تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحَشْرِ [وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سُورَةُ بَنِي النَّضِيرِ] [[زيادة من أ.]] . وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيم، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْحَشْرِ؟ قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي بَنِي النَّضِيرِ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ هُشَيْم، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٢) وصحيح مسلم برقم (٣٣١) .]] . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوانة، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْحَشْرِ؟ قَالَ: قُل: سُورَةُ النَّضير [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٣) .]] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ جميع مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ يُسَبِّحُ لَهُ وَيُمَجِّدُهُ وَيُقَدِّسُهُ، وَيُصَلِّي لَهُ وَيُوَحِّدُهُ [[في م: "وحده".]] كَقَوْلِهِ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ] وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ] ﴾ [[زيادة من م.]] [الْإِسْرَاءِ: ٤٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أَيْ: مَنِيعُ الْجَنَابِ ﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي قَدَرِهِ وَشَرْعِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يَعْنِي: يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ المدينة هادنهم وأعطاهم عَهْدًا وَذِمَّةً، عَلَى أَلَّا يُقَاتِلَهُمْ وَلَا يُقَاتِلُوهُ، فَنَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَأَحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ بِأْسَهُ الَّذِي لَا مَرَدَّ [[في م: "لا يرد".]] لَهُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ قَضَاءَهُ الَّذِي لَا يُصَدّ، فَأَجْلَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ حُصُونِهِمُ الْحَصِينَةِ الَّتِي مَا طَمِعَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ، وَظَنُّوا هُمْ أَنَّهَا مَانِعَتُهُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ، فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَجَاءَهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ بِبَالِهِمْ، وَسَيَّرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَأَجْلَاهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ذَهَبُوا إِلَى أَذَرِعَاتٍ مِنْ أَعَالِي الشَّامِ، وَهِيَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ، وَمِنْهُمْ طَائِفَةٌ ذَهَبُوا إِلَى خَيْبَرَ. وَكَانَ قَدْ أَنْزَلَهُمْ مِنْهَا عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ إِبِلُهُمْ، فَكَانُوا يُخَرِّبُونَ مَا فِي بُيُوتِهِمْ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُحْمَلَ مَعَهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ﴾ أَيْ: تَفَكَّرُوا فِي عَاقِبَةِ مَنْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ وَخَالَفَ رَسُولَهُ، وَكَذَّبَ كِتَابَهُ، كَيْفَ يَحِلُّ بِهِ مِنْ بَأْسِهِ الْمُخْزِي لَهُ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُهُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ وَسُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كَتَبُوا إِلَى ابْنِ أُبَيٍّ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ يَعْبُدُ [مَعَهُ] [[زيادة من سنن أبي داود.]] الْأَوْثَانَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ: إِنَّكُمْ آوَيْتُمْ صَاحِبَنَا، وَإِنَّا نُقْسِمُ بِاللَّهِ لَنُقَاتِلَنَّهُ، أَوْ لَتُخْرِجُنَّهُ، أَوْ لَنَسِيرَنَّ إِلَيْكُمْ بِأَجْمَعِنَا، حَتَّى نَقْتُلَ مُقَاتلتكم وَنَسْتَبِيحَ نِسَاءَكُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، اجْتَمَعُوا لِقِتَالِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُمْ، فَقَالَ: "لَقَدْ بَلَغَ وَعِيدُ قُرَيْشٍ مِنْكُمُ الْمَبَالِغَ، مَا كَانَتْ تَكِيدُكُمْ بِأَكْثَرَ مِمَّا تُرِيدُ أَنْ تَكِيدُوا بِهِ أَنْفُسَكُمْ، تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا أَبْنَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ؟ "، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ تَفَرَّقُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ كَفَّارَ قُرَيْشٍ، فَكَتَبَتْ كَفَّارُ قُرَيْشٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ إِلَى الْيَهُودِ: إِنَّكُمْ أَهْلُ الْحَلْقَةِ وَالْحُصُونِ، وَإِنَّكُمْ لَتُقَاتِلُّنَ مَعَ صَاحِبِنَا أَوْ لَنَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا، وَلَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَدَمِ نِسَائِكُمْ شَيْءٌ -وَهِيَ الْخَلَاخِيلُ -فَلَمَّا بَلَغَ كِتَابُهُمُ النَّبِيَّ ﷺ اجْتَمَعَتْ بَنُو النَّضِيرِ بِالْغَدْرِ، فَأَرْسَلُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: اخْرُجْ إِلَيْنَا فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ لِيَخْرُجَ مِنَّا ثَلَاثُونَ حَبْرًا، حَتَّى نَلْتَقِيَ بِمَكَانِ الْمَنْصَفِ فَيَسْمَعُوا مِنْكَ، فَإِنْ صَدَّقُوكَ وَآمَنُوا بِكَ آمَنَّا بِكَ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ غَدَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [بِالْكَتَائِبِ] [[زيادة من سنن أبي داود.]] فَحَصَرَهُمْ، قَالَ لَهُمْ: "إِنَّكُمْ وَاللَّهِ لَا تَأْمَنُوا عِنْدِي إِلَّا بِعَهْدٍ تُعَاهِدُونِي عَلَيْهِ". فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُ عَهْدًا، فَقَاتَلَهُمْ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ غَدَا الغَد عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ بِالْكَتَائِبِ، وَتَرَكَ بَنِي النَّضِيرِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى أَنْ يُعَاهِدُوهُ، فَعَاهَدُوهُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ. وَغَدَا إِلَى بَنِي النَّضِيرِ بِالْكَتَائِبِ فَقَاتَلَهُمْ، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْجَلَاءِ. فَجَلَتْ بَنُو النَّضِيرِ، وَاحْتَمَلُوا مَا أَقَلَّتِ الْإِبِلُ مِنْ أَمْتِعَتِهِمْ وَأَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ وَخَشَبِهَا، وَكَانَ نَخْلُ بَنِي النَّضِيرِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، أَعْطَاهُ اللَّهُ أَيَّاهَا وَخَصَّهُ بِهَا، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ يَقُولُ: بِغَيْرِ قِتَالٍ، فَأَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَهَا لِلْمُهَاجِرِينَ، قَسَّمَهَا بَيْنَهُمْ، وَقَسَّمَ مِنْهَا لِرَجُلَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ وَكَانَا ذَوَيْ حَاجَةٍ، وَلَمْ يُقَسَّمْ مِنَ الأنصار غيرهما، وبقي مِنْهَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي فِي أَيْدِي بَنِي فَاطِمَةَ [[سنن أبي داود برقم (٣٠٠٤) .]] . وَلْنَذْكُرْ مُلَخَّصَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْمَغَازِي والسَير: أَنَّهُ لَمَّا قُتِل أصحابُ بِئْرِ مَعُونَةَ، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ [[في م: "أصحاب النبي".]] ﷺ، وَكَانُوا سَبْعِينَ، وَأَفْلَتَ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، فَلَمَّا كَانَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ قَتَلَ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، وَكَانَ مَعَهُمَا عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمَانٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ عَمْرٌو، فَلَمَّا رَجَعَ أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَقَدْ قَتَلْتَ رَجُلَيْنِ، لأدينَّهما" وَكَانَ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي عَامِرٍ حِلْفٌ وَعَهْدٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ، وَكَانَ مَنَازِلُ بَنِي النَّضِيرِ ظَاهِرَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَمْيَالٍ مِنْهَا شَرْقِيَّهَا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ فِي كِتَابِهِ السِّيرَةِ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ، يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِكَ الْقَتِيلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، اللَّذَيْنِ قَتَلَ [[في م: "قتلهما".]] عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ؛ لِلْجِوَارِ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَقَدَ لَهُمَا، فِيمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومان، وَكَانَ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي عَامِرٍ عَقد وَحِلْفٌ. فَلَمَّا أَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِكَ الْقَتِيلَيْنِ قَالُوا: نَعَمْ، يَا أَبَا الْقَاسِمِ، نُعِينُكَ عَلَى مَا أَحْبَبْتَ، مِمَّا اسْتَعَنْتَ بِنَا عَلَيْهِ. ثُمَّ خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَنْ [[في م: "لم".]] تَجِدُوا الرَّجُلَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ هَذِهِ -وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَنْبِ جِدَارٍ مِنْ بُيُوتِهِمْ-فَمَن [[في أ: "فمر".]] رَجُلٌ يَعْلُو عَلَى هَذَا الْبَيْتِ، فَيُلْقِي عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَيُرِيحُنَا مِنْهُ؟ فَانْتُدِبَ لِذَلِكَ عَمْرُو بْنُ جِحَاشِ بْنِ كَعْبٍ أحدُهم، فَقَالَ: أَنَا لِذَلِكَ، فصعَدَ لِيُلْقِيَ عَلَيْهِ صَخْرَةً كَمَا قَالَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ، فَقَامَ وَخَرَجَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا اسْتَلْبَثَ النَّبِيَّ ﷺ أَصْحَابُهُ قَامُوا فِي طَلَبِهِ فَلَقُوا رَجُلًا مُقْبِلًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَسَأَلُوهُ عَنْهُ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُ دَاخِلًا الْمَدِينَةَ. فَأَقْبَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَيْهِ، فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ بِمَا كَانَتْ يَهُودُ أَرَادَتْ مِنَ الْغَدْرِ بِهِ، وَأَمَرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّهَيُّؤِ لِحَرْبِهِمْ وَالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ. ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ فِي الْحُصُونِ، فَأَمَرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ النَّخْلِ والتَّحريق فِيهَا. فَنَادَوْهُ: أَنْ يَا مُحَمَّدُ، قَدْ كُنْتَ تَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ وَتَعِيبُهُ عَلَى مَنْ صَنَعَهُ، فَمَا بَالُ قَطْعِ النَّخْلِ وَتَحْرِيقِهَا؟ وَقَدْ كَانَ رَهْطٌ مِنْ بَنِي عوف بن الخزرج، منهم عبد الله ابن أُبَيِّ [بْنِ] [[زيادة من م، أ.]] سَلُولٍ، وَوَدِيعَةُ، وَمَالِكُ بْنُ أَبِي قَوْقَلٍ [[في أ: "نوفل".]] وسُوَيد وَدَاعِسٌ، قَدْ بَعَثُوا إِلَى بَنِي النَّضِيرِ: أَنِ اثْبُتُوا وتَمَنَّعوا فَإِنَّا لَنْ نُسْلِمَكُمْ، إِنْ قُوتِلْتُمْ قَاتَلْنَا مَعَكُمْ، وَإِنْ أُخْرِجْتُمْ خَرَجنا مَعَكُمْ فَتَرَبَّصُوا ذَلِكَ مِنْ نَصْرِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجْلِيَهُمْ وَيَكُفَّ عَنْ دِمَائِهِمْ، عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتِ الْإِبِلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا الْحَلْقَةَ، فَفَعَلَ، فَاحْتَمَلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ الْإِبِلُ، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَهْدِمُ بَيْتَهُ عَنْ نِجَافِ بَابِهِ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ فَيَنْطَلِقُ بِهِ. فَخَرَجُوا إِلَى خَيْبَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَارَ إِلَى الشَّامِ، وَخَلّوا الْأَمْوَالَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ خَاصَّةً يَضَعُهَا حَيْثُ شَاءَ، فَقَسَمَهَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ دُونَ الْأَنْصَارِ. إِلَّا أَنَّ سَهْلَ بْنَ حُنَيف وَأَبَا دُجانة سِمَاكَ بْنَ خَرشَة ذَكَرَا فَقْرًا، فَأَعْطَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ إِلَّا رَجُلَانِ: يَامِينُ بْنُ عُمَير [[في م: "ابن عمرو".]] بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ جِحَاشٍ، وَأَبُو سَعْدِ بْنُ وَهْبٍ أَسْلَمَا عَلَى أَمْوَالِهِمَا فَأَحْرَزَاهَا. قَالَ: ابْنُ إِسْحَاقَ: قَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ يَامِينَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِيَامِينَ: "أَلَمْ تَرَ مَا لقيتُ مِنَ ابْنِ عَمِّكَ، وَمَا هُمْ بِهِ مِنْ شَأْنِي". فَجَعَلَ يَامِينُ بن عُمَير [[في م: "بن عمرو".]] لرجل جُعِل عَلَى أَنْ يَقْتُلَ عَمْرَو بْنَ جِحَاشٍ، فَقَتَلَهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَنَزَلَ فِي بَنِي النَّضِيرِ سُورَةُ الْحَشْرِ بِأَسْرِهَا [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/١٩٠ -١٩٢) وتفسير الطبري (٢٨/٢١) .]] . وَهَكَذَا رَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْر، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ [[في م: "مما تقدم".]] . فَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يَعْنِي: بَنِي النَّضِيرِ ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي سَعْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ شَكَّ فِي أن أرض المحشر هاهنا -يَعْنِي الشَّامَ فَلْيَتْل [[في م، أ: "فليقرأ".]] هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اخْرُجُوا". قَالُوا: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: "إِلَى أَرْضِ الْمَحْشَرِ". وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا أَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ، قَالَ: "هَذَا أَوَّلُ الْحَشْرِ، وَأَنَا عَلَى الْأَثَرِ". وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٨/٢٠) ورواه ابن سعد في الطبقات (٢/٤٢) عن هوذة ابن خليفة، عن عوف، عن الحسن به وهو مرسل.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ أَيْ: فِي مُدَّةِ حِصَارِكُمْ لَهُمْ وقصَرها، وَكَانَتْ سِتَّةَ أَيَّامٍ، مَعَ شِدَّةِ حُصُونِهِمْ وَمَنَعَتِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أَيْ: جَاءَهُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي بَالٍ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٢٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أَيِ: الْخَوْفَ والهَلَع والجَزَع، وَكَيْفَ لَا يَحْصُلُ لَهُمْ ذَلِكَ وَقَدْ حَاصَرَهُمُ الَّذِي نُصر بِالرُّعْبِ مسيرةَ شَهْرٍ، صَلَوَاتُ الله وسلامه عليه. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ابْنِ إِسْحَاقَ لِذَلِكَ، وَهُوَ نَقْضُ [[في أ: "بعض".]] مَا اسْتَحْسَنُوهُ مِنْ سُقُوفِهِمْ وَأَبْوَابِهِمْ، وتَحملها عَلَى الْإِبِلِ، وَكَذَا قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وقال مقاتل ابن حَيَّانَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَاتِلُهُمْ، فَإِذَا ظَهَرَ عَلَى دَرْب أَوْ دَارٍ، هُدِمَ حِيطَانُهَا لِيَتَّسِعَ الْمَكَانُ لِلْقِتَالِ. وَكَانَ [[في م: "وكانت".]] الْيَهُودُ إِذَا عَلَّوْا مَكَانًا أَوْ غَلَبُوا عَلَى دَرْبٍ أَوْ دَارٍ، نَقَبُوا مِنْ أَدْبَارِهَا ثُمَّ حَصَّنُوهَا وَدَرَّبُوهَا، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ أَيْ: لَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْجَلَاءَ، وَهُوَ النَّفْيُ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، لَكَانَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَذَابٌ آخَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، قَالَهُ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَة، والسُّدِّي وَابْنِ زَيْدٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ سَيُعَذِّبُهُمْ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مَعَ مَا أَعَدَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ -كَاتِبُ اللَّيْثِ-حَدَّثَنِي اللَّيْثِ، عَنْ عَقِيلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: ثُمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ بَنِي النَّضِيرِ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ. وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حتى نَزَلُوا مِنَ الْجَلَاءِ، وَأَنَّ لَهُمْ مَا أقَلَّت الْإِبِلُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَمْتِعَةِ إِلَّا الْحَلْقَةَ، وَهِيَ السِّلَاحُ، فَأَجْلَاهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الشَّامِ. قَالَ: وَالْجَلَاءُ أَنَّهُ كُتب عَلَيْهِمْ فِي آيٍ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَكَانُوا مِنْ سِبْطٍ لَمْ يُصِبْهُمُ الْجَلَاءُ قَبْلَ مَا سُلِّطَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْجَلَاءُ: الْقَتْلُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْفَنَاءُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْجَلَاءُ: خُرُوجُ النَّاسِ مِنَ الْبَلَدِ إِلَى الْبَلَدِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَجْلَاهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَأَعْطَى كُلَّ ثَلَاثَةٍ بَعِيرًا وَسِقَاءً، فَهَذَا الْجَلَاءُ. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ [[في أ: "سعد".]] الْعَوْفِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَمِّي، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ [[في م: "كان رسول الله".]] ﷺ قَدْ حَاصَرَهُمْ حَتَّى بَلَغَ مِنْهُمْ كُلَّ مَبْلَغ، فَأَعْطَوْهُ مَا أَرَادَ مِنْهُمْ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَحْقِنَ لهم دمائهم، وَأَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ وَمِنْ دِيَارِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ، وَأَنْ يُسَيِّرَهُمْ إِلَى أَذَرِعَاتِ الشَّامِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ بَعِيرًا وَسِقَاءً، وَالْجَلَاءُ إِخْرَاجُهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ [[في م: "أرض".]] إِلَى أَرْضٍ أُخْرَى [[دلائل النبوة للبيهقي (٣/٣٥٩) وإسناده مسلسل بالضعفاء.]] وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ يَعْقُوبَ بْنِ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بن جعفر بن محمود بن محمد بْنِ مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَجِّلَهُمْ فِي الْجَلَاءِ ثَلَاثَ لَيَالٍ [[في م: "أيام".]] [[دلائل النبوة (٣/٣٦٠) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ أَيْ: حَتْمٌ لَازِمٌ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أَيْ:إِنَّمَا فَعلَ اللَّهُ بِهِمْ ذَلِكَ وسَلَّط عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ وَعِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّهُمْ خَالَفُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَكَذَّبُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رُسُلِهِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي [[في م: "من".]] الْبِشَارَةِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُمْ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . * * وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ اللِّينُ: نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ، وَهُوَ جَيِّدٌ. قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ: وَهُوَ مَا خَالَفَ الْعَجْوَةَ والبَرْنِيّ مِنَ التَّمْرِ. وَقَالَ كَثِيرُونَ [[في م: "كثير".]] مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: اللِّينَةُ: أَلْوَانُ التَّمْرِ سِوَى الْعَجْوَةِ. قَالَ: ابْنُ جَرِيرٍ: هُوَ جَمِيعُ النَّخْلِ. وَنَقَلَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ: وَهُوَ البُوَيرة أَيْضًا؛ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا حَاصَرَهُمْ أَمَرَ بِقَطْعِ نَخِيلِهِمْ [[في م: "نخلهم".]] إِهَانَةً لَهُمْ، وَإِرْهَابًا وَإِرْعَابًا لِقُلُوبِهِمْ. فَرَوَى مُحَمَّدُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، وَقَتَادَةَ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ أَنَّهُمْ قَالُوا: [فَبَعَثَ بَنُو النَّضِيرِ] [[في هـ بياض، وفي م: "بنو قريظة" وهو خطأ، والمثبت من تفسير الطبري. ومستفادا من هامش ط. الشعب.]] يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّكَ تَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ، فَمَا بَالُكَ تَأْمُرُ بِقَطْعِ الْأَشْجَارِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ، أَيْ: مَا قَطَعْتُمْ وَمَا تَرَكْتُمْ مِنَ الْأَشْجَارِ، فَالْجَمِيعُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ [[في م: "وقدره".]] وَرِضَاهُ، وَفِيهِ نِكَايَةٌ بِالْعَدُوِّ [[في م: "للعدو".]] وَخِزْيٌ لَهُمْ، وَإِرْغَامٌ لِأُنُوفِهِمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَهَى بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ بَعْضًا عَنْ قَطْعِ النَّخْلِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا هِيَ مَغَانِمُ الْمُسْلِمِينَ. فَنَزَلَ [[في م: "فأنزل".]] الْقُرْآنُ بِتَصْدِيقِ مَنْ نَهَى عَنْ قَطْعِهِ، وَتَحْلِيلِ مَنْ قَطَعَهُ مِنَ الْإِثْمِ، وَإِنَّمَا قَطْعُهُ وَتَرْكُهُ بِإِذْنِهِ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا مَرْفُوعًا، فَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ [[في م: "بن".]] عَفَّانَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ قَالَ: يَسْتَنْزِلُونَهُمْ مِنْ حُصُونِهِمْ وَأَمَرُوا بِقَطْعِ النَّخْلِ، فَحَاكَ فِي صُدُورِهِمْ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: قَطَعْنَا بَعْضًا وَتَرَكْنَا بَعْضًا، فَلْنَسْأَلَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلْ لَنَا فِيمَا قَطَعْنَا مَنْ أَجْرٍ؟ وَهَلْ عَلَيْنَا فِيمَا تَرَكْنَا مَنْ وِزْرٍ؟ فَأَنْزَلَ الله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٧٤) .]] وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ جَابِرٍ -وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ-قَالَ: رَخَّصَ لَهُمْ فِي قَطْعِ النَّخْلِ، ثُمَّ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ فَأَتَوُا [[في م: "فسألوا".]] النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَيْنَا إِثْمٌ فِيمَا قَطَعْنَا؟ أَوْ عَلَيْنَا وِزْرٌ فِيمَا تَرَكْنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [[مسند أبي يعلى (٤/١٣٥) وفيه سفيان بن وكيع، وهو ضعيف. تنبيه: رواية سليمان بن موسى عن جابر لم أجدها في مسند أبي يعلى المطبوع فلعلها سقطت.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وحَرّق. وَأَخْرَجَهُ صَاحِبَا الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، بِنَحْوِهِ [[المسند (٢/٧) وصحيح البخاري برقم (٢٠٢١) وصحيح مسلم برقم (١٧٤٦) .]] وَلَفْظِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: حَارَبَتِ [[في م: "حارب".]] النضيرُ وَقُرَيْظَةُ، فَأَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ ومَنّ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ فَقَتَلَ مِنْ رِجَالِهِمْ وَقَسَّمَ [[في م: "فقتل من رجالهم وسبى وقسم".]] نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ فأمَّنهم وَأَسْلَمُوا، وَأَجْلَى يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَهُمْ رَهْطُ عَبْدِ اللَّهِ بن سلام، ويهود بني حارثة، وكلّ يهود بِالْمَدِينَةِ. وَلَهُمَا أَيْضًا عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم حَرّق نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ -وَهِيَ البُوَيرةُ-فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٤) وصحيح مسلم برقم (١٧٤٦) .]] . وَلِلْبُخَارِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْرية بْنِ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرّق نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ [[في هـ، أ: "نخل بنى النضير، وقطع البويرة"، وقوله: "قطع البويرة" غير ثابت في البخاري، ويبدو أنه سهو من الناسخ.]] . وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَهَان عَلى سَراة بَنِي لُؤيّ ... حَريق بالبُوَيَرة مُسْتَطيرُّ ... فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُولُ: أدَام اللهُ ذلكَ مِنْ صَنيع ... وَحَرّق فِي نَوَاحيها السَّعير ... سَتَعلم أيُّنا منْها بِنزهٍ ... وَتَعْلُمُ أيّ أرْضينَا نَضِيرُ ... كَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٣٢) .]] وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إِسْحَاقَ. وقال محمد ابن إِسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَذْكُرُ إِجْلَاءَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَتْلَ ابْنِ الْأَشْرَفِ: لَقَد خَزيت [[في أ: "خربت".]] بغَدْرَتِها الحُبُور ... كَذَاكَ الدهرُ ذُو صَرْف يَدُورُ ... وَذَلك أنَّهم كفَرُوا بِرَبّ ... عَظيم أمرُهُ أمرٌ كَبِيرُ ... وقَد أُوتُوا مَعًا فَهمًا وَعِلْمًا ... وَجَاءهُمُ مِنَ اللَّهِ النَّذيرُ ... نَذير صَادق أَدَّى [[في م: "أوتي".]] كِتَابًا ... وَآيَاتٍ مُبَيَّنَةً تُنيرُ ... فَقَالَ [[في م: "فقالوا".]] مَا أَتَيْتَ بِأَمِرِ صِدْقٍ ... وَأَنْتَ بِمُنْكَرٍ مِنَّا جَديرُ ... فَقَالَ: بَلى لَقَدْ أديتُ حَقًّا ... يُصَدّقني بِهِ الفَهم الخَبيرُ ... فَمن يَتْبعه يُهدَ لِكُل رُشُد ... وَمَن يَكفُر بِهِ يُجزَ الكَفُورُ ... فَلَمَّا أْشربُوا غَدْرًا وكُفْرًا ... وَجَدّ بِهِمْ عَنِ الحَقّ النَفورُ ... أرَى اللَّهُ النَّبِيَّ بِرَأي صدْق ... وكانَ اللَّهُ يَحكُم لَا يَجُورُ ... فَأيَّدَهُ وَسَلَّطَه عَلَيهم ... وكانَ نَصيرهُ نعْم النَّصيرُ ... فَغُودرَ منْهمُو كَعب صَرِيعًا ... فَذَلَّتْ بعدَ مَصْرَعة النَّضيرُ ... عَلى الكَفَّين ثمَّ وقَدْ عَلَتْهُ ... بِأَيِدِينَا مُشَهَّرة ذكُورُ ... بأمْر مُحَمَّد إِذْ دَس لَيلا ... إلى كَعب أخَا كَعب يَسيرُ ... فَمَا كَرَه فَأنزلَه بِمَكْر ... وَمحمودُ أخُو ثقَة جَسُورُ ... فَتلْك بَنُو النَّضير بِدَارِ سَوء ... أبَارَهُمُ بِمَا اجْتَرَمُوا المُبيرُ ... غَداة أتاهُمُ فِي الزّحْف رَهوًا ... رَسُولُ اللَّهِ وَهّوَ بِهِمْ بَصيرُ ... وَغَسَّانُ الحماةُ مُوازرُوه ... عَلَى الْأَعْدَاءِ وَهْوَ لَهُمْ وَزيرُ ... فَقَالَ: السْلم ويحكمُ فَصَدّوا ... وَحَالفَ أمْرَهَم كَذبٌ وَزُورُ ... فَذَاقُوا غِبَّ أمْرهُمُ دَبَالا ... لكُلّ ثَلاثَة منهُم بَعيرُ ... وَأجلوا عَامدين لقَينُقَاع ... وَغُودرَ مِنْهُم نَخْل ودُورُ [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/١٩٩) .]] قَالَ: وَكَانَ مِمَّا [[في م: "ومما كان".]] قِيلَ مِنَ الْأَشْعَارِ فِي بَنِي النَّضِيرِ قولُ ابْنِ لُقَيم العَبْسيّ -وَيُقَالُ: قالها قيس بْنُ بَحْرِ بْنِ طَرِيفٍ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ الْأَشْجَعِيُّ: أَهْلِي فدَاءٌ لِامْرِئٍ غَير هَالك ... أحَلّ [[في أ: "أجلي".]] اليهودَ بالحَسِى [[في م، أ: "بالحس".]] المُزَنَّم ... يَقيلُونَ فِي جَمْر الغَضاة وبُدّلُوا ... أهَيضبَ عُودًا بالوَدي المُكَمَّم ... فَإِنْ يَكُ ظَني صَادقًا بمُحَمد ... يَرَوا خَيلَه بينَ الصِّلَا وَيَرمْرَم [[في أ: "بين الصفا وبزمزم".]] يَؤمّ بِهَا عَمرو بنُ بُهثَةَ إنَّهُمْ ... عَدُو ما حَيّ صَديق كمُجْرم ... عَلَيهنّ أبطالُ مَساعيرُ فِي الوَغَى ... يَهُزّونَ أطرافَ الوَشيج المُقَوّم ... وكُلّ رَقيق الشَّفرتَين مُهَنَّدٍ ... تُورثْنَ مِنْ أزْمان عَادٍ وَجُرْهُمِ ... فَمَن مُبلغٌ عَني قُرَيشًا رسَالة ... فَهَلْ بَعدَهُم فِي المجْد مِنْ مُتَكرّم ... بِأَنَّ أخاكمُ فاعلَمنّ مُحَمَّدًا ... تَليدُ النَّدى بينَ الحَجُون وزَمْزَم ... فَدينُوا لَهُ بِالْحَقِّ تَجْسُمْ أمُورُكم ... وتَسْمُوا منَ الدنْيا إِلَى كُل مُعْظَم ... نَبِيٌّ تلافَته منَ اللَّهِ رَحَمةٌ ... وَلَا تَسْألُوهُ أمْرَ غَيب مُرَجَّم ... فَقَدْ كانَ فِي بَدْر لَعَمْري عِبرَةٌ ... لَكُم يَا قُرَيش والقَليب المُلَمَّم ... غَدَاة أتَى فِي الخَزْرَجيَّةِ عامِدًا ... إليكُم مُطيعًا للعَظيمِ المُكَرّم ... مُعَانًا برُوح القُدْس يَنْكي عَدوه ... رَسُولا مِنَ الرَّحْمَنِ حَقّا بِمَعْلم ... رَسُولا مِنَ الرَّحْمَنِ يَتْلُو كِتابَهُ ... فَلَمّا أنارَ الحَقّ لَمْ يَتَلعْثَم ... أرَى أمْرَهُ يَزْدَادُ فِي كُلّ مَوْطن ... عُلُوّا لأمرْ حَمَّه اللهُ مُحْكَم [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/١٩٥) .]] وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ إِسْحَاقَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، هاهنا أَشْعَارًا كَثِيرَةً، فِيهَا آدَابٌ وَمَوَاعِظُ وَحِكَمٌ، وَتَفَاصِيلُ لِلْقِصَّةِ، تَرَكْنَا بَاقِيهَا اخْتِصَارًا وَاكْتِفَاءً بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ وَقْعَةُ بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ وَبَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ. وَحَكَى الْبُخَارِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ وَقْعَةُ بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ [[صحيح البخاري (٧/٣٢٩) "فتح".]] .
Al-Hashr سُورَةُ الحَشۡرِ
Sourate 59 · 24 versets · Medinan
بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
Ce qui est dans les cieux et ce qui est sur la terre glorifient Allah, et Il est le Puissant, le Sage.
Tafsir (3)
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) ﴾ يعني بقوله جلّ ثناؤه: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ صلى لله، وسجد له، ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ من خلقه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ يقول: وهو العزيز في انتقامه ممن انتقم من خلقه على معصيتهم إياه، الحكيم في تدبيره إياهم. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ (٢) ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ : الله الذي أخرج الذين جحدوا نبوّة محمد ﷺ من أهل الكتاب، وهم يهود بني النضير من ديارهم، وذلك خروجهم عن منازلهم ودورهم،. حين صالحوا رسول الله ﷺ على أن يؤمنهم على دمائهم ونسائهم وذراريهم، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من أموالهم، ويخلو له دورهم، وسائر أموالهم، فأجابهم رسول الله ﷺ إلى ذلك، فخرجوا من ديارهم، فمنهم من خرج إلى الشام، ومنهم من خرج إلى خيبر، فذلك قول الله عزّ وجلّ ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عزّ وجلّ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قال: النضير حتى قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ . ذكر ما بين ذلك كله فيهم: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قيل: الشام، وهم بنو النضير حيّ من اليهود، فأجلاهم نبيّ الله ﷺ من المدينة إلى خيبر، مرجعه من أحد. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قال: هم بنو النضير قاتلهم النبي ﷺ حتى صالحهم على الجلاء، فأجلاهم إلى الشام، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من شيء إلا الحلقة، والحلقة: السلاح، كانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما مضى، وكان الله عزّ وجلّ قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك عذبهم في الدنيا بالقتل والسباء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قال: هؤلاء النضير حين أجلاهم رسول الله ﷺ. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثنا ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان، قال: نزلت في بني النضير سورة الحشر بأسرها، يذكر فيها ما أصابهم الله عزّ وجل به من نقمته، وما سلط عليهم به رسول الله ﷺ وما عمل به فيهم، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ ... الآيات. * * وقوله: ﴿لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ يقول تعالى ذكره: لأوّل الجمع في الدنيا، وذلك حشرهم إلى أرض الشام. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، قوله: ﴿لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قال: "كان جلاءوهم أوّل الحشر في الدنيا إلى الشام". ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: "تجيء نار من مَشرِق الأرض، تَحْشُر الناس إلى مغاربها، فتبيت معهم حيث باتُوا، تَقِيل معهم حيث قالوا، وتأكل من تَخَلَّف". ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أَبي عديّ، عن عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ لما أجلى بني النضير، قال: "امْضوا فهذا أوَّل الْحَشْرِ، وإنَّا على الأثَرِ". ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قال: الشام حين ردهم إلى الشام، وقرأ قول الله عزّ وجلّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نزلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ قال: من حيث جاءت، أدبارها أن رجعت إلى الشام، من حيث جاءت ردّوا إليه. * * وقوله: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ ، يقول تعالى ذكره للمؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ: ما ظننتم أن يخرج هؤلاء الذين أخرجهم الله من ديارهم من أهل الكتاب من مساكنهم ومنازلهم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ ، وإنما ظن القوم فيما ذكر أن عبد الله بن أَبي، وجماعة من المنافقين بعثوا إليهم لما حصرهم رسول الله ﷺ يأمرونهم بالثبات في حصونهم، ويعدونهم النصر. كما:- ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان، أن رهطًا من بني عوف بن الخزرج، منهم عبد الله بن أُبيّ بن سلول، ووديعة ومالك، ابنا نوفل، وسويد وداعس، بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنَّعوا، فإنا لن نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم، فتربصوا لذلك من نصرهم، فلم يفعلوا، وكانوا قد تحصنوا في الحصون من رسول الله ﷺ حين نزل بهم. * * وقوله: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ يقول تعالى ذكره: فأتاهم أمر الله من حيث لم يحتسبوا أنه يأتيهم، وذلك الأمر الذي أتاهم من الله حيث لم يحتسبوا، قذف في قلوبهم الرعب بنزول رسول الله ﷺ بهم في أصحابه، يقول جلّ ثناؤه: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ . * * وقوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني جلّ ثناؤه بقوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ﴾ بني النضير من اليهود، وأنهم يخربون مساكنهم، وذلك أنهم كانوا ينظرون إلى الخشبة فيما ذُكر في منازلهم مما يستحسنونه، أو العمود أو الباب، فينزعون ذلك منها بأيديهم وأيدي المؤمنين. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ جعلوا يخربونها من أجوافها، وجعل المؤمنون يخربون من ظاهرها. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزُّهريّ، قال: لما صالحوا النبي ﷺ كانوا لا يعجبهم خشبة إلا أخذوها، فكان ذلك خرابها. وقال قتادة: كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها، وتخربها اليهود من داخلها. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان، قال: احتملوا من أموالهم، يعني بني النضير، ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، قال: فذلك قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ وذلك هدمهم بيوتهم عن نجف أبوابهم إذا احتملوها. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله عزّ وجلّ: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: هؤلاء النضير، صالحهم النبيّ ﷺ على ما حملت الإبل، فجعلوا يقلعون الأوتاد يخربون بيوتهم. وقال آخرون: إنما قيل ذلك كذلك، لأنهم كانوا يخربون بيوتهم ليبنوا بنقضها ما هدم المسلمون من حصونهم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أَبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ﴾ قال: يعني بني النضير، جعل المسلمون كلما هدموا شيئًا من حصونهم جعلوا ينقضون بيوتهم ويخربونها، ثم يبنون ما يخرب المسلمون، فذلك هلاكهم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: أهل النضير، جعل المسلمون كلما هدموا من حصنهم جعلوا ينقضون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، ثم يبنون ما خرّب المسلمون. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والمدينة والعراق سوى أَبي عمرو: ﴿يُخْرِبُونَ﴾ بتخفيف الراء، بمعنى يخرجون منها ويتركونها معطلة خرابًا، وكان أبو عمرو يقرأ ذلك ﴿يخرّبون﴾ بالتشديد في الراء، بمعنى يهدّمون بيوتهم. وقد ذكر عن أَبي عبد الرحمن السلمي والحسن البصري أنهما كانا يقرآن ذلك نحو قراءة أَبي عمرو. وكان أبو عمرو فيما ذكر عنه يزعم أنه إنما اختار التشديد في الراء لما ذكرت من أن الإخراب: إنما هو ترك ذلك خرابًا بغير ساكن، وإن بني النضير لم يتركوا منازلهم، فيرتحلوا عنها، ولكنهم خرّبوها بالنقض والهدم، وذلك لا يكون فيما قال إلا بالتشديد. وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي قراءة من قرأه بالتخفيف، لإجماع الحجة من القرّاء عليه. وقد كان بعض أهل المعرفة بكلام العرب يقول: التخريب والإخراب بمعنى واحد، وإنما ذلك في اختلاف اللفظ لا اختلاف في المعنى. * * وقوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الأبْصَارِ﴾ يقول تعالى ذكره: فاتعظوا يا معشر ذوي الأفهام بما أحلّ الله بهؤلاء اليهود الذين قذف الله في قلوبهم الرعب، وهم في حصونهم من نقمته، واعلموا أن الله وليّ من والاه، وناصر رسوله على كلّ من ناوأه، ومحلّ من نقمته به نظيرَ الذي أحلّ ببني النضير. وإنما عنى بالأبصار في هذا الموضع أبصار القلوب، وذلك أن الاعتبار بها يكون دون الإبصار بالعيون.
Toutes les créatures qui se trouvent dans les Cieux et sur la Terre sanctifient et célèbrent Allah. Il est le Puissant à qui personne ne tient tête, le Sage dans ce qu’Il crée et détermine.
هُوَ ٱلَّذِىٓ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مِن دِيَٰرِهِمْ لِأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا۟ ۖ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا۟ ۖ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُوا۟ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَبْصَٰرِ
C'est Lui qui a expulsé de leurs maisons, ceux parmi les gens du Livre qui ne croyaient pas, lors du premier exode. Vous ne pensiez pas qu'ils partiraient, et ils pensaient qu'en vérité leurs forteresses les défendraient contre Allah. Mais Allah est venu à eux par où ils ne s'attendaient point, et a lancé la terreur dans leurs cœurs. Ils démolissaient leurs maisons de leurs propres mains, autant que des mains des croyants. Tirez-en une leçon, ô vous qui êtes doués de clairvoyance.
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحَشْرِ [وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سُورَةُ بَنِي النَّضِيرِ] [[زيادة من أ.]] . وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيم، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْحَشْرِ؟ قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي بَنِي النَّضِيرِ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ هُشَيْم، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٢) وصحيح مسلم برقم (٣٣١) .]] . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوانة، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْحَشْرِ؟ قَالَ: قُل: سُورَةُ النَّضير [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٣) .]] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ جميع مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ يُسَبِّحُ لَهُ وَيُمَجِّدُهُ وَيُقَدِّسُهُ، وَيُصَلِّي لَهُ وَيُوَحِّدُهُ [[في م: "وحده".]] كَقَوْلِهِ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ] وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ] ﴾ [[زيادة من م.]] [الْإِسْرَاءِ: ٤٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أَيْ: مَنِيعُ الْجَنَابِ ﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي قَدَرِهِ وَشَرْعِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يَعْنِي: يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ المدينة هادنهم وأعطاهم عَهْدًا وَذِمَّةً، عَلَى أَلَّا يُقَاتِلَهُمْ وَلَا يُقَاتِلُوهُ، فَنَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَأَحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ بِأْسَهُ الَّذِي لَا مَرَدَّ [[في م: "لا يرد".]] لَهُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ قَضَاءَهُ الَّذِي لَا يُصَدّ، فَأَجْلَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ حُصُونِهِمُ الْحَصِينَةِ الَّتِي مَا طَمِعَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ، وَظَنُّوا هُمْ أَنَّهَا مَانِعَتُهُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ، فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَجَاءَهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ بِبَالِهِمْ، وَسَيَّرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَأَجْلَاهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ذَهَبُوا إِلَى أَذَرِعَاتٍ مِنْ أَعَالِي الشَّامِ، وَهِيَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ، وَمِنْهُمْ طَائِفَةٌ ذَهَبُوا إِلَى خَيْبَرَ. وَكَانَ قَدْ أَنْزَلَهُمْ مِنْهَا عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ إِبِلُهُمْ، فَكَانُوا يُخَرِّبُونَ مَا فِي بُيُوتِهِمْ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُحْمَلَ مَعَهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ﴾ أَيْ: تَفَكَّرُوا فِي عَاقِبَةِ مَنْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ وَخَالَفَ رَسُولَهُ، وَكَذَّبَ كِتَابَهُ، كَيْفَ يَحِلُّ بِهِ مِنْ بَأْسِهِ الْمُخْزِي لَهُ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُهُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ وَسُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كَتَبُوا إِلَى ابْنِ أُبَيٍّ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ يَعْبُدُ [مَعَهُ] [[زيادة من سنن أبي داود.]] الْأَوْثَانَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ: إِنَّكُمْ آوَيْتُمْ صَاحِبَنَا، وَإِنَّا نُقْسِمُ بِاللَّهِ لَنُقَاتِلَنَّهُ، أَوْ لَتُخْرِجُنَّهُ، أَوْ لَنَسِيرَنَّ إِلَيْكُمْ بِأَجْمَعِنَا، حَتَّى نَقْتُلَ مُقَاتلتكم وَنَسْتَبِيحَ نِسَاءَكُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، اجْتَمَعُوا لِقِتَالِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُمْ، فَقَالَ: "لَقَدْ بَلَغَ وَعِيدُ قُرَيْشٍ مِنْكُمُ الْمَبَالِغَ، مَا كَانَتْ تَكِيدُكُمْ بِأَكْثَرَ مِمَّا تُرِيدُ أَنْ تَكِيدُوا بِهِ أَنْفُسَكُمْ، تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا أَبْنَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ؟ "، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ تَفَرَّقُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ كَفَّارَ قُرَيْشٍ، فَكَتَبَتْ كَفَّارُ قُرَيْشٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ إِلَى الْيَهُودِ: إِنَّكُمْ أَهْلُ الْحَلْقَةِ وَالْحُصُونِ، وَإِنَّكُمْ لَتُقَاتِلُّنَ مَعَ صَاحِبِنَا أَوْ لَنَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا، وَلَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَدَمِ نِسَائِكُمْ شَيْءٌ -وَهِيَ الْخَلَاخِيلُ -فَلَمَّا بَلَغَ كِتَابُهُمُ النَّبِيَّ ﷺ اجْتَمَعَتْ بَنُو النَّضِيرِ بِالْغَدْرِ، فَأَرْسَلُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: اخْرُجْ إِلَيْنَا فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ لِيَخْرُجَ مِنَّا ثَلَاثُونَ حَبْرًا، حَتَّى نَلْتَقِيَ بِمَكَانِ الْمَنْصَفِ فَيَسْمَعُوا مِنْكَ، فَإِنْ صَدَّقُوكَ وَآمَنُوا بِكَ آمَنَّا بِكَ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ غَدَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [بِالْكَتَائِبِ] [[زيادة من سنن أبي داود.]] فَحَصَرَهُمْ، قَالَ لَهُمْ: "إِنَّكُمْ وَاللَّهِ لَا تَأْمَنُوا عِنْدِي إِلَّا بِعَهْدٍ تُعَاهِدُونِي عَلَيْهِ". فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُ عَهْدًا، فَقَاتَلَهُمْ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ غَدَا الغَد عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ بِالْكَتَائِبِ، وَتَرَكَ بَنِي النَّضِيرِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى أَنْ يُعَاهِدُوهُ، فَعَاهَدُوهُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ. وَغَدَا إِلَى بَنِي النَّضِيرِ بِالْكَتَائِبِ فَقَاتَلَهُمْ، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْجَلَاءِ. فَجَلَتْ بَنُو النَّضِيرِ، وَاحْتَمَلُوا مَا أَقَلَّتِ الْإِبِلُ مِنْ أَمْتِعَتِهِمْ وَأَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ وَخَشَبِهَا، وَكَانَ نَخْلُ بَنِي النَّضِيرِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، أَعْطَاهُ اللَّهُ أَيَّاهَا وَخَصَّهُ بِهَا، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ يَقُولُ: بِغَيْرِ قِتَالٍ، فَأَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَهَا لِلْمُهَاجِرِينَ، قَسَّمَهَا بَيْنَهُمْ، وَقَسَّمَ مِنْهَا لِرَجُلَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ وَكَانَا ذَوَيْ حَاجَةٍ، وَلَمْ يُقَسَّمْ مِنَ الأنصار غيرهما، وبقي مِنْهَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي فِي أَيْدِي بَنِي فَاطِمَةَ [[سنن أبي داود برقم (٣٠٠٤) .]] . وَلْنَذْكُرْ مُلَخَّصَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْمَغَازِي والسَير: أَنَّهُ لَمَّا قُتِل أصحابُ بِئْرِ مَعُونَةَ، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ [[في م: "أصحاب النبي".]] ﷺ، وَكَانُوا سَبْعِينَ، وَأَفْلَتَ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، فَلَمَّا كَانَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ قَتَلَ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، وَكَانَ مَعَهُمَا عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمَانٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ عَمْرٌو، فَلَمَّا رَجَعَ أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَقَدْ قَتَلْتَ رَجُلَيْنِ، لأدينَّهما" وَكَانَ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي عَامِرٍ حِلْفٌ وَعَهْدٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ، وَكَانَ مَنَازِلُ بَنِي النَّضِيرِ ظَاهِرَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَمْيَالٍ مِنْهَا شَرْقِيَّهَا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ فِي كِتَابِهِ السِّيرَةِ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ، يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِكَ الْقَتِيلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، اللَّذَيْنِ قَتَلَ [[في م: "قتلهما".]] عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ؛ لِلْجِوَارِ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَقَدَ لَهُمَا، فِيمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومان، وَكَانَ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي عَامِرٍ عَقد وَحِلْفٌ. فَلَمَّا أَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِكَ الْقَتِيلَيْنِ قَالُوا: نَعَمْ، يَا أَبَا الْقَاسِمِ، نُعِينُكَ عَلَى مَا أَحْبَبْتَ، مِمَّا اسْتَعَنْتَ بِنَا عَلَيْهِ. ثُمَّ خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَنْ [[في م: "لم".]] تَجِدُوا الرَّجُلَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ هَذِهِ -وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَنْبِ جِدَارٍ مِنْ بُيُوتِهِمْ-فَمَن [[في أ: "فمر".]] رَجُلٌ يَعْلُو عَلَى هَذَا الْبَيْتِ، فَيُلْقِي عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَيُرِيحُنَا مِنْهُ؟ فَانْتُدِبَ لِذَلِكَ عَمْرُو بْنُ جِحَاشِ بْنِ كَعْبٍ أحدُهم، فَقَالَ: أَنَا لِذَلِكَ، فصعَدَ لِيُلْقِيَ عَلَيْهِ صَخْرَةً كَمَا قَالَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ، فَقَامَ وَخَرَجَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا اسْتَلْبَثَ النَّبِيَّ ﷺ أَصْحَابُهُ قَامُوا فِي طَلَبِهِ فَلَقُوا رَجُلًا مُقْبِلًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَسَأَلُوهُ عَنْهُ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُ دَاخِلًا الْمَدِينَةَ. فَأَقْبَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَيْهِ، فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ بِمَا كَانَتْ يَهُودُ أَرَادَتْ مِنَ الْغَدْرِ بِهِ، وَأَمَرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّهَيُّؤِ لِحَرْبِهِمْ وَالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ. ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ فِي الْحُصُونِ، فَأَمَرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ النَّخْلِ والتَّحريق فِيهَا. فَنَادَوْهُ: أَنْ يَا مُحَمَّدُ، قَدْ كُنْتَ تَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ وَتَعِيبُهُ عَلَى مَنْ صَنَعَهُ، فَمَا بَالُ قَطْعِ النَّخْلِ وَتَحْرِيقِهَا؟ وَقَدْ كَانَ رَهْطٌ مِنْ بَنِي عوف بن الخزرج، منهم عبد الله ابن أُبَيِّ [بْنِ] [[زيادة من م، أ.]] سَلُولٍ، وَوَدِيعَةُ، وَمَالِكُ بْنُ أَبِي قَوْقَلٍ [[في أ: "نوفل".]] وسُوَيد وَدَاعِسٌ، قَدْ بَعَثُوا إِلَى بَنِي النَّضِيرِ: أَنِ اثْبُتُوا وتَمَنَّعوا فَإِنَّا لَنْ نُسْلِمَكُمْ، إِنْ قُوتِلْتُمْ قَاتَلْنَا مَعَكُمْ، وَإِنْ أُخْرِجْتُمْ خَرَجنا مَعَكُمْ فَتَرَبَّصُوا ذَلِكَ مِنْ نَصْرِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجْلِيَهُمْ وَيَكُفَّ عَنْ دِمَائِهِمْ، عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتِ الْإِبِلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا الْحَلْقَةَ، فَفَعَلَ، فَاحْتَمَلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ الْإِبِلُ، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَهْدِمُ بَيْتَهُ عَنْ نِجَافِ بَابِهِ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ فَيَنْطَلِقُ بِهِ. فَخَرَجُوا إِلَى خَيْبَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَارَ إِلَى الشَّامِ، وَخَلّوا الْأَمْوَالَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ خَاصَّةً يَضَعُهَا حَيْثُ شَاءَ، فَقَسَمَهَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ دُونَ الْأَنْصَارِ. إِلَّا أَنَّ سَهْلَ بْنَ حُنَيف وَأَبَا دُجانة سِمَاكَ بْنَ خَرشَة ذَكَرَا فَقْرًا، فَأَعْطَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ إِلَّا رَجُلَانِ: يَامِينُ بْنُ عُمَير [[في م: "ابن عمرو".]] بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ جِحَاشٍ، وَأَبُو سَعْدِ بْنُ وَهْبٍ أَسْلَمَا عَلَى أَمْوَالِهِمَا فَأَحْرَزَاهَا. قَالَ: ابْنُ إِسْحَاقَ: قَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ يَامِينَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِيَامِينَ: "أَلَمْ تَرَ مَا لقيتُ مِنَ ابْنِ عَمِّكَ، وَمَا هُمْ بِهِ مِنْ شَأْنِي". فَجَعَلَ يَامِينُ بن عُمَير [[في م: "بن عمرو".]] لرجل جُعِل عَلَى أَنْ يَقْتُلَ عَمْرَو بْنَ جِحَاشٍ، فَقَتَلَهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَنَزَلَ فِي بَنِي النَّضِيرِ سُورَةُ الْحَشْرِ بِأَسْرِهَا [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/١٩٠ -١٩٢) وتفسير الطبري (٢٨/٢١) .]] . وَهَكَذَا رَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْر، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ [[في م: "مما تقدم".]] . فَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يَعْنِي: بَنِي النَّضِيرِ ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي سَعْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ شَكَّ فِي أن أرض المحشر هاهنا -يَعْنِي الشَّامَ فَلْيَتْل [[في م، أ: "فليقرأ".]] هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اخْرُجُوا". قَالُوا: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: "إِلَى أَرْضِ الْمَحْشَرِ". وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا أَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ، قَالَ: "هَذَا أَوَّلُ الْحَشْرِ، وَأَنَا عَلَى الْأَثَرِ". وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٨/٢٠) ورواه ابن سعد في الطبقات (٢/٤٢) عن هوذة ابن خليفة، عن عوف، عن الحسن به وهو مرسل.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ أَيْ: فِي مُدَّةِ حِصَارِكُمْ لَهُمْ وقصَرها، وَكَانَتْ سِتَّةَ أَيَّامٍ، مَعَ شِدَّةِ حُصُونِهِمْ وَمَنَعَتِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أَيْ: جَاءَهُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي بَالٍ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٢٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أَيِ: الْخَوْفَ والهَلَع والجَزَع، وَكَيْفَ لَا يَحْصُلُ لَهُمْ ذَلِكَ وَقَدْ حَاصَرَهُمُ الَّذِي نُصر بِالرُّعْبِ مسيرةَ شَهْرٍ، صَلَوَاتُ الله وسلامه عليه. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ابْنِ إِسْحَاقَ لِذَلِكَ، وَهُوَ نَقْضُ [[في أ: "بعض".]] مَا اسْتَحْسَنُوهُ مِنْ سُقُوفِهِمْ وَأَبْوَابِهِمْ، وتَحملها عَلَى الْإِبِلِ، وَكَذَا قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وقال مقاتل ابن حَيَّانَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَاتِلُهُمْ، فَإِذَا ظَهَرَ عَلَى دَرْب أَوْ دَارٍ، هُدِمَ حِيطَانُهَا لِيَتَّسِعَ الْمَكَانُ لِلْقِتَالِ. وَكَانَ [[في م: "وكانت".]] الْيَهُودُ إِذَا عَلَّوْا مَكَانًا أَوْ غَلَبُوا عَلَى دَرْبٍ أَوْ دَارٍ، نَقَبُوا مِنْ أَدْبَارِهَا ثُمَّ حَصَّنُوهَا وَدَرَّبُوهَا، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ أَيْ: لَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْجَلَاءَ، وَهُوَ النَّفْيُ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، لَكَانَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَذَابٌ آخَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، قَالَهُ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَة، والسُّدِّي وَابْنِ زَيْدٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ سَيُعَذِّبُهُمْ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مَعَ مَا أَعَدَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ -كَاتِبُ اللَّيْثِ-حَدَّثَنِي اللَّيْثِ، عَنْ عَقِيلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: ثُمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ بَنِي النَّضِيرِ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ. وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حتى نَزَلُوا مِنَ الْجَلَاءِ، وَأَنَّ لَهُمْ مَا أقَلَّت الْإِبِلُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَمْتِعَةِ إِلَّا الْحَلْقَةَ، وَهِيَ السِّلَاحُ، فَأَجْلَاهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الشَّامِ. قَالَ: وَالْجَلَاءُ أَنَّهُ كُتب عَلَيْهِمْ فِي آيٍ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَكَانُوا مِنْ سِبْطٍ لَمْ يُصِبْهُمُ الْجَلَاءُ قَبْلَ مَا سُلِّطَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْجَلَاءُ: الْقَتْلُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْفَنَاءُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْجَلَاءُ: خُرُوجُ النَّاسِ مِنَ الْبَلَدِ إِلَى الْبَلَدِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَجْلَاهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَأَعْطَى كُلَّ ثَلَاثَةٍ بَعِيرًا وَسِقَاءً، فَهَذَا الْجَلَاءُ. