← Toutes les sourates

Al-Hujuraat سُورَةُ الحُجُرَاتِ

Sourate 49 · 18 versets · Medinan

1

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

O vous qui avez cru! Ne devancez pas Allah et Son messager. Et craignez Allah. Allah est Audient et Omniscient.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ [[في أ: "وهي مدنية ثمان عشرة آية".]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * هَذِهِ آدَابٌ [[في م: "آيات".]] ، أَدَّبَ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا يُعَامِلُونَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ مِنَ التَّوْقِيرِ وَالِاحْتِرَامِ وَالتَّبْجِيلِ وَالْإِعْظَامِ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [وَاتَّقُوا اللَّهَ] ﴾ [[زيادة من م.]] ، أَيْ: لَا تُسْرِعُوا فِي الْأَشْيَاءِ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَيْ: قَبْلَهُ، بَلْ كُونُوا تَبَعًا لَهُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، حَتَّى يَدْخُلَ فِي عُمُومِ هَذَا الْأَدَبِ الشَّرْعِيِّ حَدِيثُ مُعَاذٍ، [إِذْ] [[زيادة من ت، وفي أ: "حيث".]] قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: "بِمَ تَحْكُمُ؟ " قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ " قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ. قَالَ: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ " قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رسولَ رسولِ اللَّهِ، لِمَا يَرْضَى رَسُولُ اللَّهِ". وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ [[سبق الكلام عليه في مقدمة الكتاب.]] . فَالْغَرَضُ مِنْهُ أَنَّهُ أَخَّرَ رَأْيَهُ وَنَظَرَهُ وَاجْتِهَادَهُ إِلَى مَا بَعْدَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَوْ قَدَّمَهُ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْهُمَا لَكَانَ مِنْ بَابِ التَّقْدِيمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ : لَا تَقُولُوا خِلَافَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَالَ العَوْفي عَنْهُ: نَهَى [[في ت، م، أ: "نهوا".]] أَنْ يَتَكَلَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ كَلَامِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا تَفْتَاتُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ، حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَا تَقْضُوا أَمْرًا دُونَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ شَرَائِعِ دِينِكُمْ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ بقول ولا فعل. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قَالَ: لَا تَدْعُوا قَبْلَ الْإِمَامِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَاسًا كَانُوا يَقُولُونَ: لَوْ أُنْزِلَ فِي كَذَا كَذَا، وَكَذَا لَوْ صُنِعَ كَذَا، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ فِيهِ. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَيْ: فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أَيْ: لِأَقْوَالِكُمْ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيَّاتِكُمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ : هَذَا أَدَبٌ ثَانٍ أَدَّبَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَلَّا يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ [فَوْقَ صَوْتِهِ] [[زيادة من ت، م، أ.]] . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا بُسْرَةُ بْنُ صَفْوَانَ اللَّخْمِيُّ، حَدَّثَنَا نَافِعِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَة قَالَ: كَادَ الخيِّران أَنْ يَهْلَكَا، أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْبُ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ، وَأَشَارَ الْآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ -قَالَ نَافِعٌ: لَا أَحْفَظُ اسْمَهُ-فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي. قَالَ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ. فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَمَا كَانَ عُمَرُ يسمعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ: يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. انْفَرَدَ بِهِ دُونَ مُسْلِمٍ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٤٥) .]] . ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاج، عَنِ ابْنُ جُرَيْج، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ قَدم رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمِّرِ القعقاعَ بْنَ مَعْبد. وَقَالَ عُمَرُ: بَلْ أَمِّرِ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إِلَى -أَوْ: إِلَّا-خِلَافِي. فَقَالَ عُمَرُ: مَا أردتُ خلافَك، فَتَمَارَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَنَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ، حَتَّى انْقَضَتِ الْآيَةُ، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ الْآيَةَ [الْحُجُرَاتِ: ٥] . وَهَكَذَا رَوَاهُ هَاهُنَا مُنْفَرِدًا بِهِ أَيْضًا [[صحيح البخاري برقم (٤٨٤٧) .]] . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عُمَر، عَنْ مُخَارق، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ إلا كأخي السّرار [[مسند البزار برقم (٢٢٥٧) "كشف الأستار" وقال: "لا نعلمه يروى متصلا إلا عن أبي بكر، وحصين حدث بأحاديث لم يتابع عليها، ومخارق مشهور، ومن عداه أجلاء".]] . حُصَيْنُ بْنُ عُمَرَ هَذَا -وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا-لَكِنْ قَدْ رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] بِنَحْوِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[أما حديث أبي هريرة فرواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٦٢) من طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عنه، وقال: "صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ" ووافقه الذهبي.]] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، أَنْبَأَنِي مُوسَى بْنِ أَنَسٍ [[في ت: "وروى البخاري بسنده".]] ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ. فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: شَرٌّ، كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ مُوسَى: فَرَجَعَ إِلَيْهِ الْمَرَّةَ الْآخِرَةَ بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ فَقَالَ: "اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَكِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ" تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٤٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمٌ، حَدَّثَنَا [[في ت: "ابن".]] سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إِلَى: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ ، وَكَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ رَفِيعَ الصَّوْتِ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي كُنْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَبِطَ عَمَلِي، أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَجَلَسَ فِي أَهْلِهِ حَزِينًا، فَفَقَدَهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَانْطَلَقَ بَعْضُ الْقَوْمِ إِلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ: تَفَقَّدَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مَا لَكَ؟ قَالَ: أَنَا الَّذِي أَرْفَعُ صَوْتِي فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَجْهَرُ لَهُ بِالْقَوْلِ حَبِطَ عَمَلِي، أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ: "لَا بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ أَنَسٌ: فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ كَانَ فِينَا بَعْضُ الِانْكِشَافِ، فَجَاءَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَقَدْ تَحَنَّطَ وَلَبِسَ كَفَنَهُ، فَقَالَ: بِئْسَمَا تُعوّدون أَقْرَانَكُمْ. فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتل [[في ت: "حتى قتل رحمه الله".]] [[المسند (٣/١٣٧) .]] . وَقَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ البُناني، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، جَلَسَ ثَابِتٌ فِي بَيْتِهِ، قَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. وَاحْتَبَسَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ [[في م: "فسأل".]] النَّبِيُّ ﷺ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: "يَا أَبَا عَمْرٍو، مَا شَأْنُ ثَابِتٍ؟ أَشْتَكَى؟ " فَقَالَ سَعْدٌ: إِنَّهُ لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى. قَالَ: فَأَتَاهُ سَعْدٌ فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رسول الله [[في م: "النبي".]] صلى الله عليه وسلم، فقال ثَابِتٌ: أُنزلَت هَذِهِ الْآيَةُ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "بل، هو من أهل الجنة". ثُمَّ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ [[في أ: "سعد".]] الدَّارِمِيِّ، عَنْ حَيَّان بْنِ هِلَالٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، بِهِ، قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ. وَعَنْ قَطَنِ بْنِ نُسَير عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ [[في م: "مسلم".]] ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ. وَقَالَ: لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا هُرَيم [[في م: "هدبة".]] بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَزَادَ: فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا رَجلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. [[صحيح مسلم برقم (١١٩) .]] . فَهَذِهِ الطُّرُقُ الثَّلَاثُ مُعَلّلة لِرِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، فِيمَا تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ ذِكْرِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ حَالَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ لَمْ يَكُنْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مَوْجُودًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ مَاتَ بَعْدَ بَنِي قُرَيْظَةَ بِأَيَّامٍ قَلَائِلَ سَنَةَ خَمْسٍ، وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ، وَالْوُفُودُ إِنَّمَا تَوَاتَرُوا فِي سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحُبَاب، حَدَّثَنَا أَبُو ثَابِتٍ بْنُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شمَّاس، حَدَّثَنِي عَمِّي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ قَالَ: قَعَدَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ [[في أ: "ثابت بن قيس بن شماس".]] فِي الطَّرِيقِ يَبْكِي، قَالَ: فَمَرَّ بِهِ عَاصِمُ بْنُ عِدِيٍّ مِنْ بَنِي العَجلان، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا ثَابِتُ؟ قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ، أَتَخَوَّفُ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فيَّ وَأَنَا صَيِّتٌ، رَفِيعُ الصَّوْتِ. قَالَ: فَمَضَى عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: وَغَلَبَهُ الْبُكَاءُ، فَأَتَى امْرَأَتَهُ جَمِيلَةَ ابْنَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ فَقَالَ لَهَا: إِذَا دخلتُ بَيْتَ فَرَسي فَشُدِّي عَلَيّ الضبَّة بِمِسْمَارٍ فَضَرَبَتْهُ بِمِسْمَارٍ حَتَّى إِذَا خَرَجَ عَطَفَهُ، وَقَالَ: لَا أَخْرُجُ حَتَّى يَتَوَفَّانِي اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ يَرْضَى عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. قال: وَأَتَى عَاصِمٌ رسولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ، فَقَالَ: "اذْهَبْ فَادْعُهُ لِي". فَجَاءَ عَاصِمُ إِلَى الْمَكَانِ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَجَاءَ إِلَى أَهْلِهِ فَوَجَدَهُ فِي بَيْتِ الفَرَس، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوكَ. فَقَالَ: اكْسِرِ الضَّبَّةَ. قَالَ: فَخَرَجَا فَأَتَيَا [[في أ: "حتى أتيا".]] النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا يُبْكِيكَ يَا ثَابِتُ؟ ". فَقَالَ: أَنَا صَيِّتٌ وَأَتَخَوَّفُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِيَّ: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَعِيش حَميدًا، وَتُقْتَلَ شَهِيدًا، وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟ ". فَقَالَ: رَضِيتُ بِبُشْرَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﷺ، وَلَا أَرْفَعُ صَوْتِي أَبَدًا عَلَى صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [[في أ: بعدها: " لهم مغفرة وأجر عظيم " بدل "الآية".]] . [[تفسير الطبري (٢٦/٧٥) .]] وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ كَذَلِكَ، فَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، عن رفع الأصوات بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من ت.]] أَنَّهُ سَمِعَ صَوت رَجُلَيْنِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ [[في ت، م: "النبي".]] ﷺ قَدِ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَجَاءَ، فَقَالَ: أَتَدْرِيَانِ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ ثُمَّ قَالَ: مِن أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قَالَا مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ. فَقَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَأَوْجَعْتُكُمَا ضَرْبًا [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٧٠) من طريق السائب بن يزيد فذكره.]] . وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدَ قَبْرِهِ، كَمَا كَانَ يُكْرَهُ فِي حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَرَمٌ حَيًّا وَفِي قَبْرِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ [[في ت: "صلى الله عليه وسلم".]] ، دَائِمًا. ثُمَّ نَهَى عَنِ الْجَهْرِ لَهُ بِالْقَوْلِ كَمَا يَجْهَرُ الرَّجُلُ لِمُخَاطِبِهِ مِمَّنْ عَدَاهُ، بَلْ يُخَاطَبُ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ وَتَعْظِيمٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النُّورِ: ٦٣] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا نَهَيْنَاكُمْ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَغْضَبَ مِنْ ذَلِكَ، فَيَغْضَبُ اللَّهُ لِغَضَبِهِ، فَيُحْبِطَ اللَّهُ عَمَلَ مَنْ أَغْضَبَهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلقي لَهَا بَالا يُكْتَبُ لَهُ بِهَا الْجَنَّةُ. وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَط اللَّهِ لَا يُلقي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ السموات وَالْأَرْضِ" [[صحيح البخاري برقم (٦٤٧٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . ثُمَّ نَدَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [[في ت: "سبحانه وتعالى".]] ، إِلَى خَفْضِ الصَّوْتِ عِنْدَهُ، وحَثّ عَلَى ذَلِكَ، وَأَرْشَدَ إِلَيْهِ، ورغَّب فِيهِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ أَيْ: أَخْلَصَهَا لَهَا وَجَعَلَهَا أَهْلًا وَمَحَلًّا ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ . وَقَدْ قَالَ [[في ت: "وقد روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُتب إِلَى عُمَرَ [[في ت: "عمر بن الخطاب رضي الله عنه".]] يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَجُلٌ لَا يَشْتَهِي الْمَعْصِيَةَ وَلَا يَعْمَلُ بِهَا، أَفْضَلُ، أَمْ رَجُلٌ يَشْتَهِي الْمَعْصِيَةَ وَلَا يَعْمَلُ بِهَا؟ فَكَتَبَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَهُونَ الْمَعْصِيَةَ وَلَا يَعْمَلُونَ بِهَا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/٥٥٢) وعزاه لأحمد في الزهد.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ : يا أيها الذين أقرّوا بوحدانية الله، وبنبوّة نبيه محمد ﷺ ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يقول: لا تعجلوا بقضاء أمر في حروبكم أو دينكم، قبل أن يقضي الله لكم فيه ورسوله، فتقضوا بخلاف أمر الله وأمر رسوله، محكيّ عن العرب فلان يقدّم بين يدي إمامه، بمعنى يعجل بالأمر والنهي دونه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل وإن اختلفت ألفاظهم بالبيان عن معناه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يقول: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ... الآية قال: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: لا تفتاتوا على رسول الله ﷺ بشيء حتى يقضيه الله على لسانه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ذُكر لنا أن ناسا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا لوضع كذا وكذا، قال: فكره الله عزّ وجلّ ذلك، وقدم فيه. وقال الحسن: أناس من المسلمين ذبحوا قبل صلاة رسول الله ﷺ يوم النحر، فأمرهم نبيّ الله ﷺ أن يعيدوا ذبحا آخر. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: إن أُناسا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا، لو أنزل في كذا، وقال الحسن: هم قوم نحروا قبل أن يصلي النبيّ ﷺ، فأمرهم النبيّ ﷺ أن يعيدوا الذبح. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يعني بذلك في القتال، وكان [[كذا في الأصل، ولعل الصواب: وكل ما كان ... الخ.]] من أمورهم لا يصلح أن يقضى إلا بأمره ما كان من شرائع دينهم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله جلّ ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: لا تقطعوا الأمر دون الله ورسوله. ⁕ وحدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) قال: لا تقضوا أمرا دون رسول الله، وبضم التاء من قوله ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ قرأ قرّاء الأمصار، وهي القراءة التي لا أستجيز القراءة بخلافها، لإجماع الحجة من القرّاء عليها، وقد حكي عن العرب قدّمت في كذا، وتقدّمت في كذا، فعلى هذه اللغة لو كان قيل: ﴿لا تَقَدَّمُوا﴾ بفتح التاء [[والدال مشددة وهي قراءة مشهورة ليعقوب الحضرمي.]] كان جائزا. * * وقوله ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يقول: وخافوا الله أيها الذين آمنوا في قولكم، أن تقولوا ما لم يأذن لكم به الله ولا رسوله، وفي غير ذلك من أموركم، وراقبوه، إن الله سميع لما تقولون، عليم بما تريدون بقولكم إذا قلتم، لا يخفى عليه شيء من ضمائر صدوركم، وغير ذلك من أموركم وأمور غيركم.

Al-Mukhtasar (français)

Ô vous qui croyez en Allah et suivez ce qu’Il a prescrit, ne devancez pas Allah et Son Messager par une parole ou un acte, et craignez Allah en vous conformant à Ses commandements et en renonçant à Ses interdits. Allah entend le mieux vos paroles et connaît le mieux vos agissements. Rien de tout cela ne Lui échappe et Il vous rétribuera selon sa nature.

2

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرْفَعُوٓا۟ أَصْوَٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىِّ وَلَا تَجْهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَٰلُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ

O vous qui avez cru! N'élevez pas vos voix au-dessus de la voix du Prophète, et ne haussez pas le ton en lui parlant, comme vous le haussez les uns avec les autres, sinon vos œuvres deviendraient vaines sans que vous vous en rendiez compte.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ [[في أ: "وهي مدنية ثمان عشرة آية".]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * هَذِهِ آدَابٌ [[في م: "آيات".]] ، أَدَّبَ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا يُعَامِلُونَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ مِنَ التَّوْقِيرِ وَالِاحْتِرَامِ وَالتَّبْجِيلِ وَالْإِعْظَامِ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [وَاتَّقُوا اللَّهَ] ﴾ [[زيادة من م.]] ، أَيْ: لَا تُسْرِعُوا فِي الْأَشْيَاءِ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَيْ: قَبْلَهُ، بَلْ كُونُوا تَبَعًا لَهُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، حَتَّى يَدْخُلَ فِي عُمُومِ هَذَا الْأَدَبِ الشَّرْعِيِّ حَدِيثُ مُعَاذٍ، [إِذْ] [[زيادة من ت، وفي أ: "حيث".]] قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: "بِمَ تَحْكُمُ؟ " قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ " قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ. قَالَ: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ " قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رسولَ رسولِ اللَّهِ، لِمَا يَرْضَى رَسُولُ اللَّهِ". وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ [[سبق الكلام عليه في مقدمة الكتاب.]] . فَالْغَرَضُ مِنْهُ أَنَّهُ أَخَّرَ رَأْيَهُ وَنَظَرَهُ وَاجْتِهَادَهُ إِلَى مَا بَعْدَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَوْ قَدَّمَهُ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْهُمَا لَكَانَ مِنْ بَابِ التَّقْدِيمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ : لَا تَقُولُوا خِلَافَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَالَ العَوْفي عَنْهُ: نَهَى [[في ت، م، أ: "نهوا".]] أَنْ يَتَكَلَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ كَلَامِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا تَفْتَاتُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ، حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَا تَقْضُوا أَمْرًا دُونَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ شَرَائِعِ دِينِكُمْ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ بقول ولا فعل. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قَالَ: لَا تَدْعُوا قَبْلَ الْإِمَامِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَاسًا كَانُوا يَقُولُونَ: لَوْ أُنْزِلَ فِي كَذَا كَذَا، وَكَذَا لَوْ صُنِعَ كَذَا، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ فِيهِ. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَيْ: فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أَيْ: لِأَقْوَالِكُمْ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيَّاتِكُمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ : هَذَا أَدَبٌ ثَانٍ أَدَّبَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَلَّا يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ [فَوْقَ صَوْتِهِ] [[زيادة من ت، م، أ.]] . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا بُسْرَةُ بْنُ صَفْوَانَ اللَّخْمِيُّ، حَدَّثَنَا نَافِعِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَة قَالَ: كَادَ الخيِّران أَنْ يَهْلَكَا، أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْبُ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ، وَأَشَارَ الْآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ -قَالَ نَافِعٌ: لَا أَحْفَظُ اسْمَهُ-فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي. قَالَ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ. فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَمَا كَانَ عُمَرُ يسمعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ: يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. انْفَرَدَ بِهِ دُونَ مُسْلِمٍ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٤٥) .]] . ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاج، عَنِ ابْنُ جُرَيْج، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ قَدم رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمِّرِ القعقاعَ بْنَ مَعْبد. وَقَالَ عُمَرُ: بَلْ أَمِّرِ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إِلَى -أَوْ: إِلَّا-خِلَافِي. فَقَالَ عُمَرُ: مَا أردتُ خلافَك، فَتَمَارَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَنَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ، حَتَّى انْقَضَتِ الْآيَةُ، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ الْآيَةَ [الْحُجُرَاتِ: ٥] . وَهَكَذَا رَوَاهُ هَاهُنَا مُنْفَرِدًا بِهِ أَيْضًا [[صحيح البخاري برقم (٤٨٤٧) .]] . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عُمَر، عَنْ مُخَارق، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ إلا كأخي السّرار [[مسند البزار برقم (٢٢٥٧) "كشف الأستار" وقال: "لا نعلمه يروى متصلا إلا عن أبي بكر، وحصين حدث بأحاديث لم يتابع عليها، ومخارق مشهور، ومن عداه أجلاء".]] . حُصَيْنُ بْنُ عُمَرَ هَذَا -وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا-لَكِنْ قَدْ رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] بِنَحْوِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[أما حديث أبي هريرة فرواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٦٢) من طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عنه، وقال: "صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ" ووافقه الذهبي.]] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، أَنْبَأَنِي مُوسَى بْنِ أَنَسٍ [[في ت: "وروى البخاري بسنده".]] ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ. فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: شَرٌّ، كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ مُوسَى: فَرَجَعَ إِلَيْهِ الْمَرَّةَ الْآخِرَةَ بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ فَقَالَ: "اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَكِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ" تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٤٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمٌ، حَدَّثَنَا [[في ت: "ابن".]] سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إِلَى: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ ، وَكَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ رَفِيعَ الصَّوْتِ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي كُنْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَبِطَ عَمَلِي، أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَجَلَسَ فِي أَهْلِهِ حَزِينًا، فَفَقَدَهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَانْطَلَقَ بَعْضُ الْقَوْمِ إِلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ: تَفَقَّدَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مَا لَكَ؟ قَالَ: أَنَا الَّذِي أَرْفَعُ صَوْتِي فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَجْهَرُ لَهُ بِالْقَوْلِ حَبِطَ عَمَلِي، أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ: "لَا بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ أَنَسٌ: فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ كَانَ فِينَا بَعْضُ الِانْكِشَافِ، فَجَاءَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَقَدْ تَحَنَّطَ وَلَبِسَ كَفَنَهُ، فَقَالَ: بِئْسَمَا تُعوّدون أَقْرَانَكُمْ. فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتل [[في ت: "حتى قتل رحمه الله".]] [[المسند (٣/١٣٧) .]] . وَقَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ البُناني، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، جَلَسَ ثَابِتٌ فِي بَيْتِهِ، قَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. وَاحْتَبَسَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ [[في م: "فسأل".]] النَّبِيُّ ﷺ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: "يَا أَبَا عَمْرٍو، مَا شَأْنُ ثَابِتٍ؟ أَشْتَكَى؟ " فَقَالَ سَعْدٌ: إِنَّهُ لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى. قَالَ: فَأَتَاهُ سَعْدٌ فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رسول الله [[في م: "النبي".]] صلى الله عليه وسلم، فقال ثَابِتٌ: أُنزلَت هَذِهِ الْآيَةُ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "بل، هو من أهل الجنة". ثُمَّ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ [[في أ: "سعد".]] الدَّارِمِيِّ، عَنْ حَيَّان بْنِ هِلَالٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، بِهِ، قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ. وَعَنْ قَطَنِ بْنِ نُسَير عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ [[في م: "مسلم".]] ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ. وَقَالَ: لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا هُرَيم [[في م: "هدبة".]] بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَزَادَ: فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا رَجلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. [[صحيح مسلم برقم (١١٩) .]] . فَهَذِهِ الطُّرُقُ الثَّلَاثُ مُعَلّلة لِرِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، فِيمَا تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ ذِكْرِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ حَالَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ لَمْ يَكُنْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مَوْجُودًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ مَاتَ بَعْدَ بَنِي قُرَيْظَةَ بِأَيَّامٍ قَلَائِلَ سَنَةَ خَمْسٍ، وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ، وَالْوُفُودُ إِنَّمَا تَوَاتَرُوا فِي سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحُبَاب، حَدَّثَنَا أَبُو ثَابِتٍ بْنُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شمَّاس، حَدَّثَنِي عَمِّي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ قَالَ: قَعَدَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ [[في أ: "ثابت بن قيس بن شماس".]] فِي الطَّرِيقِ يَبْكِي، قَالَ: فَمَرَّ بِهِ عَاصِمُ بْنُ عِدِيٍّ مِنْ بَنِي العَجلان، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا ثَابِتُ؟ قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ، أَتَخَوَّفُ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فيَّ وَأَنَا صَيِّتٌ، رَفِيعُ الصَّوْتِ. قَالَ: فَمَضَى عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: وَغَلَبَهُ الْبُكَاءُ، فَأَتَى امْرَأَتَهُ جَمِيلَةَ ابْنَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ فَقَالَ لَهَا: إِذَا دخلتُ بَيْتَ فَرَسي فَشُدِّي عَلَيّ الضبَّة بِمِسْمَارٍ فَضَرَبَتْهُ بِمِسْمَارٍ حَتَّى إِذَا خَرَجَ عَطَفَهُ، وَقَالَ: لَا أَخْرُجُ حَتَّى يَتَوَفَّانِي اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ يَرْضَى عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. قال: وَأَتَى عَاصِمٌ رسولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ، فَقَالَ: "اذْهَبْ فَادْعُهُ لِي". فَجَاءَ عَاصِمُ إِلَى الْمَكَانِ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَجَاءَ إِلَى أَهْلِهِ فَوَجَدَهُ فِي بَيْتِ الفَرَس، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوكَ. فَقَالَ: اكْسِرِ الضَّبَّةَ. قَالَ: فَخَرَجَا فَأَتَيَا [[في أ: "حتى أتيا".]] النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا يُبْكِيكَ يَا ثَابِتُ؟ ". فَقَالَ: أَنَا صَيِّتٌ وَأَتَخَوَّفُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِيَّ: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَعِيش حَميدًا، وَتُقْتَلَ شَهِيدًا، وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟ ". فَقَالَ: رَضِيتُ بِبُشْرَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﷺ، وَلَا أَرْفَعُ صَوْتِي أَبَدًا عَلَى صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [[في أ: بعدها: " لهم مغفرة وأجر عظيم " بدل "الآية".]] . [[تفسير الطبري (٢٦/٧٥) .]] وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ كَذَلِكَ، فَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، عن رفع الأصوات بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من ت.]] أَنَّهُ سَمِعَ صَوت رَجُلَيْنِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ [[في ت، م: "النبي".]] ﷺ قَدِ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَجَاءَ، فَقَالَ: أَتَدْرِيَانِ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ ثُمَّ قَالَ: مِن أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قَالَا مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ. فَقَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَأَوْجَعْتُكُمَا ضَرْبًا [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٧٠) من طريق السائب بن يزيد فذكره.]] . وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدَ قَبْرِهِ، كَمَا كَانَ يُكْرَهُ فِي حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَرَمٌ حَيًّا وَفِي قَبْرِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ [[في ت: "صلى الله عليه وسلم".]] ، دَائِمًا. ثُمَّ نَهَى عَنِ الْجَهْرِ لَهُ بِالْقَوْلِ كَمَا يَجْهَرُ الرَّجُلُ لِمُخَاطِبِهِ مِمَّنْ عَدَاهُ، بَلْ يُخَاطَبُ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ وَتَعْظِيمٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النُّورِ: ٦٣] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا نَهَيْنَاكُمْ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَغْضَبَ مِنْ ذَلِكَ، فَيَغْضَبُ اللَّهُ لِغَضَبِهِ، فَيُحْبِطَ اللَّهُ عَمَلَ مَنْ أَغْضَبَهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلقي لَهَا بَالا يُكْتَبُ لَهُ بِهَا الْجَنَّةُ. وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَط اللَّهِ لَا يُلقي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ السموات وَالْأَرْضِ" [[صحيح البخاري برقم (٦٤٧٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . ثُمَّ نَدَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [[في ت: "سبحانه وتعالى".]] ، إِلَى خَفْضِ الصَّوْتِ عِنْدَهُ، وحَثّ عَلَى ذَلِكَ، وَأَرْشَدَ إِلَيْهِ، ورغَّب فِيهِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ أَيْ: أَخْلَصَهَا لَهَا وَجَعَلَهَا أَهْلًا وَمَحَلًّا ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ . وَقَدْ قَالَ [[في ت: "وقد روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُتب إِلَى عُمَرَ [[في ت: "عمر بن الخطاب رضي الله عنه".]] يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَجُلٌ لَا يَشْتَهِي الْمَعْصِيَةَ وَلَا يَعْمَلُ بِهَا، أَفْضَلُ، أَمْ رَجُلٌ يَشْتَهِي الْمَعْصِيَةَ وَلَا يَعْمَلُ بِهَا؟ فَكَتَبَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَهُونَ الْمَعْصِيَةَ وَلَا يَعْمَلُونَ بِهَا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/٥٥٢) وعزاه لأحمد في الزهد.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت رسول الله تتجهموه بالكلام، وتغلظون له في الخطاب ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ يقول: ولا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضا: يا محمد، يا محمد، يا نبيّ الله، يا نبيّ الله، يا رسول الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ ، قال لا تنادُوه نداء، ولكن قولا لينًا يا رسول الله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ كانوا يجهرون له بالكلام، ويرفعون أصواتهم، فوعظهم الله، ونهاهم عن ذلك. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، كانوا يرفعون، ويجهرون عند النبيّ ﷺ، فوعظوا، ونهوا عن ذلك. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ ... الآية، هو كقوله: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ نهاهم الله أن ينادوه كما ينادي بعضهم بعضا وأمرهم أن يشرّفوه ويعظِّموه، ويدعوه إذا دعوه باسم النبوّة. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا زيد بن حباب، قال: ثنا أبو ثابت بن ثابت قيس بن الشماس، قال: ثني عمي إسماعيل بن محمد بن ثابت بن شماس، عن أبيه، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ قال: قعد ثابت في الطريق يبكي، قال: فمرّ به عاصم بن عديّ من بني العَجلان، فقال: ما يُبكيك يا ثابت؟ قال: لهذه الآية، أتخوّف أن تكون نزلت فيّ، وأنا صيت رفيع الصوت قال: فمضى عاصم بن عديّ إلى رسول الله ﷺ، قال: وغلبه البكاء، قال: فأتى امرأته جميلة ابنة عبد الله بن أَبيّ ابن سلول، فقال لها: إذا دخلتُ بيت فرسي، فشدّي على الضبة بمسمار، فضربته بمسمار حتى إذا خرج عطفه وقال: لا أخرج حتى يتوفاني الله، أو يرضى عني رسول الله ﷺ؛ قال: وأتى عاصم رسول الله ﷺ فأخبره خبره، فقال: اذْهَبْ فادْعُهُ لي، فجاء عاصم إلى المكان، فلم يجده، فجاء إلى أهله، فوجده في بيت الفرس، فقال له: إن رسول الله ﷺ يدعوك، فقال: اكسر الضَّبة، قال: فخرجا فأتيا نبيّ الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: ما يُبكِيكَ يا ثابِتُ؟ فقال: أنا صيت، وأتخوّف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ فقال له رسول الله ﷺ: أما تَرْضَى أنْ تَعيش حَمِيدًا، وَتُقْتَلَ شَهِيدًا، وَتَدْخُلَ الجَنَّةَ؟ فقال: رضيت ببُشرى الله ورسوله، لا أرفع صوتي أبدا على رسول الله، فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ ... الآية. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص، عن شمر بن عطية، قال: جاء ثابت بن قيس بن الشماس إلى رسول الله ﷺ وهو محزون، فقال: يا ثابت ما الذي أرى بك؟ فقال: آية قرأتها الليلة، فأخشى أن يكون قد حَبِط عملي ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ وكان في أُذنه صمم، فقال: يا نبيّ الله أخشى أن أكون قد رفعت صوتي، وجهرت لك بالقول، وأن أكون قد حبط عملي، وأنا لا أشعر: فقال النبيّ ﷺ: " امْشِ على الأرْضِ نَشِيطا فإنَّكَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ ". ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن عكرِمة، قال: لما نزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ ... الآية، قال ثابت بن قيس: فأنا كنت أرفع صوتي فوق صوت النبيّ ﷺ، وأجهر له بالقول، فأنا من أهل النار، فقعد في بيته، فتفقده رسول الله ﷺ، وسأل عنه، فقال رجل: إنه لجاري، ولئن شئت لأعلمنّ لك علمه، فقال: نعم، فأتاه فقال: إن رسول الله ﷺ قد تفقدك، وسأل عنك، فقال: نزلت هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ ... الآية وأنا كنت أرفع صوتي فوق صوت رسول الله ﷺ، وأجهر له بالقول، فأنا من أهل النار، فرجع إلى رسول الله فأخبره، فقال: بَلْ هُوَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ؛ فلما كان يوم اليمامة انهزم الناس، فقال: أفّ لهؤلاء وما يعبدون، وأفّ لهؤلاء وما يصنعون، يا معشر الأنصار خلوا لي بشيء لعلي أصلى بحرّها ساعة قال: ورجل قائم على ثلمة، فقَتل وقُتل. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزُّهريّ، أن ثابت بن قيس بن شماس، قال: لما نزلت ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ قال: يا نبيّ الله، لقد خشيت أن أكون قد هلكت، نهانا الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك، وإني امرؤ جهير الصوت، ونهى الله المرء أن يحبّ أن يُحمد بما لم يفعل، فأجدني أحبّ أن أُحمد؛ ونهى الله عن الخُيَلاء وأجدني أحبّ الجمال؛ قال: فقال له رسول الله ﷺ: يا ثابت أما تَرْضَى أنْ تَعِيشَ حَمِيدًا، وَتُقْتَلَ شَهِيدًا، وَتَدْخُلَ الجَنَّةَ؟ فعاش حميدا، وقُتل شهيدا يوم مُسَيلمة. ⁕ حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا نافع بن عمر بن جميل الجمحي، قال: ثني ابن أَبي مليكة، عن الزبير، قال: " قدم وفد أراه قال تميم، على النبيّ ﷺ، منهم الأقرع بن حابس، فكلم أبو بكر النبيّ ﷺ أن يستعمله على قومه، قال: فقال عمر: لا تفعل يا رسول الله، قال: فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما عند النبيّ ﷺ، قال: فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك. قال: ونزل القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ ... إلى قوله ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قال: فما حدّث عمر النبيّ ﷺ بعد ذلك، فَيُسْمِعَ النبي ﷺ، قال: وما ذكر ابن الزبير جدّه، يعني أبا بكر. * * وقوله ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ يقول: أن لا تحبط أعمالكم فتذهب باطلة لا ثواب لكم عليها، ولا جزاء برفعكم أصواتكم فوق صوت نبيكم، وجهركم له بالقول كجهر بعضكم لبعض. وقد اختلف أهل العربية في معنى ذلك، فقال بعض نحويي الكوفة: معناه: لا تحبط أعمالكم. قال: وفيه الجزم والرفع إذا وضعت "لا" مكان "أن". قال: وهي في قراءة عبد الله ﴿فَتَحْبَطْ أَعْمَالُكُمْ﴾ وهو دليل على جواز الجزم، وقال بعض نحويي البصرة: قال: أن تحبط أعمالكم: أي مخافة أن تحبط أعمالكم وقد يقال: أسند الحائط أن يميل. * * وقوله ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ يقول: وأنتم لا تعلمون ولا تدرون.

