← Toutes les sourates

Al-Haaqqa سُورَةُ الحَاقَّةِ

Sourate 69 · 52 versets · Meccan

1

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٱلْحَآقَّةُ

L'inévitable [l'Heure qui montre la vérité]

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحَاقَّةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الحاقةُ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا يَتَحقَّقُ الوَعدُ والوَعيد؛ وَلِهَذَا عَظَّم تَعَالَى أمرَها فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى إِهْلَاكَهُ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبِينَ بِهَا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ وَهِيَ الصَّيْحَةُ الَّتِي أَسْكَتَتْهُمْ، وَالزَّلْزَلَةُ الَّتِي أَسْكَنَتْهُمْ. هَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ: الطَّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣١) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الطَّاغِيَةُ الذُّنُوبُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الطُّغْيَانُ، وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ١١] . وَقَالَ السُّدِّي: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ قَالَ: يَعْنِي: عَاقِرَ النَّاقَةِ. ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أَيْ: بَارِدَةٍ. قَالَ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ أَيْ: شَدِيدَةِ الْهُبُوبِ. قَالَ قَتَادَةُ: عَتَتْ عَلَيْهِمْ حَتَّى نَقَّبت عَنْ أَفْئِدَتِهِمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿صَرْصَرٍ﴾ بَارِدَةٍ ﴿عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ رَحْمَةٍ وَلَا بَرَكَةٍ. وَقَالَ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ: عَتَتْ عَلَى الْخَزَنَةِ فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ حِسَابٍ. ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: سَلَّطَهَا عَلَيْهِمْ ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ أي: كوامل متتابعات مشائيم. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ ﴿حُسُومًا﴾ مُتَتَابِعَاتٍ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ وَالرَّبِيعِ: مَشَائِيمَ عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٦] قَالَ الرَّبِيعُ: وَكَانَ أَوَّلُهَا الْجُمْعَةَ. وَقَالَ غَيْرُهُ الْأَرْبِعَاءَ. وَيُقَالُ: إِنَّهَا الَّتِي تُسَمِّيهَا النَّاسُ الْأَعْجَازَ؛ وَكَأَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تَكُونُ فِي عَجُزِ الشِّتَاءِ، وَيُقَالُ: أَيَّامُ الْعَجُوزِ؛ لِأَنَّ عَجُوزًا مِنْ قَوْمِ عَادٍ دَخَلَتْ سَرَبا فَقَتَلَهَا الرِّيحُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ. حَكَاهُ الْبَغْوَيُّ [[معالم التنزيل للبغوي (٢٠٨) .]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿خَاوِيَةٍ﴾ خَرِبَةٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَالِيَةٍ، أَيْ: جَعَلَتِ الرِّيحُ تَضْرِبُ بِأَحَدِهِمُ الْأَرْضَ فَيَخِرُّ مَيِّتًا عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ، فَيَنْشَدِخُ رَأْسُهُ وَتَبْقَى جُثَّتُهُ هَامِدَةً كَأَنَّهَا قَائِمَةُ النَّخْلَةِ إِذَا خَرَّتْ بِلَا أَغْصَانٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم أنه قَالَ: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأهلكَت عادٌ بالدَّبور" [[صحيح البخاري برقم (١٠٣٥) وصحيح مسلم برقم (٩٠٠) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الضِّريس الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيل، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي أُهْلِكُوا فِيهَا إِلَّا مِثْلَ مَوْضِعِ الْخَاتَمِ، فَمرّت بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ فَحَمْلَتْهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَجَعَلَتْهُمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الْحَاضِرَةِ الرِّيحَ [[في م: "فلما رأى أهل الحاضر من عاد الريح".]] وَمَا فِيهَا قَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا. فَأَلْقَتْ أَهْلَ الْبَادِيَةِ وَمَوَاشِيَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْحَاضِرَةِ" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/٤٢١) وأبو الشيخ في العظمة برقم (٨٠٦) من طريق محمد بن فضيل عن مسلم، به. وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٣) : "فيه مسلم الملائي وهو ضعيف".]] . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: الرِّيحُ لَهَا جَنَاحَانِ وَذَنَبٌ. ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ ؟ أَيْ: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَقَايَاهُمْ أَنَّهُ [[في م: "أو".]] مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِمْ؟ بَلْ بَادُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُمْ خَلفَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قُرئ بِكَسْرِ الْقَافِ، أَيْ: وَمِنْ عِنْدِهِ فِي زَمَانِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ مِنْ كُفَّارِ الْقِبْطِ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِفَتْحِهَا، أَيْ: وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُشْبِهِينَ لَهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ وَهُمُ الْمُكَذِّبُونَ بِالرُّسُلِ. ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ بِالْفِعْلَةِ الْخَاطِئَةِ، وَهِيَ التَّكْذِيبُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ. قَالَ الرَّبِيعُ: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ: بِالْمَعْصِيَةِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالْخَطَايَا. وَلِهَذَا قَالَ: تَعَالَى ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ وَهَذَا جِنْسٌ، أَيْ: كُلّ كذّبَ رَسُولَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤] . [[في م، أ، هـ: "إن كل إلا".]] وَمَنْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ كَذَّبَ بِالْجَمِيعِ، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٠٥] ، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٢٣] . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٤١] وَإِنَّمَا جَاءَ إِلَى كُلِّ أُمَّةٍ رسول واحد؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ أَيْ: عَظِيمَةً شَدِيدَةً أَلِيمَةً. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿رَابِيَةً﴾ شَدِيدَةً. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مُهْلِكَةً. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ أَيْ: زَادَ عَلَى الْحَدِّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَارْتَفَعَ عَلَى الْوُجُودِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿طَغَى الْمَاءُ﴾ كَثُرَ -وَذَلِكَ بِسَبَبِ دَعْوَةِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى قَوْمِهِ حِينَ كَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، فَعَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وعَمّ أَهْلَ الْأَرْضَ بِالطُّوفَانِ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ، فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْ سُلَالَةِ نُوحٍ وَذُرِّيَّتِهِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ أَبِي سِنَانٍ سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَمْ تَنْزِلْ قَطْرَةٌ مِنْ مَاءٍ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ نُوحٍ أُذِنَ لِلْمَاءِ دُونَ الْخَزَّانِ، فَطَغَى الْمَاءُ عَلَى الْخَزَّانِ فَخَرَجَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَلَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، إِلَّا يَوْمَ عَادٍ، فَإِنَّهُ أُذِنَ لَهَا دُونَ الْخَزَّانِ فَخَرَجَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَى الْخَزَّانِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٢) .]] . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى النَّاسِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَهِيَ السَّفِينَةُ الْجَارِيَةُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْجِنْسِ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، أَيْ: وَأَبْقَيْنَا لَكُمْ مِنْ جِنْسِهَا مَا تَرْكَبُونَ عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ فِي الْبِحَارِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْه﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٢، ١٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١، ٤٢] . وَقَالَ قَتَادَةُ: أَبْقَى اللَّهُ السَّفِينَةَ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أَيْ: وَتَفْهَمَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وَتَذْكُرَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَافِظَةٌ سَامِعَةٌ [[في م: "سامعة حافظة".]] وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ عَقَلَتْ [[في م: "تحفظت"، وفي أ: "حفظت".]] عَنِ اللَّهِ فَانْتَفَعَتْ بِمَا سَمِعَتْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ سَمِعَتْهَا أُذُنٌ وَوَعَتْ. أَيْ: مَنْ لَهُ سَمْعٌ صَحِيحٌ وَعَقْلٌ رَجِيحٌ. وَهَذَا عام فيمن فهم، ووعى. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ صُبْحٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَوْشَبٍ، سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَ [[في م، أ: "لما نزلت".]] عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَهَا أذُنَ عَلِيّ". [قَالَ مَكْحُولٌ] [[زيادة من م، أ.]] فَكَانَ عَلِيّ يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ فَنَسِيتُهُ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ مَكْحُولٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٥) .]] بِهِ. وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ [[في أ: "حدثنا بشير".]] بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَبُو مُحَمَّدٍ -يَعْنِي وَالِدَ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ-حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ الْهَيْثَمِ، سَمِعْتُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَلِيٍّ: "إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُدْنِيَكَ وَلَا أُقْصِيَكَ، وَأَنْ أُعْلِمَكَ وَأَنْ تَعِيَ، وحُقّ لَكَ أَنْ تَعِيَ". قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ آدَمَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٦) ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في الكنز برقم (٣٦٤٢٦) وقال ابن عساكر: "هذا إسناد لا يعرف والحديث شاذ".]] ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ دَاوُدَ الْأَعْمَى، عَنْ بُرَيدة، بِهِ. وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: الساعة ﴿الْحَاقَّةُ﴾ التي تحقّ فيها الأمور، ويجب فيها الجزاء على الأعمال ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ يقول: أيّ الساعة الحاقة. وذُكر عن العرب أنها تقول: لما عرف الحاقة متى والحقة متى، وبالكسر بمعنى واحد في اللغات الثلاث، وتقول: وقد حقّ عليه الشيء إذا وجب، فهو يحقّ حقوقا. والحاقة الأولى مرفوعة بالثانية، لأن الثانية بمنزلة الكناية عنها، كأنه عجب منها، فقال: ﴿الحاقة﴾ : ما هي، كما يقال: زيد ما زيد. والحاقة الثانية مرفوعة بما، وما بمعنى أي، وما رفع بالحاقة الثانية، ومثله في القرآن ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ و ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعة﴾ ، فما في موضع رفع بالقارعة الثانية والأولى بجملة الكلام بعدها. وبنحو الذي قلنا في قوله: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ قال: من أسماء يوم القيامة، عظمه الله، وحذّره عباده. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن شريك، عن جابر، عن عكرِمة قال: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ القيامة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ يعني: الساعة أحقت لكل عامل عمله. ⁕ حدثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿الْحَاقَّةُ﴾ قال: أحقت لكلّ قوم أعمالهم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ يعني القيامة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقة﴾ و ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ﴾ والواقِعةُ، والطَّامَّة، والصَّاخَّة قال: هذا كله يوم القيامة الساعة، وقرأ قول الله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ والخافضة من هؤلاء أيضا خفضت أهل النار، ولا نعلم أحدا أخفض من أهل النار، ولا أذل ولا أخزى؛ ورفعت أهل الجنة، ولا نعلم أحدا أشرف من أهل الجنة ولا أكرم. * * وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وأيّ شيء أدراك وعرّفك أيّ شيء الحاقة. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان قال: ما في القرآن: وما يدريك فلم يخبره، وما كان وما أدراك، فقد أخبره. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ تعظيما ليوم القيامة كما تسمعون. * * وقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ يقول تعالى ذكره: كذّبت ثمود قوم صالح، وعاد قوم هود بالساعة، التي تقرع قلوب العباد فيها بهجومها عليهم. والقارعة أيضا: اسم من أسماء القيامة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ ، أي بالساعة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ قال: القارعة: يوم القيامة.

Al-Mukhtasar (français)

Allah mentionne l’Heure de la Ressuscitation que tout un chacun vivra.

2

مَا ٱلْحَآقَّةُ

Qu'est-ce que l'inévitable?

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحَاقَّةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الحاقةُ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا يَتَحقَّقُ الوَعدُ والوَعيد؛ وَلِهَذَا عَظَّم تَعَالَى أمرَها فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى إِهْلَاكَهُ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبِينَ بِهَا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ وَهِيَ الصَّيْحَةُ الَّتِي أَسْكَتَتْهُمْ، وَالزَّلْزَلَةُ الَّتِي أَسْكَنَتْهُمْ. هَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ: الطَّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣١) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الطَّاغِيَةُ الذُّنُوبُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الطُّغْيَانُ، وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ١١] . وَقَالَ السُّدِّي: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ قَالَ: يَعْنِي: عَاقِرَ النَّاقَةِ. ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أَيْ: بَارِدَةٍ. قَالَ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ أَيْ: شَدِيدَةِ الْهُبُوبِ. قَالَ قَتَادَةُ: عَتَتْ عَلَيْهِمْ حَتَّى نَقَّبت عَنْ أَفْئِدَتِهِمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿صَرْصَرٍ﴾ بَارِدَةٍ ﴿عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ رَحْمَةٍ وَلَا بَرَكَةٍ. وَقَالَ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ: عَتَتْ عَلَى الْخَزَنَةِ فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ حِسَابٍ. ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: سَلَّطَهَا عَلَيْهِمْ ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ أي: كوامل متتابعات مشائيم. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ ﴿حُسُومًا﴾ مُتَتَابِعَاتٍ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ وَالرَّبِيعِ: مَشَائِيمَ عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٦] قَالَ الرَّبِيعُ: وَكَانَ أَوَّلُهَا الْجُمْعَةَ. وَقَالَ غَيْرُهُ الْأَرْبِعَاءَ. وَيُقَالُ: إِنَّهَا الَّتِي تُسَمِّيهَا النَّاسُ الْأَعْجَازَ؛ وَكَأَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تَكُونُ فِي عَجُزِ الشِّتَاءِ، وَيُقَالُ: أَيَّامُ الْعَجُوزِ؛ لِأَنَّ عَجُوزًا مِنْ قَوْمِ عَادٍ دَخَلَتْ سَرَبا فَقَتَلَهَا الرِّيحُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ. حَكَاهُ الْبَغْوَيُّ [[معالم التنزيل للبغوي (٢٠٨) .]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿خَاوِيَةٍ﴾ خَرِبَةٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَالِيَةٍ، أَيْ: جَعَلَتِ الرِّيحُ تَضْرِبُ بِأَحَدِهِمُ الْأَرْضَ فَيَخِرُّ مَيِّتًا عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ، فَيَنْشَدِخُ رَأْسُهُ وَتَبْقَى جُثَّتُهُ هَامِدَةً كَأَنَّهَا قَائِمَةُ النَّخْلَةِ إِذَا خَرَّتْ بِلَا أَغْصَانٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم أنه قَالَ: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأهلكَت عادٌ بالدَّبور" [[صحيح البخاري برقم (١٠٣٥) وصحيح مسلم برقم (٩٠٠) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الضِّريس الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيل، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي أُهْلِكُوا فِيهَا إِلَّا مِثْلَ مَوْضِعِ الْخَاتَمِ، فَمرّت بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ فَحَمْلَتْهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَجَعَلَتْهُمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الْحَاضِرَةِ الرِّيحَ [[في م: "فلما رأى أهل الحاضر من عاد الريح".]] وَمَا فِيهَا قَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا. فَأَلْقَتْ أَهْلَ الْبَادِيَةِ وَمَوَاشِيَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْحَاضِرَةِ" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/٤٢١) وأبو الشيخ في العظمة برقم (٨٠٦) من طريق محمد بن فضيل عن مسلم، به. وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٣) : "فيه مسلم الملائي وهو ضعيف".]] . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: الرِّيحُ لَهَا جَنَاحَانِ وَذَنَبٌ. ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ ؟ أَيْ: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَقَايَاهُمْ أَنَّهُ [[في م: "أو".]] مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِمْ؟ بَلْ بَادُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُمْ خَلفَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قُرئ بِكَسْرِ الْقَافِ، أَيْ: وَمِنْ عِنْدِهِ فِي زَمَانِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ مِنْ كُفَّارِ الْقِبْطِ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِفَتْحِهَا، أَيْ: وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُشْبِهِينَ لَهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ وَهُمُ الْمُكَذِّبُونَ بِالرُّسُلِ. ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ بِالْفِعْلَةِ الْخَاطِئَةِ، وَهِيَ التَّكْذِيبُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ. قَالَ الرَّبِيعُ: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ: بِالْمَعْصِيَةِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالْخَطَايَا. وَلِهَذَا قَالَ: تَعَالَى ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ وَهَذَا جِنْسٌ، أَيْ: كُلّ كذّبَ رَسُولَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤] . [[في م، أ، هـ: "إن كل إلا".]] وَمَنْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ كَذَّبَ بِالْجَمِيعِ، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٠٥] ، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٢٣] . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٤١] وَإِنَّمَا جَاءَ إِلَى كُلِّ أُمَّةٍ رسول واحد؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ أَيْ: عَظِيمَةً شَدِيدَةً أَلِيمَةً. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿رَابِيَةً﴾ شَدِيدَةً. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مُهْلِكَةً. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ أَيْ: زَادَ عَلَى الْحَدِّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَارْتَفَعَ عَلَى الْوُجُودِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿طَغَى الْمَاءُ﴾ كَثُرَ -وَذَلِكَ بِسَبَبِ دَعْوَةِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى قَوْمِهِ حِينَ كَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، فَعَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وعَمّ أَهْلَ الْأَرْضَ بِالطُّوفَانِ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ، فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْ سُلَالَةِ نُوحٍ وَذُرِّيَّتِهِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ أَبِي سِنَانٍ سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَمْ تَنْزِلْ قَطْرَةٌ مِنْ مَاءٍ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ نُوحٍ أُذِنَ لِلْمَاءِ دُونَ الْخَزَّانِ، فَطَغَى الْمَاءُ عَلَى الْخَزَّانِ فَخَرَجَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَلَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، إِلَّا يَوْمَ عَادٍ، فَإِنَّهُ أُذِنَ لَهَا دُونَ الْخَزَّانِ فَخَرَجَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَى الْخَزَّانِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٢) .]] . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى النَّاسِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَهِيَ السَّفِينَةُ الْجَارِيَةُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْجِنْسِ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، أَيْ: وَأَبْقَيْنَا لَكُمْ مِنْ جِنْسِهَا مَا تَرْكَبُونَ عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ فِي الْبِحَارِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْه﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٢، ١٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١، ٤٢] . وَقَالَ قَتَادَةُ: أَبْقَى اللَّهُ السَّفِينَةَ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أَيْ: وَتَفْهَمَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وَتَذْكُرَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَافِظَةٌ سَامِعَةٌ [[في م: "سامعة حافظة".]] وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ عَقَلَتْ [[في م: "تحفظت"، وفي أ: "حفظت".]] عَنِ اللَّهِ فَانْتَفَعَتْ بِمَا سَمِعَتْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ سَمِعَتْهَا أُذُنٌ وَوَعَتْ. أَيْ: مَنْ لَهُ سَمْعٌ صَحِيحٌ وَعَقْلٌ رَجِيحٌ. وَهَذَا عام فيمن فهم، ووعى. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ صُبْحٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَوْشَبٍ، سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَ [[في م، أ: "لما نزلت".]] عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَهَا أذُنَ عَلِيّ". [قَالَ مَكْحُولٌ] [[زيادة من م، أ.]] فَكَانَ عَلِيّ يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ فَنَسِيتُهُ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ مَكْحُولٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٥) .]] بِهِ. وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ [[في أ: "حدثنا بشير".]] بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَبُو مُحَمَّدٍ -يَعْنِي وَالِدَ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ-حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ الْهَيْثَمِ، سَمِعْتُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَلِيٍّ: "إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُدْنِيَكَ وَلَا أُقْصِيَكَ، وَأَنْ أُعْلِمَكَ وَأَنْ تَعِيَ، وحُقّ لَكَ أَنْ تَعِيَ". قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ آدَمَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٦) ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في الكنز برقم (٣٦٤٢٦) وقال ابن عساكر: "هذا إسناد لا يعرف والحديث شاذ".]] ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ دَاوُدَ الْأَعْمَى، عَنْ بُرَيدة، بِهِ. وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: الساعة ﴿الْحَاقَّةُ﴾ التي تحقّ فيها الأمور، ويجب فيها الجزاء على الأعمال ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ يقول: أيّ الساعة الحاقة. وذُكر عن العرب أنها تقول: لما عرف الحاقة متى والحقة متى، وبالكسر بمعنى واحد في اللغات الثلاث، وتقول: وقد حقّ عليه الشيء إذا وجب، فهو يحقّ حقوقا. والحاقة الأولى مرفوعة بالثانية، لأن الثانية بمنزلة الكناية عنها، كأنه عجب منها، فقال: ﴿الحاقة﴾ : ما هي، كما يقال: زيد ما زيد. والحاقة الثانية مرفوعة بما، وما بمعنى أي، وما رفع بالحاقة الثانية، ومثله في القرآن ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ و ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعة﴾ ، فما في موضع رفع بالقارعة الثانية والأولى بجملة الكلام بعدها. وبنحو الذي قلنا في قوله: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ قال: من أسماء يوم القيامة، عظمه الله، وحذّره عباده. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن شريك، عن جابر، عن عكرِمة قال: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ القيامة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ يعني: الساعة أحقت لكل عامل عمله. ⁕ حدثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿الْحَاقَّةُ﴾ قال: أحقت لكلّ قوم أعمالهم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ يعني القيامة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقة﴾ و ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ﴾ والواقِعةُ، والطَّامَّة، والصَّاخَّة قال: هذا كله يوم القيامة الساعة، وقرأ قول الله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ والخافضة من هؤلاء أيضا خفضت أهل النار، ولا نعلم أحدا أخفض من أهل النار، ولا أذل ولا أخزى؛ ورفعت أهل الجنة، ولا نعلم أحدا أشرف من أهل الجنة ولا أكرم. * * وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وأيّ شيء أدراك وعرّفك أيّ شيء الحاقة. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان قال: ما في القرآن: وما يدريك فلم يخبره، وما كان وما أدراك، فقد أخبره. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ تعظيما ليوم القيامة كما تسمعون. * * وقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ يقول تعالى ذكره: كذّبت ثمود قوم صالح، وعاد قوم هود بالساعة، التي تقرع قلوب العباد فيها بهجومها عليهم. والقارعة أيضا: اسم من أسماء القيامة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ ، أي بالساعة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ قال: القارعة: يوم القيامة.

Al-Mukhtasar (français)

Puis Allah souligne sa gravité par cette question: Qu’est donc cette inévitable?

3

وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْحَآقَّةُ

Et qui te dira ce que c'est que l'inévitable?

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحَاقَّةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الحاقةُ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا يَتَحقَّقُ الوَعدُ والوَعيد؛ وَلِهَذَا عَظَّم تَعَالَى أمرَها فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى إِهْلَاكَهُ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبِينَ بِهَا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ وَهِيَ الصَّيْحَةُ الَّتِي أَسْكَتَتْهُمْ، وَالزَّلْزَلَةُ الَّتِي أَسْكَنَتْهُمْ. هَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ: الطَّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣١) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الطَّاغِيَةُ الذُّنُوبُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الطُّغْيَانُ، وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ١١] . وَقَالَ السُّدِّي: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ قَالَ: يَعْنِي: عَاقِرَ النَّاقَةِ. ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أَيْ: بَارِدَةٍ. قَالَ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ أَيْ: شَدِيدَةِ الْهُبُوبِ. قَالَ قَتَادَةُ: عَتَتْ عَلَيْهِمْ حَتَّى نَقَّبت عَنْ أَفْئِدَتِهِمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿صَرْصَرٍ﴾ بَارِدَةٍ ﴿عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ رَحْمَةٍ وَلَا بَرَكَةٍ. وَقَالَ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ: عَتَتْ عَلَى الْخَزَنَةِ فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ حِسَابٍ. ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: سَلَّطَهَا عَلَيْهِمْ ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ أي: كوامل متتابعات مشائيم. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ ﴿حُسُومًا﴾ مُتَتَابِعَاتٍ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ وَالرَّبِيعِ: مَشَائِيمَ عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٦] قَالَ الرَّبِيعُ: وَكَانَ أَوَّلُهَا الْجُمْعَةَ. وَقَالَ غَيْرُهُ الْأَرْبِعَاءَ. وَيُقَالُ: إِنَّهَا الَّتِي تُسَمِّيهَا النَّاسُ الْأَعْجَازَ؛ وَكَأَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تَكُونُ فِي عَجُزِ الشِّتَاءِ، وَيُقَالُ: أَيَّامُ الْعَجُوزِ؛ لِأَنَّ عَجُوزًا مِنْ قَوْمِ عَادٍ دَخَلَتْ سَرَبا فَقَتَلَهَا الرِّيحُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ. حَكَاهُ الْبَغْوَيُّ [[معالم التنزيل للبغوي (٢٠٨) .]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿خَاوِيَةٍ﴾ خَرِبَةٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَالِيَةٍ، أَيْ: جَعَلَتِ الرِّيحُ تَضْرِبُ بِأَحَدِهِمُ الْأَرْضَ فَيَخِرُّ مَيِّتًا عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ، فَيَنْشَدِخُ رَأْسُهُ وَتَبْقَى جُثَّتُهُ هَامِدَةً كَأَنَّهَا قَائِمَةُ النَّخْلَةِ إِذَا خَرَّتْ بِلَا أَغْصَانٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم أنه قَالَ: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأهلكَت عادٌ بالدَّبور" [[صحيح البخاري برقم (١٠٣٥) وصحيح مسلم برقم (٩٠٠) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الضِّريس الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيل، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي أُهْلِكُوا فِيهَا إِلَّا مِثْلَ مَوْضِعِ الْخَاتَمِ، فَمرّت بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ فَحَمْلَتْهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَجَعَلَتْهُمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الْحَاضِرَةِ الرِّيحَ [[في م: "فلما رأى أهل الحاضر من عاد الريح".]] وَمَا فِيهَا قَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا. فَأَلْقَتْ أَهْلَ الْبَادِيَةِ وَمَوَاشِيَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْحَاضِرَةِ" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/٤٢١) وأبو الشيخ في العظمة برقم (٨٠٦) من طريق محمد بن فضيل عن مسلم، به. وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٣) : "فيه مسلم الملائي وهو ضعيف".]] . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: الرِّيحُ لَهَا جَنَاحَانِ وَذَنَبٌ. ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ ؟ أَيْ: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَقَايَاهُمْ أَنَّهُ [[في م: "أو".]] مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِمْ؟ بَلْ بَادُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُمْ خَلفَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قُرئ بِكَسْرِ الْقَافِ، أَيْ: وَمِنْ عِنْدِهِ فِي زَمَانِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ مِنْ كُفَّارِ الْقِبْطِ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِفَتْحِهَا، أَيْ: وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُشْبِهِينَ لَهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ وَهُمُ الْمُكَذِّبُونَ بِالرُّسُلِ. ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ بِالْفِعْلَةِ الْخَاطِئَةِ، وَهِيَ التَّكْذِيبُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ. قَالَ الرَّبِيعُ: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ: بِالْمَعْصِيَةِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالْخَطَايَا. وَلِهَذَا قَالَ: تَعَالَى ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ وَهَذَا جِنْسٌ، أَيْ: كُلّ كذّبَ رَسُولَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤] . [[في م، أ، هـ: "إن كل إلا".]] وَمَنْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ كَذَّبَ بِالْجَمِيعِ، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٠٥] ، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٢٣] . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٤١] وَإِنَّمَا جَاءَ إِلَى كُلِّ أُمَّةٍ رسول واحد؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ أَيْ: عَظِيمَةً شَدِيدَةً أَلِيمَةً. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿رَابِيَةً﴾ شَدِيدَةً. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مُهْلِكَةً. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ أَيْ: زَادَ عَلَى الْحَدِّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَارْتَفَعَ عَلَى الْوُجُودِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿طَغَى الْمَاءُ﴾ كَثُرَ -وَذَلِكَ بِسَبَبِ دَعْوَةِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى قَوْمِهِ حِينَ كَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، فَعَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وعَمّ أَهْلَ الْأَرْضَ بِالطُّوفَانِ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ، فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْ سُلَالَةِ نُوحٍ وَذُرِّيَّتِهِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ أَبِي سِنَانٍ سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَمْ تَنْزِلْ قَطْرَةٌ مِنْ مَاءٍ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ نُوحٍ أُذِنَ لِلْمَاءِ دُونَ الْخَزَّانِ، فَطَغَى الْمَاءُ عَلَى الْخَزَّانِ فَخَرَجَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَلَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، إِلَّا يَوْمَ عَادٍ، فَإِنَّهُ أُذِنَ لَهَا دُونَ الْخَزَّانِ فَخَرَجَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَى الْخَزَّانِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٢) .]] . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى النَّاسِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَهِيَ السَّفِينَةُ الْجَارِيَةُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْجِنْسِ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، أَيْ: وَأَبْقَيْنَا لَكُمْ مِنْ جِنْسِهَا مَا تَرْكَبُونَ عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ فِي الْبِحَارِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْه﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٢، ١٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١، ٤٢] . وَقَالَ قَتَادَةُ: أَبْقَى اللَّهُ السَّفِينَةَ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أَيْ: وَتَفْهَمَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وَتَذْكُرَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَافِظَةٌ سَامِعَةٌ [[في م: "سامعة حافظة".]] وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ عَقَلَتْ [[في م: "تحفظت"، وفي أ: "حفظت".]] عَنِ اللَّهِ فَانْتَفَعَتْ بِمَا سَمِعَتْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ سَمِعَتْهَا أُذُنٌ وَوَعَتْ. أَيْ: مَنْ لَهُ سَمْعٌ صَحِيحٌ وَعَقْلٌ رَجِيحٌ. وَهَذَا عام فيمن فهم، ووعى. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ صُبْحٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَوْشَبٍ، سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَ [[في م، أ: "لما نزلت".]] عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَهَا أذُنَ عَلِيّ". [قَالَ مَكْحُولٌ] [[زيادة من م، أ.]] فَكَانَ عَلِيّ يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ فَنَسِيتُهُ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ مَكْحُولٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٥) .]] بِهِ. وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ [[في أ: "حدثنا بشير".]] بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَبُو مُحَمَّدٍ -يَعْنِي وَالِدَ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ-حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ الْهَيْثَمِ، سَمِعْتُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَلِيٍّ: "إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُدْنِيَكَ وَلَا أُقْصِيَكَ، وَأَنْ أُعْلِمَكَ وَأَنْ تَعِيَ، وحُقّ لَكَ أَنْ تَعِيَ". قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ آدَمَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٦) ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في الكنز برقم (٣٦٤٢٦) وقال ابن عساكر: "هذا إسناد لا يعرف والحديث شاذ".]] ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ دَاوُدَ الْأَعْمَى، عَنْ بُرَيدة، بِهِ. وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: الساعة ﴿الْحَاقَّةُ﴾ التي تحقّ فيها الأمور، ويجب فيها الجزاء على الأعمال ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ يقول: أيّ الساعة الحاقة. وذُكر عن العرب أنها تقول: لما عرف الحاقة متى والحقة متى، وبالكسر بمعنى واحد في اللغات الثلاث، وتقول: وقد حقّ عليه الشيء إذا وجب، فهو يحقّ حقوقا. والحاقة الأولى مرفوعة بالثانية، لأن الثانية بمنزلة الكناية عنها، كأنه عجب منها، فقال: ﴿الحاقة﴾ : ما هي، كما يقال: زيد ما زيد. والحاقة الثانية مرفوعة بما، وما بمعنى أي، وما رفع بالحاقة الثانية، ومثله في القرآن ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ و ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعة﴾ ، فما في موضع رفع بالقارعة الثانية والأولى بجملة الكلام بعدها. وبنحو الذي قلنا في قوله: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ قال: من أسماء يوم القيامة، عظمه الله، وحذّره عباده. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن شريك، عن جابر، عن عكرِمة قال: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ القيامة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ يعني: الساعة أحقت لكل عامل عمله. ⁕ حدثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿الْحَاقَّةُ﴾ قال: أحقت لكلّ قوم أعمالهم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ يعني القيامة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقة﴾ و ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ﴾ والواقِعةُ، والطَّامَّة، والصَّاخَّة قال: هذا كله يوم القيامة الساعة، وقرأ قول الله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ والخافضة من هؤلاء أيضا خفضت أهل النار، ولا نعلم أحدا أخفض من أهل النار، ولا أذل ولا أخزى؛ ورفعت أهل الجنة، ولا نعلم أحدا أشرف من أهل الجنة ولا أكرم. * * وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وأيّ شيء أدراك وعرّفك أيّ شيء الحاقة. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان قال: ما في القرآن: وما يدريك فلم يخبره، وما كان وما أدراك، فقد أخبره. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ تعظيما ليوم القيامة كما تسمعون. * * وقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ يقول تعالى ذكره: كذّبت ثمود قوم صالح، وعاد قوم هود بالساعة، التي تقرع قلوب العباد فيها بهجومها عليهم. والقارعة أيضا: اسم من أسماء القيامة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ ، أي بالساعة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ قال: القارعة: يوم القيامة.

Al-Mukhtasar (français)

Que sais-tu de cette inévitable?

4

كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌۢ بِٱلْقَارِعَةِ

Les Thamûd et les 'Aad avaient traité de mensonge le cataclysme.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحَاقَّةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الحاقةُ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا يَتَحقَّقُ الوَعدُ والوَعيد؛ وَلِهَذَا عَظَّم تَعَالَى أمرَها فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى إِهْلَاكَهُ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبِينَ بِهَا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ وَهِيَ الصَّيْحَةُ الَّتِي أَسْكَتَتْهُمْ، وَالزَّلْزَلَةُ الَّتِي أَسْكَنَتْهُمْ. هَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ: الطَّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣١) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الطَّاغِيَةُ الذُّنُوبُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الطُّغْيَانُ، وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ١١] . وَقَالَ السُّدِّي: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ قَالَ: يَعْنِي: عَاقِرَ النَّاقَةِ. ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أَيْ: بَارِدَةٍ. قَالَ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ أَيْ: شَدِيدَةِ الْهُبُوبِ. قَالَ قَتَادَةُ: عَتَتْ عَلَيْهِمْ حَتَّى نَقَّبت عَنْ أَفْئِدَتِهِمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿صَرْصَرٍ﴾ بَارِدَةٍ ﴿عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ رَحْمَةٍ وَلَا بَرَكَةٍ. وَقَالَ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ: عَتَتْ عَلَى الْخَزَنَةِ فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ حِسَابٍ. ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: سَلَّطَهَا عَلَيْهِمْ ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ أي: كوامل متتابعات مشائيم. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ ﴿حُسُومًا﴾ مُتَتَابِعَاتٍ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ وَالرَّبِيعِ: مَشَائِيمَ عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٦] قَالَ الرَّبِيعُ: وَكَانَ أَوَّلُهَا الْجُمْعَةَ. وَقَالَ غَيْرُهُ الْأَرْبِعَاءَ. وَيُقَالُ: إِنَّهَا الَّتِي تُسَمِّيهَا النَّاسُ الْأَعْجَازَ؛ وَكَأَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تَكُونُ فِي عَجُزِ الشِّتَاءِ، وَيُقَالُ: أَيَّامُ الْعَجُوزِ؛ لِأَنَّ عَجُوزًا مِنْ قَوْمِ عَادٍ دَخَلَتْ سَرَبا فَقَتَلَهَا الرِّيحُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ. حَكَاهُ الْبَغْوَيُّ [[معالم التنزيل للبغوي (٢٠٨) .]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿خَاوِيَةٍ﴾ خَرِبَةٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَالِيَةٍ، أَيْ: جَعَلَتِ الرِّيحُ تَضْرِبُ بِأَحَدِهِمُ الْأَرْضَ فَيَخِرُّ مَيِّتًا عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ، فَيَنْشَدِخُ رَأْسُهُ وَتَبْقَى جُثَّتُهُ هَامِدَةً كَأَنَّهَا قَائِمَةُ النَّخْلَةِ إِذَا خَرَّتْ بِلَا أَغْصَانٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم أنه قَالَ: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأهلكَت عادٌ بالدَّبور" [[صحيح البخاري برقم (١٠٣٥) وصحيح مسلم برقم (٩٠٠) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الضِّريس الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيل، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي أُهْلِكُوا فِيهَا إِلَّا مِثْلَ مَوْضِعِ الْخَاتَمِ، فَمرّت بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ فَحَمْلَتْهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَجَعَلَتْهُمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الْحَاضِرَةِ الرِّيحَ [[في م: "فلما رأى أهل الحاضر من عاد الريح".]] وَمَا فِيهَا قَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا. فَأَلْقَتْ أَهْلَ الْبَادِيَةِ وَمَوَاشِيَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْحَاضِرَةِ" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/٤٢١) وأبو الشيخ في العظمة برقم (٨٠٦) من طريق محمد بن فضيل عن مسلم، به. وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٣) : "فيه مسلم الملائي وهو ضعيف".]] . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: الرِّيحُ لَهَا جَنَاحَانِ وَذَنَبٌ. ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ ؟ أَيْ: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَقَايَاهُمْ أَنَّهُ [[في م: "أو".]] مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِمْ؟ بَلْ بَادُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُمْ خَلفَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قُرئ بِكَسْرِ الْقَافِ، أَيْ: وَمِنْ عِنْدِهِ فِي زَمَانِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ مِنْ كُفَّارِ الْقِبْطِ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِفَتْحِهَا، أَيْ: وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُشْبِهِينَ لَهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ وَهُمُ الْمُكَذِّبُونَ بِالرُّسُلِ. ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ بِالْفِعْلَةِ الْخَاطِئَةِ، وَهِيَ التَّكْذِيبُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ. قَالَ الرَّبِيعُ: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ: بِالْمَعْصِيَةِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالْخَطَايَا. وَلِهَذَا قَالَ: تَعَالَى ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ وَهَذَا جِنْسٌ، أَيْ: كُلّ كذّبَ رَسُولَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤] . [[في م، أ، هـ: "إن كل إلا".]] وَمَنْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ كَذَّبَ بِالْجَمِيعِ، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٠٥] ، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٢٣] . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٤١] وَإِنَّمَا جَاءَ إِلَى كُلِّ أُمَّةٍ رسول واحد؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ أَيْ: عَظِيمَةً شَدِيدَةً أَلِيمَةً. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿رَابِيَةً﴾ شَدِيدَةً. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مُهْلِكَةً. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ أَيْ: زَادَ عَلَى الْحَدِّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَارْتَفَعَ عَلَى الْوُجُودِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿طَغَى الْمَاءُ﴾ كَثُرَ -وَذَلِكَ بِسَبَبِ دَعْوَةِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى قَوْمِهِ حِينَ كَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، فَعَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وعَمّ أَهْلَ الْأَرْضَ بِالطُّوفَانِ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ، فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْ سُلَالَةِ نُوحٍ وَذُرِّيَّتِهِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ أَبِي سِنَانٍ سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَمْ تَنْزِلْ قَطْرَةٌ مِنْ مَاءٍ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ نُوحٍ أُذِنَ لِلْمَاءِ دُونَ الْخَزَّانِ، فَطَغَى الْمَاءُ عَلَى الْخَزَّانِ فَخَرَجَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَلَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، إِلَّا يَوْمَ عَادٍ، فَإِنَّهُ أُذِنَ لَهَا دُونَ الْخَزَّانِ فَخَرَجَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَى الْخَزَّانِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٢) .]] . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى النَّاسِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَهِيَ السَّفِينَةُ الْجَارِيَةُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْجِنْسِ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، أَيْ: وَأَبْقَيْنَا لَكُمْ مِنْ جِنْسِهَا مَا تَرْكَبُونَ عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ فِي الْبِحَارِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْه﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٢، ١٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١، ٤٢] . وَقَالَ قَتَادَةُ: أَبْقَى اللَّهُ السَّفِينَةَ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أَيْ: وَتَفْهَمَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وَتَذْكُرَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَافِظَةٌ سَامِعَةٌ [[في م: "سامعة حافظة".]] وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ عَقَلَتْ [[في م: "تحفظت"، وفي أ: "حفظت".]] عَنِ اللَّهِ فَانْتَفَعَتْ بِمَا سَمِعَتْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ سَمِعَتْهَا أُذُنٌ وَوَعَتْ. أَيْ: مَنْ لَهُ سَمْعٌ صَحِيحٌ وَعَقْلٌ رَجِيحٌ. وَهَذَا عام فيمن فهم، ووعى. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ صُبْحٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَوْشَبٍ، سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَ [[في م، أ: "لما نزلت".]] عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَهَا أذُنَ عَلِيّ". [قَالَ مَكْحُولٌ] [[زيادة من م، أ.]] فَكَانَ عَلِيّ يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ فَنَسِيتُهُ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ مَكْحُولٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٥) .]] بِهِ. وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ [[في أ: "حدثنا بشير".]] بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَبُو مُحَمَّدٍ -يَعْنِي وَالِدَ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ-حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ الْهَيْثَمِ، سَمِعْتُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَلِيٍّ: "إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُدْنِيَكَ وَلَا أُقْصِيَكَ، وَأَنْ أُعْلِمَكَ وَأَنْ تَعِيَ، وحُقّ لَكَ أَنْ تَعِيَ". قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ آدَمَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٦) ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في الكنز برقم (٣٦٤٢٦) وقال ابن عساكر: "هذا إسناد لا يعرف والحديث شاذ".]] ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ دَاوُدَ الْأَعْمَى، عَنْ بُرَيدة، بِهِ. وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: الساعة ﴿الْحَاقَّةُ﴾ التي تحقّ فيها الأمور، ويجب فيها الجزاء على الأعمال ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ يقول: أيّ الساعة الحاقة. وذُكر عن العرب أنها تقول: لما عرف الحاقة متى والحقة متى، وبالكسر بمعنى واحد في اللغات الثلاث، وتقول: وقد حقّ عليه الشيء إذا وجب، فهو يحقّ حقوقا. والحاقة الأولى مرفوعة بالثانية، لأن الثانية بمنزلة الكناية عنها، كأنه عجب منها، فقال: ﴿الحاقة﴾ : ما هي، كما يقال: زيد ما زيد. والحاقة الثانية مرفوعة بما، وما بمعنى أي، وما رفع بالحاقة الثانية، ومثله في القرآن ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ و ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعة﴾ ، فما في موضع رفع بالقارعة الثانية والأولى بجملة الكلام بعدها. وبنحو الذي قلنا في قوله: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ قال: من أسماء يوم القيامة، عظمه الله، وحذّره عباده. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن شريك، عن جابر، عن عكرِمة قال: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ القيامة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ يعني: الساعة أحقت لكل عامل عمله. ⁕ حدثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿الْحَاقَّةُ﴾ قال: أحقت لكلّ قوم أعمالهم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ يعني القيامة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقة﴾ و ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ﴾ والواقِعةُ، والطَّامَّة، والصَّاخَّة قال: هذا كله يوم القيامة الساعة، وقرأ قول الله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ والخافضة من هؤلاء أيضا خفضت أهل النار، ولا نعلم أحدا أخفض من أهل النار، ولا أذل ولا أخزى؛ ورفعت أهل الجنة، ولا نعلم أحدا أشرف من أهل الجنة ولا أكرم. * * وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وأيّ شيء أدراك وعرّفك أيّ شيء الحاقة. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان قال: ما في القرآن: وما يدريك فلم يخبره، وما كان وما أدراك، فقد أخبره. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ تعظيما ليوم القيامة كما تسمعون. * * وقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ يقول تعالى ذكره: كذّبت ثمود قوم صالح، وعاد قوم هود بالساعة، التي تقرع قلوب العباد فيها بهجومها عليهم. والقارعة أيضا: اسم من أسماء القيامة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ ، أي بالساعة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ قال: القارعة: يوم القيامة.

Al-Mukhtasar (français)

Les Thamûd, qui sont le peuple de Şâliħ, et les ‘Âd, qui sont le peuple de Hûd, traitèrent de mensonge la Résurrection qui frappera soudainement les gens tellement elle sera terrifiante.

5

فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا۟ بِٱلطَّاغِيَةِ

Quant aux Thamûd, ils furent détruits par le [bruit] excessivement fort.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحَاقَّةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الحاقةُ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا يَتَحقَّقُ الوَعدُ والوَعيد؛ وَلِهَذَا عَظَّم تَعَالَى أمرَها فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى إِهْلَاكَهُ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبِينَ بِهَا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ وَهِيَ الصَّيْحَةُ الَّتِي أَسْكَتَتْهُمْ، وَالزَّلْزَلَةُ الَّتِي أَسْكَنَتْهُمْ. هَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ: الطَّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣١) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الطَّاغِيَةُ الذُّنُوبُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الطُّغْيَانُ، وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ١١] . وَقَالَ السُّدِّي: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ قَالَ: يَعْنِي: عَاقِرَ النَّاقَةِ. ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أَيْ: بَارِدَةٍ. قَالَ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ أَيْ: شَدِيدَةِ الْهُبُوبِ. قَالَ قَتَادَةُ: عَتَتْ عَلَيْهِمْ حَتَّى نَقَّبت عَنْ أَفْئِدَتِهِمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿صَرْصَرٍ﴾ بَارِدَةٍ ﴿عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ رَحْمَةٍ وَلَا بَرَكَةٍ. وَقَالَ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ: عَتَتْ عَلَى الْخَزَنَةِ فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ حِسَابٍ. ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: سَلَّطَهَا عَلَيْهِمْ ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ أي: كوامل متتابعات مشائيم. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ ﴿حُسُومًا﴾ مُتَتَابِعَاتٍ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ وَالرَّبِيعِ: مَشَائِيمَ عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٦] قَالَ الرَّبِيعُ: وَكَانَ أَوَّلُهَا الْجُمْعَةَ. وَقَالَ غَيْرُهُ الْأَرْبِعَاءَ. وَيُقَالُ: إِنَّهَا الَّتِي تُسَمِّيهَا النَّاسُ الْأَعْجَازَ؛ وَكَأَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تَكُونُ فِي عَجُزِ الشِّتَاءِ، وَيُقَالُ: أَيَّامُ الْعَجُوزِ؛ لِأَنَّ عَجُوزًا مِنْ قَوْمِ عَادٍ دَخَلَتْ سَرَبا فَقَتَلَهَا الرِّيحُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ. حَكَاهُ الْبَغْوَيُّ [[معالم التنزيل للبغوي (٢٠٨) .]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿خَاوِيَةٍ﴾ خَرِبَةٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَالِيَةٍ، أَيْ: جَعَلَتِ الرِّيحُ تَضْرِبُ بِأَحَدِهِمُ الْأَرْضَ فَيَخِرُّ مَيِّتًا عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ، فَيَنْشَدِخُ رَأْسُهُ وَتَبْقَى جُثَّتُهُ هَامِدَةً كَأَنَّهَا قَائِمَةُ النَّخْلَةِ إِذَا خَرَّتْ بِلَا أَغْصَانٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم أنه قَالَ: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأهلكَت عادٌ بالدَّبور" [[صحيح البخاري برقم (١٠٣٥) وصحيح مسلم برقم (٩٠٠) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الضِّريس الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيل، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي أُهْلِكُوا فِيهَا إِلَّا مِثْلَ مَوْضِعِ الْخَاتَمِ، فَمرّت بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ فَحَمْلَتْهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَجَعَلَتْهُمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الْحَاضِرَةِ الرِّيحَ [[في م: "فلما رأى أهل الحاضر من عاد الريح".]] وَمَا فِيهَا قَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا. فَأَلْقَتْ أَهْلَ الْبَادِيَةِ وَمَوَاشِيَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْحَاضِرَةِ" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/٤٢١) وأبو الشيخ في العظمة برقم (٨٠٦) من طريق محمد بن فضيل عن مسلم، به. وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٣) : "فيه مسلم الملائي وهو ضعيف".]] . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: الرِّيحُ لَهَا جَنَاحَانِ وَذَنَبٌ. ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ ؟ أَيْ: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَقَايَاهُمْ أَنَّهُ [[في م: "أو".]] مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِمْ؟ بَلْ بَادُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُمْ خَلفَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قُرئ بِكَسْرِ الْقَافِ، أَيْ: وَمِنْ عِنْدِهِ فِي زَمَانِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ مِنْ كُفَّارِ الْقِبْطِ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِفَتْحِهَا، أَيْ: وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُشْبِهِينَ لَهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ وَهُمُ الْمُكَذِّبُونَ بِالرُّسُلِ. ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ بِالْفِعْلَةِ الْخَاطِئَةِ، وَهِيَ التَّكْذِيبُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ. قَالَ الرَّبِيعُ: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ: بِالْمَعْصِيَةِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالْخَطَايَا. وَلِهَذَا قَالَ: تَعَالَى ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ وَهَذَا جِنْسٌ، أَيْ: كُلّ كذّبَ رَسُولَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤] . [[في م، أ، هـ: "إن كل إلا".]] وَمَنْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ كَذَّبَ بِالْجَمِيعِ، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٠٥] ، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٢٣] . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٤١] وَإِنَّمَا جَاءَ إِلَى كُلِّ أُمَّةٍ رسول واحد؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ أَيْ: عَظِيمَةً شَدِيدَةً أَلِيمَةً. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿رَابِيَةً﴾ شَدِيدَةً. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مُهْلِكَةً. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ أَيْ: زَادَ عَلَى الْحَدِّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَارْتَفَعَ عَلَى الْوُجُودِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿طَغَى الْمَاءُ﴾ كَثُرَ -وَذَلِكَ بِسَبَبِ دَعْوَةِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى قَوْمِهِ حِينَ كَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، فَعَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وعَمّ أَهْلَ الْأَرْضَ بِالطُّوفَانِ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ، فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْ سُلَالَةِ نُوحٍ وَذُرِّيَّتِهِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ أَبِي سِنَانٍ سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَمْ تَنْزِلْ قَطْرَةٌ مِنْ مَاءٍ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ نُوحٍ أُذِنَ لِلْمَاءِ دُونَ الْخَزَّانِ، فَطَغَى الْمَاءُ عَلَى الْخَزَّانِ فَخَرَجَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَلَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، إِلَّا يَوْمَ عَادٍ، فَإِنَّهُ أُذِنَ لَهَا دُونَ الْخَزَّانِ فَخَرَجَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَى الْخَزَّانِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٢) .]] . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى النَّاسِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَهِيَ السَّفِينَةُ الْجَارِيَةُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْجِنْسِ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، أَيْ: وَأَبْقَيْنَا لَكُمْ مِنْ جِنْسِهَا مَا تَرْكَبُونَ عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ فِي الْبِحَارِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْه﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٢، ١٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١، ٤٢] . وَقَالَ قَتَادَةُ: أَبْقَى اللَّهُ السَّفِينَةَ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أَيْ: وَتَفْهَمَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وَتَذْكُرَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَافِظَةٌ سَامِعَةٌ [[في م: "سامعة حافظة".]] وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ عَقَلَتْ [[في م: "تحفظت"، وفي أ: "حفظت".]] عَنِ اللَّهِ فَانْتَفَعَتْ بِمَا سَمِعَتْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ سَمِعَتْهَا أُذُنٌ وَوَعَتْ. أَيْ: مَنْ لَهُ سَمْعٌ صَحِيحٌ وَعَقْلٌ رَجِيحٌ. وَهَذَا عام فيمن فهم، ووعى. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ صُبْحٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَوْشَبٍ، سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَ [[في م، أ: "لما نزلت".]] عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَهَا أذُنَ عَلِيّ". [قَالَ مَكْحُولٌ] [[زيادة من م، أ.]] فَكَانَ عَلِيّ يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ فَنَسِيتُهُ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ مَكْحُولٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٥) .]] بِهِ. وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ [[في أ: "حدثنا بشير".]] بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَبُو مُحَمَّدٍ -يَعْنِي وَالِدَ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ-حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ الْهَيْثَمِ، سَمِعْتُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَلِيٍّ: "إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُدْنِيَكَ وَلَا أُقْصِيَكَ، وَأَنْ أُعْلِمَكَ وَأَنْ تَعِيَ، وحُقّ لَكَ أَنْ تَعِيَ". قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ آدَمَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٦) ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في الكنز برقم (٣٦٤٢٦) وقال ابن عساكر: "هذا إسناد لا يعرف والحديث شاذ".]] ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ دَاوُدَ الْأَعْمَى، عَنْ بُرَيدة، بِهِ. وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ﴾ قوم صالح، فأهلكهم الله بالطاغية. واختلف -في معنى الطاغية التي أهلك الله بها ثمود- أهلُ التأويل، فقال بعضهم: هي طغيانهم وكفرهم بالله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عزّ وجلّ: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ قال: بالذنوب. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ فقرأ قول الله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ وقال: هذه الطاغية طغيانهم وكفرهم بآيات الله. الطاغيَّة طغيانهم الذي طغوا في معاصي الله وخلاف كتاب الله. وقال آخرون: بل معنى ذلك: فأهلكوا بالصيحة التي قد جاوزت مقادير الصياح وطغت عليها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ بعث الله عليهم صيحة فأهمدتهم. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿بِالطَّاغِيَةِ﴾ قال: أرسل الله عليهم صيحة واحدة فأهمدتهم. وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: فأُهلكوا بالصيحة الطاغية. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله إنما أخبر عن ثمود بالمعنى الذي أهلكها به، كما أخبر عن عاد بالذي أهلكها به، فقال: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ولو كان الخبر عن ثمود بالسبب الذي أهلكها من أجله، كان الخبر أيضا عن عاد كذلك، إذ كان ذلك في سياق واحد، وفي إتباعه ذلك بخبره عن عاد بأن هلاكها كان بالريح الدليل الواضح على أن إخباره عن ثمود إنما هو ما بينت. * * وقوله: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ يقول تعالى ذكره: وأما عاد قوم هود فأهلكهم الله بريح صرصر، وهي الشديدة العصوف، مع شدة بردها، ﴿عَاتِيَةٍ﴾ يقول: عتت على خزانها في الهبوب، فتجاوزت في الشدّة والعصوف مقدارها المعروف في الهبوب والبرد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ يقول: بريح مهلكة باردة، عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة، دائمة لا تَفْتُر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ، والصرصر: الباردة عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن موسى بن المسيب، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس، قال: "ما أرسل الله من ريح قطّ إلا بمكيال ولا أنزل قطرة قطّ إلا بمثقال، إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على خزانه، فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ، وإن الريح عتت على خزّانها فلم يكن لهم عليها سبيل، ثم قرأ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا أبو سنان، عن غير واحد، عن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، قال: "لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي مَلك؛ فلما كان يوم نوح أذن للماء دون الخُزَّان، فطغى الماء على الجبال فخرج، فذلك قول الله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ولم ينزل من الريح شيء إلا بكيل على يدي مَلك إلا يوم عاد، فإنه أذن لها دون الخزّان، فخرجت، وذلك قول الله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ : عتت على الخزّان. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ قال: الصرصر: الشديدة، والعاتية: القاهرة التي عتت عليهم فقهرتهم. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿صَرْصَرٍ﴾ قال: شديدة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ يعني: باردة عاتية، عتت عليهم بلا رحمة ولا بركة. * * وقوله: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ يقول تعالى ذكره: سخر تلك الرياح على عاد سبع ليال وثمانية أيام حسوما؛ فقال بعضهم: عُني بذلك تباعا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ يقو ل: تباعا. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿حُسُومًا﴾ قال: متتابعة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود مثل حديث محمد بن عمرو. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله ﴿حُسُومًا﴾ قال: تباعا. ⁕ قال: ثنا يحيي بن سعيد القطان، قال: ثنا سفيان، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، في قوله: ﴿حُسُومًا﴾ قال: تباعا. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة أنه قال في هذه الآية ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة. ⁕ حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثني أبي، قال: ثنا خالد بن قيس، عن قتادة ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة ليس لها فترة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة ليس فيها تفتير. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿حُسُومًا﴾ قال: دائمات. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر عبد الله بن سَخْبَرَةَ، عن ابن مسعود ﴿أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان قال، قال مجاهد: ﴿أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: تباعا. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة، و ﴿أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ قال: مشائيم. وقال آخرون: عني بقوله: ﴿حُسُومًا﴾ : الريح، وأنها تحسم كلّ شيء، فلا تبقي من عاد أحدا، وجعل هذه الحسوم من صفة الريح. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: حسمتهم لم تبق منهم أحدا، قال: ذلك الحسوم مثل الذي يقول: احسم هذا الأمر؛ قال: وكان فيهم ثمانية لهم خلق يذهب بهم في كل مذهب؛ قال، قال موسي بن عقبة: فلما جاءهم العذاب قالوا: قوموا بنا نردّ هذا العذاب عن قومنا؛ قال: فقاموا وصفوا في الوادي، فأوحى الله إلى ملك الريح أن يقلع منهم كل يوم واحدًا، وقرأ قول الله: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ حتى بلغ: ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ، قال: فإن كانت الريح لتمرّ بالظعينة فتستدبرها وحمولتها، ثم تذهب بهم في السماء، ثم تكبهم على الرءوس، وقرأ قول الله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ قال: وكان أمسك عنهم المطر، فقرأ حتى بلغ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ ، قال: وما كانت الريح تقلع من أولئك الثمانية كلّ يوم إلا واحدًا؛ قال: فلما عذّب الله قوم عاد، أبقى الله واحدًا ينذر الناس، قال: فكانت امرأة قد رأت قومها، فقالوا لها: أنت أيضا، قالت: تنحيت على الجبل؛ قال: وقد قيل لها بعد: أنت قد سلمت وقد رأيت، فكيف لا رأيت عذاب الله؟ قالت: ما أدري غير أن أسلم ليلة: ليلة لا ريح. وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عُنِي بقوله: ﴿حُسُومًا﴾ : متتابعة، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك. وكان بعض أهل العربية يقول: الحسوم: التباع، إذا تتابع الشيء فلم ينقطع أوّله عن آخره قيل فيه حسوم؛ قال: وإنما أخذوا والله أعلم من حسم الداء: إذا كوى صاحبه، لأنه لحم يكوى بالمكواة، ثم يتابع عليه. * * وقوله: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى﴾ يقول: فترى يا محمد قوم عاد في تلك السبع الليالي والثمانية الأيام الحسوم صرعى، قد هلكوا، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ يقول: كأنهم أصول نخل قد خوت. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ : وهي أصول النخل. * * وقوله: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فهل ترى يا محمد لعاد قوم هود من بقاء. وقيل: عُنِي بذلك: فهل ترى منهم باقيا. وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من البصريين يقول: معنى ذلك: فهل ترى لهم من بقية، ويقول: مجازها مجاز الطاغية مصدر.