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ [[في أ: "سعد".]] الْعَوْفِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَمِّي، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ [[في م: "كان رسول الله".]] ﷺ قَدْ حَاصَرَهُمْ حَتَّى بَلَغَ مِنْهُمْ كُلَّ مَبْلَغ، فَأَعْطَوْهُ مَا أَرَادَ مِنْهُمْ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَحْقِنَ لهم دمائهم، وَأَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ وَمِنْ دِيَارِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ، وَأَنْ يُسَيِّرَهُمْ إِلَى أَذَرِعَاتِ الشَّامِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ بَعِيرًا وَسِقَاءً، وَالْجَلَاءُ إِخْرَاجُهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ [[في م: "أرض".]] إِلَى أَرْضٍ أُخْرَى [[دلائل النبوة للبيهقي (٣/٣٥٩) وإسناده مسلسل بالضعفاء.]] وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ يَعْقُوبَ بْنِ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بن جعفر بن محمود بن محمد بْنِ مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَجِّلَهُمْ فِي الْجَلَاءِ ثَلَاثَ لَيَالٍ [[في م: "أيام".]] [[دلائل النبوة (٣/٣٦٠) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ أَيْ: حَتْمٌ لَازِمٌ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أَيْ:إِنَّمَا فَعلَ اللَّهُ بِهِمْ ذَلِكَ وسَلَّط عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ وَعِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّهُمْ خَالَفُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَكَذَّبُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رُسُلِهِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي [[في م: "من".]] الْبِشَارَةِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُمْ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . * * وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ اللِّينُ: نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ، وَهُوَ جَيِّدٌ. قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ: وَهُوَ مَا خَالَفَ الْعَجْوَةَ والبَرْنِيّ مِنَ التَّمْرِ. وَقَالَ كَثِيرُونَ [[في م: "كثير".]] مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: اللِّينَةُ: أَلْوَانُ التَّمْرِ سِوَى الْعَجْوَةِ. قَالَ: ابْنُ جَرِيرٍ: هُوَ جَمِيعُ النَّخْلِ. وَنَقَلَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ: وَهُوَ البُوَيرة أَيْضًا؛ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا حَاصَرَهُمْ أَمَرَ بِقَطْعِ نَخِيلِهِمْ [[في م: "نخلهم".]] إِهَانَةً لَهُمْ، وَإِرْهَابًا وَإِرْعَابًا لِقُلُوبِهِمْ. فَرَوَى مُحَمَّدُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، وَقَتَادَةَ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ أَنَّهُمْ قَالُوا: [فَبَعَثَ بَنُو النَّضِيرِ] [[في هـ بياض، وفي م: "بنو قريظة" وهو خطأ، والمثبت من تفسير الطبري. ومستفادا من هامش ط. الشعب.]] يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّكَ تَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ، فَمَا بَالُكَ تَأْمُرُ بِقَطْعِ الْأَشْجَارِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ، أَيْ: مَا قَطَعْتُمْ وَمَا تَرَكْتُمْ مِنَ الْأَشْجَارِ، فَالْجَمِيعُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ [[في م: "وقدره".]] وَرِضَاهُ، وَفِيهِ نِكَايَةٌ بِالْعَدُوِّ [[في م: "للعدو".]] وَخِزْيٌ لَهُمْ، وَإِرْغَامٌ لِأُنُوفِهِمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَهَى بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ بَعْضًا عَنْ قَطْعِ النَّخْلِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا هِيَ مَغَانِمُ الْمُسْلِمِينَ. فَنَزَلَ [[في م: "فأنزل".]] الْقُرْآنُ بِتَصْدِيقِ مَنْ نَهَى عَنْ قَطْعِهِ، وَتَحْلِيلِ مَنْ قَطَعَهُ مِنَ الْإِثْمِ، وَإِنَّمَا قَطْعُهُ وَتَرْكُهُ بِإِذْنِهِ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا مَرْفُوعًا، فَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ [[في م: "بن".]] عَفَّانَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ قَالَ: يَسْتَنْزِلُونَهُمْ مِنْ حُصُونِهِمْ وَأَمَرُوا بِقَطْعِ النَّخْلِ، فَحَاكَ فِي صُدُورِهِمْ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: قَطَعْنَا بَعْضًا وَتَرَكْنَا بَعْضًا، فَلْنَسْأَلَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلْ لَنَا فِيمَا قَطَعْنَا مَنْ أَجْرٍ؟ وَهَلْ عَلَيْنَا فِيمَا تَرَكْنَا مَنْ وِزْرٍ؟ فَأَنْزَلَ الله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٧٤) .]] وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ جَابِرٍ -وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ-قَالَ: رَخَّصَ لَهُمْ فِي قَطْعِ النَّخْلِ، ثُمَّ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ فَأَتَوُا [[في م: "فسألوا".]] النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَيْنَا إِثْمٌ فِيمَا قَطَعْنَا؟ أَوْ عَلَيْنَا وِزْرٌ فِيمَا تَرَكْنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [[مسند أبي يعلى (٤/١٣٥) وفيه سفيان بن وكيع، وهو ضعيف. تنبيه: رواية سليمان بن موسى عن جابر لم أجدها في مسند أبي يعلى المطبوع فلعلها سقطت.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وحَرّق. وَأَخْرَجَهُ صَاحِبَا الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، بِنَحْوِهِ [[المسند (٢/٧) وصحيح البخاري برقم (٢٠٢١) وصحيح مسلم برقم (١٧٤٦) .]] وَلَفْظِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: حَارَبَتِ [[في م: "حارب".]] النضيرُ وَقُرَيْظَةُ، فَأَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ ومَنّ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ فَقَتَلَ مِنْ رِجَالِهِمْ وَقَسَّمَ [[في م: "فقتل من رجالهم وسبى وقسم".]] نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ فأمَّنهم وَأَسْلَمُوا، وَأَجْلَى يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَهُمْ رَهْطُ عَبْدِ اللَّهِ بن سلام، ويهود بني حارثة، وكلّ يهود بِالْمَدِينَةِ. وَلَهُمَا أَيْضًا عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم حَرّق نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ -وَهِيَ البُوَيرةُ-فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٤) وصحيح مسلم برقم (١٧٤٦) .]] . وَلِلْبُخَارِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْرية بْنِ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرّق نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ [[في هـ، أ: "نخل بنى النضير، وقطع البويرة"، وقوله: "قطع البويرة" غير ثابت في البخاري، ويبدو أنه سهو من الناسخ.]] . وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَهَان عَلى سَراة بَنِي لُؤيّ ... حَريق بالبُوَيَرة مُسْتَطيرُّ ... فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُولُ: أدَام اللهُ ذلكَ مِنْ صَنيع ... وَحَرّق فِي نَوَاحيها السَّعير ... سَتَعلم أيُّنا منْها بِنزهٍ ... وَتَعْلُمُ أيّ أرْضينَا نَضِيرُ ... كَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٣٢) .]] وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إِسْحَاقَ. وقال محمد ابن إِسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَذْكُرُ إِجْلَاءَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَتْلَ ابْنِ الْأَشْرَفِ: لَقَد خَزيت [[في أ: "خربت".]] بغَدْرَتِها الحُبُور ... كَذَاكَ الدهرُ ذُو صَرْف يَدُورُ ... وَذَلك أنَّهم كفَرُوا بِرَبّ ... عَظيم أمرُهُ أمرٌ كَبِيرُ ... وقَد أُوتُوا مَعًا فَهمًا وَعِلْمًا ... وَجَاءهُمُ مِنَ اللَّهِ النَّذيرُ ... نَذير صَادق أَدَّى [[في م: "أوتي".]] كِتَابًا ... وَآيَاتٍ مُبَيَّنَةً تُنيرُ ... فَقَالَ [[في م: "فقالوا".]] مَا أَتَيْتَ بِأَمِرِ صِدْقٍ ... وَأَنْتَ بِمُنْكَرٍ مِنَّا جَديرُ ... فَقَالَ: بَلى لَقَدْ أديتُ حَقًّا ... يُصَدّقني بِهِ الفَهم الخَبيرُ ... فَمن يَتْبعه يُهدَ لِكُل رُشُد ... وَمَن يَكفُر بِهِ يُجزَ الكَفُورُ ... فَلَمَّا أْشربُوا غَدْرًا وكُفْرًا ... وَجَدّ بِهِمْ عَنِ الحَقّ النَفورُ ... أرَى اللَّهُ النَّبِيَّ بِرَأي صدْق ... وكانَ اللَّهُ يَحكُم لَا يَجُورُ ... فَأيَّدَهُ وَسَلَّطَه عَلَيهم ... وكانَ نَصيرهُ نعْم النَّصيرُ ... فَغُودرَ منْهمُو كَعب صَرِيعًا ... فَذَلَّتْ بعدَ مَصْرَعة النَّضيرُ ... عَلى الكَفَّين ثمَّ وقَدْ عَلَتْهُ ... بِأَيِدِينَا مُشَهَّرة ذكُورُ ... بأمْر مُحَمَّد إِذْ دَس لَيلا ... إلى كَعب أخَا كَعب يَسيرُ ... فَمَا كَرَه فَأنزلَه بِمَكْر ... وَمحمودُ أخُو ثقَة جَسُورُ ... فَتلْك بَنُو النَّضير بِدَارِ سَوء ... أبَارَهُمُ بِمَا اجْتَرَمُوا المُبيرُ ... غَداة أتاهُمُ فِي الزّحْف رَهوًا ... رَسُولُ اللَّهِ وَهّوَ بِهِمْ بَصيرُ ... وَغَسَّانُ الحماةُ مُوازرُوه ... عَلَى الْأَعْدَاءِ وَهْوَ لَهُمْ وَزيرُ ... فَقَالَ: السْلم ويحكمُ فَصَدّوا ... وَحَالفَ أمْرَهَم كَذبٌ وَزُورُ ... فَذَاقُوا غِبَّ أمْرهُمُ دَبَالا ... لكُلّ ثَلاثَة منهُم بَعيرُ ... وَأجلوا عَامدين لقَينُقَاع ... وَغُودرَ مِنْهُم نَخْل ودُورُ [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/١٩٩) .]] قَالَ: وَكَانَ مِمَّا [[في م: "ومما كان".]] قِيلَ مِنَ الْأَشْعَارِ فِي بَنِي النَّضِيرِ قولُ ابْنِ لُقَيم العَبْسيّ -وَيُقَالُ: قالها قيس بْنُ بَحْرِ بْنِ طَرِيفٍ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ الْأَشْجَعِيُّ: أَهْلِي فدَاءٌ لِامْرِئٍ غَير هَالك ... أحَلّ [[في أ: "أجلي".]] اليهودَ بالحَسِى [[في م، أ: "بالحس".]] المُزَنَّم ... يَقيلُونَ فِي جَمْر الغَضاة وبُدّلُوا ... أهَيضبَ عُودًا بالوَدي المُكَمَّم ... فَإِنْ يَكُ ظَني صَادقًا بمُحَمد ... يَرَوا خَيلَه بينَ الصِّلَا وَيَرمْرَم [[في أ: "بين الصفا وبزمزم".]] يَؤمّ بِهَا عَمرو بنُ بُهثَةَ إنَّهُمْ ... عَدُو ما حَيّ صَديق كمُجْرم ... عَلَيهنّ أبطالُ مَساعيرُ فِي الوَغَى ... يَهُزّونَ أطرافَ الوَشيج المُقَوّم ... وكُلّ رَقيق الشَّفرتَين مُهَنَّدٍ ... تُورثْنَ مِنْ أزْمان عَادٍ وَجُرْهُمِ ... فَمَن مُبلغٌ عَني قُرَيشًا رسَالة ... فَهَلْ بَعدَهُم فِي المجْد مِنْ مُتَكرّم ... بِأَنَّ أخاكمُ فاعلَمنّ مُحَمَّدًا ... تَليدُ النَّدى بينَ الحَجُون وزَمْزَم ... فَدينُوا لَهُ بِالْحَقِّ تَجْسُمْ أمُورُكم ... وتَسْمُوا منَ الدنْيا إِلَى كُل مُعْظَم ... نَبِيٌّ تلافَته منَ اللَّهِ رَحَمةٌ ... وَلَا تَسْألُوهُ أمْرَ غَيب مُرَجَّم ... فَقَدْ كانَ فِي بَدْر لَعَمْري عِبرَةٌ ... لَكُم يَا قُرَيش والقَليب المُلَمَّم ... غَدَاة أتَى فِي الخَزْرَجيَّةِ عامِدًا ... إليكُم مُطيعًا للعَظيمِ المُكَرّم ... مُعَانًا برُوح القُدْس يَنْكي عَدوه ... رَسُولا مِنَ الرَّحْمَنِ حَقّا بِمَعْلم ... رَسُولا مِنَ الرَّحْمَنِ يَتْلُو كِتابَهُ ... فَلَمّا أنارَ الحَقّ لَمْ يَتَلعْثَم ... أرَى أمْرَهُ يَزْدَادُ فِي كُلّ مَوْطن ... عُلُوّا لأمرْ حَمَّه اللهُ مُحْكَم [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/١٩٥) .]] وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ إِسْحَاقَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، هاهنا أَشْعَارًا كَثِيرَةً، فِيهَا آدَابٌ وَمَوَاعِظُ وَحِكَمٌ، وَتَفَاصِيلُ لِلْقِصَّةِ، تَرَكْنَا بَاقِيهَا اخْتِصَارًا وَاكْتِفَاءً بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ وَقْعَةُ بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ وَبَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ. وَحَكَى الْبُخَارِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ وَقْعَةُ بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ [[صحيح البخاري (٧/٣٢٩) "فتح".]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) ﴾ يعني بقوله جلّ ثناؤه: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ صلى لله، وسجد له، ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ من خلقه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ يقول: وهو العزيز في انتقامه ممن انتقم من خلقه على معصيتهم إياه، الحكيم في تدبيره إياهم. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ (٢) ﴾ يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ : الله الذي أخرج الذين جحدوا نبوّة محمد ﷺ من أهل الكتاب، وهم يهود بني النضير من ديارهم، وذلك خروجهم عن منازلهم ودورهم،. حين صالحوا رسول الله ﷺ على أن يؤمنهم على دمائهم ونسائهم وذراريهم، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من أموالهم، ويخلو له دورهم، وسائر أموالهم، فأجابهم رسول الله ﷺ إلى ذلك، فخرجوا من ديارهم، فمنهم من خرج إلى الشام، ومنهم من خرج إلى خيبر، فذلك قول الله عزّ وجلّ ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عزّ وجلّ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قال: النضير حتى قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ . ذكر ما بين ذلك كله فيهم: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قيل: الشام، وهم بنو النضير حيّ من اليهود، فأجلاهم نبيّ الله ﷺ من المدينة إلى خيبر، مرجعه من أحد. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قال: هم بنو النضير قاتلهم النبي ﷺ حتى صالحهم على الجلاء، فأجلاهم إلى الشام، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من شيء إلا الحلقة، والحلقة: السلاح، كانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما مضى، وكان الله عزّ وجلّ قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك عذبهم في الدنيا بالقتل والسباء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قال: هؤلاء النضير حين أجلاهم رسول الله ﷺ. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثنا ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان، قال: نزلت في بني النضير سورة الحشر بأسرها، يذكر فيها ما أصابهم الله عزّ وجل به من نقمته، وما سلط عليهم به رسول الله ﷺ وما عمل به فيهم، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ ... الآيات. * * وقوله: ﴿لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ يقول تعالى ذكره: لأوّل الجمع في الدنيا، وذلك حشرهم إلى أرض الشام. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، قوله: ﴿لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قال: "كان جلاءوهم أوّل الحشر في الدنيا إلى الشام". ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: "تجيء نار من مَشرِق الأرض، تَحْشُر الناس إلى مغاربها، فتبيت معهم حيث باتُوا، تَقِيل معهم حيث قالوا، وتأكل من تَخَلَّف". ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أَبي عديّ، عن عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ لما أجلى بني النضير، قال: "امْضوا فهذا أوَّل الْحَشْرِ، وإنَّا على الأثَرِ". ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قال: الشام حين ردهم إلى الشام، وقرأ قول الله عزّ وجلّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نزلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ قال: من حيث جاءت، أدبارها أن رجعت إلى الشام، من حيث جاءت ردّوا إليه. * * وقوله: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ ، يقول تعالى ذكره للمؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ: ما ظننتم أن يخرج هؤلاء الذين أخرجهم الله من ديارهم من أهل الكتاب من مساكنهم ومنازلهم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ ، وإنما ظن القوم فيما ذكر أن عبد الله بن أَبي، وجماعة من المنافقين بعثوا إليهم لما حصرهم رسول الله ﷺ يأمرونهم بالثبات في حصونهم، ويعدونهم النصر. كما:- ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان، أن رهطًا من بني عوف بن الخزرج، منهم عبد الله بن أُبيّ بن سلول، ووديعة ومالك، ابنا نوفل، وسويد وداعس، بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنَّعوا، فإنا لن نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم، فتربصوا لذلك من نصرهم، فلم يفعلوا، وكانوا قد تحصنوا في الحصون من رسول الله ﷺ حين نزل بهم. * * وقوله: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ يقول تعالى ذكره: فأتاهم أمر الله من حيث لم يحتسبوا أنه يأتيهم، وذلك الأمر الذي أتاهم من الله حيث لم يحتسبوا، قذف في قلوبهم الرعب بنزول رسول الله ﷺ بهم في أصحابه، يقول جلّ ثناؤه: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ . * * وقوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني جلّ ثناؤه بقوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ﴾ بني النضير من اليهود، وأنهم يخربون مساكنهم، وذلك أنهم كانوا ينظرون إلى الخشبة فيما ذُكر في منازلهم مما يستحسنونه، أو العمود أو الباب، فينزعون ذلك منها بأيديهم وأيدي المؤمنين. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ جعلوا يخربونها من أجوافها، وجعل المؤمنون يخربون من ظاهرها. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزُّهريّ، قال: لما صالحوا النبي ﷺ كانوا لا يعجبهم خشبة إلا أخذوها، فكان ذلك خرابها. وقال قتادة: كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها، وتخربها اليهود من داخلها. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان، قال: احتملوا من أموالهم، يعني بني النضير، ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، قال: فذلك قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ وذلك هدمهم بيوتهم عن نجف أبوابهم إذا احتملوها. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله عزّ وجلّ: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: هؤلاء النضير، صالحهم النبيّ ﷺ على ما حملت الإبل، فجعلوا يقلعون الأوتاد يخربون بيوتهم. وقال آخرون: إنما قيل ذلك كذلك، لأنهم كانوا يخربون بيوتهم ليبنوا بنقضها ما هدم المسلمون من حصونهم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أَبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ﴾ قال: يعني بني النضير، جعل المسلمون كلما هدموا شيئًا من حصونهم جعلوا ينقضون بيوتهم ويخربونها، ثم يبنون ما يخرب المسلمون، فذلك هلاكهم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: أهل النضير، جعل المسلمون كلما هدموا من حصنهم جعلوا ينقضون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، ثم يبنون ما خرّب المسلمون. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والمدينة والعراق سوى أَبي عمرو: ﴿يُخْرِبُونَ﴾ بتخفيف الراء، بمعنى يخرجون منها ويتركونها معطلة خرابًا، وكان أبو عمرو يقرأ ذلك ﴿يخرّبون﴾ بالتشديد في الراء، بمعنى يهدّمون بيوتهم. وقد ذكر عن أَبي عبد الرحمن السلمي والحسن البصري أنهما كانا يقرآن ذلك نحو قراءة أَبي عمرو. وكان أبو عمرو فيما ذكر عنه يزعم أنه إنما اختار التشديد في الراء لما ذكرت من أن الإخراب: إنما هو ترك ذلك خرابًا بغير ساكن، وإن بني النضير لم يتركوا منازلهم، فيرتحلوا عنها، ولكنهم خرّبوها بالنقض والهدم، وذلك لا يكون فيما قال إلا بالتشديد. وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي قراءة من قرأه بالتخفيف، لإجماع الحجة من القرّاء عليه. وقد كان بعض أهل المعرفة بكلام العرب يقول: التخريب والإخراب بمعنى واحد، وإنما ذلك في اختلاف اللفظ لا اختلاف في المعنى. * * وقوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الأبْصَارِ﴾ يقول تعالى ذكره: فاتعظوا يا معشر ذوي الأفهام بما أحلّ الله بهؤلاء اليهود الذين قذف الله في قلوبهم الرعب، وهم في حصونهم من نقمته، واعلموا أن الله وليّ من والاه، وناصر رسوله على كلّ من ناوأه، ومحلّ من نقمته به نظيرَ الذي أحلّ ببني النضير. وإنما عنى بالأبصار في هذا الموضع أبصار القلوب، وذلك أن الاعتبار بها يكون دون الإبصار بالعيون.
C’est Lui qui a expulsé les Banû an-Nađîr, qui mécroyaient en Allah et traitaient Son Messager Muħammad de menteur, de leurs demeures à Médine lors de leur première expulsion de Médine vers le Levant. Ces gens étaient des juifs adeptes de la Torah qui, après avoir violé leur engagement et s’être ligué avec les mécréants contre le Prophète, ont été expulsés vers le Levant. Ô croyants, vous ne pensiez pas qu’ils seraient expulsés de leurs demeures, en raison de leur puissance. Eux-mêmes pensaient que les forteresses qu’ils avaient bâties les protègeraient de la colère et de la punition d’Allah. Seulement, la colère d’Allah s’est abattue sur eux d’où ils ne s’y attendaient pas lorsqu’Il ordonna à Son Messager de les combattre et de les expulser de leurs demeures. Allah introduisit alors une immense terreur dans leurs cœurs, leur faisant détruire leurs demeures de leurs propres mains de l’intérieur afin que les musulmans n’en tirent pas profit, tandis que les musulmans les détruisaient de l’extérieur. Tirez donc des enseignements, ô vous qui êtes pourvus d’une vision, de ce qu’il advint d’eux pour leur mécréance. Ne soyez donc pas comme eux afin de ne pas mériter leur punition.
وَلَوْلَآ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ
Et si Allah n'avait pas prescrit contre eux l'expatriation, Il les aurait certainement châtiés ici-bas; et dans l'au-delà ils auront le châtiment du feu.
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحَشْرِ [وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سُورَةُ بَنِي النَّضِيرِ] [[زيادة من أ.]] . وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيم، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْحَشْرِ؟ قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي بَنِي النَّضِيرِ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ هُشَيْم، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٢) وصحيح مسلم برقم (٣٣١) .]] . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوانة، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْحَشْرِ؟ قَالَ: قُل: سُورَةُ النَّضير [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٣) .]] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ جميع مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ يُسَبِّحُ لَهُ وَيُمَجِّدُهُ وَيُقَدِّسُهُ، وَيُصَلِّي لَهُ وَيُوَحِّدُهُ [[في م: "وحده".]] كَقَوْلِهِ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ] وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ] ﴾ [[زيادة من م.]] [الْإِسْرَاءِ: ٤٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أَيْ: مَنِيعُ الْجَنَابِ ﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي قَدَرِهِ وَشَرْعِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يَعْنِي: يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ المدينة هادنهم وأعطاهم عَهْدًا وَذِمَّةً، عَلَى أَلَّا يُقَاتِلَهُمْ وَلَا يُقَاتِلُوهُ، فَنَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَأَحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ بِأْسَهُ الَّذِي لَا مَرَدَّ [[في م: "لا يرد".]] لَهُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ قَضَاءَهُ الَّذِي لَا يُصَدّ، فَأَجْلَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ حُصُونِهِمُ الْحَصِينَةِ الَّتِي مَا طَمِعَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ، وَظَنُّوا هُمْ أَنَّهَا مَانِعَتُهُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ، فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَجَاءَهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ بِبَالِهِمْ، وَسَيَّرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَأَجْلَاهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ذَهَبُوا إِلَى أَذَرِعَاتٍ مِنْ أَعَالِي الشَّامِ، وَهِيَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ، وَمِنْهُمْ طَائِفَةٌ ذَهَبُوا إِلَى خَيْبَرَ. وَكَانَ قَدْ أَنْزَلَهُمْ مِنْهَا عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ إِبِلُهُمْ، فَكَانُوا يُخَرِّبُونَ مَا فِي بُيُوتِهِمْ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُحْمَلَ مَعَهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ﴾ أَيْ: تَفَكَّرُوا فِي عَاقِبَةِ مَنْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ وَخَالَفَ رَسُولَهُ، وَكَذَّبَ كِتَابَهُ، كَيْفَ يَحِلُّ بِهِ مِنْ بَأْسِهِ الْمُخْزِي لَهُ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُهُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ وَسُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كَتَبُوا إِلَى ابْنِ أُبَيٍّ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ يَعْبُدُ [مَعَهُ] [[زيادة من سنن أبي داود.]] الْأَوْثَانَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ: إِنَّكُمْ آوَيْتُمْ صَاحِبَنَا، وَإِنَّا نُقْسِمُ بِاللَّهِ لَنُقَاتِلَنَّهُ، أَوْ لَتُخْرِجُنَّهُ، أَوْ لَنَسِيرَنَّ إِلَيْكُمْ بِأَجْمَعِنَا، حَتَّى نَقْتُلَ مُقَاتلتكم وَنَسْتَبِيحَ نِسَاءَكُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، اجْتَمَعُوا لِقِتَالِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُمْ، فَقَالَ: "لَقَدْ بَلَغَ وَعِيدُ قُرَيْشٍ مِنْكُمُ الْمَبَالِغَ، مَا كَانَتْ تَكِيدُكُمْ بِأَكْثَرَ مِمَّا تُرِيدُ أَنْ تَكِيدُوا بِهِ أَنْفُسَكُمْ، تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا أَبْنَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ؟ "، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ تَفَرَّقُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ كَفَّارَ قُرَيْشٍ، فَكَتَبَتْ كَفَّارُ قُرَيْشٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ إِلَى الْيَهُودِ: إِنَّكُمْ أَهْلُ الْحَلْقَةِ وَالْحُصُونِ، وَإِنَّكُمْ لَتُقَاتِلُّنَ مَعَ صَاحِبِنَا أَوْ لَنَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا، وَلَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَدَمِ نِسَائِكُمْ شَيْءٌ -وَهِيَ الْخَلَاخِيلُ -فَلَمَّا بَلَغَ كِتَابُهُمُ النَّبِيَّ ﷺ اجْتَمَعَتْ بَنُو النَّضِيرِ بِالْغَدْرِ، فَأَرْسَلُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: اخْرُجْ إِلَيْنَا فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ لِيَخْرُجَ مِنَّا ثَلَاثُونَ حَبْرًا، حَتَّى نَلْتَقِيَ بِمَكَانِ الْمَنْصَفِ فَيَسْمَعُوا مِنْكَ، فَإِنْ صَدَّقُوكَ وَآمَنُوا بِكَ آمَنَّا بِكَ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ غَدَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [بِالْكَتَائِبِ] [[زيادة من سنن أبي داود.]] فَحَصَرَهُمْ، قَالَ لَهُمْ: "إِنَّكُمْ وَاللَّهِ لَا تَأْمَنُوا عِنْدِي إِلَّا بِعَهْدٍ تُعَاهِدُونِي عَلَيْهِ". فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُ عَهْدًا، فَقَاتَلَهُمْ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ غَدَا الغَد عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ بِالْكَتَائِبِ، وَتَرَكَ بَنِي النَّضِيرِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى أَنْ يُعَاهِدُوهُ، فَعَاهَدُوهُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ. وَغَدَا إِلَى بَنِي النَّضِيرِ بِالْكَتَائِبِ فَقَاتَلَهُمْ، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْجَلَاءِ. فَجَلَتْ بَنُو النَّضِيرِ، وَاحْتَمَلُوا مَا أَقَلَّتِ الْإِبِلُ مِنْ أَمْتِعَتِهِمْ وَأَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ وَخَشَبِهَا، وَكَانَ نَخْلُ بَنِي النَّضِيرِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، أَعْطَاهُ اللَّهُ أَيَّاهَا وَخَصَّهُ بِهَا، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ يَقُولُ: بِغَيْرِ قِتَالٍ، فَأَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَهَا لِلْمُهَاجِرِينَ، قَسَّمَهَا بَيْنَهُمْ، وَقَسَّمَ مِنْهَا لِرَجُلَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ وَكَانَا ذَوَيْ حَاجَةٍ، وَلَمْ يُقَسَّمْ مِنَ الأنصار غيرهما، وبقي مِنْهَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي فِي أَيْدِي بَنِي فَاطِمَةَ [[سنن أبي داود برقم (٣٠٠٤) .]] . وَلْنَذْكُرْ مُلَخَّصَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْمَغَازِي والسَير: أَنَّهُ لَمَّا قُتِل أصحابُ بِئْرِ مَعُونَةَ، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ [[في م: "أصحاب النبي".]] ﷺ، وَكَانُوا سَبْعِينَ، وَأَفْلَتَ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، فَلَمَّا كَانَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ قَتَلَ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، وَكَانَ مَعَهُمَا عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمَانٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ عَمْرٌو، فَلَمَّا رَجَعَ أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَقَدْ قَتَلْتَ رَجُلَيْنِ، لأدينَّهما" وَكَانَ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي عَامِرٍ حِلْفٌ وَعَهْدٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ، وَكَانَ مَنَازِلُ بَنِي النَّضِيرِ ظَاهِرَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَمْيَالٍ مِنْهَا شَرْقِيَّهَا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ فِي كِتَابِهِ السِّيرَةِ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ، يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِكَ الْقَتِيلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، اللَّذَيْنِ قَتَلَ [[في م: "قتلهما".]] عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ؛ لِلْجِوَارِ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَقَدَ لَهُمَا، فِيمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومان، وَكَانَ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي عَامِرٍ عَقد وَحِلْفٌ. فَلَمَّا أَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِكَ الْقَتِيلَيْنِ قَالُوا: نَعَمْ، يَا أَبَا الْقَاسِمِ، نُعِينُكَ عَلَى مَا أَحْبَبْتَ، مِمَّا اسْتَعَنْتَ بِنَا عَلَيْهِ. ثُمَّ خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَنْ [[في م: "لم".]] تَجِدُوا الرَّجُلَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ هَذِهِ -وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَنْبِ جِدَارٍ مِنْ بُيُوتِهِمْ-فَمَن [[في أ: "فمر".]] رَجُلٌ يَعْلُو عَلَى هَذَا الْبَيْتِ، فَيُلْقِي عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَيُرِيحُنَا مِنْهُ؟ فَانْتُدِبَ لِذَلِكَ عَمْرُو بْنُ جِحَاشِ بْنِ كَعْبٍ أحدُهم، فَقَالَ: أَنَا لِذَلِكَ، فصعَدَ لِيُلْقِيَ عَلَيْهِ صَخْرَةً كَمَا قَالَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ، فَقَامَ وَخَرَجَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا اسْتَلْبَثَ النَّبِيَّ ﷺ أَصْحَابُهُ قَامُوا فِي طَلَبِهِ فَلَقُوا رَجُلًا مُقْبِلًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَسَأَلُوهُ عَنْهُ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُ دَاخِلًا الْمَدِينَةَ. فَأَقْبَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَيْهِ، فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ بِمَا كَانَتْ يَهُودُ أَرَادَتْ مِنَ الْغَدْرِ بِهِ، وَأَمَرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّهَيُّؤِ لِحَرْبِهِمْ وَالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ. ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ فِي الْحُصُونِ، فَأَمَرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ النَّخْلِ والتَّحريق فِيهَا. فَنَادَوْهُ: أَنْ يَا مُحَمَّدُ، قَدْ كُنْتَ تَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ وَتَعِيبُهُ عَلَى مَنْ صَنَعَهُ، فَمَا بَالُ قَطْعِ النَّخْلِ وَتَحْرِيقِهَا؟ وَقَدْ كَانَ رَهْطٌ مِنْ بَنِي عوف بن الخزرج، منهم عبد الله ابن أُبَيِّ [بْنِ] [[زيادة من م، أ.]] سَلُولٍ، وَوَدِيعَةُ، وَمَالِكُ بْنُ أَبِي قَوْقَلٍ [[في أ: "نوفل".]] وسُوَيد وَدَاعِسٌ، قَدْ بَعَثُوا إِلَى بَنِي النَّضِيرِ: أَنِ اثْبُتُوا وتَمَنَّعوا فَإِنَّا لَنْ نُسْلِمَكُمْ، إِنْ قُوتِلْتُمْ قَاتَلْنَا مَعَكُمْ، وَإِنْ أُخْرِجْتُمْ خَرَجنا مَعَكُمْ فَتَرَبَّصُوا ذَلِكَ مِنْ نَصْرِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجْلِيَهُمْ وَيَكُفَّ عَنْ دِمَائِهِمْ، عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتِ الْإِبِلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا الْحَلْقَةَ، فَفَعَلَ، فَاحْتَمَلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ الْإِبِلُ، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَهْدِمُ بَيْتَهُ عَنْ نِجَافِ بَابِهِ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ فَيَنْطَلِقُ بِهِ. فَخَرَجُوا إِلَى خَيْبَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَارَ إِلَى الشَّامِ، وَخَلّوا الْأَمْوَالَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ خَاصَّةً يَضَعُهَا حَيْثُ شَاءَ، فَقَسَمَهَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ دُونَ الْأَنْصَارِ. إِلَّا أَنَّ سَهْلَ بْنَ حُنَيف وَأَبَا دُجانة سِمَاكَ بْنَ خَرشَة ذَكَرَا فَقْرًا، فَأَعْطَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ إِلَّا رَجُلَانِ: يَامِينُ بْنُ عُمَير [[في م: "ابن عمرو".]] بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ جِحَاشٍ، وَأَبُو سَعْدِ بْنُ وَهْبٍ أَسْلَمَا عَلَى أَمْوَالِهِمَا فَأَحْرَزَاهَا. قَالَ: ابْنُ إِسْحَاقَ: قَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ يَامِينَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِيَامِينَ: "أَلَمْ تَرَ مَا لقيتُ مِنَ ابْنِ عَمِّكَ، وَمَا هُمْ بِهِ مِنْ شَأْنِي". فَجَعَلَ يَامِينُ بن عُمَير [[في م: "بن عمرو".]] لرجل جُعِل عَلَى أَنْ يَقْتُلَ عَمْرَو بْنَ جِحَاشٍ، فَقَتَلَهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَنَزَلَ فِي بَنِي النَّضِيرِ سُورَةُ الْحَشْرِ بِأَسْرِهَا [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/١٩٠ -١٩٢) وتفسير الطبري (٢٨/٢١) .]] . وَهَكَذَا رَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْر، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ [[في م: "مما تقدم".]] . فَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يَعْنِي: بَنِي النَّضِيرِ ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي سَعْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ شَكَّ فِي أن أرض المحشر هاهنا -يَعْنِي الشَّامَ فَلْيَتْل [[في م، أ: "فليقرأ".]] هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اخْرُجُوا". قَالُوا: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: "إِلَى أَرْضِ الْمَحْشَرِ". وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا أَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ، قَالَ: "هَذَا أَوَّلُ الْحَشْرِ، وَأَنَا عَلَى الْأَثَرِ". وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٨/٢٠) ورواه ابن سعد في الطبقات (٢/٤٢) عن هوذة ابن خليفة، عن عوف، عن الحسن به وهو مرسل.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ أَيْ: فِي مُدَّةِ حِصَارِكُمْ لَهُمْ وقصَرها، وَكَانَتْ سِتَّةَ أَيَّامٍ، مَعَ شِدَّةِ حُصُونِهِمْ وَمَنَعَتِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أَيْ: جَاءَهُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي بَالٍ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٢٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أَيِ: الْخَوْفَ والهَلَع والجَزَع، وَكَيْفَ لَا يَحْصُلُ لَهُمْ ذَلِكَ وَقَدْ حَاصَرَهُمُ الَّذِي نُصر بِالرُّعْبِ مسيرةَ شَهْرٍ، صَلَوَاتُ الله وسلامه عليه. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ابْنِ إِسْحَاقَ لِذَلِكَ، وَهُوَ نَقْضُ [[في أ: "بعض".]] مَا اسْتَحْسَنُوهُ مِنْ سُقُوفِهِمْ وَأَبْوَابِهِمْ، وتَحملها عَلَى الْإِبِلِ، وَكَذَا قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وقال مقاتل ابن حَيَّانَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَاتِلُهُمْ، فَإِذَا ظَهَرَ عَلَى دَرْب أَوْ دَارٍ، هُدِمَ حِيطَانُهَا لِيَتَّسِعَ الْمَكَانُ لِلْقِتَالِ. وَكَانَ [[في م: "وكانت".]] الْيَهُودُ إِذَا عَلَّوْا مَكَانًا أَوْ غَلَبُوا عَلَى دَرْبٍ أَوْ دَارٍ، نَقَبُوا مِنْ أَدْبَارِهَا ثُمَّ حَصَّنُوهَا وَدَرَّبُوهَا، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ أَيْ: لَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْجَلَاءَ، وَهُوَ النَّفْيُ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، لَكَانَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَذَابٌ آخَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، قَالَهُ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَة، والسُّدِّي وَابْنِ زَيْدٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ سَيُعَذِّبُهُمْ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مَعَ مَا أَعَدَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ -كَاتِبُ اللَّيْثِ-حَدَّثَنِي اللَّيْثِ، عَنْ عَقِيلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: ثُمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ بَنِي النَّضِيرِ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ. وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حتى نَزَلُوا مِنَ الْجَلَاءِ، وَأَنَّ لَهُمْ مَا أقَلَّت الْإِبِلُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَمْتِعَةِ إِلَّا الْحَلْقَةَ، وَهِيَ السِّلَاحُ، فَأَجْلَاهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الشَّامِ. قَالَ: وَالْجَلَاءُ أَنَّهُ كُتب عَلَيْهِمْ فِي آيٍ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَكَانُوا مِنْ سِبْطٍ لَمْ يُصِبْهُمُ الْجَلَاءُ قَبْلَ مَا سُلِّطَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْجَلَاءُ: الْقَتْلُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْفَنَاءُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْجَلَاءُ: خُرُوجُ النَّاسِ مِنَ الْبَلَدِ إِلَى الْبَلَدِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَجْلَاهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَأَعْطَى كُلَّ ثَلَاثَةٍ بَعِيرًا وَسِقَاءً، فَهَذَا الْجَلَاءُ. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ [[في أ: "سعد".]] الْعَوْفِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَمِّي، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ [[في م: "كان رسول الله".]] ﷺ قَدْ حَاصَرَهُمْ حَتَّى بَلَغَ مِنْهُمْ كُلَّ مَبْلَغ، فَأَعْطَوْهُ مَا أَرَادَ مِنْهُمْ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَحْقِنَ لهم دمائهم، وَأَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ وَمِنْ دِيَارِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ، وَأَنْ يُسَيِّرَهُمْ إِلَى أَذَرِعَاتِ الشَّامِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ بَعِيرًا وَسِقَاءً، وَالْجَلَاءُ إِخْرَاجُهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ [[في م: "أرض".]] إِلَى أَرْضٍ أُخْرَى [[دلائل النبوة للبيهقي (٣/٣٥٩) وإسناده مسلسل بالضعفاء.]] وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ يَعْقُوبَ بْنِ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بن جعفر بن محمود بن محمد بْنِ مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَجِّلَهُمْ فِي الْجَلَاءِ ثَلَاثَ لَيَالٍ [[في م: "أيام".]] [[دلائل النبوة (٣/٣٦٠) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ أَيْ: حَتْمٌ لَازِمٌ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أَيْ:إِنَّمَا فَعلَ اللَّهُ بِهِمْ ذَلِكَ وسَلَّط عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ وَعِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّهُمْ خَالَفُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَكَذَّبُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رُسُلِهِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي [[في م: "من".]] الْبِشَارَةِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُمْ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . * * وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ اللِّينُ: نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ، وَهُوَ جَيِّدٌ. قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ: وَهُوَ مَا خَالَفَ الْعَجْوَةَ والبَرْنِيّ مِنَ التَّمْرِ. وَقَالَ كَثِيرُونَ [[في م: "كثير".]] مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: اللِّينَةُ: أَلْوَانُ التَّمْرِ سِوَى الْعَجْوَةِ. قَالَ: ابْنُ جَرِيرٍ: هُوَ جَمِيعُ النَّخْلِ. وَنَقَلَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ: وَهُوَ البُوَيرة أَيْضًا؛ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا حَاصَرَهُمْ أَمَرَ بِقَطْعِ نَخِيلِهِمْ [[في م: "نخلهم".]] إِهَانَةً لَهُمْ، وَإِرْهَابًا وَإِرْعَابًا لِقُلُوبِهِمْ. فَرَوَى مُحَمَّدُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، وَقَتَادَةَ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ أَنَّهُمْ قَالُوا: [فَبَعَثَ بَنُو النَّضِيرِ] [[في هـ بياض، وفي م: "بنو قريظة" وهو خطأ، والمثبت من تفسير الطبري. ومستفادا من هامش ط. الشعب.]] يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّكَ تَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ، فَمَا بَالُكَ تَأْمُرُ بِقَطْعِ الْأَشْجَارِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ، أَيْ: مَا قَطَعْتُمْ وَمَا تَرَكْتُمْ مِنَ الْأَشْجَارِ، فَالْجَمِيعُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ [[في م: "وقدره".]] وَرِضَاهُ، وَفِيهِ نِكَايَةٌ بِالْعَدُوِّ [[في م: "للعدو".]] وَخِزْيٌ لَهُمْ، وَإِرْغَامٌ لِأُنُوفِهِمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَهَى بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ بَعْضًا عَنْ قَطْعِ النَّخْلِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا هِيَ مَغَانِمُ الْمُسْلِمِينَ. فَنَزَلَ [[في م: "فأنزل".]] الْقُرْآنُ بِتَصْدِيقِ مَنْ نَهَى عَنْ قَطْعِهِ، وَتَحْلِيلِ مَنْ قَطَعَهُ مِنَ الْإِثْمِ، وَإِنَّمَا قَطْعُهُ وَتَرْكُهُ بِإِذْنِهِ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا مَرْفُوعًا، فَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ [[في م: "بن".]] عَفَّانَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ قَالَ: يَسْتَنْزِلُونَهُمْ مِنْ حُصُونِهِمْ وَأَمَرُوا بِقَطْعِ النَّخْلِ، فَحَاكَ فِي صُدُورِهِمْ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: قَطَعْنَا بَعْضًا وَتَرَكْنَا بَعْضًا، فَلْنَسْأَلَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلْ لَنَا فِيمَا قَطَعْنَا مَنْ أَجْرٍ؟ وَهَلْ عَلَيْنَا فِيمَا تَرَكْنَا مَنْ وِزْرٍ؟ فَأَنْزَلَ الله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٧٤) .]] وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ جَابِرٍ -وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ-قَالَ: رَخَّصَ لَهُمْ فِي قَطْعِ النَّخْلِ، ثُمَّ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ فَأَتَوُا [[في م: "فسألوا".]] النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَيْنَا إِثْمٌ فِيمَا قَطَعْنَا؟ أَوْ عَلَيْنَا وِزْرٌ فِيمَا تَرَكْنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [[مسند أبي يعلى (٤/١٣٥) وفيه سفيان بن وكيع، وهو ضعيف. تنبيه: رواية سليمان بن موسى عن جابر لم أجدها في مسند أبي يعلى المطبوع فلعلها سقطت.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وحَرّق. وَأَخْرَجَهُ صَاحِبَا الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، بِنَحْوِهِ [[المسند (٢/٧) وصحيح البخاري برقم (٢٠٢١) وصحيح مسلم برقم (١٧٤٦) .]] وَلَفْظِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: حَارَبَتِ [[في م: "حارب".]] النضيرُ وَقُرَيْظَةُ، فَأَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ ومَنّ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ فَقَتَلَ مِنْ رِجَالِهِمْ وَقَسَّمَ [[في م: "فقتل من رجالهم وسبى وقسم".]] نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ فأمَّنهم وَأَسْلَمُوا، وَأَجْلَى يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَهُمْ رَهْطُ عَبْدِ اللَّهِ بن سلام، ويهود بني حارثة، وكلّ يهود بِالْمَدِينَةِ. وَلَهُمَا أَيْضًا عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم حَرّق نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ -وَهِيَ البُوَيرةُ-فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٤) وصحيح مسلم برقم (١٧٤٦) .]] . وَلِلْبُخَارِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْرية بْنِ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرّق نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ [[في هـ، أ: "نخل بنى النضير، وقطع البويرة"، وقوله: "قطع البويرة" غير ثابت في البخاري، ويبدو أنه سهو من الناسخ.]] . وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَهَان عَلى سَراة بَنِي لُؤيّ ... حَريق بالبُوَيَرة مُسْتَطيرُّ ... فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُولُ: أدَام اللهُ ذلكَ مِنْ صَنيع ... وَحَرّق فِي نَوَاحيها السَّعير ... سَتَعلم أيُّنا منْها بِنزهٍ ... وَتَعْلُمُ أيّ أرْضينَا نَضِيرُ ... كَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٣٢) .]] وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إِسْحَاقَ. وقال محمد ابن إِسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَذْكُرُ إِجْلَاءَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَتْلَ ابْنِ الْأَشْرَفِ: لَقَد خَزيت [[في أ: "خربت".]] بغَدْرَتِها الحُبُور ... كَذَاكَ الدهرُ ذُو صَرْف يَدُورُ ... وَذَلك أنَّهم كفَرُوا بِرَبّ ... عَظيم أمرُهُ أمرٌ كَبِيرُ ... وقَد أُوتُوا مَعًا فَهمًا وَعِلْمًا ... وَجَاءهُمُ مِنَ اللَّهِ النَّذيرُ ... نَذير صَادق أَدَّى [[في م: "أوتي".]] كِتَابًا ... وَآيَاتٍ مُبَيَّنَةً تُنيرُ ... فَقَالَ [[في م: "فقالوا".]] مَا أَتَيْتَ بِأَمِرِ صِدْقٍ ... وَأَنْتَ بِمُنْكَرٍ مِنَّا جَديرُ ... فَقَالَ: بَلى لَقَدْ أديتُ حَقًّا ... يُصَدّقني بِهِ الفَهم الخَبيرُ ... فَمن يَتْبعه يُهدَ لِكُل رُشُد ... وَمَن يَكفُر بِهِ يُجزَ الكَفُورُ ... فَلَمَّا أْشربُوا غَدْرًا وكُفْرًا ... وَجَدّ بِهِمْ عَنِ الحَقّ النَفورُ ... أرَى اللَّهُ النَّبِيَّ بِرَأي صدْق ... وكانَ اللَّهُ يَحكُم لَا يَجُورُ ... فَأيَّدَهُ وَسَلَّطَه عَلَيهم ... وكانَ نَصيرهُ نعْم النَّصيرُ ... فَغُودرَ منْهمُو كَعب صَرِيعًا ... فَذَلَّتْ بعدَ مَصْرَعة النَّضيرُ ... عَلى الكَفَّين ثمَّ وقَدْ عَلَتْهُ ... بِأَيِدِينَا مُشَهَّرة ذكُورُ ... بأمْر مُحَمَّد إِذْ دَس لَيلا ... إلى كَعب أخَا كَعب يَسيرُ ... فَمَا كَرَه فَأنزلَه بِمَكْر ... وَمحمودُ أخُو ثقَة جَسُورُ ... فَتلْك بَنُو النَّضير بِدَارِ سَوء ... أبَارَهُمُ بِمَا اجْتَرَمُوا المُبيرُ ... غَداة أتاهُمُ فِي الزّحْف رَهوًا ... رَسُولُ اللَّهِ وَهّوَ بِهِمْ بَصيرُ ... وَغَسَّانُ الحماةُ مُوازرُوه ... عَلَى الْأَعْدَاءِ وَهْوَ لَهُمْ وَزيرُ ... فَقَالَ: السْلم ويحكمُ فَصَدّوا ... وَحَالفَ أمْرَهَم كَذبٌ وَزُورُ ... فَذَاقُوا غِبَّ أمْرهُمُ دَبَالا ... لكُلّ ثَلاثَة منهُم بَعيرُ ... وَأجلوا عَامدين لقَينُقَاع ... وَغُودرَ مِنْهُم نَخْل ودُورُ [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/١٩٩) .]] قَالَ: وَكَانَ مِمَّا [[في م: "ومما كان".]] قِيلَ مِنَ الْأَشْعَارِ فِي بَنِي النَّضِيرِ قولُ ابْنِ لُقَيم العَبْسيّ -وَيُقَالُ: قالها قيس بْنُ بَحْرِ بْنِ طَرِيفٍ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ الْأَشْجَعِيُّ: أَهْلِي فدَاءٌ لِامْرِئٍ غَير هَالك ... أحَلّ [[في أ: "أجلي".]] اليهودَ بالحَسِى [[في م، أ: "بالحس".]] المُزَنَّم ... يَقيلُونَ فِي جَمْر الغَضاة وبُدّلُوا ... أهَيضبَ عُودًا بالوَدي المُكَمَّم ... فَإِنْ يَكُ ظَني صَادقًا بمُحَمد ... يَرَوا خَيلَه بينَ الصِّلَا وَيَرمْرَم [[في أ: "بين الصفا وبزمزم".]] يَؤمّ بِهَا عَمرو بنُ بُهثَةَ إنَّهُمْ ... عَدُو ما حَيّ صَديق كمُجْرم ... عَلَيهنّ أبطالُ مَساعيرُ فِي الوَغَى ... يَهُزّونَ أطرافَ الوَشيج المُقَوّم ... وكُلّ رَقيق الشَّفرتَين مُهَنَّدٍ ... تُورثْنَ مِنْ أزْمان عَادٍ وَجُرْهُمِ ... فَمَن مُبلغٌ عَني قُرَيشًا رسَالة ... فَهَلْ بَعدَهُم فِي المجْد مِنْ مُتَكرّم ... بِأَنَّ أخاكمُ فاعلَمنّ مُحَمَّدًا ... تَليدُ النَّدى بينَ الحَجُون وزَمْزَم ... فَدينُوا لَهُ بِالْحَقِّ تَجْسُمْ أمُورُكم ... وتَسْمُوا منَ الدنْيا إِلَى كُل مُعْظَم ... نَبِيٌّ تلافَته منَ اللَّهِ رَحَمةٌ ... وَلَا تَسْألُوهُ أمْرَ غَيب مُرَجَّم ... فَقَدْ كانَ فِي بَدْر لَعَمْري عِبرَةٌ ... لَكُم يَا قُرَيش والقَليب المُلَمَّم ... غَدَاة أتَى فِي الخَزْرَجيَّةِ عامِدًا ... إليكُم مُطيعًا للعَظيمِ المُكَرّم ... مُعَانًا برُوح القُدْس يَنْكي عَدوه ... رَسُولا مِنَ الرَّحْمَنِ حَقّا بِمَعْلم ... رَسُولا مِنَ الرَّحْمَنِ يَتْلُو كِتابَهُ ... فَلَمّا أنارَ الحَقّ لَمْ يَتَلعْثَم ... أرَى أمْرَهُ يَزْدَادُ فِي كُلّ مَوْطن ... عُلُوّا لأمرْ حَمَّه اللهُ مُحْكَم [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/١٩٥) .]] وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ إِسْحَاقَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، هاهنا أَشْعَارًا كَثِيرَةً، فِيهَا آدَابٌ وَمَوَاعِظُ وَحِكَمٌ، وَتَفَاصِيلُ لِلْقِصَّةِ، تَرَكْنَا بَاقِيهَا اخْتِصَارًا وَاكْتِفَاءً بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ وَقْعَةُ بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ وَبَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ. وَحَكَى الْبُخَارِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ وَقْعَةُ بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ [[صحيح البخاري (٧/٣٢٩) "فتح".]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولولا أن الله قضى وكتب على هؤلاء اليهود من بني النضير في أم الكتاب الجلاء، وهو الانتقال من موضع إلى موضع، وبلدة إلى أخرى. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ﴾ : خروج الناس من البلد إلى البلد. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أَبي، قال: ثني عمي، قال ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ﴾ والجلاء: إخراجهم من أرضهم إلى أرض أخرى، قال: ويقال: الجلاء: الفرار، يقال منه: جلا القوم من منازلهم، وأجليتهم أنا. * * وقوله: ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ﴾ من أرضهم وديارهم، لعذّبهم في الدنيا بالقتل والسَّبْي، ولكنه رفع العذاب عنهم في الدنيا بالقتل، وجعل عذابهم في الدنيا والجلاء، ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ مع ما حلّ بهم من خزي الدنيا بالجلاء عن أرضهم ودورهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، قال: كان النضير من سِبْطٍ لم يصبهم جلاء فيما مضى، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لعذّبهم في الدنيا بالقتل والسبي. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا سَلَمَة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومان ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ﴾ ، وكان لهم من الله نقمة، ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ : أي بالسيف ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ ، مع ذلك. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أَبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ قال: كان رسول الله ﷺ قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ، فأعطوه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم وأوطانهم، ويسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرًا وسقاء. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ﴾ : أهل النضير، حاصرهم نبي الله ﷺ حتى بلغ منهم كلّ مبلغ، فأعطوا نبيّ الله ﷺ ما أراد، ثم ذكر نحوه وزاد فيه: فهذا الجلاء. * * وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: هذا الذي فعل الله بهؤلاء اليهود ما فعل بهم من إخراجهم من ديارهم، وقذف الرعب في قلوبهم من المؤمنين، وجعل لهم في الآخرة عذاب النار بما فعلوا هم في الدنيا من مخالفتهم الله ورسوله في أمره ونهيه، وعصيانهم ربهم فيما أمرهم به من اتباع محمد ﷺ. ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن يخالف الله في أمره ونهيه، فإن الله شديد العقاب.
Si Allah n’avait pas décrété qu’ils soient expulsés de leurs demeures, Il les aurait châtiés dans le bas monde en leur faisant subir la mort et la servitude tout comme leurs frères des Banû Qurayẓah puis dans l’au-delà, les attendra le châtiment de la Fournaise pour l’éternité.
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۖ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
Il en est ainsi parce qu'ils se sont dressés contre Allah et Son messager. Et quiconque se dresse contre Allah... alors, vraiment Allah est dur en punition.