Al-Mukhtasar (français)

Ô vous qui croyez en Allah et suivez ce qu’Il a prescrit, soyez polis avec le Messager et n’élevez pas vos voix au-dessus de la sienne lorsque vous vous adressez à lui ni ne l’appelez par son prénom comme lorsque vous vous adressez les uns aux autres. Adressez-vous plutôt à lui par son titre de Prophète ou de Messager et parlez-lui doucement de crainte que, sans que vous l’ayez fait sciemment, Allah annule la récompense de vos œuvres.

3

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَٰتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ۚ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ

Ceux qui auprès du Messager d'Allah baissent leurs voix sont ceux dont Allah a éprouvé les cœurs pour la piété. Ils auront un pardon et une énorme récompense.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ [[في أ: "وهي مدنية ثمان عشرة آية".]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * هَذِهِ آدَابٌ [[في م: "آيات".]] ، أَدَّبَ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا يُعَامِلُونَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ مِنَ التَّوْقِيرِ وَالِاحْتِرَامِ وَالتَّبْجِيلِ وَالْإِعْظَامِ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [وَاتَّقُوا اللَّهَ] ﴾ [[زيادة من م.]] ، أَيْ: لَا تُسْرِعُوا فِي الْأَشْيَاءِ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَيْ: قَبْلَهُ، بَلْ كُونُوا تَبَعًا لَهُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، حَتَّى يَدْخُلَ فِي عُمُومِ هَذَا الْأَدَبِ الشَّرْعِيِّ حَدِيثُ مُعَاذٍ، [إِذْ] [[زيادة من ت، وفي أ: "حيث".]] قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: "بِمَ تَحْكُمُ؟ " قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ " قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ. قَالَ: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ " قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رسولَ رسولِ اللَّهِ، لِمَا يَرْضَى رَسُولُ اللَّهِ". وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ [[سبق الكلام عليه في مقدمة الكتاب.]] . فَالْغَرَضُ مِنْهُ أَنَّهُ أَخَّرَ رَأْيَهُ وَنَظَرَهُ وَاجْتِهَادَهُ إِلَى مَا بَعْدَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَوْ قَدَّمَهُ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْهُمَا لَكَانَ مِنْ بَابِ التَّقْدِيمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ : لَا تَقُولُوا خِلَافَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَالَ العَوْفي عَنْهُ: نَهَى [[في ت، م، أ: "نهوا".]] أَنْ يَتَكَلَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ كَلَامِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا تَفْتَاتُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ، حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَا تَقْضُوا أَمْرًا دُونَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ شَرَائِعِ دِينِكُمْ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ بقول ولا فعل. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قَالَ: لَا تَدْعُوا قَبْلَ الْإِمَامِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَاسًا كَانُوا يَقُولُونَ: لَوْ أُنْزِلَ فِي كَذَا كَذَا، وَكَذَا لَوْ صُنِعَ كَذَا، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ فِيهِ. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَيْ: فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أَيْ: لِأَقْوَالِكُمْ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيَّاتِكُمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ : هَذَا أَدَبٌ ثَانٍ أَدَّبَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَلَّا يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ [فَوْقَ صَوْتِهِ] [[زيادة من ت، م، أ.]] . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا بُسْرَةُ بْنُ صَفْوَانَ اللَّخْمِيُّ، حَدَّثَنَا نَافِعِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَة قَالَ: كَادَ الخيِّران أَنْ يَهْلَكَا، أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْبُ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ، وَأَشَارَ الْآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ -قَالَ نَافِعٌ: لَا أَحْفَظُ اسْمَهُ-فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي. قَالَ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ. فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَمَا كَانَ عُمَرُ يسمعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ: يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. انْفَرَدَ بِهِ دُونَ مُسْلِمٍ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٤٥) .]] . ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاج، عَنِ ابْنُ جُرَيْج، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ قَدم رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمِّرِ القعقاعَ بْنَ مَعْبد. وَقَالَ عُمَرُ: بَلْ أَمِّرِ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إِلَى -أَوْ: إِلَّا-خِلَافِي. فَقَالَ عُمَرُ: مَا أردتُ خلافَك، فَتَمَارَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَنَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ، حَتَّى انْقَضَتِ الْآيَةُ، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ الْآيَةَ [الْحُجُرَاتِ: ٥] . وَهَكَذَا رَوَاهُ هَاهُنَا مُنْفَرِدًا بِهِ أَيْضًا [[صحيح البخاري برقم (٤٨٤٧) .]] . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عُمَر، عَنْ مُخَارق، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ إلا كأخي السّرار [[مسند البزار برقم (٢٢٥٧) "كشف الأستار" وقال: "لا نعلمه يروى متصلا إلا عن أبي بكر، وحصين حدث بأحاديث لم يتابع عليها، ومخارق مشهور، ومن عداه أجلاء".]] . حُصَيْنُ بْنُ عُمَرَ هَذَا -وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا-لَكِنْ قَدْ رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] بِنَحْوِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[أما حديث أبي هريرة فرواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٦٢) من طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عنه، وقال: "صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ" ووافقه الذهبي.]] . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، أَنْبَأَنِي مُوسَى بْنِ أَنَسٍ [[في ت: "وروى البخاري بسنده".]] ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ. فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: شَرٌّ، كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ مُوسَى: فَرَجَعَ إِلَيْهِ الْمَرَّةَ الْآخِرَةَ بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ فَقَالَ: "اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَكِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ" تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٤٦) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمٌ، حَدَّثَنَا [[في ت: "ابن".]] سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إِلَى: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ ، وَكَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ رَفِيعَ الصَّوْتِ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي كُنْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَبِطَ عَمَلِي، أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَجَلَسَ فِي أَهْلِهِ حَزِينًا، فَفَقَدَهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَانْطَلَقَ بَعْضُ الْقَوْمِ إِلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ: تَفَقَّدَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مَا لَكَ؟ قَالَ: أَنَا الَّذِي أَرْفَعُ صَوْتِي فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَجْهَرُ لَهُ بِالْقَوْلِ حَبِطَ عَمَلِي، أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ: "لَا بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قَالَ أَنَسٌ: فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ كَانَ فِينَا بَعْضُ الِانْكِشَافِ، فَجَاءَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَقَدْ تَحَنَّطَ وَلَبِسَ كَفَنَهُ، فَقَالَ: بِئْسَمَا تُعوّدون أَقْرَانَكُمْ. فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتل [[في ت: "حتى قتل رحمه الله".]] [[المسند (٣/١٣٧) .]] . وَقَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ البُناني، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، جَلَسَ ثَابِتٌ فِي بَيْتِهِ، قَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. وَاحْتَبَسَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ [[في م: "فسأل".]] النَّبِيُّ ﷺ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: "يَا أَبَا عَمْرٍو، مَا شَأْنُ ثَابِتٍ؟ أَشْتَكَى؟ " فَقَالَ سَعْدٌ: إِنَّهُ لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى. قَالَ: فَأَتَاهُ سَعْدٌ فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رسول الله [[في م: "النبي".]] صلى الله عليه وسلم، فقال ثَابِتٌ: أُنزلَت هَذِهِ الْآيَةُ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "بل، هو من أهل الجنة". ثُمَّ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ [[في أ: "سعد".]] الدَّارِمِيِّ، عَنْ حَيَّان بْنِ هِلَالٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، بِهِ، قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ. وَعَنْ قَطَنِ بْنِ نُسَير عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ [[في م: "مسلم".]] ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ. وَقَالَ: لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا هُرَيم [[في م: "هدبة".]] بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَزَادَ: فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا رَجلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. [[صحيح مسلم برقم (١١٩) .]] . فَهَذِهِ الطُّرُقُ الثَّلَاثُ مُعَلّلة لِرِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، فِيمَا تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ ذِكْرِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ حَالَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ لَمْ يَكُنْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مَوْجُودًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ مَاتَ بَعْدَ بَنِي قُرَيْظَةَ بِأَيَّامٍ قَلَائِلَ سَنَةَ خَمْسٍ، وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ، وَالْوُفُودُ إِنَّمَا تَوَاتَرُوا فِي سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحُبَاب، حَدَّثَنَا أَبُو ثَابِتٍ بْنُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شمَّاس، حَدَّثَنِي عَمِّي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ قَالَ: قَعَدَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ [[في أ: "ثابت بن قيس بن شماس".]] فِي الطَّرِيقِ يَبْكِي، قَالَ: فَمَرَّ بِهِ عَاصِمُ بْنُ عِدِيٍّ مِنْ بَنِي العَجلان، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا ثَابِتُ؟ قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ، أَتَخَوَّفُ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فيَّ وَأَنَا صَيِّتٌ، رَفِيعُ الصَّوْتِ. قَالَ: فَمَضَى عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: وَغَلَبَهُ الْبُكَاءُ، فَأَتَى امْرَأَتَهُ جَمِيلَةَ ابْنَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ فَقَالَ لَهَا: إِذَا دخلتُ بَيْتَ فَرَسي فَشُدِّي عَلَيّ الضبَّة بِمِسْمَارٍ فَضَرَبَتْهُ بِمِسْمَارٍ حَتَّى إِذَا خَرَجَ عَطَفَهُ، وَقَالَ: لَا أَخْرُجُ حَتَّى يَتَوَفَّانِي اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ يَرْضَى عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. قال: وَأَتَى عَاصِمٌ رسولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ، فَقَالَ: "اذْهَبْ فَادْعُهُ لِي". فَجَاءَ عَاصِمُ إِلَى الْمَكَانِ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَجَاءَ إِلَى أَهْلِهِ فَوَجَدَهُ فِي بَيْتِ الفَرَس، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوكَ. فَقَالَ: اكْسِرِ الضَّبَّةَ. قَالَ: فَخَرَجَا فَأَتَيَا [[في أ: "حتى أتيا".]] النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا يُبْكِيكَ يَا ثَابِتُ؟ ". فَقَالَ: أَنَا صَيِّتٌ وَأَتَخَوَّفُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِيَّ: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَعِيش حَميدًا، وَتُقْتَلَ شَهِيدًا، وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟ ". فَقَالَ: رَضِيتُ بِبُشْرَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﷺ، وَلَا أَرْفَعُ صَوْتِي أَبَدًا عَلَى صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [[في أ: بعدها: " لهم مغفرة وأجر عظيم " بدل "الآية".]] . [[تفسير الطبري (٢٦/٧٥) .]] وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ كَذَلِكَ، فَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، عن رفع الأصوات بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من ت.]] أَنَّهُ سَمِعَ صَوت رَجُلَيْنِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ [[في ت، م: "النبي".]] ﷺ قَدِ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَجَاءَ، فَقَالَ: أَتَدْرِيَانِ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ ثُمَّ قَالَ: مِن أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قَالَا مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ. فَقَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَأَوْجَعْتُكُمَا ضَرْبًا [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٧٠) من طريق السائب بن يزيد فذكره.]] . وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدَ قَبْرِهِ، كَمَا كَانَ يُكْرَهُ فِي حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَرَمٌ حَيًّا وَفِي قَبْرِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ [[في ت: "صلى الله عليه وسلم".]] ، دَائِمًا. ثُمَّ نَهَى عَنِ الْجَهْرِ لَهُ بِالْقَوْلِ كَمَا يَجْهَرُ الرَّجُلُ لِمُخَاطِبِهِ مِمَّنْ عَدَاهُ، بَلْ يُخَاطَبُ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ وَتَعْظِيمٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النُّورِ: ٦٣] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا نَهَيْنَاكُمْ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَغْضَبَ مِنْ ذَلِكَ، فَيَغْضَبُ اللَّهُ لِغَضَبِهِ، فَيُحْبِطَ اللَّهُ عَمَلَ مَنْ أَغْضَبَهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلقي لَهَا بَالا يُكْتَبُ لَهُ بِهَا الْجَنَّةُ. وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَط اللَّهِ لَا يُلقي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ السموات وَالْأَرْضِ" [[صحيح البخاري برقم (٦٤٧٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . ثُمَّ نَدَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [[في ت: "سبحانه وتعالى".]] ، إِلَى خَفْضِ الصَّوْتِ عِنْدَهُ، وحَثّ عَلَى ذَلِكَ، وَأَرْشَدَ إِلَيْهِ، ورغَّب فِيهِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ أَيْ: أَخْلَصَهَا لَهَا وَجَعَلَهَا أَهْلًا وَمَحَلًّا ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ . وَقَدْ قَالَ [[في ت: "وقد روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُتب إِلَى عُمَرَ [[في ت: "عمر بن الخطاب رضي الله عنه".]] يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَجُلٌ لَا يَشْتَهِي الْمَعْصِيَةَ وَلَا يَعْمَلُ بِهَا، أَفْضَلُ، أَمْ رَجُلٌ يَشْتَهِي الْمَعْصِيَةَ وَلَا يَعْمَلُ بِهَا؟ فَكَتَبَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَهُونَ الْمَعْصِيَةَ وَلَا يَعْمَلُونَ بِهَا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/٥٥٢) وعزاه لأحمد في الزهد.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الذين يكفون رفع أصواتهم عند رسول الله، وأصل الغضّ: الكفّ في لين. ومنه: غضّ البصر، وهو كفه عن النظر، كما قال جرير: فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِنْ نُمَيْر ... فَلا كَعْبا بَلَغتَ وَلا كِلابا [[البيت لجرير بن الخطفي، من قصيدة يهجو بها الراعي النميري الشاعر. (ديوانه ٦٤) يقول له. غض نظرك أي كف بصرك ذلا ومهانة. وهذا موضع الشاهد عند قوله تعالى " يغضون أصواتهم عند رسول الله " وهو من ذلك. قال في " اللسان: غض ": وغض طرفه وبصره، يغضه غضا وغضاضا (ككتاب) وغضاضة (كسحابة) فهو مغضوض وغضيض " كفه وخفضه وكسره، وقيل: هو إذا دانى بين جفونه ونظر. وقيل: الغضيض: الطرف المسترخي الأجفان. وفي الحديث " كان إذا فرح غض طرفه "، أي كسره وأطرق، ولم يفتح عينيه. وإنما كان يفعل ذلك، ليكون أبعد من الأشر والمرح. أهـ. وكعب وكلاب: حيان من تميم.]] * * وقوله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله، هم الذين اختبر الله قلوبهم بامتحانه إياها، فاصطفاها وأخلصها للتقوى، يعني لاتقائه بأداء طاعته، واجتناب معاصيه، كما يمتحن الذهب بالنار، فيخلص جيدها، ويبطل خبثها [[الضمير في جيدها وخبثها: راجع إلى الذهب، لأنها مؤنثة، وقد تذكر.]] . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ قال: أخلص. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ قال: أخلص الله قلوبهم فيما أحبّ. * * وقوله ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ يقول: لهم من الله عفو عن ذنوبهم السالفة، وصفح منه عنها لهم ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يقول: وثواب جزيل، وهو الجنة.

Al-Mukhtasar (français)

Ceux qui baissent la voix auprès du Messager d’Allah sont ceux dont Allah a éprouvé la piété de leurs cœurs et les a rendus sincèrement pieux. Il leur pardonnera leurs péchés et ne leur en tiendra pas rigueur. De plus, ils auront droit à une immense rétribution le Jour de la Résurrection: Allah les fera entrer au Paradis.

4

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَٰتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ

Ceux qui t'appellent à haute voix de derrière les appartements, la plupart d'entre eux ne raisonnent pas.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى ذَمّ الَّذِينَ يُنَادُونَهُ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ، وَهِيَ بُيُوتُ نِسَائِهِ، كَمَا يَصْنَعُ أَجْلَافُ الْأَعْرَابِ، فَقَالَ: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ثُمَّ أَرْشَدَ إِلَى الْأَدَبِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أَيْ: لَكَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْخِيَرَةُ وَالْمَصْلَحَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. ثُمَّ قَالَ دَاعِيًا لَهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَقَدْ ذُكر أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ التَّمِيمِيِّ، فِيمَا أَوْرَدَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْب، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ؛ أَنَّهُ نَادَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ -وَفِي رِوَايَةٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ-فَلَمْ يُجِبْهُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ حَمْدِي لَزَيْنٌ، وَإِنَّ ذَمِّي لَشَيْنٌ، فَقَالَ: " ذَاكَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ" [[المسند (٣/٤٨٨) ، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٠٨) : "إسناد أحمد رجاله رجال الصحيح إن كان أبو سلمة سمع من الأقرع بن حابس، وإلا فهو مرسل".]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْث الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ [[في ت: "وروى ابن جرير بسنده".]] ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ [[في ت، أ: "رسول الله صلى الله عليه وسلم".]] فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ حَمْدِي زَيْنٌ، وَذَمِّي شَيْنٌ. فَقَالَ: "ذَاكَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ" [[تفسير الطبري (٢٦/٧٧) .]] . وَهَكَذَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَتَادَةُ مُرْسَلًا. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَة قَالَ: كَانَ بِشْر بْنُ غَالِبٍ ولَبِيد بْنُ عُطَارِد -أَوْ بِشْرُ بْنُ عُطَارِدٍ وَلِبَيْدُ بْنُ غَالِبٍ-وَهُمَا عِنْدَ الْحَجَّاجِ جَالِسَانِ-فَقَالَ بِشْرُ بْنُ غَالِبٍ لِلَبِيدِ بْنِ عُطَارِدٍ: نَزَلَتْ فِي قَوْمِكَ بَنِي تَمِيمٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِآخِرِ الْآيَةِ أَجَابَهُ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الْحُجُرَاتِ: ١٧] ، قَالُوا: أَسْلَمْنَا، وَلَمْ يُقَاتِلْكَ بَنُو أَسَدٍ [[تفسير الطبري (٢٦/٧٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمرو بْنُ عَلِيٍّ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ: سَمِعْتُ دَاوُدَ الطُّفَّاوِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ [[في م، أ: "سلمة".]] الْبَجَلِيِّ [[في ت: "وروى ابن جرير بسنده".]] ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: اجْتَمَعَ أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ فَقَالُوا: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ يَكُ نَبِيًّا فَنَحْنُ أَسْعَدُ النَّاسِ بِهِ، وَإِنْ يَكُ مَلِكًا نَعِشْ بِجَنَاحِهِ. قَالَ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالُوا، فَجَاءُوا إِلَى حُجْرَتِهِ فَجَعَلُوا يُنَادُونَهُ وَهُوَ فِي حُجْرَتِهِ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ قَالَ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأُذُنِي فَمَدَّهَا، فَجَعَلَ يَقُولُ: "لَقَدْ صَدَّقَ اللَّهُ قَوْلَكَ يَا زَيْدُ، لِقَدْ صَدَّقَ الله قولك يا زيد". وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ، عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٦/٧٧) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٥/٢١٠) من طريق إسحاق بن راهويه عن معتمر بن سليمان به، قال الهيثمي في المجمع (٧/١٠٨) : "فيه داود الطفاوي وثقه ابن حبان، وضعفه ابن معين، وبقية رجاله ثقات".]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ٤ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: إن الذين ينادونك يا محمد من وراء حجراتك، والحجرات: جمع حجرة، والثلاث: حُجَر، ثم تجمع الحجر فيقال: حجرات وحُجْرات، وقد تجمع بعض العرب الحجر: حَجرات بفتح الجيم، وكذلك كلّ جمع كان من ثلاثة إلى عشرة على فُعَلٍ يجمعونه على فعَلات بفتح ثانيه، والرفع أفصح وأجود؛ ومنه قول الشاعر: أما كانَ عَبَّادٌ كَفِيئا لِدَارِم ... بَلى، وَلأبْياتٍ بِها الحُجُرَات [[في كتاب الكامل للمبرد (طبعة الحلبي ٨٥) : يقال: فلان كفاء فلان، وكفيء فلان، وكفء فلان؛ أي: عديله. ويروى أن الفرزدق بلغه أن رجلا من الحبطات بن عمرو بن تميم خطب امرأة من بني دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، فقال الفرزدق: بَنُو دَارِمٍ أكْفاؤُهُمْ آلُ مِسْمَعٍ ... وتنكح في أكفائها الحَبِطاتُ (آل مسمع بيت بكر بن وائل في الإسلام، وهم من بني قيس بن ثعلبة بن عكابة) قال: فقال رجل من الحبطات: " أما كان عباد كفيئا ... " البيت. يعني بني هاشم (يريد أبيات بني هاشم) من قول الله عز وجل: " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ". والشاهد في البيت قوله " الحجرات " بضم الحاء والجيم، وهي جمع حجرة، وتجمع الحجرة وما شابهها على حجرات بضمتين، وبضم ففتح، وبضم فسكون. ويرى المؤلف أن الجمع الأول أفصح وأجود. أهـ.]] يقول: بلى ولبني هاشم. وذُكر أن هذه الآية والتي بعدها نزلت في قوم من الأعراب جاءوا ينادون رسول الله ﷺ من وراء حجراته: يا محمد اخرج إلينا. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثنا أبو عمار المروزي، والحسن بن الحارث، قالا ثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن أبي إسحاق، عن البرّاء في قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: يا محمد إنّ حمدي زين، وإن ذمِّي شين، فقال: "ذَاكَ اللهُ تَباركَ وتَعَالى". ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن أبي إسحاق، عن البراء بمثله، إلا أنه قال: ذاكم الله عزّ وجلّ. ⁕ حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا المعتمر بن سليمان التيمي، قال: سمعت داود الطُّفاوي يقول: سمعت أبا مسلم البجلي يحدث عن زيد بن أرقم، قال: جاء أناس من العرب إلى النبيّ ﷺ، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبيا فنحن أسعد الناس به، وإن يكن ملِكا نعش في جناحه؛ قال: فأتيت النبيّ ﷺ، فأخبرته بذلك، قال: ثم جاءوا إلى حجر النبي ﷺ، فجعلوا ينادونه. يا محمد، فأنزل الله على نبيه ﷺ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ قال: فأخذ نبيّ الله بأذني فمدّها، فجعل يقول: " قَدْ صَدَّقَ اللهُ قَوْلَكَ يا زَيْدُ، قَدْ صَدَّقَ اللهُ قَوْلَكَ يا زَيْدُ". ⁕ حدثنا الحسن بن أبي يحيى المقدمي، قال: ثنا عفان، قال: ثنا وُهَيب، قال: ثنا موسى بن عقبة، عن أبي سَلَمة، قال: ثني الأقرع بن حابس التميميّ أنه أتى النبيّ ﷺ، فناداه، فقال: يا محمد إن مدحي زين، وإن شتمي شين؛ فخرج إليه النبي ﷺ فقال: وَيْلَكَ ذَلِكَ اللهُ، فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ ... الآية. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ : أعراب بني تميم. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة "أن رجلا جاء إلى النبيّ ﷺ، فناداه من وراء الحُجَر، فقال: يا محمد إنّ مدحي زين، وإنّ شتمي شَيْن؛ فخرج إليه النبيّ ﷺ، فقال: وَيْلَكَ ذلكَ اللهُ، فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ ... الآية، ذُكر لنا أن رجلا جعل ينادي يا نبيّ الله يا محمد، فخرج إليه النبيّ ﷺ، فقال: ما شأنُكَ؟ فقال: والله إنّ حمده لزين، وإنّ ذمَّه لَشَيْن، فقال نبيّ الله ﷺ: ذَاكُمُ اللهُ، فأدبر الرجل، وذُكر لنا أن الرجل كان شاعرا. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، قال: كان بشر بن غالب ولَبيد بن عُطارد، أو بشر بن عُطارد ولبيد بن غالب، وهما عند الحجاج جالسان، يقول بشر بن غالب للبيد بن عطارد نزلت في قومك بني تميم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ فذكرت ذلك لسعيد بن جُبير، فقال: أما إنه لو علم بآخر الآية، أجابه ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ قالوا: أسلمنا، ولم يقاتلك بنو أسد. ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: "أتى أعرابيّ إلى النبيّ ﷺ من وراء حجراته، فقال: يا محمد، يا محمد؛ فخرج إليه النبيّ ﷺ فقال: مالك؟ مالك؟، فقال: تعلم أنّ مدحي لزين، وأن ذمِّي لشين، فقال النبيّ ﷺ: ذَاكُمُ اللهُ، فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ ". واختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ فقرأته قرّاء الأمصار بضمّ الحاء والجيم من الحُجُرات، سوى أبي جعفر القارئ، فإنه قرأ بضم الحاء وفتح الجيم على ما وصفت من جمع الحُجرة حُجَر، ثم جمع الحُجْر: حُجُرات". والصواب من القراءة عندنا الضم في الحرفين كليهما لما وصفت قبل. * * وقوله ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ يقول: أكثرهم جهال بدين الله، واللازم لهم من حقك وتعظيمك. * * وقوله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ يقول تعالى ذكره: ولو أن هؤلاء الذين ينادونك يا محمد من وراء الحجرات صبروا فلم ينادوك حتى تخرج إليهم إذا خرجت، لكان خيرا لهم عند الله، لأن الله قد أمرهم بتوقيرك وتعظيمك، فهم بتركهم نداءك تاركون ما قد نهاهم الله عنه، (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يقول تعالى ذكره: الله ذو عفو عمن ناداك من وراء الحجاب، إن هو تاب من معصية الله بندائك كذلك، وراجع أمر الله في ذلك، وفي غيره؛ رحيم به أن يعاقبه على ذنبه ذلك من بعد توبته منه.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, les bédouins qui t’appellent de l’extérieur des appartements de tes épouses ne raisonnent pas pour la plupart.

5

وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا۟ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Et s'ils patientaient jusqu'à ce que tu sortes à eux ce serait certes mieux pour eux. Allah cependant, est Pardonneur et Miséricordieux.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى ذَمّ الَّذِينَ يُنَادُونَهُ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ، وَهِيَ بُيُوتُ نِسَائِهِ، كَمَا يَصْنَعُ أَجْلَافُ الْأَعْرَابِ، فَقَالَ: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ثُمَّ أَرْشَدَ إِلَى الْأَدَبِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أَيْ: لَكَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْخِيَرَةُ وَالْمَصْلَحَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. ثُمَّ قَالَ دَاعِيًا لَهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَقَدْ ذُكر أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ التَّمِيمِيِّ، فِيمَا أَوْرَدَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْب، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ؛ أَنَّهُ نَادَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ -وَفِي رِوَايَةٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ-فَلَمْ يُجِبْهُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ حَمْدِي لَزَيْنٌ، وَإِنَّ ذَمِّي لَشَيْنٌ، فَقَالَ: " ذَاكَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ" [[المسند (٣/٤٨٨) ، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٠٨) : "إسناد أحمد رجاله رجال الصحيح إن كان أبو سلمة سمع من الأقرع بن حابس، وإلا فهو مرسل".]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْث الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ [[في ت: "وروى ابن جرير بسنده".]] ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ [[في ت، أ: "رسول الله صلى الله عليه وسلم".]] فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ حَمْدِي زَيْنٌ، وَذَمِّي شَيْنٌ. فَقَالَ: "ذَاكَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ" [[تفسير الطبري (٢٦/٧٧) .]] . وَهَكَذَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَتَادَةُ مُرْسَلًا. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَة قَالَ: كَانَ بِشْر بْنُ غَالِبٍ ولَبِيد بْنُ عُطَارِد -أَوْ بِشْرُ بْنُ عُطَارِدٍ وَلِبَيْدُ بْنُ غَالِبٍ-وَهُمَا عِنْدَ الْحَجَّاجِ جَالِسَانِ-فَقَالَ بِشْرُ بْنُ غَالِبٍ لِلَبِيدِ بْنِ عُطَارِدٍ: نَزَلَتْ فِي قَوْمِكَ بَنِي تَمِيمٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِآخِرِ الْآيَةِ أَجَابَهُ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الْحُجُرَاتِ: ١٧] ، قَالُوا: أَسْلَمْنَا، وَلَمْ يُقَاتِلْكَ بَنُو أَسَدٍ [[تفسير الطبري (٢٦/٧٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمرو بْنُ عَلِيٍّ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ: سَمِعْتُ دَاوُدَ الطُّفَّاوِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ [[في م، أ: "سلمة".]] الْبَجَلِيِّ [[في ت: "وروى ابن جرير بسنده".]] ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: اجْتَمَعَ أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ فَقَالُوا: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ يَكُ نَبِيًّا فَنَحْنُ أَسْعَدُ النَّاسِ بِهِ، وَإِنْ يَكُ مَلِكًا نَعِشْ بِجَنَاحِهِ. قَالَ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالُوا، فَجَاءُوا إِلَى حُجْرَتِهِ فَجَعَلُوا يُنَادُونَهُ وَهُوَ فِي حُجْرَتِهِ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ قَالَ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأُذُنِي فَمَدَّهَا، فَجَعَلَ يَقُولُ: "لَقَدْ صَدَّقَ اللَّهُ قَوْلَكَ يَا زَيْدُ، لِقَدْ صَدَّقَ الله قولك يا زيد". وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ، عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٦/٧٧) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٥/٢١٠) من طريق إسحاق بن راهويه عن معتمر بن سليمان به، قال الهيثمي في المجمع (٧/١٠٨) : "فيه داود الطفاوي وثقه ابن حبان، وضعفه ابن معين، وبقية رجاله ثقات".]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ٤ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: إن الذين ينادونك يا محمد من وراء حجراتك، والحجرات: جمع حجرة، والثلاث: حُجَر، ثم تجمع الحجر فيقال: حجرات وحُجْرات، وقد تجمع بعض العرب الحجر: حَجرات بفتح الجيم، وكذلك كلّ جمع كان من ثلاثة إلى عشرة على فُعَلٍ يجمعونه على فعَلات بفتح ثانيه، والرفع أفصح وأجود؛ ومنه قول الشاعر: أما كانَ عَبَّادٌ كَفِيئا لِدَارِم ... بَلى، وَلأبْياتٍ بِها الحُجُرَات [[في كتاب الكامل للمبرد (طبعة الحلبي ٨٥) : يقال: فلان كفاء فلان، وكفيء فلان، وكفء فلان؛ أي: عديله. ويروى أن الفرزدق بلغه أن رجلا من الحبطات بن عمرو بن تميم خطب امرأة من بني دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، فقال الفرزدق: بَنُو دَارِمٍ أكْفاؤُهُمْ آلُ مِسْمَعٍ ... وتنكح في أكفائها الحَبِطاتُ (آل مسمع بيت بكر بن وائل في الإسلام، وهم من بني قيس بن ثعلبة بن عكابة) قال: فقال رجل من الحبطات: " أما كان عباد كفيئا ... " البيت. يعني بني هاشم (يريد أبيات بني هاشم) من قول الله عز وجل: " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ". والشاهد في البيت قوله " الحجرات " بضم الحاء والجيم، وهي جمع حجرة، وتجمع الحجرة وما شابهها على حجرات بضمتين، وبضم ففتح، وبضم فسكون. ويرى المؤلف أن الجمع الأول أفصح وأجود. أهـ.]] يقول: بلى ولبني هاشم. وذُكر أن هذه الآية والتي بعدها نزلت في قوم من الأعراب جاءوا ينادون رسول الله ﷺ من وراء حجراته: يا محمد اخرج إلينا. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثنا أبو عمار المروزي، والحسن بن الحارث، قالا ثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن أبي إسحاق، عن البرّاء في قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: يا محمد إنّ حمدي زين، وإن ذمِّي شين، فقال: "ذَاكَ اللهُ تَباركَ وتَعَالى". ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن أبي إسحاق، عن البراء بمثله، إلا أنه قال: ذاكم الله عزّ وجلّ. ⁕ حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا المعتمر بن سليمان التيمي، قال: سمعت داود الطُّفاوي يقول: سمعت أبا مسلم البجلي يحدث عن زيد بن أرقم، قال: جاء أناس من العرب إلى النبيّ ﷺ، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبيا فنحن أسعد الناس به، وإن يكن ملِكا نعش في جناحه؛ قال: فأتيت النبيّ ﷺ، فأخبرته بذلك، قال: ثم جاءوا إلى حجر النبي ﷺ، فجعلوا ينادونه. يا محمد، فأنزل الله على نبيه ﷺ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ قال: فأخذ نبيّ الله بأذني فمدّها، فجعل يقول: " قَدْ صَدَّقَ اللهُ قَوْلَكَ يا زَيْدُ، قَدْ صَدَّقَ اللهُ قَوْلَكَ يا زَيْدُ". ⁕ حدثنا الحسن بن أبي يحيى المقدمي، قال: ثنا عفان، قال: ثنا وُهَيب، قال: ثنا موسى بن عقبة، عن أبي سَلَمة، قال: ثني الأقرع بن حابس التميميّ أنه أتى النبيّ ﷺ، فناداه، فقال: يا محمد إن مدحي زين، وإن شتمي شين؛ فخرج إليه النبي ﷺ فقال: وَيْلَكَ ذَلِكَ اللهُ، فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ ... الآية. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ : أعراب بني تميم. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة "أن رجلا جاء إلى النبيّ ﷺ، فناداه من وراء الحُجَر، فقال: يا محمد إنّ مدحي زين، وإنّ شتمي شَيْن؛ فخرج إليه النبيّ ﷺ، فقال: وَيْلَكَ ذلكَ اللهُ، فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ ... الآية، ذُكر لنا أن رجلا جعل ينادي يا نبيّ الله يا محمد، فخرج إليه النبيّ ﷺ، فقال: ما شأنُكَ؟ فقال: والله إنّ حمده لزين، وإنّ ذمَّه لَشَيْن، فقال نبيّ الله ﷺ: ذَاكُمُ اللهُ، فأدبر الرجل، وذُكر لنا أن الرجل كان شاعرا. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، قال: كان بشر بن غالب ولَبيد بن عُطارد، أو بشر بن عُطارد ولبيد بن غالب، وهما عند الحجاج جالسان، يقول بشر بن غالب للبيد بن عطارد نزلت في قومك بني تميم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ فذكرت ذلك لسعيد بن جُبير، فقال: أما إنه لو علم بآخر الآية، أجابه ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ قالوا: أسلمنا، ولم يقاتلك بنو أسد. ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: "أتى أعرابيّ إلى النبيّ ﷺ من وراء حجراته، فقال: يا محمد، يا محمد؛ فخرج إليه النبيّ ﷺ فقال: مالك؟ مالك؟، فقال: تعلم أنّ مدحي لزين، وأن ذمِّي لشين، فقال النبيّ ﷺ: ذَاكُمُ اللهُ، فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ ". واختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ فقرأته قرّاء الأمصار بضمّ الحاء والجيم من الحُجُرات، سوى أبي جعفر القارئ، فإنه قرأ بضم الحاء وفتح الجيم على ما وصفت من جمع الحُجرة حُجَر، ثم جمع الحُجْر: حُجُرات". والصواب من القراءة عندنا الضم في الحرفين كليهما لما وصفت قبل. * * وقوله ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ يقول: أكثرهم جهال بدين الله، واللازم لهم من حقك وتعظيمك. * * وقوله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ يقول تعالى ذكره: ولو أن هؤلاء الذين ينادونك يا محمد من وراء الحجرات صبروا فلم ينادوك حتى تخرج إليهم إذا خرجت، لكان خيرا لهم عند الله، لأن الله قد أمرهم بتوقيرك وتعظيمك، فهم بتركهم نداءك تاركون ما قد نهاهم الله عنه، (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يقول تعالى ذكره: الله ذو عفو عمن ناداك من وراء الحجاب، إن هو تاب من معصية الله بندائك كذلك، وراجع أمر الله في ذلك، وفي غيره؛ رحيم به أن يعاقبه على ذنبه ذلك من بعد توبته منه.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, si ceux qui t’appellent de l’extérieur des appartements de tes épouses patientaient jusqu’à ce que tu sortes à eux et baissaient le ton lorsque tu leur parles, cela serait meilleur pour eux, ils te feraient preuve de respect et de considération. Allah pardonne les péchés de ceux parmi eux et d’autres qui se repentent et leur fait miséricorde, car ils sont ignorants.

