْمَقْتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: وَالْمُؤْمِنُونَ أَيْضًا يُبغضُون مَنْ تَكُونُ هَذِهِ صِفَتَهُ، فَإِنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ، فَلَا يَعْرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ أَيْ: عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ ﴿جَبَّارٍ﴾ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ -وَحُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ-أَنَّهُمَا قَالَا لَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ جَبَّارًا حَتَّى يَقْتُلَ نَفْسَيْنِ. وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ وَقَتَادَةُ: آيَةُ الْجَبَابِرَةِ الْقَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هذا المؤمن لفرعون وقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ بقتلكم موسى إن قتلتموه عقاب الله ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ . واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ بتخفيف الدال، وترك إثبات الياء، بمعنى التفاعل، من تنادى القوم تناديا، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ وقال: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ فلذلك تأوله قارئو ذلك كذلك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاريّ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة أنه قال في هذه الآية ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ قال: يوم ينادي أهل النار أهل الجنة: أن أفيضوا علينا من الماء. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ يوم ينادي أهل الجنة أهل النار ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ وينادي أهل النار أهل الجنة ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ قال: يوم القيامة ينادي أهل الجنة أهل النار. وقد روي عن رسول الله ﷺ في معنى ذلك على هذه القراءة تأويل آخر على غير هذا الوجه. وهو ما:- ⁕ حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظيّ، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال:"يَأْمُرُ الله إسْرَافِيلَ بالنَّفْخَةِ الأولَى، فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ، فَفَزِعَ أهْلُ السَّمَوَاتِ وأهْلُ الأرْضِ إلا مَنْ شَاءَ الله، وَيَأْمُرُهُ الله أنْ يُدِيمَهَا وَيُطَوِّلَهَا فَلا يَفْتَرُ، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللهُ: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ فَيُسَيِّرُ اللهُ الجِبَالَ فَتَكُونَ سَرَابًا، فَتُرَجُّ الأرْضُ بأهْلِها رَجًّا، وَهِيَ التي يَقُولُ اللهُ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ فَتَكُونُ كالسَّفِينَة المُرْتَعَةِ فِي البَحْرِ تَضرِبُها الأمْوَاجُ تَكْفَأُ بأهْلِهَا، أوْ كالقِنْدِيلِ المُعَلَّقِ بالعَرْشِ تَرُجُّهُ الأرْوَاحُ، فَتَمِيدُ النَّاسَ عَلى ظَهْرِها، فَتَذْهَلُ المَرَاضِعُ، وَتَضَعُ الحَوَامِلُ، وَتَشِيبُ الوِلْدَانُ، وَتَطِيرُ الشَّيَاطِينُ هَارِبَةً حتى تأتي الأقْطارَ، فَتَلَقَّاها المَلائِكَةُ، فَتَضْرِبُ وُجُوهَها، فَتَرْجِعَ وَيُوَلِّي النَّاسُ مُدْبِرِينَ، يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ الله: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ ". فعلى هذا التأويل معنى الكلام: ويا قوم إني أخاف عليكم يوم ينادي الناس بعضهم بعضا من فزع نفخة الفزع. وقرأ ذلك آخرون:"يَوْمَ التَّنَادِّ" بتشديد الدال، بمعنى: التفاعل من النَّدّ، وذلك إذا هربوا فنَدُّوا في الأرض، كما تَنِدّ الإبل: إذا شَرَدَت على أربابها. ذكر من قال ذلك، وذكر المعنى الذي قَصَد بقراءته ذلك كذلك. ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقيّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن الأجلح، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، قال: إذا كان يوم القيامة، أمر الله السماء الدنيا فتشقَّقت بأهلها، ونزل من فيها من الملائكة، فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدُّوا فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا وجدوا السبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قول الله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ وذلك قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ وقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ وذلك قوله: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ . ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ قال: تَنِدون ورُوِي عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك:"يَوْمَ التَّنَادِي" بإثبات الياء وتخفيف الدال. والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، وهو تخفيف الدال وبغير إثبات الياء، وذلك أن ذلك هو القراءة التي عليها الحجة مجمعة من قرّاء الأمصار، وغير جائز خلافها فيما جاءت به نقلا. فإذا كان ذلك هو الصواب، فمعنى الكلام: ويا قوم إني أخاف عليكم يوم ينادي الناس بعضهم بعضا، إما من هول ما قد عاينوا من عظيم سلطان الله، وفظاعة ما غشيهم من كرب ذلك اليوم، وإما لتذكير بعضُهم بعضا إنجاز إلله إياهم الوعد الذي وعدهم في الدنيا، واستغاثة من بعضهم ببعض، مما لقي من عظيم البلاء فيه. * * وقوله: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ فتأويله على التأويل الذي ذكرنا من الخبر عن رسول الله ﷺ:"يَوْمَ يُوَلُّونَ هارِبينَ فِي الأرْضِ حِذَارَ عَذَابِ اللهِ وَعِقابِهِ عِنْدَ مُعَايَنَتِهم جَهَنَّمَ". وتأويله على التأويل الذي قاله قَتادة في معنى ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ : يوم تولُّون مُنْصَرِفِينَ عن موقف الحساب إلى جهنم. وبنحو ذلك روي الخبر عنه، وعمن قال نحو مقالته في معنى ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ . ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال. ثنا يزيد، قال. ثنا سعيد، عن قتادة ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ : أي منطَلقا بكم إلى النار. وأولى القولين في ذلك بالصواب، القول الذي رُوي عن رسول الله ﷺ، وإن كان الذي قاله قتادة في ذلك غير بعيد من الحقّ، وبه قال جماعه من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال. ثنا أبو عاصم، قال. ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ قال: فارّين غير معجزين. * * وقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ يقول: ما لكم من الله مانع يمنعكم، وناصر ينصركم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال. ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ : أي من ناصر. * * وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ يقول: ومن يخذله الله فلم يوفّقه لرشده، فما له من موفّق يوفّقه له.

Al-Mukhtasar (français)

Le Jour où vous ferez volteface de crainte d’être jetés dans le Feu et que rien ne s’interposera entre vous et le châtiment d’Allah. Quiconque Allah abandonne et ne lui facilite pas d’avoir la foi ne trouvera personne pour le guider car la guidée consistant à avoir la foi n’est que du ressort d’Allah.

34

وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّۢ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًۭا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌۭ مُّرْتَابٌ

Certes, Joseph vous est venu auparavant avec les preuves évidentes, mais vous n'avez jamais cessé d'avoir des doutes sur ce qu'il vous avait apporté. Mais lorsqu'il mourut, vous dites alors: «Allah n'enverra plus jamais de Messager après lui». Ainsi Allah égare-t-Il celui qui est outrancier et celui qui doute.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ، مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: أَنَّهُ حَذَّرَ قَوْمَهُ بَأْسَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَالَ: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأحْزَابِ﴾ أَيِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَ اللَّهِ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ، كَقَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ، كَيْفَ حَلَّ بِهِمْ بَأْسُ اللَّهِ، وَمَا رَدَّهُ عَنْهُمْ رَادٌّ، وَلَا صَدَّهُ عنهم صاد. ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ، وَمُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَهُ. فَأَنْفَذَ فِيهِمْ قَدَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا جَاءَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ: إِنَّ الْأَرْضَ إِذَا زُلْزِلَتْ وَانْشَقَّتْ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَمَاجَتْ وَارْتَجَّتْ، فَنَظَرَ النَّاسُ إِلَى ذَلِكَ ذَهَبُوا هَارِبِينَ يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ: بَلْ ذَلِكَ إِذَا جِيءَ بِجَهَنَّمَ، ذَهَبَ النَّاسُ هِرَابا [[في س، أ: "هرابا منه".]] ، فَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ فَتَرُدُّهُمْ إِلَى مَقَامِ الْمَحْشَرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٧] ، وَقَوْلُهُ ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرَّحْمَنِ:٣٣] . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ، وَالضَّحَّاكِ: أَنَّهُمْ قَرَؤُوا: "يَوْمَ التَّنَادِّ" بِتَشْدِيدِ الدَّالِّ مِنْ نَدَّ الْبَعِيرُ: إِذَا شَرَدَ وَذَهَبَ. وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمِيزَانَ عِنْدَهُ مَلَكٌ، وَإِذَا وَزَنَ عَمَلَ الْعَبْدِ [[في ت: "أعمال العبد".]] فَرَجَحَ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَلَا قَدْ سَعِدَ فَلَانُ بْنُ فُلَانٌ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا. وَإِنْ خَفَّ عَمَلُهُ نَادَى: أَلَا قَدْ شَقِيَ فَلَانُ بْنُ فُلَانٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يُنَادَى كُلُّ قَوْمٍ بِأَعْمَالِهِمْ: يُنَادَى أَهْلُ الْجَنَّةِ أَهْلَ الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ أَهْلَ النَّارِ. وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُنَادَاةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٤٤] . وَمُنَادَاةُ أَهْلِ النَّارِ أَهْلَ الْجَنَّةِ: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٠] ، وَلِمُنَادَاةِ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ أَهْلَ الْجَنَّةِ وَأَهْلَ النَّارِ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ. وَاخْتَارَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَجْمُوعِ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ جَيِّدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[معالم التنزيل للبغوي (٧/١٤٧، ١٤٨) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ أَيْ: ذَاهِبِينَ هَارِبِينَ، ﴿كَلا لَا وَزَرَ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [الْقِيَامَةِ: ١١، ١٢] ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ أَيْ: مَا لَكُمْ مَانِعٌ يَمْنَعُكُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَعَذَابِهِ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أَيْ: مَنْ أَضَلَّهُ [اللَّهُ] [[زيادة من ت، س.]] فَلَا هَادِيَ لَهُ غَيْرُهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يَعْنِي: أَهْلَ مِصْرَ، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ قَبْلِ مُوسَى، وَهُوَ يُوسُفُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ عَزِيزَ أَهْلِ مِصْرَ، وَكَانَ رَسُولًا يَدْعُو إِلَى اللَّهِ أُمَّتَهُ [[في أ: "أمة".]] الْقِبْطَ، فَمَا أَطَاعُوهُ تِلْكَ السَّاعَةَ [[في ت، س، أ: "تلك الطاعة".]] إِلَّا لِمُجَرَّدِ الْوِزَارَةِ وَالْجَاهِ الدُّنْيَوِيِّ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا﴾ أَيْ: يَئِسْتُمْ فَقُلْتُمْ طَامِعِينَ: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا﴾ وَذَلِكَ لِكُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ أي: كحالكم هذا. ثُمَّ قَالَ: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أَيِ: الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَيُجَادِلُونَ الْحُجَجَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَحُجَّةٍ مَعَهُمْ مِنَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ أَشَدَّ الْمَقْتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: وَالْمُؤْمِنُونَ أَيْضًا يُبغضُون مَنْ تَكُونُ هَذِهِ صِفَتَهُ، فَإِنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ، فَلَا يَعْرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ أَيْ: عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ ﴿جَبَّارٍ﴾ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ -وَحُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ-أَنَّهُمَا قَالَا لَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ جَبَّارًا حَتَّى يَقْتُلَ نَفْسَيْنِ. وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ وَقَتَادَةُ: آيَةُ الْجَبَابِرَةِ الْقَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولقد جاءكم يوسف بن يعقوب يا قوم من قبل موسى بالواضحات من حجج الله. كما:- ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ﴾ قال: قبل موسى. * * وقوله: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ يقول: فلم تزالوا مرتابين فيما أتاكم به يوسف من عند ربكم غير موقني القلوب بحقيقته ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ﴾ يقول: حتى إذا مات يوسف قلتم أيها القوم: لن يبعث الله من بعد يوسف إليكم رسولا بالدعاء إلى الحقّ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ يقول: هكذا يصد الله عن إصابة الحقّ وقصد السبيل من هو كافر به مرتاب، شاكّ فى حقيقة أخبار رسله.

Al-Mukhtasar (français)

Avant Moïse, Joseph vous a apporté les preuves évidentes de l’Unicité d’Allah mais vous persistiez à douter et à démentir ce qu’il vous a apporté puis lorsqu’il décéda, votre doute et votre scepticisme s’accrurent et vous dîtes: Allah n’enverra plus après lui un messager. Tout comme, de cette manière, vous vous égarez de la vérité, Allah égare tous ceux qui outrepassent les limites d’Allah et doutent de Son Unicité.

35

ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍۢ جَبَّارٍۢ

Ceux qui discutent les prodiges d'Allah sans qu'aucune preuve ne leur soit venue, [leur action] est grandement haïssable auprès d'Allah et auprès de ceux qui croient. Ainsi Allah scelle-t-Il le cœur de tout orgueilleux tyran.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ، مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: أَنَّهُ حَذَّرَ قَوْمَهُ بَأْسَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَالَ: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأحْزَابِ﴾ أَيِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَ اللَّهِ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ، كَقَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ، كَيْفَ حَلَّ بِهِمْ بَأْسُ اللَّهِ، وَمَا رَدَّهُ عَنْهُمْ رَادٌّ، وَلَا صَدَّهُ عنهم صاد. ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ، وَمُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَهُ. فَأَنْفَذَ فِيهِمْ قَدَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا جَاءَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ: إِنَّ الْأَرْضَ إِذَا زُلْزِلَتْ وَانْشَقَّتْ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَمَاجَتْ وَارْتَجَّتْ، فَنَظَرَ النَّاسُ إِلَى ذَلِكَ ذَهَبُوا هَارِبِينَ يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ: بَلْ ذَلِكَ إِذَا جِيءَ بِجَهَنَّمَ، ذَهَبَ النَّاسُ هِرَابا [[في س، أ: "هرابا منه".]] ، فَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ فَتَرُدُّهُمْ إِلَى مَقَامِ الْمَحْشَرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الْحَاقَّةِ: ١٧] ، وَقَوْلُهُ ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرَّحْمَنِ:٣٣] . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ، وَالضَّحَّاكِ: أَنَّهُمْ قَرَؤُوا: "يَوْمَ التَّنَادِّ" بِتَشْدِيدِ الدَّالِّ مِنْ نَدَّ الْبَعِيرُ: إِذَا شَرَدَ وَذَهَبَ. وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمِيزَانَ عِنْدَهُ مَلَكٌ، وَإِذَا وَزَنَ عَمَلَ الْعَبْدِ [[في ت: "أعمال العبد".]] فَرَجَحَ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَلَا قَدْ سَعِدَ فَلَانُ بْنُ فُلَانٌ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا. وَإِنْ خَفَّ عَمَلُهُ نَادَى: أَلَا قَدْ شَقِيَ فَلَانُ بْنُ فُلَانٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يُنَادَى كُلُّ قَوْمٍ بِأَعْمَالِهِمْ: يُنَادَى أَهْلُ الْجَنَّةِ أَهْلَ الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ أَهْلَ النَّارِ. وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُنَادَاةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٤٤] . وَمُنَادَاةُ أَهْلِ النَّارِ أَهْلَ الْجَنَّةِ: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٠] ، وَلِمُنَادَاةِ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ أَهْلَ الْجَنَّةِ وَأَهْلَ النَّارِ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ. وَاخْتَارَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَجْمُوعِ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ جَيِّدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[معالم التنزيل للبغوي (٧/١٤٧، ١٤٨) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ أَيْ: ذَاهِبِينَ هَارِبِينَ، ﴿كَلا لَا وَزَرَ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [الْقِيَامَةِ: ١١، ١٢] ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ أَيْ: مَا لَكُمْ مَانِعٌ يَمْنَعُكُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَعَذَابِهِ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أَيْ: مَنْ أَضَلَّهُ [اللَّهُ] [[زيادة من ت، س.]] فَلَا هَادِيَ لَهُ غَيْرُهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يَعْنِي: أَهْلَ مِصْرَ، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ قَبْلِ مُوسَى، وَهُوَ يُوسُفُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ عَزِيزَ أَهْلِ مِصْرَ، وَكَانَ رَسُولًا يَدْعُو إِلَى اللَّهِ أُمَّتَهُ [[في أ: "أمة".]] الْقِبْطَ، فَمَا أَطَاعُوهُ تِلْكَ السَّاعَةَ [[في ت، س، أ: "تلك الطاعة".]] إِلَّا لِمُجَرَّدِ الْوِزَارَةِ وَالْجَاهِ الدُّنْيَوِيِّ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا﴾ أَيْ: يَئِسْتُمْ فَقُلْتُمْ طَامِعِينَ: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا﴾ وَذَلِكَ لِكُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ أي: كحالكم هذا. ثُمَّ قَالَ: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أَيِ: الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَيُجَادِلُونَ الْحُجَجَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَحُجَّةٍ مَعَهُمْ مِنَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ أَشَدَّ الْمَقْتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: وَالْمُؤْمِنُونَ أَيْضًا يُبغضُون مَنْ تَكُونُ هَذِهِ صِفَتَهُ، فَإِنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ، فَلَا يَعْرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ أَيْ: عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ ﴿جَبَّارٍ﴾ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ -وَحُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ-أَنَّهُمَا قَالَا لَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ جَبَّارًا حَتَّى يَقْتُلَ نَفْسَيْنِ. وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ وَقَتَادَةُ: آيَةُ الْجَبَابِرَةِ الْقَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ فقوله"الذين" مردود على"من" في قوله ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ . وتأويل الكلام: كذلك يضلّ الله أهل الإسراف والغلوّ في ضلالهم بكفرهم باقله، واجترائهم على معاصيه، المرتابين في أخبار رسله، الذين يخاصمون في حججه التي أتتهم بها رسله ليدحضوها بالباطل من الحُجَج ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ يقول: بغير حجة أتتهم من عند ربهم يدفعون بها حقيقة الحُجَج التي أتتهم بها الرسل؛ و"الذين" إذا كان معنى الكلام ما ذكرنا في موضع نصب ردًّا على"مَن". * * وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ يقول: كبر ذلك الجدال الذي يجادلونه في آيات الله مقتا عند الله، ﴿وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله؛ وإنما نصب قوله: ﴿مَقْتا﴾ لما في قوله ﴿كَبُرَ﴾ من ضمير الجدال، وهو نظير قوله: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ فنصب كلمة من نصبها، لأنه جعل في قوله: ﴿كَبُرَتْ﴾ ضمير قولهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ وأما من لم يضمر ذلك فإنه رفع الكلمة. * * وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ يقول: كما طبع الله على قلوب المسرفين الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم، كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر على الله أن يوحده، ويصدّق رسله. جبار: يعني متعظم عن اتباع الحقّ. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار، خلا أبي عمرو بن العلاء، على: ﴿كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ بإضافة القلب إلى المتكبر، بمعنى الخبر عن أن الله طبع على قلوب المتكبرين كلها؛ ومن كان ذلك قراءته، كان قوله"جبار". من نعت"متكبر". وقد روي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ذلك "كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ على قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ". ⁕ حدثني بذلك ابن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثني حجاج، عن هارون أنه كذلك في حرف ابن مسعود، وهذا الذي ذُكر عن ابن مسعود من قراءته يحقق قراءة من قرأ ذلك بإضافة قلب إلى المتكبر، لأن تقديم"كل" قبل القلب وتأخيرها بعده لا يغير المعنى، بل معنى ذلك في الحالتين واحد. وقد حُكي عن بعض العرب سماعا: هو يرجِّل شعره يوم كلّ جمعة، يعني: كلّ يوم جمعة. وأما أبو عمرو فقرأ ذلك بتنوين القلب وترك إضافته إلى متكبر، وجعل المتكبر والجبار من صفة القلب. وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بإضافة القلب إلى المتكبر، لأن التكبر فعل الفاعل بقلبه، كما أن القاتل إذا قتل قتيلا وإن كان قتله بيده، فإن الفعل مضاف إليه، وإنما القلب جارحة من جوارح المتكبر. وإن كان بها التكبر، فإن الفعل إلى فاعله مضاف، نظير الذي قلنا في القتل، وذلك وإن كان كما قلنا، فإن الأخرى غير مدفوعة، لأن العرب لا تمنع أن تقول: بطشت يد فلان، ورأت عيناه كذا، وفهم قلبه، فتضيف الأفعال إلى الجوارح، وإن كانت في الحقيقة لأصحابها.

Al-Mukhtasar (français)

Ceux qui se querellent au sujet des versets d’Allah pour les invalider sans avancer d’argument ni de preuve établie qu’ils ont reçus, leur querelle est hautement détestable pour Allah et pour ceux qui croient en Lui et en Ses messagers. Tout comme Allah scella les cœurs de ces gens qui se querellent au sujet de Nos versets afin de les invalider, Allah scelle le cœur de tout individu tyrannique qui manifeste de l’arrogance face à la vérité, le rendant ainsi incapable de s’orienter vers ce qui est correct ni de trouver la voie du bien.

36

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَٰهَٰمَٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحًۭا لَّعَلِّىٓ أَبْلُغُ ٱلْأَسْبَٰبَ

Et Pharaon dit: «O Hâmân, bâtis-moi une tour: peut-être atteindrai-je les voies,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ، وَعُتُوِّهُ، وَتَمَرُّدِهِ، وَافْتِرَائِهِ فِي تَكْذِيبِهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ أَمَرَ وَزِيرَهُ هَامَانَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا، وَهُوَ: الْقَصْرُ الْعَالِي الْمُنِيفُ الشَّاهِقُ. وَكَانَ اتِّخَاذُهُ مِنَ الْآجُرِّ الْمَضْرُوبِ مِنَ الطِّينِ الْمَشْوِيِّ، كَمَا قال: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ [الْقَصَصِ: ٣٨] ، وَلِهَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يَكْرَهُونَ الْبِنَاءَ بِالْآجُرِّ، وَأَنْ يَجْعَلُوهُ فِي قُبُورِهِمْ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو صَالِحٍ: أَبْوَابَ السموات. وقيل: طرق السَّمَوَاتِ ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ ، وَهَذَا مِنْ كُفْرِهِ وَتَمَرُّدِهِ، أَنَّهُ كَذَّبَ مُوسَى فِي أَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أَيْ: بِصَنِيعِهِ هَذَا الَّذِي أَرَادَ أَنْ يُوهِمَ بِهِ الرَّعِيَّةَ أَنَّهُ يَعْمَلُ شَيْئًا يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى تَكْذِيبِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من س.]] ، وَمُجَاهِدٌ: يَعْنِي إِلَّا فِي خَسَارٍ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ (٣٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: وقال فرعون لما وعظه المؤمن من آله بما وعظه به وزجره عن قتل موسى نبيّ الله وحذره من بأس الله على قيله أقتله ما حذره لوزيره وزير السوء هامان: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ﴾ يعني بناء. وقد بيَّنا معنى الصرح فيما مضى بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى الأسباب في هذا الموضع، فقال بعضهم: أسباب السموات: طرقها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أحمد بن هشام، قال: ثنا عبد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السديّ، عن أبي صالح ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ قال: طرق السموات. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿أَبْلُغُ الأسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ قال: طُرُق السموات. وقال آخرون: عني بأسباب السموات: أبواب السموات. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ وكان أول من بنى بهذا الآجر وطبخه ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ : أي أبواب السموات. وقال آخرون: بل عُنِي به مَنزل السماء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ قال: مَنزل السماء. وقد بيَّنا فيما مضى قبل، أن السبب: هو كل ما تسبب به إلى الوصول إلى ما يطلب من حبل وسلم وطريق وغير ذلك. فأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: معناه لعلي أبلغ من أسباب السموات أسبابا أتسيب بها إلى رؤية إله موسى، طرقا كانت تلك الأسباب منها، أو أبوابا، أو منازل، أو غير ذلك. * * وقوله: ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ اختلف القرّاء في قراءة قوله: ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار:"فَأَطَّلِعُ" بضم العين: ردًا على قوله: ﴿أَبْلُغُ الأسْبَابَ﴾ وعطفا به عليه. وذكر عن حميد الأعرج أنه قرأ ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ نصبا جوابا للعلي، وقد ذكر الفرّاء أن بعض العرب أنشده: عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أوْ دُولاتِها ... يُدِلْنَنا اللَّمَّةَ مِنْ لَمَّاتِها فَتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِنْ زَفَرَاتِهَا [[هذه أبيات من مشطور الرجز. قال الفراء في معاني القرآن (٢٢٨ مصورة الجامعة) وقوله" لعلي أبلغ الأسباب فأطلع" بالرفع، يرده على قوله" أبلغ". ومن جعله جوابا" للعلي" نصبه. وقد قرأ به بعض القراء، قال: وأنشدني بعض العرب:" عل صروف الدهر.... الأبيات"، فنصب على الجواب بلعل. والرجز لم يعلم قائله. وعل: لغة في لعل. والدولات: جمع دولة في المال. وبالفتح في الحرب. وقيل هما واحد. ويدلننا: من الإدالة، وهي الغلبة. والملة، بالفتح: الشدة. وهي مفعول ثان ليدلننا. والشاهد في" فتستريح" حيث نصب في جواب لعل، الذي هو أداة الترجي. قاله الفراء. وهو الصحيح، لثبوت ذلك في القرآن:" لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى". والزفرات جمع زفرة، وهي المرة من الزفر، وهو أن يملأ الرجل صدره هواء، بالشهيق، ثم يزفر به أي يخرجه ويرمى به، وذلك عند الغم الحزن. والأصل: تحريك الفاء في الجمع، على نحو سجدة وسجدات. وسكن هنا للضرورة.]] فنصب فتستريح على أنها جواب للعلّ. والقراءة التي لا أستجيز غيرها الرفع في ذلك، لإجماع الحجة من القرّاء عليه. * * وقوله: ﴿وَإِنِّي لأظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ يقول: وإني لأظنّ موسى كاذبا فيما يقول ويدّعي من أن له في السماء ربا أرسله إلينا. * * وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ يقول الله تعالى ذكره: وهكذا زين الله لفرعون حين عتا عليه وتمرّد، قبيحَ عمله، حتى سوّلت له نفسه بلوغ أسباب السموات، ليطلع إلى إله موسى. * * وقوله: ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة: ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ بضم الصاد، على وجه ما لم يُسَمّ فاعله. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ قال: فُعِل ذلك به، زين له سوء عمله، وصُدَّ عن السبيل. وقرا ذلك حميد وأبو عمرو وعامة قرّاء البصرة"وَصَدَّ" بفتح الصاد، بمعنى: وأعرض فرعون عن سبيل الله التي ابتُعث بها موسى استكبارا. والصواب من القول فى ذلك أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. * * وقوله: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ﴾ يقول تعالى ذكره: وما احتيال فرعون الذي يحتال للاطلاع إلى إله موسى، إلا في خسار وذهاب مال وغبن، لأنه ذهبت نفقته التي أنفقها على الصرح باطلا ولم ينل بما أنفق شيئا مما أراده، فذلك هو الخسار والتباب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ﴾ يقول: في خُسران. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا،، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فِي تَبَابٍ﴾ قال: خسار. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ﴾ : أي في ضلال وخسار. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ﴾ قال: التَّباب والضَّلال واحد.

Al-Mukhtasar (français)

Pharaon dit à son ministre Hâmân: Ô Hâmân, construis-moi un très haut édifice afin que peut-être j’atteigne les voies,

37

أَسْبَٰبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَٰذِبًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍۢ

les voies des cieux, et apercevrai-je le Dieu de Moïse; mais je pense que celui-ci est menteur». Ainsi la mauvaise action de Pharaon lui parut enjolivée; et il fut détourné du droit chemin; et le stratagème de Pharaon n'est voué qu'à la destruction.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ، وَعُتُوِّهُ، وَتَمَرُّدِهِ، وَافْتِرَائِهِ فِي تَكْذِيبِهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ أَمَرَ وَزِيرَهُ هَامَانَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا، وَهُوَ: الْقَصْرُ الْعَالِي الْمُنِيفُ الشَّاهِقُ. وَكَانَ اتِّخَاذُهُ مِنَ الْآجُرِّ الْمَضْرُوبِ مِنَ الطِّينِ الْمَشْوِيِّ، كَمَا قال: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ [الْقَصَصِ: ٣٨] ، وَلِهَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يَكْرَهُونَ الْبِنَاءَ بِالْآجُرِّ، وَأَنْ يَجْعَلُوهُ فِي قُبُورِهِمْ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو صَالِحٍ: أَبْوَابَ السموات. وقيل: طرق السَّمَوَاتِ ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ ، وَهَذَا مِنْ كُفْرِهِ وَتَمَرُّدِهِ، أَنَّهُ كَذَّبَ مُوسَى فِي أَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أَيْ: بِصَنِيعِهِ هَذَا الَّذِي أَرَادَ أَنْ يُوهِمَ بِهِ الرَّعِيَّةَ أَنَّهُ يَعْمَلُ شَيْئًا يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى تَكْذِيبِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من س.]] ، وَمُجَاهِدٌ: يَعْنِي إِلَّا فِي خَسَارٍ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ (٣٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: وقال فرعون لما وعظه المؤمن من آله بما وعظه به وزجره عن قتل موسى نبيّ الله وحذره من بأس الله على قيله أقتله ما حذره لوزيره وزير السوء هامان: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ﴾ يعني بناء. وقد بيَّنا معنى الصرح فيما مضى بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى الأسباب في هذا الموضع، فقال بعضهم: أسباب السموات: طرقها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أحمد بن هشام، قال: ثنا عبد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السديّ، عن أبي صالح ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ قال: طرق السموات. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿أَبْلُغُ الأسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ قال: طُرُق السموات. وقال آخرون: عني بأسباب السموات: أبواب السموات. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ وكان أول من بنى بهذا الآجر وطبخه ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ : أي أبواب السموات. وقال آخرون: بل عُنِي به مَنزل السماء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ قال: مَنزل السماء. وقد بيَّنا فيما مضى قبل، أن السبب: هو كل ما تسبب به إلى الوصول إلى ما يطلب من حبل وسلم وطريق وغير ذلك. فأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: معناه لعلي أبلغ من أسباب السموات أسبابا أتسيب بها إلى رؤية إله موسى، طرقا كانت تلك الأسباب منها، أو أبوابا، أو منازل، أو غير ذلك. * * وقوله: ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ اختلف القرّاء في قراءة قوله: ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار:"فَأَطَّلِعُ" بضم العين: ردًا على قوله: ﴿أَبْلُغُ الأسْبَابَ﴾ وعطفا به عليه. وذكر عن حميد الأعرج أنه قرأ ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ نصبا جوابا للعلي، وقد ذكر الفرّاء أن بعض العرب أنشده: عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أوْ دُولاتِها ... يُدِلْنَنا اللَّمَّةَ مِنْ لَمَّاتِها فَتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِنْ زَفَرَاتِهَا [[هذه أبيات من مشطور الرجز. قال الفراء في معاني القرآن (٢٢٨ مصورة الجامعة) وقوله" لعلي أبلغ الأسباب فأطلع" بالرفع، يرده على قوله" أبلغ". ومن جعله جوابا" للعلي" نصبه. وقد قرأ به بعض القراء، قال: وأنشدني بعض العرب:" عل صروف الدهر.... الأبيات"، فنصب على الجواب بلعل. والرجز لم يعلم قائله. وعل: لغة في لعل. والدولات: جمع دولة في المال. وبالفتح في الحرب. وقيل هما واحد. ويدلننا: من الإدالة، وهي الغلبة. والملة، بالفتح: الشدة. وهي مفعول ثان ليدلننا. والشاهد في" فتستريح" حيث نصب في جواب لعل، الذي هو أداة الترجي. قاله الفراء. وهو الصحيح، لثبوت ذلك في القرآن:" لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى". والزفرات جمع زفرة، وهي المرة من الزفر، وهو أن يملأ الرجل صدره هواء، بالشهيق، ثم يزفر به أي يخرجه ويرمى به، وذلك عند الغم الحزن. والأصل: تحريك الفاء في الجمع، على نحو سجدة وسجدات. وسكن هنا للضرورة.]] فنصب فتستريح على أنها جواب للعلّ. والقراءة التي لا أستجيز غيرها الرفع في ذلك، لإجماع الحجة من القرّاء عليه. * * وقوله: ﴿وَإِنِّي لأظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ يقول: وإني لأظنّ موسى كاذبا فيما يقول ويدّعي من أن له في السماء ربا أرسله إلينا. * * وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ يقول الله تعالى ذكره: وهكذا زين الله لفرعون حين عتا عليه وتمرّد، قبيحَ عمله، حتى سوّلت له نفسه بلوغ أسباب السموات، ليطلع إلى إله موسى. * * وقوله: ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة: ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ بضم الصاد، على وجه ما لم يُسَمّ فاعله. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ قال: فُعِل ذلك به، زين له سوء عمله، وصُدَّ عن السبيل. وقرا ذلك حميد وأبو عمرو وعامة قرّاء البصرة"وَصَدَّ" بفتح الصاد، بمعنى: وأعرض فرعون عن سبيل الله التي ابتُعث بها موسى استكبارا. والصواب من القول فى ذلك أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. * * وقوله: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ﴾ يقول تعالى ذكره: وما احتيال فرعون الذي يحتال للاطلاع إلى إله موسى، إلا في خسار وذهاب مال وغبن، لأنه ذهبت نفقته التي أنفقها على الصرح باطلا ولم ينل بما أنفق شيئا مما أراده، فذلك هو الخسار والتباب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ﴾ يقول: في خُسران. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا،، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فِي تَبَابٍ﴾ قال: خسار. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ﴾ : أي في ضلال وخسار. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ﴾ قال: التَّباب والضَّلال واحد.

Al-Mukhtasar (français)

les voies qui font parvenir aux Cieux et je verrai alors le Dieu de Moïse dont celui-ci prétend qu’Il est le Vrai Dieu. Or je crois que Moïse ment lorsqu’il prétend cela. C’est ainsi que cette action hideuse fut embellie à Pharaon et qu’il fut détourné de la voie du vrai vers celle de l’égarement. Le stratagème de Pharaon, consistant à faire triompher le faux dont il était l’adepte et à invalider le vrai apporté par Moïse, était certainement perdant, car le lot de Pharaon est fait de déception, d’échec et de malheur éternel et ininterrompu.

38

وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ

Et celui qui avait cru dit: «O mon peuple, suivez-moi. Je vous guiderai au sentier de la droiture.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ الْمُؤْمِنُ لِقَوْمِهِ مِمَّنْ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَنَسِيَ الْجَبَّارَ الْأَعْلَى، فَقَالَ لَهُمْ: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ لَا كَمَا كَذَبَ فِرْعَوْنُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ . ثُمَّ زَهَّدَهُمْ فِي الدُّنْيَا الَّتِي [قَدْ] [[زيادة من ت، س، أ.]] آثَرُوهَا عَلَى الْأُخْرَى، وَصَدَّتْهُمْ عَنِ التَّصْدِيقِ بِرَسُولِ اللَّهِ مُوسَى [ﷺ] [[زيادة من ت.]] ، فَقَالَ: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ أَيْ: قَلِيلَةٌ زَائِلَةٌ فَانِيَةٌ عَنْ قَرِيبٍ تَذْهَبُ [وَتَزُولُ] [[زيادة من ت.]] وَتَضْمَحِلُّ، ﴿وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ أَيِ: الدَّارُ الَّتِي لَا زَوَالَ لَهَا، وَلَا انْتِقَالَ مِنْهَا وَلَا ظَعْنَ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، بَلْ إِمَّا نَعِيمٌ وَإِمَّا جَحِيمٌ، وَلِهَذَا قَالَ ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا﴾ أَيْ: وَاحِدَةً مِثْلَهَا ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أَيْ: لَا يَتَقَدَّرُ بِجَزَاءٍ بَلْ يُثِيبُهُ اللَّهُ، ثَوَابًا كَثِيرًا لَا انْقِضَاءَ لَهُ وَلَا نفاد.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن المؤمن بالله من آل فرعون ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ من قوم فرعون لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ يقول: إن اتبعتموني فقبلتم مني ما أقول لكم، بينت لكم طريق الصواب الذي ترشدون إذا أخذتم فيه وسلكتموه وذلك هو دين الله الذي ابتعث به موسى. يقول: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ يقول لقومه: ما هذه الحياة الدنيا العاجلة التي عجلت لكم في هذه الدار إلا متاع تستمتعون بها إلى أجل أنتم بالغوه، ثم تموتون وتزول عنكم ﴿وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ يقول: وإن الدار الآخرة، وهي دار القرار التي تستقرّون فيها فلا تموتون ولا تزول عنكم، يقول: فلها فاعملوا، وإياها فاطلبوا. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ استقرت الجنة بأهلها، واستقرّت النار بأهلها.

Al-Mukhtasar (français)

L’homme appartenant aux gens de Pharaon et qui avait la foi dit aux siens en guise de recommandation et d’orientation vers le chemin de la vérité: Ô mon peuple, suivez-moi et je vous indiquerai le chemin de cela droiture et de la guidée vers la vérité.

39

يَٰقَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا مَتَٰعٌۭ وَإِنَّ ٱلْءَاخِرَةَ هِىَ دَارُ ٱلْقَرَارِ

O mon peuple, cette vie n'est que jouissance temporaire, alors que l'au-delà est vraiment la demeure de la stabilité.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ الْمُؤْمِنُ لِقَوْمِهِ مِمَّنْ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَنَسِيَ الْجَبَّارَ الْأَعْلَى، فَقَالَ لَهُمْ: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ لَا كَمَا كَذَبَ فِرْعَوْنُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ . ثُمَّ زَهَّدَهُمْ فِي الدُّنْيَا الَّتِي [قَدْ] [[زيادة من ت، س، أ.]] آثَرُوهَا عَلَى الْأُخْرَى، وَصَدَّتْهُمْ عَنِ التَّصْدِيقِ بِرَسُولِ اللَّهِ مُوسَى [ﷺ] [[زيادة من ت.]] ، فَقَالَ: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ أَيْ: قَلِيلَةٌ زَائِلَةٌ فَانِيَةٌ عَنْ قَرِيبٍ تَذْهَبُ [وَتَزُولُ] [[زيادة من ت.]] وَتَضْمَحِلُّ، ﴿وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ أَيِ: الدَّارُ الَّتِي لَا زَوَالَ لَهَا، وَلَا انْتِقَالَ مِنْهَا وَلَا ظَعْنَ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، بَلْ إِمَّا نَعِيمٌ وَإِمَّا جَحِيمٌ، وَلِهَذَا قَالَ ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا﴾ أَيْ: وَاحِدَةً مِثْلَهَا ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أَيْ: لَا يَتَقَدَّرُ بِجَزَاءٍ بَلْ يُثِيبُهُ اللَّهُ، ثَوَابًا كَثِيرًا لَا انْقِضَاءَ لَهُ وَلَا نفاد.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن المؤمن بالله من آل فرعون ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ من قوم فرعون لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ يقول: إن اتبعتموني فقبلتم مني ما أقول لكم، بينت لكم طريق الصواب الذي ترشدون إذا أخذتم فيه وسلكتموه وذلك هو دين الله الذي ابتعث به موسى. يقول: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ يقول لقومه: ما هذه الحياة الدنيا العاجلة التي عجلت لكم في هذه الدار إلا متاع تستمتعون بها إلى أجل أنتم بالغوه، ثم تموتون وتزول عنكم ﴿وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ يقول: وإن الدار الآخرة، وهي دار القرار التي تستقرّون فيها فلا تموتون ولا تزول عنكم، يقول: فلها فاعملوا، وإياها فاطلبوا. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ استقرت الجنة بأهلها، واستقرّت النار بأهلها.

Al-Mukhtasar (français)

Ô mon peuple, cette vie du bas monde n’est que jouissance de plaisirs brefs. Qu’elle ne vous trompe donc pas par ses délices éphémères, tandis que la demeure de l’au-delà et les délices éternels et ininterrompus est la demeure du séjour perpétuel. Œuvrez donc de manière à la mériter en obéissant à Allah et prenez garde à ne pas être distraits par votre vie dans le bas monde d’œuvrer pour l’au-delà.

40

مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةًۭ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَٰلِحًۭا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍۢ

Quiconque fait une mauvaise action ne sera rétribué que par son pareil; et quiconque, mâle ou femelle, fait une bonne action tout en étant croyant, alors ceux-là entreront au Paradis pour y recevoir leur subsistance sans compter.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ الْمُؤْمِنُ لِقَوْمِهِ مِمَّنْ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَنَسِيَ الْجَبَّارَ الْأَعْلَى، فَقَالَ لَهُمْ: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ لَا كَمَا كَذَبَ فِرْعَوْنُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ . ثُمَّ زَهَّدَهُمْ فِي الدُّنْيَا الَّتِي [قَدْ] [[زيادة من ت، س، أ.]] آثَرُوهَا عَلَى الْأُخْرَى، وَصَدَّتْهُمْ عَنِ التَّصْدِيقِ بِرَسُولِ اللَّهِ مُوسَى [ﷺ] [[زيادة من ت.]] ، فَقَالَ: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ أَيْ: قَلِيلَةٌ زَائِلَةٌ فَانِيَةٌ عَنْ قَرِيبٍ تَذْهَبُ [وَتَزُولُ] [[زيادة من ت.]] وَتَضْمَحِلُّ، ﴿وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ أَيِ: الدَّارُ الَّتِي لَا زَوَالَ لَهَا، وَلَا انْتِقَالَ مِنْهَا وَلَا ظَعْنَ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، بَلْ إِمَّا نَعِيمٌ وَإِمَّا جَحِيمٌ، وَلِهَذَا قَالَ ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا﴾ أَيْ: وَاحِدَةً مِثْلَهَا ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أَيْ: لَا يَتَقَدَّرُ بِجَزَاءٍ بَلْ يُثِيبُهُ اللَّهُ، ثَوَابًا كَثِيرًا لَا انْقِضَاءَ لَهُ وَلَا نفاد.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠) ﴾ يقول: من عمل بمعصية الله في هذه الحياة الدنيا، فلا يجزيه الله في الآخرة إلا سيئة مثلها، وذلك أن يعاقبه بها؛ ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ يقول: ومن عمل بطاعة الله فى الدنيا، وائتمر لأمره، وانتهى فيها عما نهاه عنه من رجل أو امرأة، وهو مؤمن بالله ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ يقول: فالذين يعملون ذلك من عباد الله يدخلون في الآخرة الجنة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا﴾ أي شركا،"السيئة عند قتادة شرك" ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ ، أي خيرا ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ . * * وقوله: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يقول: يرزقهم الله في الجنة من ثمارها، وما فيها من نعيمها ولذاتها بغير حساب. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: لا والله ما هناكم مكيال ولا ميزان.

Al-Mukhtasar (français)

Celui qui commet une mauvaise action ne sera puni que proportionnellement à ce qu’il a commis et ne subira pas de punition supplémentaire. Celui qui accomplit une bonne œuvre en recherchant l’agrément d’Allah, qu’il soit mâle ou femelle, tout en croyant en Allah et en Ses messagers, entrera au Paradis le Jour de la Résurrection et Allah leur accordera des fruits et des délices éternels sans compter.

41

۞ وَيَٰقَوْمِ مَا لِىٓ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِىٓ إِلَى ٱلنَّارِ

O mon peuple, mais qu'ai-je à vous appeler au salut, alors que vous m'appelez au Feu?