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحَشْرِ [وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سُورَةُ بَنِي النَّضِيرِ] [[زيادة من أ.]] . وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيم، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْحَشْرِ؟ قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي بَنِي النَّضِيرِ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ هُشَيْم، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٢) وصحيح مسلم برقم (٣٣١) .]] . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوانة، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْحَشْرِ؟ قَالَ: قُل: سُورَةُ النَّضير [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٣) .]] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ جميع مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ يُسَبِّحُ لَهُ وَيُمَجِّدُهُ وَيُقَدِّسُهُ، وَيُصَلِّي لَهُ وَيُوَحِّدُهُ [[في م: "وحده".]] كَقَوْلِهِ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ] وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ] ﴾ [[زيادة من م.]] [الْإِسْرَاءِ: ٤٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أَيْ: مَنِيعُ الْجَنَابِ ﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي قَدَرِهِ وَشَرْعِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يَعْنِي: يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ المدينة هادنهم وأعطاهم عَهْدًا وَذِمَّةً، عَلَى أَلَّا يُقَاتِلَهُمْ وَلَا يُقَاتِلُوهُ، فَنَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَأَحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ بِأْسَهُ الَّذِي لَا مَرَدَّ [[في م: "لا يرد".]] لَهُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ قَضَاءَهُ الَّذِي لَا يُصَدّ، فَأَجْلَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ حُصُونِهِمُ الْحَصِينَةِ الَّتِي مَا طَمِعَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ، وَظَنُّوا هُمْ أَنَّهَا مَانِعَتُهُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ، فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَجَاءَهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ بِبَالِهِمْ، وَسَيَّرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَأَجْلَاهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ذَهَبُوا إِلَى أَذَرِعَاتٍ مِنْ أَعَالِي الشَّامِ، وَهِيَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ، وَمِنْهُمْ طَائِفَةٌ ذَهَبُوا إِلَى خَيْبَرَ. وَكَانَ قَدْ أَنْزَلَهُمْ مِنْهَا عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ إِبِلُهُمْ، فَكَانُوا يُخَرِّبُونَ مَا فِي بُيُوتِهِمْ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُحْمَلَ مَعَهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ﴾ أَيْ: تَفَكَّرُوا فِي عَاقِبَةِ مَنْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ وَخَالَفَ رَسُولَهُ، وَكَذَّبَ كِتَابَهُ، كَيْفَ يَحِلُّ بِهِ مِنْ بَأْسِهِ الْمُخْزِي لَهُ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُهُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ وَسُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كَتَبُوا إِلَى ابْنِ أُبَيٍّ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ يَعْبُدُ [مَعَهُ] [[زيادة من سنن أبي داود.]] الْأَوْثَانَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ: إِنَّكُمْ آوَيْتُمْ صَاحِبَنَا، وَإِنَّا نُقْسِمُ بِاللَّهِ لَنُقَاتِلَنَّهُ، أَوْ لَتُخْرِجُنَّهُ، أَوْ لَنَسِيرَنَّ إِلَيْكُمْ بِأَجْمَعِنَا، حَتَّى نَقْتُلَ مُقَاتلتكم وَنَسْتَبِيحَ نِسَاءَكُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، اجْتَمَعُوا لِقِتَالِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُمْ، فَقَالَ: "لَقَدْ بَلَغَ وَعِيدُ قُرَيْشٍ مِنْكُمُ الْمَبَالِغَ، مَا كَانَتْ تَكِيدُكُمْ بِأَكْثَرَ مِمَّا تُرِيدُ أَنْ تَكِيدُوا بِهِ أَنْفُسَكُمْ، تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا أَبْنَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ؟ "، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ تَفَرَّقُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ كَفَّارَ قُرَيْشٍ، فَكَتَبَتْ كَفَّارُ قُرَيْشٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ إِلَى الْيَهُودِ: إِنَّكُمْ أَهْلُ الْحَلْقَةِ وَالْحُصُونِ، وَإِنَّكُمْ لَتُقَاتِلُّنَ مَعَ صَاحِبِنَا أَوْ لَنَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا، وَلَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَدَمِ نِسَائِكُمْ شَيْءٌ -وَهِيَ الْخَلَاخِيلُ -فَلَمَّا بَلَغَ كِتَابُهُمُ النَّبِيَّ ﷺ اجْتَمَعَتْ بَنُو النَّضِيرِ بِالْغَدْرِ، فَأَرْسَلُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: اخْرُجْ إِلَيْنَا فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ لِيَخْرُجَ مِنَّا ثَلَاثُونَ حَبْرًا، حَتَّى نَلْتَقِيَ بِمَكَانِ الْمَنْصَفِ فَيَسْمَعُوا مِنْكَ، فَإِنْ صَدَّقُوكَ وَآمَنُوا بِكَ آمَنَّا بِكَ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ غَدَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [بِالْكَتَائِبِ] [[زيادة من سنن أبي داود.]] فَحَصَرَهُمْ، قَالَ لَهُمْ: "إِنَّكُمْ وَاللَّهِ لَا تَأْمَنُوا عِنْدِي إِلَّا بِعَهْدٍ تُعَاهِدُونِي عَلَيْهِ". فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُ عَهْدًا، فَقَاتَلَهُمْ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ غَدَا الغَد عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ بِالْكَتَائِبِ، وَتَرَكَ بَنِي النَّضِيرِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى أَنْ يُعَاهِدُوهُ، فَعَاهَدُوهُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ. وَغَدَا إِلَى بَنِي النَّضِيرِ بِالْكَتَائِبِ فَقَاتَلَهُمْ، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْجَلَاءِ. فَجَلَتْ بَنُو النَّضِيرِ، وَاحْتَمَلُوا مَا أَقَلَّتِ الْإِبِلُ مِنْ أَمْتِعَتِهِمْ وَأَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ وَخَشَبِهَا، وَكَانَ نَخْلُ بَنِي النَّضِيرِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، أَعْطَاهُ اللَّهُ أَيَّاهَا وَخَصَّهُ بِهَا، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ يَقُولُ: بِغَيْرِ قِتَالٍ، فَأَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَهَا لِلْمُهَاجِرِينَ، قَسَّمَهَا بَيْنَهُمْ، وَقَسَّمَ مِنْهَا لِرَجُلَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ وَكَانَا ذَوَيْ حَاجَةٍ، وَلَمْ يُقَسَّمْ مِنَ الأنصار غيرهما، وبقي مِنْهَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي فِي أَيْدِي بَنِي فَاطِمَةَ [[سنن أبي داود برقم (٣٠٠٤) .]] . وَلْنَذْكُرْ مُلَخَّصَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْمَغَازِي والسَير: أَنَّهُ لَمَّا قُتِل أصحابُ بِئْرِ مَعُونَةَ، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ [[في م: "أصحاب النبي".]] ﷺ، وَكَانُوا سَبْعِينَ، وَأَفْلَتَ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، فَلَمَّا كَانَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ قَتَلَ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، وَكَانَ مَعَهُمَا عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمَانٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ عَمْرٌو، فَلَمَّا رَجَعَ أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَقَدْ قَتَلْتَ رَجُلَيْنِ، لأدينَّهما" وَكَانَ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي عَامِرٍ حِلْفٌ وَعَهْدٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ، وَكَانَ مَنَازِلُ بَنِي النَّضِيرِ ظَاهِرَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَمْيَالٍ مِنْهَا شَرْقِيَّهَا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ فِي كِتَابِهِ السِّيرَةِ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ، يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِكَ الْقَتِيلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، اللَّذَيْنِ قَتَلَ [[في م: "قتلهما".]] عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ؛ لِلْجِوَارِ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَقَدَ لَهُمَا، فِيمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومان، وَكَانَ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي عَامِرٍ عَقد وَحِلْفٌ. فَلَمَّا أَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِكَ الْقَتِيلَيْنِ قَالُوا: نَعَمْ، يَا أَبَا الْقَاسِمِ، نُعِينُكَ عَلَى مَا أَحْبَبْتَ، مِمَّا اسْتَعَنْتَ بِنَا عَلَيْهِ. ثُمَّ خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَنْ [[في م: "لم".]] تَجِدُوا الرَّجُلَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ هَذِهِ -وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَنْبِ جِدَارٍ مِنْ بُيُوتِهِمْ-فَمَن [[في أ: "فمر".]] رَجُلٌ يَعْلُو عَلَى هَذَا الْبَيْتِ، فَيُلْقِي عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَيُرِيحُنَا مِنْهُ؟ فَانْتُدِبَ لِذَلِكَ عَمْرُو بْنُ جِحَاشِ بْنِ كَعْبٍ أحدُهم، فَقَالَ: أَنَا لِذَلِكَ، فصعَدَ لِيُلْقِيَ عَلَيْهِ صَخْرَةً كَمَا قَالَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ، فَقَامَ وَخَرَجَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا اسْتَلْبَثَ النَّبِيَّ ﷺ أَصْحَابُهُ قَامُوا فِي طَلَبِهِ فَلَقُوا رَجُلًا مُقْبِلًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَسَأَلُوهُ عَنْهُ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُ دَاخِلًا الْمَدِينَةَ. فَأَقْبَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَيْهِ، فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ بِمَا كَانَتْ يَهُودُ أَرَادَتْ مِنَ الْغَدْرِ بِهِ، وَأَمَرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّهَيُّؤِ لِحَرْبِهِمْ وَالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ. ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ فِي الْحُصُونِ، فَأَمَرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ النَّخْلِ والتَّحريق فِيهَا. فَنَادَوْهُ: أَنْ يَا مُحَمَّدُ، قَدْ كُنْتَ تَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ وَتَعِيبُهُ عَلَى مَنْ صَنَعَهُ، فَمَا بَالُ قَطْعِ النَّخْلِ وَتَحْرِيقِهَا؟ وَقَدْ كَانَ رَهْطٌ مِنْ بَنِي عوف بن الخزرج، منهم عبد الله ابن أُبَيِّ [بْنِ] [[زيادة من م، أ.]] سَلُولٍ، وَوَدِيعَةُ، وَمَالِكُ بْنُ أَبِي قَوْقَلٍ [[في أ: "نوفل".]] وسُوَيد وَدَاعِسٌ، قَدْ بَعَثُوا إِلَى بَنِي النَّضِيرِ: أَنِ اثْبُتُوا وتَمَنَّعوا فَإِنَّا لَنْ نُسْلِمَكُمْ، إِنْ قُوتِلْتُمْ قَاتَلْنَا مَعَكُمْ، وَإِنْ أُخْرِجْتُمْ خَرَجنا مَعَكُمْ فَتَرَبَّصُوا ذَلِكَ مِنْ نَصْرِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجْلِيَهُمْ وَيَكُفَّ عَنْ دِمَائِهِمْ، عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتِ الْإِبِلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا الْحَلْقَةَ، فَفَعَلَ، فَاحْتَمَلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ الْإِبِلُ، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَهْدِمُ بَيْتَهُ عَنْ نِجَافِ بَابِهِ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ فَيَنْطَلِقُ بِهِ. فَخَرَجُوا إِلَى خَيْبَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَارَ إِلَى الشَّامِ، وَخَلّوا الْأَمْوَالَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ خَاصَّةً يَضَعُهَا حَيْثُ شَاءَ، فَقَسَمَهَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ دُونَ الْأَنْصَارِ. إِلَّا أَنَّ سَهْلَ بْنَ حُنَيف وَأَبَا دُجانة سِمَاكَ بْنَ خَرشَة ذَكَرَا فَقْرًا، فَأَعْطَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ إِلَّا رَجُلَانِ: يَامِينُ بْنُ عُمَير [[في م: "ابن عمرو".]] بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ جِحَاشٍ، وَأَبُو سَعْدِ بْنُ وَهْبٍ أَسْلَمَا عَلَى أَمْوَالِهِمَا فَأَحْرَزَاهَا. قَالَ: ابْنُ إِسْحَاقَ: قَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ يَامِينَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِيَامِينَ: "أَلَمْ تَرَ مَا لقيتُ مِنَ ابْنِ عَمِّكَ، وَمَا هُمْ بِهِ مِنْ شَأْنِي". فَجَعَلَ يَامِينُ بن عُمَير [[في م: "بن عمرو".]] لرجل جُعِل عَلَى أَنْ يَقْتُلَ عَمْرَو بْنَ جِحَاشٍ، فَقَتَلَهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَنَزَلَ فِي بَنِي النَّضِيرِ سُورَةُ الْحَشْرِ بِأَسْرِهَا [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/١٩٠ -١٩٢) وتفسير الطبري (٢٨/٢١) .]] . وَهَكَذَا رَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْر، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ [[في م: "مما تقدم".]] . فَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يَعْنِي: بَنِي النَّضِيرِ ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي سَعْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ شَكَّ فِي أن أرض المحشر هاهنا -يَعْنِي الشَّامَ فَلْيَتْل [[في م، أ: "فليقرأ".]] هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اخْرُجُوا". قَالُوا: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: "إِلَى أَرْضِ الْمَحْشَرِ". وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا أَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ، قَالَ: "هَذَا أَوَّلُ الْحَشْرِ، وَأَنَا عَلَى الْأَثَرِ". وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٨/٢٠) ورواه ابن سعد في الطبقات (٢/٤٢) عن هوذة ابن خليفة، عن عوف، عن الحسن به وهو مرسل.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ أَيْ: فِي مُدَّةِ حِصَارِكُمْ لَهُمْ وقصَرها، وَكَانَتْ سِتَّةَ أَيَّامٍ، مَعَ شِدَّةِ حُصُونِهِمْ وَمَنَعَتِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أَيْ: جَاءَهُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي بَالٍ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٢٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أَيِ: الْخَوْفَ والهَلَع والجَزَع، وَكَيْفَ لَا يَحْصُلُ لَهُمْ ذَلِكَ وَقَدْ حَاصَرَهُمُ الَّذِي نُصر بِالرُّعْبِ مسيرةَ شَهْرٍ، صَلَوَاتُ الله وسلامه عليه. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ابْنِ إِسْحَاقَ لِذَلِكَ، وَهُوَ نَقْضُ [[في أ: "بعض".]] مَا اسْتَحْسَنُوهُ مِنْ سُقُوفِهِمْ وَأَبْوَابِهِمْ، وتَحملها عَلَى الْإِبِلِ، وَكَذَا قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وقال مقاتل ابن حَيَّانَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَاتِلُهُمْ، فَإِذَا ظَهَرَ عَلَى دَرْب أَوْ دَارٍ، هُدِمَ حِيطَانُهَا لِيَتَّسِعَ الْمَكَانُ لِلْقِتَالِ. وَكَانَ [[في م: "وكانت".]] الْيَهُودُ إِذَا عَلَّوْا مَكَانًا أَوْ غَلَبُوا عَلَى دَرْبٍ أَوْ دَارٍ، نَقَبُوا مِنْ أَدْبَارِهَا ثُمَّ حَصَّنُوهَا وَدَرَّبُوهَا، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ أَيْ: لَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْجَلَاءَ، وَهُوَ النَّفْيُ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، لَكَانَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَذَابٌ آخَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، قَالَهُ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَة، والسُّدِّي وَابْنِ زَيْدٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ سَيُعَذِّبُهُمْ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مَعَ مَا أَعَدَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ -كَاتِبُ اللَّيْثِ-حَدَّثَنِي اللَّيْثِ، عَنْ عَقِيلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: ثُمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ بَنِي النَّضِيرِ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ. وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حتى نَزَلُوا مِنَ الْجَلَاءِ، وَأَنَّ لَهُمْ مَا أقَلَّت الْإِبِلُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَمْتِعَةِ إِلَّا الْحَلْقَةَ، وَهِيَ السِّلَاحُ، فَأَجْلَاهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الشَّامِ. قَالَ: وَالْجَلَاءُ أَنَّهُ كُتب عَلَيْهِمْ فِي آيٍ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَكَانُوا مِنْ سِبْطٍ لَمْ يُصِبْهُمُ الْجَلَاءُ قَبْلَ مَا سُلِّطَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْجَلَاءُ: الْقَتْلُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْفَنَاءُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْجَلَاءُ: خُرُوجُ النَّاسِ مِنَ الْبَلَدِ إِلَى الْبَلَدِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَجْلَاهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَأَعْطَى كُلَّ ثَلَاثَةٍ بَعِيرًا وَسِقَاءً، فَهَذَا الْجَلَاءُ. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ [[في أ: "سعد".]] الْعَوْفِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَمِّي، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ [[في م: "كان رسول الله".]] ﷺ قَدْ حَاصَرَهُمْ حَتَّى بَلَغَ مِنْهُمْ كُلَّ مَبْلَغ، فَأَعْطَوْهُ مَا أَرَادَ مِنْهُمْ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَحْقِنَ لهم دمائهم، وَأَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ وَمِنْ دِيَارِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ، وَأَنْ يُسَيِّرَهُمْ إِلَى أَذَرِعَاتِ الشَّامِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ بَعِيرًا وَسِقَاءً، وَالْجَلَاءُ إِخْرَاجُهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ [[في م: "أرض".]] إِلَى أَرْضٍ أُخْرَى [[دلائل النبوة للبيهقي (٣/٣٥٩) وإسناده مسلسل بالضعفاء.]] وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ يَعْقُوبَ بْنِ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بن جعفر بن محمود بن محمد بْنِ مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَجِّلَهُمْ فِي الْجَلَاءِ ثَلَاثَ لَيَالٍ [[في م: "أيام".]] [[دلائل النبوة (٣/٣٦٠) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ أَيْ: حَتْمٌ لَازِمٌ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أَيْ:إِنَّمَا فَعلَ اللَّهُ بِهِمْ ذَلِكَ وسَلَّط عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ وَعِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّهُمْ خَالَفُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَكَذَّبُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رُسُلِهِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي [[في م: "من".]] الْبِشَارَةِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُمْ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . * * وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ اللِّينُ: نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ، وَهُوَ جَيِّدٌ. قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ: وَهُوَ مَا خَالَفَ الْعَجْوَةَ والبَرْنِيّ مِنَ التَّمْرِ. وَقَالَ كَثِيرُونَ [[في م: "كثير".]] مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: اللِّينَةُ: أَلْوَانُ التَّمْرِ سِوَى الْعَجْوَةِ. قَالَ: ابْنُ جَرِيرٍ: هُوَ جَمِيعُ النَّخْلِ. وَنَقَلَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ: وَهُوَ البُوَيرة أَيْضًا؛ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا حَاصَرَهُمْ أَمَرَ بِقَطْعِ نَخِيلِهِمْ [[في م: "نخلهم".]] إِهَانَةً لَهُمْ، وَإِرْهَابًا وَإِرْعَابًا لِقُلُوبِهِمْ. فَرَوَى مُحَمَّدُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، وَقَتَادَةَ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ أَنَّهُمْ قَالُوا: [فَبَعَثَ بَنُو النَّضِيرِ] [[في هـ بياض، وفي م: "بنو قريظة" وهو خطأ، والمثبت من تفسير الطبري. ومستفادا من هامش ط. الشعب.]] يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّكَ تَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ، فَمَا بَالُكَ تَأْمُرُ بِقَطْعِ الْأَشْجَارِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ، أَيْ: مَا قَطَعْتُمْ وَمَا تَرَكْتُمْ مِنَ الْأَشْجَارِ، فَالْجَمِيعُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ [[في م: "وقدره".]] وَرِضَاهُ، وَفِيهِ نِكَايَةٌ بِالْعَدُوِّ [[في م: "للعدو".]] وَخِزْيٌ لَهُمْ، وَإِرْغَامٌ لِأُنُوفِهِمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَهَى بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ بَعْضًا عَنْ قَطْعِ النَّخْلِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا هِيَ مَغَانِمُ الْمُسْلِمِينَ. فَنَزَلَ [[في م: "فأنزل".]] الْقُرْآنُ بِتَصْدِيقِ مَنْ نَهَى عَنْ قَطْعِهِ، وَتَحْلِيلِ مَنْ قَطَعَهُ مِنَ الْإِثْمِ، وَإِنَّمَا قَطْعُهُ وَتَرْكُهُ بِإِذْنِهِ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا مَرْفُوعًا، فَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ [[في م: "بن".]] عَفَّانَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ قَالَ: يَسْتَنْزِلُونَهُمْ مِنْ حُصُونِهِمْ وَأَمَرُوا بِقَطْعِ النَّخْلِ، فَحَاكَ فِي صُدُورِهِمْ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: قَطَعْنَا بَعْضًا وَتَرَكْنَا بَعْضًا، فَلْنَسْأَلَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلْ لَنَا فِيمَا قَطَعْنَا مَنْ أَجْرٍ؟ وَهَلْ عَلَيْنَا فِيمَا تَرَكْنَا مَنْ وِزْرٍ؟ فَأَنْزَلَ الله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٧٤) .]] وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ جَابِرٍ -وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ-قَالَ: رَخَّصَ لَهُمْ فِي قَطْعِ النَّخْلِ، ثُمَّ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ فَأَتَوُا [[في م: "فسألوا".]] النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَيْنَا إِثْمٌ فِيمَا قَطَعْنَا؟ أَوْ عَلَيْنَا وِزْرٌ فِيمَا تَرَكْنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [[مسند أبي يعلى (٤/١٣٥) وفيه سفيان بن وكيع، وهو ضعيف. تنبيه: رواية سليمان بن موسى عن جابر لم أجدها في مسند أبي يعلى المطبوع فلعلها سقطت.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وحَرّق. وَأَخْرَجَهُ صَاحِبَا الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، بِنَحْوِهِ [[المسند (٢/٧) وصحيح البخاري برقم (٢٠٢١) وصحيح مسلم برقم (١٧٤٦) .]] وَلَفْظِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: حَارَبَتِ [[في م: "حارب".]] النضيرُ وَقُرَيْظَةُ، فَأَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ ومَنّ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ فَقَتَلَ مِنْ رِجَالِهِمْ وَقَسَّمَ [[في م: "فقتل من رجالهم وسبى وقسم".]] نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ فأمَّنهم وَأَسْلَمُوا، وَأَجْلَى يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَهُمْ رَهْطُ عَبْدِ اللَّهِ بن سلام، ويهود بني حارثة، وكلّ يهود بِالْمَدِينَةِ. وَلَهُمَا أَيْضًا عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم حَرّق نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ -وَهِيَ البُوَيرةُ-فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٤) وصحيح مسلم برقم (١٧٤٦) .]] . وَلِلْبُخَارِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْرية بْنِ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرّق نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ [[في هـ، أ: "نخل بنى النضير، وقطع البويرة"، وقوله: "قطع البويرة" غير ثابت في البخاري، ويبدو أنه سهو من الناسخ.]] . وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَهَان عَلى سَراة بَنِي لُؤيّ ... حَريق بالبُوَيَرة مُسْتَطيرُّ ... فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُولُ: أدَام اللهُ ذلكَ مِنْ صَنيع ... وَحَرّق فِي نَوَاحيها السَّعير ... سَتَعلم أيُّنا منْها بِنزهٍ ... وَتَعْلُمُ أيّ أرْضينَا نَضِيرُ ... كَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٣٢) .]] وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إِسْحَاقَ. وقال محمد ابن إِسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَذْكُرُ إِجْلَاءَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَتْلَ ابْنِ الْأَشْرَفِ: لَقَد خَزيت [[في أ: "خربت".]] بغَدْرَتِها الحُبُور ... كَذَاكَ الدهرُ ذُو صَرْف يَدُورُ ... وَذَلك أنَّهم كفَرُوا بِرَبّ ... عَظيم أمرُهُ أمرٌ كَبِيرُ ... وقَد أُوتُوا مَعًا فَهمًا وَعِلْمًا ... وَجَاءهُمُ مِنَ اللَّهِ النَّذيرُ ... نَذير صَادق أَدَّى [[في م: "أوتي".]] كِتَابًا ... وَآيَاتٍ مُبَيَّنَةً تُنيرُ ... فَقَالَ [[في م: "فقالوا".]] مَا أَتَيْتَ بِأَمِرِ صِدْقٍ ... وَأَنْتَ بِمُنْكَرٍ مِنَّا جَديرُ ... فَقَالَ: بَلى لَقَدْ أديتُ حَقًّا ... يُصَدّقني بِهِ الفَهم الخَبيرُ ... فَمن يَتْبعه يُهدَ لِكُل رُشُد ... وَمَن يَكفُر بِهِ يُجزَ الكَفُورُ ... فَلَمَّا أْشربُوا غَدْرًا وكُفْرًا ... وَجَدّ بِهِمْ عَنِ الحَقّ النَفورُ ... أرَى اللَّهُ النَّبِيَّ بِرَأي صدْق ... وكانَ اللَّهُ يَحكُم لَا يَجُورُ ... فَأيَّدَهُ وَسَلَّطَه عَلَيهم ... وكانَ نَصيرهُ نعْم النَّصيرُ ... فَغُودرَ منْهمُو كَعب صَرِيعًا ... فَذَلَّتْ بعدَ مَصْرَعة النَّضيرُ ... عَلى الكَفَّين ثمَّ وقَدْ عَلَتْهُ ... بِأَيِدِينَا مُشَهَّرة ذكُورُ ... بأمْر مُحَمَّد إِذْ دَس لَيلا ... إلى كَعب أخَا كَعب يَسيرُ ... فَمَا كَرَه فَأنزلَه بِمَكْر ... وَمحمودُ أخُو ثقَة جَسُورُ ... فَتلْك بَنُو النَّضير بِدَارِ سَوء ... أبَارَهُمُ بِمَا اجْتَرَمُوا المُبيرُ ... غَداة أتاهُمُ فِي الزّحْف رَهوًا ... رَسُولُ اللَّهِ وَهّوَ بِهِمْ بَصيرُ ... وَغَسَّانُ الحماةُ مُوازرُوه ... عَلَى الْأَعْدَاءِ وَهْوَ لَهُمْ وَزيرُ ... فَقَالَ: السْلم ويحكمُ فَصَدّوا ... وَحَالفَ أمْرَهَم كَذبٌ وَزُورُ ... فَذَاقُوا غِبَّ أمْرهُمُ دَبَالا ... لكُلّ ثَلاثَة منهُم بَعيرُ ... وَأجلوا عَامدين لقَينُقَاع ... وَغُودرَ مِنْهُم نَخْل ودُورُ [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/١٩٩) .]] قَالَ: وَكَانَ مِمَّا [[في م: "ومما كان".]] قِيلَ مِنَ الْأَشْعَارِ فِي بَنِي النَّضِيرِ قولُ ابْنِ لُقَيم العَبْسيّ -وَيُقَالُ: قالها قيس بْنُ بَحْرِ بْنِ طَرِيفٍ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ الْأَشْجَعِيُّ: أَهْلِي فدَاءٌ لِامْرِئٍ غَير هَالك ... أحَلّ [[في أ: "أجلي".]] اليهودَ بالحَسِى [[في م، أ: "بالحس".]] المُزَنَّم ... يَقيلُونَ فِي جَمْر الغَضاة وبُدّلُوا ... أهَيضبَ عُودًا بالوَدي المُكَمَّم ... فَإِنْ يَكُ ظَني صَادقًا بمُحَمد ... يَرَوا خَيلَه بينَ الصِّلَا وَيَرمْرَم [[في أ: "بين الصفا وبزمزم".]] يَؤمّ بِهَا عَمرو بنُ بُهثَةَ إنَّهُمْ ... عَدُو ما حَيّ صَديق كمُجْرم ... عَلَيهنّ أبطالُ مَساعيرُ فِي الوَغَى ... يَهُزّونَ أطرافَ الوَشيج المُقَوّم ... وكُلّ رَقيق الشَّفرتَين مُهَنَّدٍ ... تُورثْنَ مِنْ أزْمان عَادٍ وَجُرْهُمِ ... فَمَن مُبلغٌ عَني قُرَيشًا رسَالة ... فَهَلْ بَعدَهُم فِي المجْد مِنْ مُتَكرّم ... بِأَنَّ أخاكمُ فاعلَمنّ مُحَمَّدًا ... تَليدُ النَّدى بينَ الحَجُون وزَمْزَم ... فَدينُوا لَهُ بِالْحَقِّ تَجْسُمْ أمُورُكم ... وتَسْمُوا منَ الدنْيا إِلَى كُل مُعْظَم ... نَبِيٌّ تلافَته منَ اللَّهِ رَحَمةٌ ... وَلَا تَسْألُوهُ أمْرَ غَيب مُرَجَّم ... فَقَدْ كانَ فِي بَدْر لَعَمْري عِبرَةٌ ... لَكُم يَا قُرَيش والقَليب المُلَمَّم ... غَدَاة أتَى فِي الخَزْرَجيَّةِ عامِدًا ... إليكُم مُطيعًا للعَظيمِ المُكَرّم ... مُعَانًا برُوح القُدْس يَنْكي عَدوه ... رَسُولا مِنَ الرَّحْمَنِ حَقّا بِمَعْلم ... رَسُولا مِنَ الرَّحْمَنِ يَتْلُو كِتابَهُ ... فَلَمّا أنارَ الحَقّ لَمْ يَتَلعْثَم ... أرَى أمْرَهُ يَزْدَادُ فِي كُلّ مَوْطن ... عُلُوّا لأمرْ حَمَّه اللهُ مُحْكَم [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/١٩٥) .]] وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ إِسْحَاقَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، هاهنا أَشْعَارًا كَثِيرَةً، فِيهَا آدَابٌ وَمَوَاعِظُ وَحِكَمٌ، وَتَفَاصِيلُ لِلْقِصَّةِ، تَرَكْنَا بَاقِيهَا اخْتِصَارًا وَاكْتِفَاءً بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ وَقْعَةُ بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ وَبَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ. وَحَكَى الْبُخَارِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ وَقْعَةُ بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ [[صحيح البخاري (٧/٣٢٩) "فتح".]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولولا أن الله قضى وكتب على هؤلاء اليهود من بني النضير في أم الكتاب الجلاء، وهو الانتقال من موضع إلى موضع، وبلدة إلى أخرى. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ﴾ : خروج الناس من البلد إلى البلد. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أَبي، قال: ثني عمي، قال ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ﴾ والجلاء: إخراجهم من أرضهم إلى أرض أخرى، قال: ويقال: الجلاء: الفرار، يقال منه: جلا القوم من منازلهم، وأجليتهم أنا. * * وقوله: ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ﴾ من أرضهم وديارهم، لعذّبهم في الدنيا بالقتل والسَّبْي، ولكنه رفع العذاب عنهم في الدنيا بالقتل، وجعل عذابهم في الدنيا والجلاء، ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ مع ما حلّ بهم من خزي الدنيا بالجلاء عن أرضهم ودورهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، قال: كان النضير من سِبْطٍ لم يصبهم جلاء فيما مضى، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لعذّبهم في الدنيا بالقتل والسبي. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا سَلَمَة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومان ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ﴾ ، وكان لهم من الله نقمة، ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ : أي بالسيف ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ ، مع ذلك. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أَبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ قال: كان رسول الله ﷺ قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ، فأعطوه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم وأوطانهم، ويسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرًا وسقاء. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ﴾ : أهل النضير، حاصرهم نبي الله ﷺ حتى بلغ منهم كلّ مبلغ، فأعطوا نبيّ الله ﷺ ما أراد، ثم ذكر نحوه وزاد فيه: فهذا الجلاء. * * وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: هذا الذي فعل الله بهؤلاء اليهود ما فعل بهم من إخراجهم من ديارهم، وقذف الرعب في قلوبهم من المؤمنين، وجعل لهم في الآخرة عذاب النار بما فعلوا هم في الدنيا من مخالفتهم الله ورسوله في أمره ونهيه، وعصيانهم ربهم فيما أمرهم به من اتباع محمد ﷺ. ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن يخالف الله في أمره ونهيه، فإن الله شديد العقاب.
Tel fut leur sort, car ils ont déclaré leur hostilité à Allah et à Son Messager en mécroyant et en violant leurs engagements. Or quiconque est hostile à Allah Le trouvera dur en punition et il subira effectivement une dure punition.
مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيُخْزِىَ ٱلْفَٰسِقِينَ
Tout palmier que vous avez coupé ou que vous avez laissé debout sur ses racines, c'est avec la permission d'Allah et afin qu'Il couvre ainsi d'ignominie les pervers.
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحَشْرِ [وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سُورَةُ بَنِي النَّضِيرِ] [[زيادة من أ.]] . وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيم، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْحَشْرِ؟ قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي بَنِي النَّضِيرِ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ هُشَيْم، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٢) وصحيح مسلم برقم (٣٣١) .]] . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوانة، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْحَشْرِ؟ قَالَ: قُل: سُورَةُ النَّضير [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٣) .]] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ جميع مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ يُسَبِّحُ لَهُ وَيُمَجِّدُهُ وَيُقَدِّسُهُ، وَيُصَلِّي لَهُ وَيُوَحِّدُهُ [[في م: "وحده".]] كَقَوْلِهِ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ] وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ] ﴾ [[زيادة من م.]] [الْإِسْرَاءِ: ٤٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أَيْ: مَنِيعُ الْجَنَابِ ﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي قَدَرِهِ وَشَرْعِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يَعْنِي: يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ المدينة هادنهم وأعطاهم عَهْدًا وَذِمَّةً، عَلَى أَلَّا يُقَاتِلَهُمْ وَلَا يُقَاتِلُوهُ، فَنَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَأَحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ بِأْسَهُ الَّذِي لَا مَرَدَّ [[في م: "لا يرد".]] لَهُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ قَضَاءَهُ الَّذِي لَا يُصَدّ، فَأَجْلَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ حُصُونِهِمُ الْحَصِينَةِ الَّتِي مَا طَمِعَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ، وَظَنُّوا هُمْ أَنَّهَا مَانِعَتُهُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ، فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَجَاءَهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ بِبَالِهِمْ، وَسَيَّرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَأَجْلَاهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ذَهَبُوا إِلَى أَذَرِعَاتٍ مِنْ أَعَالِي الشَّامِ، وَهِيَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ، وَمِنْهُمْ طَائِفَةٌ ذَهَبُوا إِلَى خَيْبَرَ. وَكَانَ قَدْ أَنْزَلَهُمْ مِنْهَا عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ إِبِلُهُمْ، فَكَانُوا يُخَرِّبُونَ مَا فِي بُيُوتِهِمْ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُحْمَلَ مَعَهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ﴾ أَيْ: تَفَكَّرُوا فِي عَاقِبَةِ مَنْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ وَخَالَفَ رَسُولَهُ، وَكَذَّبَ كِتَابَهُ، كَيْفَ يَحِلُّ بِهِ مِنْ بَأْسِهِ الْمُخْزِي لَهُ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُهُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ وَسُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كَتَبُوا إِلَى ابْنِ أُبَيٍّ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ يَعْبُدُ [مَعَهُ] [[زيادة من سنن أبي داود.]] الْأَوْثَانَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ: إِنَّكُمْ آوَيْتُمْ صَاحِبَنَا، وَإِنَّا نُقْسِمُ بِاللَّهِ لَنُقَاتِلَنَّهُ، أَوْ لَتُخْرِجُنَّهُ، أَوْ لَنَسِيرَنَّ إِلَيْكُمْ بِأَجْمَعِنَا، حَتَّى نَقْتُلَ مُقَاتلتكم وَنَسْتَبِيحَ نِسَاءَكُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، اجْتَمَعُوا لِقِتَالِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُمْ، فَقَالَ: "لَقَدْ بَلَغَ وَعِيدُ قُرَيْشٍ مِنْكُمُ الْمَبَالِغَ، مَا كَانَتْ تَكِيدُكُمْ بِأَكْثَرَ مِمَّا تُرِيدُ أَنْ تَكِيدُوا بِهِ أَنْفُسَكُمْ، تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا أَبْنَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ؟ "، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ تَفَرَّقُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ كَفَّارَ قُرَيْشٍ، فَكَتَبَتْ كَفَّارُ قُرَيْشٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ إِلَى الْيَهُودِ: إِنَّكُمْ أَهْلُ الْحَلْقَةِ وَالْحُصُونِ، وَإِنَّكُمْ لَتُقَاتِلُّنَ مَعَ صَاحِبِنَا أَوْ لَنَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا، وَلَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَدَمِ نِسَائِكُمْ شَيْءٌ -وَهِيَ الْخَلَاخِيلُ -فَلَمَّا بَلَغَ كِتَابُهُمُ النَّبِيَّ ﷺ اجْتَمَعَتْ بَنُو النَّضِيرِ بِالْغَدْرِ، فَأَرْسَلُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: اخْرُجْ إِلَيْنَا فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ لِيَخْرُجَ مِنَّا ثَلَاثُونَ حَبْرًا، حَتَّى نَلْتَقِيَ بِمَكَانِ الْمَنْصَفِ فَيَسْمَعُوا مِنْكَ، فَإِنْ صَدَّقُوكَ وَآمَنُوا بِكَ آمَنَّا بِكَ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ غَدَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [بِالْكَتَائِبِ] [[زيادة من سنن أبي داود.]] فَحَصَرَهُمْ، قَالَ لَهُمْ: "إِنَّكُمْ وَاللَّهِ لَا تَأْمَنُوا عِنْدِي إِلَّا بِعَهْدٍ تُعَاهِدُونِي عَلَيْهِ". فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُ عَهْدًا، فَقَاتَلَهُمْ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ غَدَا الغَد عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ بِالْكَتَائِبِ، وَتَرَكَ بَنِي النَّضِيرِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى أَنْ يُعَاهِدُوهُ، فَعَاهَدُوهُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ. وَغَدَا إِلَى بَنِي النَّضِيرِ بِالْكَتَائِبِ فَقَاتَلَهُمْ، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْجَلَاءِ. فَجَلَتْ بَنُو النَّضِيرِ، وَاحْتَمَلُوا مَا أَقَلَّتِ الْإِبِلُ مِنْ أَمْتِعَتِهِمْ وَأَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ وَخَشَبِهَا، وَكَانَ نَخْلُ بَنِي النَّضِيرِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، أَعْطَاهُ اللَّهُ أَيَّاهَا وَخَصَّهُ بِهَا، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ يَقُولُ: بِغَيْرِ قِتَالٍ، فَأَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَهَا لِلْمُهَاجِرِينَ، قَسَّمَهَا بَيْنَهُمْ، وَقَسَّمَ مِنْهَا لِرَجُلَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ وَكَانَا ذَوَيْ حَاجَةٍ، وَلَمْ يُقَسَّمْ مِنَ الأنصار غيرهما، وبقي مِنْهَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي فِي أَيْدِي بَنِي فَاطِمَةَ [[سنن أبي داود برقم (٣٠٠٤) .]] . وَلْنَذْكُرْ مُلَخَّصَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْمَغَازِي والسَير: أَنَّهُ لَمَّا قُتِل أصحابُ بِئْرِ مَعُونَةَ، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ [[في م: "أصحاب النبي".]] ﷺ، وَكَانُوا سَبْعِينَ، وَأَفْلَتَ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، فَلَمَّا كَانَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ قَتَلَ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، وَكَانَ مَعَهُمَا عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمَانٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ عَمْرٌو، فَلَمَّا رَجَعَ أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَقَدْ قَتَلْتَ رَجُلَيْنِ، لأدينَّهما" وَكَانَ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي عَامِرٍ حِلْفٌ وَعَهْدٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ، وَكَانَ مَنَازِلُ بَنِي النَّضِيرِ ظَاهِرَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَمْيَالٍ مِنْهَا شَرْقِيَّهَا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ فِي كِتَابِهِ السِّيرَةِ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ، يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِكَ الْقَتِيلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، اللَّذَيْنِ قَتَلَ [[في م: "قتلهما".]] عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ؛ لِلْجِوَارِ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَقَدَ لَهُمَا، فِيمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومان، وَكَانَ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي عَامِرٍ عَقد وَحِلْفٌ. فَلَمَّا أَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِكَ الْقَتِيلَيْنِ قَالُوا: نَعَمْ، يَا أَبَا الْقَاسِمِ، نُعِينُكَ عَلَى مَا أَحْبَبْتَ، مِمَّا اسْتَعَنْتَ بِنَا عَلَيْهِ. ثُمَّ خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَنْ [[في م: "لم".]] تَجِدُوا الرَّجُلَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ هَذِهِ -وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَنْبِ جِدَارٍ مِنْ بُيُوتِهِمْ-فَمَن [[في أ: "فمر".]] رَجُلٌ يَعْلُو عَلَى هَذَا الْبَيْتِ، فَيُلْقِي عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَيُرِيحُنَا مِنْهُ؟ فَانْتُدِبَ لِذَلِكَ عَمْرُو بْنُ جِحَاشِ بْنِ كَعْبٍ أحدُهم، فَقَالَ: أَنَا لِذَلِكَ، فصعَدَ لِيُلْقِيَ عَلَيْهِ صَخْرَةً كَمَا قَالَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ، فَقَامَ وَخَرَجَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا اسْتَلْبَثَ النَّبِيَّ ﷺ أَصْحَابُهُ قَامُوا فِي طَلَبِهِ فَلَقُوا رَجُلًا مُقْبِلًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَسَأَلُوهُ عَنْهُ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُ دَاخِلًا الْمَدِينَةَ. فَأَقْبَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَيْهِ، فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ بِمَا كَانَتْ يَهُودُ أَرَادَتْ مِنَ الْغَدْرِ بِهِ، وَأَمَرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّهَيُّؤِ لِحَرْبِهِمْ وَالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ. ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ فِي الْحُصُونِ، فَأَمَرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ النَّخْلِ والتَّحريق فِيهَا. فَنَادَوْهُ: أَنْ يَا مُحَمَّدُ، قَدْ كُنْتَ تَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ وَتَعِيبُهُ عَلَى مَنْ صَنَعَهُ، فَمَا بَالُ قَطْعِ النَّخْلِ وَتَحْرِيقِهَا؟ وَقَدْ كَانَ رَهْطٌ مِنْ بَنِي عوف بن الخزرج، منهم عبد الله ابن أُبَيِّ [بْنِ] [[زيادة من م، أ.]] سَلُولٍ، وَوَدِيعَةُ، وَمَالِكُ بْنُ أَبِي قَوْقَلٍ [[في أ: "نوفل".]] وسُوَيد وَدَاعِسٌ، قَدْ بَعَثُوا إِلَى بَنِي النَّضِيرِ: أَنِ اثْبُتُوا وتَمَنَّعوا فَإِنَّا لَنْ نُسْلِمَكُمْ، إِنْ قُوتِلْتُمْ قَاتَلْنَا مَعَكُمْ، وَإِنْ أُخْرِجْتُمْ خَرَجنا مَعَكُمْ فَتَرَبَّصُوا ذَلِكَ مِنْ نَصْرِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجْلِيَهُمْ وَيَكُفَّ عَنْ دِمَائِهِمْ، عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتِ الْإِبِلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا الْحَلْقَةَ، فَفَعَلَ، فَاحْتَمَلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ الْإِبِلُ، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَهْدِمُ بَيْتَهُ عَنْ نِجَافِ بَابِهِ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ فَيَنْطَلِقُ بِهِ. فَخَرَجُوا إِلَى خَيْبَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَارَ إِلَى الشَّامِ، وَخَلّوا الْأَمْوَالَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ خَاصَّةً يَضَعُهَا حَيْثُ شَاءَ، فَقَسَمَهَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ دُونَ الْأَنْصَارِ. إِلَّا أَنَّ سَهْلَ بْنَ حُنَيف وَأَبَا دُجانة سِمَاكَ بْنَ خَرشَة ذَكَرَا فَقْرًا، فَأَعْطَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ إِلَّا رَجُلَانِ: يَامِينُ بْنُ عُمَير [[في م: "ابن عمرو".]] بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ جِحَاشٍ، وَأَبُو سَعْدِ بْنُ وَهْبٍ أَسْلَمَا عَلَى أَمْوَالِهِمَا فَأَحْرَزَاهَا. قَالَ: ابْنُ إِسْحَاقَ: قَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ يَامِينَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِيَامِينَ: "أَلَمْ تَرَ مَا لقيتُ مِنَ ابْنِ عَمِّكَ، وَمَا هُمْ بِهِ مِنْ شَأْنِي". فَجَعَلَ يَامِينُ بن عُمَير [[في م: "بن عمرو".]] لرجل جُعِل عَلَى أَنْ يَقْتُلَ عَمْرَو بْنَ جِحَاشٍ، فَقَتَلَهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَنَزَلَ فِي بَنِي النَّضِيرِ سُورَةُ الْحَشْرِ بِأَسْرِهَا [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/١٩٠ -١٩٢) وتفسير الطبري (٢٨/٢١) .]] . وَهَكَذَا رَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْر، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ [[في م: "مما تقدم".]] . فَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يَعْنِي: بَنِي النَّضِيرِ ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي سَعْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ شَكَّ فِي أن أرض المحشر هاهنا -يَعْنِي الشَّامَ فَلْيَتْل [[في م، أ: "فليقرأ".]] هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اخْرُجُوا". قَالُوا: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: "إِلَى أَرْضِ الْمَحْشَرِ". وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا أَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ، قَالَ: "هَذَا أَوَّلُ الْحَشْرِ، وَأَنَا عَلَى الْأَثَرِ". وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٨/٢٠) ورواه ابن سعد في الطبقات (٢/٤٢) عن هوذة ابن خليفة، عن عوف، عن الحسن به وهو مرسل.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ أَيْ: فِي مُدَّةِ حِصَارِكُمْ لَهُمْ وقصَرها، وَكَانَتْ سِتَّةَ أَيَّامٍ، مَعَ شِدَّةِ حُصُونِهِمْ وَمَنَعَتِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أَيْ: جَاءَهُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي بَالٍ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٢٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أَيِ: الْخَوْفَ والهَلَع والجَزَع، وَكَيْفَ لَا يَحْصُلُ لَهُمْ ذَلِكَ وَقَدْ حَاصَرَهُمُ الَّذِي نُصر بِالرُّعْبِ مسيرةَ شَهْرٍ، صَلَوَاتُ الله وسلامه عليه. * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ابْنِ إِسْحَاقَ لِذَلِكَ، وَهُوَ نَقْضُ [[في أ: "بعض".]] مَا اسْتَحْسَنُوهُ مِنْ سُقُوفِهِمْ وَأَبْوَابِهِمْ، وتَحملها عَلَى الْإِبِلِ، وَكَذَا قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وقال مقاتل ابن حَيَّانَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَاتِلُهُمْ، فَإِذَا ظَهَرَ عَلَى دَرْب أَوْ دَارٍ، هُدِمَ حِيطَانُهَا لِيَتَّسِعَ الْمَكَانُ لِلْقِتَالِ. وَكَانَ [[في م: "وكانت".]] الْيَهُودُ إِذَا عَلَّوْا مَكَانًا أَوْ غَلَبُوا عَلَى دَرْبٍ أَوْ دَارٍ، نَقَبُوا مِنْ أَدْبَارِهَا ثُمَّ حَصَّنُوهَا وَدَرَّبُوهَا، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ﴾ . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ أَيْ: لَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْجَلَاءَ، وَهُوَ النَّفْيُ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، لَكَانَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَذَابٌ آخَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، قَالَهُ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَة، والسُّدِّي وَابْنِ زَيْدٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ سَيُعَذِّبُهُمْ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مَعَ مَا أَعَدَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ -كَاتِبُ اللَّيْثِ-حَدَّثَنِي اللَّيْثِ، عَنْ عَقِيلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: ثُمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ بَنِي النَّضِيرِ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ. وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حتى نَزَلُوا مِنَ الْجَلَاءِ، وَأَنَّ لَهُمْ مَا أقَلَّت الْإِبِلُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَمْتِعَةِ إِلَّا الْحَلْقَةَ، وَهِيَ السِّلَاحُ، فَأَجْلَاهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الشَّامِ. قَالَ: وَالْجَلَاءُ أَنَّهُ كُتب عَلَيْهِمْ فِي آيٍ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَكَانُوا مِنْ سِبْطٍ لَمْ يُصِبْهُمُ الْجَلَاءُ قَبْلَ مَا سُلِّطَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْجَلَاءُ: الْقَتْلُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْفَنَاءُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْجَلَاءُ: خُرُوجُ النَّاسِ مِنَ الْبَلَدِ إِلَى الْبَلَدِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَجْلَاهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَأَعْطَى كُلَّ ثَلَاثَةٍ بَعِيرًا وَسِقَاءً، فَهَذَا الْجَلَاءُ. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ [[في أ: "سعد".]] الْعَوْفِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَمِّي، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ [[في م: "كان رسول الله".]] ﷺ قَدْ حَاصَرَهُمْ حَتَّى بَلَغَ مِنْهُمْ كُلَّ مَبْلَغ، فَأَعْطَوْهُ مَا أَرَادَ مِنْهُمْ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَحْقِنَ لهم دمائهم، وَأَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ وَمِنْ دِيَارِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ، وَأَنْ يُسَيِّرَهُمْ إِلَى أَذَرِعَاتِ الشَّامِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ بَعِيرًا وَسِقَاءً، وَالْجَلَاءُ إِخْرَاجُهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ [[في م: "أرض".]] إِلَى أَرْضٍ أُخْرَى [[دلائل النبوة للبيهقي (٣/٣٥٩) وإسناده مسلسل بالضعفاء.]] وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ يَعْقُوبَ بْنِ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بن جعفر بن محمود بن محمد بْنِ مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَجِّلَهُمْ فِي الْجَلَاءِ ثَلَاثَ لَيَالٍ [[في م: "أيام".]] [[دلائل النبوة (٣/٣٦٠) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ أَيْ: حَتْمٌ لَازِمٌ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أَيْ:إِنَّمَا فَعلَ اللَّهُ بِهِمْ ذَلِكَ وسَلَّط عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ وَعِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّهُمْ خَالَفُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَكَذَّبُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رُسُلِهِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي [[في م: "من".]] الْبِشَارَةِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُمْ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . * * وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ اللِّينُ: نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ، وَهُوَ جَيِّدٌ. قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ: وَهُوَ مَا خَالَفَ الْعَجْوَةَ والبَرْنِيّ مِنَ التَّمْرِ. وَقَالَ كَثِيرُونَ [[في م: "كثير".]] مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: اللِّينَةُ: أَلْوَانُ التَّمْرِ سِوَى الْعَجْوَةِ. قَالَ: ابْنُ جَرِيرٍ: هُوَ جَمِيعُ النَّخْلِ. وَنَقَلَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ: وَهُوَ البُوَيرة أَيْضًا؛ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا حَاصَرَهُمْ أَمَرَ بِقَطْعِ نَخِيلِهِمْ [[في م: "نخلهم".]] إِهَانَةً لَهُمْ، وَإِرْهَابًا وَإِرْعَابًا لِقُلُوبِهِمْ. فَرَوَى مُحَمَّدُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، وَقَتَادَةَ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ أَنَّهُمْ قَالُوا: [فَبَعَثَ بَنُو النَّضِيرِ] [[في هـ بياض، وفي م: "بنو قريظة" وهو خطأ، والمثبت من تفسير الطبري. ومستفادا من هامش ط. الشعب.]] يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّكَ تَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ، فَمَا بَالُكَ تَأْمُرُ بِقَطْعِ الْأَشْجَارِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ، أَيْ: مَا قَطَعْتُمْ وَمَا تَرَكْتُمْ مِنَ الْأَشْجَارِ، فَالْجَمِيعُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ [[في م: "وقدره".]] وَرِضَاهُ، وَفِيهِ نِكَايَةٌ بِالْعَدُوِّ [[في م: "للعدو".]] وَخِزْيٌ لَهُمْ، وَإِرْغَامٌ لِأُنُوفِهِمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَهَى بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ بَعْضًا عَنْ قَطْعِ النَّخْلِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا هِيَ مَغَانِمُ الْمُسْلِمِينَ. فَنَزَلَ [[في م: "فأنزل".]] الْقُرْآنُ بِتَصْدِيقِ مَنْ نَهَى عَنْ قَطْعِهِ، وَتَحْلِيلِ مَنْ قَطَعَهُ مِنَ الْإِثْمِ، وَإِنَّمَا قَطْعُهُ وَتَرْكُهُ بِإِذْنِهِ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا مَرْفُوعًا، فَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ [[في م: "بن".]] عَفَّانَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ قَالَ: يَسْتَنْزِلُونَهُمْ مِنْ حُصُونِهِمْ وَأَمَرُوا بِقَطْعِ النَّخْلِ، فَحَاكَ فِي صُدُورِهِمْ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: قَطَعْنَا بَعْضًا وَتَرَكْنَا بَعْضًا، فَلْنَسْأَلَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلْ لَنَا فِيمَا قَطَعْنَا مَنْ أَجْرٍ؟ وَهَلْ عَلَيْنَا فِيمَا تَرَكْنَا مَنْ وِزْرٍ؟ فَأَنْزَلَ الله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٧٤) .]] وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ جَابِرٍ -وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ-قَالَ: رَخَّصَ لَهُمْ فِي قَطْعِ النَّخْلِ، ثُمَّ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ فَأَتَوُا [[في م: "فسألوا".]] النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَيْنَا إِثْمٌ فِيمَا قَطَعْنَا؟ أَوْ عَلَيْنَا وِزْرٌ فِيمَا تَرَكْنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [[مسند أبي يعلى (٤/١٣٥) وفيه سفيان بن وكيع، وهو ضعيف. تنبيه: رواية سليمان بن موسى عن جابر لم أجدها في مسند أبي يعلى المطبوع فلعلها سقطت.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وحَرّق. وَأَخْرَجَهُ صَاحِبَا الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، بِنَحْوِهِ [[المسند (٢/٧) وصحيح البخاري برقم (٢٠٢١) وصحيح مسلم برقم (١٧٤٦) .]] وَلَفْظِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: حَارَبَتِ [[في م: "حارب".]] النضيرُ وَقُرَيْظَةُ، فَأَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ ومَنّ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ فَقَتَلَ مِنْ رِجَالِهِمْ وَقَسَّمَ [[في م: "فقتل من رجالهم وسبى وقسم".]] نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ فأمَّنهم وَأَسْلَمُوا، وَأَجْلَى يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَهُمْ رَهْطُ عَبْدِ اللَّهِ بن سلام، ويهود بني حارثة، وكلّ يهود بِالْمَدِينَةِ. وَلَهُمَا أَيْضًا عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم حَرّق نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ -وَهِيَ البُوَيرةُ-فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٤) وصحيح مسلم برقم (١٧٤٦) .]] . وَلِلْبُخَارِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْرية بْنِ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرّق نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ [[في هـ، أ: "نخل بنى النضير، وقطع البويرة"، وقوله: "قطع البويرة" غير ثابت في البخاري، ويبدو أنه سهو من الناسخ.]] . وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَهَان عَلى سَراة بَنِي لُؤيّ ... حَريق بالبُوَيَرة مُسْتَطيرُّ ... فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُولُ: أدَام اللهُ ذلكَ مِنْ صَنيع ... وَحَرّق فِي نَوَاحيها السَّعير ... سَتَعلم أيُّنا منْها بِنزهٍ ... وَتَعْلُمُ أيّ أرْضينَا نَضِيرُ ... كَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [[صحيح البخاري برقم (٤٠٣٢) .]] وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إِسْحَاقَ. وقال محمد ابن إِسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَذْكُرُ إِجْلَاءَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَتْلَ ابْنِ الْأَشْرَفِ: لَقَد خَزيت [[في أ: "خربت".]] بغَدْرَتِها الحُبُور ... كَذَاكَ الدهرُ ذُو صَرْف يَدُورُ ... وَذَلك أنَّهم كفَرُوا بِرَبّ ... عَظيم أمرُهُ أمرٌ كَبِيرُ ... وقَد أُوتُوا مَعًا فَهمًا وَعِلْمًا ... وَجَاءهُمُ مِنَ اللَّهِ النَّذيرُ ... نَذير صَادق أَدَّى [[في م: "أوتي".]] كِتَابًا ... وَآيَاتٍ مُبَيَّنَةً تُنيرُ ... فَقَالَ [[في م: "فقالوا".]] مَا أَتَيْتَ بِأَمِرِ صِدْقٍ ... وَأَنْتَ بِمُنْكَرٍ مِنَّا جَديرُ ... فَقَالَ: بَلى لَقَدْ أديتُ حَقًّا ... يُصَدّقني بِهِ الفَهم الخَبيرُ ... فَمن يَتْبعه يُهدَ لِكُل رُشُد ... وَمَن يَكفُر بِهِ يُجزَ الكَفُورُ ... فَلَمَّا أْشربُوا غَدْرًا وكُفْرًا ... وَجَدّ بِهِمْ عَنِ الحَقّ النَفورُ ... أرَى اللَّهُ النَّبِيَّ بِرَأي صدْق ... وكانَ اللَّهُ يَحكُم لَا يَجُورُ ... فَأيَّدَهُ وَسَلَّطَه عَلَيهم ... وكانَ نَصيرهُ نعْم النَّصيرُ ... فَغُودرَ منْهمُو كَعب صَرِيعًا ... فَذَلَّتْ بعدَ مَصْرَعة النَّضيرُ ... عَلى الكَفَّين ثمَّ وقَدْ عَلَتْهُ ... بِأَيِدِينَا مُشَهَّرة ذكُورُ ... بأمْر مُحَمَّد إِذْ دَس لَيلا ... إلى كَعب أخَا كَعب يَسيرُ ... فَمَا كَرَه فَأنزلَه بِمَكْر ... وَمحمودُ أخُو ثقَة جَسُورُ ... فَتلْك بَنُو النَّضير بِدَارِ سَوء ... أبَارَهُمُ بِمَا اجْتَرَمُوا المُبيرُ ... غَداة أتاهُمُ فِي الزّحْف رَهوًا ... رَسُولُ اللَّهِ وَهّوَ بِهِمْ بَصيرُ ... وَغَسَّانُ الحماةُ مُوازرُوه ... عَلَى الْأَعْدَاءِ وَهْوَ لَهُمْ وَزيرُ ... فَقَالَ: السْلم ويحكمُ فَصَدّوا ... وَحَالفَ أمْرَهَم كَذبٌ وَزُورُ ... فَذَاقُوا غِبَّ أمْرهُمُ دَبَالا ... لكُلّ ثَلاثَة منهُم بَعيرُ ... وَأجلوا عَامدين لقَينُقَاع ... وَغُودرَ مِنْهُم نَخْل ودُورُ [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/١٩٩) .]] قَالَ: وَكَانَ مِمَّا [[في م: "ومما كان".]] قِيلَ مِنَ الْأَشْعَارِ فِي بَنِي النَّضِيرِ قولُ ابْنِ لُقَيم العَبْسيّ -وَيُقَالُ: قالها قيس بْنُ بَحْرِ بْنِ طَرِيفٍ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ الْأَشْجَعِيُّ: أَهْلِي فدَاءٌ لِامْرِئٍ غَير هَالك ... أحَلّ [[في أ: "أجلي".]] اليهودَ بالحَسِى [[في م، أ: "بالحس".]] المُزَنَّم ... يَقيلُونَ فِي جَمْر الغَضاة وبُدّلُوا ... أهَيضبَ عُودًا بالوَدي المُكَمَّم ... فَإِنْ يَكُ ظَني صَادقًا بمُحَمد ... يَرَوا خَيلَه بينَ الصِّلَا وَيَرمْرَم [[في أ: "بين الصفا وبزمزم".]] يَؤمّ بِهَا عَمرو بنُ بُهثَةَ إنَّهُمْ ... عَدُو ما حَيّ صَديق كمُجْرم ... عَلَيهنّ أبطالُ مَساعيرُ فِي الوَغَى ... يَهُزّونَ أطرافَ الوَشيج المُقَوّم ... وكُلّ رَقيق الشَّفرتَين مُهَنَّدٍ ... تُورثْنَ مِنْ أزْمان عَادٍ وَجُرْهُمِ ... فَمَن مُبلغٌ عَني قُرَيشًا رسَالة ... فَهَلْ بَعدَهُم فِي المجْد مِنْ مُتَكرّم ... بِأَنَّ أخاكمُ فاعلَمنّ مُحَمَّدًا ... تَليدُ النَّدى بينَ الحَجُون وزَمْزَم ... فَدينُوا لَهُ بِالْحَقِّ تَجْسُمْ أمُورُكم ... وتَسْمُوا منَ الدنْيا إِلَى كُل مُعْظَم ... نَبِيٌّ تلافَته منَ اللَّهِ رَحَمةٌ ... وَلَا تَسْألُوهُ أمْرَ غَيب مُرَجَّم ... فَقَدْ كانَ فِي بَدْر لَعَمْري عِبرَةٌ ... لَكُم يَا قُرَيش والقَليب المُلَمَّم ... غَدَاة أتَى فِي الخَزْرَجيَّةِ عامِدًا ... إليكُم مُطيعًا للعَظيمِ المُكَرّم ... مُعَانًا برُوح القُدْس يَنْكي عَدوه ... رَسُولا مِنَ الرَّحْمَنِ حَقّا بِمَعْلم ... رَسُولا مِنَ الرَّحْمَنِ يَتْلُو كِتابَهُ ... فَلَمّا أنارَ الحَقّ لَمْ يَتَلعْثَم ... أرَى أمْرَهُ يَزْدَادُ فِي كُلّ مَوْطن ... عُلُوّا لأمرْ حَمَّه اللهُ مُحْكَم [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/١٩٥) .]] وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ إِسْحَاقَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، هاهنا أَشْعَارًا كَثِيرَةً، فِيهَا آدَابٌ وَمَوَاعِظُ وَحِكَمٌ، وَتَفَاصِيلُ لِلْقِصَّةِ، تَرَكْنَا بَاقِيهَا اخْتِصَارًا وَاكْتِفَاءً بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ وَقْعَةُ بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ وَبَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ. وَحَكَى الْبُخَارِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ وَقْعَةُ بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ [[صحيح البخاري (٧/٣٢٩) "فتح".]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: ما قطعتم من ألوان النخل، أو تركتموها قائمة على أصولها. اختلف أهل التأويل في معنى اللينة، فقال بعضهم: هي جميع أنواع النخل سوى العجوة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن داود بن أَبي هند، عن عكرِمة: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ قال: النخلة. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عكرمة أنه قال في هذه الآية: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ قال: اللينة: ما دون العجوة من النخل. ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان، في قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ قال: اللينة ما خالف العجوة من التمر. ⁕ وحدثنا به مرة أخرى فقال: من النخل. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد، عن قتادة، في قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ قال: النخل كله ما خلا العجوة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ ، واللينة: ما خلا العجوة من النخل. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ : ألوان النخل كلها إلا العجوة. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان، عن داود بن أَبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ قال: النخلة دون العجوة. وقال آخرون: النخل كله لينة، العجوة منه وغير العجوة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ قال: النخلة. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ قال: نخلة. قال: نهى بعض المهاجرين بعضا عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين، ونزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الإثم، وإنما قطعه وتركه بإذنه. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن أَبي بكير، قال: ثنا شريك، عن أَبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ قال: النخلة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ قال: اللينة: النخلة؛ عجوة كانت أو غيرها، قال الله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ قال: الذي قطعوا من نخل النضير حين غدرت النضير. وقال آخرون: هي لون من النخل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أَبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ قال: اللينة: لون من النخل. وقال، آخرون: هي كرام النخل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان في ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ قال: من كرام نخلهم. والصواب من القول في ذلك قول من قال: اللينة: النخلة، وهن من ألوان النخل ما لم تكن عجوة، وإياها عنى ذو الرُّمَّة بقوله: طِرَاقُ الخَوَافِي وَاقِعٌ فَوْقَ لِيَنةٍ نَدَى لَيْلهِ فِي رِيشِهِ يَترَقْرَقُ [[البيت لذي الرمة (اللسان: ريع) والرواية فيه "ريعه" في موضع "لينة" واللينة: النخلة، وكل شيء من النخل سوى العجوة فهو من اللين. وقد سبق استشهاد المؤلف بالبيت عند قوله تعالى: "أتبنون بكل ريع آية"، وشرحناه هناك شرحًا مفصلا، فارجع إليه في (١٩: ٩٣)]] وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: اللينة من اللون، والليان في الجماعة واحدها اللينة. قال: وإنما سميت لينة لأنه فعلة من فَعْل، هو اللون، وهو ضرب من النخل، ولكن لما انكسر ما قبلها انقلبت إلى الياء. وكان بعضهم ينكر هذا القول ويقول: لو كان كما قال لجمعوه: اللوان لا الليان. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: جمع اللينة لين، وإنما أُنزلت هذه الآية فيما ذُكر من أجل أن رسول الله ﷺ لما قطع نخل بني النضير وحرّقها، قالت بنو النضير لرسول الله ﷺ: إنك كنت تنهى عن الفساد وتعيبه، فما بالك تقطع نخلنا وتُحرقها؟ فأنزل الله هذه الآية، فأخبرهم أن ما قطع من ذلك رسول الله ﷺ أو ترك، فعن أمر الله فعل. وقال آخرون: بل نزل ذلك لاختلاف كان من المسلمين في قطعها وتركها. ذكر من قال: نزل ذلك لقول اليهود للمسلمين ما قالوا: ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثنا يزيد بن رومان، قال: لما نزل رسول الله ﷺ بهم، يعني ببني النضير تحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله ﷺ بقطع النخل، والتحريق فيها، فنادوْه: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟ فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ . ذكر من قال: نزل ذلك لاختلاف كان بين المسلمين في أمرها: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ ... الآية، أي ليعظهم، فقطع المسلمون يومئذ النخل، وأمسك آخرون كراهية أن يكون إفسادًا، فقالت اليهود: آلله أذن لكم في الفساد؟ فأنزل الله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ قال: نهى بعض المهاجرين بعضًا عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين، ونزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الإثم، وإنما قطعه وتركه بإذنه. ⁕ حدثنا سليمان بن عمر بن خالد البرقي، قال ابن المبارك، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: قطع رسول الله ﷺ نخل بني النضير، وفي ذلك نزلت ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ ... الآية، وفي ذلك يقول حسان بن ثابت: وَهَانَ عَلَى سَرَاةَ بَنِي لُؤَيّ حَرِيقٌ بالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ [[البيت لحسان بن ثابت (معجم ما استعجم للبكري: رسم البويرة ٢٨٥) قال البويرة، بضم أوله، وبالراء المهملة، على لفظ التصغير، وهي من تيماء. قال أبو عبيدة في كتاب الأموال: أحرق رسول الله ﷺ نخل بني النضير، وقطع زهو البويرة، فنزل فيهم: "ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين". قال حسان: "هان على سراة ... البيت". قال ذلك حسان، لأن قريشًا هم الذين حملوا كعب بن أسد القرظي، صاحب عقد بني قريظة، على نقض العقد بينه وبين رسول الله ﷺ، حتى خرج معهم إلى الخندق، وعند ذلك اشتد البلاء والخوف على المسلمين. اهـ]] * * وقوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ يقول: فبأمر الله قطعتم ما قطعتم، وتركتم ما تركتم، وليغيظ بذلك أعداءه، ولم يكن فسادًا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُميد قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ : أي فبأمر الله قطعت، ولم يكن فسادًا، ولكن نقمة من الله، وليخزي الفاسقين. * * وقوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ وليذلّ الخارجين عن طاعة الله عزّ وجلّ، المخالفين أمره ونهيه، وهم يهود بني النضير.
