← Toutes les sourates

Al-Muddaththir سُورَةُ المُدَّثِّرِ

Sourate 74 · 56 versets · Meccan

1

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ

O, toi (Muhammad)! Le revêtu d'un manteau!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ [مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ] [[زيادة من م.]] عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ وَخَالَفَهُ [[في م: "وخالف".]] الْجُمْهُورُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَوَّلَ الْقُرْآنِ نُزُولًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ كَمَا سَيَأْتِي [بَيَانُ] [[زيادة من م.]] ذَلِكَ هُنَاكَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ؟ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، وقلتُ لَهُ مِثْلَ مَا قلتَ لِي، فَقَالَ جَابِرٌ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "جَاوَرْتُ بحرَاء، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هبطتُ فنُوديت فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ شَمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا. فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي. وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا. قَالَ: فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا قَالَ: فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٢٢) .]] هَكَذَا سَاقَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ [[صحيح مسلم برقم (١٦١) .]] مِنْ طَرِيقِ عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ: "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بصري قبَلَ السماء، فإذا الملك الذي جاءني بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَثَثْتُ [[في م: "فجثيت".]] مِنْهُ حَتَّى هَوَيتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إِلَى: ﴿فَاهْجُرْ﴾ - قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرُّجْزُ: الْأَوْثَانُ -ثُمَّ حَميَ الوحيُ وتَتَابع". هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٢٦) .]] وَهَذَا السِّيَاقُ هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ الْوَحْيُ قَبْلَ هَذَا، لِقَوْلِهِ: "فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [[في م: "الذي كان".]] بِحِرَاءٍ"، وَهُوَ جِبْرِيلُ حِينَ أَتَاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثُمَّ إِنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذَا فَتْرَةٌ، ثُمَّ نَزَلَ الْمَلَكُ بَعْدَ هَذَا. وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ هَذِهِ السُّورَةُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا لَيْث، حَدَّثَنَا عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ [[في أ: "ابن هشام".]] قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنِّي فَتْرَةً، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سمعتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَل السَّمَاءِ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [بِحِرَاءٍ الْآنَ] [[زيادة من م، أ، والمسند.]] قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجُثت [[في م: "فجثيت".]] مِنْهُ فَرَقًا، حَتَّى هَوَيت إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ لَهُمْ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ [بعدُ] [[زيادة من المسند.]] وَتَتَابَعَ". أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/٣٢٥) ، وصحيح البخاري برقم (٤٩٢٦) ، وصحيح مسلم برقم (١٦١) .]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُعَيْبٍ السِّمْسَارُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ [[في أ: الحسن بن بشير".]] البَجَلي، حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكة يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعَامًا، فَلَمَّا أَكَلُوا. قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَاحِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِسَاحِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَاهِنٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِكَاهِنٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَاعِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِشَاعِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: [بَلْ] [[زيادة من م.]] سِحْرٌ يُؤثر. فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فحزنَ وقَنعَ رَأْسَهُ، وتَدَثَّر، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [[المعجم الكبير للطبراني (١١/١٢٥) ، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣١) : "وفيه إبراهيم بن يزيد الخوري وهو ضعيف".]] . فَقَوْلُهُ ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أَيْ: شَمِّرْ عَنْ سَاقِ الْعَزْمِ، وَأَنْذِرِ النَّاسَ. وَبِهَذَا حَصَلَ الْإِرْسَالُ، كَمَا حَصَلَ بِالْأَوَّلِ النُّبُوَّةُ. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أَيْ: عَظِّمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ الْأَجْلَحُ الْكِنْدِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: لَا تَلْبَسْهَا [[في أ: "لا تسلبها".]] عَلَى مَعْصِيَةٍ وَلَا عَلَى غَدْرَة. ثُمَّ قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ: فَإني بِحَمْدِ اللَّهِ لَا ثوبَ فَاجر ... لبستُ وَلَا مِنْ غَدْرَة أتَقَنَّعُ [[البيت في تفسير الطبري (٢٩ظ٩١) .]] وَقَالَ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [فِي هَذِهِ الْآيَةِ] [[زيادة من م.]] ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: نَقِي الثِّيَابِ. وَفِي رِوَايَةٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: فَطَهِّرْ مِنَ الذُّنُوبِ. وَكَذَا قَالَ إبراهيم، الشعبي، وَعَطَاءٌ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: مِنَ الْإِثْمِ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ. وَقَالَ [[في م: "وعن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: نَفْسَكَ، لَيْسَ ثِيَابَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عَمَلَكَ فَأَصْلِحْ، وَكَذَا قَالَ أَبُو رَزِين. وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: لَسْتَ بِكَاهِنٍ وَلَا سَاحِرٍ، فَأَعْرِضْ عَمَّا قَالُوا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: طَهِّرْهَا مِنَ الْمَعَاصِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ إِذَا نَكَثَ وَلَمْ يَفِ بِعَهْدِ اللَّهِ إِنَّهُ لَمُدنَس [[في م: "لدنس".]] الثِّيَابِ. وَإِذَا وَفَّى وَأَصْلَحَ: إِنَّهُ لَمُطَهَّرُ الثِّيَابِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ: لَا تَلْبِسْهَا عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ الشَّاعِرُ [[هو دكين بن رجاء، وانظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة (٢/٦١٢) مستفادًا من حاشية الشعب.]] إِذَا المرءُ لَمْ يَدْنَس منَ اللُّؤْمِ عِرْضُه ... فَكُلّ ردَاء يَرْتَديه جَميلُ ... وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [يَعْنِي] [[زيادة من م.]] لَا تَكُ ثِيَابُكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِنْ مَكْسَبٍ غَيْرِ طَائِبٍ، وَيُقَالُ: لَا تَلْبَسْ ثِيَابَكَ عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيِ: اغْسِلْهَا بِالْمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ لَا يَتَطَهَّرُونَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ، وَأَنْ يُطَهِّرَ ثِيَابَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَدْ تَشْمَلُ الْآيَةُ جَمِيعَ ذَلِكَ مَعَ طَهَارَةِ الْقَلْبِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ الثِّيَابَ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: أفاطمَ مَهلا بَعْضَ هَذا التَدَلُّل ... وَإن كُنت قَد أزْمَعْت هَجْري فأجْمِلي ... وَإن تَكُ قَد سَ ـاءتك مِنِّي خَليقَةٌ ... فَسُلّي ثِيَابي مِن ثِيَابِكِ تَنْسُلِ [[ديوان امرئ القيس (ص٣٧) مستفادًا من حاشية الشعب.]] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ وَقَلْبَكَ ونيتك فطهر. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وخُلقَك فَحسّن. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ وَهُوَ الْأَصْنَامُ، فَاهْجُرْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الْأَوْثَانُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ أَيِ: اتْرُكِ الْمَعْصِيَةَ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا يَلْزَمُ تَلَبُّسُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الْأَحْزَابِ: ١] ﴿وَقَالَ مُوسَى لأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تُعْطِ الْعَطِيَّةَ تَلْتَمِسُ أَكْثَرَ مِنْهَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ: "وَلَا تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا تَمْنُنْ بِعَمَلِكَ عَلَى رَبِّكَ تَسْتَكْثِرُهُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ خُصَيْفٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ: لَا تَضْعُفْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الْخَيْرِ، قَالَ تَمْنُنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: تَضْعُفُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ عَلَى النَّاسِ، تَسْتَكْثِرُهُمْ بِهَا، تَأْخُذُ عَلَيْهِ عِوَضًا مِنَ الدُّنْيَا. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَالْأَظْهَرُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أَيِ: اجْعَلْ صَبْرَكَ عَلَى أَذَاهُمْ لِوَجْهِ رَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: اصْبِرْ عَطِيَّتَكَ لِلَّهِ تَعَالَى [[في أ: "لله عز وجل".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: ﴿النَّاقُورِ﴾ الصُّورِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهُوَ كَهَيْئَةِ الْقَرْنِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُطَرِّف، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ؟ " فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا". وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَسْبَاطٍ، بِهِ [[المسند (١/٣٢٦) ، وقال الحافظ عند تفسير الآية: ١٧٣ من سورة آل عمران: "حديث جيد".]] وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ ابْنِ فُضَيْلٍ وَأَسْبَاطٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُطَرِّفٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ أَيْ: شَدِيدٌ. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ أَيْ: غَيْرُ سَهْلٍ عَلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [الْقَمَرِ: ٨] . وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى -قَاضِي الْبَصْرَةِ-: أَنَّهُ صَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَقَرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ شَهِقَ شَهْقَةً، ثُمَّ خَرَّ مَيِّتًا، رَحِمَهُ اللَّهُ [[رواه أبو نعيم في الحلية (٢/٢٥٨، ٢٥٩) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يأيها المتدثر بثيابه عند نومه. وذُكر أن نبيّ الله ﷺ قيل له ذلك، وهو متدثر بقطيفة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قال: كان متدثرا في قطيفة. وذُكر أن هذه الآية أول شيء نزل من القرآن على رسول الله ﷺ، وأنه قيل له: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ . كما:- ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ وهو يحدّث عن فترة الوحي: " بَيْنا أنا أمْشِي سَمِعْت صَوْتا مِنَ السَّماءِ، فَرَفَعْتُ رأسِي، فإذَا المَلَك الَّذِي جاءَنِي بحرَاءَ جالِسٌ عَلى كُرْسِي بَينَ السَّماءِ والأرْضِ، قال رسول الله ﷺ: "فَجُثِثْتُ مِنْهُ فَرَقا [[الحديث ١٩٥ - وهذا إسناد صحيح أيضًا. مري بن قطري الكوفي: ذكره ابن حبان في الثقات، وترجمه البخاري في الكبير ٤ / ٢ / ٥٧، وقال: "سمع عدي بن حاتم، روى عنه سماك بن حرب، يعد في الكوفيين". و "مري": بضم الميم وتشديد الراء المكسورة مع تشديد الياء. و "قطري" بفتح القاف والطاء وبعد الراء ياء مشددة. وبعضه سيأتي أيضًا بالإسناد نفسه ٢٠٩. وهذا الحديث عن عدي بن حاتم: أصله قصة مطولة في إسلامه. فرواه -بطوله- أحمد في المسند ٤: ٣٧٨ - ٣٧٩ عن محمد بن جعفر عن شعبة، بالإسناد السابق ١٩٤. . ورواه الترمذي ٤: ٦٧ من طريق عمرو بن أبي قيس عن سماك عن عباد بن حبيش عن عدي. وقال: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب. وروى شعبة عن سماك بن حرب عن عباد بن حبيش عن عدي بن حاتم عن النبي ﷺ - الحديث بطوله". وروى بعضه الطيالسي في مسنده: ١٠٤٠ عن عمرو بن ثابت "عمن سمع عدي بن حاتم". وقد تبين لنا من روايات الطبري هنا أن سماك بن حرب سمعه من عباد بن حبيش ومن مري بن قطري، كلاهما عن عدي، وأن سماك بن حرب لم ينفرد بروايته أيضًا، إذ رواه إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عدي. وأن لم يعرفه الترمذي إلا من حديث سماك - لا ينفي أن يعرفه غيره من وجه آخر. وذكره ابن كثير ١: ٥٤ من رواية أحمد في المسند، وأشار إلى رواية الترمذي، وإلى روايات الطبري هنا، ثم قال: "وقد روى حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها ". وذكره الحافظ في الإصابة، في ترجمة عدي ٢: ٢٢٩ من رواية أحمد والترمذي. وذكر السيوطي منه ١: ١٦ تفسير الحرفين، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه. وكذلك صنع الشوكاني ١: ١٥.]] ، وجِئْتُ أهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فدَثَّرُونِي" فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ..﴾ إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: ثم تتابع الوحي. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعي، قال: ثني يحيى بن أبي كثير، قال: سألت أبا سلمة: أيّ القرآن أُنزل أوّل، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت: يقولون ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ، فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله: أيّ القرآن أنزل أوّل؟ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ، فقلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فقال: لا أخبرك إلا ما:- ⁕ حدثنا النبيّ ﷺ، قال: جاورت في حِراء؛ فلما قضيت جواري هبطت، فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت عن يميني وعن شمالي وخلفي وقدّامي، فلم أر شيئا، فنظرت فوق رأسي فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض، فخشيت منه، هكذا قال عثمان بن عمرو، إنما هو: فجثثت منه، ولقيت خديجة، فقلت دثروني، فدثروني، وصبوا عليّ ماءً، فأنزل الله عليّ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ . ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن عليّ بن مبارك، عن يحيى بن أبي كثير، قال سألت أبا سلمة عن أوّل ما نزل من القرآن، قال: نزلت ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أوّل؛ قال: قلت: إنهم يقولون ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ، فقال: سألت جابر بن عبد الله، فقال: لا أحدّثك إلا ما:- ⁕ حدثنا رسول الله ﷺ قال: "جاوَرْتُ بِحِراء؛ فلمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلمْ أرَ شَيْئا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئا، فَرَفَعْتُ رأسي فرأيْتُ شَيْئا، فأتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصبُّوا عَليَّ ماء بارِدًا، فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، قال: فتر الوحي عن رسول الله ﷺ فترة، فحزن حزنًا، فجعل يعدو إلى شواهق رءوس الجبال ليتردّى منها، فكلما أوفى بذروة جبل تبدّى له جبريل عليه السلام فيقول: إنك نبيّ الله، فيسكن جأشه، وتسكن نفسه، فكان النبيّ ﷺ يحدث عن ذلك، قال: "بَيْنَما أنا أَمْشِي يَوْما إذ رأيْتُ المَلَكَ الَّذِي كان يأتِيني بِحرَاءَ على كُرْسِيّ بَينَ السَّماءِ والأرْضِ، فَجَثَثْتُ مِنْهُ رُعْبا، فَرَجَعْتُ إلى خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: "زَمِّلُونِي"، فزملناه: أي فدثرناه، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّر﴾ قال الزهري: فكان أوّل شيء أنزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ... ﴾ حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ، فقال بعضهم: معنى ذلك: يأيُّها النائم في ثيابه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قال: يأيها النائم. ⁕ حدثنا بشر، ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يقول: المتدثر في ثيابه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: يأيُّها المتدثر النبوّة وأثقالها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: وسُئل داود عن هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فحدثنا عن عكرِمة أنه قال: دثِّرت هذا الأمر فقم به. * * وقوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قم من نومك فأنذر عذاب الله قومك الذين أشركوا بالله، وعبدوا غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ : أي أنذر عذاب الله ووقائعه في الأمم، وشدّة نقمته. * * وقوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ يقول تعالى ذكره: وربك يا محمد فعظم بعبادته، والرغبة إليه في حاجاتك دون غيره من الآلهة والأنداد. * * وقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: لا تلبس ثيابك على معصية، ولا على غدرة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: أما سمعت قول غَيلان بن سَلَمة: وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ [[الحديث ١٩٦ - حميد بن مسعدة السامي، شيخ الطبري: هو "السامي" بالسين المهملة، نص على ذلك الحافظ ابن حجر في التقريب. وهو نسبة إلى "سامة بن لؤي بن غالب". ووقع في نسخ الطبري -هنا وفيما يأتي ٢١٠- "الشامي" بالمعجمة، وهو تصحيف. و "الجريري"، بضم الجيم: هو سعيد بن إياس البصري. و "عبد الله بن شقيق العقيلي"، بضم العين وفتح القاف: تابعي كبير ثقة. وهذا الإسناد مرسل، لقول عبد الله بن شقيق: "أن رجلا". وسيأتي مرسلا أيضًا ١٩٧، ١٩٩ ولكنه سيأتي موصولا ١٩٨.]] حدثنا أبو كُريب: قال: ثنا مُصْعَب بن سلام، عن الأجلح، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال: أتاه رجل وأنا جالس فقال: أرأيت قول الله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبسها على معصية ولا على غدرة، ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفيّ: وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ ⁕ حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثنا حفص بن غياث، عن الأجلح، عن عكرِمة، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبسها على غدرة، ولا على فجرة ثم تمثَّل بشعر غيلان بن سلمة هذا. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن عكرِمة ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبس ثيابك على معصية، ألم تسمع قول غيلان بن سَلَمَة الثقفيّ: وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ ⁕ حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني عطاء، أنه سمع ابن عباس يقول: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم، ثم قال: نقيّ الثياب في كلام العرب. ⁕ حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثنا حفص بن غياث القاضي، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: في كلام العرب: نقيّ الثياب. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الذنوب. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الذنوب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: هي كلمة من العربية كانت العرب تقولها: طهر ثيابك: أي من الذنوب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يقول: طهرها من المعاصي، فكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يف بعهد أنه دَنِسَ الثياب، وإذا وفى وأصلح قالوا: مطهَّر الثياب. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يقول: لا تلبس ثيابك على معصية. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم. ⁕ قال ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: من الإثم. ⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن الأجلح، سمع عكرمة قال: لا تلبس ثيابك على معصية. ⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن عامر وعطاء قالا من الخطايا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تلبس ثيابك من مكسب غير طيب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طائب، ويقال: لا تلبس ثيابك على معصية. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أصلح عملك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: عملك فأصلح. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي رَزِين في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: عملك فأصلحه، وكان الرجل إذا كان خبيث العمل، قالوا: فلان خبيث الثياب، وإذا كان حسن العمل قالوا: فلان طاهر الثياب. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لست بكاهن ولا ساحر، فأعرض عما قالوا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: اغسلها بالماء، وطهرها من النجاسة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عباس بن أبي طالب، قال: ثنا عليّ بن عبد الله بن جعفر، عن أحمد بن موسى بن أبى مريم صاحب اللؤلؤ، قال: أخبرنا ابن عون، عن محمد بن سيرين ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: اغسلها بالماء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره أن يتطهر، ويطهِّر ثيابه. وهذا القول الذي قاله ابن سيرين وابن زيد في ذلك أظهر معانيه، والذي قاله ابن عباس، وعكرمة وابن زكريا قول عليه أكثر السلف من أنه عُنِيَ به: جسمك فطهر من الذنوب، والله أعلم بمراده من ذلك. ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء المدينة وعامة قرّاء الكوفة: ﴿والرِّجْزَ﴾ بكسر الراء، وقرأه بعض المكيين والمدنيين ﴿وَالرُّجْزَ﴾ بضم الراء، فمن ضمّ الراء وجهه إلى الأوثان، وقال: معنى الكلام: والأوثان فاهجر عبادتها، واترك خدمتها، ومن كسر الراء وجَّهه إلى العذاب، وقال: معناه: والعذاب فاهجر، أي ما أوجب لك العذاب من الأعمال فاهجر. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، والضمّ والكسر في ذلك لغتان بمعنى واحد، ولم نجد أحدًا من متقدّمي أهل التأويل فرّق بين تأويل ذلك، وإنما فرّق بين ذلك فيما بلغنا الكسائيّ. واختلف أهل التأويل في معنى ﴿الرُّجْزُ﴾ في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو الأصنام. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ يقول: السخط وهو الأصنام. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الأوثان. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل - قال أبو جعفر: أحسبه أنا - عن جابرٍ، عن مجاهد وعكرِمة ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الأوثان. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ : إساف ونائلة، وهما صنمان كانا عند البيت يمسح وجوههما من أتى عليهما، فأمر الله نبيَّهُ ﷺ أن يجتنبهما ويعتزلهما. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: هي الأوثان. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الرجز: آلهتهم التي كانوا يعبدون؛ أمره أن يهجرها، فلا يأتيها، ولا يقربها. وقال آخرون: بل معنى ذلك: والمعصية والإثم فاهجر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الإثم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ يقول: اهجر المعصية. وقد بيَّنا معنى الرجز فيما مضى بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع. * * وقوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تُعط عطية تلتمس بها أفضل منها. ⁕ حدثنا أبو حميد الحمصي أحمد بن المُغيرة، قال: ثني أبو حيوة شريح بن يزيد الحضرميّ، قال: ثني أرطاة عن ضمرة بن حبيب وأبي الأحوص في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا، لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني من سمع عكرِمة يقول: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط العطية لتريد أن تأخذ أكثر منها. ⁕ حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل، عن منصور، عن إبراهيم ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط كيما تَزداد. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن مُغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا لتأخذ أكثر منه. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سلمة، عن الضحاك ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعطِ لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعطِ لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا لتزداد. ⁕ حدثنا أبو كُرَيْبٍ قال: ثنا وكيع، عن ابن أبي روّاد، عن الضحاك، قال: هو الربا الحلال، كان للنبي ﷺ خاصة. ⁕ حدثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيع، عن أبي حجيرة، عن الضحاك، هما رِبَوان: حلال، وحرام؛ فأما الحلال: فالهدايا، والحرام: فالربا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ يقول: لا تعطِ شيئا، إنما بك مجازاة الدنيا ومعارضها. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تعط شيئا لتثاب أفضل منه، وقاله أيضا طاوس. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: تعطي مالا مصانعة رجاء أفضل منه من الثواب في الدنيا. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: لا تعط لتُعْطى أكثر منه. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط لتزداد. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن رجل، عن الضحاك بن مزاحم ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: هي للنبيّ ﷺ خاصّة، وللناس عامَّة مُوَسَّع عليهم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تمنن عملك على ربك تستكثر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سفيان بن حسين، عن الحسن، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تمنن عملك تستكثره على ربك. ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تمنن تستكثر عملك. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا يونس بن نافع أبو غانم، عن أبي سهل كثير بن زياد، عن الحسن ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ يقول: لا تمنن تستكثر عملك الصالح. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا يكثر عملك في عينك، فإنه فيما أنعم الله عليك وأعطاك قليل. وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تضعف أن تستكثر من الخير. ووجَّهوا معنى قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ﴾ أي لا تضعف، من قولهم: حبل منين: إذا كان ضعيفا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو حميد بن المغيرة الحمصي، قال: ثنا عبد الله بن عمرو، قال: ثنا محمد بن سلمة، عن خَصِيف عن مجاهد، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قال: تمنن في كلام العرب: تضعف. وقال آخرون في ذلك: لا تمنن بالنبوّة على الناس، تأخذ عليه منهم أجرًا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تمنن بالنبوّة والقرآن الذي أرسلناك به تستكثرهم به، تأخذ عليه عوضا من الدنيا. وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب في ذلك قول من قال: معنى ذلك: ولا تمنن على ربك من أن تستكثر عملك الصالح. وإنما قلت ذلك أولى بالصواب، لأن ذلك في سياق آيات تقدم فيهنّ أمر الله نبيه ﷺ بالجدّ في الدعاء إليه، والصبر على ما يَلْقَى من الأذى فيه، فهذه بأن تكون من أنواع تلك، أشبه منها بأن تكون من غيرها. وذُكر عن عبد الله بن مسعود أن ذلك في قراءته (ولا تمنن أن [[الحديث ١٩٨ - بديل، بضم الباء الموحدة وفتح الدال المهملة: هو ابن ميسرة العقيلي، وهو تابعي ثقة. وهذه الرواية متصلة بإسناد صحيح. لأن عبد الله بن شقيق صرح فيها بانه أخبره "من سمع النبي ﷺ "، وجهالة الصحابي لا تضر، كما هو معروف. والوصل بذكر الصحابي المبهم - زيادة من الثقة، فهي مقبولة. وقد ذكر ابن كثير ١: ٥٤ - ٥٥ هذه الرواية الموصولة، ثم أشار إلى الروايات الثلاث المرسلة، ثم قال: " ووقع في رواية عروة تسمية: عبد الله بن عمرو، فالله أعلم". ولكنه لم يذكر من خرج رواية عروة التي يشير إليها. ثم قال ابن كثير: "وقد روى ابن مردويه من حديث إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر، قال: سألت رسول الله ﷺ عن المغضوب عليهم، قال: اليهود، قلت: الضالين؟ قال: النصارى". وأشار الحافظ في الفتح ٨: ١٢٢ إلى رواية ابن مردويه هذه عن أبي ذر "بإسناد حسن". وذكر أيضًا أن رواية عبد الله بن شقيق الموصولة " أنه أخبره من سمع النبي ﷺ" - رواها أحمد. وهذه الروايات أيضًا عند السيوطي ١: ١٦، والشوكاني ١: ١٤ - ١٥. وسيأتي تفسير (الضالين) بهذه الأسانيد ٢١٠، ٢١١، ٢١٢، ٢١٣. وسيأتي في ٢١١ بيان من عروة الذي في الإسناد ١٩٧.]] تستكثر) . * * وقوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ يقول تعالى ذكره: ولربك فاصبر على ما لقيت فيه من المكروه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل على اختلاف فيه بين أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: على ما أوتيت. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: حمل أمرًا عظيما محاربة العرب، ثم العجم من بعد العرب في الله. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولربك فاصبر على عطيتك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: اصبر على عطيتك. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: اصبر على عطيتك لله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: عطيتك اصبر عليها.