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ لَهُمُ الْمُؤْمِنُ: مَا بَالِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ، وَهِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَتَصْدِيقُ رَسُولِهِ الَّذِي بَعَثَهُ ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ. تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أَيْ: جَهْلٌ [[في ت، أ: "على جهل".]] بِلَا دَلِيلٍ ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ أَيْ: هُوَ فِي عِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ يَغْفِرُ ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ، ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ يَقُولُ: حَقًّا. قَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَا جَرَمَ﴾ حَقًّا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿لَا جَرَمَ﴾ لَا كَذِبَ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا جَرَمَ﴾ يَقُولُ: بَلَى، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: الْوَثَنُ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي الْوَثَنَ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَا يُجِيبُ دَاعِيَهُ، لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٥، ٦] ، ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، فَيُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أَيْ: خَالِدِينَ فِيهَا بِإِسْرَافِهِمْ، وَهُوَ شِرْكُهُمْ بِاللَّهِ. ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ أَيْ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ صِدْقَ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَنَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، وَنَصَحْتُكُمْ وَوَضَّحْتُ لَكُمْ، وَتَتَذَكَّرُونَهُ، وَتَنْدَمُونَ حَيْثُ لَا يَنْفَعُكُمُ النَّدَمُ، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: وَأَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ وَأَسْتَعِينُهُ، وَأُقَاطِعُكُمْ وَأُبَاعِدُكُمْ، ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أَيْ: هُوَ بَصِيرٌ بِهِمْ، فَيَهْدِي مَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ، وَيُضِلُّ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْإِضْلَالَ، وَلَهُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحِكْمَةُ التَّامَّةُ، وَالْقَدَرُ النَّافِذُ. * * وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] : ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَنَجَّاهُ اللَّهُ مَعَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَبِالْجَنَّةِ ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ وَهُوَ: الْغَرَقُ فِي الْيَمِّ، ثُمَّ النَّقْلَةُ مِنْهُ إِلَى الْجَحِيمِ. فَإِنَّ أَرْوَاحَهُمْ تُعْرَضُ عَلَى النَّارِ صَبَاحًا وَمَسَاءً إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ اجْتَمَعَتْ أَرْوَاحُهُمْ وَأَجْسَادُهُمْ فِي النَّارِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ أَيْ: أَشَدَّهُ أَلَمًا وَأَعْظَمَهُ نَكَالًا. وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي اسْتِدْلَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى عَذَابِ الْبَرْزَخِ فِي الْقُبُورِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ . وَلَكِنَّ هَاهُنَا سُؤَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الْبَرْزَخِ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمٌ -هُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَبُو النَّضْرِ-حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ [[في أ: "سعد".]] -هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ-حَدَّثَنَا سَعِيدٌ -يَعْنِي أَبَاهُ-عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَخْدُمُهَا فَلَا تَصْنَعُ عَائِشَةُ إِلَيْهَا شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ إِلَّا قَالَتْ لَهَا الْيَهُودِيَّةُ: وَقَاكِ اللَّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ. قَالَتْ: فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيَّ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِلْقَبْرِ عَذَابٌ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "لَا وَعَمَّ ذَلِكَ؟ " قَالَتْ: هَذِهِ الْيَهُودِيَّةُ، لَا نَصْنَعُ إِلَيْهَا شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ إِلَّا قَالَتْ: وَقَاكِ اللَّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ. قَالَ: "كَذَبَتْ يَهُودُ [[في أ: "يهودية".]] . وَهُمْ عَلَى اللَّهِ أَكْذَبُ، لَا عَذَابَ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ". ثُمَّ مَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ، فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ نِصْفَ النَّهَارِ مُشْتَمِلًا بِثَوْبِهِ، مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ، وَهُوَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "الْقَبْرُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المظلمز أَيُّهَا النَّاسُ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَإِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ حَقٌّ" [[المسند (٦/٨١) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وَرَوَى أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ -قَالَ: سَأَلَتْهَا امْرَأَةٌ يَهُودِيَّةٌ فَأَعْطَتْهَا، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتِ لَهُ، فَقَالَ: "لَا". قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ: "وَإِنَّهُ أُوحِيَ إلي أنكم تفتنون في قبوركم". وَهَذَا أَيْضًا عَلَى شَرْطِهِمَا [[المسند (٦/٢٣٨) .]] . فَيُقَالُ: فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ كَوْنِ الْآيَةِ مَكِّيَّةً، وَفِيهَا الدَّلِيلُ عَلَى عَذَابِ الْبَرْزَخِ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى عَرْضِ الْأَرْوَاحِ إِلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا فِي الْبَرْزَخِ، وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى اتِّصَالِ تَأَلُّمِهَا بِأَجْسَادِهَا فِي الْقُبُورِ، إِذْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالرُّوحِ، فَأَمَّا حُصُولُ ذَلِكَ لِلْجَسَدِ وَتَأَلُّمُهُ بِسَبَبِهِ، فَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ إِلَّا السُّنَّةُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَرْضِيَّةِ الْآتِي ذِكْرُهَا. وَقَدْ يُقَالُ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَى عَذَابِ الْكُفَّارِ فِي الْبَرْزَخِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُعَذَّبَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ بِذَنْبٍ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَهِيَ تَقُولُ: أَشَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ؟ فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "إِنَّمَا يُفْتَنُ يَهُودُ" قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَشَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟ " وَقَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ وَحَرْمَلَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٦/٢٤٨) وصحيح مسلم برقم (٥٨٤) .]] . وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى عَذَابِ الْأَرْوَاحِ فِي الْبَرْزَخِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتَّصِلَ بِالْأَجْسَادِ فِي قُبُورِهَا، فَلَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِخُصُوصِيَّتِهِ اسْتَعَاذَ مِنْهُ، وَاللَّهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ [[في ت: "وقد روى البخاري بإسناده من عائشة".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ [[في ت: "القبور" وفي أ: "وقاك الله من عذاب القبر".]] . فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ [[في ت: "عائشة رضي الله عنها".]] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ". قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بعدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ [[صحيح البخاري برقم (١٣٧٢) .]] . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَادَرَ إِلَى تَصْدِيقِ الْيَهُودِيَّةِ فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَقَرَّرَ عَلَيْهِ. وَفِي الْأَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ: أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ حَتَّى جَاءَهُ الْوَحْيُ، فَلَعَلَّهُمَا قَضِيَّتَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَحَادِيثُ عَذَابِ الْقَبْرِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ صَبَاحًا وَمَسَاءً، مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، يُقَالُ لَهُمْ: يَا آلَ فِرْعَوْنَ، هَذِهِ مَنَازِلُكُمْ، تَوْبِيخًا وَنِقْمَةً وصَغَارا لَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمْ فِيهَا الْيَوْمَ يُغدَى بِهِمْ وَيُرَاحُ إلى أن تقوم الساعة. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَرْوَانَ، عَنْ هُذَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن ابن مسعود".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ بِهِمْ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءُوا، وَإِنَّ أَرْوَاحَ وِلْدَانِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَجْوَافِ عَصَافِيرَ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، فَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ فِي الْعَرْشِ، وَإِنَّ أَرْوَاحَ آلِ فِرْعَوْنَ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ سُودٍ تَغْدُو عَلَى جَهَنَّمَ وَتَرُوحُ عَلَيْهَا، فَذَلِكَ عَرْضُهَا. وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أبي قيس عن الهُزَيل ابن شُرَحْبِيلَ، مِنْ كَلَامِهِ فِي أَرْوَاحِ آلِ فِرْعَوْنَ. وَكَذَلِكَ قَالَ السُّدِّيُّ. وَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِيهِ: "ثُمَّ انْطُلِقَ بِي إِلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، رجالٌ كلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بَطْنُهُ مِثْلُ الْبَيْتِ الضَّخْمِ، مُصَفَّدُونَ عَلَى سَابِلَةِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَآلُ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا. ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وَآلُ فِرْعَوْنَ كَالْإِبِلِ الْمُسَوَّمَةِ [[في س: "المنسومة".]] يَخْبِطُونَ الْحِجَارَةَ وَالشَّجَرَ وَلَا يَعْقِلُونَ" [[انظر تخريج هذا الحديث عند تفسير الآية الأولى من سورة الإسراء.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أخْرَم، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ مُدْرِك الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا عُتْبَةُ -يَعْنِي ابْنَ يَقْظَانَ-عَنْ قَيْسِ بْنِ مسلم، عن طارق، عن [[في س: "ابن".]] شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا أَحْسَنَ مُحْسِنٌ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ إِلَّا أَثَابَهُ اللَّهُ". قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا إِثَابَةُ الْكَافِرِ؟ فَقَالَ: "إِنْ كَانَ قَدْ وَصَلَ رَحِمًا أَوْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ أَوْ عَمِلَ حَسَنَةً، أَثَابَهُ اللَّهُ الْمَالَ وَالْوَلَدَ وَالصِّحَّةَ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ". قُلْنَا: فَمَا إِثَابَتُهُ فِي الْآخِرَةِ؟ قَالَ: "عَذَابًا دُونَ الْعَذَابِ" وَقَرَأَ: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مَسْنَدِهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أخْرَم، ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُ لَهُ إِسْنَادًا غَيْرَ هَذَا [[مسند البزار برقم (٩٤٥) "كشف الأستار" ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٢٥٣) من طريق علي بن الحسين به، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وتعقبه الذهب. قلت: فيه عتبة بن يقظان وهو واه.]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي عُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ الْبَلْخِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده إلي".]] الْأَوْزَاعِيَّ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ. رَأَيْنَا طُيُورًا تَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ، تَأْخُذُ نَاحِيَةَ الْغَرْبِ بِيضًا، فَوْجًا فَوْجًا، لَا يَعْلَمُ عَدَدَهَا إِلَّا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا كَانَ الْعَشِيُّ رَجَعَ مِثْلُهَا سُودًا. قَالَ: وَفَطِنْتُمْ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّ تِلْكَ [[في ت: "ذلك".]] الطَّيْرَ فِي حَوَاصِلِهَا أَرْوَاحُ آلِ فِرْعَوْنَ، تُعْرَضُ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا، فَتَرْجِعُ إِلَى وُكُورِهَا وَقَدِ احْتَرَقَتْ ريَاشُها وَصَارَتْ سُودًا، فَيَنْبُتُ عَلَيْهَا مِنَ اللَّيْلِ رِيشٌ أَبْيَضُ، وَيَتَنَاثَرُ السُّودُ، ثُمَّ تَغْدُو عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى وُكُورِهَا. فَذَلِكَ دَأْبُهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ قَالَ: وكانوا يَقُولُونَ إِنَّهُمْ سِتُّمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ [[تفسير الطبري (٢٤/٤٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ [[في أ: "ابن عمر رضي الله عنهما".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ [[المسند (٢/١١٣) وصحيح البخاري برقم (١٣٧٩) وصحيح مسلم برقم (٢٨٦٦) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هذا المؤمن لقومه من الكفرة: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ من عذاب الله وعقوبته بالإيمان به، واتباع رسوله موسى، وتصديقه فيما جاءكم به من عند ربه ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ يقول: وتدعونني إلى عمل أهل النار. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ قال: الإيمان بالله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ قال هذا مومن آل فرعون، قال: يدعونه إلى دينهم والإقامة معهم. * * وقوله: ﴿تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ يقول: وأشرك بالله في عبادته أوثانا، لست أعلم أنه يصلح لي عبادتها وإشراكها فى عبادة الله، لأن الله لم يأذن لي في ذلك بخبر ولا عقل. * * وقوله: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ يقول: وأنا أدعوكم إلى عبادة العزيز في انتقامه ممن كفر به، الذي لا يمنعه إذا انتقم من عدوّ له شيء، الغفار لمن تاب إليه بعد معصيته إياه، لعفوه عنه، فلا يضرّه شيء مع عفوه عنه، يقول: فهذا الذي هذه الصفة صفته فاعبدوا، لا ما لا ضرّ عنده ولا نفع.

Al-Mukhtasar (français)

Ô mon peuple, pourquoi je vous appelle à échapper à la perdition dans le bas monde et dans l’au-delà en vous invitant à la foi et aux bonnes œuvres tandis que vous m’appelez à entrer en Enfer en m’invitant à la mécréance et la désobéissance à Allah?

42

تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِۦ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌۭ وَأَنَا۠ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّٰرِ

Vous m'invitez à nier Allah et à Lui donner des associés dont je n'ai aucun savoir, alors que je vous appelle au Tout Puissant, au Grand Pardonneur.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ لَهُمُ الْمُؤْمِنُ: مَا بَالِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ، وَهِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَتَصْدِيقُ رَسُولِهِ الَّذِي بَعَثَهُ ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ. تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أَيْ: جَهْلٌ [[في ت، أ: "على جهل".]] بِلَا دَلِيلٍ ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ أَيْ: هُوَ فِي عِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ يَغْفِرُ ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ، ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ يَقُولُ: حَقًّا. قَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَا جَرَمَ﴾ حَقًّا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿لَا جَرَمَ﴾ لَا كَذِبَ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا جَرَمَ﴾ يَقُولُ: بَلَى، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: الْوَثَنُ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي الْوَثَنَ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَا يُجِيبُ دَاعِيَهُ، لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٥، ٦] ، ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، فَيُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أَيْ: خَالِدِينَ فِيهَا بِإِسْرَافِهِمْ، وَهُوَ شِرْكُهُمْ بِاللَّهِ. ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ أَيْ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ صِدْقَ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَنَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، وَنَصَحْتُكُمْ وَوَضَّحْتُ لَكُمْ، وَتَتَذَكَّرُونَهُ، وَتَنْدَمُونَ حَيْثُ لَا يَنْفَعُكُمُ النَّدَمُ، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: وَأَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ وَأَسْتَعِينُهُ، وَأُقَاطِعُكُمْ وَأُبَاعِدُكُمْ، ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أَيْ: هُوَ بَصِيرٌ بِهِمْ، فَيَهْدِي مَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ، وَيُضِلُّ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْإِضْلَالَ، وَلَهُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحِكْمَةُ التَّامَّةُ، وَالْقَدَرُ النَّافِذُ. * * وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] : ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَنَجَّاهُ اللَّهُ مَعَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَبِالْجَنَّةِ ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ وَهُوَ: الْغَرَقُ فِي الْيَمِّ، ثُمَّ النَّقْلَةُ مِنْهُ إِلَى الْجَحِيمِ. فَإِنَّ أَرْوَاحَهُمْ تُعْرَضُ عَلَى النَّارِ صَبَاحًا وَمَسَاءً إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ اجْتَمَعَتْ أَرْوَاحُهُمْ وَأَجْسَادُهُمْ فِي النَّارِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ أَيْ: أَشَدَّهُ أَلَمًا وَأَعْظَمَهُ نَكَالًا. وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي اسْتِدْلَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى عَذَابِ الْبَرْزَخِ فِي الْقُبُورِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ . وَلَكِنَّ هَاهُنَا سُؤَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الْبَرْزَخِ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمٌ -هُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَبُو النَّضْرِ-حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ [[في أ: "سعد".]] -هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ-حَدَّثَنَا سَعِيدٌ -يَعْنِي أَبَاهُ-عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَخْدُمُهَا فَلَا تَصْنَعُ عَائِشَةُ إِلَيْهَا شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ إِلَّا قَالَتْ لَهَا الْيَهُودِيَّةُ: وَقَاكِ اللَّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ. قَالَتْ: فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيَّ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِلْقَبْرِ عَذَابٌ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "لَا وَعَمَّ ذَلِكَ؟ " قَالَتْ: هَذِهِ الْيَهُودِيَّةُ، لَا نَصْنَعُ إِلَيْهَا شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ إِلَّا قَالَتْ: وَقَاكِ اللَّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ. قَالَ: "كَذَبَتْ يَهُودُ [[في أ: "يهودية".]] . وَهُمْ عَلَى اللَّهِ أَكْذَبُ، لَا عَذَابَ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ". ثُمَّ مَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ، فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ نِصْفَ النَّهَارِ مُشْتَمِلًا بِثَوْبِهِ، مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ، وَهُوَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "الْقَبْرُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المظلمز أَيُّهَا النَّاسُ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَإِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ حَقٌّ" [[المسند (٦/٨١) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وَرَوَى أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ -قَالَ: سَأَلَتْهَا امْرَأَةٌ يَهُودِيَّةٌ فَأَعْطَتْهَا، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتِ لَهُ، فَقَالَ: "لَا". قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ: "وَإِنَّهُ أُوحِيَ إلي أنكم تفتنون في قبوركم". وَهَذَا أَيْضًا عَلَى شَرْطِهِمَا [[المسند (٦/٢٣٨) .]] . فَيُقَالُ: فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ كَوْنِ الْآيَةِ مَكِّيَّةً، وَفِيهَا الدَّلِيلُ عَلَى عَذَابِ الْبَرْزَخِ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى عَرْضِ الْأَرْوَاحِ إِلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا فِي الْبَرْزَخِ، وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى اتِّصَالِ تَأَلُّمِهَا بِأَجْسَادِهَا فِي الْقُبُورِ، إِذْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالرُّوحِ، فَأَمَّا حُصُولُ ذَلِكَ لِلْجَسَدِ وَتَأَلُّمُهُ بِسَبَبِهِ، فَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ إِلَّا السُّنَّةُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَرْضِيَّةِ الْآتِي ذِكْرُهَا. وَقَدْ يُقَالُ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَى عَذَابِ الْكُفَّارِ فِي الْبَرْزَخِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُعَذَّبَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ بِذَنْبٍ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَهِيَ تَقُولُ: أَشَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ؟ فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "إِنَّمَا يُفْتَنُ يَهُودُ" قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَشَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟ " وَقَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ وَحَرْمَلَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٦/٢٤٨) وصحيح مسلم برقم (٥٨٤) .]] . وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى عَذَابِ الْأَرْوَاحِ فِي الْبَرْزَخِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتَّصِلَ بِالْأَجْسَادِ فِي قُبُورِهَا، فَلَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِخُصُوصِيَّتِهِ اسْتَعَاذَ مِنْهُ، وَاللَّهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ [[في ت: "وقد روى البخاري بإسناده من عائشة".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ [[في ت: "القبور" وفي أ: "وقاك الله من عذاب القبر".]] . فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ [[في ت: "عائشة رضي الله عنها".]] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ". قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بعدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ [[صحيح البخاري برقم (١٣٧٢) .]] . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَادَرَ إِلَى تَصْدِيقِ الْيَهُودِيَّةِ فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَقَرَّرَ عَلَيْهِ. وَفِي الْأَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ: أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ حَتَّى جَاءَهُ الْوَحْيُ، فَلَعَلَّهُمَا قَضِيَّتَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَحَادِيثُ عَذَابِ الْقَبْرِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ صَبَاحًا وَمَسَاءً، مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، يُقَالُ لَهُمْ: يَا آلَ فِرْعَوْنَ، هَذِهِ مَنَازِلُكُمْ، تَوْبِيخًا وَنِقْمَةً وصَغَارا لَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمْ فِيهَا الْيَوْمَ يُغدَى بِهِمْ وَيُرَاحُ إلى أن تقوم الساعة. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَرْوَانَ، عَنْ هُذَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن ابن مسعود".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ بِهِمْ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءُوا، وَإِنَّ أَرْوَاحَ وِلْدَانِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَجْوَافِ عَصَافِيرَ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، فَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ فِي الْعَرْشِ، وَإِنَّ أَرْوَاحَ آلِ فِرْعَوْنَ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ سُودٍ تَغْدُو عَلَى جَهَنَّمَ وَتَرُوحُ عَلَيْهَا، فَذَلِكَ عَرْضُهَا. وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أبي قيس عن الهُزَيل ابن شُرَحْبِيلَ، مِنْ كَلَامِهِ فِي أَرْوَاحِ آلِ فِرْعَوْنَ. وَكَذَلِكَ قَالَ السُّدِّيُّ. وَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِيهِ: "ثُمَّ انْطُلِقَ بِي إِلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، رجالٌ كلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بَطْنُهُ مِثْلُ الْبَيْتِ الضَّخْمِ، مُصَفَّدُونَ عَلَى سَابِلَةِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَآلُ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا. ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وَآلُ فِرْعَوْنَ كَالْإِبِلِ الْمُسَوَّمَةِ [[في س: "المنسومة".]] يَخْبِطُونَ الْحِجَارَةَ وَالشَّجَرَ وَلَا يَعْقِلُونَ" [[انظر تخريج هذا الحديث عند تفسير الآية الأولى من سورة الإسراء.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أخْرَم، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ مُدْرِك الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا عُتْبَةُ -يَعْنِي ابْنَ يَقْظَانَ-عَنْ قَيْسِ بْنِ مسلم، عن طارق، عن [[في س: "ابن".]] شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا أَحْسَنَ مُحْسِنٌ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ إِلَّا أَثَابَهُ اللَّهُ". قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا إِثَابَةُ الْكَافِرِ؟ فَقَالَ: "إِنْ كَانَ قَدْ وَصَلَ رَحِمًا أَوْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ أَوْ عَمِلَ حَسَنَةً، أَثَابَهُ اللَّهُ الْمَالَ وَالْوَلَدَ وَالصِّحَّةَ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ". قُلْنَا: فَمَا إِثَابَتُهُ فِي الْآخِرَةِ؟ قَالَ: "عَذَابًا دُونَ الْعَذَابِ" وَقَرَأَ: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مَسْنَدِهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أخْرَم، ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُ لَهُ إِسْنَادًا غَيْرَ هَذَا [[مسند البزار برقم (٩٤٥) "كشف الأستار" ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٢٥٣) من طريق علي بن الحسين به، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وتعقبه الذهب. قلت: فيه عتبة بن يقظان وهو واه.]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي عُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ الْبَلْخِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده إلي".]] الْأَوْزَاعِيَّ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ. رَأَيْنَا طُيُورًا تَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ، تَأْخُذُ نَاحِيَةَ الْغَرْبِ بِيضًا، فَوْجًا فَوْجًا، لَا يَعْلَمُ عَدَدَهَا إِلَّا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا كَانَ الْعَشِيُّ رَجَعَ مِثْلُهَا سُودًا. قَالَ: وَفَطِنْتُمْ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّ تِلْكَ [[في ت: "ذلك".]] الطَّيْرَ فِي حَوَاصِلِهَا أَرْوَاحُ آلِ فِرْعَوْنَ، تُعْرَضُ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا، فَتَرْجِعُ إِلَى وُكُورِهَا وَقَدِ احْتَرَقَتْ ريَاشُها وَصَارَتْ سُودًا، فَيَنْبُتُ عَلَيْهَا مِنَ اللَّيْلِ رِيشٌ أَبْيَضُ، وَيَتَنَاثَرُ السُّودُ، ثُمَّ تَغْدُو عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى وُكُورِهَا. فَذَلِكَ دَأْبُهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ قَالَ: وكانوا يَقُولُونَ إِنَّهُمْ سِتُّمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ [[تفسير الطبري (٢٤/٤٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ [[في أ: "ابن عمر رضي الله عنهما".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ [[المسند (٢/١١٣) وصحيح البخاري برقم (١٣٧٩) وصحيح مسلم برقم (٢٨٦٦) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هذا المؤمن لقومه من الكفرة: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ من عذاب الله وعقوبته بالإيمان به، واتباع رسوله موسى، وتصديقه فيما جاءكم به من عند ربه ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ يقول: وتدعونني إلى عمل أهل النار. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ قال: الإيمان بالله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ قال هذا مومن آل فرعون، قال: يدعونه إلى دينهم والإقامة معهم. * * وقوله: ﴿تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ يقول: وأشرك بالله في عبادته أوثانا، لست أعلم أنه يصلح لي عبادتها وإشراكها فى عبادة الله، لأن الله لم يأذن لي في ذلك بخبر ولا عقل. * * وقوله: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ يقول: وأنا أدعوكم إلى عبادة العزيز في انتقامه ممن كفر به، الذي لا يمنعه إذا انتقم من عدوّ له شيء، الغفار لمن تاب إليه بعد معصيته إياه، لعفوه عنه، فلا يضرّه شيء مع عفوه عنه، يقول: فهذا الذي هذه الصفة صفته فاعبدوا، لا ما لا ضرّ عنده ولا نفع.

Al-Mukhtasar (français)

Vous m’appelez à vos faussetés en espérant que je mécroie en Allah et que j’adore avec Lui des divinités dont la validité de leur adoration avec Allah ne m’a pas été révélée. Alors que moi, je vous appelle à croire en Allah, le Puissant à qui personne ne tient tête, Celui qui accorde un pardon à Ses serviteurs.

43

لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُۥ دَعْوَةٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ

Nul doute que ce à quoi vous m'appelez ne peut exaucer une invocation ni ici-bas ni dans l'au-delà. C'est vers Allah qu'est notre retour, et les outranciers sont eux les gens du Feu.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ لَهُمُ الْمُؤْمِنُ: مَا بَالِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ، وَهِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَتَصْدِيقُ رَسُولِهِ الَّذِي بَعَثَهُ ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ. تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أَيْ: جَهْلٌ [[في ت، أ: "على جهل".]] بِلَا دَلِيلٍ ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ أَيْ: هُوَ فِي عِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ يَغْفِرُ ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ، ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ يَقُولُ: حَقًّا. قَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَا جَرَمَ﴾ حَقًّا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿لَا جَرَمَ﴾ لَا كَذِبَ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا جَرَمَ﴾ يَقُولُ: بَلَى، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: الْوَثَنُ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي الْوَثَنَ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَا يُجِيبُ دَاعِيَهُ، لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٥، ٦] ، ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، فَيُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أَيْ: خَالِدِينَ فِيهَا بِإِسْرَافِهِمْ، وَهُوَ شِرْكُهُمْ بِاللَّهِ. ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ أَيْ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ صِدْقَ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَنَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، وَنَصَحْتُكُمْ وَوَضَّحْتُ لَكُمْ، وَتَتَذَكَّرُونَهُ، وَتَنْدَمُونَ حَيْثُ لَا يَنْفَعُكُمُ النَّدَمُ، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: وَأَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ وَأَسْتَعِينُهُ، وَأُقَاطِعُكُمْ وَأُبَاعِدُكُمْ، ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أَيْ: هُوَ بَصِيرٌ بِهِمْ، فَيَهْدِي مَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ، وَيُضِلُّ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْإِضْلَالَ، وَلَهُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحِكْمَةُ التَّامَّةُ، وَالْقَدَرُ النَّافِذُ. * * وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] : ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَنَجَّاهُ اللَّهُ مَعَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَبِالْجَنَّةِ ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ وَهُوَ: الْغَرَقُ فِي الْيَمِّ، ثُمَّ النَّقْلَةُ مِنْهُ إِلَى الْجَحِيمِ. فَإِنَّ أَرْوَاحَهُمْ تُعْرَضُ عَلَى النَّارِ صَبَاحًا وَمَسَاءً إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ اجْتَمَعَتْ أَرْوَاحُهُمْ وَأَجْسَادُهُمْ فِي النَّارِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ أَيْ: أَشَدَّهُ أَلَمًا وَأَعْظَمَهُ نَكَالًا. وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي اسْتِدْلَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى عَذَابِ الْبَرْزَخِ فِي الْقُبُورِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ . وَلَكِنَّ هَاهُنَا سُؤَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الْبَرْزَخِ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمٌ -هُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَبُو النَّضْرِ-حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ [[في أ: "سعد".]] -هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ-حَدَّثَنَا سَعِيدٌ -يَعْنِي أَبَاهُ-عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَخْدُمُهَا فَلَا تَصْنَعُ عَائِشَةُ إِلَيْهَا شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ إِلَّا قَالَتْ لَهَا الْيَهُودِيَّةُ: وَقَاكِ اللَّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ. قَالَتْ: فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيَّ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِلْقَبْرِ عَذَابٌ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "لَا وَعَمَّ ذَلِكَ؟ " قَالَتْ: هَذِهِ الْيَهُودِيَّةُ، لَا نَصْنَعُ إِلَيْهَا شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ إِلَّا قَالَتْ: وَقَاكِ اللَّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ. قَالَ: "كَذَبَتْ يَهُودُ [[في أ: "يهودية".]] . وَهُمْ عَلَى اللَّهِ أَكْذَبُ، لَا عَذَابَ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ". ثُمَّ مَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ، فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ نِصْفَ النَّهَارِ مُشْتَمِلًا بِثَوْبِهِ، مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ، وَهُوَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "الْقَبْرُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المظلمز أَيُّهَا النَّاسُ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَإِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ حَقٌّ" [[المسند (٦/٨١) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وَرَوَى أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ -قَالَ: سَأَلَتْهَا امْرَأَةٌ يَهُودِيَّةٌ فَأَعْطَتْهَا، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتِ لَهُ، فَقَالَ: "لَا". قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ: "وَإِنَّهُ أُوحِيَ إلي أنكم تفتنون في قبوركم". وَهَذَا أَيْضًا عَلَى شَرْطِهِمَا [[المسند (٦/٢٣٨) .]] . فَيُقَالُ: فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ كَوْنِ الْآيَةِ مَكِّيَّةً، وَفِيهَا الدَّلِيلُ عَلَى عَذَابِ الْبَرْزَخِ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى عَرْضِ الْأَرْوَاحِ إِلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا فِي الْبَرْزَخِ، وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى اتِّصَالِ تَأَلُّمِهَا بِأَجْسَادِهَا فِي الْقُبُورِ، إِذْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالرُّوحِ، فَأَمَّا حُصُولُ ذَلِكَ لِلْجَسَدِ وَتَأَلُّمُهُ بِسَبَبِهِ، فَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ إِلَّا السُّنَّةُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَرْضِيَّةِ الْآتِي ذِكْرُهَا. وَقَدْ يُقَالُ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَى عَذَابِ الْكُفَّارِ فِي الْبَرْزَخِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُعَذَّبَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ بِذَنْبٍ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَهِيَ تَقُولُ: أَشَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ؟ فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "إِنَّمَا يُفْتَنُ يَهُودُ" قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَشَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟ " وَقَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ وَحَرْمَلَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٦/٢٤٨) وصحيح مسلم برقم (٥٨٤) .]] . وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى عَذَابِ الْأَرْوَاحِ فِي الْبَرْزَخِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتَّصِلَ بِالْأَجْسَادِ فِي قُبُورِهَا، فَلَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِخُصُوصِيَّتِهِ اسْتَعَاذَ مِنْهُ، وَاللَّهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ [[في ت: "وقد روى البخاري بإسناده من عائشة".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ [[في ت: "القبور" وفي أ: "وقاك الله من عذاب القبر".]] . فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ [[في ت: "عائشة رضي الله عنها".]] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ". قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بعدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ [[صحيح البخاري برقم (١٣٧٢) .]] . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَادَرَ إِلَى تَصْدِيقِ الْيَهُودِيَّةِ فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَقَرَّرَ عَلَيْهِ. وَفِي الْأَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ: أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ حَتَّى جَاءَهُ الْوَحْيُ، فَلَعَلَّهُمَا قَضِيَّتَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَحَادِيثُ عَذَابِ الْقَبْرِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ صَبَاحًا وَمَسَاءً، مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، يُقَالُ لَهُمْ: يَا آلَ فِرْعَوْنَ، هَذِهِ مَنَازِلُكُمْ، تَوْبِيخًا وَنِقْمَةً وصَغَارا لَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمْ فِيهَا الْيَوْمَ يُغدَى بِهِمْ وَيُرَاحُ إلى أن تقوم الساعة. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَرْوَانَ، عَنْ هُذَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن ابن مسعود".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ بِهِمْ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءُوا، وَإِنَّ أَرْوَاحَ وِلْدَانِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَجْوَافِ عَصَافِيرَ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، فَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ فِي الْعَرْشِ، وَإِنَّ أَرْوَاحَ آلِ فِرْعَوْنَ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ سُودٍ تَغْدُو عَلَى جَهَنَّمَ وَتَرُوحُ عَلَيْهَا، فَذَلِكَ عَرْضُهَا. وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أبي قيس عن الهُزَيل ابن شُرَحْبِيلَ، مِنْ كَلَامِهِ فِي أَرْوَاحِ آلِ فِرْعَوْنَ. وَكَذَلِكَ قَالَ السُّدِّيُّ. وَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِيهِ: "ثُمَّ انْطُلِقَ بِي إِلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، رجالٌ كلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بَطْنُهُ مِثْلُ الْبَيْتِ الضَّخْمِ، مُصَفَّدُونَ عَلَى سَابِلَةِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَآلُ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا. ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وَآلُ فِرْعَوْنَ كَالْإِبِلِ الْمُسَوَّمَةِ [[في س: "المنسومة".]] يَخْبِطُونَ الْحِجَارَةَ وَالشَّجَرَ وَلَا يَعْقِلُونَ" [[انظر تخريج هذا الحديث عند تفسير الآية الأولى من سورة الإسراء.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أخْرَم، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ مُدْرِك الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا عُتْبَةُ -يَعْنِي ابْنَ يَقْظَانَ-عَنْ قَيْسِ بْنِ مسلم، عن طارق، عن [[في س: "ابن".]] شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا أَحْسَنَ مُحْسِنٌ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ إِلَّا أَثَابَهُ اللَّهُ". قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا إِثَابَةُ الْكَافِرِ؟ فَقَالَ: "إِنْ كَانَ قَدْ وَصَلَ رَحِمًا أَوْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ أَوْ عَمِلَ حَسَنَةً، أَثَابَهُ اللَّهُ الْمَالَ وَالْوَلَدَ وَالصِّحَّةَ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ". قُلْنَا: فَمَا إِثَابَتُهُ فِي الْآخِرَةِ؟ قَالَ: "عَذَابًا دُونَ الْعَذَابِ" وَقَرَأَ: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مَسْنَدِهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أخْرَم، ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُ لَهُ إِسْنَادًا غَيْرَ هَذَا [[مسند البزار برقم (٩٤٥) "كشف الأستار" ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٢٥٣) من طريق علي بن الحسين به، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وتعقبه الذهب. قلت: فيه عتبة بن يقظان وهو واه.]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي عُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ الْبَلْخِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده إلي".]] الْأَوْزَاعِيَّ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ. رَأَيْنَا طُيُورًا تَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ، تَأْخُذُ نَاحِيَةَ الْغَرْبِ بِيضًا، فَوْجًا فَوْجًا، لَا يَعْلَمُ عَدَدَهَا إِلَّا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا كَانَ الْعَشِيُّ رَجَعَ مِثْلُهَا سُودًا. قَالَ: وَفَطِنْتُمْ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّ تِلْكَ [[في ت: "ذلك".]] الطَّيْرَ فِي حَوَاصِلِهَا أَرْوَاحُ آلِ فِرْعَوْنَ، تُعْرَضُ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا، فَتَرْجِعُ إِلَى وُكُورِهَا وَقَدِ احْتَرَقَتْ ريَاشُها وَصَارَتْ سُودًا، فَيَنْبُتُ عَلَيْهَا مِنَ اللَّيْلِ رِيشٌ أَبْيَضُ، وَيَتَنَاثَرُ السُّودُ، ثُمَّ تَغْدُو عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى وُكُورِهَا. فَذَلِكَ دَأْبُهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ قَالَ: وكانوا يَقُولُونَ إِنَّهُمْ سِتُّمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ [[تفسير الطبري (٢٤/٤٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ [[في أ: "ابن عمر رضي الله عنهما".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ [[المسند (٢/١١٣) وصحيح البخاري برقم (١٣٧٩) وصحيح مسلم برقم (٢٨٦٦) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣) ﴾ يقول: حقا أن الذي تدعونني إليه من الأوثان، ليس له دعاء في الدنيا ولا في الآخرة، لأنه جماد لا ينطق، ولا يفهم شيئا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا﴾ قال: الوثن ليس بشيء. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ﴾ : أي لا ينفع ولا يضرّ. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ﴾ [[سقط التفسير من قلم الناسخ، والذي في ابن كثير عنه:" لا يجيب داعيه، لا في الدنيا ولا في الآخرة". اهـ.]] . * * وقوله: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ يقول: وأن مرجعنا ومنقلبنا بعد مماتنا إلى الله ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ يقول: وإن المشركين بالله المتعدّين حدوده، القتلة النفوس التي حرم الله قتلها، هم أصحاب نار جهنم عند مرجعنا إلى الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في معنى المسرفين في هذا الموضع، فقال بعضهم: هم سفاكو الدماء بغير حقها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ قال: هم السفَّاكون الدماء بغير حقها. ⁕ حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قول الله ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ قال: هم السفاكون الدماء بغير حقها. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ﴾ قال: السفاكون الدماء بغير حقها، هم أصحاب النار. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ قال: سماهم الله مسرفين، فرعون ومن معه. وقال آخرون: هم المشركون. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ : أي المشركون. وقد بيَّنا معنى الإسراف فيما مضى قبل بما فيه الكفاية من إعادته في هذا الموضع. وإنما اخترنا في تأويل ذلك في هذا الموضع ما اخترنا، لأن قائل هذا القول لفرعون وقومه، إنما قصد فرعون به لكفره، وما كان همّ به من قتل موسى، وكان فرعون عاليا عاتيا في كفر. سفاكا للدماء التي كان محرّما عليه سفكها، وكلّ ذلك من الإسراف، فلذلك اخترنا ما اخترنا من التأويل في ذلك.

Al-Mukhtasar (français)

En vérité, les divinités auxquelles vous m’appelez à croire et à obéir, ne peuvent être invoquée dans le bas monde ou dans l’au-delà ni n’exaucent celui qui les invoquent. Notre retour à tous aura lieu auprès d’Allah et ceux qui auront été outranciers en mécroyant et en désobéissant seront les habitants du Feu où ils séjourneront le Jour de la Résurrection.

44

فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ

Bientôt vous vous rappellerez ce que je vous dis; et je confie mon sort à Allah. Allah est, certes, Clairvoyant sur les serviteurs.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ لَهُمُ الْمُؤْمِنُ: مَا بَالِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ، وَهِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَتَصْدِيقُ رَسُولِهِ الَّذِي بَعَثَهُ ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ. تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أَيْ: جَهْلٌ [[في ت، أ: "على جهل".]] بِلَا دَلِيلٍ ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ أَيْ: هُوَ فِي عِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ يَغْفِرُ ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ، ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ يَقُولُ: حَقًّا. قَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَا جَرَمَ﴾ حَقًّا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿لَا جَرَمَ﴾ لَا كَذِبَ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا جَرَمَ﴾ يَقُولُ: بَلَى، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: الْوَثَنُ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي الْوَثَنَ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَا يُجِيبُ دَاعِيَهُ، لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٥، ٦] ، ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، فَيُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أَيْ: خَالِدِينَ فِيهَا بِإِسْرَافِهِمْ، وَهُوَ شِرْكُهُمْ بِاللَّهِ. ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ أَيْ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ صِدْقَ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَنَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، وَنَصَحْتُكُمْ وَوَضَّحْتُ لَكُمْ، وَتَتَذَكَّرُونَهُ، وَتَنْدَمُونَ حَيْثُ لَا يَنْفَعُكُمُ النَّدَمُ، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: وَأَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ وَأَسْتَعِينُهُ، وَأُقَاطِعُكُمْ وَأُبَاعِدُكُمْ، ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أَيْ: هُوَ بَصِيرٌ بِهِمْ، فَيَهْدِي مَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ، وَيُضِلُّ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْإِضْلَالَ، وَلَهُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحِكْمَةُ التَّامَّةُ، وَالْقَدَرُ النَّافِذُ. * * وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] : ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَنَجَّاهُ اللَّهُ مَعَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَبِالْجَنَّةِ ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ وَهُوَ: الْغَرَقُ فِي الْيَمِّ، ثُمَّ النَّقْلَةُ مِنْهُ إِلَى الْجَحِيمِ. فَإِنَّ أَرْوَاحَهُمْ تُعْرَضُ عَلَى النَّارِ صَبَاحًا وَمَسَاءً إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ اجْتَمَعَتْ أَرْوَاحُهُمْ وَأَجْسَادُهُمْ فِي النَّارِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ أَيْ: أَشَدَّهُ أَلَمًا وَأَعْظَمَهُ نَكَالًا. وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي اسْتِدْلَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى عَذَابِ الْبَرْزَخِ فِي الْقُبُورِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ . وَلَكِنَّ هَاهُنَا سُؤَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الْبَرْزَخِ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمٌ -هُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَبُو النَّضْرِ-حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ [[في أ: "سعد".]] -هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ-حَدَّثَنَا سَعِيدٌ -يَعْنِي أَبَاهُ-عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَخْدُمُهَا فَلَا تَصْنَعُ عَائِشَةُ إِلَيْهَا شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ إِلَّا قَالَتْ لَهَا الْيَهُودِيَّةُ: وَقَاكِ اللَّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ. قَالَتْ: فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيَّ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِلْقَبْرِ عَذَابٌ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "لَا وَعَمَّ ذَلِكَ؟ " قَالَتْ: هَذِهِ الْيَهُودِيَّةُ، لَا نَصْنَعُ إِلَيْهَا شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ إِلَّا قَالَتْ: وَقَاكِ اللَّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ. قَالَ: "كَذَبَتْ يَهُودُ [[في أ: "يهودية".]] . وَهُمْ عَلَى اللَّهِ أَكْذَبُ، لَا عَذَابَ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ". ثُمَّ مَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ، فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ نِصْفَ النَّهَارِ مُشْتَمِلًا بِثَوْبِهِ، مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ، وَهُوَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "الْقَبْرُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المظلمز أَيُّهَا النَّاسُ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَإِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ حَقٌّ" [[المسند (٦/٨١) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وَرَوَى أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ -قَالَ: سَأَلَتْهَا امْرَأَةٌ يَهُودِيَّةٌ فَأَعْطَتْهَا، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتِ لَهُ، فَقَالَ: "لَا". قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ: "وَإِنَّهُ أُوحِيَ إلي أنكم تفتنون في قبوركم". وَهَذَا أَيْضًا عَلَى شَرْطِهِمَا [[المسند (٦/٢٣٨) .]] . فَيُقَالُ: فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ كَوْنِ الْآيَةِ مَكِّيَّةً، وَفِيهَا الدَّلِيلُ عَلَى عَذَابِ الْبَرْزَخِ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى عَرْضِ الْأَرْوَاحِ إِلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا فِي الْبَرْزَخِ، وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى اتِّصَالِ تَأَلُّمِهَا بِأَجْسَادِهَا فِي الْقُبُورِ، إِذْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالرُّوحِ، فَأَمَّا حُصُولُ ذَلِكَ لِلْجَسَدِ وَتَأَلُّمُهُ بِسَبَبِهِ، فَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ إِلَّا السُّنَّةُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَرْضِيَّةِ الْآتِي ذِكْرُهَا. وَقَدْ يُقَالُ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَى عَذَابِ الْكُفَّارِ فِي الْبَرْزَخِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُعَذَّبَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ بِذَنْبٍ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَهِيَ تَقُولُ: أَشَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ؟ فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "إِنَّمَا يُفْتَنُ يَهُودُ" قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَشَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟ " وَقَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ وَحَرْمَلَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٦/٢٤٨) وصحيح مسلم برقم (٥٨٤) .]] . وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى عَذَابِ الْأَرْوَاحِ فِي الْبَرْزَخِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتَّصِلَ بِالْأَجْسَادِ فِي قُبُورِهَا، فَلَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِخُصُوصِيَّتِهِ اسْتَعَاذَ مِنْهُ، وَاللَّهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ [[في ت: "وقد روى البخاري بإسناده من عائشة".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ [[في ت: "القبور" وفي أ: "وقاك الله من عذاب القبر".]] . فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ [[في ت: "عائشة رضي الله عنها".]] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ". قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بعدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ [[صحيح البخاري برقم (١٣٧٢) .]] . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَادَرَ إِلَى تَصْدِيقِ الْيَهُودِيَّةِ فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَقَرَّرَ عَلَيْهِ. وَفِي الْأَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ: أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ حَتَّى جَاءَهُ الْوَحْيُ، فَلَعَلَّهُمَا قَضِيَّتَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَحَادِيثُ عَذَابِ الْقَبْرِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ صَبَاحًا وَمَسَاءً، مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، يُقَالُ لَهُمْ: يَا آلَ فِرْعَوْنَ، هَذِهِ مَنَازِلُكُمْ، تَوْبِيخًا وَنِقْمَةً وصَغَارا لَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمْ فِيهَا الْيَوْمَ يُغدَى بِهِمْ وَيُرَاحُ إلى أن تقوم الساعة. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَرْوَانَ، عَنْ هُذَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن ابن مسعود".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ بِهِمْ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءُوا، وَإِنَّ أَرْوَاحَ وِلْدَانِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَجْوَافِ عَصَافِيرَ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، فَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ فِي الْعَرْشِ، وَإِنَّ أَرْوَاحَ آلِ فِرْعَوْنَ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ سُودٍ تَغْدُو عَلَى جَهَنَّمَ وَتَرُوحُ عَلَيْهَا، فَذَلِكَ عَرْضُهَا. وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أبي قيس عن الهُزَيل ابن شُرَحْبِيلَ، مِنْ كَلَامِهِ فِي أَرْوَاحِ آلِ فِرْعَوْنَ. وَكَذَلِكَ قَالَ السُّدِّيُّ. وَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِيهِ: "ثُمَّ انْطُلِقَ بِي إِلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، رجالٌ كلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بَطْنُهُ مِثْلُ الْبَيْتِ الضَّخْمِ، مُصَفَّدُونَ عَلَى سَابِلَةِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَآلُ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا. ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وَآلُ فِرْعَوْنَ كَالْإِبِلِ الْمُسَوَّمَةِ [[في س: "المنسومة".]] يَخْبِطُونَ الْحِجَارَةَ وَالشَّجَرَ وَلَا يَعْقِلُونَ" [[انظر تخريج هذا الحديث عند تفسير الآية الأولى من سورة الإسراء.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أخْرَم، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ مُدْرِك الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا عُتْبَةُ -يَعْنِي ابْنَ يَقْظَانَ-عَنْ قَيْسِ بْنِ مسلم، عن طارق، عن [[في س: "ابن".]] شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا أَحْسَنَ مُحْسِنٌ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ إِلَّا أَثَابَهُ اللَّهُ". قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا إِثَابَةُ الْكَافِرِ؟ فَقَالَ: "إِنْ كَانَ قَدْ وَصَلَ رَحِمًا أَوْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ أَوْ عَمِلَ حَسَنَةً، أَثَابَهُ اللَّهُ الْمَالَ وَالْوَلَدَ وَالصِّحَّةَ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ". قُلْنَا: فَمَا إِثَابَتُهُ فِي الْآخِرَةِ؟ قَالَ: "عَذَابًا دُونَ الْعَذَابِ" وَقَرَأَ: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مَسْنَدِهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أخْرَم، ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُ لَهُ إِسْنَادًا غَيْرَ هَذَا [[مسند البزار برقم (٩٤٥) "كشف الأستار" ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٢٥٣) من طريق علي بن الحسين به، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وتعقبه الذهب. قلت: فيه عتبة بن يقظان وهو واه.]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي عُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ الْبَلْخِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده إلي".]] الْأَوْزَاعِيَّ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ. رَأَيْنَا طُيُورًا تَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ، تَأْخُذُ نَاحِيَةَ الْغَرْبِ بِيضًا، فَوْجًا فَوْجًا، لَا يَعْلَمُ عَدَدَهَا إِلَّا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا كَانَ الْعَشِيُّ رَجَعَ مِثْلُهَا سُودًا. قَالَ: وَفَطِنْتُمْ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّ تِلْكَ [[في ت: "ذلك".]] الطَّيْرَ فِي حَوَاصِلِهَا أَرْوَاحُ آلِ فِرْعَوْنَ، تُعْرَضُ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا، فَتَرْجِعُ إِلَى وُكُورِهَا وَقَدِ احْتَرَقَتْ ريَاشُها وَصَارَتْ سُودًا، فَيَنْبُتُ عَلَيْهَا مِنَ اللَّيْلِ رِيشٌ أَبْيَضُ، وَيَتَنَاثَرُ السُّودُ، ثُمَّ تَغْدُو عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى وُكُورِهَا. فَذَلِكَ دَأْبُهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ قَالَ: وكانوا يَقُولُونَ إِنَّهُمْ سِتُّمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ [[تفسير الطبري (٢٤/٤٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ [[في أ: "ابن عمر رضي الله عنهما".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ [[المسند (٢/١١٣) وصحيح البخاري برقم (١٣٧٩) وصحيح مسلم برقم (٢٨٦٦) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وقومه: فستذكرون أيها القوم إذا عاينتم عقاب الله قد حل بكم، ولقيتم ما لقيتموه صدق ما أقول، وحقيقة ما أخبركم به من أن المسرفين هم أصحاب النار. كما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ ، فقلت له: أو ذلك في الأخرة؟ قال: نعم. * * وقوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ يقول: وأسلم أمري إلى الله، وأجعله إليه وأتوكل عليه، فإنه الكافي من توكل عليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ قال: أجعل أمري إلى الله. * * وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ يقول: إن الله عالم بأمور عباده، ومن المطيع منهم، والعاصي له، والمستحق جميل الثواب، والمستوجب سيئ العقاب. * * وقوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ يقول تعالى ذكره: فدفع الله عن هذا المؤمن من آل فرعون بإيمانه وتصديق رسوله موسى، مكروه ما كان فرعون ينال به أهل الخلاف عليه من العذاب والبلاء، فنجاه منه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ قال: وكان قبطيا من قوم فرعون، فنجا مع موسى، قال: وذكر لنا أنه بين يدي موسى يومئذ يسير ويقول: أين أمرت يا نبيّ الله؟ فيقول: أمامك، فيقول له المؤمن: وهل أمامي إلا البحر؟ فيقول موسى: لا والله ما كَذبتُ ولا كُذبتُ، ثم يسير ساعة ويقول: أين أمرت يا نبيّ الله؟ فيقول: أمامك، فيقول: وهل أمامي إلا البحر، فيقول: لا والله ما كذبت، ولا كذبت، حتى أتى على البحر فضربه بعصاه، فانفلق اثني عشر طريقا، لكل سبط طريق. * * وقوله: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ يقول: وحل بآل فرعون ووجب عليهم؛ وعني بآل فرعون في هذا الموضع تباعه وأهل طاعته من قومه. كما:- ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ في قول الله: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ قال: قوم فرعون. وعني بقوله: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ : مأ ساءهم من عذاب الله، وذلك نار جهنم.

Al-Mukhtasar (français)

Ils refusèrent son conseil et il dit: Vous vous rappellerez du conseil que je vous prodigue et vous regretterez de ne pas l’avoir accepté. Je m’en remets en totalité à Allah Seul, Celui à qui rien des œuvres de Ses serviteurs n'échappe.