Ô ensemble des musulmans, les palmiers coupés afin de dépiter les ennemis d’Allah lors de la Bataille de Banû an-Nađîr ou laissés intact afin qu’ils en tirent profit l’ont été sur ordre d’Allah. Ce n’est pas de la corruption sur Terre comme ils le prétendent. Ceci, afin qu’Allah humilie les juifs qui se sont affranchis de Son obéissance, ont violé leur engagement et ont choisi la voie de la traîtrise plutôt que celle de la loyauté.
وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍۢ وَلَا رِكَابٍۢ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ
Le butin provenant de leurs biens et qu'Allah a accordé sans combat à Son Messager, vous n'y aviez engagé ni chevaux, ni chameaux; mais Allah, donne à Ses messagers la domination sur qui Il veut et Allah est Omnipotent.
Tafsir (3)
يقول تعالى مبينًا لما الفيء وما صفته؟ وما حكمه؟ فالفيء: فكلّ مَالٍ أُخِذَ مِنَ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ [[في م: "من غير".]] قِتَالٍ وَلَا إِيجَافِ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، كَأَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ هَذِهِ، فَإِنَّهَا مِمَّا لَمْ يُوجف الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ [[في م: "عليه المسلمون".]] بَخِيلٍ وَلَا رِكَابٍ، أَيْ: لَمْ يُقَاتِلُوا الْأَعْدَاءَ فِيهَا بِالْمُبَارَزَةِ وَالْمُصَاوَلَةِ، بَلْ نَزَلَ أُولَئِكَ مِنَ الرُّعْبِ الَّذِي أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ هَيْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَفَاءَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ؛ وَلِهَذَا تَصَرَّفَ فِيهِ كَمَا شَاءَ، فَرَدَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْمَصَالِحِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: مَنْ بَنِي النَّضِيرِ ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ يَعْنِي: الْإِبِلَ، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أَيْ: هُوَ قَدِيرٌ لَا يُغَالَبُ وَلَا يُمَانَعُ، بَلْ هُوَ الْقَاهِرُ لِكُلِّ شَيْءٍ. ثُمَّ قَالَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ أَيْ: جَمِيعِ الْبُلْدَانِ الَّتِي تُفتَح هَكَذَا، فَحُكْمُهَا حُكْمُ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ إِلَى آخِرِهَا وَالَّتِي بَعْدَهَا. فَهَذِهِ مصارفُ أَمْوَالِ الْفَيْءِ وَوُجُوهُهُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو ومَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الحَدَثان، عَنْ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ إِلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجف الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بَخِيلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَالِصَةً [[في م: "خاصة".]] فَكَانِ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْهَا نَفَقَةَ سَنَتِهِ [[في م: "سنة".]] -وَقَالَ مَرّة: قُوتَ [[في أ: "مسيرة".]] سَنَتِهِ-وَمَا بَقِيَ جَعَلَهُ فِي الكُرَاع وَالسِّلَاحِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. هكذا أخرجه أحمد هاهنا مُخْتَصَرًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ فِي كُتُبِهِمْ -إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ-مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (١/٢٥) وصحيح البخاري برقم (٤٨٨٥) وصحيح مسلم برقم (١٧٥٧) وسنن أبي داود برقم (٢٩٦٥) وسنن الترمذي برقم (١٧١٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٧٥) .]] وَقَدْ رَوَيْنَاهُ مُطَوَّلًا فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ -الْمَعْنَى وَاحِدٌ-قَالَا حَدَّثَنَا بشرِ بْنُ عُمَر الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: أَرْسَلَ إلىَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ تَعَالَى النَّهَارُ، فَجِئْتُهُ فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا عَلَى سَرِيرٍ مُفضيًا إِلَى رُماله، فَقَالَ حِينَ دَخَلْتُ عَلَيْهِ: يَا مَالُ، إِنَّهُ قَدْ دَفّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ [[في أ: "أهل بنات".]] مِنْ قَوْمِكَ، وَقَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَاقْسِمْ فِيهِمْ. قُلْتُ: لَوْ أمرتَ غَيْرِي بِذَلِكَ؟ فَقَالَ: خُذْهُ. فَجَاءَهُ [[في م: "فجاء".]] يَرْفَا، فَقَالَ: يَا أمير الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا، ثُمَّ جَاءَهُ يَرْفَا فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ لَكَ فِي الْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا -يَعْنِي: عَلِيًّا-فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَجَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنَهُمَا وَأَرِحْهُمَا. قَالَ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ: خُيّل إليَّ أَنَّهُمَا قَدّما أُولَئِكَ النَّفَرَ لِذَلِكَ. فَقَالَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اتَّئِدَا. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أُولَئِكَ الرَّهْطِ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا نُورَث، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ". قَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ فَقَالَ: أنشدُكُما بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ". فَقَالَا نَعَمْ. فَقَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ خَصَّ رَسُولَهُ بِخَاصَّةٍ لَمْ يَخُصَّ بِهَا أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَكَانَ اللَّهُ أَفَاءَ إِلَى رَسُولِهِ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ، فَوَاللَّهِ مَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ وَلَا أَحْرَزَهَا دُونَكُمْ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْخُذُ مِنْهَا نَفَقَةَ سَنَةٍ -أَوْ: نَفَقَتَهُ وَنَفَقَةَ أَهْلِهِ سَنَةً-وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ أُسْوَةَ الْمَالِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عليَّ أُولَئِكَ الرَّهْطِ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ: هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عليٍّ وَالْعَبَّاسِ فَقَالَ: أنشدُكما بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ: هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَا نَعَمْ. فَلَمَّا تُوفي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: "أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ"، فَجِئْتَ أنتَ وَهَذَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، تَطْلُبُ أَنْتَ مِيرَاثَكَ عَنِ ابْنِ أَخِيكَ، وَيَطْلُبُ هَذَا مِيرَاثَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ". وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ. فَوَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ قلتُ: أَنَا وَلِيّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَلِيُّ أَبِي بَكْرٍ، فَوليتها مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَلِيَهَا، فَجِئْتَ أَنْتَ وَهَذَا، وَأَنْتُمَا جَميع وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ، فَسَأَلْتُمَانِيهَا، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتُمَا فَأَنَا أَدْفَعُهَا إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ أَنْ تَلِيَاهَا بِالَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلِيهَا، فَأَخَذْتُمَاهَا مِنِّي عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي لِأَقْضِيَ بَيْنَكُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَاللَّهِ لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزتُما عَنْهَا فَرُدّاها إِلَيَّ. أَخْرَجُوهُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٢٩٦٣) وصحيح البخاري برقم (٣٠٩٤) وصحيح مسلم برقم (١٧٥٧) وسنن النسائي (٧/١٣٦) وسنن الترمذي برقم (١٦١٠) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ إِنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَجْعَلُ لَهُ مِنْ مَالِهِ النَّخَلَاتِ، أَوْ كَمَا شَاءَ اللَّهُ، حَتَّى فُتحَت عَلَيْهِ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ. قَالَ: فَجَعَلَ يَرُدّ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ: وَإِنَّ أَهْلِي أَمَرُونِي أَنْ آتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْأَلَهُ الَّذِي كَانَ أَهْلُهُ أَعْطَوْهُ أَوْ بَعْضَهُ، وَكَانَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَعْطَاهُ أُمَّ أَيْمَنَ، أَوْ كَمَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: فسألتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَانِيهِنَّ، فَجَاءَتْ أُمُّ أَيْمَنَ فَجَعَلَتِ الثوبَ فِي عُنُقِي وَجَعَلَتْ تَقُولُ: كَلَّا وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَا يُعطيكَهُنّ وَقَدْ أَعْطَانِيهِنَّ، أَوْ كَمَا قَالَتْ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ: "لَكَ كَذَا وَكَذَا". قال: وتقول: كَلَّا وَاللَّهِ. قَالَ وَيَقُولُ: "لَكِ كَذَا وَكَذَا". قَالَ: وَتَقُولُ: كَلَّا وَاللَّهِ. قَالَ: "وَيَقُولُ: لَكِ كَذَا وَكَذَا". قَالَ: حَتَّى أَعْطَاهَا، حَسِبَتْ أَنَّهُ قَالَ: عَشَرَةُ أَمْثَالٍ أَوْ قَالَ قَرِيبًا مِنْ عَشَرَةِ أَمْثَالِهِ، أَوْ كَمَا قَالَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُق عَنْ مُعْتَمِرٍ، بِهِ [[المسند (٣/٢١٩) وصحيح البخاري برقم (٣١٢٨، ٤٠٣٠، ٤١٢٠) وصحيح مسلم برقم (١٧٧١) .]] . وَهَذِهِ الْمَصَارِفُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هِيَ الْمَصَارِفُ الْمَذْكُورَةُ فِي خُمس الغَنيمة. وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي سُورَةِ "الْأَنْفَالِ" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [[في أ: "ولله الحمد والمنة".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: جَعَلْنَا هَذِهِ الْمَصَارِفَ لِمَالِ الْفَيْءِ لِئَلَّا يَبْقَى مَأْكَلَةً يَتَغَلَّبُ عَلَيْهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيَتَصَرَّفُونَ فِيهَا، بِمَحْضِ الشَّهَوَاتِ وَالْآرَاءِ، وَلَا يَصْرِفُونَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَى الْفُقَرَاءِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ أَيْ: مَهْمَا أَمَرَكُمْ بِهِ فَافْعَلُوهُ، وَمَهْمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَأْمُرُ بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يَنْهَى عَنْ شَرٍّ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ الْعَوْفِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَنْهَى عَنِ الْوَاشِمَةِ وَالْوَاصِلَةِ، أَشَيْءٌ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: بَلَى، شَيْءٌ وَجَدْتُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَتِ: وَاللَّهِ لَقَدْ تَصَفَّحْتُ مَا بَيْنَ دَفَّتَيِ الْمُصْحَفِ فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ الَّذِي تَقُولُ!. قَالَ: فَمَا وَجَدْتِ فِيهِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ؟ قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنِ الْوَاصِلَةِ وَالْوَاشِمَةِ وَالنَّامِصَةِ. قَالَتْ: فَلَعَلَّهُ فِي بَعْضِ أَهْلِكَ. قَالَ: فَادْخُلِي فَانْظُرِي. فَدَخَلَتْ فَنَظرت ثُمَّ خرجَت، قَالَتْ: مَا رأيتُ بَأْسًا. فَقَالَ لَهَا: أَمَا حَفِظْتِ وَصِيَّةَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، [عَنْ إِبْرَاهِيمَ] [[زيادة من مسند الإمام أحمد والبخاري ومسلم.]] عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، والمُتفَلجات للحُسْن، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: فَبَلَغَ امْرَأَةً فِي الْبَيْتِ يُقَالُ لَهَا: "أُمُّ يَعْقُوبَ"، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ كيتَ وكيتَ. قَالَ: مَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رسولُ اللَّهِ ﷺ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ. فَقَالَتْ: إِنِّي لَأَقْرَأُ مَا بَيْنَ لَوْحَيْهِ فَمَا وَجَدْتُهُ. فَقَالَ: إِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ فَقَدْ وَجَدْتِيهِ. أَمَا قَرَأْتِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ؟ قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهُ. قَالَتْ: [إِنِّي] [[زيادة من م، أ، والمسند.]] لَأَظُنُّ أَهْلَكَ يفعلونه. قال: اذهبي فانظري. فذهَبت فَلَمْ تَرَ مِنْ حَاجَتِهَا شَيْئًا، فَجَاءَتْ فَقَالَتْ: مَا رأيتُ شَيْئًا. قَالَ: لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَمْ تُجَامعنا. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ [[المسند (١/٤٣٣) وصحيح البخاري برقم (٤٨٨٧) وصحيح مسلم برقم (٢١٢٥) .]] . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيرة؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ". [[صحيح البخاري برقم (٧٢٨٨) وصحيح مسلم برقم (١٣٣٧) .]] . وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبير، عَنِ ابْنِ عُمَر وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّهُ نَهَى عَنِ الدُّباء والحَنْتَم والنَّقير والمزَفَّت، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٧٨) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أَيِ: اتَّقُوهُ فِي امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَتَرْكِ زَوَاجِرِهِ؛ فَإِنَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ لِمَنْ عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ وَأَبَاهُ، وَارْتَكَبَ مَا عَنْهُ زَجَرَهُ وَنَهَاهُ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: والذي ردّه الله على رسوله منهم، يعني من أموال بني النضير. يقال منه: فاء الشيء على فلان: إذا رجع إليه، وأفأته أنا عليه: إذا رددته عليه. وقد قيل: إنه عنى بذلك أموال قُرَيظة ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ يقول: فما أوضعتم فيه من خيل ولا في إبل وهي الركاب. وإنما وصف جلّ ثناؤه الذي أفاءه على رسوله منهم بأنه لم يوجف عليه بخيل من أجل أن المسلمين لم يلقوا في ذلك حربًا، ولا كلفوا فيه مئونة، وإنما كان القوم معهم، وفي بلدهم، فلم يكن فيه إيجاف خيل ولا ركاب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ ... الآية، يقول: ما قطعتم إليها واديًا، ولا سرتم إليها سيرًا، وإنما كان حوائط لبني النضير طعمة أطعمها الله رسوله، ذُكر لنا أن رسول الله ﷺ كان يقول: "أيُّمَا قَرْيَةٍ أَعْطَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَهِيَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَأيُّمَا قَرْيَةٍ فَتَحَهَا المُسْلِمُونَ عَنْوَةً فَإنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِرَسُولِهِ وَمَا بَقِيَ غَنِيمَةٌ لِمَنْ قَاتَلَ عَلَيْهَا". ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، في قوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ قال: صالح النبي ﷺ أهل فدك وقرى قد سماها لا أحفظها، وهو محاصر قومًا آخرين، فأرسلوا إليه بالصلح، قال: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ يقول: بغير قتال. قال الزهريّ: فكانت بنو النضير للنبيّ ﷺ خالصة لم يفتحوها عنوة، بل على صلح، فقسمها النبيّ ﷺ بين المهاجرين لم يعط الأنصار منها شيئًا، إلا رجلين كانت بهما حاجة. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ ، يعني: بني النضير ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ قال: يذكر ربهم أنه نصرهم، وكفاهم بغير كراع، ولا عدة في قريظة وخيبر، ما أفاء الله على رسوله من قريظة، جعلها لمهاجرة قريش. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أَبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال: أمر الله عزّ وجلّ نبيه بالسير إلى قريظة والنضير، وليس للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، فجعل ما أصاب رسول الله ﷺ يحكم فيه ما أراد، ولم يكن يومئذ خيل ولا ركاب يوجف بها. قال: والإيجاف: أن يوضعوا السير، وهي لرسول الله ﷺ، فكان من ذلك خيبر وَفَدَك وَقُرًى عَرَبَيةً، وأمر الله رسوله أن يعد لينبع، فأتاها رسول الله ﷺ، فاحتواها كلها، فقال ناس: هلا قسَّمها، فأنزل الله عزّ وجلّ عذره، فقال: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) ثم قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ... الآية. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ يعني: يوم قريظة. * * وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ أعلمك أنه كما سلَّط محمدًا ﷺ على بني النضير، يخبر بذلك جلّ ثناؤه أن ما أفاء الله عليه من أموال لم يُوجف المسلمون بالخيل والركاب، من الأعداء مما صالحوه عليه له خاصة يعمل فيه بما يرى. يقول: فمحمد ﷺ إنما صار إليه أموال بني النضير بالصلح لا عنوة، فتقع فيها القسمة. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يقول: والله على كلّ شيء أراده ذو قدرة لا يُعجزه شيء، وبقُدرته على ما يشاء سلَّط نبيه محمدًا ﷺ على ما سلط عليه من أموال بني النضير، فحازه عليهم.
La prise des biens des Banû an-Nađîr qu’Allah a accordé à Son Messager, a eu lieu sans que vous n'ayez eu besoin d’engager de montures, de chevaux ou de dromadaires, ni que vous n'ayez eu à faire des efforts pour le prendre. C’est plutôt Allah qui fait dominer Ses messagers sur qui Il veut et Il accorda la suprématie à Son Messager sur les Banû an-Nađîr qui conquit leur terre sans combat. Allah à le pouvoir sur toute chose et rien ne Lui est impossible.
مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ كَىْ لَا يَكُونَ دُولَةًۢ بَيْنَ ٱلْأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ ۚ وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
Le butin provenant [des biens] des habitants des cités, qu'Allah a accordé sans combat à Son Messager, appartient à Allah, au Messager, aux proches parents, aux orphelins, aux pauvres et au voyageur en détresse, afin que cela ne circule pas parmi les seuls riches d'entre vous. Prenez ce que le Messager vous donne; et ce qu'il vous interdit, abstenez-vous en; et craignez Allah car Allah est dur en punition.
Tafsir (3)
يقول تعالى مبينًا لما الفيء وما صفته؟ وما حكمه؟ فالفيء: فكلّ مَالٍ أُخِذَ مِنَ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ [[في م: "من غير".]] قِتَالٍ وَلَا إِيجَافِ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، كَأَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ هَذِهِ، فَإِنَّهَا مِمَّا لَمْ يُوجف الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ [[في م: "عليه المسلمون".]] بَخِيلٍ وَلَا رِكَابٍ، أَيْ: لَمْ يُقَاتِلُوا الْأَعْدَاءَ فِيهَا بِالْمُبَارَزَةِ وَالْمُصَاوَلَةِ، بَلْ نَزَلَ أُولَئِكَ مِنَ الرُّعْبِ الَّذِي أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ هَيْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَفَاءَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ؛ وَلِهَذَا تَصَرَّفَ فِيهِ كَمَا شَاءَ، فَرَدَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْمَصَالِحِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: مَنْ بَنِي النَّضِيرِ ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ يَعْنِي: الْإِبِلَ، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أَيْ: هُوَ قَدِيرٌ لَا يُغَالَبُ وَلَا يُمَانَعُ، بَلْ هُوَ الْقَاهِرُ لِكُلِّ شَيْءٍ. ثُمَّ قَالَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ أَيْ: جَمِيعِ الْبُلْدَانِ الَّتِي تُفتَح هَكَذَا، فَحُكْمُهَا حُكْمُ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ إِلَى آخِرِهَا وَالَّتِي بَعْدَهَا. فَهَذِهِ مصارفُ أَمْوَالِ الْفَيْءِ وَوُجُوهُهُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو ومَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الحَدَثان، عَنْ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ إِلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجف الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بَخِيلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَالِصَةً [[في م: "خاصة".]] فَكَانِ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْهَا نَفَقَةَ سَنَتِهِ [[في م: "سنة".]] -وَقَالَ مَرّة: قُوتَ [[في أ: "مسيرة".]] سَنَتِهِ-وَمَا بَقِيَ جَعَلَهُ فِي الكُرَاع وَالسِّلَاحِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. هكذا أخرجه أحمد هاهنا مُخْتَصَرًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ فِي كُتُبِهِمْ -إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ-مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (١/٢٥) وصحيح البخاري برقم (٤٨٨٥) وصحيح مسلم برقم (١٧٥٧) وسنن أبي داود برقم (٢٩٦٥) وسنن الترمذي برقم (١٧١٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٧٥) .]] وَقَدْ رَوَيْنَاهُ مُطَوَّلًا فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ -الْمَعْنَى وَاحِدٌ-قَالَا حَدَّثَنَا بشرِ بْنُ عُمَر الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: أَرْسَلَ إلىَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ تَعَالَى النَّهَارُ، فَجِئْتُهُ فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا عَلَى سَرِيرٍ مُفضيًا إِلَى رُماله، فَقَالَ حِينَ دَخَلْتُ عَلَيْهِ: يَا مَالُ، إِنَّهُ قَدْ دَفّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ [[في أ: "أهل بنات".]] مِنْ قَوْمِكَ، وَقَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَاقْسِمْ فِيهِمْ. قُلْتُ: لَوْ أمرتَ غَيْرِي بِذَلِكَ؟ فَقَالَ: خُذْهُ. فَجَاءَهُ [[في م: "فجاء".]] يَرْفَا، فَقَالَ: يَا أمير الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا، ثُمَّ جَاءَهُ يَرْفَا فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ لَكَ فِي الْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا -يَعْنِي: عَلِيًّا-فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَجَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنَهُمَا وَأَرِحْهُمَا. قَالَ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ: خُيّل إليَّ أَنَّهُمَا قَدّما أُولَئِكَ النَّفَرَ لِذَلِكَ. فَقَالَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اتَّئِدَا. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أُولَئِكَ الرَّهْطِ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا نُورَث، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ". قَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ فَقَالَ: أنشدُكُما بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ". فَقَالَا نَعَمْ. فَقَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ خَصَّ رَسُولَهُ بِخَاصَّةٍ لَمْ يَخُصَّ بِهَا أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَكَانَ اللَّهُ أَفَاءَ إِلَى رَسُولِهِ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ، فَوَاللَّهِ مَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ وَلَا أَحْرَزَهَا دُونَكُمْ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْخُذُ مِنْهَا نَفَقَةَ سَنَةٍ -أَوْ: نَفَقَتَهُ وَنَفَقَةَ أَهْلِهِ سَنَةً-وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ أُسْوَةَ الْمَالِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عليَّ أُولَئِكَ الرَّهْطِ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ: هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عليٍّ وَالْعَبَّاسِ فَقَالَ: أنشدُكما بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ: هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَا نَعَمْ. فَلَمَّا تُوفي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: "أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ"، فَجِئْتَ أنتَ وَهَذَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، تَطْلُبُ أَنْتَ مِيرَاثَكَ عَنِ ابْنِ أَخِيكَ، وَيَطْلُبُ هَذَا مِيرَاثَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ". وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ. فَوَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ قلتُ: أَنَا وَلِيّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَلِيُّ أَبِي بَكْرٍ، فَوليتها مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَلِيَهَا، فَجِئْتَ أَنْتَ وَهَذَا، وَأَنْتُمَا جَميع وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ، فَسَأَلْتُمَانِيهَا، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتُمَا فَأَنَا أَدْفَعُهَا إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ أَنْ تَلِيَاهَا بِالَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلِيهَا، فَأَخَذْتُمَاهَا مِنِّي عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي لِأَقْضِيَ بَيْنَكُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَاللَّهِ لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزتُما عَنْهَا فَرُدّاها إِلَيَّ. أَخْرَجُوهُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٢٩٦٣) وصحيح البخاري برقم (٣٠٩٤) وصحيح مسلم برقم (١٧٥٧) وسنن النسائي (٧/١٣٦) وسنن الترمذي برقم (١٦١٠) .]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ وَعَفَّانُ قَالَا حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ إِنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَجْعَلُ لَهُ مِنْ مَالِهِ النَّخَلَاتِ، أَوْ كَمَا شَاءَ اللَّهُ، حَتَّى فُتحَت عَلَيْهِ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ. قَالَ: فَجَعَلَ يَرُدّ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ: وَإِنَّ أَهْلِي أَمَرُونِي أَنْ آتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْأَلَهُ الَّذِي كَانَ أَهْلُهُ أَعْطَوْهُ أَوْ بَعْضَهُ، وَكَانَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَعْطَاهُ أُمَّ أَيْمَنَ، أَوْ كَمَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: فسألتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَانِيهِنَّ، فَجَاءَتْ أُمُّ أَيْمَنَ فَجَعَلَتِ الثوبَ فِي عُنُقِي وَجَعَلَتْ تَقُولُ: كَلَّا وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَا يُعطيكَهُنّ وَقَدْ أَعْطَانِيهِنَّ، أَوْ كَمَا قَالَتْ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ: "لَكَ كَذَا وَكَذَا". قال: وتقول: كَلَّا وَاللَّهِ. قَالَ وَيَقُولُ: "لَكِ كَذَا وَكَذَا". قَالَ: وَتَقُولُ: كَلَّا وَاللَّهِ. قَالَ: "وَيَقُولُ: لَكِ كَذَا وَكَذَا". قَالَ: حَتَّى أَعْطَاهَا، حَسِبَتْ أَنَّهُ قَالَ: عَشَرَةُ أَمْثَالٍ أَوْ قَالَ قَرِيبًا مِنْ عَشَرَةِ أَمْثَالِهِ، أَوْ كَمَا قَالَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُق عَنْ مُعْتَمِرٍ، بِهِ [[المسند (٣/٢١٩) وصحيح البخاري برقم (٣١٢٨، ٤٠٣٠، ٤١٢٠) وصحيح مسلم برقم (١٧٧١) .]] . وَهَذِهِ الْمَصَارِفُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هِيَ الْمَصَارِفُ الْمَذْكُورَةُ فِي خُمس الغَنيمة. وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي سُورَةِ "الْأَنْفَالِ" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [[في أ: "ولله الحمد والمنة".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: جَعَلْنَا هَذِهِ الْمَصَارِفَ لِمَالِ الْفَيْءِ لِئَلَّا يَبْقَى مَأْكَلَةً يَتَغَلَّبُ عَلَيْهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيَتَصَرَّفُونَ فِيهَا، بِمَحْضِ الشَّهَوَاتِ وَالْآرَاءِ، وَلَا يَصْرِفُونَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَى الْفُقَرَاءِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ أَيْ: مَهْمَا أَمَرَكُمْ بِهِ فَافْعَلُوهُ، وَمَهْمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَأْمُرُ بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يَنْهَى عَنْ شَرٍّ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ الْعَوْفِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَنْهَى عَنِ الْوَاشِمَةِ وَالْوَاصِلَةِ، أَشَيْءٌ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: بَلَى، شَيْءٌ وَجَدْتُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَتِ: وَاللَّهِ لَقَدْ تَصَفَّحْتُ مَا بَيْنَ دَفَّتَيِ الْمُصْحَفِ فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ الَّذِي تَقُولُ!. قَالَ: فَمَا وَجَدْتِ فِيهِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ؟ قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنِ الْوَاصِلَةِ وَالْوَاشِمَةِ وَالنَّامِصَةِ. قَالَتْ: فَلَعَلَّهُ فِي بَعْضِ أَهْلِكَ. قَالَ: فَادْخُلِي فَانْظُرِي. فَدَخَلَتْ فَنَظرت ثُمَّ خرجَت، قَالَتْ: مَا رأيتُ بَأْسًا. فَقَالَ لَهَا: أَمَا حَفِظْتِ وَصِيَّةَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، [عَنْ إِبْرَاهِيمَ] [[زيادة من مسند الإمام أحمد والبخاري ومسلم.]] عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، والمُتفَلجات للحُسْن، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: فَبَلَغَ امْرَأَةً فِي الْبَيْتِ يُقَالُ لَهَا: "أُمُّ يَعْقُوبَ"، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ كيتَ وكيتَ. قَالَ: مَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رسولُ اللَّهِ ﷺ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ. فَقَالَتْ: إِنِّي لَأَقْرَأُ مَا بَيْنَ لَوْحَيْهِ فَمَا وَجَدْتُهُ. فَقَالَ: إِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ فَقَدْ وَجَدْتِيهِ. أَمَا قَرَأْتِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ؟ قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهُ. قَالَتْ: [إِنِّي] [[زيادة من م، أ، والمسند.]] لَأَظُنُّ أَهْلَكَ يفعلونه. قال: اذهبي فانظري. فذهَبت فَلَمْ تَرَ مِنْ حَاجَتِهَا شَيْئًا، فَجَاءَتْ فَقَالَتْ: مَا رأيتُ شَيْئًا. قَالَ: لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَمْ تُجَامعنا. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ [[المسند (١/٤٣٣) وصحيح البخاري برقم (٤٨٨٧) وصحيح مسلم برقم (٢١٢٥) .]] . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيرة؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ". [[صحيح البخاري برقم (٧٢٨٨) وصحيح مسلم برقم (١٣٣٧) .]] . وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبير، عَنِ ابْنِ عُمَر وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّهُ نَهَى عَنِ الدُّباء والحَنْتَم والنَّقير والمزَفَّت، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٧٨) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أَيِ: اتَّقُوهُ فِي امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَتَرْكِ زَوَاجِرِهِ؛ فَإِنَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ لِمَنْ عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ وَأَبَاهُ، وَارْتَكَبَ مَا عَنْهُ زَجَرَهُ وَنَهَاهُ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) ﴾ يعني بقوله جلّ ثناؤه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الذي ردّ الله عزّ وجلّ على رسوله من أموال مشركي القرى. واختلف أهل العلم في الذي عنى بهذه الآية من الألوان، فقال بعضهم: عني بذلك الجزية والخراج. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حتى بلغ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ ... الآية، ثم قال: هذه الآية لهؤلاء، ثم قرأ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتى بلغ ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ، ثم قال: استوعبت هذه الآية المسلمين عامة، فليس أحد إلا له حق، ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي وهو يسير حُمُرَه نصيبهُ، لم يعرق فيها جبينه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، قال: ثنا معمر في قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتى [[لعل لفظ "حتى" زائد من النساخ.]] بلغني أنها الجزية، والخراج: خَراج أهل القرى. وقال آخرون: عنى بذلك الغنيمة التي يصيبها المسلمون من عدوّهم من أهل الحرب بالقتال عنوة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ ما يوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب، وفتح بالحرب عنوة، ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ قال: هذا قسم آخر فيما أصيب بالحرب بين المسلمين على ما وضعه الله عليه. وقال آخرون: عنى بذلك الغنيمة التي أوجف عليها المسلمون بالخيل والركاب، وأخذت بالغلبة، وقالوا كانت الغنائم في بدوّ الإسلام لهؤلاء الذين سماهم الله في هذه الآيات دون المرجفين عليها، ثم نسخ ذلك بالآية التي في سورة الأنفال. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ قال: كان الفيء في هؤلاء، ثم نسخ ذلك في سورة الأنفال، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فنسخت هذه ما كان قبلها في سورة الأنفال، وجعل الخمس لمن كان له الفيء في سورة الحشر، وكانت الغنيمة تقسم خمسة أخماس، فأربعة أخماس لمن قاتل عليها، ويقسم الخمس الباقي على خمسة أخماس، فخمس لله وللرسول، وخمس لقرابة رسول الله ﷺ في حياته، وخمس لليتامى، وخمس للمساكين، وخمس لابن السبيل؛ فلما قضى رسول الله ﷺ وجه أَبو بكر وعمر رضي الله عنهما هذين السهمين: سهم رسول الله ﷺ، وسهم قرابته، فحملا عليه في سبيل الله صدقة عن رسول الله ﷺ. وقال آخرون: عنى بذلك: ما صالح عليه أهل الحرب المسلمين من أموالهم، وقالوا: قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ ... الآيات، بيان قسم المال الذي ذكره الله في الآية التي قبل هذه الآية، وذلك قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ وهذا قول كان يقوله بعض المتفقهة من المتأخرين. والصواب من القول في ذلك عندي أن هذه الآية حكمها غير حكم الآية التي قبلها، وذلك أن الآية التي قبلها مال جعله الله عزّ وجلّ لرسوله ﷺ خاصة دون غيره، لم يجعل فيه لأحد نصيبًا، وبذلك جاء الأثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: أرسل إليّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فدخلت عليه، فقال: إنه قد حضر أهل أبيات من قومك وإنا قد أمرنا لهم برضخ، فاقسمه بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين مر بذلك غيري، قال: اقبضه أيها المرء فبينا أنا كذلك، إذ جاء يرفأ مولاه، فقال: عبد الرحمن بن عوف، والزبير، وعثمان، وسعد يستأذنون، فقال: ائذن لهم؛ ثم مكث ساعة، ثم جاء فقال: هذا عليّ والعباس يستأذنان، فقال: ائذن لهما؛ فلما دخل العباس قال: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا الغادر الخائن الفاجر، وهما جاءا يختصمان فيما أفاء الله على رسوله من أعمال بني النضير، فقال القوم: اقض بينهما يا أمير المؤمنين، وأرح كلّ واحد منهما من صاحبه، فقد طالت خصومتهما، فقال: أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السموات والأرض، أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "لا نُورَثُ ما تَرَكْنَاهْ صَدَقَةٌ" قالوا: قد قال ذلك؛ ثم قال لهما: أتعلمان أن رسول الله ﷺ قال ذلك؟ قالا نعم؛ قال: فسأخبركم بهذا الفيء، إن الله خصّ نبيه ﷺ بشيء لم يعطه غيره، فقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ فكانت هذه لرسول الله ﷺ خاصة، فوالله ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها دونكم، ولقد قسمها عليكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله ﷺ ينفق على أهله منه سنتهم، ثم يجعل ما بقي في مال الله، فإذَا كانت هذه الآية التي قبلها مضت، وذكر المال الذي خصّ الله به رسوله ﷺ، ولم يجعل لأحد معه شيئًا، وكانت هذه الآية خبرًا عن المال الذي جعله الله لأصناف شتى، كان معلومًا بذلك أن المال الذي جعله لأصناف من خلقه غير المال الذي جعله للنبيّ ﷺ خاصة، ولم يجعل له شريكًا. * * وقوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ يقول: ولذي قرابة رسول الله ﷺ من بني هاشم وبني المطلب واليتامى، وهم أهل الحاجة من أطفال المسلمين الذين لا مال لهم؛ والمساكين: وهم الجامعون فاقة وذلّ المسألة؛ وابن السبيل: وهم المنقطع بهم من المسافرين في غير معصية الله عزّ وجلّ. وقد ذكرنا الرواية التي جاءت عن أهل التأويل بتأويل ذلك فيما مضى من كتابنا. * * وقوله: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ يقول جلّ ثناؤه. وجعلنا ما أفاء على رسوله من أهل القرى لهذه الأصناف، كيلا يكون ذلك الفيء دُولة يتداوله الأغنياء منكم بينهم، يصرفه هذا مرّة في حاجات نفسه، وهذا مرّة في أبواب البرّ وسُبلُ الخير، فيجعلون ذلك حيث شاءوا، ولكننا سننا فيه سنة لا تُغير ولا تُبدّل. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار سِوى أَبي جعفر القارئ ﴿كَيْلا يَكُونَ﴾ ﴿دُولَةً﴾ نصبًا على ما وصفت من المعنى، وأن يكون ذكر الفيء. * * وقوله: ﴿دُولَةً﴾ نصب خبر يكون، وقرأ ذلك أَبو جعفر القارئ ﴿كَيْلا تَكُونَ دُولَةٌ﴾ على رفع الدولة مرفوعة بتكون، والخبر قوله: ﴿بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ ، وبضمّ الدال من ﴿دُولَةً﴾ قرأ جميع قرّاء الأمصار، غير أنه حُكي عن أَبي عبد الرحمن الفتح فيها. وقد اختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى ذلك، إذا ضمت الدال أو فُتحت، فقال بعض الكوفيين: معنى ذلك: إذا فتحت الدولة وتكون للجيش يهزم هذا هذا، ثم يهزم الهازم، فيقال: قد رجعت الدولة على هؤلاء؛ قال: والدولة برفع الدال في الملك والسنين التي تغير وتبدّل على الدهر، فتلك الدولة والدول. وقال بعضهم: فرق ما بين الضمّ والفتح أن الدولة: هي اسم الشيء الذي يتداول بعينه، والدولة الفعل. والقراءة التي لا أستجيز غيرها في ذلك: ﴿كَيْلا يَكُونَ﴾ بالياء ﴿دُولَةً﴾ ، بضم الدال ونصب الدولة على المعنى الذي ذكرت في ذلك لإجماع الحجة عليه، والفرق بين الدُّولة والدَّولة بضم الدال وفتحها ما ذكرت عن الكوفيّ في ذلك. * * وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ يقول تعالى ذكره: وما أعطاكم رسول الله ﷺ مما أفاء عليه من أهل القرى فخذوه ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ ، من الغلول وغيره من الأمور ﴿فَانْتَهُوا﴾ . وكان بعض أهل العلم يقول نحو قولنا في ذلك، غير أنه كان يوجه معنى قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ إلى ما آتاكم من الغنائم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن عديّ، عن عوف، عن الحسن، في قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ قال: يؤتيهم الغنائم ويمنعهم الغلول. * * وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ يقول: وخافوا الله، واحذروا عقابه في خلافكم على رسوله بالتقدّم على ما نهاكم عنه، ومعصيتكم إياه ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ، يقول: إن الله شديد عقابه لمن عاقبه من أهل معصيته لرسوله ﷺ.
Les biens des habitants des cités, qu’Allah à accordés à Son Messager sans combattre, appartiennent à Allah, qui en fait don à qui Il veut, le fait entrer en possession du Messager, de ses proches parmi les clans des Banû Hâchim et des Banû ‘AbdilMuṭṭalib afin de les dédommager pour l’aumône dont ils ont été privés( ), des orphelins, des pauvres et de l’étranger en rupture de ressources, afin que les richesses ne soient pas détenues seulement par les riches. Ce que vous donne le Messager du butin, prenez-le, ô croyants, et ce qu’il vous défend, délaissez-le. Et craignez Allah en vous conformant à Ses commandements et en renonçant à Ses interdits. Allah est dur en châtiment, prenez-y donc garde.
لِلْفُقَرَآءِ ٱلْمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأَمْوَٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًۭا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ
[Il appartient aussi] aux émigrés besogneux qui ont été expulsés de leurs demeures et de leurs biens, tandis qu'ils recherchaient une grâce et un agrément d'Allah, et qu'ils portaient secours à (la cause d') Allah et à Son Messager. Ceux-là sont les véridiques.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى مُبَيِّنًا حَالَ الْفُقَرَاءِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِمَالِ الْفَيْءِ أَنَّهُمْ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ أَيْ: خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَخَالَفُوا قَوْمَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ صَدَقوا قَوْلَهُمْ بِفِعْلِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ سَادَاتُ الْمُهَاجِرِينَ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مَادِحًا لِلْأَنْصَارِ، وَمُبَيِّنًا فَضْلَهُمْ وَشَرَفَهُمْ وَكَرَمَهُمْ وَعَدَمَ حَسَدهم، وَإِيثَارَهُمْ مَعَ الْحَاجَةِ، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أَيْ: سَكَنُوا دَارَ الْهِجْرَةِ مِنْ قَبْلِ الْمُهَاجِرِينَ وَآمَنُوا قَبْلَ كَثِيرٍ مِنْهُمْ. قَالَ عُمَرُ: وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَيَحْفَظَ لَهُمْ كَرَامَتَهُمْ. وَأُوصِيهِ بِالْأَنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبوّءوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلُ، أَنْ يَقْبَلَ من محسنهم، وأن يعفو [[في م: "وأن يعفى".]] عن مسيئهم. رواه البخاري هاهنا أَيْضًا [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٨) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ أَيْ: مِنْ كَرَمهم وَشَرَفَ أَنْفُسِهِمْ، يُحبّون الْمُهَاجِرِينَ [[في أ: "يحبون من هاجر إليهم".]] وَيُوَاسُونَهُمْ بِأَمْوَالِهِمْ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ الْمُهَاجِرُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قَوْمٍ قَدِمْنَا عَلَيْهِمْ أَحْسَنَ مُوَاسَاةً فِي قَلِيلٍ وَلَا أَحْسَنَ بَذْلًا فِي كَثِيرٍ، لَقَدْ كَفَونا المَؤنة، وَأَشْرَكُونَا فِي الْمُهَنَّإِ، حَتَّى لَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ! قَالَ: "لَا مَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ ودَعَوتُمُ اللَّهَ لَهُمْ" [[المسند (٣/٢٠٠) .]] . لَمْ أَرَهُ فِي الْكُتُبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ خَرَجَ مَعَهُ إِلَى الْوَلِيدِ قَالَ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ الْأَنْصَارَ أَنْ يُقطع لَهُمُ الْبَحْرَيْنِ، قَالُوا: لَا إِلَّا أَنْ تُقطع لِإِخْوَانِنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَهَا. قَالَ: "إِمَّا لَا فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي، فَإِنَّهُ سَيُصِيبُكُمْ [بَعْدِي] [[زيادة من صحيح البخاري.]] أَثَرَةٌ". تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[صحيح البخاري برقم (٣٧٩٤) .]] قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَتِ الْأَنْصَارُ: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ. قَالَ: لَا. فَقَالُوا: تَكْفُونَا المؤنَةَ ونَشرككُم فِي الثَّمَرَةِ؟ قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. تَفَرَّدَ بِهِ دُونَ مُسْلِمٍ [[صحيح البخاري برقم (٢٣٢٥) .]] . ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ أَيْ: وَلَا يَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَسَدًا لِلْمُهَاجِرِينَ فِيمَا فَضَّلَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ وَالشَّرَفِ، وَالتَّقْدِيمِ فِي الذِّكْرِ وَالرُّتْبَةِ. قَالَ: الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾ يَعْنِي: الْحَسَدَ. ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي فِيمَا أَعْطَى إِخْوَانَهُمْ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ. وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا جُلوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "يَطَّلِعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ تَنظُف [[في م: "ينفض".]] لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّق [[في م: "قد علق".]] نَعْلَيْهِ بِيَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ مَقَالَتِهِ [[في م::مثل حاله".]] أيضًا، فطلع ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالَتِهِ الْأُولَى [[في م: "الأول".]] فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَلَّا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي [[في أ: "أن توريني".]] إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فعلتُ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ الثَّلَاثَ اللَّيَالِي [[في م: "الليالي الثلاث".]] فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعارّ تَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ، ذَكَرَ اللَّهَ وَكَبَّرَ، حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ، قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَب وَلَا هَجْر [[في م، أ: "ولا هجرة".]] وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مرَار [[في م: "مرات".]] يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ الْمِرَارَ [[في م: "المرات".]] فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عملكَ فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ [[في م: "كبير".]] عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ. فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أجدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشّا، وَلَا أحسدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا تُطَاقُ [[في م: "لا نطيق"، وفي أ: "لا تطيق".]] . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، عَنْ سُوَيد بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ بِهِ [[المسند (٣/١٦٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٩٩) .]] وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ، لَكِنْ رَوَاهُ عُقَيْلٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَنَسٍ [[انظر: تحفة الأشراف للمزى (١/٣٩٥) وكلام الحافظ بن حجر في النكت الظراف بهامشه.]] . فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ يَعْنِي ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ الْمُهَاجِرُونَ. قَالَ: وَتَكَلَّمَ فِي أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَعَاتَبَهُمُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ تَرَكُوا الْأَمْوَالَ وَالْأَوْلَادَ وَخَرَجُوا إِلَيْكُمْ". فَقَالُوا: أَمْوَالُنَا بَيْنَنَا قَطَائِعُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوَ غَيْرُ ذَلِكَ؟ ". قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "هُمْ قَوْمٌ لَا يَعْرِفُونَ الْعَمَلَ، فَتَكْفُونَهُمْ وَتُقَاسِمُونَهُمُ [[في م: "ويقاسمونكم".]] الثَّمَرَ". فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ [[رواه الطبري في تفسيره (٢٨/٢٨) .]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [[ذكر في "م" بقية الآية.]] يَعْنِي: حَاجَةً، أَيْ: يُقَدِّمُونَ الْمَحَاوِيجَ عَلَى حَاجَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَيَبْدَءُونَ بِالنَّاسِ قَبَلَهُمْ فِي حَالِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَى ذَلِكَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم أنه قَالَ: " أفضلُ الصَّدَقَةِ جَهدُ الْمُقِلِّ". وَهَذَا الْمَقَامُ أَعْلَى مِنْ حَالِ الَّذِينَ وَصَف اللهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [[في أ: "حبه مسكينًا".]] [الْإِنْسَانِ: ٨] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٧] . فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يُحِبُّونَ مَا تَصَدَّقُوا بِهِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ لَهُمْ حَاجَةٌ إِلَيْهِ وَلَا ضَرُورَةَ بِهِ، وَهَؤُلَاءِ آثَرُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مَعَ خَصَاصَتِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ إِلَى مَا أَنْفَقُوهُ. وَمِنْ هَذَا الْمَقَامِ تَصَدَّقَ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِجَمِيعِ مَالِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ ". فَقَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَهَذَا [[في م: "وهكذا".]] الْمَاءُ الَّذِي عُرض [[في م: "اعرضوه".]] عَلَى عِكْرِمَةَ وَأَصْحَابِهِ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ يَأْمُرُ بِدَفْعِهِ إِلَى صَاحِبِهِ، وَهُوَ جَرِيحٌ مُثْقَلٌ أحوجَ مَا يكون إلى الماء، فرده الآخر إلى الثلث، فَمَا وَصَلَ إِلَى الثَّالِثِ حَتَّى مَاتُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَلَمْ يَشْرَبْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا فُضيل بْنُ غَزوان، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيرة قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَنِي الجهدُ، فَأَرْسَلَ إِلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَلَا رَجُلٌ يُضَيّفُ هَذَا اللَّيْلَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ؟ ". فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: ضَيفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا تَدّخريه شَيْئًا. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قوتُ الصِّبْيَةِ. قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصبيةُ العَشَاء فَنَوِّمِيهِمْ وَتَعَالَيْ فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ ونَطوي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ. ففعلَت، ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: "لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ -أَوْ: ضَحِكَ-مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةٍ". وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٩) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، بِهِ نَحْوَهُ [[صحيح البخاري برقم (٣٧٩٨) وصحيح مسلم برقم (٢٠٥٤) وسنن الترمذي برقم (٣٣٠٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٨٢) .]] . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ تَسْمِيَةُ هَذَا الْأَنْصَارِيِّ بِأَبِي طَلْحَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أَيْ: مَنْ سَلِمَ مِنَ الشُّحِّ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ. قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ الْفَرَّاءُ، عَنْ عُبَيد اللَّهِ بْنِ مِقْسَم، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلم ظلماتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُحَّ، فَإِنَّ الشّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ واستَحلُّوا مَحَارِمَهُمْ". انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ، فَرَوَاهُ عَنِ القَعْنَبِيّ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، بِهِ [[المسند (٣/٣٢٣) وصحيح مسلم برقم (٢٥٧٨) .]] . وَقَالَ الْأَعْمَشُ وَشُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ الْأَقْمَرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اتَّقُوا الظُّلْم؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الفُحْش، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ، وَإِيَّاكُمْ والشُّحَّ؛ فَإِنَّهُ أهلكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَمَرَهُمْ بِالظُّلْمِ فَظَلَمُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا". وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرّة، بِهِ [[المسند (٢/١٥٩) وسنن أبي داود برقم (١٦٩٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٨٣) .]] . وَقَالَ اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ [بْنِ الْهَادِ] [[زيادة من م، أ.]] عَنْ سُهَيل بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ اللِّجْلَاجِ [[في م: "الجلاح".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ودخانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ عَبْدٍ أَبَدًا، وَلَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا" [[رواه النسائي في السنن (٦/١٣) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ هَلَكْتُ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وَأَنَا رَجُلٌ شَحِيحٌ، لَا أَكَادُ أَنْ أُخْرِجَ مِنْ يَدِي شَيْئًا! فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَيْسَ ذَلِكَ [[في م: "ليس ذاك".]] بِالشُّحِّ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ، إِنَّمَا الشُّحُّ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ أَنْ تَأْكُلَ مَالَ أَخِيكَ ظُلْمًا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ [[في م: "ذاك".]] الْبُخْلُ، وَبِئْسَ الشَّيْءُ الْبُخْلُ" [[رواه الطبري في تفسيره (٢٨/٢٩) من طريق جامع به.]] وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي". لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: إِنِّي إِذَا وُقِيتُ شُحَّ نَفْسِي لَمْ أَسْرِقْ وَلَمْ أَزْنِ وَلَمْ أَفْعَلْ"، وَإِذَا الرَّجُلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٨/٢٩) .]] وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا إسماعيل ابن عَيّاش، حَدَّثَنَا مُجَمع بْنُ جَارِيَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ، عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "بَريء مِنَ الشُّحِّ مَن أَدَّى الزَّكَاةَ، وقَرَى الضَّيْفَ، وَأَعْطَى فِي النَّائِبَةِ" [[تفسير الطبري (٢٨/٢٩) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (١٠٨٤٢) من طريق محمد بن إسحاق به، وروي مرسلاً، رواه الطبراني في المعجم الكبير (٤/١٨٨) من طريق عمرو بن يحيى وإبراهيم بن إسماعيل، وابن حبان في الثقات (٤/٢٠٢) من طريق ابن المبارك، كلهم عن مجمع ابن يحيى، عن عمه مرسلاً.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ هَؤُلَاءِ هُمُ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ فُقَرَاؤُهُمْ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ، وَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ ثُمَّ الْأَنْصَارُ، ثُمَّ التَّابِعُونَ بِإِحْسَانٍ، كَمَا قَالَ فِي آيَةِ بَرَاءَةٌ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٠] فالتابعون لهم بإحسان هُمُ: الْمُتَّبِعُونَ لِآثَارِهِمُ الْحَسَنَةِ وَأَوْصَافِهِمُ الْجَمِيلَةِ، الدَّاعُونَ لَهُمْ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي هذه الآية الكريم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ﴾ أَيْ: قَائِلِينَ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا﴾ أَيْ: بُغْضًا وَحَسَدًا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وَمَا أَحْسَنَ مَا اسْتَنْبَطَ الْإِمَامُ مَالِكٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الرَّافِضِيَّ الَّذِي يَسُبُّ الصَّحَابَةَ لَيْسَ لَهُ فِي مَالِ الْفَيْءِ نَصِيبٌ لِعَدَمِ اتِّصَافِهِ بِمَا مَدَحَ اللَّهُ بِهِ هَؤُلَاءِ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لَهُمْ، فَسَبُّوهُمْ! ثُمَّ قَرَأْتُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ﴾ الْآيَةَ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَية، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُمِرْتُمْ بِالِاسْتِغْفَارِ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَسَبَبْتُمُوهُمْ. سمعتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَذْهَبُ هَذِهِ الْأُمَّةُ حَتَّى يَلْعَنَ آخِرُهَا أَوَّلَهَا". رَوَاهُ الْبَغَوِيُّ [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٠٨) وله شاهد في صحيح مسلم برقم (٣٠٢٢) عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: "يَا ابن أختي، أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم".]] .. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُمَرُ: هَذِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، قُرى [عَرَبِيَّةٌ: فَدَك وَكَذَا] [[زيادة من م، أ، وسنن أبي داود.]] وَكَذَا، فَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَلِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فَاسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الْآيَةُ النَّاسَ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا لَهُ فِيهَا حَقٌّ -قَالَ أَيُّوبُ: أَوْ قَالَ: حَظٌّ-إِلَّا بَعْضَ مَنْ تَمْلِكُونَ مِنْ أَرِقَّائِكُمْ. كَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ [[سنن أبي داود برقم (٢٩٦٦)]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابن ثور، عن مَعْمَر، عن أيوب، عن عكرمة ابن خَالِدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الحَدَثان قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٦٠] ، ثُمَّ قَالَ هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى [وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ] ﴾ [[زيادة من م.]] [الْأَنْفَالِ: ٤١] ، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حَتَّى بَلَغَ لِلْفُقَرَاءِ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ثُمَّ قَالَ: اسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الآية المسلمين عامة، وَلَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا لَهُ فِيهَا حَقٌّ [[في أ: "فيها جزء".]] ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ عِشْتُ لَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِيَ -وَهُوَ بَسرو حِمير-نَصِيبُهُ فِيهَا، لَمْ يَعْرَقْ فِيهَا جَبِينُهُ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: كيلا يكون ما أفاء الله على رسوله دُولة بين الأغنياء منكم، ولكن يكون للفقراء المهاجرين. وقيل: عُني بالمهاجرين: مهاجرة قريش. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ من قريظة جعلها لمهاجرة قريش. ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جُبَير، وسعيد بن عبد الرحمن بن أبْزى، قالا كان ناس من المهاجرين لأحدهم الدار والزوجة والعبد والناقة يحجّ عليها ويغزو، فنسبهم الله إلى أنهم فقراء، وجعل لهم سهمًا في الزكاة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ﴾ ... إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ قال: هؤلاء المهاجرون تركوا الديار والأموال والأهلين والعشائر، خرجوا حبًا لله ولرسوله، واختاروا الإسلام على ما فيه من الشدّة، حتى لقد ذكر لنا أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ماله دثار غيرها. * * وقوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ ، وقوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ موضع يبتغون نصب، لأنه في موضع الحال؛ وقوله: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يقول: وينصرون دين الله الذي بعث به رسوله محمدا ﷺ. * * وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ يقول: هؤلاء الذين وصف صفتهم من الفقراء المهاجرين هم الصادقون فيما يقولون.