Al-Mukhtasar (français)

Ô toi qui te recouvres avec tes vêtements. Il s’agit du Prophète.

2

قُمْ فَأَنذِرْ

Lève-toi et avertis.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ [مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ] [[زيادة من م.]] عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ وَخَالَفَهُ [[في م: "وخالف".]] الْجُمْهُورُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَوَّلَ الْقُرْآنِ نُزُولًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ كَمَا سَيَأْتِي [بَيَانُ] [[زيادة من م.]] ذَلِكَ هُنَاكَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ؟ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، وقلتُ لَهُ مِثْلَ مَا قلتَ لِي، فَقَالَ جَابِرٌ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "جَاوَرْتُ بحرَاء، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هبطتُ فنُوديت فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ شَمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا. فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي. وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا. قَالَ: فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا قَالَ: فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٢٢) .]] هَكَذَا سَاقَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ [[صحيح مسلم برقم (١٦١) .]] مِنْ طَرِيقِ عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ: "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بصري قبَلَ السماء، فإذا الملك الذي جاءني بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَثَثْتُ [[في م: "فجثيت".]] مِنْهُ حَتَّى هَوَيتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إِلَى: ﴿فَاهْجُرْ﴾ - قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرُّجْزُ: الْأَوْثَانُ -ثُمَّ حَميَ الوحيُ وتَتَابع". هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٢٦) .]] وَهَذَا السِّيَاقُ هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ الْوَحْيُ قَبْلَ هَذَا، لِقَوْلِهِ: "فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [[في م: "الذي كان".]] بِحِرَاءٍ"، وَهُوَ جِبْرِيلُ حِينَ أَتَاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثُمَّ إِنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذَا فَتْرَةٌ، ثُمَّ نَزَلَ الْمَلَكُ بَعْدَ هَذَا. وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ هَذِهِ السُّورَةُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا لَيْث، حَدَّثَنَا عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ [[في أ: "ابن هشام".]] قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنِّي فَتْرَةً، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سمعتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَل السَّمَاءِ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [بِحِرَاءٍ الْآنَ] [[زيادة من م، أ، والمسند.]] قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجُثت [[في م: "فجثيت".]] مِنْهُ فَرَقًا، حَتَّى هَوَيت إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ لَهُمْ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ [بعدُ] [[زيادة من المسند.]] وَتَتَابَعَ". أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/٣٢٥) ، وصحيح البخاري برقم (٤٩٢٦) ، وصحيح مسلم برقم (١٦١) .]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُعَيْبٍ السِّمْسَارُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ [[في أ: الحسن بن بشير".]] البَجَلي، حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكة يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعَامًا، فَلَمَّا أَكَلُوا. قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَاحِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِسَاحِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَاهِنٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِكَاهِنٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَاعِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِشَاعِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: [بَلْ] [[زيادة من م.]] سِحْرٌ يُؤثر. فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فحزنَ وقَنعَ رَأْسَهُ، وتَدَثَّر، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [[المعجم الكبير للطبراني (١١/١٢٥) ، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣١) : "وفيه إبراهيم بن يزيد الخوري وهو ضعيف".]] . فَقَوْلُهُ ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أَيْ: شَمِّرْ عَنْ سَاقِ الْعَزْمِ، وَأَنْذِرِ النَّاسَ. وَبِهَذَا حَصَلَ الْإِرْسَالُ، كَمَا حَصَلَ بِالْأَوَّلِ النُّبُوَّةُ. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أَيْ: عَظِّمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ الْأَجْلَحُ الْكِنْدِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: لَا تَلْبَسْهَا [[في أ: "لا تسلبها".]] عَلَى مَعْصِيَةٍ وَلَا عَلَى غَدْرَة. ثُمَّ قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ: فَإني بِحَمْدِ اللَّهِ لَا ثوبَ فَاجر ... لبستُ وَلَا مِنْ غَدْرَة أتَقَنَّعُ [[البيت في تفسير الطبري (٢٩ظ٩١) .]] وَقَالَ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [فِي هَذِهِ الْآيَةِ] [[زيادة من م.]] ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: نَقِي الثِّيَابِ. وَفِي رِوَايَةٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: فَطَهِّرْ مِنَ الذُّنُوبِ. وَكَذَا قَالَ إبراهيم، الشعبي، وَعَطَاءٌ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: مِنَ الْإِثْمِ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ. وَقَالَ [[في م: "وعن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: نَفْسَكَ، لَيْسَ ثِيَابَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عَمَلَكَ فَأَصْلِحْ، وَكَذَا قَالَ أَبُو رَزِين. وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: لَسْتَ بِكَاهِنٍ وَلَا سَاحِرٍ، فَأَعْرِضْ عَمَّا قَالُوا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: طَهِّرْهَا مِنَ الْمَعَاصِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ إِذَا نَكَثَ وَلَمْ يَفِ بِعَهْدِ اللَّهِ إِنَّهُ لَمُدنَس [[في م: "لدنس".]] الثِّيَابِ. وَإِذَا وَفَّى وَأَصْلَحَ: إِنَّهُ لَمُطَهَّرُ الثِّيَابِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ: لَا تَلْبِسْهَا عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ الشَّاعِرُ [[هو دكين بن رجاء، وانظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة (٢/٦١٢) مستفادًا من حاشية الشعب.]] إِذَا المرءُ لَمْ يَدْنَس منَ اللُّؤْمِ عِرْضُه ... فَكُلّ ردَاء يَرْتَديه جَميلُ ... وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [يَعْنِي] [[زيادة من م.]] لَا تَكُ ثِيَابُكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِنْ مَكْسَبٍ غَيْرِ طَائِبٍ، وَيُقَالُ: لَا تَلْبَسْ ثِيَابَكَ عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيِ: اغْسِلْهَا بِالْمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ لَا يَتَطَهَّرُونَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ، وَأَنْ يُطَهِّرَ ثِيَابَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَدْ تَشْمَلُ الْآيَةُ جَمِيعَ ذَلِكَ مَعَ طَهَارَةِ الْقَلْبِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ الثِّيَابَ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: أفاطمَ مَهلا بَعْضَ هَذا التَدَلُّل ... وَإن كُنت قَد أزْمَعْت هَجْري فأجْمِلي ... وَإن تَكُ قَد سَ ـاءتك مِنِّي خَليقَةٌ ... فَسُلّي ثِيَابي مِن ثِيَابِكِ تَنْسُلِ [[ديوان امرئ القيس (ص٣٧) مستفادًا من حاشية الشعب.]] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ وَقَلْبَكَ ونيتك فطهر. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وخُلقَك فَحسّن. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ وَهُوَ الْأَصْنَامُ، فَاهْجُرْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الْأَوْثَانُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ أَيِ: اتْرُكِ الْمَعْصِيَةَ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا يَلْزَمُ تَلَبُّسُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الْأَحْزَابِ: ١] ﴿وَقَالَ مُوسَى لأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تُعْطِ الْعَطِيَّةَ تَلْتَمِسُ أَكْثَرَ مِنْهَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ: "وَلَا تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا تَمْنُنْ بِعَمَلِكَ عَلَى رَبِّكَ تَسْتَكْثِرُهُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ خُصَيْفٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ: لَا تَضْعُفْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الْخَيْرِ، قَالَ تَمْنُنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: تَضْعُفُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ عَلَى النَّاسِ، تَسْتَكْثِرُهُمْ بِهَا، تَأْخُذُ عَلَيْهِ عِوَضًا مِنَ الدُّنْيَا. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَالْأَظْهَرُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أَيِ: اجْعَلْ صَبْرَكَ عَلَى أَذَاهُمْ لِوَجْهِ رَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: اصْبِرْ عَطِيَّتَكَ لِلَّهِ تَعَالَى [[في أ: "لله عز وجل".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: ﴿النَّاقُورِ﴾ الصُّورِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهُوَ كَهَيْئَةِ الْقَرْنِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُطَرِّف، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ؟ " فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا". وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَسْبَاطٍ، بِهِ [[المسند (١/٣٢٦) ، وقال الحافظ عند تفسير الآية: ١٧٣ من سورة آل عمران: "حديث جيد".]] وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ ابْنِ فُضَيْلٍ وَأَسْبَاطٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُطَرِّفٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ أَيْ: شَدِيدٌ. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ أَيْ: غَيْرُ سَهْلٍ عَلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [الْقَمَرِ: ٨] . وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى -قَاضِي الْبَصْرَةِ-: أَنَّهُ صَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَقَرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ شَهِقَ شَهْقَةً، ثُمَّ خَرَّ مَيِّتًا، رَحِمَهُ اللَّهُ [[رواه أبو نعيم في الحلية (٢/٢٥٨، ٢٥٩) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يأيها المتدثر بثيابه عند نومه. وذُكر أن نبيّ الله ﷺ قيل له ذلك، وهو متدثر بقطيفة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قال: كان متدثرا في قطيفة. وذُكر أن هذه الآية أول شيء نزل من القرآن على رسول الله ﷺ، وأنه قيل له: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ . كما:- ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ وهو يحدّث عن فترة الوحي: " بَيْنا أنا أمْشِي سَمِعْت صَوْتا مِنَ السَّماءِ، فَرَفَعْتُ رأسِي، فإذَا المَلَك الَّذِي جاءَنِي بحرَاءَ جالِسٌ عَلى كُرْسِي بَينَ السَّماءِ والأرْضِ، قال رسول الله ﷺ: "فَجُثِثْتُ مِنْهُ فَرَقا [[الحديث ١٩٥ - وهذا إسناد صحيح أيضًا. مري بن قطري الكوفي: ذكره ابن حبان في الثقات، وترجمه البخاري في الكبير ٤ / ٢ / ٥٧، وقال: "سمع عدي بن حاتم، روى عنه سماك بن حرب، يعد في الكوفيين". و "مري": بضم الميم وتشديد الراء المكسورة مع تشديد الياء. و "قطري" بفتح القاف والطاء وبعد الراء ياء مشددة. وبعضه سيأتي أيضًا بالإسناد نفسه ٢٠٩. وهذا الحديث عن عدي بن حاتم: أصله قصة مطولة في إسلامه. فرواه -بطوله- أحمد في المسند ٤: ٣٧٨ - ٣٧٩ عن محمد بن جعفر عن شعبة، بالإسناد السابق ١٩٤. . ورواه الترمذي ٤: ٦٧ من طريق عمرو بن أبي قيس عن سماك عن عباد بن حبيش عن عدي. وقال: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب. وروى شعبة عن سماك بن حرب عن عباد بن حبيش عن عدي بن حاتم عن النبي ﷺ - الحديث بطوله". وروى بعضه الطيالسي في مسنده: ١٠٤٠ عن عمرو بن ثابت "عمن سمع عدي بن حاتم". وقد تبين لنا من روايات الطبري هنا أن سماك بن حرب سمعه من عباد بن حبيش ومن مري بن قطري، كلاهما عن عدي، وأن سماك بن حرب لم ينفرد بروايته أيضًا، إذ رواه إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عدي. وأن لم يعرفه الترمذي إلا من حديث سماك - لا ينفي أن يعرفه غيره من وجه آخر. وذكره ابن كثير ١: ٥٤ من رواية أحمد في المسند، وأشار إلى رواية الترمذي، وإلى روايات الطبري هنا، ثم قال: "وقد روى حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها ". وذكره الحافظ في الإصابة، في ترجمة عدي ٢: ٢٢٩ من رواية أحمد والترمذي. وذكر السيوطي منه ١: ١٦ تفسير الحرفين، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه. وكذلك صنع الشوكاني ١: ١٥.]] ، وجِئْتُ أهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فدَثَّرُونِي" فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ..﴾ إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: ثم تتابع الوحي. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعي، قال: ثني يحيى بن أبي كثير، قال: سألت أبا سلمة: أيّ القرآن أُنزل أوّل، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت: يقولون ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ، فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله: أيّ القرآن أنزل أوّل؟ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ، فقلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فقال: لا أخبرك إلا ما:- ⁕ حدثنا النبيّ ﷺ، قال: جاورت في حِراء؛ فلما قضيت جواري هبطت، فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت عن يميني وعن شمالي وخلفي وقدّامي، فلم أر شيئا، فنظرت فوق رأسي فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض، فخشيت منه، هكذا قال عثمان بن عمرو، إنما هو: فجثثت منه، ولقيت خديجة، فقلت دثروني، فدثروني، وصبوا عليّ ماءً، فأنزل الله عليّ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ . ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن عليّ بن مبارك، عن يحيى بن أبي كثير، قال سألت أبا سلمة عن أوّل ما نزل من القرآن، قال: نزلت ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أوّل؛ قال: قلت: إنهم يقولون ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ، فقال: سألت جابر بن عبد الله، فقال: لا أحدّثك إلا ما:- ⁕ حدثنا رسول الله ﷺ قال: "جاوَرْتُ بِحِراء؛ فلمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلمْ أرَ شَيْئا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئا، فَرَفَعْتُ رأسي فرأيْتُ شَيْئا، فأتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصبُّوا عَليَّ ماء بارِدًا، فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، قال: فتر الوحي عن رسول الله ﷺ فترة، فحزن حزنًا، فجعل يعدو إلى شواهق رءوس الجبال ليتردّى منها، فكلما أوفى بذروة جبل تبدّى له جبريل عليه السلام فيقول: إنك نبيّ الله، فيسكن جأشه، وتسكن نفسه، فكان النبيّ ﷺ يحدث عن ذلك، قال: "بَيْنَما أنا أَمْشِي يَوْما إذ رأيْتُ المَلَكَ الَّذِي كان يأتِيني بِحرَاءَ على كُرْسِيّ بَينَ السَّماءِ والأرْضِ، فَجَثَثْتُ مِنْهُ رُعْبا، فَرَجَعْتُ إلى خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: "زَمِّلُونِي"، فزملناه: أي فدثرناه، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّر﴾ قال الزهري: فكان أوّل شيء أنزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ... ﴾ حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ، فقال بعضهم: معنى ذلك: يأيُّها النائم في ثيابه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قال: يأيها النائم. ⁕ حدثنا بشر، ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يقول: المتدثر في ثيابه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: يأيُّها المتدثر النبوّة وأثقالها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: وسُئل داود عن هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فحدثنا عن عكرِمة أنه قال: دثِّرت هذا الأمر فقم به. * * وقوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قم من نومك فأنذر عذاب الله قومك الذين أشركوا بالله، وعبدوا غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ : أي أنذر عذاب الله ووقائعه في الأمم، وشدّة نقمته. * * وقوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ يقول تعالى ذكره: وربك يا محمد فعظم بعبادته، والرغبة إليه في حاجاتك دون غيره من الآلهة والأنداد. * * وقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: لا تلبس ثيابك على معصية، ولا على غدرة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: أما سمعت قول غَيلان بن سَلَمة: وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ [[الحديث ١٩٦ - حميد بن مسعدة السامي، شيخ الطبري: هو "السامي" بالسين المهملة، نص على ذلك الحافظ ابن حجر في التقريب. وهو نسبة إلى "سامة بن لؤي بن غالب". ووقع في نسخ الطبري -هنا وفيما يأتي ٢١٠- "الشامي" بالمعجمة، وهو تصحيف. و "الجريري"، بضم الجيم: هو سعيد بن إياس البصري. و "عبد الله بن شقيق العقيلي"، بضم العين وفتح القاف: تابعي كبير ثقة. وهذا الإسناد مرسل، لقول عبد الله بن شقيق: "أن رجلا". وسيأتي مرسلا أيضًا ١٩٧، ١٩٩ ولكنه سيأتي موصولا ١٩٨.]] حدثنا أبو كُريب: قال: ثنا مُصْعَب بن سلام، عن الأجلح، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال: أتاه رجل وأنا جالس فقال: أرأيت قول الله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبسها على معصية ولا على غدرة، ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفيّ: وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ ⁕ حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثنا حفص بن غياث، عن الأجلح، عن عكرِمة، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبسها على غدرة، ولا على فجرة ثم تمثَّل بشعر غيلان بن سلمة هذا. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن عكرِمة ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبس ثيابك على معصية، ألم تسمع قول غيلان بن سَلَمَة الثقفيّ: وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ ⁕ حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني عطاء، أنه سمع ابن عباس يقول: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم، ثم قال: نقيّ الثياب في كلام العرب. ⁕ حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثنا حفص بن غياث القاضي، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: في كلام العرب: نقيّ الثياب. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الذنوب. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الذنوب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: هي كلمة من العربية كانت العرب تقولها: طهر ثيابك: أي من الذنوب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يقول: طهرها من المعاصي، فكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يف بعهد أنه دَنِسَ الثياب، وإذا وفى وأصلح قالوا: مطهَّر الثياب. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يقول: لا تلبس ثيابك على معصية. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم. ⁕ قال ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: من الإثم. ⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن الأجلح، سمع عكرمة قال: لا تلبس ثيابك على معصية. ⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن عامر وعطاء قالا من الخطايا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تلبس ثيابك من مكسب غير طيب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طائب، ويقال: لا تلبس ثيابك على معصية. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أصلح عملك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: عملك فأصلح. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي رَزِين في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: عملك فأصلحه، وكان الرجل إذا كان خبيث العمل، قالوا: فلان خبيث الثياب، وإذا كان حسن العمل قالوا: فلان طاهر الثياب. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لست بكاهن ولا ساحر، فأعرض عما قالوا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: اغسلها بالماء، وطهرها من النجاسة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عباس بن أبي طالب، قال: ثنا عليّ بن عبد الله بن جعفر، عن أحمد بن موسى بن أبى مريم صاحب اللؤلؤ، قال: أخبرنا ابن عون، عن محمد بن سيرين ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: اغسلها بالماء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره أن يتطهر، ويطهِّر ثيابه. وهذا القول الذي قاله ابن سيرين وابن زيد في ذلك أظهر معانيه، والذي قاله ابن عباس، وعكرمة وابن زكريا قول عليه أكثر السلف من أنه عُنِيَ به: جسمك فطهر من الذنوب، والله أعلم بمراده من ذلك. ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء المدينة وعامة قرّاء الكوفة: ﴿والرِّجْزَ﴾ بكسر الراء، وقرأه بعض المكيين والمدنيين ﴿وَالرُّجْزَ﴾ بضم الراء، فمن ضمّ الراء وجهه إلى الأوثان، وقال: معنى الكلام: والأوثان فاهجر عبادتها، واترك خدمتها، ومن كسر الراء وجَّهه إلى العذاب، وقال: معناه: والعذاب فاهجر، أي ما أوجب لك العذاب من الأعمال فاهجر. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، والضمّ والكسر في ذلك لغتان بمعنى واحد، ولم نجد أحدًا من متقدّمي أهل التأويل فرّق بين تأويل ذلك، وإنما فرّق بين ذلك فيما بلغنا الكسائيّ. واختلف أهل التأويل في معنى ﴿الرُّجْزُ﴾ في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو الأصنام. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ يقول: السخط وهو الأصنام. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الأوثان. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل - قال أبو جعفر: أحسبه أنا - عن جابرٍ، عن مجاهد وعكرِمة ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الأوثان. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ : إساف ونائلة، وهما صنمان كانا عند البيت يمسح وجوههما من أتى عليهما، فأمر الله نبيَّهُ ﷺ أن يجتنبهما ويعتزلهما. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: هي الأوثان. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الرجز: آلهتهم التي كانوا يعبدون؛ أمره أن يهجرها، فلا يأتيها، ولا يقربها. وقال آخرون: بل معنى ذلك: والمعصية والإثم فاهجر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الإثم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ يقول: اهجر المعصية. وقد بيَّنا معنى الرجز فيما مضى بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع. * * وقوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تُعط عطية تلتمس بها أفضل منها. ⁕ حدثنا أبو حميد الحمصي أحمد بن المُغيرة، قال: ثني أبو حيوة شريح بن يزيد الحضرميّ، قال: ثني أرطاة عن ضمرة بن حبيب وأبي الأحوص في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا، لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني من سمع عكرِمة يقول: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط العطية لتريد أن تأخذ أكثر منها. ⁕ حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل، عن منصور، عن إبراهيم ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط كيما تَزداد. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن مُغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا لتأخذ أكثر منه. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سلمة، عن الضحاك ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعطِ لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعطِ لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا لتزداد. ⁕ حدثنا أبو كُرَيْبٍ قال: ثنا وكيع، عن ابن أبي روّاد، عن الضحاك، قال: هو الربا الحلال، كان للنبي ﷺ خاصة. ⁕ حدثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيع، عن أبي حجيرة، عن الضحاك، هما رِبَوان: حلال، وحرام؛ فأما الحلال: فالهدايا، والحرام: فالربا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ يقول: لا تعطِ شيئا، إنما بك مجازاة الدنيا ومعارضها. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تعط شيئا لتثاب أفضل منه، وقاله أيضا طاوس. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: تعطي مالا مصانعة رجاء أفضل منه من الثواب في الدنيا. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: لا تعط لتُعْطى أكثر منه. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط لتزداد. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن رجل، عن الضحاك بن مزاحم ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: هي للنبيّ ﷺ خاصّة، وللناس عامَّة مُوَسَّع عليهم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تمنن عملك على ربك تستكثر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سفيان بن حسين، عن الحسن، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تمنن عملك تستكثره على ربك. ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تمنن تستكثر عملك. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا يونس بن نافع أبو غانم، عن أبي سهل كثير بن زياد، عن الحسن ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ يقول: لا تمنن تستكثر عملك الصالح. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا يكثر عملك في عينك، فإنه فيما أنعم الله عليك وأعطاك قليل. وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تضعف أن تستكثر من الخير. ووجَّهوا معنى قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ﴾ أي لا تضعف، من قولهم: حبل منين: إذا كان ضعيفا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو حميد بن المغيرة الحمصي، قال: ثنا عبد الله بن عمرو، قال: ثنا محمد بن سلمة، عن خَصِيف عن مجاهد، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قال: تمنن في كلام العرب: تضعف. وقال آخرون في ذلك: لا تمنن بالنبوّة على الناس، تأخذ عليه منهم أجرًا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تمنن بالنبوّة والقرآن الذي أرسلناك به تستكثرهم به، تأخذ عليه عوضا من الدنيا. وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب في ذلك قول من قال: معنى ذلك: ولا تمنن على ربك من أن تستكثر عملك الصالح. وإنما قلت ذلك أولى بالصواب، لأن ذلك في سياق آيات تقدم فيهنّ أمر الله نبيه ﷺ بالجدّ في الدعاء إليه، والصبر على ما يَلْقَى من الأذى فيه، فهذه بأن تكون من أنواع تلك، أشبه منها بأن تكون من غيرها. وذُكر عن عبد الله بن مسعود أن ذلك في قراءته (ولا تمنن أن [[الحديث ١٩٨ - بديل، بضم الباء الموحدة وفتح الدال المهملة: هو ابن ميسرة العقيلي، وهو تابعي ثقة. وهذه الرواية متصلة بإسناد صحيح. لأن عبد الله بن شقيق صرح فيها بانه أخبره "من سمع النبي ﷺ "، وجهالة الصحابي لا تضر، كما هو معروف. والوصل بذكر الصحابي المبهم - زيادة من الثقة، فهي مقبولة. وقد ذكر ابن كثير ١: ٥٤ - ٥٥ هذه الرواية الموصولة، ثم أشار إلى الروايات الثلاث المرسلة، ثم قال: " ووقع في رواية عروة تسمية: عبد الله بن عمرو، فالله أعلم". ولكنه لم يذكر من خرج رواية عروة التي يشير إليها. ثم قال ابن كثير: "وقد روى ابن مردويه من حديث إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر، قال: سألت رسول الله ﷺ عن المغضوب عليهم، قال: اليهود، قلت: الضالين؟ قال: النصارى". وأشار الحافظ في الفتح ٨: ١٢٢ إلى رواية ابن مردويه هذه عن أبي ذر "بإسناد حسن". وذكر أيضًا أن رواية عبد الله بن شقيق الموصولة " أنه أخبره من سمع النبي ﷺ" - رواها أحمد. وهذه الروايات أيضًا عند السيوطي ١: ١٦، والشوكاني ١: ١٤ - ١٥. وسيأتي تفسير (الضالين) بهذه الأسانيد ٢١٠، ٢١١، ٢١٢، ٢١٣. وسيأتي في ٢١١ بيان من عروة الذي في الإسناد ١٩٧.]] تستكثر) . * * وقوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ يقول تعالى ذكره: ولربك فاصبر على ما لقيت فيه من المكروه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل على اختلاف فيه بين أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: على ما أوتيت. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: حمل أمرًا عظيما محاربة العرب، ثم العجم من بعد العرب في الله. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولربك فاصبر على عطيتك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: اصبر على عطيتك. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: اصبر على عطيتك لله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: عطيتك اصبر عليها.

Al-Mukhtasar (français)

Lève-toi et avertis contre le châtiment d’Allah.