45

فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُوا۟ ۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرْعَوْنَ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ

Allah donc le protégea des méfaits de leurs ruses, alors que le pire châtiment cerna les gens de Pharaon:

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ لَهُمُ الْمُؤْمِنُ: مَا بَالِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ، وَهِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَتَصْدِيقُ رَسُولِهِ الَّذِي بَعَثَهُ ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ. تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أَيْ: جَهْلٌ [[في ت، أ: "على جهل".]] بِلَا دَلِيلٍ ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ أَيْ: هُوَ فِي عِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ يَغْفِرُ ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ، ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ يَقُولُ: حَقًّا. قَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَا جَرَمَ﴾ حَقًّا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿لَا جَرَمَ﴾ لَا كَذِبَ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا جَرَمَ﴾ يَقُولُ: بَلَى، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: الْوَثَنُ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي الْوَثَنَ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَا يُجِيبُ دَاعِيَهُ، لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٥، ٦] ، ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، فَيُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أَيْ: خَالِدِينَ فِيهَا بِإِسْرَافِهِمْ، وَهُوَ شِرْكُهُمْ بِاللَّهِ. ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ أَيْ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ صِدْقَ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَنَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، وَنَصَحْتُكُمْ وَوَضَّحْتُ لَكُمْ، وَتَتَذَكَّرُونَهُ، وَتَنْدَمُونَ حَيْثُ لَا يَنْفَعُكُمُ النَّدَمُ، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: وَأَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ وَأَسْتَعِينُهُ، وَأُقَاطِعُكُمْ وَأُبَاعِدُكُمْ، ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أَيْ: هُوَ بَصِيرٌ بِهِمْ، فَيَهْدِي مَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ، وَيُضِلُّ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْإِضْلَالَ، وَلَهُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحِكْمَةُ التَّامَّةُ، وَالْقَدَرُ النَّافِذُ. * * وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] : ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَنَجَّاهُ اللَّهُ مَعَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَبِالْجَنَّةِ ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ وَهُوَ: الْغَرَقُ فِي الْيَمِّ، ثُمَّ النَّقْلَةُ مِنْهُ إِلَى الْجَحِيمِ. فَإِنَّ أَرْوَاحَهُمْ تُعْرَضُ عَلَى النَّارِ صَبَاحًا وَمَسَاءً إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ اجْتَمَعَتْ أَرْوَاحُهُمْ وَأَجْسَادُهُمْ فِي النَّارِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ أَيْ: أَشَدَّهُ أَلَمًا وَأَعْظَمَهُ نَكَالًا. وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي اسْتِدْلَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى عَذَابِ الْبَرْزَخِ فِي الْقُبُورِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ . وَلَكِنَّ هَاهُنَا سُؤَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الْبَرْزَخِ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمٌ -هُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَبُو النَّضْرِ-حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ [[في أ: "سعد".]] -هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ-حَدَّثَنَا سَعِيدٌ -يَعْنِي أَبَاهُ-عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَخْدُمُهَا فَلَا تَصْنَعُ عَائِشَةُ إِلَيْهَا شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ إِلَّا قَالَتْ لَهَا الْيَهُودِيَّةُ: وَقَاكِ اللَّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ. قَالَتْ: فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيَّ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِلْقَبْرِ عَذَابٌ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "لَا وَعَمَّ ذَلِكَ؟ " قَالَتْ: هَذِهِ الْيَهُودِيَّةُ، لَا نَصْنَعُ إِلَيْهَا شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ إِلَّا قَالَتْ: وَقَاكِ اللَّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ. قَالَ: "كَذَبَتْ يَهُودُ [[في أ: "يهودية".]] . وَهُمْ عَلَى اللَّهِ أَكْذَبُ، لَا عَذَابَ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ". ثُمَّ مَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ، فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ نِصْفَ النَّهَارِ مُشْتَمِلًا بِثَوْبِهِ، مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ، وَهُوَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "الْقَبْرُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المظلمز أَيُّهَا النَّاسُ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَإِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ حَقٌّ" [[المسند (٦/٨١) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وَرَوَى أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ -قَالَ: سَأَلَتْهَا امْرَأَةٌ يَهُودِيَّةٌ فَأَعْطَتْهَا، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتِ لَهُ، فَقَالَ: "لَا". قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ: "وَإِنَّهُ أُوحِيَ إلي أنكم تفتنون في قبوركم". وَهَذَا أَيْضًا عَلَى شَرْطِهِمَا [[المسند (٦/٢٣٨) .]] . فَيُقَالُ: فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ كَوْنِ الْآيَةِ مَكِّيَّةً، وَفِيهَا الدَّلِيلُ عَلَى عَذَابِ الْبَرْزَخِ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى عَرْضِ الْأَرْوَاحِ إِلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا فِي الْبَرْزَخِ، وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى اتِّصَالِ تَأَلُّمِهَا بِأَجْسَادِهَا فِي الْقُبُورِ، إِذْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالرُّوحِ، فَأَمَّا حُصُولُ ذَلِكَ لِلْجَسَدِ وَتَأَلُّمُهُ بِسَبَبِهِ، فَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ إِلَّا السُّنَّةُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَرْضِيَّةِ الْآتِي ذِكْرُهَا. وَقَدْ يُقَالُ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَى عَذَابِ الْكُفَّارِ فِي الْبَرْزَخِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُعَذَّبَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ بِذَنْبٍ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَهِيَ تَقُولُ: أَشَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ؟ فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "إِنَّمَا يُفْتَنُ يَهُودُ" قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَشَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟ " وَقَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ وَحَرْمَلَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٦/٢٤٨) وصحيح مسلم برقم (٥٨٤) .]] . وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى عَذَابِ الْأَرْوَاحِ فِي الْبَرْزَخِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتَّصِلَ بِالْأَجْسَادِ فِي قُبُورِهَا، فَلَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِخُصُوصِيَّتِهِ اسْتَعَاذَ مِنْهُ، وَاللَّهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ [[في ت: "وقد روى البخاري بإسناده من عائشة".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ [[في ت: "القبور" وفي أ: "وقاك الله من عذاب القبر".]] . فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ [[في ت: "عائشة رضي الله عنها".]] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ". قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بعدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ [[صحيح البخاري برقم (١٣٧٢) .]] . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَادَرَ إِلَى تَصْدِيقِ الْيَهُودِيَّةِ فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَقَرَّرَ عَلَيْهِ. وَفِي الْأَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ: أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ حَتَّى جَاءَهُ الْوَحْيُ، فَلَعَلَّهُمَا قَضِيَّتَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَحَادِيثُ عَذَابِ الْقَبْرِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ صَبَاحًا وَمَسَاءً، مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، يُقَالُ لَهُمْ: يَا آلَ فِرْعَوْنَ، هَذِهِ مَنَازِلُكُمْ، تَوْبِيخًا وَنِقْمَةً وصَغَارا لَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمْ فِيهَا الْيَوْمَ يُغدَى بِهِمْ وَيُرَاحُ إلى أن تقوم الساعة. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَرْوَانَ، عَنْ هُذَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن ابن مسعود".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ بِهِمْ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءُوا، وَإِنَّ أَرْوَاحَ وِلْدَانِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَجْوَافِ عَصَافِيرَ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، فَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ فِي الْعَرْشِ، وَإِنَّ أَرْوَاحَ آلِ فِرْعَوْنَ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ سُودٍ تَغْدُو عَلَى جَهَنَّمَ وَتَرُوحُ عَلَيْهَا، فَذَلِكَ عَرْضُهَا. وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أبي قيس عن الهُزَيل ابن شُرَحْبِيلَ، مِنْ كَلَامِهِ فِي أَرْوَاحِ آلِ فِرْعَوْنَ. وَكَذَلِكَ قَالَ السُّدِّيُّ. وَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِيهِ: "ثُمَّ انْطُلِقَ بِي إِلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، رجالٌ كلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بَطْنُهُ مِثْلُ الْبَيْتِ الضَّخْمِ، مُصَفَّدُونَ عَلَى سَابِلَةِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَآلُ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا. ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وَآلُ فِرْعَوْنَ كَالْإِبِلِ الْمُسَوَّمَةِ [[في س: "المنسومة".]] يَخْبِطُونَ الْحِجَارَةَ وَالشَّجَرَ وَلَا يَعْقِلُونَ" [[انظر تخريج هذا الحديث عند تفسير الآية الأولى من سورة الإسراء.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أخْرَم، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ مُدْرِك الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا عُتْبَةُ -يَعْنِي ابْنَ يَقْظَانَ-عَنْ قَيْسِ بْنِ مسلم، عن طارق، عن [[في س: "ابن".]] شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا أَحْسَنَ مُحْسِنٌ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ إِلَّا أَثَابَهُ اللَّهُ". قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا إِثَابَةُ الْكَافِرِ؟ فَقَالَ: "إِنْ كَانَ قَدْ وَصَلَ رَحِمًا أَوْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ أَوْ عَمِلَ حَسَنَةً، أَثَابَهُ اللَّهُ الْمَالَ وَالْوَلَدَ وَالصِّحَّةَ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ". قُلْنَا: فَمَا إِثَابَتُهُ فِي الْآخِرَةِ؟ قَالَ: "عَذَابًا دُونَ الْعَذَابِ" وَقَرَأَ: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مَسْنَدِهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أخْرَم، ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُ لَهُ إِسْنَادًا غَيْرَ هَذَا [[مسند البزار برقم (٩٤٥) "كشف الأستار" ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٢٥٣) من طريق علي بن الحسين به، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وتعقبه الذهب. قلت: فيه عتبة بن يقظان وهو واه.]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي عُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ الْبَلْخِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده إلي".]] الْأَوْزَاعِيَّ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ. رَأَيْنَا طُيُورًا تَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ، تَأْخُذُ نَاحِيَةَ الْغَرْبِ بِيضًا، فَوْجًا فَوْجًا، لَا يَعْلَمُ عَدَدَهَا إِلَّا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا كَانَ الْعَشِيُّ رَجَعَ مِثْلُهَا سُودًا. قَالَ: وَفَطِنْتُمْ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّ تِلْكَ [[في ت: "ذلك".]] الطَّيْرَ فِي حَوَاصِلِهَا أَرْوَاحُ آلِ فِرْعَوْنَ، تُعْرَضُ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا، فَتَرْجِعُ إِلَى وُكُورِهَا وَقَدِ احْتَرَقَتْ ريَاشُها وَصَارَتْ سُودًا، فَيَنْبُتُ عَلَيْهَا مِنَ اللَّيْلِ رِيشٌ أَبْيَضُ، وَيَتَنَاثَرُ السُّودُ، ثُمَّ تَغْدُو عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى وُكُورِهَا. فَذَلِكَ دَأْبُهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ قَالَ: وكانوا يَقُولُونَ إِنَّهُمْ سِتُّمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ [[تفسير الطبري (٢٤/٤٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ [[في أ: "ابن عمر رضي الله عنهما".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ [[المسند (٢/١١٣) وصحيح البخاري برقم (١٣٧٩) وصحيح مسلم برقم (٢٨٦٦) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وقومه: فستذكرون أيها القوم إذا عاينتم عقاب الله قد حل بكم، ولقيتم ما لقيتموه صدق ما أقول، وحقيقة ما أخبركم به من أن المسرفين هم أصحاب النار. كما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ ، فقلت له: أو ذلك في الأخرة؟ قال: نعم. * * وقوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ يقول: وأسلم أمري إلى الله، وأجعله إليه وأتوكل عليه، فإنه الكافي من توكل عليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ قال: أجعل أمري إلى الله. * * وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ يقول: إن الله عالم بأمور عباده، ومن المطيع منهم، والعاصي له، والمستحق جميل الثواب، والمستوجب سيئ العقاب. * * وقوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ يقول تعالى ذكره: فدفع الله عن هذا المؤمن من آل فرعون بإيمانه وتصديق رسوله موسى، مكروه ما كان فرعون ينال به أهل الخلاف عليه من العذاب والبلاء، فنجاه منه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ قال: وكان قبطيا من قوم فرعون، فنجا مع موسى، قال: وذكر لنا أنه بين يدي موسى يومئذ يسير ويقول: أين أمرت يا نبيّ الله؟ فيقول: أمامك، فيقول له المؤمن: وهل أمامي إلا البحر؟ فيقول موسى: لا والله ما كَذبتُ ولا كُذبتُ، ثم يسير ساعة ويقول: أين أمرت يا نبيّ الله؟ فيقول: أمامك، فيقول: وهل أمامي إلا البحر، فيقول: لا والله ما كذبت، ولا كذبت، حتى أتى على البحر فضربه بعصاه، فانفلق اثني عشر طريقا، لكل سبط طريق. * * وقوله: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ يقول: وحل بآل فرعون ووجب عليهم؛ وعني بآل فرعون في هذا الموضع تباعه وأهل طاعته من قومه. كما:- ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ في قول الله: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ قال: قوم فرعون. وعني بقوله: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ : مأ ساءهم من عذاب الله، وذلك نار جهنم.

Al-Mukhtasar (français)

Allah le préserva alors du mal qu’ils ourdissaient contre lui lorsqu’ils projetèrent de le tuer et le châtiment de la noyade cerna les gens de Pharaon. En effet, Allah le noya lui et ses soldats en guise de châtiment dans le bas monde.

46

ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّۭا وَعَشِيًّۭا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ

le Feu, auquel ils sont exposés matin et soir. Et le jour où l'Heure arrivera (il sera dit): «Faites entrer les gens de Pharaon au plus dur du châtiment».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ لَهُمُ الْمُؤْمِنُ: مَا بَالِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ، وَهِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَتَصْدِيقُ رَسُولِهِ الَّذِي بَعَثَهُ ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ. تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أَيْ: جَهْلٌ [[في ت، أ: "على جهل".]] بِلَا دَلِيلٍ ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ أَيْ: هُوَ فِي عِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ يَغْفِرُ ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ، ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ يَقُولُ: حَقًّا. قَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَا جَرَمَ﴾ حَقًّا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿لَا جَرَمَ﴾ لَا كَذِبَ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا جَرَمَ﴾ يَقُولُ: بَلَى، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: الْوَثَنُ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي الْوَثَنَ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَا يُجِيبُ دَاعِيَهُ، لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٥، ٦] ، ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، فَيُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أَيْ: خَالِدِينَ فِيهَا بِإِسْرَافِهِمْ، وَهُوَ شِرْكُهُمْ بِاللَّهِ. ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ أَيْ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ صِدْقَ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَنَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، وَنَصَحْتُكُمْ وَوَضَّحْتُ لَكُمْ، وَتَتَذَكَّرُونَهُ، وَتَنْدَمُونَ حَيْثُ لَا يَنْفَعُكُمُ النَّدَمُ، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: وَأَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ وَأَسْتَعِينُهُ، وَأُقَاطِعُكُمْ وَأُبَاعِدُكُمْ، ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أَيْ: هُوَ بَصِيرٌ بِهِمْ، فَيَهْدِي مَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ، وَيُضِلُّ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْإِضْلَالَ، وَلَهُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحِكْمَةُ التَّامَّةُ، وَالْقَدَرُ النَّافِذُ. * * وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] : ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَنَجَّاهُ اللَّهُ مَعَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَبِالْجَنَّةِ ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ وَهُوَ: الْغَرَقُ فِي الْيَمِّ، ثُمَّ النَّقْلَةُ مِنْهُ إِلَى الْجَحِيمِ. فَإِنَّ أَرْوَاحَهُمْ تُعْرَضُ عَلَى النَّارِ صَبَاحًا وَمَسَاءً إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ اجْتَمَعَتْ أَرْوَاحُهُمْ وَأَجْسَادُهُمْ فِي النَّارِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ أَيْ: أَشَدَّهُ أَلَمًا وَأَعْظَمَهُ نَكَالًا. وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي اسْتِدْلَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى عَذَابِ الْبَرْزَخِ فِي الْقُبُورِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ . وَلَكِنَّ هَاهُنَا سُؤَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الْبَرْزَخِ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمٌ -هُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَبُو النَّضْرِ-حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ [[في أ: "سعد".]] -هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ-حَدَّثَنَا سَعِيدٌ -يَعْنِي أَبَاهُ-عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَخْدُمُهَا فَلَا تَصْنَعُ عَائِشَةُ إِلَيْهَا شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ إِلَّا قَالَتْ لَهَا الْيَهُودِيَّةُ: وَقَاكِ اللَّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ. قَالَتْ: فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيَّ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِلْقَبْرِ عَذَابٌ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "لَا وَعَمَّ ذَلِكَ؟ " قَالَتْ: هَذِهِ الْيَهُودِيَّةُ، لَا نَصْنَعُ إِلَيْهَا شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ إِلَّا قَالَتْ: وَقَاكِ اللَّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ. قَالَ: "كَذَبَتْ يَهُودُ [[في أ: "يهودية".]] . وَهُمْ عَلَى اللَّهِ أَكْذَبُ، لَا عَذَابَ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ". ثُمَّ مَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ، فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ نِصْفَ النَّهَارِ مُشْتَمِلًا بِثَوْبِهِ، مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ، وَهُوَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "الْقَبْرُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المظلمز أَيُّهَا النَّاسُ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَإِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ حَقٌّ" [[المسند (٦/٨١) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وَرَوَى أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ -قَالَ: سَأَلَتْهَا امْرَأَةٌ يَهُودِيَّةٌ فَأَعْطَتْهَا، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتِ لَهُ، فَقَالَ: "لَا". قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ: "وَإِنَّهُ أُوحِيَ إلي أنكم تفتنون في قبوركم". وَهَذَا أَيْضًا عَلَى شَرْطِهِمَا [[المسند (٦/٢٣٨) .]] . فَيُقَالُ: فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ كَوْنِ الْآيَةِ مَكِّيَّةً، وَفِيهَا الدَّلِيلُ عَلَى عَذَابِ الْبَرْزَخِ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى عَرْضِ الْأَرْوَاحِ إِلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا فِي الْبَرْزَخِ، وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى اتِّصَالِ تَأَلُّمِهَا بِأَجْسَادِهَا فِي الْقُبُورِ، إِذْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالرُّوحِ، فَأَمَّا حُصُولُ ذَلِكَ لِلْجَسَدِ وَتَأَلُّمُهُ بِسَبَبِهِ، فَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ إِلَّا السُّنَّةُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَرْضِيَّةِ الْآتِي ذِكْرُهَا. وَقَدْ يُقَالُ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَى عَذَابِ الْكُفَّارِ فِي الْبَرْزَخِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُعَذَّبَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ بِذَنْبٍ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَهِيَ تَقُولُ: أَشَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ؟ فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "إِنَّمَا يُفْتَنُ يَهُودُ" قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَشَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟ " وَقَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ وَحَرْمَلَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٦/٢٤٨) وصحيح مسلم برقم (٥٨٤) .]] . وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى عَذَابِ الْأَرْوَاحِ فِي الْبَرْزَخِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتَّصِلَ بِالْأَجْسَادِ فِي قُبُورِهَا، فَلَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِخُصُوصِيَّتِهِ اسْتَعَاذَ مِنْهُ، وَاللَّهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ [[في ت: "وقد روى البخاري بإسناده من عائشة".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ [[في ت: "القبور" وفي أ: "وقاك الله من عذاب القبر".]] . فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ [[في ت: "عائشة رضي الله عنها".]] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ". قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بعدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ [[صحيح البخاري برقم (١٣٧٢) .]] . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَادَرَ إِلَى تَصْدِيقِ الْيَهُودِيَّةِ فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَقَرَّرَ عَلَيْهِ. وَفِي الْأَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ: أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ حَتَّى جَاءَهُ الْوَحْيُ، فَلَعَلَّهُمَا قَضِيَّتَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَحَادِيثُ عَذَابِ الْقَبْرِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ صَبَاحًا وَمَسَاءً، مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، يُقَالُ لَهُمْ: يَا آلَ فِرْعَوْنَ، هَذِهِ مَنَازِلُكُمْ، تَوْبِيخًا وَنِقْمَةً وصَغَارا لَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمْ فِيهَا الْيَوْمَ يُغدَى بِهِمْ وَيُرَاحُ إلى أن تقوم الساعة. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَرْوَانَ، عَنْ هُذَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن ابن مسعود".]] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ بِهِمْ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءُوا، وَإِنَّ أَرْوَاحَ وِلْدَانِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَجْوَافِ عَصَافِيرَ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، فَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ فِي الْعَرْشِ، وَإِنَّ أَرْوَاحَ آلِ فِرْعَوْنَ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ سُودٍ تَغْدُو عَلَى جَهَنَّمَ وَتَرُوحُ عَلَيْهَا، فَذَلِكَ عَرْضُهَا. وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أبي قيس عن الهُزَيل ابن شُرَحْبِيلَ، مِنْ كَلَامِهِ فِي أَرْوَاحِ آلِ فِرْعَوْنَ. وَكَذَلِكَ قَالَ السُّدِّيُّ. وَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِيهِ: "ثُمَّ انْطُلِقَ بِي إِلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، رجالٌ كلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بَطْنُهُ مِثْلُ الْبَيْتِ الضَّخْمِ، مُصَفَّدُونَ عَلَى سَابِلَةِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَآلُ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا. ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وَآلُ فِرْعَوْنَ كَالْإِبِلِ الْمُسَوَّمَةِ [[في س: "المنسومة".]] يَخْبِطُونَ الْحِجَارَةَ وَالشَّجَرَ وَلَا يَعْقِلُونَ" [[انظر تخريج هذا الحديث عند تفسير الآية الأولى من سورة الإسراء.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أخْرَم، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ مُدْرِك الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا عُتْبَةُ -يَعْنِي ابْنَ يَقْظَانَ-عَنْ قَيْسِ بْنِ مسلم، عن طارق، عن [[في س: "ابن".]] شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا أَحْسَنَ مُحْسِنٌ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ إِلَّا أَثَابَهُ اللَّهُ". قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا إِثَابَةُ الْكَافِرِ؟ فَقَالَ: "إِنْ كَانَ قَدْ وَصَلَ رَحِمًا أَوْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ أَوْ عَمِلَ حَسَنَةً، أَثَابَهُ اللَّهُ الْمَالَ وَالْوَلَدَ وَالصِّحَّةَ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ". قُلْنَا: فَمَا إِثَابَتُهُ فِي الْآخِرَةِ؟ قَالَ: "عَذَابًا دُونَ الْعَذَابِ" وَقَرَأَ: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مَسْنَدِهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أخْرَم، ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُ لَهُ إِسْنَادًا غَيْرَ هَذَا [[مسند البزار برقم (٩٤٥) "كشف الأستار" ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٢٥٣) من طريق علي بن الحسين به، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وتعقبه الذهب. قلت: فيه عتبة بن يقظان وهو واه.]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي عُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ الْبَلْخِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده إلي".]] الْأَوْزَاعِيَّ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ. رَأَيْنَا طُيُورًا تَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ، تَأْخُذُ نَاحِيَةَ الْغَرْبِ بِيضًا، فَوْجًا فَوْجًا، لَا يَعْلَمُ عَدَدَهَا إِلَّا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا كَانَ الْعَشِيُّ رَجَعَ مِثْلُهَا سُودًا. قَالَ: وَفَطِنْتُمْ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّ تِلْكَ [[في ت: "ذلك".]] الطَّيْرَ فِي حَوَاصِلِهَا أَرْوَاحُ آلِ فِرْعَوْنَ، تُعْرَضُ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا، فَتَرْجِعُ إِلَى وُكُورِهَا وَقَدِ احْتَرَقَتْ ريَاشُها وَصَارَتْ سُودًا، فَيَنْبُتُ عَلَيْهَا مِنَ اللَّيْلِ رِيشٌ أَبْيَضُ، وَيَتَنَاثَرُ السُّودُ، ثُمَّ تَغْدُو عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى وُكُورِهَا. فَذَلِكَ دَأْبُهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ قَالَ: وكانوا يَقُولُونَ إِنَّهُمْ سِتُّمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ [[تفسير الطبري (٢٤/٤٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ [[في أ: "ابن عمر رضي الله عنهما".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِهِ [[المسند (٢/١١٣) وصحيح البخاري برقم (١٣٧٩) وصحيح مسلم برقم (٢٨٦٦) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦) ﴾ يقول تعالى ذكره مبيِّنا عن سوء العذاب الذي حلّ بهؤلاء الأشقياء من قوم فرعون ذلك الذي حاق بهم من سوء عذاب الله ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ إنهم لما هلكوا وغرقهم الله، جعلت أرواحهم في أجواف طير سود، فهي تعرض على النار كلّ يوم مرتين ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ إلى أن تقوم الساعة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي قيس، عن الهذيل بن شرحبيل، قال: أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدو وتروح على النار، وذلك عرضها. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: بلغني أن أرواح قوم فرعون في أجواف طير سود تعرض على النار غدوّا وعشيًّا، حتى تقوم الساعة. ⁕ حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، قال: ثنا حماد بن محمد الفزاري البلخي، قال: سمعت الأوزاعيّ وسأله رجل فقال: رحمك الله، رأينا طيورا تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب بيضا، فوجا فوحا، لا يعلم عددها إلا الله، فإذا كان العشيّ رجع مثلُها سُودا، قال: وفطنتم إلى ذلك؟ قالوا: نعم، قال: إن تلك الطيور في حواصلها أرواح آل فرعون يُعرضون على النار غدوّا وعشيًّا، فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها، وصارت سوداء، فتنبت عليها من الليل رياض بيض، وتتناثر السود، ثم تغدو، ويُعرضون على النار غدوّا وعشيا، ثم ترجع إلى وكورها، فذلك دَأبُها في الدنيا؛ فإذا كان يوم القيامة، قال الله ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ قالوا: وكانوا يقولون: إنهم ستّ مئة ألف مقاتل. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني حرملة، عن سليمان بن حميد، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: ليس في الآخرة ليل ولا نصف نهار، وإنما هو بُكرة وعشيّ، وذلك في القرآن في آل فرعون ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ وكذلك قال لأهل الجنة ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ . وقيل: عنى بذلك: أنهم يعرضون على منازلهم في النار تعذيبا لهم غدوّا وعشيّا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ قال: يعرضون عليها صباحا ومساء، يقال لهم: يا آل فرعون هذه منازلكم، توبيخا ونقمة وصغارا لهم. ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ قال: ما كانت الدنيا. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أن آل فرعون يعرضون على النار غدوّا وعشيّا. وجائز أن يكون ذلك العرض على النار على نحو ما ذكرناه عن الهذيل ومن قال مثل قوله، وأن يكون كما قال قتادة، ولا خبر يوجب الحجة بأن ذلك المعني به، فلا في ذلك إلا ما دل عليه ظاهر القرآن، وهم أنهم يعرضون على النار غدوا وعشيا، وأصل الغدو والعشي مصادر جعلت أوقاتا. وكان بعض نحويي البصرة يقول في ذلك: إنما هو مصدر، كما تقول: أتيته ظلاما؛ جعله ظرفا وهو مصدر. قال: ولو قلت: موعدك غدوة، أو موعدك ظلام، فرفعته، كما تقول: موعدك يوم الجمعة، لم يحسن، لأن هذه المصادر وما أشبهها من نحو سحر لا تجعل إلا ظرفا؛ قال: والظرف كله ليس بمتمكن؛ وقال نحويو الكوفة: لم يسمع في هذه الأوقات، وإن كانت مصادر، إلا التعريب: موعدك يوم موعدك صباح ورواح، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ فرفع، وذكروا أنهم سمعوا: إنما الطيلسان شهران [[الطيلسان: شيء كان يضعه العلماء والكبراء حول أعناقهم وعلى أكتافهم اتقاء البرد. يريد أن مدة لبس الطيلسان شهران.]] قالوا: ولم يسمع في الأوقات النكرات إلا الرفع إلا قولهم: إنما سخاؤك أحيانا، وقالوا: إنما جاز ذلك لأنه بمعنى: إنما سخاؤك الحين بعد الحين، فلما كان تأويله الإضافة نصب. * * وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك فقرأته عامة قرّاء أهل الحجاز والعراق سوى عاصم وأبي عمرو ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ بفتح الألف من أدخلوا في الوصل والقطع بمعنى: الأمر بإدخالهم النار. وإذا قُرئ ذلك كذلك، كان الآل نصبا بوقوع أدخلوا عليه، وقرأ ذلك عاصم وأبو عمرو:"وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أُدْخِلُوا" بوصل الألف وسقوطها في الوصل من اللفظ، وبضمها إذا ابتدئ بعد الوقف على الساعة، ومن قرأ ذلك كذلك، كان الآل على قراءته نصبا بالنداء، لأن معنى الكلام على قراءته: ادخلوا يا آل فرعون أشدّ العذاب. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال إنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. فمعنى الكلام إذن: ويوم تقوم الساعة يقال لآل فرعون: ادخلوا يا آل فرعون أشدّ العذاب، فهذا على قراءة من وصل الألف من ادخلوا ولم يقطع، ومعناه على القراءة الأخرى، ويوم تقوم الساعة يقول الله لملائكته ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Puis après leur mort, ils seront exposés au Feu dans leur tombe en début et en fin de journée et le Jour de la Résurrection, on dira: Faites entrer les adeptes de Pharaon dans le plus sévère et le plus terrible des châtiments pour leur mécréance, leur démenti et leur détournement des gens du chemin d’Allah.

47

وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِى ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًۭا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلنَّارِ

Et quand ils se disputeront dans le Feu, les faibles diront à ceux qui s'enflaient d'orgueil: «Nous vous avions suivis: pourriez-vous nous préserver d'une partie du feu?»

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَحَاجِّ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ، وَتَخَاصُمِهِمْ، وَفِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ مَنْ جُمْلَتِهِمْ ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ﴾ وَهُمُ: الْأَتْبَاعُ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وَهُمُ: الْقَادَةُ وَالسَّادَةُ وَالْكُبَرَاءُ: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ أَيْ: أَطَعْنَاكُمْ فِيمَا دَعَوْتُمُونَا إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ أَيْ: قِسْطًا تَتَحَمَّلُونَهُ عَنَّا. ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ أَيْ: لَا نَتَحَمَّلُ عَنْكُمْ شَيْئًا، كَفَى بِنَا مَا عِنْدَنَا، وَمَا حَمَلْنَا مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ. ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ أَيْ: يَقْسِمُ [[في ت: "فقسم".]] بَيْنَنَا الْعَذَابَ بِقَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ كُلٌّ مِنَّا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] . ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ، سُبْحَانَهُ، لَا يَسْتَجِيبُ مِنْهُمْ وَلَا يَسْتَمِعُ لِدُعَائِهِمْ، بَلْ قَدْ قال: ﴿اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ:١٠٨] سَأَلُوا الْخَزَنَةَ -وَهُمْ كَالْبَوَّابِينَ [[في ت، أ: "كالسجانين".]] لِأَهْلِ النَّارِ-أَنْ يَدْعُوا لَهُمُ اللَّهَ أَنْ يُخَفِّفَ عَنِ الْكَافِرِينَ وَلَوْ يَوْمًا وَاحِدًا مِنَ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ لَهُمُ الْخَزَنَةُ رَادِّينَ عَلَيْهِمْ:: ﴿أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَيْ: أَوَمَا قَامَتْ عَلَيْكُمُ الْحُجَجُ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ؟ ﴿قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾ أَيْ: أَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، فَنَحْنُ لَا نَدْعُو لَكُمْ وَلَا نَسْمَعُ مِنْكُمْ وَلَا نَوَدُّ خَلَاصَكُمْ، وَنَحْنُ مِنْكُمْ بَرَآءُ، ثُمَّ نُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ سَوَاءٌ دَعَوْتُمْ أَوْ لَمْ تَدْعُوا لَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْكُمْ؛ وَلِهَذَا قَالُوا [[في ت: "قال".]] : ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ أَيْ: إِلَّا مِنْ ذَهَابٍ، لَا يُتَقَبَّلُ وَلَا يستجاب.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ ، ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ يقول: وإذ يتخاصمون في النار. وعنى بذلك: إذ يتخاصم الذين أمر رسول الله ﷺ بإنذارهم من مشركي قومه في النار، فيقول الضعفاء منهم وهم المتبعون على الشرك بالله ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ تقول لرؤسائهم الذين اتبعوهم على الضلالة: إنا كنا لكم في الدنيا تبعا على الكفر بالله ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ﴾ اليوم ﴿عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ يعنون حظا فتخففوه عنا، فقد كنا نسارع في محبتكم في الدنيا، ومن قبلكم أتينا، لولا أنتم لكنا في الدنيا مؤمنين، فلم يصبنا اليوم هذا البلاء؛ والتبع يكون واحدا وجماعة في قول بعض نحويي البصرة، وفي قول بعض نحويي الكوفة جمع لا واحد له، لأنه كالمصدر. قال: وإن شئت كان واحده تابع، فيكون مثل خائل وخول، وغائب وغيب. والصواب من القول في ذلك عندي أنه جمع واحده. تابع، وقد يجوز أن يكون واحدا فيكون جمعه أتباع. فأجابهم المتبوعون بما أخبر الله عنهم؛ قال الذين استكبروا، وهم الرؤساء المتبوعون على الضلالة في الدنيا: إنا أيها القوم وأنتم كلنا في هذه النار مخلدون، لا خلاص لنا منها ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ بفصل قضائه، فأسكن أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فلا نحن مما نحن فيه من البلاء خارجون، ولا هم مما فيه من النعيم منتقلون، ورفع قوله ﴿كُلّ﴾ بقوله ﴿فِيهَا﴾ ولم ينصب على النعت. وقد اختلف في جواز النصب في ذلك في الكلام. وكان بعض نحويي البصرة يقول: إذا لم يضف"كلّ" لم يجز الاتباع. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: ذلك جائز في الحذف وغير الحذف، لأن أسماءها إذا حُذفت اكتفي بها منها. وقد بيَّنا الصواب من القول في ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, rappelle-toi que les suiveurs et les meneurs se querelleront dans le Feu. Les suiveurs faibles diront aux meneurs arrogants: Dans le bas monde, nous vous suivions dans l’égarement. Allez-vous donc subir à notre place une part du châtiment d’Allah?

48

قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُلٌّۭ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ

Et ceux qui s'enflaient d'orgueil diront: «En vérité, nous y voilà tous». Allah a déjà rendu son jugement entre les serviteurs.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَحَاجِّ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ، وَتَخَاصُمِهِمْ، وَفِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ مَنْ جُمْلَتِهِمْ ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ﴾ وَهُمُ: الْأَتْبَاعُ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وَهُمُ: الْقَادَةُ وَالسَّادَةُ وَالْكُبَرَاءُ: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ أَيْ: أَطَعْنَاكُمْ فِيمَا دَعَوْتُمُونَا إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ أَيْ: قِسْطًا تَتَحَمَّلُونَهُ عَنَّا. ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ أَيْ: لَا نَتَحَمَّلُ عَنْكُمْ شَيْئًا، كَفَى بِنَا مَا عِنْدَنَا، وَمَا حَمَلْنَا مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ. ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ أَيْ: يَقْسِمُ [[في ت: "فقسم".]] بَيْنَنَا الْعَذَابَ بِقَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ كُلٌّ مِنَّا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] . ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ، سُبْحَانَهُ، لَا يَسْتَجِيبُ مِنْهُمْ وَلَا يَسْتَمِعُ لِدُعَائِهِمْ، بَلْ قَدْ قال: ﴿اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ:١٠٨] سَأَلُوا الْخَزَنَةَ -وَهُمْ كَالْبَوَّابِينَ [[في ت، أ: "كالسجانين".]] لِأَهْلِ النَّارِ-أَنْ يَدْعُوا لَهُمُ اللَّهَ أَنْ يُخَفِّفَ عَنِ الْكَافِرِينَ وَلَوْ يَوْمًا وَاحِدًا مِنَ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ لَهُمُ الْخَزَنَةُ رَادِّينَ عَلَيْهِمْ:: ﴿أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَيْ: أَوَمَا قَامَتْ عَلَيْكُمُ الْحُجَجُ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ؟ ﴿قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾ أَيْ: أَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، فَنَحْنُ لَا نَدْعُو لَكُمْ وَلَا نَسْمَعُ مِنْكُمْ وَلَا نَوَدُّ خَلَاصَكُمْ، وَنَحْنُ مِنْكُمْ بَرَآءُ، ثُمَّ نُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ سَوَاءٌ دَعَوْتُمْ أَوْ لَمْ تَدْعُوا لَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْكُمْ؛ وَلِهَذَا قَالُوا [[في ت: "قال".]] : ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ أَيْ: إِلَّا مِنْ ذَهَابٍ، لَا يُتَقَبَّلُ وَلَا يستجاب.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ ، ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ يقول: وإذ يتخاصمون في النار. وعنى بذلك: إذ يتخاصم الذين أمر رسول الله ﷺ بإنذارهم من مشركي قومه في النار، فيقول الضعفاء منهم وهم المتبعون على الشرك بالله ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ تقول لرؤسائهم الذين اتبعوهم على الضلالة: إنا كنا لكم في الدنيا تبعا على الكفر بالله ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ﴾ اليوم ﴿عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ يعنون حظا فتخففوه عنا، فقد كنا نسارع في محبتكم في الدنيا، ومن قبلكم أتينا، لولا أنتم لكنا في الدنيا مؤمنين، فلم يصبنا اليوم هذا البلاء؛ والتبع يكون واحدا وجماعة في قول بعض نحويي البصرة، وفي قول بعض نحويي الكوفة جمع لا واحد له، لأنه كالمصدر. قال: وإن شئت كان واحده تابع، فيكون مثل خائل وخول، وغائب وغيب. والصواب من القول في ذلك عندي أنه جمع واحده. تابع، وقد يجوز أن يكون واحدا فيكون جمعه أتباع. فأجابهم المتبوعون بما أخبر الله عنهم؛ قال الذين استكبروا، وهم الرؤساء المتبوعون على الضلالة في الدنيا: إنا أيها القوم وأنتم كلنا في هذه النار مخلدون، لا خلاص لنا منها ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ بفصل قضائه، فأسكن أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فلا نحن مما نحن فيه من البلاء خارجون، ولا هم مما فيه من النعيم منتقلون، ورفع قوله ﴿كُلّ﴾ بقوله ﴿فِيهَا﴾ ولم ينصب على النعت. وقد اختلف في جواز النصب في ذلك في الكلام. وكان بعض نحويي البصرة يقول: إذا لم يضف"كلّ" لم يجز الاتباع. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: ذلك جائز في الحذف وغير الحذف، لأن أسماءها إذا حُذفت اكتفي بها منها. وقد بيَّنا الصواب من القول في ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته.

Al-Mukhtasar (français)

Les meneurs arrogants diront: Nous tous, meneurs et suiveurs, irons en Enfer et personne d’entre nous ne subira une part du châtiment de quelqu’un d’autre. Allah a jugé entre les serviteurs et a alloué à chacun la part de châtiment qu’il mérite.

49

وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًۭا مِّنَ ٱلْعَذَابِ

Et ceux qui seront dans le Feu diront aux gardiens de l'Enfer: «Priez votre Seigneur de nous alléger un jour de [notre] supplice».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَحَاجِّ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ، وَتَخَاصُمِهِمْ، وَفِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ مَنْ جُمْلَتِهِمْ ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ﴾ وَهُمُ: الْأَتْبَاعُ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وَهُمُ: الْقَادَةُ وَالسَّادَةُ وَالْكُبَرَاءُ: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ أَيْ: أَطَعْنَاكُمْ فِيمَا دَعَوْتُمُونَا إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ أَيْ: قِسْطًا تَتَحَمَّلُونَهُ عَنَّا. ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ أَيْ: لَا نَتَحَمَّلُ عَنْكُمْ شَيْئًا، كَفَى بِنَا مَا عِنْدَنَا، وَمَا حَمَلْنَا مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ. ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ أَيْ: يَقْسِمُ [[في ت: "فقسم".]] بَيْنَنَا الْعَذَابَ بِقَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ كُلٌّ مِنَّا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] . ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ، سُبْحَانَهُ، لَا يَسْتَجِيبُ مِنْهُمْ وَلَا يَسْتَمِعُ لِدُعَائِهِمْ، بَلْ قَدْ قال: ﴿اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ:١٠٨] سَأَلُوا الْخَزَنَةَ -وَهُمْ كَالْبَوَّابِينَ [[في ت، أ: "كالسجانين".]] لِأَهْلِ النَّارِ-أَنْ يَدْعُوا لَهُمُ اللَّهَ أَنْ يُخَفِّفَ عَنِ الْكَافِرِينَ وَلَوْ يَوْمًا وَاحِدًا مِنَ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ لَهُمُ الْخَزَنَةُ رَادِّينَ عَلَيْهِمْ:: ﴿أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَيْ: أَوَمَا قَامَتْ عَلَيْكُمُ الْحُجَجُ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ؟ ﴿قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾ أَيْ: أَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، فَنَحْنُ لَا نَدْعُو لَكُمْ وَلَا نَسْمَعُ مِنْكُمْ وَلَا نَوَدُّ خَلَاصَكُمْ، وَنَحْنُ مِنْكُمْ بَرَآءُ، ثُمَّ نُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ سَوَاءٌ دَعَوْتُمْ أَوْ لَمْ تَدْعُوا لَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْكُمْ؛ وَلِهَذَا قَالُوا [[في ت: "قال".]] : ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ أَيْ: إِلَّا مِنْ ذَهَابٍ، لَا يُتَقَبَّلُ وَلَا يستجاب.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ (٥٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: وقال أهل جهنم لخزنتها وقوّامها، استغاثة بهم من عظيم ما هم فيه من البلاء، ورجاء أن يجدوا من عندهم فرجا ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ لنا ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا﴾ واحدا، يعني قدر يوم واحد من أيام الدنيا ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ الذي نحن فيه. وإنما قلنا: معنى ذلك: قدر يوم من أيام الدنيا، لأن الآخرة يوم لا ليل فيه، فيقال: خفف عنهم يوما واحدا. * * وقوله: ﴿قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يقول تعالى ذكره: قالت خزنة جهنم لهم: أو لم تك تأتيكم في الدنيا رسلكم بالبيّنات من الحجج على توحيد الله، فتوحدوه وتؤمنوا به، وتتبرّءوا مما دونه من الآلهة؟ قالوا: بلى، قد أتتنا رسلنا بذلك. * * وقوله: ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ يقول جلّ ثناؤه: قالت الخزنة لهم: فادعوا إذن ربكم الذي أتتكم الرسل بالدعاء إلى الإيمان به. * * وقوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ يقول: قد دعوا وما دعاؤهم إلا في ضلال، لأنه دعاء لا ينفعهم، ولا يستجاب لهم، بل يقال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Les suiveurs et les meneurs suppliciés dans le Feu diront aux anges présents en Enfer, lorsqu’ils désespèreront d’en sortir et de retourner dans le bas monde afin de se repentir: Invoquez votre Seigneur afin qu’Il allège ce châtiment permanent ne serais-ce que d’un jour.