Une part de ces richesses sont dépensées au profit des pauvres qui ont migré pour la cause d’Allah et ont été contraints de délaisser leurs biens et leurs progénitures, espérant qu’Allah leur fasse la faveur d’une subsistance et leur accorde Son agrément dans le bas monde, et qui font triompher Son Messager en combattant pour Sa cause. Ceux qui possèdent ces qualités sont ceux dont la foi est ferme.
وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلْإِيمَٰنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةًۭ مِّمَّآ أُوتُوا۟ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌۭ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ
Il [appartient également] à ceux qui, avant eux, se sont installés dans le pays et dans la foi, qui aiment ceux qui émigrent vers eux, et ne ressentent dans leurs cœurs aucune envie pour ce que [ces immigrés] ont reçu, et qui [les] préfèrent à eux-mêmes, même s'il y a pénurie chez eux. Quiconque se prémunit contre sa propre avarice, ceux-là sont ceux qui réussissent.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى مُبَيِّنًا حَالَ الْفُقَرَاءِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِمَالِ الْفَيْءِ أَنَّهُمْ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ أَيْ: خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَخَالَفُوا قَوْمَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ صَدَقوا قَوْلَهُمْ بِفِعْلِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ سَادَاتُ الْمُهَاجِرِينَ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مَادِحًا لِلْأَنْصَارِ، وَمُبَيِّنًا فَضْلَهُمْ وَشَرَفَهُمْ وَكَرَمَهُمْ وَعَدَمَ حَسَدهم، وَإِيثَارَهُمْ مَعَ الْحَاجَةِ، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أَيْ: سَكَنُوا دَارَ الْهِجْرَةِ مِنْ قَبْلِ الْمُهَاجِرِينَ وَآمَنُوا قَبْلَ كَثِيرٍ مِنْهُمْ. قَالَ عُمَرُ: وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَيَحْفَظَ لَهُمْ كَرَامَتَهُمْ. وَأُوصِيهِ بِالْأَنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبوّءوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلُ، أَنْ يَقْبَلَ من محسنهم، وأن يعفو [[في م: "وأن يعفى".]] عن مسيئهم. رواه البخاري هاهنا أَيْضًا [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٨) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ أَيْ: مِنْ كَرَمهم وَشَرَفَ أَنْفُسِهِمْ، يُحبّون الْمُهَاجِرِينَ [[في أ: "يحبون من هاجر إليهم".]] وَيُوَاسُونَهُمْ بِأَمْوَالِهِمْ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ الْمُهَاجِرُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قَوْمٍ قَدِمْنَا عَلَيْهِمْ أَحْسَنَ مُوَاسَاةً فِي قَلِيلٍ وَلَا أَحْسَنَ بَذْلًا فِي كَثِيرٍ، لَقَدْ كَفَونا المَؤنة، وَأَشْرَكُونَا فِي الْمُهَنَّإِ، حَتَّى لَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ! قَالَ: "لَا مَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ ودَعَوتُمُ اللَّهَ لَهُمْ" [[المسند (٣/٢٠٠) .]] . لَمْ أَرَهُ فِي الْكُتُبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ خَرَجَ مَعَهُ إِلَى الْوَلِيدِ قَالَ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ الْأَنْصَارَ أَنْ يُقطع لَهُمُ الْبَحْرَيْنِ، قَالُوا: لَا إِلَّا أَنْ تُقطع لِإِخْوَانِنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَهَا. قَالَ: "إِمَّا لَا فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي، فَإِنَّهُ سَيُصِيبُكُمْ [بَعْدِي] [[زيادة من صحيح البخاري.]] أَثَرَةٌ". تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[صحيح البخاري برقم (٣٧٩٤) .]] قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَتِ الْأَنْصَارُ: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ. قَالَ: لَا. فَقَالُوا: تَكْفُونَا المؤنَةَ ونَشرككُم فِي الثَّمَرَةِ؟ قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. تَفَرَّدَ بِهِ دُونَ مُسْلِمٍ [[صحيح البخاري برقم (٢٣٢٥) .]] . ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ أَيْ: وَلَا يَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَسَدًا لِلْمُهَاجِرِينَ فِيمَا فَضَّلَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ وَالشَّرَفِ، وَالتَّقْدِيمِ فِي الذِّكْرِ وَالرُّتْبَةِ. قَالَ: الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾ يَعْنِي: الْحَسَدَ. ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي فِيمَا أَعْطَى إِخْوَانَهُمْ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ. وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا جُلوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "يَطَّلِعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ تَنظُف [[في م: "ينفض".]] لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّق [[في م: "قد علق".]] نَعْلَيْهِ بِيَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ مَقَالَتِهِ [[في م::مثل حاله".]] أيضًا، فطلع ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالَتِهِ الْأُولَى [[في م: "الأول".]] فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَلَّا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي [[في أ: "أن توريني".]] إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فعلتُ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ الثَّلَاثَ اللَّيَالِي [[في م: "الليالي الثلاث".]] فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعارّ تَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ، ذَكَرَ اللَّهَ وَكَبَّرَ، حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ، قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَب وَلَا هَجْر [[في م، أ: "ولا هجرة".]] وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مرَار [[في م: "مرات".]] يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ الْمِرَارَ [[في م: "المرات".]] فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عملكَ فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ [[في م: "كبير".]] عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ. فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أجدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشّا، وَلَا أحسدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا تُطَاقُ [[في م: "لا نطيق"، وفي أ: "لا تطيق".]] . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، عَنْ سُوَيد بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ بِهِ [[المسند (٣/١٦٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٩٩) .]] وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ، لَكِنْ رَوَاهُ عُقَيْلٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَنَسٍ [[انظر: تحفة الأشراف للمزى (١/٣٩٥) وكلام الحافظ بن حجر في النكت الظراف بهامشه.]] . فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ يَعْنِي ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ الْمُهَاجِرُونَ. قَالَ: وَتَكَلَّمَ فِي أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَعَاتَبَهُمُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ تَرَكُوا الْأَمْوَالَ وَالْأَوْلَادَ وَخَرَجُوا إِلَيْكُمْ". فَقَالُوا: أَمْوَالُنَا بَيْنَنَا قَطَائِعُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوَ غَيْرُ ذَلِكَ؟ ". قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "هُمْ قَوْمٌ لَا يَعْرِفُونَ الْعَمَلَ، فَتَكْفُونَهُمْ وَتُقَاسِمُونَهُمُ [[في م: "ويقاسمونكم".]] الثَّمَرَ". فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ [[رواه الطبري في تفسيره (٢٨/٢٨) .]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [[ذكر في "م" بقية الآية.]] يَعْنِي: حَاجَةً، أَيْ: يُقَدِّمُونَ الْمَحَاوِيجَ عَلَى حَاجَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَيَبْدَءُونَ بِالنَّاسِ قَبَلَهُمْ فِي حَالِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَى ذَلِكَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم أنه قَالَ: " أفضلُ الصَّدَقَةِ جَهدُ الْمُقِلِّ". وَهَذَا الْمَقَامُ أَعْلَى مِنْ حَالِ الَّذِينَ وَصَف اللهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [[في أ: "حبه مسكينًا".]] [الْإِنْسَانِ: ٨] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٧] . فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يُحِبُّونَ مَا تَصَدَّقُوا بِهِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ لَهُمْ حَاجَةٌ إِلَيْهِ وَلَا ضَرُورَةَ بِهِ، وَهَؤُلَاءِ آثَرُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مَعَ خَصَاصَتِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ إِلَى مَا أَنْفَقُوهُ. وَمِنْ هَذَا الْمَقَامِ تَصَدَّقَ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِجَمِيعِ مَالِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ ". فَقَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَهَذَا [[في م: "وهكذا".]] الْمَاءُ الَّذِي عُرض [[في م: "اعرضوه".]] عَلَى عِكْرِمَةَ وَأَصْحَابِهِ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ يَأْمُرُ بِدَفْعِهِ إِلَى صَاحِبِهِ، وَهُوَ جَرِيحٌ مُثْقَلٌ أحوجَ مَا يكون إلى الماء، فرده الآخر إلى الثلث، فَمَا وَصَلَ إِلَى الثَّالِثِ حَتَّى مَاتُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَلَمْ يَشْرَبْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا فُضيل بْنُ غَزوان، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيرة قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَنِي الجهدُ، فَأَرْسَلَ إِلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَلَا رَجُلٌ يُضَيّفُ هَذَا اللَّيْلَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ؟ ". فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: ضَيفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا تَدّخريه شَيْئًا. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قوتُ الصِّبْيَةِ. قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصبيةُ العَشَاء فَنَوِّمِيهِمْ وَتَعَالَيْ فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ ونَطوي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ. ففعلَت، ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: "لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ -أَوْ: ضَحِكَ-مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةٍ". وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٩) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، بِهِ نَحْوَهُ [[صحيح البخاري برقم (٣٧٩٨) وصحيح مسلم برقم (٢٠٥٤) وسنن الترمذي برقم (٣٣٠٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٨٢) .]] . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ تَسْمِيَةُ هَذَا الْأَنْصَارِيِّ بِأَبِي طَلْحَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أَيْ: مَنْ سَلِمَ مِنَ الشُّحِّ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ. قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ الْفَرَّاءُ، عَنْ عُبَيد اللَّهِ بْنِ مِقْسَم، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلم ظلماتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُحَّ، فَإِنَّ الشّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ واستَحلُّوا مَحَارِمَهُمْ". انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ، فَرَوَاهُ عَنِ القَعْنَبِيّ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، بِهِ [[المسند (٣/٣٢٣) وصحيح مسلم برقم (٢٥٧٨) .]] . وَقَالَ الْأَعْمَشُ وَشُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ الْأَقْمَرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اتَّقُوا الظُّلْم؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الفُحْش، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ، وَإِيَّاكُمْ والشُّحَّ؛ فَإِنَّهُ أهلكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَمَرَهُمْ بِالظُّلْمِ فَظَلَمُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا". وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرّة، بِهِ [[المسند (٢/١٥٩) وسنن أبي داود برقم (١٦٩٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٨٣) .]] . وَقَالَ اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ [بْنِ الْهَادِ] [[زيادة من م، أ.]] عَنْ سُهَيل بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ اللِّجْلَاجِ [[في م: "الجلاح".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ودخانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ عَبْدٍ أَبَدًا، وَلَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا" [[رواه النسائي في السنن (٦/١٣) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ هَلَكْتُ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وَأَنَا رَجُلٌ شَحِيحٌ، لَا أَكَادُ أَنْ أُخْرِجَ مِنْ يَدِي شَيْئًا! فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَيْسَ ذَلِكَ [[في م: "ليس ذاك".]] بِالشُّحِّ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ، إِنَّمَا الشُّحُّ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ أَنْ تَأْكُلَ مَالَ أَخِيكَ ظُلْمًا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ [[في م: "ذاك".]] الْبُخْلُ، وَبِئْسَ الشَّيْءُ الْبُخْلُ" [[رواه الطبري في تفسيره (٢٨/٢٩) من طريق جامع به.]] وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي". لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: إِنِّي إِذَا وُقِيتُ شُحَّ نَفْسِي لَمْ أَسْرِقْ وَلَمْ أَزْنِ وَلَمْ أَفْعَلْ"، وَإِذَا الرَّجُلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٨/٢٩) .]] وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا إسماعيل ابن عَيّاش، حَدَّثَنَا مُجَمع بْنُ جَارِيَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ، عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "بَريء مِنَ الشُّحِّ مَن أَدَّى الزَّكَاةَ، وقَرَى الضَّيْفَ، وَأَعْطَى فِي النَّائِبَةِ" [[تفسير الطبري (٢٨/٢٩) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (١٠٨٤٢) من طريق محمد بن إسحاق به، وروي مرسلاً، رواه الطبراني في المعجم الكبير (٤/١٨٨) من طريق عمرو بن يحيى وإبراهيم بن إسماعيل، وابن حبان في الثقات (٤/٢٠٢) من طريق ابن المبارك، كلهم عن مجمع ابن يحيى، عن عمه مرسلاً.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ هَؤُلَاءِ هُمُ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ فُقَرَاؤُهُمْ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ، وَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ ثُمَّ الْأَنْصَارُ، ثُمَّ التَّابِعُونَ بِإِحْسَانٍ، كَمَا قَالَ فِي آيَةِ بَرَاءَةٌ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٠] فالتابعون لهم بإحسان هُمُ: الْمُتَّبِعُونَ لِآثَارِهِمُ الْحَسَنَةِ وَأَوْصَافِهِمُ الْجَمِيلَةِ، الدَّاعُونَ لَهُمْ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي هذه الآية الكريم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ﴾ أَيْ: قَائِلِينَ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا﴾ أَيْ: بُغْضًا وَحَسَدًا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وَمَا أَحْسَنَ مَا اسْتَنْبَطَ الْإِمَامُ مَالِكٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الرَّافِضِيَّ الَّذِي يَسُبُّ الصَّحَابَةَ لَيْسَ لَهُ فِي مَالِ الْفَيْءِ نَصِيبٌ لِعَدَمِ اتِّصَافِهِ بِمَا مَدَحَ اللَّهُ بِهِ هَؤُلَاءِ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لَهُمْ، فَسَبُّوهُمْ! ثُمَّ قَرَأْتُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ﴾ الْآيَةَ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَية، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُمِرْتُمْ بِالِاسْتِغْفَارِ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَسَبَبْتُمُوهُمْ. سمعتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَذْهَبُ هَذِهِ الْأُمَّةُ حَتَّى يَلْعَنَ آخِرُهَا أَوَّلَهَا". رَوَاهُ الْبَغَوِيُّ [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٠٨) وله شاهد في صحيح مسلم برقم (٣٠٢٢) عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: "يَا ابن أختي، أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم".]] .. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُمَرُ: هَذِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، قُرى [عَرَبِيَّةٌ: فَدَك وَكَذَا] [[زيادة من م، أ، وسنن أبي داود.]] وَكَذَا، فَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَلِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فَاسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الْآيَةُ النَّاسَ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا لَهُ فِيهَا حَقٌّ -قَالَ أَيُّوبُ: أَوْ قَالَ: حَظٌّ-إِلَّا بَعْضَ مَنْ تَمْلِكُونَ مِنْ أَرِقَّائِكُمْ. كَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ [[سنن أبي داود برقم (٢٩٦٦)]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابن ثور، عن مَعْمَر، عن أيوب، عن عكرمة ابن خَالِدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الحَدَثان قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٦٠] ، ثُمَّ قَالَ هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى [وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ] ﴾ [[زيادة من م.]] [الْأَنْفَالِ: ٤١] ، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حَتَّى بَلَغَ لِلْفُقَرَاءِ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ثُمَّ قَالَ: اسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الآية المسلمين عامة، وَلَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا لَهُ فِيهَا حَقٌّ [[في أ: "فيها جزء".]] ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ عِشْتُ لَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِيَ -وَهُوَ بَسرو حِمير-نَصِيبُهُ فِيهَا، لَمْ يَعْرَقْ فِيهَا جَبِينُهُ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ﴾ يقول: اتخذوا المدينة مدينة الرسول ﷺ فابتنوها منازل، ﴿وَالإيمَانَ﴾ بالله ورسوله ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: من قبل المهاجرين، ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ : يحبون من ترك منزله، وانتقل إليهم من غيرهم، وعُنِي بذلك الأنصار يحبون المهاجرين. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قال: الأنصار نعت. قال محمد بن عمرو: سفاطة أنفسهم. وقال الحارث: سخاوة أنفسهم عندما روى عنهم من ذلك، وإيثارهم إياهم ولم يصب الأنصار من ذلك الفيء شيء. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ يقول: مما أعطوا إخوانهم هذا الحيّ من الأنصار، أسلموا في ديارهم، فابتنوا المساجد والمسجد، قبل قدوم النبي ﷺ فأحسن الله عليهم الثناء في ذلك، وهاتان الطائفتان الأوّلتان من هذه الآية، أخذتا بفضلهما، ومضتا على مَهَلهما، وأثبت الله حظهما في الفيء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله الله عزّ وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ﴾ قال: هؤلاء الأنصار يحبون من هاجر إليهم من المهاجرين. * * وقوله: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ يقول جلّ ثناؤه: ولا يجد الذين تبوّءوا الدار من قبلهم، وهم الأنصار في صدورهم حاجة، يعني حسدا مما أوتوا، يعني مما أوتي المهاجرين من الفيء، وذلك لما ذُكر لنا من أن رسول الله ﷺ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأوّلين دون الأنصار، إلا رجلين من الأنصار، أعطاهما لفقرهما، وإنما فعل ذلك لرسول الله ﷺ خاصة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أَبي بكر، أنه حدّث أنّ بني النضير خَلَّوا الأموال لرسول الله ﷺ، فكانت النضير لرسول الله ﷺ خاصة، يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله ﷺ على المهاجرين الأوّلين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حُنيف وأبا دُجانة سمِاك بن خَرَشَة ذكرا فقرا، فأعطاهما رسول الله ﷺ. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ المهاجرون. قال: وتكلم في ذلك: ﴿يعني أموال بني النضير﴾ بعضُ من تكلمَّ من الأنصار، فعاتبهم الله عزّ وجلّ في ذلك فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . قال، قال رسول الله ﷺ لهم: "إنَّ إخْوَانَكُمْ قَدْ تَرَكُوا الأمْوَالَ وَالأولاد وَخَرَجُوا إلَيْكُمْ" فقالوا: أموالنا بينهم قطائع، فقال رسول الله ﷺ: "أو غَيْرَ ذَلِكَ؟ " قالوا: وما ذلك يا رسول الله؟ قال: "هُمْ قَوْمٌ لا يعْرِفُونَ العَمَلَ فَتَكْفُونَهُمْ وَتُقَاسِمُونَهُمْ الثَّمَر"، فقالوا: نعم يا رسول الله. وبنحو الذي قلنا في قوله: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا سليمان أَبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أَبي رجاء، عن الحسن، في قوله: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ قال: الحسد. ⁕ قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن أَبي رجاء، عن الحسن ﴿حَاجَةً فِي صُدُورِهِمْ﴾ قال: حسدًا في صدورهم. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أبو رجاء، عن الحسن مثله. * * وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ يقول تعالى ذكره: وهو يصف الأنصار الذين تبوّءُوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ يقول: ويعطون المهاجرين أموالهم إيثارًا لهم بها على أنفسهم، ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ يقول: ولو كان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثروا به من أموالهم على أنفسهم، والخصاصة: مصدر، وهي أيضًا اسم، وهو كلّ ما تخلَّلته ببصرك كالكوة والفرجة في الحائط، تجمع خَصَاصَات وخِصَاص، كمال قال الراجز: قَدْ عَلِمَ المَقَاتِلاتُ هَجَّا [[هذه ثلاثة أبيات من مشطور الرجز لم أجدها في معاني القرآن للفراء ولا في مجاز القرآن لأبي عبيدة، ولا في اللسان. وليست على بينة من صحة بعض ألفاظها. والمؤلف استشهد بها في هذه الموضع على أن الخصاص جمع خصاصة. وفي (اللسان: الخصاص) : الفرج بين الأثافي والأصابع، وقالوا لخروق المصفاة والمنخل خصاص. وخصاص المنخل والباب والبرقع وغيره: خلله، واحدته: خصاصة (وكله بفتح الخاء) .]] والنَّاظراتُ مِنْ خَصَاصٍ لَمْجا لأورِيَنْهَا دُلَجا أوْ مُنْجَا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن فضيل، عن أبيه، عن أَبي حازم، عن أَبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ليضيفه، فلم يكن عنده ما يضيفه، فقال: "ألا رجل يضيف هذا رحمه الله؟ " فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ نوّمي الصبية، وأطفئي المصباح وأريه بأنك تأكلين معه، واتركيه لضيف رسول الله ﷺ ففعلت فنزلت ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن فضيل، عن غزوان، عن أَبي حازم، عن أَبي هريرة، أن رجلا من الأنصار بات به ضيف، فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نَوَّمِي الصِّبْيَة وأطفئي المصباح، وقرّبي للضيف ما عندك، قال: فنزلت هذه الآية ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ يقول تعالى ذكره: من وقاه الله شحّ نفسه ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ المخلَّدون في الجنة. والشحّ في كلام العرب: البخل، ومنع الفضل من المال؛ ومعه قول عمرو بن كلثوم: تَرَى اللَّحِزَ الشَّحِيحَ إذَا أُمِرَّتْ عَلَيْهِ لِمَالِهِ فِيهَا مُهِينًا [[البيت من معلقة عمرو بن كلثوم التغلبي (انظره في شرحي الزوزني والتبريزي على المعلقات) واللحز: الضيق الصدر السيىء الخلق اللئيم. والشحيح: البخيل: الحريص. والجمع الأشحة والأشحاء، والفعل: شح يشح. والمصدر: الشح، وهو البخل معه حرص. يقول: ترى الإنسان الضيق الصدر البخيل الحريص مهينا لما له فيها، أي في شربها، إذا أمرت عليه الخمر، أي أديرت عليه. وقد استشهد المؤلف بالبيت عند قوله تعالى: "ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون".]] يعني بالشحيح: البخيل، يقال: إنه لشحيح بين الشحّ والشحّ، وفيه شحة شديدة وشحاحة. وأما العلماء فإنهم يرون أن الشحّ في هذا الموضع إنما هو أكل أموال الناس بغير حقّ. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا المسعودي، عن أشعث، عن أَبي الشعثاء، عن أبيه، قال: أتى رجل ابن مسعود فقال: إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ذاك؟ قال: أسمع الله يقول: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء، قال: ليس ذاك بالشحّ الذي ذكر الله في القرآن، إنما الشحّ أن تأكل مال أخيك ظلمًا، ذلك البخل، وبئس الشيء البخل. ⁕ حدثني يحي بن إبراهيم، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن جامع، عن الأسود بن هلال قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود، فقال يا أبا عبد الرحمن، إني أخشى أن تكون أصابتني هذه الآية ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ والله ما أعطي شيئًا أستطيع منعه، قال: ليس ذلك بالشحّ، إنما الشحّ أن تأكل مال أخيك بغير حقه، ولكن ذلك البخل. ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا ثنا سفيان، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جُبَير، عن أَبي الهياج الأسدي، قال: كنت أطوف بالبيت، فرأيت رجلا يقول: اللهمّ قني شحّ نفسي، لا يزيد على ذلك، فقلت له، فقال. إني إذا وقيت شح نفسي لم أسرق، ولم أزن، ولم أفعل شيئًا، وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف. ⁕ حدثني محمد بن إسحاق، قال: ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، قال: ثنا مجمع بن جارية الأنصاري، عن عمه يزيد بن جارية الأنصاري، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال: "برئ مِنَ الشُّحِّ مَنْ أَدَّّى الزَّكَاةَ، وَقَرَى الضَّيْفَ، وَأعْطَى في النَّائِبَةِ" ⁕ حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا زياد بن يونس أبو سلامة، عن نافع بن عمر المكي، عن ابن أَبي مليكة، عن عبد الله بن عمر، قال: إن نجوت من ثلاث طمعت أن أنجو. قال عبد الله بن صفوان ما هنّ أنبيك فيهنّ، قال: أخرج المال العظيم، فأخرجه ضرارًا، ثم أقول: أقرض ربي هذه الليلة، ثم تعود نفسي فيه حتى أعيده من حيث أخرجته، وإن نجوت من شأن عثمان، قال ابن صفوان: أما عثمان فقُتل يوم قُتل، وأنت تحبّ قتله وترضاه، فأنت ممن قتله؛ وأما أنت فرجل لم يقك الله شحّ نفسك، قال: صدقت. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ قال: من وقي شحّ نفسه فلم يأخذ من الحرام شيئًا، ولم يقربه، ولم يدعه الشحّ أن يحبس من الحلال شيئًا، فهو من المفلحين، كما قال الله عزّ وجل. ⁕ وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ قال: من لم يأخذ شيئًا لشيء نهاه الله عزّ وجلّ عنه، ولم يدعه الشحّ على أن يمنع شيئًا من شيء أمره الله به، فقد وقاه الله شحّ نفسه، فهو من المفلحين.
Les richesses du butin sont également dépensées au profit des Ansar qui se sont installés à Médine avant les Migrants et ont choisi de croire en Allah et en Son Messager. Ils aiment ceux qui migrent vers eux de la Mecque, ne trouvent ni envie ni dépit lorsqu’on donne aux Migrants une part du butin sans leur en donner à eux et préfèrent les Migrants à eux-mêmes lorsqu’il s’agit des choses du bas monde, même lorsqu’ils sont pauvres et dans le besoin. Quiconque Allah prémunit contre son avarice et le fait dépenser pour Sa cause, fait partie de ceux qui réussissent en remportant ce qu’ils désirent et en échappant à ce qu’ils redoutent.
وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلْإِيمَٰنِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّۭا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌ
Et [il appartient également] à ceux qui sont venus après eux en disant: «Seigneur, pardonne-nous, ainsi qu'à nos frères qui nous ont précédés dans la foi; et ne mets dans nos cœurs aucune rancœur pour ceux qui ont cru. Seigneur, Tu es Compatissant et Très Miséricordieux».
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى مُبَيِّنًا حَالَ الْفُقَرَاءِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِمَالِ الْفَيْءِ أَنَّهُمْ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ أَيْ: خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَخَالَفُوا قَوْمَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ صَدَقوا قَوْلَهُمْ بِفِعْلِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ سَادَاتُ الْمُهَاجِرِينَ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مَادِحًا لِلْأَنْصَارِ، وَمُبَيِّنًا فَضْلَهُمْ وَشَرَفَهُمْ وَكَرَمَهُمْ وَعَدَمَ حَسَدهم، وَإِيثَارَهُمْ مَعَ الْحَاجَةِ، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أَيْ: سَكَنُوا دَارَ الْهِجْرَةِ مِنْ قَبْلِ الْمُهَاجِرِينَ وَآمَنُوا قَبْلَ كَثِيرٍ مِنْهُمْ. قَالَ عُمَرُ: وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَيَحْفَظَ لَهُمْ كَرَامَتَهُمْ. وَأُوصِيهِ بِالْأَنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبوّءوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلُ، أَنْ يَقْبَلَ من محسنهم، وأن يعفو [[في م: "وأن يعفى".]] عن مسيئهم. رواه البخاري هاهنا أَيْضًا [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٨) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ أَيْ: مِنْ كَرَمهم وَشَرَفَ أَنْفُسِهِمْ، يُحبّون الْمُهَاجِرِينَ [[في أ: "يحبون من هاجر إليهم".]] وَيُوَاسُونَهُمْ بِأَمْوَالِهِمْ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ الْمُهَاجِرُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قَوْمٍ قَدِمْنَا عَلَيْهِمْ أَحْسَنَ مُوَاسَاةً فِي قَلِيلٍ وَلَا أَحْسَنَ بَذْلًا فِي كَثِيرٍ، لَقَدْ كَفَونا المَؤنة، وَأَشْرَكُونَا فِي الْمُهَنَّإِ، حَتَّى لَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ! قَالَ: "لَا مَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ ودَعَوتُمُ اللَّهَ لَهُمْ" [[المسند (٣/٢٠٠) .]] . لَمْ أَرَهُ فِي الْكُتُبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ خَرَجَ مَعَهُ إِلَى الْوَلِيدِ قَالَ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ الْأَنْصَارَ أَنْ يُقطع لَهُمُ الْبَحْرَيْنِ، قَالُوا: لَا إِلَّا أَنْ تُقطع لِإِخْوَانِنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَهَا. قَالَ: "إِمَّا لَا فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي، فَإِنَّهُ سَيُصِيبُكُمْ [بَعْدِي] [[زيادة من صحيح البخاري.]] أَثَرَةٌ". تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[صحيح البخاري برقم (٣٧٩٤) .]] قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَتِ الْأَنْصَارُ: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ. قَالَ: لَا. فَقَالُوا: تَكْفُونَا المؤنَةَ ونَشرككُم فِي الثَّمَرَةِ؟ قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. تَفَرَّدَ بِهِ دُونَ مُسْلِمٍ [[صحيح البخاري برقم (٢٣٢٥) .]] . ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ أَيْ: وَلَا يَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَسَدًا لِلْمُهَاجِرِينَ فِيمَا فَضَّلَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ وَالشَّرَفِ، وَالتَّقْدِيمِ فِي الذِّكْرِ وَالرُّتْبَةِ. قَالَ: الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾ يَعْنِي: الْحَسَدَ. ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي فِيمَا أَعْطَى إِخْوَانَهُمْ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ. وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا جُلوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "يَطَّلِعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ تَنظُف [[في م: "ينفض".]] لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّق [[في م: "قد علق".]] نَعْلَيْهِ بِيَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ مَقَالَتِهِ [[في م::مثل حاله".]] أيضًا، فطلع ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالَتِهِ الْأُولَى [[في م: "الأول".]] فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَلَّا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي [[في أ: "أن توريني".]] إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فعلتُ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ الثَّلَاثَ اللَّيَالِي [[في م: "الليالي الثلاث".]] فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعارّ تَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ، ذَكَرَ اللَّهَ وَكَبَّرَ، حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ، قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَب وَلَا هَجْر [[في م، أ: "ولا هجرة".]] وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مرَار [[في م: "مرات".]] يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ الْمِرَارَ [[في م: "المرات".]] فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عملكَ فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ [[في م: "كبير".]] عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ. فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أجدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشّا، وَلَا أحسدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا تُطَاقُ [[في م: "لا نطيق"، وفي أ: "لا تطيق".]] . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، عَنْ سُوَيد بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ بِهِ [[المسند (٣/١٦٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٩٩) .]] وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ، لَكِنْ رَوَاهُ عُقَيْلٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَنَسٍ [[انظر: تحفة الأشراف للمزى (١/٣٩٥) وكلام الحافظ بن حجر في النكت الظراف بهامشه.]] . فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ يَعْنِي ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ الْمُهَاجِرُونَ. قَالَ: وَتَكَلَّمَ فِي أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَعَاتَبَهُمُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ تَرَكُوا الْأَمْوَالَ وَالْأَوْلَادَ وَخَرَجُوا إِلَيْكُمْ". فَقَالُوا: أَمْوَالُنَا بَيْنَنَا قَطَائِعُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوَ غَيْرُ ذَلِكَ؟ ". قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "هُمْ قَوْمٌ لَا يَعْرِفُونَ الْعَمَلَ، فَتَكْفُونَهُمْ وَتُقَاسِمُونَهُمُ [[في م: "ويقاسمونكم".]] الثَّمَرَ". فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ [[رواه الطبري في تفسيره (٢٨/٢٨) .]] * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [[ذكر في "م" بقية الآية.]] يَعْنِي: حَاجَةً، أَيْ: يُقَدِّمُونَ الْمَحَاوِيجَ عَلَى حَاجَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَيَبْدَءُونَ بِالنَّاسِ قَبَلَهُمْ فِي حَالِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَى ذَلِكَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم أنه قَالَ: " أفضلُ الصَّدَقَةِ جَهدُ الْمُقِلِّ". وَهَذَا الْمَقَامُ أَعْلَى مِنْ حَالِ الَّذِينَ وَصَف اللهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [[في أ: "حبه مسكينًا".]] [الْإِنْسَانِ: ٨] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٧] . فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يُحِبُّونَ مَا تَصَدَّقُوا بِهِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ لَهُمْ حَاجَةٌ إِلَيْهِ وَلَا ضَرُورَةَ بِهِ، وَهَؤُلَاءِ آثَرُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مَعَ خَصَاصَتِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ إِلَى مَا أَنْفَقُوهُ. وَمِنْ هَذَا الْمَقَامِ تَصَدَّقَ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِجَمِيعِ مَالِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ ". فَقَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَهَذَا [[في م: "وهكذا".]] الْمَاءُ الَّذِي عُرض [[في م: "اعرضوه".]] عَلَى عِكْرِمَةَ وَأَصْحَابِهِ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ يَأْمُرُ بِدَفْعِهِ إِلَى صَاحِبِهِ، وَهُوَ جَرِيحٌ مُثْقَلٌ أحوجَ مَا يكون إلى الماء، فرده الآخر إلى الثلث، فَمَا وَصَلَ إِلَى الثَّالِثِ حَتَّى مَاتُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَلَمْ يَشْرَبْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا فُضيل بْنُ غَزوان، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيرة قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَنِي الجهدُ، فَأَرْسَلَ إِلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَلَا رَجُلٌ يُضَيّفُ هَذَا اللَّيْلَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ؟ ". فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: ضَيفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا تَدّخريه شَيْئًا. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قوتُ الصِّبْيَةِ. قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصبيةُ العَشَاء فَنَوِّمِيهِمْ وَتَعَالَيْ فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ ونَطوي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ. ففعلَت، ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: "لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ -أَوْ: ضَحِكَ-مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةٍ". وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٩) .]] . وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، بِهِ نَحْوَهُ [[صحيح البخاري برقم (٣٧٩٨) وصحيح مسلم برقم (٢٠٥٤) وسنن الترمذي برقم (٣٣٠٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٨٢) .]] . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ تَسْمِيَةُ هَذَا الْأَنْصَارِيِّ بِأَبِي طَلْحَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أَيْ: مَنْ سَلِمَ مِنَ الشُّحِّ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ. قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ الْفَرَّاءُ، عَنْ عُبَيد اللَّهِ بْنِ مِقْسَم، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلم ظلماتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُحَّ، فَإِنَّ الشّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ واستَحلُّوا مَحَارِمَهُمْ". انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ، فَرَوَاهُ عَنِ القَعْنَبِيّ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، بِهِ [[المسند (٣/٣٢٣) وصحيح مسلم برقم (٢٥٧٨) .]] . وَقَالَ الْأَعْمَشُ وَشُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ الْأَقْمَرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اتَّقُوا الظُّلْم؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الفُحْش، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ، وَإِيَّاكُمْ والشُّحَّ؛ فَإِنَّهُ أهلكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَمَرَهُمْ بِالظُّلْمِ فَظَلَمُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا". وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرّة، بِهِ [[المسند (٢/١٥٩) وسنن أبي داود برقم (١٦٩٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٨٣) .]] . وَقَالَ اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ [بْنِ الْهَادِ] [[زيادة من م، أ.]] عَنْ سُهَيل بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ اللِّجْلَاجِ [[في م: "الجلاح".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ودخانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ عَبْدٍ أَبَدًا، وَلَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا" [[رواه النسائي في السنن (٦/١٣) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ هَلَكْتُ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وَأَنَا رَجُلٌ شَحِيحٌ، لَا أَكَادُ أَنْ أُخْرِجَ مِنْ يَدِي شَيْئًا! فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَيْسَ ذَلِكَ [[في م: "ليس ذاك".]] بِالشُّحِّ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ، إِنَّمَا الشُّحُّ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ أَنْ تَأْكُلَ مَالَ أَخِيكَ ظُلْمًا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ [[في م: "ذاك".]] الْبُخْلُ، وَبِئْسَ الشَّيْءُ الْبُخْلُ" [[رواه الطبري في تفسيره (٢٨/٢٩) من طريق جامع به.]] وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي". لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: إِنِّي إِذَا وُقِيتُ شُحَّ نَفْسِي لَمْ أَسْرِقْ وَلَمْ أَزْنِ وَلَمْ أَفْعَلْ"، وَإِذَا الرَّجُلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٨/٢٩) .]] وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا إسماعيل ابن عَيّاش، حَدَّثَنَا مُجَمع بْنُ جَارِيَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ، عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "بَريء مِنَ الشُّحِّ مَن أَدَّى الزَّكَاةَ، وقَرَى الضَّيْفَ، وَأَعْطَى فِي النَّائِبَةِ" [[تفسير الطبري (٢٨/٢٩) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (١٠٨٤٢) من طريق محمد بن إسحاق به، وروي مرسلاً، رواه الطبراني في المعجم الكبير (٤/١٨٨) من طريق عمرو بن يحيى وإبراهيم بن إسماعيل، وابن حبان في الثقات (٤/٢٠٢) من طريق ابن المبارك، كلهم عن مجمع ابن يحيى، عن عمه مرسلاً.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ هَؤُلَاءِ هُمُ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ فُقَرَاؤُهُمْ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ، وَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ ثُمَّ الْأَنْصَارُ، ثُمَّ التَّابِعُونَ بِإِحْسَانٍ، كَمَا قَالَ فِي آيَةِ بَرَاءَةٌ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٠] فالتابعون لهم بإحسان هُمُ: الْمُتَّبِعُونَ لِآثَارِهِمُ الْحَسَنَةِ وَأَوْصَافِهِمُ الْجَمِيلَةِ، الدَّاعُونَ لَهُمْ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي هذه الآية الكريم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ﴾ أَيْ: قَائِلِينَ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا﴾ أَيْ: بُغْضًا وَحَسَدًا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وَمَا أَحْسَنَ مَا اسْتَنْبَطَ الْإِمَامُ مَالِكٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الرَّافِضِيَّ الَّذِي يَسُبُّ الصَّحَابَةَ لَيْسَ لَهُ فِي مَالِ الْفَيْءِ نَصِيبٌ لِعَدَمِ اتِّصَافِهِ بِمَا مَدَحَ اللَّهُ بِهِ هَؤُلَاءِ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لَهُمْ، فَسَبُّوهُمْ! ثُمَّ قَرَأْتُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ﴾ الْآيَةَ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَية، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُمِرْتُمْ بِالِاسْتِغْفَارِ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَسَبَبْتُمُوهُمْ. سمعتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَذْهَبُ هَذِهِ الْأُمَّةُ حَتَّى يَلْعَنَ آخِرُهَا أَوَّلَهَا". رَوَاهُ الْبَغَوِيُّ [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٠٨) وله شاهد في صحيح مسلم برقم (٣٠٢٢) عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: "يَا ابن أختي، أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم".]] .. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُمَرُ: هَذِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، قُرى [عَرَبِيَّةٌ: فَدَك وَكَذَا] [[زيادة من م، أ، وسنن أبي داود.]] وَكَذَا، فَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَلِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فَاسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الْآيَةُ النَّاسَ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا لَهُ فِيهَا حَقٌّ -قَالَ أَيُّوبُ: أَوْ قَالَ: حَظٌّ-إِلَّا بَعْضَ مَنْ تَمْلِكُونَ مِنْ أَرِقَّائِكُمْ. كَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ [[سنن أبي داود برقم (٢٩٦٦)]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابن ثور، عن مَعْمَر، عن أيوب، عن عكرمة ابن خَالِدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الحَدَثان قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٦٠] ، ثُمَّ قَالَ هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى [وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ] ﴾ [[زيادة من م.]] [الْأَنْفَالِ: ٤١] ، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حَتَّى بَلَغَ لِلْفُقَرَاءِ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ثُمَّ قَالَ: اسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الآية المسلمين عامة، وَلَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا لَهُ فِيهَا حَقٌّ [[في أ: "فيها جزء".]] ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ عِشْتُ لَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِيَ -وَهُوَ بَسرو حِمير-نَصِيبُهُ فِيهَا، لَمْ يَعْرَقْ فِيهَا جَبِينُهُ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: والذين جاءوا من بعد الذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين الأوّلين ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ﴾ من الأنصار. وعنى بالذين جاءا من بعدهم المهاجرون أنهم يستغفرون لإخوانهم من الأنصار. * * وقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني غمرا وضغنا. وقيل: عني بالذين جاءوا من بعدهم: الذين أسلموا من بعد الذين تبوّءوا الدار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ قال: الذين أسلموا نعتوا أيضًا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ثم ذكر الله الطائفة الثالثة، فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا﴾ حتى بلغ ﴿إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ إ نما أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبيّ ﷺ ولم يؤمروا بسببهم. وذكر لنا أن غلامًا لحاطب بن أَبي بلتعة جاء نبيّ الله ﷺ فقال: يا نبيّ الله ليدخلن حاطب في حيّ النار، قال: "كذبت إنه شهد بدرًا والحُديبية" وذُكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أغلظ لرجل من أهل بدر، فقال نبيّ الله ﷺ: "وَمَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ لَعَلَّه قَدْ شَهِدَ مَشْهَدًا اطَّلَعَ اللهُ فِيهِ إلَى أَهْلِهِ، فأشْهَدَ مَلائِكَتَهُ إني قَدْ رَضِيتُ عَنْ عِبَادِي هَؤُلاءِ، فَلْيَعْمَلُوا ما شَاءُوا" فما زال بعضُنا منقبضا من أهل بدر، هائبًا لهم، وكان عمر رضي الله عنه يقول: وإلى أهل بدر تهالك المتهالكون، وهذا الحيّ من الأنصار، أحسن الله عليهم الثناء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله: ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال: لا تورث قلوبنا غلا لأحد من أهل دينك. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن ابن أَبي ليلى، قال: كان الناس على ثلاث منازل: المهاجرون الأوَّلون: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وأحسن ما يكون أن يكون بهذه المنزلة. * * وقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يقول جلّ ثناؤه مخبرًا عن قيل الذين جاءوا من بعد الذين تبوّءوا الدار والإيمان أنهم قالوا: لا تجعل في قلوبنا غلا لأحد من أهل الإيمان بك يا ربنا. * * قوله: ﴿إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يقول: إنك ذو رأفة بخلقك، وذو رحمة بمن تاب واستغفر من ذنوبه.
Ceux qui sont venus après ceux-là et les ont suivis avec excellence jusqu’au Jour de la Résurrection disent: Ô notre Seigneur, pardonne-nous ainsi qu’à nos frères en religion qui nous ont précédés dans la foi en Allah et en Son Messager, et ne mets pas dans nos cœurs de rancune envers un quelconque croyant. Ô notre Seigneur, tu es Compatissant avec Tes serviteurs et Miséricordieux envers eux.
۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟ يَقُولُونَ لِإِخْوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًۭا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ
N'as-tu pas vu les hypocrites disant à leurs confrères qui ont mécru parmi les gens du Livre: «Si vous êtes chassés, nous partirons certes avec vous et nous n'obéirons jamais à personne contre vous; et si vous êtes attaqués, nous vous secourrons certes». Et Allah atteste qu'en vérité ils sont des menteurs.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَضْرَابِهِ، حِينَ بُعِثُوا إِلَى يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ يَعدُونهم النَّصْرَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أَيْ: لَكَاذِبُونَ فِيمَا وَعَدُوهُمْ بِهِ إِمَّا أَنَّهُمْ [[في م: "إما لأنهم".]] قَالُوا لَهُمْ قَوْلًا مِنْ نِيَّتِهِمْ أَلَّا يَفُوا لَهُمْ بِهِ، وَإِمَّا أَنَّهُمْ [[في م: "إما لأنهم".]] لَا يَقَعُ مِنْهُمُ الَّذِي قَالُوهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ أَيْ: لَا يُقَاتِلُونَ مَعَهُمْ، ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ أَيْ: قَاتَلُوا مَعَهُمْ ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ وَهَذِهِ بِشَارَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿لأنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ: يَخَافُونَ مِنْكُمْ أَكْثَرَ مِنْ خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النِّسَاءِ: ٧٧] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [[في م، أ: "أو من وراء جدار".]] يَعْنِي: أَنَّهُمْ مِنْ جُبنهم وهَلَعهم لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مُوَاجَهَةِ جَيْشِ الْإِسْلَامِ بِالْمُبَارَزَةِ وَالْمُقَابَلَةِ [[في م: "والمقاتلة".]] بَلْ إِمَّا فِي حُصُونٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ [[في م، أ: "أو من وراء جدار".]] مُحَاصَرِينَ، فَيُقَاتِلُونَ للدفع عنهم ضرورة. ثُمَّ قَالَ ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أَيْ: عَدَاوَتُهُمْ [فِيمَا] [[زيادة من م، أ.]] بَيْنَهُمْ شَدِيدَةٌ، كَمَا قَالَ: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦٥] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ أَيْ: تَرَاهُمْ مُجْتَمِعِينَ فَتَحْسَبُهُمْ مُؤْتَلِفِينَ، وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ غَايَةَ الِاخْتِلَافِ. قَالَ: إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يَعْنِي: أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: [يَعْنِي] [[زيادة من أ.]] كَمَثَلِ مَا أَصَابَ كَفَّارَ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي: يَهُودَ بَنِي قَيْنُقَاعَ. وَكَذَا قَالَ قتادة، ومحمد ابن إِسْحَاقَ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ، فَإِنَّ يَهُودَ بَنِي قَيْنُقَاعَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَجْلَاهُمْ قَبْلَ هَذَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ يَعْنِي: مَثَلُ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ فِي اغْتِرَارِهِمْ بِالَّذِينِ وَعَدُوهُمُ النَّصْرَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَقَوْلِ الْمُنَافِقِينَ لَهُمْ: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ ثُمَّ لَمَّا حَقَّتِ الْحَقَائِقُ وجَدَّ بِهِمُ الْحِصَارُ وَالْقِتَالُ، تَخَلَّوْا عَنْهُمْ وَأَسْلَمُوهُمْ لِلْهَلَكَةِ، مِثَالُهُمْ فِي هَذَا كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ [[في م: "إذا".]] سَوَّلَ لِلْإِنْسَانِ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ-الْكُفْرَ، فَإِذَا دَخَلَ فِيمَا سَوَّلَهُ [[في م، أ: "سوله له".]] تَبَرَّأَ مِنْهُ وَتَنَصَّلَ، وَقَالَ: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ وقد ذكر بعضهم هاهنا قِصَّةً لِبَعْضِ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ هِيَ كَالْمِثَالِ لِهَذَا الْمَثَلِ، لَا أَنَّهَا الْمُرَادَةُ وَحْدَهَا بِالْمَثَلِ، بَلْ هِيَ مِنْهُ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الْوَقَائِعِ الْمُشَاكِلَةِ لَهَا، فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْل، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَهِيك قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: إِنْ رَاهِبًا تَعَبَّدَ سِتِّينَ سَنَةً، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ أَرَادَهُ فَأَعْيَاهُ، فَعَمَدَ إِلَى امْرَأَةٍ فأجنَّها وَلَهَا إِخْوَةٌ، فَقَالَ لِإِخْوَتِهَا: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقَسِّ فَيُدَاوِيَهَا. قَالَ: فَجَاءُوا بِهَا إِلَيْهِ فَدَاوَاهَا، وَكَانَتْ عِنْدَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا عِنْدَهَا إِذْ أَعْجَبَتْهُ، فَأَتَاهَا فَحَمَلَتْ، فَعَمَدَ إِلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَجَاءَ إِخْوَتُهَا، فَقَالَ الشَّيْطَانُ لِلرَّاهِبِ: أَنَا صَاحِبُكَ، إِنَّكَ أَعْيَيْتَنِي، أَنَا صَنَعْتُ هَذَا بِكَ فَأَطِعْنِي أُنَجِّكَ مِمَّا صَنَعْتُ بِكَ، فَاسْجُدْ لِي سَجْدَةً. فَسَجَدَ لَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ لَهُ قَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٨/٣٣) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَسْعُودِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: كانت امْرَأَةٌ تَرْعَى الْغَنَمَ، وَكَانَ لَهَا أَرْبَعَةُ إِخْوَةٍ، وَكَانَتْ تَأْوِي بِاللَّيْلِ إِلَى صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ. قَالَ: فَنَزَلَ الرَّاهِبُ ففجَر بِهَا، فَحَمَلَتْ، فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهُ: اقْتُلْهَا ثُمَّ ادْفِنْهَا، فَإِنَّكَ رَجُلٌ مُصدَّق يسمع قولك. فقتلها ثم دفتها. قَالَ: فَأَتَى الشيطانُ إِخْوَتَهَا فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الرَّاهِبَ صَاحِبَ الصَّوْمَعَةِ فجَر بِأُخْتِكُمْ، فَلَمَّا أَحْبَلَهَا قَتَلَهَا ثُمَّ دَفَنَهَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا مَا أَدْرِي أَقُصُّهَا عَلَيْكُمْ أَمْ أَتْرُكُ؟ قَالُوا: لَا بَلْ قُصَّهَا عَلَيْنَا. قَالَ: فَقَصَّهَا، فَقَالَ الْآخَرُ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ، فَقَالَ الْآخَرُ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ. فَقَالُوا: فَوَاللَّهِ مَا هَذَا إِلَّا لِشَيْءٍ. قَالَ: فَانْطَلَقُوا فَاسْتَعْدَوْا مَلِكَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الرَّاهِبِ، فَأَتَوْهُ فَأَنْزَلُوهُ ثُمَّ انْطَلَقُوا بِهِ فَلَقِيَهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: إِنِّي أَنَا الَّذِي أَوْقَعْتُكَ فِي هَذَا، وَلَنْ يُنْجِيَكَ مِنْهُ غَيْرِي، فَاسْجُدْ لِي سَجْدَةً وَاحِدَةً وَأُنْجِيكَ مِمَّا أَوْقَعْتُكَ فِيهِ. قَالَ: فَسَجَدَ لَهُ، فَلَمَّا أَتَوْا بِهِ مَلكهم تَبَرأ مِنْهُ، وأُخِذَ فَقُتِلَ [[تفسير الطبري (٢٨/٣٣) .]] . وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، نَحْوُ ذَلِكَ. وَاشْتُهِرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَنَّ هَذَا الْعَابِدَ هُوَ بَرْصِيصَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ مُخَالِفَةٌ لِقِصَّةِ جُرَيج الْعَابِدِ، فَإِنَّ جُرَيْجًا اتَّهَمَتْهُ امْرَأَةٌ بَغي بِنَفْسِهَا، وَادَّعَتْ أَنَّ حَملها مِنْهُ، وَرَفَعَتْ أَمْرَهُ إِلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ، فأمر به فأنزل من صومعته وخُربت صَوْمَعَتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: مَا لَكُمْ؟ مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، فَعَلْتَ بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: جُرَيْجٌ: اصْبِرُوا. ثُمَّ أَخَذَ ابْنَهَا وَهُوَ صَغِيرٌ جِدًّا ثُمَّ قَالَ: يَا غُلَامُ، مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ [[في م: "فقال".]] أَبِي الرَّاعِي -وَكَانَتْ قَدْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَحَمَلَتْ مِنْهُ-فَلَمَّا رَأَى بَنُو إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ عَظَّمُوهُ كُلُّهُمْ تَعْظِيمًا بَلِيغًا وَقَالُوا: نُعِيدُ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: لَا بَلْ أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ، كَمَا كَانَتْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ أَيْ: فَكَانَتْ عَاقِبَةُ الْآمِرِ بِالْكُفْرِ وَالْفَاعِلِ لَهُ، وَتَصَيُّرُهُمَا [[في م: "ومصيرهما".]] إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدَيْنِ فِيهَا، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ أَيْ: جَزَاءُ كُلِّ ظَالِمٍ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ألم تنظر بعين قلبك يا محمد، فترى إلى الذين نافقوا وهم فيما ذُكر عبد الله بن أَُبي ابن سلول، ووديعة ومالك، ابنا نوفل، وسُوَيد وداعس، بَعَثوا إلى بني النضير حين نزل بهم رسول الله ﷺ للحرب أن اثبتُوا وتمنَّعوا، فإنا لن نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم، خرجنا معكم، فتربصوا لذلك من نصرهم، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم، ويكفّ عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة. ⁕ حدثنا بذلك ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومان. وقال مجاهد في ذلك ما:- ⁕ حدثني به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ قال: عبد الله بن أُبيّ بن سلول، ورفاعة أو رافعة بن تابوت. وقال الحارث: رفاعة بن تابوت، ولم يشكّ فيه، وعبد الله بن نَبْتل، وأوس بن قَيْظِيّ. ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرِمة، أو عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ يعني عبد الله بن أُبيّ بن سلول وأصحابه، ومن كان منهم على مثل أمرهم. * * وقوله: ﴿يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني بني النضير. كما:- ⁕ حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أَبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس ﴿يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: بني النضير. * * وقوله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ يقول: لئن أخرجتم من دياركم ومنازلكم، وأُجليتم عنها لنخرجن معكم، فنُجلى عن منازلنا وديارنا معكم. * * وقوله: ﴿وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾ يقول: ولا نطيع أحدًا سألنا خذلانكم، وترك نصرتكم، ولكنا نكون معكم، ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ يقول: وإن قاتلكم محمد ﷺ ومن معه لننصرنَّكم معشرَ النضير عليهم. * * وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ يقول: والله يشهد إن هؤلاء المنافقين الذين وعدوا بني النضير النصرة على محمد ﷺ ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ في وعدهم إياهم مَا وَعَدُوهم من ذلك.