Al-Mukhtasar (français)

Les Thamûd, Allah les fit périr par le Cri qui atteignit un paroxysme d’intensité et de terreur.

6

وَأَمَّا عَادٌۭ فَأُهْلِكُوا۟ بِرِيحٍۢ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍۢ

Et quant aux 'Aad, ils furent détruits par un vent mugissant et furieux

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحَاقَّةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الحاقةُ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا يَتَحقَّقُ الوَعدُ والوَعيد؛ وَلِهَذَا عَظَّم تَعَالَى أمرَها فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى إِهْلَاكَهُ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبِينَ بِهَا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ وَهِيَ الصَّيْحَةُ الَّتِي أَسْكَتَتْهُمْ، وَالزَّلْزَلَةُ الَّتِي أَسْكَنَتْهُمْ. هَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ: الطَّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣١) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الطَّاغِيَةُ الذُّنُوبُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الطُّغْيَانُ، وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ١١] . وَقَالَ السُّدِّي: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ قَالَ: يَعْنِي: عَاقِرَ النَّاقَةِ. ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أَيْ: بَارِدَةٍ. قَالَ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ أَيْ: شَدِيدَةِ الْهُبُوبِ. قَالَ قَتَادَةُ: عَتَتْ عَلَيْهِمْ حَتَّى نَقَّبت عَنْ أَفْئِدَتِهِمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿صَرْصَرٍ﴾ بَارِدَةٍ ﴿عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ رَحْمَةٍ وَلَا بَرَكَةٍ. وَقَالَ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ: عَتَتْ عَلَى الْخَزَنَةِ فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ حِسَابٍ. ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: سَلَّطَهَا عَلَيْهِمْ ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ أي: كوامل متتابعات مشائيم. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ ﴿حُسُومًا﴾ مُتَتَابِعَاتٍ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ وَالرَّبِيعِ: مَشَائِيمَ عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٦] قَالَ الرَّبِيعُ: وَكَانَ أَوَّلُهَا الْجُمْعَةَ. وَقَالَ غَيْرُهُ الْأَرْبِعَاءَ. وَيُقَالُ: إِنَّهَا الَّتِي تُسَمِّيهَا النَّاسُ الْأَعْجَازَ؛ وَكَأَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تَكُونُ فِي عَجُزِ الشِّتَاءِ، وَيُقَالُ: أَيَّامُ الْعَجُوزِ؛ لِأَنَّ عَجُوزًا مِنْ قَوْمِ عَادٍ دَخَلَتْ سَرَبا فَقَتَلَهَا الرِّيحُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ. حَكَاهُ الْبَغْوَيُّ [[معالم التنزيل للبغوي (٢٠٨) .]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿خَاوِيَةٍ﴾ خَرِبَةٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَالِيَةٍ، أَيْ: جَعَلَتِ الرِّيحُ تَضْرِبُ بِأَحَدِهِمُ الْأَرْضَ فَيَخِرُّ مَيِّتًا عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ، فَيَنْشَدِخُ رَأْسُهُ وَتَبْقَى جُثَّتُهُ هَامِدَةً كَأَنَّهَا قَائِمَةُ النَّخْلَةِ إِذَا خَرَّتْ بِلَا أَغْصَانٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم أنه قَالَ: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأهلكَت عادٌ بالدَّبور" [[صحيح البخاري برقم (١٠٣٥) وصحيح مسلم برقم (٩٠٠) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الضِّريس الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيل، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي أُهْلِكُوا فِيهَا إِلَّا مِثْلَ مَوْضِعِ الْخَاتَمِ، فَمرّت بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ فَحَمْلَتْهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَجَعَلَتْهُمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الْحَاضِرَةِ الرِّيحَ [[في م: "فلما رأى أهل الحاضر من عاد الريح".]] وَمَا فِيهَا قَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا. فَأَلْقَتْ أَهْلَ الْبَادِيَةِ وَمَوَاشِيَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْحَاضِرَةِ" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/٤٢١) وأبو الشيخ في العظمة برقم (٨٠٦) من طريق محمد بن فضيل عن مسلم، به. وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٣) : "فيه مسلم الملائي وهو ضعيف".]] . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: الرِّيحُ لَهَا جَنَاحَانِ وَذَنَبٌ. ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ ؟ أَيْ: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَقَايَاهُمْ أَنَّهُ [[في م: "أو".]] مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِمْ؟ بَلْ بَادُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُمْ خَلفَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قُرئ بِكَسْرِ الْقَافِ، أَيْ: وَمِنْ عِنْدِهِ فِي زَمَانِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ مِنْ كُفَّارِ الْقِبْطِ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِفَتْحِهَا، أَيْ: وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُشْبِهِينَ لَهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ وَهُمُ الْمُكَذِّبُونَ بِالرُّسُلِ. ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ بِالْفِعْلَةِ الْخَاطِئَةِ، وَهِيَ التَّكْذِيبُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ. قَالَ الرَّبِيعُ: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ: بِالْمَعْصِيَةِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالْخَطَايَا. وَلِهَذَا قَالَ: تَعَالَى ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ وَهَذَا جِنْسٌ، أَيْ: كُلّ كذّبَ رَسُولَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤] . [[في م، أ، هـ: "إن كل إلا".]] وَمَنْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ كَذَّبَ بِالْجَمِيعِ، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٠٥] ، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٢٣] . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٤١] وَإِنَّمَا جَاءَ إِلَى كُلِّ أُمَّةٍ رسول واحد؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ أَيْ: عَظِيمَةً شَدِيدَةً أَلِيمَةً. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿رَابِيَةً﴾ شَدِيدَةً. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مُهْلِكَةً. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ أَيْ: زَادَ عَلَى الْحَدِّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَارْتَفَعَ عَلَى الْوُجُودِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿طَغَى الْمَاءُ﴾ كَثُرَ -وَذَلِكَ بِسَبَبِ دَعْوَةِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى قَوْمِهِ حِينَ كَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، فَعَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وعَمّ أَهْلَ الْأَرْضَ بِالطُّوفَانِ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ، فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْ سُلَالَةِ نُوحٍ وَذُرِّيَّتِهِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ أَبِي سِنَانٍ سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَمْ تَنْزِلْ قَطْرَةٌ مِنْ مَاءٍ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ نُوحٍ أُذِنَ لِلْمَاءِ دُونَ الْخَزَّانِ، فَطَغَى الْمَاءُ عَلَى الْخَزَّانِ فَخَرَجَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَلَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، إِلَّا يَوْمَ عَادٍ، فَإِنَّهُ أُذِنَ لَهَا دُونَ الْخَزَّانِ فَخَرَجَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَى الْخَزَّانِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٢) .]] . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى النَّاسِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَهِيَ السَّفِينَةُ الْجَارِيَةُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْجِنْسِ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، أَيْ: وَأَبْقَيْنَا لَكُمْ مِنْ جِنْسِهَا مَا تَرْكَبُونَ عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ فِي الْبِحَارِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْه﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٢، ١٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١، ٤٢] . وَقَالَ قَتَادَةُ: أَبْقَى اللَّهُ السَّفِينَةَ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أَيْ: وَتَفْهَمَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وَتَذْكُرَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَافِظَةٌ سَامِعَةٌ [[في م: "سامعة حافظة".]] وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ عَقَلَتْ [[في م: "تحفظت"، وفي أ: "حفظت".]] عَنِ اللَّهِ فَانْتَفَعَتْ بِمَا سَمِعَتْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ سَمِعَتْهَا أُذُنٌ وَوَعَتْ. أَيْ: مَنْ لَهُ سَمْعٌ صَحِيحٌ وَعَقْلٌ رَجِيحٌ. وَهَذَا عام فيمن فهم، ووعى. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ صُبْحٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَوْشَبٍ، سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَ [[في م، أ: "لما نزلت".]] عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَهَا أذُنَ عَلِيّ". [قَالَ مَكْحُولٌ] [[زيادة من م، أ.]] فَكَانَ عَلِيّ يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ فَنَسِيتُهُ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ مَكْحُولٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٥) .]] بِهِ. وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ [[في أ: "حدثنا بشير".]] بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَبُو مُحَمَّدٍ -يَعْنِي وَالِدَ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ-حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ الْهَيْثَمِ، سَمِعْتُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَلِيٍّ: "إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُدْنِيَكَ وَلَا أُقْصِيَكَ، وَأَنْ أُعْلِمَكَ وَأَنْ تَعِيَ، وحُقّ لَكَ أَنْ تَعِيَ". قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ آدَمَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٦) ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في الكنز برقم (٣٦٤٢٦) وقال ابن عساكر: "هذا إسناد لا يعرف والحديث شاذ".]] ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ دَاوُدَ الْأَعْمَى، عَنْ بُرَيدة، بِهِ. وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ﴾ قوم صالح، فأهلكهم الله بالطاغية. واختلف -في معنى الطاغية التي أهلك الله بها ثمود- أهلُ التأويل، فقال بعضهم: هي طغيانهم وكفرهم بالله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عزّ وجلّ: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ قال: بالذنوب. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ فقرأ قول الله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ وقال: هذه الطاغية طغيانهم وكفرهم بآيات الله. الطاغيَّة طغيانهم الذي طغوا في معاصي الله وخلاف كتاب الله. وقال آخرون: بل معنى ذلك: فأهلكوا بالصيحة التي قد جاوزت مقادير الصياح وطغت عليها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ بعث الله عليهم صيحة فأهمدتهم. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿بِالطَّاغِيَةِ﴾ قال: أرسل الله عليهم صيحة واحدة فأهمدتهم. وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: فأُهلكوا بالصيحة الطاغية. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله إنما أخبر عن ثمود بالمعنى الذي أهلكها به، كما أخبر عن عاد بالذي أهلكها به، فقال: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ولو كان الخبر عن ثمود بالسبب الذي أهلكها من أجله، كان الخبر أيضا عن عاد كذلك، إذ كان ذلك في سياق واحد، وفي إتباعه ذلك بخبره عن عاد بأن هلاكها كان بالريح الدليل الواضح على أن إخباره عن ثمود إنما هو ما بينت. * * وقوله: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ يقول تعالى ذكره: وأما عاد قوم هود فأهلكهم الله بريح صرصر، وهي الشديدة العصوف، مع شدة بردها، ﴿عَاتِيَةٍ﴾ يقول: عتت على خزانها في الهبوب، فتجاوزت في الشدّة والعصوف مقدارها المعروف في الهبوب والبرد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ يقول: بريح مهلكة باردة، عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة، دائمة لا تَفْتُر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ، والصرصر: الباردة عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن موسى بن المسيب، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس، قال: "ما أرسل الله من ريح قطّ إلا بمكيال ولا أنزل قطرة قطّ إلا بمثقال، إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على خزانه، فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ، وإن الريح عتت على خزّانها فلم يكن لهم عليها سبيل، ثم قرأ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا أبو سنان، عن غير واحد، عن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، قال: "لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي مَلك؛ فلما كان يوم نوح أذن للماء دون الخُزَّان، فطغى الماء على الجبال فخرج، فذلك قول الله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ولم ينزل من الريح شيء إلا بكيل على يدي مَلك إلا يوم عاد، فإنه أذن لها دون الخزّان، فخرجت، وذلك قول الله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ : عتت على الخزّان. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ قال: الصرصر: الشديدة، والعاتية: القاهرة التي عتت عليهم فقهرتهم. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿صَرْصَرٍ﴾ قال: شديدة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ يعني: باردة عاتية، عتت عليهم بلا رحمة ولا بركة. * * وقوله: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ يقول تعالى ذكره: سخر تلك الرياح على عاد سبع ليال وثمانية أيام حسوما؛ فقال بعضهم: عُني بذلك تباعا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ يقو ل: تباعا. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿حُسُومًا﴾ قال: متتابعة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود مثل حديث محمد بن عمرو. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله ﴿حُسُومًا﴾ قال: تباعا. ⁕ قال: ثنا يحيي بن سعيد القطان، قال: ثنا سفيان، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، في قوله: ﴿حُسُومًا﴾ قال: تباعا. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة أنه قال في هذه الآية ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة. ⁕ حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثني أبي، قال: ثنا خالد بن قيس، عن قتادة ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة ليس لها فترة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة ليس فيها تفتير. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿حُسُومًا﴾ قال: دائمات. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر عبد الله بن سَخْبَرَةَ، عن ابن مسعود ﴿أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان قال، قال مجاهد: ﴿أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: تباعا. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة، و ﴿أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ قال: مشائيم. وقال آخرون: عني بقوله: ﴿حُسُومًا﴾ : الريح، وأنها تحسم كلّ شيء، فلا تبقي من عاد أحدا، وجعل هذه الحسوم من صفة الريح. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: حسمتهم لم تبق منهم أحدا، قال: ذلك الحسوم مثل الذي يقول: احسم هذا الأمر؛ قال: وكان فيهم ثمانية لهم خلق يذهب بهم في كل مذهب؛ قال، قال موسي بن عقبة: فلما جاءهم العذاب قالوا: قوموا بنا نردّ هذا العذاب عن قومنا؛ قال: فقاموا وصفوا في الوادي، فأوحى الله إلى ملك الريح أن يقلع منهم كل يوم واحدًا، وقرأ قول الله: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ حتى بلغ: ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ، قال: فإن كانت الريح لتمرّ بالظعينة فتستدبرها وحمولتها، ثم تذهب بهم في السماء، ثم تكبهم على الرءوس، وقرأ قول الله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ قال: وكان أمسك عنهم المطر، فقرأ حتى بلغ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ ، قال: وما كانت الريح تقلع من أولئك الثمانية كلّ يوم إلا واحدًا؛ قال: فلما عذّب الله قوم عاد، أبقى الله واحدًا ينذر الناس، قال: فكانت امرأة قد رأت قومها، فقالوا لها: أنت أيضا، قالت: تنحيت على الجبل؛ قال: وقد قيل لها بعد: أنت قد سلمت وقد رأيت، فكيف لا رأيت عذاب الله؟ قالت: ما أدري غير أن أسلم ليلة: ليلة لا ريح. وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عُنِي بقوله: ﴿حُسُومًا﴾ : متتابعة، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك. وكان بعض أهل العربية يقول: الحسوم: التباع، إذا تتابع الشيء فلم ينقطع أوّله عن آخره قيل فيه حسوم؛ قال: وإنما أخذوا والله أعلم من حسم الداء: إذا كوى صاحبه، لأنه لحم يكوى بالمكواة، ثم يتابع عليه. * * وقوله: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى﴾ يقول: فترى يا محمد قوم عاد في تلك السبع الليالي والثمانية الأيام الحسوم صرعى، قد هلكوا، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ يقول: كأنهم أصول نخل قد خوت. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ : وهي أصول النخل. * * وقوله: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فهل ترى يا محمد لعاد قوم هود من بقاء. وقيل: عُنِي بذلك: فهل ترى منهم باقيا. وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من البصريين يقول: معنى ذلك: فهل ترى لهم من بقية، ويقول: مجازها مجاز الطاغية مصدر.

Al-Mukhtasar (français)

Quant aux ‘Âd, Allah les fit périr par un vent très froid et extrêmement dur pour eux.

7

سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍۢ وَثَمَٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًۭا فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍۢ

qu'[Allah] déchaîna contre eux pendant sept nuits et huit jours consécutifs; tu voyais alors les gens renversés par terre comme des souches de palmiers évidées.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحَاقَّةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الحاقةُ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا يَتَحقَّقُ الوَعدُ والوَعيد؛ وَلِهَذَا عَظَّم تَعَالَى أمرَها فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى إِهْلَاكَهُ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبِينَ بِهَا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ وَهِيَ الصَّيْحَةُ الَّتِي أَسْكَتَتْهُمْ، وَالزَّلْزَلَةُ الَّتِي أَسْكَنَتْهُمْ. هَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ: الطَّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣١) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الطَّاغِيَةُ الذُّنُوبُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الطُّغْيَانُ، وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ١١] . وَقَالَ السُّدِّي: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ قَالَ: يَعْنِي: عَاقِرَ النَّاقَةِ. ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أَيْ: بَارِدَةٍ. قَالَ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ أَيْ: شَدِيدَةِ الْهُبُوبِ. قَالَ قَتَادَةُ: عَتَتْ عَلَيْهِمْ حَتَّى نَقَّبت عَنْ أَفْئِدَتِهِمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿صَرْصَرٍ﴾ بَارِدَةٍ ﴿عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ رَحْمَةٍ وَلَا بَرَكَةٍ. وَقَالَ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ: عَتَتْ عَلَى الْخَزَنَةِ فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ حِسَابٍ. ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: سَلَّطَهَا عَلَيْهِمْ ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ أي: كوامل متتابعات مشائيم. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ ﴿حُسُومًا﴾ مُتَتَابِعَاتٍ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ وَالرَّبِيعِ: مَشَائِيمَ عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٦] قَالَ الرَّبِيعُ: وَكَانَ أَوَّلُهَا الْجُمْعَةَ. وَقَالَ غَيْرُهُ الْأَرْبِعَاءَ. وَيُقَالُ: إِنَّهَا الَّتِي تُسَمِّيهَا النَّاسُ الْأَعْجَازَ؛ وَكَأَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تَكُونُ فِي عَجُزِ الشِّتَاءِ، وَيُقَالُ: أَيَّامُ الْعَجُوزِ؛ لِأَنَّ عَجُوزًا مِنْ قَوْمِ عَادٍ دَخَلَتْ سَرَبا فَقَتَلَهَا الرِّيحُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ. حَكَاهُ الْبَغْوَيُّ [[معالم التنزيل للبغوي (٢٠٨) .]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿خَاوِيَةٍ﴾ خَرِبَةٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَالِيَةٍ، أَيْ: جَعَلَتِ الرِّيحُ تَضْرِبُ بِأَحَدِهِمُ الْأَرْضَ فَيَخِرُّ مَيِّتًا عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ، فَيَنْشَدِخُ رَأْسُهُ وَتَبْقَى جُثَّتُهُ هَامِدَةً كَأَنَّهَا قَائِمَةُ النَّخْلَةِ إِذَا خَرَّتْ بِلَا أَغْصَانٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم أنه قَالَ: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأهلكَت عادٌ بالدَّبور" [[صحيح البخاري برقم (١٠٣٥) وصحيح مسلم برقم (٩٠٠) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الضِّريس الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيل، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي أُهْلِكُوا فِيهَا إِلَّا مِثْلَ مَوْضِعِ الْخَاتَمِ، فَمرّت بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ فَحَمْلَتْهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَجَعَلَتْهُمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الْحَاضِرَةِ الرِّيحَ [[في م: "فلما رأى أهل الحاضر من عاد الريح".]] وَمَا فِيهَا قَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا. فَأَلْقَتْ أَهْلَ الْبَادِيَةِ وَمَوَاشِيَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْحَاضِرَةِ" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/٤٢١) وأبو الشيخ في العظمة برقم (٨٠٦) من طريق محمد بن فضيل عن مسلم، به. وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٣) : "فيه مسلم الملائي وهو ضعيف".]] . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: الرِّيحُ لَهَا جَنَاحَانِ وَذَنَبٌ. ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ ؟ أَيْ: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَقَايَاهُمْ أَنَّهُ [[في م: "أو".]] مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِمْ؟ بَلْ بَادُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُمْ خَلفَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قُرئ بِكَسْرِ الْقَافِ، أَيْ: وَمِنْ عِنْدِهِ فِي زَمَانِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ مِنْ كُفَّارِ الْقِبْطِ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِفَتْحِهَا، أَيْ: وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُشْبِهِينَ لَهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ وَهُمُ الْمُكَذِّبُونَ بِالرُّسُلِ. ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ بِالْفِعْلَةِ الْخَاطِئَةِ، وَهِيَ التَّكْذِيبُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ. قَالَ الرَّبِيعُ: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ: بِالْمَعْصِيَةِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالْخَطَايَا. وَلِهَذَا قَالَ: تَعَالَى ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ وَهَذَا جِنْسٌ، أَيْ: كُلّ كذّبَ رَسُولَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤] . [[في م، أ، هـ: "إن كل إلا".]] وَمَنْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ كَذَّبَ بِالْجَمِيعِ، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٠٥] ، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٢٣] . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٤١] وَإِنَّمَا جَاءَ إِلَى كُلِّ أُمَّةٍ رسول واحد؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ أَيْ: عَظِيمَةً شَدِيدَةً أَلِيمَةً. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿رَابِيَةً﴾ شَدِيدَةً. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مُهْلِكَةً. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ أَيْ: زَادَ عَلَى الْحَدِّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَارْتَفَعَ عَلَى الْوُجُودِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿طَغَى الْمَاءُ﴾ كَثُرَ -وَذَلِكَ بِسَبَبِ دَعْوَةِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى قَوْمِهِ حِينَ كَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، فَعَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وعَمّ أَهْلَ الْأَرْضَ بِالطُّوفَانِ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ، فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْ سُلَالَةِ نُوحٍ وَذُرِّيَّتِهِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ أَبِي سِنَانٍ سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَمْ تَنْزِلْ قَطْرَةٌ مِنْ مَاءٍ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ نُوحٍ أُذِنَ لِلْمَاءِ دُونَ الْخَزَّانِ، فَطَغَى الْمَاءُ عَلَى الْخَزَّانِ فَخَرَجَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَلَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، إِلَّا يَوْمَ عَادٍ، فَإِنَّهُ أُذِنَ لَهَا دُونَ الْخَزَّانِ فَخَرَجَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَى الْخَزَّانِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٢) .]] . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى النَّاسِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَهِيَ السَّفِينَةُ الْجَارِيَةُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْجِنْسِ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، أَيْ: وَأَبْقَيْنَا لَكُمْ مِنْ جِنْسِهَا مَا تَرْكَبُونَ عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ فِي الْبِحَارِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْه﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٢، ١٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١، ٤٢] . وَقَالَ قَتَادَةُ: أَبْقَى اللَّهُ السَّفِينَةَ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أَيْ: وَتَفْهَمَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وَتَذْكُرَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَافِظَةٌ سَامِعَةٌ [[في م: "سامعة حافظة".]] وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ عَقَلَتْ [[في م: "تحفظت"، وفي أ: "حفظت".]] عَنِ اللَّهِ فَانْتَفَعَتْ بِمَا سَمِعَتْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ سَمِعَتْهَا أُذُنٌ وَوَعَتْ. أَيْ: مَنْ لَهُ سَمْعٌ صَحِيحٌ وَعَقْلٌ رَجِيحٌ. وَهَذَا عام فيمن فهم، ووعى. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ صُبْحٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَوْشَبٍ، سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَ [[في م، أ: "لما نزلت".]] عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَهَا أذُنَ عَلِيّ". [قَالَ مَكْحُولٌ] [[زيادة من م، أ.]] فَكَانَ عَلِيّ يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ فَنَسِيتُهُ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ مَكْحُولٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٥) .]] بِهِ. وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ [[في أ: "حدثنا بشير".]] بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَبُو مُحَمَّدٍ -يَعْنِي وَالِدَ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ-حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ الْهَيْثَمِ، سَمِعْتُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَلِيٍّ: "إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُدْنِيَكَ وَلَا أُقْصِيَكَ، وَأَنْ أُعْلِمَكَ وَأَنْ تَعِيَ، وحُقّ لَكَ أَنْ تَعِيَ". قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ آدَمَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٦) ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في الكنز برقم (٣٦٤٢٦) وقال ابن عساكر: "هذا إسناد لا يعرف والحديث شاذ".]] ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ دَاوُدَ الْأَعْمَى، عَنْ بُرَيدة، بِهِ. وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ﴾ قوم صالح، فأهلكهم الله بالطاغية. واختلف -في معنى الطاغية التي أهلك الله بها ثمود- أهلُ التأويل، فقال بعضهم: هي طغيانهم وكفرهم بالله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عزّ وجلّ: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ قال: بالذنوب. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ فقرأ قول الله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ وقال: هذه الطاغية طغيانهم وكفرهم بآيات الله. الطاغيَّة طغيانهم الذي طغوا في معاصي الله وخلاف كتاب الله. وقال آخرون: بل معنى ذلك: فأهلكوا بالصيحة التي قد جاوزت مقادير الصياح وطغت عليها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ بعث الله عليهم صيحة فأهمدتهم. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿بِالطَّاغِيَةِ﴾ قال: أرسل الله عليهم صيحة واحدة فأهمدتهم. وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: فأُهلكوا بالصيحة الطاغية. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله إنما أخبر عن ثمود بالمعنى الذي أهلكها به، كما أخبر عن عاد بالذي أهلكها به، فقال: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ولو كان الخبر عن ثمود بالسبب الذي أهلكها من أجله، كان الخبر أيضا عن عاد كذلك، إذ كان ذلك في سياق واحد، وفي إتباعه ذلك بخبره عن عاد بأن هلاكها كان بالريح الدليل الواضح على أن إخباره عن ثمود إنما هو ما بينت. * * وقوله: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ يقول تعالى ذكره: وأما عاد قوم هود فأهلكهم الله بريح صرصر، وهي الشديدة العصوف، مع شدة بردها، ﴿عَاتِيَةٍ﴾ يقول: عتت على خزانها في الهبوب، فتجاوزت في الشدّة والعصوف مقدارها المعروف في الهبوب والبرد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ يقول: بريح مهلكة باردة، عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة، دائمة لا تَفْتُر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ، والصرصر: الباردة عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن موسى بن المسيب، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس، قال: "ما أرسل الله من ريح قطّ إلا بمكيال ولا أنزل قطرة قطّ إلا بمثقال، إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على خزانه، فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ، وإن الريح عتت على خزّانها فلم يكن لهم عليها سبيل، ثم قرأ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا أبو سنان، عن غير واحد، عن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، قال: "لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي مَلك؛ فلما كان يوم نوح أذن للماء دون الخُزَّان، فطغى الماء على الجبال فخرج، فذلك قول الله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ولم ينزل من الريح شيء إلا بكيل على يدي مَلك إلا يوم عاد، فإنه أذن لها دون الخزّان، فخرجت، وذلك قول الله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ : عتت على الخزّان. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ قال: الصرصر: الشديدة، والعاتية: القاهرة التي عتت عليهم فقهرتهم. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿صَرْصَرٍ﴾ قال: شديدة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ يعني: باردة عاتية، عتت عليهم بلا رحمة ولا بركة. * * وقوله: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ يقول تعالى ذكره: سخر تلك الرياح على عاد سبع ليال وثمانية أيام حسوما؛ فقال بعضهم: عُني بذلك تباعا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ يقو ل: تباعا. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿حُسُومًا﴾ قال: متتابعة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود مثل حديث محمد بن عمرو. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله ﴿حُسُومًا﴾ قال: تباعا. ⁕ قال: ثنا يحيي بن سعيد القطان، قال: ثنا سفيان، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، في قوله: ﴿حُسُومًا﴾ قال: تباعا. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة أنه قال في هذه الآية ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة. ⁕ حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثني أبي، قال: ثنا خالد بن قيس، عن قتادة ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة ليس لها فترة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة ليس فيها تفتير. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿حُسُومًا﴾ قال: دائمات. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر عبد الله بن سَخْبَرَةَ، عن ابن مسعود ﴿أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان قال، قال مجاهد: ﴿أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: تباعا. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة، و ﴿أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ قال: مشائيم. وقال آخرون: عني بقوله: ﴿حُسُومًا﴾ : الريح، وأنها تحسم كلّ شيء، فلا تبقي من عاد أحدا، وجعل هذه الحسوم من صفة الريح. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: حسمتهم لم تبق منهم أحدا، قال: ذلك الحسوم مثل الذي يقول: احسم هذا الأمر؛ قال: وكان فيهم ثمانية لهم خلق يذهب بهم في كل مذهب؛ قال، قال موسي بن عقبة: فلما جاءهم العذاب قالوا: قوموا بنا نردّ هذا العذاب عن قومنا؛ قال: فقاموا وصفوا في الوادي، فأوحى الله إلى ملك الريح أن يقلع منهم كل يوم واحدًا، وقرأ قول الله: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ حتى بلغ: ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ، قال: فإن كانت الريح لتمرّ بالظعينة فتستدبرها وحمولتها، ثم تذهب بهم في السماء، ثم تكبهم على الرءوس، وقرأ قول الله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ قال: وكان أمسك عنهم المطر، فقرأ حتى بلغ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ ، قال: وما كانت الريح تقلع من أولئك الثمانية كلّ يوم إلا واحدًا؛ قال: فلما عذّب الله قوم عاد، أبقى الله واحدًا ينذر الناس، قال: فكانت امرأة قد رأت قومها، فقالوا لها: أنت أيضا، قالت: تنحيت على الجبل؛ قال: وقد قيل لها بعد: أنت قد سلمت وقد رأيت، فكيف لا رأيت عذاب الله؟ قالت: ما أدري غير أن أسلم ليلة: ليلة لا ريح. وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عُنِي بقوله: ﴿حُسُومًا﴾ : متتابعة، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك. وكان بعض أهل العربية يقول: الحسوم: التباع، إذا تتابع الشيء فلم ينقطع أوّله عن آخره قيل فيه حسوم؛ قال: وإنما أخذوا والله أعلم من حسم الداء: إذا كوى صاحبه، لأنه لحم يكوى بالمكواة، ثم يتابع عليه. * * وقوله: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى﴾ يقول: فترى يا محمد قوم عاد في تلك السبع الليالي والثمانية الأيام الحسوم صرعى، قد هلكوا، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ يقول: كأنهم أصول نخل قد خوت. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ : وهي أصول النخل. * * وقوله: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فهل ترى يا محمد لعاد قوم هود من بقاء. وقيل: عُنِي بذلك: فهل ترى منهم باقيا. وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من البصريين يقول: معنى ذلك: فهل ترى لهم من بقية، ويقول: مجازها مجاز الطاغية مصدر.

Al-Mukhtasar (français)

Allah l’a envoyé sur eux durant sept nuit et huit jours, de sorte qu’il les extermina jusqu’au dernier. Tu voyais ainsi ces gens dans leurs demeures morts et étendus sur le sol, tels des souches de palmiers desséchées et renversées sur le sol.

8

فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٍۢ

En vois-tu le moindre vestige?

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحَاقَّةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الحاقةُ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا يَتَحقَّقُ الوَعدُ والوَعيد؛ وَلِهَذَا عَظَّم تَعَالَى أمرَها فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى إِهْلَاكَهُ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبِينَ بِهَا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ وَهِيَ الصَّيْحَةُ الَّتِي أَسْكَتَتْهُمْ، وَالزَّلْزَلَةُ الَّتِي أَسْكَنَتْهُمْ. هَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ: الطَّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣١) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الطَّاغِيَةُ الذُّنُوبُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الطُّغْيَانُ، وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ١١] . وَقَالَ السُّدِّي: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ قَالَ: يَعْنِي: عَاقِرَ النَّاقَةِ. ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أَيْ: بَارِدَةٍ. قَالَ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ أَيْ: شَدِيدَةِ الْهُبُوبِ. قَالَ قَتَادَةُ: عَتَتْ عَلَيْهِمْ حَتَّى نَقَّبت عَنْ أَفْئِدَتِهِمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿صَرْصَرٍ﴾ بَارِدَةٍ ﴿عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ رَحْمَةٍ وَلَا بَرَكَةٍ. وَقَالَ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ: عَتَتْ عَلَى الْخَزَنَةِ فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ حِسَابٍ. ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: سَلَّطَهَا عَلَيْهِمْ ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ أي: كوامل متتابعات مشائيم. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ ﴿حُسُومًا﴾ مُتَتَابِعَاتٍ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ وَالرَّبِيعِ: مَشَائِيمَ عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٦] قَالَ الرَّبِيعُ: وَكَانَ أَوَّلُهَا الْجُمْعَةَ. وَقَالَ غَيْرُهُ الْأَرْبِعَاءَ. وَيُقَالُ: إِنَّهَا الَّتِي تُسَمِّيهَا النَّاسُ الْأَعْجَازَ؛ وَكَأَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تَكُونُ فِي عَجُزِ الشِّتَاءِ، وَيُقَالُ: أَيَّامُ الْعَجُوزِ؛ لِأَنَّ عَجُوزًا مِنْ قَوْمِ عَادٍ دَخَلَتْ سَرَبا فَقَتَلَهَا الرِّيحُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ. حَكَاهُ الْبَغْوَيُّ [[معالم التنزيل للبغوي (٢٠٨) .]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿خَاوِيَةٍ﴾ خَرِبَةٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَالِيَةٍ، أَيْ: جَعَلَتِ الرِّيحُ تَضْرِبُ بِأَحَدِهِمُ الْأَرْضَ فَيَخِرُّ مَيِّتًا عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ، فَيَنْشَدِخُ رَأْسُهُ وَتَبْقَى جُثَّتُهُ هَامِدَةً كَأَنَّهَا قَائِمَةُ النَّخْلَةِ إِذَا خَرَّتْ بِلَا أَغْصَانٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم أنه قَالَ: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأهلكَت عادٌ بالدَّبور" [[صحيح البخاري برقم (١٠٣٥) وصحيح مسلم برقم (٩٠٠) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الضِّريس الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيل، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي أُهْلِكُوا فِيهَا إِلَّا مِثْلَ مَوْضِعِ الْخَاتَمِ، فَمرّت بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ فَحَمْلَتْهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَجَعَلَتْهُمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الْحَاضِرَةِ الرِّيحَ [[في م: "فلما رأى أهل الحاضر من عاد الريح".]] وَمَا فِيهَا قَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا. فَأَلْقَتْ أَهْلَ الْبَادِيَةِ وَمَوَاشِيَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْحَاضِرَةِ" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/٤٢١) وأبو الشيخ في العظمة برقم (٨٠٦) من طريق محمد بن فضيل عن مسلم، به. وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٣) : "فيه مسلم الملائي وهو ضعيف".]] . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: الرِّيحُ لَهَا جَنَاحَانِ وَذَنَبٌ. ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ ؟ أَيْ: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَقَايَاهُمْ أَنَّهُ [[في م: "أو".]] مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِمْ؟ بَلْ بَادُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُمْ خَلفَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قُرئ بِكَسْرِ الْقَافِ، أَيْ: وَمِنْ عِنْدِهِ فِي زَمَانِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ مِنْ كُفَّارِ الْقِبْطِ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِفَتْحِهَا، أَيْ: وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُشْبِهِينَ لَهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ وَهُمُ الْمُكَذِّبُونَ بِالرُّسُلِ. ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ بِالْفِعْلَةِ الْخَاطِئَةِ، وَهِيَ التَّكْذِيبُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ. قَالَ الرَّبِيعُ: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ: بِالْمَعْصِيَةِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالْخَطَايَا. وَلِهَذَا قَالَ: تَعَالَى ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ وَهَذَا جِنْسٌ، أَيْ: كُلّ كذّبَ رَسُولَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤] . [[في م، أ، هـ: "إن كل إلا".]] وَمَنْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ كَذَّبَ بِالْجَمِيعِ، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٠٥] ، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٢٣] . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٤١] وَإِنَّمَا جَاءَ إِلَى كُلِّ أُمَّةٍ رسول واحد؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ أَيْ: عَظِيمَةً شَدِيدَةً أَلِيمَةً. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿رَابِيَةً﴾ شَدِيدَةً. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مُهْلِكَةً. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ أَيْ: زَادَ عَلَى الْحَدِّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَارْتَفَعَ عَلَى الْوُجُودِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿طَغَى الْمَاءُ﴾ كَثُرَ -وَذَلِكَ بِسَبَبِ دَعْوَةِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى قَوْمِهِ حِينَ كَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، فَعَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وعَمّ أَهْلَ الْأَرْضَ بِالطُّوفَانِ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ، فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْ سُلَالَةِ نُوحٍ وَذُرِّيَّتِهِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ أَبِي سِنَانٍ سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَمْ تَنْزِلْ قَطْرَةٌ مِنْ مَاءٍ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ نُوحٍ أُذِنَ لِلْمَاءِ دُونَ الْخَزَّانِ، فَطَغَى الْمَاءُ عَلَى الْخَزَّانِ فَخَرَجَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَلَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، إِلَّا يَوْمَ عَادٍ، فَإِنَّهُ أُذِنَ لَهَا دُونَ الْخَزَّانِ فَخَرَجَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَى الْخَزَّانِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٢) .]] . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى النَّاسِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَهِيَ السَّفِينَةُ الْجَارِيَةُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْجِنْسِ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، أَيْ: وَأَبْقَيْنَا لَكُمْ مِنْ جِنْسِهَا مَا تَرْكَبُونَ عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ فِي الْبِحَارِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْه﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٢، ١٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١، ٤٢] . وَقَالَ قَتَادَةُ: أَبْقَى اللَّهُ السَّفِينَةَ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أَيْ: وَتَفْهَمَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وَتَذْكُرَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَافِظَةٌ سَامِعَةٌ [[في م: "سامعة حافظة".]] وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ عَقَلَتْ [[في م: "تحفظت"، وفي أ: "حفظت".]] عَنِ اللَّهِ فَانْتَفَعَتْ بِمَا سَمِعَتْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ سَمِعَتْهَا أُذُنٌ وَوَعَتْ. أَيْ: مَنْ لَهُ سَمْعٌ صَحِيحٌ وَعَقْلٌ رَجِيحٌ. وَهَذَا عام فيمن فهم، ووعى. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ صُبْحٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَوْشَبٍ، سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَ [[في م، أ: "لما نزلت".]] عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَهَا أذُنَ عَلِيّ". [قَالَ مَكْحُولٌ] [[زيادة من م، أ.]] فَكَانَ عَلِيّ يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ فَنَسِيتُهُ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ مَكْحُولٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٥) .]] بِهِ. وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ [[في أ: "حدثنا بشير".]] بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَبُو مُحَمَّدٍ -يَعْنِي وَالِدَ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ-حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ الْهَيْثَمِ، سَمِعْتُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَلِيٍّ: "إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُدْنِيَكَ وَلَا أُقْصِيَكَ، وَأَنْ أُعْلِمَكَ وَأَنْ تَعِيَ، وحُقّ لَكَ أَنْ تَعِيَ". قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ آدَمَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٦) ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في الكنز برقم (٣٦٤٢٦) وقال ابن عساكر: "هذا إسناد لا يعرف والحديث شاذ".]] ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ دَاوُدَ الْأَعْمَى، عَنْ بُرَيدة، بِهِ. وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ﴾ قوم صالح، فأهلكهم الله بالطاغية. واختلف -في معنى الطاغية التي أهلك الله بها ثمود- أهلُ التأويل، فقال بعضهم: هي طغيانهم وكفرهم بالله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عزّ وجلّ: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ قال: بالذنوب. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ فقرأ قول الله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ وقال: هذه الطاغية طغيانهم وكفرهم بآيات الله. الطاغيَّة طغيانهم الذي طغوا في معاصي الله وخلاف كتاب الله. وقال آخرون: بل معنى ذلك: فأهلكوا بالصيحة التي قد جاوزت مقادير الصياح وطغت عليها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ بعث الله عليهم صيحة فأهمدتهم. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿بِالطَّاغِيَةِ﴾ قال: أرسل الله عليهم صيحة واحدة فأهمدتهم. وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: فأُهلكوا بالصيحة الطاغية. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله إنما أخبر عن ثمود بالمعنى الذي أهلكها به، كما أخبر عن عاد بالذي أهلكها به، فقال: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ولو كان الخبر عن ثمود بالسبب الذي أهلكها من أجله، كان الخبر أيضا عن عاد كذلك، إذ كان ذلك في سياق واحد، وفي إتباعه ذلك بخبره عن عاد بأن هلاكها كان بالريح الدليل الواضح على أن إخباره عن ثمود إنما هو ما بينت. * * وقوله: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ يقول تعالى ذكره: وأما عاد قوم هود فأهلكهم الله بريح صرصر، وهي الشديدة العصوف، مع شدة بردها، ﴿عَاتِيَةٍ﴾ يقول: عتت على خزانها في الهبوب، فتجاوزت في الشدّة والعصوف مقدارها المعروف في الهبوب والبرد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ يقول: بريح مهلكة باردة، عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة، دائمة لا تَفْتُر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ، والصرصر: الباردة عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن موسى بن المسيب، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس، قال: "ما أرسل الله من ريح قطّ إلا بمكيال ولا أنزل قطرة قطّ إلا بمثقال، إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على خزانه، فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ، وإن الريح عتت على خزّانها فلم يكن لهم عليها سبيل، ثم قرأ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا أبو سنان، عن غير واحد، عن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، قال: "لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي مَلك؛ فلما كان يوم نوح أذن للماء دون الخُزَّان، فطغى الماء على الجبال فخرج، فذلك قول الله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ولم ينزل من الريح شيء إلا بكيل على يدي مَلك إلا يوم عاد، فإنه أذن لها دون الخزّان، فخرجت، وذلك قول الله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ : عتت على الخزّان. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ قال: الصرصر: الشديدة، والعاتية: القاهرة التي عتت عليهم فقهرتهم. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿صَرْصَرٍ﴾ قال: شديدة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ يعني: باردة عاتية، عتت عليهم بلا رحمة ولا بركة. * * وقوله: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ يقول تعالى ذكره: سخر تلك الرياح على عاد سبع ليال وثمانية أيام حسوما؛ فقال بعضهم: عُني بذلك تباعا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ يقو ل: تباعا. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿حُسُومًا﴾ قال: متتابعة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود مثل حديث محمد بن عمرو. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله ﴿حُسُومًا﴾ قال: تباعا. ⁕ قال: ثنا يحيي بن سعيد القطان، قال: ثنا سفيان، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، في قوله: ﴿حُسُومًا﴾ قال: تباعا. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة أنه قال في هذه الآية ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة. ⁕ حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثني أبي، قال: ثنا خالد بن قيس، عن قتادة ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة ليس لها فترة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة ليس فيها تفتير. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿حُسُومًا﴾ قال: دائمات. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر عبد الله بن سَخْبَرَةَ، عن ابن مسعود ﴿أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان قال، قال مجاهد: ﴿أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: تباعا. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: متتابعة، و ﴿أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ قال: مشائيم. وقال آخرون: عني بقوله: ﴿حُسُومًا﴾ : الريح، وأنها تحسم كلّ شيء، فلا تبقي من عاد أحدا، وجعل هذه الحسوم من صفة الريح. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ قال: حسمتهم لم تبق منهم أحدا، قال: ذلك الحسوم مثل الذي يقول: احسم هذا الأمر؛ قال: وكان فيهم ثمانية لهم خلق يذهب بهم في كل مذهب؛ قال، قال موسي بن عقبة: فلما جاءهم العذاب قالوا: قوموا بنا نردّ هذا العذاب عن قومنا؛ قال: فقاموا وصفوا في الوادي، فأوحى الله إلى ملك الريح أن يقلع منهم كل يوم واحدًا، وقرأ قول الله: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ حتى بلغ: ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ، قال: فإن كانت الريح لتمرّ بالظعينة فتستدبرها وحمولتها، ثم تذهب بهم في السماء، ثم تكبهم على الرءوس، وقرأ قول الله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ قال: وكان أمسك عنهم المطر، فقرأ حتى بلغ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ ، قال: وما كانت الريح تقلع من أولئك الثمانية كلّ يوم إلا واحدًا؛ قال: فلما عذّب الله قوم عاد، أبقى الله واحدًا ينذر الناس، قال: فكانت امرأة قد رأت قومها، فقالوا لها: أنت أيضا، قالت: تنحيت على الجبل؛ قال: وقد قيل لها بعد: أنت قد سلمت وقد رأيت، فكيف لا رأيت عذاب الله؟ قالت: ما أدري غير أن أسلم ليلة: ليلة لا ريح. وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عُنِي بقوله: ﴿حُسُومًا﴾ : متتابعة، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك. وكان بعض أهل العربية يقول: الحسوم: التباع، إذا تتابع الشيء فلم ينقطع أوّله عن آخره قيل فيه حسوم؛ قال: وإنما أخذوا والله أعلم من حسم الداء: إذا كوى صاحبه، لأنه لحم يكوى بالمكواة، ثم يتابع عليه. * * وقوله: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى﴾ يقول: فترى يا محمد قوم عاد في تلك السبع الليالي والثمانية الأيام الحسوم صرعى، قد هلكوا، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ يقول: كأنهم أصول نخل قد خوت. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ : وهي أصول النخل. * * وقوله: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فهل ترى يا محمد لعاد قوم هود من بقاء. وقيل: عُنِي بذلك: فهل ترى منهم باقيا. وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من البصريين يقول: معنى ذلك: فهل ترى لهم من بقية، ويقول: مجازها مجاز الطاغية مصدر.