50

قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۚ قَالُوا۟ فَٱدْعُوا۟ ۗ وَمَا دُعَٰٓؤُا۟ ٱلْكَٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍ

Ils diront: «vos Messagers, ne vous apportaient-ils pas les preuves évidentes?» Ils diront: «Si»! Ils [les gardiens] diront: «Eh bien, priez» ! Et l'invocation des mécréants n'est qu'aberration.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَحَاجِّ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ، وَتَخَاصُمِهِمْ، وَفِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ مَنْ جُمْلَتِهِمْ ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ﴾ وَهُمُ: الْأَتْبَاعُ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وَهُمُ: الْقَادَةُ وَالسَّادَةُ وَالْكُبَرَاءُ: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ أَيْ: أَطَعْنَاكُمْ فِيمَا دَعَوْتُمُونَا إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ أَيْ: قِسْطًا تَتَحَمَّلُونَهُ عَنَّا. ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ أَيْ: لَا نَتَحَمَّلُ عَنْكُمْ شَيْئًا، كَفَى بِنَا مَا عِنْدَنَا، وَمَا حَمَلْنَا مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ. ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ أَيْ: يَقْسِمُ [[في ت: "فقسم".]] بَيْنَنَا الْعَذَابَ بِقَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ كُلٌّ مِنَّا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] . ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ، سُبْحَانَهُ، لَا يَسْتَجِيبُ مِنْهُمْ وَلَا يَسْتَمِعُ لِدُعَائِهِمْ، بَلْ قَدْ قال: ﴿اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ:١٠٨] سَأَلُوا الْخَزَنَةَ -وَهُمْ كَالْبَوَّابِينَ [[في ت، أ: "كالسجانين".]] لِأَهْلِ النَّارِ-أَنْ يَدْعُوا لَهُمُ اللَّهَ أَنْ يُخَفِّفَ عَنِ الْكَافِرِينَ وَلَوْ يَوْمًا وَاحِدًا مِنَ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ لَهُمُ الْخَزَنَةُ رَادِّينَ عَلَيْهِمْ:: ﴿أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَيْ: أَوَمَا قَامَتْ عَلَيْكُمُ الْحُجَجُ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ؟ ﴿قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾ أَيْ: أَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، فَنَحْنُ لَا نَدْعُو لَكُمْ وَلَا نَسْمَعُ مِنْكُمْ وَلَا نَوَدُّ خَلَاصَكُمْ، وَنَحْنُ مِنْكُمْ بَرَآءُ، ثُمَّ نُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ سَوَاءٌ دَعَوْتُمْ أَوْ لَمْ تَدْعُوا لَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْكُمْ؛ وَلِهَذَا قَالُوا [[في ت: "قال".]] : ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ أَيْ: إِلَّا مِنْ ذَهَابٍ، لَا يُتَقَبَّلُ وَلَا يستجاب.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ (٥٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: وقال أهل جهنم لخزنتها وقوّامها، استغاثة بهم من عظيم ما هم فيه من البلاء، ورجاء أن يجدوا من عندهم فرجا ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ لنا ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا﴾ واحدا، يعني قدر يوم واحد من أيام الدنيا ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ الذي نحن فيه. وإنما قلنا: معنى ذلك: قدر يوم من أيام الدنيا، لأن الآخرة يوم لا ليل فيه، فيقال: خفف عنهم يوما واحدا. * * وقوله: ﴿قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يقول تعالى ذكره: قالت خزنة جهنم لهم: أو لم تك تأتيكم في الدنيا رسلكم بالبيّنات من الحجج على توحيد الله، فتوحدوه وتؤمنوا به، وتتبرّءوا مما دونه من الآلهة؟ قالوا: بلى، قد أتتنا رسلنا بذلك. * * وقوله: ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ يقول جلّ ثناؤه: قالت الخزنة لهم: فادعوا إذن ربكم الذي أتتكم الرسل بالدعاء إلى الإيمان به. * * وقوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ يقول: قد دعوا وما دعاؤهم إلا في ضلال، لأنه دعاء لا ينفعهم، ولا يستجاب لهم، بل يقال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Les gardiens de l’Enfer répondront aux mécréants: Vos messagers ne vous apportaient-ils pas des preuves claires et évidentes? Les mécréants répondront: Si, ils nous ont bien apporté des preuves claires et évidentes. Les gardiens leur diront alors d’un ton railleur: Invoquez donc par vous-mêmes car nous n’intercédons pas en faveur de mécréants. Or l’invocation des mécréants est vaine et perdue, et n’est pas acceptée, à cause de la mécréance de leurs auteurs

51

إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَٰدُ

Nous secourrons, certes, Nos Messagers et ceux qui croient, dans la vie présente tout comme au jour où les témoins [les Anges gardiens] se dresseront (le Jour du Jugement),

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

قَدْ أَوْرَدَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ سُؤَالًا فَقَالَ: قَدْ عُلِم أَنَّ بَعْضَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَتَلَهُ قَوْمُهُ بِالْكُلِّيَّةِ كَيَحْيَى وَزَكَرِيَّا [[في ت، أ: "كيحيى بن زكريا"]] وَشَعْيَاءَ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ إِمَّا مُهَاجِرًا كَإِبْرَاهِيمَ [[في أ: "كإبراهيم عليه السلام".]] ، وَإِمَّا إِلَى السَّمَاءِ كَعِيسَى [[في أ: "كعيسى عليه السلام".]] ، فَأَيْنَ النُّصْرَةُ فِي الدُّنْيَا؟ ثُمَّ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِجَوَابَيْنِ [[تفسير الطبري (٢٤/٤٨) .]] . أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ خَرَجَ عَامًّا، وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَعْضُ، قَالَ: وَهَذَا سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّصْرِ الِانْتِصَارُ لَهُمْ مِمَّنْ آذَاهُمْ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِمْ أَوْ فِي غَيْبَتِهِمْ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، كَمَا فُعِلَ بِقَتَلَةِ يَحْيَى وَزَكَرِيَّا [[في ت "يحيى بن زكريا".]] وَشَعْيَاءَ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ مَنْ أَهَانَهُمْ وَسَفَكَ دِمَاءَهُمْ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ النُّمْرُوذَ أَخَذَهُ اللَّهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، وَأَمَّا الَّذِينَ رَامُوا صَلْبَ الْمَسِيحِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنَ الْيَهُودِ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّومَ فَأَهَانُوهُمْ وَأَذَلُّوهُمْ، وَأَظْهَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ سَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ إِمَامًا عَادِلًا وَحَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَقْتُلُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ وَجُنُودَهُ مِنَ الْيَهُودِ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ فَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ. وَهَذِهِ نُصْرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ: أَنَّهُ يَنْصُرُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا، وَيُقِرُّ أَعْيُنَهُمْ مِمَّنْ آذَاهُمْ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْحَرْبِ" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٠٢) .]] وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "إِنِّي لِأَثْأَرُ لِأَوْلِيَائِي كَمَا يَثْأَرُ اللَّيْثُ الْحِرِبُ" [[لم أجده بهذا اللفظ وقد رواه أبو نعيم في الحلية (١/١١) موقوفا على ابن عباس: "وأنا الثائر لأوليائي يوم القيامة".]] ؛ وَلِهَذَا أَهْلَكَ تَعَالَى قَوْمَ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَأَصْحَابَ الرَّسِّ، وَقَوْمَ لُوطٍ، وَأَهْلَ [[في أ: "وأصحاب".]] مَدْيَنَ، وَأَشْبَاهَهُمْ وَأَضْرَابَهُمْ مِمَّنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ وَخَالَفَ الْحَقَّ. وَأَنْجَى اللَّهُ مِنْ بَيْنِهِمُ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يُهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَعَذَّبَ الْكَافِرِينَ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدًا [[في س: "واحدا".]] . قَالَ السُّدِّيُّ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ رَسُولًا قَطُّ إِلَى قَوْمٍ فَيَقْتُلُونَهُ، أَوْ قَوْمًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَدْعُونَ إِلَى الْحَقِّ فَيُقْتَلُونَ، فَيَذْهَبُ ذَلِكَ الْقَرْنُ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ لَهُمْ مَنْ يَنْصُرُهُمْ، فَيَطْلُبُ بِدِمَائِهِمْ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا. قَالَ: فَكَانَتِ [[في ت، س: "وكانت".]] الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُؤْمِنُونَ يُقْتَلُونَ فِي الدنيا، وهم منصورون فيها. وَهَكَذَا نَصَرَ اللَّهُ [سُبْحَانَهُ] [[زيادة من أ.]] نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَأَصْحَابَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ وَنَاوَأَهُ، وَكَذَّبَهُ وَعَادَاهُ، فَجَعَلَ كَلِمَتَهُ هِيَ الْعُلْيَا، وَدِينَهُ هُوَ الظَّاهِرَ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ. وَأَمَرَهُ بِالْهِجْرَةِ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانَيْ قَوْمِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَجَعَلَ لَهُ فِيهَا أَنْصَارًا وَأَعْوَانًا، ثُمَّ مَنَحَهُ أَكْتَافَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَنَصْرَهُ عَلَيْهِمْ وَخَذَلَهُمْ لَهُ، وَقَتَلَ صَنَادِيدَهُمْ، وَأَسَرَ سَرَاتَهُمْ، فَاسْتَاقَهُمْ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ، ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِأَخْذِهِ الْفِدَاءَ مِنْهُمْ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ فَتَحَ [عَلَيْهِ] [[زيادة من ت، وفي أ: "عليهم".]] مَكَّةَ، فَقَرَّتْ عَيْنُهُ بِبَلَدِهِ، وَهُوَ الْبَلَدُ الْمُحَرَّمُ الْحَرَامُ الْمُشَرَّفُ الْمُعَظَّمُ، فَأَنْقَذَهُ اللَّهُ بِهِ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، وَفَتَحَ لَهُ الْيَمَنَ، وَدَانَتْ لَهُ جَزِيرَةُ [[في ت: "جزائر".]] الْعَرَبِ بِكَمَالِهَا، وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ، تَعَالَى، إِلَيْهِ لِمَا لَهُ عِنْدَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ الْعَظِيمَةِ، فَأَقَامَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ خُلَفَاءَ بَعْدَهُ، فَبَلَّغُوا عَنْهُ دِينَ اللَّهِ، وَدَعَوْا عِبَادَ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ. وَفَتَحُوا الْبِلَادَ وَالرَّسَاتِيقَ وَالْأَقَالِيمَ وَالْمَدَائِنَ وَالْقُرَى وَالْقُلُوبَ، حَتَّى انْتَشَرَتِ الدَّعْوَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا. ثُمَّ لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا مَنْصُورًا ظَاهِرًا إِلَى قِيَامِ [[في ت: "يوم".]] السَّاعَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَكُونُ النُّصْرَةُ أَعْظَمَ وَأَكْبَرَ وَأَجَلَّ. قَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَشْهَادُ: الْمَلَائِكَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ . وَقَرَأَ آخَرُونَ: "يَوْمُ" بِالرَّفْعِ، كَأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِهِ ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِين﴾ ، وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ ﴿مَعْذِرَتُهُم﴾ أَيْ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ عُذْرٌ وَلَا فِدْيَةٌ، ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أَيِ: الْإِبْعَادُ وَالطَّرْدُ مِنَ الرَّحْمَةِ، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ وَهِيَ النَّارُ. قَالَهُ السُّدِّيُّ، بِئْسَ الْمَنْزِلُ وَالْمَقِيلُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ أَيْ: سُوءُ الْعَاقِبَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ وَهُوَ مَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالنُّورِ، ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ أَيْ: جَعَلْنَا لَهُمُ الْعَاقِبَةَ، وَأَوْرَثْنَاهُمْ [[في ت: "وأورثنا بني إسرائيل".]] بِلَادَ فِرْعَوْنَ وَأَمْوَالَهُ وَحَوَاصِلَهُ وَأَرْضَهُ، بِمَا صَبَرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ رَسُولِهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَفِي الْكِتَابِ الَّذِي أُورِثُوهُ -وَهُوَ التَّوْرَاةُ- ﴿هُدًى وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ﴾ وَهِيَ: الْعُقُولُ الصَّحِيحَةُ السَّلِيمَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَاصْبِرْ﴾ أَيْ: يَا مُحَمَّدُ، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ أَيْ: وَعَدْنَاكَ أَنَّا سَنُعْلِي كَلِمَتَكَ، وَنَجْعَلُ الْعَاقِبَةَ لَكَ وَلِمَنِ اتَّبَعَكَ، وَاللَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ. وَهَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَاكَ بِهِ حَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ هَذَا تَهْيِيجٌ لِلْأُمَّةِ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ﴾ أَيْ: فِي أَوَاخِرِ النَّهَارِ وَأَوَائِلِ اللَّيْلِ، ﴿وَالإبْكَارِ﴾ وَهِيَ أَوَائِلُ النَّهَارِ وَأَوَاخِرُ اللَّيْلِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أَيْ: يَدْفَعُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَيَرُدُّونَ الْحُجَجَ الصَّحِيحَةَ بِالشُّبَهِ الْفَاسِدَةِ بِلَا بُرْهَانٍ وَلَا حُجَّةٍ مِنَ اللَّهِ، ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ أَيْ: مَا فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبَرٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ، وَاحْتِقَارٌ لِمَنْ جَاءَهُمْ بِهِ، وَلَيْسَ مَا يَرُومُونَهُ مِنْ إِخْمَالِ الْحَقِّ وَإِعْلَاءِ الْبَاطِلِ بِحَاصِلٍ لَهُمْ، بَلِ الْحَقُّ هُوَ الْمَرْفُوعُ، وَقَوْلُهُمْ وَقَصْدُهُمْ هُوَ الْمَوْضُوعُ، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أَيْ: مِنْ حَالِ مِثْلِ هَؤُلَاءِ، ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أَوْ [[في ت: "أي".]] مِنْ شَرِّ [[في أ: "شك".]] مِثْلِ هَؤُلَاءِ الْمُجَادِلِينَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ. هَذَا تَفْسِيرُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَقَالَ كَعْبٌ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْيَهُودِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: وَذَلِكَ أَنَّهُمُ ادَّعَوْا أَنَّ الدَّجَّالَ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ بِهِ الْأَرْضَ. فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ آمِرًا لَهُ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ، وَفِيهِ تَعَسُّفٌ بَعِيدٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) ﴾ يقول القائل: وما معنى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وقد علمنا أن منهم من قتله أعداؤه، ومثَّلوا به، كشعياء ويحيى بن زكريا وأشباههما. ومنهم من همّ بقتله قومه، فكان أحسن أحواله أن يخلص منهم حتى فارقهم ناجيا بنفسه، كإبراهيم الذي هاجر إلى الشام من أرضه مفارقا لقومه، وعيسى الذي رفع إلى السماء إذ أراد قومه قتله، فأين النصرة التي أخبرنا أنه ينصرها رسله، والمؤمنين به في الحياة الدنيا، وهؤلاء أنبياؤه قد نالهم من قومهم ما قد علمت، وما نصروا على من نالهم بما نالهم به؟ قيل: إن لقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وجهين كلاهما صحيح معناه. أحدهما أن يكون معناه: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا إما بإعلائناهم على من كذّبنا وإظفارنا بهم، حتى يقهروهم غلبة، ويذلوهم بالظفر ذلة، كالذي فعل من ذلك بداود وسليمان، فأعطاهما من المُلْك والسلطان ما قهرا به كل كافر، وكالذي فعل بمحمد ﷺ بإظهاره على من كذّبه من قومه، وإما بانتقامنا ممن حادّهم وشاقهم بإهلاكهم وإنجاء الرسل ممن كذّبهم وعاداهم، كالذي فعل تعالى ذكره بنوح وقومه، من تغريق قومه وإنجائه منهم، وكالذي فعل بموسى وفرعون وقومه، إذ أهلكهم غرقا، ونجى موسى ومن آمن به من بني إسرائيل وغيرهم ونحو ذلك، أو بانتقامنا في الحياة الدنيا من مكذّبيهم بعد وفاة رسولنا من بعد مهلكهم، كالذي فعلنا من نصرتنا شعياء بعد مهلكه، بتسليطنا على قتله من سلطنا حتى انتصرنا بهم من قتلته، وكفعلنا بقتلة يحيى، من تسليطنا بختنصر عليهم حتى انتصرنا به من قتله له وكانتصارنا لعيسى من مريدي قتله بالروم حتى أهلكناهم بهم، فهذا أحد وجهيه. وقد كان بعض أهل التأويل يوجه معنى ذلك إلى هذا الوجه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن الفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ قول الله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قد كانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون، وذلك أن تلك الأمة التي تفعل ذلك بالأنبياء والمؤمنين لا تذهب حتى يبعث الله قوما فينتصر بهم لأولئك الذين قتلوا منهم. والوجه الآخر: أن يكون هذا الكلام على وجه الخبر عن الجميع من الرسل والمؤمنين، والمراد واحد، فيكون تأويل الكلام حينئذ: إنا لننصر رسولنا محمدا ﷺ والذين آمنوا به في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، كما بيَّنا فيما مضى أن العرب تخرج الخبر بلفظ الجميع، والمراد واحد إذا لم تنصب للخبر شخصا بعينه. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والكوفة ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ﴾ بالياء. وينفع أيضا بالياء، وقرأ ذلك بعض أهل مكة وبعض قرّاء البصرة:"تَقُومُ" بالتاء، و"تَنْفَعُ" بالتاء. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقد بيَّنا فيما مضى أن العرب تذكر فعل الرجل وتؤنث إذا تقدّم بما أغنى عن إعادته. وعني بقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ يوم يقوم الأشهاد من الملائكة والأنبياء والمؤمنين على الأمم المكذبة رسلها بالشهادة بأن الرسل قد بلغتهم رسالات ربهم، وأن الأمم كذّبتهم. والأشهاد: جمع شهيد، كما الأشراف: جمع شريف. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتاد. ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ من ملائكة الله وأنبيائه، والمؤمنين به. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ يوم القيامة. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، في قول الله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ قال الملائكة. * * وقوله: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ يقول تعالى ذكره: ذلك يوم لا ينفع أهل الشرك اعتذارهم لأنهم لا يعتذرون إن اعتذروا إلا بباطل، وذلك أن الله قد أعذر إليهم في الدنيا، وتابع عليهم الحجج فيها فلا حجة لهم في الآخرة إلا الاعتصام بالكذب بأن يقولوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ . * * وقوله: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ يقول: وللظالمين اللعنة، وهي البعد من رحمة الله ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ يقول: ولهم مع اللعنة من الله شرّ ما في الدار الآخرة، وهو العذاب الأليم.

Al-Mukhtasar (français)

Nous secourons certainement Nos messagers dans le bas monde en renforçant leur argumentation et en les soutenant contre leurs ennemis. Nous les secourrons également le Jour de la Résurrection en les faisant entrer au Paradis et en punissant leurs contradicteurs dans le bas monde que nous enverrons dans le Feu après que les prophètes, les anges et les croyants aient témoigné que le Message leur a bien été transmis et qu’ils l’ont bien démenti.

52

يَوْمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ

au jour où leur excuse ne sera pas utile aux injustes, tandis qu'il y aura pour eux la malédiction et la pire demeure.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

قَدْ أَوْرَدَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ سُؤَالًا فَقَالَ: قَدْ عُلِم أَنَّ بَعْضَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَتَلَهُ قَوْمُهُ بِالْكُلِّيَّةِ كَيَحْيَى وَزَكَرِيَّا [[في ت، أ: "كيحيى بن زكريا"]] وَشَعْيَاءَ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ إِمَّا مُهَاجِرًا كَإِبْرَاهِيمَ [[في أ: "كإبراهيم عليه السلام".]] ، وَإِمَّا إِلَى السَّمَاءِ كَعِيسَى [[في أ: "كعيسى عليه السلام".]] ، فَأَيْنَ النُّصْرَةُ فِي الدُّنْيَا؟ ثُمَّ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِجَوَابَيْنِ [[تفسير الطبري (٢٤/٤٨) .]] . أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ خَرَجَ عَامًّا، وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَعْضُ، قَالَ: وَهَذَا سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّصْرِ الِانْتِصَارُ لَهُمْ مِمَّنْ آذَاهُمْ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِمْ أَوْ فِي غَيْبَتِهِمْ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، كَمَا فُعِلَ بِقَتَلَةِ يَحْيَى وَزَكَرِيَّا [[في ت "يحيى بن زكريا".]] وَشَعْيَاءَ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ مَنْ أَهَانَهُمْ وَسَفَكَ دِمَاءَهُمْ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ النُّمْرُوذَ أَخَذَهُ اللَّهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، وَأَمَّا الَّذِينَ رَامُوا صَلْبَ الْمَسِيحِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنَ الْيَهُودِ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّومَ فَأَهَانُوهُمْ وَأَذَلُّوهُمْ، وَأَظْهَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ سَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ إِمَامًا عَادِلًا وَحَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَقْتُلُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ وَجُنُودَهُ مِنَ الْيَهُودِ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ فَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ. وَهَذِهِ نُصْرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ: أَنَّهُ يَنْصُرُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا، وَيُقِرُّ أَعْيُنَهُمْ مِمَّنْ آذَاهُمْ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْحَرْبِ" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٠٢) .]] وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "إِنِّي لِأَثْأَرُ لِأَوْلِيَائِي كَمَا يَثْأَرُ اللَّيْثُ الْحِرِبُ" [[لم أجده بهذا اللفظ وقد رواه أبو نعيم في الحلية (١/١١) موقوفا على ابن عباس: "وأنا الثائر لأوليائي يوم القيامة".]] ؛ وَلِهَذَا أَهْلَكَ تَعَالَى قَوْمَ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَأَصْحَابَ الرَّسِّ، وَقَوْمَ لُوطٍ، وَأَهْلَ [[في أ: "وأصحاب".]] مَدْيَنَ، وَأَشْبَاهَهُمْ وَأَضْرَابَهُمْ مِمَّنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ وَخَالَفَ الْحَقَّ. وَأَنْجَى اللَّهُ مِنْ بَيْنِهِمُ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يُهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَعَذَّبَ الْكَافِرِينَ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدًا [[في س: "واحدا".]] . قَالَ السُّدِّيُّ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ رَسُولًا قَطُّ إِلَى قَوْمٍ فَيَقْتُلُونَهُ، أَوْ قَوْمًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَدْعُونَ إِلَى الْحَقِّ فَيُقْتَلُونَ، فَيَذْهَبُ ذَلِكَ الْقَرْنُ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ لَهُمْ مَنْ يَنْصُرُهُمْ، فَيَطْلُبُ بِدِمَائِهِمْ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا. قَالَ: فَكَانَتِ [[في ت، س: "وكانت".]] الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُؤْمِنُونَ يُقْتَلُونَ فِي الدنيا، وهم منصورون فيها. وَهَكَذَا نَصَرَ اللَّهُ [سُبْحَانَهُ] [[زيادة من أ.]] نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَأَصْحَابَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ وَنَاوَأَهُ، وَكَذَّبَهُ وَعَادَاهُ، فَجَعَلَ كَلِمَتَهُ هِيَ الْعُلْيَا، وَدِينَهُ هُوَ الظَّاهِرَ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ. وَأَمَرَهُ بِالْهِجْرَةِ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانَيْ قَوْمِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَجَعَلَ لَهُ فِيهَا أَنْصَارًا وَأَعْوَانًا، ثُمَّ مَنَحَهُ أَكْتَافَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَنَصْرَهُ عَلَيْهِمْ وَخَذَلَهُمْ لَهُ، وَقَتَلَ صَنَادِيدَهُمْ، وَأَسَرَ سَرَاتَهُمْ، فَاسْتَاقَهُمْ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ، ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِأَخْذِهِ الْفِدَاءَ مِنْهُمْ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ فَتَحَ [عَلَيْهِ] [[زيادة من ت، وفي أ: "عليهم".]] مَكَّةَ، فَقَرَّتْ عَيْنُهُ بِبَلَدِهِ، وَهُوَ الْبَلَدُ الْمُحَرَّمُ الْحَرَامُ الْمُشَرَّفُ الْمُعَظَّمُ، فَأَنْقَذَهُ اللَّهُ بِهِ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، وَفَتَحَ لَهُ الْيَمَنَ، وَدَانَتْ لَهُ جَزِيرَةُ [[في ت: "جزائر".]] الْعَرَبِ بِكَمَالِهَا، وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ، تَعَالَى، إِلَيْهِ لِمَا لَهُ عِنْدَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ الْعَظِيمَةِ، فَأَقَامَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ خُلَفَاءَ بَعْدَهُ، فَبَلَّغُوا عَنْهُ دِينَ اللَّهِ، وَدَعَوْا عِبَادَ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ. وَفَتَحُوا الْبِلَادَ وَالرَّسَاتِيقَ وَالْأَقَالِيمَ وَالْمَدَائِنَ وَالْقُرَى وَالْقُلُوبَ، حَتَّى انْتَشَرَتِ الدَّعْوَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا. ثُمَّ لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا مَنْصُورًا ظَاهِرًا إِلَى قِيَامِ [[في ت: "يوم".]] السَّاعَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَكُونُ النُّصْرَةُ أَعْظَمَ وَأَكْبَرَ وَأَجَلَّ. قَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَشْهَادُ: الْمَلَائِكَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ . وَقَرَأَ آخَرُونَ: "يَوْمُ" بِالرَّفْعِ، كَأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِهِ ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِين﴾ ، وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ ﴿مَعْذِرَتُهُم﴾ أَيْ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ عُذْرٌ وَلَا فِدْيَةٌ، ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أَيِ: الْإِبْعَادُ وَالطَّرْدُ مِنَ الرَّحْمَةِ، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ وَهِيَ النَّارُ. قَالَهُ السُّدِّيُّ، بِئْسَ الْمَنْزِلُ وَالْمَقِيلُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ أَيْ: سُوءُ الْعَاقِبَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ وَهُوَ مَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالنُّورِ، ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ أَيْ: جَعَلْنَا لَهُمُ الْعَاقِبَةَ، وَأَوْرَثْنَاهُمْ [[في ت: "وأورثنا بني إسرائيل".]] بِلَادَ فِرْعَوْنَ وَأَمْوَالَهُ وَحَوَاصِلَهُ وَأَرْضَهُ، بِمَا صَبَرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ رَسُولِهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَفِي الْكِتَابِ الَّذِي أُورِثُوهُ -وَهُوَ التَّوْرَاةُ- ﴿هُدًى وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ﴾ وَهِيَ: الْعُقُولُ الصَّحِيحَةُ السَّلِيمَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَاصْبِرْ﴾ أَيْ: يَا مُحَمَّدُ، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ أَيْ: وَعَدْنَاكَ أَنَّا سَنُعْلِي كَلِمَتَكَ، وَنَجْعَلُ الْعَاقِبَةَ لَكَ وَلِمَنِ اتَّبَعَكَ، وَاللَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ. وَهَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَاكَ بِهِ حَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ هَذَا تَهْيِيجٌ لِلْأُمَّةِ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ﴾ أَيْ: فِي أَوَاخِرِ النَّهَارِ وَأَوَائِلِ اللَّيْلِ، ﴿وَالإبْكَارِ﴾ وَهِيَ أَوَائِلُ النَّهَارِ وَأَوَاخِرُ اللَّيْلِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أَيْ: يَدْفَعُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَيَرُدُّونَ الْحُجَجَ الصَّحِيحَةَ بِالشُّبَهِ الْفَاسِدَةِ بِلَا بُرْهَانٍ وَلَا حُجَّةٍ مِنَ اللَّهِ، ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ أَيْ: مَا فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبَرٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ، وَاحْتِقَارٌ لِمَنْ جَاءَهُمْ بِهِ، وَلَيْسَ مَا يَرُومُونَهُ مِنْ إِخْمَالِ الْحَقِّ وَإِعْلَاءِ الْبَاطِلِ بِحَاصِلٍ لَهُمْ، بَلِ الْحَقُّ هُوَ الْمَرْفُوعُ، وَقَوْلُهُمْ وَقَصْدُهُمْ هُوَ الْمَوْضُوعُ، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أَيْ: مِنْ حَالِ مِثْلِ هَؤُلَاءِ، ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أَوْ [[في ت: "أي".]] مِنْ شَرِّ [[في أ: "شك".]] مِثْلِ هَؤُلَاءِ الْمُجَادِلِينَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ. هَذَا تَفْسِيرُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَقَالَ كَعْبٌ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْيَهُودِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: وَذَلِكَ أَنَّهُمُ ادَّعَوْا أَنَّ الدَّجَّالَ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ بِهِ الْأَرْضَ. فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ آمِرًا لَهُ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ، وَفِيهِ تَعَسُّفٌ بَعِيدٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) ﴾ يقول القائل: وما معنى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وقد علمنا أن منهم من قتله أعداؤه، ومثَّلوا به، كشعياء ويحيى بن زكريا وأشباههما. ومنهم من همّ بقتله قومه، فكان أحسن أحواله أن يخلص منهم حتى فارقهم ناجيا بنفسه، كإبراهيم الذي هاجر إلى الشام من أرضه مفارقا لقومه، وعيسى الذي رفع إلى السماء إذ أراد قومه قتله، فأين النصرة التي أخبرنا أنه ينصرها رسله، والمؤمنين به في الحياة الدنيا، وهؤلاء أنبياؤه قد نالهم من قومهم ما قد علمت، وما نصروا على من نالهم بما نالهم به؟ قيل: إن لقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وجهين كلاهما صحيح معناه. أحدهما أن يكون معناه: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا إما بإعلائناهم على من كذّبنا وإظفارنا بهم، حتى يقهروهم غلبة، ويذلوهم بالظفر ذلة، كالذي فعل من ذلك بداود وسليمان، فأعطاهما من المُلْك والسلطان ما قهرا به كل كافر، وكالذي فعل بمحمد ﷺ بإظهاره على من كذّبه من قومه، وإما بانتقامنا ممن حادّهم وشاقهم بإهلاكهم وإنجاء الرسل ممن كذّبهم وعاداهم، كالذي فعل تعالى ذكره بنوح وقومه، من تغريق قومه وإنجائه منهم، وكالذي فعل بموسى وفرعون وقومه، إذ أهلكهم غرقا، ونجى موسى ومن آمن به من بني إسرائيل وغيرهم ونحو ذلك، أو بانتقامنا في الحياة الدنيا من مكذّبيهم بعد وفاة رسولنا من بعد مهلكهم، كالذي فعلنا من نصرتنا شعياء بعد مهلكه، بتسليطنا على قتله من سلطنا حتى انتصرنا بهم من قتلته، وكفعلنا بقتلة يحيى، من تسليطنا بختنصر عليهم حتى انتصرنا به من قتله له وكانتصارنا لعيسى من مريدي قتله بالروم حتى أهلكناهم بهم، فهذا أحد وجهيه. وقد كان بعض أهل التأويل يوجه معنى ذلك إلى هذا الوجه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن الفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ قول الله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قد كانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون، وذلك أن تلك الأمة التي تفعل ذلك بالأنبياء والمؤمنين لا تذهب حتى يبعث الله قوما فينتصر بهم لأولئك الذين قتلوا منهم. والوجه الآخر: أن يكون هذا الكلام على وجه الخبر عن الجميع من الرسل والمؤمنين، والمراد واحد، فيكون تأويل الكلام حينئذ: إنا لننصر رسولنا محمدا ﷺ والذين آمنوا به في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، كما بيَّنا فيما مضى أن العرب تخرج الخبر بلفظ الجميع، والمراد واحد إذا لم تنصب للخبر شخصا بعينه. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والكوفة ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ﴾ بالياء. وينفع أيضا بالياء، وقرأ ذلك بعض أهل مكة وبعض قرّاء البصرة:"تَقُومُ" بالتاء، و"تَنْفَعُ" بالتاء. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقد بيَّنا فيما مضى أن العرب تذكر فعل الرجل وتؤنث إذا تقدّم بما أغنى عن إعادته. وعني بقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ يوم يقوم الأشهاد من الملائكة والأنبياء والمؤمنين على الأمم المكذبة رسلها بالشهادة بأن الرسل قد بلغتهم رسالات ربهم، وأن الأمم كذّبتهم. والأشهاد: جمع شهيد، كما الأشراف: جمع شريف. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتاد. ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ من ملائكة الله وأنبيائه، والمؤمنين به. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ يوم القيامة. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، في قول الله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ قال الملائكة. * * وقوله: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ يقول تعالى ذكره: ذلك يوم لا ينفع أهل الشرك اعتذارهم لأنهم لا يعتذرون إن اعتذروا إلا بباطل، وذلك أن الله قد أعذر إليهم في الدنيا، وتابع عليهم الحجج فيها فلا حجة لهم في الآخرة إلا الاعتصام بالكذب بأن يقولوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ . * * وقوله: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ يقول: وللظالمين اللعنة، وهي البعد من رحمة الله ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ يقول: ولهم مع اللعنة من الله شرّ ما في الدار الآخرة، وهو العذاب الأليم.

Al-Mukhtasar (français)

Le Jour où il ne servira à rien à ceux qui, en mécroyant et en désobéissant se sont montrés injustes, de s’excuser pour leur injustice et ils seront exclus de la miséricorde d’Allah ce jour-là. De plus, ils rejoindront dans l’au-delà la demeure la plus mauvaise où ils subiront un châtiment douloureux.

53

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْكِتَٰبَ

En effet, Nous avons apporté à Moïse la guidée, et fait hériter aux Enfants d'Israël, le Livre,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

قَدْ أَوْرَدَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ سُؤَالًا فَقَالَ: قَدْ عُلِم أَنَّ بَعْضَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَتَلَهُ قَوْمُهُ بِالْكُلِّيَّةِ كَيَحْيَى وَزَكَرِيَّا [[في ت، أ: "كيحيى بن زكريا"]] وَشَعْيَاءَ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ إِمَّا مُهَاجِرًا كَإِبْرَاهِيمَ [[في أ: "كإبراهيم عليه السلام".]] ، وَإِمَّا إِلَى السَّمَاءِ كَعِيسَى [[في أ: "كعيسى عليه السلام".]] ، فَأَيْنَ النُّصْرَةُ فِي الدُّنْيَا؟ ثُمَّ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِجَوَابَيْنِ [[تفسير الطبري (٢٤/٤٨) .]] . أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ خَرَجَ عَامًّا، وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَعْضُ، قَالَ: وَهَذَا سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّصْرِ الِانْتِصَارُ لَهُمْ مِمَّنْ آذَاهُمْ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِمْ أَوْ فِي غَيْبَتِهِمْ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، كَمَا فُعِلَ بِقَتَلَةِ يَحْيَى وَزَكَرِيَّا [[في ت "يحيى بن زكريا".]] وَشَعْيَاءَ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ مَنْ أَهَانَهُمْ وَسَفَكَ دِمَاءَهُمْ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ النُّمْرُوذَ أَخَذَهُ اللَّهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، وَأَمَّا الَّذِينَ رَامُوا صَلْبَ الْمَسِيحِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنَ الْيَهُودِ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّومَ فَأَهَانُوهُمْ وَأَذَلُّوهُمْ، وَأَظْهَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ سَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ إِمَامًا عَادِلًا وَحَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَقْتُلُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ وَجُنُودَهُ مِنَ الْيَهُودِ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ فَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ. وَهَذِهِ نُصْرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ: أَنَّهُ يَنْصُرُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا، وَيُقِرُّ أَعْيُنَهُمْ مِمَّنْ آذَاهُمْ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْحَرْبِ" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٠٢) .]] وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "إِنِّي لِأَثْأَرُ لِأَوْلِيَائِي كَمَا يَثْأَرُ اللَّيْثُ الْحِرِبُ" [[لم أجده بهذا اللفظ وقد رواه أبو نعيم في الحلية (١/١١) موقوفا على ابن عباس: "وأنا الثائر لأوليائي يوم القيامة".]] ؛ وَلِهَذَا أَهْلَكَ تَعَالَى قَوْمَ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَأَصْحَابَ الرَّسِّ، وَقَوْمَ لُوطٍ، وَأَهْلَ [[في أ: "وأصحاب".]] مَدْيَنَ، وَأَشْبَاهَهُمْ وَأَضْرَابَهُمْ مِمَّنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ وَخَالَفَ الْحَقَّ. وَأَنْجَى اللَّهُ مِنْ بَيْنِهِمُ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يُهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَعَذَّبَ الْكَافِرِينَ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدًا [[في س: "واحدا".]] . قَالَ السُّدِّيُّ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ رَسُولًا قَطُّ إِلَى قَوْمٍ فَيَقْتُلُونَهُ، أَوْ قَوْمًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَدْعُونَ إِلَى الْحَقِّ فَيُقْتَلُونَ، فَيَذْهَبُ ذَلِكَ الْقَرْنُ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ لَهُمْ مَنْ يَنْصُرُهُمْ، فَيَطْلُبُ بِدِمَائِهِمْ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا. قَالَ: فَكَانَتِ [[في ت، س: "وكانت".]] الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُؤْمِنُونَ يُقْتَلُونَ فِي الدنيا، وهم منصورون فيها. وَهَكَذَا نَصَرَ اللَّهُ [سُبْحَانَهُ] [[زيادة من أ.]] نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَأَصْحَابَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ وَنَاوَأَهُ، وَكَذَّبَهُ وَعَادَاهُ، فَجَعَلَ كَلِمَتَهُ هِيَ الْعُلْيَا، وَدِينَهُ هُوَ الظَّاهِرَ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ. وَأَمَرَهُ بِالْهِجْرَةِ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانَيْ قَوْمِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَجَعَلَ لَهُ فِيهَا أَنْصَارًا وَأَعْوَانًا، ثُمَّ مَنَحَهُ أَكْتَافَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَنَصْرَهُ عَلَيْهِمْ وَخَذَلَهُمْ لَهُ، وَقَتَلَ صَنَادِيدَهُمْ، وَأَسَرَ سَرَاتَهُمْ، فَاسْتَاقَهُمْ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ، ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِأَخْذِهِ الْفِدَاءَ مِنْهُمْ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ فَتَحَ [عَلَيْهِ] [[زيادة من ت، وفي أ: "عليهم".]] مَكَّةَ، فَقَرَّتْ عَيْنُهُ بِبَلَدِهِ، وَهُوَ الْبَلَدُ الْمُحَرَّمُ الْحَرَامُ الْمُشَرَّفُ الْمُعَظَّمُ، فَأَنْقَذَهُ اللَّهُ بِهِ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، وَفَتَحَ لَهُ الْيَمَنَ، وَدَانَتْ لَهُ جَزِيرَةُ [[في ت: "جزائر".]] الْعَرَبِ بِكَمَالِهَا، وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ، تَعَالَى، إِلَيْهِ لِمَا لَهُ عِنْدَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ الْعَظِيمَةِ، فَأَقَامَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ خُلَفَاءَ بَعْدَهُ، فَبَلَّغُوا عَنْهُ دِينَ اللَّهِ، وَدَعَوْا عِبَادَ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ. وَفَتَحُوا الْبِلَادَ وَالرَّسَاتِيقَ وَالْأَقَالِيمَ وَالْمَدَائِنَ وَالْقُرَى وَالْقُلُوبَ، حَتَّى انْتَشَرَتِ الدَّعْوَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا. ثُمَّ لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا مَنْصُورًا ظَاهِرًا إِلَى قِيَامِ [[في ت: "يوم".]] السَّاعَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَكُونُ النُّصْرَةُ أَعْظَمَ وَأَكْبَرَ وَأَجَلَّ. قَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَشْهَادُ: الْمَلَائِكَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ . وَقَرَأَ آخَرُونَ: "يَوْمُ" بِالرَّفْعِ، كَأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِهِ ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِين﴾ ، وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ ﴿مَعْذِرَتُهُم﴾ أَيْ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ عُذْرٌ وَلَا فِدْيَةٌ، ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أَيِ: الْإِبْعَادُ وَالطَّرْدُ مِنَ الرَّحْمَةِ، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ وَهِيَ النَّارُ. قَالَهُ السُّدِّيُّ، بِئْسَ الْمَنْزِلُ وَالْمَقِيلُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ أَيْ: سُوءُ الْعَاقِبَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ وَهُوَ مَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالنُّورِ، ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ أَيْ: جَعَلْنَا لَهُمُ الْعَاقِبَةَ، وَأَوْرَثْنَاهُمْ [[في ت: "وأورثنا بني إسرائيل".]] بِلَادَ فِرْعَوْنَ وَأَمْوَالَهُ وَحَوَاصِلَهُ وَأَرْضَهُ، بِمَا صَبَرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ رَسُولِهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَفِي الْكِتَابِ الَّذِي أُورِثُوهُ -وَهُوَ التَّوْرَاةُ- ﴿هُدًى وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ﴾ وَهِيَ: الْعُقُولُ الصَّحِيحَةُ السَّلِيمَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَاصْبِرْ﴾ أَيْ: يَا مُحَمَّدُ، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ أَيْ: وَعَدْنَاكَ أَنَّا سَنُعْلِي كَلِمَتَكَ، وَنَجْعَلُ الْعَاقِبَةَ لَكَ وَلِمَنِ اتَّبَعَكَ، وَاللَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ. وَهَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَاكَ بِهِ حَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ هَذَا تَهْيِيجٌ لِلْأُمَّةِ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ﴾ أَيْ: فِي أَوَاخِرِ النَّهَارِ وَأَوَائِلِ اللَّيْلِ، ﴿وَالإبْكَارِ﴾ وَهِيَ أَوَائِلُ النَّهَارِ وَأَوَاخِرُ اللَّيْلِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أَيْ: يَدْفَعُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَيَرُدُّونَ الْحُجَجَ الصَّحِيحَةَ بِالشُّبَهِ الْفَاسِدَةِ بِلَا بُرْهَانٍ وَلَا حُجَّةٍ مِنَ اللَّهِ، ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ أَيْ: مَا فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبَرٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ، وَاحْتِقَارٌ لِمَنْ جَاءَهُمْ بِهِ، وَلَيْسَ مَا يَرُومُونَهُ مِنْ إِخْمَالِ الْحَقِّ وَإِعْلَاءِ الْبَاطِلِ بِحَاصِلٍ لَهُمْ، بَلِ الْحَقُّ هُوَ الْمَرْفُوعُ، وَقَوْلُهُمْ وَقَصْدُهُمْ هُوَ الْمَوْضُوعُ، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أَيْ: مِنْ حَالِ مِثْلِ هَؤُلَاءِ، ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أَوْ [[في ت: "أي".]] مِنْ شَرِّ [[في أ: "شك".]] مِثْلِ هَؤُلَاءِ الْمُجَادِلِينَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ. هَذَا تَفْسِيرُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَقَالَ كَعْبٌ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْيَهُودِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: وَذَلِكَ أَنَّهُمُ ادَّعَوْا أَنَّ الدَّجَّالَ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ بِهِ الْأَرْضَ. فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ آمِرًا لَهُ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ، وَفِيهِ تَعَسُّفٌ بَعِيدٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ (٥٥) ﴾ يقول تعالى ذكره ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى﴾ البيان للحقّ الذي بعثناه به كما آتينا ذلك محمدا فكذّب به فرعون وقومه، كما كذّبت قريش محمدا ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ يقول: وأورثنا بني إسرائيل التوراة، فعلَّمناهموها، وأنزلنا اليهم ﴿هُدًى﴾ يعني بيانا لأمر دينهم، وما ألزمناهم من فرائضها، ﴿وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ﴾ يقول: وتذكيرا منا لأهل الحجا والعقول منهم بها. * * وقوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فاصبر يا محمد لأمر ربك، وانفذ لما أرسلك به من الرسالة، وبلِّغ قومك ومن أمرت بإبلاغه ما أنزل إليك، وأيقن بحقيقة وعد الله الذي وعدك من نصرتك، ونصرة من صدّقك وآمن بك، على من كذّبك، وأنكر ما جئته به من عند ربك، وإن وعد الله حقّ لا خلف له وهو منجز له ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ يقول: وسله غفران ذنوبك وعفوه لك عنه ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ يقول: وصلّ بالشكر منك لربك ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ وذلك من زوال الشمس إلى الليل ﴿وَالإبْكَارِ﴾ وذلك من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس. وقد وجه قوم الإبكار إلى أنه من طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى، وخروج وقت الضحى، والمعروف عند العرب القول الأوّل. واختلف أهل العربية في وجه عطف الإبكار والباء غير حسن دخولها فيه على العشيّ، والباء تحسن فيه، فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: وسبح بحمد ربك بالعشي وفي الإبكار. وقال: قد يقال: بالدار زيد، يراد: فى الدار زيد، وقال غيره: إنما قيل ذلك كذلك، لأن معنى الكلام: صل بالحمد بهذين الوقتين وفي هذين الوقتين، فإدخال الباء في واحد فيهما.

Al-Mukhtasar (français)

Nous avons donné à Moïse la connaissance par laquelle les Israélites trouvent le chemin de la vérité et Nous avons fait de la Torah un livre qu’ils se transmettent de génération en génération.

54

هُدًۭى وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ

une guidée et un rappel aux gens doués d'intelligence.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

قَدْ أَوْرَدَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ سُؤَالًا فَقَالَ: قَدْ عُلِم أَنَّ بَعْضَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَتَلَهُ قَوْمُهُ بِالْكُلِّيَّةِ كَيَحْيَى وَزَكَرِيَّا [[في ت، أ: "كيحيى بن زكريا"]] وَشَعْيَاءَ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ إِمَّا مُهَاجِرًا كَإِبْرَاهِيمَ [[في أ: "كإبراهيم عليه السلام".]] ، وَإِمَّا إِلَى السَّمَاءِ كَعِيسَى [[في أ: "كعيسى عليه السلام".]] ، فَأَيْنَ النُّصْرَةُ فِي الدُّنْيَا؟ ثُمَّ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِجَوَابَيْنِ [[تفسير الطبري (٢٤/٤٨) .]] . أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ خَرَجَ عَامًّا، وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَعْضُ، قَالَ: وَهَذَا سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّصْرِ الِانْتِصَارُ لَهُمْ مِمَّنْ آذَاهُمْ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِمْ أَوْ فِي غَيْبَتِهِمْ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، كَمَا فُعِلَ بِقَتَلَةِ يَحْيَى وَزَكَرِيَّا [[في ت "يحيى بن زكريا".]] وَشَعْيَاءَ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ مَنْ أَهَانَهُمْ وَسَفَكَ دِمَاءَهُمْ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ النُّمْرُوذَ أَخَذَهُ اللَّهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، وَأَمَّا الَّذِينَ رَامُوا صَلْبَ الْمَسِيحِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنَ الْيَهُودِ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّومَ فَأَهَانُوهُمْ وَأَذَلُّوهُمْ، وَأَظْهَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ سَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ إِمَامًا عَادِلًا وَحَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَقْتُلُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ وَجُنُودَهُ مِنَ الْيَهُودِ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ فَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ. وَهَذِهِ نُصْرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ: أَنَّهُ يَنْصُرُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا، وَيُقِرُّ أَعْيُنَهُمْ مِمَّنْ آذَاهُمْ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْحَرْبِ" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٠٢) .]] وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "إِنِّي لِأَثْأَرُ لِأَوْلِيَائِي كَمَا يَثْأَرُ اللَّيْثُ الْحِرِبُ" [[لم أجده بهذا اللفظ وقد رواه أبو نعيم في الحلية (١/١١) موقوفا على ابن عباس: "وأنا الثائر لأوليائي يوم القيامة".]] ؛ وَلِهَذَا أَهْلَكَ تَعَالَى قَوْمَ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَأَصْحَابَ الرَّسِّ، وَقَوْمَ لُوطٍ، وَأَهْلَ [[في أ: "وأصحاب".]] مَدْيَنَ، وَأَشْبَاهَهُمْ وَأَضْرَابَهُمْ مِمَّنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ وَخَالَفَ الْحَقَّ. وَأَنْجَى اللَّهُ مِنْ بَيْنِهِمُ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يُهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَعَذَّبَ الْكَافِرِينَ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدًا [[في س: "واحدا".]] . قَالَ السُّدِّيُّ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ رَسُولًا قَطُّ إِلَى قَوْمٍ فَيَقْتُلُونَهُ، أَوْ قَوْمًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَدْعُونَ إِلَى الْحَقِّ فَيُقْتَلُونَ، فَيَذْهَبُ ذَلِكَ الْقَرْنُ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ لَهُمْ مَنْ يَنْصُرُهُمْ، فَيَطْلُبُ بِدِمَائِهِمْ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا. قَالَ: فَكَانَتِ [[في ت، س: "وكانت".]] الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُؤْمِنُونَ يُقْتَلُونَ فِي الدنيا، وهم منصورون فيها. وَهَكَذَا نَصَرَ اللَّهُ [سُبْحَانَهُ] [[زيادة من أ.]] نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَأَصْحَابَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ وَنَاوَأَهُ، وَكَذَّبَهُ وَعَادَاهُ، فَجَعَلَ كَلِمَتَهُ هِيَ الْعُلْيَا، وَدِينَهُ هُوَ الظَّاهِرَ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ. وَأَمَرَهُ بِالْهِجْرَةِ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانَيْ قَوْمِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَجَعَلَ لَهُ فِيهَا أَنْصَارًا وَأَعْوَانًا، ثُمَّ مَنَحَهُ أَكْتَافَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَنَصْرَهُ عَلَيْهِمْ وَخَذَلَهُمْ لَهُ، وَقَتَلَ صَنَادِيدَهُمْ، وَأَسَرَ سَرَاتَهُمْ، فَاسْتَاقَهُمْ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ، ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِأَخْذِهِ الْفِدَاءَ مِنْهُمْ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ فَتَحَ [عَلَيْهِ] [[زيادة من ت، وفي أ: "عليهم".]] مَكَّةَ، فَقَرَّتْ عَيْنُهُ بِبَلَدِهِ، وَهُوَ الْبَلَدُ الْمُحَرَّمُ الْحَرَامُ الْمُشَرَّفُ الْمُعَظَّمُ، فَأَنْقَذَهُ اللَّهُ بِهِ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، وَفَتَحَ لَهُ الْيَمَنَ، وَدَانَتْ لَهُ جَزِيرَةُ [[في ت: "جزائر".]] الْعَرَبِ بِكَمَالِهَا، وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ، تَعَالَى، إِلَيْهِ لِمَا لَهُ عِنْدَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ الْعَظِيمَةِ، فَأَقَامَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ خُلَفَاءَ بَعْدَهُ، فَبَلَّغُوا عَنْهُ دِينَ اللَّهِ، وَدَعَوْا عِبَادَ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ. وَفَتَحُوا الْبِلَادَ وَالرَّسَاتِيقَ وَالْأَقَالِيمَ وَالْمَدَائِنَ وَالْقُرَى وَالْقُلُوبَ، حَتَّى انْتَشَرَتِ الدَّعْوَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا. ثُمَّ لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا مَنْصُورًا ظَاهِرًا إِلَى قِيَامِ [[في ت: "يوم".]] السَّاعَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَكُونُ النُّصْرَةُ أَعْظَمَ وَأَكْبَرَ وَأَجَلَّ. قَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَشْهَادُ: الْمَلَائِكَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ . وَقَرَأَ آخَرُونَ: "يَوْمُ" بِالرَّفْعِ، كَأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِهِ ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِين﴾ ، وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ ﴿مَعْذِرَتُهُم﴾ أَيْ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ عُذْرٌ وَلَا فِدْيَةٌ، ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أَيِ: الْإِبْعَادُ وَالطَّرْدُ مِنَ الرَّحْمَةِ، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ وَهِيَ النَّارُ. قَالَهُ السُّدِّيُّ، بِئْسَ الْمَنْزِلُ وَالْمَقِيلُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ أَيْ: سُوءُ الْعَاقِبَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ وَهُوَ مَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالنُّورِ، ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ أَيْ: جَعَلْنَا لَهُمُ الْعَاقِبَةَ، وَأَوْرَثْنَاهُمْ [[في ت: "وأورثنا بني إسرائيل".]] بِلَادَ فِرْعَوْنَ وَأَمْوَالَهُ وَحَوَاصِلَهُ وَأَرْضَهُ، بِمَا صَبَرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ رَسُولِهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَفِي الْكِتَابِ الَّذِي أُورِثُوهُ -وَهُوَ التَّوْرَاةُ- ﴿هُدًى وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ﴾ وَهِيَ: الْعُقُولُ الصَّحِيحَةُ السَّلِيمَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَاصْبِرْ﴾ أَيْ: يَا مُحَمَّدُ، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ أَيْ: وَعَدْنَاكَ أَنَّا سَنُعْلِي كَلِمَتَكَ، وَنَجْعَلُ الْعَاقِبَةَ لَكَ وَلِمَنِ اتَّبَعَكَ، وَاللَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ. وَهَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَاكَ بِهِ حَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ هَذَا تَهْيِيجٌ لِلْأُمَّةِ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ﴾ أَيْ: فِي أَوَاخِرِ النَّهَارِ وَأَوَائِلِ اللَّيْلِ، ﴿وَالإبْكَارِ﴾ وَهِيَ أَوَائِلُ النَّهَارِ وَأَوَاخِرُ اللَّيْلِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أَيْ: يَدْفَعُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَيَرُدُّونَ الْحُجَجَ الصَّحِيحَةَ بِالشُّبَهِ الْفَاسِدَةِ بِلَا بُرْهَانٍ وَلَا حُجَّةٍ مِنَ اللَّهِ، ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ أَيْ: مَا فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبَرٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ، وَاحْتِقَارٌ لِمَنْ جَاءَهُمْ بِهِ، وَلَيْسَ مَا يَرُومُونَهُ مِنْ إِخْمَالِ الْحَقِّ وَإِعْلَاءِ الْبَاطِلِ بِحَاصِلٍ لَهُمْ، بَلِ الْحَقُّ هُوَ الْمَرْفُوعُ، وَقَوْلُهُمْ وَقَصْدُهُمْ هُوَ الْمَوْضُوعُ، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أَيْ: مِنْ حَالِ مِثْلِ هَؤُلَاءِ، ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أَوْ [[في ت: "أي".]] مِنْ شَرِّ [[في أ: "شك".]] مِثْلِ هَؤُلَاءِ الْمُجَادِلِينَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ. هَذَا تَفْسِيرُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَقَالَ كَعْبٌ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْيَهُودِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: وَذَلِكَ أَنَّهُمُ ادَّعَوْا أَنَّ الدَّجَّالَ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ بِهِ الْأَرْضَ. فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ آمِرًا لَهُ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ، وَفِيهِ تَعَسُّفٌ بَعِيدٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ (٥٥) ﴾ يقول تعالى ذكره ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى﴾ البيان للحقّ الذي بعثناه به كما آتينا ذلك محمدا فكذّب به فرعون وقومه، كما كذّبت قريش محمدا ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ يقول: وأورثنا بني إسرائيل التوراة، فعلَّمناهموها، وأنزلنا اليهم ﴿هُدًى﴾ يعني بيانا لأمر دينهم، وما ألزمناهم من فرائضها، ﴿وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ﴾ يقول: وتذكيرا منا لأهل الحجا والعقول منهم بها. * * وقوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فاصبر يا محمد لأمر ربك، وانفذ لما أرسلك به من الرسالة، وبلِّغ قومك ومن أمرت بإبلاغه ما أنزل إليك، وأيقن بحقيقة وعد الله الذي وعدك من نصرتك، ونصرة من صدّقك وآمن بك، على من كذّبك، وأنكر ما جئته به من عند ربك، وإن وعد الله حقّ لا خلف له وهو منجز له ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ يقول: وسله غفران ذنوبك وعفوه لك عنه ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ يقول: وصلّ بالشكر منك لربك ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ وذلك من زوال الشمس إلى الليل ﴿وَالإبْكَارِ﴾ وذلك من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس. وقد وجه قوم الإبكار إلى أنه من طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى، وخروج وقت الضحى، والمعروف عند العرب القول الأوّل. واختلف أهل العربية في وجه عطف الإبكار والباء غير حسن دخولها فيه على العشيّ، والباء تحسن فيه، فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: وسبح بحمد ربك بالعشي وفي الإبكار. وقال: قد يقال: بالدار زيد، يراد: فى الدار زيد، وقال غيره: إنما قيل ذلك كذلك، لأن معنى الكلام: صل بالحمد بهذين الوقتين وفي هذين الوقتين، فإدخال الباء في واحد فيهما.