Ô Messager, n’as-tu pas vu ceux qui sont intérieurement mécréants et font croire qu’ils sont musulmans, dire à leurs frères mécréants parmi les juifs adeptes de la Torah falsifiée: Restez dans vos demeures car nous ne vous feront pas défaut ni ne vous livrerons. Si les musulmans vous en expulsaient, nous serions solidaires avec vous et quitterions, nous aussi, nos demeures et n’obéirions à personne nous défendant de partir avec vous. S’ils vous combattent, nous vous aiderons à les repousser. Or Allah atteste que les hypocrites mentent lorsqu’ils prétendent partir, si ceux-ci venaient à être expulsés, et combattre à leurs côtés.
لَئِنْ أُخْرِجُوا۟ لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا۟ لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلْأَدْبَٰرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ
S'ils sont chassés, ils ne partiront pas avec eux; et s'ils sont attaqués, ils ne les secourront pas; et même s'ils allaient à leur secours, ils tourneraient sûrement le dos; puis ils ne seront point secourus.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَضْرَابِهِ، حِينَ بُعِثُوا إِلَى يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ يَعدُونهم النَّصْرَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أَيْ: لَكَاذِبُونَ فِيمَا وَعَدُوهُمْ بِهِ إِمَّا أَنَّهُمْ [[في م: "إما لأنهم".]] قَالُوا لَهُمْ قَوْلًا مِنْ نِيَّتِهِمْ أَلَّا يَفُوا لَهُمْ بِهِ، وَإِمَّا أَنَّهُمْ [[في م: "إما لأنهم".]] لَا يَقَعُ مِنْهُمُ الَّذِي قَالُوهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ أَيْ: لَا يُقَاتِلُونَ مَعَهُمْ، ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ أَيْ: قَاتَلُوا مَعَهُمْ ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ وَهَذِهِ بِشَارَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿لأنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ: يَخَافُونَ مِنْكُمْ أَكْثَرَ مِنْ خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النِّسَاءِ: ٧٧] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [[في م، أ: "أو من وراء جدار".]] يَعْنِي: أَنَّهُمْ مِنْ جُبنهم وهَلَعهم لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مُوَاجَهَةِ جَيْشِ الْإِسْلَامِ بِالْمُبَارَزَةِ وَالْمُقَابَلَةِ [[في م: "والمقاتلة".]] بَلْ إِمَّا فِي حُصُونٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ [[في م، أ: "أو من وراء جدار".]] مُحَاصَرِينَ، فَيُقَاتِلُونَ للدفع عنهم ضرورة. ثُمَّ قَالَ ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أَيْ: عَدَاوَتُهُمْ [فِيمَا] [[زيادة من م، أ.]] بَيْنَهُمْ شَدِيدَةٌ، كَمَا قَالَ: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦٥] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ أَيْ: تَرَاهُمْ مُجْتَمِعِينَ فَتَحْسَبُهُمْ مُؤْتَلِفِينَ، وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ غَايَةَ الِاخْتِلَافِ. قَالَ: إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يَعْنِي: أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: [يَعْنِي] [[زيادة من أ.]] كَمَثَلِ مَا أَصَابَ كَفَّارَ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي: يَهُودَ بَنِي قَيْنُقَاعَ. وَكَذَا قَالَ قتادة، ومحمد ابن إِسْحَاقَ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ، فَإِنَّ يَهُودَ بَنِي قَيْنُقَاعَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَجْلَاهُمْ قَبْلَ هَذَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ يَعْنِي: مَثَلُ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ فِي اغْتِرَارِهِمْ بِالَّذِينِ وَعَدُوهُمُ النَّصْرَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَقَوْلِ الْمُنَافِقِينَ لَهُمْ: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ ثُمَّ لَمَّا حَقَّتِ الْحَقَائِقُ وجَدَّ بِهِمُ الْحِصَارُ وَالْقِتَالُ، تَخَلَّوْا عَنْهُمْ وَأَسْلَمُوهُمْ لِلْهَلَكَةِ، مِثَالُهُمْ فِي هَذَا كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ [[في م: "إذا".]] سَوَّلَ لِلْإِنْسَانِ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ-الْكُفْرَ، فَإِذَا دَخَلَ فِيمَا سَوَّلَهُ [[في م، أ: "سوله له".]] تَبَرَّأَ مِنْهُ وَتَنَصَّلَ، وَقَالَ: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ وقد ذكر بعضهم هاهنا قِصَّةً لِبَعْضِ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ هِيَ كَالْمِثَالِ لِهَذَا الْمَثَلِ، لَا أَنَّهَا الْمُرَادَةُ وَحْدَهَا بِالْمَثَلِ، بَلْ هِيَ مِنْهُ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الْوَقَائِعِ الْمُشَاكِلَةِ لَهَا، فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْل، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَهِيك قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: إِنْ رَاهِبًا تَعَبَّدَ سِتِّينَ سَنَةً، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ أَرَادَهُ فَأَعْيَاهُ، فَعَمَدَ إِلَى امْرَأَةٍ فأجنَّها وَلَهَا إِخْوَةٌ، فَقَالَ لِإِخْوَتِهَا: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقَسِّ فَيُدَاوِيَهَا. قَالَ: فَجَاءُوا بِهَا إِلَيْهِ فَدَاوَاهَا، وَكَانَتْ عِنْدَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا عِنْدَهَا إِذْ أَعْجَبَتْهُ، فَأَتَاهَا فَحَمَلَتْ، فَعَمَدَ إِلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَجَاءَ إِخْوَتُهَا، فَقَالَ الشَّيْطَانُ لِلرَّاهِبِ: أَنَا صَاحِبُكَ، إِنَّكَ أَعْيَيْتَنِي، أَنَا صَنَعْتُ هَذَا بِكَ فَأَطِعْنِي أُنَجِّكَ مِمَّا صَنَعْتُ بِكَ، فَاسْجُدْ لِي سَجْدَةً. فَسَجَدَ لَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ لَهُ قَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٨/٣٣) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَسْعُودِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: كانت امْرَأَةٌ تَرْعَى الْغَنَمَ، وَكَانَ لَهَا أَرْبَعَةُ إِخْوَةٍ، وَكَانَتْ تَأْوِي بِاللَّيْلِ إِلَى صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ. قَالَ: فَنَزَلَ الرَّاهِبُ ففجَر بِهَا، فَحَمَلَتْ، فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهُ: اقْتُلْهَا ثُمَّ ادْفِنْهَا، فَإِنَّكَ رَجُلٌ مُصدَّق يسمع قولك. فقتلها ثم دفتها. قَالَ: فَأَتَى الشيطانُ إِخْوَتَهَا فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الرَّاهِبَ صَاحِبَ الصَّوْمَعَةِ فجَر بِأُخْتِكُمْ، فَلَمَّا أَحْبَلَهَا قَتَلَهَا ثُمَّ دَفَنَهَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا مَا أَدْرِي أَقُصُّهَا عَلَيْكُمْ أَمْ أَتْرُكُ؟ قَالُوا: لَا بَلْ قُصَّهَا عَلَيْنَا. قَالَ: فَقَصَّهَا، فَقَالَ الْآخَرُ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ، فَقَالَ الْآخَرُ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ. فَقَالُوا: فَوَاللَّهِ مَا هَذَا إِلَّا لِشَيْءٍ. قَالَ: فَانْطَلَقُوا فَاسْتَعْدَوْا مَلِكَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الرَّاهِبِ، فَأَتَوْهُ فَأَنْزَلُوهُ ثُمَّ انْطَلَقُوا بِهِ فَلَقِيَهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: إِنِّي أَنَا الَّذِي أَوْقَعْتُكَ فِي هَذَا، وَلَنْ يُنْجِيَكَ مِنْهُ غَيْرِي، فَاسْجُدْ لِي سَجْدَةً وَاحِدَةً وَأُنْجِيكَ مِمَّا أَوْقَعْتُكَ فِيهِ. قَالَ: فَسَجَدَ لَهُ، فَلَمَّا أَتَوْا بِهِ مَلكهم تَبَرأ مِنْهُ، وأُخِذَ فَقُتِلَ [[تفسير الطبري (٢٨/٣٣) .]] . وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، نَحْوُ ذَلِكَ. وَاشْتُهِرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَنَّ هَذَا الْعَابِدَ هُوَ بَرْصِيصَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ مُخَالِفَةٌ لِقِصَّةِ جُرَيج الْعَابِدِ، فَإِنَّ جُرَيْجًا اتَّهَمَتْهُ امْرَأَةٌ بَغي بِنَفْسِهَا، وَادَّعَتْ أَنَّ حَملها مِنْهُ، وَرَفَعَتْ أَمْرَهُ إِلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ، فأمر به فأنزل من صومعته وخُربت صَوْمَعَتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: مَا لَكُمْ؟ مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، فَعَلْتَ بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: جُرَيْجٌ: اصْبِرُوا. ثُمَّ أَخَذَ ابْنَهَا وَهُوَ صَغِيرٌ جِدًّا ثُمَّ قَالَ: يَا غُلَامُ، مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ [[في م: "فقال".]] أَبِي الرَّاعِي -وَكَانَتْ قَدْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَحَمَلَتْ مِنْهُ-فَلَمَّا رَأَى بَنُو إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ عَظَّمُوهُ كُلُّهُمْ تَعْظِيمًا بَلِيغًا وَقَالُوا: نُعِيدُ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: لَا بَلْ أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ، كَمَا كَانَتْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ أَيْ: فَكَانَتْ عَاقِبَةُ الْآمِرِ بِالْكُفْرِ وَالْفَاعِلِ لَهُ، وَتَصَيُّرُهُمَا [[في م: "ومصيرهما".]] إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدَيْنِ فِيهَا، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ أَيْ: جَزَاءُ كُلِّ ظَالِمٍ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: لئن أُخرج بنو النضير من ديارهم، فأَجْلوا عنها لا يخرج معهم المنافقون الذين وعدوهم الخروج من ديارهم، ولئن قاتلهم محمد ﷺ لا ينصرهم المنافقون الذين وعدوهم النصر، ولئن نصر المنافقون بني النضير ليولُّنّ الأدبار منهزمين عن محمد ﷺ وأصحابه هاربين منهم، قد خذلوهم ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ يقول: ثم لا ينصر الله بني النضير على محمد ﷺ وأصحابه، بل يخذلهم.
Si les musulmans expulsaient les juifs, les hypocrites ne partiraient pas avec eux et si les musulmans les combattaient, ils ne leur porteraient pas secours ni ne leur porteraient assistance. Et même s’ils les secourraient et leur portaient assistance contre les musulmans, les juifs fuiraient les musulmans et les hypocrites ne seraient pas secourus. Allah les maudira et les avilira.
لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةًۭ فِى صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ
Vous jetez dans leurs cœurs plus de terreur qu'Allah. C'est qu'ils sont des gens qui ne comprennent pas.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَضْرَابِهِ، حِينَ بُعِثُوا إِلَى يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ يَعدُونهم النَّصْرَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أَيْ: لَكَاذِبُونَ فِيمَا وَعَدُوهُمْ بِهِ إِمَّا أَنَّهُمْ [[في م: "إما لأنهم".]] قَالُوا لَهُمْ قَوْلًا مِنْ نِيَّتِهِمْ أَلَّا يَفُوا لَهُمْ بِهِ، وَإِمَّا أَنَّهُمْ [[في م: "إما لأنهم".]] لَا يَقَعُ مِنْهُمُ الَّذِي قَالُوهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ أَيْ: لَا يُقَاتِلُونَ مَعَهُمْ، ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ أَيْ: قَاتَلُوا مَعَهُمْ ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ وَهَذِهِ بِشَارَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿لأنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ: يَخَافُونَ مِنْكُمْ أَكْثَرَ مِنْ خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النِّسَاءِ: ٧٧] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [[في م، أ: "أو من وراء جدار".]] يَعْنِي: أَنَّهُمْ مِنْ جُبنهم وهَلَعهم لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مُوَاجَهَةِ جَيْشِ الْإِسْلَامِ بِالْمُبَارَزَةِ وَالْمُقَابَلَةِ [[في م: "والمقاتلة".]] بَلْ إِمَّا فِي حُصُونٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ [[في م، أ: "أو من وراء جدار".]] مُحَاصَرِينَ، فَيُقَاتِلُونَ للدفع عنهم ضرورة. ثُمَّ قَالَ ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أَيْ: عَدَاوَتُهُمْ [فِيمَا] [[زيادة من م، أ.]] بَيْنَهُمْ شَدِيدَةٌ، كَمَا قَالَ: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦٥] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ أَيْ: تَرَاهُمْ مُجْتَمِعِينَ فَتَحْسَبُهُمْ مُؤْتَلِفِينَ، وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ غَايَةَ الِاخْتِلَافِ. قَالَ: إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يَعْنِي: أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: [يَعْنِي] [[زيادة من أ.]] كَمَثَلِ مَا أَصَابَ كَفَّارَ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي: يَهُودَ بَنِي قَيْنُقَاعَ. وَكَذَا قَالَ قتادة، ومحمد ابن إِسْحَاقَ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ، فَإِنَّ يَهُودَ بَنِي قَيْنُقَاعَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَجْلَاهُمْ قَبْلَ هَذَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ يَعْنِي: مَثَلُ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ فِي اغْتِرَارِهِمْ بِالَّذِينِ وَعَدُوهُمُ النَّصْرَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَقَوْلِ الْمُنَافِقِينَ لَهُمْ: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ ثُمَّ لَمَّا حَقَّتِ الْحَقَائِقُ وجَدَّ بِهِمُ الْحِصَارُ وَالْقِتَالُ، تَخَلَّوْا عَنْهُمْ وَأَسْلَمُوهُمْ لِلْهَلَكَةِ، مِثَالُهُمْ فِي هَذَا كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ [[في م: "إذا".]] سَوَّلَ لِلْإِنْسَانِ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ-الْكُفْرَ، فَإِذَا دَخَلَ فِيمَا سَوَّلَهُ [[في م، أ: "سوله له".]] تَبَرَّأَ مِنْهُ وَتَنَصَّلَ، وَقَالَ: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ وقد ذكر بعضهم هاهنا قِصَّةً لِبَعْضِ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ هِيَ كَالْمِثَالِ لِهَذَا الْمَثَلِ، لَا أَنَّهَا الْمُرَادَةُ وَحْدَهَا بِالْمَثَلِ، بَلْ هِيَ مِنْهُ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الْوَقَائِعِ الْمُشَاكِلَةِ لَهَا، فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْل، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَهِيك قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: إِنْ رَاهِبًا تَعَبَّدَ سِتِّينَ سَنَةً، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ أَرَادَهُ فَأَعْيَاهُ، فَعَمَدَ إِلَى امْرَأَةٍ فأجنَّها وَلَهَا إِخْوَةٌ، فَقَالَ لِإِخْوَتِهَا: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقَسِّ فَيُدَاوِيَهَا. قَالَ: فَجَاءُوا بِهَا إِلَيْهِ فَدَاوَاهَا، وَكَانَتْ عِنْدَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا عِنْدَهَا إِذْ أَعْجَبَتْهُ، فَأَتَاهَا فَحَمَلَتْ، فَعَمَدَ إِلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَجَاءَ إِخْوَتُهَا، فَقَالَ الشَّيْطَانُ لِلرَّاهِبِ: أَنَا صَاحِبُكَ، إِنَّكَ أَعْيَيْتَنِي، أَنَا صَنَعْتُ هَذَا بِكَ فَأَطِعْنِي أُنَجِّكَ مِمَّا صَنَعْتُ بِكَ، فَاسْجُدْ لِي سَجْدَةً. فَسَجَدَ لَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ لَهُ قَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٨/٣٣) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَسْعُودِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: كانت امْرَأَةٌ تَرْعَى الْغَنَمَ، وَكَانَ لَهَا أَرْبَعَةُ إِخْوَةٍ، وَكَانَتْ تَأْوِي بِاللَّيْلِ إِلَى صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ. قَالَ: فَنَزَلَ الرَّاهِبُ ففجَر بِهَا، فَحَمَلَتْ، فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهُ: اقْتُلْهَا ثُمَّ ادْفِنْهَا، فَإِنَّكَ رَجُلٌ مُصدَّق يسمع قولك. فقتلها ثم دفتها. قَالَ: فَأَتَى الشيطانُ إِخْوَتَهَا فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الرَّاهِبَ صَاحِبَ الصَّوْمَعَةِ فجَر بِأُخْتِكُمْ، فَلَمَّا أَحْبَلَهَا قَتَلَهَا ثُمَّ دَفَنَهَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا مَا أَدْرِي أَقُصُّهَا عَلَيْكُمْ أَمْ أَتْرُكُ؟ قَالُوا: لَا بَلْ قُصَّهَا عَلَيْنَا. قَالَ: فَقَصَّهَا، فَقَالَ الْآخَرُ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ، فَقَالَ الْآخَرُ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ. فَقَالُوا: فَوَاللَّهِ مَا هَذَا إِلَّا لِشَيْءٍ. قَالَ: فَانْطَلَقُوا فَاسْتَعْدَوْا مَلِكَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الرَّاهِبِ، فَأَتَوْهُ فَأَنْزَلُوهُ ثُمَّ انْطَلَقُوا بِهِ فَلَقِيَهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: إِنِّي أَنَا الَّذِي أَوْقَعْتُكَ فِي هَذَا، وَلَنْ يُنْجِيَكَ مِنْهُ غَيْرِي، فَاسْجُدْ لِي سَجْدَةً وَاحِدَةً وَأُنْجِيكَ مِمَّا أَوْقَعْتُكَ فِيهِ. قَالَ: فَسَجَدَ لَهُ، فَلَمَّا أَتَوْا بِهِ مَلكهم تَبَرأ مِنْهُ، وأُخِذَ فَقُتِلَ [[تفسير الطبري (٢٨/٣٣) .]] . وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، نَحْوُ ذَلِكَ. وَاشْتُهِرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَنَّ هَذَا الْعَابِدَ هُوَ بَرْصِيصَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ مُخَالِفَةٌ لِقِصَّةِ جُرَيج الْعَابِدِ، فَإِنَّ جُرَيْجًا اتَّهَمَتْهُ امْرَأَةٌ بَغي بِنَفْسِهَا، وَادَّعَتْ أَنَّ حَملها مِنْهُ، وَرَفَعَتْ أَمْرَهُ إِلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ، فأمر به فأنزل من صومعته وخُربت صَوْمَعَتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: مَا لَكُمْ؟ مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، فَعَلْتَ بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: جُرَيْجٌ: اصْبِرُوا. ثُمَّ أَخَذَ ابْنَهَا وَهُوَ صَغِيرٌ جِدًّا ثُمَّ قَالَ: يَا غُلَامُ، مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ [[في م: "فقال".]] أَبِي الرَّاعِي -وَكَانَتْ قَدْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَحَمَلَتْ مِنْهُ-فَلَمَّا رَأَى بَنُو إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ عَظَّمُوهُ كُلُّهُمْ تَعْظِيمًا بَلِيغًا وَقَالُوا: نُعِيدُ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: لَا بَلْ أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ، كَمَا كَانَتْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ أَيْ: فَكَانَتْ عَاقِبَةُ الْآمِرِ بِالْكُفْرِ وَالْفَاعِلِ لَهُ، وَتَصَيُّرُهُمَا [[في م: "ومصيرهما".]] إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدَيْنِ فِيهَا، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ أَيْ: جَزَاءُ كُلِّ ظَالِمٍ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لأنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤) ﴾ يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسول الله ﷺ: لأنتم أيها المؤمنون أشدّ رهبة في صدور اليهود من بني النضير من الله، يقول: هم يرهبونهم أشدّ من رهبتهم من الله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: هذه الرهبة التي لكم في صدور هؤلاء اليهود التي هي أشدّ من رهبتهم من الله من أجل أنهم قوم لا يفقهون، قدر عظمة الله، فهم لذلك يستخفُّون بمعاصيه، ولا يرهبون عقابه قدر رهبته منكم. * * وقوله: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ يقول جلّ ثناؤه: يقاتلكم هؤلاء اليهود بني النضير مجتمعين إلا في قرى محصنة بالحصون، لا يبرزون لكم بالبراز، ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ يقول: أو من خلف حيطان. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة والمدينة ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ على الجِمَاع بمعنى الحيطان. وقرأه بعض قرّاء مكة والبصرة: ﴿مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ على التوحيد بمعنى الحائط. والصواب من القول عندي في ذلك أنهما قرءاتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. * * وقوله: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ يقول جلّ ثناؤه: عداوة بعض هؤلاء الكفار من اليهود بعضًا شديدة ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا﴾ يعني المنافقين وأهل الكتاب، يقول: تظنهم مؤتلفين مجتمعة كلمتهم، ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ يقول: وقلوبهم مختلفة لمعاداة بعضهم بعضًا. * * وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ يقول جلّ ثناؤه: هذا الذي وصفت لكم من أمر هؤلاء اليهود والمنافقين، وذلك تشتيت أهوائهم، ومعاداة بعضهم بعضًا من أجل أنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظّ لهم مما فيه عليهم البخس والنقص. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ قال: تجد أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحقّ. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ قال: المنافقون يخالف دينهم دين النضير. ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ قال: هم المنافقون وأهل الكتاب. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، مثل ذلك. ⁕ حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ قال: المشركون وأهل الكتاب. وذُكر أنها في قراءة عبد الله ﴿وقلوبهم أشتُّ﴾ بمعنى: أشدّ تشتتًا: أي أشدّ اختلافًا.
Ô croyants, vous inspirez plus de terreur dans les cœurs des hypocrites et des juifs qu’ils n'en ont pour Allah. Cette immense terreur que vous leur inspirez et le peu de terreur que leur inspire Allah, s'expliquent par le fait qu’ils sont des gens qui ne comprennent pas car s’ils comprenaient, ils sauraient qu’Allah mérite le plus qu’on Le craigne et qu’on le redoute… c’est en effet Lui qui vous a accordé la suprématie sur eux.
لَا يُقَٰتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِى قُرًۭى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍۭ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌۭ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًۭا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْقِلُونَ
Tous ne vous combattront que retranchés dans des cités fortifiées ou de derrière des murailles. Leurs dissensions internes sont extrêmes. Tu les croirait unis, alors que leurs cœurs sont divisés. C'est qu'ils sont des gens qui ne raisonnent pas.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَضْرَابِهِ، حِينَ بُعِثُوا إِلَى يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ يَعدُونهم النَّصْرَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أَيْ: لَكَاذِبُونَ فِيمَا وَعَدُوهُمْ بِهِ إِمَّا أَنَّهُمْ [[في م: "إما لأنهم".]] قَالُوا لَهُمْ قَوْلًا مِنْ نِيَّتِهِمْ أَلَّا يَفُوا لَهُمْ بِهِ، وَإِمَّا أَنَّهُمْ [[في م: "إما لأنهم".]] لَا يَقَعُ مِنْهُمُ الَّذِي قَالُوهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ أَيْ: لَا يُقَاتِلُونَ مَعَهُمْ، ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ أَيْ: قَاتَلُوا مَعَهُمْ ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ وَهَذِهِ بِشَارَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿لأنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ: يَخَافُونَ مِنْكُمْ أَكْثَرَ مِنْ خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النِّسَاءِ: ٧٧] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [[في م، أ: "أو من وراء جدار".]] يَعْنِي: أَنَّهُمْ مِنْ جُبنهم وهَلَعهم لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مُوَاجَهَةِ جَيْشِ الْإِسْلَامِ بِالْمُبَارَزَةِ وَالْمُقَابَلَةِ [[في م: "والمقاتلة".]] بَلْ إِمَّا فِي حُصُونٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ [[في م، أ: "أو من وراء جدار".]] مُحَاصَرِينَ، فَيُقَاتِلُونَ للدفع عنهم ضرورة. ثُمَّ قَالَ ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أَيْ: عَدَاوَتُهُمْ [فِيمَا] [[زيادة من م، أ.]] بَيْنَهُمْ شَدِيدَةٌ، كَمَا قَالَ: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦٥] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ أَيْ: تَرَاهُمْ مُجْتَمِعِينَ فَتَحْسَبُهُمْ مُؤْتَلِفِينَ، وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ غَايَةَ الِاخْتِلَافِ. قَالَ: إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يَعْنِي: أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: [يَعْنِي] [[زيادة من أ.]] كَمَثَلِ مَا أَصَابَ كَفَّارَ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي: يَهُودَ بَنِي قَيْنُقَاعَ. وَكَذَا قَالَ قتادة، ومحمد ابن إِسْحَاقَ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ، فَإِنَّ يَهُودَ بَنِي قَيْنُقَاعَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَجْلَاهُمْ قَبْلَ هَذَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ يَعْنِي: مَثَلُ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ فِي اغْتِرَارِهِمْ بِالَّذِينِ وَعَدُوهُمُ النَّصْرَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَقَوْلِ الْمُنَافِقِينَ لَهُمْ: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ ثُمَّ لَمَّا حَقَّتِ الْحَقَائِقُ وجَدَّ بِهِمُ الْحِصَارُ وَالْقِتَالُ، تَخَلَّوْا عَنْهُمْ وَأَسْلَمُوهُمْ لِلْهَلَكَةِ، مِثَالُهُمْ فِي هَذَا كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ [[في م: "إذا".]] سَوَّلَ لِلْإِنْسَانِ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ-الْكُفْرَ، فَإِذَا دَخَلَ فِيمَا سَوَّلَهُ [[في م، أ: "سوله له".]] تَبَرَّأَ مِنْهُ وَتَنَصَّلَ، وَقَالَ: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ وقد ذكر بعضهم هاهنا قِصَّةً لِبَعْضِ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ هِيَ كَالْمِثَالِ لِهَذَا الْمَثَلِ، لَا أَنَّهَا الْمُرَادَةُ وَحْدَهَا بِالْمَثَلِ، بَلْ هِيَ مِنْهُ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الْوَقَائِعِ الْمُشَاكِلَةِ لَهَا، فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْل، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَهِيك قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: إِنْ رَاهِبًا تَعَبَّدَ سِتِّينَ سَنَةً، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ أَرَادَهُ فَأَعْيَاهُ، فَعَمَدَ إِلَى امْرَأَةٍ فأجنَّها وَلَهَا إِخْوَةٌ، فَقَالَ لِإِخْوَتِهَا: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقَسِّ فَيُدَاوِيَهَا. قَالَ: فَجَاءُوا بِهَا إِلَيْهِ فَدَاوَاهَا، وَكَانَتْ عِنْدَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا عِنْدَهَا إِذْ أَعْجَبَتْهُ، فَأَتَاهَا فَحَمَلَتْ، فَعَمَدَ إِلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَجَاءَ إِخْوَتُهَا، فَقَالَ الشَّيْطَانُ لِلرَّاهِبِ: أَنَا صَاحِبُكَ، إِنَّكَ أَعْيَيْتَنِي، أَنَا صَنَعْتُ هَذَا بِكَ فَأَطِعْنِي أُنَجِّكَ مِمَّا صَنَعْتُ بِكَ، فَاسْجُدْ لِي سَجْدَةً. فَسَجَدَ لَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ لَهُ قَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٨/٣٣) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَسْعُودِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: كانت امْرَأَةٌ تَرْعَى الْغَنَمَ، وَكَانَ لَهَا أَرْبَعَةُ إِخْوَةٍ، وَكَانَتْ تَأْوِي بِاللَّيْلِ إِلَى صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ. قَالَ: فَنَزَلَ الرَّاهِبُ ففجَر بِهَا، فَحَمَلَتْ، فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهُ: اقْتُلْهَا ثُمَّ ادْفِنْهَا، فَإِنَّكَ رَجُلٌ مُصدَّق يسمع قولك. فقتلها ثم دفتها. قَالَ: فَأَتَى الشيطانُ إِخْوَتَهَا فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الرَّاهِبَ صَاحِبَ الصَّوْمَعَةِ فجَر بِأُخْتِكُمْ، فَلَمَّا أَحْبَلَهَا قَتَلَهَا ثُمَّ دَفَنَهَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا مَا أَدْرِي أَقُصُّهَا عَلَيْكُمْ أَمْ أَتْرُكُ؟ قَالُوا: لَا بَلْ قُصَّهَا عَلَيْنَا. قَالَ: فَقَصَّهَا، فَقَالَ الْآخَرُ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ، فَقَالَ الْآخَرُ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ. فَقَالُوا: فَوَاللَّهِ مَا هَذَا إِلَّا لِشَيْءٍ. قَالَ: فَانْطَلَقُوا فَاسْتَعْدَوْا مَلِكَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الرَّاهِبِ، فَأَتَوْهُ فَأَنْزَلُوهُ ثُمَّ انْطَلَقُوا بِهِ فَلَقِيَهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: إِنِّي أَنَا الَّذِي أَوْقَعْتُكَ فِي هَذَا، وَلَنْ يُنْجِيَكَ مِنْهُ غَيْرِي، فَاسْجُدْ لِي سَجْدَةً وَاحِدَةً وَأُنْجِيكَ مِمَّا أَوْقَعْتُكَ فِيهِ. قَالَ: فَسَجَدَ لَهُ، فَلَمَّا أَتَوْا بِهِ مَلكهم تَبَرأ مِنْهُ، وأُخِذَ فَقُتِلَ [[تفسير الطبري (٢٨/٣٣) .]] . وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، نَحْوُ ذَلِكَ. وَاشْتُهِرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَنَّ هَذَا الْعَابِدَ هُوَ بَرْصِيصَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ مُخَالِفَةٌ لِقِصَّةِ جُرَيج الْعَابِدِ، فَإِنَّ جُرَيْجًا اتَّهَمَتْهُ امْرَأَةٌ بَغي بِنَفْسِهَا، وَادَّعَتْ أَنَّ حَملها مِنْهُ، وَرَفَعَتْ أَمْرَهُ إِلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ، فأمر به فأنزل من صومعته وخُربت صَوْمَعَتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: مَا لَكُمْ؟ مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، فَعَلْتَ بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: جُرَيْجٌ: اصْبِرُوا. ثُمَّ أَخَذَ ابْنَهَا وَهُوَ صَغِيرٌ جِدًّا ثُمَّ قَالَ: يَا غُلَامُ، مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ [[في م: "فقال".]] أَبِي الرَّاعِي -وَكَانَتْ قَدْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَحَمَلَتْ مِنْهُ-فَلَمَّا رَأَى بَنُو إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ عَظَّمُوهُ كُلُّهُمْ تَعْظِيمًا بَلِيغًا وَقَالُوا: نُعِيدُ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: لَا بَلْ أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ، كَمَا كَانَتْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ أَيْ: فَكَانَتْ عَاقِبَةُ الْآمِرِ بِالْكُفْرِ وَالْفَاعِلِ لَهُ، وَتَصَيُّرُهُمَا [[في م: "ومصيرهما".]] إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدَيْنِ فِيهَا، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ أَيْ: جَزَاءُ كُلِّ ظَالِمٍ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لأنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤) ﴾ يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسول الله ﷺ: لأنتم أيها المؤمنون أشدّ رهبة في صدور اليهود من بني النضير من الله، يقول: هم يرهبونهم أشدّ من رهبتهم من الله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: هذه الرهبة التي لكم في صدور هؤلاء اليهود التي هي أشدّ من رهبتهم من الله من أجل أنهم قوم لا يفقهون، قدر عظمة الله، فهم لذلك يستخفُّون بمعاصيه، ولا يرهبون عقابه قدر رهبته منكم. * * وقوله: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ يقول جلّ ثناؤه: يقاتلكم هؤلاء اليهود بني النضير مجتمعين إلا في قرى محصنة بالحصون، لا يبرزون لكم بالبراز، ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ يقول: أو من خلف حيطان. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة والمدينة ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ على الجِمَاع بمعنى الحيطان. وقرأه بعض قرّاء مكة والبصرة: ﴿مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ على التوحيد بمعنى الحائط. والصواب من القول عندي في ذلك أنهما قرءاتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. * * وقوله: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ يقول جلّ ثناؤه: عداوة بعض هؤلاء الكفار من اليهود بعضًا شديدة ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا﴾ يعني المنافقين وأهل الكتاب، يقول: تظنهم مؤتلفين مجتمعة كلمتهم، ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ يقول: وقلوبهم مختلفة لمعاداة بعضهم بعضًا. * * وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ يقول جلّ ثناؤه: هذا الذي وصفت لكم من أمر هؤلاء اليهود والمنافقين، وذلك تشتيت أهوائهم، ومعاداة بعضهم بعضًا من أجل أنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظّ لهم مما فيه عليهم البخس والنقص. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ قال: تجد أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحقّ. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ قال: المنافقون يخالف دينهم دين النضير. ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ قال: هم المنافقون وأهل الكتاب. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، مثل ذلك. ⁕ حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ قال: المشركون وأهل الكتاب. وذُكر أنها في قراءة عبد الله ﴿وقلوبهم أشتُّ﴾ بمعنى: أشدّ تشتتًا: أي أشدّ اختلافًا.
Ô croyants, les juifs ne vous combattent que lorsqu’ils sont tous retranchés dans des forteresses ou de derrière des murailles car leur lâcheté fait qu’ils n’osent pas directement vous affronter. Leurs dissensions internes sont extrêmes, en raison de l’hostilité qu’ils se vouent mutuellement. Tu les crois unis et ne formant qu’un seul rang alors qu’en réalité, leurs cœurs sont divergents. Il en est ainsi car ils ne raisonnent pas car s’ils raisonnaient, ils auraient reconnu la vérité, l’auraient suivie et n’auraient pas divergé à son sujet.
كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًۭا ۖ ذَاقُوا۟ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ
Ils sont semblables à ceux qui, peu de temps avant eux, ont goûté la conséquence de leur comportement et ils auront un châtiment douloureux;
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَضْرَابِهِ، حِينَ بُعِثُوا إِلَى يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ يَعدُونهم النَّصْرَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أَيْ: لَكَاذِبُونَ فِيمَا وَعَدُوهُمْ بِهِ إِمَّا أَنَّهُمْ [[في م: "إما لأنهم".]] قَالُوا لَهُمْ قَوْلًا مِنْ نِيَّتِهِمْ أَلَّا يَفُوا لَهُمْ بِهِ، وَإِمَّا أَنَّهُمْ [[في م: "إما لأنهم".]] لَا يَقَعُ مِنْهُمُ الَّذِي قَالُوهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ أَيْ: لَا يُقَاتِلُونَ مَعَهُمْ، ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ أَيْ: قَاتَلُوا مَعَهُمْ ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ وَهَذِهِ بِشَارَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿لأنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ: يَخَافُونَ مِنْكُمْ أَكْثَرَ مِنْ خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النِّسَاءِ: ٧٧] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [[في م، أ: "أو من وراء جدار".]] يَعْنِي: أَنَّهُمْ مِنْ جُبنهم وهَلَعهم لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مُوَاجَهَةِ جَيْشِ الْإِسْلَامِ بِالْمُبَارَزَةِ وَالْمُقَابَلَةِ [[في م: "والمقاتلة".]] بَلْ إِمَّا فِي حُصُونٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ [[في م، أ: "أو من وراء جدار".]] مُحَاصَرِينَ، فَيُقَاتِلُونَ للدفع عنهم ضرورة. ثُمَّ قَالَ ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أَيْ: عَدَاوَتُهُمْ [فِيمَا] [[زيادة من م، أ.]] بَيْنَهُمْ شَدِيدَةٌ، كَمَا قَالَ: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦٥] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ أَيْ: تَرَاهُمْ مُجْتَمِعِينَ فَتَحْسَبُهُمْ مُؤْتَلِفِينَ، وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ غَايَةَ الِاخْتِلَافِ. قَالَ: إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يَعْنِي: أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: [يَعْنِي] [[زيادة من أ.]] كَمَثَلِ مَا أَصَابَ كَفَّارَ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي: يَهُودَ بَنِي قَيْنُقَاعَ. وَكَذَا قَالَ قتادة، ومحمد ابن إِسْحَاقَ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ، فَإِنَّ يَهُودَ بَنِي قَيْنُقَاعَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَجْلَاهُمْ قَبْلَ هَذَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ يَعْنِي: مَثَلُ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ فِي اغْتِرَارِهِمْ بِالَّذِينِ وَعَدُوهُمُ النَّصْرَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَقَوْلِ الْمُنَافِقِينَ لَهُمْ: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ ثُمَّ لَمَّا حَقَّتِ الْحَقَائِقُ وجَدَّ بِهِمُ الْحِصَارُ وَالْقِتَالُ، تَخَلَّوْا عَنْهُمْ وَأَسْلَمُوهُمْ لِلْهَلَكَةِ، مِثَالُهُمْ فِي هَذَا كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ [[في م: "إذا".]] سَوَّلَ لِلْإِنْسَانِ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ-الْكُفْرَ، فَإِذَا دَخَلَ فِيمَا سَوَّلَهُ [[في م، أ: "سوله له".]] تَبَرَّأَ مِنْهُ وَتَنَصَّلَ، وَقَالَ: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ وقد ذكر بعضهم هاهنا قِصَّةً لِبَعْضِ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ هِيَ كَالْمِثَالِ لِهَذَا الْمَثَلِ، لَا أَنَّهَا الْمُرَادَةُ وَحْدَهَا بِالْمَثَلِ، بَلْ هِيَ مِنْهُ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الْوَقَائِعِ الْمُشَاكِلَةِ لَهَا، فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْل، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَهِيك قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: إِنْ رَاهِبًا تَعَبَّدَ سِتِّينَ سَنَةً، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ أَرَادَهُ فَأَعْيَاهُ، فَعَمَدَ إِلَى امْرَأَةٍ فأجنَّها وَلَهَا إِخْوَةٌ، فَقَالَ لِإِخْوَتِهَا: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقَسِّ فَيُدَاوِيَهَا. قَالَ: فَجَاءُوا بِهَا إِلَيْهِ فَدَاوَاهَا، وَكَانَتْ عِنْدَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا عِنْدَهَا إِذْ أَعْجَبَتْهُ، فَأَتَاهَا فَحَمَلَتْ، فَعَمَدَ إِلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَجَاءَ إِخْوَتُهَا، فَقَالَ الشَّيْطَانُ لِلرَّاهِبِ: أَنَا صَاحِبُكَ، إِنَّكَ أَعْيَيْتَنِي، أَنَا صَنَعْتُ هَذَا بِكَ فَأَطِعْنِي أُنَجِّكَ مِمَّا صَنَعْتُ بِكَ، فَاسْجُدْ لِي سَجْدَةً. فَسَجَدَ لَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ لَهُ قَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٨/٣٣) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَسْعُودِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: كانت امْرَأَةٌ تَرْعَى الْغَنَمَ، وَكَانَ لَهَا أَرْبَعَةُ إِخْوَةٍ، وَكَانَتْ تَأْوِي بِاللَّيْلِ إِلَى صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ. قَالَ: فَنَزَلَ الرَّاهِبُ ففجَر بِهَا، فَحَمَلَتْ، فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهُ: اقْتُلْهَا ثُمَّ ادْفِنْهَا، فَإِنَّكَ رَجُلٌ مُصدَّق يسمع قولك. فقتلها ثم دفتها. قَالَ: فَأَتَى الشيطانُ إِخْوَتَهَا فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الرَّاهِبَ صَاحِبَ الصَّوْمَعَةِ فجَر بِأُخْتِكُمْ، فَلَمَّا أَحْبَلَهَا قَتَلَهَا ثُمَّ دَفَنَهَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا مَا أَدْرِي أَقُصُّهَا عَلَيْكُمْ أَمْ أَتْرُكُ؟ قَالُوا: لَا بَلْ قُصَّهَا عَلَيْنَا. قَالَ: فَقَصَّهَا، فَقَالَ الْآخَرُ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ، فَقَالَ الْآخَرُ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ. فَقَالُوا: فَوَاللَّهِ مَا هَذَا إِلَّا لِشَيْءٍ. قَالَ: فَانْطَلَقُوا فَاسْتَعْدَوْا مَلِكَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الرَّاهِبِ، فَأَتَوْهُ فَأَنْزَلُوهُ ثُمَّ انْطَلَقُوا بِهِ فَلَقِيَهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: إِنِّي أَنَا الَّذِي أَوْقَعْتُكَ فِي هَذَا، وَلَنْ يُنْجِيَكَ مِنْهُ غَيْرِي، فَاسْجُدْ لِي سَجْدَةً وَاحِدَةً وَأُنْجِيكَ مِمَّا أَوْقَعْتُكَ فِيهِ. قَالَ: فَسَجَدَ لَهُ، فَلَمَّا أَتَوْا بِهِ مَلكهم تَبَرأ مِنْهُ، وأُخِذَ فَقُتِلَ [[تفسير الطبري (٢٨/٣٣) .]] . وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، نَحْوُ ذَلِكَ. وَاشْتُهِرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَنَّ هَذَا الْعَابِدَ هُوَ بَرْصِيصَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ مُخَالِفَةٌ لِقِصَّةِ جُرَيج الْعَابِدِ، فَإِنَّ جُرَيْجًا اتَّهَمَتْهُ امْرَأَةٌ بَغي بِنَفْسِهَا، وَادَّعَتْ أَنَّ حَملها مِنْهُ، وَرَفَعَتْ أَمْرَهُ إِلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ، فأمر به فأنزل من صومعته وخُربت صَوْمَعَتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: مَا لَكُمْ؟ مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، فَعَلْتَ بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: جُرَيْجٌ: اصْبِرُوا. ثُمَّ أَخَذَ ابْنَهَا وَهُوَ صَغِيرٌ جِدًّا ثُمَّ قَالَ: يَا غُلَامُ، مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ [[في م: "فقال".]] أَبِي الرَّاعِي -وَكَانَتْ قَدْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَحَمَلَتْ مِنْهُ-فَلَمَّا رَأَى بَنُو إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ عَظَّمُوهُ كُلُّهُمْ تَعْظِيمًا بَلِيغًا وَقَالُوا: نُعِيدُ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: لَا بَلْ أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ، كَمَا كَانَتْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ أَيْ: فَكَانَتْ عَاقِبَةُ الْآمِرِ بِالْكُفْرِ وَالْفَاعِلِ لَهُ، وَتَصَيُّرُهُمَا [[في م: "ومصيرهما".]] إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدَيْنِ فِيهَا، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ أَيْ: جَزَاءُ كُلِّ ظَالِمٍ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: مثل هؤلاء اليهود من بني النضير والمنافقين فيما الله صانع بهم من إحلال عقوبته بهم ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يقول: كشبههم. واختلف أهل التأويل في الذين عنوا الذين من قبلهم، فقال بعضهم: عنى بذلك بنو قَيْنُقَاع. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أَبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يعني: بني قينُقاع. وقال آخرون: عني بذلك مشركو قريش ببدر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ قال: كفار قريش. وأولى الأقوال بالصواب إن يقال: إن الله عزّ وجلّ مثل هؤلاء الكفار من أهل الكتاب مما هو مذيقهم من نكاله بالذين من قبلهم من مكذّبي رسوله ﷺ، الذين أهلكهم بسخطه، وأمر بني قينقاع ووقعة بدر، كانا قبل، جلاء بني النضير، وكلّ أولئك قد ذاقوا وبال أمرهم، ولم يخصص الله عز وجلّ منهم بعضًا في تمثيل هؤلاء بهم دون بعض، وكلّ ذائق وبال أمره، فمن قربت مدته منهم قبلهم، فهم ممثلون بهم فيما عُنُوا به من المثل. * * وقوله: ﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ يقول: نالهم عقاب الله على كفرهم به. * * وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يقول: ولهم في الآخرة مع ما نالهم في الدنيا من الخزي عذاب أليم، يعني: موجع. * * وقوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: مثل هؤلاء المنافقين الذين وعدوا اليهود من النضير، النصرة إن قوتلوا، أو الخروج معهم إن أُخرجوا، ومثل النضير في غرورهم إياهم بإخلافهم الوعد، وإسلامهم إياهم عند شدّة حاجتهم إليهم، وإلى نُصرتهم إياهم، كمثل الشيطان الذي غرّ إنْسانًا، ووعده على اتباعه وكفره بالله، النصرة عند الحاجة إليه، فكفر بالله واتبعه وأطاعه، فلما احتاج إلى نُصرته أسلمه وتبرأ منه، وقال له: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ في نُصرتك. وقد اختلف أهل التأويل في الإنسان الذي قال الله جلّ ثناؤه ﴿إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ﴾ هو إنسان بعينه، أم أريد به المثل لمن فعل الشيطان ذلك به، فقال بعضهم: عُنِي بذلك إنسان بعينه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا خلاد بن أسلم، قال: ثنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا شعبة، عن أَبي إسحاق، قال: سمعت عبد الله بن نهيك، قال: سمعت عليًا رضي الله عنه يقول: إن راهبًا تعبَّد ستين سنة، وأن الشيطان أراده فأعياه، فعمد إلى امرأة فأجنها، ولها إخوة، فقال لإخوتها: عليكم بهذا القسّ فيداويها، فجاءوا بها، قال: فداواها، وكانت عنده؛ فبينما هو يوما عندها إذا أعجبته، فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب: أنا صاحبك، إن أعييتني، أنا صنعت بك هذا فأطعني أنجك مما صنعتُ بك، اسجد لي سجدة، فسجد له؛ فلما سجد له قال: إني بريء منك، ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ فذلك قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ . ⁕ حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أَبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن زيد، عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: كانت امرأة ترعى الغنم، وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، قال: فنزل الراهب ففجر بها، فحملت، فآتاه الشيطان، فقال له: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدّق يسمع كلامك، فقتلها ثم دفنها؛ قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم؛ فلما أحبلها قتلها، ثم دفنها في مكان كذا وكذا؛ فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا وما أدري أقصها عليكم أم أترك؟ قالوا: لا بل قُصَّها علينا؛ قال: فقصها، فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك؛ قالوا: فما هذا إلا لشيء، فانطلقوا فاستعدوْا مَلِكَهُم على ذلك الراهب، فأتَوه فأنزلوه، ثم انطلقوا به، فلقيه الشيطان فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري فاسجد لي سجدة واحدة وأنا أنجيك مما أوقعتك فيه؛ قال: فسجد له؛ فلما أتَوا به ملكَهم تبرأ منه، وأُخِذ فقتل. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أَبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ) ... إلى ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ قال عبد الله بن عباس: كان راهب من بني إسرائيل يعبد الله فيحسن عبادته، وكان يُؤتى من كلّ أرض فيُسئل عن الفقه، وكان عالمًا، وإن ثلاثة إخوة كانت لهم أخت حسنة من أحسن الناس، وإنهم أرادوا أن يسافروا، فكبر عليهم أن يخلفوها ضائعة، فجعلوا يأتمرون ما يفعلون بها؛ فقال أحدهم: أدلكم على من تتركونها عنده؟ قالوا: من هو؟ قال: راهب بني إسرائيل، إن ماتت قام عليها، وإن عاشت حفظها حتى ترجعوا إليه؛ فعمدوا إليه فقالوا: إنا نريد السفر، ولا نجد أحدًا أوثق فى أنفسنا، ولا أحفظ لما وُلِّيً منك لما جعل عندك، فإن رأيت أن نجعل أختنا عندك فإنها ضائعة شديدة الوجع، فإن ماتت فقم عليها، وإن عاشت فأصلح إليها حتى نرجع، فقال: أفيكم إن شاء الله؛ فانطلقوا فقام عليها فداواها حتى بَرَأَت، وعاد إليها حسنها، فاطلع إليها فوجدها متصنعة، فلم يزل به الشيطان حتى يزين له أن يقع عليها حتى وقع عليها، فحملت، ثم ندمه الشيطان فزين له قتلها؛ قال: إن لم تقتلها افتضحت وعرف شبهك في الولد، فلم يكن لك معذرة، فلم يزل به حتى قتلها؛ فلما قدم إخوتها سألوه ما فعلت؟ قال: ماتت فدفنتها، قالوا: قد أحسنت، ثم جعلوا يرون في المنام، ويخبرون أن الراهب هو قتلها، وأنها تحت شجرة كذا وكذا، فعمدوا إلى الشجرة فوجدوها تحتها قد قتلت، فعمدوا إليه فأخذوه، فقال له الشيطان: أنا زيَّنت لك الزنا وقتلها بعد الزنا، فهل لك أن أنجيك؟ قال: نعم، قال: أفتطيعني؟ قال: نعم قال: فاسجد لي سجدة واحدة، فسجد له ثم قتل، فذلك قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ الآية ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: "كان رجل من بني إسرائيل عابدًا، وكان ربما داوى المجانين، فكانت امرأة جميلة، فأخذها الجنون، فجيء بها إليه، فتركت عنده، فأعجبته فوقع عليها فحملت، فجاءه الشيطان فقال: إن عُلم بهذا افتضحت، فاقتلها وادفنها في بيتك، فقتلها ودفنها، فجاء أهلها بعد ذلك بزمان يسألونه، فقال: ماتت، فلم يتهموه لصلاحه فيهم، فجاءهم الشيطان فقال: إنها لم تمت، ولكنه وقع عليها فقتلها ودفنها في بيته في مكان كذا وكذا، فجاء أهلها، فقالوا: ما نتهمك، فأخبرنا أين دفنتها، ومن كان معك، فوجدوها حيث دفنها، فأُخذ وسُجن، فجاءه الشيطان فقال: إن كنت تريد أن أخرجك مما أنت فيه فتخرج منه، فاكفر بالله، فأطاع الشيطان، وكفر بالله، فأُخذ وقُتل، فتبرأ الشيطان منه حينئذ. قال: فما أعلم هذه الآية إلا نزلت فيه ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ . وقال آخرون: بل عُنِي بذلك الناس كلهم، وقالوا: إنما هذا مثل ضُرِب للنضير فى غرور المنافقين إياهم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ﴾ عامة الناس.
Ces juifs sont dans leur mécréance et le châtiment qui s’abat sur eux semblables aux polythéistes de la Mecque qui les ont précédés il y a peu de temps, lorsqu’ils goûtèrent à la mauvaise conséquence de leur mécréance. Durant la Bataille de Badr, certains parmi eux furent tués et d’autres furent emprisonnés puis dans l’au-delà, ils subiront un châtiment douloureux.
كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَٰنِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّنكَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ
ils sont semblables au Diable quand il dit à l'homme: «Sois incrédule». Puis quand il a mécru, il dit: «Je te désavoue car je redoute Allah, le Seigneur de l'Univers».
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَضْرَابِهِ، حِينَ بُعِثُوا إِلَى يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ يَعدُونهم النَّصْرَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أَيْ: لَكَاذِبُونَ فِيمَا وَعَدُوهُمْ بِهِ إِمَّا أَنَّهُمْ [[في م: "إما لأنهم".]] قَالُوا لَهُمْ قَوْلًا مِنْ نِيَّتِهِمْ أَلَّا يَفُوا لَهُمْ بِهِ، وَإِمَّا أَنَّهُمْ [[في م: "إما لأنهم".]] لَا يَقَعُ مِنْهُمُ الَّذِي قَالُوهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ أَيْ: لَا يُقَاتِلُونَ مَعَهُمْ، ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ أَيْ: قَاتَلُوا مَعَهُمْ ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ وَهَذِهِ بِشَارَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿لأنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ: يَخَافُونَ مِنْكُمْ أَكْثَرَ مِنْ خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النِّسَاءِ: ٧٧] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [[في م، أ: "أو من وراء جدار".]] يَعْنِي: أَنَّهُمْ مِنْ جُبنهم وهَلَعهم لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مُوَاجَهَةِ جَيْشِ الْإِسْلَامِ بِالْمُبَارَزَةِ وَالْمُقَابَلَةِ [[في م: "والمقاتلة".]] بَلْ إِمَّا فِي حُصُونٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ [[في م، أ: "أو من وراء جدار".]] مُحَاصَرِينَ، فَيُقَاتِلُونَ للدفع عنهم ضرورة. ثُمَّ قَالَ ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أَيْ: عَدَاوَتُهُمْ [فِيمَا] [[زيادة من م، أ.]] بَيْنَهُمْ شَدِيدَةٌ، كَمَا قَالَ: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦٥] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ أَيْ: تَرَاهُمْ مُجْتَمِعِينَ فَتَحْسَبُهُمْ مُؤْتَلِفِينَ، وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ غَايَةَ الِاخْتِلَافِ. قَالَ: إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يَعْنِي: أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: [يَعْنِي] [[زيادة من أ.]] كَمَثَلِ مَا أَصَابَ كَفَّارَ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي: يَهُودَ بَنِي قَيْنُقَاعَ. وَكَذَا قَالَ قتادة، ومحمد ابن إِسْحَاقَ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ، فَإِنَّ يَهُودَ بَنِي قَيْنُقَاعَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَجْلَاهُمْ قَبْلَ هَذَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ يَعْنِي: مَثَلُ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ فِي اغْتِرَارِهِمْ بِالَّذِينِ وَعَدُوهُمُ النَّصْرَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَقَوْلِ الْمُنَافِقِينَ لَهُمْ: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ ثُمَّ لَمَّا حَقَّتِ الْحَقَائِقُ وجَدَّ بِهِمُ الْحِصَارُ وَالْقِتَالُ، تَخَلَّوْا عَنْهُمْ وَأَسْلَمُوهُمْ لِلْهَلَكَةِ، مِثَالُهُمْ فِي هَذَا كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ [[في م: "إذا".]] سَوَّلَ لِلْإِنْسَانِ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ-الْكُفْرَ، فَإِذَا دَخَلَ فِيمَا سَوَّلَهُ [[في م، أ: "سوله له".]] تَبَرَّأَ مِنْهُ وَتَنَصَّلَ، وَقَالَ: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ وقد ذكر بعضهم هاهنا قِصَّةً لِبَعْضِ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ هِيَ كَالْمِثَالِ لِهَذَا الْمَثَلِ، لَا أَنَّهَا الْمُرَادَةُ وَحْدَهَا بِالْمَثَلِ، بَلْ هِيَ مِنْهُ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الْوَقَائِعِ الْمُشَاكِلَةِ لَهَا، فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْل، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَهِيك قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: إِنْ رَاهِبًا تَعَبَّدَ سِتِّينَ سَنَةً، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ أَرَادَهُ فَأَعْيَاهُ، فَعَمَدَ إِلَى امْرَأَةٍ فأجنَّها وَلَهَا إِخْوَةٌ، فَقَالَ لِإِخْوَتِهَا: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقَسِّ فَيُدَاوِيَهَا. قَالَ: فَجَاءُوا بِهَا إِلَيْهِ فَدَاوَاهَا، وَكَانَتْ عِنْدَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا عِنْدَهَا إِذْ أَعْجَبَتْهُ، فَأَتَاهَا فَحَمَلَتْ، فَعَمَدَ إِلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَجَاءَ إِخْوَتُهَا، فَقَالَ الشَّيْطَانُ لِلرَّاهِبِ: أَنَا صَاحِبُكَ، إِنَّكَ أَعْيَيْتَنِي، أَنَا صَنَعْتُ هَذَا بِكَ فَأَطِعْنِي أُنَجِّكَ مِمَّا صَنَعْتُ بِكَ، فَاسْجُدْ لِي سَجْدَةً. فَسَجَدَ لَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ لَهُ قَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٨/٣٣) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَسْعُودِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: كانت امْرَأَةٌ تَرْعَى الْغَنَمَ، وَكَانَ لَهَا أَرْبَعَةُ إِخْوَةٍ، وَكَانَتْ تَأْوِي بِاللَّيْلِ إِلَى صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ. قَالَ: فَنَزَلَ الرَّاهِبُ ففجَر بِهَا، فَحَمَلَتْ، فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهُ: اقْتُلْهَا ثُمَّ ادْفِنْهَا، فَإِنَّكَ رَجُلٌ مُصدَّق يسمع قولك. فقتلها ثم دفتها. قَالَ: فَأَتَى الشيطانُ إِخْوَتَهَا فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الرَّاهِبَ صَاحِبَ الصَّوْمَعَةِ فجَر بِأُخْتِكُمْ، فَلَمَّا أَحْبَلَهَا قَتَلَهَا ثُمَّ دَفَنَهَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا مَا أَدْرِي أَقُصُّهَا عَلَيْكُمْ أَمْ أَتْرُكُ؟ قَالُوا: لَا بَلْ قُصَّهَا عَلَيْنَا. قَالَ: فَقَصَّهَا، فَقَالَ الْآخَرُ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ، فَقَالَ الْآخَرُ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ. فَقَالُوا: فَوَاللَّهِ مَا هَذَا إِلَّا لِشَيْءٍ. قَالَ: فَانْطَلَقُوا فَاسْتَعْدَوْا مَلِكَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الرَّاهِبِ، فَأَتَوْهُ فَأَنْزَلُوهُ ثُمَّ انْطَلَقُوا بِهِ فَلَقِيَهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: إِنِّي أَنَا الَّذِي أَوْقَعْتُكَ فِي هَذَا، وَلَنْ يُنْجِيَكَ مِنْهُ غَيْرِي، فَاسْجُدْ لِي سَجْدَةً وَاحِدَةً وَأُنْجِيكَ مِمَّا أَوْقَعْتُكَ فِيهِ. قَالَ: فَسَجَدَ لَهُ، فَلَمَّا أَتَوْا بِهِ مَلكهم تَبَرأ مِنْهُ، وأُخِذَ فَقُتِلَ [[تفسير الطبري (٢٨/٣٣) .]] . وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، نَحْوُ ذَلِكَ. وَاشْتُهِرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَنَّ هَذَا الْعَابِدَ هُوَ بَرْصِيصَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ مُخَالِفَةٌ لِقِصَّةِ جُرَيج الْعَابِدِ، فَإِنَّ جُرَيْجًا اتَّهَمَتْهُ امْرَأَةٌ بَغي بِنَفْسِهَا، وَادَّعَتْ أَنَّ حَملها مِنْهُ، وَرَفَعَتْ أَمْرَهُ إِلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ، فأمر به فأنزل من صومعته وخُربت صَوْمَعَتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: مَا لَكُمْ؟ مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، فَعَلْتَ بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: جُرَيْجٌ: اصْبِرُوا. ثُمَّ أَخَذَ ابْنَهَا وَهُوَ صَغِيرٌ جِدًّا ثُمَّ قَالَ: يَا غُلَامُ، مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ [[في م: "فقال".]] أَبِي الرَّاعِي -وَكَانَتْ قَدْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَحَمَلَتْ مِنْهُ-فَلَمَّا رَأَى بَنُو إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ عَظَّمُوهُ كُلُّهُمْ تَعْظِيمًا بَلِيغًا وَقَالُوا: نُعِيدُ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: لَا بَلْ أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ، كَمَا كَانَتْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ أَيْ: فَكَانَتْ عَاقِبَةُ الْآمِرِ بِالْكُفْرِ وَالْفَاعِلِ لَهُ، وَتَصَيُّرُهُمَا [[في م: "ومصيرهما".]] إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدَيْنِ فِيهَا، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ أَيْ: جَزَاءُ كُلِّ ظَالِمٍ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: مثل هؤلاء اليهود من بني النضير والمنافقين فيما الله صانع بهم من إحلال عقوبته بهم ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يقول: كشبههم. واختلف أهل التأويل في الذين عنوا الذين من قبلهم، فقال بعضهم: عنى بذلك بنو قَيْنُقَاع. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أَبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يعني: بني قينُقاع. وقال آخرون: عني بذلك مشركو قريش ببدر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ قال: كفار قريش. وأولى الأقوال بالصواب إن يقال: إن الله عزّ وجلّ مثل هؤلاء الكفار من أهل الكتاب مما هو مذيقهم من نكاله بالذين من قبلهم من مكذّبي رسوله ﷺ، الذين أهلكهم بسخطه، وأمر بني قينقاع ووقعة بدر، كانا قبل، جلاء بني النضير، وكلّ أولئك قد ذاقوا وبال أمرهم، ولم يخصص الله عز وجلّ منهم بعضًا في تمثيل هؤلاء بهم دون بعض، وكلّ ذائق وبال أمره، فمن قربت مدته منهم قبلهم، فهم ممثلون بهم فيما عُنُوا به من المثل. * * وقوله: ﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ يقول: نالهم عقاب الله على كفرهم به. * * وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يقول: ولهم في الآخرة مع ما نالهم في الدنيا من الخزي عذاب أليم، يعني: موجع. * * وقوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: مثل هؤلاء المنافقين الذين وعدوا اليهود من النضير، النصرة إن قوتلوا، أو الخروج معهم إن أُخرجوا، ومثل النضير في غرورهم إياهم بإخلافهم الوعد، وإسلامهم إياهم عند شدّة حاجتهم إليهم، وإلى نُصرتهم إياهم، كمثل الشيطان الذي غرّ إنْسانًا، ووعده على اتباعه وكفره بالله، النصرة عند الحاجة إليه، فكفر بالله واتبعه وأطاعه، فلما احتاج إلى نُصرته أسلمه وتبرأ منه، وقال له: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ في نُصرتك. وقد اختلف أهل التأويل في الإنسان الذي قال الله جلّ ثناؤه ﴿إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ﴾ هو إنسان بعينه، أم أريد به المثل لمن فعل الشيطان ذلك به، فقال بعضهم: عُنِي بذلك إنسان بعينه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا خلاد بن أسلم، قال: ثنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا شعبة، عن أَبي إسحاق، قال: سمعت عبد الله بن نهيك، قال: سمعت عليًا رضي الله عنه يقول: إن راهبًا تعبَّد ستين سنة، وأن الشيطان أراده فأعياه، فعمد إلى امرأة فأجنها، ولها إخوة، فقال لإخوتها: عليكم بهذا القسّ فيداويها، فجاءوا بها، قال: فداواها، وكانت عنده؛ فبينما هو يوما عندها إذا أعجبته، فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب: أنا صاحبك، إن أعييتني، أنا صنعت بك هذا فأطعني أنجك مما صنعتُ بك، اسجد لي سجدة، فسجد له؛ فلما سجد له قال: إني بريء منك، ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ فذلك قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ . ⁕ حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أَبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن زيد، عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: كانت امرأة ترعى الغنم، وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، قال: فنزل الراهب ففجر بها، فحملت، فآتاه الشيطان، فقال له: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدّق يسمع كلامك، فقتلها ثم دفنها؛ قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم؛ فلما أحبلها قتلها، ثم دفنها في مكان كذا وكذا؛ فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا وما أدري أقصها عليكم أم أترك؟ قالوا: لا بل قُصَّها علينا؛ قال: فقصها، فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك؛ قالوا: فما هذا إلا لشيء، فانطلقوا فاستعدوْا مَلِكَهُم على ذلك الراهب، فأتَوه فأنزلوه، ثم انطلقوا به، فلقيه الشيطان فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري فاسجد لي سجدة واحدة وأنا أنجيك مما أوقعتك فيه؛ قال: فسجد له؛ فلما أتَوا به ملكَهم تبرأ منه، وأُخِذ فقتل. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أَبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ) ... إلى ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ قال عبد الله بن عباس: كان راهب من بني إسرائيل يعبد الله فيحسن عبادته، وكان يُؤتى من كلّ أرض فيُسئل عن الفقه، وكان عالمًا، وإن ثلاثة إخوة كانت لهم أخت حسنة من أحسن الناس، وإنهم أرادوا أن يسافروا، فكبر عليهم أن يخلفوها ضائعة، فجعلوا يأتمرون ما يفعلون بها؛ فقال أحدهم: أدلكم على من تتركونها عنده؟ قالوا: من هو؟ قال: راهب بني إسرائيل، إن ماتت قام عليها، وإن عاشت حفظها حتى ترجعوا إليه؛ فعمدوا إليه فقالوا: إنا نريد السفر، ولا نجد أحدًا أوثق فى أنفسنا، ولا أحفظ لما وُلِّيً منك لما جعل عندك، فإن رأيت أن نجعل أختنا عندك فإنها ضائعة شديدة الوجع، فإن ماتت فقم عليها، وإن عاشت فأصلح إليها حتى نرجع، فقال: أفيكم إن شاء الله؛ فانطلقوا فقام عليها فداواها حتى بَرَأَت، وعاد إليها حسنها، فاطلع إليها فوجدها متصنعة، فلم يزل به الشيطان حتى يزين له أن يقع عليها حتى وقع عليها، فحملت، ثم ندمه الشيطان فزين له قتلها؛ قال: إن لم تقتلها افتضحت وعرف شبهك في الولد، فلم يكن لك معذرة، فلم يزل به حتى قتلها؛ فلما قدم إخوتها سألوه ما فعلت؟ قال: ماتت فدفنتها، قالوا: قد أحسنت، ثم جعلوا يرون في المنام، ويخبرون أن الراهب هو قتلها، وأنها تحت شجرة كذا وكذا، فعمدوا إلى الشجرة فوجدوها تحتها قد قتلت، فعمدوا إليه فأخذوه، فقال له الشيطان: أنا زيَّنت لك الزنا وقتلها بعد الزنا، فهل لك أن أنجيك؟ قال: نعم، قال: أفتطيعني؟ قال: نعم قال: فاسجد لي سجدة واحدة، فسجد له ثم قتل، فذلك قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ الآية ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: "كان رجل من بني إسرائيل عابدًا، وكان ربما داوى المجانين، فكانت امرأة جميلة، فأخذها الجنون، فجيء بها إليه، فتركت عنده، فأعجبته فوقع عليها فحملت، فجاءه الشيطان فقال: إن عُلم بهذا افتضحت، فاقتلها وادفنها في بيتك، فقتلها ودفنها، فجاء أهلها بعد ذلك بزمان يسألونه، فقال: ماتت، فلم يتهموه لصلاحه فيهم، فجاءهم الشيطان فقال: إنها لم تمت، ولكنه وقع عليها فقتلها ودفنها في بيته في مكان كذا وكذا، فجاء أهلها، فقالوا: ما نتهمك، فأخبرنا أين دفنتها، ومن كان معك، فوجدوها حيث دفنها، فأُخذ وسُجن، فجاءه الشيطان فقال: إن كنت تريد أن أخرجك مما أنت فيه فتخرج منه، فاكفر بالله، فأطاع الشيطان، وكفر بالله، فأُخذ وقُتل، فتبرأ الشيطان منه حينئذ. قال: فما أعلم هذه الآية إلا نزلت فيه ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ . وقال آخرون: بل عُنِي بذلك الناس كلهم، وقالوا: إنما هذا مثل ضُرِب للنضير فى غرور المنافقين إياهم. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ﴾ عامة الناس.
Lorsqu’ils écoutent les hypocrites, ils sont tels Satan quand il embellit la mécréance à l’être humain puis lorsque celui-ci mécroit, il lui dit: Je suis innocent de ta mécréance car je redoute Allah, le Seigneur des créatures.
فَكَانَ عَٰقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِى ٱلنَّارِ خَٰلِدَيْنِ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا۟ ٱلظَّٰلِمِينَ
Ils eurent pour destinée d'être tous deux dans le Feu pour y demeurer éternellement. Telle est la rétribution des injustes.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَضْرَابِهِ، حِينَ بُعِثُوا إِلَى يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ يَعدُونهم النَّصْرَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أَيْ: لَكَاذِبُونَ فِيمَا وَعَدُوهُمْ بِهِ إِمَّا أَنَّهُمْ [[في م: "إما لأنهم".]] قَالُوا لَهُمْ قَوْلًا مِنْ نِيَّتِهِمْ أَلَّا يَفُوا لَهُمْ بِهِ، وَإِمَّا أَنَّهُمْ [[في م: "إما لأنهم".]] لَا يَقَعُ مِنْهُمُ الَّذِي قَالُوهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ أَيْ: لَا يُقَاتِلُونَ مَعَهُمْ، ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ أَيْ: قَاتَلُوا مَعَهُمْ ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ وَهَذِهِ بِشَارَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿لأنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ: يَخَافُونَ مِنْكُمْ أَكْثَرَ مِنْ خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النِّسَاءِ: ٧٧] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [[في م، أ: "أو من وراء جدار".]] يَعْنِي: أَنَّهُمْ مِنْ جُبنهم وهَلَعهم لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مُوَاجَهَةِ جَيْشِ الْإِسْلَامِ بِالْمُبَارَزَةِ وَالْمُقَابَلَةِ [[في م: "والمقاتلة".]] بَلْ إِمَّا فِي حُصُونٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ [[في م، أ: "أو من وراء جدار".]] مُحَاصَرِينَ، فَيُقَاتِلُونَ للدفع عنهم ضرورة. ثُمَّ قَالَ ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أَيْ: عَدَاوَتُهُمْ [فِيمَا] [[زيادة من م، أ.]] بَيْنَهُمْ شَدِيدَةٌ، كَمَا قَالَ: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦٥] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ أَيْ: تَرَاهُمْ مُجْتَمِعِينَ فَتَحْسَبُهُمْ مُؤْتَلِفِينَ، وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ غَايَةَ الِاخْتِلَافِ. قَالَ: إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يَعْنِي: أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: [يَعْنِي] [[زيادة من أ.]] كَمَثَلِ مَا أَصَابَ كَفَّارَ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي: يَهُودَ بَنِي قَيْنُقَاعَ. وَكَذَا قَالَ قتادة، ومحمد ابن إِسْحَاقَ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ، فَإِنَّ يَهُودَ بَنِي قَيْنُقَاعَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَجْلَاهُمْ قَبْلَ هَذَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ يَعْنِي: مَثَلُ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ فِي اغْتِرَارِهِمْ بِالَّذِينِ وَعَدُوهُمُ النَّصْرَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَقَوْلِ الْمُنَافِقِينَ لَهُمْ: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ ثُمَّ لَمَّا حَقَّتِ الْحَقَائِقُ وجَدَّ بِهِمُ الْحِصَارُ وَالْقِتَالُ، تَخَلَّوْا عَنْهُمْ وَأَسْلَمُوهُمْ لِلْهَلَكَةِ، مِثَالُهُمْ فِي هَذَا كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ [[في م: "إذا".]] سَوَّلَ لِلْإِنْسَانِ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ-الْكُفْرَ، فَإِذَا دَخَلَ فِيمَا سَوَّلَهُ [[في م، أ: "سوله له".]] تَبَرَّأَ مِنْهُ وَتَنَصَّلَ، وَقَالَ: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ وقد ذكر بعضهم هاهنا قِصَّةً لِبَعْضِ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ هِيَ كَالْمِثَالِ لِهَذَا الْمَثَلِ، لَا أَنَّهَا الْمُرَادَةُ وَحْدَهَا بِالْمَثَلِ، بَلْ هِيَ مِنْهُ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الْوَقَائِعِ الْمُشَاكِلَةِ لَهَا، فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْل، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَهِيك قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: إِنْ رَاهِبًا تَعَبَّدَ سِتِّينَ سَنَةً، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ أَرَادَهُ فَأَعْيَاهُ، فَعَمَدَ إِلَى امْرَأَةٍ فأجنَّها وَلَهَا إِخْوَةٌ، فَقَالَ لِإِخْوَتِهَا: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقَسِّ فَيُدَاوِيَهَا. قَالَ: فَجَاءُوا بِهَا إِلَيْهِ فَدَاوَاهَا، وَكَانَتْ عِنْدَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا عِنْدَهَا إِذْ أَعْجَبَتْهُ، فَأَتَاهَا فَحَمَلَتْ، فَعَمَدَ إِلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَجَاءَ إِخْوَتُهَا، فَقَالَ الشَّيْطَانُ لِلرَّاهِبِ: أَنَا صَاحِبُكَ، إِنَّكَ أَعْيَيْتَنِي، أَنَا صَنَعْتُ هَذَا بِكَ فَأَطِعْنِي أُنَجِّكَ مِمَّا صَنَعْتُ بِكَ، فَاسْجُدْ لِي سَجْدَةً. فَسَجَدَ لَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ لَهُ قَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٨/٣٣) .]] . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَسْعُودِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: كانت امْرَأَةٌ تَرْعَى الْغَنَمَ، وَكَانَ لَهَا أَرْبَعَةُ إِخْوَةٍ، وَكَانَتْ تَأْوِي بِاللَّيْلِ إِلَى صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ. قَالَ: فَنَزَلَ الرَّاهِبُ ففجَر بِهَا، فَحَمَلَتْ، فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهُ: اقْتُلْهَا ثُمَّ ادْفِنْهَا، فَإِنَّكَ رَجُلٌ مُصدَّق يسمع قولك. فقتلها ثم دفتها. قَالَ: فَأَتَى الشيطانُ إِخْوَتَهَا فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الرَّاهِبَ صَاحِبَ الصَّوْمَعَةِ فجَر بِأُخْتِكُمْ، فَلَمَّا أَحْبَلَهَا قَتَلَهَا ثُمَّ دَفَنَهَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا مَا أَدْرِي أَقُصُّهَا عَلَيْكُمْ أَمْ أَتْرُكُ؟ قَالُوا: لَا بَلْ قُصَّهَا عَلَيْنَا. قَالَ: فَقَصَّهَا، فَقَالَ الْآخَرُ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ، فَقَالَ الْآخَرُ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ. فَقَالُوا: فَوَاللَّهِ مَا هَذَا إِلَّا لِشَيْءٍ. قَالَ: فَانْطَلَقُوا فَاسْتَعْدَوْا مَلِكَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الرَّاهِبِ، فَأَتَوْهُ فَأَنْزَلُوهُ ثُمَّ انْطَلَقُوا بِهِ فَلَقِيَهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: إِنِّي أَنَا الَّذِي أَوْقَعْتُكَ فِي هَذَا، وَلَنْ يُنْجِيَكَ مِنْهُ غَيْرِي، فَاسْجُدْ لِي سَجْدَةً وَاحِدَةً وَأُنْجِيكَ مِمَّا أَوْقَعْتُكَ فِيهِ. قَالَ: فَسَجَدَ لَهُ، فَلَمَّا أَتَوْا بِهِ مَلكهم تَبَرأ مِنْهُ، وأُخِذَ فَقُتِلَ [[تفسير الطبري (٢٨/٣٣) .]] . وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، نَحْوُ ذَلِكَ. وَاشْتُهِرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَنَّ هَذَا الْعَابِدَ هُوَ بَرْصِيصَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ مُخَالِفَةٌ لِقِصَّةِ جُرَيج الْعَابِدِ، فَإِنَّ جُرَيْجًا اتَّهَمَتْهُ امْرَأَةٌ بَغي بِنَفْسِهَا، وَادَّعَتْ أَنَّ حَملها مِنْهُ، وَرَفَعَتْ أَمْرَهُ إِلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ، فأمر به فأنزل من صومعته وخُربت صَوْمَعَتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: مَا لَكُمْ؟ مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، فَعَلْتَ بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: جُرَيْجٌ: اصْبِرُوا. ثُمَّ أَخَذَ ابْنَهَا وَهُوَ صَغِيرٌ جِدًّا ثُمَّ قَالَ: يَا غُلَامُ، مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ [[في م: "فقال".]] أَبِي الرَّاعِي -وَكَانَتْ قَدْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَحَمَلَتْ مِنْهُ-فَلَمَّا رَأَى بَنُو إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ عَظَّمُوهُ كُلُّهُمْ تَعْظِيمًا بَلِيغًا وَقَالُوا: نُعِيدُ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: لَا بَلْ أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ، كَمَا كَانَتْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ أَيْ: فَكَانَتْ عَاقِبَةُ الْآمِرِ بِالْكُفْرِ وَالْفَاعِلِ لَهُ، وَتَصَيُّرُهُمَا [[في م: "ومصيرهما".]] إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدَيْنِ فِيهَا، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ أَيْ: جَزَاءُ كُلِّ ظَالِمٍ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: فكان عُقبى أمر الشيطان والإنسان الذي أطاعه، فكفر بالله أنهما خالدان في النار ماكثان فيها أبدًا، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ يقول: وذلك ثواب اليهود من النضير والمنافقين الذين وعدوهم النصرة، وكلُّ كافر بالله ظالم لنفسه على كفره به أنهم في النار مخلَّدون. واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ فقال بعض نحوِّيي البصرة: نصب على الحال، وفي النار الخبر؛ قال: ولو كان في الكلام لكان الرفع أجود في "خالدين" قال: وليس قولهم: إذا جئت مرّتين [[تحرر هذه العبارة فإن فيها من التحريف والتصحيف ما لا يخفى.]] فهو نصب لشيء، إنما فيها توكيد جئت بها أو لم تجيء بها فهو سواء، إلا أن العرب كثيرًا ما تجعله حالا إذا كان فيها للتوكيد وما أشبهه في غير مكان؛ قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ وقال بعض نحويي الكوفة: في قراءة عبد الله بن مسعود ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَانِ فِيهَا﴾ ؛ قال: وفي أنهما في النار خالدين فيها نصب؛ قال: ولا أشتهي الرفع وإن كان يجوز، فإذا رأيت الفعل بين صفتين قد عادت إحداهما على موضع الأخرى نصبت، فهذا من ذلك؛ قال: ومثله في الكلام قولك: مررت برجل على نابِه متحملا به؛ ومثله قول الشاعر: والزعفران على ترائبها شرقا به اللَّبَّات والنَّحْر [[البيت في (اللسان: ترب) غير منسوب. والرواية فيه "شرق" بالرفع. والمؤلف أورده منصوبًا، وأعربه حالا، والزعفران: مما يستعمله العرب في الطيب وزينة النساء. والترائب: موضع القلادة من الصدر. واللباب: جمع لبة، وهي موضع النحر. والثغرة ثغرة النحر، وهي الهزمة بين الترقوتين. وقال: "والزعفران ... البيت". والبيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٣٣٠) قال عند قوله تعالى: "فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها": وهي في قراءة عبد الله بن مسعود "خالدان في النار"، وفي قراءتنا "خالدين فيها" نصب، ولا أشتهى الرفع وإن كان يجوز، وقد نقل المؤلف كلام الفراء كله في توضيح المسألة، على مذهب أهل الكوفة، فنكتفي بهذه الإشارة هنا.]] لأن الترائب هي اللبات، ها هنا، فعادت الصفة باسمها الذي وقعت عليه، فإذا اختلفت الصفتان جاز الرفع والنصب على حُسْن، من ذلك قولك: عبد الله في الدار راغب فيك، ألا ترى أن "في" التي في الدار مخالفة لفي التي تكون في الرغبة؛ قال: والحجة ما يُعرف به النصب من الرفع أن لا ترى الصفة الآخرة تتقدم قبل الأولى، ألا ترى أنك تقول: هذا أخوك في يده درهم قابضًا عليه، فلو قلت: هذا أخوك قابضًا عليه في يده درهم لم يجز، إلا ترى أنك تقول: هذا رجل قائم إلى زيد في يده درهم، فهذا يدل على أن المنصوب إذا امتنع تقديم الآخر، ويدل على الرفع إذا سهل تقديم الآخر. * * وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ووحدوه، اتقوا الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه. * * وقوله: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ يقول: ولينظر أحدكم ما قدّم ليوم القيامة من الأعمال، أمن الصالحات التي تنجيه أم من السيئات التي توبقه؟ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ : ما زال ربكم يقرّب الساعة حتى جعلها كغد، وغدٌ يوم القيامة. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ يعني يوم القيامة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ يعني يوم القيامة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، وقرأ قول الله عزّ وجلّ ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ يعني يوم القيامة الخير والشرّ؛ قال: والأمس في الدنيا، وغدٌ في الآخرة، وقرأ ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ قال: كأن لم تكن في الدنيا. * * وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ يقول: وخافوا الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يقول: إن الله ذو خبرة وعلم بأعمالكم خيرها وشرّها، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.
Ce qui arrivera à Satan et à ses adeptes humains, le Jour de la Résurrection, sera d’entrer dans le Feu pour y demeurer éternellement. Cette rétribution qui les attend est celle que méritent ceux qui sont injustes envers eux-mêmes en transgressant les limites d’Allah.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌۭ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍۢ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ
O vous qui avez cru! Craignez Allah. Que chaque âme voit bien ce qu'elle a avancé pour demain. Et craignez Allah, car Allah est Parfaitement Connaisseur de ce que vous faites.
Tafsir (3)
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفة، عَنِ المنذر ابن جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاة عُراة مُجْتَابي النِّمَارِ -أَوِ: العَبَاء-مُتَقَلِّدي السُّيُوفِ عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَر، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لما رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، قَالَ: فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النِّسَاءِ: ١] . وَقَرَأَ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ تَصَدَّق رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّه، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ -حَتَّى قَالَ-: وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ". قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بصُرة كَادَتْ كَفُّهُ تَعجز عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ مُذْهبة، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَن سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنقُص مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُها وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ". انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِإِسْنَادٍ مِثْلِهِ [[المسند (٤/٣٥٨) وصحيح مسلم برقم (١٠١٧) .]] . فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَمْرٌ بِتَقْوَاهُ، وَهِيَ تَشْمَلُ فِعْلَ مَا بِهِ أُمِرَ، وَتَرْكِ مَا عَنْهُ زُجِرَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ أَيْ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَانْظُرُوا مَاذَا ادَّخَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِيَوْمِ مَعَادِكُمْ وَعَرْضِكُمْ عَلَى رَبِّكُمْ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ تَأْكِيدٌ ثَانٍ، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَيِ: اعْلَمُوا أَنَّهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ وَأَحْوَالِكُمْ [[في م: " وخفيها".]] لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْكُمْ خَافِيَةٌ، وَلَا يَغِيبُ عَنْهُ مِنْ أُمُورِكُمْ جَلِيلٌ وَلَا حَقِيرٌ. وَقَالَ [[في م: "وقوله".]] ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أَيْ: لَا تَنْسَوْا ذِكْرَ اللَّهِ فَيُنْسِيَكُمُ الْعَمَلَ لِمَصَالِحِ أَنْفُسِكُمُ الَّتِي تَنْفَعُكُمْ فِي مَعَادِكُمْ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أَيِ: الْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ، الْهَالِكُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْخَاسِرُونَ يَوْمَ مَعَادِهِمْ، كَمَا قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٩] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ الْحَوْطِيُّ، حَدَّثَنَا [أَبُو] [[زيادة من المعجم الكبير للطبري.]] الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حَريز بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ نَمحة قَالَ: كَانَ فِي خُطْبَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ تَغْدُونَ وَتَرُوحُونَ لِأَجَلٍ مَعْلُومٍ؟ فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْضِيَ الْأَجَلَ وَهُوَ فِي عَمَلِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَلْيَفْعَلْ، وَلَنْ تَنَالُوا ذَلِكَ إِلَّا بِاللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. إِنَّ قَوْمًا جَعَلُوا آجَالَهُمْ لِغَيْرِهِمْ، فَنَهَاكُمُ اللَّهُ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أَيْنَ مَنْ تَعْرِفُونَ مِنْ إِخْوَانِكُمْ؟ قَدِمُوا عَلَى مَا قَدِمُوا فِي أَيَّامِ سَلَفِهِمْ، وَخَلَوْا بِالشِّقْوَةِ وَالسَّعَادَةِ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ الْأَوَّلُونَ الَّذِينَ بَنَوُا الْمَدَائِنَ وَحَصَّنُوهَا بِالْحَوَائِطِ؟ قَدْ صَارُوا تَحْتَ الصَّخْرِ وَالْآبَارِ، هَذَا كِتَابُ اللَّهِ لَا تَفْنَى عَجَائِبُهُ فَاسْتَضِيئُوا مِنْهُ لِيَوْمِ ظُلْمَةٍ، [وَائْتَضِحُوا بِسَنَائِهِ وَبَيَانِهِ] [[زيادة من م، والمعجم الكبير.]] إِنَّ اللَّهَ أَثْنَى عَلَى زَكَرِيَّا وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٠] ، لَا خَيْرَ فِي قَوْلٍ لَا يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، وَلَا خَيْرَ فِي مَالٍ لَا يُنْفَقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ يَغْلِبُ جَهْلُهُ حِلْمَهُ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ [[المعجم الكبير (١/٦٠) .]] . هَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، وَشَيْخُ حَريز بْنِ عُثْمَانَ، وَهُوَ نُعَيْمُ بْنُ نَمْحَةَ، لَا أَعْرِفُهُ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيَّ قَدْ حَكَمَ بِأَنَّ شُيُوخَ حَريز كُلَّهُمْ ثِقَاتٌ. وَقَدْ رُوِيَ لِهَذِهِ الْخُطْبَةِ شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ أَيْ [[بياض في م.]] لَا يَسْتَوِي هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ فِي حُكْمِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢١] ، وَقَالَ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ﴾ الْآيَةَ [غَافِرٍ: ٥٨] . قَالَ: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨] ؟ فِي آيَاتٍ أُخَرَ دَالَّاتٍ عَلَى أَنَّ اللَّهَ، سُبْحَانَهُ، يُكْرِمُ الْأَبْرَارَ، وَيُهِينُ الْفُجَّارَ؛ وَلِهَذَا قال هاهنا: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ أَيِ: النَّاجُونَ الْمُسَلَّمُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: فكان عُقبى أمر الشيطان والإنسان الذي أطاعه، فكفر بالله أنهما خالدان في النار ماكثان فيها أبدًا، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ يقول: وذلك ثواب اليهود من النضير والمنافقين الذين وعدوهم النصرة، وكلُّ كافر بالله ظالم لنفسه على كفره به أنهم في النار مخلَّدون. واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ فقال بعض نحوِّيي البصرة: نصب على الحال، وفي النار الخبر؛ قال: ولو كان في الكلام لكان الرفع أجود في "خالدين" قال: وليس قولهم: إذا جئت مرّتين [[تحرر هذه العبارة فإن فيها من التحريف والتصحيف ما لا يخفى.]] فهو نصب لشيء، إنما فيها توكيد جئت بها أو لم تجيء بها فهو سواء، إلا أن العرب كثيرًا ما تجعله حالا إذا كان فيها للتوكيد وما أشبهه في غير مكان؛ قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ وقال بعض نحويي الكوفة: في قراءة عبد الله بن مسعود ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَانِ فِيهَا﴾ ؛ قال: وفي أنهما في النار خالدين فيها نصب؛ قال: ولا أشتهي الرفع وإن كان يجوز، فإذا رأيت الفعل بين صفتين قد عادت إحداهما على موضع الأخرى نصبت، فهذا من ذلك؛ قال: ومثله في الكلام قولك: مررت برجل على نابِه متحملا به؛ ومثله قول الشاعر: والزعفران على ترائبها شرقا به اللَّبَّات والنَّحْر [[البيت في (اللسان: ترب) غير منسوب. والرواية فيه "شرق" بالرفع. والمؤلف أورده منصوبًا، وأعربه حالا، والزعفران: مما يستعمله العرب في الطيب وزينة النساء. والترائب: موضع القلادة من الصدر. واللباب: جمع لبة، وهي موضع النحر. والثغرة ثغرة النحر، وهي الهزمة بين الترقوتين. وقال: "والزعفران ... البيت". والبيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٣٣٠) قال عند قوله تعالى: "فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها": وهي في قراءة عبد الله بن مسعود "خالدان في النار"، وفي قراءتنا "خالدين فيها" نصب، ولا أشتهى الرفع وإن كان يجوز، وقد نقل المؤلف كلام الفراء كله في توضيح المسألة، على مذهب أهل الكوفة، فنكتفي بهذه الإشارة هنا.]] لأن الترائب هي اللبات، ها هنا، فعادت الصفة باسمها الذي وقعت عليه، فإذا اختلفت الصفتان جاز الرفع والنصب على حُسْن، من ذلك قولك: عبد الله في الدار راغب فيك، ألا ترى أن "في" التي في الدار مخالفة لفي التي تكون في الرغبة؛ قال: والحجة ما يُعرف به النصب من الرفع أن لا ترى الصفة الآخرة تتقدم قبل الأولى، ألا ترى أنك تقول: هذا أخوك في يده درهم قابضًا عليه، فلو قلت: هذا أخوك قابضًا عليه في يده درهم لم يجز، إلا ترى أنك تقول: هذا رجل قائم إلى زيد في يده درهم، فهذا يدل على أن المنصوب إذا امتنع تقديم الآخر، ويدل على الرفع إذا سهل تقديم الآخر. * * وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ووحدوه، اتقوا الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه. * * وقوله: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ يقول: ولينظر أحدكم ما قدّم ليوم القيامة من الأعمال، أمن الصالحات التي تنجيه أم من السيئات التي توبقه؟ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ : ما زال ربكم يقرّب الساعة حتى جعلها كغد، وغدٌ يوم القيامة. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ يعني يوم القيامة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ يعني يوم القيامة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، وقرأ قول الله عزّ وجلّ ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ يعني يوم القيامة الخير والشرّ؛ قال: والأمس في الدنيا، وغدٌ في الآخرة، وقرأ ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ قال: كأن لم تكن في الدنيا. * * وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ يقول: وخافوا الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يقول: إن الله ذو خبرة وعلم بأعمالكم خيرها وشرّها، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.
Ô vous qui croyez en Allah et œuvrez selon ce qu’Il vous a prescrit, craignez Allah en vous conformant à Ses commandements et en renonçant à Ses interdits, et que chaque âme réfléchisse à ce qu’elle a accompli comme bonnes œuvres pour le Jour de la Résurrection. Craignez Allah car Allah sait le mieux ce que vous faites. Rien de vos agissements ne Lui échappe et Il vous rétribuera selon leur nature.
وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ
Et ne soyez pas comme ceux qui ont oublié Allah; [Allah] leur a fait alors oublier leurs propres personnes; ceux-là sont les pervers.
Tafsir (3)
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفة، عَنِ المنذر ابن جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاة عُراة مُجْتَابي النِّمَارِ -أَوِ: العَبَاء-مُتَقَلِّدي السُّيُوفِ عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَر، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لما رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، قَالَ: فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النِّسَاءِ: ١] . وَقَرَأَ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ تَصَدَّق رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّه، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ -حَتَّى قَالَ-: وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ". قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بصُرة كَادَتْ كَفُّهُ تَعجز عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ مُذْهبة، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَن سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنقُص مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُها وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ". انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِإِسْنَادٍ مِثْلِهِ [[المسند (٤/٣٥٨) وصحيح مسلم برقم (١٠١٧) .]] . فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَمْرٌ بِتَقْوَاهُ، وَهِيَ تَشْمَلُ فِعْلَ مَا بِهِ أُمِرَ، وَتَرْكِ مَا عَنْهُ زُجِرَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ أَيْ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَانْظُرُوا مَاذَا ادَّخَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِيَوْمِ مَعَادِكُمْ وَعَرْضِكُمْ عَلَى رَبِّكُمْ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ تَأْكِيدٌ ثَانٍ، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَيِ: اعْلَمُوا أَنَّهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ وَأَحْوَالِكُمْ [[في م: " وخفيها".]] لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْكُمْ خَافِيَةٌ، وَلَا يَغِيبُ عَنْهُ مِنْ أُمُورِكُمْ جَلِيلٌ وَلَا حَقِيرٌ. وَقَالَ [[في م: "وقوله".]] ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أَيْ: لَا تَنْسَوْا ذِكْرَ اللَّهِ فَيُنْسِيَكُمُ الْعَمَلَ لِمَصَالِحِ أَنْفُسِكُمُ الَّتِي تَنْفَعُكُمْ فِي مَعَادِكُمْ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أَيِ: الْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ، الْهَالِكُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْخَاسِرُونَ يَوْمَ مَعَادِهِمْ، كَمَا قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٩] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ الْحَوْطِيُّ، حَدَّثَنَا [أَبُو] [[زيادة من المعجم الكبير للطبري.]] الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حَريز بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ نَمحة قَالَ: كَانَ فِي خُطْبَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ تَغْدُونَ وَتَرُوحُونَ لِأَجَلٍ مَعْلُومٍ؟ فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْضِيَ الْأَجَلَ وَهُوَ فِي عَمَلِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَلْيَفْعَلْ، وَلَنْ تَنَالُوا ذَلِكَ إِلَّا بِاللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. إِنَّ قَوْمًا جَعَلُوا آجَالَهُمْ لِغَيْرِهِمْ، فَنَهَاكُمُ اللَّهُ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أَيْنَ مَنْ تَعْرِفُونَ مِنْ إِخْوَانِكُمْ؟ قَدِمُوا عَلَى مَا قَدِمُوا فِي أَيَّامِ سَلَفِهِمْ، وَخَلَوْا بِالشِّقْوَةِ وَالسَّعَادَةِ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ الْأَوَّلُونَ الَّذِينَ بَنَوُا الْمَدَائِنَ وَحَصَّنُوهَا بِالْحَوَائِطِ؟ قَدْ صَارُوا تَحْتَ الصَّخْرِ وَالْآبَارِ، هَذَا كِتَابُ اللَّهِ لَا تَفْنَى عَجَائِبُهُ فَاسْتَضِيئُوا مِنْهُ لِيَوْمِ ظُلْمَةٍ، [وَائْتَضِحُوا بِسَنَائِهِ وَبَيَانِهِ] [[زيادة من م، والمعجم الكبير.]] إِنَّ اللَّهَ أَثْنَى عَلَى زَكَرِيَّا وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٠] ، لَا خَيْرَ فِي قَوْلٍ لَا يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، وَلَا خَيْرَ فِي مَالٍ لَا يُنْفَقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ يَغْلِبُ جَهْلُهُ حِلْمَهُ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ [[المعجم الكبير (١/٦٠) .]] . هَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، وَشَيْخُ حَريز بْنِ عُثْمَانَ، وَهُوَ نُعَيْمُ بْنُ نَمْحَةَ، لَا أَعْرِفُهُ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيَّ قَدْ حَكَمَ بِأَنَّ شُيُوخَ حَريز كُلَّهُمْ ثِقَاتٌ. وَقَدْ رُوِيَ لِهَذِهِ الْخُطْبَةِ شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ أَيْ [[بياض في م.]] لَا يَسْتَوِي هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ فِي حُكْمِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢١] ، وَقَالَ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ﴾ الْآيَةَ [غَافِرٍ: ٥٨] . قَالَ: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨] ؟ فِي آيَاتٍ أُخَرَ دَالَّاتٍ عَلَى أَنَّ اللَّهَ، سُبْحَانَهُ، يُكْرِمُ الْأَبْرَارَ، وَيُهِينُ الْفُجَّارَ؛ وَلِهَذَا قال هاهنا: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ أَيِ: النَّاجُونَ الْمُسَلَّمُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولا تكونوا كالذين تركوا أداء حقّ الله الذي أوجبه عليهم ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ يقول: فأنساهم الله حظوظ أنفسهم من الخيرات. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ قال: نَسُوا حقّ الله، فأنساهم أنفسَهم؛ قال: حظّ أنفسهم. * * وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ يقول جلّ ثناؤه: هؤلاء الذين نسوا الله، هم الفاسقون، يعني الخارجون من طاعة الله إلى معصيته. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: لا يعتدل أهل النار وأهل الجنة، أهل الجنة هم الفائزون، يعني أنهم المُدرِكون ما طلبوا وأرادوا، الناجون مما حذروا. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) ﴾ وقوله: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ يقول جلّ ثناؤه: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل، وهو حجر، لرأيته يا محمد يا خاشعًا؛ يقول: متذللا متصدّعا من خشية الله على قساوته، حذرًا من أن لا يؤدّي حقّ الله المفترض عليه في تعظيم القرآن، وقد أنزل على ابن آدم وهو بحقه مستخفٌّ، وعنه عما فيه من العِبَر والذكر مُعْرض، كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وقرًا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أَبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أََبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ... إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ قال، يقول: لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدّع وخشع من ثِقله، ومن خشية الله، فأمر الله عزّ وجلّ الناس إذا أنزل عليهم القرآن، أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع، قال: ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ... الآية، يعذر الله الجبل الأصمّ، ولم يعذر شقيّ ابن آدم، هل رأيتم أحدًا قط تصدّعت جوانحه من خشية الله ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ يقول تعالى ذكره: وهذه الأشياء نشبهها للناس، وذلك تعريفه جلّ ثناؤه إياهم أن الجبال أشدّ تعظيمًا لحقه منهم مع قساوتها وصلابتها. * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يقول: يضرب الله لهم هذه الأمثال ليتفكروا فيها، فينيبوا، وينقادوا للحق.
Ne soyez pas comme ceux qui ont oublié Allah, en ne se conformant pas à Ses commandements et en ne renonçant pas à Ses interdits, et à qui Allah a fait oublier leurs propres personnes, n’œuvrant alors pas de manière à échapper à la colère et à la punition d’Allah. Ceux-là se sont affranchis de l’obéissance à Allah.
لَا يَسْتَوِىٓ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۚ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ
Ne seront pas égaux les gens du Feu et les gens du Paradis. Les gens du Paradis sont eux les gagnants.
Tafsir (3)
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفة، عَنِ المنذر ابن جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاة عُراة مُجْتَابي النِّمَارِ -أَوِ: العَبَاء-مُتَقَلِّدي السُّيُوفِ عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَر، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لما رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، قَالَ: فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النِّسَاءِ: ١] . وَقَرَأَ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ تَصَدَّق رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّه، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ -حَتَّى قَالَ-: وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ". قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بصُرة كَادَتْ كَفُّهُ تَعجز عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ مُذْهبة، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَن سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنقُص مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُها وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ". انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِإِسْنَادٍ مِثْلِهِ [[المسند (٤/٣٥٨) وصحيح مسلم برقم (١٠١٧) .]] . فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَمْرٌ بِتَقْوَاهُ، وَهِيَ تَشْمَلُ فِعْلَ مَا بِهِ أُمِرَ، وَتَرْكِ مَا عَنْهُ زُجِرَ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ أَيْ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَانْظُرُوا مَاذَا ادَّخَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِيَوْمِ مَعَادِكُمْ وَعَرْضِكُمْ عَلَى رَبِّكُمْ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ تَأْكِيدٌ ثَانٍ، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَيِ: اعْلَمُوا أَنَّهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ وَأَحْوَالِكُمْ [[في م: " وخفيها".]] لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْكُمْ خَافِيَةٌ، وَلَا يَغِيبُ عَنْهُ مِنْ أُمُورِكُمْ جَلِيلٌ وَلَا حَقِيرٌ. وَقَالَ [[في م: "وقوله".]] ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أَيْ: لَا تَنْسَوْا ذِكْرَ اللَّهِ فَيُنْسِيَكُمُ الْعَمَلَ لِمَصَالِحِ أَنْفُسِكُمُ الَّتِي تَنْفَعُكُمْ فِي مَعَادِكُمْ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أَيِ: الْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ، الْهَالِكُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْخَاسِرُونَ يَوْمَ مَعَادِهِمْ، كَمَا قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٩] . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ الْحَوْطِيُّ، حَدَّثَنَا [أَبُو] [[زيادة من المعجم الكبير للطبري.]] الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حَريز بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ نَمحة قَالَ: كَانَ فِي خُطْبَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ تَغْدُونَ وَتَرُوحُونَ لِأَجَلٍ مَعْلُومٍ؟ فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْضِيَ الْأَجَلَ وَهُوَ فِي عَمَلِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَلْيَفْعَلْ، وَلَنْ تَنَالُوا ذَلِكَ إِلَّا بِاللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. إِنَّ قَوْمًا جَعَلُوا آجَالَهُمْ لِغَيْرِهِمْ، فَنَهَاكُمُ اللَّهُ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أَيْنَ مَنْ تَعْرِفُونَ مِنْ إِخْوَانِكُمْ؟ قَدِمُوا عَلَى مَا قَدِمُوا فِي أَيَّامِ سَلَفِهِمْ، وَخَلَوْا بِالشِّقْوَةِ وَالسَّعَادَةِ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ الْأَوَّلُونَ الَّذِينَ بَنَوُا الْمَدَائِنَ وَحَصَّنُوهَا بِالْحَوَائِطِ؟ قَدْ صَارُوا تَحْتَ الصَّخْرِ وَالْآبَارِ، هَذَا كِتَابُ اللَّهِ لَا تَفْنَى عَجَائِبُهُ فَاسْتَضِيئُوا مِنْهُ لِيَوْمِ ظُلْمَةٍ، [وَائْتَضِحُوا بِسَنَائِهِ وَبَيَانِهِ] [[زيادة من م، والمعجم الكبير.]] إِنَّ اللَّهَ أَثْنَى عَلَى زَكَرِيَّا وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٠] ، لَا خَيْرَ فِي قَوْلٍ لَا يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، وَلَا خَيْرَ فِي مَالٍ لَا يُنْفَقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ يَغْلِبُ جَهْلُهُ حِلْمَهُ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ [[المعجم الكبير (١/٦٠) .]] . هَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، وَشَيْخُ حَريز بْنِ عُثْمَانَ، وَهُوَ نُعَيْمُ بْنُ نَمْحَةَ، لَا أَعْرِفُهُ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيَّ قَدْ حَكَمَ بِأَنَّ شُيُوخَ حَريز كُلَّهُمْ ثِقَاتٌ. وَقَدْ رُوِيَ لِهَذِهِ الْخُطْبَةِ شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ أَيْ [[بياض في م.]] لَا يَسْتَوِي هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ فِي حُكْمِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢١] ، وَقَالَ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ﴾ الْآيَةَ [غَافِرٍ: ٥٨] . قَالَ: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨] ؟ فِي آيَاتٍ أُخَرَ دَالَّاتٍ عَلَى أَنَّ اللَّهَ، سُبْحَانَهُ، يُكْرِمُ الْأَبْرَارَ، وَيُهِينُ الْفُجَّارَ؛ وَلِهَذَا قال هاهنا: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ أَيِ: النَّاجُونَ الْمُسَلَّمُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولا تكونوا كالذين تركوا أداء حقّ الله الذي أوجبه عليهم ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ يقول: فأنساهم الله حظوظ أنفسهم من الخيرات. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ قال: نَسُوا حقّ الله، فأنساهم أنفسَهم؛ قال: حظّ أنفسهم. * * وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ يقول جلّ ثناؤه: هؤلاء الذين نسوا الله، هم الفاسقون، يعني الخارجون من طاعة الله إلى معصيته. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: لا يعتدل أهل النار وأهل الجنة، أهل الجنة هم الفائزون، يعني أنهم المُدرِكون ما طلبوا وأرادوا، الناجون مما حذروا. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) ﴾ وقوله: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ يقول جلّ ثناؤه: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل، وهو حجر، لرأيته يا محمد يا خاشعًا؛ يقول: متذللا متصدّعا من خشية الله على قساوته، حذرًا من أن لا يؤدّي حقّ الله المفترض عليه في تعظيم القرآن، وقد أنزل على ابن آدم وهو بحقه مستخفٌّ، وعنه عما فيه من العِبَر والذكر مُعْرض، كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وقرًا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أَبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أََبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ... إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ قال، يقول: لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدّع وخشع من ثِقله، ومن خشية الله، فأمر الله عزّ وجلّ الناس إذا أنزل عليهم القرآن، أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع، قال: ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ... الآية، يعذر الله الجبل الأصمّ، ولم يعذر شقيّ ابن آدم، هل رأيتم أحدًا قط تصدّعت جوانحه من خشية الله ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ يقول تعالى ذكره: وهذه الأشياء نشبهها للناس، وذلك تعريفه جلّ ثناؤه إياهم أن الجبال أشدّ تعظيمًا لحقه منهم مع قساوتها وصلابتها. * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يقول: يضرب الله لهم هذه الأمثال ليتفكروا فيها، فينيبوا، وينقادوا للحق.