6

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌۢ بِنَبَإٍۢ فَتَبَيَّنُوٓا۟ أَن تُصِيبُوا۟ قَوْمًۢا بِجَهَٰلَةٍۢ فَتُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَٰدِمِينَ

O vous qui avez cru! Si un pervers vous apporte une nouvelle, voyez bien clair [de crainte] que par inadvertance vous ne portiez atteinte à des gens et que vous ne regrettiez par la suite ce que vous avez fait.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَأْمُرُ تَعَالَى بِالتَّثَبُّتِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ ليُحتَاطَ لَهُ، لِئَلَّا يُحْكَمَ بِقَوْلِهِ فَيَكُونَ -فِي نَفْسِ الْأَمْرِ-كَاذِبًا أَوْ مُخْطِئًا، فَيَكُونَ الْحَاكِمُ بِقَوْلِهِ قَدِ اقْتَفَى وَرَاءَهُ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنِ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُفْسِدِينَ، وَمِنْ هَاهُنَا امْتَنَعَ طَوَائِفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ قَبُولِ رِوَايَةِ مَجْهُولِ الْحَالِ لِاحْتِمَالِ فِسْقِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَقَبِلَهَا آخَرُونَ لِأَنَّا إِنَّمَا أُمِرْنَا بِالتَّثَبُّتِ عِنْدَ خَبَرِ الْفَاسِقِ، وَهَذَا لَيْسَ بِمُحَقَّقِ الْفِسْقِ لِأَنَّهُ مَجْهُولُ الْحَالِ. وَقَدْ قَرَّرْنَا [[في ت: "قررت".]] هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ. وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ، وَمِنْ أَحْسَنِهَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ رِوَايَةِ مَلِكِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ ضِرَار، وَالِدُ جُويرية [[في أ: "ميمونة".]] بِنْتِ الْحَارِثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ الْحَارِثَ بْنَ ضِرَارٍ الْخُزَاعِيَّ يَقُولُ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَدَعَانِي إِلَى الْإِسْلَامِ، فَدَخَلْتُ فِيهِ وَأَقْرَرْتُ بِهِ، وَدَعَانِي إِلَى الزَّكَاةِ فَأَقْرَرْتُ بِهَا، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فَأَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، فَمَنِ اسْتَجَابَ لِي جَمَعْتُ زَكَاتَهُ، ويُرسل إليَّ رَسُولُ اللَّهِ رَسُولًا لإبَّان كَذَا وَكَذَا لِيَأْتِيَكَ بِمَا جمَعتُ مِنَ الزَّكَاةِ. فَلَمَّا جَمَعَ الْحَارِثُ الزَّكَاةَ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لَهُ، وَبَلَغَ الْإِبَّانَ الَّذِي أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن يَبْعَثَ إِلَيْهِ، احْتُبِسَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ فَلَمْ يَأْتِهِ، فَظَنَّ الْحَارِثُ أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ فِيهِ سُخْطة مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَدَعَا بسَرَوات قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ وَقَّت لِي وَقْتًا يُرْسِلُ إِلَيَّ رَسُولَهُ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدِي مِنَ الزَّكَاةِ، وَلَيْسَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الخُلْف، وَلَا أَرَى حَبْسَ رَسُولِهِ إِلَّا مِنْ سُخْطَةٍ كَانَتْ، فَانْطَلِقُوا فَنَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إِلَى الْحَارِثِ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِمَّا جَمَعَ مِنَ الزَّكَاةِ، فَلَمَّا أَنْ سَارَ الْوَلِيدُ حَتَّى بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقِ فَرَق -أَيْ: خَافَ-فَرَجَعَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْحَارِثَ مَنَعَنِي الزَّكَاةَ وَأَرَادَ قَتْلِي. فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَعْثَ إِلَى الْحَارِثِ. وَأَقْبَلَ الْحَارِثُ بِأَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا اسْتَقْبَلَ الْبَعْثُ وفَصَل عَنِ الْمَدِينَةِ لَقِيَهُمُ الْحَارِثُ، فَقَالُوا: هَذَا الحارث، فلما غَشِيَهُمْ قَالَ لَهُمْ: إِلَى مَنْ بُعثتم؟ قَالُوا: إِلَيْكَ. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ بَعَثَ إِلَيْكَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، فَزَعَمَ أَنَّكَ مَنَعْتَهُ الزَّكَاةَ وَأَرَدْتَ قَتْلَهُ. قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُهُ بَتَّةً وَلَا أَتَانِي. فَلَمَّا دَخَلَ الْحَارِثُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنَعْتَ الزَّكَاةَ وَأَرَدْتَ قَتْلَ رَسُولِي؟ ". قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُهُ وَلَا أَتَانِي، وَمَا أَقْبَلْتُ إِلَّا حِينَ احْتُبِسَ عَلَيَّ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ [[في ت: "احتبس علي يا رسول الله".]] ﷺ، خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ كَانَتْ سُخْطَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: فَنَزَلَتِ الْحُجُرَاتُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حَكِيمٌ﴾ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ شَاذَانَ التَّمَّارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَابِقٍ بِهِ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ سَابِقٍ، بِهِ [[المسند (٤/٢٧٩) والمعجم الكبير (٣/٢٧٤) قال الهيثمي في المجمع (٧/١٠٩) : "رجال أحمد ثقات"، وهذا متعقب فإن دينار والدعيسي لم يوثقه إلا ابن حبان، ولا يعرف له راويا غير ابنه عيسى.]] ، غَيْرَ أَنَّهُ سَمَّاهُ الْحَارِثَ بْنَ سِرَارٍ، وَالصَّوَابُ: الْحَارِثُ بْنُ ضِرَارٍ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْن، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ ثَابِتٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا فِي صَدَقَاتِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ بَعْدَ الْوَقِيعَةِ [[في ت: "الوقعة".]] ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ الْقَوْمُ، فَتَلَقَّوْهُ يُعَظِّمُونَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَتْ: فَحَدَّثَهُ الشَّيْطَانُ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ، قَالَتْ: فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ [[في ت، م، أ: "رسول الله صلى الله عليه وسلم".]] فَقَالَ: إِنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ قَدْ مَنَعُونِي [[في ت، م: "منعوا".]] صَدَقَاتِهِمْ. فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ. قَالَتْ: فَبَلَغَ الْقَوْمَ رُجُوعُهُ فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَصَفُّوا لَهُ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، فَقَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَسَخَطِ رَسُولِهِ، بَعَثْتَ إِلَيْنَا رَجُلًا مُصَدِّقًا، فَسُرِرْنَا بِذَلِكَ، وَقَرَّتْ بِهِ أَعْيُنُنَا، ثُمَّ إِنَّهُ رَجَعَ مِنْ بَعْضِ الطَّرِيقِ، فَخَشِينَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ غَضَبًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ رَسُولِهِ، فَلَمْ يَزَالُوا يُكَلِّمُونَهُ حَتَّى جَاءَ بِلَالٌ فَأَذَّنَ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ، قَالَتْ: وَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٦/٧٨) وفي إسناده موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف، وثابت مولى أم سلمة مجهول.]] . وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم بَعَثَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْط إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ لِيَأْخُذَ مِنْهُمُ الصَّدَقَاتِ، وَإِنَّهُمْ لَمَّا أَتَاهُمُ الْخَبَرُ فَرِحُوا وَخَرَجُوا يَتَلَقَّوْنَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّهُ لَمَّا حُدِّثَ الْوَلِيدُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا يَتَلَقَّوْنَهُ، رَجَعَ الْوَلِيدُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ قَدْ مَنَعُوا الصَّدَقَةَ. فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، فَبَيْنَا هُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ أَنْ يَغْزُوَهُمْ إِذْ أَتَاهُ الْوَفْدُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا حُدِّثْنَا أَنَّ رَسُولَكَ رَجَعَ مِنْ نِصْفِ الطَّرِيقِ، وَإِنَّا خَشِينَا أَنَّ مَا رَدَّهُ كِتَابٌ جَاءَ مِنْكَ لِغَضَبٍ غَضِبْتَهُ عَلَيْنَا، وَإِنَّا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ. وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَغَشَّهُمْ وَهَمَّ بِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [[في م: "الله عز وجل".]] عُذْرَهُمْ فِي الْكِتَابِ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى آخر الآية [[تفسير الطبري (٢٦/٧٨) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ ليُصدّقهم، فَتَلَقَّوْهُ بِالصَّدَقَةِ، فَرَجَعَ فَقَالَ: إِنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ قَدْ جَمَعَتْ لَكَ لِتُقَاتِلَكَ -زَادَ قَتَادَةُ: وَإِنَّهُمْ قَدِ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ-فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَثَبَّتَ وَلَا يَعْجَلَ. فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَاهُمْ لَيْلًا فَبَعَثَ عُيُونَهُ، فَلَمَّا جَاءُوا أَخْبَرُوا خَالِدًا أَنَّهُمْ مُسْتَمْسِكُونَ بِالْإِسْلَامِ، وَسَمِعُوا أَذَانَهُمْ وَصَلَاتَهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَتَاهُمْ خَالِدٌ فَرَأَى الَّذِي يُعْجِبُهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. قَالَ قَتَادَةُ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "التَّبيُّن مِنَ اللَّهِ، والعَجَلَة مِنَ الشَّيْطَانِ". وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، مِنْهُمْ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان، وَغَيْرُهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[وقد ذهب إلى ذلك كثير من المفسرين، وهذا القول فيه نظر؛ فإن الروايات التي ساقت القصة معلولة، وأحسنها وهي رواية أحمد عن الحارث بن ضرار الخزاعي، وفي إسنادها مجهول، وقد أنكر القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه "العواصم من القواصم" (ص١٠٢) هذه القصة قال: "وقد اختلف فيه، فقيل: نزلت في ذلك -أي في شأن الوليد. وقيل: في علي والوليد في قصة أخرى- وقيل: إن الوليد سيق يوم الفتح في جملة الصبيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح روءسهم وبرك عليهم إلا هو فقال: إنه كان على رأسي خلوق، فامتنع صلى الله عليه وسلم من مسه، فمن يكون في مثل هذه السنن يرسل مصدقا، وبهذا الاختلاف يسقط العلماء الأحاديث القوية، وكيف يفسق رجل هذا الكلام؟ فكيف برجل مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وللشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله كلام على الوليد بن عقبة في الأنوار الكاشفة (ص٢٦٣) أثبت فيه أنه لم يؤثر له رواية عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومن جملة ما نفاه هذا الحديث الذي ذكره ابن العربي.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أَيْ: اعْلَمُوا أَنَّ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ رَسُولَ اللَّهِ فعظِّموه وَوَقِّرُوهُ، وَتَأَدَّبُوا مَعَهُ، وَانْقَادُوا لِأَمْرِهِ، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِمَصَالِحِكُمْ، وَأَشْفَقُ عَلَيْكُمْ مِنْكُمْ، وَرَأْيُهُ فِيكُمْ أَتَمُّ مِنْ رَأْيِكُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٦] . ثُمَّ بَيَّن [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] أَنَّ رَأْيَهُمْ سَخِيفٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُرَاعَاةِ مَصَالِحِهِمْ فَقَالَ: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ أَيْ: لَوْ أَطَاعَكُمْ فِي جَمِيعِ مَا تَخْتَارُونَهُ لَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى عَنَتِكُمْ وحَرَجكم، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٧١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أَيْ: حَبَّبَهُ إِلَى نُفُوسِكُمْ وَحَسَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ. قَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْز، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَسْعَدة، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "الْإِسْلَامُ عَلَانِيَةً، وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ" قَالَ: ثُمَّ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: "التَّقْوَى هَاهُنَا، التَّقْوَى هَاهُنَا" [[المسند (٣/١٣٤) قال الهيثمي في المجمع (١/٥٢) : "رجاله رجال الصحيح ما خلا علي بن مسعدة، وقد وثقه ابن حبان وأبو داود الطيالسي وأبو حاتم وابن معين وضعفه آخرون".]] . ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ أَيْ: وَبَغَّضَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ والفسوق، وهي: الذنوب الْكِبَارُ. وَالْعِصْيَانَ وَهِيَ جَمِيعُ الْمَعَاصِي. وَهَذَا تَدْرِيجٌ لِكَمَالِ النِّعْمَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ أَيِ: الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ هُمُ الرَّاشِدُونَ، الَّذِينَ قَدْ آتَاهُمُ اللَّهُ رُشْدَهُمْ. قَالَ [[في ت: "روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ الْمَكِّيُّ، عَنِ ابْنِ رَفَاعَةَ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ [[في أ: "الحديبية".]] وَانْكَفَأَ الْمُشْرِكُونَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اسْتَوُوا حَتَّى أُثْنِيَ عَلَى رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ" فَصَارُوا خَلْفَهُ صُفُوفًا، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ. اللَّهُمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلَا هَادِيَ لِمَنْ أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضل لِمَنْ هَدَيْتَ. وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ. وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ، وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ. اللَّهُمَّ ابْسُطْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ وَرَحْمَتِكَ وَفَضْلِكَ وَرِزْقِكَ. اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمُ الْمُقِيمُ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمَ يَوْمَ العَيْلَة، وَالْأَمْنَ يَوْمَ الْخَوْفِ. اللَّهُمَّ إِنَّى عَائِذٌ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا أَعْطَيْتَنَا، وَمِنْ شَرٍّ مَا مَنَعْتَنَا. اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ. اللَّهُمَّ، تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَفْتُونِينَ. اللَّهُمَّ، قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ. اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، إِلَهَ الْحَقِّ". وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ مَرْوَان بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ، عَنْ عُبَيْد بْنِ رِفاعة، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ [[المسند (٣/٤٢٤) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠٤٤٥) .]] . وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: "مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ، وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ" [[رواه أحمد في مسنده (١/١٨) والترمذي في السنن برقم (٢١٦٥) من حديث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ من هذا الوجه".]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ أَيْ: هَذَا الْعَطَاءُ [[في ت: "القضاء".]] الَّذِي مَنَحَكُمُوهُ هُوَ فَضْلٌ مِنْهُ عَلَيْكُمْ وَنِعْمَةٌ مِنْ لَدُنْهُ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ: عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْغَوَايَةَ، حَكِيمٌ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ عن قوم ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ . واختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ بالثاء، وذُكر أنها في مصحف عبد الله منقوطة بالثاء. وقرأ ذلك بعض القرّاء فتبيَّنوا بالباء، بمعنى: أمهلوا حتى تعرفوا صحته، لا تعجلوا بقبوله، وكذلك معنى ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وذُكر أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط. ذكر السبب الذي من أجله قيل ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا جعفر بن عون، عن موسى بن عبيدة، عن ثابت موْلى أمّ سلمة، عن أمّ سلمة، قالت: " بعث رسول الله ﷺ رجلا في صدقات بني المصطلق بعد الوقعة، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون أمر رسول الله ﷺ، قال: فحدّثه الشيطان أنهم يريدون قتله، قالت: فرجع إلى رسول الله ﷺ، فقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، فغضب رسول الله ﷺ والمسلمون قال: فبلغ القوم رجوعه قال: فأتوا رسول الله ﷺ فصفوا له حين صلى الظهر فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله بعثت إلينا رجلا مصدّقا، فسررنا بذلك، وقرّت به أعيننا، ثم إنه رجع من بعض الطريق، فخشينا أن يكون ذلك غضبا من الله ومن رسوله، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال، وأذّن بصلاة العصر؛ قال: ونزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ . . . الآية، قال: كان رسول الله ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط، ثم أحد بني عمرو بن أمية، ثم أحد بني أبي معيط إلى بني المصطلق، ليأخذ منهم الصدقات، وإنه لما أتاهم الخبر فرحوا، وخرجوا ليَتَلَقَّوْا رسول رسول الله ﷺ، وإنه لما حدّث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه، رجع إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة، فغضب رسول الله ﷺ غضبا شديدا، فبينما هو يحدّث نفسه أن يغزوهم، إذ أتاه الوفد، فقالوا: يا رسول الله، إنا حدّثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وإنا خشينا أن يكون إنما ردّه كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فأنزل الله عذرهم في الكتاب، فقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد "في قوله ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ قال: الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه نبيّ الله ﷺ إلى بني المصطلق، ليصدّقهم، فتلقوه بالهدية فرجع إلى محمد ﷺ، فقال: إن بني المصطلق جمعت لتقاتلك". ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ ... حتى بلغ ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ وهو ابن أبي معيط الوليد بن عقبة، بعثه نبيّ لله ﷺ مصدّقا إلى بني المصطلق، فلما أبصروه أقبلوا نحوه، فهابهم، فرجع إلى رسول الله ﷺ، فأخبره أنهم قد ارتدّوا عن الإسلام، فبعث نبيّ الله ﷺ خالد بن الوليد، وأمره أن يتثبَّت ولا يعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلا فبعث عيونه؛ فلما جاءوا أخبروا خالدا أنهم مستمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد، فرأى الذي يعجبه، فرجع إلى نبيّ الله ﷺ، فأخبره الخبر، فأنزل الله عزّ وجلّ ما تسمعون، فكان نبيّ الله يقول: التَّبَيُّنُ مِنَ اللهِ، والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطان". ⁕ حدثنا بن عبد الأعلى، قال: ثنا أبن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ فذكر نحوه. ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن هلال الوزّان، عن ابن أبي ليلى، في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ قال: نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط. ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن حُمَيد، عن هلال الأنصاري، عن عبد الرحمن بن أبي لَيلى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ قال: نزلت في الوليد بن عقبة حين أُرسل إلى بني المصطلق. ⁕ قال: ثنا سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، أن رسول الله ﷺ بعث إلى بني المصطلق بعد إسلامهم، الوليد بن أبي معيط؛ فلما سمعوا به ركبوا إليه؛ فلما سمع بهم خافهم فرجع إلى رسول الله صلى الله، فأخبره أن القوم قد هَموا بقتله، ومنعوا ما قِبَلهم من صدقاتهم، فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم حتى همّ رسول الله ﷺ بأن يغزوهم، فبينما هم في ذلك قَدِم وفدهم على رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك حين بعثته إلينا، فخرجنا إليه لنكرمه، ولنؤدّي إليه ما قبلنا من الصدقة، فاستمرّ راجعا، فبلغنا أنه يزعم لرسول الله ﷺ أنا خرجنا إليه لنقاتله، ووالله ما خرجنا لذلك؛ فأنزل الله في الوليد بن عقبة وفيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ ... الآية. قال: [[يظهر أن هذا بدء رواية أخرى، أوردها في الدر عن جابر.]] بعث رسول الله ﷺ رجلا من أصحابه إلى قوم يصدقهم، فأتاهم الرجل، وكان بينه وبينهم إحنة في الجاهلية؛ فلما أتاهم رحبوا به، وأقرّوا بالزكاة، وأعطوا ما عليهم من الحقّ، فرجع الرجل إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، منع بنو فلان الصدقة، ورَجعوا عن الإسلام، فغضب رسول الله ﷺ، وبعث إليهم فأتوْه فقال: أمَنَعْتُمُ الزَّكاةَ، وَطَرَدْتُمْ رَسُولي؟ " فقالوا: والله ما فعلنا، وإنا لنعلم أنك رسول الله، ولا بدّ لنا، ولا منعنا حقّ الله في أموالنا، فلم يصدقهم رسول الله ﷺ، فأنزل الله هذه الآية، فعذرهم. * * وقوله ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ يقول تعالى ذكره: فتبيَّنوا لئلا تصيبوا قوما برآء مما قذفوا به بجناية بجهالة منكم ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ يقول: فتندموا على إصابتكم إياهم بالجناية التي تصيبونهم بها.

Al-Mukhtasar (français)

Ô vous qui croyez en Allah et œuvrez selon ce qu’Il a prescrit, lorsqu’un pervers vous rapporte une nouvelle qui concerne certaines personnes, vérifiez la véracité de cette nouvelle et ne vous empressez pas de la croire, de crainte que vous ne portiez atteinte à des personnes alors que vous ignorez ce qu'elles ont réellement fait et que vous ne regrettiez par la suite votre réaction, s’il s’avère que la nouvelle était mensongère.

7

وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ

Et sachez que le Messager d'Allah est parmi vous. S'il vous obéissait dans maintes affaires, vous seriez en difficultés. Mais Allah vous a fait aimer la foi et l'a embellie dans vos cœurs et vous a fait détester la mécréance, la perversité et la désobéissance. Ceux-là sont les bien dirigés,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَأْمُرُ تَعَالَى بِالتَّثَبُّتِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ ليُحتَاطَ لَهُ، لِئَلَّا يُحْكَمَ بِقَوْلِهِ فَيَكُونَ -فِي نَفْسِ الْأَمْرِ-كَاذِبًا أَوْ مُخْطِئًا، فَيَكُونَ الْحَاكِمُ بِقَوْلِهِ قَدِ اقْتَفَى وَرَاءَهُ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنِ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُفْسِدِينَ، وَمِنْ هَاهُنَا امْتَنَعَ طَوَائِفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ قَبُولِ رِوَايَةِ مَجْهُولِ الْحَالِ لِاحْتِمَالِ فِسْقِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَقَبِلَهَا آخَرُونَ لِأَنَّا إِنَّمَا أُمِرْنَا بِالتَّثَبُّتِ عِنْدَ خَبَرِ الْفَاسِقِ، وَهَذَا لَيْسَ بِمُحَقَّقِ الْفِسْقِ لِأَنَّهُ مَجْهُولُ الْحَالِ. وَقَدْ قَرَّرْنَا [[في ت: "قررت".]] هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ. وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ، وَمِنْ أَحْسَنِهَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ رِوَايَةِ مَلِكِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ ضِرَار، وَالِدُ جُويرية [[في أ: "ميمونة".]] بِنْتِ الْحَارِثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ الْحَارِثَ بْنَ ضِرَارٍ الْخُزَاعِيَّ يَقُولُ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَدَعَانِي إِلَى الْإِسْلَامِ، فَدَخَلْتُ فِيهِ وَأَقْرَرْتُ بِهِ، وَدَعَانِي إِلَى الزَّكَاةِ فَأَقْرَرْتُ بِهَا، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فَأَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، فَمَنِ اسْتَجَابَ لِي جَمَعْتُ زَكَاتَهُ، ويُرسل إليَّ رَسُولُ اللَّهِ رَسُولًا لإبَّان كَذَا وَكَذَا لِيَأْتِيَكَ بِمَا جمَعتُ مِنَ الزَّكَاةِ. فَلَمَّا جَمَعَ الْحَارِثُ الزَّكَاةَ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لَهُ، وَبَلَغَ الْإِبَّانَ الَّذِي أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن يَبْعَثَ إِلَيْهِ، احْتُبِسَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ فَلَمْ يَأْتِهِ، فَظَنَّ الْحَارِثُ أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ فِيهِ سُخْطة مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَدَعَا بسَرَوات قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ وَقَّت لِي وَقْتًا يُرْسِلُ إِلَيَّ رَسُولَهُ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدِي مِنَ الزَّكَاةِ، وَلَيْسَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الخُلْف، وَلَا أَرَى حَبْسَ رَسُولِهِ إِلَّا مِنْ سُخْطَةٍ كَانَتْ، فَانْطَلِقُوا فَنَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إِلَى الْحَارِثِ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِمَّا جَمَعَ مِنَ الزَّكَاةِ، فَلَمَّا أَنْ سَارَ الْوَلِيدُ حَتَّى بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقِ فَرَق -أَيْ: خَافَ-فَرَجَعَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْحَارِثَ مَنَعَنِي الزَّكَاةَ وَأَرَادَ قَتْلِي. فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَعْثَ إِلَى الْحَارِثِ. وَأَقْبَلَ الْحَارِثُ بِأَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا اسْتَقْبَلَ الْبَعْثُ وفَصَل عَنِ الْمَدِينَةِ لَقِيَهُمُ الْحَارِثُ، فَقَالُوا: هَذَا الحارث، فلما غَشِيَهُمْ قَالَ لَهُمْ: إِلَى مَنْ بُعثتم؟ قَالُوا: إِلَيْكَ. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ بَعَثَ إِلَيْكَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، فَزَعَمَ أَنَّكَ مَنَعْتَهُ الزَّكَاةَ وَأَرَدْتَ قَتْلَهُ. قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُهُ بَتَّةً وَلَا أَتَانِي. فَلَمَّا دَخَلَ الْحَارِثُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنَعْتَ الزَّكَاةَ وَأَرَدْتَ قَتْلَ رَسُولِي؟ ". قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُهُ وَلَا أَتَانِي، وَمَا أَقْبَلْتُ إِلَّا حِينَ احْتُبِسَ عَلَيَّ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ [[في ت: "احتبس علي يا رسول الله".]] ﷺ، خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ كَانَتْ سُخْطَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: فَنَزَلَتِ الْحُجُرَاتُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حَكِيمٌ﴾ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ شَاذَانَ التَّمَّارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَابِقٍ بِهِ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ سَابِقٍ، بِهِ [[المسند (٤/٢٧٩) والمعجم الكبير (٣/٢٧٤) قال الهيثمي في المجمع (٧/١٠٩) : "رجال أحمد ثقات"، وهذا متعقب فإن دينار والدعيسي لم يوثقه إلا ابن حبان، ولا يعرف له راويا غير ابنه عيسى.]] ، غَيْرَ أَنَّهُ سَمَّاهُ الْحَارِثَ بْنَ سِرَارٍ، وَالصَّوَابُ: الْحَارِثُ بْنُ ضِرَارٍ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْن، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ ثَابِتٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا فِي صَدَقَاتِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ بَعْدَ الْوَقِيعَةِ [[في ت: "الوقعة".]] ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ الْقَوْمُ، فَتَلَقَّوْهُ يُعَظِّمُونَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَتْ: فَحَدَّثَهُ الشَّيْطَانُ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ، قَالَتْ: فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ [[في ت، م، أ: "رسول الله صلى الله عليه وسلم".]] فَقَالَ: إِنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ قَدْ مَنَعُونِي [[في ت، م: "منعوا".]] صَدَقَاتِهِمْ. فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ. قَالَتْ: فَبَلَغَ الْقَوْمَ رُجُوعُهُ فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَصَفُّوا لَهُ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، فَقَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَسَخَطِ رَسُولِهِ، بَعَثْتَ إِلَيْنَا رَجُلًا مُصَدِّقًا، فَسُرِرْنَا بِذَلِكَ، وَقَرَّتْ بِهِ أَعْيُنُنَا، ثُمَّ إِنَّهُ رَجَعَ مِنْ بَعْضِ الطَّرِيقِ، فَخَشِينَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ غَضَبًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ رَسُولِهِ، فَلَمْ يَزَالُوا يُكَلِّمُونَهُ حَتَّى جَاءَ بِلَالٌ فَأَذَّنَ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ، قَالَتْ: وَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٦/٧٨) وفي إسناده موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف، وثابت مولى أم سلمة مجهول.]] . وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم بَعَثَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْط إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ لِيَأْخُذَ مِنْهُمُ الصَّدَقَاتِ، وَإِنَّهُمْ لَمَّا أَتَاهُمُ الْخَبَرُ فَرِحُوا وَخَرَجُوا يَتَلَقَّوْنَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّهُ لَمَّا حُدِّثَ الْوَلِيدُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا يَتَلَقَّوْنَهُ، رَجَعَ الْوَلِيدُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ قَدْ مَنَعُوا الصَّدَقَةَ. فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، فَبَيْنَا هُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ أَنْ يَغْزُوَهُمْ إِذْ أَتَاهُ الْوَفْدُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا حُدِّثْنَا أَنَّ رَسُولَكَ رَجَعَ مِنْ نِصْفِ الطَّرِيقِ، وَإِنَّا خَشِينَا أَنَّ مَا رَدَّهُ كِتَابٌ جَاءَ مِنْكَ لِغَضَبٍ غَضِبْتَهُ عَلَيْنَا، وَإِنَّا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ. وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَغَشَّهُمْ وَهَمَّ بِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [[في م: "الله عز وجل".]] عُذْرَهُمْ فِي الْكِتَابِ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى آخر الآية [[تفسير الطبري (٢٦/٧٨) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ ليُصدّقهم، فَتَلَقَّوْهُ بِالصَّدَقَةِ، فَرَجَعَ فَقَالَ: إِنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ قَدْ جَمَعَتْ لَكَ لِتُقَاتِلَكَ -زَادَ قَتَادَةُ: وَإِنَّهُمْ قَدِ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ-فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَثَبَّتَ وَلَا يَعْجَلَ. فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَاهُمْ لَيْلًا فَبَعَثَ عُيُونَهُ، فَلَمَّا جَاءُوا أَخْبَرُوا خَالِدًا أَنَّهُمْ مُسْتَمْسِكُونَ بِالْإِسْلَامِ، وَسَمِعُوا أَذَانَهُمْ وَصَلَاتَهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَتَاهُمْ خَالِدٌ فَرَأَى الَّذِي يُعْجِبُهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. قَالَ قَتَادَةُ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "التَّبيُّن مِنَ اللَّهِ، والعَجَلَة مِنَ الشَّيْطَانِ". وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، مِنْهُمْ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان، وَغَيْرُهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[وقد ذهب إلى ذلك كثير من المفسرين، وهذا القول فيه نظر؛ فإن الروايات التي ساقت القصة معلولة، وأحسنها وهي رواية أحمد عن الحارث بن ضرار الخزاعي، وفي إسنادها مجهول، وقد أنكر القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه "العواصم من القواصم" (ص١٠٢) هذه القصة قال: "وقد اختلف فيه، فقيل: نزلت في ذلك -أي في شأن الوليد. وقيل: في علي والوليد في قصة أخرى- وقيل: إن الوليد سيق يوم الفتح في جملة الصبيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح روءسهم وبرك عليهم إلا هو فقال: إنه كان على رأسي خلوق، فامتنع صلى الله عليه وسلم من مسه، فمن يكون في مثل هذه السنن يرسل مصدقا، وبهذا الاختلاف يسقط العلماء الأحاديث القوية، وكيف يفسق رجل هذا الكلام؟ فكيف برجل مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وللشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله كلام على الوليد بن عقبة في الأنوار الكاشفة (ص٢٦٣) أثبت فيه أنه لم يؤثر له رواية عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومن جملة ما نفاه هذا الحديث الذي ذكره ابن العربي.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أَيْ: اعْلَمُوا أَنَّ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ رَسُولَ اللَّهِ فعظِّموه وَوَقِّرُوهُ، وَتَأَدَّبُوا مَعَهُ، وَانْقَادُوا لِأَمْرِهِ، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِمَصَالِحِكُمْ، وَأَشْفَقُ عَلَيْكُمْ مِنْكُمْ، وَرَأْيُهُ فِيكُمْ أَتَمُّ مِنْ رَأْيِكُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٦] . ثُمَّ بَيَّن [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] أَنَّ رَأْيَهُمْ سَخِيفٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُرَاعَاةِ مَصَالِحِهِمْ فَقَالَ: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ أَيْ: لَوْ أَطَاعَكُمْ فِي جَمِيعِ مَا تَخْتَارُونَهُ لَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى عَنَتِكُمْ وحَرَجكم، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٧١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أَيْ: حَبَّبَهُ إِلَى نُفُوسِكُمْ وَحَسَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ. قَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْز، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَسْعَدة، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "الْإِسْلَامُ عَلَانِيَةً، وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ" قَالَ: ثُمَّ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: "التَّقْوَى هَاهُنَا، التَّقْوَى هَاهُنَا" [[المسند (٣/١٣٤) قال الهيثمي في المجمع (١/٥٢) : "رجاله رجال الصحيح ما خلا علي بن مسعدة، وقد وثقه ابن حبان وأبو داود الطيالسي وأبو حاتم وابن معين وضعفه آخرون".]] . ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ أَيْ: وَبَغَّضَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ والفسوق، وهي: الذنوب الْكِبَارُ. وَالْعِصْيَانَ وَهِيَ جَمِيعُ الْمَعَاصِي. وَهَذَا تَدْرِيجٌ لِكَمَالِ النِّعْمَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ أَيِ: الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ هُمُ الرَّاشِدُونَ، الَّذِينَ قَدْ آتَاهُمُ اللَّهُ رُشْدَهُمْ. قَالَ [[في ت: "روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ الْمَكِّيُّ، عَنِ ابْنِ رَفَاعَةَ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ [[في أ: "الحديبية".]] وَانْكَفَأَ الْمُشْرِكُونَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اسْتَوُوا حَتَّى أُثْنِيَ عَلَى رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ" فَصَارُوا خَلْفَهُ صُفُوفًا، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ. اللَّهُمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلَا هَادِيَ لِمَنْ أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضل لِمَنْ هَدَيْتَ. وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ. وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ، وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ. اللَّهُمَّ ابْسُطْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ وَرَحْمَتِكَ وَفَضْلِكَ وَرِزْقِكَ. اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمُ الْمُقِيمُ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمَ يَوْمَ العَيْلَة، وَالْأَمْنَ يَوْمَ الْخَوْفِ. اللَّهُمَّ إِنَّى عَائِذٌ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا أَعْطَيْتَنَا، وَمِنْ شَرٍّ مَا مَنَعْتَنَا. اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ. اللَّهُمَّ، تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَفْتُونِينَ. اللَّهُمَّ، قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ. اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، إِلَهَ الْحَقِّ". وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ مَرْوَان بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ، عَنْ عُبَيْد بْنِ رِفاعة، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ [[المسند (٣/٤٢٤) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠٤٤٥) .]] . وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: "مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ، وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ" [[رواه أحمد في مسنده (١/١٨) والترمذي في السنن برقم (٢١٦٥) من حديث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ من هذا الوجه".]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ أَيْ: هَذَا الْعَطَاءُ [[في ت: "القضاء".]] الَّذِي مَنَحَكُمُوهُ هُوَ فَضْلٌ مِنْهُ عَلَيْكُمْ وَنِعْمَةٌ مِنْ لَدُنْهُ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ: عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْغَوَايَةَ، حَكِيمٌ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: لأصحاب نبيّ الله ﷺ: واعلموا أيها المؤمنون بالله ورسوله، ﴿أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ فاتقوا الله أن تقولوا الباطل، وتفتروا الكذب، فإن الله يخبره أخباركم، ويعرّفه أنباءكم، ويقوّمه على الصواب في أموره. * * وقوله ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ يقول تعالى ذكره: لو كان رسول الله ﷺ يعمل في الأمور بآرائكم ويقبل منكم ما تقولون له فيطيعكم ﴿لَعَنِتُّمْ﴾ يقول: لنالكم عنت، يعني الشدّة والمشقة في كثير من الأمور بطاعته إياكم لو أطاعكم لأنه كان يخطئ في أفعاله كما لو قبل من الوليد بن عقبة قوله في بني المصطلق: إنهم قد ارتدّوا، ومنعوا الصدقة، وجمعوا الجموع لغزو المسلمين، فغزاهم فقتل منهم، وأصاب من دمائهم وأموالهم، كان قد قتل، وقتلتم من لا يحلّ له ولا لكم قتله، وأخذ وأخذتم من المال ما لا يحلّ له ولكم أخذه من أموال قوم مسلمين، فنالكم من الله بذلك عنت ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ﴾ بالله ورسوله، فأنتم تطيعون رسول الله، وتأتمون به فيقيكم الله بذلك من العنت ما لو لم تطيعوه وتتبعوه، وكان يطيعكم لنالكم وأصابكم. * * وقوله ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ يقول: وحسن الإيمان في قلوبكم فآمنتم ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾ بالله ﴿وَالْفُسُوقَ﴾ يعني الكذب، ﴿وَالْعِصْيَانَ﴾ يعني ركوب ما نهى الله عنه في خلاف أمر رسول الله ﷺ، وتضييع ما أمر الله به ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ يقول: هؤلاء الذين حبَّب الله إليهم الإيمان، وزيَّنه في قلوبهم، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون السالكون طريق الحق. * * وقوله ﴿فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ يقول: ولكن الله حبَّب إليكم الإيمان، وأنعم عليكم هذه النعمة التي عدّها فضلا منه، وإحسانا ونعمة منه أنعمها عليكم ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يقول: والله ذو علم بالمحسن منكم من المسيء، ومن هو لنعم الله وفضله أهل، ومن هو لذلك غير أهل، وحكمة في تدبيره خلقه، وصرفه إياهم فيما شاء من قضائه. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ... حتى بلغ ﴿لَعَنِتُّمْ﴾ هؤلاء أصحاب نبيّ الله ﷺ، لو أطاعهم نبيّ الله في كثير من الأمر لعنتم، فأنتم والله أسخف رأيا، وأطيش عقولا اتهم رجل رأيه، وانتصح كتاب الله، وكذلك كما قلنا أيضا في تأويل قوله ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ﴾ قالوا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ قال: حببه إليهم وحسَّنه في قلوبهم. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ قالوا أيضا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ﴾ قال: الكذب والعصيان؛ قال: عصيان النبيّ ﷺ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ من أين كان هذا؟ قال: فضل من الله ونعمة؛ قال: والمنافقون سماهم الله أجمعين في القرآن الكاذبين؛ قال: والفاسق: الكاذب في كتاب الله كله.