Al-Mukhtasar (français)

Ceci, afin qu’ils soient guidés vers le chemin de la vérité et que ceux qui sont dotés d’une raison saine jouissent d’un rappel.

55

فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَٰرِ

Endure donc, car la promesse d'Allah est vérité, implore le pardon pour ton péché et célèbre la gloire et la louange de ton Seigneur, soir et matin.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

قَدْ أَوْرَدَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ سُؤَالًا فَقَالَ: قَدْ عُلِم أَنَّ بَعْضَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَتَلَهُ قَوْمُهُ بِالْكُلِّيَّةِ كَيَحْيَى وَزَكَرِيَّا [[في ت، أ: "كيحيى بن زكريا"]] وَشَعْيَاءَ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ إِمَّا مُهَاجِرًا كَإِبْرَاهِيمَ [[في أ: "كإبراهيم عليه السلام".]] ، وَإِمَّا إِلَى السَّمَاءِ كَعِيسَى [[في أ: "كعيسى عليه السلام".]] ، فَأَيْنَ النُّصْرَةُ فِي الدُّنْيَا؟ ثُمَّ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِجَوَابَيْنِ [[تفسير الطبري (٢٤/٤٨) .]] . أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ خَرَجَ عَامًّا، وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَعْضُ، قَالَ: وَهَذَا سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّصْرِ الِانْتِصَارُ لَهُمْ مِمَّنْ آذَاهُمْ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِمْ أَوْ فِي غَيْبَتِهِمْ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، كَمَا فُعِلَ بِقَتَلَةِ يَحْيَى وَزَكَرِيَّا [[في ت "يحيى بن زكريا".]] وَشَعْيَاءَ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ مَنْ أَهَانَهُمْ وَسَفَكَ دِمَاءَهُمْ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ النُّمْرُوذَ أَخَذَهُ اللَّهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، وَأَمَّا الَّذِينَ رَامُوا صَلْبَ الْمَسِيحِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنَ الْيَهُودِ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّومَ فَأَهَانُوهُمْ وَأَذَلُّوهُمْ، وَأَظْهَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ سَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ إِمَامًا عَادِلًا وَحَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَقْتُلُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ وَجُنُودَهُ مِنَ الْيَهُودِ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ فَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ. وَهَذِهِ نُصْرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ: أَنَّهُ يَنْصُرُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا، وَيُقِرُّ أَعْيُنَهُمْ مِمَّنْ آذَاهُمْ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْحَرْبِ" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٠٢) .]] وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "إِنِّي لِأَثْأَرُ لِأَوْلِيَائِي كَمَا يَثْأَرُ اللَّيْثُ الْحِرِبُ" [[لم أجده بهذا اللفظ وقد رواه أبو نعيم في الحلية (١/١١) موقوفا على ابن عباس: "وأنا الثائر لأوليائي يوم القيامة".]] ؛ وَلِهَذَا أَهْلَكَ تَعَالَى قَوْمَ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَأَصْحَابَ الرَّسِّ، وَقَوْمَ لُوطٍ، وَأَهْلَ [[في أ: "وأصحاب".]] مَدْيَنَ، وَأَشْبَاهَهُمْ وَأَضْرَابَهُمْ مِمَّنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ وَخَالَفَ الْحَقَّ. وَأَنْجَى اللَّهُ مِنْ بَيْنِهِمُ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يُهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَعَذَّبَ الْكَافِرِينَ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدًا [[في س: "واحدا".]] . قَالَ السُّدِّيُّ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ رَسُولًا قَطُّ إِلَى قَوْمٍ فَيَقْتُلُونَهُ، أَوْ قَوْمًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَدْعُونَ إِلَى الْحَقِّ فَيُقْتَلُونَ، فَيَذْهَبُ ذَلِكَ الْقَرْنُ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ لَهُمْ مَنْ يَنْصُرُهُمْ، فَيَطْلُبُ بِدِمَائِهِمْ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا. قَالَ: فَكَانَتِ [[في ت، س: "وكانت".]] الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُؤْمِنُونَ يُقْتَلُونَ فِي الدنيا، وهم منصورون فيها. وَهَكَذَا نَصَرَ اللَّهُ [سُبْحَانَهُ] [[زيادة من أ.]] نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَأَصْحَابَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ وَنَاوَأَهُ، وَكَذَّبَهُ وَعَادَاهُ، فَجَعَلَ كَلِمَتَهُ هِيَ الْعُلْيَا، وَدِينَهُ هُوَ الظَّاهِرَ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ. وَأَمَرَهُ بِالْهِجْرَةِ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانَيْ قَوْمِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَجَعَلَ لَهُ فِيهَا أَنْصَارًا وَأَعْوَانًا، ثُمَّ مَنَحَهُ أَكْتَافَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَنَصْرَهُ عَلَيْهِمْ وَخَذَلَهُمْ لَهُ، وَقَتَلَ صَنَادِيدَهُمْ، وَأَسَرَ سَرَاتَهُمْ، فَاسْتَاقَهُمْ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ، ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِأَخْذِهِ الْفِدَاءَ مِنْهُمْ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ فَتَحَ [عَلَيْهِ] [[زيادة من ت، وفي أ: "عليهم".]] مَكَّةَ، فَقَرَّتْ عَيْنُهُ بِبَلَدِهِ، وَهُوَ الْبَلَدُ الْمُحَرَّمُ الْحَرَامُ الْمُشَرَّفُ الْمُعَظَّمُ، فَأَنْقَذَهُ اللَّهُ بِهِ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، وَفَتَحَ لَهُ الْيَمَنَ، وَدَانَتْ لَهُ جَزِيرَةُ [[في ت: "جزائر".]] الْعَرَبِ بِكَمَالِهَا، وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ، تَعَالَى، إِلَيْهِ لِمَا لَهُ عِنْدَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ الْعَظِيمَةِ، فَأَقَامَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ خُلَفَاءَ بَعْدَهُ، فَبَلَّغُوا عَنْهُ دِينَ اللَّهِ، وَدَعَوْا عِبَادَ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ. وَفَتَحُوا الْبِلَادَ وَالرَّسَاتِيقَ وَالْأَقَالِيمَ وَالْمَدَائِنَ وَالْقُرَى وَالْقُلُوبَ، حَتَّى انْتَشَرَتِ الدَّعْوَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا. ثُمَّ لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا مَنْصُورًا ظَاهِرًا إِلَى قِيَامِ [[في ت: "يوم".]] السَّاعَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَكُونُ النُّصْرَةُ أَعْظَمَ وَأَكْبَرَ وَأَجَلَّ. قَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَشْهَادُ: الْمَلَائِكَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ . وَقَرَأَ آخَرُونَ: "يَوْمُ" بِالرَّفْعِ، كَأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِهِ ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِين﴾ ، وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ ﴿مَعْذِرَتُهُم﴾ أَيْ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ عُذْرٌ وَلَا فِدْيَةٌ، ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أَيِ: الْإِبْعَادُ وَالطَّرْدُ مِنَ الرَّحْمَةِ، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ وَهِيَ النَّارُ. قَالَهُ السُّدِّيُّ، بِئْسَ الْمَنْزِلُ وَالْمَقِيلُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ أَيْ: سُوءُ الْعَاقِبَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ وَهُوَ مَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالنُّورِ، ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ أَيْ: جَعَلْنَا لَهُمُ الْعَاقِبَةَ، وَأَوْرَثْنَاهُمْ [[في ت: "وأورثنا بني إسرائيل".]] بِلَادَ فِرْعَوْنَ وَأَمْوَالَهُ وَحَوَاصِلَهُ وَأَرْضَهُ، بِمَا صَبَرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ رَسُولِهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَفِي الْكِتَابِ الَّذِي أُورِثُوهُ -وَهُوَ التَّوْرَاةُ- ﴿هُدًى وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ﴾ وَهِيَ: الْعُقُولُ الصَّحِيحَةُ السَّلِيمَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَاصْبِرْ﴾ أَيْ: يَا مُحَمَّدُ، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ أَيْ: وَعَدْنَاكَ أَنَّا سَنُعْلِي كَلِمَتَكَ، وَنَجْعَلُ الْعَاقِبَةَ لَكَ وَلِمَنِ اتَّبَعَكَ، وَاللَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ. وَهَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَاكَ بِهِ حَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ هَذَا تَهْيِيجٌ لِلْأُمَّةِ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ﴾ أَيْ: فِي أَوَاخِرِ النَّهَارِ وَأَوَائِلِ اللَّيْلِ، ﴿وَالإبْكَارِ﴾ وَهِيَ أَوَائِلُ النَّهَارِ وَأَوَاخِرُ اللَّيْلِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أَيْ: يَدْفَعُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَيَرُدُّونَ الْحُجَجَ الصَّحِيحَةَ بِالشُّبَهِ الْفَاسِدَةِ بِلَا بُرْهَانٍ وَلَا حُجَّةٍ مِنَ اللَّهِ، ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ أَيْ: مَا فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبَرٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ، وَاحْتِقَارٌ لِمَنْ جَاءَهُمْ بِهِ، وَلَيْسَ مَا يَرُومُونَهُ مِنْ إِخْمَالِ الْحَقِّ وَإِعْلَاءِ الْبَاطِلِ بِحَاصِلٍ لَهُمْ، بَلِ الْحَقُّ هُوَ الْمَرْفُوعُ، وَقَوْلُهُمْ وَقَصْدُهُمْ هُوَ الْمَوْضُوعُ، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أَيْ: مِنْ حَالِ مِثْلِ هَؤُلَاءِ، ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أَوْ [[في ت: "أي".]] مِنْ شَرِّ [[في أ: "شك".]] مِثْلِ هَؤُلَاءِ الْمُجَادِلِينَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ. هَذَا تَفْسِيرُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَقَالَ كَعْبٌ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْيَهُودِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: وَذَلِكَ أَنَّهُمُ ادَّعَوْا أَنَّ الدَّجَّالَ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ بِهِ الْأَرْضَ. فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ آمِرًا لَهُ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ، وَفِيهِ تَعَسُّفٌ بَعِيدٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الذين يخاصمونك يا محمد فيما أتيتهم به من عند ربك من الآيات ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ يقول: بغير حجة جاءتهم من عند الله بمخاصمتك فيها ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ﴾ يقول: ما في صدورهم إلا كبر يتكبرون من أجله عن اتباعك، وقبول الحق الذي أتيتهم به حسدا منهم على الفضل الذي آتاك الله، والكرامة التي أكرمك بها من النبوّة ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ يقول: الذي حسدوك عليه أمر ليسوا بُمدركيه ولا نائليه، لأن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وليس بالأمر الذي يدرك بالأمانيّ؛ وقد قيل: إن معناه: إن في صدورهم إلا عظمة ما هم ببالغي تلك العظمة لأن الله مذلُّهم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال. ثني أبو عاصم، قال. ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ﴾ قال: عظمة. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتاد.، قوله. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ لم يأتهم بذاك سلطان. * * وقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ يقول تعالى ذكره: فاستجر بالله يا محمد من شرّ هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان، ومن الكبر أن يعرض فى قلبك منه شيء ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ يقول: إن الله هو السميع لما يقول هؤلاء المجادلون في آيات الله وغيرهم من قول البصير بما تمله جوارحهم، لا يخفى عليه شيء من ذلك.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, endure patiemment le démenti et la persécution des tiens. La promesse que te fit Allah de te secourir et de te soutenir est une vérité indubitable. Demande le pardon pour ton péché et glorifie ton Seigneur en début et en fin de journée.

56

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۙ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌۭ مَّا هُم بِبَٰلِغِيهِ ۚ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ

Ceux qui discutent sur les versets d'Allah sans qu'aucune preuve ne leur soit venue, n'ont dans leurs poitrines qu'orgueil. Ils n'atteindront pas leur but. Implore donc la protection d'Allah, car c'est Lui l'Audient, le Clairvoyant.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

قَدْ أَوْرَدَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ سُؤَالًا فَقَالَ: قَدْ عُلِم أَنَّ بَعْضَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَتَلَهُ قَوْمُهُ بِالْكُلِّيَّةِ كَيَحْيَى وَزَكَرِيَّا [[في ت، أ: "كيحيى بن زكريا"]] وَشَعْيَاءَ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ إِمَّا مُهَاجِرًا كَإِبْرَاهِيمَ [[في أ: "كإبراهيم عليه السلام".]] ، وَإِمَّا إِلَى السَّمَاءِ كَعِيسَى [[في أ: "كعيسى عليه السلام".]] ، فَأَيْنَ النُّصْرَةُ فِي الدُّنْيَا؟ ثُمَّ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِجَوَابَيْنِ [[تفسير الطبري (٢٤/٤٨) .]] . أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ خَرَجَ عَامًّا، وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَعْضُ، قَالَ: وَهَذَا سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّصْرِ الِانْتِصَارُ لَهُمْ مِمَّنْ آذَاهُمْ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِمْ أَوْ فِي غَيْبَتِهِمْ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، كَمَا فُعِلَ بِقَتَلَةِ يَحْيَى وَزَكَرِيَّا [[في ت "يحيى بن زكريا".]] وَشَعْيَاءَ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ مَنْ أَهَانَهُمْ وَسَفَكَ دِمَاءَهُمْ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ النُّمْرُوذَ أَخَذَهُ اللَّهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، وَأَمَّا الَّذِينَ رَامُوا صَلْبَ الْمَسِيحِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنَ الْيَهُودِ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّومَ فَأَهَانُوهُمْ وَأَذَلُّوهُمْ، وَأَظْهَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ سَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ إِمَامًا عَادِلًا وَحَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَقْتُلُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ وَجُنُودَهُ مِنَ الْيَهُودِ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ فَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ. وَهَذِهِ نُصْرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ: أَنَّهُ يَنْصُرُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا، وَيُقِرُّ أَعْيُنَهُمْ مِمَّنْ آذَاهُمْ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْحَرْبِ" [[صحيح البخاري برقم (٦٥٠٢) .]] وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "إِنِّي لِأَثْأَرُ لِأَوْلِيَائِي كَمَا يَثْأَرُ اللَّيْثُ الْحِرِبُ" [[لم أجده بهذا اللفظ وقد رواه أبو نعيم في الحلية (١/١١) موقوفا على ابن عباس: "وأنا الثائر لأوليائي يوم القيامة".]] ؛ وَلِهَذَا أَهْلَكَ تَعَالَى قَوْمَ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَأَصْحَابَ الرَّسِّ، وَقَوْمَ لُوطٍ، وَأَهْلَ [[في أ: "وأصحاب".]] مَدْيَنَ، وَأَشْبَاهَهُمْ وَأَضْرَابَهُمْ مِمَّنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ وَخَالَفَ الْحَقَّ. وَأَنْجَى اللَّهُ مِنْ بَيْنِهِمُ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يُهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَعَذَّبَ الْكَافِرِينَ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدًا [[في س: "واحدا".]] . قَالَ السُّدِّيُّ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ رَسُولًا قَطُّ إِلَى قَوْمٍ فَيَقْتُلُونَهُ، أَوْ قَوْمًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَدْعُونَ إِلَى الْحَقِّ فَيُقْتَلُونَ، فَيَذْهَبُ ذَلِكَ الْقَرْنُ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ لَهُمْ مَنْ يَنْصُرُهُمْ، فَيَطْلُبُ بِدِمَائِهِمْ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا. قَالَ: فَكَانَتِ [[في ت، س: "وكانت".]] الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُؤْمِنُونَ يُقْتَلُونَ فِي الدنيا، وهم منصورون فيها. وَهَكَذَا نَصَرَ اللَّهُ [سُبْحَانَهُ] [[زيادة من أ.]] نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَأَصْحَابَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ وَنَاوَأَهُ، وَكَذَّبَهُ وَعَادَاهُ، فَجَعَلَ كَلِمَتَهُ هِيَ الْعُلْيَا، وَدِينَهُ هُوَ الظَّاهِرَ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ. وَأَمَرَهُ بِالْهِجْرَةِ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانَيْ قَوْمِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَجَعَلَ لَهُ فِيهَا أَنْصَارًا وَأَعْوَانًا، ثُمَّ مَنَحَهُ أَكْتَافَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَنَصْرَهُ عَلَيْهِمْ وَخَذَلَهُمْ لَهُ، وَقَتَلَ صَنَادِيدَهُمْ، وَأَسَرَ سَرَاتَهُمْ، فَاسْتَاقَهُمْ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ، ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِأَخْذِهِ الْفِدَاءَ مِنْهُمْ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ فَتَحَ [عَلَيْهِ] [[زيادة من ت، وفي أ: "عليهم".]] مَكَّةَ، فَقَرَّتْ عَيْنُهُ بِبَلَدِهِ، وَهُوَ الْبَلَدُ الْمُحَرَّمُ الْحَرَامُ الْمُشَرَّفُ الْمُعَظَّمُ، فَأَنْقَذَهُ اللَّهُ بِهِ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، وَفَتَحَ لَهُ الْيَمَنَ، وَدَانَتْ لَهُ جَزِيرَةُ [[في ت: "جزائر".]] الْعَرَبِ بِكَمَالِهَا، وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ، تَعَالَى، إِلَيْهِ لِمَا لَهُ عِنْدَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ الْعَظِيمَةِ، فَأَقَامَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ خُلَفَاءَ بَعْدَهُ، فَبَلَّغُوا عَنْهُ دِينَ اللَّهِ، وَدَعَوْا عِبَادَ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ. وَفَتَحُوا الْبِلَادَ وَالرَّسَاتِيقَ وَالْأَقَالِيمَ وَالْمَدَائِنَ وَالْقُرَى وَالْقُلُوبَ، حَتَّى انْتَشَرَتِ الدَّعْوَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا. ثُمَّ لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا مَنْصُورًا ظَاهِرًا إِلَى قِيَامِ [[في ت: "يوم".]] السَّاعَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَكُونُ النُّصْرَةُ أَعْظَمَ وَأَكْبَرَ وَأَجَلَّ. قَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَشْهَادُ: الْمَلَائِكَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ . وَقَرَأَ آخَرُونَ: "يَوْمُ" بِالرَّفْعِ، كَأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِهِ ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِين﴾ ، وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ ﴿مَعْذِرَتُهُم﴾ أَيْ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ عُذْرٌ وَلَا فِدْيَةٌ، ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أَيِ: الْإِبْعَادُ وَالطَّرْدُ مِنَ الرَّحْمَةِ، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ وَهِيَ النَّارُ. قَالَهُ السُّدِّيُّ، بِئْسَ الْمَنْزِلُ وَالْمَقِيلُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ أَيْ: سُوءُ الْعَاقِبَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ وَهُوَ مَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالنُّورِ، ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ أَيْ: جَعَلْنَا لَهُمُ الْعَاقِبَةَ، وَأَوْرَثْنَاهُمْ [[في ت: "وأورثنا بني إسرائيل".]] بِلَادَ فِرْعَوْنَ وَأَمْوَالَهُ وَحَوَاصِلَهُ وَأَرْضَهُ، بِمَا صَبَرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ رَسُولِهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَفِي الْكِتَابِ الَّذِي أُورِثُوهُ -وَهُوَ التَّوْرَاةُ- ﴿هُدًى وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ﴾ وَهِيَ: الْعُقُولُ الصَّحِيحَةُ السَّلِيمَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَاصْبِرْ﴾ أَيْ: يَا مُحَمَّدُ، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ أَيْ: وَعَدْنَاكَ أَنَّا سَنُعْلِي كَلِمَتَكَ، وَنَجْعَلُ الْعَاقِبَةَ لَكَ وَلِمَنِ اتَّبَعَكَ، وَاللَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ. وَهَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَاكَ بِهِ حَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ هَذَا تَهْيِيجٌ لِلْأُمَّةِ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ﴾ أَيْ: فِي أَوَاخِرِ النَّهَارِ وَأَوَائِلِ اللَّيْلِ، ﴿وَالإبْكَارِ﴾ وَهِيَ أَوَائِلُ النَّهَارِ وَأَوَاخِرُ اللَّيْلِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أَيْ: يَدْفَعُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَيَرُدُّونَ الْحُجَجَ الصَّحِيحَةَ بِالشُّبَهِ الْفَاسِدَةِ بِلَا بُرْهَانٍ وَلَا حُجَّةٍ مِنَ اللَّهِ، ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ أَيْ: مَا فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبَرٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ، وَاحْتِقَارٌ لِمَنْ جَاءَهُمْ بِهِ، وَلَيْسَ مَا يَرُومُونَهُ مِنْ إِخْمَالِ الْحَقِّ وَإِعْلَاءِ الْبَاطِلِ بِحَاصِلٍ لَهُمْ، بَلِ الْحَقُّ هُوَ الْمَرْفُوعُ، وَقَوْلُهُمْ وَقَصْدُهُمْ هُوَ الْمَوْضُوعُ، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أَيْ: مِنْ حَالِ مِثْلِ هَؤُلَاءِ، ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أَوْ [[في ت: "أي".]] مِنْ شَرِّ [[في أ: "شك".]] مِثْلِ هَؤُلَاءِ الْمُجَادِلِينَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ. هَذَا تَفْسِيرُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَقَالَ كَعْبٌ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْيَهُودِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: وَذَلِكَ أَنَّهُمُ ادَّعَوْا أَنَّ الدَّجَّالَ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ بِهِ الْأَرْضَ. فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ آمِرًا لَهُ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ، وَفِيهِ تَعَسُّفٌ بَعِيدٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الذين يخاصمونك يا محمد فيما أتيتهم به من عند ربك من الآيات ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ يقول: بغير حجة جاءتهم من عند الله بمخاصمتك فيها ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ﴾ يقول: ما في صدورهم إلا كبر يتكبرون من أجله عن اتباعك، وقبول الحق الذي أتيتهم به حسدا منهم على الفضل الذي آتاك الله، والكرامة التي أكرمك بها من النبوّة ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ يقول: الذي حسدوك عليه أمر ليسوا بُمدركيه ولا نائليه، لأن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وليس بالأمر الذي يدرك بالأمانيّ؛ وقد قيل: إن معناه: إن في صدورهم إلا عظمة ما هم ببالغي تلك العظمة لأن الله مذلُّهم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال. ثني أبو عاصم، قال. ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ﴾ قال: عظمة. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتاد.، قوله. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ لم يأتهم بذاك سلطان. * * وقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ يقول تعالى ذكره: فاستجر بالله يا محمد من شرّ هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان، ومن الكبر أن يعرض فى قلبك منه شيء ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ يقول: إن الله هو السميع لما يقول هؤلاء المجادلون في آيات الله وغيرهم من قول البصير بما تمله جوارحهم، لا يخفى عليه شيء من ذلك.

Al-Mukhtasar (français)

Ceux qui se querellent au sujet des versets d’Allah dans la finalité de les invalider, sans ne détenir ni preuve ni argument, ne sont motivés que par l’arrogance et le dédain de la vérité et ils ne parviendront pas à leur fin. Ô Messager, prends refuge auprès d’Allah car Il entend les paroles de Ses serviteurs et voit leurs agissements. Rien ne Lui en échappe et Il les rétribuera selon leur nature.

57

لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

La création des cieux et de la terre est quelque chose de plus grand que la création des gens. Mais la plupart des gens ne savent pas.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى أَنَّهُ يُعِيدُ الْخَلَائِقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ سَهْلٌ عَلَيْهِ، يَسِيرٌ لَدَيْهِ -بِأَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَخَلْقُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ بَدْأَةً وَإِعَادَةً، فَمَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَا دُونَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٣٣] [[في ت، أ: "أو ليس الذي خلق السموات والأرض بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ على كل شيء قدير" وهو خطأ والصواب ما أثبتناه حيث إن ناسخا المخطوطتين ت، أقد خلطا بين الآية الحادية والثمانين من سورة يس وبين الآية الثالثة والثلاثين من سورة الأحقاف.]] . وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ؛ فَلِهَذَا لَا يَتَدَبَّرُونَ هَذِهِ الْحُجَّةَ وَلَا يَتَأَمَّلُونَهَا، كَمَا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَيُنْكِرُونَ الْمَعَادَ، اسْتِبْعَادًا وَكُفْرًا وَعِنَادًا، وَقَدِ اعْتَرَفُوا بِمَا هُوَ أَوْلَى مِمَّا أَنْكَرُوا. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ﴾ أَيْ كَمَا لَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى الَّذِي لَا يُبْصِرُ شَيْئًا، وَالْبَصِيرُ الَّذِي يَرَى مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ، بَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ عَظِيمٌ، كَذَلِكَ لَا يَسْتَوِي الْمُؤْمِنُونَ الْأَبْرَارُ وَالْكَفَرَةُ الْفُجَّارُ، ﴿قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أَيْ: مَا أَقَلَّ مَا يَتَذَكَّرُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ [[في ت: "آتية وهو خطأ.]] أَيْ لَكَائِنَةٌ وَوَاقِعَةٌ ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: لَا يُصَدِّقُونَ بِهَا، بل يكذبون بوجودها. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا أَشْهَبُ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ [[في ت: "روى ابن أبي حاتم عن".]] شَيْخٍ قَدِيمٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ -قَدِمَ مِنْ ثَمَّ-قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّ السَّاعَةَ إِذَا دَنَتِ اشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَى النَّاسِ، وَاشْتَدَّ حَرُّ الشَّمْسِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: لابتداع السموات والأرض وإنشاؤها من غير شيء أعظم أيها الناس عندكم إن كنتم مستعظمي خلق الناس، وإنشائهم من غير شيء من خلق الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن خلق جميع ذلك هين على الله. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) ﴾ وما يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئا، وهو مثل الكافر الذي لا يتأمل حجج الله بعينيه، فيتدبرها ويعتبر بها، فيعلم وحدانيته وقُدرته على خلق ما شاء من شيء، ويؤمن به ويصدّق. والبصير الذي يرى بعينيه ما شخص لهما ويبصره، وذلك مئل للمؤمن الذي يرى بعينيه حجج الله، فيتفكَّر فيها ويتعظ، ويعلم ما دلت عليه من توحيد صانعه، وعظيم سلطانه وقُدرته على خلق ما يشاء؛ يقول جلّ ثناؤه: كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ولا يستوي أيضا كذلك المؤمنون بالله ورسوله، المطيعون لربهم، ولا المسيء، وهو الكافر بربه، العاصي له، المخالف أمره ﴿قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ يقول جل ثناؤه: قليلا ما تتذكرون أيها الناس حجج الله، فتعتبرون وتتعظون؛ يقول: لو تذكرتم آياته واعتبرتم، لعرفتم خطأ ما أنتم عليه مقيمون من إنكاركم قدرة الله على إحيائه من فني من خلقه من بعد الفناء، وإعادتهم لحياتهم من بعد وفاتهم، وعلمتم قبح شرككم من تشركون في عبادة ربكم. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿تَتَذَكَّرُونَ﴾ فقرأت ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة:"يَتَذَكَّرُونَ" بالياء على وجه الخبر، وقرأته عامة قرّاء الكوفة: ﴿تَتَذَكَّرُونَ﴾ بالتاء على وجه الخطاب، والقول في ذلك أن القراءة بهما صواب.

Al-Mukhtasar (français)

La Création des Cieux et de la Terre, immenses et étendus, est assurément plus impressionnante que la création des gens. En effet, Celui qui les a créés sachant leur immensité, à le pouvoir de ressusciter les morts de leurs tombes ainsi que de leur demander des comptes et de les rétribuer. Seulement, la plupart des gens ne savent pas cela, n’en tirent pas d’enseignement ni ne considèrent cela comme une preuve confirmant la Ressuscitation, malgré sa clarté.

58

وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَلَا ٱلْمُسِىٓءُ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تَتَذَكَّرُونَ

L'aveugle et le voyant ne sont pas égaux, et ceux qui croient et accomplissent les bonnes œuvres ne peuvent être comparés à celui qui fait le mal. C'est rare que vous vous rappeliez!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى أَنَّهُ يُعِيدُ الْخَلَائِقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ سَهْلٌ عَلَيْهِ، يَسِيرٌ لَدَيْهِ -بِأَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَخَلْقُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ بَدْأَةً وَإِعَادَةً، فَمَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَا دُونَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٣٣] [[في ت، أ: "أو ليس الذي خلق السموات والأرض بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ على كل شيء قدير" وهو خطأ والصواب ما أثبتناه حيث إن ناسخا المخطوطتين ت، أقد خلطا بين الآية الحادية والثمانين من سورة يس وبين الآية الثالثة والثلاثين من سورة الأحقاف.]] . وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ؛ فَلِهَذَا لَا يَتَدَبَّرُونَ هَذِهِ الْحُجَّةَ وَلَا يَتَأَمَّلُونَهَا، كَمَا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَيُنْكِرُونَ الْمَعَادَ، اسْتِبْعَادًا وَكُفْرًا وَعِنَادًا، وَقَدِ اعْتَرَفُوا بِمَا هُوَ أَوْلَى مِمَّا أَنْكَرُوا. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ﴾ أَيْ كَمَا لَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى الَّذِي لَا يُبْصِرُ شَيْئًا، وَالْبَصِيرُ الَّذِي يَرَى مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ، بَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ عَظِيمٌ، كَذَلِكَ لَا يَسْتَوِي الْمُؤْمِنُونَ الْأَبْرَارُ وَالْكَفَرَةُ الْفُجَّارُ، ﴿قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أَيْ: مَا أَقَلَّ مَا يَتَذَكَّرُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ [[في ت: "آتية وهو خطأ.]] أَيْ لَكَائِنَةٌ وَوَاقِعَةٌ ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: لَا يُصَدِّقُونَ بِهَا، بل يكذبون بوجودها. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا أَشْهَبُ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ [[في ت: "روى ابن أبي حاتم عن".]] شَيْخٍ قَدِيمٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ -قَدِمَ مِنْ ثَمَّ-قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّ السَّاعَةَ إِذَا دَنَتِ اشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَى النَّاسِ، وَاشْتَدَّ حَرُّ الشَّمْسِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: لابتداع السموات والأرض وإنشاؤها من غير شيء أعظم أيها الناس عندكم إن كنتم مستعظمي خلق الناس، وإنشائهم من غير شيء من خلق الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن خلق جميع ذلك هين على الله. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) ﴾ وما يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئا، وهو مثل الكافر الذي لا يتأمل حجج الله بعينيه، فيتدبرها ويعتبر بها، فيعلم وحدانيته وقُدرته على خلق ما شاء من شيء، ويؤمن به ويصدّق. والبصير الذي يرى بعينيه ما شخص لهما ويبصره، وذلك مئل للمؤمن الذي يرى بعينيه حجج الله، فيتفكَّر فيها ويتعظ، ويعلم ما دلت عليه من توحيد صانعه، وعظيم سلطانه وقُدرته على خلق ما يشاء؛ يقول جلّ ثناؤه: كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ولا يستوي أيضا كذلك المؤمنون بالله ورسوله، المطيعون لربهم، ولا المسيء، وهو الكافر بربه، العاصي له، المخالف أمره ﴿قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ يقول جل ثناؤه: قليلا ما تتذكرون أيها الناس حجج الله، فتعتبرون وتتعظون؛ يقول: لو تذكرتم آياته واعتبرتم، لعرفتم خطأ ما أنتم عليه مقيمون من إنكاركم قدرة الله على إحيائه من فني من خلقه من بعد الفناء، وإعادتهم لحياتهم من بعد وفاتهم، وعلمتم قبح شرككم من تشركون في عبادة ربكم. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿تَتَذَكَّرُونَ﴾ فقرأت ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة:"يَتَذَكَّرُونَ" بالياء على وجه الخبر، وقرأته عامة قرّاء الكوفة: ﴿تَتَذَكَّرُونَ﴾ بالتاء على وجه الخطاب، والقول في ذلك أن القراءة بهما صواب.

Al-Mukhtasar (français)

Ne sont pas égaux celui qui voit et celui qui ne voit pas, ni ne sont égaux ceux qui croient en Allah et excellent dans leur œuvres et ceux qui, à cause de leur croyance corrompue et leurs mauvaises œuvres, sont malfaisants. Vous n’êtes que très peu à vous rappeler car si vous vous rappeliez, vous connaîtriez la différence entre les deux partis et vous vous efforceriez de faire partie de ceux qui croient et accomplissent de bonnes œuvres afin d’être agréé par Allah.

59

إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَءَاتِيَةٌۭ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ

En vérité; L'Heure va arriver: pas de doute là-dessus; mais la plupart des gens n'y croient pas.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى أَنَّهُ يُعِيدُ الْخَلَائِقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ سَهْلٌ عَلَيْهِ، يَسِيرٌ لَدَيْهِ -بِأَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَخَلْقُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ بَدْأَةً وَإِعَادَةً، فَمَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَا دُونَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٣٣] [[في ت، أ: "أو ليس الذي خلق السموات والأرض بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ على كل شيء قدير" وهو خطأ والصواب ما أثبتناه حيث إن ناسخا المخطوطتين ت، أقد خلطا بين الآية الحادية والثمانين من سورة يس وبين الآية الثالثة والثلاثين من سورة الأحقاف.]] . وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ؛ فَلِهَذَا لَا يَتَدَبَّرُونَ هَذِهِ الْحُجَّةَ وَلَا يَتَأَمَّلُونَهَا، كَمَا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَيُنْكِرُونَ الْمَعَادَ، اسْتِبْعَادًا وَكُفْرًا وَعِنَادًا، وَقَدِ اعْتَرَفُوا بِمَا هُوَ أَوْلَى مِمَّا أَنْكَرُوا. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ﴾ أَيْ كَمَا لَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى الَّذِي لَا يُبْصِرُ شَيْئًا، وَالْبَصِيرُ الَّذِي يَرَى مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ، بَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ عَظِيمٌ، كَذَلِكَ لَا يَسْتَوِي الْمُؤْمِنُونَ الْأَبْرَارُ وَالْكَفَرَةُ الْفُجَّارُ، ﴿قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أَيْ: مَا أَقَلَّ مَا يَتَذَكَّرُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ [[في ت: "آتية وهو خطأ.]] أَيْ لَكَائِنَةٌ وَوَاقِعَةٌ ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: لَا يُصَدِّقُونَ بِهَا، بل يكذبون بوجودها. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا أَشْهَبُ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ [[في ت: "روى ابن أبي حاتم عن".]] شَيْخٍ قَدِيمٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ -قَدِمَ مِنْ ثَمَّ-قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّ السَّاعَةَ إِذَا دَنَتِ اشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَى النَّاسِ، وَاشْتَدَّ حَرُّ الشَّمْسِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الساعة التي يحيي الله فيها الموتى للثواب والعقاب لجائية أيها الناس لا شكّ في مجيئها؛ يقول: فأيقنوا بمجيئها، وأنكم مبعوثون من بعد مماتكم، ومجازون بأعمالكم، فتوبوا إلى ربكم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ يقول: ولكن أكثر قريش لا يصدّقون بمجيئها. * * وقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ يقول تعالى ذكره: ويقول ربكم أيها الناس لكم ادعوني: يقول: اعبدوني وأخلصوا لي العبادة دون من تعبدون من دوني من الأوثان والأصنام وغير ذلك ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ يقول: أُجِبْ دعاءكم فأعفو عنكم وأرحمكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ يقول: وحَّدوني أغفر لكم. ⁕ حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا عبد الله بن داود، عن الأعمش، عن زرّ، عن يسيع الحضرمي، عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ:"الدُّعاءُ هُوَ العِبادَةُ" وقرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ . ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، والأعمش عن زرّ، عن يسيع الحضرمي، عن النعمان بن بشير، قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول:"الدُّعاءُ هُوَ العبادَةُ، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ... الآية. ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن زرّ، عن يسيع قال أبو موسى: هكذا قال غندر، عن سعيد، عن منصور، عن زرّ، عن يسيع، عن النعمان بن بشير قال: قال النبي ﷺ:"إنَّ الدُّعاءَ هُوَ العِبَادَةُ" ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ . ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن زر، عن يسيع عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ بمثله. ⁕ حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا يوسف بن العرف الباهلي، عن الحسن بن أبي جعفر، عن محمد بن جحادة، عن يسيع الحضرمي، عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ:"إنَّ عِبَادَتي دُعائي" ثُم تلا هذه الآية: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ قال:"عَنْ دُعائي". ⁕ حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا عمارة، عن ثابت، قال: قالت لأنس: يا أبا حمزة أبلغك أن الدعاء نصف العبادة؟ قال: لا بل هو العبادة كلها. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: أخبرنا منصور، عن زر، عن يسيع الحضرمي، عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ:"الدُّعاءُ هُوَ العِبادَةُ، ثم قرأ هذه الآية ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ ". ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هاشم بن القاسم، عن الأشجعي، قال: قيل لسفيان: ادع الله، قال: إن ترك الذنوب هو الدعاء. * * وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ يقول: إن الذين يتعظمون عن إفرادي بالعبادة، وإفراد الألوهة لي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ بمعنى: صاغرين. وقد دللنا فيما مضى قبل على معنى الدخر بما أغني عن إعادته في هذا الموضع. وقد قيل: إن معنى قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ : إن الذين يستكبرون عن دعائي. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ قال: عن دعائي. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿دَاخِرِينَ﴾ قال: صاغرين.

Al-Mukhtasar (français)

L’Heure où Allah ressuscitera les morts afin de leur demander des comptes et de les rétribuer surviendra sans aucun doute mais la plupart des gens ne croient pas qu’elle surviendra et c’est pour cette raison qu’ils ne s’y préparent pas.

60

وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ

Et votre Seigneur dit: «Appelez-Moi, Je vous répondrai. Ceux qui, par orgueil, se refusent à M'adorer entreront bientôt dans l'Enfer, humiliés».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

هَذَا مِنْ فَضْلِهِ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَكَرَمِهِ أَنَّهُ نَدَبَ عِبَادَهُ إِلَى دُعَائِهِ، وَتَكَفَّلَ لَهُمْ بِالْإِجَابَةِ، كَمَا كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ: يَا مَنْ أحبُّ عِبَادِهِ إِلَيْهِ مَنْ سَأَلَهُ فَأَكْثَرَ سُؤَالَهُ، وَيَا مَنْ أَبْغَضُ عِبَادِهِ إِلَيْهِ مَنْ لَمْ يَسْأَلْهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ [[في ت، أ: "وليس أحد كذلك".]] غَيْرُكَ يَا رَبِّ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَفِي هَذَا الْمَعْنَى يَقُولُ الشَّاعِرُ: اللهُ يَغْضبُ إِنْ تركْتَ سُؤَالهُ ... وَبُنيُّ آدمَ حِينَ يُسألُ يَغْضَبُ ... وَقَالَ قَتَادَةُ:: قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: أُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ ثَلَاثًا لَمْ تُعطهُن [[في س: "يعطهن".]] أُمَّةٌ قَبْلَهُمْ إِلَّا نَبِيٌّ: كَانَ إِذَا أَرْسَلَ اللَّهُ نَبِيًّا قِيلَ لَهُ: "أَنْتَ شَاهِدٌ عَلَى أُمَّتِكَ"، وجَعلتُكم [[في ت: "وروى".]] شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ. وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: "لَيْسَ عَلَيْكَ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ". وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الْحَجِّ:٧٨] . وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: "ادْعُنِي [[في س: "ادعوني".]] أَسْتَجِبْ لَكَ "وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ التُّرْجُمَانِيُّ، حَدَّثَنَا صَالِحٌ الْمُرِّيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ-قَالَ: "أَرْبَعُ خِصَالٍ، وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لِي، وَوَاحِدَةٌ لَكَ، وَوَاحِدَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنِكَ، وَوَاحِدَةٌ فِيمَا بَيْنِكَ وَبَيْنَ عِبَادِي [[في ت: "العباد".]] : فَأَمَّا التِي لِي فَتَعْبُدُنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، وَأَمَّا الَّتِي لَكَ عليَّ فَمَا عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ جَزَيْتُكَ بِهِ، وَأَمَّا التِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ: فَمِنْكَ الدُّعَاءُ وَعَلِيَّ الْإِجَابَةُ، وَأَمَّا الَّتِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ عِبَادِي فَارْضَ لَهُمْ مَا [[في ت، أ: "بما".]] تَرْضَى لِنَفْسِكَ" [[مسند أبي يعلى (٥/١٤٣) ورواه البزار في مسنده برقم (١٩) "كشف الأستار" من طريق الحجاج بن المنهال عن صالح المري به وقال: "تفرد به صالح المري" قال الهيثمي في المجمع (١/٥١) "في إسناده صالح المري وهو ضعيف وتدليس الحسن أيضا. والمحمل هنا على صالح بن بشير المري فهو ضعيف جدا وقد تفرد به.]] . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ يُسيع الْكِنْدِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ: التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ،وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، بِهِ [[المسند (٤/٢٧١) وسنن الترمذي برقم (٣٣٧٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٦٤) وسنن ابن ماجه برقم (٣٨٢٨) وتفسير الطبري (٢٤/٥١) .]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ ذَرٍّ، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (١٤٧٩) وسنن الترمذي برقم (٢٩٦٩) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٤٦) وتفسير الطبري (٢٤/٥١) .]] . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشِ، كِلَاهُمَا عَنْ ذَرٍّ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٤٧) .]] . وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ [[صحيح ابن حبان برقم (٢٣٩٦) "موارد" والمستدرك (١/٤٩١) .]] . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنِي أَبُو مَلِيحٍ الْمَدَنِيُّ -شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ-سَمِعَهُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَقَالَ مَرَّةً: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من ت.]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ لَمْ يَدْعُ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، غَضِبَ عَلَيْهِ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٢/٤٧٧) وتفرد به أحمد بهذا اللفظ وإلا فقد رواه ابن ماجه في السنن برقم (٣٨٢٧) من طريق وكيع بهذا الإسناد بلفظ: "من لم يسأل الله يغضب عليه".]] ، وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا صُبيح أَبُو الْمَلِيحِ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لَا يَسْأَلْهُ يَغْضَبْ عَلَيْهِ" [[المسند (٢/٤٤٢) .]] . قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: أَبُو الْمَلِيحِ هَذَا اسْمُهُ: صُبَيْح. كَذَا قَيَّدَهُ بِالضَّمِّ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ. وَأَمَّا أَبُو صَالِحٍ هَذَا فَهُوَ [[في ت، س: "وهو".]] الخُوزي [[في أ: "الجزري".]] ، سَكَنَ شِعَب الْخُوزِ [[في أ: "الجزر".]] . قَالَهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ. وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ أَبُو الْمَلِيحِ الْفَارِسِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الخُوزي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "من لَا يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ" [[ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٣٧٣) وقال: "أبو المليح اسمه صبيح، وسمعت محمدا يقوله وقال له: فارسي".]] . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرامهُرْمزي: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا نَائِلُ بْنُ نَجِيحٍ، حَدَّثَنِي عَائِذُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَجَدْنَا فِي ذُؤَابَةِ [[في ت: "رواية".]] سَيْفِهِ كِتَابًا: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي بَقِيَّةِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ [[في ت: "في بقية أيام نفحات" وفي س، أ: "في بقية أيام دهركم نفحات".]] ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، لَعَلَّ دَعْوَةً أَنْ تُوَافِقَ رَحْمَةً فَيَسْعَدَ [[في ت: "يسعد".]] بِهَا صَاحِبُهَا سَعَادَةً لَا يَخْسَرُ بَعْدَهَا أَبَدًا" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٩/٢٣٣) من وجه آخر.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ أَيْ: عَنْ دُعَائِي وَتَوْحِيدِي، ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أَيْ: صَاغِرِينَ حَقِيرِينَ، كَمَا قَالَ [[في ت: "روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يُحْشَر الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ، فِي صُوَرِ النَّاسِ، يَعْلُوهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الصَّغَارِ حَتَّى يَدْخُلُوا [[في ت: "يدخلون".]] سِجْنًا فِي جَهَنَّمَ -يُقَالُ لَهُ: بُولَسُ-تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ: عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ" [[المسند (٢/١٧٩) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْس: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ وُهَيب [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم بسنده عن وهيب".]] بْنِ الْوَرْدِ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ ذَاتَ يَوْمٍ فِي أَرْضِ الرُّومِ، فَسَمِعْتُ هَاتِفًا مِنْ فَوْقِ رَأْسِ جَبَلٍ وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَبِّ، عَجِبْتُ لِمَنْ عَرَفَكَ كَيْفَ يَرْجُو أَحَدًا غَيْرَكَ! يَا رَبِّ، عَجِبْتُ لِمَنْ عَرَفَكَ كَيْفَ يَطْلُبُ حَوَائِجَهُ إِلَى أَحَدٍ غَيْرِكَ -قَالَ: ثُمَّ ذَهَبْتُ، ثُمَّ جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى -قَالَ: ثُمَّ عَادَ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: يَا رَبِّ، عَجِبْتُ لِمَنْ عَرَفَكَ كَيْفَ يَتَعَرَّضُ لِشَيْءٍ مِنْ سَخَطِكَ يُرضي [[في ت، س: "يرضى".]] غَيْرَكَ. قَالَ وُهَيْبٌ: وَهَذِهِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى. قَالَ: فَنَادَيْتُهُ: أَجِنِّيٌّ أَنْتَ أَمْ إِنْسِيٌّ؟ قَالَ: بَلْ إِنْسِيٌّ، اشْغَلْ نَفْسَكَ بِمَا يَعْنيك عَمَّا لَا يَعْنِيكَ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الساعة التي يحيي الله فيها الموتى للثواب والعقاب لجائية أيها الناس لا شكّ في مجيئها؛ يقول: فأيقنوا بمجيئها، وأنكم مبعوثون من بعد مماتكم، ومجازون بأعمالكم، فتوبوا إلى ربكم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ يقول: ولكن أكثر قريش لا يصدّقون بمجيئها. * * وقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ يقول تعالى ذكره: ويقول ربكم أيها الناس لكم ادعوني: يقول: اعبدوني وأخلصوا لي العبادة دون من تعبدون من دوني من الأوثان والأصنام وغير ذلك ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ يقول: أُجِبْ دعاءكم فأعفو عنكم وأرحمكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ يقول: وحَّدوني أغفر لكم. ⁕ حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا عبد الله بن داود، عن الأعمش، عن زرّ، عن يسيع الحضرمي، عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ:"الدُّعاءُ هُوَ العِبادَةُ" وقرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ . ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، والأعمش عن زرّ، عن يسيع الحضرمي، عن النعمان بن بشير، قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول:"الدُّعاءُ هُوَ العبادَةُ، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ... الآية. ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن زرّ، عن يسيع قال أبو موسى: هكذا قال غندر، عن سعيد، عن منصور، عن زرّ، عن يسيع، عن النعمان بن بشير قال: قال النبي ﷺ:"إنَّ الدُّعاءَ هُوَ العِبَادَةُ" ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ . ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن زر، عن يسيع عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ بمثله. ⁕ حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا يوسف بن العرف الباهلي، عن الحسن بن أبي جعفر، عن محمد بن جحادة، عن يسيع الحضرمي، عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ:"إنَّ عِبَادَتي دُعائي" ثُم تلا هذه الآية: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ قال:"عَنْ دُعائي". ⁕ حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا عمارة، عن ثابت، قال: قالت لأنس: يا أبا حمزة أبلغك أن الدعاء نصف العبادة؟ قال: لا بل هو العبادة كلها. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: أخبرنا منصور، عن زر، عن يسيع الحضرمي، عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ:"الدُّعاءُ هُوَ العِبادَةُ، ثم قرأ هذه الآية ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ ". ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هاشم بن القاسم، عن الأشجعي، قال: قيل لسفيان: ادع الله، قال: إن ترك الذنوب هو الدعاء. * * وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ يقول: إن الذين يتعظمون عن إفرادي بالعبادة، وإفراد الألوهة لي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ بمعنى: صاغرين. وقد دللنا فيما مضى قبل على معنى الدخر بما أغني عن إعادته في هذا الموضع. وقد قيل: إن معنى قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ : إن الذين يستكبرون عن دعائي. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ قال: عن دعائي. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿دَاخِرِينَ﴾ قال: صاغرين.