3

وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ

Et de ton Seigneur, célèbre la grandeur.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ [مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ] [[زيادة من م.]] عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ وَخَالَفَهُ [[في م: "وخالف".]] الْجُمْهُورُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَوَّلَ الْقُرْآنِ نُزُولًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ كَمَا سَيَأْتِي [بَيَانُ] [[زيادة من م.]] ذَلِكَ هُنَاكَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ؟ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، وقلتُ لَهُ مِثْلَ مَا قلتَ لِي، فَقَالَ جَابِرٌ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "جَاوَرْتُ بحرَاء، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هبطتُ فنُوديت فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ شَمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا. فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي. وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا. قَالَ: فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا قَالَ: فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٢٢) .]] هَكَذَا سَاقَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ [[صحيح مسلم برقم (١٦١) .]] مِنْ طَرِيقِ عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ: "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بصري قبَلَ السماء، فإذا الملك الذي جاءني بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَثَثْتُ [[في م: "فجثيت".]] مِنْهُ حَتَّى هَوَيتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إِلَى: ﴿فَاهْجُرْ﴾ - قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرُّجْزُ: الْأَوْثَانُ -ثُمَّ حَميَ الوحيُ وتَتَابع". هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٢٦) .]] وَهَذَا السِّيَاقُ هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ الْوَحْيُ قَبْلَ هَذَا، لِقَوْلِهِ: "فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [[في م: "الذي كان".]] بِحِرَاءٍ"، وَهُوَ جِبْرِيلُ حِينَ أَتَاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثُمَّ إِنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذَا فَتْرَةٌ، ثُمَّ نَزَلَ الْمَلَكُ بَعْدَ هَذَا. وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ هَذِهِ السُّورَةُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا لَيْث، حَدَّثَنَا عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ [[في أ: "ابن هشام".]] قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنِّي فَتْرَةً، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سمعتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَل السَّمَاءِ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [بِحِرَاءٍ الْآنَ] [[زيادة من م، أ، والمسند.]] قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجُثت [[في م: "فجثيت".]] مِنْهُ فَرَقًا، حَتَّى هَوَيت إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ لَهُمْ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ [بعدُ] [[زيادة من المسند.]] وَتَتَابَعَ". أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/٣٢٥) ، وصحيح البخاري برقم (٤٩٢٦) ، وصحيح مسلم برقم (١٦١) .]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُعَيْبٍ السِّمْسَارُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ [[في أ: الحسن بن بشير".]] البَجَلي، حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكة يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعَامًا، فَلَمَّا أَكَلُوا. قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَاحِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِسَاحِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَاهِنٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِكَاهِنٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَاعِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِشَاعِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: [بَلْ] [[زيادة من م.]] سِحْرٌ يُؤثر. فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فحزنَ وقَنعَ رَأْسَهُ، وتَدَثَّر، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [[المعجم الكبير للطبراني (١١/١٢٥) ، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣١) : "وفيه إبراهيم بن يزيد الخوري وهو ضعيف".]] . فَقَوْلُهُ ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أَيْ: شَمِّرْ عَنْ سَاقِ الْعَزْمِ، وَأَنْذِرِ النَّاسَ. وَبِهَذَا حَصَلَ الْإِرْسَالُ، كَمَا حَصَلَ بِالْأَوَّلِ النُّبُوَّةُ. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أَيْ: عَظِّمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ الْأَجْلَحُ الْكِنْدِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: لَا تَلْبَسْهَا [[في أ: "لا تسلبها".]] عَلَى مَعْصِيَةٍ وَلَا عَلَى غَدْرَة. ثُمَّ قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ: فَإني بِحَمْدِ اللَّهِ لَا ثوبَ فَاجر ... لبستُ وَلَا مِنْ غَدْرَة أتَقَنَّعُ [[البيت في تفسير الطبري (٢٩ظ٩١) .]] وَقَالَ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [فِي هَذِهِ الْآيَةِ] [[زيادة من م.]] ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: نَقِي الثِّيَابِ. وَفِي رِوَايَةٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: فَطَهِّرْ مِنَ الذُّنُوبِ. وَكَذَا قَالَ إبراهيم، الشعبي، وَعَطَاءٌ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: مِنَ الْإِثْمِ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ. وَقَالَ [[في م: "وعن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: نَفْسَكَ، لَيْسَ ثِيَابَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عَمَلَكَ فَأَصْلِحْ، وَكَذَا قَالَ أَبُو رَزِين. وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: لَسْتَ بِكَاهِنٍ وَلَا سَاحِرٍ، فَأَعْرِضْ عَمَّا قَالُوا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: طَهِّرْهَا مِنَ الْمَعَاصِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ إِذَا نَكَثَ وَلَمْ يَفِ بِعَهْدِ اللَّهِ إِنَّهُ لَمُدنَس [[في م: "لدنس".]] الثِّيَابِ. وَإِذَا وَفَّى وَأَصْلَحَ: إِنَّهُ لَمُطَهَّرُ الثِّيَابِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ: لَا تَلْبِسْهَا عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ الشَّاعِرُ [[هو دكين بن رجاء، وانظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة (٢/٦١٢) مستفادًا من حاشية الشعب.]] إِذَا المرءُ لَمْ يَدْنَس منَ اللُّؤْمِ عِرْضُه ... فَكُلّ ردَاء يَرْتَديه جَميلُ ... وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [يَعْنِي] [[زيادة من م.]] لَا تَكُ ثِيَابُكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِنْ مَكْسَبٍ غَيْرِ طَائِبٍ، وَيُقَالُ: لَا تَلْبَسْ ثِيَابَكَ عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيِ: اغْسِلْهَا بِالْمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ لَا يَتَطَهَّرُونَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ، وَأَنْ يُطَهِّرَ ثِيَابَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَدْ تَشْمَلُ الْآيَةُ جَمِيعَ ذَلِكَ مَعَ طَهَارَةِ الْقَلْبِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ الثِّيَابَ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: أفاطمَ مَهلا بَعْضَ هَذا التَدَلُّل ... وَإن كُنت قَد أزْمَعْت هَجْري فأجْمِلي ... وَإن تَكُ قَد سَ ـاءتك مِنِّي خَليقَةٌ ... فَسُلّي ثِيَابي مِن ثِيَابِكِ تَنْسُلِ [[ديوان امرئ القيس (ص٣٧) مستفادًا من حاشية الشعب.]] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ وَقَلْبَكَ ونيتك فطهر. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وخُلقَك فَحسّن. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ وَهُوَ الْأَصْنَامُ، فَاهْجُرْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الْأَوْثَانُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ أَيِ: اتْرُكِ الْمَعْصِيَةَ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا يَلْزَمُ تَلَبُّسُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الْأَحْزَابِ: ١] ﴿وَقَالَ مُوسَى لأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تُعْطِ الْعَطِيَّةَ تَلْتَمِسُ أَكْثَرَ مِنْهَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ: "وَلَا تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا تَمْنُنْ بِعَمَلِكَ عَلَى رَبِّكَ تَسْتَكْثِرُهُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ خُصَيْفٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ: لَا تَضْعُفْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الْخَيْرِ، قَالَ تَمْنُنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: تَضْعُفُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ عَلَى النَّاسِ، تَسْتَكْثِرُهُمْ بِهَا، تَأْخُذُ عَلَيْهِ عِوَضًا مِنَ الدُّنْيَا. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَالْأَظْهَرُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أَيِ: اجْعَلْ صَبْرَكَ عَلَى أَذَاهُمْ لِوَجْهِ رَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: اصْبِرْ عَطِيَّتَكَ لِلَّهِ تَعَالَى [[في أ: "لله عز وجل".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: ﴿النَّاقُورِ﴾ الصُّورِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهُوَ كَهَيْئَةِ الْقَرْنِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُطَرِّف، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ؟ " فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا". وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَسْبَاطٍ، بِهِ [[المسند (١/٣٢٦) ، وقال الحافظ عند تفسير الآية: ١٧٣ من سورة آل عمران: "حديث جيد".]] وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ ابْنِ فُضَيْلٍ وَأَسْبَاطٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُطَرِّفٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ أَيْ: شَدِيدٌ. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ أَيْ: غَيْرُ سَهْلٍ عَلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [الْقَمَرِ: ٨] . وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى -قَاضِي الْبَصْرَةِ-: أَنَّهُ صَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَقَرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ شَهِقَ شَهْقَةً، ثُمَّ خَرَّ مَيِّتًا، رَحِمَهُ اللَّهُ [[رواه أبو نعيم في الحلية (٢/٢٥٨، ٢٥٩) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يأيها المتدثر بثيابه عند نومه. وذُكر أن نبيّ الله ﷺ قيل له ذلك، وهو متدثر بقطيفة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قال: كان متدثرا في قطيفة. وذُكر أن هذه الآية أول شيء نزل من القرآن على رسول الله ﷺ، وأنه قيل له: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ . كما:- ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ وهو يحدّث عن فترة الوحي: " بَيْنا أنا أمْشِي سَمِعْت صَوْتا مِنَ السَّماءِ، فَرَفَعْتُ رأسِي، فإذَا المَلَك الَّذِي جاءَنِي بحرَاءَ جالِسٌ عَلى كُرْسِي بَينَ السَّماءِ والأرْضِ، قال رسول الله ﷺ: "فَجُثِثْتُ مِنْهُ فَرَقا [[الحديث ١٩٥ - وهذا إسناد صحيح أيضًا. مري بن قطري الكوفي: ذكره ابن حبان في الثقات، وترجمه البخاري في الكبير ٤ / ٢ / ٥٧، وقال: "سمع عدي بن حاتم، روى عنه سماك بن حرب، يعد في الكوفيين". و "مري": بضم الميم وتشديد الراء المكسورة مع تشديد الياء. و "قطري" بفتح القاف والطاء وبعد الراء ياء مشددة. وبعضه سيأتي أيضًا بالإسناد نفسه ٢٠٩. وهذا الحديث عن عدي بن حاتم: أصله قصة مطولة في إسلامه. فرواه -بطوله- أحمد في المسند ٤: ٣٧٨ - ٣٧٩ عن محمد بن جعفر عن شعبة، بالإسناد السابق ١٩٤. . ورواه الترمذي ٤: ٦٧ من طريق عمرو بن أبي قيس عن سماك عن عباد بن حبيش عن عدي. وقال: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب. وروى شعبة عن سماك بن حرب عن عباد بن حبيش عن عدي بن حاتم عن النبي ﷺ - الحديث بطوله". وروى بعضه الطيالسي في مسنده: ١٠٤٠ عن عمرو بن ثابت "عمن سمع عدي بن حاتم". وقد تبين لنا من روايات الطبري هنا أن سماك بن حرب سمعه من عباد بن حبيش ومن مري بن قطري، كلاهما عن عدي، وأن سماك بن حرب لم ينفرد بروايته أيضًا، إذ رواه إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عدي. وأن لم يعرفه الترمذي إلا من حديث سماك - لا ينفي أن يعرفه غيره من وجه آخر. وذكره ابن كثير ١: ٥٤ من رواية أحمد في المسند، وأشار إلى رواية الترمذي، وإلى روايات الطبري هنا، ثم قال: "وقد روى حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها ". وذكره الحافظ في الإصابة، في ترجمة عدي ٢: ٢٢٩ من رواية أحمد والترمذي. وذكر السيوطي منه ١: ١٦ تفسير الحرفين، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه. وكذلك صنع الشوكاني ١: ١٥.]] ، وجِئْتُ أهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فدَثَّرُونِي" فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ..﴾ إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: ثم تتابع الوحي. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعي، قال: ثني يحيى بن أبي كثير، قال: سألت أبا سلمة: أيّ القرآن أُنزل أوّل، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت: يقولون ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ، فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله: أيّ القرآن أنزل أوّل؟ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ، فقلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فقال: لا أخبرك إلا ما:- ⁕ حدثنا النبيّ ﷺ، قال: جاورت في حِراء؛ فلما قضيت جواري هبطت، فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت عن يميني وعن شمالي وخلفي وقدّامي، فلم أر شيئا، فنظرت فوق رأسي فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض، فخشيت منه، هكذا قال عثمان بن عمرو، إنما هو: فجثثت منه، ولقيت خديجة، فقلت دثروني، فدثروني، وصبوا عليّ ماءً، فأنزل الله عليّ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ . ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن عليّ بن مبارك، عن يحيى بن أبي كثير، قال سألت أبا سلمة عن أوّل ما نزل من القرآن، قال: نزلت ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أوّل؛ قال: قلت: إنهم يقولون ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ، فقال: سألت جابر بن عبد الله، فقال: لا أحدّثك إلا ما:- ⁕ حدثنا رسول الله ﷺ قال: "جاوَرْتُ بِحِراء؛ فلمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلمْ أرَ شَيْئا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئا، فَرَفَعْتُ رأسي فرأيْتُ شَيْئا، فأتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصبُّوا عَليَّ ماء بارِدًا، فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، قال: فتر الوحي عن رسول الله ﷺ فترة، فحزن حزنًا، فجعل يعدو إلى شواهق رءوس الجبال ليتردّى منها، فكلما أوفى بذروة جبل تبدّى له جبريل عليه السلام فيقول: إنك نبيّ الله، فيسكن جأشه، وتسكن نفسه، فكان النبيّ ﷺ يحدث عن ذلك، قال: "بَيْنَما أنا أَمْشِي يَوْما إذ رأيْتُ المَلَكَ الَّذِي كان يأتِيني بِحرَاءَ على كُرْسِيّ بَينَ السَّماءِ والأرْضِ، فَجَثَثْتُ مِنْهُ رُعْبا، فَرَجَعْتُ إلى خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: "زَمِّلُونِي"، فزملناه: أي فدثرناه، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّر﴾ قال الزهري: فكان أوّل شيء أنزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ... ﴾ حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ، فقال بعضهم: معنى ذلك: يأيُّها النائم في ثيابه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قال: يأيها النائم. ⁕ حدثنا بشر، ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يقول: المتدثر في ثيابه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: يأيُّها المتدثر النبوّة وأثقالها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: وسُئل داود عن هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فحدثنا عن عكرِمة أنه قال: دثِّرت هذا الأمر فقم به. * * وقوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قم من نومك فأنذر عذاب الله قومك الذين أشركوا بالله، وعبدوا غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ : أي أنذر عذاب الله ووقائعه في الأمم، وشدّة نقمته. * * وقوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ يقول تعالى ذكره: وربك يا محمد فعظم بعبادته، والرغبة إليه في حاجاتك دون غيره من الآلهة والأنداد. * * وقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: لا تلبس ثيابك على معصية، ولا على غدرة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: أما سمعت قول غَيلان بن سَلَمة: وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ [[الحديث ١٩٦ - حميد بن مسعدة السامي، شيخ الطبري: هو "السامي" بالسين المهملة، نص على ذلك الحافظ ابن حجر في التقريب. وهو نسبة إلى "سامة بن لؤي بن غالب". ووقع في نسخ الطبري -هنا وفيما يأتي ٢١٠- "الشامي" بالمعجمة، وهو تصحيف. و "الجريري"، بضم الجيم: هو سعيد بن إياس البصري. و "عبد الله بن شقيق العقيلي"، بضم العين وفتح القاف: تابعي كبير ثقة. وهذا الإسناد مرسل، لقول عبد الله بن شقيق: "أن رجلا". وسيأتي مرسلا أيضًا ١٩٧، ١٩٩ ولكنه سيأتي موصولا ١٩٨.]] حدثنا أبو كُريب: قال: ثنا مُصْعَب بن سلام، عن الأجلح، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال: أتاه رجل وأنا جالس فقال: أرأيت قول الله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبسها على معصية ولا على غدرة، ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفيّ: وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ ⁕ حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثنا حفص بن غياث، عن الأجلح، عن عكرِمة، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبسها على غدرة، ولا على فجرة ثم تمثَّل بشعر غيلان بن سلمة هذا. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن عكرِمة ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبس ثيابك على معصية، ألم تسمع قول غيلان بن سَلَمَة الثقفيّ: وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ ⁕ حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني عطاء، أنه سمع ابن عباس يقول: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم، ثم قال: نقيّ الثياب في كلام العرب. ⁕ حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثنا حفص بن غياث القاضي، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: في كلام العرب: نقيّ الثياب. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الذنوب. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الذنوب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: هي كلمة من العربية كانت العرب تقولها: طهر ثيابك: أي من الذنوب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يقول: طهرها من المعاصي، فكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يف بعهد أنه دَنِسَ الثياب، وإذا وفى وأصلح قالوا: مطهَّر الثياب. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يقول: لا تلبس ثيابك على معصية. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم. ⁕ قال ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: من الإثم. ⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن الأجلح، سمع عكرمة قال: لا تلبس ثيابك على معصية. ⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن عامر وعطاء قالا من الخطايا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تلبس ثيابك من مكسب غير طيب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طائب، ويقال: لا تلبس ثيابك على معصية. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أصلح عملك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: عملك فأصلح. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي رَزِين في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: عملك فأصلحه، وكان الرجل إذا كان خبيث العمل، قالوا: فلان خبيث الثياب، وإذا كان حسن العمل قالوا: فلان طاهر الثياب. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لست بكاهن ولا ساحر، فأعرض عما قالوا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: اغسلها بالماء، وطهرها من النجاسة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عباس بن أبي طالب، قال: ثنا عليّ بن عبد الله بن جعفر، عن أحمد بن موسى بن أبى مريم صاحب اللؤلؤ، قال: أخبرنا ابن عون، عن محمد بن سيرين ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: اغسلها بالماء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره أن يتطهر، ويطهِّر ثيابه. وهذا القول الذي قاله ابن سيرين وابن زيد في ذلك أظهر معانيه، والذي قاله ابن عباس، وعكرمة وابن زكريا قول عليه أكثر السلف من أنه عُنِيَ به: جسمك فطهر من الذنوب، والله أعلم بمراده من ذلك. ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء المدينة وعامة قرّاء الكوفة: ﴿والرِّجْزَ﴾ بكسر الراء، وقرأه بعض المكيين والمدنيين ﴿وَالرُّجْزَ﴾ بضم الراء، فمن ضمّ الراء وجهه إلى الأوثان، وقال: معنى الكلام: والأوثان فاهجر عبادتها، واترك خدمتها، ومن كسر الراء وجَّهه إلى العذاب، وقال: معناه: والعذاب فاهجر، أي ما أوجب لك العذاب من الأعمال فاهجر. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، والضمّ والكسر في ذلك لغتان بمعنى واحد، ولم نجد أحدًا من متقدّمي أهل التأويل فرّق بين تأويل ذلك، وإنما فرّق بين ذلك فيما بلغنا الكسائيّ. واختلف أهل التأويل في معنى ﴿الرُّجْزُ﴾ في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو الأصنام. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ يقول: السخط وهو الأصنام. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الأوثان. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل - قال أبو جعفر: أحسبه أنا - عن جابرٍ، عن مجاهد وعكرِمة ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الأوثان. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ : إساف ونائلة، وهما صنمان كانا عند البيت يمسح وجوههما من أتى عليهما، فأمر الله نبيَّهُ ﷺ أن يجتنبهما ويعتزلهما. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: هي الأوثان. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الرجز: آلهتهم التي كانوا يعبدون؛ أمره أن يهجرها، فلا يأتيها، ولا يقربها. وقال آخرون: بل معنى ذلك: والمعصية والإثم فاهجر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الإثم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ يقول: اهجر المعصية. وقد بيَّنا معنى الرجز فيما مضى بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع. * * وقوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تُعط عطية تلتمس بها أفضل منها. ⁕ حدثنا أبو حميد الحمصي أحمد بن المُغيرة، قال: ثني أبو حيوة شريح بن يزيد الحضرميّ، قال: ثني أرطاة عن ضمرة بن حبيب وأبي الأحوص في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا، لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني من سمع عكرِمة يقول: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط العطية لتريد أن تأخذ أكثر منها. ⁕ حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل، عن منصور، عن إبراهيم ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط كيما تَزداد. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن مُغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا لتأخذ أكثر منه. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سلمة، عن الضحاك ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعطِ لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعطِ لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا لتزداد. ⁕ حدثنا أبو كُرَيْبٍ قال: ثنا وكيع، عن ابن أبي روّاد، عن الضحاك، قال: هو الربا الحلال، كان للنبي ﷺ خاصة. ⁕ حدثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيع، عن أبي حجيرة، عن الضحاك، هما رِبَوان: حلال، وحرام؛ فأما الحلال: فالهدايا، والحرام: فالربا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ يقول: لا تعطِ شيئا، إنما بك مجازاة الدنيا ومعارضها. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تعط شيئا لتثاب أفضل منه، وقاله أيضا طاوس. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: تعطي مالا مصانعة رجاء أفضل منه من الثواب في الدنيا. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: لا تعط لتُعْطى أكثر منه. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط لتزداد. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن رجل، عن الضحاك بن مزاحم ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: هي للنبيّ ﷺ خاصّة، وللناس عامَّة مُوَسَّع عليهم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تمنن عملك على ربك تستكثر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سفيان بن حسين، عن الحسن، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تمنن عملك تستكثره على ربك. ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تمنن تستكثر عملك. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا يونس بن نافع أبو غانم، عن أبي سهل كثير بن زياد، عن الحسن ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ يقول: لا تمنن تستكثر عملك الصالح. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا يكثر عملك في عينك، فإنه فيما أنعم الله عليك وأعطاك قليل. وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تضعف أن تستكثر من الخير. ووجَّهوا معنى قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ﴾ أي لا تضعف، من قولهم: حبل منين: إذا كان ضعيفا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو حميد بن المغيرة الحمصي، قال: ثنا عبد الله بن عمرو، قال: ثنا محمد بن سلمة، عن خَصِيف عن مجاهد، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قال: تمنن في كلام العرب: تضعف. وقال آخرون في ذلك: لا تمنن بالنبوّة على الناس، تأخذ عليه منهم أجرًا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تمنن بالنبوّة والقرآن الذي أرسلناك به تستكثرهم به، تأخذ عليه عوضا من الدنيا. وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب في ذلك قول من قال: معنى ذلك: ولا تمنن على ربك من أن تستكثر عملك الصالح. وإنما قلت ذلك أولى بالصواب، لأن ذلك في سياق آيات تقدم فيهنّ أمر الله نبيه ﷺ بالجدّ في الدعاء إليه، والصبر على ما يَلْقَى من الأذى فيه، فهذه بأن تكون من أنواع تلك، أشبه منها بأن تكون من غيرها. وذُكر عن عبد الله بن مسعود أن ذلك في قراءته (ولا تمنن أن [[الحديث ١٩٨ - بديل، بضم الباء الموحدة وفتح الدال المهملة: هو ابن ميسرة العقيلي، وهو تابعي ثقة. وهذه الرواية متصلة بإسناد صحيح. لأن عبد الله بن شقيق صرح فيها بانه أخبره "من سمع النبي ﷺ "، وجهالة الصحابي لا تضر، كما هو معروف. والوصل بذكر الصحابي المبهم - زيادة من الثقة، فهي مقبولة. وقد ذكر ابن كثير ١: ٥٤ - ٥٥ هذه الرواية الموصولة، ثم أشار إلى الروايات الثلاث المرسلة، ثم قال: " ووقع في رواية عروة تسمية: عبد الله بن عمرو، فالله أعلم". ولكنه لم يذكر من خرج رواية عروة التي يشير إليها. ثم قال ابن كثير: "وقد روى ابن مردويه من حديث إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر، قال: سألت رسول الله ﷺ عن المغضوب عليهم، قال: اليهود، قلت: الضالين؟ قال: النصارى". وأشار الحافظ في الفتح ٨: ١٢٢ إلى رواية ابن مردويه هذه عن أبي ذر "بإسناد حسن". وذكر أيضًا أن رواية عبد الله بن شقيق الموصولة " أنه أخبره من سمع النبي ﷺ" - رواها أحمد. وهذه الروايات أيضًا عند السيوطي ١: ١٦، والشوكاني ١: ١٤ - ١٥. وسيأتي تفسير (الضالين) بهذه الأسانيد ٢١٠، ٢١١، ٢١٢، ٢١٣. وسيأتي في ٢١١ بيان من عروة الذي في الإسناد ١٩٧.]] تستكثر) . * * وقوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ يقول تعالى ذكره: ولربك فاصبر على ما لقيت فيه من المكروه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل على اختلاف فيه بين أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: على ما أوتيت. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: حمل أمرًا عظيما محاربة العرب، ثم العجم من بعد العرب في الله. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولربك فاصبر على عطيتك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: اصبر على عطيتك. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: اصبر على عطيتك لله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: عطيتك اصبر عليها.