Al-Mukhtasar (français)

Leur vois-tu le moindre souffle de vie après le châtiment qui s’est abattu sur eux?

9

وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُۥ وَٱلْمُؤْتَفِكَٰتُ بِٱلْخَاطِئَةِ

Pharaon et ceux qui vécurent avant lui ainsi que les Villes renversées, commirent des fautes.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحَاقَّةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الحاقةُ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا يَتَحقَّقُ الوَعدُ والوَعيد؛ وَلِهَذَا عَظَّم تَعَالَى أمرَها فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى إِهْلَاكَهُ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبِينَ بِهَا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ وَهِيَ الصَّيْحَةُ الَّتِي أَسْكَتَتْهُمْ، وَالزَّلْزَلَةُ الَّتِي أَسْكَنَتْهُمْ. هَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ: الطَّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣١) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الطَّاغِيَةُ الذُّنُوبُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الطُّغْيَانُ، وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ١١] . وَقَالَ السُّدِّي: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ قَالَ: يَعْنِي: عَاقِرَ النَّاقَةِ. ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أَيْ: بَارِدَةٍ. قَالَ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ أَيْ: شَدِيدَةِ الْهُبُوبِ. قَالَ قَتَادَةُ: عَتَتْ عَلَيْهِمْ حَتَّى نَقَّبت عَنْ أَفْئِدَتِهِمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿صَرْصَرٍ﴾ بَارِدَةٍ ﴿عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ رَحْمَةٍ وَلَا بَرَكَةٍ. وَقَالَ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ: عَتَتْ عَلَى الْخَزَنَةِ فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ حِسَابٍ. ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: سَلَّطَهَا عَلَيْهِمْ ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ أي: كوامل متتابعات مشائيم. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ ﴿حُسُومًا﴾ مُتَتَابِعَاتٍ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ وَالرَّبِيعِ: مَشَائِيمَ عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٦] قَالَ الرَّبِيعُ: وَكَانَ أَوَّلُهَا الْجُمْعَةَ. وَقَالَ غَيْرُهُ الْأَرْبِعَاءَ. وَيُقَالُ: إِنَّهَا الَّتِي تُسَمِّيهَا النَّاسُ الْأَعْجَازَ؛ وَكَأَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تَكُونُ فِي عَجُزِ الشِّتَاءِ، وَيُقَالُ: أَيَّامُ الْعَجُوزِ؛ لِأَنَّ عَجُوزًا مِنْ قَوْمِ عَادٍ دَخَلَتْ سَرَبا فَقَتَلَهَا الرِّيحُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ. حَكَاهُ الْبَغْوَيُّ [[معالم التنزيل للبغوي (٢٠٨) .]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿خَاوِيَةٍ﴾ خَرِبَةٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَالِيَةٍ، أَيْ: جَعَلَتِ الرِّيحُ تَضْرِبُ بِأَحَدِهِمُ الْأَرْضَ فَيَخِرُّ مَيِّتًا عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ، فَيَنْشَدِخُ رَأْسُهُ وَتَبْقَى جُثَّتُهُ هَامِدَةً كَأَنَّهَا قَائِمَةُ النَّخْلَةِ إِذَا خَرَّتْ بِلَا أَغْصَانٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم أنه قَالَ: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأهلكَت عادٌ بالدَّبور" [[صحيح البخاري برقم (١٠٣٥) وصحيح مسلم برقم (٩٠٠) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الضِّريس الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيل، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي أُهْلِكُوا فِيهَا إِلَّا مِثْلَ مَوْضِعِ الْخَاتَمِ، فَمرّت بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ فَحَمْلَتْهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَجَعَلَتْهُمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الْحَاضِرَةِ الرِّيحَ [[في م: "فلما رأى أهل الحاضر من عاد الريح".]] وَمَا فِيهَا قَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا. فَأَلْقَتْ أَهْلَ الْبَادِيَةِ وَمَوَاشِيَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْحَاضِرَةِ" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/٤٢١) وأبو الشيخ في العظمة برقم (٨٠٦) من طريق محمد بن فضيل عن مسلم، به. وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٣) : "فيه مسلم الملائي وهو ضعيف".]] . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: الرِّيحُ لَهَا جَنَاحَانِ وَذَنَبٌ. ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ ؟ أَيْ: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَقَايَاهُمْ أَنَّهُ [[في م: "أو".]] مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِمْ؟ بَلْ بَادُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُمْ خَلفَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قُرئ بِكَسْرِ الْقَافِ، أَيْ: وَمِنْ عِنْدِهِ فِي زَمَانِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ مِنْ كُفَّارِ الْقِبْطِ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِفَتْحِهَا، أَيْ: وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُشْبِهِينَ لَهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ وَهُمُ الْمُكَذِّبُونَ بِالرُّسُلِ. ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ بِالْفِعْلَةِ الْخَاطِئَةِ، وَهِيَ التَّكْذِيبُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ. قَالَ الرَّبِيعُ: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ: بِالْمَعْصِيَةِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالْخَطَايَا. وَلِهَذَا قَالَ: تَعَالَى ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ وَهَذَا جِنْسٌ، أَيْ: كُلّ كذّبَ رَسُولَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤] . [[في م، أ، هـ: "إن كل إلا".]] وَمَنْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ كَذَّبَ بِالْجَمِيعِ، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٠٥] ، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٢٣] . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٤١] وَإِنَّمَا جَاءَ إِلَى كُلِّ أُمَّةٍ رسول واحد؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ أَيْ: عَظِيمَةً شَدِيدَةً أَلِيمَةً. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿رَابِيَةً﴾ شَدِيدَةً. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مُهْلِكَةً. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ أَيْ: زَادَ عَلَى الْحَدِّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَارْتَفَعَ عَلَى الْوُجُودِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿طَغَى الْمَاءُ﴾ كَثُرَ -وَذَلِكَ بِسَبَبِ دَعْوَةِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى قَوْمِهِ حِينَ كَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، فَعَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وعَمّ أَهْلَ الْأَرْضَ بِالطُّوفَانِ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ، فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْ سُلَالَةِ نُوحٍ وَذُرِّيَّتِهِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ أَبِي سِنَانٍ سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَمْ تَنْزِلْ قَطْرَةٌ مِنْ مَاءٍ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ نُوحٍ أُذِنَ لِلْمَاءِ دُونَ الْخَزَّانِ، فَطَغَى الْمَاءُ عَلَى الْخَزَّانِ فَخَرَجَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَلَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، إِلَّا يَوْمَ عَادٍ، فَإِنَّهُ أُذِنَ لَهَا دُونَ الْخَزَّانِ فَخَرَجَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَى الْخَزَّانِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٢) .]] . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى النَّاسِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَهِيَ السَّفِينَةُ الْجَارِيَةُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْجِنْسِ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، أَيْ: وَأَبْقَيْنَا لَكُمْ مِنْ جِنْسِهَا مَا تَرْكَبُونَ عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ فِي الْبِحَارِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْه﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٢، ١٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١، ٤٢] . وَقَالَ قَتَادَةُ: أَبْقَى اللَّهُ السَّفِينَةَ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أَيْ: وَتَفْهَمَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وَتَذْكُرَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَافِظَةٌ سَامِعَةٌ [[في م: "سامعة حافظة".]] وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ عَقَلَتْ [[في م: "تحفظت"، وفي أ: "حفظت".]] عَنِ اللَّهِ فَانْتَفَعَتْ بِمَا سَمِعَتْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ سَمِعَتْهَا أُذُنٌ وَوَعَتْ. أَيْ: مَنْ لَهُ سَمْعٌ صَحِيحٌ وَعَقْلٌ رَجِيحٌ. وَهَذَا عام فيمن فهم، ووعى. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ صُبْحٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَوْشَبٍ، سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَ [[في م، أ: "لما نزلت".]] عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَهَا أذُنَ عَلِيّ". [قَالَ مَكْحُولٌ] [[زيادة من م، أ.]] فَكَانَ عَلِيّ يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ فَنَسِيتُهُ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ مَكْحُولٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٥) .]] بِهِ. وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ [[في أ: "حدثنا بشير".]] بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَبُو مُحَمَّدٍ -يَعْنِي وَالِدَ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ-حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ الْهَيْثَمِ، سَمِعْتُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَلِيٍّ: "إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُدْنِيَكَ وَلَا أُقْصِيَكَ، وَأَنْ أُعْلِمَكَ وَأَنْ تَعِيَ، وحُقّ لَكَ أَنْ تَعِيَ". قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ آدَمَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٦) ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في الكنز برقم (٣٦٤٢٦) وقال ابن عساكر: "هذا إسناد لا يعرف والحديث شاذ".]] ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ دَاوُدَ الْأَعْمَى، عَنْ بُرَيدة، بِهِ. وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ﴾ مصر. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ ، فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة ومكة خلا الكسائي ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ بفتح القاف وسكون الباء، بمعنى: وجاء من قبل فرعون من الأمم المكذّبة بآيات الله، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط بالخطيئة. وقرأ ذلك عامة قرّاء البصرة والكسائي ﴿وَمَنْ قِبَلِهِ﴾ بكسر القاف وفتح الباء، بمعنى: وجاء مع فرعون من أهل بلده مصر من القبط. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. * * وقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾ يقول: والقرى التي أتفكت بأهلها فصار عاليها سافلها ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ يعني بالخطيئة. وكانت خطيئتها: إتيانها الذكران في أدبارهم. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ ، قرية لوط. وفي بعض القراءات ﴿وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ مَعَهُ﴾ . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾ قال: المؤتفكات: قوم لوط، ومدينتهم وزرعهم، وفي قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ قال: أهواها من السماء: رمى بها من السماء؛ أوحى الله إلى جبريل عليه السلام، فاقتلعها من الأرض، ربضها ومدينتها، ثم هوى بها إلى السماء؛ ثم قلبهم إلى الأرض، ثم أتبعهم الصخر حجارة، وقرأ قول الله: ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً﴾ قال: المسوّمة: المُعَدَّة للعذاب. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾ : يعني المكذّبين. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ هم قوم لوط، ائتفكت بهم أرضُهم. وبما قلنا في قوله: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ قال: الخطايا. * * وقوله: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ يقول جلّ ثناؤه: فعصى هؤلاء الذين ذكرهم الله، وهم فرعون ومن قبله والمؤتفكات رسول ربهم. * * وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ يقول: فأخذهم ربهم بتكذيبهم رسله أخذة، يعني أخذة زائدة شديدة نامية، من قولهم: أربيت: إذا أخذ أكثر مما أعطى من الربا؛ يقال: أربيتَ فرَبا رِباك، والفضة والذهب قد رَبَوا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ قال: شديدة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ : يعني أخذة شديدة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قول الله: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ قال: كما يكون في الخير رابية، كذلك يكون في الشرّ رابية، قال: ربا عليهم: زاد عليهم، وقرأ قول الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ وقرأ قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ يقول: ربا لهؤلاء الخير ولهؤلاء الشرّ. * * وقوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ يقول تعالى ذكره: إنا لما كثر الماء فتجاوز حدّه المعروف، كان له، وذلك زمن الطوفان. وقيل: إنه زاد فعلا فوق كلّ شيء بقدر خمس عشرة ذراعا. ذكر من قال ذلك، ومن قال في قوله: ﴿طَغَى﴾ مثل قولنا: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ قال: بلغنا أنه طغى فوق كلّ شيء خمس عشرة ذراعا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ : ذاكم زمن نوح، طغى الماء على كلّ شيء خمس عشرة ذراعا بقدر كل شيء. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القُمّي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبير، في قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ قال: لم تنزل من السماء قطرة إلا بعلم الخزَّان، إلا حيث طغى الماء، فإنه قد غضب لغضب الله، فطغى على الخزان، فخرج ما لا يعلمون ما هو. ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ إنما يقول: لما كثر. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ : يعني كثر الماء ليالي غرّق الله قوم نوح. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ﴾ قال محمد بن عمرو في حديثه: طما، وقال الحارث: ظهر. ⁕ حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، عن الضحاك، في قوله: ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ : كثر وارتفع. * * وقوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ يقول: حملناكم في السفينة التي تجري في الماء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ الجارية: السفينة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ والجارية: سفينة نوح التي حملتم فيها؛ وقيل: حملناكم، فخاطب الذين نزل فيهم القرآن، وإنما حمل أجدادهم نوحا وولده، لأن الذين خوطبوا بذلك ولد الذين حملوا في الجارية، فكان حمل الذين حملوا فيها من الأجداد حملا لذريتهم، على ما قد بيَّنا من نظائر ذلك في أماكن كثيرة من كتابنا هذا. * * وقوله: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ يقول: لنجعل السفينة الجارية التي حملناكم فيها لكم تذكرة، يعني عبرة وموعظة تتعظون بها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ فأبقاها الله تذكرة وعبرة وآية، حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رمادا. * * وقوله: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ يعني: حافظة عقلت عن الله ما سمعت. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ يقول: حافظة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ يقول: سامعة، وذلك الإعلان. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا خالد بن قيس، عن قتادة ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قال: أذن عقلت عن الله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ : أذن عقلت عن الله، فانتفعت بما سمعت من كتاب الله. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قال: أذن سمعت، وعقلت ما سمعت. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: الضحاك يقول في قوله: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ : سمعتها أذن ووعت. ⁕ حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن عليّ بن حوشب، قال: سمعت مكحولا يقول: قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثم التفت إلى عليّ، فقال: "سأَلْتُ الله أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ"، قال عليّ رضي الله عنه: فما سمعت شيئا من رسول الله ﷺ فنسيته. ⁕ حدثني محمد بن خلف، قال: ثني بشر بن آدم، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، قال: ثني عبد الله بن رستم، قال: سمعت بُرَيدة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعليّ: "يا عَليُّ؛ إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ وَلا أُقْصِيَكَ، وأنْ أُعَلِّمَكَ وأنْ تَعي، وحَقٌّ على اللهِ أنْ تَعِي"، قال: فنزلت ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن خلف، قال: ثنا الحسن بن حماد، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو يحيى التيميّ، عن فضيل بن عبد الله، عن أبي داود، عن بُرَيدة الأسلميّ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعليّ: "إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ أُعَلِّمَكَ، وأنْ أُدْنِيَكَ، وَلا أجْفُوَكَ وَلا أُقْصِيَكَ "، ثم ذكر مثله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قال: واعية يحذرون معاصي الله أن يعذّبهم الله عليها، كما عذّب من كان قبلهم تسمعها فتعيها، إنما تعي القلوب ما تسمع الآذان من الخير والشرّ من باب الوعي.

Al-Mukhtasar (français)

Sont venus et les peuples qui l’ont précédé, ainsi que les cités qui ont été châtiées par leur renversement sens dessus dessous, comme les cités de du peuple de Loth, pour les mauvais agissements qui étaient les leurs, à savoir leur mécréance et leurs péchés.

10

فَعَصَوْا۟ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةًۭ رَّابِيَةً

Ils désobéirent au Messager de leur Seigneur. Celui-ci donc, les saisit d'une façon irrésistible.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحَاقَّةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الحاقةُ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا يَتَحقَّقُ الوَعدُ والوَعيد؛ وَلِهَذَا عَظَّم تَعَالَى أمرَها فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى إِهْلَاكَهُ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبِينَ بِهَا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ وَهِيَ الصَّيْحَةُ الَّتِي أَسْكَتَتْهُمْ، وَالزَّلْزَلَةُ الَّتِي أَسْكَنَتْهُمْ. هَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ: الطَّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣١) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الطَّاغِيَةُ الذُّنُوبُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الطُّغْيَانُ، وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ١١] . وَقَالَ السُّدِّي: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ قَالَ: يَعْنِي: عَاقِرَ النَّاقَةِ. ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أَيْ: بَارِدَةٍ. قَالَ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ أَيْ: شَدِيدَةِ الْهُبُوبِ. قَالَ قَتَادَةُ: عَتَتْ عَلَيْهِمْ حَتَّى نَقَّبت عَنْ أَفْئِدَتِهِمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿صَرْصَرٍ﴾ بَارِدَةٍ ﴿عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ رَحْمَةٍ وَلَا بَرَكَةٍ. وَقَالَ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ: عَتَتْ عَلَى الْخَزَنَةِ فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ حِسَابٍ. ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: سَلَّطَهَا عَلَيْهِمْ ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ أي: كوامل متتابعات مشائيم. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ ﴿حُسُومًا﴾ مُتَتَابِعَاتٍ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ وَالرَّبِيعِ: مَشَائِيمَ عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٦] قَالَ الرَّبِيعُ: وَكَانَ أَوَّلُهَا الْجُمْعَةَ. وَقَالَ غَيْرُهُ الْأَرْبِعَاءَ. وَيُقَالُ: إِنَّهَا الَّتِي تُسَمِّيهَا النَّاسُ الْأَعْجَازَ؛ وَكَأَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تَكُونُ فِي عَجُزِ الشِّتَاءِ، وَيُقَالُ: أَيَّامُ الْعَجُوزِ؛ لِأَنَّ عَجُوزًا مِنْ قَوْمِ عَادٍ دَخَلَتْ سَرَبا فَقَتَلَهَا الرِّيحُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ. حَكَاهُ الْبَغْوَيُّ [[معالم التنزيل للبغوي (٢٠٨) .]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿خَاوِيَةٍ﴾ خَرِبَةٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَالِيَةٍ، أَيْ: جَعَلَتِ الرِّيحُ تَضْرِبُ بِأَحَدِهِمُ الْأَرْضَ فَيَخِرُّ مَيِّتًا عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ، فَيَنْشَدِخُ رَأْسُهُ وَتَبْقَى جُثَّتُهُ هَامِدَةً كَأَنَّهَا قَائِمَةُ النَّخْلَةِ إِذَا خَرَّتْ بِلَا أَغْصَانٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم أنه قَالَ: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأهلكَت عادٌ بالدَّبور" [[صحيح البخاري برقم (١٠٣٥) وصحيح مسلم برقم (٩٠٠) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الضِّريس الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيل، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي أُهْلِكُوا فِيهَا إِلَّا مِثْلَ مَوْضِعِ الْخَاتَمِ، فَمرّت بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ فَحَمْلَتْهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَجَعَلَتْهُمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الْحَاضِرَةِ الرِّيحَ [[في م: "فلما رأى أهل الحاضر من عاد الريح".]] وَمَا فِيهَا قَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا. فَأَلْقَتْ أَهْلَ الْبَادِيَةِ وَمَوَاشِيَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْحَاضِرَةِ" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/٤٢١) وأبو الشيخ في العظمة برقم (٨٠٦) من طريق محمد بن فضيل عن مسلم، به. وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٣) : "فيه مسلم الملائي وهو ضعيف".]] . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: الرِّيحُ لَهَا جَنَاحَانِ وَذَنَبٌ. ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ ؟ أَيْ: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَقَايَاهُمْ أَنَّهُ [[في م: "أو".]] مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِمْ؟ بَلْ بَادُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُمْ خَلفَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قُرئ بِكَسْرِ الْقَافِ، أَيْ: وَمِنْ عِنْدِهِ فِي زَمَانِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ مِنْ كُفَّارِ الْقِبْطِ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِفَتْحِهَا، أَيْ: وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُشْبِهِينَ لَهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ وَهُمُ الْمُكَذِّبُونَ بِالرُّسُلِ. ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ بِالْفِعْلَةِ الْخَاطِئَةِ، وَهِيَ التَّكْذِيبُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ. قَالَ الرَّبِيعُ: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ: بِالْمَعْصِيَةِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالْخَطَايَا. وَلِهَذَا قَالَ: تَعَالَى ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ وَهَذَا جِنْسٌ، أَيْ: كُلّ كذّبَ رَسُولَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤] . [[في م، أ، هـ: "إن كل إلا".]] وَمَنْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ كَذَّبَ بِالْجَمِيعِ، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٠٥] ، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٢٣] . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٤١] وَإِنَّمَا جَاءَ إِلَى كُلِّ أُمَّةٍ رسول واحد؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ أَيْ: عَظِيمَةً شَدِيدَةً أَلِيمَةً. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿رَابِيَةً﴾ شَدِيدَةً. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مُهْلِكَةً. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ أَيْ: زَادَ عَلَى الْحَدِّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَارْتَفَعَ عَلَى الْوُجُودِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿طَغَى الْمَاءُ﴾ كَثُرَ -وَذَلِكَ بِسَبَبِ دَعْوَةِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى قَوْمِهِ حِينَ كَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، فَعَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وعَمّ أَهْلَ الْأَرْضَ بِالطُّوفَانِ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ، فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْ سُلَالَةِ نُوحٍ وَذُرِّيَّتِهِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ أَبِي سِنَانٍ سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَمْ تَنْزِلْ قَطْرَةٌ مِنْ مَاءٍ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ نُوحٍ أُذِنَ لِلْمَاءِ دُونَ الْخَزَّانِ، فَطَغَى الْمَاءُ عَلَى الْخَزَّانِ فَخَرَجَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَلَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، إِلَّا يَوْمَ عَادٍ، فَإِنَّهُ أُذِنَ لَهَا دُونَ الْخَزَّانِ فَخَرَجَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَى الْخَزَّانِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٢) .]] . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى النَّاسِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَهِيَ السَّفِينَةُ الْجَارِيَةُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْجِنْسِ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، أَيْ: وَأَبْقَيْنَا لَكُمْ مِنْ جِنْسِهَا مَا تَرْكَبُونَ عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ فِي الْبِحَارِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْه﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٢، ١٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١، ٤٢] . وَقَالَ قَتَادَةُ: أَبْقَى اللَّهُ السَّفِينَةَ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أَيْ: وَتَفْهَمَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وَتَذْكُرَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَافِظَةٌ سَامِعَةٌ [[في م: "سامعة حافظة".]] وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ عَقَلَتْ [[في م: "تحفظت"، وفي أ: "حفظت".]] عَنِ اللَّهِ فَانْتَفَعَتْ بِمَا سَمِعَتْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ سَمِعَتْهَا أُذُنٌ وَوَعَتْ. أَيْ: مَنْ لَهُ سَمْعٌ صَحِيحٌ وَعَقْلٌ رَجِيحٌ. وَهَذَا عام فيمن فهم، ووعى. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ صُبْحٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَوْشَبٍ، سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَ [[في م، أ: "لما نزلت".]] عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَهَا أذُنَ عَلِيّ". [قَالَ مَكْحُولٌ] [[زيادة من م، أ.]] فَكَانَ عَلِيّ يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ فَنَسِيتُهُ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ مَكْحُولٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٥) .]] بِهِ. وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ [[في أ: "حدثنا بشير".]] بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَبُو مُحَمَّدٍ -يَعْنِي وَالِدَ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ-حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ الْهَيْثَمِ، سَمِعْتُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَلِيٍّ: "إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُدْنِيَكَ وَلَا أُقْصِيَكَ، وَأَنْ أُعْلِمَكَ وَأَنْ تَعِيَ، وحُقّ لَكَ أَنْ تَعِيَ". قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ آدَمَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٦) ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في الكنز برقم (٣٦٤٢٦) وقال ابن عساكر: "هذا إسناد لا يعرف والحديث شاذ".]] ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ دَاوُدَ الْأَعْمَى، عَنْ بُرَيدة، بِهِ. وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ﴾ مصر. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ ، فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة ومكة خلا الكسائي ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ بفتح القاف وسكون الباء، بمعنى: وجاء من قبل فرعون من الأمم المكذّبة بآيات الله، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط بالخطيئة. وقرأ ذلك عامة قرّاء البصرة والكسائي ﴿وَمَنْ قِبَلِهِ﴾ بكسر القاف وفتح الباء، بمعنى: وجاء مع فرعون من أهل بلده مصر من القبط. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. * * وقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾ يقول: والقرى التي أتفكت بأهلها فصار عاليها سافلها ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ يعني بالخطيئة. وكانت خطيئتها: إتيانها الذكران في أدبارهم. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ ، قرية لوط. وفي بعض القراءات ﴿وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ مَعَهُ﴾ . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾ قال: المؤتفكات: قوم لوط، ومدينتهم وزرعهم، وفي قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ قال: أهواها من السماء: رمى بها من السماء؛ أوحى الله إلى جبريل عليه السلام، فاقتلعها من الأرض، ربضها ومدينتها، ثم هوى بها إلى السماء؛ ثم قلبهم إلى الأرض، ثم أتبعهم الصخر حجارة، وقرأ قول الله: ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً﴾ قال: المسوّمة: المُعَدَّة للعذاب. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾ : يعني المكذّبين. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ هم قوم لوط، ائتفكت بهم أرضُهم. وبما قلنا في قوله: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ قال: الخطايا. * * وقوله: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ يقول جلّ ثناؤه: فعصى هؤلاء الذين ذكرهم الله، وهم فرعون ومن قبله والمؤتفكات رسول ربهم. * * وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ يقول: فأخذهم ربهم بتكذيبهم رسله أخذة، يعني أخذة زائدة شديدة نامية، من قولهم: أربيت: إذا أخذ أكثر مما أعطى من الربا؛ يقال: أربيتَ فرَبا رِباك، والفضة والذهب قد رَبَوا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ قال: شديدة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ : يعني أخذة شديدة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قول الله: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ قال: كما يكون في الخير رابية، كذلك يكون في الشرّ رابية، قال: ربا عليهم: زاد عليهم، وقرأ قول الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ وقرأ قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ يقول: ربا لهؤلاء الخير ولهؤلاء الشرّ. * * وقوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ يقول تعالى ذكره: إنا لما كثر الماء فتجاوز حدّه المعروف، كان له، وذلك زمن الطوفان. وقيل: إنه زاد فعلا فوق كلّ شيء بقدر خمس عشرة ذراعا. ذكر من قال ذلك، ومن قال في قوله: ﴿طَغَى﴾ مثل قولنا: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ قال: بلغنا أنه طغى فوق كلّ شيء خمس عشرة ذراعا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ : ذاكم زمن نوح، طغى الماء على كلّ شيء خمس عشرة ذراعا بقدر كل شيء. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القُمّي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبير، في قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ قال: لم تنزل من السماء قطرة إلا بعلم الخزَّان، إلا حيث طغى الماء، فإنه قد غضب لغضب الله، فطغى على الخزان، فخرج ما لا يعلمون ما هو. ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ إنما يقول: لما كثر. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ : يعني كثر الماء ليالي غرّق الله قوم نوح. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ﴾ قال محمد بن عمرو في حديثه: طما، وقال الحارث: ظهر. ⁕ حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، عن الضحاك، في قوله: ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ : كثر وارتفع. * * وقوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ يقول: حملناكم في السفينة التي تجري في الماء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ الجارية: السفينة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ والجارية: سفينة نوح التي حملتم فيها؛ وقيل: حملناكم، فخاطب الذين نزل فيهم القرآن، وإنما حمل أجدادهم نوحا وولده، لأن الذين خوطبوا بذلك ولد الذين حملوا في الجارية، فكان حمل الذين حملوا فيها من الأجداد حملا لذريتهم، على ما قد بيَّنا من نظائر ذلك في أماكن كثيرة من كتابنا هذا. * * وقوله: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ يقول: لنجعل السفينة الجارية التي حملناكم فيها لكم تذكرة، يعني عبرة وموعظة تتعظون بها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ فأبقاها الله تذكرة وعبرة وآية، حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رمادا. * * وقوله: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ يعني: حافظة عقلت عن الله ما سمعت. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ يقول: حافظة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ يقول: سامعة، وذلك الإعلان. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا خالد بن قيس، عن قتادة ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قال: أذن عقلت عن الله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ : أذن عقلت عن الله، فانتفعت بما سمعت من كتاب الله. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قال: أذن سمعت، وعقلت ما سمعت. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: الضحاك يقول في قوله: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ : سمعتها أذن ووعت. ⁕ حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن عليّ بن حوشب، قال: سمعت مكحولا يقول: قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثم التفت إلى عليّ، فقال: "سأَلْتُ الله أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ"، قال عليّ رضي الله عنه: فما سمعت شيئا من رسول الله ﷺ فنسيته. ⁕ حدثني محمد بن خلف، قال: ثني بشر بن آدم، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، قال: ثني عبد الله بن رستم، قال: سمعت بُرَيدة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعليّ: "يا عَليُّ؛ إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ وَلا أُقْصِيَكَ، وأنْ أُعَلِّمَكَ وأنْ تَعي، وحَقٌّ على اللهِ أنْ تَعِي"، قال: فنزلت ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن خلف، قال: ثنا الحسن بن حماد، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو يحيى التيميّ، عن فضيل بن عبد الله، عن أبي داود، عن بُرَيدة الأسلميّ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعليّ: "إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ أُعَلِّمَكَ، وأنْ أُدْنِيَكَ، وَلا أجْفُوَكَ وَلا أُقْصِيَكَ "، ثم ذكر مثله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قال: واعية يحذرون معاصي الله أن يعذّبهم الله عليها، كما عذّب من كان قبلهم تسمعها فتعيها، إنما تعي القلوب ما تسمع الآذان من الخير والشرّ من باب الوعي.

Al-Mukhtasar (français)

Chacun de ces peuples désobéit au messager qui lui a été envoyé et le traita de menteur. Allah les saisit donc d’une manière plus féroce qu’il n’en faut pour les anéantir.

11

إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ

C'est Nous qui, quand l'eau déborda, vous avons chargés sur l'Arche

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحَاقَّةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الحاقةُ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا يَتَحقَّقُ الوَعدُ والوَعيد؛ وَلِهَذَا عَظَّم تَعَالَى أمرَها فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى إِهْلَاكَهُ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبِينَ بِهَا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ وَهِيَ الصَّيْحَةُ الَّتِي أَسْكَتَتْهُمْ، وَالزَّلْزَلَةُ الَّتِي أَسْكَنَتْهُمْ. هَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ: الطَّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣١) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الطَّاغِيَةُ الذُّنُوبُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الطُّغْيَانُ، وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ١١] . وَقَالَ السُّدِّي: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ قَالَ: يَعْنِي: عَاقِرَ النَّاقَةِ. ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أَيْ: بَارِدَةٍ. قَالَ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ أَيْ: شَدِيدَةِ الْهُبُوبِ. قَالَ قَتَادَةُ: عَتَتْ عَلَيْهِمْ حَتَّى نَقَّبت عَنْ أَفْئِدَتِهِمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿صَرْصَرٍ﴾ بَارِدَةٍ ﴿عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ رَحْمَةٍ وَلَا بَرَكَةٍ. وَقَالَ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ: عَتَتْ عَلَى الْخَزَنَةِ فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ حِسَابٍ. ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: سَلَّطَهَا عَلَيْهِمْ ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ أي: كوامل متتابعات مشائيم. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ ﴿حُسُومًا﴾ مُتَتَابِعَاتٍ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ وَالرَّبِيعِ: مَشَائِيمَ عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٦] قَالَ الرَّبِيعُ: وَكَانَ أَوَّلُهَا الْجُمْعَةَ. وَقَالَ غَيْرُهُ الْأَرْبِعَاءَ. وَيُقَالُ: إِنَّهَا الَّتِي تُسَمِّيهَا النَّاسُ الْأَعْجَازَ؛ وَكَأَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تَكُونُ فِي عَجُزِ الشِّتَاءِ، وَيُقَالُ: أَيَّامُ الْعَجُوزِ؛ لِأَنَّ عَجُوزًا مِنْ قَوْمِ عَادٍ دَخَلَتْ سَرَبا فَقَتَلَهَا الرِّيحُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ. حَكَاهُ الْبَغْوَيُّ [[معالم التنزيل للبغوي (٢٠٨) .]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿خَاوِيَةٍ﴾ خَرِبَةٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَالِيَةٍ، أَيْ: جَعَلَتِ الرِّيحُ تَضْرِبُ بِأَحَدِهِمُ الْأَرْضَ فَيَخِرُّ مَيِّتًا عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ، فَيَنْشَدِخُ رَأْسُهُ وَتَبْقَى جُثَّتُهُ هَامِدَةً كَأَنَّهَا قَائِمَةُ النَّخْلَةِ إِذَا خَرَّتْ بِلَا أَغْصَانٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم أنه قَالَ: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأهلكَت عادٌ بالدَّبور" [[صحيح البخاري برقم (١٠٣٥) وصحيح مسلم برقم (٩٠٠) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الضِّريس الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيل، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي أُهْلِكُوا فِيهَا إِلَّا مِثْلَ مَوْضِعِ الْخَاتَمِ، فَمرّت بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ فَحَمْلَتْهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَجَعَلَتْهُمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الْحَاضِرَةِ الرِّيحَ [[في م: "فلما رأى أهل الحاضر من عاد الريح".]] وَمَا فِيهَا قَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا. فَأَلْقَتْ أَهْلَ الْبَادِيَةِ وَمَوَاشِيَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْحَاضِرَةِ" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/٤٢١) وأبو الشيخ في العظمة برقم (٨٠٦) من طريق محمد بن فضيل عن مسلم، به. وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٣) : "فيه مسلم الملائي وهو ضعيف".]] . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: الرِّيحُ لَهَا جَنَاحَانِ وَذَنَبٌ. ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ ؟ أَيْ: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَقَايَاهُمْ أَنَّهُ [[في م: "أو".]] مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِمْ؟ بَلْ بَادُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُمْ خَلفَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قُرئ بِكَسْرِ الْقَافِ، أَيْ: وَمِنْ عِنْدِهِ فِي زَمَانِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ مِنْ كُفَّارِ الْقِبْطِ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِفَتْحِهَا، أَيْ: وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُشْبِهِينَ لَهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ وَهُمُ الْمُكَذِّبُونَ بِالرُّسُلِ. ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ بِالْفِعْلَةِ الْخَاطِئَةِ، وَهِيَ التَّكْذِيبُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ. قَالَ الرَّبِيعُ: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ: بِالْمَعْصِيَةِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالْخَطَايَا. وَلِهَذَا قَالَ: تَعَالَى ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ وَهَذَا جِنْسٌ، أَيْ: كُلّ كذّبَ رَسُولَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤] . [[في م، أ، هـ: "إن كل إلا".]] وَمَنْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ كَذَّبَ بِالْجَمِيعِ، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٠٥] ، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٢٣] . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٤١] وَإِنَّمَا جَاءَ إِلَى كُلِّ أُمَّةٍ رسول واحد؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ أَيْ: عَظِيمَةً شَدِيدَةً أَلِيمَةً. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿رَابِيَةً﴾ شَدِيدَةً. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مُهْلِكَةً. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ أَيْ: زَادَ عَلَى الْحَدِّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَارْتَفَعَ عَلَى الْوُجُودِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿طَغَى الْمَاءُ﴾ كَثُرَ -وَذَلِكَ بِسَبَبِ دَعْوَةِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى قَوْمِهِ حِينَ كَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، فَعَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وعَمّ أَهْلَ الْأَرْضَ بِالطُّوفَانِ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ، فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْ سُلَالَةِ نُوحٍ وَذُرِّيَّتِهِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ أَبِي سِنَانٍ سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَمْ تَنْزِلْ قَطْرَةٌ مِنْ مَاءٍ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ نُوحٍ أُذِنَ لِلْمَاءِ دُونَ الْخَزَّانِ، فَطَغَى الْمَاءُ عَلَى الْخَزَّانِ فَخَرَجَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَلَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، إِلَّا يَوْمَ عَادٍ، فَإِنَّهُ أُذِنَ لَهَا دُونَ الْخَزَّانِ فَخَرَجَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَى الْخَزَّانِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٢) .]] . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى النَّاسِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَهِيَ السَّفِينَةُ الْجَارِيَةُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْجِنْسِ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، أَيْ: وَأَبْقَيْنَا لَكُمْ مِنْ جِنْسِهَا مَا تَرْكَبُونَ عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ فِي الْبِحَارِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْه﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٢، ١٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١، ٤٢] . وَقَالَ قَتَادَةُ: أَبْقَى اللَّهُ السَّفِينَةَ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أَيْ: وَتَفْهَمَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وَتَذْكُرَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَافِظَةٌ سَامِعَةٌ [[في م: "سامعة حافظة".]] وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ عَقَلَتْ [[في م: "تحفظت"، وفي أ: "حفظت".]] عَنِ اللَّهِ فَانْتَفَعَتْ بِمَا سَمِعَتْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ سَمِعَتْهَا أُذُنٌ وَوَعَتْ. أَيْ: مَنْ لَهُ سَمْعٌ صَحِيحٌ وَعَقْلٌ رَجِيحٌ. وَهَذَا عام فيمن فهم، ووعى. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ صُبْحٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَوْشَبٍ، سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَ [[في م، أ: "لما نزلت".]] عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَهَا أذُنَ عَلِيّ". [قَالَ مَكْحُولٌ] [[زيادة من م، أ.]] فَكَانَ عَلِيّ يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ فَنَسِيتُهُ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ مَكْحُولٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٥) .]] بِهِ. وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ [[في أ: "حدثنا بشير".]] بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَبُو مُحَمَّدٍ -يَعْنِي وَالِدَ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ-حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ الْهَيْثَمِ، سَمِعْتُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَلِيٍّ: "إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُدْنِيَكَ وَلَا أُقْصِيَكَ، وَأَنْ أُعْلِمَكَ وَأَنْ تَعِيَ، وحُقّ لَكَ أَنْ تَعِيَ". قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ آدَمَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٦) ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في الكنز برقم (٣٦٤٢٦) وقال ابن عساكر: "هذا إسناد لا يعرف والحديث شاذ".]] ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ دَاوُدَ الْأَعْمَى، عَنْ بُرَيدة، بِهِ. وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ﴾ مصر. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ ، فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة ومكة خلا الكسائي ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ بفتح القاف وسكون الباء، بمعنى: وجاء من قبل فرعون من الأمم المكذّبة بآيات الله، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط بالخطيئة. وقرأ ذلك عامة قرّاء البصرة والكسائي ﴿وَمَنْ قِبَلِهِ﴾ بكسر القاف وفتح الباء، بمعنى: وجاء مع فرعون من أهل بلده مصر من القبط. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. * * وقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾ يقول: والقرى التي أتفكت بأهلها فصار عاليها سافلها ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ يعني بالخطيئة. وكانت خطيئتها: إتيانها الذكران في أدبارهم. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ ، قرية لوط. وفي بعض القراءات ﴿وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ مَعَهُ﴾ . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾ قال: المؤتفكات: قوم لوط، ومدينتهم وزرعهم، وفي قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ قال: أهواها من السماء: رمى بها من السماء؛ أوحى الله إلى جبريل عليه السلام، فاقتلعها من الأرض، ربضها ومدينتها، ثم هوى بها إلى السماء؛ ثم قلبهم إلى الأرض، ثم أتبعهم الصخر حجارة، وقرأ قول الله: ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً﴾ قال: المسوّمة: المُعَدَّة للعذاب. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾ : يعني المكذّبين. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ هم قوم لوط، ائتفكت بهم أرضُهم. وبما قلنا في قوله: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ قال: الخطايا. * * وقوله: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ يقول جلّ ثناؤه: فعصى هؤلاء الذين ذكرهم الله، وهم فرعون ومن قبله والمؤتفكات رسول ربهم. * * وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ يقول: فأخذهم ربهم بتكذيبهم رسله أخذة، يعني أخذة زائدة شديدة نامية، من قولهم: أربيت: إذا أخذ أكثر مما أعطى من الربا؛ يقال: أربيتَ فرَبا رِباك، والفضة والذهب قد رَبَوا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ قال: شديدة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ : يعني أخذة شديدة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قول الله: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ قال: كما يكون في الخير رابية، كذلك يكون في الشرّ رابية، قال: ربا عليهم: زاد عليهم، وقرأ قول الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ وقرأ قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ يقول: ربا لهؤلاء الخير ولهؤلاء الشرّ. * * وقوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ يقول تعالى ذكره: إنا لما كثر الماء فتجاوز حدّه المعروف، كان له، وذلك زمن الطوفان. وقيل: إنه زاد فعلا فوق كلّ شيء بقدر خمس عشرة ذراعا. ذكر من قال ذلك، ومن قال في قوله: ﴿طَغَى﴾ مثل قولنا: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ قال: بلغنا أنه طغى فوق كلّ شيء خمس عشرة ذراعا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ : ذاكم زمن نوح، طغى الماء على كلّ شيء خمس عشرة ذراعا بقدر كل شيء. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القُمّي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبير، في قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ قال: لم تنزل من السماء قطرة إلا بعلم الخزَّان، إلا حيث طغى الماء، فإنه قد غضب لغضب الله، فطغى على الخزان، فخرج ما لا يعلمون ما هو. ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ إنما يقول: لما كثر. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ : يعني كثر الماء ليالي غرّق الله قوم نوح. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ﴾ قال محمد بن عمرو في حديثه: طما، وقال الحارث: ظهر. ⁕ حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، عن الضحاك، في قوله: ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ : كثر وارتفع. * * وقوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ يقول: حملناكم في السفينة التي تجري في الماء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ الجارية: السفينة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ والجارية: سفينة نوح التي حملتم فيها؛ وقيل: حملناكم، فخاطب الذين نزل فيهم القرآن، وإنما حمل أجدادهم نوحا وولده، لأن الذين خوطبوا بذلك ولد الذين حملوا في الجارية، فكان حمل الذين حملوا فيها من الأجداد حملا لذريتهم، على ما قد بيَّنا من نظائر ذلك في أماكن كثيرة من كتابنا هذا. * * وقوله: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ يقول: لنجعل السفينة الجارية التي حملناكم فيها لكم تذكرة، يعني عبرة وموعظة تتعظون بها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ فأبقاها الله تذكرة وعبرة وآية، حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رمادا. * * وقوله: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ يعني: حافظة عقلت عن الله ما سمعت. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ يقول: حافظة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ يقول: سامعة، وذلك الإعلان. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا خالد بن قيس، عن قتادة ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قال: أذن عقلت عن الله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ : أذن عقلت عن الله، فانتفعت بما سمعت من كتاب الله. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قال: أذن سمعت، وعقلت ما سمعت. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: الضحاك يقول في قوله: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ : سمعتها أذن ووعت. ⁕ حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن عليّ بن حوشب، قال: سمعت مكحولا يقول: قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثم التفت إلى عليّ، فقال: "سأَلْتُ الله أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ"، قال عليّ رضي الله عنه: فما سمعت شيئا من رسول الله ﷺ فنسيته. ⁕ حدثني محمد بن خلف، قال: ثني بشر بن آدم، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، قال: ثني عبد الله بن رستم، قال: سمعت بُرَيدة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعليّ: "يا عَليُّ؛ إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ وَلا أُقْصِيَكَ، وأنْ أُعَلِّمَكَ وأنْ تَعي، وحَقٌّ على اللهِ أنْ تَعِي"، قال: فنزلت ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن خلف، قال: ثنا الحسن بن حماد، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو يحيى التيميّ، عن فضيل بن عبد الله، عن أبي داود، عن بُرَيدة الأسلميّ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعليّ: "إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ أُعَلِّمَكَ، وأنْ أُدْنِيَكَ، وَلا أجْفُوَكَ وَلا أُقْصِيَكَ "، ثم ذكر مثله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قال: واعية يحذرون معاصي الله أن يعذّبهم الله عليها، كما عذّب من كان قبلهم تسمعها فتعيها، إنما تعي القلوب ما تسمع الآذان من الخير والشرّ من باب الوعي.

Al-Mukhtasar (français)

Lorsque Nous fîmes déborder l’eau, Nous fîmes embarquer ceux qui vous ont engendrés dans le vaisseau que Noé construisit par Notre Ordre et il devint alors votre vaisseau.