Al-Mukhtasar (français)

Ô croyants, sachez qu’il y a parmi vous le Messager d’Allah sur qui descend la Révélation. Prenez donc garde à ne pas le traiter de menteur et que la Révélation l’informe que vous le traitez de menteur. Il sait le mieux ce qui est dans votre intérêt et s’il obéissait à beaucoup de vos suggestions, vous connaîtriez la peine qu’il veut vous épargner, mais Allah vous a fait la faveur de vous faire aimer la foi et de l’embellir dans vos cœurs. Voilà pourquoi vous êtes des croyants. D’autre part, Il vous a fait détester la mécréance et la désobéissance. Ceux qui ont ces caractéristiques empruntent la voie de la sagesse et de la droiture.

8

فَضْلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

c'est là en effet une grâce d'Allah et un bienfait. Allah est Omniscient et Sage.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَأْمُرُ تَعَالَى بِالتَّثَبُّتِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ ليُحتَاطَ لَهُ، لِئَلَّا يُحْكَمَ بِقَوْلِهِ فَيَكُونَ -فِي نَفْسِ الْأَمْرِ-كَاذِبًا أَوْ مُخْطِئًا، فَيَكُونَ الْحَاكِمُ بِقَوْلِهِ قَدِ اقْتَفَى وَرَاءَهُ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنِ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُفْسِدِينَ، وَمِنْ هَاهُنَا امْتَنَعَ طَوَائِفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ قَبُولِ رِوَايَةِ مَجْهُولِ الْحَالِ لِاحْتِمَالِ فِسْقِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَقَبِلَهَا آخَرُونَ لِأَنَّا إِنَّمَا أُمِرْنَا بِالتَّثَبُّتِ عِنْدَ خَبَرِ الْفَاسِقِ، وَهَذَا لَيْسَ بِمُحَقَّقِ الْفِسْقِ لِأَنَّهُ مَجْهُولُ الْحَالِ. وَقَدْ قَرَّرْنَا [[في ت: "قررت".]] هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ. وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ، وَمِنْ أَحْسَنِهَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ رِوَايَةِ مَلِكِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ ضِرَار، وَالِدُ جُويرية [[في أ: "ميمونة".]] بِنْتِ الْحَارِثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ الْحَارِثَ بْنَ ضِرَارٍ الْخُزَاعِيَّ يَقُولُ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَدَعَانِي إِلَى الْإِسْلَامِ، فَدَخَلْتُ فِيهِ وَأَقْرَرْتُ بِهِ، وَدَعَانِي إِلَى الزَّكَاةِ فَأَقْرَرْتُ بِهَا، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فَأَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، فَمَنِ اسْتَجَابَ لِي جَمَعْتُ زَكَاتَهُ، ويُرسل إليَّ رَسُولُ اللَّهِ رَسُولًا لإبَّان كَذَا وَكَذَا لِيَأْتِيَكَ بِمَا جمَعتُ مِنَ الزَّكَاةِ. فَلَمَّا جَمَعَ الْحَارِثُ الزَّكَاةَ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لَهُ، وَبَلَغَ الْإِبَّانَ الَّذِي أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن يَبْعَثَ إِلَيْهِ، احْتُبِسَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ فَلَمْ يَأْتِهِ، فَظَنَّ الْحَارِثُ أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ فِيهِ سُخْطة مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَدَعَا بسَرَوات قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ وَقَّت لِي وَقْتًا يُرْسِلُ إِلَيَّ رَسُولَهُ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدِي مِنَ الزَّكَاةِ، وَلَيْسَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الخُلْف، وَلَا أَرَى حَبْسَ رَسُولِهِ إِلَّا مِنْ سُخْطَةٍ كَانَتْ، فَانْطَلِقُوا فَنَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إِلَى الْحَارِثِ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِمَّا جَمَعَ مِنَ الزَّكَاةِ، فَلَمَّا أَنْ سَارَ الْوَلِيدُ حَتَّى بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقِ فَرَق -أَيْ: خَافَ-فَرَجَعَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْحَارِثَ مَنَعَنِي الزَّكَاةَ وَأَرَادَ قَتْلِي. فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَعْثَ إِلَى الْحَارِثِ. وَأَقْبَلَ الْحَارِثُ بِأَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا اسْتَقْبَلَ الْبَعْثُ وفَصَل عَنِ الْمَدِينَةِ لَقِيَهُمُ الْحَارِثُ، فَقَالُوا: هَذَا الحارث، فلما غَشِيَهُمْ قَالَ لَهُمْ: إِلَى مَنْ بُعثتم؟ قَالُوا: إِلَيْكَ. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ بَعَثَ إِلَيْكَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، فَزَعَمَ أَنَّكَ مَنَعْتَهُ الزَّكَاةَ وَأَرَدْتَ قَتْلَهُ. قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُهُ بَتَّةً وَلَا أَتَانِي. فَلَمَّا دَخَلَ الْحَارِثُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنَعْتَ الزَّكَاةَ وَأَرَدْتَ قَتْلَ رَسُولِي؟ ". قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُهُ وَلَا أَتَانِي، وَمَا أَقْبَلْتُ إِلَّا حِينَ احْتُبِسَ عَلَيَّ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ [[في ت: "احتبس علي يا رسول الله".]] ﷺ، خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ كَانَتْ سُخْطَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: فَنَزَلَتِ الْحُجُرَاتُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حَكِيمٌ﴾ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ شَاذَانَ التَّمَّارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَابِقٍ بِهِ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ سَابِقٍ، بِهِ [[المسند (٤/٢٧٩) والمعجم الكبير (٣/٢٧٤) قال الهيثمي في المجمع (٧/١٠٩) : "رجال أحمد ثقات"، وهذا متعقب فإن دينار والدعيسي لم يوثقه إلا ابن حبان، ولا يعرف له راويا غير ابنه عيسى.]] ، غَيْرَ أَنَّهُ سَمَّاهُ الْحَارِثَ بْنَ سِرَارٍ، وَالصَّوَابُ: الْحَارِثُ بْنُ ضِرَارٍ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْن، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ ثَابِتٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا فِي صَدَقَاتِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ بَعْدَ الْوَقِيعَةِ [[في ت: "الوقعة".]] ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ الْقَوْمُ، فَتَلَقَّوْهُ يُعَظِّمُونَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَتْ: فَحَدَّثَهُ الشَّيْطَانُ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ، قَالَتْ: فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ [[في ت، م، أ: "رسول الله صلى الله عليه وسلم".]] فَقَالَ: إِنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ قَدْ مَنَعُونِي [[في ت، م: "منعوا".]] صَدَقَاتِهِمْ. فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ. قَالَتْ: فَبَلَغَ الْقَوْمَ رُجُوعُهُ فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَصَفُّوا لَهُ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، فَقَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَسَخَطِ رَسُولِهِ، بَعَثْتَ إِلَيْنَا رَجُلًا مُصَدِّقًا، فَسُرِرْنَا بِذَلِكَ، وَقَرَّتْ بِهِ أَعْيُنُنَا، ثُمَّ إِنَّهُ رَجَعَ مِنْ بَعْضِ الطَّرِيقِ، فَخَشِينَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ غَضَبًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ رَسُولِهِ، فَلَمْ يَزَالُوا يُكَلِّمُونَهُ حَتَّى جَاءَ بِلَالٌ فَأَذَّنَ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ، قَالَتْ: وَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٦/٧٨) وفي إسناده موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف، وثابت مولى أم سلمة مجهول.]] . وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم بَعَثَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْط إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ لِيَأْخُذَ مِنْهُمُ الصَّدَقَاتِ، وَإِنَّهُمْ لَمَّا أَتَاهُمُ الْخَبَرُ فَرِحُوا وَخَرَجُوا يَتَلَقَّوْنَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّهُ لَمَّا حُدِّثَ الْوَلِيدُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا يَتَلَقَّوْنَهُ، رَجَعَ الْوَلِيدُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ قَدْ مَنَعُوا الصَّدَقَةَ. فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، فَبَيْنَا هُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ أَنْ يَغْزُوَهُمْ إِذْ أَتَاهُ الْوَفْدُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا حُدِّثْنَا أَنَّ رَسُولَكَ رَجَعَ مِنْ نِصْفِ الطَّرِيقِ، وَإِنَّا خَشِينَا أَنَّ مَا رَدَّهُ كِتَابٌ جَاءَ مِنْكَ لِغَضَبٍ غَضِبْتَهُ عَلَيْنَا، وَإِنَّا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ. وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَغَشَّهُمْ وَهَمَّ بِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [[في م: "الله عز وجل".]] عُذْرَهُمْ فِي الْكِتَابِ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى آخر الآية [[تفسير الطبري (٢٦/٧٨) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ ليُصدّقهم، فَتَلَقَّوْهُ بِالصَّدَقَةِ، فَرَجَعَ فَقَالَ: إِنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ قَدْ جَمَعَتْ لَكَ لِتُقَاتِلَكَ -زَادَ قَتَادَةُ: وَإِنَّهُمْ قَدِ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ-فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَثَبَّتَ وَلَا يَعْجَلَ. فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَاهُمْ لَيْلًا فَبَعَثَ عُيُونَهُ، فَلَمَّا جَاءُوا أَخْبَرُوا خَالِدًا أَنَّهُمْ مُسْتَمْسِكُونَ بِالْإِسْلَامِ، وَسَمِعُوا أَذَانَهُمْ وَصَلَاتَهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَتَاهُمْ خَالِدٌ فَرَأَى الَّذِي يُعْجِبُهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. قَالَ قَتَادَةُ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "التَّبيُّن مِنَ اللَّهِ، والعَجَلَة مِنَ الشَّيْطَانِ". وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، مِنْهُمْ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان، وَغَيْرُهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[وقد ذهب إلى ذلك كثير من المفسرين، وهذا القول فيه نظر؛ فإن الروايات التي ساقت القصة معلولة، وأحسنها وهي رواية أحمد عن الحارث بن ضرار الخزاعي، وفي إسنادها مجهول، وقد أنكر القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه "العواصم من القواصم" (ص١٠٢) هذه القصة قال: "وقد اختلف فيه، فقيل: نزلت في ذلك -أي في شأن الوليد. وقيل: في علي والوليد في قصة أخرى- وقيل: إن الوليد سيق يوم الفتح في جملة الصبيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح روءسهم وبرك عليهم إلا هو فقال: إنه كان على رأسي خلوق، فامتنع صلى الله عليه وسلم من مسه، فمن يكون في مثل هذه السنن يرسل مصدقا، وبهذا الاختلاف يسقط العلماء الأحاديث القوية، وكيف يفسق رجل هذا الكلام؟ فكيف برجل مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وللشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله كلام على الوليد بن عقبة في الأنوار الكاشفة (ص٢٦٣) أثبت فيه أنه لم يؤثر له رواية عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومن جملة ما نفاه هذا الحديث الذي ذكره ابن العربي.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أَيْ: اعْلَمُوا أَنَّ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ رَسُولَ اللَّهِ فعظِّموه وَوَقِّرُوهُ، وَتَأَدَّبُوا مَعَهُ، وَانْقَادُوا لِأَمْرِهِ، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِمَصَالِحِكُمْ، وَأَشْفَقُ عَلَيْكُمْ مِنْكُمْ، وَرَأْيُهُ فِيكُمْ أَتَمُّ مِنْ رَأْيِكُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٦] . ثُمَّ بَيَّن [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] أَنَّ رَأْيَهُمْ سَخِيفٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُرَاعَاةِ مَصَالِحِهِمْ فَقَالَ: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ أَيْ: لَوْ أَطَاعَكُمْ فِي جَمِيعِ مَا تَخْتَارُونَهُ لَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى عَنَتِكُمْ وحَرَجكم، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٧١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أَيْ: حَبَّبَهُ إِلَى نُفُوسِكُمْ وَحَسَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ. قَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْز، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَسْعَدة، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "الْإِسْلَامُ عَلَانِيَةً، وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ" قَالَ: ثُمَّ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: "التَّقْوَى هَاهُنَا، التَّقْوَى هَاهُنَا" [[المسند (٣/١٣٤) قال الهيثمي في المجمع (١/٥٢) : "رجاله رجال الصحيح ما خلا علي بن مسعدة، وقد وثقه ابن حبان وأبو داود الطيالسي وأبو حاتم وابن معين وضعفه آخرون".]] . ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ أَيْ: وَبَغَّضَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ والفسوق، وهي: الذنوب الْكِبَارُ. وَالْعِصْيَانَ وَهِيَ جَمِيعُ الْمَعَاصِي. وَهَذَا تَدْرِيجٌ لِكَمَالِ النِّعْمَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ أَيِ: الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ هُمُ الرَّاشِدُونَ، الَّذِينَ قَدْ آتَاهُمُ اللَّهُ رُشْدَهُمْ. قَالَ [[في ت: "روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ الْمَكِّيُّ، عَنِ ابْنِ رَفَاعَةَ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ [[في أ: "الحديبية".]] وَانْكَفَأَ الْمُشْرِكُونَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اسْتَوُوا حَتَّى أُثْنِيَ عَلَى رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ" فَصَارُوا خَلْفَهُ صُفُوفًا، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ. اللَّهُمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلَا هَادِيَ لِمَنْ أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضل لِمَنْ هَدَيْتَ. وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ. وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ، وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ. اللَّهُمَّ ابْسُطْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ وَرَحْمَتِكَ وَفَضْلِكَ وَرِزْقِكَ. اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمُ الْمُقِيمُ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمَ يَوْمَ العَيْلَة، وَالْأَمْنَ يَوْمَ الْخَوْفِ. اللَّهُمَّ إِنَّى عَائِذٌ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا أَعْطَيْتَنَا، وَمِنْ شَرٍّ مَا مَنَعْتَنَا. اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ. اللَّهُمَّ، تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَفْتُونِينَ. اللَّهُمَّ، قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ. اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، إِلَهَ الْحَقِّ". وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ مَرْوَان بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ، عَنْ عُبَيْد بْنِ رِفاعة، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ [[المسند (٣/٤٢٤) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠٤٤٥) .]] . وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: "مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ، وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ" [[رواه أحمد في مسنده (١/١٨) والترمذي في السنن برقم (٢١٦٥) من حديث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ من هذا الوجه".]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ أَيْ: هَذَا الْعَطَاءُ [[في ت: "القضاء".]] الَّذِي مَنَحَكُمُوهُ هُوَ فَضْلٌ مِنْهُ عَلَيْكُمْ وَنِعْمَةٌ مِنْ لَدُنْهُ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ: عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْغَوَايَةَ، حَكِيمٌ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: لأصحاب نبيّ الله ﷺ: واعلموا أيها المؤمنون بالله ورسوله، ﴿أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ فاتقوا الله أن تقولوا الباطل، وتفتروا الكذب، فإن الله يخبره أخباركم، ويعرّفه أنباءكم، ويقوّمه على الصواب في أموره. * * وقوله ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ يقول تعالى ذكره: لو كان رسول الله ﷺ يعمل في الأمور بآرائكم ويقبل منكم ما تقولون له فيطيعكم ﴿لَعَنِتُّمْ﴾ يقول: لنالكم عنت، يعني الشدّة والمشقة في كثير من الأمور بطاعته إياكم لو أطاعكم لأنه كان يخطئ في أفعاله كما لو قبل من الوليد بن عقبة قوله في بني المصطلق: إنهم قد ارتدّوا، ومنعوا الصدقة، وجمعوا الجموع لغزو المسلمين، فغزاهم فقتل منهم، وأصاب من دمائهم وأموالهم، كان قد قتل، وقتلتم من لا يحلّ له ولا لكم قتله، وأخذ وأخذتم من المال ما لا يحلّ له ولكم أخذه من أموال قوم مسلمين، فنالكم من الله بذلك عنت ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ﴾ بالله ورسوله، فأنتم تطيعون رسول الله، وتأتمون به فيقيكم الله بذلك من العنت ما لو لم تطيعوه وتتبعوه، وكان يطيعكم لنالكم وأصابكم. * * وقوله ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ يقول: وحسن الإيمان في قلوبكم فآمنتم ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾ بالله ﴿وَالْفُسُوقَ﴾ يعني الكذب، ﴿وَالْعِصْيَانَ﴾ يعني ركوب ما نهى الله عنه في خلاف أمر رسول الله ﷺ، وتضييع ما أمر الله به ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ يقول: هؤلاء الذين حبَّب الله إليهم الإيمان، وزيَّنه في قلوبهم، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون السالكون طريق الحق. * * وقوله ﴿فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ يقول: ولكن الله حبَّب إليكم الإيمان، وأنعم عليكم هذه النعمة التي عدّها فضلا منه، وإحسانا ونعمة منه أنعمها عليكم ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يقول: والله ذو علم بالمحسن منكم من المسيء، ومن هو لنعم الله وفضله أهل، ومن هو لذلك غير أهل، وحكمة في تدبيره خلقه، وصرفه إياهم فيما شاء من قضائه. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ... حتى بلغ ﴿لَعَنِتُّمْ﴾ هؤلاء أصحاب نبيّ الله ﷺ، لو أطاعهم نبيّ الله في كثير من الأمر لعنتم، فأنتم والله أسخف رأيا، وأطيش عقولا اتهم رجل رأيه، وانتصح كتاب الله، وكذلك كما قلنا أيضا في تأويل قوله ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ﴾ قالوا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ قال: حببه إليهم وحسَّنه في قلوبهم. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ قالوا أيضا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ﴾ قال: الكذب والعصيان؛ قال: عصيان النبيّ ﷺ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ من أين كان هذا؟ قال: فضل من الله ونعمة؛ قال: والمنافقون سماهم الله أجمعين في القرآن الكاذبين؛ قال: والفاسق: الكاذب في كتاب الله كله.

Al-Mukhtasar (français)

Vous embellir le bien et vous faire détester le mal est une grâce venant d’Allah et un bienfait dont Il vous a fait don. Allah sait le mieux qui Lui est reconnaissant parmi Ses serviteurs et lui facilite Ses affaires. Il est aussi Sage, puisqu’Il met toute chose à l’emplacement qui lui convient le mieux.

9

وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُوا۟ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنۢ بَغَتْ إِحْدَىٰهُمَا عَلَى ٱلْأُخْرَىٰ فَقَٰتِلُوا۟ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىٓءَ إِلَىٰٓ أَمْرِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوٓا۟ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ

Et si deux groupes de croyants se combattent, faites la conciliation entre eux. Si l'un d'eux se rebelle contre l'autre, combattez le groupe qui se rebelle, jusqu'à ce qu'il se conforme à l'ordre d'Allah. Puis, s'il s'y conforme, réconciliez-les avec justice et soyez équitables car Allah aime les équitables.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ [[في أ: "المقتتلين".]] الْبَاغِينَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ، فَسَمَّاهُمْ مُؤْمِنِينَ مَعَ الِاقْتِتَالِ. وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْمَعْصِيَةِ وَإِنْ عَظُمَتْ، لَا كَمَا يَقُولُهُ الْخَوَارِجُ وَمَنْ تَابَعَهُمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ. وَهَكَذَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا وَمَعَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ مَرَّةً وَإِلَى النَّاسِ أُخْرَى وَيَقُولُ: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٠٤) .]] . فَكَانَ كَمَا قَالَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، أَصْلَحَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ أَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ، بَعْدَ الْحُرُوبِ الطَّوِيلَةِ وَالْوَاقِعَاتِ الْمَهُولَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أَيْ: حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [[في ت، م: "إلى أمر الله ورسوله".]] وَتَسْمَعَ لِلْحَقِّ وَتُطِيعَهُ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قَالَ: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نَصَرْتُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: "تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمَ، فَذَاكَ نَصْرُكَ إِيَّاهُ" [[صحيح البخاري برقم (٢٤٤٣) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحِدِّثُ: أَنَّ أَنَسًا قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ؟ فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَرَكِبَ حِمَارًا، وَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ يَمْشُونَ، وَهِيَ أَرْضٌ سَبْخَةٌ، فَلَمَّا انْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "إِلَيْكَ عَنِّي، فَوَاللَّهِ لَقَدْ آذَانِي رِيحُ حِمَارِكَ" فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: وَاللَّهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ. قَالَ: فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ، قَالَ: فَكَانَ بَيْنَهُمْ ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ، فَبَلَغَنَا أَنَّهُ أُنْزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "الصُّلْحِ" عَنْ مُسَدَّد، وَمُسْلِمٌ فِي "الْمَغَازِي" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (٣/١٥٧) وصحيح البخاري برقم (٢٦٩١) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٩) .]] . وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَّ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ كَانَ بَيْنَهُمَا قِتَالٌ بِالسَّعَفِ وَالنِّعَالِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، فأمر بالصلح بينهما. وقال السدي: كان رجلا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: "عِمْرَانُ"، كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ تُدْعَى أُمَّ زَيْدٍ [[في أ: "يزيد".]] ، وَإِنَّ الْمَرْأَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَزُورَ أَهْلَهَا فَحَبَسَهَا زَوْجُهَا وَجَعَلَهَا فِي عُلَيَّة لَهُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهَا. وَإِنَّ الْمَرْأَةَ بَعَثَتْ إِلَى أَهْلِهَا، فَجَاءَ قَوْمُهَا وَأَنْزَلُوهَا لِيَنْطَلِقُوا بِهَا، وَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ كَانَ خَرَجَ، فَاسْتَعَانَ أَهْلُ الرَّجُلِ، فَجَاءَ بَنُو عَمِّهِ لِيَحُولُوا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ أَهْلِهَا، فَتَدَافَعُوا واجتلدوا بالنعال، فنزلت فيهم هذه الْآيَةُ. فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ، وَفَاءُوا إِلَى أَمْرِ اللَّهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أَيْ: اعْدِلُوا بَيْنَهُمْ فِيمَا كَانَ أَصَابَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، بِالْقِسْطِ، وَهُوَ الْعَدْلُ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم بسنده".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمُقْسِطِينَ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَنَابِرَ مِنْ لُؤْلُؤٍ بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ، بِمَا أَقْسَطُوا فِي الدُّنْيَا". وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ [[في ت: "مسلم".]] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، بِهِ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (٥٩١٧) .]] . وَهَذَا إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، رِجَالُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَلَى يَمِينِ الْعَرْشِ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهَالِيهِمْ وَمَا وَلُوا". وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (١٨٢٧) وسنن النسائي (٨/٣٢١) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ إِخْوَةٌ فِي الدِّينِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٢٤٤٢) ومسلم في صحيحه برقم (٢٥٨٠) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.]] . وَفِي الصَّحِيحِ: "وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ" [[صحيح مسلم برقم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا: "إِذَا دَعَا الْمُسْلِمُ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قَالَ الْمَلَكُ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلِهِ" [[صحيح مسلم برقم (٢٧٣٢) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.]] . وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، وَفِي الصَّحِيحِ: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوادِّهم وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَوَاصُلِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بالحُمَّى والسَّهَر". وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا: "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا" وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ [[صحيح البخاري برقم (٦٠١١) وصحيح مسلم برقم (٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.]] . وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، يَأْلَمُ الْمُؤْمِنُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ، كَمَا يَأْلَمُ الْجَسَدُ لِمَا فِي الرَّأْسِ" [[المسند (٥/٣٤٠) وقال الهيثمي في المجمع (٨/١٨٧) : "رجال أحمد رجال الصحيح".]] . تَفَرَّدَ بِهِ وَلَا بأس بإسناده. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ يَعْنِي: الْفِئَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَيْ: فِي جَمِيعِ أُمُورِكُمْ ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ، وَهَذَا تَحْقِيقٌ مِنْهُ تَعَالَى لِلرَّحْمَةِ لِمَنِ اتَّقَاهُ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: وإن طائفتان من أهل الإيمان اقتتلوا، فأصلحوا أيها المؤمنون بينهما بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضا بما فيه لهما وعليهما، وذلك هو الإصلاح بينهما بالعدل ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى﴾ يقول: فإن أبَت إحدى هاتين الطائفتين الإجابة إلى حكم كتاب الله له، وعليه وتعدّت ما جعل الله عدلا بين خلقه، وأجابت الأخرى منهما ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ يقول: فقاتلوا التي تعتدي، وتأبى الإجابة إلى حكم الله ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ يقول: حتى ترجع إلى حكم الله الذي حكم في كتابه بين خلقه ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ يقول: فإن رجعت الباغية بعد قتالكم إياهم إلى الرضا بحكم الله في كتابه، فأصلحوا بينها وبين الطائفة الأخرى التي قاتلتها بالعدل: يعني بالإنصاف بينهما، وذلك حكم الله في كتابه الذي جعله عدلا بين خلقه. وينحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ فإن الله سبحانه أمر النبيّ ﷺ والمؤمنين إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله، وينصف بعضهم من بعض، فإن أجابوا حكم فيهم بكتاب الله، حتى ينصف المظلوم من الظالم، فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ، فحقّ على إمام المؤمنين أن يجاهدهم ويقاتلهم، حتى يفيئوا إلى أمر الله، ويقرّوا بحكم الله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ... إلى آخر الآية، قال: هذا أمر من الله أمر به الوُلاة كهيئة ما تكون العصبة بين الناس، وأمرهم أن يصلحوا بينهما، فإن أبوْا قاتل الفئة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله، فإذا رجعت أصلحوا بينهما، وأخبروهم أن المؤمنين إخوة، فأصلحوا بين أخويكم؛ قال: ولا يقاتل الفئة الباغية إلا الإمام. وذُكر أن هذه الآية نزلت في طائفتين من الأوس والخزرج اقتتلتا في بعض ما تنازعتا فيه، مما سأذكره إن شاء الله تعالى. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس، قال: قيل للنبيّ ﷺ: لو أتيت عبد الله بن أُبيّ، قال: فانطلق إليه وركب حمارا، وانطلق المسلمون، وهي أرض سبخة؛ فلما أتاه رسول الله ﷺ قال: إليك عني، فوالله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لنتن حمار رسول الله ﷺ أطيب ريحا منك، قال: فغضب لعبد الله بن أُبيّ رجل من قومه قال: فغضب لكل واحد منهما أصحابه، قال: فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه نزلت فيهم ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ . ⁕ حدثني أبو حُصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر، قال: ثني حصين، عن أبي مالك في قوله ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ قال: رجلان اقتتلا فغضب لذا قومه، ولذا قومه، فاجتمعوا حتى اضربوا بالنعال حتى كاد يكون بينهم قتال، فأنزل الله هذه الآية. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، في قوله ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ قال: كان بينهم قتال بغير سلاح. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالك، في قوله ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ قال: كانا حيين من أحياء الأنصار، كان بينهما تنازع بغير سلاح. ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: أخبرنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، في قوله ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ قال: كان قتالهم بالنعال والعصيّ، فأمرهم أن يصلحوا بينهم. ⁕ قال: ثنا مهران، قال: ثنا المُبارك بن فَضَالة، عن الحسن ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ قال: كانت تكون الخصومة بين الحيين، فيدعوهم إلى الحكم، فيأبَوْن أن يجيبوا فأنزل الله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ يقول: ادفعوهم إلى الحكم، فكان قتالهم الدفع. ⁕ قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان، عن السديّ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ قال: كانت امرأة من الأنصار يقال لها أم زيد، تحت رجل، فكان بينها وبين زوجها شيء، فرقاها إلى علية، فقال لهم: احفظوا، فبلغ ذلك قومها، فجاءوا وجاء قومه، فاقتتلوا بالأيدي والنعال فبلغ ذلك النبيّ ﷺ، فجاء ليصلح بينهم، فنزل القرآن ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى﴾ قال: تبغي: لا ترضى بصلح رسول الله ﷺ، أو بقضاء رسول الله ﷺ. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ قال: الأوس والخزرج اقتتلوا بالعصيّ بينهم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ... الآية، ذُكر لنا أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مدارأة في حقّ بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذنه عنوة لكثرة عشيرته، وأن الآخر دعاه ليحاكمه إلى نبيّ الله ﷺ، فأبى أن يتبعه، فلم يزل الأمر حتى تدافعوا، وحتى تناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال، ولم يكن قتال بالسيوف، فأمر الله أن تُقاتل حتى تفيء إلى أمر الله، كتاب الله، وإلى حكم نبيه ﷺ؛ وليست كما تأوّلها أهل الشبهات، وأهل البدع، وأهل الفراء على الله وعلى كتابه، أنه المؤمن يحلّ لك قتله، فوالله لقد عظَّم الله حُرمة المؤمن حتى نهاك أن تظنّ بأخيك إلا خيرا، فقال ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ... الآية. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، أن قوما من المسلمين كان بينهم تنازع حتى اضطربوا بالنعال والأيدي، فأنزل الله فيهم ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ قال قتادة: كان رجلان بينهما حقّ، فتدارءا فيه، فقال أحدهما: لآخذنَّه عنوة، لكثرة عشيرته؛ وقال الآخر: بيني وبينك رسول الله ﷺ، فتنازعا حتى كان بينهما ضرب بالنعال والأيدي. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قال: ثني عبد الله بن عباس، قال: قال زيد، في قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ، وذلك الرجلان يقتتلان من أهل الإسلام، أو النفر والنفر، أو القبيلة والقبيلة؛ فأمر الله أئمة المسلمين أن يقضوا بينهم بالحقّ الذي أنزله في كتابه: إما القصاص والقود، وإمَّا العقل والعير، وإمَّا العفو، ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى﴾ بعد ذلك كان المسلمون مع المظلوم على الظالم، حتى يفيء إلى أمر الله، ويرضى به. ⁕ حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: أخبرنا ابن جُرَيج، قال: ثني ابن شهاب وغيره: يزيد في الحديث بعضهم على بعض، قال: "جلس رسول الله ﷺ في مجلس فيه عبد الله بن رواحة، وعبد الله بن أُبيّ بن سلول: فلما ذهب رسول الله ﷺ قال عبد الله بن أُبيّ بن سلول: لقد آذانا بول حماره، وسدّ علينا الروح، وكان بينه وبين ابن رواحة شيء حتى خرجوا بالسلاح، فأتى رسول الله ﷺ، فأتاهم، فحجز بينهم، فلذلك يقول عبد الله بن أُبيّ: مَتى ما يَكُنْ مَوْلاكَ خَصْمَكَ جاهدا ... تُظَلَّم وَيَصْرَعْكَ الَّذينَ تُصَارِعُ [[البيت لعبد الله بن أبي بن سلول، كما عزاه المؤلف. وقد وردت قصيدة ابن سلول هذه في السيرة لابن هشام الطبعة الأولى بمطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بالقاهرة ٢: ٢٣٦، ٢٣٧. وورد في أثنائها البيت ومعه بيت آخر، رواه ابن هشام عن غير ابن إسحاق وهما: متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل ... تذل ويصرعك الذين تصارع وهل ينهض البازي بغير جناحه ... وإن جذ يوما ريشه فهو واقع وكان النبي ﷺ ركب حمارًا، قاصدًا إلى سعد بن عبادة يعوده من شكو أصابه، فمر بطريقه بأطم ابن سلول، فنزل يسلم عليه، وتلا عنده شيئا من القرآن. فكلم رسول الله كلامًا خشنًا، ونهاه أن يغشى مجالس الأنصار، ويعرض عليهم القرآن. وكان ابن رواحة حاضرًا، فتلطف برسول الله ﷺ وقال: بلى فاغشنا به، وائتنا في مجالسنا ودورنا وبيوتنا، هو والله مما نحب، ومما أكرمنا الله به، وهدانا له، فقال ابن أبي حين رأى من خلاف قومه ما رأى ... البيتين.]] قال: فأنزلت فيهم هذه الآية ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ . * * وقوله ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ يقول تعالى ذكره: واعدلوا أيها المؤمنون في حكمكم بين من حكمتم بينهم بأن لا تتجاوزوا في أحكامكم حكم الله وحكم رسوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ يقول: إن الله يحب العادلين في أحكامهم، القاضين بين خلقه بالقسط.