Al-Mukhtasar (français)

Célèbre la grandeur de ton Seigneur.

4

وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ

Et tes vêtements, purifie-les.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ [مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ] [[زيادة من م.]] عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ وَخَالَفَهُ [[في م: "وخالف".]] الْجُمْهُورُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَوَّلَ الْقُرْآنِ نُزُولًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ كَمَا سَيَأْتِي [بَيَانُ] [[زيادة من م.]] ذَلِكَ هُنَاكَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ؟ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، وقلتُ لَهُ مِثْلَ مَا قلتَ لِي، فَقَالَ جَابِرٌ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "جَاوَرْتُ بحرَاء، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هبطتُ فنُوديت فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ شَمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا. فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي. وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا. قَالَ: فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا قَالَ: فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٢٢) .]] هَكَذَا سَاقَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ [[صحيح مسلم برقم (١٦١) .]] مِنْ طَرِيقِ عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ: "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بصري قبَلَ السماء، فإذا الملك الذي جاءني بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَثَثْتُ [[في م: "فجثيت".]] مِنْهُ حَتَّى هَوَيتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إِلَى: ﴿فَاهْجُرْ﴾ - قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرُّجْزُ: الْأَوْثَانُ -ثُمَّ حَميَ الوحيُ وتَتَابع". هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٢٦) .]] وَهَذَا السِّيَاقُ هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ الْوَحْيُ قَبْلَ هَذَا، لِقَوْلِهِ: "فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [[في م: "الذي كان".]] بِحِرَاءٍ"، وَهُوَ جِبْرِيلُ حِينَ أَتَاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثُمَّ إِنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذَا فَتْرَةٌ، ثُمَّ نَزَلَ الْمَلَكُ بَعْدَ هَذَا. وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ هَذِهِ السُّورَةُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا لَيْث، حَدَّثَنَا عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ [[في أ: "ابن هشام".]] قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنِّي فَتْرَةً، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سمعتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَل السَّمَاءِ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [بِحِرَاءٍ الْآنَ] [[زيادة من م، أ، والمسند.]] قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجُثت [[في م: "فجثيت".]] مِنْهُ فَرَقًا، حَتَّى هَوَيت إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ لَهُمْ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ [بعدُ] [[زيادة من المسند.]] وَتَتَابَعَ". أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/٣٢٥) ، وصحيح البخاري برقم (٤٩٢٦) ، وصحيح مسلم برقم (١٦١) .]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُعَيْبٍ السِّمْسَارُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ [[في أ: الحسن بن بشير".]] البَجَلي، حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكة يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعَامًا، فَلَمَّا أَكَلُوا. قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَاحِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِسَاحِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَاهِنٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِكَاهِنٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَاعِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِشَاعِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: [بَلْ] [[زيادة من م.]] سِحْرٌ يُؤثر. فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فحزنَ وقَنعَ رَأْسَهُ، وتَدَثَّر، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [[المعجم الكبير للطبراني (١١/١٢٥) ، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣١) : "وفيه إبراهيم بن يزيد الخوري وهو ضعيف".]] . فَقَوْلُهُ ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أَيْ: شَمِّرْ عَنْ سَاقِ الْعَزْمِ، وَأَنْذِرِ النَّاسَ. وَبِهَذَا حَصَلَ الْإِرْسَالُ، كَمَا حَصَلَ بِالْأَوَّلِ النُّبُوَّةُ. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أَيْ: عَظِّمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ الْأَجْلَحُ الْكِنْدِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: لَا تَلْبَسْهَا [[في أ: "لا تسلبها".]] عَلَى مَعْصِيَةٍ وَلَا عَلَى غَدْرَة. ثُمَّ قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ: فَإني بِحَمْدِ اللَّهِ لَا ثوبَ فَاجر ... لبستُ وَلَا مِنْ غَدْرَة أتَقَنَّعُ [[البيت في تفسير الطبري (٢٩ظ٩١) .]] وَقَالَ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [فِي هَذِهِ الْآيَةِ] [[زيادة من م.]] ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: نَقِي الثِّيَابِ. وَفِي رِوَايَةٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: فَطَهِّرْ مِنَ الذُّنُوبِ. وَكَذَا قَالَ إبراهيم، الشعبي، وَعَطَاءٌ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: مِنَ الْإِثْمِ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ. وَقَالَ [[في م: "وعن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: نَفْسَكَ، لَيْسَ ثِيَابَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عَمَلَكَ فَأَصْلِحْ، وَكَذَا قَالَ أَبُو رَزِين. وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: لَسْتَ بِكَاهِنٍ وَلَا سَاحِرٍ، فَأَعْرِضْ عَمَّا قَالُوا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: طَهِّرْهَا مِنَ الْمَعَاصِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ إِذَا نَكَثَ وَلَمْ يَفِ بِعَهْدِ اللَّهِ إِنَّهُ لَمُدنَس [[في م: "لدنس".]] الثِّيَابِ. وَإِذَا وَفَّى وَأَصْلَحَ: إِنَّهُ لَمُطَهَّرُ الثِّيَابِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ: لَا تَلْبِسْهَا عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ الشَّاعِرُ [[هو دكين بن رجاء، وانظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة (٢/٦١٢) مستفادًا من حاشية الشعب.]] إِذَا المرءُ لَمْ يَدْنَس منَ اللُّؤْمِ عِرْضُه ... فَكُلّ ردَاء يَرْتَديه جَميلُ ... وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [يَعْنِي] [[زيادة من م.]] لَا تَكُ ثِيَابُكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِنْ مَكْسَبٍ غَيْرِ طَائِبٍ، وَيُقَالُ: لَا تَلْبَسْ ثِيَابَكَ عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيِ: اغْسِلْهَا بِالْمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ لَا يَتَطَهَّرُونَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ، وَأَنْ يُطَهِّرَ ثِيَابَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَدْ تَشْمَلُ الْآيَةُ جَمِيعَ ذَلِكَ مَعَ طَهَارَةِ الْقَلْبِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ الثِّيَابَ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: أفاطمَ مَهلا بَعْضَ هَذا التَدَلُّل ... وَإن كُنت قَد أزْمَعْت هَجْري فأجْمِلي ... وَإن تَكُ قَد سَ ـاءتك مِنِّي خَليقَةٌ ... فَسُلّي ثِيَابي مِن ثِيَابِكِ تَنْسُلِ [[ديوان امرئ القيس (ص٣٧) مستفادًا من حاشية الشعب.]] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ وَقَلْبَكَ ونيتك فطهر. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وخُلقَك فَحسّن. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ وَهُوَ الْأَصْنَامُ، فَاهْجُرْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الْأَوْثَانُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ أَيِ: اتْرُكِ الْمَعْصِيَةَ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا يَلْزَمُ تَلَبُّسُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الْأَحْزَابِ: ١] ﴿وَقَالَ مُوسَى لأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تُعْطِ الْعَطِيَّةَ تَلْتَمِسُ أَكْثَرَ مِنْهَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ: "وَلَا تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا تَمْنُنْ بِعَمَلِكَ عَلَى رَبِّكَ تَسْتَكْثِرُهُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ خُصَيْفٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ: لَا تَضْعُفْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الْخَيْرِ، قَالَ تَمْنُنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: تَضْعُفُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ عَلَى النَّاسِ، تَسْتَكْثِرُهُمْ بِهَا، تَأْخُذُ عَلَيْهِ عِوَضًا مِنَ الدُّنْيَا. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَالْأَظْهَرُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أَيِ: اجْعَلْ صَبْرَكَ عَلَى أَذَاهُمْ لِوَجْهِ رَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: اصْبِرْ عَطِيَّتَكَ لِلَّهِ تَعَالَى [[في أ: "لله عز وجل".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: ﴿النَّاقُورِ﴾ الصُّورِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهُوَ كَهَيْئَةِ الْقَرْنِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُطَرِّف، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ؟ " فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا". وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَسْبَاطٍ، بِهِ [[المسند (١/٣٢٦) ، وقال الحافظ عند تفسير الآية: ١٧٣ من سورة آل عمران: "حديث جيد".]] وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ ابْنِ فُضَيْلٍ وَأَسْبَاطٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُطَرِّفٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ أَيْ: شَدِيدٌ. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ أَيْ: غَيْرُ سَهْلٍ عَلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [الْقَمَرِ: ٨] . وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى -قَاضِي الْبَصْرَةِ-: أَنَّهُ صَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَقَرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ شَهِقَ شَهْقَةً، ثُمَّ خَرَّ مَيِّتًا، رَحِمَهُ اللَّهُ [[رواه أبو نعيم في الحلية (٢/٢٥٨، ٢٥٩) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يأيها المتدثر بثيابه عند نومه. وذُكر أن نبيّ الله ﷺ قيل له ذلك، وهو متدثر بقطيفة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قال: كان متدثرا في قطيفة. وذُكر أن هذه الآية أول شيء نزل من القرآن على رسول الله ﷺ، وأنه قيل له: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ . كما:- ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ وهو يحدّث عن فترة الوحي: " بَيْنا أنا أمْشِي سَمِعْت صَوْتا مِنَ السَّماءِ، فَرَفَعْتُ رأسِي، فإذَا المَلَك الَّذِي جاءَنِي بحرَاءَ جالِسٌ عَلى كُرْسِي بَينَ السَّماءِ والأرْضِ، قال رسول الله ﷺ: "فَجُثِثْتُ مِنْهُ فَرَقا [[الحديث ١٩٥ - وهذا إسناد صحيح أيضًا. مري بن قطري الكوفي: ذكره ابن حبان في الثقات، وترجمه البخاري في الكبير ٤ / ٢ / ٥٧، وقال: "سمع عدي بن حاتم، روى عنه سماك بن حرب، يعد في الكوفيين". و "مري": بضم الميم وتشديد الراء المكسورة مع تشديد الياء. و "قطري" بفتح القاف والطاء وبعد الراء ياء مشددة. وبعضه سيأتي أيضًا بالإسناد نفسه ٢٠٩. وهذا الحديث عن عدي بن حاتم: أصله قصة مطولة في إسلامه. فرواه -بطوله- أحمد في المسند ٤: ٣٧٨ - ٣٧٩ عن محمد بن جعفر عن شعبة، بالإسناد السابق ١٩٤. . ورواه الترمذي ٤: ٦٧ من طريق عمرو بن أبي قيس عن سماك عن عباد بن حبيش عن عدي. وقال: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب. وروى شعبة عن سماك بن حرب عن عباد بن حبيش عن عدي بن حاتم عن النبي ﷺ - الحديث بطوله". وروى بعضه الطيالسي في مسنده: ١٠٤٠ عن عمرو بن ثابت "عمن سمع عدي بن حاتم". وقد تبين لنا من روايات الطبري هنا أن سماك بن حرب سمعه من عباد بن حبيش ومن مري بن قطري، كلاهما عن عدي، وأن سماك بن حرب لم ينفرد بروايته أيضًا، إذ رواه إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عدي. وأن لم يعرفه الترمذي إلا من حديث سماك - لا ينفي أن يعرفه غيره من وجه آخر. وذكره ابن كثير ١: ٥٤ من رواية أحمد في المسند، وأشار إلى رواية الترمذي، وإلى روايات الطبري هنا، ثم قال: "وقد روى حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها ". وذكره الحافظ في الإصابة، في ترجمة عدي ٢: ٢٢٩ من رواية أحمد والترمذي. وذكر السيوطي منه ١: ١٦ تفسير الحرفين، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه. وكذلك صنع الشوكاني ١: ١٥.]] ، وجِئْتُ أهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فدَثَّرُونِي" فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ..﴾ إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: ثم تتابع الوحي. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعي، قال: ثني يحيى بن أبي كثير، قال: سألت أبا سلمة: أيّ القرآن أُنزل أوّل، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت: يقولون ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ، فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله: أيّ القرآن أنزل أوّل؟ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ، فقلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فقال: لا أخبرك إلا ما:- ⁕ حدثنا النبيّ ﷺ، قال: جاورت في حِراء؛ فلما قضيت جواري هبطت، فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت عن يميني وعن شمالي وخلفي وقدّامي، فلم أر شيئا، فنظرت فوق رأسي فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض، فخشيت منه، هكذا قال عثمان بن عمرو، إنما هو: فجثثت منه، ولقيت خديجة، فقلت دثروني، فدثروني، وصبوا عليّ ماءً، فأنزل الله عليّ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ . ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن عليّ بن مبارك، عن يحيى بن أبي كثير، قال سألت أبا سلمة عن أوّل ما نزل من القرآن، قال: نزلت ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أوّل؛ قال: قلت: إنهم يقولون ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ، فقال: سألت جابر بن عبد الله، فقال: لا أحدّثك إلا ما:- ⁕ حدثنا رسول الله ﷺ قال: "جاوَرْتُ بِحِراء؛ فلمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلمْ أرَ شَيْئا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئا، فَرَفَعْتُ رأسي فرأيْتُ شَيْئا، فأتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصبُّوا عَليَّ ماء بارِدًا، فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، قال: فتر الوحي عن رسول الله ﷺ فترة، فحزن حزنًا، فجعل يعدو إلى شواهق رءوس الجبال ليتردّى منها، فكلما أوفى بذروة جبل تبدّى له جبريل عليه السلام فيقول: إنك نبيّ الله، فيسكن جأشه، وتسكن نفسه، فكان النبيّ ﷺ يحدث عن ذلك، قال: "بَيْنَما أنا أَمْشِي يَوْما إذ رأيْتُ المَلَكَ الَّذِي كان يأتِيني بِحرَاءَ على كُرْسِيّ بَينَ السَّماءِ والأرْضِ، فَجَثَثْتُ مِنْهُ رُعْبا، فَرَجَعْتُ إلى خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: "زَمِّلُونِي"، فزملناه: أي فدثرناه، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّر﴾ قال الزهري: فكان أوّل شيء أنزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ... ﴾ حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ، فقال بعضهم: معنى ذلك: يأيُّها النائم في ثيابه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قال: يأيها النائم. ⁕ حدثنا بشر، ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يقول: المتدثر في ثيابه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: يأيُّها المتدثر النبوّة وأثقالها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: وسُئل داود عن هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فحدثنا عن عكرِمة أنه قال: دثِّرت هذا الأمر فقم به. * * وقوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قم من نومك فأنذر عذاب الله قومك الذين أشركوا بالله، وعبدوا غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ : أي أنذر عذاب الله ووقائعه في الأمم، وشدّة نقمته. * * وقوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ يقول تعالى ذكره: وربك يا محمد فعظم بعبادته، والرغبة إليه في حاجاتك دون غيره من الآلهة والأنداد. * * وقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: لا تلبس ثيابك على معصية، ولا على غدرة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: أما سمعت قول غَيلان بن سَلَمة: وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ [[الحديث ١٩٦ - حميد بن مسعدة السامي، شيخ الطبري: هو "السامي" بالسين المهملة، نص على ذلك الحافظ ابن حجر في التقريب. وهو نسبة إلى "سامة بن لؤي بن غالب". ووقع في نسخ الطبري -هنا وفيما يأتي ٢١٠- "الشامي" بالمعجمة، وهو تصحيف. و "الجريري"، بضم الجيم: هو سعيد بن إياس البصري. و "عبد الله بن شقيق العقيلي"، بضم العين وفتح القاف: تابعي كبير ثقة. وهذا الإسناد مرسل، لقول عبد الله بن شقيق: "أن رجلا". وسيأتي مرسلا أيضًا ١٩٧، ١٩٩ ولكنه سيأتي موصولا ١٩٨.]] حدثنا أبو كُريب: قال: ثنا مُصْعَب بن سلام، عن الأجلح، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال: أتاه رجل وأنا جالس فقال: أرأيت قول الله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبسها على معصية ولا على غدرة، ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفيّ: وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ ⁕ حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثنا حفص بن غياث، عن الأجلح، عن عكرِمة، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبسها على غدرة، ولا على فجرة ثم تمثَّل بشعر غيلان بن سلمة هذا. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن عكرِمة ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبس ثيابك على معصية، ألم تسمع قول غيلان بن سَلَمَة الثقفيّ: وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ ⁕ حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني عطاء، أنه سمع ابن عباس يقول: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم، ثم قال: نقيّ الثياب في كلام العرب. ⁕ حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثنا حفص بن غياث القاضي، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: في كلام العرب: نقيّ الثياب. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الذنوب. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الذنوب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: هي كلمة من العربية كانت العرب تقولها: طهر ثيابك: أي من الذنوب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يقول: طهرها من المعاصي، فكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يف بعهد أنه دَنِسَ الثياب، وإذا وفى وأصلح قالوا: مطهَّر الثياب. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يقول: لا تلبس ثيابك على معصية. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم. ⁕ قال ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: من الإثم. ⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن الأجلح، سمع عكرمة قال: لا تلبس ثيابك على معصية. ⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن عامر وعطاء قالا من الخطايا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تلبس ثيابك من مكسب غير طيب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طائب، ويقال: لا تلبس ثيابك على معصية. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أصلح عملك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: عملك فأصلح. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي رَزِين في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: عملك فأصلحه، وكان الرجل إذا كان خبيث العمل، قالوا: فلان خبيث الثياب، وإذا كان حسن العمل قالوا: فلان طاهر الثياب. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لست بكاهن ولا ساحر، فأعرض عما قالوا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: اغسلها بالماء، وطهرها من النجاسة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عباس بن أبي طالب، قال: ثنا عليّ بن عبد الله بن جعفر، عن أحمد بن موسى بن أبى مريم صاحب اللؤلؤ، قال: أخبرنا ابن عون، عن محمد بن سيرين ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: اغسلها بالماء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره أن يتطهر، ويطهِّر ثيابه. وهذا القول الذي قاله ابن سيرين وابن زيد في ذلك أظهر معانيه، والذي قاله ابن عباس، وعكرمة وابن زكريا قول عليه أكثر السلف من أنه عُنِيَ به: جسمك فطهر من الذنوب، والله أعلم بمراده من ذلك. ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء المدينة وعامة قرّاء الكوفة: ﴿والرِّجْزَ﴾ بكسر الراء، وقرأه بعض المكيين والمدنيين ﴿وَالرُّجْزَ﴾ بضم الراء، فمن ضمّ الراء وجهه إلى الأوثان، وقال: معنى الكلام: والأوثان فاهجر عبادتها، واترك خدمتها، ومن كسر الراء وجَّهه إلى العذاب، وقال: معناه: والعذاب فاهجر، أي ما أوجب لك العذاب من الأعمال فاهجر. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، والضمّ والكسر في ذلك لغتان بمعنى واحد، ولم نجد أحدًا من متقدّمي أهل التأويل فرّق بين تأويل ذلك، وإنما فرّق بين ذلك فيما بلغنا الكسائيّ. واختلف أهل التأويل في معنى ﴿الرُّجْزُ﴾ في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو الأصنام. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ يقول: السخط وهو الأصنام. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الأوثان. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل - قال أبو جعفر: أحسبه أنا - عن جابرٍ، عن مجاهد وعكرِمة ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الأوثان. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ : إساف ونائلة، وهما صنمان كانا عند البيت يمسح وجوههما من أتى عليهما، فأمر الله نبيَّهُ ﷺ أن يجتنبهما ويعتزلهما. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: هي الأوثان. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الرجز: آلهتهم التي كانوا يعبدون؛ أمره أن يهجرها، فلا يأتيها، ولا يقربها. وقال آخرون: بل معنى ذلك: والمعصية والإثم فاهجر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الإثم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ يقول: اهجر المعصية. وقد بيَّنا معنى الرجز فيما مضى بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع. * * وقوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تُعط عطية تلتمس بها أفضل منها. ⁕ حدثنا أبو حميد الحمصي أحمد بن المُغيرة، قال: ثني أبو حيوة شريح بن يزيد الحضرميّ، قال: ثني أرطاة عن ضمرة بن حبيب وأبي الأحوص في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا، لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني من سمع عكرِمة يقول: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط العطية لتريد أن تأخذ أكثر منها. ⁕ حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل، عن منصور، عن إبراهيم ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط كيما تَزداد. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن مُغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا لتأخذ أكثر منه. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سلمة، عن الضحاك ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعطِ لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعطِ لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا لتزداد. ⁕ حدثنا أبو كُرَيْبٍ قال: ثنا وكيع، عن ابن أبي روّاد، عن الضحاك، قال: هو الربا الحلال، كان للنبي ﷺ خاصة. ⁕ حدثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيع، عن أبي حجيرة، عن الضحاك، هما رِبَوان: حلال، وحرام؛ فأما الحلال: فالهدايا، والحرام: فالربا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ يقول: لا تعطِ شيئا، إنما بك مجازاة الدنيا ومعارضها. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تعط شيئا لتثاب أفضل منه، وقاله أيضا طاوس. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: تعطي مالا مصانعة رجاء أفضل منه من الثواب في الدنيا. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: لا تعط لتُعْطى أكثر منه. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط لتزداد. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن رجل، عن الضحاك بن مزاحم ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: هي للنبيّ ﷺ خاصّة، وللناس عامَّة مُوَسَّع عليهم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تمنن عملك على ربك تستكثر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سفيان بن حسين، عن الحسن، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تمنن عملك تستكثره على ربك. ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تمنن تستكثر عملك. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا يونس بن نافع أبو غانم، عن أبي سهل كثير بن زياد، عن الحسن ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ يقول: لا تمنن تستكثر عملك الصالح. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا يكثر عملك في عينك، فإنه فيما أنعم الله عليك وأعطاك قليل. وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تضعف أن تستكثر من الخير. ووجَّهوا معنى قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ﴾ أي لا تضعف، من قولهم: حبل منين: إذا كان ضعيفا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو حميد بن المغيرة الحمصي، قال: ثنا عبد الله بن عمرو، قال: ثنا محمد بن سلمة، عن خَصِيف عن مجاهد، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قال: تمنن في كلام العرب: تضعف. وقال آخرون في ذلك: لا تمنن بالنبوّة على الناس، تأخذ عليه منهم أجرًا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تمنن بالنبوّة والقرآن الذي أرسلناك به تستكثرهم به، تأخذ عليه عوضا من الدنيا. وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب في ذلك قول من قال: معنى ذلك: ولا تمنن على ربك من أن تستكثر عملك الصالح. وإنما قلت ذلك أولى بالصواب، لأن ذلك في سياق آيات تقدم فيهنّ أمر الله نبيه ﷺ بالجدّ في الدعاء إليه، والصبر على ما يَلْقَى من الأذى فيه، فهذه بأن تكون من أنواع تلك، أشبه منها بأن تكون من غيرها. وذُكر عن عبد الله بن مسعود أن ذلك في قراءته (ولا تمنن أن [[الحديث ١٩٨ - بديل، بضم الباء الموحدة وفتح الدال المهملة: هو ابن ميسرة العقيلي، وهو تابعي ثقة. وهذه الرواية متصلة بإسناد صحيح. لأن عبد الله بن شقيق صرح فيها بانه أخبره "من سمع النبي ﷺ "، وجهالة الصحابي لا تضر، كما هو معروف. والوصل بذكر الصحابي المبهم - زيادة من الثقة، فهي مقبولة. وقد ذكر ابن كثير ١: ٥٤ - ٥٥ هذه الرواية الموصولة، ثم أشار إلى الروايات الثلاث المرسلة، ثم قال: " ووقع في رواية عروة تسمية: عبد الله بن عمرو، فالله أعلم". ولكنه لم يذكر من خرج رواية عروة التي يشير إليها. ثم قال ابن كثير: "وقد روى ابن مردويه من حديث إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر، قال: سألت رسول الله ﷺ عن المغضوب عليهم، قال: اليهود، قلت: الضالين؟ قال: النصارى". وأشار الحافظ في الفتح ٨: ١٢٢ إلى رواية ابن مردويه هذه عن أبي ذر "بإسناد حسن". وذكر أيضًا أن رواية عبد الله بن شقيق الموصولة " أنه أخبره من سمع النبي ﷺ" - رواها أحمد. وهذه الروايات أيضًا عند السيوطي ١: ١٦، والشوكاني ١: ١٤ - ١٥. وسيأتي تفسير (الضالين) بهذه الأسانيد ٢١٠، ٢١١، ٢١٢، ٢١٣. وسيأتي في ٢١١ بيان من عروة الذي في الإسناد ١٩٧.]] تستكثر) . * * وقوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ يقول تعالى ذكره: ولربك فاصبر على ما لقيت فيه من المكروه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل على اختلاف فيه بين أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: على ما أوتيت. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: حمل أمرًا عظيما محاربة العرب، ثم العجم من بعد العرب في الله. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولربك فاصبر على عطيتك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: اصبر على عطيتك. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: اصبر على عطيتك لله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: عطيتك اصبر عليها.