12

لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةًۭ وَتَعِيَهَآ أُذُنٌۭ وَٰعِيَةٌۭ

afin d'en faire pour vous un rappel que toute oreille fidèle conserve.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحَاقَّةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * الحاقةُ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا يَتَحقَّقُ الوَعدُ والوَعيد؛ وَلِهَذَا عَظَّم تَعَالَى أمرَها فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى إِهْلَاكَهُ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبِينَ بِهَا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ وَهِيَ الصَّيْحَةُ الَّتِي أَسْكَتَتْهُمْ، وَالزَّلْزَلَةُ الَّتِي أَسْكَنَتْهُمْ. هَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ: الطَّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣١) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الطَّاغِيَةُ الذُّنُوبُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الطُّغْيَانُ، وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ١١] . وَقَالَ السُّدِّي: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ قَالَ: يَعْنِي: عَاقِرَ النَّاقَةِ. ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أَيْ: بَارِدَةٍ. قَالَ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ أَيْ: شَدِيدَةِ الْهُبُوبِ. قَالَ قَتَادَةُ: عَتَتْ عَلَيْهِمْ حَتَّى نَقَّبت عَنْ أَفْئِدَتِهِمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿صَرْصَرٍ﴾ بَارِدَةٍ ﴿عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ رَحْمَةٍ وَلَا بَرَكَةٍ. وَقَالَ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ: عَتَتْ عَلَى الْخَزَنَةِ فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ حِسَابٍ. ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: سَلَّطَهَا عَلَيْهِمْ ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ أي: كوامل متتابعات مشائيم. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ ﴿حُسُومًا﴾ مُتَتَابِعَاتٍ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ وَالرَّبِيعِ: مَشَائِيمَ عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٦] قَالَ الرَّبِيعُ: وَكَانَ أَوَّلُهَا الْجُمْعَةَ. وَقَالَ غَيْرُهُ الْأَرْبِعَاءَ. وَيُقَالُ: إِنَّهَا الَّتِي تُسَمِّيهَا النَّاسُ الْأَعْجَازَ؛ وَكَأَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تَكُونُ فِي عَجُزِ الشِّتَاءِ، وَيُقَالُ: أَيَّامُ الْعَجُوزِ؛ لِأَنَّ عَجُوزًا مِنْ قَوْمِ عَادٍ دَخَلَتْ سَرَبا فَقَتَلَهَا الرِّيحُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ. حَكَاهُ الْبَغْوَيُّ [[معالم التنزيل للبغوي (٢٠٨) .]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿خَاوِيَةٍ﴾ خَرِبَةٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَالِيَةٍ، أَيْ: جَعَلَتِ الرِّيحُ تَضْرِبُ بِأَحَدِهِمُ الْأَرْضَ فَيَخِرُّ مَيِّتًا عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ، فَيَنْشَدِخُ رَأْسُهُ وَتَبْقَى جُثَّتُهُ هَامِدَةً كَأَنَّهَا قَائِمَةُ النَّخْلَةِ إِذَا خَرَّتْ بِلَا أَغْصَانٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم أنه قَالَ: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأهلكَت عادٌ بالدَّبور" [[صحيح البخاري برقم (١٠٣٥) وصحيح مسلم برقم (٩٠٠) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الضِّريس الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيل، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي أُهْلِكُوا فِيهَا إِلَّا مِثْلَ مَوْضِعِ الْخَاتَمِ، فَمرّت بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ فَحَمْلَتْهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَجَعَلَتْهُمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الْحَاضِرَةِ الرِّيحَ [[في م: "فلما رأى أهل الحاضر من عاد الريح".]] وَمَا فِيهَا قَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا. فَأَلْقَتْ أَهْلَ الْبَادِيَةِ وَمَوَاشِيَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْحَاضِرَةِ" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/٤٢١) وأبو الشيخ في العظمة برقم (٨٠٦) من طريق محمد بن فضيل عن مسلم، به. وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٣) : "فيه مسلم الملائي وهو ضعيف".]] . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: الرِّيحُ لَهَا جَنَاحَانِ وَذَنَبٌ. ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ ؟ أَيْ: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَقَايَاهُمْ أَنَّهُ [[في م: "أو".]] مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِمْ؟ بَلْ بَادُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُمْ خَلفَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قُرئ بِكَسْرِ الْقَافِ، أَيْ: وَمِنْ عِنْدِهِ فِي زَمَانِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ مِنْ كُفَّارِ الْقِبْطِ. وَقَرَأَ آخَرُونَ بِفَتْحِهَا، أَيْ: وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُشْبِهِينَ لَهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ وَهُمُ الْمُكَذِّبُونَ بِالرُّسُلِ. ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ بِالْفِعْلَةِ الْخَاطِئَةِ، وَهِيَ التَّكْذِيبُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ. قَالَ الرَّبِيعُ: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أَيْ: بِالْمَعْصِيَةِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالْخَطَايَا. وَلِهَذَا قَالَ: تَعَالَى ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ وَهَذَا جِنْسٌ، أَيْ: كُلّ كذّبَ رَسُولَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤] . [[في م، أ، هـ: "إن كل إلا".]] وَمَنْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ كَذَّبَ بِالْجَمِيعِ، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٠٥] ، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٢٣] . ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٤١] وَإِنَّمَا جَاءَ إِلَى كُلِّ أُمَّةٍ رسول واحد؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ أَيْ: عَظِيمَةً شَدِيدَةً أَلِيمَةً. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿رَابِيَةً﴾ شَدِيدَةً. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مُهْلِكَةً. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ أَيْ: زَادَ عَلَى الْحَدِّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَارْتَفَعَ عَلَى الْوُجُودِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿طَغَى الْمَاءُ﴾ كَثُرَ -وَذَلِكَ بِسَبَبِ دَعْوَةِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى قَوْمِهِ حِينَ كَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، فَعَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وعَمّ أَهْلَ الْأَرْضَ بِالطُّوفَانِ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ، فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْ سُلَالَةِ نُوحٍ وَذُرِّيَّتِهِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَان، عَنْ أَبِي سِنَانٍ سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَمْ تَنْزِلْ قَطْرَةٌ مِنْ مَاءٍ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ نُوحٍ أُذِنَ لِلْمَاءِ دُونَ الْخَزَّانِ، فَطَغَى الْمَاءُ عَلَى الْخَزَّانِ فَخَرَجَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَلَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا بِكَيْلٍ عَلَى يَدَيْ مَلَكٍ، إِلَّا يَوْمَ عَادٍ، فَإِنَّهُ أُذِنَ لَهَا دُونَ الْخَزَّانِ فَخَرَجَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عَتَتْ عَلَى الْخَزَّانِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٢) .]] . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى النَّاسِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ وَهِيَ السَّفِينَةُ الْجَارِيَةُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْجِنْسِ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، أَيْ: وَأَبْقَيْنَا لَكُمْ مِنْ جِنْسِهَا مَا تَرْكَبُونَ عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ فِي الْبِحَارِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْه﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٢، ١٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١، ٤٢] . وَقَالَ قَتَادَةُ: أَبْقَى اللَّهُ السَّفِينَةَ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أَيْ: وَتَفْهَمَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وَتَذْكُرَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَافِظَةٌ سَامِعَةٌ [[في م: "سامعة حافظة".]] وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ عَقَلَتْ [[في م: "تحفظت"، وفي أ: "حفظت".]] عَنِ اللَّهِ فَانْتَفَعَتْ بِمَا سَمِعَتْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ سَمِعَتْهَا أُذُنٌ وَوَعَتْ. أَيْ: مَنْ لَهُ سَمْعٌ صَحِيحٌ وَعَقْلٌ رَجِيحٌ. وَهَذَا عام فيمن فهم، ووعى. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ صُبْحٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَوْشَبٍ، سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَ [[في م، أ: "لما نزلت".]] عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَهَا أذُنَ عَلِيّ". [قَالَ مَكْحُولٌ] [[زيادة من م، أ.]] فَكَانَ عَلِيّ يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ فَنَسِيتُهُ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ مَكْحُولٍ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٥) .]] بِهِ. وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ [[في أ: "حدثنا بشير".]] بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَبُو مُحَمَّدٍ -يَعْنِي وَالِدَ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ-حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ الْهَيْثَمِ، سَمِعْتُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَلِيٍّ: "إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُدْنِيَكَ وَلَا أُقْصِيَكَ، وَأَنْ أُعْلِمَكَ وَأَنْ تَعِيَ، وحُقّ لَكَ أَنْ تَعِيَ". قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ آدَمَ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٦) ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في الكنز برقم (٣٦٤٢٦) وقال ابن عساكر: "هذا إسناد لا يعرف والحديث شاذ".]] ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ دَاوُدَ الْأَعْمَى، عَنْ بُرَيدة، بِهِ. وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ﴾ مصر. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ ، فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة ومكة خلا الكسائي ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ بفتح القاف وسكون الباء، بمعنى: وجاء من قبل فرعون من الأمم المكذّبة بآيات الله، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط بالخطيئة. وقرأ ذلك عامة قرّاء البصرة والكسائي ﴿وَمَنْ قِبَلِهِ﴾ بكسر القاف وفتح الباء، بمعنى: وجاء مع فرعون من أهل بلده مصر من القبط. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. * * وقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾ يقول: والقرى التي أتفكت بأهلها فصار عاليها سافلها ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ يعني بالخطيئة. وكانت خطيئتها: إتيانها الذكران في أدبارهم. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ ، قرية لوط. وفي بعض القراءات ﴿وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ مَعَهُ﴾ . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾ قال: المؤتفكات: قوم لوط، ومدينتهم وزرعهم، وفي قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ قال: أهواها من السماء: رمى بها من السماء؛ أوحى الله إلى جبريل عليه السلام، فاقتلعها من الأرض، ربضها ومدينتها، ثم هوى بها إلى السماء؛ ثم قلبهم إلى الأرض، ثم أتبعهم الصخر حجارة، وقرأ قول الله: ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً﴾ قال: المسوّمة: المُعَدَّة للعذاب. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾ : يعني المكذّبين. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ هم قوم لوط، ائتفكت بهم أرضُهم. وبما قلنا في قوله: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ قال: الخطايا. * * وقوله: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ يقول جلّ ثناؤه: فعصى هؤلاء الذين ذكرهم الله، وهم فرعون ومن قبله والمؤتفكات رسول ربهم. * * وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ يقول: فأخذهم ربهم بتكذيبهم رسله أخذة، يعني أخذة زائدة شديدة نامية، من قولهم: أربيت: إذا أخذ أكثر مما أعطى من الربا؛ يقال: أربيتَ فرَبا رِباك، والفضة والذهب قد رَبَوا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ قال: شديدة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ : يعني أخذة شديدة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قول الله: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ قال: كما يكون في الخير رابية، كذلك يكون في الشرّ رابية، قال: ربا عليهم: زاد عليهم، وقرأ قول الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ وقرأ قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ يقول: ربا لهؤلاء الخير ولهؤلاء الشرّ. * * وقوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ يقول تعالى ذكره: إنا لما كثر الماء فتجاوز حدّه المعروف، كان له، وذلك زمن الطوفان. وقيل: إنه زاد فعلا فوق كلّ شيء بقدر خمس عشرة ذراعا. ذكر من قال ذلك، ومن قال في قوله: ﴿طَغَى﴾ مثل قولنا: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ قال: بلغنا أنه طغى فوق كلّ شيء خمس عشرة ذراعا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ : ذاكم زمن نوح، طغى الماء على كلّ شيء خمس عشرة ذراعا بقدر كل شيء. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القُمّي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبير، في قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ قال: لم تنزل من السماء قطرة إلا بعلم الخزَّان، إلا حيث طغى الماء، فإنه قد غضب لغضب الله، فطغى على الخزان، فخرج ما لا يعلمون ما هو. ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ إنما يقول: لما كثر. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ : يعني كثر الماء ليالي غرّق الله قوم نوح. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ﴾ قال محمد بن عمرو في حديثه: طما، وقال الحارث: ظهر. ⁕ حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، عن الضحاك، في قوله: ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ : كثر وارتفع. * * وقوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ يقول: حملناكم في السفينة التي تجري في الماء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ الجارية: السفينة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ والجارية: سفينة نوح التي حملتم فيها؛ وقيل: حملناكم، فخاطب الذين نزل فيهم القرآن، وإنما حمل أجدادهم نوحا وولده، لأن الذين خوطبوا بذلك ولد الذين حملوا في الجارية، فكان حمل الذين حملوا فيها من الأجداد حملا لذريتهم، على ما قد بيَّنا من نظائر ذلك في أماكن كثيرة من كتابنا هذا. * * وقوله: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ يقول: لنجعل السفينة الجارية التي حملناكم فيها لكم تذكرة، يعني عبرة وموعظة تتعظون بها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ فأبقاها الله تذكرة وعبرة وآية، حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رمادا. * * وقوله: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ يعني: حافظة عقلت عن الله ما سمعت. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ يقول: حافظة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ يقول: سامعة، وذلك الإعلان. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا خالد بن قيس، عن قتادة ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قال: أذن عقلت عن الله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ : أذن عقلت عن الله، فانتفعت بما سمعت من كتاب الله. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قال: أذن سمعت، وعقلت ما سمعت. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: الضحاك يقول في قوله: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ : سمعتها أذن ووعت. ⁕ حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن عليّ بن حوشب، قال: سمعت مكحولا يقول: قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثم التفت إلى عليّ، فقال: "سأَلْتُ الله أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ"، قال عليّ رضي الله عنه: فما سمعت شيئا من رسول الله ﷺ فنسيته. ⁕ حدثني محمد بن خلف، قال: ثني بشر بن آدم، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، قال: ثني عبد الله بن رستم، قال: سمعت بُرَيدة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعليّ: "يا عَليُّ؛ إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ أُدْنِيَكَ وَلا أُقْصِيَكَ، وأنْ أُعَلِّمَكَ وأنْ تَعي، وحَقٌّ على اللهِ أنْ تَعِي"، قال: فنزلت ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن خلف، قال: ثنا الحسن بن حماد، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو يحيى التيميّ، عن فضيل بن عبد الله، عن أبي داود، عن بُرَيدة الأسلميّ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعليّ: "إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ أُعَلِّمَكَ، وأنْ أُدْنِيَكَ، وَلا أجْفُوَكَ وَلا أُقْصِيَكَ "، ثم ذكر مثله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قال: واعية يحذرون معاصي الله أن يعذّبهم الله عليها، كما عذّب من كان قبلهم تسمعها فتعيها، إنما تعي القلوب ما تسمع الآذان من الخير والشرّ من باب الوعي.

Al-Mukhtasar (français)

Ceci, afin de faire du bateau et de son histoire, une exhortation justifiant l’anéantissement des mécréants et le sauvetage des croyants, et afin que cela soit enregistré par des oreilles attentives à ce qu’elles écoutent.

13

فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ نَفْخَةٌۭ وَٰحِدَةٌۭ

Puis, quand d'un seul souffle, on soufflera dans la Trompe,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ نَفْخَةُ الْفَزَعِ، ثُمَّ يَعْقُبُهَا نَفْخَةُ الصَّعْقِ حِينَ يُصعق مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ بَعْدَهَا نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَهِيَ هَذِهِ النَّفْخَةُ. وَقَدْ أَكَّدَهَا هَاهُنَا بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ لَا يُخَالَفُ وَلَا يُمَانَعُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكْرَارٍ وَتَأْكِيدٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: هِيَ النَّفْخَةُ الْأَخِيرَةُ. وَالظَّاهِرُ مَا قُلْنَاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ أَيْ: فَمُدَّتْ مَدّ الْأَدِيمِ العُكَاظي، وتَبَدّلت الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ، ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ أَيْ: قَامَتِ الْقِيَامَةُ. ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ قَالَ سِماك، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: تَنْشَقُّ السَّمَاءُ مِنَ الْمَجَرَّةِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هِيَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: ١٩] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُنْخَرِقَةٌ، وَالْعَرْشُ بِحِذَائِهَا. ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ الْمَلَكُ: اسْمُ جِنْسٍ، أَيِ: الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَرْجَاءِ السَّمَاءِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلَى مَا لَمْ يَهِ مِنْهَا، أَيْ: حَافَّتِهَا. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَطْرَافُهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَبْوَابُهَا. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ يَقُولُ: عَلَى مَا اسْتَدَقَّ مِنَ السَّمَاءِ، يَنْظُرُونَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ الْعَرْشَ ثَمَانِيَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْعَرْشِ الْعَرْشَ الْعَظِيمَ، أَوِ: الْعَرْشَ الَّذِي يُوضَعُ فِي الْأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَميرة، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فِي ذِكْرِ حَمَلة الْعَرْشِ أَنَّهُمْ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ [[حديث الأوعال رواه أبو داود في السنن برقم (٤٧٢٣) وتقدم عند تفسير الآية: ٧ من سورة غافر.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ يحيى بن سَعِيدٍ [[في م: "حدثنا أبو سعيد عن ابن سعيد".]] حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنِي أَبُو السَّمْحِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو قَبيل حُيَي بْنُ هَانِئٍ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: حَمَلَةُ الْعَرْشُ ثَمَانِيَةٌ، مَا بَيْنَ مُوق أَحَدِهِمْ إِلَى مُؤَخَّرِ عَيْنِهِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أذنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ عَنْ مَلَكٍ مِنْ حَمَلة الْعَرْشِ: بُعْدُ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَعُنُقِهِ بِخَفْقِ الطَّيْرِ سَبْعُمِائَةِ عَامٍ". وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ "السُّنَّةِ" مِنْ سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ: أَنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ". هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٧٢٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قَالَ: ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. قَالَ: ورُوي عَنِ الشَّعْبِيِّ [وَعِكْرِمَةَ] [[زيادة من م، أ.]] وَالضَّحَّاكِ. وَابْنِ جُرَيْج، مِثْلُ ذَلِكَ. وَكَذَا رَوَى السُّدِّي عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ. وَكَذَا رَوَى الْعَوْفِيُّ، عَنْهُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الكَرُوبيّون ثَمَانِيَةُ أَجْزَاءٍ، كُلُّ جِنْسٍ [[في م: "كل جزء".]] مِنْهُمْ بِقَدْرِ [[في أ: "بعدة".]] الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالْمَلَائِكَةِ. * * وَقَوْلُهُ: [[يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية]] أَيْ تُعْرَضُونَ على عالم السر والنجوى الذي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِكُمْ، بَلْ هُوَ عَالِمٌ بِالظَّوَاهِرِ وَالسَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقان، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنوا، فَإِنَّهُ أَخَفُّ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [[محاسبة النفس لابن أبي الدنيا برقم (٢) وذكره المؤلف في مسند عمر (٢/٦١٨) وقال: "أثر مشهور وفيه انقطاع، وثابت بن الحجاج هذا جزري تابعي صغير لم يدرك، ولم يرو عنه سوى جعفر بن برقان، وله عند أبي داود في السنن حديثان".]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَفَاعَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ، فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فجدالٌ ومعاذيرُ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ". وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيع، بِهِ [[المسند (١٤/٤١٤) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٧٧) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣١٥) : "هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع، الحسن لم يسمح من أبي موسي. قاله علي لن المديني وأبو حاتم وأبو زرعة".]] وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ وَكِيعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ الحسن، عن أبي هريرة، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٤٢٥) .]] . وَقَدْ رَوَى ابنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدِ بن موسى، عن يزيد، بن سليم بْنِ حَيَّانَ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْغَرِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ: عَرْضَتَانِ، مَعَاذِيرُ وَخُصُومَاتٌ، وَالْعَرْضَةُ الثَّالِثَةُ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي. وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَروبة، عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلًا مِثْلَهُ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٨) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ إسرافيل ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ وهي النفخة الأولى، ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ يقول: فزلزلتا زلزلة واحدة. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: صارت غبارا. وقيل: ﴿فَدُكَّتَا﴾ وقد ذكر قبل الجبال والأرض، وهي جماع، ولم يقل: فدككن، لأنه جعل الجبال كالشيء الواحد، كما قال الشاعر: هُمَا سَيِّدَانِ يَزْعُمانِ وإنَّمَا يَسُودانِنا إنْ يَسَّرَتْ غَنماهُمَا [[نسب البيت صاحب اللسان (يسر) والعيني في شرح شواهد الألفية إلى أبي أسيدة الدبيري. وأنشد في اللسان قبله بيتا آخر، وهو: إنَّ لَنَا شَيْخَيْنِ لا يَنفَعَانِنَا ... غَنِيَّيْنِ لا يجْدِى عَلَيْنَا غِنَاهُمَا أي: ليس فيهما من السيادة إلا كونهما قد يسرت غنماهما، أي: كثرت وكثرت ألبانها ونسلها، والسؤدد يوجب البذل والعطاء والحراسة والحماية وحسن التدبير والحلم، وليس عندهما من ذلك شيء. واستشهد المؤلف بالبيت على أن الشاعر قال: غنماها بلفظ التثنية للغنم، مع أن الغنم اسم للجمع، وليس بمفرد، ولكنه عامله معاملة المفرد، كما اعتبرت الجبال في قوله تعالى: (وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة) في حكم المفرد كالأرض، ولذلك قال: فدكتا، ولم يقل فدككن. اهـ. وفي البيت شاهد آخر عند النحويين في باب إلغاء عمل ظن وأفعال القلوب إذا تأخرت عن معموليها، ولو تقدمت عليهما لعملت فيهما النصب]] وكما قيل: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ . ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ يقول جلّ ثناؤه: فيومئذ وقعت الصيحة الساعة، وقامت القيامة.

Al-Mukhtasar (français)

Lorsque l’Ange chargé de souffler dans la Trompe soufflera une seconde fois,

14

وَحُمِلَتِ ٱلْأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ

et que la terre et les montagnes seront soulevées puis tassées d'un seul coup;

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ نَفْخَةُ الْفَزَعِ، ثُمَّ يَعْقُبُهَا نَفْخَةُ الصَّعْقِ حِينَ يُصعق مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ بَعْدَهَا نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَهِيَ هَذِهِ النَّفْخَةُ. وَقَدْ أَكَّدَهَا هَاهُنَا بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ لَا يُخَالَفُ وَلَا يُمَانَعُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكْرَارٍ وَتَأْكِيدٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: هِيَ النَّفْخَةُ الْأَخِيرَةُ. وَالظَّاهِرُ مَا قُلْنَاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ أَيْ: فَمُدَّتْ مَدّ الْأَدِيمِ العُكَاظي، وتَبَدّلت الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ، ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ أَيْ: قَامَتِ الْقِيَامَةُ. ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ قَالَ سِماك، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: تَنْشَقُّ السَّمَاءُ مِنَ الْمَجَرَّةِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هِيَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: ١٩] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُنْخَرِقَةٌ، وَالْعَرْشُ بِحِذَائِهَا. ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ الْمَلَكُ: اسْمُ جِنْسٍ، أَيِ: الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَرْجَاءِ السَّمَاءِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلَى مَا لَمْ يَهِ مِنْهَا، أَيْ: حَافَّتِهَا. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَطْرَافُهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَبْوَابُهَا. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ يَقُولُ: عَلَى مَا اسْتَدَقَّ مِنَ السَّمَاءِ، يَنْظُرُونَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ الْعَرْشَ ثَمَانِيَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْعَرْشِ الْعَرْشَ الْعَظِيمَ، أَوِ: الْعَرْشَ الَّذِي يُوضَعُ فِي الْأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَميرة، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فِي ذِكْرِ حَمَلة الْعَرْشِ أَنَّهُمْ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ [[حديث الأوعال رواه أبو داود في السنن برقم (٤٧٢٣) وتقدم عند تفسير الآية: ٧ من سورة غافر.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ يحيى بن سَعِيدٍ [[في م: "حدثنا أبو سعيد عن ابن سعيد".]] حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنِي أَبُو السَّمْحِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو قَبيل حُيَي بْنُ هَانِئٍ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: حَمَلَةُ الْعَرْشُ ثَمَانِيَةٌ، مَا بَيْنَ مُوق أَحَدِهِمْ إِلَى مُؤَخَّرِ عَيْنِهِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أذنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ عَنْ مَلَكٍ مِنْ حَمَلة الْعَرْشِ: بُعْدُ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَعُنُقِهِ بِخَفْقِ الطَّيْرِ سَبْعُمِائَةِ عَامٍ". وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ "السُّنَّةِ" مِنْ سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ: أَنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ". هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٧٢٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قَالَ: ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. قَالَ: ورُوي عَنِ الشَّعْبِيِّ [وَعِكْرِمَةَ] [[زيادة من م، أ.]] وَالضَّحَّاكِ. وَابْنِ جُرَيْج، مِثْلُ ذَلِكَ. وَكَذَا رَوَى السُّدِّي عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ. وَكَذَا رَوَى الْعَوْفِيُّ، عَنْهُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الكَرُوبيّون ثَمَانِيَةُ أَجْزَاءٍ، كُلُّ جِنْسٍ [[في م: "كل جزء".]] مِنْهُمْ بِقَدْرِ [[في أ: "بعدة".]] الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالْمَلَائِكَةِ. * * وَقَوْلُهُ: [[يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية]] أَيْ تُعْرَضُونَ على عالم السر والنجوى الذي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِكُمْ، بَلْ هُوَ عَالِمٌ بِالظَّوَاهِرِ وَالسَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقان، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنوا، فَإِنَّهُ أَخَفُّ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [[محاسبة النفس لابن أبي الدنيا برقم (٢) وذكره المؤلف في مسند عمر (٢/٦١٨) وقال: "أثر مشهور وفيه انقطاع، وثابت بن الحجاج هذا جزري تابعي صغير لم يدرك، ولم يرو عنه سوى جعفر بن برقان، وله عند أبي داود في السنن حديثان".]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَفَاعَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ، فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فجدالٌ ومعاذيرُ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ". وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيع، بِهِ [[المسند (١٤/٤١٤) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٧٧) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣١٥) : "هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع، الحسن لم يسمح من أبي موسي. قاله علي لن المديني وأبو حاتم وأبو زرعة".]] وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ وَكِيعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ الحسن، عن أبي هريرة، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٤٢٥) .]] . وَقَدْ رَوَى ابنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدِ بن موسى، عن يزيد، بن سليم بْنِ حَيَّانَ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْغَرِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ: عَرْضَتَانِ، مَعَاذِيرُ وَخُصُومَاتٌ، وَالْعَرْضَةُ الثَّالِثَةُ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي. وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَروبة، عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلًا مِثْلَهُ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٨) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ إسرافيل ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ وهي النفخة الأولى، ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ يقول: فزلزلتا زلزلة واحدة. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: صارت غبارا. وقيل: ﴿فَدُكَّتَا﴾ وقد ذكر قبل الجبال والأرض، وهي جماع، ولم يقل: فدككن، لأنه جعل الجبال كالشيء الواحد، كما قال الشاعر: هُمَا سَيِّدَانِ يَزْعُمانِ وإنَّمَا يَسُودانِنا إنْ يَسَّرَتْ غَنماهُمَا [[نسب البيت صاحب اللسان (يسر) والعيني في شرح شواهد الألفية إلى أبي أسيدة الدبيري. وأنشد في اللسان قبله بيتا آخر، وهو: إنَّ لَنَا شَيْخَيْنِ لا يَنفَعَانِنَا ... غَنِيَّيْنِ لا يجْدِى عَلَيْنَا غِنَاهُمَا أي: ليس فيهما من السيادة إلا كونهما قد يسرت غنماهما، أي: كثرت وكثرت ألبانها ونسلها، والسؤدد يوجب البذل والعطاء والحراسة والحماية وحسن التدبير والحلم، وليس عندهما من ذلك شيء. واستشهد المؤلف بالبيت على أن الشاعر قال: غنماها بلفظ التثنية للغنم، مع أن الغنم اسم للجمع، وليس بمفرد، ولكنه عامله معاملة المفرد، كما اعتبرت الجبال في قوله تعالى: (وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة) في حكم المفرد كالأرض، ولذلك قال: فدكتا، ولم يقل فدككن. اهـ. وفي البيت شاهد آخر عند النحويين في باب إلغاء عمل ظن وأفعال القلوب إذا تأخرت عن معموليها، ولو تقدمت عليهما لعملت فيهما النصب]] وكما قيل: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ . ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ يقول جلّ ثناؤه: فيومئذ وقعت الصيحة الساعة، وقامت القيامة.

Al-Mukhtasar (français)

que la Terre et les montagnes seront soulevés puis tassées d’un seul coup qui les fera éclater.

15

فَيَوْمَئِذٍۢ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ

ce jour-là alors, l'Evénement se produira,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ نَفْخَةُ الْفَزَعِ، ثُمَّ يَعْقُبُهَا نَفْخَةُ الصَّعْقِ حِينَ يُصعق مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ بَعْدَهَا نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَهِيَ هَذِهِ النَّفْخَةُ. وَقَدْ أَكَّدَهَا هَاهُنَا بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ لَا يُخَالَفُ وَلَا يُمَانَعُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكْرَارٍ وَتَأْكِيدٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: هِيَ النَّفْخَةُ الْأَخِيرَةُ. وَالظَّاهِرُ مَا قُلْنَاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ أَيْ: فَمُدَّتْ مَدّ الْأَدِيمِ العُكَاظي، وتَبَدّلت الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ، ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ أَيْ: قَامَتِ الْقِيَامَةُ. ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ قَالَ سِماك، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: تَنْشَقُّ السَّمَاءُ مِنَ الْمَجَرَّةِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هِيَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: ١٩] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُنْخَرِقَةٌ، وَالْعَرْشُ بِحِذَائِهَا. ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ الْمَلَكُ: اسْمُ جِنْسٍ، أَيِ: الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَرْجَاءِ السَّمَاءِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلَى مَا لَمْ يَهِ مِنْهَا، أَيْ: حَافَّتِهَا. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَطْرَافُهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَبْوَابُهَا. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ يَقُولُ: عَلَى مَا اسْتَدَقَّ مِنَ السَّمَاءِ، يَنْظُرُونَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ الْعَرْشَ ثَمَانِيَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْعَرْشِ الْعَرْشَ الْعَظِيمَ، أَوِ: الْعَرْشَ الَّذِي يُوضَعُ فِي الْأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَميرة، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فِي ذِكْرِ حَمَلة الْعَرْشِ أَنَّهُمْ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ [[حديث الأوعال رواه أبو داود في السنن برقم (٤٧٢٣) وتقدم عند تفسير الآية: ٧ من سورة غافر.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ يحيى بن سَعِيدٍ [[في م: "حدثنا أبو سعيد عن ابن سعيد".]] حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنِي أَبُو السَّمْحِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو قَبيل حُيَي بْنُ هَانِئٍ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: حَمَلَةُ الْعَرْشُ ثَمَانِيَةٌ، مَا بَيْنَ مُوق أَحَدِهِمْ إِلَى مُؤَخَّرِ عَيْنِهِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أذنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ عَنْ مَلَكٍ مِنْ حَمَلة الْعَرْشِ: بُعْدُ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَعُنُقِهِ بِخَفْقِ الطَّيْرِ سَبْعُمِائَةِ عَامٍ". وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ "السُّنَّةِ" مِنْ سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ: أَنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ". هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٧٢٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قَالَ: ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. قَالَ: ورُوي عَنِ الشَّعْبِيِّ [وَعِكْرِمَةَ] [[زيادة من م، أ.]] وَالضَّحَّاكِ. وَابْنِ جُرَيْج، مِثْلُ ذَلِكَ. وَكَذَا رَوَى السُّدِّي عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ. وَكَذَا رَوَى الْعَوْفِيُّ، عَنْهُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الكَرُوبيّون ثَمَانِيَةُ أَجْزَاءٍ، كُلُّ جِنْسٍ [[في م: "كل جزء".]] مِنْهُمْ بِقَدْرِ [[في أ: "بعدة".]] الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالْمَلَائِكَةِ. * * وَقَوْلُهُ: [[يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية]] أَيْ تُعْرَضُونَ على عالم السر والنجوى الذي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِكُمْ، بَلْ هُوَ عَالِمٌ بِالظَّوَاهِرِ وَالسَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقان، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنوا، فَإِنَّهُ أَخَفُّ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [[محاسبة النفس لابن أبي الدنيا برقم (٢) وذكره المؤلف في مسند عمر (٢/٦١٨) وقال: "أثر مشهور وفيه انقطاع، وثابت بن الحجاج هذا جزري تابعي صغير لم يدرك، ولم يرو عنه سوى جعفر بن برقان، وله عند أبي داود في السنن حديثان".]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَفَاعَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ، فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فجدالٌ ومعاذيرُ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ". وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيع، بِهِ [[المسند (١٤/٤١٤) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٧٧) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣١٥) : "هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع، الحسن لم يسمح من أبي موسي. قاله علي لن المديني وأبو حاتم وأبو زرعة".]] وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ وَكِيعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ الحسن، عن أبي هريرة، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٤٢٥) .]] . وَقَدْ رَوَى ابنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدِ بن موسى، عن يزيد، بن سليم بْنِ حَيَّانَ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْغَرِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ: عَرْضَتَانِ، مَعَاذِيرُ وَخُصُومَاتٌ، وَالْعَرْضَةُ الثَّالِثَةُ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي. وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَروبة، عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلًا مِثْلَهُ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٨) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ إسرافيل ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ وهي النفخة الأولى، ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ يقول: فزلزلتا زلزلة واحدة. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: صارت غبارا. وقيل: ﴿فَدُكَّتَا﴾ وقد ذكر قبل الجبال والأرض، وهي جماع، ولم يقل: فدككن، لأنه جعل الجبال كالشيء الواحد، كما قال الشاعر: هُمَا سَيِّدَانِ يَزْعُمانِ وإنَّمَا يَسُودانِنا إنْ يَسَّرَتْ غَنماهُمَا [[نسب البيت صاحب اللسان (يسر) والعيني في شرح شواهد الألفية إلى أبي أسيدة الدبيري. وأنشد في اللسان قبله بيتا آخر، وهو: إنَّ لَنَا شَيْخَيْنِ لا يَنفَعَانِنَا ... غَنِيَّيْنِ لا يجْدِى عَلَيْنَا غِنَاهُمَا أي: ليس فيهما من السيادة إلا كونهما قد يسرت غنماهما، أي: كثرت وكثرت ألبانها ونسلها، والسؤدد يوجب البذل والعطاء والحراسة والحماية وحسن التدبير والحلم، وليس عندهما من ذلك شيء. واستشهد المؤلف بالبيت على أن الشاعر قال: غنماها بلفظ التثنية للغنم، مع أن الغنم اسم للجمع، وليس بمفرد، ولكنه عامله معاملة المفرد، كما اعتبرت الجبال في قوله تعالى: (وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة) في حكم المفرد كالأرض، ولذلك قال: فدكتا، ولم يقل فدككن. اهـ. وفي البيت شاهد آخر عند النحويين في باب إلغاء عمل ظن وأفعال القلوب إذا تأخرت عن معموليها، ولو تقدمت عليهما لعملت فيهما النصب]] وكما قيل: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ . ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ يقول جلّ ثناؤه: فيومئذ وقعت الصيحة الساعة، وقامت القيامة.

Al-Mukhtasar (français)

Ce Jour-là surviendra la Résurrection.

16

وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِىَ يَوْمَئِذٍۢ وَاهِيَةٌۭ

et le ciel se fendra et sera fragile, ce jour-là.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ نَفْخَةُ الْفَزَعِ، ثُمَّ يَعْقُبُهَا نَفْخَةُ الصَّعْقِ حِينَ يُصعق مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ بَعْدَهَا نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَهِيَ هَذِهِ النَّفْخَةُ. وَقَدْ أَكَّدَهَا هَاهُنَا بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ لَا يُخَالَفُ وَلَا يُمَانَعُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكْرَارٍ وَتَأْكِيدٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: هِيَ النَّفْخَةُ الْأَخِيرَةُ. وَالظَّاهِرُ مَا قُلْنَاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ أَيْ: فَمُدَّتْ مَدّ الْأَدِيمِ العُكَاظي، وتَبَدّلت الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ، ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ أَيْ: قَامَتِ الْقِيَامَةُ. ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ قَالَ سِماك، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: تَنْشَقُّ السَّمَاءُ مِنَ الْمَجَرَّةِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هِيَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: ١٩] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُنْخَرِقَةٌ، وَالْعَرْشُ بِحِذَائِهَا. ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ الْمَلَكُ: اسْمُ جِنْسٍ، أَيِ: الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَرْجَاءِ السَّمَاءِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلَى مَا لَمْ يَهِ مِنْهَا، أَيْ: حَافَّتِهَا. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَطْرَافُهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَبْوَابُهَا. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ يَقُولُ: عَلَى مَا اسْتَدَقَّ مِنَ السَّمَاءِ، يَنْظُرُونَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ الْعَرْشَ ثَمَانِيَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْعَرْشِ الْعَرْشَ الْعَظِيمَ، أَوِ: الْعَرْشَ الَّذِي يُوضَعُ فِي الْأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَميرة، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فِي ذِكْرِ حَمَلة الْعَرْشِ أَنَّهُمْ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ [[حديث الأوعال رواه أبو داود في السنن برقم (٤٧٢٣) وتقدم عند تفسير الآية: ٧ من سورة غافر.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ يحيى بن سَعِيدٍ [[في م: "حدثنا أبو سعيد عن ابن سعيد".]] حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنِي أَبُو السَّمْحِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو قَبيل حُيَي بْنُ هَانِئٍ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: حَمَلَةُ الْعَرْشُ ثَمَانِيَةٌ، مَا بَيْنَ مُوق أَحَدِهِمْ إِلَى مُؤَخَّرِ عَيْنِهِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أذنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ عَنْ مَلَكٍ مِنْ حَمَلة الْعَرْشِ: بُعْدُ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَعُنُقِهِ بِخَفْقِ الطَّيْرِ سَبْعُمِائَةِ عَامٍ". وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ "السُّنَّةِ" مِنْ سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ: أَنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ". هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٧٢٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قَالَ: ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. قَالَ: ورُوي عَنِ الشَّعْبِيِّ [وَعِكْرِمَةَ] [[زيادة من م، أ.]] وَالضَّحَّاكِ. وَابْنِ جُرَيْج، مِثْلُ ذَلِكَ. وَكَذَا رَوَى السُّدِّي عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ. وَكَذَا رَوَى الْعَوْفِيُّ، عَنْهُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الكَرُوبيّون ثَمَانِيَةُ أَجْزَاءٍ، كُلُّ جِنْسٍ [[في م: "كل جزء".]] مِنْهُمْ بِقَدْرِ [[في أ: "بعدة".]] الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالْمَلَائِكَةِ. * * وَقَوْلُهُ: [[يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية]] أَيْ تُعْرَضُونَ على عالم السر والنجوى الذي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِكُمْ، بَلْ هُوَ عَالِمٌ بِالظَّوَاهِرِ وَالسَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقان، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنوا، فَإِنَّهُ أَخَفُّ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [[محاسبة النفس لابن أبي الدنيا برقم (٢) وذكره المؤلف في مسند عمر (٢/٦١٨) وقال: "أثر مشهور وفيه انقطاع، وثابت بن الحجاج هذا جزري تابعي صغير لم يدرك، ولم يرو عنه سوى جعفر بن برقان، وله عند أبي داود في السنن حديثان".]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَفَاعَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ، فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فجدالٌ ومعاذيرُ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ". وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيع، بِهِ [[المسند (١٤/٤١٤) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٧٧) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣١٥) : "هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع، الحسن لم يسمح من أبي موسي. قاله علي لن المديني وأبو حاتم وأبو زرعة".]] وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ وَكِيعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ الحسن، عن أبي هريرة، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٤٢٥) .]] . وَقَدْ رَوَى ابنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدِ بن موسى، عن يزيد، بن سليم بْنِ حَيَّانَ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْغَرِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ: عَرْضَتَانِ، مَعَاذِيرُ وَخُصُومَاتٌ، وَالْعَرْضَةُ الثَّالِثَةُ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي. وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَروبة، عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلًا مِثْلَهُ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٨) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: وانصدعت السماء ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ يقول: منشقة متصدّعة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقيّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن الأجلح، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، قال: "إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا بأهلها، ونزل من فيها من الملائكة، فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، فصفوا صفا دون صفّ، ثم نزل الملك الأعلى على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض ندّوا، فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله الله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ ، وذلك قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ ، وقوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ ، وذلك قوله: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ . ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ يعني: متمزّقة ضعيفة. ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ يقول تعالى ذكره: والملك على أطراف السماء حين تشقق وحافاتها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ يقول: والملك على حافات السماء حين تشقَّق؛ ويقال: على شقة، كل شيء تشقَّق عنه. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ قال: أطرافها. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ قال: على حافات السماء. ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا أبو أُسامة، عن الأجلح، قال، قلت للضحاك: ما أرجاؤها، قال: حافاتها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال ثني سعيد: عن قتادة ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ : على حافاتها. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ قال: بلغني أنها أقطارها، قال قتادة: على نواحيها. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ قال: نواحيها. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الأشيب، قال: ثنا ورقاء، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن المسيب: الأرجاء حافات السماء. ⁕ قال: ثنا الأشيب، قال: ثنا أبو عوانة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ قال: على ما لم يَهِ منها. ⁕ حدثنا محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا حسين الأشقر، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ قال: على ما لم يَهِ منها. * * وقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ، اختلف أهل التأويل في الذي عني بقوله: ﴿ثَمَانِيَةَ﴾ ، فقال بعضهم: عني به ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم عدّتهن إلا الله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا طلق عن ظهير، عن السدّي، عن أبي مالك عن ابن عباس: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال: هي الصفوف من وراء الصفوف. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرِمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال: ثمانية صفوف من الملائكة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال بعضهم: ثمانية صفوف لا يعلم عدتهنّ إلا الله. وقال بعضهم: ثمانية أملاك على خلق الوعلة. وقال آخرون: بل عني به ثمانية أملاك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال: ثمانية أملاك، وقال، قال رسول الله ﷺ: "يَحْمِلُهُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ، وَيَوْم القِيامَةِ ثَمَانِيَةٌ"، وقال رسول الله ﷺ: "إنَّ أقْدامَهُمْ لَفِي الأرْضِ السَّابِعَةِ، وَإنَّ مَناكِبَهُمْ لخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَوَاتِ عَلَيْها الْعَرْشُ". قال ابن زيد: الأربعة، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "لَمَّا خَلَقَهُمُ اللهُ قالَ: تَدْرُون لِمَ خَلَقْتُكُمْ؟ قالُوا: خَلَقْتَنا رَبَّنا لِمَا تَشاءُ، قالَ لَهُمْ: تَحْمِلُونَ عَرْشِي، ثُمَّ قالَ: سَلُوني مِنَ القُوَّةِ ما شئْتُمْ أجْعَلْها فِيكُمْ، فَقالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: قَدْ كانَ عَرْشُ رَبِّنا على المَاءِ، فاجْعل فيَّ قُوَّةَ المَاءِ، قالَ: قَدْ جَعَلْتُ فِيكَ قُوَّةَ المَاءِ؛ وقال آخرُ: اجْعَل فيَّ قُوَّةَ السَّمَوَاتِ، قالَ: قَدْ جَعَلْتُ فيك قُوَّةَ السَّمَوَاتِ؛ وقالَ آخَرُ: اجْعَل فيَّ قُوَّةَ الأرْضِ، قالَ: قَدْ جَعَلْتُ فِيكَ قُوَّةَ الأرْضِ والجِبالِ؛ وقالَ آخَرُ: اجْعَلْ فِيَّ قُوَّةَ الرِّياحِ، قالَ: قَدْ جَعَلْتُ فِيكَ قُوَّةَ الرِّياح؛ ثُمَّ قال: احْمِلُوا، فَوَضَعُوا العَرْش على كَوَاهِلِهِمْ، فَلَمْ يَزُولُوا؛ قالَ: فَجاءَ عِلْمٌ آخَرُ، وإنَّمَا كانَ عِلْمُهُمُ الَّذِي سأَلُوهُ القُوَّةَ، فَقالَ لَهُمْ: قُولُوا: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا بالله، فقالوا: لا حَوْلَ وَلا قوَّةَ إلا بالله، فَجَعَلَ اللهُ فِيهِمْ مِنْ الْحَوْلِ والقُوَّةِ ما لَمْ يَبْلُغْهُ عِلْمُهُمْ، فَحَمَلُوا". ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "هُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ"، يعني: حملة العرش "وَإذَا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أيَّدَهُمُ اللهُ بأرْبَعَةٍ آخَرِينَ فكانُوا ثَمانِيَةً وَقَدْ قالَ اللهُ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ". ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن ميسرة، قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال: أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور. * * وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: يومئذ أيها الناس تعرضون على ربكم، وقيل: تعرضون ثلاث عرضات. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا الحسن بن قزعة الباهليّ، قال: ثنا وكيع بن الجراح، قال: ثنا عليّ بن عليّ الرفاعي، عن الحسن، عن أبي موسي الأشعري، قال: "تُعرض الناس ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير. وأما الثالثة، فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله". ⁕ حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سليمان بن حيان، عن مروان الأصغر، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال:"يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: عرضتان معاذير وخصومات، والعرضة الثالثة تطيرّ الصحف في الأيدي". ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ ذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول: "يُعرضُ الناس ثلاث عرضات يوم القيامة، فأما عرضتان ففيهما خصومات ومعاذير وجدال، وأما العرضة الثالثة فتطيرّ الصحف في الأيدي". ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، بنحوه. * * وقوله: ﴿لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ يقول جلّ ثناؤه: لا تخفى على الله منكم خافية، لأنه عالم بجميعكم، محيط بكلكم.

Al-Mukhtasar (français)

Le Ciel se fendra alors afin que les anges en descendent, connaissant ainsi la fragilité après avoir été solide et ferme.

17

وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰٓ أَرْجَآئِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍۢ ثَمَٰنِيَةٌۭ

Et sur ses côtés [se tiendront] les Anges, tandis que huit, ce jour-là, porteront au-dessus d'eux le Trône de ton Seigneur.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ نَفْخَةُ الْفَزَعِ، ثُمَّ يَعْقُبُهَا نَفْخَةُ الصَّعْقِ حِينَ يُصعق مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ بَعْدَهَا نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَهِيَ هَذِهِ النَّفْخَةُ. وَقَدْ أَكَّدَهَا هَاهُنَا بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ لَا يُخَالَفُ وَلَا يُمَانَعُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكْرَارٍ وَتَأْكِيدٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: هِيَ النَّفْخَةُ الْأَخِيرَةُ. وَالظَّاهِرُ مَا قُلْنَاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ أَيْ: فَمُدَّتْ مَدّ الْأَدِيمِ العُكَاظي، وتَبَدّلت الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ، ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ أَيْ: قَامَتِ الْقِيَامَةُ. ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ قَالَ سِماك، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: تَنْشَقُّ السَّمَاءُ مِنَ الْمَجَرَّةِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هِيَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: ١٩] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُنْخَرِقَةٌ، وَالْعَرْشُ بِحِذَائِهَا. ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ الْمَلَكُ: اسْمُ جِنْسٍ، أَيِ: الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَرْجَاءِ السَّمَاءِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلَى مَا لَمْ يَهِ مِنْهَا، أَيْ: حَافَّتِهَا. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَطْرَافُهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَبْوَابُهَا. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ يَقُولُ: عَلَى مَا اسْتَدَقَّ مِنَ السَّمَاءِ، يَنْظُرُونَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ الْعَرْشَ ثَمَانِيَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْعَرْشِ الْعَرْشَ الْعَظِيمَ، أَوِ: الْعَرْشَ الَّذِي يُوضَعُ فِي الْأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَميرة، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فِي ذِكْرِ حَمَلة الْعَرْشِ أَنَّهُمْ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ [[حديث الأوعال رواه أبو داود في السنن برقم (٤٧٢٣) وتقدم عند تفسير الآية: ٧ من سورة غافر.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ يحيى بن سَعِيدٍ [[في م: "حدثنا أبو سعيد عن ابن سعيد".]] حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنِي أَبُو السَّمْحِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو قَبيل حُيَي بْنُ هَانِئٍ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: حَمَلَةُ الْعَرْشُ ثَمَانِيَةٌ، مَا بَيْنَ مُوق أَحَدِهِمْ إِلَى مُؤَخَّرِ عَيْنِهِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أذنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ عَنْ مَلَكٍ مِنْ حَمَلة الْعَرْشِ: بُعْدُ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَعُنُقِهِ بِخَفْقِ الطَّيْرِ سَبْعُمِائَةِ عَامٍ". وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ "السُّنَّةِ" مِنْ سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ: أَنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ". هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٧٢٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قَالَ: ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. قَالَ: ورُوي عَنِ الشَّعْبِيِّ [وَعِكْرِمَةَ] [[زيادة من م، أ.]] وَالضَّحَّاكِ. وَابْنِ جُرَيْج، مِثْلُ ذَلِكَ. وَكَذَا رَوَى السُّدِّي عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ. وَكَذَا رَوَى الْعَوْفِيُّ، عَنْهُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الكَرُوبيّون ثَمَانِيَةُ أَجْزَاءٍ، كُلُّ جِنْسٍ [[في م: "كل جزء".]] مِنْهُمْ بِقَدْرِ [[في أ: "بعدة".]] الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالْمَلَائِكَةِ. * * وَقَوْلُهُ: [[يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية]] أَيْ تُعْرَضُونَ على عالم السر والنجوى الذي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِكُمْ، بَلْ هُوَ عَالِمٌ بِالظَّوَاهِرِ وَالسَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقان، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنوا، فَإِنَّهُ أَخَفُّ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [[محاسبة النفس لابن أبي الدنيا برقم (٢) وذكره المؤلف في مسند عمر (٢/٦١٨) وقال: "أثر مشهور وفيه انقطاع، وثابت بن الحجاج هذا جزري تابعي صغير لم يدرك، ولم يرو عنه سوى جعفر بن برقان، وله عند أبي داود في السنن حديثان".]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَفَاعَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ، فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فجدالٌ ومعاذيرُ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ". وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيع، بِهِ [[المسند (١٤/٤١٤) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٧٧) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣١٥) : "هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع، الحسن لم يسمح من أبي موسي. قاله علي لن المديني وأبو حاتم وأبو زرعة".]] وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ وَكِيعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ الحسن، عن أبي هريرة، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٤٢٥) .]] . وَقَدْ رَوَى ابنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدِ بن موسى، عن يزيد، بن سليم بْنِ حَيَّانَ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْغَرِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ: عَرْضَتَانِ، مَعَاذِيرُ وَخُصُومَاتٌ، وَالْعَرْضَةُ الثَّالِثَةُ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي. وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَروبة، عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلًا مِثْلَهُ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٨) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: وانصدعت السماء ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ يقول: منشقة متصدّعة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقيّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن الأجلح، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، قال: "إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا بأهلها، ونزل من فيها من الملائكة، فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، فصفوا صفا دون صفّ، ثم نزل الملك الأعلى على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض ندّوا، فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله الله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ ، وذلك قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ ، وقوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ ، وذلك قوله: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ . ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ يعني: متمزّقة ضعيفة. ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ يقول تعالى ذكره: والملك على أطراف السماء حين تشقق وحافاتها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ يقول: والملك على حافات السماء حين تشقَّق؛ ويقال: على شقة، كل شيء تشقَّق عنه. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ قال: أطرافها. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ قال: على حافات السماء. ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا أبو أُسامة، عن الأجلح، قال، قلت للضحاك: ما أرجاؤها، قال: حافاتها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال ثني سعيد: عن قتادة ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ : على حافاتها. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ قال: بلغني أنها أقطارها، قال قتادة: على نواحيها. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ قال: نواحيها. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الأشيب، قال: ثنا ورقاء، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن المسيب: الأرجاء حافات السماء. ⁕ قال: ثنا الأشيب، قال: ثنا أبو عوانة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ قال: على ما لم يَهِ منها. ⁕ حدثنا محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا حسين الأشقر، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ قال: على ما لم يَهِ منها. * * وقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ، اختلف أهل التأويل في الذي عني بقوله: ﴿ثَمَانِيَةَ﴾ ، فقال بعضهم: عني به ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم عدّتهن إلا الله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا طلق عن ظهير، عن السدّي، عن أبي مالك عن ابن عباس: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال: هي الصفوف من وراء الصفوف. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرِمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال: ثمانية صفوف من الملائكة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال بعضهم: ثمانية صفوف لا يعلم عدتهنّ إلا الله. وقال بعضهم: ثمانية أملاك على خلق الوعلة. وقال آخرون: بل عني به ثمانية أملاك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال: ثمانية أملاك، وقال، قال رسول الله ﷺ: "يَحْمِلُهُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ، وَيَوْم القِيامَةِ ثَمَانِيَةٌ"، وقال رسول الله ﷺ: "إنَّ أقْدامَهُمْ لَفِي الأرْضِ السَّابِعَةِ، وَإنَّ مَناكِبَهُمْ لخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَوَاتِ عَلَيْها الْعَرْشُ". قال ابن زيد: الأربعة، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "لَمَّا خَلَقَهُمُ اللهُ قالَ: تَدْرُون لِمَ خَلَقْتُكُمْ؟ قالُوا: خَلَقْتَنا رَبَّنا لِمَا تَشاءُ، قالَ لَهُمْ: تَحْمِلُونَ عَرْشِي، ثُمَّ قالَ: سَلُوني مِنَ القُوَّةِ ما شئْتُمْ أجْعَلْها فِيكُمْ، فَقالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: قَدْ كانَ عَرْشُ رَبِّنا على المَاءِ، فاجْعل فيَّ قُوَّةَ المَاءِ، قالَ: قَدْ جَعَلْتُ فِيكَ قُوَّةَ المَاءِ؛ وقال آخرُ: اجْعَل فيَّ قُوَّةَ السَّمَوَاتِ، قالَ: قَدْ جَعَلْتُ فيك قُوَّةَ السَّمَوَاتِ؛ وقالَ آخَرُ: اجْعَل فيَّ قُوَّةَ الأرْضِ، قالَ: قَدْ جَعَلْتُ فِيكَ قُوَّةَ الأرْضِ والجِبالِ؛ وقالَ آخَرُ: اجْعَلْ فِيَّ قُوَّةَ الرِّياحِ، قالَ: قَدْ جَعَلْتُ فِيكَ قُوَّةَ الرِّياح؛ ثُمَّ قال: احْمِلُوا، فَوَضَعُوا العَرْش على كَوَاهِلِهِمْ، فَلَمْ يَزُولُوا؛ قالَ: فَجاءَ عِلْمٌ آخَرُ، وإنَّمَا كانَ عِلْمُهُمُ الَّذِي سأَلُوهُ القُوَّةَ، فَقالَ لَهُمْ: قُولُوا: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا بالله، فقالوا: لا حَوْلَ وَلا قوَّةَ إلا بالله، فَجَعَلَ اللهُ فِيهِمْ مِنْ الْحَوْلِ والقُوَّةِ ما لَمْ يَبْلُغْهُ عِلْمُهُمْ، فَحَمَلُوا". ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "هُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ"، يعني: حملة العرش "وَإذَا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أيَّدَهُمُ اللهُ بأرْبَعَةٍ آخَرِينَ فكانُوا ثَمانِيَةً وَقَدْ قالَ اللهُ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ". ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن ميسرة، قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال: أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور. * * وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: يومئذ أيها الناس تعرضون على ربكم، وقيل: تعرضون ثلاث عرضات. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا الحسن بن قزعة الباهليّ، قال: ثنا وكيع بن الجراح، قال: ثنا عليّ بن عليّ الرفاعي، عن الحسن، عن أبي موسي الأشعري، قال: "تُعرض الناس ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير. وأما الثالثة، فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله". ⁕ حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سليمان بن حيان، عن مروان الأصغر، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال:"يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: عرضتان معاذير وخصومات، والعرضة الثالثة تطيرّ الصحف في الأيدي". ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ ذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول: "يُعرضُ الناس ثلاث عرضات يوم القيامة، فأما عرضتان ففيهما خصومات ومعاذير وجدال، وأما العرضة الثالثة فتطيرّ الصحف في الأيدي". ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، بنحوه. * * وقوله: ﴿لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ يقول جلّ ثناؤه: لا تخفى على الله منكم خافية، لأنه عالم بجميعكم، محيط بكلكم.

Al-Mukhtasar (français)

Les anges seront sur ses abords et huit anges rapprochés porteront, ce Jour éminent, le Trône de ton Seigneur.