Al-Mukhtasar (français)

Lorsque deux groupes de musulmans se combattent, réconciliez-les ô croyants en les appelant à soumettre leur litige au jugement du Livre d’Allah. Si l’un des groupes refuse la réconciliation et agresse l’autre, combattez-la jusqu’à ce qu’il se résigne à accepter le jugement d’Allah et lorsqu’il l’accepte, réconciliez les deux groupes de manière juste et équitable. Soyez justes dans votre arbitrage car Allah aime ceux qui arbitrent avec justice.

10

إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌۭ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

Les croyants ne sont que des frères. Etablissez la concorde entre vos frères, et craignez Allah, afin qu'on vous fasse miséricorde.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ [[في أ: "المقتتلين".]] الْبَاغِينَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ، فَسَمَّاهُمْ مُؤْمِنِينَ مَعَ الِاقْتِتَالِ. وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْمَعْصِيَةِ وَإِنْ عَظُمَتْ، لَا كَمَا يَقُولُهُ الْخَوَارِجُ وَمَنْ تَابَعَهُمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ. وَهَكَذَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا وَمَعَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ مَرَّةً وَإِلَى النَّاسِ أُخْرَى وَيَقُولُ: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٠٤) .]] . فَكَانَ كَمَا قَالَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، أَصْلَحَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ أَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ، بَعْدَ الْحُرُوبِ الطَّوِيلَةِ وَالْوَاقِعَاتِ الْمَهُولَةِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أَيْ: حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [[في ت، م: "إلى أمر الله ورسوله".]] وَتَسْمَعَ لِلْحَقِّ وَتُطِيعَهُ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قَالَ: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نَصَرْتُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: "تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمَ، فَذَاكَ نَصْرُكَ إِيَّاهُ" [[صحيح البخاري برقم (٢٤٤٣) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحِدِّثُ: أَنَّ أَنَسًا قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ؟ فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَرَكِبَ حِمَارًا، وَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ يَمْشُونَ، وَهِيَ أَرْضٌ سَبْخَةٌ، فَلَمَّا انْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "إِلَيْكَ عَنِّي، فَوَاللَّهِ لَقَدْ آذَانِي رِيحُ حِمَارِكَ" فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: وَاللَّهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ. قَالَ: فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ، قَالَ: فَكَانَ بَيْنَهُمْ ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ، فَبَلَغَنَا أَنَّهُ أُنْزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "الصُّلْحِ" عَنْ مُسَدَّد، وَمُسْلِمٌ فِي "الْمَغَازِي" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (٣/١٥٧) وصحيح البخاري برقم (٢٦٩١) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٩) .]] . وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَّ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ كَانَ بَيْنَهُمَا قِتَالٌ بِالسَّعَفِ وَالنِّعَالِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، فأمر بالصلح بينهما. وقال السدي: كان رجلا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: "عِمْرَانُ"، كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ تُدْعَى أُمَّ زَيْدٍ [[في أ: "يزيد".]] ، وَإِنَّ الْمَرْأَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَزُورَ أَهْلَهَا فَحَبَسَهَا زَوْجُهَا وَجَعَلَهَا فِي عُلَيَّة لَهُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهَا. وَإِنَّ الْمَرْأَةَ بَعَثَتْ إِلَى أَهْلِهَا، فَجَاءَ قَوْمُهَا وَأَنْزَلُوهَا لِيَنْطَلِقُوا بِهَا، وَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ كَانَ خَرَجَ، فَاسْتَعَانَ أَهْلُ الرَّجُلِ، فَجَاءَ بَنُو عَمِّهِ لِيَحُولُوا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ أَهْلِهَا، فَتَدَافَعُوا واجتلدوا بالنعال، فنزلت فيهم هذه الْآيَةُ. فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ، وَفَاءُوا إِلَى أَمْرِ اللَّهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أَيْ: اعْدِلُوا بَيْنَهُمْ فِيمَا كَانَ أَصَابَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، بِالْقِسْطِ، وَهُوَ الْعَدْلُ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم بسنده".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمُقْسِطِينَ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَنَابِرَ مِنْ لُؤْلُؤٍ بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ، بِمَا أَقْسَطُوا فِي الدُّنْيَا". وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ [[في ت: "مسلم".]] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، بِهِ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (٥٩١٧) .]] . وَهَذَا إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، رِجَالُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَلَى يَمِينِ الْعَرْشِ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهَالِيهِمْ وَمَا وَلُوا". وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (١٨٢٧) وسنن النسائي (٨/٣٢١) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ إِخْوَةٌ فِي الدِّينِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٢٤٤٢) ومسلم في صحيحه برقم (٢٥٨٠) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.]] . وَفِي الصَّحِيحِ: "وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ" [[صحيح مسلم برقم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] . وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا: "إِذَا دَعَا الْمُسْلِمُ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قَالَ الْمَلَكُ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلِهِ" [[صحيح مسلم برقم (٢٧٣٢) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.]] . وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، وَفِي الصَّحِيحِ: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوادِّهم وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَوَاصُلِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بالحُمَّى والسَّهَر". وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا: "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا" وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ [[صحيح البخاري برقم (٦٠١١) وصحيح مسلم برقم (٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.]] . وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، يَأْلَمُ الْمُؤْمِنُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ، كَمَا يَأْلَمُ الْجَسَدُ لِمَا فِي الرَّأْسِ" [[المسند (٥/٣٤٠) وقال الهيثمي في المجمع (٨/١٨٧) : "رجال أحمد رجال الصحيح".]] . تَفَرَّدَ بِهِ وَلَا بأس بإسناده. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ يَعْنِي: الْفِئَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَيْ: فِي جَمِيعِ أُمُورِكُمْ ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ، وَهَذَا تَحْقِيقٌ مِنْهُ تَعَالَى لِلرَّحْمَةِ لِمَنِ اتَّقَاهُ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) ﴾ يقول تعالى ذكره لأهل الإيمان به ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ في الدين ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ إذا اقتتلا بأن تحملوهما على حكم الله وحكم رسوله. ومعنى الأخوين في هذا الموضع: كل مقتتلين من أهل الإيمان، وبالتثنية قرأ ذلك قرّاء الأمصار. وذُكر عن ابن سيرين أنه قرأ بين إخوانكم بالنون على مذهب الجمع، وذلك من جهة العربية صحيح، غير أنه خلاف لما عليه قرّاء الأمصار، فلا أحب القراءة بها ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: وخافوا الله أيها الناس بأداء فرائضه عليكم في الإصلاح بين المقتتلين من أهل الإيمان بالعدل، وفي غير ذلك من فرائضه، واجتناب معاصيه، ليرحمكم ربكم، فيصفح لكم عن سالف إجرامكم إذا أنتم أطعتموه، واتبعتم أمره ونهيه، واتقيتموه بطاعته. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) ﴾ يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، لا يهزأ قوم مؤمنون من قوم مؤمنين ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ يقول: المهزوء منهم خير من الهازئين ﴿وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ يقول: ولا يهزأ نساء مؤمنات من نساء مؤمنات، عسى المهزوء منهنّ أن يكنّ خيرا من الهازئات. واختلف أهل التأويل في السخرية التي نهى الله عنها المؤمنين في هذه الآية، فقال بعضهم: هي سخرية الغنيّ من الفقير، نهي أن يسخر من الفقير لفقره. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ قال: لا يهزأ قوم بقوم أن يسأل رجل فقير غنيا، أو فقيرا، وإن تفضل رجل عليه بشيء فلا يستهزئ به. وقال آخرون: بل ذلك نهي من الله من ستر عليه من أهل الإيمان أن يسخر ممن كشف في الدنيا ستره منهم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ قال: ربما عثر على المرء عند خطيئته عسى أن يكونوا خيرا منهم، وإن كان ظهر على عثرته هذه، وسترت أنت على عثرتك، لعلّ هذه التي ظهرت خير له في الآخرة عند الله، وهذه التي سترت أنت عليها شرّ لك، ما يدريك لعله ما يغفر لك؛ قال: فنهي الرجل عن ذلك، فقال ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ وقال في النساء مثل ذلك. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله عمّ بنهيه المؤمنين عن أن يسخر بعضهم من بعض جميع معاني السخرية، فلا يحلّ لمؤمن أن يسخر من مؤمن لا لفقره، ولا لذنب ركبه، ولا لغير ذلك. * * وقوله ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ يقول تعالى ذكره: ولا يغتب بعضكم بعضا أيها المؤمنون، ولا يطعن بعضكم على بعض؛ وقال: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فجعل اللامز أخاه لامزا نفسه، لأن المؤمنين كرجل واحد فيما يلزم بعضهم لبعض من تحسين أمره، وطلب صلاحه، ومحبته الخير. ولذلك رُوي الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "المُؤْمِنُونَ كالجَسَدِ الواحِد إذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سائِرُ جَسَدِهِ بالحُمَّى والسَّهَر". وهذا نظير قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ بمعنى: ولا يقتل بعضكم بعضا. وبنحو الذي قلنا في معنى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: لا تطعنوا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ يقول: ولا يطعن بعضكم على بعض. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ يقول: لا يطعن بعضكم على بعض. * * قوله ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ يقول: ولا تداعوا بالألقاب؛ والنبز واللقب بمعنى واحد، يُجمع النبز: أنبازا، واللقب: ألقابا. واختلف أهل التأويل في الألقاب التي نهى الله عن التنابز بها في هذه الآية، فقال بعضهم: عنى بها الألقاب التي يكره النبز بها الملقَّب، وقالوا: إنما نزلت هذه الآية في قوم كانت لهم أسماء في الجاهلية، فلما أسلموا نهوا أن يدعو بعضهم بعضا بما يكره من أسمائه التي كان يدعى بها في الجاهلية. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا داود، عن عامر، قال: قال أبو جبيرة بن الضحاك: فينا نزلت هذه الآية في بني سلمة، قدِم رسول الله ﷺ، وما منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا الرجل بالاسم، قلنا: يا رسول الله إنه يغضب من هذا، فنزلت هذه الآية ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ ... الآية كلها. ⁕ حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر، عن أبي جُبيرة بن الضحاك، قال: كان أهل الجاهلية يسمون الرجل بالأسماء، فدعا النبيّ ﷺ رجلا باسم من تلك الأسماء، فقالوا: يا رسول الله إنه يغضب من هذا، فأنزل الله ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾ . ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، قال: ثني أبو جُبيرة بن الضحاك، فذكر عن النبيّ ﷺ، نحوه. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: أخبرنا داود عن الشعبيّ، قال: ثني أبو جبيرة بن الضحاك، قال: نزلت في بني سلمة ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ قال: قَدِم رسول الله ﷺ وليس منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان يدعو الرجل، فتقول أمه: إنه يغضب من هذا قال، فنزلت ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ . وقال مرّة: كان إذا دعا باسم من هذا، قيل: يا رسول الله إنه يغضب من هذا، فنزلت الآية. وقال آخرون: بل ذلك قوم الرجل المسلم للرجل المسلم: يا فاسق، يا زان. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، قال: سألت عكرِمة، عن قول الله ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ قال: هو قول الرجل للرجل: يا منافق، يا كافر. ⁕ حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال أخبرنا حصين، عن عكرِمة، في قوله ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ قال: هو قول الرجل للرجل: يا فاسق، يا منافق. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن حصين، عن عكرِمة ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ قال: يا فاسق، يا كافر. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد أو عكرِمة ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ قال: يقول الرجل للرجل: يا فاسق، يا كافر. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ قال: دُعي رجل بالكفر وهو مسلم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ يقول الرجل: لا تقل لأخيك المسلم: ذاك فاسق، ذاك منافق، نهى الله المسلم عن ذلك وقدّم فيه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ يقول: لا يقولنّ لأخيه المسلم: يا فاسق، يا منافق. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ قال: تسميته بالأعمال السيئة بعد الإسلام زان فاسق. وقال آخرون: بل ذلك تسمية الرجل الرجل بالكفر بعد الإسلام، والفسوق والأعمال القبيحة بعد التوبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾ ... الآية، قال: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب منها، وراجع الحقّ، فنهى الله أن يعير بما سلف من عمله. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: قال الحسن: كان اليهودي والنصرانيّ يسلم، فيلقب فيقال له: يا يهوديّ، يا نصراني، فنهوا عن ذلك. والذي هو أولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين أن يتنابزوا بالألقاب؛ والتنابز بالألقاب: هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعمّ الله بنهية ذلك، ولم يخصص به بعض الألقاب دون بعض، فغير جائز لأحد من المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه، أو صفة يكرهها. وإذا كان ذلك كذلك صحت الأقوال التي قالها أهل التأويل في ذلك التي ذكرناها كلها، ولم يكن بعض ذلك أولى بالصواب من بعض، لأن كلّ ذلك مما نهى الله المسلمين أن ينبز بعضهم بعضا. * * وقوله ﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن فعل ما نهينا عنه، وتقدّم على معصيتنا بعد إيمانه، فسخر من المؤمنين، ولمز أخاه المؤمن، ونبزه بالألقاب، فهو فاسق ﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾ يقول: فلا تفعلوا فتستحقوا إن فعلتموه أن تسموا فساقا، بئس الاسم الفسوق، وترك ذكر ما وصفنا من الكلام، اكتفاء بدلالة قوله ﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ﴾ عليه. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثنا به يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وقرأ ﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾ قال: بئس الاسم الفسوق حين تسميه بالفسق بعد الإسلام، وهو على الإسلام. قال: وأهل هذا الرأي هم المعتزلة، قالوا: لا نكفره كما كفره أهل الأهواء، ولا نقول له مؤمن كما قالت الجماعة، ولكنا نسميه باسمه إن كان سارقا فهو سارق، وإن كان خائنا سموه خائنا؛ وإن كان زانيا سموه زانيا قال: فاعتزلوا الفريقين أهل الأهواء وأهل الجماعة، فلا بقول هؤلاء قالوا، ولا بقول هؤلاء، فسموا بذلك المعتزلة. فوجه ابن زيد تأويل قوله ﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾ إلى من دعي فاسقا، وهو تائب من فسقه، فبئس الاسم ذلك له من أسمائه ... وغير ذلك من التأويل أولى بالكلام، وذلك أن الله تقدّم بالنهي عما تقدّم بالنهي عنه في أوّل هذه الآية، فالذي هو أولى أن يختمها بالوعيد لمن تقدّم على بغيه، أو بقبيح ركوبه ما ركب مما نهى عنه، لا أن يخبر عن قُبح ما كان التائب أتاه قبل توبته، إذ كانت الآية لم تفتتح بالخبر عن ركوبه ما كان ركب قبل التوبة من القبيح، فيختم آخرها بالوعيد عليه أو بالقبيح. * * وقوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن لم يتب من نبزه أخاه بما نهى الله عن نبزه به من الألقاب، أو لمزه إياه، أو سخريته منه، فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم، فأكسبوها عقاب الله بركوبهم ما نهاهم عنه. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قال: ومن لم يتب من ذلك الفسوق فأولئك هم الظالمون.

Al-Mukhtasar (français)

Les croyants ne sont que des frères en Islam. Or la fraternité en Islam, ô croyants, demande que vous réconciliez vos frères lorsqu’ils se querellent et craignez Allah en vous conformant à Ses commandements et en renonçant à Ses interdits afin que, peut-être, il vous soit fait miséricorde.

11

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌۭ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًۭا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌۭ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيْرًۭا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلْأَلْقَٰبِ ۖ بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَٰنِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

O vous qui avez cru! Qu'un groupe ne se raille pas d'un autre groupe: ceux-ci sont peut-être meilleurs qu'eux. Et que des femmes ne se raillent pas d'autres femmes: celles-ci sont peut-être meilleures qu'elles. Ne vous dénigrez pas et ne vous lancez pas mutuellement des sobriquets (injurieux). Quel vilain mot que «perversion» lorsqu'on a déjà la foi. Et quiconque ne se repent pas... Ceux-là sont les injustes.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَنْهَى تَعَالَى عَنِ السُّخْرِيَةِ بِالنَّاسِ، وَهُوَ احْتِقَارُهُمْ وَالِاسْتِهْزَاءُ بِهِمْ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الكِبْر بَطَرُ الْحَقِّ وغَمْص النَّاسِ" وَيُرْوَى: "وَغَمْطُ النَّاسِ" [[صحيح مسلم برقم (٩١) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] وَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ: احْتِقَارُهُمْ وَاسْتِصْغَارُهُمْ، وَهَذَا حَرَامٌ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْمُحْتَقَرُ أَعْظَمَ قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ وَأَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ السَّاخِرِ مِنْهُ الْمُحْتَقِرِ لَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ ، فَنَصَّ عَلَى نَهْيِ الرِّجَالِ وَعَطَفَ بِنَهْيِ النِّسَاءِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أَيْ: لَا تَلْمِزُوا النَّاسَ. والهمَّاز اللَّماز مِنَ الرِّجَالِ مَذْمُومٌ مَلْعُونٌ، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] : [[زيادة من ت.]] ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الْهُمَزَةِ: ١] ، فَالْهَمْزُ بِالْفِعْلِ وَاللَّمْزُ بِالْقَوْلِ، كَمَا قَالَ: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [الْقَلَمِ: ١١] أَيْ: يَحْتَقِرُ النَّاسَ وَيَهْمِزُهُمْ طَاعِنًا عَلَيْهِمْ، وَيَمْشِي بَيْنَهُمْ بِالنَّمِيمَةِ وَهِيَ: اللَّمْزُ بِالْمَقَالِ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٩] أَيْ: لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [[في م: "أي: لا يطعن بعذكم على بعض".]] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أَيْ: لَا يَطْعَنْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ أَيْ: لَا تَتَدَاعَوْا بِالْأَلْقَابِ، وَهِيَ الَّتِي يَسُوءُ الشَّخْصَ سَمَاعُهَا. قَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَبِيرة [[في ت: "عن أبي جبيرة".]] بْنُ الضَّحَّاكِ قَالَ: فِينَا نَزَلَتْ فِي بَنِي سَلِمَةَ: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ فِينَا رَجُلٌ إِلَّا وَلَهُ اسْمَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، فَكَانَ إِذَا دُعِىَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِاسْمٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَغْضَبُ مِنْ هَذَا. فَنَزَلَتْ: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ وُهَيْب، عَنْ دَاوُدَ، بِهِ [[المسند (٤/٢٦٠) وسنن أبي داود برقم (٤٩٦٢) ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٢٦٨) مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "حديث حسن صحيح".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾ أَيْ: بِئْسَ الصِّفَةُ وَالِاسْمُ الْفُسُوقُ وَهُوَ: التَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ، كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَنَاعَتُونَ، بَعْدَمَا دَخَلْتُمْ [[في ت: "دخلوا".]] فِي الْإِسْلَامِ وَعَقَلْتُمُوهُ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ أَيْ: مِنْ هَذَا ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) ﴾ يقول تعالى ذكره لأهل الإيمان به ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ في الدين ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ إذا اقتتلا بأن تحملوهما على حكم الله وحكم رسوله. ومعنى الأخوين في هذا الموضع: كل مقتتلين من أهل الإيمان، وبالتثنية قرأ ذلك قرّاء الأمصار. وذُكر عن ابن سيرين أنه قرأ بين إخوانكم بالنون على مذهب الجمع، وذلك من جهة العربية صحيح، غير أنه خلاف لما عليه قرّاء الأمصار، فلا أحب القراءة بها ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: وخافوا الله أيها الناس بأداء فرائضه عليكم في الإصلاح بين المقتتلين من أهل الإيمان بالعدل، وفي غير ذلك من فرائضه، واجتناب معاصيه، ليرحمكم ربكم، فيصفح لكم عن سالف إجرامكم إذا أنتم أطعتموه، واتبعتم أمره ونهيه، واتقيتموه بطاعته. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) ﴾ يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، لا يهزأ قوم مؤمنون من قوم مؤمنين ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ يقول: المهزوء منهم خير من الهازئين ﴿وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ يقول: ولا يهزأ نساء مؤمنات من نساء مؤمنات، عسى المهزوء منهنّ أن يكنّ خيرا من الهازئات. واختلف أهل التأويل في السخرية التي نهى الله عنها المؤمنين في هذه الآية، فقال بعضهم: هي سخرية الغنيّ من الفقير، نهي أن يسخر من الفقير لفقره. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ قال: لا يهزأ قوم بقوم أن يسأل رجل فقير غنيا، أو فقيرا، وإن تفضل رجل عليه بشيء فلا يستهزئ به. وقال آخرون: بل ذلك نهي من الله من ستر عليه من أهل الإيمان أن يسخر ممن كشف في الدنيا ستره منهم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ قال: ربما عثر على المرء عند خطيئته عسى أن يكونوا خيرا منهم، وإن كان ظهر على عثرته هذه، وسترت أنت على عثرتك، لعلّ هذه التي ظهرت خير له في الآخرة عند الله، وهذه التي سترت أنت عليها شرّ لك، ما يدريك لعله ما يغفر لك؛ قال: فنهي الرجل عن ذلك، فقال ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ وقال في النساء مثل ذلك. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله عمّ بنهيه المؤمنين عن أن يسخر بعضهم من بعض جميع معاني السخرية، فلا يحلّ لمؤمن أن يسخر من مؤمن لا لفقره، ولا لذنب ركبه، ولا لغير ذلك. * * وقوله ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ يقول تعالى ذكره: ولا يغتب بعضكم بعضا أيها المؤمنون، ولا يطعن بعضكم على بعض؛ وقال: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فجعل اللامز أخاه لامزا نفسه، لأن المؤمنين كرجل واحد فيما يلزم بعضهم لبعض من تحسين أمره، وطلب صلاحه، ومحبته الخير. ولذلك رُوي الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "المُؤْمِنُونَ كالجَسَدِ الواحِد إذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سائِرُ جَسَدِهِ بالحُمَّى والسَّهَر". وهذا نظير قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ بمعنى: ولا يقتل بعضكم بعضا. وبنحو الذي قلنا في معنى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: لا تطعنوا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ يقول: ولا يطعن بعضكم على بعض. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ يقول: لا يطعن بعضكم على بعض. * * قوله ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ يقول: ولا تداعوا بالألقاب؛ والنبز واللقب بمعنى واحد، يُجمع النبز: أنبازا، واللقب: ألقابا. واختلف أهل التأويل في الألقاب التي نهى الله عن التنابز بها في هذه الآية، فقال بعضهم: عنى بها الألقاب التي يكره النبز بها الملقَّب، وقالوا: إنما نزلت هذه الآية في قوم كانت لهم أسماء في الجاهلية، فلما أسلموا نهوا أن يدعو بعضهم بعضا بما يكره من أسمائه التي كان يدعى بها في الجاهلية. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا داود، عن عامر، قال: قال أبو جبيرة بن الضحاك: فينا نزلت هذه الآية في بني سلمة، قدِم رسول الله ﷺ، وما منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا الرجل بالاسم، قلنا: يا رسول الله إنه يغضب من هذا، فنزلت هذه الآية ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ ... الآية كلها. ⁕ حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر، عن أبي جُبيرة بن الضحاك، قال: كان أهل الجاهلية يسمون الرجل بالأسماء، فدعا النبيّ ﷺ رجلا باسم من تلك الأسماء، فقالوا: يا رسول الله إنه يغضب من هذا، فأنزل الله ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾ . ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، قال: ثني أبو جُبيرة بن الضحاك، فذكر عن النبيّ ﷺ، نحوه. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: أخبرنا داود عن الشعبيّ، قال: ثني أبو جبيرة بن الضحاك، قال: نزلت في بني سلمة ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ قال: قَدِم رسول الله ﷺ وليس منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان يدعو الرجل، فتقول أمه: إنه يغضب من هذا قال، فنزلت ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ . وقال مرّة: كان إذا دعا باسم من هذا، قيل: يا رسول الله إنه يغضب من هذا، فنزلت الآية. وقال آخرون: بل ذلك قوم الرجل المسلم للرجل المسلم: يا فاسق، يا زان. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، قال: سألت عكرِمة، عن قول الله ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ قال: هو قول الرجل للرجل: يا منافق، يا كافر. ⁕ حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال أخبرنا حصين، عن عكرِمة، في قوله ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ قال: هو قول الرجل للرجل: يا فاسق، يا منافق. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن حصين، عن عكرِمة ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ قال: يا فاسق، يا كافر. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد أو عكرِمة ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ قال: يقول الرجل للرجل: يا فاسق، يا كافر. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ قال: دُعي رجل بالكفر وهو مسلم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ يقول الرجل: لا تقل لأخيك المسلم: ذاك فاسق، ذاك منافق، نهى الله المسلم عن ذلك وقدّم فيه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ يقول: لا يقولنّ لأخيه المسلم: يا فاسق، يا منافق. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ﴾ قال: تسميته بالأعمال السيئة بعد الإسلام زان فاسق. وقال آخرون: بل ذلك تسمية الرجل الرجل بالكفر بعد الإسلام، والفسوق والأعمال القبيحة بعد التوبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾ ... الآية، قال: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب منها، وراجع الحقّ، فنهى الله أن يعير بما سلف من عمله. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: قال الحسن: كان اليهودي والنصرانيّ يسلم، فيلقب فيقال له: يا يهوديّ، يا نصراني، فنهوا عن ذلك. والذي هو أولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين أن يتنابزوا بالألقاب؛ والتنابز بالألقاب: هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعمّ الله بنهية ذلك، ولم يخصص به بعض الألقاب دون بعض، فغير جائز لأحد من المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه، أو صفة يكرهها. وإذا كان ذلك كذلك صحت الأقوال التي قالها أهل التأويل في ذلك التي ذكرناها كلها، ولم يكن بعض ذلك أولى بالصواب من بعض، لأن كلّ ذلك مما نهى الله المسلمين أن ينبز بعضهم بعضا. * * وقوله ﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن فعل ما نهينا عنه، وتقدّم على معصيتنا بعد إيمانه، فسخر من المؤمنين، ولمز أخاه المؤمن، ونبزه بالألقاب، فهو فاسق ﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾ يقول: فلا تفعلوا فتستحقوا إن فعلتموه أن تسموا فساقا، بئس الاسم الفسوق، وترك ذكر ما وصفنا من الكلام، اكتفاء بدلالة قوله ﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ﴾ عليه. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثنا به يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وقرأ ﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾ قال: بئس الاسم الفسوق حين تسميه بالفسق بعد الإسلام، وهو على الإسلام. قال: وأهل هذا الرأي هم المعتزلة، قالوا: لا نكفره كما كفره أهل الأهواء، ولا نقول له مؤمن كما قالت الجماعة، ولكنا نسميه باسمه إن كان سارقا فهو سارق، وإن كان خائنا سموه خائنا؛ وإن كان زانيا سموه زانيا قال: فاعتزلوا الفريقين أهل الأهواء وأهل الجماعة، فلا بقول هؤلاء قالوا، ولا بقول هؤلاء، فسموا بذلك المعتزلة. فوجه ابن زيد تأويل قوله ﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾ إلى من دعي فاسقا، وهو تائب من فسقه، فبئس الاسم ذلك له من أسمائه ... وغير ذلك من التأويل أولى بالكلام، وذلك أن الله تقدّم بالنهي عما تقدّم بالنهي عنه في أوّل هذه الآية، فالذي هو أولى أن يختمها بالوعيد لمن تقدّم على بغيه، أو بقبيح ركوبه ما ركب مما نهى عنه، لا أن يخبر عن قُبح ما كان التائب أتاه قبل توبته، إذ كانت الآية لم تفتتح بالخبر عن ركوبه ما كان ركب قبل التوبة من القبيح، فيختم آخرها بالوعيد عليه أو بالقبيح. * * وقوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن لم يتب من نبزه أخاه بما نهى الله عن نبزه به من الألقاب، أو لمزه إياه، أو سخريته منه، فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم، فأكسبوها عقاب الله بركوبهم ما نهاهم عنه. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قال: ومن لم يتب من ذلك الفسوق فأولئك هم الظالمون.