Al-Mukhtasar (français)

Purifie ton âme des péchés et tes vêtements des souillures.

5

وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ

Et de tout péché, écarte-toi.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ [مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ] [[زيادة من م.]] عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ وَخَالَفَهُ [[في م: "وخالف".]] الْجُمْهُورُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَوَّلَ الْقُرْآنِ نُزُولًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ كَمَا سَيَأْتِي [بَيَانُ] [[زيادة من م.]] ذَلِكَ هُنَاكَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ؟ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، وقلتُ لَهُ مِثْلَ مَا قلتَ لِي، فَقَالَ جَابِرٌ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "جَاوَرْتُ بحرَاء، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هبطتُ فنُوديت فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ شَمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا. فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي. وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا. قَالَ: فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا قَالَ: فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٢٢) .]] هَكَذَا سَاقَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ [[صحيح مسلم برقم (١٦١) .]] مِنْ طَرِيقِ عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ: "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بصري قبَلَ السماء، فإذا الملك الذي جاءني بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَثَثْتُ [[في م: "فجثيت".]] مِنْهُ حَتَّى هَوَيتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إِلَى: ﴿فَاهْجُرْ﴾ - قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرُّجْزُ: الْأَوْثَانُ -ثُمَّ حَميَ الوحيُ وتَتَابع". هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٢٦) .]] وَهَذَا السِّيَاقُ هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ الْوَحْيُ قَبْلَ هَذَا، لِقَوْلِهِ: "فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [[في م: "الذي كان".]] بِحِرَاءٍ"، وَهُوَ جِبْرِيلُ حِينَ أَتَاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثُمَّ إِنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذَا فَتْرَةٌ، ثُمَّ نَزَلَ الْمَلَكُ بَعْدَ هَذَا. وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ هَذِهِ السُّورَةُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا لَيْث، حَدَّثَنَا عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ [[في أ: "ابن هشام".]] قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنِّي فَتْرَةً، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سمعتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَل السَّمَاءِ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [بِحِرَاءٍ الْآنَ] [[زيادة من م، أ، والمسند.]] قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجُثت [[في م: "فجثيت".]] مِنْهُ فَرَقًا، حَتَّى هَوَيت إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ لَهُمْ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ [بعدُ] [[زيادة من المسند.]] وَتَتَابَعَ". أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/٣٢٥) ، وصحيح البخاري برقم (٤٩٢٦) ، وصحيح مسلم برقم (١٦١) .]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُعَيْبٍ السِّمْسَارُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ [[في أ: الحسن بن بشير".]] البَجَلي، حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكة يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعَامًا، فَلَمَّا أَكَلُوا. قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَاحِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِسَاحِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَاهِنٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِكَاهِنٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَاعِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِشَاعِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: [بَلْ] [[زيادة من م.]] سِحْرٌ يُؤثر. فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فحزنَ وقَنعَ رَأْسَهُ، وتَدَثَّر، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [[المعجم الكبير للطبراني (١١/١٢٥) ، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣١) : "وفيه إبراهيم بن يزيد الخوري وهو ضعيف".]] . فَقَوْلُهُ ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أَيْ: شَمِّرْ عَنْ سَاقِ الْعَزْمِ، وَأَنْذِرِ النَّاسَ. وَبِهَذَا حَصَلَ الْإِرْسَالُ، كَمَا حَصَلَ بِالْأَوَّلِ النُّبُوَّةُ. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أَيْ: عَظِّمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ الْأَجْلَحُ الْكِنْدِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: لَا تَلْبَسْهَا [[في أ: "لا تسلبها".]] عَلَى مَعْصِيَةٍ وَلَا عَلَى غَدْرَة. ثُمَّ قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ: فَإني بِحَمْدِ اللَّهِ لَا ثوبَ فَاجر ... لبستُ وَلَا مِنْ غَدْرَة أتَقَنَّعُ [[البيت في تفسير الطبري (٢٩ظ٩١) .]] وَقَالَ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [فِي هَذِهِ الْآيَةِ] [[زيادة من م.]] ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: نَقِي الثِّيَابِ. وَفِي رِوَايَةٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: فَطَهِّرْ مِنَ الذُّنُوبِ. وَكَذَا قَالَ إبراهيم، الشعبي، وَعَطَاءٌ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: مِنَ الْإِثْمِ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ. وَقَالَ [[في م: "وعن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: نَفْسَكَ، لَيْسَ ثِيَابَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عَمَلَكَ فَأَصْلِحْ، وَكَذَا قَالَ أَبُو رَزِين. وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: لَسْتَ بِكَاهِنٍ وَلَا سَاحِرٍ، فَأَعْرِضْ عَمَّا قَالُوا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: طَهِّرْهَا مِنَ الْمَعَاصِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ إِذَا نَكَثَ وَلَمْ يَفِ بِعَهْدِ اللَّهِ إِنَّهُ لَمُدنَس [[في م: "لدنس".]] الثِّيَابِ. وَإِذَا وَفَّى وَأَصْلَحَ: إِنَّهُ لَمُطَهَّرُ الثِّيَابِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ: لَا تَلْبِسْهَا عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ الشَّاعِرُ [[هو دكين بن رجاء، وانظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة (٢/٦١٢) مستفادًا من حاشية الشعب.]] إِذَا المرءُ لَمْ يَدْنَس منَ اللُّؤْمِ عِرْضُه ... فَكُلّ ردَاء يَرْتَديه جَميلُ ... وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [يَعْنِي] [[زيادة من م.]] لَا تَكُ ثِيَابُكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِنْ مَكْسَبٍ غَيْرِ طَائِبٍ، وَيُقَالُ: لَا تَلْبَسْ ثِيَابَكَ عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيِ: اغْسِلْهَا بِالْمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ لَا يَتَطَهَّرُونَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ، وَأَنْ يُطَهِّرَ ثِيَابَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَدْ تَشْمَلُ الْآيَةُ جَمِيعَ ذَلِكَ مَعَ طَهَارَةِ الْقَلْبِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ الثِّيَابَ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: أفاطمَ مَهلا بَعْضَ هَذا التَدَلُّل ... وَإن كُنت قَد أزْمَعْت هَجْري فأجْمِلي ... وَإن تَكُ قَد سَ ـاءتك مِنِّي خَليقَةٌ ... فَسُلّي ثِيَابي مِن ثِيَابِكِ تَنْسُلِ [[ديوان امرئ القيس (ص٣٧) مستفادًا من حاشية الشعب.]] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ وَقَلْبَكَ ونيتك فطهر. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وخُلقَك فَحسّن. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ وَهُوَ الْأَصْنَامُ، فَاهْجُرْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الْأَوْثَانُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ أَيِ: اتْرُكِ الْمَعْصِيَةَ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا يَلْزَمُ تَلَبُّسُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الْأَحْزَابِ: ١] ﴿وَقَالَ مُوسَى لأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تُعْطِ الْعَطِيَّةَ تَلْتَمِسُ أَكْثَرَ مِنْهَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ: "وَلَا تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا تَمْنُنْ بِعَمَلِكَ عَلَى رَبِّكَ تَسْتَكْثِرُهُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ خُصَيْفٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ: لَا تَضْعُفْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الْخَيْرِ، قَالَ تَمْنُنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: تَضْعُفُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ عَلَى النَّاسِ، تَسْتَكْثِرُهُمْ بِهَا، تَأْخُذُ عَلَيْهِ عِوَضًا مِنَ الدُّنْيَا. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَالْأَظْهَرُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أَيِ: اجْعَلْ صَبْرَكَ عَلَى أَذَاهُمْ لِوَجْهِ رَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: اصْبِرْ عَطِيَّتَكَ لِلَّهِ تَعَالَى [[في أ: "لله عز وجل".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: ﴿النَّاقُورِ﴾ الصُّورِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهُوَ كَهَيْئَةِ الْقَرْنِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُطَرِّف، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ؟ " فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا". وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَسْبَاطٍ، بِهِ [[المسند (١/٣٢٦) ، وقال الحافظ عند تفسير الآية: ١٧٣ من سورة آل عمران: "حديث جيد".]] وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ ابْنِ فُضَيْلٍ وَأَسْبَاطٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُطَرِّفٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ أَيْ: شَدِيدٌ. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ أَيْ: غَيْرُ سَهْلٍ عَلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [الْقَمَرِ: ٨] . وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى -قَاضِي الْبَصْرَةِ-: أَنَّهُ صَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَقَرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ شَهِقَ شَهْقَةً، ثُمَّ خَرَّ مَيِّتًا، رَحِمَهُ اللَّهُ [[رواه أبو نعيم في الحلية (٢/٢٥٨، ٢٥٩) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يأيها المتدثر بثيابه عند نومه. وذُكر أن نبيّ الله ﷺ قيل له ذلك، وهو متدثر بقطيفة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قال: كان متدثرا في قطيفة. وذُكر أن هذه الآية أول شيء نزل من القرآن على رسول الله ﷺ، وأنه قيل له: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ . كما:- ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ وهو يحدّث عن فترة الوحي: " بَيْنا أنا أمْشِي سَمِعْت صَوْتا مِنَ السَّماءِ، فَرَفَعْتُ رأسِي، فإذَا المَلَك الَّذِي جاءَنِي بحرَاءَ جالِسٌ عَلى كُرْسِي بَينَ السَّماءِ والأرْضِ، قال رسول الله ﷺ: "فَجُثِثْتُ مِنْهُ فَرَقا [[الحديث ١٩٥ - وهذا إسناد صحيح أيضًا. مري بن قطري الكوفي: ذكره ابن حبان في الثقات، وترجمه البخاري في الكبير ٤ / ٢ / ٥٧، وقال: "سمع عدي بن حاتم، روى عنه سماك بن حرب، يعد في الكوفيين". و "مري": بضم الميم وتشديد الراء المكسورة مع تشديد الياء. و "قطري" بفتح القاف والطاء وبعد الراء ياء مشددة. وبعضه سيأتي أيضًا بالإسناد نفسه ٢٠٩. وهذا الحديث عن عدي بن حاتم: أصله قصة مطولة في إسلامه. فرواه -بطوله- أحمد في المسند ٤: ٣٧٨ - ٣٧٩ عن محمد بن جعفر عن شعبة، بالإسناد السابق ١٩٤. . ورواه الترمذي ٤: ٦٧ من طريق عمرو بن أبي قيس عن سماك عن عباد بن حبيش عن عدي. وقال: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب. وروى شعبة عن سماك بن حرب عن عباد بن حبيش عن عدي بن حاتم عن النبي ﷺ - الحديث بطوله". وروى بعضه الطيالسي في مسنده: ١٠٤٠ عن عمرو بن ثابت "عمن سمع عدي بن حاتم". وقد تبين لنا من روايات الطبري هنا أن سماك بن حرب سمعه من عباد بن حبيش ومن مري بن قطري، كلاهما عن عدي، وأن سماك بن حرب لم ينفرد بروايته أيضًا، إذ رواه إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عدي. وأن لم يعرفه الترمذي إلا من حديث سماك - لا ينفي أن يعرفه غيره من وجه آخر. وذكره ابن كثير ١: ٥٤ من رواية أحمد في المسند، وأشار إلى رواية الترمذي، وإلى روايات الطبري هنا، ثم قال: "وقد روى حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها ". وذكره الحافظ في الإصابة، في ترجمة عدي ٢: ٢٢٩ من رواية أحمد والترمذي. وذكر السيوطي منه ١: ١٦ تفسير الحرفين، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه. وكذلك صنع الشوكاني ١: ١٥.]] ، وجِئْتُ أهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فدَثَّرُونِي" فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ..﴾ إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: ثم تتابع الوحي. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعي، قال: ثني يحيى بن أبي كثير، قال: سألت أبا سلمة: أيّ القرآن أُنزل أوّل، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت: يقولون ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ، فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله: أيّ القرآن أنزل أوّل؟ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ، فقلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فقال: لا أخبرك إلا ما:- ⁕ حدثنا النبيّ ﷺ، قال: جاورت في حِراء؛ فلما قضيت جواري هبطت، فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت عن يميني وعن شمالي وخلفي وقدّامي، فلم أر شيئا، فنظرت فوق رأسي فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض، فخشيت منه، هكذا قال عثمان بن عمرو، إنما هو: فجثثت منه، ولقيت خديجة، فقلت دثروني، فدثروني، وصبوا عليّ ماءً، فأنزل الله عليّ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ . ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن عليّ بن مبارك، عن يحيى بن أبي كثير، قال سألت أبا سلمة عن أوّل ما نزل من القرآن، قال: نزلت ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أوّل؛ قال: قلت: إنهم يقولون ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ، فقال: سألت جابر بن عبد الله، فقال: لا أحدّثك إلا ما:- ⁕ حدثنا رسول الله ﷺ قال: "جاوَرْتُ بِحِراء؛ فلمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلمْ أرَ شَيْئا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئا، فَرَفَعْتُ رأسي فرأيْتُ شَيْئا، فأتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصبُّوا عَليَّ ماء بارِدًا، فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، قال: فتر الوحي عن رسول الله ﷺ فترة، فحزن حزنًا، فجعل يعدو إلى شواهق رءوس الجبال ليتردّى منها، فكلما أوفى بذروة جبل تبدّى له جبريل عليه السلام فيقول: إنك نبيّ الله، فيسكن جأشه، وتسكن نفسه، فكان النبيّ ﷺ يحدث عن ذلك، قال: "بَيْنَما أنا أَمْشِي يَوْما إذ رأيْتُ المَلَكَ الَّذِي كان يأتِيني بِحرَاءَ على كُرْسِيّ بَينَ السَّماءِ والأرْضِ، فَجَثَثْتُ مِنْهُ رُعْبا، فَرَجَعْتُ إلى خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: "زَمِّلُونِي"، فزملناه: أي فدثرناه، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّر﴾ قال الزهري: فكان أوّل شيء أنزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ... ﴾ حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ، فقال بعضهم: معنى ذلك: يأيُّها النائم في ثيابه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قال: يأيها النائم. ⁕ حدثنا بشر، ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يقول: المتدثر في ثيابه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: يأيُّها المتدثر النبوّة وأثقالها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: وسُئل داود عن هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فحدثنا عن عكرِمة أنه قال: دثِّرت هذا الأمر فقم به. * * وقوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قم من نومك فأنذر عذاب الله قومك الذين أشركوا بالله، وعبدوا غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ : أي أنذر عذاب الله ووقائعه في الأمم، وشدّة نقمته. * * وقوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ يقول تعالى ذكره: وربك يا محمد فعظم بعبادته، والرغبة إليه في حاجاتك دون غيره من الآلهة والأنداد. * * وقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: لا تلبس ثيابك على معصية، ولا على غدرة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: أما سمعت قول غَيلان بن سَلَمة: وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ [[الحديث ١٩٦ - حميد بن مسعدة السامي، شيخ الطبري: هو "السامي" بالسين المهملة، نص على ذلك الحافظ ابن حجر في التقريب. وهو نسبة إلى "سامة بن لؤي بن غالب". ووقع في نسخ الطبري -هنا وفيما يأتي ٢١٠- "الشامي" بالمعجمة، وهو تصحيف. و "الجريري"، بضم الجيم: هو سعيد بن إياس البصري. و "عبد الله بن شقيق العقيلي"، بضم العين وفتح القاف: تابعي كبير ثقة. وهذا الإسناد مرسل، لقول عبد الله بن شقيق: "أن رجلا". وسيأتي مرسلا أيضًا ١٩٧، ١٩٩ ولكنه سيأتي موصولا ١٩٨.]] حدثنا أبو كُريب: قال: ثنا مُصْعَب بن سلام، عن الأجلح، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال: أتاه رجل وأنا جالس فقال: أرأيت قول الله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبسها على معصية ولا على غدرة، ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفيّ: وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ ⁕ حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثنا حفص بن غياث، عن الأجلح، عن عكرِمة، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبسها على غدرة، ولا على فجرة ثم تمثَّل بشعر غيلان بن سلمة هذا. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن عكرِمة ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبس ثيابك على معصية، ألم تسمع قول غيلان بن سَلَمَة الثقفيّ: وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ ⁕ حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني عطاء، أنه سمع ابن عباس يقول: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم، ثم قال: نقيّ الثياب في كلام العرب. ⁕ حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثنا حفص بن غياث القاضي، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: في كلام العرب: نقيّ الثياب. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الذنوب. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الذنوب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: هي كلمة من العربية كانت العرب تقولها: طهر ثيابك: أي من الذنوب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يقول: طهرها من المعاصي، فكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يف بعهد أنه دَنِسَ الثياب، وإذا وفى وأصلح قالوا: مطهَّر الثياب. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يقول: لا تلبس ثيابك على معصية. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم. ⁕ قال ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: من الإثم. ⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن الأجلح، سمع عكرمة قال: لا تلبس ثيابك على معصية. ⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن عامر وعطاء قالا من الخطايا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تلبس ثيابك من مكسب غير طيب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طائب، ويقال: لا تلبس ثيابك على معصية. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أصلح عملك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: عملك فأصلح. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي رَزِين في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: عملك فأصلحه، وكان الرجل إذا كان خبيث العمل، قالوا: فلان خبيث الثياب، وإذا كان حسن العمل قالوا: فلان طاهر الثياب. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لست بكاهن ولا ساحر، فأعرض عما قالوا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: اغسلها بالماء، وطهرها من النجاسة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عباس بن أبي طالب، قال: ثنا عليّ بن عبد الله بن جعفر، عن أحمد بن موسى بن أبى مريم صاحب اللؤلؤ، قال: أخبرنا ابن عون، عن محمد بن سيرين ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: اغسلها بالماء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره أن يتطهر، ويطهِّر ثيابه. وهذا القول الذي قاله ابن سيرين وابن زيد في ذلك أظهر معانيه، والذي قاله ابن عباس، وعكرمة وابن زكريا قول عليه أكثر السلف من أنه عُنِيَ به: جسمك فطهر من الذنوب، والله أعلم بمراده من ذلك. ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء المدينة وعامة قرّاء الكوفة: ﴿والرِّجْزَ﴾ بكسر الراء، وقرأه بعض المكيين والمدنيين ﴿وَالرُّجْزَ﴾ بضم الراء، فمن ضمّ الراء وجهه إلى الأوثان، وقال: معنى الكلام: والأوثان فاهجر عبادتها، واترك خدمتها، ومن كسر الراء وجَّهه إلى العذاب، وقال: معناه: والعذاب فاهجر، أي ما أوجب لك العذاب من الأعمال فاهجر. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، والضمّ والكسر في ذلك لغتان بمعنى واحد، ولم نجد أحدًا من متقدّمي أهل التأويل فرّق بين تأويل ذلك، وإنما فرّق بين ذلك فيما بلغنا الكسائيّ. واختلف أهل التأويل في معنى ﴿الرُّجْزُ﴾ في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو الأصنام. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ يقول: السخط وهو الأصنام. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الأوثان. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل - قال أبو جعفر: أحسبه أنا - عن جابرٍ، عن مجاهد وعكرِمة ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الأوثان. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ : إساف ونائلة، وهما صنمان كانا عند البيت يمسح وجوههما من أتى عليهما، فأمر الله نبيَّهُ ﷺ أن يجتنبهما ويعتزلهما. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: هي الأوثان. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الرجز: آلهتهم التي كانوا يعبدون؛ أمره أن يهجرها، فلا يأتيها، ولا يقربها. وقال آخرون: بل معنى ذلك: والمعصية والإثم فاهجر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الإثم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ يقول: اهجر المعصية. وقد بيَّنا معنى الرجز فيما مضى بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع. * * وقوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تُعط عطية تلتمس بها أفضل منها. ⁕ حدثنا أبو حميد الحمصي أحمد بن المُغيرة، قال: ثني أبو حيوة شريح بن يزيد الحضرميّ، قال: ثني أرطاة عن ضمرة بن حبيب وأبي الأحوص في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا، لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني من سمع عكرِمة يقول: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط العطية لتريد أن تأخذ أكثر منها. ⁕ حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل، عن منصور، عن إبراهيم ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط كيما تَزداد. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن مُغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا لتأخذ أكثر منه. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سلمة، عن الضحاك ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعطِ لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعطِ لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا لتزداد. ⁕ حدثنا أبو كُرَيْبٍ قال: ثنا وكيع، عن ابن أبي روّاد، عن الضحاك، قال: هو الربا الحلال، كان للنبي ﷺ خاصة. ⁕ حدثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيع، عن أبي حجيرة، عن الضحاك، هما رِبَوان: حلال، وحرام؛ فأما الحلال: فالهدايا، والحرام: فالربا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ يقول: لا تعطِ شيئا، إنما بك مجازاة الدنيا ومعارضها. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تعط شيئا لتثاب أفضل منه، وقاله أيضا طاوس. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: تعطي مالا مصانعة رجاء أفضل منه من الثواب في الدنيا. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: لا تعط لتُعْطى أكثر منه. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط لتزداد. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن رجل، عن الضحاك بن مزاحم ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: هي للنبيّ ﷺ خاصّة، وللناس عامَّة مُوَسَّع عليهم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تمنن عملك على ربك تستكثر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سفيان بن حسين، عن الحسن، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تمنن عملك تستكثره على ربك. ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تمنن تستكثر عملك. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا يونس بن نافع أبو غانم، عن أبي سهل كثير بن زياد، عن الحسن ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ يقول: لا تمنن تستكثر عملك الصالح. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا يكثر عملك في عينك، فإنه فيما أنعم الله عليك وأعطاك قليل. وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تضعف أن تستكثر من الخير. ووجَّهوا معنى قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ﴾ أي لا تضعف، من قولهم: حبل منين: إذا كان ضعيفا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو حميد بن المغيرة الحمصي، قال: ثنا عبد الله بن عمرو، قال: ثنا محمد بن سلمة، عن خَصِيف عن مجاهد، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قال: تمنن في كلام العرب: تضعف. وقال آخرون في ذلك: لا تمنن بالنبوّة على الناس، تأخذ عليه منهم أجرًا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تمنن بالنبوّة والقرآن الذي أرسلناك به تستكثرهم به، تأخذ عليه عوضا من الدنيا. وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب في ذلك قول من قال: معنى ذلك: ولا تمنن على ربك من أن تستكثر عملك الصالح. وإنما قلت ذلك أولى بالصواب، لأن ذلك في سياق آيات تقدم فيهنّ أمر الله نبيه ﷺ بالجدّ في الدعاء إليه، والصبر على ما يَلْقَى من الأذى فيه، فهذه بأن تكون من أنواع تلك، أشبه منها بأن تكون من غيرها. وذُكر عن عبد الله بن مسعود أن ذلك في قراءته (ولا تمنن أن [[الحديث ١٩٨ - بديل، بضم الباء الموحدة وفتح الدال المهملة: هو ابن ميسرة العقيلي، وهو تابعي ثقة. وهذه الرواية متصلة بإسناد صحيح. لأن عبد الله بن شقيق صرح فيها بانه أخبره "من سمع النبي ﷺ "، وجهالة الصحابي لا تضر، كما هو معروف. والوصل بذكر الصحابي المبهم - زيادة من الثقة، فهي مقبولة. وقد ذكر ابن كثير ١: ٥٤ - ٥٥ هذه الرواية الموصولة، ثم أشار إلى الروايات الثلاث المرسلة، ثم قال: " ووقع في رواية عروة تسمية: عبد الله بن عمرو، فالله أعلم". ولكنه لم يذكر من خرج رواية عروة التي يشير إليها. ثم قال ابن كثير: "وقد روى ابن مردويه من حديث إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر، قال: سألت رسول الله ﷺ عن المغضوب عليهم، قال: اليهود، قلت: الضالين؟ قال: النصارى". وأشار الحافظ في الفتح ٨: ١٢٢ إلى رواية ابن مردويه هذه عن أبي ذر "بإسناد حسن". وذكر أيضًا أن رواية عبد الله بن شقيق الموصولة " أنه أخبره من سمع النبي ﷺ" - رواها أحمد. وهذه الروايات أيضًا عند السيوطي ١: ١٦، والشوكاني ١: ١٤ - ١٥. وسيأتي تفسير (الضالين) بهذه الأسانيد ٢١٠، ٢١١، ٢١٢، ٢١٣. وسيأتي في ٢١١ بيان من عروة الذي في الإسناد ١٩٧.]] تستكثر) . * * وقوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ يقول تعالى ذكره: ولربك فاصبر على ما لقيت فيه من المكروه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل على اختلاف فيه بين أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: على ما أوتيت. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: حمل أمرًا عظيما محاربة العرب، ثم العجم من بعد العرب في الله. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولربك فاصبر على عطيتك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: اصبر على عطيتك. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: اصبر على عطيتك لله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: عطيتك اصبر عليها.

Al-Mukhtasar (français)

Eloigne-toi de l’adoration des idoles.