18

يَوْمَئِذٍۢ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌۭ

Ce jour-là vous serez exposés; et rien de vous ne sera caché.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ نَفْخَةُ الْفَزَعِ، ثُمَّ يَعْقُبُهَا نَفْخَةُ الصَّعْقِ حِينَ يُصعق مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ بَعْدَهَا نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَهِيَ هَذِهِ النَّفْخَةُ. وَقَدْ أَكَّدَهَا هَاهُنَا بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ لَا يُخَالَفُ وَلَا يُمَانَعُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكْرَارٍ وَتَأْكِيدٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: هِيَ النَّفْخَةُ الْأَخِيرَةُ. وَالظَّاهِرُ مَا قُلْنَاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ أَيْ: فَمُدَّتْ مَدّ الْأَدِيمِ العُكَاظي، وتَبَدّلت الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ، ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ أَيْ: قَامَتِ الْقِيَامَةُ. ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ قَالَ سِماك، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: تَنْشَقُّ السَّمَاءُ مِنَ الْمَجَرَّةِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هِيَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: ١٩] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُنْخَرِقَةٌ، وَالْعَرْشُ بِحِذَائِهَا. ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ الْمَلَكُ: اسْمُ جِنْسٍ، أَيِ: الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَرْجَاءِ السَّمَاءِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلَى مَا لَمْ يَهِ مِنْهَا، أَيْ: حَافَّتِهَا. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَطْرَافُهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَبْوَابُهَا. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ يَقُولُ: عَلَى مَا اسْتَدَقَّ مِنَ السَّمَاءِ، يَنْظُرُونَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ الْعَرْشَ ثَمَانِيَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْعَرْشِ الْعَرْشَ الْعَظِيمَ، أَوِ: الْعَرْشَ الَّذِي يُوضَعُ فِي الْأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَميرة، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فِي ذِكْرِ حَمَلة الْعَرْشِ أَنَّهُمْ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ [[حديث الأوعال رواه أبو داود في السنن برقم (٤٧٢٣) وتقدم عند تفسير الآية: ٧ من سورة غافر.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ يحيى بن سَعِيدٍ [[في م: "حدثنا أبو سعيد عن ابن سعيد".]] حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنِي أَبُو السَّمْحِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو قَبيل حُيَي بْنُ هَانِئٍ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: حَمَلَةُ الْعَرْشُ ثَمَانِيَةٌ، مَا بَيْنَ مُوق أَحَدِهِمْ إِلَى مُؤَخَّرِ عَيْنِهِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أذنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ عَنْ مَلَكٍ مِنْ حَمَلة الْعَرْشِ: بُعْدُ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَعُنُقِهِ بِخَفْقِ الطَّيْرِ سَبْعُمِائَةِ عَامٍ". وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ "السُّنَّةِ" مِنْ سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ: أَنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ". هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٧٢٧) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قَالَ: ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. قَالَ: ورُوي عَنِ الشَّعْبِيِّ [وَعِكْرِمَةَ] [[زيادة من م، أ.]] وَالضَّحَّاكِ. وَابْنِ جُرَيْج، مِثْلُ ذَلِكَ. وَكَذَا رَوَى السُّدِّي عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ. وَكَذَا رَوَى الْعَوْفِيُّ، عَنْهُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الكَرُوبيّون ثَمَانِيَةُ أَجْزَاءٍ، كُلُّ جِنْسٍ [[في م: "كل جزء".]] مِنْهُمْ بِقَدْرِ [[في أ: "بعدة".]] الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالْمَلَائِكَةِ. * * وَقَوْلُهُ: [[يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية]] أَيْ تُعْرَضُونَ على عالم السر والنجوى الذي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِكُمْ، بَلْ هُوَ عَالِمٌ بِالظَّوَاهِرِ وَالسَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقان، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنوا، فَإِنَّهُ أَخَفُّ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [[محاسبة النفس لابن أبي الدنيا برقم (٢) وذكره المؤلف في مسند عمر (٢/٦١٨) وقال: "أثر مشهور وفيه انقطاع، وثابت بن الحجاج هذا جزري تابعي صغير لم يدرك، ولم يرو عنه سوى جعفر بن برقان، وله عند أبي داود في السنن حديثان".]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَفَاعَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ، فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فجدالٌ ومعاذيرُ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ". وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيع، بِهِ [[المسند (١٤/٤١٤) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٧٧) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٣١٥) : "هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع، الحسن لم يسمح من أبي موسي. قاله علي لن المديني وأبو حاتم وأبو زرعة".]] وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ وَكِيعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ الحسن، عن أبي هريرة، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٢٤٢٥) .]] . وَقَدْ رَوَى ابنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدِ بن موسى، عن يزيد، بن سليم بْنِ حَيَّانَ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْغَرِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ: عَرْضَتَانِ، مَعَاذِيرُ وَخُصُومَاتٌ، وَالْعَرْضَةُ الثَّالِثَةُ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي. وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَروبة، عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلًا مِثْلَهُ [[تفسير الطبري (٢٩/٣٨) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨) ﴾ يقول تعالى ذكره: وانصدعت السماء ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ يقول: منشقة متصدّعة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقيّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن الأجلح، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، قال: "إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا بأهلها، ونزل من فيها من الملائكة، فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، فصفوا صفا دون صفّ، ثم نزل الملك الأعلى على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض ندّوا، فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله الله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ ، وذلك قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ ، وقوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ ، وذلك قوله: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ . ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ يعني: متمزّقة ضعيفة. ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ يقول تعالى ذكره: والملك على أطراف السماء حين تشقق وحافاتها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ يقول: والملك على حافات السماء حين تشقَّق؛ ويقال: على شقة، كل شيء تشقَّق عنه. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ قال: أطرافها. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ قال: على حافات السماء. ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا أبو أُسامة، عن الأجلح، قال، قلت للضحاك: ما أرجاؤها، قال: حافاتها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال ثني سعيد: عن قتادة ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ : على حافاتها. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ قال: بلغني أنها أقطارها، قال قتادة: على نواحيها. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ قال: نواحيها. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الأشيب، قال: ثنا ورقاء، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن المسيب: الأرجاء حافات السماء. ⁕ قال: ثنا الأشيب، قال: ثنا أبو عوانة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ قال: على ما لم يَهِ منها. ⁕ حدثنا محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا حسين الأشقر، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ قال: على ما لم يَهِ منها. * * وقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ، اختلف أهل التأويل في الذي عني بقوله: ﴿ثَمَانِيَةَ﴾ ، فقال بعضهم: عني به ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم عدّتهن إلا الله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا طلق عن ظهير، عن السدّي، عن أبي مالك عن ابن عباس: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال: هي الصفوف من وراء الصفوف. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرِمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال: ثمانية صفوف من الملائكة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال بعضهم: ثمانية صفوف لا يعلم عدتهنّ إلا الله. وقال بعضهم: ثمانية أملاك على خلق الوعلة. وقال آخرون: بل عني به ثمانية أملاك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال: ثمانية أملاك، وقال، قال رسول الله ﷺ: "يَحْمِلُهُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ، وَيَوْم القِيامَةِ ثَمَانِيَةٌ"، وقال رسول الله ﷺ: "إنَّ أقْدامَهُمْ لَفِي الأرْضِ السَّابِعَةِ، وَإنَّ مَناكِبَهُمْ لخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَوَاتِ عَلَيْها الْعَرْشُ". قال ابن زيد: الأربعة، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "لَمَّا خَلَقَهُمُ اللهُ قالَ: تَدْرُون لِمَ خَلَقْتُكُمْ؟ قالُوا: خَلَقْتَنا رَبَّنا لِمَا تَشاءُ، قالَ لَهُمْ: تَحْمِلُونَ عَرْشِي، ثُمَّ قالَ: سَلُوني مِنَ القُوَّةِ ما شئْتُمْ أجْعَلْها فِيكُمْ، فَقالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: قَدْ كانَ عَرْشُ رَبِّنا على المَاءِ، فاجْعل فيَّ قُوَّةَ المَاءِ، قالَ: قَدْ جَعَلْتُ فِيكَ قُوَّةَ المَاءِ؛ وقال آخرُ: اجْعَل فيَّ قُوَّةَ السَّمَوَاتِ، قالَ: قَدْ جَعَلْتُ فيك قُوَّةَ السَّمَوَاتِ؛ وقالَ آخَرُ: اجْعَل فيَّ قُوَّةَ الأرْضِ، قالَ: قَدْ جَعَلْتُ فِيكَ قُوَّةَ الأرْضِ والجِبالِ؛ وقالَ آخَرُ: اجْعَلْ فِيَّ قُوَّةَ الرِّياحِ، قالَ: قَدْ جَعَلْتُ فِيكَ قُوَّةَ الرِّياح؛ ثُمَّ قال: احْمِلُوا، فَوَضَعُوا العَرْش على كَوَاهِلِهِمْ، فَلَمْ يَزُولُوا؛ قالَ: فَجاءَ عِلْمٌ آخَرُ، وإنَّمَا كانَ عِلْمُهُمُ الَّذِي سأَلُوهُ القُوَّةَ، فَقالَ لَهُمْ: قُولُوا: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا بالله، فقالوا: لا حَوْلَ وَلا قوَّةَ إلا بالله، فَجَعَلَ اللهُ فِيهِمْ مِنْ الْحَوْلِ والقُوَّةِ ما لَمْ يَبْلُغْهُ عِلْمُهُمْ، فَحَمَلُوا". ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "هُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ"، يعني: حملة العرش "وَإذَا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أيَّدَهُمُ اللهُ بأرْبَعَةٍ آخَرِينَ فكانُوا ثَمانِيَةً وَقَدْ قالَ اللهُ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ". ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن ميسرة، قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال: أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور. * * وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: يومئذ أيها الناس تعرضون على ربكم، وقيل: تعرضون ثلاث عرضات. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا الحسن بن قزعة الباهليّ، قال: ثنا وكيع بن الجراح، قال: ثنا عليّ بن عليّ الرفاعي، عن الحسن، عن أبي موسي الأشعري، قال: "تُعرض الناس ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير. وأما الثالثة، فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله". ⁕ حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سليمان بن حيان، عن مروان الأصغر، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال:"يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: عرضتان معاذير وخصومات، والعرضة الثالثة تطيرّ الصحف في الأيدي". ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ ذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول: "يُعرضُ الناس ثلاث عرضات يوم القيامة، فأما عرضتان ففيهما خصومات ومعاذير وجدال، وأما العرضة الثالثة فتطيرّ الصحف في الأيدي". ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، بنحوه. * * وقوله: ﴿لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ يقول جلّ ثناؤه: لا تخفى على الله منكم خافية، لأنه عالم بجميعكم، محيط بكلكم.

Al-Mukhtasar (français)

Ce Jour-là, vous serez exposés, ô gens, devant votre Seigneur et rien, de ce qui vous concerne ne Lui sera inconnu. Allah connaîtra plutôt toute chose.

19

فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُوا۟ كِتَٰبِيَهْ

Quant à celui à qui on aura remis le Livre en sa main droite, il dira: «Tenez! lisez mon livre.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ سَعَادَةِ مَنْ أَوُتِيَ كِتَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِيَمِينِهِ، وَفَرَحِهِ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ فَرَحِهِ يَقُولُ لِكُلِّ مَنْ لَقِيَهُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ أَيْ: خُذُوا اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي فِيهِ خَيْرٌ وَحَسَنَاتٌ مَحْضَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ بَدل اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: مَعْنَى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ أَيْ: هَا اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ، وَ "ؤُمْ" زَائِدَةٌ. كَذَا قَالَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا بِمَعْنَى: هَاكُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبَى حَاتِمٍ حَدَّثَنَا: بِشْرُ بْنُ مَطَرٍ [[في أ: "بشر بن مطير".]] الْوَاسِطِيُّ، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: الْمُؤْمِنُ يُعْطَى كِتَابَهُ [بِيَمِينِهِ] [[زيادة من م.]] فِي سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ، فَيَقْرَأُ سَيِّئَاتِهِ، فَكُلَّمَا قَرَأَ سَيِّئَةً تَغَيَّرَ لَوْنُهُ حَتَّى يَمُرَّ بِحَسَنَاتِهِ فَيَقْرَؤُهَا، فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ لَوْنُهُ. ثُمَّ يَنْظُرُ فَإِذَا سَيِّئَاتُهُ قَدْ بُدِّلَتْ حَسَنَاتٍ، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ [[في أ: "موسى بن أبي عبيدة".]] أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ -غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ-قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقِفُ عَبْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُبْدِي سَيِّئَاتِهِ فِي ظَهْرِ صَحِيفَتِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: أَنْتَ عَمِلْتَ هَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ. فَيَقُولُ لَهُ إِنِّي لَمْ أَفْضَحْكَ بِهِ، وَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكَ. فَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ حِينَ نَجَا مِنْ فَضْحه يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحِ حديثُ ابْنِ عُمَرَ حِينَ سُئِلَ عَنِ النجوى، فقال: سمعت النبي الله ﷺ يَقُولُ: "يُدْنِي اللهُ العبدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فيُقَرِّره بِذُنُوبِهِ كُلِّهَا، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ قَالَ اللَّهُ: إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ. ثُمَّ يُعطَى كتابَ حَسَنَاتِهِ بِيَمِينِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَيَقُولُ الْأَشْهَادِ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هُودٍ: ١٨] [[انظر: تفسير الآية: ١٨ من سورة هود وتخريجه هناك.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ أَيْ: قَدْ كُنْتُ مُوقِنًا فِي الدُّنْيَا أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، كَمَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٤٦] . قَالَ اللَّهُ: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أَيْ: مُرْضِيَّةٍ، ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أَيْ: رَفِيعَةٌ قُصُورُهَا، حِسَانٌ حُورُهَا، نَعِيمَةٌ دُورُهَا، دَائِمٌ حُبُورُهَا. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُتْبَةَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ السَّكُوني، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ الْأَسْوَدِ قَالَ: سمعتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ: سَأَلَ رجلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ يَتَزَاوَرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِنَّهُ لَيَهْبِطُ أَهْلُ الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا إِلَى أَهْلِ الدَّرَجَةِ السُّفْلَى، فَيُحَيُّونَهُمْ وَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَهْلُ الدَّرَجَةِ السُّفْلَى يَصْعَدُونَ إِلَى الْأَعْلَيْنَ، تَقْصُرُ بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ" [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٤٢١) من طريق جعفر بن الزبير وبشر بن نمير، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعًا بنحوه، وجعفر بن الزبير وبشر بن نمير متروكان واتهما بالوضع.]] وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "إِنَّ الْجَنَّةَ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: أَيْ قَرِيبَةٌ، يَتَنَاوَلُهَا أَحَدُهُمْ، وَهُوَ نَائِمٌ عَلَى سَرِيرِهِ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ. قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: [حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدُّبُرِيُّ] [[زيادة من المعجم الكبير للطبراني (٦/٢٧٢) .]] عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ سفيان الثوري، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أنْعُمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا بِجَوَازٍ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، أَدْخِلُوهُ جَنَّةً عَالِيَةً، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ" [[المعجم الكبير للطبراني (٦/٢٧٢) وعبد الرحمن بن زياد ضعيف، ورواه ابن عدى في الكامل (١/٣٤٤) من طريق إسحاق الدبري، به. وقال: "حدث عن عبد الرزاق بحديث منكر" ثم ذكر هذا الحديث.]] . وَكَذَا رَوَاهُ الضِّيَاءُ فِي صِفَةِ الجنة من طريق سعدان بن سعيد، بن سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنِ سَلْمَانَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يُعْطَى الْمُؤْمِنُ جَوَازا عَلَى الصِّرَاطِ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِفُلَانٍ، أَدْخِلُوهُ جَنَّةً عَالِيَةً، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ" [[ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٤٤٦) من طريق أبي بكر -محمد بن خشام- عن العباس البلخي، عن سعدان بن سعيد الحكمي عن سليمان التيمي به. وقال ابن الجوززي: "هذا حديث لا يصح عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أما الطريق الأول -أي طريق عبد الرزاق- ففيه عبد الرحمن بن زياد قال أحمد بن حنبل: نحن لا نروى عن عبد الرحمن. وقال ابن حبان: يروى الموضوعات عن الثقات ويدلس. وأما الطريق الثاني، فقال الدارقطني: تفرد به سعدان عن التيمي. قال ابن الجوزي: سعدان مجهول، وكذلك محمد بن خشام".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ؛ تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ، وَامْتِنَانًا وَإِنْعَامًا وَإِحْسَانًا. وَإِلَّا فَقَدَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "اعْمَلُوا وَسَدِّدوا وقَاربُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يدخلَه عملُه الجنةَ". قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدني اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ" [[صحيح البخاري برقم (٥٦٧٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: فأما من أعطي كتاب أعماله بيمينه، فيقول تعالى ﴿اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ . كما:- ⁕ حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ قال: تعالوا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان بعض أهل العلم يقول: وجدت أكيس الناس من قال: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ . * * وقوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ يقول: إني علمت أني ملاق حسابيه إذا وردت يوم القيامة على ربي. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ يقول: أيقنت. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ : ظنّ ظنا يقينا، فنفعه الله بظنه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ قال: إن الظنّ من المؤمن يقين، وإن "عسى" من الله واجب ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ﴿فعسى أن يكون من المفلحين﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال؛ ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ قال: ما كان من ظنّ الآخرة فهو علم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، قال: كلّ ظنّ في القرآن ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾ يقول: أي علمت.

Al-Mukhtasar (français)

Celui à qui on remettra le registre de ses œuvres dans sa main droite dira, empli de joie et d’allégresse: Prenez et lisez le registre de mes œuvres.

20

إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَٰقٍ حِسَابِيَهْ

J'étais sûr d'y trouver mon compte».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ سَعَادَةِ مَنْ أَوُتِيَ كِتَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِيَمِينِهِ، وَفَرَحِهِ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ فَرَحِهِ يَقُولُ لِكُلِّ مَنْ لَقِيَهُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ أَيْ: خُذُوا اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي فِيهِ خَيْرٌ وَحَسَنَاتٌ مَحْضَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ بَدل اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: مَعْنَى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ أَيْ: هَا اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ، وَ "ؤُمْ" زَائِدَةٌ. كَذَا قَالَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا بِمَعْنَى: هَاكُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبَى حَاتِمٍ حَدَّثَنَا: بِشْرُ بْنُ مَطَرٍ [[في أ: "بشر بن مطير".]] الْوَاسِطِيُّ، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: الْمُؤْمِنُ يُعْطَى كِتَابَهُ [بِيَمِينِهِ] [[زيادة من م.]] فِي سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ، فَيَقْرَأُ سَيِّئَاتِهِ، فَكُلَّمَا قَرَأَ سَيِّئَةً تَغَيَّرَ لَوْنُهُ حَتَّى يَمُرَّ بِحَسَنَاتِهِ فَيَقْرَؤُهَا، فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ لَوْنُهُ. ثُمَّ يَنْظُرُ فَإِذَا سَيِّئَاتُهُ قَدْ بُدِّلَتْ حَسَنَاتٍ، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ [[في أ: "موسى بن أبي عبيدة".]] أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ -غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ-قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقِفُ عَبْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُبْدِي سَيِّئَاتِهِ فِي ظَهْرِ صَحِيفَتِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: أَنْتَ عَمِلْتَ هَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ. فَيَقُولُ لَهُ إِنِّي لَمْ أَفْضَحْكَ بِهِ، وَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكَ. فَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ حِينَ نَجَا مِنْ فَضْحه يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحِ حديثُ ابْنِ عُمَرَ حِينَ سُئِلَ عَنِ النجوى، فقال: سمعت النبي الله ﷺ يَقُولُ: "يُدْنِي اللهُ العبدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فيُقَرِّره بِذُنُوبِهِ كُلِّهَا، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ قَالَ اللَّهُ: إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ. ثُمَّ يُعطَى كتابَ حَسَنَاتِهِ بِيَمِينِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَيَقُولُ الْأَشْهَادِ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هُودٍ: ١٨] [[انظر: تفسير الآية: ١٨ من سورة هود وتخريجه هناك.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ أَيْ: قَدْ كُنْتُ مُوقِنًا فِي الدُّنْيَا أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، كَمَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٤٦] . قَالَ اللَّهُ: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أَيْ: مُرْضِيَّةٍ، ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أَيْ: رَفِيعَةٌ قُصُورُهَا، حِسَانٌ حُورُهَا، نَعِيمَةٌ دُورُهَا، دَائِمٌ حُبُورُهَا. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُتْبَةَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ السَّكُوني، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ الْأَسْوَدِ قَالَ: سمعتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ: سَأَلَ رجلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ يَتَزَاوَرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِنَّهُ لَيَهْبِطُ أَهْلُ الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا إِلَى أَهْلِ الدَّرَجَةِ السُّفْلَى، فَيُحَيُّونَهُمْ وَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَهْلُ الدَّرَجَةِ السُّفْلَى يَصْعَدُونَ إِلَى الْأَعْلَيْنَ، تَقْصُرُ بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ" [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٤٢١) من طريق جعفر بن الزبير وبشر بن نمير، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعًا بنحوه، وجعفر بن الزبير وبشر بن نمير متروكان واتهما بالوضع.]] وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "إِنَّ الْجَنَّةَ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: أَيْ قَرِيبَةٌ، يَتَنَاوَلُهَا أَحَدُهُمْ، وَهُوَ نَائِمٌ عَلَى سَرِيرِهِ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ. قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: [حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدُّبُرِيُّ] [[زيادة من المعجم الكبير للطبراني (٦/٢٧٢) .]] عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ سفيان الثوري، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أنْعُمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا بِجَوَازٍ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، أَدْخِلُوهُ جَنَّةً عَالِيَةً، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ" [[المعجم الكبير للطبراني (٦/٢٧٢) وعبد الرحمن بن زياد ضعيف، ورواه ابن عدى في الكامل (١/٣٤٤) من طريق إسحاق الدبري، به. وقال: "حدث عن عبد الرزاق بحديث منكر" ثم ذكر هذا الحديث.]] . وَكَذَا رَوَاهُ الضِّيَاءُ فِي صِفَةِ الجنة من طريق سعدان بن سعيد، بن سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنِ سَلْمَانَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يُعْطَى الْمُؤْمِنُ جَوَازا عَلَى الصِّرَاطِ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِفُلَانٍ، أَدْخِلُوهُ جَنَّةً عَالِيَةً، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ" [[ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٤٤٦) من طريق أبي بكر -محمد بن خشام- عن العباس البلخي، عن سعدان بن سعيد الحكمي عن سليمان التيمي به. وقال ابن الجوززي: "هذا حديث لا يصح عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أما الطريق الأول -أي طريق عبد الرزاق- ففيه عبد الرحمن بن زياد قال أحمد بن حنبل: نحن لا نروى عن عبد الرحمن. وقال ابن حبان: يروى الموضوعات عن الثقات ويدلس. وأما الطريق الثاني، فقال الدارقطني: تفرد به سعدان عن التيمي. قال ابن الجوزي: سعدان مجهول، وكذلك محمد بن خشام".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ؛ تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ، وَامْتِنَانًا وَإِنْعَامًا وَإِحْسَانًا. وَإِلَّا فَقَدَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "اعْمَلُوا وَسَدِّدوا وقَاربُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يدخلَه عملُه الجنةَ". قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدني اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ" [[صحيح البخاري برقم (٥٦٧٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: فأما من أعطي كتاب أعماله بيمينه، فيقول تعالى ﴿اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ . كما:- ⁕ حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ قال: تعالوا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان بعض أهل العلم يقول: وجدت أكيس الناس من قال: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ . * * وقوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ يقول: إني علمت أني ملاق حسابيه إذا وردت يوم القيامة على ربي. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ يقول: أيقنت. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ : ظنّ ظنا يقينا، فنفعه الله بظنه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ قال: إن الظنّ من المؤمن يقين، وإن "عسى" من الله واجب ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ﴿فعسى أن يكون من المفلحين﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال؛ ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ قال: ما كان من ظنّ الآخرة فهو علم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، قال: كلّ ظنّ في القرآن ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾ يقول: أي علمت.

Al-Mukhtasar (français)

Je savais avec certitude dans le bas monde, que je serai ressuscité et rétribué.

21

فَهُوَ فِى عِيشَةٍۢ رَّاضِيَةٍۢ

Il jouira d'une vie agréable:

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ سَعَادَةِ مَنْ أَوُتِيَ كِتَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِيَمِينِهِ، وَفَرَحِهِ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ فَرَحِهِ يَقُولُ لِكُلِّ مَنْ لَقِيَهُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ أَيْ: خُذُوا اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي فِيهِ خَيْرٌ وَحَسَنَاتٌ مَحْضَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ بَدل اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: مَعْنَى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ أَيْ: هَا اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ، وَ "ؤُمْ" زَائِدَةٌ. كَذَا قَالَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا بِمَعْنَى: هَاكُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبَى حَاتِمٍ حَدَّثَنَا: بِشْرُ بْنُ مَطَرٍ [[في أ: "بشر بن مطير".]] الْوَاسِطِيُّ، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: الْمُؤْمِنُ يُعْطَى كِتَابَهُ [بِيَمِينِهِ] [[زيادة من م.]] فِي سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ، فَيَقْرَأُ سَيِّئَاتِهِ، فَكُلَّمَا قَرَأَ سَيِّئَةً تَغَيَّرَ لَوْنُهُ حَتَّى يَمُرَّ بِحَسَنَاتِهِ فَيَقْرَؤُهَا، فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ لَوْنُهُ. ثُمَّ يَنْظُرُ فَإِذَا سَيِّئَاتُهُ قَدْ بُدِّلَتْ حَسَنَاتٍ، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ [[في أ: "موسى بن أبي عبيدة".]] أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ -غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ-قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقِفُ عَبْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُبْدِي سَيِّئَاتِهِ فِي ظَهْرِ صَحِيفَتِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: أَنْتَ عَمِلْتَ هَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ. فَيَقُولُ لَهُ إِنِّي لَمْ أَفْضَحْكَ بِهِ، وَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكَ. فَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ حِينَ نَجَا مِنْ فَضْحه يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحِ حديثُ ابْنِ عُمَرَ حِينَ سُئِلَ عَنِ النجوى، فقال: سمعت النبي الله ﷺ يَقُولُ: "يُدْنِي اللهُ العبدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فيُقَرِّره بِذُنُوبِهِ كُلِّهَا، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ قَالَ اللَّهُ: إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ. ثُمَّ يُعطَى كتابَ حَسَنَاتِهِ بِيَمِينِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَيَقُولُ الْأَشْهَادِ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هُودٍ: ١٨] [[انظر: تفسير الآية: ١٨ من سورة هود وتخريجه هناك.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ أَيْ: قَدْ كُنْتُ مُوقِنًا فِي الدُّنْيَا أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، كَمَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٤٦] . قَالَ اللَّهُ: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أَيْ: مُرْضِيَّةٍ، ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أَيْ: رَفِيعَةٌ قُصُورُهَا، حِسَانٌ حُورُهَا، نَعِيمَةٌ دُورُهَا، دَائِمٌ حُبُورُهَا. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُتْبَةَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ السَّكُوني، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ الْأَسْوَدِ قَالَ: سمعتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ: سَأَلَ رجلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ يَتَزَاوَرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِنَّهُ لَيَهْبِطُ أَهْلُ الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا إِلَى أَهْلِ الدَّرَجَةِ السُّفْلَى، فَيُحَيُّونَهُمْ وَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَهْلُ الدَّرَجَةِ السُّفْلَى يَصْعَدُونَ إِلَى الْأَعْلَيْنَ، تَقْصُرُ بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ" [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٤٢١) من طريق جعفر بن الزبير وبشر بن نمير، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعًا بنحوه، وجعفر بن الزبير وبشر بن نمير متروكان واتهما بالوضع.]] وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "إِنَّ الْجَنَّةَ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: أَيْ قَرِيبَةٌ، يَتَنَاوَلُهَا أَحَدُهُمْ، وَهُوَ نَائِمٌ عَلَى سَرِيرِهِ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ. قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: [حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدُّبُرِيُّ] [[زيادة من المعجم الكبير للطبراني (٦/٢٧٢) .]] عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ سفيان الثوري، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أنْعُمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا بِجَوَازٍ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، أَدْخِلُوهُ جَنَّةً عَالِيَةً، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ" [[المعجم الكبير للطبراني (٦/٢٧٢) وعبد الرحمن بن زياد ضعيف، ورواه ابن عدى في الكامل (١/٣٤٤) من طريق إسحاق الدبري، به. وقال: "حدث عن عبد الرزاق بحديث منكر" ثم ذكر هذا الحديث.]] . وَكَذَا رَوَاهُ الضِّيَاءُ فِي صِفَةِ الجنة من طريق سعدان بن سعيد، بن سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنِ سَلْمَانَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يُعْطَى الْمُؤْمِنُ جَوَازا عَلَى الصِّرَاطِ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِفُلَانٍ، أَدْخِلُوهُ جَنَّةً عَالِيَةً، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ" [[ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٤٤٦) من طريق أبي بكر -محمد بن خشام- عن العباس البلخي، عن سعدان بن سعيد الحكمي عن سليمان التيمي به. وقال ابن الجوززي: "هذا حديث لا يصح عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أما الطريق الأول -أي طريق عبد الرزاق- ففيه عبد الرحمن بن زياد قال أحمد بن حنبل: نحن لا نروى عن عبد الرحمن. وقال ابن حبان: يروى الموضوعات عن الثقات ويدلس. وأما الطريق الثاني، فقال الدارقطني: تفرد به سعدان عن التيمي. قال ابن الجوزي: سعدان مجهول، وكذلك محمد بن خشام".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ؛ تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ، وَامْتِنَانًا وَإِنْعَامًا وَإِحْسَانًا. وَإِلَّا فَقَدَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "اعْمَلُوا وَسَدِّدوا وقَاربُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يدخلَه عملُه الجنةَ". قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدني اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ" [[صحيح البخاري برقم (٥٦٧٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) ﴾ يقول تعالى ذكره: فأما من أعطي كتاب أعماله بيمينه، فيقول تعالى ﴿اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ . كما:- ⁕ حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ قال: تعالوا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان بعض أهل العلم يقول: وجدت أكيس الناس من قال: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ . * * وقوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ يقول: إني علمت أني ملاق حسابيه إذا وردت يوم القيامة على ربي. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ يقول: أيقنت. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ : ظنّ ظنا يقينا، فنفعه الله بظنه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ قال: إن الظنّ من المؤمن يقين، وإن "عسى" من الله واجب ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ﴿فعسى أن يكون من المفلحين﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال؛ ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ قال: ما كان من ظنّ الآخرة فهو علم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، قال: كلّ ظنّ في القرآن ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾ يقول: أي علمت.

Al-Mukhtasar (français)

Il connaîtra alors une vie agréable,comblé de délices perpétuels

22

فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍۢ

dans un Jardin haut placé

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ سَعَادَةِ مَنْ أَوُتِيَ كِتَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِيَمِينِهِ، وَفَرَحِهِ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ فَرَحِهِ يَقُولُ لِكُلِّ مَنْ لَقِيَهُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ أَيْ: خُذُوا اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي فِيهِ خَيْرٌ وَحَسَنَاتٌ مَحْضَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ بَدل اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: مَعْنَى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ أَيْ: هَا اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ، وَ "ؤُمْ" زَائِدَةٌ. كَذَا قَالَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا بِمَعْنَى: هَاكُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبَى حَاتِمٍ حَدَّثَنَا: بِشْرُ بْنُ مَطَرٍ [[في أ: "بشر بن مطير".]] الْوَاسِطِيُّ، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: الْمُؤْمِنُ يُعْطَى كِتَابَهُ [بِيَمِينِهِ] [[زيادة من م.]] فِي سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ، فَيَقْرَأُ سَيِّئَاتِهِ، فَكُلَّمَا قَرَأَ سَيِّئَةً تَغَيَّرَ لَوْنُهُ حَتَّى يَمُرَّ بِحَسَنَاتِهِ فَيَقْرَؤُهَا، فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ لَوْنُهُ. ثُمَّ يَنْظُرُ فَإِذَا سَيِّئَاتُهُ قَدْ بُدِّلَتْ حَسَنَاتٍ، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ [[في أ: "موسى بن أبي عبيدة".]] أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ -غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ-قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقِفُ عَبْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُبْدِي سَيِّئَاتِهِ فِي ظَهْرِ صَحِيفَتِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: أَنْتَ عَمِلْتَ هَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ. فَيَقُولُ لَهُ إِنِّي لَمْ أَفْضَحْكَ بِهِ، وَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكَ. فَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ حِينَ نَجَا مِنْ فَضْحه يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحِ حديثُ ابْنِ عُمَرَ حِينَ سُئِلَ عَنِ النجوى، فقال: سمعت النبي الله ﷺ يَقُولُ: "يُدْنِي اللهُ العبدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فيُقَرِّره بِذُنُوبِهِ كُلِّهَا، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ قَالَ اللَّهُ: إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ. ثُمَّ يُعطَى كتابَ حَسَنَاتِهِ بِيَمِينِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَيَقُولُ الْأَشْهَادِ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هُودٍ: ١٨] [[انظر: تفسير الآية: ١٨ من سورة هود وتخريجه هناك.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ أَيْ: قَدْ كُنْتُ مُوقِنًا فِي الدُّنْيَا أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، كَمَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٤٦] . قَالَ اللَّهُ: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أَيْ: مُرْضِيَّةٍ، ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أَيْ: رَفِيعَةٌ قُصُورُهَا، حِسَانٌ حُورُهَا، نَعِيمَةٌ دُورُهَا، دَائِمٌ حُبُورُهَا. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُتْبَةَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ السَّكُوني، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ الْأَسْوَدِ قَالَ: سمعتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ: سَأَلَ رجلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ يَتَزَاوَرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِنَّهُ لَيَهْبِطُ أَهْلُ الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا إِلَى أَهْلِ الدَّرَجَةِ السُّفْلَى، فَيُحَيُّونَهُمْ وَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَهْلُ الدَّرَجَةِ السُّفْلَى يَصْعَدُونَ إِلَى الْأَعْلَيْنَ، تَقْصُرُ بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ" [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٤٢١) من طريق جعفر بن الزبير وبشر بن نمير، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعًا بنحوه، وجعفر بن الزبير وبشر بن نمير متروكان واتهما بالوضع.]] وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "إِنَّ الْجَنَّةَ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: أَيْ قَرِيبَةٌ، يَتَنَاوَلُهَا أَحَدُهُمْ، وَهُوَ نَائِمٌ عَلَى سَرِيرِهِ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ. قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: [حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدُّبُرِيُّ] [[زيادة من المعجم الكبير للطبراني (٦/٢٧٢) .]] عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ سفيان الثوري، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أنْعُمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا بِجَوَازٍ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، أَدْخِلُوهُ جَنَّةً عَالِيَةً، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ" [[المعجم الكبير للطبراني (٦/٢٧٢) وعبد الرحمن بن زياد ضعيف، ورواه ابن عدى في الكامل (١/٣٤٤) من طريق إسحاق الدبري، به. وقال: "حدث عن عبد الرزاق بحديث منكر" ثم ذكر هذا الحديث.]] . وَكَذَا رَوَاهُ الضِّيَاءُ فِي صِفَةِ الجنة من طريق سعدان بن سعيد، بن سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنِ سَلْمَانَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يُعْطَى الْمُؤْمِنُ جَوَازا عَلَى الصِّرَاطِ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِفُلَانٍ، أَدْخِلُوهُ جَنَّةً عَالِيَةً، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ" [[ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٤٤٦) من طريق أبي بكر -محمد بن خشام- عن العباس البلخي، عن سعدان بن سعيد الحكمي عن سليمان التيمي به. وقال ابن الجوززي: "هذا حديث لا يصح عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أما الطريق الأول -أي طريق عبد الرزاق- ففيه عبد الرحمن بن زياد قال أحمد بن حنبل: نحن لا نروى عن عبد الرحمن. وقال ابن حبان: يروى الموضوعات عن الثقات ويدلس. وأما الطريق الثاني، فقال الدارقطني: تفرد به سعدان عن التيمي. قال ابن الجوزي: سعدان مجهول، وكذلك محمد بن خشام".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ؛ تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ، وَامْتِنَانًا وَإِنْعَامًا وَإِحْسَانًا. وَإِلَّا فَقَدَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "اعْمَلُوا وَسَدِّدوا وقَاربُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يدخلَه عملُه الجنةَ". قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدني اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ" [[صحيح البخاري برقم (٥٦٧٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: فالذي وصفت أمره، وهو الذي أوتي كتابه بيمينه، في عيشة مرضية، أو عيشة فيها الرضا، فوصفت العيشة بالرضا وهي مرضية، لأن ذلك مدح للعيشة، والعرب تفعل ذلك في المدح والذّم فتقول: هذا ليل نائم، وسرّ كاتم، وماء دافق، فيوجهون الفعل إليه، وهو في الأصل مقول لما يراد من المدح أو الذّم، ومن قال ذلك لم يجز له أن يقول للضارب مضروب، ولا للمضروب ضارب، لأنه لا مدح فيه ولا ذمّ. * * وقوله: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ يقول: في بستان عال رفيع، و"في" من قوله: ﴿فِي جَنَّةٍ﴾ من صلة عيشة. * * وقوله: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ يقول: ما يقطف من الجنة من ثمارها دانٍ قريب من قاطفه. وذُكر أن الذي يريد ثمرها يتناوله كيف شاء قائما وقاعدا، لا يمنعه منه بُعد، ولا يحول بينه وبينه شوك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول في هذه الآية ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ قال: يتناول الرجل من فواكهها وهو نائم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ : دنت فلا يردّ أيديهم عنها بعد ولا شوك. * * وقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ يقول لهم ربهم جل ثناؤه: كلوا معشر من رضيت عنه، فأدخلته جنتي من ثمارها، وطيب ما فيها من الأطعمة، واشربوا من أشْرِبتها، هَنِيئا لَكُمْ لا تتأذون بما تأكلون، ولا بما تشربون، ولا تحتاجون من أكل ذلك إلى غائط ولا بول، ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ يقول: كلوا واشربوا هنيئا: جزاء من الله لكم، وثوابا بما أسلفتم، أو على ما أسلفتم: أي على ما قدّتم في دنياكم لآخرتكم من العمل بطاعة الله، ﴿في الأيام الخالية﴾ يقول: في أيام الدنيا التي خلت فمضت. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ إن أيامكم هذه أيام خالية: هي أيام فانية، تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام، وقدّموا فيها خيرًا إن استطعتم، ولا قوّة إلا بالله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ قال: أيام الدنيا بما عملوا فيها.

Al-Mukhtasar (français)

dans un Jardin élevé en hauteur et en mérite

23

قُطُوفُهَا دَانِيَةٌۭ

dont les fruits sont à portée de la main.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ سَعَادَةِ مَنْ أَوُتِيَ كِتَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِيَمِينِهِ، وَفَرَحِهِ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ فَرَحِهِ يَقُولُ لِكُلِّ مَنْ لَقِيَهُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ أَيْ: خُذُوا اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي فِيهِ خَيْرٌ وَحَسَنَاتٌ مَحْضَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ بَدل اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: مَعْنَى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ أَيْ: هَا اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ، وَ "ؤُمْ" زَائِدَةٌ. كَذَا قَالَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا بِمَعْنَى: هَاكُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبَى حَاتِمٍ حَدَّثَنَا: بِشْرُ بْنُ مَطَرٍ [[في أ: "بشر بن مطير".]] الْوَاسِطِيُّ، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: الْمُؤْمِنُ يُعْطَى كِتَابَهُ [بِيَمِينِهِ] [[زيادة من م.]] فِي سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ، فَيَقْرَأُ سَيِّئَاتِهِ، فَكُلَّمَا قَرَأَ سَيِّئَةً تَغَيَّرَ لَوْنُهُ حَتَّى يَمُرَّ بِحَسَنَاتِهِ فَيَقْرَؤُهَا، فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ لَوْنُهُ. ثُمَّ يَنْظُرُ فَإِذَا سَيِّئَاتُهُ قَدْ بُدِّلَتْ حَسَنَاتٍ، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ [[في أ: "موسى بن أبي عبيدة".]] أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ -غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ-قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقِفُ عَبْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُبْدِي سَيِّئَاتِهِ فِي ظَهْرِ صَحِيفَتِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: أَنْتَ عَمِلْتَ هَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ. فَيَقُولُ لَهُ إِنِّي لَمْ أَفْضَحْكَ بِهِ، وَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكَ. فَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ حِينَ نَجَا مِنْ فَضْحه يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحِ حديثُ ابْنِ عُمَرَ حِينَ سُئِلَ عَنِ النجوى، فقال: سمعت النبي الله ﷺ يَقُولُ: "يُدْنِي اللهُ العبدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فيُقَرِّره بِذُنُوبِهِ كُلِّهَا، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ قَالَ اللَّهُ: إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ. ثُمَّ يُعطَى كتابَ حَسَنَاتِهِ بِيَمِينِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَيَقُولُ الْأَشْهَادِ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هُودٍ: ١٨] [[انظر: تفسير الآية: ١٨ من سورة هود وتخريجه هناك.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ أَيْ: قَدْ كُنْتُ مُوقِنًا فِي الدُّنْيَا أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، كَمَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٤٦] . قَالَ اللَّهُ: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أَيْ: مُرْضِيَّةٍ، ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أَيْ: رَفِيعَةٌ قُصُورُهَا، حِسَانٌ حُورُهَا، نَعِيمَةٌ دُورُهَا، دَائِمٌ حُبُورُهَا. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُتْبَةَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ السَّكُوني، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ الْأَسْوَدِ قَالَ: سمعتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ: سَأَلَ رجلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ يَتَزَاوَرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِنَّهُ لَيَهْبِطُ أَهْلُ الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا إِلَى أَهْلِ الدَّرَجَةِ السُّفْلَى، فَيُحَيُّونَهُمْ وَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَهْلُ الدَّرَجَةِ السُّفْلَى يَصْعَدُونَ إِلَى الْأَعْلَيْنَ، تَقْصُرُ بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ" [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٤٢١) من طريق جعفر بن الزبير وبشر بن نمير، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعًا بنحوه، وجعفر بن الزبير وبشر بن نمير متروكان واتهما بالوضع.]] وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "إِنَّ الْجَنَّةَ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: أَيْ قَرِيبَةٌ، يَتَنَاوَلُهَا أَحَدُهُمْ، وَهُوَ نَائِمٌ عَلَى سَرِيرِهِ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ. قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: [حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدُّبُرِيُّ] [[زيادة من المعجم الكبير للطبراني (٦/٢٧٢) .]] عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ سفيان الثوري، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أنْعُمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا بِجَوَازٍ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، أَدْخِلُوهُ جَنَّةً عَالِيَةً، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ" [[المعجم الكبير للطبراني (٦/٢٧٢) وعبد الرحمن بن زياد ضعيف، ورواه ابن عدى في الكامل (١/٣٤٤) من طريق إسحاق الدبري، به. وقال: "حدث عن عبد الرزاق بحديث منكر" ثم ذكر هذا الحديث.]] . وَكَذَا رَوَاهُ الضِّيَاءُ فِي صِفَةِ الجنة من طريق سعدان بن سعيد، بن سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنِ سَلْمَانَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يُعْطَى الْمُؤْمِنُ جَوَازا عَلَى الصِّرَاطِ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِفُلَانٍ، أَدْخِلُوهُ جَنَّةً عَالِيَةً، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ" [[ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٤٤٦) من طريق أبي بكر -محمد بن خشام- عن العباس البلخي، عن سعدان بن سعيد الحكمي عن سليمان التيمي به. وقال ابن الجوززي: "هذا حديث لا يصح عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أما الطريق الأول -أي طريق عبد الرزاق- ففيه عبد الرحمن بن زياد قال أحمد بن حنبل: نحن لا نروى عن عبد الرحمن. وقال ابن حبان: يروى الموضوعات عن الثقات ويدلس. وأما الطريق الثاني، فقال الدارقطني: تفرد به سعدان عن التيمي. قال ابن الجوزي: سعدان مجهول، وكذلك محمد بن خشام".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ؛ تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ، وَامْتِنَانًا وَإِنْعَامًا وَإِحْسَانًا. وَإِلَّا فَقَدَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "اعْمَلُوا وَسَدِّدوا وقَاربُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يدخلَه عملُه الجنةَ". قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدني اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ" [[صحيح البخاري برقم (٥٦٧٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: فالذي وصفت أمره، وهو الذي أوتي كتابه بيمينه، في عيشة مرضية، أو عيشة فيها الرضا، فوصفت العيشة بالرضا وهي مرضية، لأن ذلك مدح للعيشة، والعرب تفعل ذلك في المدح والذّم فتقول: هذا ليل نائم، وسرّ كاتم، وماء دافق، فيوجهون الفعل إليه، وهو في الأصل مقول لما يراد من المدح أو الذّم، ومن قال ذلك لم يجز له أن يقول للضارب مضروب، ولا للمضروب ضارب، لأنه لا مدح فيه ولا ذمّ. * * وقوله: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ يقول: في بستان عال رفيع، و"في" من قوله: ﴿فِي جَنَّةٍ﴾ من صلة عيشة. * * وقوله: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ يقول: ما يقطف من الجنة من ثمارها دانٍ قريب من قاطفه. وذُكر أن الذي يريد ثمرها يتناوله كيف شاء قائما وقاعدا، لا يمنعه منه بُعد، ولا يحول بينه وبينه شوك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول في هذه الآية ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ قال: يتناول الرجل من فواكهها وهو نائم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ : دنت فلا يردّ أيديهم عنها بعد ولا شوك. * * وقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ يقول لهم ربهم جل ثناؤه: كلوا معشر من رضيت عنه، فأدخلته جنتي من ثمارها، وطيب ما فيها من الأطعمة، واشربوا من أشْرِبتها، هَنِيئا لَكُمْ لا تتأذون بما تأكلون، ولا بما تشربون، ولا تحتاجون من أكل ذلك إلى غائط ولا بول، ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ يقول: كلوا واشربوا هنيئا: جزاء من الله لكم، وثوابا بما أسلفتم، أو على ما أسلفتم: أي على ما قدّتم في دنياكم لآخرتكم من العمل بطاعة الله، ﴿في الأيام الخالية﴾ يقول: في أيام الدنيا التي خلت فمضت. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ إن أيامكم هذه أيام خالية: هي أيام فانية، تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام، وقدّموا فيها خيرًا إن استطعتم، ولا قوّة إلا بالله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ قال: أيام الدنيا بما عملوا فيها.

Al-Mukhtasar (français)

dont les fruits sont à portée de celui qui veut les cueillir.

24

كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ هَنِيٓـًٔۢا بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِى ٱلْأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ

«Mangez et buvez agréablement pour ce que vous avez avancé dans les jours passés».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ سَعَادَةِ مَنْ أَوُتِيَ كِتَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِيَمِينِهِ، وَفَرَحِهِ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ فَرَحِهِ يَقُولُ لِكُلِّ مَنْ لَقِيَهُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ أَيْ: خُذُوا اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي فِيهِ خَيْرٌ وَحَسَنَاتٌ مَحْضَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ بَدل اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: مَعْنَى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ أَيْ: هَا اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ، وَ "ؤُمْ" زَائِدَةٌ. كَذَا قَالَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا بِمَعْنَى: هَاكُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبَى حَاتِمٍ حَدَّثَنَا: بِشْرُ بْنُ مَطَرٍ [[في أ: "بشر بن مطير".]] الْوَاسِطِيُّ، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: الْمُؤْمِنُ يُعْطَى كِتَابَهُ [بِيَمِينِهِ] [[زيادة من م.]] فِي سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ، فَيَقْرَأُ سَيِّئَاتِهِ، فَكُلَّمَا قَرَأَ سَيِّئَةً تَغَيَّرَ لَوْنُهُ حَتَّى يَمُرَّ بِحَسَنَاتِهِ فَيَقْرَؤُهَا، فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ لَوْنُهُ. ثُمَّ يَنْظُرُ فَإِذَا سَيِّئَاتُهُ قَدْ بُدِّلَتْ حَسَنَاتٍ، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ [[في أ: "موسى بن أبي عبيدة".]] أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ -غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ-قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقِفُ عَبْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُبْدِي سَيِّئَاتِهِ فِي ظَهْرِ صَحِيفَتِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: أَنْتَ عَمِلْتَ هَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ. فَيَقُولُ لَهُ إِنِّي لَمْ أَفْضَحْكَ بِهِ، وَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكَ. فَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ حِينَ نَجَا مِنْ فَضْحه يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحِ حديثُ ابْنِ عُمَرَ حِينَ سُئِلَ عَنِ النجوى، فقال: سمعت النبي الله ﷺ يَقُولُ: "يُدْنِي اللهُ العبدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فيُقَرِّره بِذُنُوبِهِ كُلِّهَا، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ قَالَ اللَّهُ: إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ. ثُمَّ يُعطَى كتابَ حَسَنَاتِهِ بِيَمِينِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَيَقُولُ الْأَشْهَادِ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هُودٍ: ١٨] [[انظر: تفسير الآية: ١٨ من سورة هود وتخريجه هناك.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ أَيْ: قَدْ كُنْتُ مُوقِنًا فِي الدُّنْيَا أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، كَمَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٤٦] . قَالَ اللَّهُ: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أَيْ: مُرْضِيَّةٍ، ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أَيْ: رَفِيعَةٌ قُصُورُهَا، حِسَانٌ حُورُهَا، نَعِيمَةٌ دُورُهَا، دَائِمٌ حُبُورُهَا. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُتْبَةَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ السَّكُوني، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ الْأَسْوَدِ قَالَ: سمعتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ: سَأَلَ رجلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ يَتَزَاوَرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِنَّهُ لَيَهْبِطُ أَهْلُ الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا إِلَى أَهْلِ الدَّرَجَةِ السُّفْلَى، فَيُحَيُّونَهُمْ وَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَهْلُ الدَّرَجَةِ السُّفْلَى يَصْعَدُونَ إِلَى الْأَعْلَيْنَ، تَقْصُرُ بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ" [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٤٢١) من طريق جعفر بن الزبير وبشر بن نمير، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعًا بنحوه، وجعفر بن الزبير وبشر بن نمير متروكان واتهما بالوضع.]] وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "إِنَّ الْجَنَّةَ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: أَيْ قَرِيبَةٌ، يَتَنَاوَلُهَا أَحَدُهُمْ، وَهُوَ نَائِمٌ عَلَى سَرِيرِهِ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ. قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: [حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدُّبُرِيُّ] [[زيادة من المعجم الكبير للطبراني (٦/٢٧٢) .]] عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ سفيان الثوري، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أنْعُمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا بِجَوَازٍ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، أَدْخِلُوهُ جَنَّةً عَالِيَةً، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ" [[المعجم الكبير للطبراني (٦/٢٧٢) وعبد الرحمن بن زياد ضعيف، ورواه ابن عدى في الكامل (١/٣٤٤) من طريق إسحاق الدبري، به. وقال: "حدث عن عبد الرزاق بحديث منكر" ثم ذكر هذا الحديث.]] . وَكَذَا رَوَاهُ الضِّيَاءُ فِي صِفَةِ الجنة من طريق سعدان بن سعيد، بن سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنِ سَلْمَانَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يُعْطَى الْمُؤْمِنُ جَوَازا عَلَى الصِّرَاطِ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِفُلَانٍ، أَدْخِلُوهُ جَنَّةً عَالِيَةً، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ" [[ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٤٤٦) من طريق أبي بكر -محمد بن خشام- عن العباس البلخي، عن سعدان بن سعيد الحكمي عن سليمان التيمي به. وقال ابن الجوززي: "هذا حديث لا يصح عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أما الطريق الأول -أي طريق عبد الرزاق- ففيه عبد الرحمن بن زياد قال أحمد بن حنبل: نحن لا نروى عن عبد الرحمن. وقال ابن حبان: يروى الموضوعات عن الثقات ويدلس. وأما الطريق الثاني، فقال الدارقطني: تفرد به سعدان عن التيمي. قال ابن الجوزي: سعدان مجهول، وكذلك محمد بن خشام".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ؛ تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ، وَامْتِنَانًا وَإِنْعَامًا وَإِحْسَانًا. وَإِلَّا فَقَدَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "اعْمَلُوا وَسَدِّدوا وقَاربُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يدخلَه عملُه الجنةَ". قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدني اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ" [[صحيح البخاري برقم (٥٦٧٣) وصحيح مسلم برقم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) ﴾ يقول تعالى ذكره: فالذي وصفت أمره، وهو الذي أوتي كتابه بيمينه، في عيشة مرضية، أو عيشة فيها الرضا، فوصفت العيشة بالرضا وهي مرضية، لأن ذلك مدح للعيشة، والعرب تفعل ذلك في المدح والذّم فتقول: هذا ليل نائم، وسرّ كاتم، وماء دافق، فيوجهون الفعل إليه، وهو في الأصل مقول لما يراد من المدح أو الذّم، ومن قال ذلك لم يجز له أن يقول للضارب مضروب، ولا للمضروب ضارب، لأنه لا مدح فيه ولا ذمّ. * * وقوله: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ يقول: في بستان عال رفيع، و"في" من قوله: ﴿فِي جَنَّةٍ﴾ من صلة عيشة. * * وقوله: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ يقول: ما يقطف من الجنة من ثمارها دانٍ قريب من قاطفه. وذُكر أن الذي يريد ثمرها يتناوله كيف شاء قائما وقاعدا، لا يمنعه منه بُعد، ولا يحول بينه وبينه شوك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول في هذه الآية ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ قال: يتناول الرجل من فواكهها وهو نائم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ : دنت فلا يردّ أيديهم عنها بعد ولا شوك. * * وقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ يقول لهم ربهم جل ثناؤه: كلوا معشر من رضيت عنه، فأدخلته جنتي من ثمارها، وطيب ما فيها من الأطعمة، واشربوا من أشْرِبتها، هَنِيئا لَكُمْ لا تتأذون بما تأكلون، ولا بما تشربون، ولا تحتاجون من أكل ذلك إلى غائط ولا بول، ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ يقول: كلوا واشربوا هنيئا: جزاء من الله لكم، وثوابا بما أسلفتم، أو على ما أسلفتم: أي على ما قدّتم في دنياكم لآخرتكم من العمل بطاعة الله، ﴿في الأيام الخالية﴾ يقول: في أيام الدنيا التي خلت فمضت. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ إن أيامكم هذه أيام خالية: هي أيام فانية، تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام، وقدّموا فيها خيرًا إن استطعتم، ولا قوّة إلا بالله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ قال: أيام الدنيا بما عملوا فيها.