Al-Mukhtasar (français)

Ô vous qui croyez en Allah et œuvrez selon ce qu’Il a prescrit, qu’aucun groupe parmi vous n’en raille un autre, car il se peut que ceux qui sont raillés soient meilleurs auprès d’Allah. C’est en effet ce qui est auprès d’Allah qui fait foi. Que des femmes ne raillent pas d’autres femmes, car il se peut que les femmes raillées soient meilleures auprès d'Allah. C'est en effet ce qui est auprès d’Allah qui fait foi, et ne dénigrez pas vos frères. En effet, ceux-ci sont vos alter ego et que personne n’affuble quelqu’un d’un sobriquet qu’il déteste, comme cela était le cas de certains Ansar avant la venue du Messager d’Allah. Quiconque se comporte de la sorte est pervers et quel attribut hideux que la perversion après la foi. Ceux qui ne se repentent pas de leurs péchés sont injustes envers eux-mêmes et leurs péchés les exposent à la perdition.

12

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌۭ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًۭا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌۭ رَّحِيمٌۭ

O vous qui avez cru! Evitez de trop conjecturer [sur autrui] car une partie des conjectures est péché. Et n'espionnez pas; et ne médisez pas les uns des autres. L'un de vous aimerait-il manger la chair de son frère mort? (Non!) vous en aurez horreur. Et craignez Allah. Car Allah est Grand Accueillant au repentir, Très Miséricordieux.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الظَّنِّ، وَهُوَ التُّهْمَةُ وَالتَّخَوُّنُ لِلْأَهْلِ وَالْأَقَارِبِ وَالنَّاسِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ ذَلِكَ يَكُونُ إِثْمًا مَحْضًا، فَلْيُجْتَنَبْ كَثِيرٌ مِنْهُ احْتِيَاطًا، وَرُوِّينَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: وَلَا تَظُنَنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ إِلَّا خَيْرًا، وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مَحْمَلًا [[رواه أحمد في الزهد كما في الدر المنثور (٧/٥٦٥) .]] . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ أَبِي ضَمْرَةَ نَصْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الحِمْصي، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَيْسٍ النَّضري، حَدَّثَنَا [[في ت: "وروى ابن ماجه بسنده عن".]] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ [[في ت: "بن عمر رضي الله عنه".]] قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَيَقُولُ: "مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ، مَالُهُ وَدَمُهُ، وَأَنْ يُظَنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرٌ [[في ت، م: "خيرا".]] . تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[سنن ابن ماجه برقم (٣٩٣٢) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٢٣) "هذا إسناد فيه مقال، نصر بن محمد ضعفه أبو حاتم وذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجال الإسناد ثقات".]] . وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّناد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ [[في ت، م: "فإنه".]] أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْعُتْبِيِّ [ثَلَاثَتُهُمْ] [[زيادة من أ.]] ، عَنْ مَالِكٍ، بِهِ [[الموطأ (٢/٩٠٨) وصحيح البخاري برقم (٦٠٦٦) وصحيح مسلم برقم (٢٥٦٣) .]] . وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من ت.]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقَاطَعُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ -وَصَحَّحَهُ-مِنْ حديث سفيان بن عيينة، به [[صحيح مسلم برقم (٢٥٥٩) ، وسنن الترمذي برقم (١٩٣٥) .]] . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القِرْمِطي الْعَدَوِيُّ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْمَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبِي الرِّجَالِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "ثلاث لازمات لِأُمَّتِي: الطِّيَرَةُ، وَالْحَسَدُ وَسُوءُ الظَّنِّ". فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يُذْهِبُهُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّنْ هُنَّ فِيهِ؟ قَالَ: "إِذَا حَسَدْتَ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّقْ، وَإِذَا تَطَيَّرْتَ فَأمض [[في ت: "وإذا نظرت فاغضض" وفي م، أ: "وإذا تطيرت فاغمض".]] " [[المعجم الكبير (٣/٢٢٨) ، قال الهيثمي في المجمع (٨/٧٨) : "فيه إسماعيل بن قيس الأنصاري وهو ضعيف".]] . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدٍ قَالَ: أُتِيَ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِرَجُلٍ [[لفظة "برجل" غير موجودة بسنن أبي داود.]] ، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا فُلَانٌ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّا قَدْ نُهِينَا عَنِ التَّجَسُّسِ، وَلَكِنْ إِنْ يَظْهَرْ لَنَا شَيْءٌ نَأْخُذْ بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٤٨٩٠) .]] . سَمَّاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي رِوَايَتِهِ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ [[وذلك لما أكثر الناس في الوليد بن عقبة، وقد كان ابن مسعود على بيت المال في ولاية الوليد بن عقبة في عهد عثمان رضي الله عنه وقصة جلد الوليد على الخمر مشهورة في الصحيحين.]] . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمٌ، حَدَّثَنَا لَيْث، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَشِيط الخَوْلاني، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ دُخَيْن كَاتِبِ عُقْبَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُقْبَةَ: إِنَّ لَنَا جِيرَانًا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، وَأَنَا دَاعٍ لَهُمُ الشُّرَطَ فَيَأْخُذُونَهُمْ. قَالَ: لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ عِظْهُمْ وَتَهَدَّدْهُمْ. قَالَ: فَفَعَلَ فَلَمْ يَنْتَهُوا. قَالَ: فَجَاءَهُ دُخَيْن فَقَالَ: إِنِّي قَدْ نَهَيْتُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، وَإِنِّي دَاعٍ لَهُمُ الشُّرَطَ فَيَأْخُذُونَهُمْ. قَالَ: لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ عِظْهُمْ وَتَهَدَّدْهُمْ. قَالَ: فَفَعَلَ فَلَمْ يَنْتَهُوا. قَالَ: فَجَاءَهُ دُخَيْنٌ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ نَهَيْتُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، وَإِنِّي دَاعٍ لَهُمُ الشُّرَطَ فَتَأْخُذُهُمْ. فَقَالَ لَهُ عُقْبَةُ: وَيْحَكَ لَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُؤْمِنٍ فَكَأَنَّمَا اسْتَحْيَا مَوْءُودَةً مِنْ قَبْرِهَا". وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (٤/١٥٣) وسنن أبي داود برقم (٤٨٩٢) والنسائي في السنن الكبري برقم (٧٢٨٣) .]] . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ" أَوْ: "كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ". فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، نَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٤٨٨٨) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا ضَمْضَم بْنُ زُرَعَة، عَنْ شُرَيْح بْنِ عبيد، عن جُبَيْر بْنِ نُفَيْر، وَكَثِيرِ بْنِ مُرَّة، وَعَمْرِو بن الأسود، والمقدام بن معد يكرب [[في م: "معدي كرب".]] ، وَأَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْأَمِيرَ إِذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ في الناس، أَفْسَدَهُمْ" [[سنن أبي داود برقم (٤٨٨٩) .]] . [وَقَوْلُهُ] : [[زيادة من ت.]] ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ أَيْ: عَلَى بَعْضِكُمْ بَعْضًا. وَالتَّجَسُّسُ غَالِبًا يُطْلَقُ فِي الشَّرِّ، وَمِنْهُ الْجَاسُوسُ. وَأَمَّا التَّحَسُّسُ فَيَكُونُ غَالِبًا فِي الْخَيْرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ يَعْقُوبَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من ت.]] إِنَّهُ قَالَ: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يُوسُفَ: ٨٧] ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الشَّرِّ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا" [[صحيح البخاري برقم (٢٤٤٢) .]] . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: التَّجَسُّسُ: الْبَحْثُ عَنِ الشَّيْءِ. وَالتَّحَسُّسُ: الِاسْتِمَاعُ إِلَى حَدِيثِ الْقَوْمِ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، أَوْ يَتَسَمَّعُ عَلَى أَبْوَابِهِمْ. وَالتَّدَابُرُ: الصَّرْم. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ فِيهِ نَهْيٌ عَنِ الْغَيْبَةِ، وَقَدْ فَسَّرَهَا الشَّارِعُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا القَعْنَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[في ت: "أبي هريرة رضي الله عنه".]] قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْغِيبَةُ؟ قَالَ: "ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ". قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: "إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ الدَّرَاوَرْدي، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٤٨٧٤) وسنن الترمذي برقم (١٩٣٥) .]] . وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بُنْدَار، عَنْ غُنْدَر، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ الْعَلَاءِ [[تفسير الطبري (٢٦/٨٦) .]] . وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَمَسْرُوقٌ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو إِسْحَاقَ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّة. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا! -قَالَ غَيْرُ مُسَدَّدٍ: تَعْنِي قَصِيرَةً-فَقَالَ: "لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ". قَالَتْ: وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا، فَقَالَ ﷺ: "مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا، وَإِنَّ لِي كَذَا وَكَذَا". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى القَطَّان، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيّ، ووَكِيع، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ سَلَمَةَ بْنِ صُهَيْبَةَ الْأَرْحَبِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، بِهِ. وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ [[سنن أبي داود برقم (٤٨٧٥) وسنن الترمذي برقم (٢٥٠٢، ٢٥٠٣) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ الْمُخَارِقِ [[في ت: "وروى ابن جرير بسنده".]] ؛ أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ، فَلَمَّا قَامَتْ لِتَخْرُجَ أَشَارَتْ عائشة بيدها إِلَى النَّبِيِّ ﷺ -أَيْ: إِنَّهَا قَصِيرَةٌ-فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اغْتَبْتِيهَا" [[تفسير الطبري (٢٦/٨٧) .]] . وَالْغِيبَةُ مُحَرَّمَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا رَجَحَتْ مَصْلَحَتُهُ، كَمَا فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالنَّصِيحَةِ، كَقَوْلِهِ ﷺ [[في ت: "عليه السلام".]] ، لَمَّا اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْفَاجِرُ: "ائْذَنُوا لَهُ، بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣١٣٢) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] ، وَكَقَوْلِهِ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ -وَقَدْ خَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ وَأَبُو الْجَهْمِ-: "أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ [[في أ: "فصعلوك لا مال له".]] ، وَأَمَّا أَبُو الْجَهْمِ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (١٤٨٠) .]] . وَكَذَا مَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ. ثُمَّ بَقِيَّتُهَا عَلَى التَّحْرِيمِ الشَّدِيدِ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهَا الزَّجْرُ الْأَكِيدُ [[في ت، م: "الشديد".]] ؛ وَلِهَذَا شَبَّهَهَا تَعَالَى بِأَكْلِ اللَّحْمِ مِنَ الْإِنْسَانِ الْمَيِّتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ ؟ أَيْ: كَمَا تَكْرَهُونَ هَذَا طَبْعًا، فَاكْرَهُوا ذَاكَ شَرْعًا؛ فَإِنَّ عُقُوبَتَهُ أَشَدُّ مِنْ هَذَا وَهَذَا مِنَ التَّنْفِيرِ عَنْهَا وَالتَّحْذِيرِ مِنْهَا، كَمَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي الْعَائِدِ فِي هِبَتِهِ: "كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ"، وَقَدْ قَالَ: "لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ". وَثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ [[في ت، م: "الصحيح".]] وَالْحِسَانِ وَالْمَسَانِيدِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ فِي خُطْبَةِ [حَجَّةِ] [[زيادة من ت، م، أ.]] الْوَدَاعِ: "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (١٢١٨) من حديث جابر رضي الله عنه.]] . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حرام: ماله وعرضه ودمه، حسب امرىء مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ [[في ت: "رواه الترمذي وحسنه".]] عَنْ عُبَيْدِ بْنِ أَسْبَاطِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٤٨٨٢) وسنن الترمذي برقم (١٩٢٧) .]] . وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ [[في ت: "وروى أبو داود".]] ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبيد الله".]] بْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "يا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فَإِنَّهُ مَنْ يَتْبَعْ عَوْرَاتِهِمْ يَتْبَعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ يَتْبَعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ". تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨٨٠) .]] . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، فَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حبيب الزيات، عن أبي إسحاق السَّبِيعي [[في ت: "وروى الحافظ أبو يعلى في مسنده بسنده".]] ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ [[في ت: "البراء بن عازب رضي الله عنه".]] قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حتى أَسْمَعَ الْعَوَاتِقَ فِي بُيُوتِهَا -أَوْ قَالَ: فِي خُدُورِهَا-فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَبَّعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتْبَعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ يَتْبَعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتْبَعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ [[في ت: "يفضحه ولو في".]] فِي جَوْفِ بَيْتِهِ" [[مسند أبي يعلى (٣/٢٣٧) قال الهيثمي في المجمع (٨/٩٣) : "رجاله ثقات".]] . طَرِيقٌ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَاجِيَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى الشَّيْبَانِيُّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَوْفَى بْنِ دَلْهَم، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإيمانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَبَّعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ يَتْبَعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتْبَعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ". قَالَ: وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ: مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَلَلْمُؤْمِنُ أعظمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ [[ورواه الترمذي في السنن برقم (٢٠٣٢) من طريق الفضل بن موسى بِهِ، وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الحسين بن واقد".]] . قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدَّثَنَا حَيْوَة بْنُ شُرَيْح، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، عَنِ ابْنُ ثَوْبَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ وَقَّاصِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ؛ أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَكَلَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أُكْلَةً فَإِنَّ اللَّهَ يُطْعِمُهُ مِثْلَهَا فِي [[في ت، م، أ: "من".]] جَهَنَّمَ [[في ت: "في نار جهنم".]] ، وَمِنْ كُسى ثَوْبًا بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَكْسُوهُ مِثْلَهُ فِي [[في أ: "من".]] جَهَنَّمَ. وَمَنْ قَامَ بِرَجُلٍ مَقَامَ سمعةٍ وَرِيَاءٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُومُ بِهِ مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨٨١) .]] . وَحَدَّثَنَا ابْنُ مُصَفَّى، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ وَأَبُو الْمُغِيرَةِ قَالَا حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، حَدَّثَنِي رَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا عُرِج بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ، يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرَائِيلُ [[في ت، م: "جبريل".]] ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ". تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ، وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ عَبْدِ الْقُدُّوسِ بْنِ الْحَجَّاجِ الشَّامِيِّ، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٤٨٧٨) ، والمسند (٣/٢٢٤) .]] . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن عبدة، حدثنا أبو عبد الصمد بن عبد العزيز ابن عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو هَارُونَ العَبْديّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من ت.]] قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنَا مَا رَأَيْتَ لَيْلَةَ أسريَ بِكَ؟ ... قَالَ: "ثُمَّ انْطُلِقَ بِي إِلَى خَلْقٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ كَثِيرٍ، رِجَالٍ وَنِسَاءٍ مُوَكَّل بِهِمْ رِجَالٌ يَعْمِدُونَ إِلَى عُرْض جنَب أَحَدِهِمْ فَيَحْذُون مِنْهُ الحُذْوَة مِنْ مِثْلِ النَّعْلِ ثُمَّ يَضَعُونَهُ فِي فِيِّ أَحَدِهِمْ، فَيُقَالُ لَهُ: "كُلْ كَمَا [[في ت: "ما".]] أَكَلْتَ"، وَهُوَ يَجِدُ من أكله الموت -يا مُحَمَّدُ-لَوْ يَجِدُ الْمَوْتَ وَهُوَ يُكْرَهُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا جِبْرَائِيلُ [[في ت، م: "جبريل".]] ، مَنْ هَؤُلَاءِ: قَالَ: هَؤُلَاءِ الهمَّازون اللمَّازون أَصْحَابُ النَّمِيمَةِ. فَيُقَالُ [[في أ: "فقال".]] : ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ وَهُوَ يُكْرَهُ عَلَى أَكْلِ لَحْمِهِ. هَكَذَا أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَدْ سُقْنَاهُ بِطُولِهِ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ "سُورَةِ سُبْحَانَ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [[عند الآية الأولى.]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَصُومُوا يَوْمًا وَلَا يَفْطُرَنَّ أحدٌ حَتَّى آذَنَ لَهُ. فَصَامَ النَّاسُ، فَلَمَّا أَمْسَوْا جَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُ: ظَلِلْتُ مُنْذُ الْيَوْمِ صَائِمًا، فَائْذَنْ لِي. فَأُفْطِرُ فَيَأْذَنُ لَهُ، وَيَجِيءُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ ذَلِكَ، فَيَأْذَنُ لَهُ، حَتَّى جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ فَتَاتَيْنِ مِنْ أَهْلِكَ ظَلَّتَا مُنْذُ الْيَوْمِ صَائِمَتَيْنِ، فَائْذَنْ لَهُمَا فَلْيفطرا فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ أَعَادَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا صَامَتَا، وَكَيْفَ صَامَ مَنْ ظَلَّ يَأْكُلُ لُحُومَ النَّاسِ؟ اذْهَبْ، فَمُرْهُمَا إِنْ كَانَتَا صَائِمَتَيْنِ أَنْ يَسْتَقْيِئَا". فَفَعَلَتَا، فَقَاءَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَقةً علقَةً فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ مَاتَتَا وَهُمَا فِيهِمَا لَأَكَلَتْهُمَا النَّارُ" [[مسند الطيالسي برقم (٢١٠٧) .]] . إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ، وَمَتْنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يُحَدِّثُ فِي مَجْلِسِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِي عَنْ عُبَيْدٍ -مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ [[في ت، م: "رسول الله صلى الله عليه وسلم".]] -أَنَّ امْرَأَتَيْنِ صَامَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَاهُنَا امْرَأَتَيْنِ صَامَتَا، وَإِنَّهُمَا كَادَتَا تَمُوتَانِ مِنَ الْعَطَشِ -أرَاهُ قَالَ: بِالْهَاجِرَةِ-فَأَعْرَضَ عَنْهُ -أَوْ: سَكَتَ عَنْهُ-فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّهُمَا -وَاللَّهِ قَدْ مَاتَتَا أَوْ كَادَتَا تَمُوتَانِ [[في ت: "أن تموتا".]] . فَقَالَ: ادْعُهُمَا. فَجَاءَتَا، قال: فجيء بِقَدَحٍ -أَوْ عُسّ-فَقَالَ لِإِحْدَاهُمَا: " قِيئِي" فَقَاءَتْ مِنْ قَيْحٍ وَدَمٍ وَصَدِيدٍ حَتَّى قَاءَتْ نِصْفَ الْقَدَحِ. ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى: قِيئِي فَقَاءَتْ قَيْحًا وَدَمًا وَصَدِيدًا وَلَحْمًا وَدَمًا عَبِيطًا وَغَيْرَهُ حَتَّى مَلَأَتِ الْقَدَحَ. فَقَالَ: إِنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا عَمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمَا، وَأَفْطَرَتَا عَلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا، جَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى فَجَعَلَتَا تَأْكُلَانِ لُحُومَ النَّاسِ. وَهَكَذَا قَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَابْنِ أَبِي عِدَيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ طِرْخان التَّيْمِيِّ، بِهِ مِثْلَهُ أَوْ نَحْوَهُ [[المسند (٥/٤٣١) ورواه ابن أبي الدنيا في الصمت برقم (١٧١) من طريق يزيد بن هارون عن سليمان التيمي به.]] . ثُمَّ رَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مُسَدَّد، عَنْ يَحْيَى القَطَّان، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ أَظُنُّهُ فِي حَلْقَةِ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَعْدٍ -مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ-أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِصِيَامٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ فِي نِصْفِ النَّهَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فُلَانَةُ وَفُلَانَةُ قَدْ بَلَغَتَا الْجَهْدَ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "ادْعُهُمَا". فَجَاءَ بعُس -أَوْ: قَدَح-فَقَالَ لِإِحْدَاهُمَا: "قِيئِي"، فَقَاءَتْ لَحْمًا وَدَمًا عَبِيطًا وَقَيْحًا، وَقَالَ لِلْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: "إِنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا عَمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمَا، وَأَفْطَرَتَا عَلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا، أَتَتْ إِحْدَاهُمَا لِلْأُخْرَى فَلَمْ تَزَالَا تَأْكُلَانِ لُحُومَ النَّاسِ حَتَّى امْتَلَأَتْ أجوافهما قَيْحًا" [[المسند (٥/٤٣١) .]] . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: كَذَا قَالَ "عَنْ سَعْدٍ"، وَالْأَوَّلُ -وَهُوَ عُبَيْدٌ-أَصَحُّ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الضَّحَّاكِ بْنِ مَخْلَد، حَدَّثَنَا أَبِي أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ [[في ت: "وروى الحافظ أبو يعلى بمسنده".]] عَنْ ابْنِ عَمّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ مَاعِزًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ -قَالَهَا أَرْبَعًا-فَلَمَّا كَانَ فِي الْخَامِسَةِ قَالَ: "زَنَيْتَ"؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "وَتَدْرِي مَا الزِّنَا؟ " قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُ مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنَ امْرَأَتِهِ حَلَالًا. قَالَ: "مَا تُرِيدُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ؟ " قَالَ: أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَدْخَلْتَ ذَلِكَ مِنْكَ فِي ذَلِكَ مِنْهَا كَمَا يَغِيبُ المِيل فِي الْمُكْحُلَةِ والرِّشاء [[في ت، م، أ: "والعصا".]] فِي الْبِئْرِ؟ ". قَالَ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ فَرُجِمَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلَيْنِ يَقُولُ أَحَدَهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَلَمْ تَرَ إِلَى هَذَا الَّذِي سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَمْ تَدَعْهُ نَفْسُهُ حَتَّى رُجمَ رَجْمَ الْكَلْبِ. ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى مَرّ بِجِيفَةِ حِمَارٍ فَقَالَ: أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ؟ انْزِلَا فَكُلَا مِنْ جِيفَةِ هَذَا الْحِمَارِ" قَالَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا رَسُولَ، اللَّهِ وَهَلْ يُؤكل هَذَا؟ قَالَ: "فَمَا نِلْتُمَا مِنْ أَخِيكُمَا [[في ت: "من عرض أخيكما".]] آنفا أشد أكلا من، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُ الْآنَ لَفِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَنْغَمِسُ فِيهَا" [[مسند أبي يعلى (٦/٥٢٤) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٨/٢٢٧) من طريق عمرو بن الضحاك به؛ ورواه أبو داود في السنن برقم (٤٤٢٩) من طريق الضحاك به.]] ] إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ] [[زيادة من ت.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ -مَوْلَى ابْنِ عُيَيْنَةَ-حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ عُرْفُطَة، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَارْتَفَعَتْ رِيحُ جِيفَةٍ مُنْتِنَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَتَدْرُونَ مَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ هَذِهِ رِيحُ الَّذِينَ يَغْتَابُونَ الْمُؤْمِنِينَ [[في ت، أ: "الناس".]] " [[المسند (٣/٣٥١) قال الهيثمي في المجمع (٨/٩١) : "رجاله ثقات".]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ عَبْدُ بْنُ حُميد فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْعَثِ، حَدَّثَنَا الفُضيل بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ -وَهُوَ طَلْحَةُ بْنُ نَافِعٍ-عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَهَاجَتْ رِيحُ مُنْتِنَةٌ [[في م: "ريح شديدة منتنة".]] ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ نَفَرًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ اغْتَابُوا نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلِذَلِكَ بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ" وَرُبَّمَا قَالَ: "فَلِذَلِكَ هَاجَتْ هَذِهِ الرِّيحُ" [[المنتخب برقم (١٠٢٦) .]] . وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ : زَعَمَ أَنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ كَانَ مَعَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ يَخْدُمُهُمَا وَيَخِفُّ لَهُمَا، وَيَنَالُ مِنْ طَعَامِهِمَا، وَأَنَّ سَلْمَانَ لَمَّا سَارَ النَّاسُ ذَاتَ يَوْمٍ وَبَقِيَ سَلْمَانُ نَائِمًا، لَمْ يَسِرْ مَعَهُمْ، فَجَعَلَ صَاحِبَاهُ يُكَلِّمَانِهِ [[في م: "يكلماه".]] فَلَمْ يَجِدَاهُ، فَضَرَبَا الخِباء فقالا ما يريد سليمان -أَوْ: هَذَا الْعَبْدُ-شَيْئًا غَيْرَ هَذَا: أَنْ يَجِيءَ إِلَى طَعَامٍ مَقْدُورٍ، وَخِبَاءٍ مَضْرُوبٍ! فَلَمَّا جَاءَ سَلْمَانُ أَرْسَلَاهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَطْلُبُ لَهُمَا إِدَامًا، فَانْطَلَقَ فأتى رسول اللَّهِ [ﷺ] [[زيادة من ت.]] وَمَعَهُ قَدَح لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَعَثَنِي أَصْحَابِي لِتؤدِمَهم إِنْ كَانَ عِنْدَكَ؟ قَالَ: "مَا يَصْنَعُ أَصْحَابُكَ بالأدْم؟ قَدِ ائْتَدَمُوا". فَرَجَعَ سَلْمَانُ يُخْبِرُهُمَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَا لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أَصَبْنَا طَعَامًا مُنْذُ نَزَلْنَا. قَالَ: "إِنَّكُمَا قَدِ ائْتَدَمْتُمَا بِسَلْمَانَ بِقَوْلِكُمَا". قَالَ: وَنَزَلَتْ: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ ، إِنَّهُ كَانَ نَائِمًا [[رواه ابن أبي حاتم في تفسيره كما في الدر المنثور (٧/٥٧٠) .]] . وَرَوَى الْحَافِظُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ "الْمُخْتَارَةِ" مِنْ طَرِيقِ حَبَّان بْنِ هِلَالٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَخْدِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي الْأَسْفَارِ، وَكَانَ مَعَ أَبِي بكر وعمر ما رَجُلٌ يَخْدِمُهُمَا، فَنَامَا فَاسْتَيْقَظَا وَلَمْ يُهَيِّئْ لَهُمَا طعاما، فقالا إن هذا لنؤوم، فَأَيْقَظَاهُ، فَقَالَا لَهُ: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ فَقُلْ لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يُقْرِئَانِكَ السَّلَامَ، وَيَسْتَأْدِمَانِكَ. فَقَالَ: "إِنَّهُمَا قَدِ ائْتَدَمَا" فَجَاءَا فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَيِّ شَيْءٍ ائْتَدَمْنَا؟ فَقَالَ: "بِلَحْمِ أَخِيكُمَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرَى لَحْمَهُ بَيْنَ ثَنَايَاكُمَا". فَقَالَا اسْتَغْفِرْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: "مُرَاه فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمَا" [[المختارة برقم (١٦٩٧) .]] . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ يَسار، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أَكَلَ مِنْ لَحْمِ أَخِيهِ فِي الدُّنْيَا، قُرِّب لَهُ لَحْمُهُ فِي الْآخِرَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: كُلْهُ مَيْتًا كَمَا أَكَلْتَهُ حَيًّا. قَالَ: فَيَأْكُلُهُ ويَكْلَح وَيَصِيحُ". غَرِيبٌ جِدًّا [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٤٩٦١) "مجمع البحرين" من طريق محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق به، وقال: لم يروه عن ابن إسحاق إلا محمد بن سلمة وقد وقع هنا "محمد بن مسلم" وأظنه تصحيفا، لكني لا أستطيع الجزم بذلك قال الهيثمي في المجمع (٨/٩٢) : "فيه ابن إسحاق وهو مدلس ومن لم أعرفه".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَيْ: فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، فَرَاقِبُوهُ فِي ذَلِكَ وَاخْشَوْا مِنْهُ، ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: تَوَّابٌ عَلَى مَنْ تَابَ إِلَيْهِ، رَحِيمٌ بِمَنْ رَجَعَ إِلَيْهِ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ. قَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: طَرِيقُ الْمُغْتَابِ لِلنَّاسِ فِي تَوْبَتِهِ أَنْ يُقلع [[في م: "يرجع".]] عَنْ ذَلِكَ، وَيَعْزِمَ عَلَى أَلَّا يَعُودَ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ النَّدَمُ عَلَى مَا فَاتَ؟ فِيهِ نِزَاعٌ، وَأَنْ يَتَحَلَّلَ مِنَ الَّذِي اغْتَابَهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَتَحَّلَلَهُ فَإِنَّهُ إِذَا [[في ت: "لو".]] أَعْلَمَهُ بِذَلِكَ رُبَّمَا تَأَذَّى أَشَدَّ مِمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِمَا كَانَ مِنْهُ، فَطَرِيقُهُ إِذًا أَنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ فِي الْمَجَالِسِ الَّتِي كَانَ يَذُمُّهُ فِيهَا، وَأَنْ يَرُدَّ عَنْهُ الْغَيْبَةَ بِحَسْبِهِ وَطَاقَتِهِ، فَتَكُونَ [[في ت: "لتكون".]] تِلْكَ بِتِلْكَ، كَمَا قَالَ [[في ت: "روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ؛ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ يَحْيَى المعَافِريّ أَخْبَرَهُ أَنَّ سَهْلَ بْنَ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الجُهَنِيّ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ [[في ت: "أن".]] النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا مِنْ مُنَافِقٍ يَعِيبُهُ [[في أ "بغيبة".]] ، بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا يَحْمِي لَحْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ. وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِشَيْءٍ يُرِيدُ شَيْنَهُ، حَبَسَهُ اللَّهُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ". وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ-بِهِ بِنَحْوِهِ [[المسند (٣/٤٤١) وسنن أبي داود برقم (٤٨٨٣) .]] . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبَا طَلْحَةَ بْنَ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ يَقُولَانِ: قَالَ [[في ت: "أن".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ما من امرىء يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ يُحِبُّ فِيهَا نُصْرَتَهُ. وَمَا مِنَ امْرِئٍ يَنْصُرُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ [[في أ: "عرضه".]] ، إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ يُحِبُّ فِيهَا نُصْرَتَهُ". تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨٨٤) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، لا تقربوا كثيرا من الظنّ بالمؤمنين، وذلك إن تظنوا بهم سوءا، فإن الظانّ غير محقّ، وقال جلّ ثناؤه: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ ولم يقل: الظنّ كله، إذ كان قد أذن للمؤمنين أن يظن بعضهم ببعض الخير، فقال: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ فأذن الله جلّ ثناؤه للمؤمنين أن يظنّ بعضهم ببعض الخير وأن يقولوه، وإن لم يكونوا من قيله فيهم على يقين. وبنحو الذي قلنا في معنى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثني أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ يقول: نهى الله المؤمن أن يظنّ بالمؤمن شرّا. * * وقوله ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ يقول: إن ظنّ المؤمن بالمؤمن الشرّ لا الخير إثم، لأن الله قد نهاه عنه، ففعل ما نهى الله عنه إثم. * * وقوله ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ يقول: ولا يتتبع بعضكم عورة بعض، ولا يبحث عن سرائره، يبتغي بذلك الظهور على عيوبه، ولكن اقنعوا بما ظهر لكم من أمره، وبه فحمدوا أو ذموا، لا على ما لا تعلمونه من سرائره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ يقول: نهى الله المؤمن أن يتتبع عورات المؤمن. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ قال: خذوا ما ظهر لكم ودعوا ما ستر الله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا﴾ هل تدرون ما التجسس أو التجسيس؟ هو أن تتبع، أو تبتغي عيب أخيك لتطلع على سرّه. ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ قال: البحث. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا﴾ قال: حتى أنظر في ذلك وأسأل عنه، حتى أعرف حقّ هو، أم باطل؟ ؛ قال: فسماه الله تجسسا، قال: يتجسس كما يتجسس الكلاب، وقرأ قول الله ﴿وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ وقوله ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ يقول: ولا يقل بعضكم في بعض بظهر الغيب ما يكره المقول فيه ذلك أن يقال له في وجهه. وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثر عن رسول الله ﷺ وقال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك، والأثر عن رسول الله ﷺ: ⁕ حدثني يزيد بن مخلد الواسطيّ، قال: ثنا خالد بن عبد الله الطحان، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: "سُئل رسول الله ﷺ عن الغيبة، فقال: هُوَ أنْ تَقُولَ لأخِيكَ ما فِيهِ، فإنْ كُنْتَ صَادِقا فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإنْ كُنْتَ كاذِبا فَقَدْ بَهَتَّهُ". ⁕ حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، بنحوه. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت العلاء يحدّث، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "هَلْ تَدْرُونَ ما الغيبة؟ قال: قالوا الله ورسوله أعلم؛ قال: ذِكْرُكَ أخاكَ بِمَا لَيْسَ فِيه، قال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول له؛ قال: إنْ كان فِيه ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ ". ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا سعيد بن الربيع، قال: ثنا شعبة، عن العباس، عن رجل سمع ابن عمر يقول: "إذا ذكرت الرجل بما فيه، فقد اغتبته، وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بَهَتَّهُ". وقال شعبة مرّة أخرى: "وإذا ذكرته بما ليس فيه، فهي فِرْية قال أبو موسى: هو عباس الجَريريّ. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن سليمان، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق قال: إذا ذكرت الرجل بأسوأِ ما فيه فقد اغتبته، وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهته. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: إذا قلت في الرجل ما ليس فيه فقد بَهَته. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عمر بن عبيد، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال الغيبَة: أن يقول للرجل أسوأ ما يعلم فيه، والبهتان: أن يقول ما ليس فيه. ⁕ حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني معاوية بن صالح، عن كثير بن الحارث، عن القاسم، مولى معاوية، قال: سمعت ابن أمّ عبد يقول: ما التقم أحد لقمة أشرّ من اغتياب المؤمن، إن قال فيه ما يعلم فقد اغتابه، وإن قاله فيه ما لا يعلم فقد بَهَتَه. ⁕ حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال: إذا ذكرت الرجل بما فيه فقد اغتبته، وإذا ذكرته بما ليس فيه فذلك البهتان. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت يونس، عن الحسن أنه قال في الغيبة: أن تذكر من أخيك ما تعلم فيه من مساوئ أعماله، فإذا ذكرته بما ليس فيه فذلك البهتان. ⁕ حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا سليمان الشيبانيّ، قال: ثنا حسان بن المخارق " أن امرأة دخلت على عائشة؛ فلما قامت لتخرج أشارت عائشة بيدها إلى النبيّ ﷺ، أي أنها قصيرة، فقال النبي ﷺ: اغْتَبْتِها". ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: لو مرّ بك أقطع، فقلت: ذاك الأقطع، كانت منك غيبة؛ قال: وسمعت معاوية بن قرة يقول ذلك. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت معاوية بن قُرة يقول: لو مرّ بك رجل أقطع، فقلت له: إنه أقطع كنت قد اغتبته، قال: فذكرت ذلك لأبي إسحاق الهمداني فقال: صدق. ⁕ حدثني جابر بن الكرديّ، قال: ثنا ابن أبي أويس، قال: ثني أخي أبو بكر، عن حماد بن أبي حميد، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة " أن رجلا قام عند رسول الله ﷺ، فرأوا في قيامه عجزا، فقالوا: يا رسول الله ما أعجز فلانا، فقال رسول الله ﷺ: أكَلْتُم أخاكُمْ واغَتَبْتُمُوه". ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا حبان بن عليّ العنزيّ عن مثنى بن صباح، عن عمرو بن شعيب، عن معاذ بن جبل، قال: "كنا مع رسول الله ﷺ، فذكر القوم رجلا فقالوا: ما يأكل إلا ما أطعم، وما يرحل إلا ما رحل له، وما أضعفه؛ فقال رسول الله ﷺ: اغْتَبْتُمْ أخاكُمْ، فقالوا يا رسول الله وغيبته أن نحدّث بما فيه؟ قال: بحَسْبِكُمْ أنْ تُحَدِّثُوا عن أخِيكُمْ ما فِيه". ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا خالد بن محمد، عن محمد بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذَا ذَكَرْتَ أخاكَ بما يَكْرَهُ فإنْ كانَ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ". ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: "كنا نحدّث أن الغيبة أن تذكر أخاك بما يشينه، وتعيبه بما فيه، وإن كذبت عليه فذلك البهتان". * * وقوله ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ يقول تعالى ذكره للمؤمنين أيحبّ أحدكم أيها القوم أن يأكل لحم أخيه بعد مماته ميتا، فإن لم تحبوا ذلك وكرهتموه، لأن الله حرّم ذلك عليكم، فكذلك لا تحبوا أن تغتابوه في حياته، فاكرهوا غيبته حيا، كما كرهتم لحمه ميتا، فإن الله حرّم غيبته حيا، كما حرم أكل لحمه ميتا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ قال: حرّم الله على المؤمن أن يغتاب المؤمن بشيء، كما حرّم المَيْتة. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ قالوا: نكره ذلك، قال: فكذلك فاتقوا الله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ يقول: كما أنت كاره لو وجدت جيفة مدوّدة أن تأكل منها، فكذلك فاكره غيبته وهو حيّ. * * وقوله ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ يقول تعالى ذكره: فاتقوا الله أيها الناس، فخافوا عقوبته بانتهائكم عما نهاكم عنه من ظنّ أحدكم بأخيه المؤمن ظنّ السوء، وتتبع عوراته، والتجسس عما ستر عنه من أمره، واغتيابه بما يكرهه، تريدون به شينه وعيبه، وغير ذلك من الأمور التي نهاكم عنها ربكم ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ يقول: إن الله راجع لعبده إلى ما يحبه إذا رجع العبد لربه إلى ما يحبه منه، رحيم به بأن يعاقبه على ذنب أذنبه بعد توبته منه. واختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ فقرأته عامة قرّاء المدينة بالتثقيل ﴿مَيِّتا﴾ ، وقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة ﴿مَيْتا﴾ بالتخفيف، وهما قراءتان عندنا معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