Al-Mukhtasar (français)

Ô gens, votre Seigneur a dit: Proclamez Mon Unicité lorsque vous M’adorez et Me sollicitez et alors, J’exaucerai vos invocations, Je vous pardonnerai et Je vous ferai miséricorde. Ceux qui daignent M’adresser exclusivement leurs adorations entreront le Jour de la Résurrection en Enfer couverts d’opprobre et d’humiliation.

61

ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ

Allah est celui qui vous a assigné la nuit pour que vous vous y reposiez, et le jour pour y voir clair. Allah est le Pourvoyeur de grâce aux hommes, mais la plupart des gens ne sont pas reconnaissants.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى خَلْقِهِ، بِمَا جَعَلَ لَهُمْ مِنَ اللَّيْلِ الَّذِي يَسْكُنُونَ فِيهِ وَيَسْتَرِيحُونَ مِنْ حَرَكَاتِ تَرَدُّدِهِمْ فِي الْمَعَايِشِ بِالنَّهَارِ، وَجَعَلَ النَّهَارَ مُبْصِرًا، أَيْ: مُضِيئًا، لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ بِالْأَسْفَارِ، وَقَطْعِ الْأَقْطَارِ، وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الصِّنَاعَاتِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [[في ت: "ولكن أكثرهم". وهو خطأ.]] أَيْ: لَا يَقُومُونَ بِشُكْرِ نِعَمِ [[في أ: "ما أنعم".]] اللَّهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أَيِ: الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ، خَالِقُ الْأَشْيَاءِ، الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ، الَّتِي لَا تَخْلُقُ شَيْئًا، بَلْ هِيَ مخلوقة منحوتة. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أَيْ: كَمَا ضَلَّ هَؤُلَاءِ بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، كَذَلِكَ أُفِكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَعَبَدُوا غَيْرَهُ بِلَا دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ الْجَهْلِ وَالْهَوَى، وَجَحَدُوا حُجَجَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا﴾ أَيْ: جَعَلَهَا مُسْتَقَرًّا لَكُمْ، بِسَاطًا مِهَادًا تَعِيشُونَ عَلَيْهَا، وَتَتَصَرَّفُونَ فِيهَا، وَتَمْشُونَ فِي مَنَاكِبِهَا، وَأَرْسَاهَا بِالْجِبَالِ لِئَلَّا تَمِيدَ بِكُمْ، ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ أَيْ: سَقْفًا لِلْعَالَمِ مَحْفُوظًا، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أَيْ: فَخَلَقَكُمْ فِي أَحْسَنِ الْأَشْكَالِ، وَمَنَحَكُمْ أَكْمَلَ الصُّوَرِ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أَيْ: مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ فِي الدُّنْيَا. فَذَكَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الدَّارَ، وَالسُّكَّانَ، وَالْأَرْزَاقَ -فَهُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١، ٢٠] [[في س: "اتقوا" وهوز خطأ.]] وَقَالَ هَاهُنَا بَعْدَ خَلْقِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: فَتَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ رَبُّ الْعَالَمِينَ كُلِّهِمْ. ثُمَّ قَالَ: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أَيْ: هُوَ الْحَيُّ أَزَلًا وَأَبَدًا، لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَهُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ، وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، ﴿لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أَيْ: لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا عَدِيلَ لَهُ، ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أَيْ: مُوَحِّدِينَ لَهُ مُقِرِّينَ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَأْمُرُونَ مَنْ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" أَنْ يتبعها بالحمد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، عَمَلًا بِهَذِهِ الْآيَةِ. ثُمَّ رَوَى عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقَدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في ت: "ثم روى بإسناده عن ابن عباس".]] قَالَ: مَنْ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَلْيَقُلْ عَلَى أَثَرِهَا: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" فَذَلِكَ [[في ت، س: "وذلك".]] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ وَغَيْرُهُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إِذَا قَرَأْتَ: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غَافِرٍ: ١٤] ، فَقُلْ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" وَقُلْ عَلَى أَثَرِهَا: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٦١) ﴾ يقول تعالى ذكره: الله الذي لا تصلح الألوهة إلا له، ولا تنبغي العبادة لغيره، الذي صفته أنه جعل لكم أيها الناس الليل سكنا لتسكنوا فيه، فتهدءوا من التصرّف والاضطراب للمعاش، والأسباب التي كنتم تتصرفون فيها في نهاركم ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ يقول: وجعل النهار مبصرا من اضطرب فيه لمعاشه، وطلب حاجاته، نعمة منه بذلك عليكم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ يقول: إن إلله لمتفضل عليكم أيها الناس بما لا كفء له من الفضل ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ يقول: ولكن أكثرهم لا يشكرونه بالطاعة له، وإخلاص الألوهة والعبادة له، ولا يد تقدمت له عنده استوجب بها منه الشكر عليها.

Al-Mukhtasar (français)

C’est Allah qui a fait en sorte que la nuit soit obscure pour vous afin que vous vous reposiez et a fait en sorte que le jour soit lumineux afin que vous vaquiez à vos occupations. Allah couvre les gens d’une grande grâce lorsqu’Il les comble de Ses bienfaits apparents et cachés mais la plupart d’entre eux ne Lui sont pas reconnaissants pour cela.

62

ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ

Tel est votre Seigneur, Créateur de toute chose. Point de divinité à part Lui. Comment se fait-il que vous vous détourniez (du chemin droit)?

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى خَلْقِهِ، بِمَا جَعَلَ لَهُمْ مِنَ اللَّيْلِ الَّذِي يَسْكُنُونَ فِيهِ وَيَسْتَرِيحُونَ مِنْ حَرَكَاتِ تَرَدُّدِهِمْ فِي الْمَعَايِشِ بِالنَّهَارِ، وَجَعَلَ النَّهَارَ مُبْصِرًا، أَيْ: مُضِيئًا، لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ بِالْأَسْفَارِ، وَقَطْعِ الْأَقْطَارِ، وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الصِّنَاعَاتِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [[في ت: "ولكن أكثرهم". وهو خطأ.]] أَيْ: لَا يَقُومُونَ بِشُكْرِ نِعَمِ [[في أ: "ما أنعم".]] اللَّهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أَيِ: الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ، خَالِقُ الْأَشْيَاءِ، الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ، الَّتِي لَا تَخْلُقُ شَيْئًا، بَلْ هِيَ مخلوقة منحوتة. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أَيْ: كَمَا ضَلَّ هَؤُلَاءِ بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، كَذَلِكَ أُفِكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَعَبَدُوا غَيْرَهُ بِلَا دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ الْجَهْلِ وَالْهَوَى، وَجَحَدُوا حُجَجَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا﴾ أَيْ: جَعَلَهَا مُسْتَقَرًّا لَكُمْ، بِسَاطًا مِهَادًا تَعِيشُونَ عَلَيْهَا، وَتَتَصَرَّفُونَ فِيهَا، وَتَمْشُونَ فِي مَنَاكِبِهَا، وَأَرْسَاهَا بِالْجِبَالِ لِئَلَّا تَمِيدَ بِكُمْ، ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ أَيْ: سَقْفًا لِلْعَالَمِ مَحْفُوظًا، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أَيْ: فَخَلَقَكُمْ فِي أَحْسَنِ الْأَشْكَالِ، وَمَنَحَكُمْ أَكْمَلَ الصُّوَرِ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أَيْ: مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ فِي الدُّنْيَا. فَذَكَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الدَّارَ، وَالسُّكَّانَ، وَالْأَرْزَاقَ -فَهُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١، ٢٠] [[في س: "اتقوا" وهوز خطأ.]] وَقَالَ هَاهُنَا بَعْدَ خَلْقِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: فَتَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ رَبُّ الْعَالَمِينَ كُلِّهِمْ. ثُمَّ قَالَ: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أَيْ: هُوَ الْحَيُّ أَزَلًا وَأَبَدًا، لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَهُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ، وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، ﴿لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أَيْ: لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا عَدِيلَ لَهُ، ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أَيْ: مُوَحِّدِينَ لَهُ مُقِرِّينَ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَأْمُرُونَ مَنْ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" أَنْ يتبعها بالحمد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، عَمَلًا بِهَذِهِ الْآيَةِ. ثُمَّ رَوَى عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقَدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في ت: "ثم روى بإسناده عن ابن عباس".]] قَالَ: مَنْ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَلْيَقُلْ عَلَى أَثَرِهَا: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" فَذَلِكَ [[في ت، س: "وذلك".]] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ وَغَيْرُهُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إِذَا قَرَأْتَ: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غَافِرٍ: ١٤] ، فَقُلْ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" وَقُلْ عَلَى أَثَرِهَا: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: الذي فعل هذه الأفعال، وأنعم عليكم هذه النعم أيها الناس، الله مالككم ومصلح أموركم، وهو خالقكم وخالق كلّ شيء ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ يقول: لا معبود تصلح له العبادة غيره، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ يقول: فأي وجه تأخذون، وإلى أين تذهبون عنه، فتعبدون سواه؟. * * وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ يقول: كذهابكم عنه أيها القوم، وانصرافكم عن الحقّ إلى الباطل، والرشد إلى الضلال، ذهب عنه الذين كانوا من قبلكم من الأمم بآيات الله، يعني: بحجج الله وأدلته يكذّبون فلا يؤمنون؛ يقول: فسلكتم أنتم معشر قريش مسلكهم، وركبتم محجتهم في الضلال. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿اللهُ﴾ الذي له الألوهة خالصة أيها الناس (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ) التي أنتم على ظهرها سكان ﴿قَرَارًا﴾ تستقرون عليها، وتسكنون فوقها، ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ : بناها فرفعها فوقكم بغير عمد ترونها لمصالحكم، وقوام دنياكم إلى بلوغ آجالكم ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ يقول: وخلقكم فأحسن خلقكم ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يقول: ورزقكم من حلال الرزق، ولذيذات المطاعم والمشارب. * * وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ يقول تعالى ذكره: فالذي فعل هذه الأفعال، وأنعم عليكم أيها الناس هذه النعم، هو الله الذي لا تنبغي الألوهة إلا له، وربكم الذي لا تصلح الربوبية لغيره، لا الذي لا ينفع ولا يضر، ولا يخلق ولا يرزق ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول: فتبارك الله مالك جميع الخلق جنهم وإنسهم، وسائر أجناس الخلق غيرهم ﴿هُوَ الْحَيُّ﴾ يقول: هو الحي الذي لا يموت، الدائم الحياة، وكل شيء سواه فمنقطع الحياة غير دائمها ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ يقول: لا معبود بحق تجوز عبادته، وتصلح الألوهة له إلا الله الذي هذه الصفات صفاته، فادعوه أيها الناس مخلصين له الدين، مخلصين له الطاعة، مفردين له الألوهة، لا تشركوا في عبادته شيئا سواه، من وثن وصنم، ولا تجعلوا له ندا ولا عدلا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول: الشعر لله الذي هو مالك جميع أجناس الخلق، من ملك وجن وإنس وغيرهم، لا للآلهة والأوثان التي لا تملك شيئا، ولا تقدر على ضرّ ولا نفع، بل هو مملوك، إن ناله نائل بسوء لم يقدر له عن نفسه دفعًا. وكان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: لا إله إلا الله، أن يتبع ذلك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تأولا منهم هذه الآية، بأنها أمر من الله بقيل ذلك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عليّ بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي، قال: أخبرنا الحسين بن واقد، قال: ثنا الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: من قال لا إله إلا الله، فليقل على إثرها: الحمد لله ربّ العالمين، فذلك قوله: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . ⁕ حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري [[كذا في التقريب والتهذيب. وفي الخلاصة: عبد الحميد بن بيان اليشكري، أبو الحسن العطار الواسطي توفى سنة ٢٤٤ هـ.]] قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، قال:"إذا قال أحدكم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فليقل: الحمد لله ربّ العالمين، ثم قال: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير أنه كان يستحب إذا قال: لا إله إلا الله، يتبعها الحمد لله، ثم قرأ هذه الآية: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن سعيد بن جبير، قال: إذا قال أحدكم لا إله إلا الله وحده، فليقل بأثرها: الحمد لله رب العالمين، ثم قرا ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

C’est Allah, Celui qui vous a fait la faveur de vous combler de bienfaits, qui est le Créateur de toute chose et il n’existe pas de créateur ni de dieu méritant d’être adoré autre que Lui. Comment pouvez-vous donc vous détourner de Son adoration et adorer un autre être que Lui qui n’a le pouvoir ni d’être utile ni de nuire.

63

كَذَٰلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ

Ainsi ceux qui nient les prodiges d'Allah se détournent-ils [du chemin droit.]

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى خَلْقِهِ، بِمَا جَعَلَ لَهُمْ مِنَ اللَّيْلِ الَّذِي يَسْكُنُونَ فِيهِ وَيَسْتَرِيحُونَ مِنْ حَرَكَاتِ تَرَدُّدِهِمْ فِي الْمَعَايِشِ بِالنَّهَارِ، وَجَعَلَ النَّهَارَ مُبْصِرًا، أَيْ: مُضِيئًا، لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ بِالْأَسْفَارِ، وَقَطْعِ الْأَقْطَارِ، وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الصِّنَاعَاتِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [[في ت: "ولكن أكثرهم". وهو خطأ.]] أَيْ: لَا يَقُومُونَ بِشُكْرِ نِعَمِ [[في أ: "ما أنعم".]] اللَّهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أَيِ: الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ، خَالِقُ الْأَشْيَاءِ، الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ، الَّتِي لَا تَخْلُقُ شَيْئًا، بَلْ هِيَ مخلوقة منحوتة. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أَيْ: كَمَا ضَلَّ هَؤُلَاءِ بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، كَذَلِكَ أُفِكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَعَبَدُوا غَيْرَهُ بِلَا دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ الْجَهْلِ وَالْهَوَى، وَجَحَدُوا حُجَجَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا﴾ أَيْ: جَعَلَهَا مُسْتَقَرًّا لَكُمْ، بِسَاطًا مِهَادًا تَعِيشُونَ عَلَيْهَا، وَتَتَصَرَّفُونَ فِيهَا، وَتَمْشُونَ فِي مَنَاكِبِهَا، وَأَرْسَاهَا بِالْجِبَالِ لِئَلَّا تَمِيدَ بِكُمْ، ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ أَيْ: سَقْفًا لِلْعَالَمِ مَحْفُوظًا، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أَيْ: فَخَلَقَكُمْ فِي أَحْسَنِ الْأَشْكَالِ، وَمَنَحَكُمْ أَكْمَلَ الصُّوَرِ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أَيْ: مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ فِي الدُّنْيَا. فَذَكَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الدَّارَ، وَالسُّكَّانَ، وَالْأَرْزَاقَ -فَهُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١، ٢٠] [[في س: "اتقوا" وهوز خطأ.]] وَقَالَ هَاهُنَا بَعْدَ خَلْقِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: فَتَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ رَبُّ الْعَالَمِينَ كُلِّهِمْ. ثُمَّ قَالَ: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أَيْ: هُوَ الْحَيُّ أَزَلًا وَأَبَدًا، لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَهُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ، وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، ﴿لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أَيْ: لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا عَدِيلَ لَهُ، ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أَيْ: مُوَحِّدِينَ لَهُ مُقِرِّينَ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَأْمُرُونَ مَنْ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" أَنْ يتبعها بالحمد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، عَمَلًا بِهَذِهِ الْآيَةِ. ثُمَّ رَوَى عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقَدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في ت: "ثم روى بإسناده عن ابن عباس".]] قَالَ: مَنْ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَلْيَقُلْ عَلَى أَثَرِهَا: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" فَذَلِكَ [[في ت، س: "وذلك".]] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ وَغَيْرُهُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إِذَا قَرَأْتَ: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غَافِرٍ: ١٤] ، فَقُلْ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" وَقُلْ عَلَى أَثَرِهَا: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: الذي فعل هذه الأفعال، وأنعم عليكم هذه النعم أيها الناس، الله مالككم ومصلح أموركم، وهو خالقكم وخالق كلّ شيء ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ يقول: لا معبود تصلح له العبادة غيره، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ يقول: فأي وجه تأخذون، وإلى أين تذهبون عنه، فتعبدون سواه؟. * * وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ يقول: كذهابكم عنه أيها القوم، وانصرافكم عن الحقّ إلى الباطل، والرشد إلى الضلال، ذهب عنه الذين كانوا من قبلكم من الأمم بآيات الله، يعني: بحجج الله وأدلته يكذّبون فلا يؤمنون؛ يقول: فسلكتم أنتم معشر قريش مسلكهم، وركبتم محجتهم في الضلال. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿اللهُ﴾ الذي له الألوهة خالصة أيها الناس (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ) التي أنتم على ظهرها سكان ﴿قَرَارًا﴾ تستقرون عليها، وتسكنون فوقها، ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ : بناها فرفعها فوقكم بغير عمد ترونها لمصالحكم، وقوام دنياكم إلى بلوغ آجالكم ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ يقول: وخلقكم فأحسن خلقكم ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يقول: ورزقكم من حلال الرزق، ولذيذات المطاعم والمشارب. * * وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ يقول تعالى ذكره: فالذي فعل هذه الأفعال، وأنعم عليكم أيها الناس هذه النعم، هو الله الذي لا تنبغي الألوهة إلا له، وربكم الذي لا تصلح الربوبية لغيره، لا الذي لا ينفع ولا يضر، ولا يخلق ولا يرزق ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول: فتبارك الله مالك جميع الخلق جنهم وإنسهم، وسائر أجناس الخلق غيرهم ﴿هُوَ الْحَيُّ﴾ يقول: هو الحي الذي لا يموت، الدائم الحياة، وكل شيء سواه فمنقطع الحياة غير دائمها ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ يقول: لا معبود بحق تجوز عبادته، وتصلح الألوهة له إلا الله الذي هذه الصفات صفاته، فادعوه أيها الناس مخلصين له الدين، مخلصين له الطاعة، مفردين له الألوهة، لا تشركوا في عبادته شيئا سواه، من وثن وصنم، ولا تجعلوا له ندا ولا عدلا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول: الشعر لله الذي هو مالك جميع أجناس الخلق، من ملك وجن وإنس وغيرهم، لا للآلهة والأوثان التي لا تملك شيئا، ولا تقدر على ضرّ ولا نفع، بل هو مملوك، إن ناله نائل بسوء لم يقدر له عن نفسه دفعًا. وكان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: لا إله إلا الله، أن يتبع ذلك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تأولا منهم هذه الآية، بأنها أمر من الله بقيل ذلك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عليّ بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي، قال: أخبرنا الحسين بن واقد، قال: ثنا الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: من قال لا إله إلا الله، فليقل على إثرها: الحمد لله ربّ العالمين، فذلك قوله: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . ⁕ حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري [[كذا في التقريب والتهذيب. وفي الخلاصة: عبد الحميد بن بيان اليشكري، أبو الحسن العطار الواسطي توفى سنة ٢٤٤ هـ.]] قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، قال:"إذا قال أحدكم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فليقل: الحمد لله ربّ العالمين، ثم قال: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير أنه كان يستحب إذا قال: لا إله إلا الله، يتبعها الحمد لله، ثم قرأ هذه الآية: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن سعيد بن جبير، قال: إذا قال أحدكم لا إله إلا الله وحده، فليقل بأثرها: الحمد لله رب العالمين، ثم قرا ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Tout comme ces gens se sont détournés de la croyance en Allah et de Son adoration exclusive, Il détournera ceux qui renient les versets d’Allah affirmant Son Unicité en tout lieu et en toute époque. Ils ne trouveront donc pas le chemin de la vérité et la droiture ne leur sera pas facilitée.

64

ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ قَرَارًۭا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءًۭ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ

C'est Allah qui vous a assigné la terre comme demeure stable et le ciel comme toit et vous a donné votre forme, - et quelle belle forme Il vous a donnée! - et Il vous a nourris de bonnes choses. Tel est Allah, votre Seigneur; gloire à Allah, Seigneur de l'univers!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى خَلْقِهِ، بِمَا جَعَلَ لَهُمْ مِنَ اللَّيْلِ الَّذِي يَسْكُنُونَ فِيهِ وَيَسْتَرِيحُونَ مِنْ حَرَكَاتِ تَرَدُّدِهِمْ فِي الْمَعَايِشِ بِالنَّهَارِ، وَجَعَلَ النَّهَارَ مُبْصِرًا، أَيْ: مُضِيئًا، لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ بِالْأَسْفَارِ، وَقَطْعِ الْأَقْطَارِ، وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الصِّنَاعَاتِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [[في ت: "ولكن أكثرهم". وهو خطأ.]] أَيْ: لَا يَقُومُونَ بِشُكْرِ نِعَمِ [[في أ: "ما أنعم".]] اللَّهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أَيِ: الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ، خَالِقُ الْأَشْيَاءِ، الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ، الَّتِي لَا تَخْلُقُ شَيْئًا، بَلْ هِيَ مخلوقة منحوتة. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أَيْ: كَمَا ضَلَّ هَؤُلَاءِ بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، كَذَلِكَ أُفِكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَعَبَدُوا غَيْرَهُ بِلَا دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ الْجَهْلِ وَالْهَوَى، وَجَحَدُوا حُجَجَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا﴾ أَيْ: جَعَلَهَا مُسْتَقَرًّا لَكُمْ، بِسَاطًا مِهَادًا تَعِيشُونَ عَلَيْهَا، وَتَتَصَرَّفُونَ فِيهَا، وَتَمْشُونَ فِي مَنَاكِبِهَا، وَأَرْسَاهَا بِالْجِبَالِ لِئَلَّا تَمِيدَ بِكُمْ، ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ أَيْ: سَقْفًا لِلْعَالَمِ مَحْفُوظًا، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أَيْ: فَخَلَقَكُمْ فِي أَحْسَنِ الْأَشْكَالِ، وَمَنَحَكُمْ أَكْمَلَ الصُّوَرِ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أَيْ: مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ فِي الدُّنْيَا. فَذَكَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الدَّارَ، وَالسُّكَّانَ، وَالْأَرْزَاقَ -فَهُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١، ٢٠] [[في س: "اتقوا" وهوز خطأ.]] وَقَالَ هَاهُنَا بَعْدَ خَلْقِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: فَتَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ رَبُّ الْعَالَمِينَ كُلِّهِمْ. ثُمَّ قَالَ: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أَيْ: هُوَ الْحَيُّ أَزَلًا وَأَبَدًا، لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَهُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ، وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، ﴿لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أَيْ: لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا عَدِيلَ لَهُ، ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أَيْ: مُوَحِّدِينَ لَهُ مُقِرِّينَ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَأْمُرُونَ مَنْ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" أَنْ يتبعها بالحمد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، عَمَلًا بِهَذِهِ الْآيَةِ. ثُمَّ رَوَى عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقَدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في ت: "ثم روى بإسناده عن ابن عباس".]] قَالَ: مَنْ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَلْيَقُلْ عَلَى أَثَرِهَا: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" فَذَلِكَ [[في ت، س: "وذلك".]] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ وَغَيْرُهُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إِذَا قَرَأْتَ: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غَافِرٍ: ١٤] ، فَقُلْ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" وَقُلْ عَلَى أَثَرِهَا: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: الذي فعل هذه الأفعال، وأنعم عليكم هذه النعم أيها الناس، الله مالككم ومصلح أموركم، وهو خالقكم وخالق كلّ شيء ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ يقول: لا معبود تصلح له العبادة غيره، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ يقول: فأي وجه تأخذون، وإلى أين تذهبون عنه، فتعبدون سواه؟. * * وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ يقول: كذهابكم عنه أيها القوم، وانصرافكم عن الحقّ إلى الباطل، والرشد إلى الضلال، ذهب عنه الذين كانوا من قبلكم من الأمم بآيات الله، يعني: بحجج الله وأدلته يكذّبون فلا يؤمنون؛ يقول: فسلكتم أنتم معشر قريش مسلكهم، وركبتم محجتهم في الضلال. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿اللهُ﴾ الذي له الألوهة خالصة أيها الناس (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ) التي أنتم على ظهرها سكان ﴿قَرَارًا﴾ تستقرون عليها، وتسكنون فوقها، ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ : بناها فرفعها فوقكم بغير عمد ترونها لمصالحكم، وقوام دنياكم إلى بلوغ آجالكم ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ يقول: وخلقكم فأحسن خلقكم ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يقول: ورزقكم من حلال الرزق، ولذيذات المطاعم والمشارب. * * وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ يقول تعالى ذكره: فالذي فعل هذه الأفعال، وأنعم عليكم أيها الناس هذه النعم، هو الله الذي لا تنبغي الألوهة إلا له، وربكم الذي لا تصلح الربوبية لغيره، لا الذي لا ينفع ولا يضر، ولا يخلق ولا يرزق ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول: فتبارك الله مالك جميع الخلق جنهم وإنسهم، وسائر أجناس الخلق غيرهم ﴿هُوَ الْحَيُّ﴾ يقول: هو الحي الذي لا يموت، الدائم الحياة، وكل شيء سواه فمنقطع الحياة غير دائمها ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ يقول: لا معبود بحق تجوز عبادته، وتصلح الألوهة له إلا الله الذي هذه الصفات صفاته، فادعوه أيها الناس مخلصين له الدين، مخلصين له الطاعة، مفردين له الألوهة، لا تشركوا في عبادته شيئا سواه، من وثن وصنم، ولا تجعلوا له ندا ولا عدلا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول: الشعر لله الذي هو مالك جميع أجناس الخلق، من ملك وجن وإنس وغيرهم، لا للآلهة والأوثان التي لا تملك شيئا، ولا تقدر على ضرّ ولا نفع، بل هو مملوك، إن ناله نائل بسوء لم يقدر له عن نفسه دفعًا. وكان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: لا إله إلا الله، أن يتبع ذلك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تأولا منهم هذه الآية، بأنها أمر من الله بقيل ذلك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عليّ بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي، قال: أخبرنا الحسين بن واقد، قال: ثنا الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: من قال لا إله إلا الله، فليقل على إثرها: الحمد لله ربّ العالمين، فذلك قوله: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . ⁕ حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري [[كذا في التقريب والتهذيب. وفي الخلاصة: عبد الحميد بن بيان اليشكري، أبو الحسن العطار الواسطي توفى سنة ٢٤٤ هـ.]] قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، قال:"إذا قال أحدكم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فليقل: الحمد لله ربّ العالمين، ثم قال: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير أنه كان يستحب إذا قال: لا إله إلا الله، يتبعها الحمد لله، ثم قرأ هذه الآية: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن سعيد بن جبير، قال: إذا قال أحدكم لا إله إلا الله وحده، فليقل بأثرها: الحمد لله رب العالمين، ثم قرا ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Ô gens, Allah a fait sorte que pour vous, la Terre soit stable et propice à votre installation. Il a également fait en sorte que le Ciel soit solidement bâti au-dessus de vous et qu’il ne tombe pas. Il vous a formés dans les utérus de vos mères, vous donnant la meilleure des apparences, et Il vous a pourvus en nourritures licites et agréables. Celui qui vous a fait don de ces bienfaits est Allah votre Seigneur. Que soit donc béni Allah, le Seigneur de toutes les créatures qui n’ont aucun autre seigneur que Lui.

65

هُوَ ٱلْحَىُّ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۗ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

C'est Lui le Vivant. Point de divinité à part Lui. Appelez-Le donc, en Lui vouant un culte exclusif. Louange à Allah, Seigneur de l'univers!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى خَلْقِهِ، بِمَا جَعَلَ لَهُمْ مِنَ اللَّيْلِ الَّذِي يَسْكُنُونَ فِيهِ وَيَسْتَرِيحُونَ مِنْ حَرَكَاتِ تَرَدُّدِهِمْ فِي الْمَعَايِشِ بِالنَّهَارِ، وَجَعَلَ النَّهَارَ مُبْصِرًا، أَيْ: مُضِيئًا، لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ بِالْأَسْفَارِ، وَقَطْعِ الْأَقْطَارِ، وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الصِّنَاعَاتِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [[في ت: "ولكن أكثرهم". وهو خطأ.]] أَيْ: لَا يَقُومُونَ بِشُكْرِ نِعَمِ [[في أ: "ما أنعم".]] اللَّهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أَيِ: الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ، خَالِقُ الْأَشْيَاءِ، الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ، الَّتِي لَا تَخْلُقُ شَيْئًا، بَلْ هِيَ مخلوقة منحوتة. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أَيْ: كَمَا ضَلَّ هَؤُلَاءِ بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، كَذَلِكَ أُفِكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَعَبَدُوا غَيْرَهُ بِلَا دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ الْجَهْلِ وَالْهَوَى، وَجَحَدُوا حُجَجَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا﴾ أَيْ: جَعَلَهَا مُسْتَقَرًّا لَكُمْ، بِسَاطًا مِهَادًا تَعِيشُونَ عَلَيْهَا، وَتَتَصَرَّفُونَ فِيهَا، وَتَمْشُونَ فِي مَنَاكِبِهَا، وَأَرْسَاهَا بِالْجِبَالِ لِئَلَّا تَمِيدَ بِكُمْ، ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ أَيْ: سَقْفًا لِلْعَالَمِ مَحْفُوظًا، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أَيْ: فَخَلَقَكُمْ فِي أَحْسَنِ الْأَشْكَالِ، وَمَنَحَكُمْ أَكْمَلَ الصُّوَرِ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أَيْ: مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ فِي الدُّنْيَا. فَذَكَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الدَّارَ، وَالسُّكَّانَ، وَالْأَرْزَاقَ -فَهُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١، ٢٠] [[في س: "اتقوا" وهوز خطأ.]] وَقَالَ هَاهُنَا بَعْدَ خَلْقِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: فَتَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ رَبُّ الْعَالَمِينَ كُلِّهِمْ. ثُمَّ قَالَ: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أَيْ: هُوَ الْحَيُّ أَزَلًا وَأَبَدًا، لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَهُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ، وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، ﴿لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أَيْ: لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا عَدِيلَ لَهُ، ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أَيْ: مُوَحِّدِينَ لَهُ مُقِرِّينَ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَأْمُرُونَ مَنْ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" أَنْ يتبعها بالحمد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، عَمَلًا بِهَذِهِ الْآيَةِ. ثُمَّ رَوَى عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقَدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [[في ت: "ثم روى بإسناده عن ابن عباس".]] قَالَ: مَنْ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَلْيَقُلْ عَلَى أَثَرِهَا: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" فَذَلِكَ [[في ت، س: "وذلك".]] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ وَغَيْرُهُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إِذَا قَرَأْتَ: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غَافِرٍ: ١٤] ، فَقُلْ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" وَقُلْ عَلَى أَثَرِهَا: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: الذي فعل هذه الأفعال، وأنعم عليكم هذه النعم أيها الناس، الله مالككم ومصلح أموركم، وهو خالقكم وخالق كلّ شيء ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ يقول: لا معبود تصلح له العبادة غيره، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ يقول: فأي وجه تأخذون، وإلى أين تذهبون عنه، فتعبدون سواه؟. * * وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ يقول: كذهابكم عنه أيها القوم، وانصرافكم عن الحقّ إلى الباطل، والرشد إلى الضلال، ذهب عنه الذين كانوا من قبلكم من الأمم بآيات الله، يعني: بحجج الله وأدلته يكذّبون فلا يؤمنون؛ يقول: فسلكتم أنتم معشر قريش مسلكهم، وركبتم محجتهم في الضلال. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿اللهُ﴾ الذي له الألوهة خالصة أيها الناس (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ) التي أنتم على ظهرها سكان ﴿قَرَارًا﴾ تستقرون عليها، وتسكنون فوقها، ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ : بناها فرفعها فوقكم بغير عمد ترونها لمصالحكم، وقوام دنياكم إلى بلوغ آجالكم ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ يقول: وخلقكم فأحسن خلقكم ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يقول: ورزقكم من حلال الرزق، ولذيذات المطاعم والمشارب. * * وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ يقول تعالى ذكره: فالذي فعل هذه الأفعال، وأنعم عليكم أيها الناس هذه النعم، هو الله الذي لا تنبغي الألوهة إلا له، وربكم الذي لا تصلح الربوبية لغيره، لا الذي لا ينفع ولا يضر، ولا يخلق ولا يرزق ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول: فتبارك الله مالك جميع الخلق جنهم وإنسهم، وسائر أجناس الخلق غيرهم ﴿هُوَ الْحَيُّ﴾ يقول: هو الحي الذي لا يموت، الدائم الحياة، وكل شيء سواه فمنقطع الحياة غير دائمها ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ يقول: لا معبود بحق تجوز عبادته، وتصلح الألوهة له إلا الله الذي هذه الصفات صفاته، فادعوه أيها الناس مخلصين له الدين، مخلصين له الطاعة، مفردين له الألوهة، لا تشركوا في عبادته شيئا سواه، من وثن وصنم، ولا تجعلوا له ندا ولا عدلا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول: الشعر لله الذي هو مالك جميع أجناس الخلق، من ملك وجن وإنس وغيرهم، لا للآلهة والأوثان التي لا تملك شيئا، ولا تقدر على ضرّ ولا نفع، بل هو مملوك، إن ناله نائل بسوء لم يقدر له عن نفسه دفعًا. وكان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: لا إله إلا الله، أن يتبع ذلك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تأولا منهم هذه الآية، بأنها أمر من الله بقيل ذلك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عليّ بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي، قال: أخبرنا الحسين بن واقد، قال: ثنا الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: من قال لا إله إلا الله، فليقل على إثرها: الحمد لله ربّ العالمين، فذلك قوله: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . ⁕ حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري [[كذا في التقريب والتهذيب. وفي الخلاصة: عبد الحميد بن بيان اليشكري، أبو الحسن العطار الواسطي توفى سنة ٢٤٤ هـ.]] قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، قال:"إذا قال أحدكم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فليقل: الحمد لله ربّ العالمين، ثم قال: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير أنه كان يستحب إذا قال: لا إله إلا الله، يتبعها الحمد لله، ثم قرأ هذه الآية: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن سعيد بن جبير، قال: إذا قال أحدكم لا إله إلا الله وحده، فليقل بأثرها: الحمد لله رب العالمين، ثم قرا ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Il est le Vivant qui ne meurt jamais et le Seul Dieu méritant d’être adoré. Adressez-Lui donc des invocations afin de L’adorer et Le solliciter, en ne vous adressant qu’à Lui, sans Lui associer une de Ses créatures, louange à Allah le Seigneur des créatures.

66

۞ قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِىَ ٱلْبَيِّنَٰتُ مِن رَّبِّى وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

Dis: «Il m'a été interdit, une fois que les preuves me sont venues de mon Seigneur, d'adorer ceux que vous invoquez en dehors d'Allah, et il m'a été ordonné de me soumettre au Seigneur de l'univers».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ: إِنَّ اللَّهَ يَنْهَى أَنْ يُعْبَد أَحَدٌ سِوَاهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ وَالْأَوْثَانِ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ أَحَدٌ سِوَاهُ، فِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ أَيْ: هُوَ الَّذِي يُقَلِّبُكُمْ فِي هَذِهِ الْأَطْوَارِ كُلِّهَا، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَعَنْ أَمْرِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَتَقْدِيرِهِ يَكُونُ ذَلِكَ كُلُّهُ، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ أَنْ يُوجَدَ وَيَخْرُجَ إِلَى هَذَا الْعَالَمِ، بَلْ تُسْقِطُهُ أُمُّهُ سَقْطًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُتَوَفَّى صَغِيرًا، وَشَابًّا، وَكَهْلًا قَبْلَ الشَّيْخُوخَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الْحَجِّ: ٥] وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، تَتَذَكَّرُونَ الْبَعْثَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أَيْ: هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِذَلِكَ، لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ سِوَاهُ، ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أَيْ: لَا يُخَالَفُ وَلَا يُمَانَعُ، بَلْ مَا شَاءَ كَانَ [لَا مَحَالَةَ] [[زيادة من س، أ.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٦) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لمشركي قومك من قريش ﴿إِنِّي نُهِيتُ﴾ أيها القوم ﴿أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من الآلهة والأوثان ﴿لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي﴾ يقول: لما جاءني الآيات الواضحات من عند ربي، وذلك آيات كتاب الله الذي أنزله (وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) يقول: وأمرني ربي أن أذلّ لربّ كلّ شيء، ومالك كلّ خلق بالخضوع، وأخضع له بالطاعة دون غيره من الأشياء.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, dis: Allah m’a défendu d’adorer ces idoles que vous adorez en dehors de Lui et qui ne sont ni utiles ni nuisibles, lorsque me sont parvenus les preuves claires et évidentes de l’invalidité de leur adoration, et Il m’ordonna de me soumettre à Lui Seul en L'adorant. Il est le Seigneur de toutes les créatures et il n’existe pas d’autre seigneur que Lui.

67

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍۢ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًۭا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا۟ شُيُوخًۭا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوٓا۟ أَجَلًۭا مُّسَمًّۭى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

C'est Lui qui vous a créés de terre, puis d'une goutte sperme, puis d'une adhérence; puis Il vous fait sortir petit enfant pour qu'ensuite vous atteigniez votre maturité et qu'ensuite vous deveniez vieux, - certains parmi vous meurent plus tôt, - et pour que vous atteigniez un terme fixé, afin que vous raisonniez.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ: إِنَّ اللَّهَ يَنْهَى أَنْ يُعْبَد أَحَدٌ سِوَاهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ وَالْأَوْثَانِ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ أَحَدٌ سِوَاهُ، فِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ أَيْ: هُوَ الَّذِي يُقَلِّبُكُمْ فِي هَذِهِ الْأَطْوَارِ كُلِّهَا، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَعَنْ أَمْرِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَتَقْدِيرِهِ يَكُونُ ذَلِكَ كُلُّهُ، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ أَنْ يُوجَدَ وَيَخْرُجَ إِلَى هَذَا الْعَالَمِ، بَلْ تُسْقِطُهُ أُمُّهُ سَقْطًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُتَوَفَّى صَغِيرًا، وَشَابًّا، وَكَهْلًا قَبْلَ الشَّيْخُوخَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الْحَجِّ: ٥] وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، تَتَذَكَّرُونَ الْبَعْثَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أَيْ: هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِذَلِكَ، لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ سِوَاهُ، ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أَيْ: لَا يُخَالَفُ وَلَا يُمَانَعُ، بَلْ مَا شَاءَ كَانَ [لَا مَحَالَةَ] [[زيادة من س، أ.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) ﴾ يقول تعالى ذكره آمرًا نبيه محمدا ﷺ بتنبيه مشركي قومه على حججه عليهم في وحدانيته: قل يا محمد لقومك: أمرت أن أسلم لرب العالمين الذي صفته هذه الصفات. وهي أنه خلق أباكم آدم ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ﴾ خلقكم ﴿مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ بعد أن كنتم نطفا ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا﴾ من بطون أمهاتكم صغارا، ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ ، فتتكامل قواكم، ويتناهى شبابكم، وتمام خلقكم شيوخا ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾ أن يبلغ الشيخوخة ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلا مُسَمًّى﴾ يقول: ولتبلغوا ميقاتا مؤقتا لحياتكم، وأجلا محدودا لا تجاوزونه، ولا تتقدمون قبله ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يقول: وكي تعقلوا حجج الله عليكما بذلك، وتتدبروا آياته فتعرفوا بها أنه لا إله غيره فعل ذلك. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل لهم يا محمد: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ يقول قل لهم: ومن صفته جلّ ثناؤه أنه هو الذي يحيي من يشاء بعد مماته، ويميت من يشاء من الأحياء بعد حياته و ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ يقول: وإذا قضى كون أمر من الأمور التي يريد تكوينها ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾ يعني للذي يريد تكوينه كن، فيكون ما أراد تكوينه موجودا بغير معاناة، ولا كلفة مؤنة. * * وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ يقول لنبيه محمد ﷺ ألم تر يا محمد هؤلاء المشركين من قومك، الذين يخاصمونك في حجج الله وآياته ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ يقول: أيّ وجه يصرفون عن الحق، ويعدلون عن الرشد. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ : أنى يكذبون ويعدلون. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ قال: يُصْرَفون عن الحقّ. واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عنى بها أهل القدر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قالا ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن داود بن أبي هند. عن محمد بن سيرين، قال: إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدرية، فإني لا أدري فيمن نزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ . ⁕ حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن ابن سيرين، قال: إن لم يكن أهل القدر الذين يخوضون في آيات الله فلا علم لنا به. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أبي الخير الزيادي، عن أبي قبيل، قال: أخبرني عقبة بن عامر الجهني، أن رسول الله ﷺ قال:"سَيَهْلِكُ مِنْ أُمَّتِي أهْلُ الكِتَابِ، وأهْلُ اللِّينِ" فقال عقبة: يا رسول الله، وما أهل الكتاب؟ قال:"قَوْمٌ يَتَعَلَّمُونَ كِتابَ الله يُجادلُونَ الَّذينَ آمَنُوا"، فقال عقبة: يا رسول الله، وما أهل اللين؟ قال:"قَوْمٌ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ، ويُضَيِّعُونَ الصَّلَوَاتِ". قال أبو قبيل: لا أحسب المكذّبين بالقدر إلا الذين يجادلون الذين آمنوا، وأما أهل اللين، فلا أحسبهم إلا أهل العمود [[كذا في الأصل، ولم أجد معنى للعمود في النهاية لابن الأثير، ولعله محرف عن (العمور) بضم العين، جمع عمر، بفتح فسكون وبضمتين، وهو من النخيل، وهو الحسوق الطويل. يريد أصحاب هذه النخل الملازمين لها، يجادلون في الدين، بلا علم ولا فقه.]] ليس عليهم إمام جماعة، ولا يعرفون شهر رمضان. وقال آخرون: بل عنى به أهل الشرك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ قال: هؤلاء المشركون. والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن زيد؛ وقد بين الله حقيقة ذلك بقوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Il est Celui qui créa votre père Adam à partir d'argile, puis Il créa ses descendants d’une goutte de sperme, puis d’un caillot de sang. Ensuite, Il vous sort des ventres de vos mères au stade d’enfants et avec le temps, vous atteignez l’âge de la force physique, puis vous devenez des vieillards. Certains parmi vous meurent avant cela afin que vous atteigniez un terme déterminé dans le Savoir d’Allah que vous ne pouvez ni avancer ni reporter, puissiez-vous tirer profit de ces arguments et de ces preuves évidentes du pouvoir et de l’Unicité d’Allah.

68

هُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ

C'est Lui qui donne la vie et donne la mort. Puis quand Il décide une affaire, Il n'a qu'à dire: «Sois», et elle est.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ: إِنَّ اللَّهَ يَنْهَى أَنْ يُعْبَد أَحَدٌ سِوَاهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ وَالْأَوْثَانِ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ أَحَدٌ سِوَاهُ، فِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ أَيْ: هُوَ الَّذِي يُقَلِّبُكُمْ فِي هَذِهِ الْأَطْوَارِ كُلِّهَا، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَعَنْ أَمْرِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَتَقْدِيرِهِ يَكُونُ ذَلِكَ كُلُّهُ، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ أَنْ يُوجَدَ وَيَخْرُجَ إِلَى هَذَا الْعَالَمِ، بَلْ تُسْقِطُهُ أُمُّهُ سَقْطًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُتَوَفَّى صَغِيرًا، وَشَابًّا، وَكَهْلًا قَبْلَ الشَّيْخُوخَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الْحَجِّ: ٥] وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، تَتَذَكَّرُونَ الْبَعْثَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أَيْ: هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِذَلِكَ، لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ سِوَاهُ، ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أَيْ: لَا يُخَالَفُ وَلَا يُمَانَعُ، بَلْ مَا شَاءَ كَانَ [لَا مَحَالَةَ] [[زيادة من س، أ.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) ﴾ يقول تعالى ذكره آمرًا نبيه محمدا ﷺ بتنبيه مشركي قومه على حججه عليهم في وحدانيته: قل يا محمد لقومك: أمرت أن أسلم لرب العالمين الذي صفته هذه الصفات. وهي أنه خلق أباكم آدم ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ﴾ خلقكم ﴿مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ بعد أن كنتم نطفا ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا﴾ من بطون أمهاتكم صغارا، ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ ، فتتكامل قواكم، ويتناهى شبابكم، وتمام خلقكم شيوخا ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾ أن يبلغ الشيخوخة ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلا مُسَمًّى﴾ يقول: ولتبلغوا ميقاتا مؤقتا لحياتكم، وأجلا محدودا لا تجاوزونه، ولا تتقدمون قبله ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يقول: وكي تعقلوا حجج الله عليكما بذلك، وتتدبروا آياته فتعرفوا بها أنه لا إله غيره فعل ذلك. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل لهم يا محمد: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ يقول قل لهم: ومن صفته جلّ ثناؤه أنه هو الذي يحيي من يشاء بعد مماته، ويميت من يشاء من الأحياء بعد حياته و ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ يقول: وإذا قضى كون أمر من الأمور التي يريد تكوينها ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾ يعني للذي يريد تكوينه كن، فيكون ما أراد تكوينه موجودا بغير معاناة، ولا كلفة مؤنة. * * وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ يقول لنبيه محمد ﷺ ألم تر يا محمد هؤلاء المشركين من قومك، الذين يخاصمونك في حجج الله وآياته ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ يقول: أيّ وجه يصرفون عن الحق، ويعدلون عن الرشد. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ : أنى يكذبون ويعدلون. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ قال: يُصْرَفون عن الحقّ. واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عنى بها أهل القدر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قالا ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن داود بن أبي هند. عن محمد بن سيرين، قال: إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدرية، فإني لا أدري فيمن نزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ . ⁕ حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن ابن سيرين، قال: إن لم يكن أهل القدر الذين يخوضون في آيات الله فلا علم لنا به. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أبي الخير الزيادي، عن أبي قبيل، قال: أخبرني عقبة بن عامر الجهني، أن رسول الله ﷺ قال:"سَيَهْلِكُ مِنْ أُمَّتِي أهْلُ الكِتَابِ، وأهْلُ اللِّينِ" فقال عقبة: يا رسول الله، وما أهل الكتاب؟ قال:"قَوْمٌ يَتَعَلَّمُونَ كِتابَ الله يُجادلُونَ الَّذينَ آمَنُوا"، فقال عقبة: يا رسول الله، وما أهل اللين؟ قال:"قَوْمٌ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ، ويُضَيِّعُونَ الصَّلَوَاتِ". قال أبو قبيل: لا أحسب المكذّبين بالقدر إلا الذين يجادلون الذين آمنوا، وأما أهل اللين، فلا أحسبهم إلا أهل العمود [[كذا في الأصل، ولم أجد معنى للعمود في النهاية لابن الأثير، ولعله محرف عن (العمور) بضم العين، جمع عمر، بفتح فسكون وبضمتين، وهو من النخيل، وهو الحسوق الطويل. يريد أصحاب هذه النخل الملازمين لها، يجادلون في الدين، بلا علم ولا فقه.]] ليس عليهم إمام جماعة، ولا يعرفون شهر رمضان. وقال آخرون: بل عنى به أهل الشرك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ قال: هؤلاء المشركون. والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن زيد؛ وقد بين الله حقيقة ذلك بقوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Il est le Seul à détenir le pouvoir de donner la vie et celui de donner la mort et lorsqu’Il décide de quelque chose, Il lui dit « Sois » et aussitôt il est.