Ne sont pas égaux les gens de l’Enfer et les gens du Paradis. Ils sont plutôt différents dans leur rétribution tout comme ils sont différents dans les œuvres accomplies dans ce bas monde. Les gens du Paradis sont les gagnants qui remportent ce qu’ils désirent et échappent à ce qu’ils redoutent
لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍۢ لَّرَأَيْتَهُۥ خَٰشِعًۭا مُّتَصَدِّعًۭا مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَمْثَٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
Si Nous avions fait descendre ce Coran sur une montagne, tu l'aurais vu s'humilier et se fendre par crainte d'Allah. Et ces paraboles Nous les citons aux gens afin qu'ils réfléchissent.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى مُعَظِّمًا لِأَمْرِ الْقُرْآنِ، ومبينا علو قدره، وأنه ينبغي وأن تَخْشَعَ لَهُ الْقُلُوبُ، وَتَتَصَدَّعَ عِنْدَ سَمَاعِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ الْأَكِيدِ: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أَيْ: فَإِنْ كَانَ الْجَبَلُ فِي غِلْظَتِهِ وَقَسَاوَتِهِ، لَوْ فَهِمَ هَذَا الْقُرْآنَ فَتَدَبَّرَ مَا فِيهِ، لَخَشَعَ وَتَصَدَّعَ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكُمْ أَيُّهَا الْبَشَرُ أَلَّا تَلِينَ قُلُوبُكُمْ وَتَخْشَعَ، وَتَتَصَدَّعَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَقَدْ فَهِمْتُمْ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَتَدَبَّرْتُمْ كِتَابَهُ؟ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . قَالَ الْعَوْفِيُّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ [لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا] ﴾ [[زيادة من م.]] إِلَى آخِرِهَا، يَقُولُ: لَوْ أَنِّي أَنْزَلْتُ هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ حَمّلته إِيَّاهُ، لَتَصَدَّعَ [[في م: "لصدع".]] وَخَشَعَ مِنْ ثِقَلِهِ، وَمِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. فَأَمَرَ اللَّهُ النَّاسَ إِذَا نَزَّلَ عَلَيْهِمُ القرآنُ أَنْ يَأْخُذُوهُ بِالْخَشْيَةِ الشَّدِيدَةِ والتخشع. ثم قَالَ: كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَابْنُ جَرِيرٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَوَاتِرِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا عُمِلَ لَهُ الْمِنْبَرُ، وَقَدْ كَانَ يَوْمَ الْخُطْبَةِ يَقِفُ إِلَى جَانِبِ جِذْعٍ مِنْ جُذُوعِ الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا وُضِعَ الْمِنْبَرُ أَوَّلَ مَا وُضِعَ، وَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَخْطُبَ فَجَاوَزَ الْجِذْعَ إِلَى نَحْوِ الْمِنْبَرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ حَنّ الْجِذْعُ وَجَعَلَ [[حديث حنين الجذع رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٥٨٣) من حديث ابن عمر، وبرقم (٣٥٨٤، ٣٥٨٥) من حديث جابر، رضي الله عنه.]] يَئِنُّ كَمَا يَئِنُّ الصَّبِيُّ الَّذِي يُسَكَّن [[في م: "يسكت".]] ، لِمَا كَانَ يُسمَع مِنَ الذِّكْرِ وَالْوَحْيِ عِنْدَهُ. فَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بَعْدَ إِيرَادِهِ: "فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَشْتَاقُوا إِلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الْجِذْعِ" [[رواه أبو القاسم البغوي كما في البداية والنهاية للمؤلف (٦/١٣٢) من طريق شيبان بن فروخ، عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أنس في قصة الجذع، ثم زاد: فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكي ثم قال: "يا عباد الله الخشبة تحن إلي رسول الله شوقًا إليه لمكانه من الله، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلي لقائه".]] . وَهَكَذَا هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، إِذَا كَانَتِ الْجِبَالُ الصُّمُّ لَوْ سَمِعَتْ كَلَامَ اللَّهِ وَفَهِمَتْهُ، لَخَشَعَتْ وَتَصَدَّعَتْ مَنْ خَشْيَتِهِ [[في م: "من خشية الله".]] فَكَيْفَ بِكُمْ وَقَدْ سَمِعْتُمْ وَفَهِمْتُمْ؟ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ الْآيَةَ [الرَّعْدِ: ٣١] . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: أَيْ لَكَانَ هَذَا الْقُرْآنُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٧٤] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَلَا رَبَّ غَيْرُهُ، وَلَا إِلَهَ لِلْوُجُودِ سِوَاهُ، وَكُلُّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ فَبَاطِلٌ، وَأَنَّهُ عَالِمُ الْغَيْبِ [[في م: "بالغيب".]] وَالشَّهَادَةِ، أَيْ: يَعْلَمُ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ الْمُشَاهِدَاتِ لَنَا وَالْغَائِبَاتِ عَنَّا فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ، وَلَا فِي السَّمَاءِ مِنْ جَلِيلٍ وَحَقِيرٍ وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حَتَّى الذَّرِّ فِي الظُّلُمَاتِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هاهنا. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ الشَّامِلَةِ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَهُوَ رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمُهُمَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٦] ، وَقَالَ ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٤] ، وَقَالَ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يُونُسَ: ٥٨] . * * وَقَوْلُهُ [[في م: "ثم قال".]] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ﴾ أَيِ: الْمَالِكُ لِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَصَرِّفُ فِيهَا بِلَا مُمَانَعَةٍ وَلَا مُدَافَعَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿الْقُدُّوسُ﴾ قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أَيِ الطَّاهِرُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: أَيِ الْمُبَارَكُ: وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تُقَدِّسُهُ الْمَلَائِكَةُ الكرام. ﴿السَّلامُ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ؛ بِكَمَالِهِ [[في م: "لكماله".]] فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: [أَيْ] [[زيادة من م.]] أَمَّنَ خَلْقَهُ مِنْ أَنْ يَظْلِمَهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أمَّن بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ حَقٌّ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَدّق عبادَه الْمُؤْمِنِينَ فِي إِيمَانِهِمْ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَيِ [[في م: "إنه".]] الشَّاهِدُ عَلَى خَلْقِهِ بِأَعْمَالِهِمْ، بِمَعْنَى: هُوَ رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الْبُرُوجِ: ٩] ، وَقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يُونُسَ: ٤٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ الْآيَةَ [الرَّعْدِ: ٣٣] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿الْعَزِيزُ﴾ أَيِ: الَّذِي قَدْ عَزَّ كُلَّ شَيْءٍ فَقَهَرَهُ، وَغَلَبَ الْأَشْيَاءَ فَلَا يُنَالُ جَنَابُهُ؛ لِعِزَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَجَبَرُوتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ أَيِ: الَّذِي لَا تَلِيقُ الجَبْرّية إِلَّا لَهُ، وَلَا التَّكَبُّرُ إِلَّا لِعَظَمَتِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحِ: "العَظَمة إِزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا عَذَّبته". وَقَالَ قَتَادَةُ: الْجَبَّارُ: الَّذِي جَبَر خَلْقَهُ عَلَى مَا يَشَاءُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْجَبَّارُ: المصلحُ أمورَ خَلْقِهِ، الْمُتَصَرِّفُ فِيهِمْ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْمُتَكَبِّرُ: يَعْنِي عَنْ كُلِّ سُوءٍ. ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [[في م: "يصفون" وهو خطأ.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ الْخَلْقُ: التَّقْدِيرُ، والبَراء: هُوَ الْفَرْيُ، وَهُوَ التَّنْفِيذُ وَإِبْرَازُ مَا قَدَّرَهُ وَقَرَّرَهُ إِلَى الْوُجُودِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَدَّرَ شَيْئًا وَرَتَّبَهُ يَقْدِرُ عَلَى تَنْفِيذِهِ وَإِيجَادِهِ سِوَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ الشَّاعِرُ يَمْدَحُ آخَرَ [[هو زهير بن أبي سلمي يمدح به هرم بن سنان، والبيت في ديوانه (ص ٩٤) أ. هـ مستفادًا من حاشية ط الشعب.]] وَلَأَنْتَ تَفري مَا خَلَقت ... وبعضُ الْقَوْمِ يَخلُق ثُمَّ لَا يَفْري ... أَيْ: أَنْتَ تُنَفِّذُ مَا خَلَقْتَ، أَيْ: قَدَّرْتَ، بِخِلَافِ غَيْرِكَ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ مَا يُرِيدُ. فَالْخَلْقُ: التَّقْدِيرُ. وَالْفَرْيُ: التَّنْفِيذُ. وَمِنْهُ يُقَالُ: قَدَّرَ الْجَلَّادُ ثُمَّ فَرَى، أَيْ: قَطَعَ عَلَى مَا قَدَّرَهُ بِحَسَبِ مَا يُرِيدُهُ. * * وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ أَيِ: الَّذِي إِذَا أَرَادَ شَيْئًا قَالَ لَهُ: كُنْ، فَيَكُونُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يُرِيدُ، وَالصُّورَةِ الَّتِي يَخْتَارُ. كَقَوْلِهِ: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الِانْفِطَارِ: ٨] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿الْمُصَوِّرُ﴾ أَيِ: الَّذِي يُنَفِّذُ مَا يُرِيدُ إِيجَادَهُ عَلَى الصِّفَةِ التي يريدها. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي "سُورَةِ الْأَعْرَافِ"، وَذِكْرُ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دخل الجنة، وهو وتر يُحِبُّ الْوِتْرَ". وَتَقَدَّمَ سِيَاقُ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ لَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: "وَهُوَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ" -وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ-: "هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ، الْمَلِكُ، الْقُدُّوسُ، السَّلَامُ، الْمُؤْمِنُ، الْمُهَيْمِنُ، الْعَزِيزُ، الْجَبَّارُ، الْمُتَكَبِّرُ، الْخَالِقُ، الْبَارِئُ، الْمُصَوِّرُ، الْغَفَّارُ، الْقَهَّارُ، الْوَهَّابُ، الرَّزَّاقُ، الْفَتَّاحُ، الْعَلِيمُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الْخَافِضُ، الرَّافِعُ، الْمُعِزُّ، الْمُذِلُّ، السَّمِيعُ، الْبَصِيرُ، الْحَكَمُ، الْعَدْلُ، اللَّطِيفُ، الْخَبِيرُ، الْحَلِيمُ، الْعَظِيمُ، الْغَفُورُ، الشَّكُورُ، الْعَلِيُّ، الْكَبِيرُ، الْحَفِيظُ، الْمَقِيتُ، الْحَسِيبُ، الْجَلِيلُ، الْكَرِيمُ، الرَّقِيبُ، الْمُجِيبُ، الْوَاسِعُ، الْحَكِيمُ، الْوَدُودُ، الْمَجِيدُ، الْبَاعِثُ، الشَّهِيدُ، الْحَقُّ، الْوَكِيلُ، الْقَوِيُّ، الْمَتِينُ، الْوَلِيُّ، الْحَمِيدُ، الْمُحْصِي، الْمُبْدِئُ، الْمُعِيدُ، الْمُحْيِي، الْمُمِيتُ، الْحَيُّ، الْقَيُّومُ، الْوَاجِدُ، الْمَاجِدُ، الْوَاحِدُ، الصَّمَدُ، الْقَادِرُ، الْمُقْتَدِرُ، الْمُقَدِّمُ، الْمُؤَخِّرُ، الْأَوَّلُ، الْآخَرُ، الظاهر، الباطن، الولي، الْمُتَعَالِي، الْبَرُّ، التَّوَّابُ، الْمُنْتَقِمُ، الْعَفُوُّ، الرَّءُوفُ، مَالِكُ الْمُلْكِ، ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، الْمُقْسِطُ، الْجَامِعُ، الْغَنِيُّ، الْمُغْنِي، الْمَانِعُ، الضَّارُّ، النَّافِعُ، النُّورُ، الْهَادِي، الْبَدِيعُ، الْبَاقِي، الْوَارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ". وَسِيَاقُ ابْنِ مَاجَهْ بِزِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ، وَتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ مَبْسُوطًا مُطَوَّلًا بِطُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا [[في م: "هاهنا".]] [[تقدم تخريج هذا الحديث عند تفسير الآية: ١٨٠ من سورة الأعراف.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أَيْ: فَلَا يُرَامُ جَنَابه ﴿الحَكِيمُ﴾ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي: ابْنَ طَهْمَان، أبو العلاء الخَفَّاف-حدثنا نافع ابن أَبِي نَافِعٍ، عَنْ مَعقِل بْنِ يَسَارٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "من قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَكَّل اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلان، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٥/٢٦) وسنن الترمذي برقم (٢٩٢٢) .]] ، وَقَالَ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولا تكونوا كالذين تركوا أداء حقّ الله الذي أوجبه عليهم ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ يقول: فأنساهم الله حظوظ أنفسهم من الخيرات. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ قال: نَسُوا حقّ الله، فأنساهم أنفسَهم؛ قال: حظّ أنفسهم. * * وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ يقول جلّ ثناؤه: هؤلاء الذين نسوا الله، هم الفاسقون، يعني الخارجون من طاعة الله إلى معصيته. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: لا يعتدل أهل النار وأهل الجنة، أهل الجنة هم الفائزون، يعني أنهم المُدرِكون ما طلبوا وأرادوا، الناجون مما حذروا. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) ﴾ وقوله: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ يقول جلّ ثناؤه: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل، وهو حجر، لرأيته يا محمد يا خاشعًا؛ يقول: متذللا متصدّعا من خشية الله على قساوته، حذرًا من أن لا يؤدّي حقّ الله المفترض عليه في تعظيم القرآن، وقد أنزل على ابن آدم وهو بحقه مستخفٌّ، وعنه عما فيه من العِبَر والذكر مُعْرض، كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وقرًا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أَبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أََبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ... إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ قال، يقول: لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدّع وخشع من ثِقله، ومن خشية الله، فأمر الله عزّ وجلّ الناس إذا أنزل عليهم القرآن، أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع، قال: ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ... الآية، يعذر الله الجبل الأصمّ، ولم يعذر شقيّ ابن آدم، هل رأيتم أحدًا قط تصدّعت جوانحه من خشية الله ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ يقول تعالى ذكره: وهذه الأشياء نشبهها للناس، وذلك تعريفه جلّ ثناؤه إياهم أن الجبال أشدّ تعظيمًا لحقه منهم مع قساوتها وصلابتها. * * وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يقول: يضرب الله لهم هذه الأمثال ليتفكروا فيها، فينيبوا، وينقادوا للحق.
Si Nous avions révélé ce Coran à une montagne, tu aurais vu, ô Messager, cette montagne s’humilier et se fendre malgré sa solidité tellement sa crainte d’Allah est grande, et ce en raison des exhortations dissuasives et des menaces terribles que le Coran contient. Ces paraboles, Nous les citons aux gens afin que, peut-être, ils fassent fonctionner leurs raisons et tirent des enseignements des exhortations et des leçons contenues dans les versets du Coran.
هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ۖ هُوَ ٱلرَّحْمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ
C'est Lui Allah. Nulle divinité autre que Lui, le Connaisseur de l'Invisible tout comme du visible. C'est Lui, le Tout Miséricordieux, le Très Miséricordieux.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى مُعَظِّمًا لِأَمْرِ الْقُرْآنِ، ومبينا علو قدره، وأنه ينبغي وأن تَخْشَعَ لَهُ الْقُلُوبُ، وَتَتَصَدَّعَ عِنْدَ سَمَاعِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ الْأَكِيدِ: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أَيْ: فَإِنْ كَانَ الْجَبَلُ فِي غِلْظَتِهِ وَقَسَاوَتِهِ، لَوْ فَهِمَ هَذَا الْقُرْآنَ فَتَدَبَّرَ مَا فِيهِ، لَخَشَعَ وَتَصَدَّعَ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكُمْ أَيُّهَا الْبَشَرُ أَلَّا تَلِينَ قُلُوبُكُمْ وَتَخْشَعَ، وَتَتَصَدَّعَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَقَدْ فَهِمْتُمْ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَتَدَبَّرْتُمْ كِتَابَهُ؟ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . قَالَ الْعَوْفِيُّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ [لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا] ﴾ [[زيادة من م.]] إِلَى آخِرِهَا، يَقُولُ: لَوْ أَنِّي أَنْزَلْتُ هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ حَمّلته إِيَّاهُ، لَتَصَدَّعَ [[في م: "لصدع".]] وَخَشَعَ مِنْ ثِقَلِهِ، وَمِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. فَأَمَرَ اللَّهُ النَّاسَ إِذَا نَزَّلَ عَلَيْهِمُ القرآنُ أَنْ يَأْخُذُوهُ بِالْخَشْيَةِ الشَّدِيدَةِ والتخشع. ثم قَالَ: كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَابْنُ جَرِيرٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَوَاتِرِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا عُمِلَ لَهُ الْمِنْبَرُ، وَقَدْ كَانَ يَوْمَ الْخُطْبَةِ يَقِفُ إِلَى جَانِبِ جِذْعٍ مِنْ جُذُوعِ الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا وُضِعَ الْمِنْبَرُ أَوَّلَ مَا وُضِعَ، وَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَخْطُبَ فَجَاوَزَ الْجِذْعَ إِلَى نَحْوِ الْمِنْبَرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ حَنّ الْجِذْعُ وَجَعَلَ [[حديث حنين الجذع رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٥٨٣) من حديث ابن عمر، وبرقم (٣٥٨٤، ٣٥٨٥) من حديث جابر، رضي الله عنه.]] يَئِنُّ كَمَا يَئِنُّ الصَّبِيُّ الَّذِي يُسَكَّن [[في م: "يسكت".]] ، لِمَا كَانَ يُسمَع مِنَ الذِّكْرِ وَالْوَحْيِ عِنْدَهُ. فَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بَعْدَ إِيرَادِهِ: "فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَشْتَاقُوا إِلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الْجِذْعِ" [[رواه أبو القاسم البغوي كما في البداية والنهاية للمؤلف (٦/١٣٢) من طريق شيبان بن فروخ، عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أنس في قصة الجذع، ثم زاد: فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكي ثم قال: "يا عباد الله الخشبة تحن إلي رسول الله شوقًا إليه لمكانه من الله، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلي لقائه".]] . وَهَكَذَا هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، إِذَا كَانَتِ الْجِبَالُ الصُّمُّ لَوْ سَمِعَتْ كَلَامَ اللَّهِ وَفَهِمَتْهُ، لَخَشَعَتْ وَتَصَدَّعَتْ مَنْ خَشْيَتِهِ [[في م: "من خشية الله".]] فَكَيْفَ بِكُمْ وَقَدْ سَمِعْتُمْ وَفَهِمْتُمْ؟ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ الْآيَةَ [الرَّعْدِ: ٣١] . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: أَيْ لَكَانَ هَذَا الْقُرْآنُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٧٤] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَلَا رَبَّ غَيْرُهُ، وَلَا إِلَهَ لِلْوُجُودِ سِوَاهُ، وَكُلُّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ فَبَاطِلٌ، وَأَنَّهُ عَالِمُ الْغَيْبِ [[في م: "بالغيب".]] وَالشَّهَادَةِ، أَيْ: يَعْلَمُ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ الْمُشَاهِدَاتِ لَنَا وَالْغَائِبَاتِ عَنَّا فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ، وَلَا فِي السَّمَاءِ مِنْ جَلِيلٍ وَحَقِيرٍ وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حَتَّى الذَّرِّ فِي الظُّلُمَاتِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هاهنا. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ الشَّامِلَةِ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَهُوَ رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمُهُمَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٦] ، وَقَالَ ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٤] ، وَقَالَ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يُونُسَ: ٥٨] . * * وَقَوْلُهُ [[في م: "ثم قال".]] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ﴾ أَيِ: الْمَالِكُ لِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَصَرِّفُ فِيهَا بِلَا مُمَانَعَةٍ وَلَا مُدَافَعَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿الْقُدُّوسُ﴾ قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أَيِ الطَّاهِرُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: أَيِ الْمُبَارَكُ: وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تُقَدِّسُهُ الْمَلَائِكَةُ الكرام. ﴿السَّلامُ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ؛ بِكَمَالِهِ [[في م: "لكماله".]] فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: [أَيْ] [[زيادة من م.]] أَمَّنَ خَلْقَهُ مِنْ أَنْ يَظْلِمَهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أمَّن بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ حَقٌّ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَدّق عبادَه الْمُؤْمِنِينَ فِي إِيمَانِهِمْ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَيِ [[في م: "إنه".]] الشَّاهِدُ عَلَى خَلْقِهِ بِأَعْمَالِهِمْ، بِمَعْنَى: هُوَ رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الْبُرُوجِ: ٩] ، وَقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يُونُسَ: ٤٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ الْآيَةَ [الرَّعْدِ: ٣٣] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿الْعَزِيزُ﴾ أَيِ: الَّذِي قَدْ عَزَّ كُلَّ شَيْءٍ فَقَهَرَهُ، وَغَلَبَ الْأَشْيَاءَ فَلَا يُنَالُ جَنَابُهُ؛ لِعِزَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَجَبَرُوتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ أَيِ: الَّذِي لَا تَلِيقُ الجَبْرّية إِلَّا لَهُ، وَلَا التَّكَبُّرُ إِلَّا لِعَظَمَتِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحِ: "العَظَمة إِزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا عَذَّبته". وَقَالَ قَتَادَةُ: الْجَبَّارُ: الَّذِي جَبَر خَلْقَهُ عَلَى مَا يَشَاءُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْجَبَّارُ: المصلحُ أمورَ خَلْقِهِ، الْمُتَصَرِّفُ فِيهِمْ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْمُتَكَبِّرُ: يَعْنِي عَنْ كُلِّ سُوءٍ. ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [[في م: "يصفون" وهو خطأ.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ الْخَلْقُ: التَّقْدِيرُ، والبَراء: هُوَ الْفَرْيُ، وَهُوَ التَّنْفِيذُ وَإِبْرَازُ مَا قَدَّرَهُ وَقَرَّرَهُ إِلَى الْوُجُودِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَدَّرَ شَيْئًا وَرَتَّبَهُ يَقْدِرُ عَلَى تَنْفِيذِهِ وَإِيجَادِهِ سِوَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ الشَّاعِرُ يَمْدَحُ آخَرَ [[هو زهير بن أبي سلمي يمدح به هرم بن سنان، والبيت في ديوانه (ص ٩٤) أ. هـ مستفادًا من حاشية ط الشعب.]] وَلَأَنْتَ تَفري مَا خَلَقت ... وبعضُ الْقَوْمِ يَخلُق ثُمَّ لَا يَفْري ... أَيْ: أَنْتَ تُنَفِّذُ مَا خَلَقْتَ، أَيْ: قَدَّرْتَ، بِخِلَافِ غَيْرِكَ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ مَا يُرِيدُ. فَالْخَلْقُ: التَّقْدِيرُ. وَالْفَرْيُ: التَّنْفِيذُ. وَمِنْهُ يُقَالُ: قَدَّرَ الْجَلَّادُ ثُمَّ فَرَى، أَيْ: قَطَعَ عَلَى مَا قَدَّرَهُ بِحَسَبِ مَا يُرِيدُهُ. * * وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ أَيِ: الَّذِي إِذَا أَرَادَ شَيْئًا قَالَ لَهُ: كُنْ، فَيَكُونُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يُرِيدُ، وَالصُّورَةِ الَّتِي يَخْتَارُ. كَقَوْلِهِ: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الِانْفِطَارِ: ٨] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿الْمُصَوِّرُ﴾ أَيِ: الَّذِي يُنَفِّذُ مَا يُرِيدُ إِيجَادَهُ عَلَى الصِّفَةِ التي يريدها. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي "سُورَةِ الْأَعْرَافِ"، وَذِكْرُ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دخل الجنة، وهو وتر يُحِبُّ الْوِتْرَ". وَتَقَدَّمَ سِيَاقُ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ لَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: "وَهُوَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ" -وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ-: "هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ، الْمَلِكُ، الْقُدُّوسُ، السَّلَامُ، الْمُؤْمِنُ، الْمُهَيْمِنُ، الْعَزِيزُ، الْجَبَّارُ، الْمُتَكَبِّرُ، الْخَالِقُ، الْبَارِئُ، الْمُصَوِّرُ، الْغَفَّارُ، الْقَهَّارُ، الْوَهَّابُ، الرَّزَّاقُ، الْفَتَّاحُ، الْعَلِيمُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الْخَافِضُ، الرَّافِعُ، الْمُعِزُّ، الْمُذِلُّ، السَّمِيعُ، الْبَصِيرُ، الْحَكَمُ، الْعَدْلُ، اللَّطِيفُ، الْخَبِيرُ، الْحَلِيمُ، الْعَظِيمُ، الْغَفُورُ، الشَّكُورُ، الْعَلِيُّ، الْكَبِيرُ، الْحَفِيظُ، الْمَقِيتُ، الْحَسِيبُ، الْجَلِيلُ، الْكَرِيمُ، الرَّقِيبُ، الْمُجِيبُ، الْوَاسِعُ، الْحَكِيمُ، الْوَدُودُ، الْمَجِيدُ، الْبَاعِثُ، الشَّهِيدُ، الْحَقُّ، الْوَكِيلُ، الْقَوِيُّ، الْمَتِينُ، الْوَلِيُّ، الْحَمِيدُ، الْمُحْصِي، الْمُبْدِئُ، الْمُعِيدُ، الْمُحْيِي، الْمُمِيتُ، الْحَيُّ، الْقَيُّومُ، الْوَاجِدُ، الْمَاجِدُ، الْوَاحِدُ، الصَّمَدُ، الْقَادِرُ، الْمُقْتَدِرُ، الْمُقَدِّمُ، الْمُؤَخِّرُ، الْأَوَّلُ، الْآخَرُ، الظاهر، الباطن، الولي، الْمُتَعَالِي، الْبَرُّ، التَّوَّابُ، الْمُنْتَقِمُ، الْعَفُوُّ، الرَّءُوفُ، مَالِكُ الْمُلْكِ، ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، الْمُقْسِطُ، الْجَامِعُ، الْغَنِيُّ، الْمُغْنِي، الْمَانِعُ، الضَّارُّ، النَّافِعُ، النُّورُ، الْهَادِي، الْبَدِيعُ، الْبَاقِي، الْوَارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ". وَسِيَاقُ ابْنِ مَاجَهْ بِزِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ، وَتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ مَبْسُوطًا مُطَوَّلًا بِطُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا [[في م: "هاهنا".]] [[تقدم تخريج هذا الحديث عند تفسير الآية: ١٨٠ من سورة الأعراف.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أَيْ: فَلَا يُرَامُ جَنَابه ﴿الحَكِيمُ﴾ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي: ابْنَ طَهْمَان، أبو العلاء الخَفَّاف-حدثنا نافع ابن أَبِي نَافِعٍ، عَنْ مَعقِل بْنِ يَسَارٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "من قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَكَّل اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلان، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٥/٢٦) وسنن الترمذي برقم (٢٩٢٢) .]] ، وَقَالَ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: الذي يتصدّع من خشيته الجبل أيها الناس هو المعبود، الذي لا تنبغي العبادة والألوهية إلا له، عالم غيب السموات والأرض، وشاهد ما فيهما مما يرى ويحسّ ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ يقول: هو رحمن الدنيا والآخرة، رحيم بأهل الإيمان به.
Il est Allah en dehors duquel il n’existe pas de dieu méritant d’être adoré, le Connaisseur de ce qui est présent et absent auquel rien n’échappe, le Tout Miséricordieux et le Très Miséricordieux dans le bas monde et dans l’au-delà, dont la miséricorde suffit à tout l’Univers. Il est le Souverain, le Purifié et le Sanctifié de toute déficience, le sain de tout défaut, Celui qui confirme la véracité de Ses messagers par des miracles éclatants, Celui qui observe les œuvres de Ses serviteurs, le Puissant à qui personne ne tient tête, le Dominateur qui domine tout et l’Orgueilleux, qu’Allah soit purifié et sanctifié de tout ce que les polythéistes Lui associent comme idoles et autres.
هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ
C'est Lui, Allah. Nulle divinité autre que Lui; Le Souverain, Le Pur, L'Apaisant, Le Rassurant, Le Prédominant, Le Tout Puissant, Le Contraignant, L'Orgueilleux. Gloire à Allah! Il transcende ce qu'ils Lui associent.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى مُعَظِّمًا لِأَمْرِ الْقُرْآنِ، ومبينا علو قدره، وأنه ينبغي وأن تَخْشَعَ لَهُ الْقُلُوبُ، وَتَتَصَدَّعَ عِنْدَ سَمَاعِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ الْأَكِيدِ: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أَيْ: فَإِنْ كَانَ الْجَبَلُ فِي غِلْظَتِهِ وَقَسَاوَتِهِ، لَوْ فَهِمَ هَذَا الْقُرْآنَ فَتَدَبَّرَ مَا فِيهِ، لَخَشَعَ وَتَصَدَّعَ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكُمْ أَيُّهَا الْبَشَرُ أَلَّا تَلِينَ قُلُوبُكُمْ وَتَخْشَعَ، وَتَتَصَدَّعَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَقَدْ فَهِمْتُمْ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَتَدَبَّرْتُمْ كِتَابَهُ؟ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . قَالَ الْعَوْفِيُّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ [لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا] ﴾ [[زيادة من م.]] إِلَى آخِرِهَا، يَقُولُ: لَوْ أَنِّي أَنْزَلْتُ هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ حَمّلته إِيَّاهُ، لَتَصَدَّعَ [[في م: "لصدع".]] وَخَشَعَ مِنْ ثِقَلِهِ، وَمِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. فَأَمَرَ اللَّهُ النَّاسَ إِذَا نَزَّلَ عَلَيْهِمُ القرآنُ أَنْ يَأْخُذُوهُ بِالْخَشْيَةِ الشَّدِيدَةِ والتخشع. ثم قَالَ: كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَابْنُ جَرِيرٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَوَاتِرِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا عُمِلَ لَهُ الْمِنْبَرُ، وَقَدْ كَانَ يَوْمَ الْخُطْبَةِ يَقِفُ إِلَى جَانِبِ جِذْعٍ مِنْ جُذُوعِ الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا وُضِعَ الْمِنْبَرُ أَوَّلَ مَا وُضِعَ، وَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَخْطُبَ فَجَاوَزَ الْجِذْعَ إِلَى نَحْوِ الْمِنْبَرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ حَنّ الْجِذْعُ وَجَعَلَ [[حديث حنين الجذع رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٥٨٣) من حديث ابن عمر، وبرقم (٣٥٨٤، ٣٥٨٥) من حديث جابر، رضي الله عنه.]] يَئِنُّ كَمَا يَئِنُّ الصَّبِيُّ الَّذِي يُسَكَّن [[في م: "يسكت".]] ، لِمَا كَانَ يُسمَع مِنَ الذِّكْرِ وَالْوَحْيِ عِنْدَهُ. فَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بَعْدَ إِيرَادِهِ: "فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَشْتَاقُوا إِلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الْجِذْعِ" [[رواه أبو القاسم البغوي كما في البداية والنهاية للمؤلف (٦/١٣٢) من طريق شيبان بن فروخ، عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أنس في قصة الجذع، ثم زاد: فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكي ثم قال: "يا عباد الله الخشبة تحن إلي رسول الله شوقًا إليه لمكانه من الله، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلي لقائه".]] . وَهَكَذَا هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، إِذَا كَانَتِ الْجِبَالُ الصُّمُّ لَوْ سَمِعَتْ كَلَامَ اللَّهِ وَفَهِمَتْهُ، لَخَشَعَتْ وَتَصَدَّعَتْ مَنْ خَشْيَتِهِ [[في م: "من خشية الله".]] فَكَيْفَ بِكُمْ وَقَدْ سَمِعْتُمْ وَفَهِمْتُمْ؟ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ الْآيَةَ [الرَّعْدِ: ٣١] . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: أَيْ لَكَانَ هَذَا الْقُرْآنُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٧٤] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَلَا رَبَّ غَيْرُهُ، وَلَا إِلَهَ لِلْوُجُودِ سِوَاهُ، وَكُلُّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ فَبَاطِلٌ، وَأَنَّهُ عَالِمُ الْغَيْبِ [[في م: "بالغيب".]] وَالشَّهَادَةِ، أَيْ: يَعْلَمُ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ الْمُشَاهِدَاتِ لَنَا وَالْغَائِبَاتِ عَنَّا فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ، وَلَا فِي السَّمَاءِ مِنْ جَلِيلٍ وَحَقِيرٍ وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حَتَّى الذَّرِّ فِي الظُّلُمَاتِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هاهنا. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ الشَّامِلَةِ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَهُوَ رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمُهُمَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٦] ، وَقَالَ ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٤] ، وَقَالَ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يُونُسَ: ٥٨] . * * وَقَوْلُهُ [[في م: "ثم قال".]] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ﴾ أَيِ: الْمَالِكُ لِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَصَرِّفُ فِيهَا بِلَا مُمَانَعَةٍ وَلَا مُدَافَعَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿الْقُدُّوسُ﴾ قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أَيِ الطَّاهِرُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: أَيِ الْمُبَارَكُ: وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تُقَدِّسُهُ الْمَلَائِكَةُ الكرام. ﴿السَّلامُ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ؛ بِكَمَالِهِ [[في م: "لكماله".]] فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: [أَيْ] [[زيادة من م.]] أَمَّنَ خَلْقَهُ مِنْ أَنْ يَظْلِمَهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أمَّن بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ حَقٌّ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَدّق عبادَه الْمُؤْمِنِينَ فِي إِيمَانِهِمْ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَيِ [[في م: "إنه".]] الشَّاهِدُ عَلَى خَلْقِهِ بِأَعْمَالِهِمْ، بِمَعْنَى: هُوَ رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الْبُرُوجِ: ٩] ، وَقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يُونُسَ: ٤٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ الْآيَةَ [الرَّعْدِ: ٣٣] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿الْعَزِيزُ﴾ أَيِ: الَّذِي قَدْ عَزَّ كُلَّ شَيْءٍ فَقَهَرَهُ، وَغَلَبَ الْأَشْيَاءَ فَلَا يُنَالُ جَنَابُهُ؛ لِعِزَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَجَبَرُوتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ أَيِ: الَّذِي لَا تَلِيقُ الجَبْرّية إِلَّا لَهُ، وَلَا التَّكَبُّرُ إِلَّا لِعَظَمَتِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحِ: "العَظَمة إِزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا عَذَّبته". وَقَالَ قَتَادَةُ: الْجَبَّارُ: الَّذِي جَبَر خَلْقَهُ عَلَى مَا يَشَاءُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْجَبَّارُ: المصلحُ أمورَ خَلْقِهِ، الْمُتَصَرِّفُ فِيهِمْ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْمُتَكَبِّرُ: يَعْنِي عَنْ كُلِّ سُوءٍ. ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [[في م: "يصفون" وهو خطأ.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ الْخَلْقُ: التَّقْدِيرُ، والبَراء: هُوَ الْفَرْيُ، وَهُوَ التَّنْفِيذُ وَإِبْرَازُ مَا قَدَّرَهُ وَقَرَّرَهُ إِلَى الْوُجُودِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَدَّرَ شَيْئًا وَرَتَّبَهُ يَقْدِرُ عَلَى تَنْفِيذِهِ وَإِيجَادِهِ سِوَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ الشَّاعِرُ يَمْدَحُ آخَرَ [[هو زهير بن أبي سلمي يمدح به هرم بن سنان، والبيت في ديوانه (ص ٩٤) أ. هـ مستفادًا من حاشية ط الشعب.]] وَلَأَنْتَ تَفري مَا خَلَقت ... وبعضُ الْقَوْمِ يَخلُق ثُمَّ لَا يَفْري ... أَيْ: أَنْتَ تُنَفِّذُ مَا خَلَقْتَ، أَيْ: قَدَّرْتَ، بِخِلَافِ غَيْرِكَ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ مَا يُرِيدُ. فَالْخَلْقُ: التَّقْدِيرُ. وَالْفَرْيُ: التَّنْفِيذُ. وَمِنْهُ يُقَالُ: قَدَّرَ الْجَلَّادُ ثُمَّ فَرَى، أَيْ: قَطَعَ عَلَى مَا قَدَّرَهُ بِحَسَبِ مَا يُرِيدُهُ. * * وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ أَيِ: الَّذِي إِذَا أَرَادَ شَيْئًا قَالَ لَهُ: كُنْ، فَيَكُونُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يُرِيدُ، وَالصُّورَةِ الَّتِي يَخْتَارُ. كَقَوْلِهِ: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الِانْفِطَارِ: ٨] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿الْمُصَوِّرُ﴾ أَيِ: الَّذِي يُنَفِّذُ مَا يُرِيدُ إِيجَادَهُ عَلَى الصِّفَةِ التي يريدها. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي "سُورَةِ الْأَعْرَافِ"، وَذِكْرُ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دخل الجنة، وهو وتر يُحِبُّ الْوِتْرَ". وَتَقَدَّمَ سِيَاقُ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ لَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: "وَهُوَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ" -وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ-: "هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ، الْمَلِكُ، الْقُدُّوسُ، السَّلَامُ، الْمُؤْمِنُ، الْمُهَيْمِنُ، الْعَزِيزُ، الْجَبَّارُ، الْمُتَكَبِّرُ، الْخَالِقُ، الْبَارِئُ، الْمُصَوِّرُ، الْغَفَّارُ، الْقَهَّارُ، الْوَهَّابُ، الرَّزَّاقُ، الْفَتَّاحُ، الْعَلِيمُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الْخَافِضُ، الرَّافِعُ، الْمُعِزُّ، الْمُذِلُّ، السَّمِيعُ، الْبَصِيرُ، الْحَكَمُ، الْعَدْلُ، اللَّطِيفُ، الْخَبِيرُ، الْحَلِيمُ، الْعَظِيمُ، الْغَفُورُ، الشَّكُورُ، الْعَلِيُّ، الْكَبِيرُ، الْحَفِيظُ، الْمَقِيتُ، الْحَسِيبُ، الْجَلِيلُ، الْكَرِيمُ، الرَّقِيبُ، الْمُجِيبُ، الْوَاسِعُ، الْحَكِيمُ، الْوَدُودُ، الْمَجِيدُ، الْبَاعِثُ، الشَّهِيدُ، الْحَقُّ، الْوَكِيلُ، الْقَوِيُّ، الْمَتِينُ، الْوَلِيُّ، الْحَمِيدُ، الْمُحْصِي، الْمُبْدِئُ، الْمُعِيدُ، الْمُحْيِي، الْمُمِيتُ، الْحَيُّ، الْقَيُّومُ، الْوَاجِدُ، الْمَاجِدُ، الْوَاحِدُ، الصَّمَدُ، الْقَادِرُ، الْمُقْتَدِرُ، الْمُقَدِّمُ، الْمُؤَخِّرُ، الْأَوَّلُ، الْآخَرُ، الظاهر، الباطن، الولي، الْمُتَعَالِي، الْبَرُّ، التَّوَّابُ، الْمُنْتَقِمُ، الْعَفُوُّ، الرَّءُوفُ، مَالِكُ الْمُلْكِ، ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، الْمُقْسِطُ، الْجَامِعُ، الْغَنِيُّ، الْمُغْنِي، الْمَانِعُ، الضَّارُّ، النَّافِعُ، النُّورُ، الْهَادِي، الْبَدِيعُ، الْبَاقِي، الْوَارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ". وَسِيَاقُ ابْنِ مَاجَهْ بِزِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ، وَتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ مَبْسُوطًا مُطَوَّلًا بِطُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا [[في م: "هاهنا".]] [[تقدم تخريج هذا الحديث عند تفسير الآية: ١٨٠ من سورة الأعراف.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أَيْ: فَلَا يُرَامُ جَنَابه ﴿الحَكِيمُ﴾ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي: ابْنَ طَهْمَان، أبو العلاء الخَفَّاف-حدثنا نافع ابن أَبِي نَافِعٍ، عَنْ مَعقِل بْنِ يَسَارٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "من قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَكَّل اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلان، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٥/٢٦) وسنن الترمذي برقم (٢٩٢٢) .]] ، وَقَالَ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) ﴾ يقول تعالى ذكره: هو المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، الملك الذي لا ملك فوقه، ولا شيء إلا دونه، القدّوس، قيل: هو المبارك. وقد بيَّنت فيما مضى قبل معنى التقديس بشواهده، وذكرت اختلاف المختلفين فيه بما أغنى عن إعادته. ذكر من قال: عُنِيَ به المبارك. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿الْقُدُّوسُ﴾ : أي المبارك. * * وقوله: ﴿السَّلامَ﴾ يقول: هو الذي يسلم خلقه من ظلمه، وهو اسم من أسمائه. كما:- ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمّر، عن قتادة ﴿السَّلامَ﴾ : الله السلام. ⁕ حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد الله، يعني العَتكي، عن جابر بن زيد قوله: ﴿السَّلامَ﴾ قال: هو الله، وقد ذكرت الرواية فيما مضى، وبيَّنت معناه بشواهده، فأعنى ذلك عن إعادته. * * وقوله: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ يعني بالمؤمن: الذي يؤمن خلقه من ظلمه. وكان قتادة يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ : أمن بقوله أنه حقّ. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ : آمن بقوله أنه حقّ. ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جُوَيبر عن الضحاك ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ قال: المصدق. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ قال: المؤمن: المصدّق الموقن، آمن الناس بربهم فسماهم مؤمنين، وآمن الربّ الكريم لهم بإيمانهم صدّقهم أن يسمى بذلك الاسم. * * وقوله: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: المهيمن الشهيد. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ قال: الشهيد، وقال مرّة أخرى: الأمين. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ قال: الشهيد. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ قال: أنزل الله عزّ وجلّ كتابًا فشهد عليه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ قال: الشهيد عليه. وقال آخرون: المهيمن: الأمين. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جُويبر، عن الضحاك ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ الأمين. وقال آخرون: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ : المصدّق. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ قال: المصدق لكلّ ما حدّث، وقرأ ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قال: فالقرآن مصدّق على ما قبله من الكتب، والله مصدّق في كلّ ما حدّث عما مضى من الدنيا، وما بقي، وما حدّث عن الآخرة. وقد بيَّنت أولى هذه الأقوال بالصواب فيما مضى قبل في سورة المائدة بالعلل الدالة على صحته، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع. * * وقوله: ﴿الْعَزِيزُ﴾ : الشديد في انتقامه ممن انتقم من أعدائه. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿الْعَزِيزُ﴾ أي في نقمته إذا انتقم. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿الْعَزِيزُ﴾ في نقمته إذا انتقم. * * وقوله: ﴿الْجَبَّارُ﴾ يعني: المصلح أمور خلقه، المصرفهم فيما فيه صلاحهم. وكان قتادة يقول: جبر خلقه على ما يشاء من أمره. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿الْجَبَّارُ﴾ قال: جَبَرَ خلقه على ما يشاء. * * وقوله: ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ قيل: عُنِيَ به أنه تكبر عن كلّ شرّ. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ قال: تكبر عن كلّ شر. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله. ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أبو رجاء، قال: ثني رجل، عن جابر بن زيد، قال: إن اسم الله الأعظم هو الله، ألم تسمع يقول: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يقول: تنزيهًا لله وتبرئة له عن شرك المشركين به.
Il est Allah en dehors duquel il n’existe pas de dieu méritant d’être adoré, le Connaisseur de ce qui est présent et absent auquel rien n’échappe, le Tout Miséricordieux et le Très Miséricordieux dans le bas monde et dans l’au-delà, dont la miséricorde suffit à tout l’Univers. Il est le Souverain, le Purifié et le Sanctifié de toute déficience, le sain de tout défaut, Celui qui confirme la véracité de Ses messagers par des miracles éclatants, Celui qui observe les œuvres de Ses serviteurs, le Puissant à qui personne ne tient tête, le Dominateur qui domine tout et l’Orgueilleux, qu’Allah soit purifié et sanctifié de tout ce que les polythéistes Lui associent comme idoles et autres.
هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَٰلِقُ ٱلْبَارِئُ ٱلْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
C'est Lui Allah, le Créateur, Celui qui donne un commencement à toute chose, le Formateur. A Lui les plus beaux noms. Tout ce qui est dans les cieux et la terre Le glorifie. Et c'est Lui le Puissant, le Sage.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى مُعَظِّمًا لِأَمْرِ الْقُرْآنِ، ومبينا علو قدره، وأنه ينبغي وأن تَخْشَعَ لَهُ الْقُلُوبُ، وَتَتَصَدَّعَ عِنْدَ سَمَاعِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ الْأَكِيدِ: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أَيْ: فَإِنْ كَانَ الْجَبَلُ فِي غِلْظَتِهِ وَقَسَاوَتِهِ، لَوْ فَهِمَ هَذَا الْقُرْآنَ فَتَدَبَّرَ مَا فِيهِ، لَخَشَعَ وَتَصَدَّعَ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكُمْ أَيُّهَا الْبَشَرُ أَلَّا تَلِينَ قُلُوبُكُمْ وَتَخْشَعَ، وَتَتَصَدَّعَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَقَدْ فَهِمْتُمْ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَتَدَبَّرْتُمْ كِتَابَهُ؟ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . قَالَ الْعَوْفِيُّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ [لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا] ﴾ [[زيادة من م.]] إِلَى آخِرِهَا، يَقُولُ: لَوْ أَنِّي أَنْزَلْتُ هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ حَمّلته إِيَّاهُ، لَتَصَدَّعَ [[في م: "لصدع".]] وَخَشَعَ مِنْ ثِقَلِهِ، وَمِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. فَأَمَرَ اللَّهُ النَّاسَ إِذَا نَزَّلَ عَلَيْهِمُ القرآنُ أَنْ يَأْخُذُوهُ بِالْخَشْيَةِ الشَّدِيدَةِ والتخشع. ثم قَالَ: كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَابْنُ جَرِيرٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَوَاتِرِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا عُمِلَ لَهُ الْمِنْبَرُ، وَقَدْ كَانَ يَوْمَ الْخُطْبَةِ يَقِفُ إِلَى جَانِبِ جِذْعٍ مِنْ جُذُوعِ الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا وُضِعَ الْمِنْبَرُ أَوَّلَ مَا وُضِعَ، وَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَخْطُبَ فَجَاوَزَ الْجِذْعَ إِلَى نَحْوِ الْمِنْبَرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ حَنّ الْجِذْعُ وَجَعَلَ [[حديث حنين الجذع رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٥٨٣) من حديث ابن عمر، وبرقم (٣٥٨٤، ٣٥٨٥) من حديث جابر، رضي الله عنه.]] يَئِنُّ كَمَا يَئِنُّ الصَّبِيُّ الَّذِي يُسَكَّن [[في م: "يسكت".]] ، لِمَا كَانَ يُسمَع مِنَ الذِّكْرِ وَالْوَحْيِ عِنْدَهُ. فَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بَعْدَ إِيرَادِهِ: "فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَشْتَاقُوا إِلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الْجِذْعِ" [[رواه أبو القاسم البغوي كما في البداية والنهاية للمؤلف (٦/١٣٢) من طريق شيبان بن فروخ، عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أنس في قصة الجذع، ثم زاد: فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكي ثم قال: "يا عباد الله الخشبة تحن إلي رسول الله شوقًا إليه لمكانه من الله، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلي لقائه".]] . وَهَكَذَا هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، إِذَا كَانَتِ الْجِبَالُ الصُّمُّ لَوْ سَمِعَتْ كَلَامَ اللَّهِ وَفَهِمَتْهُ، لَخَشَعَتْ وَتَصَدَّعَتْ مَنْ خَشْيَتِهِ [[في م: "من خشية الله".]] فَكَيْفَ بِكُمْ وَقَدْ سَمِعْتُمْ وَفَهِمْتُمْ؟ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ الْآيَةَ [الرَّعْدِ: ٣١] . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: أَيْ لَكَانَ هَذَا الْقُرْآنُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٧٤] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَلَا رَبَّ غَيْرُهُ، وَلَا إِلَهَ لِلْوُجُودِ سِوَاهُ، وَكُلُّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ فَبَاطِلٌ، وَأَنَّهُ عَالِمُ الْغَيْبِ [[في م: "بالغيب".]] وَالشَّهَادَةِ، أَيْ: يَعْلَمُ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ الْمُشَاهِدَاتِ لَنَا وَالْغَائِبَاتِ عَنَّا فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ، وَلَا فِي السَّمَاءِ مِنْ جَلِيلٍ وَحَقِيرٍ وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حَتَّى الذَّرِّ فِي الظُّلُمَاتِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هاهنا. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ الشَّامِلَةِ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَهُوَ رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمُهُمَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٦] ، وَقَالَ ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٤] ، وَقَالَ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يُونُسَ: ٥٨] . * * وَقَوْلُهُ [[في م: "ثم قال".]] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ﴾ أَيِ: الْمَالِكُ لِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَصَرِّفُ فِيهَا بِلَا مُمَانَعَةٍ وَلَا مُدَافَعَةٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿الْقُدُّوسُ﴾ قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أَيِ الطَّاهِرُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: أَيِ الْمُبَارَكُ: وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تُقَدِّسُهُ الْمَلَائِكَةُ الكرام. ﴿السَّلامُ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ؛ بِكَمَالِهِ [[في م: "لكماله".]] فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: [أَيْ] [[زيادة من م.]] أَمَّنَ خَلْقَهُ مِنْ أَنْ يَظْلِمَهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أمَّن بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ حَقٌّ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَدّق عبادَه الْمُؤْمِنِينَ فِي إِيمَانِهِمْ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَيِ [[في م: "إنه".]] الشَّاهِدُ عَلَى خَلْقِهِ بِأَعْمَالِهِمْ، بِمَعْنَى: هُوَ رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الْبُرُوجِ: ٩] ، وَقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يُونُسَ: ٤٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ الْآيَةَ [الرَّعْدِ: ٣٣] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿الْعَزِيزُ﴾ أَيِ: الَّذِي قَدْ عَزَّ كُلَّ شَيْءٍ فَقَهَرَهُ، وَغَلَبَ الْأَشْيَاءَ فَلَا يُنَالُ جَنَابُهُ؛ لِعِزَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَجَبَرُوتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ أَيِ: الَّذِي لَا تَلِيقُ الجَبْرّية إِلَّا لَهُ، وَلَا التَّكَبُّرُ إِلَّا لِعَظَمَتِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحِ: "العَظَمة إِزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا عَذَّبته". وَقَالَ قَتَادَةُ: الْجَبَّارُ: الَّذِي جَبَر خَلْقَهُ عَلَى مَا يَشَاءُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْجَبَّارُ: المصلحُ أمورَ خَلْقِهِ، الْمُتَصَرِّفُ فِيهِمْ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْمُتَكَبِّرُ: يَعْنِي عَنْ كُلِّ سُوءٍ. ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [[في م: "يصفون" وهو خطأ.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ الْخَلْقُ: التَّقْدِيرُ، والبَراء: هُوَ الْفَرْيُ، وَهُوَ التَّنْفِيذُ وَإِبْرَازُ مَا قَدَّرَهُ وَقَرَّرَهُ إِلَى الْوُجُودِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَدَّرَ شَيْئًا وَرَتَّبَهُ يَقْدِرُ عَلَى تَنْفِيذِهِ وَإِيجَادِهِ سِوَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ الشَّاعِرُ يَمْدَحُ آخَرَ [[هو زهير بن أبي سلمي يمدح به هرم بن سنان، والبيت في ديوانه (ص ٩٤) أ. هـ مستفادًا من حاشية ط الشعب.]] وَلَأَنْتَ تَفري مَا خَلَقت ... وبعضُ الْقَوْمِ يَخلُق ثُمَّ لَا يَفْري ... أَيْ: أَنْتَ تُنَفِّذُ مَا خَلَقْتَ، أَيْ: قَدَّرْتَ، بِخِلَافِ غَيْرِكَ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ مَا يُرِيدُ. فَالْخَلْقُ: التَّقْدِيرُ. وَالْفَرْيُ: التَّنْفِيذُ. وَمِنْهُ يُقَالُ: قَدَّرَ الْجَلَّادُ ثُمَّ فَرَى، أَيْ: قَطَعَ عَلَى مَا قَدَّرَهُ بِحَسَبِ مَا يُرِيدُهُ. * * وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ أَيِ: الَّذِي إِذَا أَرَادَ شَيْئًا قَالَ لَهُ: كُنْ، فَيَكُونُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يُرِيدُ، وَالصُّورَةِ الَّتِي يَخْتَارُ. كَقَوْلِهِ: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الِانْفِطَارِ: ٨] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿الْمُصَوِّرُ﴾ أَيِ: الَّذِي يُنَفِّذُ مَا يُرِيدُ إِيجَادَهُ عَلَى الصِّفَةِ التي يريدها. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي "سُورَةِ الْأَعْرَافِ"، وَذِكْرُ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دخل الجنة، وهو وتر يُحِبُّ الْوِتْرَ". وَتَقَدَّمَ سِيَاقُ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ لَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: "وَهُوَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ" -وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ-: "هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ، الْمَلِكُ، الْقُدُّوسُ، السَّلَامُ، الْمُؤْمِنُ، الْمُهَيْمِنُ، الْعَزِيزُ، الْجَبَّارُ، الْمُتَكَبِّرُ، الْخَالِقُ، الْبَارِئُ، الْمُصَوِّرُ، الْغَفَّارُ، الْقَهَّارُ، الْوَهَّابُ، الرَّزَّاقُ، الْفَتَّاحُ، الْعَلِيمُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الْخَافِضُ، الرَّافِعُ، الْمُعِزُّ، الْمُذِلُّ، السَّمِيعُ، الْبَصِيرُ، الْحَكَمُ، الْعَدْلُ، اللَّطِيفُ، الْخَبِيرُ، الْحَلِيمُ، الْعَظِيمُ، الْغَفُورُ، الشَّكُورُ، الْعَلِيُّ، الْكَبِيرُ، الْحَفِيظُ، الْمَقِيتُ، الْحَسِيبُ، الْجَلِيلُ، الْكَرِيمُ، الرَّقِيبُ، الْمُجِيبُ، الْوَاسِعُ، الْحَكِيمُ، الْوَدُودُ، الْمَجِيدُ، الْبَاعِثُ، الشَّهِيدُ، الْحَقُّ، الْوَكِيلُ، الْقَوِيُّ، الْمَتِينُ، الْوَلِيُّ، الْحَمِيدُ، الْمُحْصِي، الْمُبْدِئُ، الْمُعِيدُ، الْمُحْيِي، الْمُمِيتُ، الْحَيُّ، الْقَيُّومُ، الْوَاجِدُ، الْمَاجِدُ، الْوَاحِدُ، الصَّمَدُ، الْقَادِرُ، الْمُقْتَدِرُ، الْمُقَدِّمُ، الْمُؤَخِّرُ، الْأَوَّلُ، الْآخَرُ، الظاهر، الباطن، الولي، الْمُتَعَالِي، الْبَرُّ، التَّوَّابُ، الْمُنْتَقِمُ، الْعَفُوُّ، الرَّءُوفُ، مَالِكُ الْمُلْكِ، ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، الْمُقْسِطُ، الْجَامِعُ، الْغَنِيُّ، الْمُغْنِي، الْمَانِعُ، الضَّارُّ، النَّافِعُ، النُّورُ، الْهَادِي، الْبَدِيعُ، الْبَاقِي، الْوَارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ". وَسِيَاقُ ابْنِ مَاجَهْ بِزِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ، وَتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ مَبْسُوطًا مُطَوَّلًا بِطُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا [[في م: "هاهنا".]] [[تقدم تخريج هذا الحديث عند تفسير الآية: ١٨٠ من سورة الأعراف.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٤] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أَيْ: فَلَا يُرَامُ جَنَابه ﴿الحَكِيمُ﴾ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي: ابْنَ طَهْمَان، أبو العلاء الخَفَّاف-حدثنا نافع ابن أَبِي نَافِعٍ، عَنْ مَعقِل بْنِ يَسَارٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "من قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَكَّل اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلان، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٥/٢٦) وسنن الترمذي برقم (٢٩٢٢) .]] ، وَقَالَ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: هو المعبود الخالق، الذي لا معبود تصلح له العبادة غيره، ولا خالق سواه، البارئ الذي برأ الخلق، فأوجدهم بقدرته، المصوّر خلقه كيف شاء، وكيف يشاء. * * قوله: ﴿لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ يقول تعالى ذكره: لله الأسماء الحسنى، وهي هذه الأسماء التي سمى الله بها نفسه، التي ذكرها في هاتين الآيتين. ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ يقول: يسبح له جميع ما في السموات والأرض، ويسجد له طوعًا وكرهًا ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ يقول: وهو الشديد الانتقام من أعدائه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيره خلقه، وصرفهم فيما فيه صلاحهم. آخر تفسير سورة الحشر
Il est Allah, le Créateur et l’Auteur de toute chose, Celui qui donne forme à Ses créations selon ce qu’Il veut. Il possède les Plus Beaux Noms qui expriment Ses attributs suprêmes. Les habitants des Cieux et de la Terre Le purifient de toute déficience. Il est le Puissant à qui personne ne tient tête, le Sage dans ce qu’Il crée, prescrit et détermine.