Al-Mukhtasar (français)

Ô vous qui croyez en Allah et œuvrez selon ce qu’Il a prescrit, abstenez-vous de porter des accusations qui ne reposent souvent sur aucune preuve car certaines conjectures sont des péchés, comme lorsque l’on pense du mal de quelqu’un qui est droit en apparence. Par ailleurs, n’espionnez pas les croyants et que personne parmi vous ne mentionne son frère d’une manière qui ne lui plaît pas, car cela équivaut à dévorer la chair de son cadavre. Y a-t-il quelqu’un parmi vous qui aimerait dévorer la chair du cadavre de son frère? Médire de son frère revient en effet à dévorer son cadavre, ayez donc la même répulsion à l’égard de ces deux méfaits. Craignez Allah en vous conformant à Ses commandements et en renonçant à Ses interdits. Allah accepte le repentir de Ses serviteurs et leur fait miséricorde.

13

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًۭا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۭ

O hommes! Nous vous avons créés d'un mâle et d'une femelle, et Nous avons fait de vous des nations et des tribus, pour que vous vous entre-connaissiez. Le plus noble d'entre vous, auprès d'Allah, est le plus pieux. Allah est certes Omniscient et Grand Connaisseur.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا لِلنَّاسِ أَنَّهُ خَلَقَهُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا، وَهُمَا آدَمُ وَحَوَّاءُ، وَجَعَلَهُمْ شُعُوبًا، وَهِيَ أَعَمُّ مِنَ الْقَبَائِلِ، وَبَعْدَ الْقَبَائِلِ مَرَاتِبُ أُخَرُ كَالْفَصَائِلِ وَالْعَشَائِرِ وَالْعَمَائِرِ وَالْأَفْخَاذِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالشُّعُوبِ بُطُونُ العَجَم، وَبِالْقَبَائِلِ بُطُونُ الْعَرَبِ، كَمَا أَنَّ الْأَسْبَاطَ بُطُونُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَقَدْ لَخَّصْتُ هَذَا فِي مُقَدِّمَةٍ مُفْرَدَةٍ جَمَعْتُهَا مِنْ كِتَابِ: "الْإِنْبَاهِ" لِأَبِي عُمَرَ [[في م: "عمرو".]] بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَمِنْ كِتَابِ "الْقَصْدِ وَالْأُمَمِ، فِي مَعْرِفَةِ أَنْسَابِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ". فَجَمِيعُ النَّاسِ فِي الشَّرَفِ بِالنِّسْبَةِ الطِّينِيَّةِ إِلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا يَتَفَاضَلُونَ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَهِيَ طَاعَةُ اللَّهِ وَمُتَابَعَةُ رَسُولِهِ ﷺ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ الْغَيْبَةِ وَاحْتِقَارِ بَعْضِ النَّاسِ بَعْضًا، مُنَبِّهًا عَلَى تَسَاوِيهِمْ فِي الْبَشَرِيَّةِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ أَيْ: لِيَحْصُلَ التَّعَارُفُ بَيْنَهُمْ، كلٌ يَرْجِعُ إِلَى قَبِيلَتِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ مِنْ كَذَا وَكَذَا، أَيْ: مِنْ قَبِيلَةِ كَذَا وَكَذَا. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: كَانَتْ حِمْير يَنْتَسِبُونَ إِلَى مُخَاليفها، وَكَانَتْ عَرَبُ الْحِجَازِ يَنْتَسِبُونَ إِلَى قَبَائِلِهَا. وَقَدْ قَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عِيسَى الثَّقَفِيِّ، عَنْ يَزِيدَ -مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ؛ فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ، مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، مَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ". ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[سنن الترمذي برقم (١٩٧٩) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ أَيْ: إِنَّمَا تَتَفَاضَلُونَ عِنْدَ اللَّهِ بِالتَّقْوَى لَا بِالْأَحْسَابِ. وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: قَالَ [[في ت: "فروى".]] الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟ قَالَ: "أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ" قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: "فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ، ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ". قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: "فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟ " قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: "فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا" [[صحيح البخاري برقم (٤٦٨٩) .]] . وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ [[صحيح البخاري برقم (٣٣٧٤، ٣٣٨٣) .]] . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ-بِهِ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٢٥٠) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ مُسْلِمٌ [[في ت: "وروى".]] ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا كَثِير بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [[في ت: "أبي هريرة رضي الله عنه".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ". وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ كَثِير بْنِ هِشَامٍ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٢٥٦٤) وسنن ابن ماجه برقم (٤١٤٣) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: "انْظُرْ، فَإِنَّكَ لَسْتَ بِخَيْرٍ مِنْ أَحْمَرَ وَلَا أَسْوَدَ إِلَّا أَنْ تَفْضُلَهُ بِتَقْوَى [[في ت: "بتقوى الله".]] . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٥/١٥٨) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلة، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ الطَّائِيُّ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ حَبِيبِ بْنِ خِرَاش العَصَرِيّ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ [[في ت: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال".]] : الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، لَا فَضْلَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا بِالتَّقْوَى" [[المعجم الكبير (٤/٢٥) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٨٤) : "فيه عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة، وهو متروك".]] حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ -يَعْنِي ابْنَ الرَّبِيعِ-عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَة [[في أ: "عروة".]] ، عَنِ الْمُسْتَظِلِّ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ [[في ت: "عن حذيفة رضي الله عنه".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ. وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ، وَلَيَنْتَهِيَنَّ قَوْمٌ يَفْخَرُونَ بِآبَائِهِمْ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الجِعْلان". ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْرِفُهُ عَنْ حُذَيْفَةَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[مسند البزار برقم (٣٥٨٤) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٨٦) : "فيه الحسن بن الحسين العرني وهو ضعيف".]] . حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عمر قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْواء يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ [[في ت: "الركن".]] بِمِحْجَنٍ فِي يَدِهِ، فَمَا وَجَدَ لَهَا مُنَاخًا فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى نَزَلَ ﷺ عَلَى أَيْدِي الرِّجَالِ، فَخَرَجَ بِهَا إِلَى بَطْنِ الْمَسِيلِ فَأُنِيخَتْ. ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَهُمْ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ [[في ت، أ: "بما هو عليه".]] ثُمَّ قَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّية الْجَاهِلِيَّةِ وَتُعَظُّمَهَا بِآبَائِهَا، فَالنَّاسُ رَجُلَانِ: رَجُلٌ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ. إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ثُمَّ قَالَ: "أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ". هَكَذَا [[في ت: "وهكذا".]] رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ الضَّحَّاكِ بْنِ مَخْلَد، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، بِهِ [[المنتخب لعبد بن حميد برقم (٧٩٣) وفيه موسى بن عبيدة الزبدي وهو ضعيف.]] . حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَنْسَابَكُمْ هَذِهِ لَيْسَتْ بِمِسَبَّةٍ عَلَى أَحَدٍ، كُلُّكُمْ بنو آدم طَفَّ الصاع لم يملؤه، لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ إِلَّا بِدِينٍ وَتَقْوًى، وَكَفَى بِالرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ بَذِيّا بَخِيلًا فَاحِشًا". وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعة، بِهِ [[المسند (٤/١٥٨) وتفسير الطبري (٢٦/٨٩) قال الهيثمي في المجمع (٨/٨٤) : "فيه ابن لهيعة وفيه لين، وبقية رجاله وثقوا". قلت: الراوي عنه في رواية الطبري عبد اله بن وهب، فهذه متابعة قوية ليحيى بن إسحاق.]] وَلَفْظُهُ: "النَّاسُ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ، طَفَّ الصَّاعُ لَمْ يَمْلَئُوه، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْأَلُكُمْ عَنْ أَحِسَابِكُمْ وَلَا عَنْ أَنْسَابِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عند الله أتقاكم". وَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمِيرة زَوْجِ دُرَّةَ ابْنَةِ أَبِي لَهَبٍ، عَنْ دُرَّةَ بِنْتِ أَبِي لَهَبٍ قَالَتْ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ فَقَالَ ﷺ: "خَيْرُ النَّاسِ أَقْرَؤُهُمْ، وَأَتْقَاهُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَآمَرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ" [[المسند (٦/٤٣٢) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/٢٥٧) من طريق شريك به، وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢٦٣) : "رجالهما ثقات، وفي كلام بعضهم كلام لا يضر".]] . حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا أَعْجَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَا أَعْجَبَهُ أَحَدٌ قَطُّ، إِلَّا ذُو تُقًى. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ [[المسند (٦/٦٩) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أَيْ: عَلِيمٌ بِكُمْ، خَبِيرٌ بِأُمُورِكُمْ، فَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعذب مَنْ يَشَاءُ، وَيُفَضِّلُ مَنْ يَشَاءُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ، مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْكَفَاءَةَ فِي النِّكَاحِ لَا تُشْتَرَطُ، وَلَا يُشْتَرَطُ سِوَى الدِّينِ، لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وَذَهَبَ الْآخَرُونَ إِلَى أَدِلَّةٍ أُخْرَى مَذْكُورَةٍ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ فِي "كِتَابِ الْأَحْكَامُ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ يَقُولُ: أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ. فَقَالَ: غَيْرُكَ أَوْلَى بِهِ مِنْكَ، وَلَكَ مِنْهُ نَسَبُهُ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس إنا أنشأنا خلقكم من ماء ذكر من الرجال، وماء أنثى من النساء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو هشام، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا عثمان بن الأسود، عن مجاهد، قال: خلق الله الولد من ماء الرجل وماء المرأة، وقد قال تبارك وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا عثمان بن الأسود، عن مجاهد، قوله ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ قال: ما خلق الله الولد إلا من نطفة الرجل والمرأة جميعا، لأن الله يقول ﴿خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ . * * وقوله ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ يقول: وجعلناكم متناسبين، فبعضكم يناسب بعضا نسبا بعيدا، وبعضكم يناسب بعضا نسبا قريبًا؛ فالمناسب النسب البعيد من لم ينسبه أهل الشعوب، وذلك إذا قيل للرجل من العرب: من أيّ شعب أنت؟ قال: أنا من مضر، أو من ربيعة. وأما أهل المناسبة القريبة أهل القبائل، وهم كتميم من مضر، وبكر من ربيعة، وأقرب القبائل الأفخاذ وهما كشيبان من بكر ودارم من تميم، ونحو ذلك، ومن الشَّعْب قول ابن أحمر الباهلي: مِن شَعْبِ هَمْدانَ أوْ سَعْدِ العَشِيرَة أوْ ... خَوْلانَ أو مَذْحِجٍ هَاجُوا لَهُ طَرَبا [[البيت لابن أحمر الباهلي، كما نسبه المؤلف. والشاهد فيه كلمة " الشعب "، وهو الفرع الكبير من الأصل، يجمع عددا من القبائل، كما أوضحه المؤلف. وقال النويري في (نهاية الأرب ٢: ٢٨٤) الشعب: هو الذي يجمع القبائل، وتتشعب منه. وفي مجاز القرآن لأبي عبيد (الورقة ٢٢٥ - ١) : " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ": يقال: من أي شعب أنت؟ فتقول: من مضر، من ربيعة، والقبائل دون ذلك. قال ابن أحمر " من شعب همدان ... البيت ".]] وبنحو الذي قلنا في معنى قوله ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: ثنا أبو حُصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ قال: الشعوب: الجُمَّاع والقبائل: البطون. ⁕ حدثنا خلاد بن أسلم، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، في قوله ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ قال: الشعوب: الجُمَّاع. قال خلاد، قال أبو بكر: القبائل العظام، مثل بني تميم، والقبائل: الأفخاذ. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جُبَير ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ قال: الشعوب: الجمهور، والقبائل: الأفخاذ. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿شُعُوبًا﴾ قال: النسب البعيد. ﴿وَقَبَائِلَ﴾ دون ذلك. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ قال: الشعوب: النسب البعيد، والقبائل كقوله: فلان من بني فلان، وفلان من بني فلان. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة. ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا﴾ قال: هو النسب البعيد. قال: والقبائل: كما تسمعه يقال: فلان من بني فلان. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا﴾ قال: أما الشعوب: فالنسب البعيد. وقال بعضهم: الشعوب: الأفخاذ. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جُبير ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ قال: الشعوب: الأفخاذ، والقبائل: القبائل. وقال آخرون: الشعوب: البطون، والقبائل: الأفخاذ. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يحيى بن طلحة، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ قال: الشعوب: البطون، والقبائل: الأفخاذ الكبار. وقال آخرون: الشعوب: الأنساب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ قال: الشعوب: الأنساب. * * وقوله ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ يقول: ليعرف بعضكم بعضا في النسب، يقول تعالى ذكره: إنما جعلنا هذه الشعوب والقبائل لكم أيها الناس، ليعرف بعضكم بعضا في قرب القرابة منه وبعده، لا لفضيلة لكم في ذلك، وقُربة تقرّبكم إلى الله، بل أكرمكم عند الله أتقاكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ قال: جعلنا هذا لتعارفوا، فلان بن فلان من كذا وكذا. * * وقوله ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ يقول تعالى ذكره: إن أكرمكم أيها الناس عند ربكم، أشدّكم اتقاء له بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، لا أعظمكم بيتا ولا أكثركم عشيرة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن عليّ بن رباح، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ قال: "النَّاسُ لآدَمَ وَحَوَّاءَ كَطَفِّ الصَّاعِ لَمْ يَمْلأوهُ، إنَّ اللهُ لا يسألُكُمْ عَنْ أحْسابِكُمْ وَلا عَنْ أنْسابِكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ، إن أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقاكُمْ". ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن عليّ بن رباح، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ أنْسابِكُمْ هَذِهِ لَيْسَتْ بِمَسابٍّ عَلى أحَدٍ، وإنَّمَا أنْتُمْ وَلَدُ آدَمَ طَفَّ الصَّاعِ لَمْ تَمْلأوهُ، لَيْسَ لأحَدٍ على أحَدٍ فضْلٌ إلا بِديْنٍ أوْ عَمَلٍ صالِحٍ حَسْبُ الرَّجُل أنْ يَكُونَ فاحِشا بَذيًّا بَخِيلا جَبانا". ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن ابن جُرَيْج، قال: سمعت عطاء يقول: قال ابن عباس: " ثلاث آيات جحدهنّ الناس: الإذن كله، وقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وقال الناس أكرمكم: أعظمكم بيتا؛ وقال عطاء: نسيت الثالثة". * * وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الله أيها الناس ذو علم بأتقاكم عند الله وأكرمكم عنده، ذو خبرة بكم وبمصالحكم، وغير ذلك من أموركم، لا تخفى عليه خافية.

Al-Mukhtasar (français)

Ô gens, Nous vous avons créés d’un seul mâle, qui est votre père Adam, et d’une seule femelle, qui est votre mère Eve. Votre ascendance est donc unique et il n’appartient de ce fait à personne parmi vous de s’enorgueillir devant autrui de sa généalogie. Puis Nous avons fait de vous des peuples nombreux et des tribus éparpillées, afin que vous fassiez connaissance les uns avec les autres et non afin que vous enorgueillissez les uns devant les autres. Le mérite n’est en effet acquis que par la piété. C’est pourquoi Allah dit ensuite: Le plus noble d’entre vous est le plus pieux. Allah connaît le mieux votre état et rien ne Lui échappe.

14

۞ قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَٰلِكُمْ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

Les Bédouins ont dit: «Nous avons la foi». Dis: «Vous n'avez pas encore la foi. Dites plutôt: Nous nous sommes simplement soumis, car la foi n'a pas encore pénétré dans vos cœurs. Et si vous obéissez à Allah et à Son messager, Il ne vous fera rien perdre de vos œuvres». Allah est Pardonneur et Miséricordieux.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْأَعْرَابِ الَّذِينَ أَوَّلَ مَا دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ ادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ مَقَامَ الْإِيمَانِ، وَلَمْ يَتَمَكَّنِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ بَعْدُ: ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ . وَقَدِ اسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْإِيمَانَ أَخَصُّ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ سَأَلَ عَنِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ عَنِ الْإِيمَانِ، ثُمَّ عَنِ الْإِحْسَانِ، فَتَرَقَّى مِنَ الْأَعَمِّ إِلَى الْأَخَصِّ، ثُمَّ لِلْأَخَصِّ مِنْهُ. قَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رِجَالًا وَلَمْ يُعْطِ رَجُلًا مِنْهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا وَلَمْ تُعط فُلَانًا شَيْئًا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَوْ مُسْلِمٌ" حَتَّى أَعَادَهَا سَعْدٌ ثَلَاثًا، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "أَوْ مُسْلِمٌ" ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنِّي لَأُعْطِي رِجَالًا وَأَدَعُ من هو أحب إليّ منهم فلم أعطيه شَيْئًا؛ مَخَافَةَ أَنْ يُكَبُّوا فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (١/١٧٦) وصحيح البخاري برقم (٢٧) وصحيح مسلم برقم (١٥٠) .]] . فَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُؤْمِنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ أَخَصُّ مِنَ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ قَرَّرْنَا ذَلِكَ بِأَدِلَّتِهِ فِي أَوَّلِ شَرْحِ كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ مُسْلِمًا لَيْسَ مُنَافِقًا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَهُ مِنَ الْعَطَاءِ وَوَكَلَهُ إِلَى مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى [[في ت: "إلى".]] أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابَ الْمَذْكُورِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَيْسُوا بِمُنَافِقِينَ، وَإِنَّمَا هُمْ مُسْلِمُونَ لَمْ يَسْتَحْكِمِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ، فَادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ مَقَامًا أَعْلَى مِمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ، فَأُدِّبُوا فِي ذَلِكَ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، ذَهَبَ إِلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مُنَافِقِينَ يُظهرون الْإِيمَانَ وَلَيْسُوا كَذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ زَيْدٍ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أَيِ: اسْتَسْلَمْنَا خَوْفَ الْقَتْلِ وَالسِّبَاءِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ امْتَنُّوا بِإِيمَانِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ أَنَّهُمْ قَوْمٌ ادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ مَقَامَ الْإِيمَانِ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ بَعْدُ، فَأُدِّبُوا وَأُعْلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ بَعْدُ، وَلَوْ كَانُوا مُنَافِقِينَ لَعُنِّفُوا وَفُضِحُوا، كَمَا ذُكِرَ الْمُنَافِقُونَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ. وَإِنَّمَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ تَأْدِيبًا: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أَيْ: لَمْ تَصِلُوا إِلَى حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ بَعْدُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ [شَيْئًا] ﴾ [[زيادة من ت.]] أَيْ: لَا يَنْقُصُكُمْ مِنْ أُجُورِكُمْ شَيْئًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطُّورِ: ٢١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الكُمَّل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أَيْ: لَمْ يَشُكُّوا وَلَا تَزَلْزَلُوا، بَلْ ثَبَتُوا [[في ت: "تثبتوا".]] عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ التَّصْدِيقُ الْمَحْضُ، ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَيْ: وَبَذَلُوا مُهَجَهُمْ [[في ت: "مهجتهم".]] وَنَفَائِسَ أَمْوَالِهِمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أَيْ: فِي قَوْلِهِمْ إِذَا قَالُوا: "إِنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ"، لَا كَبَعْضِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ لَيْسَ مَعَهُمْ مِنَ الدِّينِ إِلَّا الْكَلِمَةَ الظَّاهِرَةَ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا رِشْدين، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ [[في ت: "أبي سعيد رضي الله عنه".]] قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْمُؤْمِنُونَ فِي الدُّنْيَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ: [الَّذِينَ] [[زيادة من ت، أ، والمسند.]] آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَالَّذِي يَأْمَنُهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ. ثُمَّ الَّذِي إِذَا أَشْرَفَ عَلَى طَمَعٍ تَرَكَهُ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ" [[المسند (٣/٨) وفي إسناده بن أبي السمح عن أبي الهيثم وهو ضعيف.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أَيْ: أَتُخْبِرُونَهُ [[في ت: "أتخبرون".]] بِمَا فِي ضَمَائِرِكُمْ، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ أي: لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . ثُمَّ قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] : ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ ، يَعْنِي: الْأَعْرَابُ [الَّذِينَ] [[زيادة من ت، أ.]] يُمَنُّونَ بِإِسْلَامِهِمْ وَمُتَابَعَتِهِمْ وَنُصْرَتِهِمْ عَلَى الرَّسُولِ، يَقُولُ اللَّهُ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ﴾ ، فَإِنَّ نَفْعَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَعُودُ عَلَيْكُمْ، وَلِلَّهِ الْمِنَّةُ عَلَيْكُمْ فِيهِ، ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أَيْ: فِي دَعْوَاكُمْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْأَنْصَارِ يَوْمَ حُنَيْنٍ: "يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ " كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٣٣٠) من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ رَضِيَ الله عنه.]] . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من ت.]] قَالَ: جَاءَتْ بَنُو أَسَدٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْلَمْنَا وَقَاتَلَتْكَ الْعَرَبُ، ولم تقاتلك، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِقْهَهُمْ قَلِيلٌ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْطِقُ [[في أ: "ينطق".]] عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ". وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا نَعْلَمُ رَوَى أَبُو عَوْنٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، غَيْرَ [[في أ: "سوى".]] هَذَا الْحَدِيثِ [[ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥١٩) من طريق يحيى بن سعيد الأموي به.]] . ثُمَّ كَرَّرَ الْإِخْبَارَ بِعِلْمِهِ بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ، وَبَصَرِهِ بِأَعْمَالِ الْمَخْلُوقَاتِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ آخِرُ تَفْسِيرِ الحجرات، ولله الحمد والمنة

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: قالت الأعراب: صدّقنا بالله ورسوله، فنحن مؤمنون، قال الله لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لهم ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ ولستم مؤمنين ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ . وذُكر أن هذه الآية نزلت في أعراب من بني أسد. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا﴾ قال: أعراب بنى أسد بن خُزَيمة. واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله قيل للنبيّ ﷺ: قل لهؤلاء الأعراب: قولوا أسلمنا، ولا تقولوا آمنا، فقال بعضهم: إنما أمر النبيّ ﷺ بذلك، لأن القوم كانوا صدّقوا بألسنتهم، ولم يصدّقوا قولهم بفعلهم، فقيل لهم: قولوا أسلمنا، لأن الإسلام قول، والإيمان قول وعمل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ قال: إن الإسلام: الكلمة، والإيمان: العمل. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، وأخبرني الزهريّ، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: أعطى النبيّ ﷺ رجالا ولم يعط رجلا منهم شيئا، فقال سعد: يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا، ولم تعط فلانا شيئا، وهو مؤمن، فقال النبيّ ﷺ: أو مُسْلِمٌ؟ حتى أعادها سعد ثلاثا، والنبيّ ﷺ يقول: أوْ مُسْلِمٌ، ثم قال النبي ﷺ إني أُعْطِي رِجالا وأَدَعُ مَنْ هُوَ أحَبُّ إليَّ مِنْهُمْ، لا أُعْطِيه شَيْئا مَخافَةَ أنْ يُكَبُّوا فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ". ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ قال: لم يصدّقوا إيمانهم بأعمالهم، فردّ الله ذلك عليهم ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ، وأخبرهم أن المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون، صدّقوا إيمانهم بأعمالهم؛ فمن قال منهم: أنا مؤمن فقد صدق؛ قال: وأما من انتحل الإيمان بالكلام ولم يعمل فقد كذب، وليس بصادق. ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مُغيرة، عن إبراهيم ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ قال: هو الإسلام. وقال آخرون: إنما أمر النبيّ ﷺ بقيل ذلك لهم، لأنهم أرادوا أن يتسموا بأسماء المهاجرين قبل أن يهاجروا، فأعلمهم الله أن لهم أسماء الأعراب، لا أسماء المهاجرين. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا﴾ ... الآية، وذلك أنهم أرادوا أن يتسَمَّوا باسم الهجرة، ولا يتسَمَّوا بأسمائهم التي سماهم الله، وكان ذلك في أول الهجرة قبل أن تنزل المواريث لهم. وقال آخرون: قيل لهم ذلك لأنهم منوا على رسول الله ﷺ بإسلامهم، فقال الله لنبيه ﷺ: قل لهم لم تؤمنوا، ولكن استسلمتم خوف السباء والقتل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ ولعمري ما عمت هذه الآية الأعراب، إن من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر، ولكن إنما أنزلت في حيّ من أحياء الأعراب امتنوا بإسلامهم على نبيّ الله ﷺ، فقالوا: أسلمنا، ولم نقاتلك، كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، فقال الله: ﴿لا تقولوا آمنا. . .﴾ ، ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ حتى بلغ ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ قال: لم تعمّ هذه الآية الأعراب، إن من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويتخذ ما ينفق قربات عند الله، ولكنها في طوائف من الأعراب. ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن رَباح، عن أبي معروف، عن سعيد بن جُبَير ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ قال: استسلمنا لخوف السباء والقتل. ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد ﴿قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ قال: استسلمنا. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وقرأ قول الله ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ استسلمنا: دخلنا في السلم، وتركنا المحاربة والقتال بقولهم: لا إله إلا الله، وقال قال رسول الله ﷺ: "أُمِرْتُ أنْ أُقاتِل النَّاس حتى يَقُولُوا لا إلَهَ إلا اللهُ، فإذَا قالُوا لا إلَهَ إلا اللهُ، عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُمْ وأمْوَالهُمْ إلا بِحَقِّها وَحِسابُهُمْ على اللهِ". وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك القول الذي ذكرناه عن الزهريّ، وهو أن الله تقدّم إلى هؤلاء الأعراب الذين دخلوا في الملة إقرارا منهم بالقول، ولم يحققوا قولهم بعملهم أن يقولوا بالإطلاق آمنا دون تقييد قولهم بذلك بأن يقولوا آمنا بالله ورسوله، ولكن أمرهم أن يقولوا القول الذي لا يشكل على سامعيه والذي قائله فيه محقّ، وهو أن يقولوا أسلمنا، بمعنى: دخلنا في الملة والأموال، والشهادة الحق [[لعله دخلنا في الملة لحفظ الأنفس والأموال بالشهادة ... إلخ.]] . * * قوله ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ يقول تعالى ذكره: ولما يدخل العلم بشرائع الإيمان، وحقائق معانيه في قلوبكم. * * وقوله ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل لهؤلاء الأعراب القائلين آمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، إن تطيعوا الله ورسوله أيها القوم، فتأتمروا لأمره وأمر رسوله، وتعملوا بما فرض عليكم، وتنتهوا عما نهاكم عنه، ﴿لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ يقول: لا يظلمكم من أجور أعمالكم شيئا ولا ينقصكم من ثوابها شيئا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾ لا ينقصكم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ يقول: لن يظلمكم من أعمالكم شيئا. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال: إن تصدقوا إيمانكم بأعمالكم يقبل ذلك منكم. وقرأت قرّاء الأمصار ﴿لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾ بغير همز ولا ألف، سوى أبي عمرو، فإنه قرأ ذلك ﴿لا يَأْلَتْكُمْ﴾ بألف اعتبارا منه في ذلك بقوله ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ فمن قال: ألت، قال: يألت. وأما الآخرون فإنهم جعلوا ذلك من لات يليت، كما قال رُؤبةُ بن العجاج: وَلَيْلَةٍ ذَاتِ نَدًى سَرَيت ... ولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُرَاها لَيْتُ [[البيتان نسبهما المؤلف إلى رؤبة بن العجاج، ولم أجدهما في ديوانه ولا في ديوان أبيه العجاج. وأوردهما صاحب اللسان في (حنن) محمد ونسبهما على أبي الفقعسي. وقد استشهد بهما المؤلف مرة قبل هذه في (١٥: ٢) من هذه المطبوعة، عند أول سورة الإسراء. وشرحناهما شرحًا مفصلا يناسب هذه المقام، فراجعهما ثمة.]] والصواب من القراءة عندنا في ذلك، ما عليه قرّاء المدينة والكوفة ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾ بغير ألف ولا همز، على لغة من قال: لات يليت، لعلتين: إحداهما: إجماع الحجة من القرّاء عليها. والثانية أنها في المصحف بغير ألف، ولا تسقط الهمزة في مثل هذا الموضع، لأنها ساكنة، والهمزة إذا سكنت ثبتت، كما يقال: تأمرون وتأكلون، وإنما تسقط إذا سكن ما قبلها، ولا يحمل حرف في القرآن إذا أتى بلغة على آخر جاء بلغة خلافها إذا كانت اللغتان معروفتين في كلام العرب. وقد ذكرنا أن ألت ولات لغتان معروفتان من كلامهم. * * وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الله ذو عفو أيها الأعراب لمن أطاعه، وتاب إليه من سالف ذنوبه، فأطيعوه، وانتهوا إلى أمره ونهيه، يغفر لكم ذنوبكم، رحيم بخلقه التائبين إليه أن يعاقبهم بعد توبتهم من ذنوبهم على ما تابوا منه، فتوبوا إليه يرحمكم. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غفور للذنوب الكثيرة أو الكبيرة، شكّ يزيد، رحيم بعباده.