69

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ

N'as-tu pas vu comment ceux qui discutent sur les versets d'Allah se laissent détourner?

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: أَلَا تَعْجَبُ يَا مُحَمَّدُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَيُجَادِلُونَ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، كَيْفَ تُصرّف عُقُولُهُمْ عَنِ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالِ، ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ أَيْ: مِنَ الْهُدَى وَالْبَيَانِ، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ هَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، مِنَ الرَّبِّ، جَلَّ جَلَالُهُ، لِهَؤُلَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ١٥] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ﴾ أَيْ: مُتَّصِلَةٌ بِالْأَغْلَالِ، بِأَيْدِي الزَّبَانِيَةِ يَسْحَبُونَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، تَارَةً إِلَى الْحَمِيمِ وَتَارَةً إِلَى الْجَحِيمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤٣، ٤٤] . وَقَالَ بَعْدَ ذكْره أَكْلَهُمُ الزَّقُّومَ وَشُرْبَهُمُ الْحَمِيمَ: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصَّافَّاتِ:٦٨] وَقَالَ ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ. فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ. وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ. لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ. فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ. هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٤١ -٥٦] . وَقَالَ ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعَامُ الأثِيمِ. كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ. كَغَلْيِ الْحَمِيمِ. خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ. ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ. ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدُّخَانِ: ٤٣ -٥٠] ، أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ، وَالتَّحْقِيرِ وَالتَّصْغِيرِ، وَالتَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِهِمْ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحسين، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ [[في أ: "بشر".]] بْنُ طَلْحَةَ الْخِزَامِيُّ، عَنْ خَالِدِ بْنِ دُرَيْك، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُنْيَه -رَفَعَ الْحَدِيثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-قَالَ: "يُنْشِئُ اللَّهُ سَحَابَةً لِأَهْلِ النَّارِ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، أَيَّ شَيْءٍ تَطْلُبُونَ؟ فَيَذْكُرُونَ بِهَا سَحَابَ الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ: نَسْأَلُ بَرْد الشَّرَابِ، فَتُمْطِرُهُمْ أَغْلَالًا تَزِيدُ فِي أَغْلَالِهِمْ، وَسَلَاسِلَ تَزِيدُ فِي سَلَاسِلِهِمْ، وَجَمْرًا يُلْهِبُ النَّارَ عَلَيْهِمْ". هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٨٤٦) وابن عدي في الكامل (٦/٣٩٤) من طريق أحمد بن منيع عن منصور به، وقال الطبراني: "لا يروى إلا بهذا الإسناد تفرد به منصور". وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٩٠) : "فيه من فيه ضعف قليل، وفيه من لم أعرفه".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ: قِيلَ لَهُمْ: أَيْنَ الْأَصْنَامُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ هَلْ يَنْصُرُونَكُمُ الْيَوْمَ؟ ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ أَيْ: ذَهَبُوا فَلَمْ يَنْفَعُونَا، ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أَيْ: جَحَدُوا عِبَادَتَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ أَيْ: تَقُولُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: هَذَا الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ جَزَاءٌ عَلَى فَرَحِكُمْ فِي الدُّنْيَا بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَمَرَحِكُمْ وَأَشَرِكُمْ وَبَطَرِكُمْ، ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أَيْ: فَبِئْسَ المْنزلُ والمَقِيلُ الَّذِي فِيهِ الْهَوَانُ وَالْعَذَابُ الشَّدِيدُ، لِمَنِ اسْتَكْبَرَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَاتِّبَاعِ دَلَائِلِهِ وحُججه.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) ﴾ يقول تعالى ذكره آمرًا نبيه محمدا ﷺ بتنبيه مشركي قومه على حججه عليهم في وحدانيته: قل يا محمد لقومك: أمرت أن أسلم لرب العالمين الذي صفته هذه الصفات. وهي أنه خلق أباكم آدم ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ﴾ خلقكم ﴿مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ بعد أن كنتم نطفا ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا﴾ من بطون أمهاتكم صغارا، ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ ، فتتكامل قواكم، ويتناهى شبابكم، وتمام خلقكم شيوخا ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾ أن يبلغ الشيخوخة ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلا مُسَمًّى﴾ يقول: ولتبلغوا ميقاتا مؤقتا لحياتكم، وأجلا محدودا لا تجاوزونه، ولا تتقدمون قبله ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يقول: وكي تعقلوا حجج الله عليكما بذلك، وتتدبروا آياته فتعرفوا بها أنه لا إله غيره فعل ذلك. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل لهم يا محمد: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ يقول قل لهم: ومن صفته جلّ ثناؤه أنه هو الذي يحيي من يشاء بعد مماته، ويميت من يشاء من الأحياء بعد حياته و ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ يقول: وإذا قضى كون أمر من الأمور التي يريد تكوينها ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾ يعني للذي يريد تكوينه كن، فيكون ما أراد تكوينه موجودا بغير معاناة، ولا كلفة مؤنة. * * وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ يقول لنبيه محمد ﷺ ألم تر يا محمد هؤلاء المشركين من قومك، الذين يخاصمونك في حجج الله وآياته ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ يقول: أيّ وجه يصرفون عن الحق، ويعدلون عن الرشد. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ : أنى يكذبون ويعدلون. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ قال: يُصْرَفون عن الحقّ. واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عنى بها أهل القدر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قالا ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن داود بن أبي هند. عن محمد بن سيرين، قال: إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدرية، فإني لا أدري فيمن نزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ . ⁕ حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن ابن سيرين، قال: إن لم يكن أهل القدر الذين يخوضون في آيات الله فلا علم لنا به. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أبي الخير الزيادي، عن أبي قبيل، قال: أخبرني عقبة بن عامر الجهني، أن رسول الله ﷺ قال:"سَيَهْلِكُ مِنْ أُمَّتِي أهْلُ الكِتَابِ، وأهْلُ اللِّينِ" فقال عقبة: يا رسول الله، وما أهل الكتاب؟ قال:"قَوْمٌ يَتَعَلَّمُونَ كِتابَ الله يُجادلُونَ الَّذينَ آمَنُوا"، فقال عقبة: يا رسول الله، وما أهل اللين؟ قال:"قَوْمٌ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ، ويُضَيِّعُونَ الصَّلَوَاتِ". قال أبو قبيل: لا أحسب المكذّبين بالقدر إلا الذين يجادلون الذين آمنوا، وأما أهل اللين، فلا أحسبهم إلا أهل العمود [[كذا في الأصل، ولم أجد معنى للعمود في النهاية لابن الأثير، ولعله محرف عن (العمور) بضم العين، جمع عمر، بفتح فسكون وبضمتين، وهو من النخيل، وهو الحسوق الطويل. يريد أصحاب هذه النخل الملازمين لها، يجادلون في الدين، بلا علم ولا فقه.]] ليس عليهم إمام جماعة، ولا يعرفون شهر رمضان. وقال آخرون: بل عنى به أهل الشرك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ قال: هؤلاء المشركون. والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن زيد؛ وقد بين الله حقيقة ذلك بقوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, n’as-tu pas vu ceux qui se querellent au sujet des versets d’Allah et les rejettent malgré leur clarté? Il est approprié que tu t’étonnes de leur refus de la vérité malgré sa clarté.

70

ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِٱلْكِتَٰبِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِۦ رُسُلَنَا ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ

Ceux qui traitent de mensonge le Livre (le Coran) et ce avec quoi Nous avons envoyé Nos Messagers; ils sauront bientôt,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: أَلَا تَعْجَبُ يَا مُحَمَّدُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَيُجَادِلُونَ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، كَيْفَ تُصرّف عُقُولُهُمْ عَنِ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالِ، ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ أَيْ: مِنَ الْهُدَى وَالْبَيَانِ، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ هَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، مِنَ الرَّبِّ، جَلَّ جَلَالُهُ، لِهَؤُلَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ١٥] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ﴾ أَيْ: مُتَّصِلَةٌ بِالْأَغْلَالِ، بِأَيْدِي الزَّبَانِيَةِ يَسْحَبُونَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، تَارَةً إِلَى الْحَمِيمِ وَتَارَةً إِلَى الْجَحِيمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤٣، ٤٤] . وَقَالَ بَعْدَ ذكْره أَكْلَهُمُ الزَّقُّومَ وَشُرْبَهُمُ الْحَمِيمَ: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصَّافَّاتِ:٦٨] وَقَالَ ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ. فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ. وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ. لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ. فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ. هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٤١ -٥٦] . وَقَالَ ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعَامُ الأثِيمِ. كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ. كَغَلْيِ الْحَمِيمِ. خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ. ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ. ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدُّخَانِ: ٤٣ -٥٠] ، أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ، وَالتَّحْقِيرِ وَالتَّصْغِيرِ، وَالتَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِهِمْ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحسين، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ [[في أ: "بشر".]] بْنُ طَلْحَةَ الْخِزَامِيُّ، عَنْ خَالِدِ بْنِ دُرَيْك، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُنْيَه -رَفَعَ الْحَدِيثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-قَالَ: "يُنْشِئُ اللَّهُ سَحَابَةً لِأَهْلِ النَّارِ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، أَيَّ شَيْءٍ تَطْلُبُونَ؟ فَيَذْكُرُونَ بِهَا سَحَابَ الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ: نَسْأَلُ بَرْد الشَّرَابِ، فَتُمْطِرُهُمْ أَغْلَالًا تَزِيدُ فِي أَغْلَالِهِمْ، وَسَلَاسِلَ تَزِيدُ فِي سَلَاسِلِهِمْ، وَجَمْرًا يُلْهِبُ النَّارَ عَلَيْهِمْ". هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٨٤٦) وابن عدي في الكامل (٦/٣٩٤) من طريق أحمد بن منيع عن منصور به، وقال الطبراني: "لا يروى إلا بهذا الإسناد تفرد به منصور". وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٩٠) : "فيه من فيه ضعف قليل، وفيه من لم أعرفه".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ: قِيلَ لَهُمْ: أَيْنَ الْأَصْنَامُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ هَلْ يَنْصُرُونَكُمُ الْيَوْمَ؟ ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ أَيْ: ذَهَبُوا فَلَمْ يَنْفَعُونَا، ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أَيْ: جَحَدُوا عِبَادَتَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ أَيْ: تَقُولُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: هَذَا الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ جَزَاءٌ عَلَى فَرَحِكُمْ فِي الدُّنْيَا بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَمَرَحِكُمْ وَأَشَرِكُمْ وَبَطَرِكُمْ، ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أَيْ: فَبِئْسَ المْنزلُ والمَقِيلُ الَّذِي فِيهِ الْهَوَانُ وَالْعَذَابُ الشَّدِيدُ، لِمَنِ اسْتَكْبَرَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَاتِّبَاعِ دَلَائِلِهِ وحُججه.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون الذين كذّبوا بكتاب الله، وهو هذا القرآن؛ و"الذين" الثانية في موضع خفض ردّا لها على"الذين" الأولى على وجه النعت ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ يقول: وكذّبوا أيضا مع تكذيبهم بكتاب الله بما أرسلنا به رسلنا من إخلاص العبادة لله، والبراءة مما يعبد دونه من الآلهة والأنداد، والإقرار بالبعث بعد الممات للثواب والعقاب. * * وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ﴾ ، وهذا تهديد من الله المشركين به؛ يقول جلّ ثناؤه: فسوف يعلم هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله، المكذبون بالكتاب حقيقة ما تخبرهم به يا محمد، وصحة ما هم به اليوم مكذّبون من هذا الكتاب، حين تجعل الأغلال والسلاسل في أعناقهم في جهنم. وقرأت قراءة الأمصار: والسلاسل، برفعها عطفا بها على الأغلال على المعنى الذي بينَّت. وذُكر عن ابن عباس أنه كان يقرؤه"والسَّلاسِلَ يُسْحَبونَ" بنصب السلاسل في الحميم. وقد حكي أيضا عنه أنه كان يقول: إنما هو وهم في السلاسل يسحبون، ولا يجيز أهل ألعلم بالعربية خفض الاسم والخافض مضمر. وكان بعضهم يقول في ذلك: لو أن متوهما قال: إنما المعنى: إذ أعناقهم في الأغلال والسلال يسبحون. حاز الخفض في السلاسل على هذا المذهب، وقال: مثله، مما رد إلى المعنى. قول الشاعر: قَدْ سَالَم الحَيَّاتُ مِنْهُ القَدمَا ... الأفْعُوَانَ والشُّجاعَ الأرْقَما [[البيتان من مشطور الرجز (اللسان: شجع) . قال الشجاع: الحية، وفي الحديث:" يجيء كنز أحدهم يوم القيامة شجاها أقرع". وأنشد الأحمر:" قد سالم الحيات.... البيتين". نصب الشجاع والأفعوان بمعنى الكلام، لأن الحيات إذا سالمت القدم، فقد سالمها القدم، فكأنه قال: سالم القدم الحيات؛ ثم جعل الأفعوان بدلا منها. اهـ. وقال الفراء في معاني القرآن (الورقة" ٢٨٩") نصب الشجاع والحيات قبل ذلك مرفوعة، لأن المعنى قد سالمت رجله الحيات وسالمتها. فلما احتاج إلى نصب القافية، جعل الفعل من القدم واقعا على الحيات. اهـ.]] فنصب الشُّجاع والحيات قبل ذلك مرفوعة، لأن المعنى: قد سالمت رجله الحيات وسالمتها، فلما احتاج إلى نصب القافية، جعل الفعل من القدم واقعا على الحيات. والصواب من القراءة عندنا فى ذلك ما عليه قراء الأمصار، لإجماع الحجة عليه، وهو رفع السلاسل عطفا بها على ما في قوله: ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ من ذكر الأغلال. * * وقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ يقول: يسحب هؤلاء الذين كذّبوا في الدنيا بالكتاب زبانية العذاب يوم القيامة في الحميم، وهو ما قد انتهى حَرُّه، وبلغ غايته. * * وقوله ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ يقول: ثم في نار جهنم يحرقون، يقول: تسجر بها جهنم: أي توقد بهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ قال: يوقد بهم النار. ⁕ حدثنا محمد. قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ قال: يحرقون في النار. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال. قال ابن زيد، في قوله: ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ قال: يسجرون في النار: يوقد عليهم فيها. * * وقوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يقول: ثم قيل: أين الذين كنتم تشركون بعبادتكم إياها من دون الله من آلهتكم وأوثانكم حتى يغيثوكم فينقذوكم مما أنتم فيه من البلاء والعذاب، فإن المعبود يغيث من عبد وخدمه؛ وإنما يقال هذا لهم توبيخا وتقريعا على ما كان منهم في الدنيا من الكفر بالله وطاعة الشيطان، فأجاب المساكين عند ذلك فقالوا: ضلوا عنا: يقول: عدلوا عنا، فأخذوا غير طريقنا، وتركونا في هذا البلاء، بل ما ضلوا عنا، ولكنا لم نكن ندعو من قبل في الدنيا شيئا: أي لم نكن نعبد شيئا؛ يقول الله تعالى ذكره: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ يقول: كما أضل هؤلاء الذين ضل عنهم في جهنم ما كانوا يعبدون في الدنيا من دون الله من الآلهة والأوثان آلهتهم وأوثانهم، كذلك يضل الله أهل الكفر به عنه، وعن رحمته وعبادته، فلا يرحمهم فينجيهم من النار، ولا يغيثهم فيخفف عنهم ما هم فيه من البلاء.

Al-Mukhtasar (français)

Ceux qui traitent de mensonge le Coran et la vérité que Nous avons envoyé Nos messagers transmettre sauront quelle sera la conséquence de leur démenti et ils verront le malheureux dénouement qui les attend.

71

إِذِ ٱلْأَغْلَٰلُ فِىٓ أَعْنَٰقِهِمْ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسْحَبُونَ

quand, des carcans à leurs cous et avec des chaînes ils seront traînés

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: أَلَا تَعْجَبُ يَا مُحَمَّدُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَيُجَادِلُونَ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، كَيْفَ تُصرّف عُقُولُهُمْ عَنِ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالِ، ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ أَيْ: مِنَ الْهُدَى وَالْبَيَانِ، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ هَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، مِنَ الرَّبِّ، جَلَّ جَلَالُهُ، لِهَؤُلَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ١٥] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ﴾ أَيْ: مُتَّصِلَةٌ بِالْأَغْلَالِ، بِأَيْدِي الزَّبَانِيَةِ يَسْحَبُونَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، تَارَةً إِلَى الْحَمِيمِ وَتَارَةً إِلَى الْجَحِيمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤٣، ٤٤] . وَقَالَ بَعْدَ ذكْره أَكْلَهُمُ الزَّقُّومَ وَشُرْبَهُمُ الْحَمِيمَ: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصَّافَّاتِ:٦٨] وَقَالَ ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ. فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ. وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ. لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ. فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ. هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٤١ -٥٦] . وَقَالَ ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعَامُ الأثِيمِ. كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ. كَغَلْيِ الْحَمِيمِ. خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ. ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ. ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدُّخَانِ: ٤٣ -٥٠] ، أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ، وَالتَّحْقِيرِ وَالتَّصْغِيرِ، وَالتَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِهِمْ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحسين، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ [[في أ: "بشر".]] بْنُ طَلْحَةَ الْخِزَامِيُّ، عَنْ خَالِدِ بْنِ دُرَيْك، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُنْيَه -رَفَعَ الْحَدِيثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-قَالَ: "يُنْشِئُ اللَّهُ سَحَابَةً لِأَهْلِ النَّارِ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، أَيَّ شَيْءٍ تَطْلُبُونَ؟ فَيَذْكُرُونَ بِهَا سَحَابَ الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ: نَسْأَلُ بَرْد الشَّرَابِ، فَتُمْطِرُهُمْ أَغْلَالًا تَزِيدُ فِي أَغْلَالِهِمْ، وَسَلَاسِلَ تَزِيدُ فِي سَلَاسِلِهِمْ، وَجَمْرًا يُلْهِبُ النَّارَ عَلَيْهِمْ". هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٨٤٦) وابن عدي في الكامل (٦/٣٩٤) من طريق أحمد بن منيع عن منصور به، وقال الطبراني: "لا يروى إلا بهذا الإسناد تفرد به منصور". وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٩٠) : "فيه من فيه ضعف قليل، وفيه من لم أعرفه".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ: قِيلَ لَهُمْ: أَيْنَ الْأَصْنَامُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ هَلْ يَنْصُرُونَكُمُ الْيَوْمَ؟ ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ أَيْ: ذَهَبُوا فَلَمْ يَنْفَعُونَا، ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أَيْ: جَحَدُوا عِبَادَتَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ أَيْ: تَقُولُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: هَذَا الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ جَزَاءٌ عَلَى فَرَحِكُمْ فِي الدُّنْيَا بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَمَرَحِكُمْ وَأَشَرِكُمْ وَبَطَرِكُمْ، ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أَيْ: فَبِئْسَ المْنزلُ والمَقِيلُ الَّذِي فِيهِ الْهَوَانُ وَالْعَذَابُ الشَّدِيدُ، لِمَنِ اسْتَكْبَرَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَاتِّبَاعِ دَلَائِلِهِ وحُججه.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون الذين كذّبوا بكتاب الله، وهو هذا القرآن؛ و"الذين" الثانية في موضع خفض ردّا لها على"الذين" الأولى على وجه النعت ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ يقول: وكذّبوا أيضا مع تكذيبهم بكتاب الله بما أرسلنا به رسلنا من إخلاص العبادة لله، والبراءة مما يعبد دونه من الآلهة والأنداد، والإقرار بالبعث بعد الممات للثواب والعقاب. * * وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ﴾ ، وهذا تهديد من الله المشركين به؛ يقول جلّ ثناؤه: فسوف يعلم هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله، المكذبون بالكتاب حقيقة ما تخبرهم به يا محمد، وصحة ما هم به اليوم مكذّبون من هذا الكتاب، حين تجعل الأغلال والسلاسل في أعناقهم في جهنم. وقرأت قراءة الأمصار: والسلاسل، برفعها عطفا بها على الأغلال على المعنى الذي بينَّت. وذُكر عن ابن عباس أنه كان يقرؤه"والسَّلاسِلَ يُسْحَبونَ" بنصب السلاسل في الحميم. وقد حكي أيضا عنه أنه كان يقول: إنما هو وهم في السلاسل يسحبون، ولا يجيز أهل ألعلم بالعربية خفض الاسم والخافض مضمر. وكان بعضهم يقول في ذلك: لو أن متوهما قال: إنما المعنى: إذ أعناقهم في الأغلال والسلال يسبحون. حاز الخفض في السلاسل على هذا المذهب، وقال: مثله، مما رد إلى المعنى. قول الشاعر: قَدْ سَالَم الحَيَّاتُ مِنْهُ القَدمَا ... الأفْعُوَانَ والشُّجاعَ الأرْقَما [[البيتان من مشطور الرجز (اللسان: شجع) . قال الشجاع: الحية، وفي الحديث:" يجيء كنز أحدهم يوم القيامة شجاها أقرع". وأنشد الأحمر:" قد سالم الحيات.... البيتين". نصب الشجاع والأفعوان بمعنى الكلام، لأن الحيات إذا سالمت القدم، فقد سالمها القدم، فكأنه قال: سالم القدم الحيات؛ ثم جعل الأفعوان بدلا منها. اهـ. وقال الفراء في معاني القرآن (الورقة" ٢٨٩") نصب الشجاع والحيات قبل ذلك مرفوعة، لأن المعنى قد سالمت رجله الحيات وسالمتها. فلما احتاج إلى نصب القافية، جعل الفعل من القدم واقعا على الحيات. اهـ.]] فنصب الشُّجاع والحيات قبل ذلك مرفوعة، لأن المعنى: قد سالمت رجله الحيات وسالمتها، فلما احتاج إلى نصب القافية، جعل الفعل من القدم واقعا على الحيات. والصواب من القراءة عندنا فى ذلك ما عليه قراء الأمصار، لإجماع الحجة عليه، وهو رفع السلاسل عطفا بها على ما في قوله: ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ من ذكر الأغلال. * * وقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ يقول: يسحب هؤلاء الذين كذّبوا في الدنيا بالكتاب زبانية العذاب يوم القيامة في الحميم، وهو ما قد انتهى حَرُّه، وبلغ غايته. * * وقوله ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ يقول: ثم في نار جهنم يحرقون، يقول: تسجر بها جهنم: أي توقد بهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ قال: يوقد بهم النار. ⁕ حدثنا محمد. قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ قال: يحرقون في النار. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال. قال ابن زيد، في قوله: ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ قال: يسجرون في النار: يوقد عليهم فيها. * * وقوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يقول: ثم قيل: أين الذين كنتم تشركون بعبادتكم إياها من دون الله من آلهتكم وأوثانكم حتى يغيثوكم فينقذوكم مما أنتم فيه من البلاء والعذاب، فإن المعبود يغيث من عبد وخدمه؛ وإنما يقال هذا لهم توبيخا وتقريعا على ما كان منهم في الدنيا من الكفر بالله وطاعة الشيطان، فأجاب المساكين عند ذلك فقالوا: ضلوا عنا: يقول: عدلوا عنا، فأخذوا غير طريقنا، وتركونا في هذا البلاء، بل ما ضلوا عنا، ولكنا لم نكن ندعو من قبل في الدنيا شيئا: أي لم نكن نعبد شيئا؛ يقول الله تعالى ذكره: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ يقول: كما أضل هؤلاء الذين ضل عنهم في جهنم ما كانوا يعبدون في الدنيا من دون الله من الآلهة والأوثان آلهتهم وأوثانهم، كذلك يضل الله أهل الكفر به عنه، وعن رحمته وعبادته، فلا يرحمهم فينجيهم من النار، ولا يغيثهم فيخفف عنهم ما هم فيه من البلاء.

Al-Mukhtasar (français)

Ils connaîtront ce dénouement lorsque les carcans se refermeront autour de leurs cous, que les chaînes entraveront leurs pieds et que les bourreaux de l’Enfer les traîneront.

72

فِى ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ

dans l'eau bouillante; et qu'ensuite ils brûleront dans le Feu.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: أَلَا تَعْجَبُ يَا مُحَمَّدُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَيُجَادِلُونَ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، كَيْفَ تُصرّف عُقُولُهُمْ عَنِ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالِ، ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ أَيْ: مِنَ الْهُدَى وَالْبَيَانِ، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ هَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، مِنَ الرَّبِّ، جَلَّ جَلَالُهُ، لِهَؤُلَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ١٥] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ﴾ أَيْ: مُتَّصِلَةٌ بِالْأَغْلَالِ، بِأَيْدِي الزَّبَانِيَةِ يَسْحَبُونَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، تَارَةً إِلَى الْحَمِيمِ وَتَارَةً إِلَى الْجَحِيمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤٣، ٤٤] . وَقَالَ بَعْدَ ذكْره أَكْلَهُمُ الزَّقُّومَ وَشُرْبَهُمُ الْحَمِيمَ: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصَّافَّاتِ:٦٨] وَقَالَ ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ. فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ. وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ. لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ. فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ. هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٤١ -٥٦] . وَقَالَ ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعَامُ الأثِيمِ. كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ. كَغَلْيِ الْحَمِيمِ. خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ. ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ. ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدُّخَانِ: ٤٣ -٥٠] ، أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ، وَالتَّحْقِيرِ وَالتَّصْغِيرِ، وَالتَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِهِمْ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحسين، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ [[في أ: "بشر".]] بْنُ طَلْحَةَ الْخِزَامِيُّ، عَنْ خَالِدِ بْنِ دُرَيْك، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُنْيَه -رَفَعَ الْحَدِيثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-قَالَ: "يُنْشِئُ اللَّهُ سَحَابَةً لِأَهْلِ النَّارِ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، أَيَّ شَيْءٍ تَطْلُبُونَ؟ فَيَذْكُرُونَ بِهَا سَحَابَ الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ: نَسْأَلُ بَرْد الشَّرَابِ، فَتُمْطِرُهُمْ أَغْلَالًا تَزِيدُ فِي أَغْلَالِهِمْ، وَسَلَاسِلَ تَزِيدُ فِي سَلَاسِلِهِمْ، وَجَمْرًا يُلْهِبُ النَّارَ عَلَيْهِمْ". هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٨٤٦) وابن عدي في الكامل (٦/٣٩٤) من طريق أحمد بن منيع عن منصور به، وقال الطبراني: "لا يروى إلا بهذا الإسناد تفرد به منصور". وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٩٠) : "فيه من فيه ضعف قليل، وفيه من لم أعرفه".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ: قِيلَ لَهُمْ: أَيْنَ الْأَصْنَامُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ هَلْ يَنْصُرُونَكُمُ الْيَوْمَ؟ ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ أَيْ: ذَهَبُوا فَلَمْ يَنْفَعُونَا، ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أَيْ: جَحَدُوا عِبَادَتَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ أَيْ: تَقُولُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: هَذَا الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ جَزَاءٌ عَلَى فَرَحِكُمْ فِي الدُّنْيَا بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَمَرَحِكُمْ وَأَشَرِكُمْ وَبَطَرِكُمْ، ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أَيْ: فَبِئْسَ المْنزلُ والمَقِيلُ الَّذِي فِيهِ الْهَوَانُ وَالْعَذَابُ الشَّدِيدُ، لِمَنِ اسْتَكْبَرَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَاتِّبَاعِ دَلَائِلِهِ وحُججه.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون الذين كذّبوا بكتاب الله، وهو هذا القرآن؛ و"الذين" الثانية في موضع خفض ردّا لها على"الذين" الأولى على وجه النعت ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ يقول: وكذّبوا أيضا مع تكذيبهم بكتاب الله بما أرسلنا به رسلنا من إخلاص العبادة لله، والبراءة مما يعبد دونه من الآلهة والأنداد، والإقرار بالبعث بعد الممات للثواب والعقاب. * * وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ﴾ ، وهذا تهديد من الله المشركين به؛ يقول جلّ ثناؤه: فسوف يعلم هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله، المكذبون بالكتاب حقيقة ما تخبرهم به يا محمد، وصحة ما هم به اليوم مكذّبون من هذا الكتاب، حين تجعل الأغلال والسلاسل في أعناقهم في جهنم. وقرأت قراءة الأمصار: والسلاسل، برفعها عطفا بها على الأغلال على المعنى الذي بينَّت. وذُكر عن ابن عباس أنه كان يقرؤه"والسَّلاسِلَ يُسْحَبونَ" بنصب السلاسل في الحميم. وقد حكي أيضا عنه أنه كان يقول: إنما هو وهم في السلاسل يسحبون، ولا يجيز أهل ألعلم بالعربية خفض الاسم والخافض مضمر. وكان بعضهم يقول في ذلك: لو أن متوهما قال: إنما المعنى: إذ أعناقهم في الأغلال والسلال يسبحون. حاز الخفض في السلاسل على هذا المذهب، وقال: مثله، مما رد إلى المعنى. قول الشاعر: قَدْ سَالَم الحَيَّاتُ مِنْهُ القَدمَا ... الأفْعُوَانَ والشُّجاعَ الأرْقَما [[البيتان من مشطور الرجز (اللسان: شجع) . قال الشجاع: الحية، وفي الحديث:" يجيء كنز أحدهم يوم القيامة شجاها أقرع". وأنشد الأحمر:" قد سالم الحيات.... البيتين". نصب الشجاع والأفعوان بمعنى الكلام، لأن الحيات إذا سالمت القدم، فقد سالمها القدم، فكأنه قال: سالم القدم الحيات؛ ثم جعل الأفعوان بدلا منها. اهـ. وقال الفراء في معاني القرآن (الورقة" ٢٨٩") نصب الشجاع والحيات قبل ذلك مرفوعة، لأن المعنى قد سالمت رجله الحيات وسالمتها. فلما احتاج إلى نصب القافية، جعل الفعل من القدم واقعا على الحيات. اهـ.]] فنصب الشُّجاع والحيات قبل ذلك مرفوعة، لأن المعنى: قد سالمت رجله الحيات وسالمتها، فلما احتاج إلى نصب القافية، جعل الفعل من القدم واقعا على الحيات. والصواب من القراءة عندنا فى ذلك ما عليه قراء الأمصار، لإجماع الحجة عليه، وهو رفع السلاسل عطفا بها على ما في قوله: ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ من ذكر الأغلال. * * وقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ يقول: يسحب هؤلاء الذين كذّبوا في الدنيا بالكتاب زبانية العذاب يوم القيامة في الحميم، وهو ما قد انتهى حَرُّه، وبلغ غايته. * * وقوله ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ يقول: ثم في نار جهنم يحرقون، يقول: تسجر بها جهنم: أي توقد بهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ قال: يوقد بهم النار. ⁕ حدثنا محمد. قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ قال: يحرقون في النار. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال. قال ابن زيد، في قوله: ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ قال: يسجرون في النار: يوقد عليهم فيها. * * وقوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يقول: ثم قيل: أين الذين كنتم تشركون بعبادتكم إياها من دون الله من آلهتكم وأوثانكم حتى يغيثوكم فينقذوكم مما أنتم فيه من البلاء والعذاب، فإن المعبود يغيث من عبد وخدمه؛ وإنما يقال هذا لهم توبيخا وتقريعا على ما كان منهم في الدنيا من الكفر بالله وطاعة الشيطان، فأجاب المساكين عند ذلك فقالوا: ضلوا عنا: يقول: عدلوا عنا، فأخذوا غير طريقنا، وتركونا في هذا البلاء، بل ما ضلوا عنا، ولكنا لم نكن ندعو من قبل في الدنيا شيئا: أي لم نكن نعبد شيئا؛ يقول الله تعالى ذكره: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ يقول: كما أضل هؤلاء الذين ضل عنهم في جهنم ما كانوا يعبدون في الدنيا من دون الله من الآلهة والأوثان آلهتهم وأوثانهم، كذلك يضل الله أهل الكفر به عنه، وعن رحمته وعبادته، فلا يرحمهم فينجيهم من النار، ولا يغيثهم فيخفف عنهم ما هم فيه من البلاء.

Al-Mukhtasar (français)

Ils les traîneront dans une eau bouillante puis ils seront jetés dans le Feu pour y brûler.

73

ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ

Puis on leur dira: «Où sont ceux que vous associez

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: أَلَا تَعْجَبُ يَا مُحَمَّدُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَيُجَادِلُونَ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، كَيْفَ تُصرّف عُقُولُهُمْ عَنِ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالِ، ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ أَيْ: مِنَ الْهُدَى وَالْبَيَانِ، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ هَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، مِنَ الرَّبِّ، جَلَّ جَلَالُهُ، لِهَؤُلَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ١٥] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ﴾ أَيْ: مُتَّصِلَةٌ بِالْأَغْلَالِ، بِأَيْدِي الزَّبَانِيَةِ يَسْحَبُونَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، تَارَةً إِلَى الْحَمِيمِ وَتَارَةً إِلَى الْجَحِيمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤٣، ٤٤] . وَقَالَ بَعْدَ ذكْره أَكْلَهُمُ الزَّقُّومَ وَشُرْبَهُمُ الْحَمِيمَ: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصَّافَّاتِ:٦٨] وَقَالَ ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ. فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ. وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ. لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ. فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ. هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٤١ -٥٦] . وَقَالَ ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعَامُ الأثِيمِ. كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ. كَغَلْيِ الْحَمِيمِ. خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ. ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ. ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدُّخَانِ: ٤٣ -٥٠] ، أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ، وَالتَّحْقِيرِ وَالتَّصْغِيرِ، وَالتَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِهِمْ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحسين، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ [[في أ: "بشر".]] بْنُ طَلْحَةَ الْخِزَامِيُّ، عَنْ خَالِدِ بْنِ دُرَيْك، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُنْيَه -رَفَعَ الْحَدِيثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-قَالَ: "يُنْشِئُ اللَّهُ سَحَابَةً لِأَهْلِ النَّارِ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، أَيَّ شَيْءٍ تَطْلُبُونَ؟ فَيَذْكُرُونَ بِهَا سَحَابَ الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ: نَسْأَلُ بَرْد الشَّرَابِ، فَتُمْطِرُهُمْ أَغْلَالًا تَزِيدُ فِي أَغْلَالِهِمْ، وَسَلَاسِلَ تَزِيدُ فِي سَلَاسِلِهِمْ، وَجَمْرًا يُلْهِبُ النَّارَ عَلَيْهِمْ". هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٨٤٦) وابن عدي في الكامل (٦/٣٩٤) من طريق أحمد بن منيع عن منصور به، وقال الطبراني: "لا يروى إلا بهذا الإسناد تفرد به منصور". وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٩٠) : "فيه من فيه ضعف قليل، وفيه من لم أعرفه".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ: قِيلَ لَهُمْ: أَيْنَ الْأَصْنَامُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ هَلْ يَنْصُرُونَكُمُ الْيَوْمَ؟ ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ أَيْ: ذَهَبُوا فَلَمْ يَنْفَعُونَا، ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أَيْ: جَحَدُوا عِبَادَتَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ أَيْ: تَقُولُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: هَذَا الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ جَزَاءٌ عَلَى فَرَحِكُمْ فِي الدُّنْيَا بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَمَرَحِكُمْ وَأَشَرِكُمْ وَبَطَرِكُمْ، ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أَيْ: فَبِئْسَ المْنزلُ والمَقِيلُ الَّذِي فِيهِ الْهَوَانُ وَالْعَذَابُ الشَّدِيدُ، لِمَنِ اسْتَكْبَرَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَاتِّبَاعِ دَلَائِلِهِ وحُججه.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون الذين كذّبوا بكتاب الله، وهو هذا القرآن؛ و"الذين" الثانية في موضع خفض ردّا لها على"الذين" الأولى على وجه النعت ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ يقول: وكذّبوا أيضا مع تكذيبهم بكتاب الله بما أرسلنا به رسلنا من إخلاص العبادة لله، والبراءة مما يعبد دونه من الآلهة والأنداد، والإقرار بالبعث بعد الممات للثواب والعقاب. * * وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ﴾ ، وهذا تهديد من الله المشركين به؛ يقول جلّ ثناؤه: فسوف يعلم هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله، المكذبون بالكتاب حقيقة ما تخبرهم به يا محمد، وصحة ما هم به اليوم مكذّبون من هذا الكتاب، حين تجعل الأغلال والسلاسل في أعناقهم في جهنم. وقرأت قراءة الأمصار: والسلاسل، برفعها عطفا بها على الأغلال على المعنى الذي بينَّت. وذُكر عن ابن عباس أنه كان يقرؤه"والسَّلاسِلَ يُسْحَبونَ" بنصب السلاسل في الحميم. وقد حكي أيضا عنه أنه كان يقول: إنما هو وهم في السلاسل يسحبون، ولا يجيز أهل ألعلم بالعربية خفض الاسم والخافض مضمر. وكان بعضهم يقول في ذلك: لو أن متوهما قال: إنما المعنى: إذ أعناقهم في الأغلال والسلال يسبحون. حاز الخفض في السلاسل على هذا المذهب، وقال: مثله، مما رد إلى المعنى. قول الشاعر: قَدْ سَالَم الحَيَّاتُ مِنْهُ القَدمَا ... الأفْعُوَانَ والشُّجاعَ الأرْقَما [[البيتان من مشطور الرجز (اللسان: شجع) . قال الشجاع: الحية، وفي الحديث:" يجيء كنز أحدهم يوم القيامة شجاها أقرع". وأنشد الأحمر:" قد سالم الحيات.... البيتين". نصب الشجاع والأفعوان بمعنى الكلام، لأن الحيات إذا سالمت القدم، فقد سالمها القدم، فكأنه قال: سالم القدم الحيات؛ ثم جعل الأفعوان بدلا منها. اهـ. وقال الفراء في معاني القرآن (الورقة" ٢٨٩") نصب الشجاع والحيات قبل ذلك مرفوعة، لأن المعنى قد سالمت رجله الحيات وسالمتها. فلما احتاج إلى نصب القافية، جعل الفعل من القدم واقعا على الحيات. اهـ.]] فنصب الشُّجاع والحيات قبل ذلك مرفوعة، لأن المعنى: قد سالمت رجله الحيات وسالمتها، فلما احتاج إلى نصب القافية، جعل الفعل من القدم واقعا على الحيات. والصواب من القراءة عندنا فى ذلك ما عليه قراء الأمصار، لإجماع الحجة عليه، وهو رفع السلاسل عطفا بها على ما في قوله: ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ من ذكر الأغلال. * * وقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ يقول: يسحب هؤلاء الذين كذّبوا في الدنيا بالكتاب زبانية العذاب يوم القيامة في الحميم، وهو ما قد انتهى حَرُّه، وبلغ غايته. * * وقوله ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ يقول: ثم في نار جهنم يحرقون، يقول: تسجر بها جهنم: أي توقد بهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ قال: يوقد بهم النار. ⁕ حدثنا محمد. قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ قال: يحرقون في النار. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال. قال ابن زيد، في قوله: ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ قال: يسجرون في النار: يوقد عليهم فيها. * * وقوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يقول: ثم قيل: أين الذين كنتم تشركون بعبادتكم إياها من دون الله من آلهتكم وأوثانكم حتى يغيثوكم فينقذوكم مما أنتم فيه من البلاء والعذاب، فإن المعبود يغيث من عبد وخدمه؛ وإنما يقال هذا لهم توبيخا وتقريعا على ما كان منهم في الدنيا من الكفر بالله وطاعة الشيطان، فأجاب المساكين عند ذلك فقالوا: ضلوا عنا: يقول: عدلوا عنا، فأخذوا غير طريقنا، وتركونا في هذا البلاء، بل ما ضلوا عنا، ولكنا لم نكن ندعو من قبل في الدنيا شيئا: أي لم نكن نعبد شيئا؛ يقول الله تعالى ذكره: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ يقول: كما أضل هؤلاء الذين ضل عنهم في جهنم ما كانوا يعبدون في الدنيا من دون الله من الآلهة والأوثان آلهتهم وأوثانهم، كذلك يضل الله أهل الكفر به عنه، وعن رحمته وعبادته، فلا يرحمهم فينجيهم من النار، ولا يغيثهم فيخفف عنهم ما هم فيه من البلاء.

Al-Mukhtasar (français)

Ensuite, on leur dira sur le ton de la réprimande: Où sont les prétendus dieux que vous associiez dans vos actes d’adorations

74

مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُوا۟ مِن قَبْلُ شَيْـًۭٔا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَٰفِرِينَ

à Allah?» «Ils se sont écartés de nous, diront-ils. Ou plutôt, nous n'invoquions rien, auparavant». Ainsi Allah égare-t-Il les mécréants.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: أَلَا تَعْجَبُ يَا مُحَمَّدُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَيُجَادِلُونَ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، كَيْفَ تُصرّف عُقُولُهُمْ عَنِ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالِ، ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ أَيْ: مِنَ الْهُدَى وَالْبَيَانِ، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ هَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، مِنَ الرَّبِّ، جَلَّ جَلَالُهُ، لِهَؤُلَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ١٥] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ﴾ أَيْ: مُتَّصِلَةٌ بِالْأَغْلَالِ، بِأَيْدِي الزَّبَانِيَةِ يَسْحَبُونَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، تَارَةً إِلَى الْحَمِيمِ وَتَارَةً إِلَى الْجَحِيمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤٣، ٤٤] . وَقَالَ بَعْدَ ذكْره أَكْلَهُمُ الزَّقُّومَ وَشُرْبَهُمُ الْحَمِيمَ: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصَّافَّاتِ:٦٨] وَقَالَ ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ. فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ. وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ. لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ. فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ. هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٤١ -٥٦] . وَقَالَ ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعَامُ الأثِيمِ. كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ. كَغَلْيِ الْحَمِيمِ. خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ. ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ. ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدُّخَانِ: ٤٣ -٥٠] ، أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ، وَالتَّحْقِيرِ وَالتَّصْغِيرِ، وَالتَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِهِمْ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحسين، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ [[في أ: "بشر".]] بْنُ طَلْحَةَ الْخِزَامِيُّ، عَنْ خَالِدِ بْنِ دُرَيْك، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُنْيَه -رَفَعَ الْحَدِيثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-قَالَ: "يُنْشِئُ اللَّهُ سَحَابَةً لِأَهْلِ النَّارِ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، أَيَّ شَيْءٍ تَطْلُبُونَ؟ فَيَذْكُرُونَ بِهَا سَحَابَ الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ: نَسْأَلُ بَرْد الشَّرَابِ، فَتُمْطِرُهُمْ أَغْلَالًا تَزِيدُ فِي أَغْلَالِهِمْ، وَسَلَاسِلَ تَزِيدُ فِي سَلَاسِلِهِمْ، وَجَمْرًا يُلْهِبُ النَّارَ عَلَيْهِمْ". هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٨٤٦) وابن عدي في الكامل (٦/٣٩٤) من طريق أحمد بن منيع عن منصور به، وقال الطبراني: "لا يروى إلا بهذا الإسناد تفرد به منصور". وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٩٠) : "فيه من فيه ضعف قليل، وفيه من لم أعرفه".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ: قِيلَ لَهُمْ: أَيْنَ الْأَصْنَامُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ هَلْ يَنْصُرُونَكُمُ الْيَوْمَ؟ ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ أَيْ: ذَهَبُوا فَلَمْ يَنْفَعُونَا، ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أَيْ: جَحَدُوا عِبَادَتَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ أَيْ: تَقُولُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: هَذَا الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ جَزَاءٌ عَلَى فَرَحِكُمْ فِي الدُّنْيَا بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَمَرَحِكُمْ وَأَشَرِكُمْ وَبَطَرِكُمْ، ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أَيْ: فَبِئْسَ المْنزلُ والمَقِيلُ الَّذِي فِيهِ الْهَوَانُ وَالْعَذَابُ الشَّدِيدُ، لِمَنِ اسْتَكْبَرَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَاتِّبَاعِ دَلَائِلِهِ وحُججه.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون الذين كذّبوا بكتاب الله، وهو هذا القرآن؛ و"الذين" الثانية في موضع خفض ردّا لها على"الذين" الأولى على وجه النعت ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ يقول: وكذّبوا أيضا مع تكذيبهم بكتاب الله بما أرسلنا به رسلنا من إخلاص العبادة لله، والبراءة مما يعبد دونه من الآلهة والأنداد، والإقرار بالبعث بعد الممات للثواب والعقاب. * * وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ﴾ ، وهذا تهديد من الله المشركين به؛ يقول جلّ ثناؤه: فسوف يعلم هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله، المكذبون بالكتاب حقيقة ما تخبرهم به يا محمد، وصحة ما هم به اليوم مكذّبون من هذا الكتاب، حين تجعل الأغلال والسلاسل في أعناقهم في جهنم. وقرأت قراءة الأمصار: والسلاسل، برفعها عطفا بها على الأغلال على المعنى الذي بينَّت. وذُكر عن ابن عباس أنه كان يقرؤه"والسَّلاسِلَ يُسْحَبونَ" بنصب السلاسل في الحميم. وقد حكي أيضا عنه أنه كان يقول: إنما هو وهم في السلاسل يسحبون، ولا يجيز أهل ألعلم بالعربية خفض الاسم والخافض مضمر. وكان بعضهم يقول في ذلك: لو أن متوهما قال: إنما المعنى: إذ أعناقهم في الأغلال والسلال يسبحون. حاز الخفض في السلاسل على هذا المذهب، وقال: مثله، مما رد إلى المعنى. قول الشاعر: قَدْ سَالَم الحَيَّاتُ مِنْهُ القَدمَا ... الأفْعُوَانَ والشُّجاعَ الأرْقَما [[البيتان من مشطور الرجز (اللسان: شجع) . قال الشجاع: الحية، وفي الحديث:" يجيء كنز أحدهم يوم القيامة شجاها أقرع". وأنشد الأحمر:" قد سالم الحيات.... البيتين". نصب الشجاع والأفعوان بمعنى الكلام، لأن الحيات إذا سالمت القدم، فقد سالمها القدم، فكأنه قال: سالم القدم الحيات؛ ثم جعل الأفعوان بدلا منها. اهـ. وقال الفراء في معاني القرآن (الورقة" ٢٨٩") نصب الشجاع والحيات قبل ذلك مرفوعة، لأن المعنى قد سالمت رجله الحيات وسالمتها. فلما احتاج إلى نصب القافية، جعل الفعل من القدم واقعا على الحيات. اهـ.]] فنصب الشُّجاع والحيات قبل ذلك مرفوعة، لأن المعنى: قد سالمت رجله الحيات وسالمتها، فلما احتاج إلى نصب القافية، جعل الفعل من القدم واقعا على الحيات. والصواب من القراءة عندنا فى ذلك ما عليه قراء الأمصار، لإجماع الحجة عليه، وهو رفع السلاسل عطفا بها على ما في قوله: ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ من ذكر الأغلال. * * وقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ يقول: يسحب هؤلاء الذين كذّبوا في الدنيا بالكتاب زبانية العذاب يوم القيامة في الحميم، وهو ما قد انتهى حَرُّه، وبلغ غايته. * * وقوله ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ يقول: ثم في نار جهنم يحرقون، يقول: تسجر بها جهنم: أي توقد بهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ قال: يوقد بهم النار. ⁕ حدثنا محمد. قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ قال: يحرقون في النار. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال. قال ابن زيد، في قوله: ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ قال: يسجرون في النار: يوقد عليهم فيها. * * وقوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يقول: ثم قيل: أين الذين كنتم تشركون بعبادتكم إياها من دون الله من آلهتكم وأوثانكم حتى يغيثوكم فينقذوكم مما أنتم فيه من البلاء والعذاب، فإن المعبود يغيث من عبد وخدمه؛ وإنما يقال هذا لهم توبيخا وتقريعا على ما كان منهم في الدنيا من الكفر بالله وطاعة الشيطان، فأجاب المساكين عند ذلك فقالوا: ضلوا عنا: يقول: عدلوا عنا، فأخذوا غير طريقنا، وتركونا في هذا البلاء، بل ما ضلوا عنا، ولكنا لم نكن ندعو من قبل في الدنيا شيئا: أي لم نكن نعبد شيئا؛ يقول الله تعالى ذكره: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ يقول: كما أضل هؤلاء الذين ضل عنهم في جهنم ما كانوا يعبدون في الدنيا من دون الله من الآلهة والأوثان آلهتهم وأوثانهم، كذلك يضل الله أهل الكفر به عنه، وعن رحمته وعبادته، فلا يرحمهم فينجيهم من النار، ولا يغيثهم فيخفف عنهم ما هم فيه من البلاء.