Al-Mukhtasar (français)

On leur dira afin de les honorer: Mangez et buvez de la nourriture et des boissons qui ne vous causeront aucun mal, en récompense pour les bonnes œuvres accomplies dans la vie passée du bas monde.

25

وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَٰبَهُۥ بِشِمَالِهِۦ فَيَقُولُ يَٰلَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ

Quant à celui à qui on aura remis le Livre en sa main gauche, il dira: «Hélas pour moi! J'aurai souhaité qu'on ne m'ait pas remis mon livre,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُهُمْ كِتَابَهُ فِي العَرَصات بِشَمَالِهِ، فَحِينَئِذٍ يَنْدَمُ غَايَةَ النَّدَمِ، فَيَقُولُ: ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي مَوْتَةً لَا حَيَاةَ بَعْدَهَا. وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: تَمَنَّى [[في م: "يعني".]] الْمَوْتَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ فِي الدُّنْيَا أَكْرَهُ إِلَيْهِ مِنْهُ. ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أَيْ: لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي مَالِي وَلَا جَاهِي عذابَ اللَّهِ وبَأسه، بَلْ خَلَص الْأَمْرُ إليَّ وَحْدِي، فَلَا مُعِينَ لِي وَلَا مُجِيرَ. فَعِنْدَهَا يَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيْ: يَأْمُرُ الزَّبَانِيَةَ أَنْ تَأْخُذَهُ عنْفًا مِنَ الْمَحْشَرِ، فَتَغُله، أَيْ: تَضَعُ الْأَغْلَالَ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ تُورده إِلَى جَهَنَّمَ فَتُصِلِيهِ إِيَّاهَا، أَيْ: تَغْمُرُهُ فِيهَا. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا: أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنِ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِذَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ ﴿خُذُوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِنَّ الْمَلَكَ مِنْهُمْ لَيَقُولُ هَكَذَا، فَيُلْقِي سَبْعِينَ أَلْفًا فِي النَّارِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي "الْأَهْوَالِ": أَنَّهُ يَبْتَدِرُهُ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ، وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ إِلَّا دَقَه، فَيَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ الرَّبَّ عَلَيْكَ غَضْبَانُ، فَكُلُّ شَيْءٍ غَضْبَانٌ عَلَيْكَ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ -هُوَ ابْنُ عِيَاضٍ-: إِذَا قَالَ الرَّبُّ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ ألفا مَلَكٍ، أَيُّهُمْ يَجْعَلُ الْغُلَّ فِي عُنُقِهِ. ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيِ: اغْمُرُوهُ فِيهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارُ: كُلُّ حَلْقَةٍ مِنْهَا قَدْرُ حَدِيدِ الدُّنْيَا. وَقَالَ العَوفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ: بِذِرَاعِ الْمَلَكِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تَدَخُلُ فِي اسْتِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ، ثُمَّ يُنْظَمُونَ فِيهَا كَمَا يُنَظَمُ الْجَرَادُ فِي الْعُودِ حِينَ يُشْوَى. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُسْلَكُ فِي دُبُرِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَنْخِرَيْهِ، حَتَّى لَا يَقُومَ عَلَى رِجْلَيْهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهُ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ أَنَّ رَصَاصة مِثْلَ هَذِهِ -وَأَشَارَ إِلَى [مِثْلِ] [[زيادة من المسند والترمذي.]] جُمْجُمة-أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ، لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا الليلَ والنهارَ، قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ قَعْرَهَا أَوْ أَصْلَهَا". وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ [[في أ: "سويد بن سعيد".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ [[المسند (٢/١٩٧) وسنن الترمذي برقم (٢٥٨٨) .]] قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أَيْ: لَا يَقُومُ بِحَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَلَا يَنْفَعُ خَلْقَهُ وَيُؤَدِّي حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَلِلْعِبَادِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ حَقُّ الْإِحْسَانِ وَالْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَقُبِضَ النَّبَيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "الصَّلَاةَ، وما ملكت أيمانكم" [[جاء من حديث أنس، وعلي وأم سلمة، وسفينة، رضي الله عنهم، وحديث علي، رضي الله عنه: "كان آخر كلام النبي صلى الله عليه وسلم ... " فذكره، رواه الإمام أحمد في المسند (١/٧٨) وأبو داود في السنن برقم (٥١٥٤) .]] . وقوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ لَا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ مَنْ يُنْقِذُهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، لَا حَمِيمٌ -وَهُوَ الْقَرِيبُ-وَلَا شَفِيعٌ يُطَاعُ، وَلَا طَعَامٌ له هاهنا إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ. قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ شَرُّ طَعَامِ أَهْلِ النَّارِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ، وَالضَّحَّاكُ: هُوَ شَجَرَةٌ فِي جَهَنَّمَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدَّبُ، عَنْ خُصَيف، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا الْغِسْلِينُ، وَلَكِنِّي أَظُنُّهُ الزَّقُّومَ. وَقَالَ شَبِيب بْنُ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْغِسْلِينُ: الدَّمُ وَالْمَاءُ يَسِيلُ مِنْ لُحُومِهِمْ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ: الْغِسْلِينُ: صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: وأما من أعطي يومئذ كتاب أعماله بشماله، فيقول: يا ليتني لم أعط كتابيه، ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ يقول: ولم أدر أيّ شيء حسابيه. * * وقوله: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ يقول: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كلّ ما بعدها، ولم يكن بعدها حياة ولا بعث؛ والقضاء: وهو الفراغ. وقيل: إنه تمنَّى الموت الذي يقضي عليه، فتخرج منه نفسه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ : تمنى الموت، ولم يكن في الدنيا شيء أكره عنده من الموت. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ : الموت.

Al-Mukhtasar (français)

Quant à celui à qui on remettra le registre de ses œuvres dans sa main gauche, il dira sous l’effet du regret: Si seulement on ne m’avait pas remis le registre de mes œuvres qui contient les mauvais agissements pour lesquels je mérite d’être châtié.

26

وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ

et ne pas avoir connu mon compte...

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُهُمْ كِتَابَهُ فِي العَرَصات بِشَمَالِهِ، فَحِينَئِذٍ يَنْدَمُ غَايَةَ النَّدَمِ، فَيَقُولُ: ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي مَوْتَةً لَا حَيَاةَ بَعْدَهَا. وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: تَمَنَّى [[في م: "يعني".]] الْمَوْتَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ فِي الدُّنْيَا أَكْرَهُ إِلَيْهِ مِنْهُ. ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أَيْ: لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي مَالِي وَلَا جَاهِي عذابَ اللَّهِ وبَأسه، بَلْ خَلَص الْأَمْرُ إليَّ وَحْدِي، فَلَا مُعِينَ لِي وَلَا مُجِيرَ. فَعِنْدَهَا يَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيْ: يَأْمُرُ الزَّبَانِيَةَ أَنْ تَأْخُذَهُ عنْفًا مِنَ الْمَحْشَرِ، فَتَغُله، أَيْ: تَضَعُ الْأَغْلَالَ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ تُورده إِلَى جَهَنَّمَ فَتُصِلِيهِ إِيَّاهَا، أَيْ: تَغْمُرُهُ فِيهَا. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا: أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنِ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِذَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ ﴿خُذُوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِنَّ الْمَلَكَ مِنْهُمْ لَيَقُولُ هَكَذَا، فَيُلْقِي سَبْعِينَ أَلْفًا فِي النَّارِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي "الْأَهْوَالِ": أَنَّهُ يَبْتَدِرُهُ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ، وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ إِلَّا دَقَه، فَيَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ الرَّبَّ عَلَيْكَ غَضْبَانُ، فَكُلُّ شَيْءٍ غَضْبَانٌ عَلَيْكَ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ -هُوَ ابْنُ عِيَاضٍ-: إِذَا قَالَ الرَّبُّ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ ألفا مَلَكٍ، أَيُّهُمْ يَجْعَلُ الْغُلَّ فِي عُنُقِهِ. ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيِ: اغْمُرُوهُ فِيهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارُ: كُلُّ حَلْقَةٍ مِنْهَا قَدْرُ حَدِيدِ الدُّنْيَا. وَقَالَ العَوفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ: بِذِرَاعِ الْمَلَكِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تَدَخُلُ فِي اسْتِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ، ثُمَّ يُنْظَمُونَ فِيهَا كَمَا يُنَظَمُ الْجَرَادُ فِي الْعُودِ حِينَ يُشْوَى. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُسْلَكُ فِي دُبُرِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَنْخِرَيْهِ، حَتَّى لَا يَقُومَ عَلَى رِجْلَيْهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهُ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ أَنَّ رَصَاصة مِثْلَ هَذِهِ -وَأَشَارَ إِلَى [مِثْلِ] [[زيادة من المسند والترمذي.]] جُمْجُمة-أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ، لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا الليلَ والنهارَ، قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ قَعْرَهَا أَوْ أَصْلَهَا". وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ [[في أ: "سويد بن سعيد".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ [[المسند (٢/١٩٧) وسنن الترمذي برقم (٢٥٨٨) .]] قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أَيْ: لَا يَقُومُ بِحَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَلَا يَنْفَعُ خَلْقَهُ وَيُؤَدِّي حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَلِلْعِبَادِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ حَقُّ الْإِحْسَانِ وَالْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَقُبِضَ النَّبَيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "الصَّلَاةَ، وما ملكت أيمانكم" [[جاء من حديث أنس، وعلي وأم سلمة، وسفينة، رضي الله عنهم، وحديث علي، رضي الله عنه: "كان آخر كلام النبي صلى الله عليه وسلم ... " فذكره، رواه الإمام أحمد في المسند (١/٧٨) وأبو داود في السنن برقم (٥١٥٤) .]] . وقوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ لَا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ مَنْ يُنْقِذُهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، لَا حَمِيمٌ -وَهُوَ الْقَرِيبُ-وَلَا شَفِيعٌ يُطَاعُ، وَلَا طَعَامٌ له هاهنا إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ. قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ شَرُّ طَعَامِ أَهْلِ النَّارِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ، وَالضَّحَّاكُ: هُوَ شَجَرَةٌ فِي جَهَنَّمَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدَّبُ، عَنْ خُصَيف، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا الْغِسْلِينُ، وَلَكِنِّي أَظُنُّهُ الزَّقُّومَ. وَقَالَ شَبِيب بْنُ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْغِسْلِينُ: الدَّمُ وَالْمَاءُ يَسِيلُ مِنْ لُحُومِهِمْ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ: الْغِسْلِينُ: صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: وأما من أعطي يومئذ كتاب أعماله بشماله، فيقول: يا ليتني لم أعط كتابيه، ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ يقول: ولم أدر أيّ شيء حسابيه. * * وقوله: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ يقول: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كلّ ما بعدها، ولم يكن بعدها حياة ولا بعث؛ والقضاء: وهو الفراغ. وقيل: إنه تمنَّى الموت الذي يقضي عليه، فتخرج منه نفسه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ : تمنى الموت، ولم يكن في الدنيا شيء أكره عنده من الموت. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ : الموت.

Al-Mukhtasar (français)

Si seulement je ne savais pas le compte que je dois rendre.

27

يَٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ

Hélas, comme j'aurai souhaité que [ma première mort] fût la définitive.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُهُمْ كِتَابَهُ فِي العَرَصات بِشَمَالِهِ، فَحِينَئِذٍ يَنْدَمُ غَايَةَ النَّدَمِ، فَيَقُولُ: ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي مَوْتَةً لَا حَيَاةَ بَعْدَهَا. وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: تَمَنَّى [[في م: "يعني".]] الْمَوْتَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ فِي الدُّنْيَا أَكْرَهُ إِلَيْهِ مِنْهُ. ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أَيْ: لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي مَالِي وَلَا جَاهِي عذابَ اللَّهِ وبَأسه، بَلْ خَلَص الْأَمْرُ إليَّ وَحْدِي، فَلَا مُعِينَ لِي وَلَا مُجِيرَ. فَعِنْدَهَا يَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيْ: يَأْمُرُ الزَّبَانِيَةَ أَنْ تَأْخُذَهُ عنْفًا مِنَ الْمَحْشَرِ، فَتَغُله، أَيْ: تَضَعُ الْأَغْلَالَ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ تُورده إِلَى جَهَنَّمَ فَتُصِلِيهِ إِيَّاهَا، أَيْ: تَغْمُرُهُ فِيهَا. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا: أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنِ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِذَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ ﴿خُذُوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِنَّ الْمَلَكَ مِنْهُمْ لَيَقُولُ هَكَذَا، فَيُلْقِي سَبْعِينَ أَلْفًا فِي النَّارِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي "الْأَهْوَالِ": أَنَّهُ يَبْتَدِرُهُ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ، وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ إِلَّا دَقَه، فَيَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ الرَّبَّ عَلَيْكَ غَضْبَانُ، فَكُلُّ شَيْءٍ غَضْبَانٌ عَلَيْكَ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ -هُوَ ابْنُ عِيَاضٍ-: إِذَا قَالَ الرَّبُّ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ ألفا مَلَكٍ، أَيُّهُمْ يَجْعَلُ الْغُلَّ فِي عُنُقِهِ. ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيِ: اغْمُرُوهُ فِيهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارُ: كُلُّ حَلْقَةٍ مِنْهَا قَدْرُ حَدِيدِ الدُّنْيَا. وَقَالَ العَوفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ: بِذِرَاعِ الْمَلَكِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تَدَخُلُ فِي اسْتِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ، ثُمَّ يُنْظَمُونَ فِيهَا كَمَا يُنَظَمُ الْجَرَادُ فِي الْعُودِ حِينَ يُشْوَى. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُسْلَكُ فِي دُبُرِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَنْخِرَيْهِ، حَتَّى لَا يَقُومَ عَلَى رِجْلَيْهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهُ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ أَنَّ رَصَاصة مِثْلَ هَذِهِ -وَأَشَارَ إِلَى [مِثْلِ] [[زيادة من المسند والترمذي.]] جُمْجُمة-أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ، لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا الليلَ والنهارَ، قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ قَعْرَهَا أَوْ أَصْلَهَا". وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ [[في أ: "سويد بن سعيد".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ [[المسند (٢/١٩٧) وسنن الترمذي برقم (٢٥٨٨) .]] قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أَيْ: لَا يَقُومُ بِحَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَلَا يَنْفَعُ خَلْقَهُ وَيُؤَدِّي حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَلِلْعِبَادِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ حَقُّ الْإِحْسَانِ وَالْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَقُبِضَ النَّبَيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "الصَّلَاةَ، وما ملكت أيمانكم" [[جاء من حديث أنس، وعلي وأم سلمة، وسفينة، رضي الله عنهم، وحديث علي، رضي الله عنه: "كان آخر كلام النبي صلى الله عليه وسلم ... " فذكره، رواه الإمام أحمد في المسند (١/٧٨) وأبو داود في السنن برقم (٥١٥٤) .]] . وقوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ لَا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ مَنْ يُنْقِذُهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، لَا حَمِيمٌ -وَهُوَ الْقَرِيبُ-وَلَا شَفِيعٌ يُطَاعُ، وَلَا طَعَامٌ له هاهنا إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ. قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ شَرُّ طَعَامِ أَهْلِ النَّارِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ، وَالضَّحَّاكُ: هُوَ شَجَرَةٌ فِي جَهَنَّمَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدَّبُ، عَنْ خُصَيف، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا الْغِسْلِينُ، وَلَكِنِّي أَظُنُّهُ الزَّقُّومَ. وَقَالَ شَبِيب بْنُ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْغِسْلِينُ: الدَّمُ وَالْمَاءُ يَسِيلُ مِنْ لُحُومِهِمْ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ: الْغِسْلِينُ: صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: وأما من أعطي يومئذ كتاب أعماله بشماله، فيقول: يا ليتني لم أعط كتابيه، ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ يقول: ولم أدر أيّ شيء حسابيه. * * وقوله: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ يقول: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كلّ ما بعدها، ولم يكن بعدها حياة ولا بعث؛ والقضاء: وهو الفراغ. وقيل: إنه تمنَّى الموت الذي يقضي عليه، فتخرج منه نفسه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ : تمنى الموت، ولم يكن في الدنيا شيء أكره عنده من الموت. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ : الموت.

Al-Mukhtasar (français)

Si seulement ma première mort avait été la dernière et n’avait pas été suivie par une ressuscitation.

28

مَآ أَغْنَىٰ عَنِّى مَالِيَهْ ۜ

Ma fortune ne m'a servi à rien.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُهُمْ كِتَابَهُ فِي العَرَصات بِشَمَالِهِ، فَحِينَئِذٍ يَنْدَمُ غَايَةَ النَّدَمِ، فَيَقُولُ: ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي مَوْتَةً لَا حَيَاةَ بَعْدَهَا. وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: تَمَنَّى [[في م: "يعني".]] الْمَوْتَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ فِي الدُّنْيَا أَكْرَهُ إِلَيْهِ مِنْهُ. ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أَيْ: لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي مَالِي وَلَا جَاهِي عذابَ اللَّهِ وبَأسه، بَلْ خَلَص الْأَمْرُ إليَّ وَحْدِي، فَلَا مُعِينَ لِي وَلَا مُجِيرَ. فَعِنْدَهَا يَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيْ: يَأْمُرُ الزَّبَانِيَةَ أَنْ تَأْخُذَهُ عنْفًا مِنَ الْمَحْشَرِ، فَتَغُله، أَيْ: تَضَعُ الْأَغْلَالَ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ تُورده إِلَى جَهَنَّمَ فَتُصِلِيهِ إِيَّاهَا، أَيْ: تَغْمُرُهُ فِيهَا. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا: أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنِ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِذَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ ﴿خُذُوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِنَّ الْمَلَكَ مِنْهُمْ لَيَقُولُ هَكَذَا، فَيُلْقِي سَبْعِينَ أَلْفًا فِي النَّارِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي "الْأَهْوَالِ": أَنَّهُ يَبْتَدِرُهُ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ، وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ إِلَّا دَقَه، فَيَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ الرَّبَّ عَلَيْكَ غَضْبَانُ، فَكُلُّ شَيْءٍ غَضْبَانٌ عَلَيْكَ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ -هُوَ ابْنُ عِيَاضٍ-: إِذَا قَالَ الرَّبُّ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ ألفا مَلَكٍ، أَيُّهُمْ يَجْعَلُ الْغُلَّ فِي عُنُقِهِ. ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيِ: اغْمُرُوهُ فِيهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارُ: كُلُّ حَلْقَةٍ مِنْهَا قَدْرُ حَدِيدِ الدُّنْيَا. وَقَالَ العَوفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ: بِذِرَاعِ الْمَلَكِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تَدَخُلُ فِي اسْتِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ، ثُمَّ يُنْظَمُونَ فِيهَا كَمَا يُنَظَمُ الْجَرَادُ فِي الْعُودِ حِينَ يُشْوَى. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُسْلَكُ فِي دُبُرِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَنْخِرَيْهِ، حَتَّى لَا يَقُومَ عَلَى رِجْلَيْهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهُ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ أَنَّ رَصَاصة مِثْلَ هَذِهِ -وَأَشَارَ إِلَى [مِثْلِ] [[زيادة من المسند والترمذي.]] جُمْجُمة-أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ، لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا الليلَ والنهارَ، قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ قَعْرَهَا أَوْ أَصْلَهَا". وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ [[في أ: "سويد بن سعيد".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ [[المسند (٢/١٩٧) وسنن الترمذي برقم (٢٥٨٨) .]] قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أَيْ: لَا يَقُومُ بِحَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَلَا يَنْفَعُ خَلْقَهُ وَيُؤَدِّي حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَلِلْعِبَادِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ حَقُّ الْإِحْسَانِ وَالْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَقُبِضَ النَّبَيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "الصَّلَاةَ، وما ملكت أيمانكم" [[جاء من حديث أنس، وعلي وأم سلمة، وسفينة، رضي الله عنهم، وحديث علي، رضي الله عنه: "كان آخر كلام النبي صلى الله عليه وسلم ... " فذكره، رواه الإمام أحمد في المسند (١/٧٨) وأبو داود في السنن برقم (٥١٥٤) .]] . وقوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ لَا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ مَنْ يُنْقِذُهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، لَا حَمِيمٌ -وَهُوَ الْقَرِيبُ-وَلَا شَفِيعٌ يُطَاعُ، وَلَا طَعَامٌ له هاهنا إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ. قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ شَرُّ طَعَامِ أَهْلِ النَّارِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ، وَالضَّحَّاكُ: هُوَ شَجَرَةٌ فِي جَهَنَّمَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدَّبُ، عَنْ خُصَيف، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا الْغِسْلِينُ، وَلَكِنِّي أَظُنُّهُ الزَّقُّومَ. وَقَالَ شَبِيب بْنُ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْغِسْلِينُ: الدَّمُ وَالْمَاءُ يَسِيلُ مِنْ لُحُومِهِمْ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ: الْغِسْلِينُ: صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) ﴾ يقول تعالى ذكره: وأما من أعطي يومئذ كتاب أعماله بشماله، فيقول: يا ليتني لم أعط كتابيه، ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ يقول: ولم أدر أيّ شيء حسابيه. * * وقوله: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ يقول: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كلّ ما بعدها، ولم يكن بعدها حياة ولا بعث؛ والقضاء: وهو الفراغ. وقيل: إنه تمنَّى الموت الذي يقضي عليه، فتخرج منه نفسه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ : تمنى الموت، ولم يكن في الدنيا شيء أكره عنده من الموت. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ : الموت.

Al-Mukhtasar (français)

Ma richesse n’a aucunement repoussé de moi le châtiment d’Allah.

29

هَلَكَ عَنِّى سُلْطَٰنِيَهْ

Mon autorité est anéantie et m'a quitté!»

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُهُمْ كِتَابَهُ فِي العَرَصات بِشَمَالِهِ، فَحِينَئِذٍ يَنْدَمُ غَايَةَ النَّدَمِ، فَيَقُولُ: ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي مَوْتَةً لَا حَيَاةَ بَعْدَهَا. وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: تَمَنَّى [[في م: "يعني".]] الْمَوْتَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ فِي الدُّنْيَا أَكْرَهُ إِلَيْهِ مِنْهُ. ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أَيْ: لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي مَالِي وَلَا جَاهِي عذابَ اللَّهِ وبَأسه، بَلْ خَلَص الْأَمْرُ إليَّ وَحْدِي، فَلَا مُعِينَ لِي وَلَا مُجِيرَ. فَعِنْدَهَا يَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيْ: يَأْمُرُ الزَّبَانِيَةَ أَنْ تَأْخُذَهُ عنْفًا مِنَ الْمَحْشَرِ، فَتَغُله، أَيْ: تَضَعُ الْأَغْلَالَ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ تُورده إِلَى جَهَنَّمَ فَتُصِلِيهِ إِيَّاهَا، أَيْ: تَغْمُرُهُ فِيهَا. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا: أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنِ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِذَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ ﴿خُذُوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِنَّ الْمَلَكَ مِنْهُمْ لَيَقُولُ هَكَذَا، فَيُلْقِي سَبْعِينَ أَلْفًا فِي النَّارِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي "الْأَهْوَالِ": أَنَّهُ يَبْتَدِرُهُ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ، وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ إِلَّا دَقَه، فَيَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ الرَّبَّ عَلَيْكَ غَضْبَانُ، فَكُلُّ شَيْءٍ غَضْبَانٌ عَلَيْكَ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ -هُوَ ابْنُ عِيَاضٍ-: إِذَا قَالَ الرَّبُّ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ ألفا مَلَكٍ، أَيُّهُمْ يَجْعَلُ الْغُلَّ فِي عُنُقِهِ. ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيِ: اغْمُرُوهُ فِيهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارُ: كُلُّ حَلْقَةٍ مِنْهَا قَدْرُ حَدِيدِ الدُّنْيَا. وَقَالَ العَوفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ: بِذِرَاعِ الْمَلَكِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تَدَخُلُ فِي اسْتِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ، ثُمَّ يُنْظَمُونَ فِيهَا كَمَا يُنَظَمُ الْجَرَادُ فِي الْعُودِ حِينَ يُشْوَى. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُسْلَكُ فِي دُبُرِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَنْخِرَيْهِ، حَتَّى لَا يَقُومَ عَلَى رِجْلَيْهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهُ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ أَنَّ رَصَاصة مِثْلَ هَذِهِ -وَأَشَارَ إِلَى [مِثْلِ] [[زيادة من المسند والترمذي.]] جُمْجُمة-أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ، لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا الليلَ والنهارَ، قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ قَعْرَهَا أَوْ أَصْلَهَا". وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ [[في أ: "سويد بن سعيد".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ [[المسند (٢/١٩٧) وسنن الترمذي برقم (٢٥٨٨) .]] قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أَيْ: لَا يَقُومُ بِحَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَلَا يَنْفَعُ خَلْقَهُ وَيُؤَدِّي حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَلِلْعِبَادِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ حَقُّ الْإِحْسَانِ وَالْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَقُبِضَ النَّبَيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "الصَّلَاةَ، وما ملكت أيمانكم" [[جاء من حديث أنس، وعلي وأم سلمة، وسفينة، رضي الله عنهم، وحديث علي، رضي الله عنه: "كان آخر كلام النبي صلى الله عليه وسلم ... " فذكره، رواه الإمام أحمد في المسند (١/٧٨) وأبو داود في السنن برقم (٥١٥٤) .]] . وقوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ لَا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ مَنْ يُنْقِذُهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، لَا حَمِيمٌ -وَهُوَ الْقَرِيبُ-وَلَا شَفِيعٌ يُطَاعُ، وَلَا طَعَامٌ له هاهنا إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ. قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ شَرُّ طَعَامِ أَهْلِ النَّارِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ، وَالضَّحَّاكُ: هُوَ شَجَرَةٌ فِي جَهَنَّمَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدَّبُ، عَنْ خُصَيف، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا الْغِسْلِينُ، وَلَكِنِّي أَظُنُّهُ الزَّقُّومَ. وَقَالَ شَبِيب بْنُ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْغِسْلِينُ: الدَّمُ وَالْمَاءُ يَسِيلُ مِنْ لُحُومِهِمْ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ: الْغِسْلِينُ: صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الذي أوتي كتابه بشماله: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ يعني أنه لم يدفع عنه ماله الذي كان يملكه في الدنيا من عذاب الله شيئا، ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ يقول: ذهبت عني حججي، وضلت، فلا حجة لي أحتجّ بها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ يقول: ضلت عني كلّ بينة فلم تغن عني شيئا. ⁕ حدثني عبد الرحمن بن الأسود الطُّفاويّ، قال: ثنا محمد بن ربيعة، عن النضر بن عربيّ، قال: سمعت عكرِمة يقول: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ قال: حُجتي. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿هلك عني سلطانية﴾ قال: حُجتي. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ : أما والله ما كلّ من دخل النار كان أمير قرية يجبيها، ولكن الله خلقهم، وسلطهم على أقرانهم، وأمرهم بطاعة الله، ونهاهم عن معصية الله. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ يقول: بينتي ضلَّت عني. وقال آخرون: عني بالسلطان في هذا الموضع: الملك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ قال: سلطان الدنيا. * * وقوله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ يقول تعالى ذكره لملائكته من خزّان جهنم: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ يقول: ثم في نار جهنم أوردوه ليصلى فيها، (فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ) يقول: ثم اسلكوه في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا، بذراع الله أعلم بقدر طولها وقيل: إنها تدخل في دُبُره، ثم تخرج من منخريه. وقال بعضهم: تدخل في فيه، وتخرج من دبره. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن نسير بن ذعلوق، قال: سمعت نوفا يقول: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ قال: كلّ ذراع سبعون باعا، الباع: أبعد ما بينك وبين مكة. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، قال: ثني نسير، قال: سمعت نوفا يقول في رحبة الكوفة، في إمارة مصعب بن الزبير، في قوله: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ قال: الذراع: سبعون باعا، الباع: أبعد ما بينك وبين مكة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن نسير بن ذعلوق أبي طعمة، عن نوف البكالي ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ قال: كلّ ذراع سبعون باعا، كلّ باع أبعد مما بينك وبين مكة، وهو يومئذ في مسجد الكوفة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ قال: بذراع الملك فاسلكوه، قال: تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه، حتى لا يقوم على رجليه. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يعمر بن بشير المنقري، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال، قال رسول الله ﷺ: "لَوْ أنَّ رُصَاصَةً مِثْلَ هَذِهِ، وأشار إلى جمجمة، أُرْسِلَتْ مِنْ السَّماء إلى الأرْض، وَهَي مَسِيَرةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الأرْضَ قَبْلَ اللَّيْل، وَلَوْ أنَّها أُرْسِلَتْ مِنْ رأس السّلْسِلَةِ لَسَارَتْ أرْبَعِينَ خَرِيفا اللَّيْلَ والنَّهارَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ قَعْرَها أوْ أصْلَها". ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن ابن المبارك، عن مجاهد، عن جُويبر، عن الضحاك، ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ قال: السلك: أن تدخل السلسلة في فيه، وتخرج من دبره. وقيل: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ وإنما تسلك السلسلة في فيه، كما قالت العرب: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل القلنسوة في الرأس، وكما قال الأعشى: إذَا ما السَّرَابُ ارْتَدَى بالأكَمْ [[هذا عجز بيت لأعشى بني قيس ثعلبة، من قصيدة له، يمدح بها قيس بن معد يكرب (٣٥) وما بعدها، ورواية البيت كله كما في الديوان: غَضُوبٌ مِنَ السَّيْفِ زَيَّافَة..... ... إذا ما ارْتَدَى بالسَّرابِ الأكَمْ على رواية المؤلف يكون في البيت قلب؛ لأن المعنى: إذا ارتدى الأكم بالسراب، كما في رواية الديوان. وأما على رواية الديوان فلا قلب. وقد جعل المؤلف على روايته القلب في البيت نظير ما في قوله تعالى: (ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه) قال: تسلك السلسلة في فيه، كما قالت العرب: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل القلنسوة في الرأس. وإنما قيل ذلك كذلك؛ لمعرفة السامعين معناه، وأنه لا يشكل على سامعه ما أراد قائله. اهـ.]] وإنما يرتدي الأكم بالسراب وما أشبه ذلك، وإنما قيل ذلك كذلك لمعرفة السامعين معناه، وإنه لا يشكل على سامعه ما أراد قائله. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ يقول: افعلوا ذلك به جزاء له على كفره بالله في الدنيا، إنه كان لا يصدّق بوحدانية الله العظيم.

Al-Mukhtasar (français)

De plus, mon éloquence, la force et le prestige sur lesquels je m’appuyais ont disparu.

30

خُذُوهُ فَغُلُّوهُ

«Saisissez-le! Puis, mettez-lui un carcan;

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُهُمْ كِتَابَهُ فِي العَرَصات بِشَمَالِهِ، فَحِينَئِذٍ يَنْدَمُ غَايَةَ النَّدَمِ، فَيَقُولُ: ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي مَوْتَةً لَا حَيَاةَ بَعْدَهَا. وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: تَمَنَّى [[في م: "يعني".]] الْمَوْتَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ فِي الدُّنْيَا أَكْرَهُ إِلَيْهِ مِنْهُ. ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أَيْ: لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي مَالِي وَلَا جَاهِي عذابَ اللَّهِ وبَأسه، بَلْ خَلَص الْأَمْرُ إليَّ وَحْدِي، فَلَا مُعِينَ لِي وَلَا مُجِيرَ. فَعِنْدَهَا يَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيْ: يَأْمُرُ الزَّبَانِيَةَ أَنْ تَأْخُذَهُ عنْفًا مِنَ الْمَحْشَرِ، فَتَغُله، أَيْ: تَضَعُ الْأَغْلَالَ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ تُورده إِلَى جَهَنَّمَ فَتُصِلِيهِ إِيَّاهَا، أَيْ: تَغْمُرُهُ فِيهَا. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا: أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنِ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِذَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ ﴿خُذُوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِنَّ الْمَلَكَ مِنْهُمْ لَيَقُولُ هَكَذَا، فَيُلْقِي سَبْعِينَ أَلْفًا فِي النَّارِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي "الْأَهْوَالِ": أَنَّهُ يَبْتَدِرُهُ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ، وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ إِلَّا دَقَه، فَيَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ الرَّبَّ عَلَيْكَ غَضْبَانُ، فَكُلُّ شَيْءٍ غَضْبَانٌ عَلَيْكَ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ -هُوَ ابْنُ عِيَاضٍ-: إِذَا قَالَ الرَّبُّ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ ألفا مَلَكٍ، أَيُّهُمْ يَجْعَلُ الْغُلَّ فِي عُنُقِهِ. ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيِ: اغْمُرُوهُ فِيهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارُ: كُلُّ حَلْقَةٍ مِنْهَا قَدْرُ حَدِيدِ الدُّنْيَا. وَقَالَ العَوفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ: بِذِرَاعِ الْمَلَكِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تَدَخُلُ فِي اسْتِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ، ثُمَّ يُنْظَمُونَ فِيهَا كَمَا يُنَظَمُ الْجَرَادُ فِي الْعُودِ حِينَ يُشْوَى. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُسْلَكُ فِي دُبُرِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَنْخِرَيْهِ، حَتَّى لَا يَقُومَ عَلَى رِجْلَيْهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهُ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ أَنَّ رَصَاصة مِثْلَ هَذِهِ -وَأَشَارَ إِلَى [مِثْلِ] [[زيادة من المسند والترمذي.]] جُمْجُمة-أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ، لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا الليلَ والنهارَ، قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ قَعْرَهَا أَوْ أَصْلَهَا". وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ [[في أ: "سويد بن سعيد".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ [[المسند (٢/١٩٧) وسنن الترمذي برقم (٢٥٨٨) .]] قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أَيْ: لَا يَقُومُ بِحَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَلَا يَنْفَعُ خَلْقَهُ وَيُؤَدِّي حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَلِلْعِبَادِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ حَقُّ الْإِحْسَانِ وَالْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَقُبِضَ النَّبَيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "الصَّلَاةَ، وما ملكت أيمانكم" [[جاء من حديث أنس، وعلي وأم سلمة، وسفينة، رضي الله عنهم، وحديث علي، رضي الله عنه: "كان آخر كلام النبي صلى الله عليه وسلم ... " فذكره، رواه الإمام أحمد في المسند (١/٧٨) وأبو داود في السنن برقم (٥١٥٤) .]] . وقوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ لَا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ مَنْ يُنْقِذُهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، لَا حَمِيمٌ -وَهُوَ الْقَرِيبُ-وَلَا شَفِيعٌ يُطَاعُ، وَلَا طَعَامٌ له هاهنا إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ. قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ شَرُّ طَعَامِ أَهْلِ النَّارِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ، وَالضَّحَّاكُ: هُوَ شَجَرَةٌ فِي جَهَنَّمَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدَّبُ، عَنْ خُصَيف، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا الْغِسْلِينُ، وَلَكِنِّي أَظُنُّهُ الزَّقُّومَ. وَقَالَ شَبِيب بْنُ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْغِسْلِينُ: الدَّمُ وَالْمَاءُ يَسِيلُ مِنْ لُحُومِهِمْ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ: الْغِسْلِينُ: صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الذي أوتي كتابه بشماله: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ يعني أنه لم يدفع عنه ماله الذي كان يملكه في الدنيا من عذاب الله شيئا، ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ يقول: ذهبت عني حججي، وضلت، فلا حجة لي أحتجّ بها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ يقول: ضلت عني كلّ بينة فلم تغن عني شيئا. ⁕ حدثني عبد الرحمن بن الأسود الطُّفاويّ، قال: ثنا محمد بن ربيعة، عن النضر بن عربيّ، قال: سمعت عكرِمة يقول: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ قال: حُجتي. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿هلك عني سلطانية﴾ قال: حُجتي. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ : أما والله ما كلّ من دخل النار كان أمير قرية يجبيها، ولكن الله خلقهم، وسلطهم على أقرانهم، وأمرهم بطاعة الله، ونهاهم عن معصية الله. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ يقول: بينتي ضلَّت عني. وقال آخرون: عني بالسلطان في هذا الموضع: الملك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ قال: سلطان الدنيا. * * وقوله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ يقول تعالى ذكره لملائكته من خزّان جهنم: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ يقول: ثم في نار جهنم أوردوه ليصلى فيها، (فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ) يقول: ثم اسلكوه في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا، بذراع الله أعلم بقدر طولها وقيل: إنها تدخل في دُبُره، ثم تخرج من منخريه. وقال بعضهم: تدخل في فيه، وتخرج من دبره. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن نسير بن ذعلوق، قال: سمعت نوفا يقول: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ قال: كلّ ذراع سبعون باعا، الباع: أبعد ما بينك وبين مكة. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، قال: ثني نسير، قال: سمعت نوفا يقول في رحبة الكوفة، في إمارة مصعب بن الزبير، في قوله: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ قال: الذراع: سبعون باعا، الباع: أبعد ما بينك وبين مكة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن نسير بن ذعلوق أبي طعمة، عن نوف البكالي ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ قال: كلّ ذراع سبعون باعا، كلّ باع أبعد مما بينك وبين مكة، وهو يومئذ في مسجد الكوفة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ قال: بذراع الملك فاسلكوه، قال: تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه، حتى لا يقوم على رجليه. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يعمر بن بشير المنقري، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال، قال رسول الله ﷺ: "لَوْ أنَّ رُصَاصَةً مِثْلَ هَذِهِ، وأشار إلى جمجمة، أُرْسِلَتْ مِنْ السَّماء إلى الأرْض، وَهَي مَسِيَرةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الأرْضَ قَبْلَ اللَّيْل، وَلَوْ أنَّها أُرْسِلَتْ مِنْ رأس السّلْسِلَةِ لَسَارَتْ أرْبَعِينَ خَرِيفا اللَّيْلَ والنَّهارَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ قَعْرَها أوْ أصْلَها". ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن ابن المبارك، عن مجاهد، عن جُويبر، عن الضحاك، ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ قال: السلك: أن تدخل السلسلة في فيه، وتخرج من دبره. وقيل: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ وإنما تسلك السلسلة في فيه، كما قالت العرب: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل القلنسوة في الرأس، وكما قال الأعشى: إذَا ما السَّرَابُ ارْتَدَى بالأكَمْ [[هذا عجز بيت لأعشى بني قيس ثعلبة، من قصيدة له، يمدح بها قيس بن معد يكرب (٣٥) وما بعدها، ورواية البيت كله كما في الديوان: غَضُوبٌ مِنَ السَّيْفِ زَيَّافَة..... ... إذا ما ارْتَدَى بالسَّرابِ الأكَمْ على رواية المؤلف يكون في البيت قلب؛ لأن المعنى: إذا ارتدى الأكم بالسراب، كما في رواية الديوان. وأما على رواية الديوان فلا قلب. وقد جعل المؤلف على روايته القلب في البيت نظير ما في قوله تعالى: (ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه) قال: تسلك السلسلة في فيه، كما قالت العرب: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل القلنسوة في الرأس. وإنما قيل ذلك كذلك؛ لمعرفة السامعين معناه، وأنه لا يشكل على سامعه ما أراد قائله. اهـ.]] وإنما يرتدي الأكم بالسراب وما أشبه ذلك، وإنما قيل ذلك كذلك لمعرفة السامعين معناه، وإنه لا يشكل على سامعه ما أراد قائله. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ يقول: افعلوا ذلك به جزاء له على كفره بالله في الدنيا، إنه كان لا يصدّق بوحدانية الله العظيم.

Al-Mukhtasar (français)

On dira alors: Saisissez-le, ô anges, et joignez ses mains à son cou.

31

ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ

ensuite, brûlez-le dans la Fournaise;

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُهُمْ كِتَابَهُ فِي العَرَصات بِشَمَالِهِ، فَحِينَئِذٍ يَنْدَمُ غَايَةَ النَّدَمِ، فَيَقُولُ: ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي مَوْتَةً لَا حَيَاةَ بَعْدَهَا. وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: تَمَنَّى [[في م: "يعني".]] الْمَوْتَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ فِي الدُّنْيَا أَكْرَهُ إِلَيْهِ مِنْهُ. ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أَيْ: لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي مَالِي وَلَا جَاهِي عذابَ اللَّهِ وبَأسه، بَلْ خَلَص الْأَمْرُ إليَّ وَحْدِي، فَلَا مُعِينَ لِي وَلَا مُجِيرَ. فَعِنْدَهَا يَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيْ: يَأْمُرُ الزَّبَانِيَةَ أَنْ تَأْخُذَهُ عنْفًا مِنَ الْمَحْشَرِ، فَتَغُله، أَيْ: تَضَعُ الْأَغْلَالَ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ تُورده إِلَى جَهَنَّمَ فَتُصِلِيهِ إِيَّاهَا، أَيْ: تَغْمُرُهُ فِيهَا. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا: أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنِ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِذَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ ﴿خُذُوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِنَّ الْمَلَكَ مِنْهُمْ لَيَقُولُ هَكَذَا، فَيُلْقِي سَبْعِينَ أَلْفًا فِي النَّارِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي "الْأَهْوَالِ": أَنَّهُ يَبْتَدِرُهُ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ، وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ إِلَّا دَقَه، فَيَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ الرَّبَّ عَلَيْكَ غَضْبَانُ، فَكُلُّ شَيْءٍ غَضْبَانٌ عَلَيْكَ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ -هُوَ ابْنُ عِيَاضٍ-: إِذَا قَالَ الرَّبُّ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ ألفا مَلَكٍ، أَيُّهُمْ يَجْعَلُ الْغُلَّ فِي عُنُقِهِ. ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيِ: اغْمُرُوهُ فِيهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارُ: كُلُّ حَلْقَةٍ مِنْهَا قَدْرُ حَدِيدِ الدُّنْيَا. وَقَالَ العَوفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ: بِذِرَاعِ الْمَلَكِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تَدَخُلُ فِي اسْتِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ، ثُمَّ يُنْظَمُونَ فِيهَا كَمَا يُنَظَمُ الْجَرَادُ فِي الْعُودِ حِينَ يُشْوَى. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُسْلَكُ فِي دُبُرِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَنْخِرَيْهِ، حَتَّى لَا يَقُومَ عَلَى رِجْلَيْهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهُ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ أَنَّ رَصَاصة مِثْلَ هَذِهِ -وَأَشَارَ إِلَى [مِثْلِ] [[زيادة من المسند والترمذي.]] جُمْجُمة-أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ، لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا الليلَ والنهارَ، قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ قَعْرَهَا أَوْ أَصْلَهَا". وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ [[في أ: "سويد بن سعيد".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ [[المسند (٢/١٩٧) وسنن الترمذي برقم (٢٥٨٨) .]] قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أَيْ: لَا يَقُومُ بِحَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَلَا يَنْفَعُ خَلْقَهُ وَيُؤَدِّي حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَلِلْعِبَادِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ حَقُّ الْإِحْسَانِ وَالْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَقُبِضَ النَّبَيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "الصَّلَاةَ، وما ملكت أيمانكم" [[جاء من حديث أنس، وعلي وأم سلمة، وسفينة، رضي الله عنهم، وحديث علي، رضي الله عنه: "كان آخر كلام النبي صلى الله عليه وسلم ... " فذكره، رواه الإمام أحمد في المسند (١/٧٨) وأبو داود في السنن برقم (٥١٥٤) .]] . وقوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ لَا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ مَنْ يُنْقِذُهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، لَا حَمِيمٌ -وَهُوَ الْقَرِيبُ-وَلَا شَفِيعٌ يُطَاعُ، وَلَا طَعَامٌ له هاهنا إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ. قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ شَرُّ طَعَامِ أَهْلِ النَّارِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ، وَالضَّحَّاكُ: هُوَ شَجَرَةٌ فِي جَهَنَّمَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدَّبُ، عَنْ خُصَيف، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا الْغِسْلِينُ، وَلَكِنِّي أَظُنُّهُ الزَّقُّومَ. وَقَالَ شَبِيب بْنُ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْغِسْلِينُ: الدَّمُ وَالْمَاءُ يَسِيلُ مِنْ لُحُومِهِمْ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ: الْغِسْلِينُ: صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الذي أوتي كتابه بشماله: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ يعني أنه لم يدفع عنه ماله الذي كان يملكه في الدنيا من عذاب الله شيئا، ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ يقول: ذهبت عني حججي، وضلت، فلا حجة لي أحتجّ بها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ يقول: ضلت عني كلّ بينة فلم تغن عني شيئا. ⁕ حدثني عبد الرحمن بن الأسود الطُّفاويّ، قال: ثنا محمد بن ربيعة، عن النضر بن عربيّ، قال: سمعت عكرِمة يقول: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ قال: حُجتي. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿هلك عني سلطانية﴾ قال: حُجتي. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ : أما والله ما كلّ من دخل النار كان أمير قرية يجبيها، ولكن الله خلقهم، وسلطهم على أقرانهم، وأمرهم بطاعة الله، ونهاهم عن معصية الله. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ يقول: بينتي ضلَّت عني. وقال آخرون: عني بالسلطان في هذا الموضع: الملك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ قال: سلطان الدنيا. * * وقوله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ يقول تعالى ذكره لملائكته من خزّان جهنم: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ يقول: ثم في نار جهنم أوردوه ليصلى فيها، (فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ) يقول: ثم اسلكوه في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا، بذراع الله أعلم بقدر طولها وقيل: إنها تدخل في دُبُره، ثم تخرج من منخريه. وقال بعضهم: تدخل في فيه، وتخرج من دبره. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن نسير بن ذعلوق، قال: سمعت نوفا يقول: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ قال: كلّ ذراع سبعون باعا، الباع: أبعد ما بينك وبين مكة. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، قال: ثني نسير، قال: سمعت نوفا يقول في رحبة الكوفة، في إمارة مصعب بن الزبير، في قوله: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ قال: الذراع: سبعون باعا، الباع: أبعد ما بينك وبين مكة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن نسير بن ذعلوق أبي طعمة، عن نوف البكالي ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ قال: كلّ ذراع سبعون باعا، كلّ باع أبعد مما بينك وبين مكة، وهو يومئذ في مسجد الكوفة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ قال: بذراع الملك فاسلكوه، قال: تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه، حتى لا يقوم على رجليه. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يعمر بن بشير المنقري، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال، قال رسول الله ﷺ: "لَوْ أنَّ رُصَاصَةً مِثْلَ هَذِهِ، وأشار إلى جمجمة، أُرْسِلَتْ مِنْ السَّماء إلى الأرْض، وَهَي مَسِيَرةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الأرْضَ قَبْلَ اللَّيْل، وَلَوْ أنَّها أُرْسِلَتْ مِنْ رأس السّلْسِلَةِ لَسَارَتْ أرْبَعِينَ خَرِيفا اللَّيْلَ والنَّهارَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ قَعْرَها أوْ أصْلَها". ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن ابن المبارك، عن مجاهد، عن جُويبر، عن الضحاك، ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ قال: السلك: أن تدخل السلسلة في فيه، وتخرج من دبره. وقيل: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ وإنما تسلك السلسلة في فيه، كما قالت العرب: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل القلنسوة في الرأس، وكما قال الأعشى: إذَا ما السَّرَابُ ارْتَدَى بالأكَمْ [[هذا عجز بيت لأعشى بني قيس ثعلبة، من قصيدة له، يمدح بها قيس بن معد يكرب (٣٥) وما بعدها، ورواية البيت كله كما في الديوان: غَضُوبٌ مِنَ السَّيْفِ زَيَّافَة..... ... إذا ما ارْتَدَى بالسَّرابِ الأكَمْ على رواية المؤلف يكون في البيت قلب؛ لأن المعنى: إذا ارتدى الأكم بالسراب، كما في رواية الديوان. وأما على رواية الديوان فلا قلب. وقد جعل المؤلف على روايته القلب في البيت نظير ما في قوله تعالى: (ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه) قال: تسلك السلسلة في فيه، كما قالت العرب: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل القلنسوة في الرأس. وإنما قيل ذلك كذلك؛ لمعرفة السامعين معناه، وأنه لا يشكل على سامعه ما أراد قائله. اهـ.]] وإنما يرتدي الأكم بالسراب وما أشبه ذلك، وإنما قيل ذلك كذلك لمعرفة السامعين معناه، وإنه لا يشكل على سامعه ما أراد قائله. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ يقول: افعلوا ذلك به جزاء له على كفره بالله في الدنيا، إنه كان لا يصدّق بوحدانية الله العظيم.