Al-Mukhtasar (français)

Certains bédouins dirent lorsqu’ils se rendirent auprès du Prophète: Nous croyons en Allah et en Son Messager. Dis-leur, ô Messager: Vous n’avez pas encore la foi… dites plutôt « Nous nous sommes soumis » car la foi ne s’est pas encore introduite dans vos cœurs, même s’il est prévu que cela arrive bientôt. Ô bédouins, si vous obéissez à Allah et à Son Messager en adhérant à la foi, en accomplissant de bonnes œuvres et en vous éloignant de ce qui est illicite, Allah ne vous retirera rien de la récompense de vos œuvres. Allah pardonne à Ses serviteurs qui se repentent et leur fait miséricorde.

15

إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ

Les vrais croyants sont seulement ceux qui croient en Allah et en Son messager, qui par la suite ne doutent point et qui luttent avec leurs biens et leurs personnes dans le chemin d'Allah. Ceux-là sont les véridiques.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْأَعْرَابِ الَّذِينَ أَوَّلَ مَا دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ ادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ مَقَامَ الْإِيمَانِ، وَلَمْ يَتَمَكَّنِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ بَعْدُ: ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ . وَقَدِ اسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْإِيمَانَ أَخَصُّ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ سَأَلَ عَنِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ عَنِ الْإِيمَانِ، ثُمَّ عَنِ الْإِحْسَانِ، فَتَرَقَّى مِنَ الْأَعَمِّ إِلَى الْأَخَصِّ، ثُمَّ لِلْأَخَصِّ مِنْهُ. قَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رِجَالًا وَلَمْ يُعْطِ رَجُلًا مِنْهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا وَلَمْ تُعط فُلَانًا شَيْئًا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَوْ مُسْلِمٌ" حَتَّى أَعَادَهَا سَعْدٌ ثَلَاثًا، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "أَوْ مُسْلِمٌ" ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنِّي لَأُعْطِي رِجَالًا وَأَدَعُ من هو أحب إليّ منهم فلم أعطيه شَيْئًا؛ مَخَافَةَ أَنْ يُكَبُّوا فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (١/١٧٦) وصحيح البخاري برقم (٢٧) وصحيح مسلم برقم (١٥٠) .]] . فَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُؤْمِنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ أَخَصُّ مِنَ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ قَرَّرْنَا ذَلِكَ بِأَدِلَّتِهِ فِي أَوَّلِ شَرْحِ كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ مُسْلِمًا لَيْسَ مُنَافِقًا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَهُ مِنَ الْعَطَاءِ وَوَكَلَهُ إِلَى مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى [[في ت: "إلى".]] أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابَ الْمَذْكُورِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَيْسُوا بِمُنَافِقِينَ، وَإِنَّمَا هُمْ مُسْلِمُونَ لَمْ يَسْتَحْكِمِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ، فَادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ مَقَامًا أَعْلَى مِمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ، فَأُدِّبُوا فِي ذَلِكَ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، ذَهَبَ إِلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مُنَافِقِينَ يُظهرون الْإِيمَانَ وَلَيْسُوا كَذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ زَيْدٍ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أَيِ: اسْتَسْلَمْنَا خَوْفَ الْقَتْلِ وَالسِّبَاءِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ امْتَنُّوا بِإِيمَانِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ أَنَّهُمْ قَوْمٌ ادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ مَقَامَ الْإِيمَانِ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ بَعْدُ، فَأُدِّبُوا وَأُعْلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ بَعْدُ، وَلَوْ كَانُوا مُنَافِقِينَ لَعُنِّفُوا وَفُضِحُوا، كَمَا ذُكِرَ الْمُنَافِقُونَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ. وَإِنَّمَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ تَأْدِيبًا: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أَيْ: لَمْ تَصِلُوا إِلَى حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ بَعْدُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ [شَيْئًا] ﴾ [[زيادة من ت.]] أَيْ: لَا يَنْقُصُكُمْ مِنْ أُجُورِكُمْ شَيْئًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطُّورِ: ٢١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الكُمَّل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أَيْ: لَمْ يَشُكُّوا وَلَا تَزَلْزَلُوا، بَلْ ثَبَتُوا [[في ت: "تثبتوا".]] عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ التَّصْدِيقُ الْمَحْضُ، ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَيْ: وَبَذَلُوا مُهَجَهُمْ [[في ت: "مهجتهم".]] وَنَفَائِسَ أَمْوَالِهِمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أَيْ: فِي قَوْلِهِمْ إِذَا قَالُوا: "إِنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ"، لَا كَبَعْضِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ لَيْسَ مَعَهُمْ مِنَ الدِّينِ إِلَّا الْكَلِمَةَ الظَّاهِرَةَ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا رِشْدين، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ [[في ت: "أبي سعيد رضي الله عنه".]] قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْمُؤْمِنُونَ فِي الدُّنْيَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ: [الَّذِينَ] [[زيادة من ت، أ، والمسند.]] آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَالَّذِي يَأْمَنُهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ. ثُمَّ الَّذِي إِذَا أَشْرَفَ عَلَى طَمَعٍ تَرَكَهُ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ" [[المسند (٣/٨) وفي إسناده بن أبي السمح عن أبي الهيثم وهو ضعيف.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أَيْ: أَتُخْبِرُونَهُ [[في ت: "أتخبرون".]] بِمَا فِي ضَمَائِرِكُمْ، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ أي: لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . ثُمَّ قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] : ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ ، يَعْنِي: الْأَعْرَابُ [الَّذِينَ] [[زيادة من ت، أ.]] يُمَنُّونَ بِإِسْلَامِهِمْ وَمُتَابَعَتِهِمْ وَنُصْرَتِهِمْ عَلَى الرَّسُولِ، يَقُولُ اللَّهُ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ﴾ ، فَإِنَّ نَفْعَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَعُودُ عَلَيْكُمْ، وَلِلَّهِ الْمِنَّةُ عَلَيْكُمْ فِيهِ، ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أَيْ: فِي دَعْوَاكُمْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْأَنْصَارِ يَوْمَ حُنَيْنٍ: "يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ " كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٣٣٠) من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ رَضِيَ الله عنه.]] . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من ت.]] قَالَ: جَاءَتْ بَنُو أَسَدٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْلَمْنَا وَقَاتَلَتْكَ الْعَرَبُ، ولم تقاتلك، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِقْهَهُمْ قَلِيلٌ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْطِقُ [[في أ: "ينطق".]] عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ". وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا نَعْلَمُ رَوَى أَبُو عَوْنٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، غَيْرَ [[في أ: "سوى".]] هَذَا الْحَدِيثِ [[ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥١٩) من طريق يحيى بن سعيد الأموي به.]] . ثُمَّ كَرَّرَ الْإِخْبَارَ بِعِلْمِهِ بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ، وَبَصَرِهِ بِأَعْمَالِ الْمَخْلُوقَاتِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ آخِرُ تَفْسِيرِ الحجرات، ولله الحمد والمنة

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) ﴾ يقول تعالى ذكره للأعراب الذين قالوا آمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم: إنما المؤمنون أيها القوم الذين صدّقوا الله ورسوله، ثم لم يرتابوا، يقول: ثم لم يشكوا في وحدانية الله، ولا في نبوّة نبيه ﷺ، وألزم نفسه طاعة الله وطاعة رسوله، والعمل بما وجب عليه من فرائض الله بغير شكّ منه في وجوب ذلك عليه ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يقول: جاهدوا المشركين بإنفاق أموالهم، وبذل مُهجِهم في جهادهم، على ما أمرهم الله به من جهادهم، وذلك سبيله لتكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى. * * وقوله ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ يقول: هؤلاء الذين يفعلون ذلك هم الصادقون في قولهم: إنا مؤمنون، لا من دخل في الملة خوف السيف ليحقن دمه وماله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ قال: صدّقوا إيمانهم بأعمالهم.

Al-Mukhtasar (français)

Les croyants sont uniquement ceux qui croient en Allah et en Son Messager, d'une foi qui n’est entachée par aucun doute, qui luttent avec leurs biens et leurs personnes sans retenue pour la cause d’Allah et sont sincères dans leur foi.

16

قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ

Dis: «Est-ce vous qui apprendrez à Allah votre religion, alors qu'Allah sait tout ce qui est dans les cieux et sur la terre?» Et Allah est Omniscient.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْأَعْرَابِ الَّذِينَ أَوَّلَ مَا دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ ادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ مَقَامَ الْإِيمَانِ، وَلَمْ يَتَمَكَّنِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ بَعْدُ: ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ . وَقَدِ اسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْإِيمَانَ أَخَصُّ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ سَأَلَ عَنِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ عَنِ الْإِيمَانِ، ثُمَّ عَنِ الْإِحْسَانِ، فَتَرَقَّى مِنَ الْأَعَمِّ إِلَى الْأَخَصِّ، ثُمَّ لِلْأَخَصِّ مِنْهُ. قَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رِجَالًا وَلَمْ يُعْطِ رَجُلًا مِنْهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا وَلَمْ تُعط فُلَانًا شَيْئًا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَوْ مُسْلِمٌ" حَتَّى أَعَادَهَا سَعْدٌ ثَلَاثًا، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "أَوْ مُسْلِمٌ" ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنِّي لَأُعْطِي رِجَالًا وَأَدَعُ من هو أحب إليّ منهم فلم أعطيه شَيْئًا؛ مَخَافَةَ أَنْ يُكَبُّوا فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (١/١٧٦) وصحيح البخاري برقم (٢٧) وصحيح مسلم برقم (١٥٠) .]] . فَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُؤْمِنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ أَخَصُّ مِنَ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ قَرَّرْنَا ذَلِكَ بِأَدِلَّتِهِ فِي أَوَّلِ شَرْحِ كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ مُسْلِمًا لَيْسَ مُنَافِقًا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَهُ مِنَ الْعَطَاءِ وَوَكَلَهُ إِلَى مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى [[في ت: "إلى".]] أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابَ الْمَذْكُورِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَيْسُوا بِمُنَافِقِينَ، وَإِنَّمَا هُمْ مُسْلِمُونَ لَمْ يَسْتَحْكِمِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ، فَادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ مَقَامًا أَعْلَى مِمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ، فَأُدِّبُوا فِي ذَلِكَ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، ذَهَبَ إِلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مُنَافِقِينَ يُظهرون الْإِيمَانَ وَلَيْسُوا كَذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ زَيْدٍ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أَيِ: اسْتَسْلَمْنَا خَوْفَ الْقَتْلِ وَالسِّبَاءِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ امْتَنُّوا بِإِيمَانِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ أَنَّهُمْ قَوْمٌ ادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ مَقَامَ الْإِيمَانِ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ بَعْدُ، فَأُدِّبُوا وَأُعْلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ بَعْدُ، وَلَوْ كَانُوا مُنَافِقِينَ لَعُنِّفُوا وَفُضِحُوا، كَمَا ذُكِرَ الْمُنَافِقُونَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ. وَإِنَّمَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ تَأْدِيبًا: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أَيْ: لَمْ تَصِلُوا إِلَى حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ بَعْدُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ [شَيْئًا] ﴾ [[زيادة من ت.]] أَيْ: لَا يَنْقُصُكُمْ مِنْ أُجُورِكُمْ شَيْئًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطُّورِ: ٢١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الكُمَّل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أَيْ: لَمْ يَشُكُّوا وَلَا تَزَلْزَلُوا، بَلْ ثَبَتُوا [[في ت: "تثبتوا".]] عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ التَّصْدِيقُ الْمَحْضُ، ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَيْ: وَبَذَلُوا مُهَجَهُمْ [[في ت: "مهجتهم".]] وَنَفَائِسَ أَمْوَالِهِمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أَيْ: فِي قَوْلِهِمْ إِذَا قَالُوا: "إِنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ"، لَا كَبَعْضِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ لَيْسَ مَعَهُمْ مِنَ الدِّينِ إِلَّا الْكَلِمَةَ الظَّاهِرَةَ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا رِشْدين، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ [[في ت: "أبي سعيد رضي الله عنه".]] قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْمُؤْمِنُونَ فِي الدُّنْيَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ: [الَّذِينَ] [[زيادة من ت، أ، والمسند.]] آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَالَّذِي يَأْمَنُهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ. ثُمَّ الَّذِي إِذَا أَشْرَفَ عَلَى طَمَعٍ تَرَكَهُ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ" [[المسند (٣/٨) وفي إسناده بن أبي السمح عن أبي الهيثم وهو ضعيف.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أَيْ: أَتُخْبِرُونَهُ [[في ت: "أتخبرون".]] بِمَا فِي ضَمَائِرِكُمْ، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ أي: لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . ثُمَّ قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] : ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ ، يَعْنِي: الْأَعْرَابُ [الَّذِينَ] [[زيادة من ت، أ.]] يُمَنُّونَ بِإِسْلَامِهِمْ وَمُتَابَعَتِهِمْ وَنُصْرَتِهِمْ عَلَى الرَّسُولِ، يَقُولُ اللَّهُ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ﴾ ، فَإِنَّ نَفْعَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَعُودُ عَلَيْكُمْ، وَلِلَّهِ الْمِنَّةُ عَلَيْكُمْ فِيهِ، ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أَيْ: فِي دَعْوَاكُمْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْأَنْصَارِ يَوْمَ حُنَيْنٍ: "يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ " كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٣٣٠) من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ رَضِيَ الله عنه.]] . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من ت.]] قَالَ: جَاءَتْ بَنُو أَسَدٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْلَمْنَا وَقَاتَلَتْكَ الْعَرَبُ، ولم تقاتلك، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِقْهَهُمْ قَلِيلٌ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْطِقُ [[في أ: "ينطق".]] عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ". وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا نَعْلَمُ رَوَى أَبُو عَوْنٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، غَيْرَ [[في أ: "سوى".]] هَذَا الْحَدِيثِ [[ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥١٩) من طريق يحيى بن سعيد الأموي به.]] . ثُمَّ كَرَّرَ الْإِخْبَارَ بِعِلْمِهِ بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ، وَبَصَرِهِ بِأَعْمَالِ الْمَخْلُوقَاتِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ آخِرُ تَفْسِيرِ الحجرات، ولله الحمد والمنة

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (١٦) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء الأعراب القائلين آمنا ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم: ﴿أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ﴾ أيها القوم بدينكم، يعني بطاعتكم ربكم ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ يقول: والله الذي تعلِّمونه أنكم مؤمنون، علام جميع ما في السموات السبع والأرضين السبع، لا يخفى عليه منه شيء، فكيف تعلمونه بدينكم، والذي أنتم عليه من الإيمان، وهو لا يخفى عليه خافية، في سماء ولا أرض، فيخفى عليه ما أنتم عليه من الدين ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يقول: والله بكلّ ما كان، وما هو كائن، وبما يكون ذو علم. وإنما هذا تقدّم من الله إلى هؤلاء الأعراب بالنهي، عن أن يكذّبوا ويقولوا غير الذي هم عليه في دينهم. يقول: الله محيط بكلّ شيء عالم به، فاحذروا أن تقولوا خلاف ما يعلم من ضمائر صدوركم، فينالكم عقوبته، فإنه لا يخفى عليه شيء. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: يمنّ عليك هؤلاء الأعراب يا محمد أن أسلموا ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ﴾ يقول: بل الله يمن عليكم أيها القوم أن وفقكم للإيمان به وبرسوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يقول: إن كنتم صادقين في قولكم آمنا، فإن الله هو الذي منّ عليكم بأن هداكم له، فلا تمنوا عليّ بإسلامكم. وذُكر أن هؤلاء الأعراب من بني أسد، امتنوا على رسول الله ﷺ، فقالوا: آمنا من غير قتال، ولم نقاتلك كما قاتلك غيرنا، فأنزل الله فيهم هذه الآيات. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبَير في هذه الآية ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ أهم بنو أسد؟ قال: قد قيل ذلك. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا سهل بن يوسف، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، قال: قلت لسعيد بن جُبَير ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ أهم بنو أسد؟ قال: يزعمون ذاك. ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، قال: كان بشر بن غالب ولبيد بن عطارد، أو بشر بن عطارد، ولبيد بن غالب عند الحجاج جالسين، فقال بشر بن غالب للبيد بن عطارد: نزلت في قومك بني تميم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ فذكرت ذلك لسعيد بن جُبَير، فقال: إنه لو علم بآخر الآية أجابه ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ قالوا أسلمنا ولم تقاتلك بنو أسد. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿لا تَمُنُّوا﴾ أنا أسلمنا بغير قتال لم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، فقال الله لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ﴾ لهم (لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ) . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ﴾ قال: فهذه الآيات نزلت في الأعراب.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, dis à ces bédouins: Apprendrez-vous à Allah votre religion alors qu’Allah sait ce qui est dans les Cieux et sur la Terre et connaît toute chose. Rien ne Lui échappe et Il n’a pas besoin que vous Lui appreniez votre religion.

17

يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا۟ ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا۟ عَلَىَّ إِسْلَٰمَكُم ۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَىٰكُمْ لِلْإِيمَٰنِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Ils te rappellent leur conversion à l'Islam comme si c'était une faveur de leur part. Dis: «Ne me rappelez pas votre conversion à l'Islam comme une faveur. C'est tout au contraire une faveur dont Allah vous a comblés en vous dirigeant vers la foi, si toutefois vous êtes véridiques».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْأَعْرَابِ الَّذِينَ أَوَّلَ مَا دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ ادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ مَقَامَ الْإِيمَانِ، وَلَمْ يَتَمَكَّنِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ بَعْدُ: ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ . وَقَدِ اسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْإِيمَانَ أَخَصُّ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ سَأَلَ عَنِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ عَنِ الْإِيمَانِ، ثُمَّ عَنِ الْإِحْسَانِ، فَتَرَقَّى مِنَ الْأَعَمِّ إِلَى الْأَخَصِّ، ثُمَّ لِلْأَخَصِّ مِنْهُ. قَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رِجَالًا وَلَمْ يُعْطِ رَجُلًا مِنْهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا وَلَمْ تُعط فُلَانًا شَيْئًا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَوْ مُسْلِمٌ" حَتَّى أَعَادَهَا سَعْدٌ ثَلَاثًا، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "أَوْ مُسْلِمٌ" ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنِّي لَأُعْطِي رِجَالًا وَأَدَعُ من هو أحب إليّ منهم فلم أعطيه شَيْئًا؛ مَخَافَةَ أَنْ يُكَبُّوا فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (١/١٧٦) وصحيح البخاري برقم (٢٧) وصحيح مسلم برقم (١٥٠) .]] . فَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُؤْمِنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ أَخَصُّ مِنَ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ قَرَّرْنَا ذَلِكَ بِأَدِلَّتِهِ فِي أَوَّلِ شَرْحِ كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ مُسْلِمًا لَيْسَ مُنَافِقًا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَهُ مِنَ الْعَطَاءِ وَوَكَلَهُ إِلَى مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى [[في ت: "إلى".]] أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابَ الْمَذْكُورِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَيْسُوا بِمُنَافِقِينَ، وَإِنَّمَا هُمْ مُسْلِمُونَ لَمْ يَسْتَحْكِمِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ، فَادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ مَقَامًا أَعْلَى مِمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ، فَأُدِّبُوا فِي ذَلِكَ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، ذَهَبَ إِلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مُنَافِقِينَ يُظهرون الْإِيمَانَ وَلَيْسُوا كَذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ زَيْدٍ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أَيِ: اسْتَسْلَمْنَا خَوْفَ الْقَتْلِ وَالسِّبَاءِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ امْتَنُّوا بِإِيمَانِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ أَنَّهُمْ قَوْمٌ ادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ مَقَامَ الْإِيمَانِ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ بَعْدُ، فَأُدِّبُوا وَأُعْلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ بَعْدُ، وَلَوْ كَانُوا مُنَافِقِينَ لَعُنِّفُوا وَفُضِحُوا، كَمَا ذُكِرَ الْمُنَافِقُونَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ. وَإِنَّمَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ تَأْدِيبًا: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أَيْ: لَمْ تَصِلُوا إِلَى حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ بَعْدُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ [شَيْئًا] ﴾ [[زيادة من ت.]] أَيْ: لَا يَنْقُصُكُمْ مِنْ أُجُورِكُمْ شَيْئًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطُّورِ: ٢١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الكُمَّل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أَيْ: لَمْ يَشُكُّوا وَلَا تَزَلْزَلُوا، بَلْ ثَبَتُوا [[في ت: "تثبتوا".]] عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ التَّصْدِيقُ الْمَحْضُ، ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَيْ: وَبَذَلُوا مُهَجَهُمْ [[في ت: "مهجتهم".]] وَنَفَائِسَ أَمْوَالِهِمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أَيْ: فِي قَوْلِهِمْ إِذَا قَالُوا: "إِنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ"، لَا كَبَعْضِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ لَيْسَ مَعَهُمْ مِنَ الدِّينِ إِلَّا الْكَلِمَةَ الظَّاهِرَةَ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا رِشْدين، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ [[في ت: "أبي سعيد رضي الله عنه".]] قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْمُؤْمِنُونَ فِي الدُّنْيَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ: [الَّذِينَ] [[زيادة من ت، أ، والمسند.]] آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَالَّذِي يَأْمَنُهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ. ثُمَّ الَّذِي إِذَا أَشْرَفَ عَلَى طَمَعٍ تَرَكَهُ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ" [[المسند (٣/٨) وفي إسناده بن أبي السمح عن أبي الهيثم وهو ضعيف.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أَيْ: أَتُخْبِرُونَهُ [[في ت: "أتخبرون".]] بِمَا فِي ضَمَائِرِكُمْ، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ أي: لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . ثُمَّ قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] : ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ ، يَعْنِي: الْأَعْرَابُ [الَّذِينَ] [[زيادة من ت، أ.]] يُمَنُّونَ بِإِسْلَامِهِمْ وَمُتَابَعَتِهِمْ وَنُصْرَتِهِمْ عَلَى الرَّسُولِ، يَقُولُ اللَّهُ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ﴾ ، فَإِنَّ نَفْعَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَعُودُ عَلَيْكُمْ، وَلِلَّهِ الْمِنَّةُ عَلَيْكُمْ فِيهِ، ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أَيْ: فِي دَعْوَاكُمْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْأَنْصَارِ يَوْمَ حُنَيْنٍ: "يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ " كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٣٣٠) من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ رَضِيَ الله عنه.]] . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من ت.]] قَالَ: جَاءَتْ بَنُو أَسَدٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْلَمْنَا وَقَاتَلَتْكَ الْعَرَبُ، ولم تقاتلك، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِقْهَهُمْ قَلِيلٌ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْطِقُ [[في أ: "ينطق".]] عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ". وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا نَعْلَمُ رَوَى أَبُو عَوْنٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، غَيْرَ [[في أ: "سوى".]] هَذَا الْحَدِيثِ [[ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥١٩) من طريق يحيى بن سعيد الأموي به.]] . ثُمَّ كَرَّرَ الْإِخْبَارَ بِعِلْمِهِ بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ، وَبَصَرِهِ بِأَعْمَالِ الْمَخْلُوقَاتِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ آخِرُ تَفْسِيرِ الحجرات، ولله الحمد والمنة

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (١٦) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء الأعراب القائلين آمنا ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم: ﴿أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ﴾ أيها القوم بدينكم، يعني بطاعتكم ربكم ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ يقول: والله الذي تعلِّمونه أنكم مؤمنون، علام جميع ما في السموات السبع والأرضين السبع، لا يخفى عليه منه شيء، فكيف تعلمونه بدينكم، والذي أنتم عليه من الإيمان، وهو لا يخفى عليه خافية، في سماء ولا أرض، فيخفى عليه ما أنتم عليه من الدين ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يقول: والله بكلّ ما كان، وما هو كائن، وبما يكون ذو علم. وإنما هذا تقدّم من الله إلى هؤلاء الأعراب بالنهي، عن أن يكذّبوا ويقولوا غير الذي هم عليه في دينهم. يقول: الله محيط بكلّ شيء عالم به، فاحذروا أن تقولوا خلاف ما يعلم من ضمائر صدوركم، فينالكم عقوبته، فإنه لا يخفى عليه شيء. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: يمنّ عليك هؤلاء الأعراب يا محمد أن أسلموا ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ﴾ يقول: بل الله يمن عليكم أيها القوم أن وفقكم للإيمان به وبرسوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يقول: إن كنتم صادقين في قولكم آمنا، فإن الله هو الذي منّ عليكم بأن هداكم له، فلا تمنوا عليّ بإسلامكم. وذُكر أن هؤلاء الأعراب من بني أسد، امتنوا على رسول الله ﷺ، فقالوا: آمنا من غير قتال، ولم نقاتلك كما قاتلك غيرنا، فأنزل الله فيهم هذه الآيات. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبَير في هذه الآية ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ أهم بنو أسد؟ قال: قد قيل ذلك. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا سهل بن يوسف، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، قال: قلت لسعيد بن جُبَير ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ أهم بنو أسد؟ قال: يزعمون ذاك. ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، قال: كان بشر بن غالب ولبيد بن عطارد، أو بشر بن عطارد، ولبيد بن غالب عند الحجاج جالسين، فقال بشر بن غالب للبيد بن عطارد: نزلت في قومك بني تميم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ فذكرت ذلك لسعيد بن جُبَير، فقال: إنه لو علم بآخر الآية أجابه ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ قالوا أسلمنا ولم تقاتلك بنو أسد. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿لا تَمُنُّوا﴾ أنا أسلمنا بغير قتال لم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، فقال الله لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ﴾ لهم (لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ) . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ﴾ قال: فهذه الآيات نزلت في الأعراب.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, ces bédouins te rappellent leur conversion à l’Islam comme s’ils t’avaient fait une faveur. Dis-leur: Ne me rappelez pas votre conversion à l’Islam comme si vous m’aviez fait une faveur, car c’est vous qui profitez du bénéfice de votre conversion. C’est plutôt Allah qui vous rappelle la faveur de vous avoir facilité d’avoir la foi, si vous êtes véridiques lorsque vous prétendez vous être convertis.

18

إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

Allah connaît l'Inconnaissable des cieux et de la terre et Allah est Clairvoyant sur ce que vous faites.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْأَعْرَابِ الَّذِينَ أَوَّلَ مَا دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ ادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ مَقَامَ الْإِيمَانِ، وَلَمْ يَتَمَكَّنِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ بَعْدُ: ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ . وَقَدِ اسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْإِيمَانَ أَخَصُّ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ سَأَلَ عَنِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ عَنِ الْإِيمَانِ، ثُمَّ عَنِ الْإِحْسَانِ، فَتَرَقَّى مِنَ الْأَعَمِّ إِلَى الْأَخَصِّ، ثُمَّ لِلْأَخَصِّ مِنْهُ. قَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رِجَالًا وَلَمْ يُعْطِ رَجُلًا مِنْهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا وَلَمْ تُعط فُلَانًا شَيْئًا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَوْ مُسْلِمٌ" حَتَّى أَعَادَهَا سَعْدٌ ثَلَاثًا، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "أَوْ مُسْلِمٌ" ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنِّي لَأُعْطِي رِجَالًا وَأَدَعُ من هو أحب إليّ منهم فلم أعطيه شَيْئًا؛ مَخَافَةَ أَنْ يُكَبُّوا فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (١/١٧٦) وصحيح البخاري برقم (٢٧) وصحيح مسلم برقم (١٥٠) .]] . فَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُؤْمِنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ أَخَصُّ مِنَ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ قَرَّرْنَا ذَلِكَ بِأَدِلَّتِهِ فِي أَوَّلِ شَرْحِ كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ مُسْلِمًا لَيْسَ مُنَافِقًا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَهُ مِنَ الْعَطَاءِ وَوَكَلَهُ إِلَى مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى [[في ت: "إلى".]] أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابَ الْمَذْكُورِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَيْسُوا بِمُنَافِقِينَ، وَإِنَّمَا هُمْ مُسْلِمُونَ لَمْ يَسْتَحْكِمِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ، فَادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ مَقَامًا أَعْلَى مِمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ، فَأُدِّبُوا فِي ذَلِكَ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، ذَهَبَ إِلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مُنَافِقِينَ يُظهرون الْإِيمَانَ وَلَيْسُوا كَذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ زَيْدٍ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أَيِ: اسْتَسْلَمْنَا خَوْفَ الْقَتْلِ وَالسِّبَاءِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ امْتَنُّوا بِإِيمَانِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ أَنَّهُمْ قَوْمٌ ادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ مَقَامَ الْإِيمَانِ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ بَعْدُ، فَأُدِّبُوا وَأُعْلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ بَعْدُ، وَلَوْ كَانُوا مُنَافِقِينَ لَعُنِّفُوا وَفُضِحُوا، كَمَا ذُكِرَ الْمُنَافِقُونَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ. وَإِنَّمَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ تَأْدِيبًا: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أَيْ: لَمْ تَصِلُوا إِلَى حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ بَعْدُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ [شَيْئًا] ﴾ [[زيادة من ت.]] أَيْ: لَا يَنْقُصُكُمْ مِنْ أُجُورِكُمْ شَيْئًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطُّورِ: ٢١] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الكُمَّل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أَيْ: لَمْ يَشُكُّوا وَلَا تَزَلْزَلُوا، بَلْ ثَبَتُوا [[في ت: "تثبتوا".]] عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ التَّصْدِيقُ الْمَحْضُ، ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَيْ: وَبَذَلُوا مُهَجَهُمْ [[في ت: "مهجتهم".]] وَنَفَائِسَ أَمْوَالِهِمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أَيْ: فِي قَوْلِهِمْ إِذَا قَالُوا: "إِنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ"، لَا كَبَعْضِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ لَيْسَ مَعَهُمْ مِنَ الدِّينِ إِلَّا الْكَلِمَةَ الظَّاهِرَةَ. وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا رِشْدين، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ [[في ت: "أبي سعيد رضي الله عنه".]] قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْمُؤْمِنُونَ فِي الدُّنْيَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ: [الَّذِينَ] [[زيادة من ت، أ، والمسند.]] آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَالَّذِي يَأْمَنُهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ. ثُمَّ الَّذِي إِذَا أَشْرَفَ عَلَى طَمَعٍ تَرَكَهُ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ" [[المسند (٣/٨) وفي إسناده بن أبي السمح عن أبي الهيثم وهو ضعيف.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أَيْ: أَتُخْبِرُونَهُ [[في ت: "أتخبرون".]] بِمَا فِي ضَمَائِرِكُمْ، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ أي: لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . ثُمَّ قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] : ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ ، يَعْنِي: الْأَعْرَابُ [الَّذِينَ] [[زيادة من ت، أ.]] يُمَنُّونَ بِإِسْلَامِهِمْ وَمُتَابَعَتِهِمْ وَنُصْرَتِهِمْ عَلَى الرَّسُولِ، يَقُولُ اللَّهُ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ﴾ ، فَإِنَّ نَفْعَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَعُودُ عَلَيْكُمْ، وَلِلَّهِ الْمِنَّةُ عَلَيْكُمْ فِيهِ، ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أَيْ: فِي دَعْوَاكُمْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْأَنْصَارِ يَوْمَ حُنَيْنٍ: "يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ " كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٣٣٠) من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ رَضِيَ الله عنه.]] . وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من ت.]] قَالَ: جَاءَتْ بَنُو أَسَدٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْلَمْنَا وَقَاتَلَتْكَ الْعَرَبُ، ولم تقاتلك، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ فِقْهَهُمْ قَلِيلٌ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْطِقُ [[في أ: "ينطق".]] عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ". وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا نَعْلَمُ رَوَى أَبُو عَوْنٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، غَيْرَ [[في أ: "سوى".]] هَذَا الْحَدِيثِ [[ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥١٩) من طريق يحيى بن سعيد الأموي به.]] . ثُمَّ كَرَّرَ الْإِخْبَارَ بِعِلْمِهِ بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ، وَبَصَرِهِ بِأَعْمَالِ الْمَخْلُوقَاتِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ آخِرُ تَفْسِيرِ الحجرات، ولله الحمد والمنة

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الله أيها الأعراب لا يخفى عليه الصادق منكم من الكاذب، ومن الداخل منكم في ملة الإسلام رغبة فيه، ومن الداخل فيه رهبة من رسولنا محمد ﷺ وجنده، فلا تعلمونا دينكم وضمائر صدوركم، فإن الله يعلم ما تكنه ضمائر صدوركم، وتحدّثون به أنفسكم، ويعلم ما غاب عنكم، فاستسرّ في خبايا السموات والأرض، لا يخفى عليه شيء من ذلك ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يقول: والله ذو بصر بأعمالكم التي تعملونها، أجهرا تعملون أم سرّا، طاعة تعملون أو معصية؟ وهو مجازيكم على جميع ذلك، إن خيرا فخير، وان شرّا فشرّ وكُفُؤه. و ﴿أنْ﴾ في قوله ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ في موضع نصب بوقوع يمنون عليها، وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ إِسْلامَهُمْ﴾ ، وذلك دليل على صحة ما قلنا، ولو قيل: هي نصب بمعنى: يمنون عليك لأن أسلموا، لكان وجها يتجه. وقال بعض أهل العربية: هي في موضع خفض. بمعنى: لأن أسلموا. وأما ﴿أن﴾ التي في قوله ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ﴾ فإنها في موضع نصب بسقوط الصلة لأن معنى الكلام: بل الله يمنّ عليكم بأن هداكم للإيمان. آخر تفسير سورة الحجرات

Al-Mukhtasar (français)

Allah connaît l’Invisible dans les Cieux et sur la Terre et rien ne Lui échappe. Allah voit le mieux ce que vous faites. Rien de vos agissements ne Lui échappe et Il vous rétribuera pour ce que vous faites comme bien ou comme mal.

← Toutes les sourates