Al-Mukhtasar (français)

à Allah? Ces idoles qui ne sont ni utiles ni nuisibles? Les mécréants répondront: Ils nous ont abandonnés et nous ne les voyons pas. Dans le bas monde, nous n’adorions aucune divinité méritant d’être adorée. C’est ainsi qu’Allah égare les mécréants de la vérité en toute époque et en tout lieu.

75

ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ

Voilà le prix de votre exultation sur terre, sans raison, ainsi que de votre joie immodérée.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: أَلَا تَعْجَبُ يَا مُحَمَّدُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَيُجَادِلُونَ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، كَيْفَ تُصرّف عُقُولُهُمْ عَنِ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالِ، ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ أَيْ: مِنَ الْهُدَى وَالْبَيَانِ، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ هَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، مِنَ الرَّبِّ، جَلَّ جَلَالُهُ، لِهَؤُلَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ١٥] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ﴾ أَيْ: مُتَّصِلَةٌ بِالْأَغْلَالِ، بِأَيْدِي الزَّبَانِيَةِ يَسْحَبُونَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، تَارَةً إِلَى الْحَمِيمِ وَتَارَةً إِلَى الْجَحِيمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤٣، ٤٤] . وَقَالَ بَعْدَ ذكْره أَكْلَهُمُ الزَّقُّومَ وَشُرْبَهُمُ الْحَمِيمَ: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصَّافَّاتِ:٦٨] وَقَالَ ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ. فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ. وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ. لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ. فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ. هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٤١ -٥٦] . وَقَالَ ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعَامُ الأثِيمِ. كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ. كَغَلْيِ الْحَمِيمِ. خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ. ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ. ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدُّخَانِ: ٤٣ -٥٠] ، أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ، وَالتَّحْقِيرِ وَالتَّصْغِيرِ، وَالتَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِهِمْ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحسين، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ [[في أ: "بشر".]] بْنُ طَلْحَةَ الْخِزَامِيُّ، عَنْ خَالِدِ بْنِ دُرَيْك، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُنْيَه -رَفَعَ الْحَدِيثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-قَالَ: "يُنْشِئُ اللَّهُ سَحَابَةً لِأَهْلِ النَّارِ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، أَيَّ شَيْءٍ تَطْلُبُونَ؟ فَيَذْكُرُونَ بِهَا سَحَابَ الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ: نَسْأَلُ بَرْد الشَّرَابِ، فَتُمْطِرُهُمْ أَغْلَالًا تَزِيدُ فِي أَغْلَالِهِمْ، وَسَلَاسِلَ تَزِيدُ فِي سَلَاسِلِهِمْ، وَجَمْرًا يُلْهِبُ النَّارَ عَلَيْهِمْ". هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٨٤٦) وابن عدي في الكامل (٦/٣٩٤) من طريق أحمد بن منيع عن منصور به، وقال الطبراني: "لا يروى إلا بهذا الإسناد تفرد به منصور". وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٩٠) : "فيه من فيه ضعف قليل، وفيه من لم أعرفه".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ: قِيلَ لَهُمْ: أَيْنَ الْأَصْنَامُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ هَلْ يَنْصُرُونَكُمُ الْيَوْمَ؟ ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ أَيْ: ذَهَبُوا فَلَمْ يَنْفَعُونَا، ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أَيْ: جَحَدُوا عِبَادَتَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ أَيْ: تَقُولُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: هَذَا الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ جَزَاءٌ عَلَى فَرَحِكُمْ فِي الدُّنْيَا بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَمَرَحِكُمْ وَأَشَرِكُمْ وَبَطَرِكُمْ، ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أَيْ: فَبِئْسَ المْنزلُ والمَقِيلُ الَّذِي فِيهِ الْهَوَانُ وَالْعَذَابُ الشَّدِيدُ، لِمَنِ اسْتَكْبَرَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَاتِّبَاعِ دَلَائِلِهِ وحُججه.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦) ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ هذا الذي فعلنا اليوم بكم أيها القوم من تعذيبنا كم العذاب الذي أنتم فيه، بفرحكم الذي كنتم تفرحونه في الدنيا، بغير ما أذن لكم به من الباطل والمعاصي، وبمر حكم فيها، والمرح: هو الأشر والبطر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ إلى ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ قال: الفرح والمرح: الفخر والخُيَلاء، والعمل في الأرض بالخطيئة، وكان ذلك في الشرك، وهو مثل قوله لقارون: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ وذلك في الشرك. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ) قال: تبطرون وتأشَرُون. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: ﴿تَمْرَحُونَ﴾ قال: تبطرون. * * وقوله: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يقول تعالى ذكره لهم: ادخلوا أبواب جهنم السبعة من كل باب منها جزء مقسوم منكم ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ يقول: فبئس منزل المتكبرين في الدنيا على الله أن يوحدوه، ويؤمنوا برسله اليوم جهنم.

Al-Mukhtasar (français)

On leur dira également: Ce châtiment que vous subissez est causé par la satisfaction que vous tirez à pratiquer le polythéisme et par la réjouissance excessive que vous éprouvez.

76

ٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ

Franchissez les portes de l'Enfer pour y demeurer éternellement. Qu'il est mauvais le lieu de séjour des orgueilleux!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: أَلَا تَعْجَبُ يَا مُحَمَّدُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَيُجَادِلُونَ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، كَيْفَ تُصرّف عُقُولُهُمْ عَنِ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالِ، ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ أَيْ: مِنَ الْهُدَى وَالْبَيَانِ، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ هَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، مِنَ الرَّبِّ، جَلَّ جَلَالُهُ، لِهَؤُلَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ١٥] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ﴾ أَيْ: مُتَّصِلَةٌ بِالْأَغْلَالِ، بِأَيْدِي الزَّبَانِيَةِ يَسْحَبُونَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، تَارَةً إِلَى الْحَمِيمِ وَتَارَةً إِلَى الْجَحِيمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤٣، ٤٤] . وَقَالَ بَعْدَ ذكْره أَكْلَهُمُ الزَّقُّومَ وَشُرْبَهُمُ الْحَمِيمَ: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصَّافَّاتِ:٦٨] وَقَالَ ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ. فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ. وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ. لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ. فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ. هَذَا نزلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٤١ -٥٦] . وَقَالَ ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعَامُ الأثِيمِ. كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ. كَغَلْيِ الْحَمِيمِ. خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ. ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ. ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدُّخَانِ: ٤٣ -٥٠] ، أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ، وَالتَّحْقِيرِ وَالتَّصْغِيرِ، وَالتَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِهِمْ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحسين، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ [[في أ: "بشر".]] بْنُ طَلْحَةَ الْخِزَامِيُّ، عَنْ خَالِدِ بْنِ دُرَيْك، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُنْيَه -رَفَعَ الْحَدِيثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-قَالَ: "يُنْشِئُ اللَّهُ سَحَابَةً لِأَهْلِ النَّارِ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، أَيَّ شَيْءٍ تَطْلُبُونَ؟ فَيَذْكُرُونَ بِهَا سَحَابَ الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ: نَسْأَلُ بَرْد الشَّرَابِ، فَتُمْطِرُهُمْ أَغْلَالًا تَزِيدُ فِي أَغْلَالِهِمْ، وَسَلَاسِلَ تَزِيدُ فِي سَلَاسِلِهِمْ، وَجَمْرًا يُلْهِبُ النَّارَ عَلَيْهِمْ". هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [[ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٤٨٤٦) وابن عدي في الكامل (٦/٣٩٤) من طريق أحمد بن منيع عن منصور به، وقال الطبراني: "لا يروى إلا بهذا الإسناد تفرد به منصور". وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٩٠) : "فيه من فيه ضعف قليل، وفيه من لم أعرفه".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ: قِيلَ لَهُمْ: أَيْنَ الْأَصْنَامُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ هَلْ يَنْصُرُونَكُمُ الْيَوْمَ؟ ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ أَيْ: ذَهَبُوا فَلَمْ يَنْفَعُونَا، ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أَيْ: جَحَدُوا عِبَادَتَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ أَيْ: تَقُولُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: هَذَا الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ جَزَاءٌ عَلَى فَرَحِكُمْ فِي الدُّنْيَا بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَمَرَحِكُمْ وَأَشَرِكُمْ وَبَطَرِكُمْ، ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أَيْ: فَبِئْسَ المْنزلُ والمَقِيلُ الَّذِي فِيهِ الْهَوَانُ وَالْعَذَابُ الشَّدِيدُ، لِمَنِ اسْتَكْبَرَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَاتِّبَاعِ دَلَائِلِهِ وحُججه.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦) ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ هذا الذي فعلنا اليوم بكم أيها القوم من تعذيبنا كم العذاب الذي أنتم فيه، بفرحكم الذي كنتم تفرحونه في الدنيا، بغير ما أذن لكم به من الباطل والمعاصي، وبمر حكم فيها، والمرح: هو الأشر والبطر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ إلى ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ قال: الفرح والمرح: الفخر والخُيَلاء، والعمل في الأرض بالخطيئة، وكان ذلك في الشرك، وهو مثل قوله لقارون: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ وذلك في الشرك. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ) قال: تبطرون وتأشَرُون. ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: ﴿تَمْرَحُونَ﴾ قال: تبطرون. * * وقوله: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يقول تعالى ذكره لهم: ادخلوا أبواب جهنم السبعة من كل باب منها جزء مقسوم منكم ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ يقول: فبئس منزل المتكبرين في الدنيا على الله أن يوحدوه، ويؤمنوا برسله اليوم جهنم.

Al-Mukhtasar (français)

Entrez par les portes de l’Enfer où vous demeurerez éternellement et quel pire refuge que l’Enfer pour ceux qui dédaignent la vérité.

77

فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ

Endure donc. La promesse d'Allah est vraie. Que Nous te montrions une partie de ce dont Nous les menaçons ou que Nous te fassions mourir (avant cela)... c'est vers Nous qu'ils seront ramenés.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، بِالصَّبْرِ عَلَى تَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ قَوْمِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ مِنَ النَّصْرِ وَالظَّفَرِ عَلَى قَوْمِكَ، وَجَعَلَ الْعَاقِبَةَ لَكَ وَلِمَنِ اتَّبَعَكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا. وَكَذَلِكَ وَقَعَ، فَإِنَّ اللَّهَ أَقَرَّ أَعْيُنَهُمْ مِنْ كُبَرَائِهِمْ وَعُظَمَائِهِمْ، أُبِيدُوا فِي يَوْمِ بَدْرٍ. ثُمَّ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ وَسَائِرَ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فِي أَيَّامِ حَيَاتِهِ ﷺ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ أَيْ: فَنُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ فِي الْآخِرَةِ. ثُمَّ قَالَ مُسَلِّيًا لَهُ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ كَمَا قَالَ فِي "سُورَةِ النِّسَاءِ" سَوَاءٌ، أَيْ: مِنْهُمْ مَنْ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ خَبَرَهُمْ وَقِصَصَهُمْ مَعَ قَوْمِهِمْ كَيْفَ كَذَّبُوهُمْ ثُمَّ كَانَتْ لِلرُّسُلِ الْعَاقِبَةُ وَالنُّصْرَةُ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ وَهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ ذكر بِأَضْعَافِ أَضْعَافٍ، كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [[راجع تفسير الآية: ١٦٤ من سورة النساء.]] ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أَيْ: وَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ يَأْتِيَ قَوْمَهُ بِخَارِقٍ لِلْعَادَاتِ، إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ [[في أ: "إلا بإذن الله".]] لَهُ فِي ذَلِكَ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ وَهُوَ عَذَابُهُ وَنَكَالُهُ الْمُحِيطُ بِالْمُكَذِّبِينَ ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ فَيَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ، وَيَهْلَكُ الْكَافِرُونَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فاصبر يا محمد على ما يجادلك به هؤلاء المشركون في آيات الله التي أنزلناها عليك، وعلى تكذيبهم إياك، فإن الله منجِز لك فيهم ما وعدك من الظفر عليهم، والعلو عليهم، وإحلال العقاب بهم، كسنتنا في موسى بن عمران ومن كذّبه ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ يقول جلّ ثناؤه: فإما نرينك يا محمد في حياتك بعض الذي نعد هؤلاء المشركين من العذاب والنقمة أن يحل بهم ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل أن يَحِلَّ ذلك بهم ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ يقول: فإلينا مصيرك ومصيرهم، فنحكم عند ذلك بينك وبينهم بالحقّ بتخليدناهم في النار، وإكرامناك بجوارنا في جنات النعيم.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, endure patiemment les offenses et le démenti de ton peuple car la promesse d’Allah de te secourir est indubitable. Soit Nous te montrerons de ton vivant une part du châtiment que Nous leur promettons, à l’image de ce qui leur arriva lors de la Bataille de Badr, soit Nous te ferons mourir avant. C’est vers Nous Seul qu’ils retourneront le Jour de la Résurrection afin que Nous les rétribuions pour leurs œuvres et Nous les ferons entrer dans le Feu où ils demeureront éternellement.

78

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًۭا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ

Certes, Nous avons envoyé avant toi des Messagers. Il en est dont Nous t'avons raconté l'histoire; et il en est dont Nous ne t'avons pas raconté l'histoire. Et il n'appartient pas à un Messager d'apporter un signe [ou verset] si ce n'est avec la permission d'Allah. Lorsque le commandement d'Allah viendra, tout sera décidé en toute justice; et ceux qui profèrent des mensonges sont alors les perdants.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، بِالصَّبْرِ عَلَى تَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ قَوْمِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ مِنَ النَّصْرِ وَالظَّفَرِ عَلَى قَوْمِكَ، وَجَعَلَ الْعَاقِبَةَ لَكَ وَلِمَنِ اتَّبَعَكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا. وَكَذَلِكَ وَقَعَ، فَإِنَّ اللَّهَ أَقَرَّ أَعْيُنَهُمْ مِنْ كُبَرَائِهِمْ وَعُظَمَائِهِمْ، أُبِيدُوا فِي يَوْمِ بَدْرٍ. ثُمَّ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ وَسَائِرَ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فِي أَيَّامِ حَيَاتِهِ ﷺ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ أَيْ: فَنُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ فِي الْآخِرَةِ. ثُمَّ قَالَ مُسَلِّيًا لَهُ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ كَمَا قَالَ فِي "سُورَةِ النِّسَاءِ" سَوَاءٌ، أَيْ: مِنْهُمْ مَنْ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ خَبَرَهُمْ وَقِصَصَهُمْ مَعَ قَوْمِهِمْ كَيْفَ كَذَّبُوهُمْ ثُمَّ كَانَتْ لِلرُّسُلِ الْعَاقِبَةُ وَالنُّصْرَةُ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ وَهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ ذكر بِأَضْعَافِ أَضْعَافٍ، كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [[راجع تفسير الآية: ١٦٤ من سورة النساء.]] ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أَيْ: وَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ يَأْتِيَ قَوْمَهُ بِخَارِقٍ لِلْعَادَاتِ، إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ [[في أ: "إلا بإذن الله".]] لَهُ فِي ذَلِكَ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ وَهُوَ عَذَابُهُ وَنَكَالُهُ الْمُحِيطُ بِالْمُكَذِّبِينَ ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ فَيَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ، وَيَهْلَكُ الْكَافِرُونَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ يا محمد ﴿رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلى أممها ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ يقول: من أولئك الذين أرسلنا إلى أممهم من قصصنا عليك نبأهم ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ نبأهم. وذُكر عن أنس أنهم ثمانية آلاف. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثنا عليّ بن شعيب السمسار، قال: ثنا معن بن عيسى، قال: ثنا إبراهيم بن المهاجر بن مسمار، عن محمد بن المنكدر، عن يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك، قال: بعث النبي ﷺ بعد ثمانية آلاف من الأنبياء، منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب قال: ثنا يونس، عن عتبة بن عتيبة البصريّ العبدي، عن أبي سهل عن وهب بن عبد الله بن كعب بن سور الأزديّ، عن سلمان، عن النبي ﷺ قال:"بعث الله أربعة آلاف نبيّ". ⁕ حدثني أحمد بن الحسين الترمذي، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا إسرائيل، عن جابر، عن ابن عبد الله بن يحيى، عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، في قوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ قال: بعث الله عبدا حبشيا نبيا، فهو الذي لم نقصص عليك. * * وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّه﴾ يقول تعالى ذكره: وما جعلنا لرسول ممن أرسلناه من قبلك الذين قصصناهم عليك، والذين لم نقصصهم عليك إلى أممها أن يأتي قومه بآية فاصلة بينه وبينهم، إلا بإذن الله له بذلك، فيأتيهم بها؛ يقول جلّ ثناؤه لنبيه: فلذلك لم يجعل لك أن تأتي قومك بما يسألونك من الآيات دون إذننا لك بذلك، كما لم نجعل لمن قبلك من رسلنا إلا أن نأذن له به ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ يعني بالعدل، وهو أن ينجي رسله والذين آمنوا معهم ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ يقول: وهلك هنالك الذين أبطلوا في قيلهم الكذب، وافترائهم على الله وادعائهم له شريكا.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, Nous avons envoyé avant toi de nombreux messagers à leurs peuples qui les ont traités de menteurs et les ont persécutés, et les messagers se montrèrent endurants face au démenti et à la persécution. Nous t’avons raconté l’histoire de certains d’entre eux tandis que Nous ne t’avons pas raconté l’histoire d’autres. Il ne convient pas qu’un messager apporte aux siens un signe de son Seigneur sans que Celui-ci le veuille. Ainsi, le fait que les mécréants suggèrent à leurs messagers de leur apporter des signes est une injustice. Lorsqu’est émis l’ordre d’Allah de trancher entre les messagers et leurs peuples avec équité, les mécréants sont anéantis, les messagers sont sauvés et lorsque cela a lieu, les adeptes du faux perdent leurs âmes en les exposant par leur mécréance à la perdition.

79

ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَنْعَٰمَ لِتَرْكَبُوا۟ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ

C'est Allah qui vous a fait les bestiaux pour que vous en montiez et que vous en mangiez,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى عِبَادِهِ، بِمَا خَلَقَ لَهُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢] ، فَالْإِبِلُ تُرْكَبُ وَتُؤْكَلُ وَتُحْلَبُ، وَيُحْمَلُ عَلَيْهَا الْأَثْقَالُ فِي الْأَسْفَارِ وَالرِّحَالِ إِلَى الْبِلَادِ النَّائِيَةِ، وَالْأَقْطَارِ الشَّاسِعَةِ. وَالْبَقَرُ تُؤْكَلُ، وَيُشْرَبُ لَبَنُهَا، وَتُحْرَثُ عَلَيْهَا الْأَرْضُ. وَالْغَنَمُ تُؤْكَلُ، وَيُشْرَبُ لَبَنُهَا، وَالْجَمِيعُ تُجَزُّ أَصْوَافُهَا وَأَشْعَارُهَا وَأَوْبَارُهَا، فَيُتَّخَذُ مِنْهَا الْأَثَاثُ وَالثِّيَابُ وَالْأَمْتِعَةُ كَمَا فَصَّل وبَيَّنَ فِي أَمَاكِنَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي "سُورَةِ الْأَنْعَامِ" [[راجع تفسير الآيات: ١٤١-١٤٤ من سورة الأنعام.]] ، وَ "سُورَةِ النَّحْلِ" [[راجع تفسير الآيات: ٥-٨ من سورة النحل.]] ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ. وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أَيْ: حُجَجَهُ وَبَرَاهِينَهُ فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِكُمْ، ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ أَيْ: لَا تَقْدِرُونَ عَلَى إِنْكَارِ شَيْءٍ مِنْ آيَاتِهِ، إِلَّا أَنْ تُعَانِدُوا وَتُكَابِرُوا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿اللهُ﴾ الذي لا تصلح الألوهة إلا له أيها المشركون به من قريش ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعَامَ﴾ من الإبل والبقر والغنم والخيل، وغير ذلك من البهائم التي يقتنيها أهل الإسلام لمركب أو لمطعم ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾ يعني: الخيل والحمير ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يعني الإبل والبقر والغنم. وقال: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾ ومعناه: لتركبوا منها بعضا ومنها بعضا تأكلون، فحذف استغناء بدلالة الكلام على ما حذف. * * وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ وذلك أن جعل لكم من جلودها بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم، ويوم إقامتكم، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين. * * وقوله: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ يقول: ولتبلغوا بالحمولة على بعضها، وذلك الإبل حاجة في صدروكم لم تكونوا بالغيها لولا هي، إلا بشق أنفسكم، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ) يعني الإبل تحمل أثقالكم إلى بلد. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ لحاجتكم ما كانت. * * وقوله: ﴿وَعَلَيْهَا﴾ يعني: وعلى هذه الإبل، وما جانسها من الأنعام المركوبة ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ يعني: وعلى السفن ﴿تُحْمَلُونَ﴾ يقول نحملكم على هذه في البر، وعلى هذه في البحر ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ يقول: ويريكم حججه، ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ يقول: فأي حجج الله التي يريكم أيها الناس في السماء والأرض تنكرون صحتها، فتكذبون من أجل فسادها بتوحيد الله، وتدعون من دونه إلها.

Al-Mukhtasar (français)

Allah est Celui qui vous a mis à disposition les dromadaires, les bœufs et les moutons afin que vous utilisiez certains comme montures et que vous mangiez la viande des autres.

80

وَلَكُمْ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَلِتَبْلُغُوا۟ عَلَيْهَا حَاجَةًۭ فِى صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ

et vous y avez des profits et afin que vous atteigniez sur eux une chose nécessaire qui vous tenait à cœur. C'est sur eux et sur les vaisseaux que vous êtes transportés.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى عِبَادِهِ، بِمَا خَلَقَ لَهُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢] ، فَالْإِبِلُ تُرْكَبُ وَتُؤْكَلُ وَتُحْلَبُ، وَيُحْمَلُ عَلَيْهَا الْأَثْقَالُ فِي الْأَسْفَارِ وَالرِّحَالِ إِلَى الْبِلَادِ النَّائِيَةِ، وَالْأَقْطَارِ الشَّاسِعَةِ. وَالْبَقَرُ تُؤْكَلُ، وَيُشْرَبُ لَبَنُهَا، وَتُحْرَثُ عَلَيْهَا الْأَرْضُ. وَالْغَنَمُ تُؤْكَلُ، وَيُشْرَبُ لَبَنُهَا، وَالْجَمِيعُ تُجَزُّ أَصْوَافُهَا وَأَشْعَارُهَا وَأَوْبَارُهَا، فَيُتَّخَذُ مِنْهَا الْأَثَاثُ وَالثِّيَابُ وَالْأَمْتِعَةُ كَمَا فَصَّل وبَيَّنَ فِي أَمَاكِنَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي "سُورَةِ الْأَنْعَامِ" [[راجع تفسير الآيات: ١٤١-١٤٤ من سورة الأنعام.]] ، وَ "سُورَةِ النَّحْلِ" [[راجع تفسير الآيات: ٥-٨ من سورة النحل.]] ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ. وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أَيْ: حُجَجَهُ وَبَرَاهِينَهُ فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِكُمْ، ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ أَيْ: لَا تَقْدِرُونَ عَلَى إِنْكَارِ شَيْءٍ مِنْ آيَاتِهِ، إِلَّا أَنْ تُعَانِدُوا وَتُكَابِرُوا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿اللهُ﴾ الذي لا تصلح الألوهة إلا له أيها المشركون به من قريش ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعَامَ﴾ من الإبل والبقر والغنم والخيل، وغير ذلك من البهائم التي يقتنيها أهل الإسلام لمركب أو لمطعم ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾ يعني: الخيل والحمير ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يعني الإبل والبقر والغنم. وقال: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾ ومعناه: لتركبوا منها بعضا ومنها بعضا تأكلون، فحذف استغناء بدلالة الكلام على ما حذف. * * وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ وذلك أن جعل لكم من جلودها بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم، ويوم إقامتكم، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين. * * وقوله: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ يقول: ولتبلغوا بالحمولة على بعضها، وذلك الإبل حاجة في صدروكم لم تكونوا بالغيها لولا هي، إلا بشق أنفسكم، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ) يعني الإبل تحمل أثقالكم إلى بلد. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ لحاجتكم ما كانت. * * وقوله: ﴿وَعَلَيْهَا﴾ يعني: وعلى هذه الإبل، وما جانسها من الأنعام المركوبة ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ يعني: وعلى السفن ﴿تُحْمَلُونَ﴾ يقول نحملكم على هذه في البر، وعلى هذه في البحر ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ يقول: ويريكم حججه، ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ يقول: فأي حجج الله التي يريكم أيها الناس في السماء والأرض تنكرون صحتها، فتكذبون من أجل فسادها بتوحيد الله، وتدعون من دونه إلها.

Al-Mukhtasar (français)

Vous trouvez dans ces créatures des utilisations bénéfiques qui se renouvellent à chaque époque et vous atteignez grâce à elles les finalités que vous désirez, dont les plus notables sont le déplacement sur terre et sur mer.

81

وَيُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ فَأَىَّ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ

Et Il vous montre Ses merveilles. Quelles merveilles d'Allah niez-vous donc?

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى عِبَادِهِ، بِمَا خَلَقَ لَهُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢] ، فَالْإِبِلُ تُرْكَبُ وَتُؤْكَلُ وَتُحْلَبُ، وَيُحْمَلُ عَلَيْهَا الْأَثْقَالُ فِي الْأَسْفَارِ وَالرِّحَالِ إِلَى الْبِلَادِ النَّائِيَةِ، وَالْأَقْطَارِ الشَّاسِعَةِ. وَالْبَقَرُ تُؤْكَلُ، وَيُشْرَبُ لَبَنُهَا، وَتُحْرَثُ عَلَيْهَا الْأَرْضُ. وَالْغَنَمُ تُؤْكَلُ، وَيُشْرَبُ لَبَنُهَا، وَالْجَمِيعُ تُجَزُّ أَصْوَافُهَا وَأَشْعَارُهَا وَأَوْبَارُهَا، فَيُتَّخَذُ مِنْهَا الْأَثَاثُ وَالثِّيَابُ وَالْأَمْتِعَةُ كَمَا فَصَّل وبَيَّنَ فِي أَمَاكِنَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي "سُورَةِ الْأَنْعَامِ" [[راجع تفسير الآيات: ١٤١-١٤٤ من سورة الأنعام.]] ، وَ "سُورَةِ النَّحْلِ" [[راجع تفسير الآيات: ٥-٨ من سورة النحل.]] ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ. وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أَيْ: حُجَجَهُ وَبَرَاهِينَهُ فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِكُمْ، ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ أَيْ: لَا تَقْدِرُونَ عَلَى إِنْكَارِ شَيْءٍ مِنْ آيَاتِهِ، إِلَّا أَنْ تُعَانِدُوا وَتُكَابِرُوا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿اللهُ﴾ الذي لا تصلح الألوهة إلا له أيها المشركون به من قريش ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعَامَ﴾ من الإبل والبقر والغنم والخيل، وغير ذلك من البهائم التي يقتنيها أهل الإسلام لمركب أو لمطعم ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾ يعني: الخيل والحمير ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يعني الإبل والبقر والغنم. وقال: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾ ومعناه: لتركبوا منها بعضا ومنها بعضا تأكلون، فحذف استغناء بدلالة الكلام على ما حذف. * * وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ وذلك أن جعل لكم من جلودها بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم، ويوم إقامتكم، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين. * * وقوله: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ يقول: ولتبلغوا بالحمولة على بعضها، وذلك الإبل حاجة في صدروكم لم تكونوا بالغيها لولا هي، إلا بشق أنفسكم، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ) يعني الإبل تحمل أثقالكم إلى بلد. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ لحاجتكم ما كانت. * * وقوله: ﴿وَعَلَيْهَا﴾ يعني: وعلى هذه الإبل، وما جانسها من الأنعام المركوبة ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ يعني: وعلى السفن ﴿تُحْمَلُونَ﴾ يقول نحملكم على هذه في البر، وعلى هذه في البحر ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ يقول: ويريكم حججه، ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ يقول: فأي حجج الله التي يريكم أيها الناس في السماء والأرض تنكرون صحتها، فتكذبون من أجل فسادها بتوحيد الله، وتدعون من دونه إلها.

Al-Mukhtasar (français)

Allah, exalté soit-Il, vous montre certains de Ses signes qui démontrent Son pouvoir et Son Unicité. Quels sont donc les signes d’Allah que vous ne reconnaissez pas après avoir acquis la certitude que ce sont les Siens?

82

أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةًۭ وَءَاثَارًۭا فِى ٱلْأَرْضِ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

Ne parcourent-ils donc pas la terre pour voir ce qu'il est advenu de ceux qui étaient avant eux? Ils étaient [pourtant] plus nombreux qu'eux et bien plus puissants et ils [avaient laissé] sur terre beaucoup plus de vestiges. Mais ce qu'ils ont acquis ne leur a servi à rien.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ بِالرُّسُلِ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ، وَمَاذَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ، مع شِدَّةِ قُوَاهُمْ، وَمَا أَثّروه فِي الْأَرْضِ، وَجَمَعُوهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَا رَدَّ عَنْهُمْ ذَرَّةً مِنْ بَأْسِ اللَّهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ [[في أ: "رسلهم".]] بِالْبَيِّنَاتِ، وَالْحُجَجِ الْقَاطِعَاتِ، وَالْبَرَاهِينِ الدَّامِغَاتِ، لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِمْ، وَلَا أَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ، وَاسْتَغْنَوْا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ فِي زَعْمِهِمْ عَمَّا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ مِنْهُمْ لَنْ نُبْعَثَ وَلَنْ نُعَذَّبَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِجَهَالَتِهِمْ، فَأَتَاهُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ مَا لَا قِبَل لَهُمْ بِهِ. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ أَيْ: أَحَاطَ بِهِمْ ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أَيْ: يُكَذِّبُونَ وَيَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ. ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ أَيْ: عَايَنُوا وُقُوعَ الْعَذَابِ بِهِمْ، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ أَيْ: وَحَّدُوا اللَّهَ وَكَفَرُوا بِالطَّاغُوتِ، وَلَكِنْ حَيْثُ لَا تُقَال الْعَثَرَاتُ، وَلَا تَنْفَعُ الْمَعْذِرَةُ. وَهَذَا كَمَا قَالَ فِرْعَوْنُ حِينَ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يُونُسَ: ٩٠] ، قَالَ اللَّهُ [تَبَارَكَ وَ] [[زيادة من س، أ.]] تَعَالَى: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يُونُسَ: ٩١] أَيْ: فَلَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَجَابَ لِنَبِيِّهِ مُوسَى دُعَاءَهُ عَلَيْهِ حِينَ قَالَ: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ﴾ [يُونُسَ:٨٨] . وَ [هَكَذَا] [[زيادة من س، أ.]] هَاهُنَا قَالَ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ أَيْ: هَذَا حُكْمُ اللَّهِ فِي جَمِيعِ [[في أ: "في جميع عباده".]] مَنْ تَابَ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ" [[رواه الترمذي في السنن برقم (٣٥٣٧) وابن ماجه في السنن برقم (٤٢٥٣) من حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.]] أَيْ: فَإِذَا غَرْغَرَ وَبَلَغَتِ الرُّوحُ الْحَنْجَرَةَ، وَعَايَنَ الْمَلِكَ، فَلَا تَوْبَةَ حِينَئِذٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ آخِرُ تَفْسِيرِ "سورة غافر [[في س: "المؤمن".]] ، ولله الحمد والمنة.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: أفلم يسر يا محمد هؤلاء المجادلون في آيات الله من مشركي قومك في البلاد، فإنهم أهل سفر إلى الشأم واليمن، رحلتهم في الشتاء والصيف، فينظروا فيما وطئوا من البلاد إلى وقائعنا بمن أوقعنا به من الأمم قبلهم، ويروا ما أحللنا بهم من بأسنا بتكذيبهم رسلنا، وجحودهم آياتنا، كيف كان عقبى تكذيبهم ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ يقول: كان أولئك الذين من قبل هؤلاء المكذبيك من قريش أكثر عددا من هؤلاء وأشد بطشا، وأقوى قوة، وأبقى في الأرض آثارا، لأنهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتا ويتخذون مصانع. وكان مجاهد يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَآثَارًا فِي الأرْضِ﴾ المشي بأرجلهم. ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يقول: فلما جاءهم بأسنا وسطوتنا،. لم يغن عنهم ما كانوا يعملون من البيوت في الجبال، ولم يدفع عنهم ذلك شيئا. ولكنهم بادوا جميعا فهلكوا. وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾ فأيّ شيء أغني عنهم؛ وعلى هذا التأويل يجب أن يكون"ما" الأولى في موضع نصب، والثانية في موضع رفع. يقول: فلهؤلاء المجادليك من قومك يا محمد في أولئك معتبر إن اعتبروا، ومتعظ إن اتعظوا، وإن بأسنا إذا حلّ بالقوم المجرمين لم يدفعه دافع، ولم يمنعه مانع، وهو بهم إن لم ينيبوا إلى تصديقك واقع.

Al-Mukhtasar (français)

Ces dénégateurs ne parcourent-ils pas la Terre afin de méditer la fin des peuples dénégateurs qui les ont précédés et en tirer des enseignements? Ces peuples étaient plus riches et plus puissants et ont laissé plus d’édifices qu'eux, mais leur puissance ne leur a pas épargné du châtiment destructeur d’Allah.

83

فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَرِحُوا۟ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

Lorsque leurs Messagers leur apportaient les preuves évidentes, ils exultaient des connaissances qu'ils avaient. Et ce dont ils se moquaient les enveloppa.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ بِالرُّسُلِ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ، وَمَاذَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ، مع شِدَّةِ قُوَاهُمْ، وَمَا أَثّروه فِي الْأَرْضِ، وَجَمَعُوهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَا رَدَّ عَنْهُمْ ذَرَّةً مِنْ بَأْسِ اللَّهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ [[في أ: "رسلهم".]] بِالْبَيِّنَاتِ، وَالْحُجَجِ الْقَاطِعَاتِ، وَالْبَرَاهِينِ الدَّامِغَاتِ، لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِمْ، وَلَا أَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ، وَاسْتَغْنَوْا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ فِي زَعْمِهِمْ عَمَّا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ مِنْهُمْ لَنْ نُبْعَثَ وَلَنْ نُعَذَّبَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِجَهَالَتِهِمْ، فَأَتَاهُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ مَا لَا قِبَل لَهُمْ بِهِ. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ أَيْ: أَحَاطَ بِهِمْ ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أَيْ: يُكَذِّبُونَ وَيَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ. ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ أَيْ: عَايَنُوا وُقُوعَ الْعَذَابِ بِهِمْ، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ أَيْ: وَحَّدُوا اللَّهَ وَكَفَرُوا بِالطَّاغُوتِ، وَلَكِنْ حَيْثُ لَا تُقَال الْعَثَرَاتُ، وَلَا تَنْفَعُ الْمَعْذِرَةُ. وَهَذَا كَمَا قَالَ فِرْعَوْنُ حِينَ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يُونُسَ: ٩٠] ، قَالَ اللَّهُ [تَبَارَكَ وَ] [[زيادة من س، أ.]] تَعَالَى: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يُونُسَ: ٩١] أَيْ: فَلَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَجَابَ لِنَبِيِّهِ مُوسَى دُعَاءَهُ عَلَيْهِ حِينَ قَالَ: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ﴾ [يُونُسَ:٨٨] . وَ [هَكَذَا] [[زيادة من س، أ.]] هَاهُنَا قَالَ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ أَيْ: هَذَا حُكْمُ اللَّهِ فِي جَمِيعِ [[في أ: "في جميع عباده".]] مَنْ تَابَ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ" [[رواه الترمذي في السنن برقم (٣٥٣٧) وابن ماجه في السنن برقم (٤٢٥٣) من حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.]] أَيْ: فَإِذَا غَرْغَرَ وَبَلَغَتِ الرُّوحُ الْحَنْجَرَةَ، وَعَايَنَ الْمَلِكَ، فَلَا تَوْبَةَ حِينَئِذٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ آخِرُ تَفْسِيرِ "سورة غافر [[في س: "المؤمن".]] ، ولله الحمد والمنة.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: فلما جاءت هؤلاء الأمم الذين من قبل قريش المكذّبة رسلها رُسُلُهُمْ الذين أرسلهم الله إليهم بالبيّنات، يعني: بالواضحات من حجج عزّ وجلّ ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ يقول: فرحوا جهلا منهم بما عندهم من العلم وقالوا: لن نُبْعَثَ، ولن يُعذّبنا الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن أبن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ قال: قولهم: نحن أعلم منهم، لن نُعَذَّبَ، ولن نُبْعَثَ. ⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ بجهالتهم. * * وقوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يقول: وحاق بهم من عذاب الله ما كانوا يستعجلون رسلهم به استهزاء وسخرية. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ما جاءتهم به رسلهم من الحقّ.

Al-Mukhtasar (français)

Lorsque leurs messagers leur apportèrent les preuves évidentes, ils les traitèrent de menteurs et se satisfirent des connaissances qu’ils détenaient et qui étaient contraires à ce que leur apportaient leurs messagers. C’est alors que le châtiment dont les menaçaient leurs messagers et qu’ils raillaient s’abattit sur eux.

84

فَلَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِۦ مُشْرِكِينَ

Puis, quand ils virent Notre rigueur ils dirent: «Nous croyons en Allah Seul, et nous renions ce que nous Lui donnions comme associés».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ بِالرُّسُلِ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ، وَمَاذَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ، مع شِدَّةِ قُوَاهُمْ، وَمَا أَثّروه فِي الْأَرْضِ، وَجَمَعُوهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَا رَدَّ عَنْهُمْ ذَرَّةً مِنْ بَأْسِ اللَّهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ [[في أ: "رسلهم".]] بِالْبَيِّنَاتِ، وَالْحُجَجِ الْقَاطِعَاتِ، وَالْبَرَاهِينِ الدَّامِغَاتِ، لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِمْ، وَلَا أَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ، وَاسْتَغْنَوْا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ فِي زَعْمِهِمْ عَمَّا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ مِنْهُمْ لَنْ نُبْعَثَ وَلَنْ نُعَذَّبَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِجَهَالَتِهِمْ، فَأَتَاهُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ مَا لَا قِبَل لَهُمْ بِهِ. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ أَيْ: أَحَاطَ بِهِمْ ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أَيْ: يُكَذِّبُونَ وَيَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ. ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ أَيْ: عَايَنُوا وُقُوعَ الْعَذَابِ بِهِمْ، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ أَيْ: وَحَّدُوا اللَّهَ وَكَفَرُوا بِالطَّاغُوتِ، وَلَكِنْ حَيْثُ لَا تُقَال الْعَثَرَاتُ، وَلَا تَنْفَعُ الْمَعْذِرَةُ. وَهَذَا كَمَا قَالَ فِرْعَوْنُ حِينَ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يُونُسَ: ٩٠] ، قَالَ اللَّهُ [تَبَارَكَ وَ] [[زيادة من س، أ.]] تَعَالَى: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يُونُسَ: ٩١] أَيْ: فَلَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَجَابَ لِنَبِيِّهِ مُوسَى دُعَاءَهُ عَلَيْهِ حِينَ قَالَ: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ﴾ [يُونُسَ:٨٨] . وَ [هَكَذَا] [[زيادة من س، أ.]] هَاهُنَا قَالَ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ أَيْ: هَذَا حُكْمُ اللَّهِ فِي جَمِيعِ [[في أ: "في جميع عباده".]] مَنْ تَابَ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ" [[رواه الترمذي في السنن برقم (٣٥٣٧) وابن ماجه في السنن برقم (٤٢٥٣) من حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.]] أَيْ: فَإِذَا غَرْغَرَ وَبَلَغَتِ الرُّوحُ الْحَنْجَرَةَ، وَعَايَنَ الْمَلِكَ، فَلَا تَوْبَةَ حِينَئِذٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ آخِرُ تَفْسِيرِ "سورة غافر [[في س: "المؤمن".]] ، ولله الحمد والمنة.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: فلما رأت هذه الأمم المكذّبة رسلها بأسنا، يعني عقاب الله الذي وعدتهم به رسلُهم قد حلّ بهم. كما:- ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ قال: النقمات التي نزلت بهم. * * وقوله ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ يقول: قالوا: أقررنا بتوحيد الله، وصدقنا أنه لا آله غيره ﴿وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ يقول: وجحدنا الآلهة التي كنا قبل وقتنا هذا نشركها في عبادتنا الله ونعبدها معه، ونتخذها آلهة، فبرئنا منها. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: فلم يك ينفعهم تصديقهم في الدنيا بتوحيد الله عند معاينة عقابه قد نزل، وعذابه قد حل، لأنهم صدقوا حين لا ينفع التصديق مصدقا، إذ كان قد مضى حكم الله في السابق من علمه، أن من تاب بعد نزول العذاب من الله على تكذيبه لم تنفعه توبته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ : لما رأوا عذاب الله في الدنيا لم ينفعهم الإيمان عند ذلك. * * وقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ يقول: ترك الله تبارك وتعالى إقالتهم، وقبول التوبة منهم، ومراجعتهم الإيمان بالله، وتصديق رسلهم بعد معاينتهم بأسه، قد نزل بهم سنته التي قد مضت في خلقه، فلذلك لم يقلهم ولم يقبل توبتهم في تلك الحال. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ يقول: كذلك كانت سنة الله في الذين خلوا من قبل إذا عاينوا عذاب الله لم ينفعهم إيمانهم عند ذلك. * * وقوله: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ يقول: وهلك عند مجيء بأس الله، فغبنت صفقته ووضُع في بيعه الآخرة بالدنيا، والمغفرة بالعذاب، والإيمان بالكفر، الكافرون بربهم الجاحدون توحيد خالقهم، المتخذون من دونه آلهة يعبدونهم من دون بارئهم آخر تفسير سورة حم المؤمن

Al-Mukhtasar (français)

Lorsqu’ils verront Notre châtiment, ils diront en guise d’aveu, au moment où l’aveu ne leur sera plus d’aucune utilité: Nous croyons en Allah Seul et mécroyons en tous les associés et idoles que Nous adorions en dehors de Lui.

85

فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِۦ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَٰفِرُونَ

Mais leur croyance, au moment où ils eurent constaté Notre rigueur, ne leur profita point; Telle est la règle d'Allah envers Ses serviteurs dans le passé. Et c'est là que les mécréants se trouvèrent perdants.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ بِالرُّسُلِ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ، وَمَاذَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ، مع شِدَّةِ قُوَاهُمْ، وَمَا أَثّروه فِي الْأَرْضِ، وَجَمَعُوهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَا رَدَّ عَنْهُمْ ذَرَّةً مِنْ بَأْسِ اللَّهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ [[في أ: "رسلهم".]] بِالْبَيِّنَاتِ، وَالْحُجَجِ الْقَاطِعَاتِ، وَالْبَرَاهِينِ الدَّامِغَاتِ، لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِمْ، وَلَا أَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ، وَاسْتَغْنَوْا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ فِي زَعْمِهِمْ عَمَّا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ مِنْهُمْ لَنْ نُبْعَثَ وَلَنْ نُعَذَّبَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِجَهَالَتِهِمْ، فَأَتَاهُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ مَا لَا قِبَل لَهُمْ بِهِ. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ أَيْ: أَحَاطَ بِهِمْ ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أَيْ: يُكَذِّبُونَ وَيَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ. ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ أَيْ: عَايَنُوا وُقُوعَ الْعَذَابِ بِهِمْ، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ أَيْ: وَحَّدُوا اللَّهَ وَكَفَرُوا بِالطَّاغُوتِ، وَلَكِنْ حَيْثُ لَا تُقَال الْعَثَرَاتُ، وَلَا تَنْفَعُ الْمَعْذِرَةُ. وَهَذَا كَمَا قَالَ فِرْعَوْنُ حِينَ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يُونُسَ: ٩٠] ، قَالَ اللَّهُ [تَبَارَكَ وَ] [[زيادة من س، أ.]] تَعَالَى: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يُونُسَ: ٩١] أَيْ: فَلَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَجَابَ لِنَبِيِّهِ مُوسَى دُعَاءَهُ عَلَيْهِ حِينَ قَالَ: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ﴾ [يُونُسَ:٨٨] . وَ [هَكَذَا] [[زيادة من س، أ.]] هَاهُنَا قَالَ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ أَيْ: هَذَا حُكْمُ اللَّهِ فِي جَمِيعِ [[في أ: "في جميع عباده".]] مَنْ تَابَ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ" [[رواه الترمذي في السنن برقم (٣٥٣٧) وابن ماجه في السنن برقم (٤٢٥٣) من حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.]] أَيْ: فَإِذَا غَرْغَرَ وَبَلَغَتِ الرُّوحُ الْحَنْجَرَةَ، وَعَايَنَ الْمَلِكَ، فَلَا تَوْبَةَ حِينَئِذٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ آخِرُ تَفْسِيرِ "سورة غافر [[في س: "المؤمن".]] ، ولله الحمد والمنة.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: فلما رأت هذه الأمم المكذّبة رسلها بأسنا، يعني عقاب الله الذي وعدتهم به رسلُهم قد حلّ بهم. كما:- ⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ قال: النقمات التي نزلت بهم. * * وقوله ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ يقول: قالوا: أقررنا بتوحيد الله، وصدقنا أنه لا آله غيره ﴿وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ يقول: وجحدنا الآلهة التي كنا قبل وقتنا هذا نشركها في عبادتنا الله ونعبدها معه، ونتخذها آلهة، فبرئنا منها. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: فلم يك ينفعهم تصديقهم في الدنيا بتوحيد الله عند معاينة عقابه قد نزل، وعذابه قد حل، لأنهم صدقوا حين لا ينفع التصديق مصدقا، إذ كان قد مضى حكم الله في السابق من علمه، أن من تاب بعد نزول العذاب من الله على تكذيبه لم تنفعه توبته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ : لما رأوا عذاب الله في الدنيا لم ينفعهم الإيمان عند ذلك. * * وقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ يقول: ترك الله تبارك وتعالى إقالتهم، وقبول التوبة منهم، ومراجعتهم الإيمان بالله، وتصديق رسلهم بعد معاينتهم بأسه، قد نزل بهم سنته التي قد مضت في خلقه، فلذلك لم يقلهم ولم يقبل توبتهم في تلك الحال. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ يقول: كذلك كانت سنة الله في الذين خلوا من قبل إذا عاينوا عذاب الله لم ينفعهم إيمانهم عند ذلك. * * وقوله: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ يقول: وهلك عند مجيء بأس الله، فغبنت صفقته ووضُع في بيعه الآخرة بالدنيا، والمغفرة بالعذاب، والإيمان بالكفر، الكافرون بربهم الجاحدون توحيد خالقهم، المتخذون من دونه آلهة يعبدونهم من دون بارئهم آخر تفسير سورة حم المؤمن

Al-Mukhtasar (français)

Leur foi, qui aura pour origine la vue de notre châtiment s’abattre sur eux, ne leur sera pas bénéfique. Ceci est la loi établie par Allah qui s’applique à Ses serviteurs: la foi leur sera inutile lorsqu’ils verront le châtiment de leurs yeux. Les mécréants perdront leurs âmes à cause de leur mécréance et pour ne pas s’en être repenti avant de voir le châtiment.

← Toutes les sourates