Al-Mukhtasar (français)

Puis introduisez-le dans le Feu afin qu’il endure sa chaleur.

32

ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍۢ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًۭا فَٱسْلُكُوهُ

puis, liez-le avec une chaîne de soixante-dix coudées,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُهُمْ كِتَابَهُ فِي العَرَصات بِشَمَالِهِ، فَحِينَئِذٍ يَنْدَمُ غَايَةَ النَّدَمِ، فَيَقُولُ: ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي مَوْتَةً لَا حَيَاةَ بَعْدَهَا. وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: تَمَنَّى [[في م: "يعني".]] الْمَوْتَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ فِي الدُّنْيَا أَكْرَهُ إِلَيْهِ مِنْهُ. ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أَيْ: لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي مَالِي وَلَا جَاهِي عذابَ اللَّهِ وبَأسه، بَلْ خَلَص الْأَمْرُ إليَّ وَحْدِي، فَلَا مُعِينَ لِي وَلَا مُجِيرَ. فَعِنْدَهَا يَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيْ: يَأْمُرُ الزَّبَانِيَةَ أَنْ تَأْخُذَهُ عنْفًا مِنَ الْمَحْشَرِ، فَتَغُله، أَيْ: تَضَعُ الْأَغْلَالَ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ تُورده إِلَى جَهَنَّمَ فَتُصِلِيهِ إِيَّاهَا، أَيْ: تَغْمُرُهُ فِيهَا. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا: أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنِ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِذَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ ﴿خُذُوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِنَّ الْمَلَكَ مِنْهُمْ لَيَقُولُ هَكَذَا، فَيُلْقِي سَبْعِينَ أَلْفًا فِي النَّارِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي "الْأَهْوَالِ": أَنَّهُ يَبْتَدِرُهُ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ، وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ إِلَّا دَقَه، فَيَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ الرَّبَّ عَلَيْكَ غَضْبَانُ، فَكُلُّ شَيْءٍ غَضْبَانٌ عَلَيْكَ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ -هُوَ ابْنُ عِيَاضٍ-: إِذَا قَالَ الرَّبُّ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ ألفا مَلَكٍ، أَيُّهُمْ يَجْعَلُ الْغُلَّ فِي عُنُقِهِ. ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيِ: اغْمُرُوهُ فِيهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارُ: كُلُّ حَلْقَةٍ مِنْهَا قَدْرُ حَدِيدِ الدُّنْيَا. وَقَالَ العَوفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ: بِذِرَاعِ الْمَلَكِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تَدَخُلُ فِي اسْتِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ، ثُمَّ يُنْظَمُونَ فِيهَا كَمَا يُنَظَمُ الْجَرَادُ فِي الْعُودِ حِينَ يُشْوَى. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُسْلَكُ فِي دُبُرِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَنْخِرَيْهِ، حَتَّى لَا يَقُومَ عَلَى رِجْلَيْهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهُ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ أَنَّ رَصَاصة مِثْلَ هَذِهِ -وَأَشَارَ إِلَى [مِثْلِ] [[زيادة من المسند والترمذي.]] جُمْجُمة-أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ، لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا الليلَ والنهارَ، قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ قَعْرَهَا أَوْ أَصْلَهَا". وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ [[في أ: "سويد بن سعيد".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ [[المسند (٢/١٩٧) وسنن الترمذي برقم (٢٥٨٨) .]] قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أَيْ: لَا يَقُومُ بِحَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَلَا يَنْفَعُ خَلْقَهُ وَيُؤَدِّي حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَلِلْعِبَادِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ حَقُّ الْإِحْسَانِ وَالْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَقُبِضَ النَّبَيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "الصَّلَاةَ، وما ملكت أيمانكم" [[جاء من حديث أنس، وعلي وأم سلمة، وسفينة، رضي الله عنهم، وحديث علي، رضي الله عنه: "كان آخر كلام النبي صلى الله عليه وسلم ... " فذكره، رواه الإمام أحمد في المسند (١/٧٨) وأبو داود في السنن برقم (٥١٥٤) .]] . وقوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ لَا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ مَنْ يُنْقِذُهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، لَا حَمِيمٌ -وَهُوَ الْقَرِيبُ-وَلَا شَفِيعٌ يُطَاعُ، وَلَا طَعَامٌ له هاهنا إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ. قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ شَرُّ طَعَامِ أَهْلِ النَّارِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ، وَالضَّحَّاكُ: هُوَ شَجَرَةٌ فِي جَهَنَّمَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدَّبُ، عَنْ خُصَيف، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا الْغِسْلِينُ، وَلَكِنِّي أَظُنُّهُ الزَّقُّومَ. وَقَالَ شَبِيب بْنُ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْغِسْلِينُ: الدَّمُ وَالْمَاءُ يَسِيلُ مِنْ لُحُومِهِمْ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ: الْغِسْلِينُ: صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الذي أوتي كتابه بشماله: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ يعني أنه لم يدفع عنه ماله الذي كان يملكه في الدنيا من عذاب الله شيئا، ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ يقول: ذهبت عني حججي، وضلت، فلا حجة لي أحتجّ بها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ يقول: ضلت عني كلّ بينة فلم تغن عني شيئا. ⁕ حدثني عبد الرحمن بن الأسود الطُّفاويّ، قال: ثنا محمد بن ربيعة، عن النضر بن عربيّ، قال: سمعت عكرِمة يقول: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ قال: حُجتي. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿هلك عني سلطانية﴾ قال: حُجتي. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ : أما والله ما كلّ من دخل النار كان أمير قرية يجبيها، ولكن الله خلقهم، وسلطهم على أقرانهم، وأمرهم بطاعة الله، ونهاهم عن معصية الله. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ يقول: بينتي ضلَّت عني. وقال آخرون: عني بالسلطان في هذا الموضع: الملك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ قال: سلطان الدنيا. * * وقوله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ يقول تعالى ذكره لملائكته من خزّان جهنم: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ يقول: ثم في نار جهنم أوردوه ليصلى فيها، (فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ) يقول: ثم اسلكوه في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا، بذراع الله أعلم بقدر طولها وقيل: إنها تدخل في دُبُره، ثم تخرج من منخريه. وقال بعضهم: تدخل في فيه، وتخرج من دبره. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن نسير بن ذعلوق، قال: سمعت نوفا يقول: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ قال: كلّ ذراع سبعون باعا، الباع: أبعد ما بينك وبين مكة. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، قال: ثني نسير، قال: سمعت نوفا يقول في رحبة الكوفة، في إمارة مصعب بن الزبير، في قوله: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ قال: الذراع: سبعون باعا، الباع: أبعد ما بينك وبين مكة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن نسير بن ذعلوق أبي طعمة، عن نوف البكالي ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ قال: كلّ ذراع سبعون باعا، كلّ باع أبعد مما بينك وبين مكة، وهو يومئذ في مسجد الكوفة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ قال: بذراع الملك فاسلكوه، قال: تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه، حتى لا يقوم على رجليه. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يعمر بن بشير المنقري، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال، قال رسول الله ﷺ: "لَوْ أنَّ رُصَاصَةً مِثْلَ هَذِهِ، وأشار إلى جمجمة، أُرْسِلَتْ مِنْ السَّماء إلى الأرْض، وَهَي مَسِيَرةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الأرْضَ قَبْلَ اللَّيْل، وَلَوْ أنَّها أُرْسِلَتْ مِنْ رأس السّلْسِلَةِ لَسَارَتْ أرْبَعِينَ خَرِيفا اللَّيْلَ والنَّهارَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ قَعْرَها أوْ أصْلَها". ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن ابن المبارك، عن مجاهد، عن جُويبر، عن الضحاك، ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ قال: السلك: أن تدخل السلسلة في فيه، وتخرج من دبره. وقيل: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ وإنما تسلك السلسلة في فيه، كما قالت العرب: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل القلنسوة في الرأس، وكما قال الأعشى: إذَا ما السَّرَابُ ارْتَدَى بالأكَمْ [[هذا عجز بيت لأعشى بني قيس ثعلبة، من قصيدة له، يمدح بها قيس بن معد يكرب (٣٥) وما بعدها، ورواية البيت كله كما في الديوان: غَضُوبٌ مِنَ السَّيْفِ زَيَّافَة..... ... إذا ما ارْتَدَى بالسَّرابِ الأكَمْ على رواية المؤلف يكون في البيت قلب؛ لأن المعنى: إذا ارتدى الأكم بالسراب، كما في رواية الديوان. وأما على رواية الديوان فلا قلب. وقد جعل المؤلف على روايته القلب في البيت نظير ما في قوله تعالى: (ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه) قال: تسلك السلسلة في فيه، كما قالت العرب: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل القلنسوة في الرأس. وإنما قيل ذلك كذلك؛ لمعرفة السامعين معناه، وأنه لا يشكل على سامعه ما أراد قائله. اهـ.]] وإنما يرتدي الأكم بالسراب وما أشبه ذلك، وإنما قيل ذلك كذلك لمعرفة السامعين معناه، وإنه لا يشكل على سامعه ما أراد قائله. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ يقول: افعلوا ذلك به جزاء له على كفره بالله في الدنيا، إنه كان لا يصدّق بوحدانية الله العظيم.

Al-Mukhtasar (français)

Ensuite, entravez-le avec une chaîne d’une longueur de soixante-dix coudées.

33

إِنَّهُۥ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ

car il ne croyait pas en Allah, le Très Grand.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُهُمْ كِتَابَهُ فِي العَرَصات بِشَمَالِهِ، فَحِينَئِذٍ يَنْدَمُ غَايَةَ النَّدَمِ، فَيَقُولُ: ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي مَوْتَةً لَا حَيَاةَ بَعْدَهَا. وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: تَمَنَّى [[في م: "يعني".]] الْمَوْتَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ فِي الدُّنْيَا أَكْرَهُ إِلَيْهِ مِنْهُ. ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أَيْ: لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي مَالِي وَلَا جَاهِي عذابَ اللَّهِ وبَأسه، بَلْ خَلَص الْأَمْرُ إليَّ وَحْدِي، فَلَا مُعِينَ لِي وَلَا مُجِيرَ. فَعِنْدَهَا يَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيْ: يَأْمُرُ الزَّبَانِيَةَ أَنْ تَأْخُذَهُ عنْفًا مِنَ الْمَحْشَرِ، فَتَغُله، أَيْ: تَضَعُ الْأَغْلَالَ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ تُورده إِلَى جَهَنَّمَ فَتُصِلِيهِ إِيَّاهَا، أَيْ: تَغْمُرُهُ فِيهَا. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا: أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنِ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِذَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ ﴿خُذُوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِنَّ الْمَلَكَ مِنْهُمْ لَيَقُولُ هَكَذَا، فَيُلْقِي سَبْعِينَ أَلْفًا فِي النَّارِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي "الْأَهْوَالِ": أَنَّهُ يَبْتَدِرُهُ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ، وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ إِلَّا دَقَه، فَيَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ الرَّبَّ عَلَيْكَ غَضْبَانُ، فَكُلُّ شَيْءٍ غَضْبَانٌ عَلَيْكَ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ -هُوَ ابْنُ عِيَاضٍ-: إِذَا قَالَ الرَّبُّ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ ألفا مَلَكٍ، أَيُّهُمْ يَجْعَلُ الْغُلَّ فِي عُنُقِهِ. ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيِ: اغْمُرُوهُ فِيهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارُ: كُلُّ حَلْقَةٍ مِنْهَا قَدْرُ حَدِيدِ الدُّنْيَا. وَقَالَ العَوفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ: بِذِرَاعِ الْمَلَكِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تَدَخُلُ فِي اسْتِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ، ثُمَّ يُنْظَمُونَ فِيهَا كَمَا يُنَظَمُ الْجَرَادُ فِي الْعُودِ حِينَ يُشْوَى. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُسْلَكُ فِي دُبُرِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَنْخِرَيْهِ، حَتَّى لَا يَقُومَ عَلَى رِجْلَيْهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهُ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ أَنَّ رَصَاصة مِثْلَ هَذِهِ -وَأَشَارَ إِلَى [مِثْلِ] [[زيادة من المسند والترمذي.]] جُمْجُمة-أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ، لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا الليلَ والنهارَ، قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ قَعْرَهَا أَوْ أَصْلَهَا". وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ [[في أ: "سويد بن سعيد".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ [[المسند (٢/١٩٧) وسنن الترمذي برقم (٢٥٨٨) .]] قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أَيْ: لَا يَقُومُ بِحَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَلَا يَنْفَعُ خَلْقَهُ وَيُؤَدِّي حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَلِلْعِبَادِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ حَقُّ الْإِحْسَانِ وَالْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَقُبِضَ النَّبَيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "الصَّلَاةَ، وما ملكت أيمانكم" [[جاء من حديث أنس، وعلي وأم سلمة، وسفينة، رضي الله عنهم، وحديث علي، رضي الله عنه: "كان آخر كلام النبي صلى الله عليه وسلم ... " فذكره، رواه الإمام أحمد في المسند (١/٧٨) وأبو داود في السنن برقم (٥١٥٤) .]] . وقوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ لَا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ مَنْ يُنْقِذُهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، لَا حَمِيمٌ -وَهُوَ الْقَرِيبُ-وَلَا شَفِيعٌ يُطَاعُ، وَلَا طَعَامٌ له هاهنا إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ. قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ شَرُّ طَعَامِ أَهْلِ النَّارِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ، وَالضَّحَّاكُ: هُوَ شَجَرَةٌ فِي جَهَنَّمَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدَّبُ، عَنْ خُصَيف، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا الْغِسْلِينُ، وَلَكِنِّي أَظُنُّهُ الزَّقُّومَ. وَقَالَ شَبِيب بْنُ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْغِسْلِينُ: الدَّمُ وَالْمَاءُ يَسِيلُ مِنْ لُحُومِهِمْ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ: الْغِسْلِينُ: صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الذي أوتي كتابه بشماله: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ يعني أنه لم يدفع عنه ماله الذي كان يملكه في الدنيا من عذاب الله شيئا، ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ يقول: ذهبت عني حججي، وضلت، فلا حجة لي أحتجّ بها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ يقول: ضلت عني كلّ بينة فلم تغن عني شيئا. ⁕ حدثني عبد الرحمن بن الأسود الطُّفاويّ، قال: ثنا محمد بن ربيعة، عن النضر بن عربيّ، قال: سمعت عكرِمة يقول: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ قال: حُجتي. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿هلك عني سلطانية﴾ قال: حُجتي. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ : أما والله ما كلّ من دخل النار كان أمير قرية يجبيها، ولكن الله خلقهم، وسلطهم على أقرانهم، وأمرهم بطاعة الله، ونهاهم عن معصية الله. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ يقول: بينتي ضلَّت عني. وقال آخرون: عني بالسلطان في هذا الموضع: الملك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ قال: سلطان الدنيا. * * وقوله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ يقول تعالى ذكره لملائكته من خزّان جهنم: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ يقول: ثم في نار جهنم أوردوه ليصلى فيها، (فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ) يقول: ثم اسلكوه في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا، بذراع الله أعلم بقدر طولها وقيل: إنها تدخل في دُبُره، ثم تخرج من منخريه. وقال بعضهم: تدخل في فيه، وتخرج من دبره. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن نسير بن ذعلوق، قال: سمعت نوفا يقول: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ قال: كلّ ذراع سبعون باعا، الباع: أبعد ما بينك وبين مكة. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، قال: ثني نسير، قال: سمعت نوفا يقول في رحبة الكوفة، في إمارة مصعب بن الزبير، في قوله: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ قال: الذراع: سبعون باعا، الباع: أبعد ما بينك وبين مكة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن نسير بن ذعلوق أبي طعمة، عن نوف البكالي ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ قال: كلّ ذراع سبعون باعا، كلّ باع أبعد مما بينك وبين مكة، وهو يومئذ في مسجد الكوفة. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ قال: بذراع الملك فاسلكوه، قال: تسلك في دُبره حتى تخرج من منخريه، حتى لا يقوم على رجليه. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يعمر بن بشير المنقري، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال، قال رسول الله ﷺ: "لَوْ أنَّ رُصَاصَةً مِثْلَ هَذِهِ، وأشار إلى جمجمة، أُرْسِلَتْ مِنْ السَّماء إلى الأرْض، وَهَي مَسِيَرةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الأرْضَ قَبْلَ اللَّيْل، وَلَوْ أنَّها أُرْسِلَتْ مِنْ رأس السّلْسِلَةِ لَسَارَتْ أرْبَعِينَ خَرِيفا اللَّيْلَ والنَّهارَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ قَعْرَها أوْ أصْلَها". ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن ابن المبارك، عن مجاهد، عن جُويبر، عن الضحاك، ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ قال: السلك: أن تدخل السلسلة في فيه، وتخرج من دبره. وقيل: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ وإنما تسلك السلسلة في فيه، كما قالت العرب: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل القلنسوة في الرأس، وكما قال الأعشى: إذَا ما السَّرَابُ ارْتَدَى بالأكَمْ [[هذا عجز بيت لأعشى بني قيس ثعلبة، من قصيدة له، يمدح بها قيس بن معد يكرب (٣٥) وما بعدها، ورواية البيت كله كما في الديوان: غَضُوبٌ مِنَ السَّيْفِ زَيَّافَة..... ... إذا ما ارْتَدَى بالسَّرابِ الأكَمْ على رواية المؤلف يكون في البيت قلب؛ لأن المعنى: إذا ارتدى الأكم بالسراب، كما في رواية الديوان. وأما على رواية الديوان فلا قلب. وقد جعل المؤلف على روايته القلب في البيت نظير ما في قوله تعالى: (ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه) قال: تسلك السلسلة في فيه، كما قالت العرب: أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل القلنسوة في الرأس. وإنما قيل ذلك كذلك؛ لمعرفة السامعين معناه، وأنه لا يشكل على سامعه ما أراد قائله. اهـ.]] وإنما يرتدي الأكم بالسراب وما أشبه ذلك، وإنما قيل ذلك كذلك لمعرفة السامعين معناه، وإنه لا يشكل على سامعه ما أراد قائله. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ يقول: افعلوا ذلك به جزاء له على كفره بالله في الدنيا، إنه كان لا يصدّق بوحدانية الله العظيم.

Al-Mukhtasar (français)

Ceci, car il ne croyait pas en Allah le Très Grand.

34

وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ

et n'incitait pas à nourrir le pauvre.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُهُمْ كِتَابَهُ فِي العَرَصات بِشَمَالِهِ، فَحِينَئِذٍ يَنْدَمُ غَايَةَ النَّدَمِ، فَيَقُولُ: ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي مَوْتَةً لَا حَيَاةَ بَعْدَهَا. وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: تَمَنَّى [[في م: "يعني".]] الْمَوْتَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ فِي الدُّنْيَا أَكْرَهُ إِلَيْهِ مِنْهُ. ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أَيْ: لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي مَالِي وَلَا جَاهِي عذابَ اللَّهِ وبَأسه، بَلْ خَلَص الْأَمْرُ إليَّ وَحْدِي، فَلَا مُعِينَ لِي وَلَا مُجِيرَ. فَعِنْدَهَا يَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيْ: يَأْمُرُ الزَّبَانِيَةَ أَنْ تَأْخُذَهُ عنْفًا مِنَ الْمَحْشَرِ، فَتَغُله، أَيْ: تَضَعُ الْأَغْلَالَ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ تُورده إِلَى جَهَنَّمَ فَتُصِلِيهِ إِيَّاهَا، أَيْ: تَغْمُرُهُ فِيهَا. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا: أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنِ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِذَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ ﴿خُذُوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِنَّ الْمَلَكَ مِنْهُمْ لَيَقُولُ هَكَذَا، فَيُلْقِي سَبْعِينَ أَلْفًا فِي النَّارِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي "الْأَهْوَالِ": أَنَّهُ يَبْتَدِرُهُ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ، وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ إِلَّا دَقَه، فَيَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ الرَّبَّ عَلَيْكَ غَضْبَانُ، فَكُلُّ شَيْءٍ غَضْبَانٌ عَلَيْكَ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ -هُوَ ابْنُ عِيَاضٍ-: إِذَا قَالَ الرَّبُّ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ ألفا مَلَكٍ، أَيُّهُمْ يَجْعَلُ الْغُلَّ فِي عُنُقِهِ. ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيِ: اغْمُرُوهُ فِيهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارُ: كُلُّ حَلْقَةٍ مِنْهَا قَدْرُ حَدِيدِ الدُّنْيَا. وَقَالَ العَوفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ: بِذِرَاعِ الْمَلَكِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تَدَخُلُ فِي اسْتِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ، ثُمَّ يُنْظَمُونَ فِيهَا كَمَا يُنَظَمُ الْجَرَادُ فِي الْعُودِ حِينَ يُشْوَى. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُسْلَكُ فِي دُبُرِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَنْخِرَيْهِ، حَتَّى لَا يَقُومَ عَلَى رِجْلَيْهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهُ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ أَنَّ رَصَاصة مِثْلَ هَذِهِ -وَأَشَارَ إِلَى [مِثْلِ] [[زيادة من المسند والترمذي.]] جُمْجُمة-أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ، لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا الليلَ والنهارَ، قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ قَعْرَهَا أَوْ أَصْلَهَا". وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ [[في أ: "سويد بن سعيد".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ [[المسند (٢/١٩٧) وسنن الترمذي برقم (٢٥٨٨) .]] قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أَيْ: لَا يَقُومُ بِحَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَلَا يَنْفَعُ خَلْقَهُ وَيُؤَدِّي حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَلِلْعِبَادِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ حَقُّ الْإِحْسَانِ وَالْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَقُبِضَ النَّبَيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "الصَّلَاةَ، وما ملكت أيمانكم" [[جاء من حديث أنس، وعلي وأم سلمة، وسفينة، رضي الله عنهم، وحديث علي، رضي الله عنه: "كان آخر كلام النبي صلى الله عليه وسلم ... " فذكره، رواه الإمام أحمد في المسند (١/٧٨) وأبو داود في السنن برقم (٥١٥٤) .]] . وقوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ لَا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ مَنْ يُنْقِذُهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، لَا حَمِيمٌ -وَهُوَ الْقَرِيبُ-وَلَا شَفِيعٌ يُطَاعُ، وَلَا طَعَامٌ له هاهنا إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ. قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ شَرُّ طَعَامِ أَهْلِ النَّارِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ، وَالضَّحَّاكُ: هُوَ شَجَرَةٌ فِي جَهَنَّمَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدَّبُ، عَنْ خُصَيف، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا الْغِسْلِينُ، وَلَكِنِّي أَظُنُّهُ الزَّقُّومَ. وَقَالَ شَبِيب بْنُ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْغِسْلِينُ: الدَّمُ وَالْمَاءُ يَسِيلُ مِنْ لُحُومِهِمْ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ: الْغِسْلِينُ: صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا (٣٥) وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ (٣٧) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن هذا الشقيّ الذي أوتي كتابه بشماله: إنه كان في الدنيا لا يحضُّ الناس على إطعام أهل المسكنة والحاجة. * * وقوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ﴾ وذلك يوم القيامة، ﴿هَاهُنَا﴾ يعني في الدار الآخرة، ﴿حَمِيم﴾ ، يعني قريب يدفع عنه، ويغيثه مما هو فيه من البلاء. كما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾ القريب في كلام العرب، ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ولا له طعام كما كان لا يحضّ في الدنيا على طعام المسكين، إلا طعام من غسلين، وذلك ما يسيل من صديد أهل النار. وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: كلّ جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، فعلين من الغسل من الجراح والدَّبر، وزيد فيه الياء والنون بمنزلة عفرين. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ : صديد أهل النار. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ قال: ما يخرج من لحومهم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ : شرّ الطعام وأخبثه وأبشعه. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثني يونس، قال: اخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ قال: الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو. * * وقوله: ﴿لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ﴾ يقول: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون، وهم المذنبون الذين ذنوبهم كفر بالله.

Al-Mukhtasar (français)

et n’incitait pas autrui à nourrir les pauvres.

35

فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَٰهُنَا حَمِيمٌۭ

Il n'a pour lui ici, aujourd'hui, point d'ami chaleureux [pour le protéger],

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُهُمْ كِتَابَهُ فِي العَرَصات بِشَمَالِهِ، فَحِينَئِذٍ يَنْدَمُ غَايَةَ النَّدَمِ، فَيَقُولُ: ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي مَوْتَةً لَا حَيَاةَ بَعْدَهَا. وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: تَمَنَّى [[في م: "يعني".]] الْمَوْتَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ فِي الدُّنْيَا أَكْرَهُ إِلَيْهِ مِنْهُ. ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أَيْ: لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي مَالِي وَلَا جَاهِي عذابَ اللَّهِ وبَأسه، بَلْ خَلَص الْأَمْرُ إليَّ وَحْدِي، فَلَا مُعِينَ لِي وَلَا مُجِيرَ. فَعِنْدَهَا يَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيْ: يَأْمُرُ الزَّبَانِيَةَ أَنْ تَأْخُذَهُ عنْفًا مِنَ الْمَحْشَرِ، فَتَغُله، أَيْ: تَضَعُ الْأَغْلَالَ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ تُورده إِلَى جَهَنَّمَ فَتُصِلِيهِ إِيَّاهَا، أَيْ: تَغْمُرُهُ فِيهَا. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا: أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنِ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِذَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ ﴿خُذُوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِنَّ الْمَلَكَ مِنْهُمْ لَيَقُولُ هَكَذَا، فَيُلْقِي سَبْعِينَ أَلْفًا فِي النَّارِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي "الْأَهْوَالِ": أَنَّهُ يَبْتَدِرُهُ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ، وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ إِلَّا دَقَه، فَيَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ الرَّبَّ عَلَيْكَ غَضْبَانُ، فَكُلُّ شَيْءٍ غَضْبَانٌ عَلَيْكَ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ -هُوَ ابْنُ عِيَاضٍ-: إِذَا قَالَ الرَّبُّ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ ألفا مَلَكٍ، أَيُّهُمْ يَجْعَلُ الْغُلَّ فِي عُنُقِهِ. ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيِ: اغْمُرُوهُ فِيهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارُ: كُلُّ حَلْقَةٍ مِنْهَا قَدْرُ حَدِيدِ الدُّنْيَا. وَقَالَ العَوفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ: بِذِرَاعِ الْمَلَكِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تَدَخُلُ فِي اسْتِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ، ثُمَّ يُنْظَمُونَ فِيهَا كَمَا يُنَظَمُ الْجَرَادُ فِي الْعُودِ حِينَ يُشْوَى. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُسْلَكُ فِي دُبُرِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَنْخِرَيْهِ، حَتَّى لَا يَقُومَ عَلَى رِجْلَيْهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهُ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ أَنَّ رَصَاصة مِثْلَ هَذِهِ -وَأَشَارَ إِلَى [مِثْلِ] [[زيادة من المسند والترمذي.]] جُمْجُمة-أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ، لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا الليلَ والنهارَ، قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ قَعْرَهَا أَوْ أَصْلَهَا". وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ [[في أ: "سويد بن سعيد".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ [[المسند (٢/١٩٧) وسنن الترمذي برقم (٢٥٨٨) .]] قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أَيْ: لَا يَقُومُ بِحَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَلَا يَنْفَعُ خَلْقَهُ وَيُؤَدِّي حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَلِلْعِبَادِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ حَقُّ الْإِحْسَانِ وَالْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَقُبِضَ النَّبَيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "الصَّلَاةَ، وما ملكت أيمانكم" [[جاء من حديث أنس، وعلي وأم سلمة، وسفينة، رضي الله عنهم، وحديث علي، رضي الله عنه: "كان آخر كلام النبي صلى الله عليه وسلم ... " فذكره، رواه الإمام أحمد في المسند (١/٧٨) وأبو داود في السنن برقم (٥١٥٤) .]] . وقوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ لَا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ مَنْ يُنْقِذُهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، لَا حَمِيمٌ -وَهُوَ الْقَرِيبُ-وَلَا شَفِيعٌ يُطَاعُ، وَلَا طَعَامٌ له هاهنا إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ. قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ شَرُّ طَعَامِ أَهْلِ النَّارِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ، وَالضَّحَّاكُ: هُوَ شَجَرَةٌ فِي جَهَنَّمَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدَّبُ، عَنْ خُصَيف، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا الْغِسْلِينُ، وَلَكِنِّي أَظُنُّهُ الزَّقُّومَ. وَقَالَ شَبِيب بْنُ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْغِسْلِينُ: الدَّمُ وَالْمَاءُ يَسِيلُ مِنْ لُحُومِهِمْ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ: الْغِسْلِينُ: صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا (٣٥) وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ (٣٧) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن هذا الشقيّ الذي أوتي كتابه بشماله: إنه كان في الدنيا لا يحضُّ الناس على إطعام أهل المسكنة والحاجة. * * وقوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ﴾ وذلك يوم القيامة، ﴿هَاهُنَا﴾ يعني في الدار الآخرة، ﴿حَمِيم﴾ ، يعني قريب يدفع عنه، ويغيثه مما هو فيه من البلاء. كما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾ القريب في كلام العرب، ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ولا له طعام كما كان لا يحضّ في الدنيا على طعام المسكين، إلا طعام من غسلين، وذلك ما يسيل من صديد أهل النار. وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: كلّ جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، فعلين من الغسل من الجراح والدَّبر، وزيد فيه الياء والنون بمنزلة عفرين. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ : صديد أهل النار. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ قال: ما يخرج من لحومهم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ : شرّ الطعام وأخبثه وأبشعه. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثني يونس، قال: اخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ قال: الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو. * * وقوله: ﴿لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ﴾ يقول: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون، وهم المذنبون الذين ذنوبهم كفر بالله.

Al-Mukhtasar (français)

Le Jour de la Résurrection, il n’aura donc aucun proche pour repousser de lui le châtiment.

36

وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍۢ

ni d'autre nourriture que du pus,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُهُمْ كِتَابَهُ فِي العَرَصات بِشَمَالِهِ، فَحِينَئِذٍ يَنْدَمُ غَايَةَ النَّدَمِ، فَيَقُولُ: ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي مَوْتَةً لَا حَيَاةَ بَعْدَهَا. وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: تَمَنَّى [[في م: "يعني".]] الْمَوْتَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ فِي الدُّنْيَا أَكْرَهُ إِلَيْهِ مِنْهُ. ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أَيْ: لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي مَالِي وَلَا جَاهِي عذابَ اللَّهِ وبَأسه، بَلْ خَلَص الْأَمْرُ إليَّ وَحْدِي، فَلَا مُعِينَ لِي وَلَا مُجِيرَ. فَعِنْدَهَا يَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيْ: يَأْمُرُ الزَّبَانِيَةَ أَنْ تَأْخُذَهُ عنْفًا مِنَ الْمَحْشَرِ، فَتَغُله، أَيْ: تَضَعُ الْأَغْلَالَ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ تُورده إِلَى جَهَنَّمَ فَتُصِلِيهِ إِيَّاهَا، أَيْ: تَغْمُرُهُ فِيهَا. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا: أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنِ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِذَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ ﴿خُذُوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِنَّ الْمَلَكَ مِنْهُمْ لَيَقُولُ هَكَذَا، فَيُلْقِي سَبْعِينَ أَلْفًا فِي النَّارِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي "الْأَهْوَالِ": أَنَّهُ يَبْتَدِرُهُ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ، وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ إِلَّا دَقَه، فَيَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ الرَّبَّ عَلَيْكَ غَضْبَانُ، فَكُلُّ شَيْءٍ غَضْبَانٌ عَلَيْكَ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ -هُوَ ابْنُ عِيَاضٍ-: إِذَا قَالَ الرَّبُّ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ ألفا مَلَكٍ، أَيُّهُمْ يَجْعَلُ الْغُلَّ فِي عُنُقِهِ. ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيِ: اغْمُرُوهُ فِيهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارُ: كُلُّ حَلْقَةٍ مِنْهَا قَدْرُ حَدِيدِ الدُّنْيَا. وَقَالَ العَوفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ: بِذِرَاعِ الْمَلَكِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تَدَخُلُ فِي اسْتِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ، ثُمَّ يُنْظَمُونَ فِيهَا كَمَا يُنَظَمُ الْجَرَادُ فِي الْعُودِ حِينَ يُشْوَى. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُسْلَكُ فِي دُبُرِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَنْخِرَيْهِ، حَتَّى لَا يَقُومَ عَلَى رِجْلَيْهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهُ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ أَنَّ رَصَاصة مِثْلَ هَذِهِ -وَأَشَارَ إِلَى [مِثْلِ] [[زيادة من المسند والترمذي.]] جُمْجُمة-أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ، لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا الليلَ والنهارَ، قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ قَعْرَهَا أَوْ أَصْلَهَا". وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ [[في أ: "سويد بن سعيد".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ [[المسند (٢/١٩٧) وسنن الترمذي برقم (٢٥٨٨) .]] قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أَيْ: لَا يَقُومُ بِحَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَلَا يَنْفَعُ خَلْقَهُ وَيُؤَدِّي حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَلِلْعِبَادِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ حَقُّ الْإِحْسَانِ وَالْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَقُبِضَ النَّبَيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "الصَّلَاةَ، وما ملكت أيمانكم" [[جاء من حديث أنس، وعلي وأم سلمة، وسفينة، رضي الله عنهم، وحديث علي، رضي الله عنه: "كان آخر كلام النبي صلى الله عليه وسلم ... " فذكره، رواه الإمام أحمد في المسند (١/٧٨) وأبو داود في السنن برقم (٥١٥٤) .]] . وقوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ لَا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ مَنْ يُنْقِذُهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، لَا حَمِيمٌ -وَهُوَ الْقَرِيبُ-وَلَا شَفِيعٌ يُطَاعُ، وَلَا طَعَامٌ له هاهنا إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ. قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ شَرُّ طَعَامِ أَهْلِ النَّارِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ، وَالضَّحَّاكُ: هُوَ شَجَرَةٌ فِي جَهَنَّمَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدَّبُ، عَنْ خُصَيف، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا الْغِسْلِينُ، وَلَكِنِّي أَظُنُّهُ الزَّقُّومَ. وَقَالَ شَبِيب بْنُ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْغِسْلِينُ: الدَّمُ وَالْمَاءُ يَسِيلُ مِنْ لُحُومِهِمْ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ: الْغِسْلِينُ: صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا (٣٥) وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ (٣٧) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن هذا الشقيّ الذي أوتي كتابه بشماله: إنه كان في الدنيا لا يحضُّ الناس على إطعام أهل المسكنة والحاجة. * * وقوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ﴾ وذلك يوم القيامة، ﴿هَاهُنَا﴾ يعني في الدار الآخرة، ﴿حَمِيم﴾ ، يعني قريب يدفع عنه، ويغيثه مما هو فيه من البلاء. كما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾ القريب في كلام العرب، ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ولا له طعام كما كان لا يحضّ في الدنيا على طعام المسكين، إلا طعام من غسلين، وذلك ما يسيل من صديد أهل النار. وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: كلّ جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، فعلين من الغسل من الجراح والدَّبر، وزيد فيه الياء والنون بمنزلة عفرين. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ : صديد أهل النار. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ قال: ما يخرج من لحومهم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ : شرّ الطعام وأخبثه وأبشعه. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثني يونس، قال: اخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ قال: الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو. * * وقوله: ﴿لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ﴾ يقول: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون، وهم المذنبون الذين ذنوبهم كفر بالله.

Al-Mukhtasar (français)

Il n’aura d’autre nourriture que les sécrétions des corps suppliciés des gens de l’Enfer.

37

لَّا يَأْكُلُهُۥٓ إِلَّا ٱلْخَٰطِـُٔونَ

que seuls les fautifs mangeront».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ حَالِ الْأَشْقِيَاءِ إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُهُمْ كِتَابَهُ فِي العَرَصات بِشَمَالِهِ، فَحِينَئِذٍ يَنْدَمُ غَايَةَ النَّدَمِ، فَيَقُولُ: ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي مَوْتَةً لَا حَيَاةَ بَعْدَهَا. وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: تَمَنَّى [[في م: "يعني".]] الْمَوْتَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ فِي الدُّنْيَا أَكْرَهُ إِلَيْهِ مِنْهُ. ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أَيْ: لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي مَالِي وَلَا جَاهِي عذابَ اللَّهِ وبَأسه، بَلْ خَلَص الْأَمْرُ إليَّ وَحْدِي، فَلَا مُعِينَ لِي وَلَا مُجِيرَ. فَعِنْدَهَا يَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيْ: يَأْمُرُ الزَّبَانِيَةَ أَنْ تَأْخُذَهُ عنْفًا مِنَ الْمَحْشَرِ، فَتَغُله، أَيْ: تَضَعُ الْأَغْلَالَ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ تُورده إِلَى جَهَنَّمَ فَتُصِلِيهِ إِيَّاهَا، أَيْ: تَغْمُرُهُ فِيهَا. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا: أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنِ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِذَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ ﴿خُذُوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِنَّ الْمَلَكَ مِنْهُمْ لَيَقُولُ هَكَذَا، فَيُلْقِي سَبْعِينَ أَلْفًا فِي النَّارِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي "الْأَهْوَالِ": أَنَّهُ يَبْتَدِرُهُ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ، وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ إِلَّا دَقَه، فَيَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ الرَّبَّ عَلَيْكَ غَضْبَانُ، فَكُلُّ شَيْءٍ غَضْبَانٌ عَلَيْكَ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ -هُوَ ابْنُ عِيَاضٍ-: إِذَا قَالَ الرَّبُّ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ابْتَدَرَهُ سَبْعُونَ ألفا مَلَكٍ، أَيُّهُمْ يَجْعَلُ الْغُلَّ فِي عُنُقِهِ. ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أَيِ: اغْمُرُوهُ فِيهَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارُ: كُلُّ حَلْقَةٍ مِنْهَا قَدْرُ حَدِيدِ الدُّنْيَا. وَقَالَ العَوفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ: بِذِرَاعِ الْمَلَكِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تَدَخُلُ فِي اسْتِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ، ثُمَّ يُنْظَمُونَ فِيهَا كَمَا يُنَظَمُ الْجَرَادُ فِي الْعُودِ حِينَ يُشْوَى. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُسْلَكُ فِي دُبُرِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَنْخِرَيْهِ، حَتَّى لَا يَقُومَ عَلَى رِجْلَيْهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهُ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ أَنَّ رَصَاصة مِثْلَ هَذِهِ -وَأَشَارَ إِلَى [مِثْلِ] [[زيادة من المسند والترمذي.]] جُمْجُمة-أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ، لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا الليلَ والنهارَ، قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ قَعْرَهَا أَوْ أَصْلَهَا". وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ [[في أ: "سويد بن سعيد".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ [[المسند (٢/١٩٧) وسنن الترمذي برقم (٢٥٨٨) .]] قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أَيْ: لَا يَقُومُ بِحَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَلَا يَنْفَعُ خَلْقَهُ وَيُؤَدِّي حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَلِلْعِبَادِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ حَقُّ الْإِحْسَانِ وَالْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَقُبِضَ النَّبَيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "الصَّلَاةَ، وما ملكت أيمانكم" [[جاء من حديث أنس، وعلي وأم سلمة، وسفينة، رضي الله عنهم، وحديث علي، رضي الله عنه: "كان آخر كلام النبي صلى الله عليه وسلم ... " فذكره، رواه الإمام أحمد في المسند (١/٧٨) وأبو داود في السنن برقم (٥١٥٤) .]] . وقوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ لَا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ مَنْ يُنْقِذُهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، لَا حَمِيمٌ -وَهُوَ الْقَرِيبُ-وَلَا شَفِيعٌ يُطَاعُ، وَلَا طَعَامٌ له هاهنا إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ. قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ شَرُّ طَعَامِ أَهْلِ النَّارِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ، وَالضَّحَّاكُ: هُوَ شَجَرَةٌ فِي جَهَنَّمَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدَّبُ، عَنْ خُصَيف، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا الْغِسْلِينُ، وَلَكِنِّي أَظُنُّهُ الزَّقُّومَ. وَقَالَ شَبِيب بْنُ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْغِسْلِينُ: الدَّمُ وَالْمَاءُ يَسِيلُ مِنْ لُحُومِهِمْ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ: الْغِسْلِينُ: صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا (٣٥) وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ (٣٧) ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن هذا الشقيّ الذي أوتي كتابه بشماله: إنه كان في الدنيا لا يحضُّ الناس على إطعام أهل المسكنة والحاجة. * * وقوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ﴾ وذلك يوم القيامة، ﴿هَاهُنَا﴾ يعني في الدار الآخرة، ﴿حَمِيم﴾ ، يعني قريب يدفع عنه، ويغيثه مما هو فيه من البلاء. كما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾ القريب في كلام العرب، ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ولا له طعام كما كان لا يحضّ في الدنيا على طعام المسكين، إلا طعام من غسلين، وذلك ما يسيل من صديد أهل النار. وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: كلّ جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، فعلين من الغسل من الجراح والدَّبر، وزيد فيه الياء والنون بمنزلة عفرين. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ : صديد أهل النار. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ قال: ما يخرج من لحومهم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ : شرّ الطعام وأخبثه وأبشعه. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثني يونس، قال: اخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ قال: الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو. * * وقوله: ﴿لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ﴾ يقول: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون، وهم المذنبون الذين ذنوبهم كفر بالله.

Al-Mukhtasar (français)

que seuls les coupables de péchés et de désobéissance ingurgiteront.

38

فَلَآ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ

Mais non... Je jure par ce que vous voyez,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُقسمًا لِخَلْقِهِ بِمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ آيَاتِهِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِهِ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَمَا غَابَ عَنْهُمْ مِمَّا لَا يُشَاهِدُونَهُ مِنَ الْمُغَيَّبَاتِ عَنْهُمْ: إِنَّ الْقُرْآنَ كلامُه وَوَحْيُهُ وتنزيلُه عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، الَّذِي اصْطَفَاهُ لِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، فَقَالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا، أَضَافَهُ إِلَيْهِ عَلَى مَعْنَى التَّبْلِيغِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُبَلِّغَ عَنِ الْمُرْسِلِ؛ وَلِهَذَا أَضَافَهُ فِي سُورَةِ التَّكْوِيرِ إِلَى الرَّسُولِ الْمَلَكِيِّ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ وَهَذَا جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ﴾ يَعْنِي: أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى جِبْرِيلَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أَيْ: بِمُتَّهَمٍ ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١٩ -٢٥] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ، فَأَضَافَهُ تَارَةً إِلَى قَوْلٍ الرَّسُولِ الْمَلَكِيِّ، وَتَارَةً إِلَى الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ مَا اسْتَأْمَنَهُ عَلَيْهِ مِنْ وَحْيِهِ وَكَلَامِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، حَدَّثَنَا شُرَيح بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: خَرَجْتُ أَتَعَرَّضُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْحَاقَّةِ، فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ، قَالَ: فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ شَاعِرٌ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ. قَالَ: فَقَرَأَ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ قَالَ: فَقُلْتُ: كَاهِنٌ. قَالَ فَقَرَأَ: ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. قَالَ: فَوَقَعَ الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِي كُلَّ مَوْقِعٍ [[المسند (١/١٧) .]] . فَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى مُؤَثِّرَةً فِي هِدَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، كَمَا أَوْرَدْنَا كَيْفِيَّةَ إِسْلَامِهِ فِي سِيرَتِهِ الْمُفْرَدَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [[في أ: "ولله الحمد والمنة".]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: فلا ما الأمر كما تقولون معشر أهل التكذيب بكتاب الله ورسله، أقسم بالأشياء كلها التي تبصرون منها، والتي لا تبصرون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: (فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ) قال: أقسم بالأشياء، حتى أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ﴾ يقول: بما ترون وبما لا ترون. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يقول تعالى ذكره: إن هذا القرآن لقول رسول كريم، وهو محمد ﷺ يتلوه عليهم. * * وقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ما هذا القرآن بقول شاعر؛ لأن محمدًا لا يُحسن قيل الشعر، فتقولوا هو شعر، ﴿قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ يقول: تصدّقون قليلا به أنتم، وذلك خطاب من الله لمشركي قريش، ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يقول: ولا هو بقول كاهن، لأن محمدًا ليس بكاهن، فتقولوا: هو من سجع الكهان، ﴿قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يقول: تتعظون به أنتم، قليلا ما تعتبرون به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ : طهَّره الله من ذلك وعصمه، ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ، طهَّره الله من الكهانة، وعصمه منها.

Al-Mukhtasar (français)

Allah prête serment par ce que vous voyez

39

وَمَا لَا تُبْصِرُونَ

ainsi que par ce que vous ne voyez pas,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُقسمًا لِخَلْقِهِ بِمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ آيَاتِهِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِهِ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَمَا غَابَ عَنْهُمْ مِمَّا لَا يُشَاهِدُونَهُ مِنَ الْمُغَيَّبَاتِ عَنْهُمْ: إِنَّ الْقُرْآنَ كلامُه وَوَحْيُهُ وتنزيلُه عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، الَّذِي اصْطَفَاهُ لِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، فَقَالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا، أَضَافَهُ إِلَيْهِ عَلَى مَعْنَى التَّبْلِيغِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُبَلِّغَ عَنِ الْمُرْسِلِ؛ وَلِهَذَا أَضَافَهُ فِي سُورَةِ التَّكْوِيرِ إِلَى الرَّسُولِ الْمَلَكِيِّ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ وَهَذَا جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ﴾ يَعْنِي: أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى جِبْرِيلَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أَيْ: بِمُتَّهَمٍ ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١٩ -٢٥] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ، فَأَضَافَهُ تَارَةً إِلَى قَوْلٍ الرَّسُولِ الْمَلَكِيِّ، وَتَارَةً إِلَى الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ مَا اسْتَأْمَنَهُ عَلَيْهِ مِنْ وَحْيِهِ وَكَلَامِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، حَدَّثَنَا شُرَيح بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: خَرَجْتُ أَتَعَرَّضُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْحَاقَّةِ، فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ، قَالَ: فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ شَاعِرٌ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ. قَالَ: فَقَرَأَ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ قَالَ: فَقُلْتُ: كَاهِنٌ. قَالَ فَقَرَأَ: ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. قَالَ: فَوَقَعَ الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِي كُلَّ مَوْقِعٍ [[المسند (١/١٧) .]] . فَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى مُؤَثِّرَةً فِي هِدَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، كَمَا أَوْرَدْنَا كَيْفِيَّةَ إِسْلَامِهِ فِي سِيرَتِهِ الْمُفْرَدَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [[في أ: "ولله الحمد والمنة".]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: فلا ما الأمر كما تقولون معشر أهل التكذيب بكتاب الله ورسله، أقسم بالأشياء كلها التي تبصرون منها، والتي لا تبصرون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: (فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ) قال: أقسم بالأشياء، حتى أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ﴾ يقول: بما ترون وبما لا ترون. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يقول تعالى ذكره: إن هذا القرآن لقول رسول كريم، وهو محمد ﷺ يتلوه عليهم. * * وقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ما هذا القرآن بقول شاعر؛ لأن محمدًا لا يُحسن قيل الشعر، فتقولوا هو شعر، ﴿قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ يقول: تصدّقون قليلا به أنتم، وذلك خطاب من الله لمشركي قريش، ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يقول: ولا هو بقول كاهن، لأن محمدًا ليس بكاهن، فتقولوا: هو من سجع الكهان، ﴿قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يقول: تتعظون به أنتم، قليلا ما تعتبرون به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ : طهَّره الله من ذلك وعصمه، ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ، طهَّره الله من الكهانة، وعصمه منها.

Al-Mukhtasar (français)

ainsi que par ce que vous ne voyez pas,

40

إِنَّهُۥ لَقَوْلُ رَسُولٍۢ كَرِيمٍۢ

que ceci [le Coran] est la parole d'un noble Messager,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُقسمًا لِخَلْقِهِ بِمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ آيَاتِهِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِهِ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَمَا غَابَ عَنْهُمْ مِمَّا لَا يُشَاهِدُونَهُ مِنَ الْمُغَيَّبَاتِ عَنْهُمْ: إِنَّ الْقُرْآنَ كلامُه وَوَحْيُهُ وتنزيلُه عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، الَّذِي اصْطَفَاهُ لِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، فَقَالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا، أَضَافَهُ إِلَيْهِ عَلَى مَعْنَى التَّبْلِيغِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُبَلِّغَ عَنِ الْمُرْسِلِ؛ وَلِهَذَا أَضَافَهُ فِي سُورَةِ التَّكْوِيرِ إِلَى الرَّسُولِ الْمَلَكِيِّ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ وَهَذَا جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ﴾ يَعْنِي: أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى جِبْرِيلَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أَيْ: بِمُتَّهَمٍ ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١٩ -٢٥] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ، فَأَضَافَهُ تَارَةً إِلَى قَوْلٍ الرَّسُولِ الْمَلَكِيِّ، وَتَارَةً إِلَى الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ مَا اسْتَأْمَنَهُ عَلَيْهِ مِنْ وَحْيِهِ وَكَلَامِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، حَدَّثَنَا شُرَيح بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: خَرَجْتُ أَتَعَرَّضُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْحَاقَّةِ، فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ، قَالَ: فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ شَاعِرٌ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ. قَالَ: فَقَرَأَ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ قَالَ: فَقُلْتُ: كَاهِنٌ. قَالَ فَقَرَأَ: ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. قَالَ: فَوَقَعَ الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِي كُلَّ مَوْقِعٍ [[المسند (١/١٧) .]] . فَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى مُؤَثِّرَةً فِي هِدَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، كَمَا أَوْرَدْنَا كَيْفِيَّةَ إِسْلَامِهِ فِي سِيرَتِهِ الْمُفْرَدَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [[في أ: "ولله الحمد والمنة".]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: فلا ما الأمر كما تقولون معشر أهل التكذيب بكتاب الله ورسله، أقسم بالأشياء كلها التي تبصرون منها، والتي لا تبصرون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: (فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ) قال: أقسم بالأشياء، حتى أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ﴾ يقول: بما ترون وبما لا ترون. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يقول تعالى ذكره: إن هذا القرآن لقول رسول كريم، وهو محمد ﷺ يتلوه عليهم. * * وقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ما هذا القرآن بقول شاعر؛ لأن محمدًا لا يُحسن قيل الشعر، فتقولوا هو شعر، ﴿قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ يقول: تصدّقون قليلا به أنتم، وذلك خطاب من الله لمشركي قريش، ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يقول: ولا هو بقول كاهن، لأن محمدًا ليس بكاهن، فتقولوا: هو من سجع الكهان، ﴿قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يقول: تتعظون به أنتم، قليلا ما تعتبرون به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ : طهَّره الله من ذلك وعصمه، ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ، طهَّره الله من الكهانة، وعصمه منها.

Al-Mukhtasar (français)

que le Coran est la parole qu’un Noble Messager récite aux gens.

41

وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍۢ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تُؤْمِنُونَ

et que ce n'est pas la parole d'un poète; mais vous ne croyez que très peu,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُقسمًا لِخَلْقِهِ بِمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ آيَاتِهِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِهِ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَمَا غَابَ عَنْهُمْ مِمَّا لَا يُشَاهِدُونَهُ مِنَ الْمُغَيَّبَاتِ عَنْهُمْ: إِنَّ الْقُرْآنَ كلامُه وَوَحْيُهُ وتنزيلُه عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، الَّذِي اصْطَفَاهُ لِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، فَقَالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا، أَضَافَهُ إِلَيْهِ عَلَى مَعْنَى التَّبْلِيغِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُبَلِّغَ عَنِ الْمُرْسِلِ؛ وَلِهَذَا أَضَافَهُ فِي سُورَةِ التَّكْوِيرِ إِلَى الرَّسُولِ الْمَلَكِيِّ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ وَهَذَا جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ﴾ يَعْنِي: أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى جِبْرِيلَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أَيْ: بِمُتَّهَمٍ ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١٩ -٢٥] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ، فَأَضَافَهُ تَارَةً إِلَى قَوْلٍ الرَّسُولِ الْمَلَكِيِّ، وَتَارَةً إِلَى الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ مَا اسْتَأْمَنَهُ عَلَيْهِ مِنْ وَحْيِهِ وَكَلَامِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، حَدَّثَنَا شُرَيح بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: خَرَجْتُ أَتَعَرَّضُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْحَاقَّةِ، فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ، قَالَ: فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ شَاعِرٌ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ. قَالَ: فَقَرَأَ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ قَالَ: فَقُلْتُ: كَاهِنٌ. قَالَ فَقَرَأَ: ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. قَالَ: فَوَقَعَ الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِي كُلَّ مَوْقِعٍ [[المسند (١/١٧) .]] . فَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى مُؤَثِّرَةً فِي هِدَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، كَمَا أَوْرَدْنَا كَيْفِيَّةَ إِسْلَامِهِ فِي سِيرَتِهِ الْمُفْرَدَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [[في أ: "ولله الحمد والمنة".]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: فلا ما الأمر كما تقولون معشر أهل التكذيب بكتاب الله ورسله، أقسم بالأشياء كلها التي تبصرون منها، والتي لا تبصرون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: (فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ) قال: أقسم بالأشياء، حتى أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ﴾ يقول: بما ترون وبما لا ترون. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يقول تعالى ذكره: إن هذا القرآن لقول رسول كريم، وهو محمد ﷺ يتلوه عليهم. * * وقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ما هذا القرآن بقول شاعر؛ لأن محمدًا لا يُحسن قيل الشعر، فتقولوا هو شعر، ﴿قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ يقول: تصدّقون قليلا به أنتم، وذلك خطاب من الله لمشركي قريش، ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يقول: ولا هو بقول كاهن، لأن محمدًا ليس بكاهن، فتقولوا: هو من سجع الكهان، ﴿قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يقول: تتعظون به أنتم، قليلا ما تعتبرون به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ : طهَّره الله من ذلك وعصمه، ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ، طهَّره الله من الكهانة، وعصمه منها.

Al-Mukhtasar (français)

Ce n’est pas la parole d’un poète, car elle n’est pas construite comme un poème,

42

وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍۢ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تَذَكَّرُونَ

ni la parole d'un devin, mais vous vous rappelez bien peu.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُقسمًا لِخَلْقِهِ بِمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ آيَاتِهِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِهِ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَمَا غَابَ عَنْهُمْ مِمَّا لَا يُشَاهِدُونَهُ مِنَ الْمُغَيَّبَاتِ عَنْهُمْ: إِنَّ الْقُرْآنَ كلامُه وَوَحْيُهُ وتنزيلُه عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، الَّذِي اصْطَفَاهُ لِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، فَقَالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا، أَضَافَهُ إِلَيْهِ عَلَى مَعْنَى التَّبْلِيغِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُبَلِّغَ عَنِ الْمُرْسِلِ؛ وَلِهَذَا أَضَافَهُ فِي سُورَةِ التَّكْوِيرِ إِلَى الرَّسُولِ الْمَلَكِيِّ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ وَهَذَا جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ﴾ يَعْنِي: أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى جِبْرِيلَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أَيْ: بِمُتَّهَمٍ ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١٩ -٢٥] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ، فَأَضَافَهُ تَارَةً إِلَى قَوْلٍ الرَّسُولِ الْمَلَكِيِّ، وَتَارَةً إِلَى الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ مَا اسْتَأْمَنَهُ عَلَيْهِ مِنْ وَحْيِهِ وَكَلَامِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، حَدَّثَنَا شُرَيح بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: خَرَجْتُ أَتَعَرَّضُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْحَاقَّةِ، فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ، قَالَ: فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ شَاعِرٌ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ. قَالَ: فَقَرَأَ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ قَالَ: فَقُلْتُ: كَاهِنٌ. قَالَ فَقَرَأَ: ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. قَالَ: فَوَقَعَ الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِي كُلَّ مَوْقِعٍ [[المسند (١/١٧) .]] . فَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى مُؤَثِّرَةً فِي هِدَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، كَمَا أَوْرَدْنَا كَيْفِيَّةَ إِسْلَامِهِ فِي سِيرَتِهِ الْمُفْرَدَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [[في أ: "ولله الحمد والمنة".]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: فلا ما الأمر كما تقولون معشر أهل التكذيب بكتاب الله ورسله، أقسم بالأشياء كلها التي تبصرون منها، والتي لا تبصرون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: (فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ) قال: أقسم بالأشياء، حتى أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ﴾ يقول: بما ترون وبما لا ترون. * * وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يقول تعالى ذكره: إن هذا القرآن لقول رسول كريم، وهو محمد ﷺ يتلوه عليهم. * * وقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ما هذا القرآن بقول شاعر؛ لأن محمدًا لا يُحسن قيل الشعر، فتقولوا هو شعر، ﴿قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ يقول: تصدّقون قليلا به أنتم، وذلك خطاب من الله لمشركي قريش، ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يقول: ولا هو بقول كاهن، لأن محمدًا ليس بكاهن، فتقولوا: هو من سجع الكهان، ﴿قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يقول: تتعظون به أنتم، قليلا ما تعتبرون به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ : طهَّره الله من ذلك وعصمه، ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ، طهَّره الله من الكهانة، وعصمه منها.

Al-Mukhtasar (français)

ni n’est la parole d’un devin, car les devins émettent des commandements opposés à ceux du Coran. Mais vous ne vous rappelez que bien peu.

43

تَنزِيلٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

C'est une révélation du Seigneur de l'Univers.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُقسمًا لِخَلْقِهِ بِمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ آيَاتِهِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِهِ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَمَا غَابَ عَنْهُمْ مِمَّا لَا يُشَاهِدُونَهُ مِنَ الْمُغَيَّبَاتِ عَنْهُمْ: إِنَّ الْقُرْآنَ كلامُه وَوَحْيُهُ وتنزيلُه عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، الَّذِي اصْطَفَاهُ لِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، فَقَالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا، أَضَافَهُ إِلَيْهِ عَلَى مَعْنَى التَّبْلِيغِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُبَلِّغَ عَنِ الْمُرْسِلِ؛ وَلِهَذَا أَضَافَهُ فِي سُورَةِ التَّكْوِيرِ إِلَى الرَّسُولِ الْمَلَكِيِّ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ وَهَذَا جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ﴾ يَعْنِي: أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى جِبْرِيلَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أَيْ: بِمُتَّهَمٍ ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١٩ -٢٥] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ، فَأَضَافَهُ تَارَةً إِلَى قَوْلٍ الرَّسُولِ الْمَلَكِيِّ، وَتَارَةً إِلَى الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ مَا اسْتَأْمَنَهُ عَلَيْهِ مِنْ وَحْيِهِ وَكَلَامِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، حَدَّثَنَا شُرَيح بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: خَرَجْتُ أَتَعَرَّضُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْحَاقَّةِ، فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ، قَالَ: فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ شَاعِرٌ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ. قَالَ: فَقَرَأَ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ قَالَ: فَقُلْتُ: كَاهِنٌ. قَالَ فَقَرَأَ: ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. قَالَ: فَوَقَعَ الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِي كُلَّ مَوْقِعٍ [[المسند (١/١٧) .]] . فَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى مُؤَثِّرَةً فِي هِدَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، كَمَا أَوْرَدْنَا كَيْفِيَّةَ إِسْلَامِهِ فِي سِيرَتِهِ الْمُفْرَدَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [[في أ: "ولله الحمد والمنة".]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ (٤٤) لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولكنه ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ نزل عليه، ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ محمد، ﴿بَعْضَ الأقَاوِيلِ﴾ الباطلة، وتكذب علينا، ﴿لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ يقول: لأخذنا منه بالقوة منا والقدرة، ثم لقطعنا منه نياط القلب، وإنما يعني بذلك أنه كان يعاجله بالعقوبة، ولا يؤخره بها. وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ : لأخذنا منه باليد اليمنى من يديه؛ قالوا: وإنما ذلك مثل، ومعناه: إنا كنا نذله ونهينه، ثم نقطع منه بعد ذلك الوتين، قالوا: وإنما ذلك كقول ذي السلطان إذا أراد الاستخفاف ببعض من بين يديه لبعض أعوانه، خذ بيده فأقمه، وافعل به كذا وكذا، قالوا: وكذلك معنى قوله: ﴿لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ أي لأهناه كالذي يفعل بالذي وصفنا حاله. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿الْوَتِينَ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: ﴿لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قال: نياط القلب. ⁕ حدثني ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بمثله. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بمثله. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال، قال ابن عباس ﴿الْوَتِينَ﴾ : نِياط القلب. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير بنحوه. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان، عن سعيد بن جبير بمثله. ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ يقول: عرق القلب. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ يعني: عرقا في القلب، ويقال: هو حبل في القلب. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿الْوَتِينَ﴾ قال: حبل القلب الذي في الظهر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قال: حبل القلب. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ وتين القلب، وهو عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قال: الوتين: نياط القلب الذي القلب متعلق به، وإياه عنى الشماخ بن ضرار التغلبي بقوله: إذَا بَلَّغْتِني وَحَمَلْتِ رَحْلِي عَرَابَةَ فاشْرَقي بدَمِ الوَتينَ [[البيت للشماخ بن ضرار التغلبي (ديوانه طبع القاهرة ٩٢) من قصيدة يمدح بها عرابة بن أوس بن قيظي، وكان هو وأبوه من الصحابة، وكان عرابة مشهورًا بالكرم. وعرابة منصوب مفعول ثان لبلغتني. والوتين: قال أبو عبيدة: نياط القلب. وأنشد بيت الشماخ (الورقة ١٨٠) وفي اللسان: الوتين: عرق في القلب، إذا انقطع مات صاحبه.]]

Al-Mukhtasar (français)

Elle a plutôt été révélée par le Seigneur de toutes les créatures.

44

وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ

Et s'il avait forgé quelques paroles qu'ils Nous avait attribuées,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ أَيْ: مُحَمَّدٌ ﷺ لَوْ كَانَ كَمَا يَزْعُمُونَ مُفْتَرِيًا عَلَيْنَا، فَزَادَ فِي الرِّسَالَةِ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا، أَوْ قَالَ شَيْئًا مِنْ عِنْدِهِ فَنَسَبَهُ إِلَيْنَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لَعَاجَلْنَاهُ بِالْعُقُوبَةِ. وَلِهَذَا قَالَ ﴿لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ لَانْتَقَمْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا أَشَدُّ فِي الْبَطْشِ، وَقِيلَ: لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِيَمِينِهِ. ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ نِيَاطُ الْقَلْبِ، وَهُوَ العِرْقُ الَّذِي الْقَلْبُ مُعَلَّقٌ فِيهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَكَمُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُسْلِمٌ البَطِين، وَأَبُو صَخْرٍ حُميد بْنُ زِيَادٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هُوَ الْقَلْبُ ومَرَاقَّه وَمَا يَلِيهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ أَيْ: فَمَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَلَى أَنْ يَحْجِزَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ إِذَا أَرَدْنَا بِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَالْمَعْنَى فِي هَذَا [[في م: "في ذلك".]] بَلْ هُوَ صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، مُقَرِّرٌ لَهُ مَا يُبَلِّغُهُ عَنْهُ، وَمُؤَيِّدٌ لَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ [[في م: "القاهرات".]] وَالدَّلَالَاتِ الْقَاطِعَاتِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ كَمَا قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٤] . ثُمَّ قَالَ [[في م: "كما قال"]] ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ أَيْ: مَعَ هَذَا الْبَيَانِ وَالْوُضُوحِ، سَيُوجَدُ مِنْكُمْ مَنْ يُكَذِّبُ بِالْقُرْآنِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَإِنَّ التَّكْذِيبَ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ يَوْمَ القيامة وحكاه عن قتادة بمثله. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يَقُولُ: لَنَدَامَةٌ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْقُرْآنِ، أَيْ: وَإِنَّ الْقُرْآنَ وَالْإِيمَانَ بِهِ لَحَسْرَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى الْكَافِرِينَ، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٢٠٠، ٢٠١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] ولهذا قال ها هنا: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ أَيِ: الْخَبَرُ الصِّدْقُ الْحَقُّ الذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أَيِ: الَّذِي أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ. [آخِرُ تفسير سورة "الحاقة"، ولله الحمد [[في أ: "ولله الحمد والمنة والثناء والحمد الجميل".]] ] [[زيادة من م، أ.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ (٤٤) لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولكنه ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ نزل عليه، ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ محمد، ﴿بَعْضَ الأقَاوِيلِ﴾ الباطلة، وتكذب علينا، ﴿لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ يقول: لأخذنا منه بالقوة منا والقدرة، ثم لقطعنا منه نياط القلب، وإنما يعني بذلك أنه كان يعاجله بالعقوبة، ولا يؤخره بها. وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ : لأخذنا منه باليد اليمنى من يديه؛ قالوا: وإنما ذلك مثل، ومعناه: إنا كنا نذله ونهينه، ثم نقطع منه بعد ذلك الوتين، قالوا: وإنما ذلك كقول ذي السلطان إذا أراد الاستخفاف ببعض من بين يديه لبعض أعوانه، خذ بيده فأقمه، وافعل به كذا وكذا، قالوا: وكذلك معنى قوله: ﴿لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ أي لأهناه كالذي يفعل بالذي وصفنا حاله. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿الْوَتِينَ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: ﴿لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قال: نياط القلب. ⁕ حدثني ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بمثله. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بمثله. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال، قال ابن عباس ﴿الْوَتِينَ﴾ : نِياط القلب. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير بنحوه. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان، عن سعيد بن جبير بمثله. ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ يقول: عرق القلب. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ يعني: عرقا في القلب، ويقال: هو حبل في القلب. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿الْوَتِينَ﴾ قال: حبل القلب الذي في الظهر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قال: حبل القلب. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ وتين القلب، وهو عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قال: الوتين: نياط القلب الذي القلب متعلق به، وإياه عنى الشماخ بن ضرار التغلبي بقوله: إذَا بَلَّغْتِني وَحَمَلْتِ رَحْلِي عَرَابَةَ فاشْرَقي بدَمِ الوَتينَ [[البيت للشماخ بن ضرار التغلبي (ديوانه طبع القاهرة ٩٢) من قصيدة يمدح بها عرابة بن أوس بن قيظي، وكان هو وأبوه من الصحابة، وكان عرابة مشهورًا بالكرم. وعرابة منصوب مفعول ثان لبلغتني. والوتين: قال أبو عبيدة: نياط القلب. وأنشد بيت الشماخ (الورقة ١٨٠) وفي اللسان: الوتين: عرق في القلب، إذا انقطع مات صاحبه.]]

Al-Mukhtasar (français)

Si Muħammad Nous avait attribué des paroles qu’il a lui-même inventées et qui ne proviennent pas de Nous.

45

لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ

Nous l'aurions saisi de la main droite,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ أَيْ: مُحَمَّدٌ ﷺ لَوْ كَانَ كَمَا يَزْعُمُونَ مُفْتَرِيًا عَلَيْنَا، فَزَادَ فِي الرِّسَالَةِ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا، أَوْ قَالَ شَيْئًا مِنْ عِنْدِهِ فَنَسَبَهُ إِلَيْنَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لَعَاجَلْنَاهُ بِالْعُقُوبَةِ. وَلِهَذَا قَالَ ﴿لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ لَانْتَقَمْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا أَشَدُّ فِي الْبَطْشِ، وَقِيلَ: لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِيَمِينِهِ. ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ نِيَاطُ الْقَلْبِ، وَهُوَ العِرْقُ الَّذِي الْقَلْبُ مُعَلَّقٌ فِيهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَكَمُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُسْلِمٌ البَطِين، وَأَبُو صَخْرٍ حُميد بْنُ زِيَادٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هُوَ الْقَلْبُ ومَرَاقَّه وَمَا يَلِيهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ أَيْ: فَمَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَلَى أَنْ يَحْجِزَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ إِذَا أَرَدْنَا بِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَالْمَعْنَى فِي هَذَا [[في م: "في ذلك".]] بَلْ هُوَ صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، مُقَرِّرٌ لَهُ مَا يُبَلِّغُهُ عَنْهُ، وَمُؤَيِّدٌ لَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ [[في م: "القاهرات".]] وَالدَّلَالَاتِ الْقَاطِعَاتِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ كَمَا قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٤] . ثُمَّ قَالَ [[في م: "كما قال"]] ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ أَيْ: مَعَ هَذَا الْبَيَانِ وَالْوُضُوحِ، سَيُوجَدُ مِنْكُمْ مَنْ يُكَذِّبُ بِالْقُرْآنِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَإِنَّ التَّكْذِيبَ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ يَوْمَ القيامة وحكاه عن قتادة بمثله. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يَقُولُ: لَنَدَامَةٌ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْقُرْآنِ، أَيْ: وَإِنَّ الْقُرْآنَ وَالْإِيمَانَ بِهِ لَحَسْرَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى الْكَافِرِينَ، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٢٠٠، ٢٠١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] ولهذا قال ها هنا: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ أَيِ: الْخَبَرُ الصِّدْقُ الْحَقُّ الذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أَيِ: الَّذِي أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ. [آخِرُ تفسير سورة "الحاقة"، ولله الحمد [[في أ: "ولله الحمد والمنة والثناء والحمد الجميل".]] ] [[زيادة من م، أ.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ (٤٤) لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولكنه ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ نزل عليه، ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ محمد، ﴿بَعْضَ الأقَاوِيلِ﴾ الباطلة، وتكذب علينا، ﴿لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ يقول: لأخذنا منه بالقوة منا والقدرة، ثم لقطعنا منه نياط القلب، وإنما يعني بذلك أنه كان يعاجله بالعقوبة، ولا يؤخره بها. وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ : لأخذنا منه باليد اليمنى من يديه؛ قالوا: وإنما ذلك مثل، ومعناه: إنا كنا نذله ونهينه، ثم نقطع منه بعد ذلك الوتين، قالوا: وإنما ذلك كقول ذي السلطان إذا أراد الاستخفاف ببعض من بين يديه لبعض أعوانه، خذ بيده فأقمه، وافعل به كذا وكذا، قالوا: وكذلك معنى قوله: ﴿لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ أي لأهناه كالذي يفعل بالذي وصفنا حاله. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿الْوَتِينَ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: ﴿لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قال: نياط القلب. ⁕ حدثني ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بمثله. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بمثله. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال، قال ابن عباس ﴿الْوَتِينَ﴾ : نِياط القلب. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير بنحوه. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان، عن سعيد بن جبير بمثله. ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ يقول: عرق القلب. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ يعني: عرقا في القلب، ويقال: هو حبل في القلب. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿الْوَتِينَ﴾ قال: حبل القلب الذي في الظهر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قال: حبل القلب. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ وتين القلب، وهو عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قال: الوتين: نياط القلب الذي القلب متعلق به، وإياه عنى الشماخ بن ضرار التغلبي بقوله: إذَا بَلَّغْتِني وَحَمَلْتِ رَحْلِي عَرَابَةَ فاشْرَقي بدَمِ الوَتينَ [[البيت للشماخ بن ضرار التغلبي (ديوانه طبع القاهرة ٩٢) من قصيدة يمدح بها عرابة بن أوس بن قيظي، وكان هو وأبوه من الصحابة، وكان عرابة مشهورًا بالكرم. وعرابة منصوب مفعول ثان لبلغتني. والوتين: قال أبو عبيدة: نياط القلب. وأنشد بيت الشماخ (الورقة ١٨٠) وفي اللسان: الوتين: عرق في القلب، إذا انقطع مات صاحبه.]]

Al-Mukhtasar (français)

Nous Nous serions vengés de lui avec Notre force et Notre pouvoir.

46

ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ

ensuite, Nous lui aurions tranché l'aorte.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ أَيْ: مُحَمَّدٌ ﷺ لَوْ كَانَ كَمَا يَزْعُمُونَ مُفْتَرِيًا عَلَيْنَا، فَزَادَ فِي الرِّسَالَةِ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا، أَوْ قَالَ شَيْئًا مِنْ عِنْدِهِ فَنَسَبَهُ إِلَيْنَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لَعَاجَلْنَاهُ بِالْعُقُوبَةِ. وَلِهَذَا قَالَ ﴿لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ لَانْتَقَمْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا أَشَدُّ فِي الْبَطْشِ، وَقِيلَ: لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِيَمِينِهِ. ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ نِيَاطُ الْقَلْبِ، وَهُوَ العِرْقُ الَّذِي الْقَلْبُ مُعَلَّقٌ فِيهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَكَمُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُسْلِمٌ البَطِين، وَأَبُو صَخْرٍ حُميد بْنُ زِيَادٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هُوَ الْقَلْبُ ومَرَاقَّه وَمَا يَلِيهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ أَيْ: فَمَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَلَى أَنْ يَحْجِزَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ إِذَا أَرَدْنَا بِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَالْمَعْنَى فِي هَذَا [[في م: "في ذلك".]] بَلْ هُوَ صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، مُقَرِّرٌ لَهُ مَا يُبَلِّغُهُ عَنْهُ، وَمُؤَيِّدٌ لَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ [[في م: "القاهرات".]] وَالدَّلَالَاتِ الْقَاطِعَاتِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ كَمَا قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٤] . ثُمَّ قَالَ [[في م: "كما قال"]] ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ أَيْ: مَعَ هَذَا الْبَيَانِ وَالْوُضُوحِ، سَيُوجَدُ مِنْكُمْ مَنْ يُكَذِّبُ بِالْقُرْآنِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَإِنَّ التَّكْذِيبَ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ يَوْمَ القيامة وحكاه عن قتادة بمثله. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يَقُولُ: لَنَدَامَةٌ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْقُرْآنِ، أَيْ: وَإِنَّ الْقُرْآنَ وَالْإِيمَانَ بِهِ لَحَسْرَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى الْكَافِرِينَ، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٢٠٠، ٢٠١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] ولهذا قال ها هنا: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ أَيِ: الْخَبَرُ الصِّدْقُ الْحَقُّ الذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أَيِ: الَّذِي أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ. [آخِرُ تفسير سورة "الحاقة"، ولله الحمد [[في أ: "ولله الحمد والمنة والثناء والحمد الجميل".]] ] [[زيادة من م، أ.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ (٤٤) لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) ﴾ يقول تعالى ذكره: ولكنه ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ نزل عليه، ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ محمد، ﴿بَعْضَ الأقَاوِيلِ﴾ الباطلة، وتكذب علينا، ﴿لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ يقول: لأخذنا منه بالقوة منا والقدرة، ثم لقطعنا منه نياط القلب، وإنما يعني بذلك أنه كان يعاجله بالعقوبة، ولا يؤخره بها. وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ : لأخذنا منه باليد اليمنى من يديه؛ قالوا: وإنما ذلك مثل، ومعناه: إنا كنا نذله ونهينه، ثم نقطع منه بعد ذلك الوتين، قالوا: وإنما ذلك كقول ذي السلطان إذا أراد الاستخفاف ببعض من بين يديه لبعض أعوانه، خذ بيده فأقمه، وافعل به كذا وكذا، قالوا: وكذلك معنى قوله: ﴿لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ أي لأهناه كالذي يفعل بالذي وصفنا حاله. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿الْوَتِينَ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: ﴿لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قال: نياط القلب. ⁕ حدثني ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بمثله. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بمثله. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال، قال ابن عباس ﴿الْوَتِينَ﴾ : نِياط القلب. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير بنحوه. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان، عن سعيد بن جبير بمثله. ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ يقول: عرق القلب. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ يعني: عرقا في القلب، ويقال: هو حبل في القلب. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿الْوَتِينَ﴾ قال: حبل القلب الذي في الظهر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قال: حبل القلب. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ وتين القلب، وهو عرق يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قال: الوتين: نياط القلب الذي القلب متعلق به، وإياه عنى الشماخ بن ضرار التغلبي بقوله: إذَا بَلَّغْتِني وَحَمَلْتِ رَحْلِي عَرَابَةَ فاشْرَقي بدَمِ الوَتينَ [[البيت للشماخ بن ضرار التغلبي (ديوانه طبع القاهرة ٩٢) من قصيدة يمدح بها عرابة بن أوس بن قيظي، وكان هو وأبوه من الصحابة، وكان عرابة مشهورًا بالكرم. وعرابة منصوب مفعول ثان لبلغتني. والوتين: قال أبو عبيدة: نياط القلب. وأنشد بيت الشماخ (الورقة ١٨٠) وفي اللسان: الوتين: عرق في القلب، إذا انقطع مات صاحبه.]]

Al-Mukhtasar (français)

Nous lui aurions alors tranché l’aorte, la veine reliée au cœur.

47

فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَٰجِزِينَ

Et nul d'entre vous n'aurait pu lui servir de rempart.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ أَيْ: مُحَمَّدٌ ﷺ لَوْ كَانَ كَمَا يَزْعُمُونَ مُفْتَرِيًا عَلَيْنَا، فَزَادَ فِي الرِّسَالَةِ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا، أَوْ قَالَ شَيْئًا مِنْ عِنْدِهِ فَنَسَبَهُ إِلَيْنَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لَعَاجَلْنَاهُ بِالْعُقُوبَةِ. وَلِهَذَا قَالَ ﴿لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ لَانْتَقَمْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا أَشَدُّ فِي الْبَطْشِ، وَقِيلَ: لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِيَمِينِهِ. ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ نِيَاطُ الْقَلْبِ، وَهُوَ العِرْقُ الَّذِي الْقَلْبُ مُعَلَّقٌ فِيهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَكَمُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُسْلِمٌ البَطِين، وَأَبُو صَخْرٍ حُميد بْنُ زِيَادٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هُوَ الْقَلْبُ ومَرَاقَّه وَمَا يَلِيهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ أَيْ: فَمَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَلَى أَنْ يَحْجِزَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ إِذَا أَرَدْنَا بِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَالْمَعْنَى فِي هَذَا [[في م: "في ذلك".]] بَلْ هُوَ صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، مُقَرِّرٌ لَهُ مَا يُبَلِّغُهُ عَنْهُ، وَمُؤَيِّدٌ لَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ [[في م: "القاهرات".]] وَالدَّلَالَاتِ الْقَاطِعَاتِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ كَمَا قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٤] . ثُمَّ قَالَ [[في م: "كما قال"]] ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ أَيْ: مَعَ هَذَا الْبَيَانِ وَالْوُضُوحِ، سَيُوجَدُ مِنْكُمْ مَنْ يُكَذِّبُ بِالْقُرْآنِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَإِنَّ التَّكْذِيبَ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ يَوْمَ القيامة وحكاه عن قتادة بمثله. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يَقُولُ: لَنَدَامَةٌ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْقُرْآنِ، أَيْ: وَإِنَّ الْقُرْآنَ وَالْإِيمَانَ بِهِ لَحَسْرَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى الْكَافِرِينَ، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٢٠٠، ٢٠١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] ولهذا قال ها هنا: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ أَيِ: الْخَبَرُ الصِّدْقُ الْحَقُّ الذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أَيِ: الَّذِي أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ. [آخِرُ تفسير سورة "الحاقة"، ولله الحمد [[في أ: "ولله الحمد والمنة والثناء والحمد الجميل".]] ] [[زيادة من م، أ.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: فما منكم أيها الناس من أحد عن محمد لو تقوّل علينا بعض الأقاويل، فأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، حاجزين يحجزوننا عن عقوبته، وما نفعله به. وقيل: حاجزين، فجمع، وهو فعل لأحد، وأحد في لفظ واحد ردّا على معناه، لأن معناه الجمع، والعرب تجعل أحدا للواحد والاثنين والجمع، كما قيل ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ وبين: لا تقع إلا على اثنين فصاعدا. * * وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: وإن هذا القرآن لتذكرة، يعني عظة يتذكر به، ويتعظ به للمتقين، وهم الذين يتقون عقاب الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: القرآن. * * قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: وإنا لنعلم أن منكم مكذّبين أيها الناس بهذا القرآن، ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يقول جلّ ثناؤه: وأن التكذيب به لحسرة وندامة على الكافرين بالقرآن يوم القيامة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ : ذاكم يوم القيامة، ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ يقول: وإنه للحقّ اليقين الذين لا شكّ فيه أنه من عند الله، لم يتقوّله محمد ﷺ، ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ بذكر ربك وتسميته العظيم، الذي كلّ شيء في عظمته صغير. آخر تفسير سورة الحاقة.

Al-Mukhtasar (français)

Comme personne parmi vous ne Nous en aurait empêché, il est donc exclu qu’il Nous attribue des paroles inventées pour vous faire plaisir.

48

وَإِنَّهُۥ لَتَذْكِرَةٌۭ لِّلْمُتَّقِينَ

C'est en vérité un rappel pour les pieux.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ أَيْ: مُحَمَّدٌ ﷺ لَوْ كَانَ كَمَا يَزْعُمُونَ مُفْتَرِيًا عَلَيْنَا، فَزَادَ فِي الرِّسَالَةِ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا، أَوْ قَالَ شَيْئًا مِنْ عِنْدِهِ فَنَسَبَهُ إِلَيْنَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لَعَاجَلْنَاهُ بِالْعُقُوبَةِ. وَلِهَذَا قَالَ ﴿لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ لَانْتَقَمْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا أَشَدُّ فِي الْبَطْشِ، وَقِيلَ: لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِيَمِينِهِ. ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ نِيَاطُ الْقَلْبِ، وَهُوَ العِرْقُ الَّذِي الْقَلْبُ مُعَلَّقٌ فِيهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَكَمُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُسْلِمٌ البَطِين، وَأَبُو صَخْرٍ حُميد بْنُ زِيَادٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هُوَ الْقَلْبُ ومَرَاقَّه وَمَا يَلِيهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ أَيْ: فَمَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَلَى أَنْ يَحْجِزَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ إِذَا أَرَدْنَا بِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَالْمَعْنَى فِي هَذَا [[في م: "في ذلك".]] بَلْ هُوَ صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، مُقَرِّرٌ لَهُ مَا يُبَلِّغُهُ عَنْهُ، وَمُؤَيِّدٌ لَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ [[في م: "القاهرات".]] وَالدَّلَالَاتِ الْقَاطِعَاتِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ كَمَا قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٤] . ثُمَّ قَالَ [[في م: "كما قال"]] ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ أَيْ: مَعَ هَذَا الْبَيَانِ وَالْوُضُوحِ، سَيُوجَدُ مِنْكُمْ مَنْ يُكَذِّبُ بِالْقُرْآنِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَإِنَّ التَّكْذِيبَ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ يَوْمَ القيامة وحكاه عن قتادة بمثله. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يَقُولُ: لَنَدَامَةٌ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْقُرْآنِ، أَيْ: وَإِنَّ الْقُرْآنَ وَالْإِيمَانَ بِهِ لَحَسْرَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى الْكَافِرِينَ، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٢٠٠، ٢٠١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] ولهذا قال ها هنا: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ أَيِ: الْخَبَرُ الصِّدْقُ الْحَقُّ الذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أَيِ: الَّذِي أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ. [آخِرُ تفسير سورة "الحاقة"، ولله الحمد [[في أ: "ولله الحمد والمنة والثناء والحمد الجميل".]] ] [[زيادة من م، أ.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: فما منكم أيها الناس من أحد عن محمد لو تقوّل علينا بعض الأقاويل، فأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، حاجزين يحجزوننا عن عقوبته، وما نفعله به. وقيل: حاجزين، فجمع، وهو فعل لأحد، وأحد في لفظ واحد ردّا على معناه، لأن معناه الجمع، والعرب تجعل أحدا للواحد والاثنين والجمع، كما قيل ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ وبين: لا تقع إلا على اثنين فصاعدا. * * وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: وإن هذا القرآن لتذكرة، يعني عظة يتذكر به، ويتعظ به للمتقين، وهم الذين يتقون عقاب الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: القرآن. * * قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: وإنا لنعلم أن منكم مكذّبين أيها الناس بهذا القرآن، ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يقول جلّ ثناؤه: وأن التكذيب به لحسرة وندامة على الكافرين بالقرآن يوم القيامة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ : ذاكم يوم القيامة، ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ يقول: وإنه للحقّ اليقين الذين لا شكّ فيه أنه من عند الله، لم يتقوّله محمد ﷺ، ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ بذكر ربك وتسميته العظيم، الذي كلّ شيء في عظمته صغير. آخر تفسير سورة الحاقة.

Al-Mukhtasar (français)

Le Coran est une exhortation adressée à ceux qui craignent leur Seigneur, se conforment à Ses commandements et s’abstiennent de Ses interdits.

49

وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ

Et Nous savons qu'il y a parmi vous qui le traitent de menteur;

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ أَيْ: مُحَمَّدٌ ﷺ لَوْ كَانَ كَمَا يَزْعُمُونَ مُفْتَرِيًا عَلَيْنَا، فَزَادَ فِي الرِّسَالَةِ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا، أَوْ قَالَ شَيْئًا مِنْ عِنْدِهِ فَنَسَبَهُ إِلَيْنَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لَعَاجَلْنَاهُ بِالْعُقُوبَةِ. وَلِهَذَا قَالَ ﴿لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ لَانْتَقَمْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا أَشَدُّ فِي الْبَطْشِ، وَقِيلَ: لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِيَمِينِهِ. ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ نِيَاطُ الْقَلْبِ، وَهُوَ العِرْقُ الَّذِي الْقَلْبُ مُعَلَّقٌ فِيهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَكَمُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُسْلِمٌ البَطِين، وَأَبُو صَخْرٍ حُميد بْنُ زِيَادٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هُوَ الْقَلْبُ ومَرَاقَّه وَمَا يَلِيهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ أَيْ: فَمَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَلَى أَنْ يَحْجِزَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ إِذَا أَرَدْنَا بِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَالْمَعْنَى فِي هَذَا [[في م: "في ذلك".]] بَلْ هُوَ صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، مُقَرِّرٌ لَهُ مَا يُبَلِّغُهُ عَنْهُ، وَمُؤَيِّدٌ لَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ [[في م: "القاهرات".]] وَالدَّلَالَاتِ الْقَاطِعَاتِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ كَمَا قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٤] . ثُمَّ قَالَ [[في م: "كما قال"]] ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ أَيْ: مَعَ هَذَا الْبَيَانِ وَالْوُضُوحِ، سَيُوجَدُ مِنْكُمْ مَنْ يُكَذِّبُ بِالْقُرْآنِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَإِنَّ التَّكْذِيبَ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ يَوْمَ القيامة وحكاه عن قتادة بمثله. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يَقُولُ: لَنَدَامَةٌ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْقُرْآنِ، أَيْ: وَإِنَّ الْقُرْآنَ وَالْإِيمَانَ بِهِ لَحَسْرَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى الْكَافِرِينَ، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٢٠٠، ٢٠١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] ولهذا قال ها هنا: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ أَيِ: الْخَبَرُ الصِّدْقُ الْحَقُّ الذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أَيِ: الَّذِي أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ. [آخِرُ تفسير سورة "الحاقة"، ولله الحمد [[في أ: "ولله الحمد والمنة والثناء والحمد الجميل".]] ] [[زيادة من م، أ.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: فما منكم أيها الناس من أحد عن محمد لو تقوّل علينا بعض الأقاويل، فأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، حاجزين يحجزوننا عن عقوبته، وما نفعله به. وقيل: حاجزين، فجمع، وهو فعل لأحد، وأحد في لفظ واحد ردّا على معناه، لأن معناه الجمع، والعرب تجعل أحدا للواحد والاثنين والجمع، كما قيل ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ وبين: لا تقع إلا على اثنين فصاعدا. * * وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: وإن هذا القرآن لتذكرة، يعني عظة يتذكر به، ويتعظ به للمتقين، وهم الذين يتقون عقاب الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: القرآن. * * قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: وإنا لنعلم أن منكم مكذّبين أيها الناس بهذا القرآن، ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يقول جلّ ثناؤه: وأن التكذيب به لحسرة وندامة على الكافرين بالقرآن يوم القيامة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ : ذاكم يوم القيامة، ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ يقول: وإنه للحقّ اليقين الذين لا شكّ فيه أنه من عند الله، لم يتقوّله محمد ﷺ، ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ بذكر ربك وتسميته العظيم، الذي كلّ شيء في عظمته صغير. آخر تفسير سورة الحاقة.

Al-Mukhtasar (français)

Nous savons assurément qu’il y en a parmi vous qui traitent ce Coran de mensonge.

50

وَإِنَّهُۥ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ

mais en vérité, ce sera un sujet de regret pour les mécréants,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ أَيْ: مُحَمَّدٌ ﷺ لَوْ كَانَ كَمَا يَزْعُمُونَ مُفْتَرِيًا عَلَيْنَا، فَزَادَ فِي الرِّسَالَةِ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا، أَوْ قَالَ شَيْئًا مِنْ عِنْدِهِ فَنَسَبَهُ إِلَيْنَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لَعَاجَلْنَاهُ بِالْعُقُوبَةِ. وَلِهَذَا قَالَ ﴿لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ لَانْتَقَمْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا أَشَدُّ فِي الْبَطْشِ، وَقِيلَ: لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِيَمِينِهِ. ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ نِيَاطُ الْقَلْبِ، وَهُوَ العِرْقُ الَّذِي الْقَلْبُ مُعَلَّقٌ فِيهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَكَمُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُسْلِمٌ البَطِين، وَأَبُو صَخْرٍ حُميد بْنُ زِيَادٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هُوَ الْقَلْبُ ومَرَاقَّه وَمَا يَلِيهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ أَيْ: فَمَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَلَى أَنْ يَحْجِزَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ إِذَا أَرَدْنَا بِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَالْمَعْنَى فِي هَذَا [[في م: "في ذلك".]] بَلْ هُوَ صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، مُقَرِّرٌ لَهُ مَا يُبَلِّغُهُ عَنْهُ، وَمُؤَيِّدٌ لَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ [[في م: "القاهرات".]] وَالدَّلَالَاتِ الْقَاطِعَاتِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ كَمَا قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٤] . ثُمَّ قَالَ [[في م: "كما قال"]] ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ أَيْ: مَعَ هَذَا الْبَيَانِ وَالْوُضُوحِ، سَيُوجَدُ مِنْكُمْ مَنْ يُكَذِّبُ بِالْقُرْآنِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَإِنَّ التَّكْذِيبَ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ يَوْمَ القيامة وحكاه عن قتادة بمثله. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يَقُولُ: لَنَدَامَةٌ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْقُرْآنِ، أَيْ: وَإِنَّ الْقُرْآنَ وَالْإِيمَانَ بِهِ لَحَسْرَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى الْكَافِرِينَ، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٢٠٠، ٢٠١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] ولهذا قال ها هنا: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ أَيِ: الْخَبَرُ الصِّدْقُ الْحَقُّ الذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أَيِ: الَّذِي أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ. [آخِرُ تفسير سورة "الحاقة"، ولله الحمد [[في أ: "ولله الحمد والمنة والثناء والحمد الجميل".]] ] [[زيادة من م، أ.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: فما منكم أيها الناس من أحد عن محمد لو تقوّل علينا بعض الأقاويل، فأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، حاجزين يحجزوننا عن عقوبته، وما نفعله به. وقيل: حاجزين، فجمع، وهو فعل لأحد، وأحد في لفظ واحد ردّا على معناه، لأن معناه الجمع، والعرب تجعل أحدا للواحد والاثنين والجمع، كما قيل ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ وبين: لا تقع إلا على اثنين فصاعدا. * * وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: وإن هذا القرآن لتذكرة، يعني عظة يتذكر به، ويتعظ به للمتقين، وهم الذين يتقون عقاب الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: القرآن. * * قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: وإنا لنعلم أن منكم مكذّبين أيها الناس بهذا القرآن، ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يقول جلّ ثناؤه: وأن التكذيب به لحسرة وندامة على الكافرين بالقرآن يوم القيامة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ : ذاكم يوم القيامة، ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ يقول: وإنه للحقّ اليقين الذين لا شكّ فيه أنه من عند الله، لم يتقوّله محمد ﷺ، ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ بذكر ربك وتسميته العظيم، الذي كلّ شيء في عظمته صغير. آخر تفسير سورة الحاقة.

Al-Mukhtasar (français)

Or traiter le Coran de mensonge sera pour celui qui s’en rend coupable, le sujet d’un immense regret le Jour de la Résurrection.

51

وَإِنَّهُۥ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ

c'est là la véritable certitude.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ أَيْ: مُحَمَّدٌ ﷺ لَوْ كَانَ كَمَا يَزْعُمُونَ مُفْتَرِيًا عَلَيْنَا، فَزَادَ فِي الرِّسَالَةِ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا، أَوْ قَالَ شَيْئًا مِنْ عِنْدِهِ فَنَسَبَهُ إِلَيْنَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لَعَاجَلْنَاهُ بِالْعُقُوبَةِ. وَلِهَذَا قَالَ ﴿لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ لَانْتَقَمْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا أَشَدُّ فِي الْبَطْشِ، وَقِيلَ: لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِيَمِينِهِ. ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ نِيَاطُ الْقَلْبِ، وَهُوَ العِرْقُ الَّذِي الْقَلْبُ مُعَلَّقٌ فِيهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَكَمُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُسْلِمٌ البَطِين، وَأَبُو صَخْرٍ حُميد بْنُ زِيَادٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هُوَ الْقَلْبُ ومَرَاقَّه وَمَا يَلِيهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ أَيْ: فَمَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَلَى أَنْ يَحْجِزَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ إِذَا أَرَدْنَا بِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَالْمَعْنَى فِي هَذَا [[في م: "في ذلك".]] بَلْ هُوَ صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، مُقَرِّرٌ لَهُ مَا يُبَلِّغُهُ عَنْهُ، وَمُؤَيِّدٌ لَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ [[في م: "القاهرات".]] وَالدَّلَالَاتِ الْقَاطِعَاتِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ كَمَا قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٤] . ثُمَّ قَالَ [[في م: "كما قال"]] ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ أَيْ: مَعَ هَذَا الْبَيَانِ وَالْوُضُوحِ، سَيُوجَدُ مِنْكُمْ مَنْ يُكَذِّبُ بِالْقُرْآنِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَإِنَّ التَّكْذِيبَ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ يَوْمَ القيامة وحكاه عن قتادة بمثله. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يَقُولُ: لَنَدَامَةٌ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْقُرْآنِ، أَيْ: وَإِنَّ الْقُرْآنَ وَالْإِيمَانَ بِهِ لَحَسْرَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى الْكَافِرِينَ، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٢٠٠، ٢٠١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] ولهذا قال ها هنا: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ أَيِ: الْخَبَرُ الصِّدْقُ الْحَقُّ الذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أَيِ: الَّذِي أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ. [آخِرُ تفسير سورة "الحاقة"، ولله الحمد [[في أ: "ولله الحمد والمنة والثناء والحمد الجميل".]] ] [[زيادة من م، أ.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: فما منكم أيها الناس من أحد عن محمد لو تقوّل علينا بعض الأقاويل، فأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، حاجزين يحجزوننا عن عقوبته، وما نفعله به. وقيل: حاجزين، فجمع، وهو فعل لأحد، وأحد في لفظ واحد ردّا على معناه، لأن معناه الجمع، والعرب تجعل أحدا للواحد والاثنين والجمع، كما قيل ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ وبين: لا تقع إلا على اثنين فصاعدا. * * وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: وإن هذا القرآن لتذكرة، يعني عظة يتذكر به، ويتعظ به للمتقين، وهم الذين يتقون عقاب الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: القرآن. * * قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: وإنا لنعلم أن منكم مكذّبين أيها الناس بهذا القرآن، ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يقول جلّ ثناؤه: وأن التكذيب به لحسرة وندامة على الكافرين بالقرآن يوم القيامة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ : ذاكم يوم القيامة، ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ يقول: وإنه للحقّ اليقين الذين لا شكّ فيه أنه من عند الله، لم يتقوّله محمد ﷺ، ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ بذكر ربك وتسميته العظيم، الذي كلّ شيء في عظمته صغير. آخر تفسير سورة الحاقة.

Al-Mukhtasar (français)

Le Coran est la vérité certaine qui n’est entachée par aucun doute.

52

فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ

Glorifie donc le nom de ton Seigneur, le Très Grand!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ أَيْ: مُحَمَّدٌ ﷺ لَوْ كَانَ كَمَا يَزْعُمُونَ مُفْتَرِيًا عَلَيْنَا، فَزَادَ فِي الرِّسَالَةِ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا، أَوْ قَالَ شَيْئًا مِنْ عِنْدِهِ فَنَسَبَهُ إِلَيْنَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لَعَاجَلْنَاهُ بِالْعُقُوبَةِ. وَلِهَذَا قَالَ ﴿لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ لَانْتَقَمْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا أَشَدُّ فِي الْبَطْشِ، وَقِيلَ: لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِيَمِينِهِ. ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ نِيَاطُ الْقَلْبِ، وَهُوَ العِرْقُ الَّذِي الْقَلْبُ مُعَلَّقٌ فِيهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَكَمُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُسْلِمٌ البَطِين، وَأَبُو صَخْرٍ حُميد بْنُ زِيَادٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هُوَ الْقَلْبُ ومَرَاقَّه وَمَا يَلِيهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ أَيْ: فَمَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَلَى أَنْ يَحْجِزَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ إِذَا أَرَدْنَا بِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَالْمَعْنَى فِي هَذَا [[في م: "في ذلك".]] بَلْ هُوَ صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، مُقَرِّرٌ لَهُ مَا يُبَلِّغُهُ عَنْهُ، وَمُؤَيِّدٌ لَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ [[في م: "القاهرات".]] وَالدَّلَالَاتِ الْقَاطِعَاتِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ كَمَا قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٤] . ثُمَّ قَالَ [[في م: "كما قال"]] ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ أَيْ: مَعَ هَذَا الْبَيَانِ وَالْوُضُوحِ، سَيُوجَدُ مِنْكُمْ مَنْ يُكَذِّبُ بِالْقُرْآنِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَإِنَّ التَّكْذِيبَ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ يَوْمَ القيامة وحكاه عن قتادة بمثله. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يَقُولُ: لَنَدَامَةٌ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْقُرْآنِ، أَيْ: وَإِنَّ الْقُرْآنَ وَالْإِيمَانَ بِهِ لَحَسْرَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى الْكَافِرِينَ، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٢٠٠، ٢٠١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] ولهذا قال ها هنا: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ أَيِ: الْخَبَرُ الصِّدْقُ الْحَقُّ الذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أَيِ: الَّذِي أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ. [آخِرُ تفسير سورة "الحاقة"، ولله الحمد [[في أ: "ولله الحمد والمنة والثناء والحمد الجميل".]] ] [[زيادة من م، أ.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢) ﴾ يقول تعالى ذكره: فما منكم أيها الناس من أحد عن محمد لو تقوّل علينا بعض الأقاويل، فأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، حاجزين يحجزوننا عن عقوبته، وما نفعله به. وقيل: حاجزين، فجمع، وهو فعل لأحد، وأحد في لفظ واحد ردّا على معناه، لأن معناه الجمع، والعرب تجعل أحدا للواحد والاثنين والجمع، كما قيل ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ وبين: لا تقع إلا على اثنين فصاعدا. * * وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: وإن هذا القرآن لتذكرة، يعني عظة يتذكر به، ويتعظ به للمتقين، وهم الذين يتقون عقاب الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: القرآن. * * قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: وإنا لنعلم أن منكم مكذّبين أيها الناس بهذا القرآن، ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يقول جلّ ثناؤه: وأن التكذيب به لحسرة وندامة على الكافرين بالقرآن يوم القيامة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ : ذاكم يوم القيامة، ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ يقول: وإنه للحقّ اليقين الذين لا شكّ فيه أنه من عند الله، لم يتقوّله محمد ﷺ، ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ بذكر ربك وتسميته العظيم، الذي كلّ شيء في عظمته صغير. آخر تفسير سورة الحاقة.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, exclus de ton Seigneur ce qui ne Lui sied pas et mentionne le Nom de ton Très Grand Seigneur.

← Toutes les sourates