6

وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ

Et ne donne pas dans le but de recevoir davantage.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ [مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ] [[زيادة من م.]] عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ وَخَالَفَهُ [[في م: "وخالف".]] الْجُمْهُورُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَوَّلَ الْقُرْآنِ نُزُولًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ كَمَا سَيَأْتِي [بَيَانُ] [[زيادة من م.]] ذَلِكَ هُنَاكَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ؟ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، وقلتُ لَهُ مِثْلَ مَا قلتَ لِي، فَقَالَ جَابِرٌ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "جَاوَرْتُ بحرَاء، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هبطتُ فنُوديت فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ شَمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا. فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي. وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا. قَالَ: فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا قَالَ: فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٢٢) .]] هَكَذَا سَاقَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ [[صحيح مسلم برقم (١٦١) .]] مِنْ طَرِيقِ عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ: "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بصري قبَلَ السماء، فإذا الملك الذي جاءني بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَثَثْتُ [[في م: "فجثيت".]] مِنْهُ حَتَّى هَوَيتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إِلَى: ﴿فَاهْجُرْ﴾ - قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرُّجْزُ: الْأَوْثَانُ -ثُمَّ حَميَ الوحيُ وتَتَابع". هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٢٦) .]] وَهَذَا السِّيَاقُ هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ الْوَحْيُ قَبْلَ هَذَا، لِقَوْلِهِ: "فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [[في م: "الذي كان".]] بِحِرَاءٍ"، وَهُوَ جِبْرِيلُ حِينَ أَتَاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثُمَّ إِنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذَا فَتْرَةٌ، ثُمَّ نَزَلَ الْمَلَكُ بَعْدَ هَذَا. وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ هَذِهِ السُّورَةُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا لَيْث، حَدَّثَنَا عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ [[في أ: "ابن هشام".]] قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنِّي فَتْرَةً، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سمعتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَل السَّمَاءِ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [بِحِرَاءٍ الْآنَ] [[زيادة من م، أ، والمسند.]] قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجُثت [[في م: "فجثيت".]] مِنْهُ فَرَقًا، حَتَّى هَوَيت إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ لَهُمْ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ [بعدُ] [[زيادة من المسند.]] وَتَتَابَعَ". أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/٣٢٥) ، وصحيح البخاري برقم (٤٩٢٦) ، وصحيح مسلم برقم (١٦١) .]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُعَيْبٍ السِّمْسَارُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ [[في أ: الحسن بن بشير".]] البَجَلي، حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكة يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعَامًا، فَلَمَّا أَكَلُوا. قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَاحِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِسَاحِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَاهِنٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِكَاهِنٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَاعِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِشَاعِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: [بَلْ] [[زيادة من م.]] سِحْرٌ يُؤثر. فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فحزنَ وقَنعَ رَأْسَهُ، وتَدَثَّر، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [[المعجم الكبير للطبراني (١١/١٢٥) ، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣١) : "وفيه إبراهيم بن يزيد الخوري وهو ضعيف".]] . فَقَوْلُهُ ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أَيْ: شَمِّرْ عَنْ سَاقِ الْعَزْمِ، وَأَنْذِرِ النَّاسَ. وَبِهَذَا حَصَلَ الْإِرْسَالُ، كَمَا حَصَلَ بِالْأَوَّلِ النُّبُوَّةُ. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أَيْ: عَظِّمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ الْأَجْلَحُ الْكِنْدِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: لَا تَلْبَسْهَا [[في أ: "لا تسلبها".]] عَلَى مَعْصِيَةٍ وَلَا عَلَى غَدْرَة. ثُمَّ قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ: فَإني بِحَمْدِ اللَّهِ لَا ثوبَ فَاجر ... لبستُ وَلَا مِنْ غَدْرَة أتَقَنَّعُ [[البيت في تفسير الطبري (٢٩ظ٩١) .]] وَقَالَ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [فِي هَذِهِ الْآيَةِ] [[زيادة من م.]] ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: نَقِي الثِّيَابِ. وَفِي رِوَايَةٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: فَطَهِّرْ مِنَ الذُّنُوبِ. وَكَذَا قَالَ إبراهيم، الشعبي، وَعَطَاءٌ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: مِنَ الْإِثْمِ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ. وَقَالَ [[في م: "وعن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: نَفْسَكَ، لَيْسَ ثِيَابَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عَمَلَكَ فَأَصْلِحْ، وَكَذَا قَالَ أَبُو رَزِين. وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: لَسْتَ بِكَاهِنٍ وَلَا سَاحِرٍ، فَأَعْرِضْ عَمَّا قَالُوا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: طَهِّرْهَا مِنَ الْمَعَاصِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ إِذَا نَكَثَ وَلَمْ يَفِ بِعَهْدِ اللَّهِ إِنَّهُ لَمُدنَس [[في م: "لدنس".]] الثِّيَابِ. وَإِذَا وَفَّى وَأَصْلَحَ: إِنَّهُ لَمُطَهَّرُ الثِّيَابِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ: لَا تَلْبِسْهَا عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ الشَّاعِرُ [[هو دكين بن رجاء، وانظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة (٢/٦١٢) مستفادًا من حاشية الشعب.]] إِذَا المرءُ لَمْ يَدْنَس منَ اللُّؤْمِ عِرْضُه ... فَكُلّ ردَاء يَرْتَديه جَميلُ ... وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [يَعْنِي] [[زيادة من م.]] لَا تَكُ ثِيَابُكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِنْ مَكْسَبٍ غَيْرِ طَائِبٍ، وَيُقَالُ: لَا تَلْبَسْ ثِيَابَكَ عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيِ: اغْسِلْهَا بِالْمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ لَا يَتَطَهَّرُونَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ، وَأَنْ يُطَهِّرَ ثِيَابَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَدْ تَشْمَلُ الْآيَةُ جَمِيعَ ذَلِكَ مَعَ طَهَارَةِ الْقَلْبِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ الثِّيَابَ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: أفاطمَ مَهلا بَعْضَ هَذا التَدَلُّل ... وَإن كُنت قَد أزْمَعْت هَجْري فأجْمِلي ... وَإن تَكُ قَد سَ ـاءتك مِنِّي خَليقَةٌ ... فَسُلّي ثِيَابي مِن ثِيَابِكِ تَنْسُلِ [[ديوان امرئ القيس (ص٣٧) مستفادًا من حاشية الشعب.]] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ وَقَلْبَكَ ونيتك فطهر. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وخُلقَك فَحسّن. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ وَهُوَ الْأَصْنَامُ، فَاهْجُرْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الْأَوْثَانُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ أَيِ: اتْرُكِ الْمَعْصِيَةَ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا يَلْزَمُ تَلَبُّسُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الْأَحْزَابِ: ١] ﴿وَقَالَ مُوسَى لأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تُعْطِ الْعَطِيَّةَ تَلْتَمِسُ أَكْثَرَ مِنْهَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ: "وَلَا تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا تَمْنُنْ بِعَمَلِكَ عَلَى رَبِّكَ تَسْتَكْثِرُهُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ خُصَيْفٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ: لَا تَضْعُفْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الْخَيْرِ، قَالَ تَمْنُنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: تَضْعُفُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ عَلَى النَّاسِ، تَسْتَكْثِرُهُمْ بِهَا، تَأْخُذُ عَلَيْهِ عِوَضًا مِنَ الدُّنْيَا. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَالْأَظْهَرُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أَيِ: اجْعَلْ صَبْرَكَ عَلَى أَذَاهُمْ لِوَجْهِ رَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: اصْبِرْ عَطِيَّتَكَ لِلَّهِ تَعَالَى [[في أ: "لله عز وجل".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: ﴿النَّاقُورِ﴾ الصُّورِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهُوَ كَهَيْئَةِ الْقَرْنِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُطَرِّف، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ؟ " فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا". وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَسْبَاطٍ، بِهِ [[المسند (١/٣٢٦) ، وقال الحافظ عند تفسير الآية: ١٧٣ من سورة آل عمران: "حديث جيد".]] وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ ابْنِ فُضَيْلٍ وَأَسْبَاطٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُطَرِّفٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ أَيْ: شَدِيدٌ. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ أَيْ: غَيْرُ سَهْلٍ عَلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [الْقَمَرِ: ٨] . وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى -قَاضِي الْبَصْرَةِ-: أَنَّهُ صَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَقَرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ شَهِقَ شَهْقَةً، ثُمَّ خَرَّ مَيِّتًا، رَحِمَهُ اللَّهُ [[رواه أبو نعيم في الحلية (٢/٢٥٨، ٢٥٩) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يأيها المتدثر بثيابه عند نومه. وذُكر أن نبيّ الله ﷺ قيل له ذلك، وهو متدثر بقطيفة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قال: كان متدثرا في قطيفة. وذُكر أن هذه الآية أول شيء نزل من القرآن على رسول الله ﷺ، وأنه قيل له: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ . كما:- ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ وهو يحدّث عن فترة الوحي: " بَيْنا أنا أمْشِي سَمِعْت صَوْتا مِنَ السَّماءِ، فَرَفَعْتُ رأسِي، فإذَا المَلَك الَّذِي جاءَنِي بحرَاءَ جالِسٌ عَلى كُرْسِي بَينَ السَّماءِ والأرْضِ، قال رسول الله ﷺ: "فَجُثِثْتُ مِنْهُ فَرَقا [[الحديث ١٩٥ - وهذا إسناد صحيح أيضًا. مري بن قطري الكوفي: ذكره ابن حبان في الثقات، وترجمه البخاري في الكبير ٤ / ٢ / ٥٧، وقال: "سمع عدي بن حاتم، روى عنه سماك بن حرب، يعد في الكوفيين". و "مري": بضم الميم وتشديد الراء المكسورة مع تشديد الياء. و "قطري" بفتح القاف والطاء وبعد الراء ياء مشددة. وبعضه سيأتي أيضًا بالإسناد نفسه ٢٠٩. وهذا الحديث عن عدي بن حاتم: أصله قصة مطولة في إسلامه. فرواه -بطوله- أحمد في المسند ٤: ٣٧٨ - ٣٧٩ عن محمد بن جعفر عن شعبة، بالإسناد السابق ١٩٤. . ورواه الترمذي ٤: ٦٧ من طريق عمرو بن أبي قيس عن سماك عن عباد بن حبيش عن عدي. وقال: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب. وروى شعبة عن سماك بن حرب عن عباد بن حبيش عن عدي بن حاتم عن النبي ﷺ - الحديث بطوله". وروى بعضه الطيالسي في مسنده: ١٠٤٠ عن عمرو بن ثابت "عمن سمع عدي بن حاتم". وقد تبين لنا من روايات الطبري هنا أن سماك بن حرب سمعه من عباد بن حبيش ومن مري بن قطري، كلاهما عن عدي، وأن سماك بن حرب لم ينفرد بروايته أيضًا، إذ رواه إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عدي. وأن لم يعرفه الترمذي إلا من حديث سماك - لا ينفي أن يعرفه غيره من وجه آخر. وذكره ابن كثير ١: ٥٤ من رواية أحمد في المسند، وأشار إلى رواية الترمذي، وإلى روايات الطبري هنا، ثم قال: "وقد روى حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها ". وذكره الحافظ في الإصابة، في ترجمة عدي ٢: ٢٢٩ من رواية أحمد والترمذي. وذكر السيوطي منه ١: ١٦ تفسير الحرفين، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه. وكذلك صنع الشوكاني ١: ١٥.]] ، وجِئْتُ أهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فدَثَّرُونِي" فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ..﴾ إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: ثم تتابع الوحي. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعي، قال: ثني يحيى بن أبي كثير، قال: سألت أبا سلمة: أيّ القرآن أُنزل أوّل، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت: يقولون ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ، فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله: أيّ القرآن أنزل أوّل؟ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ، فقلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فقال: لا أخبرك إلا ما:- ⁕ حدثنا النبيّ ﷺ، قال: جاورت في حِراء؛ فلما قضيت جواري هبطت، فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت عن يميني وعن شمالي وخلفي وقدّامي، فلم أر شيئا، فنظرت فوق رأسي فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض، فخشيت منه، هكذا قال عثمان بن عمرو، إنما هو: فجثثت منه، ولقيت خديجة، فقلت دثروني، فدثروني، وصبوا عليّ ماءً، فأنزل الله عليّ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ . ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن عليّ بن مبارك، عن يحيى بن أبي كثير، قال سألت أبا سلمة عن أوّل ما نزل من القرآن، قال: نزلت ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أوّل؛ قال: قلت: إنهم يقولون ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ، فقال: سألت جابر بن عبد الله، فقال: لا أحدّثك إلا ما:- ⁕ حدثنا رسول الله ﷺ قال: "جاوَرْتُ بِحِراء؛ فلمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلمْ أرَ شَيْئا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئا، فَرَفَعْتُ رأسي فرأيْتُ شَيْئا، فأتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصبُّوا عَليَّ ماء بارِدًا، فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، قال: فتر الوحي عن رسول الله ﷺ فترة، فحزن حزنًا، فجعل يعدو إلى شواهق رءوس الجبال ليتردّى منها، فكلما أوفى بذروة جبل تبدّى له جبريل عليه السلام فيقول: إنك نبيّ الله، فيسكن جأشه، وتسكن نفسه، فكان النبيّ ﷺ يحدث عن ذلك، قال: "بَيْنَما أنا أَمْشِي يَوْما إذ رأيْتُ المَلَكَ الَّذِي كان يأتِيني بِحرَاءَ على كُرْسِيّ بَينَ السَّماءِ والأرْضِ، فَجَثَثْتُ مِنْهُ رُعْبا، فَرَجَعْتُ إلى خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: "زَمِّلُونِي"، فزملناه: أي فدثرناه، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّر﴾ قال الزهري: فكان أوّل شيء أنزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ... ﴾ حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ، فقال بعضهم: معنى ذلك: يأيُّها النائم في ثيابه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قال: يأيها النائم. ⁕ حدثنا بشر، ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يقول: المتدثر في ثيابه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: يأيُّها المتدثر النبوّة وأثقالها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: وسُئل داود عن هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فحدثنا عن عكرِمة أنه قال: دثِّرت هذا الأمر فقم به. * * وقوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قم من نومك فأنذر عذاب الله قومك الذين أشركوا بالله، وعبدوا غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ : أي أنذر عذاب الله ووقائعه في الأمم، وشدّة نقمته. * * وقوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ يقول تعالى ذكره: وربك يا محمد فعظم بعبادته، والرغبة إليه في حاجاتك دون غيره من الآلهة والأنداد. * * وقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: لا تلبس ثيابك على معصية، ولا على غدرة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: أما سمعت قول غَيلان بن سَلَمة: وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ [[الحديث ١٩٦ - حميد بن مسعدة السامي، شيخ الطبري: هو "السامي" بالسين المهملة، نص على ذلك الحافظ ابن حجر في التقريب. وهو نسبة إلى "سامة بن لؤي بن غالب". ووقع في نسخ الطبري -هنا وفيما يأتي ٢١٠- "الشامي" بالمعجمة، وهو تصحيف. و "الجريري"، بضم الجيم: هو سعيد بن إياس البصري. و "عبد الله بن شقيق العقيلي"، بضم العين وفتح القاف: تابعي كبير ثقة. وهذا الإسناد مرسل، لقول عبد الله بن شقيق: "أن رجلا". وسيأتي مرسلا أيضًا ١٩٧، ١٩٩ ولكنه سيأتي موصولا ١٩٨.]] حدثنا أبو كُريب: قال: ثنا مُصْعَب بن سلام، عن الأجلح، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال: أتاه رجل وأنا جالس فقال: أرأيت قول الله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبسها على معصية ولا على غدرة، ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفيّ: وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ ⁕ حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثنا حفص بن غياث، عن الأجلح، عن عكرِمة، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبسها على غدرة، ولا على فجرة ثم تمثَّل بشعر غيلان بن سلمة هذا. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن عكرِمة ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبس ثيابك على معصية، ألم تسمع قول غيلان بن سَلَمَة الثقفيّ: وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ ⁕ حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني عطاء، أنه سمع ابن عباس يقول: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم، ثم قال: نقيّ الثياب في كلام العرب. ⁕ حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثنا حفص بن غياث القاضي، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: في كلام العرب: نقيّ الثياب. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الذنوب. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الذنوب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: هي كلمة من العربية كانت العرب تقولها: طهر ثيابك: أي من الذنوب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يقول: طهرها من المعاصي، فكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يف بعهد أنه دَنِسَ الثياب، وإذا وفى وأصلح قالوا: مطهَّر الثياب. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يقول: لا تلبس ثيابك على معصية. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم. ⁕ قال ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: من الإثم. ⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن الأجلح، سمع عكرمة قال: لا تلبس ثيابك على معصية. ⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن عامر وعطاء قالا من الخطايا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تلبس ثيابك من مكسب غير طيب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طائب، ويقال: لا تلبس ثيابك على معصية. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أصلح عملك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: عملك فأصلح. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي رَزِين في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: عملك فأصلحه، وكان الرجل إذا كان خبيث العمل، قالوا: فلان خبيث الثياب، وإذا كان حسن العمل قالوا: فلان طاهر الثياب. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لست بكاهن ولا ساحر، فأعرض عما قالوا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: اغسلها بالماء، وطهرها من النجاسة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عباس بن أبي طالب، قال: ثنا عليّ بن عبد الله بن جعفر، عن أحمد بن موسى بن أبى مريم صاحب اللؤلؤ، قال: أخبرنا ابن عون، عن محمد بن سيرين ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: اغسلها بالماء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره أن يتطهر، ويطهِّر ثيابه. وهذا القول الذي قاله ابن سيرين وابن زيد في ذلك أظهر معانيه، والذي قاله ابن عباس، وعكرمة وابن زكريا قول عليه أكثر السلف من أنه عُنِيَ به: جسمك فطهر من الذنوب، والله أعلم بمراده من ذلك. ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء المدينة وعامة قرّاء الكوفة: ﴿والرِّجْزَ﴾ بكسر الراء، وقرأه بعض المكيين والمدنيين ﴿وَالرُّجْزَ﴾ بضم الراء، فمن ضمّ الراء وجهه إلى الأوثان، وقال: معنى الكلام: والأوثان فاهجر عبادتها، واترك خدمتها، ومن كسر الراء وجَّهه إلى العذاب، وقال: معناه: والعذاب فاهجر، أي ما أوجب لك العذاب من الأعمال فاهجر. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، والضمّ والكسر في ذلك لغتان بمعنى واحد، ولم نجد أحدًا من متقدّمي أهل التأويل فرّق بين تأويل ذلك، وإنما فرّق بين ذلك فيما بلغنا الكسائيّ. واختلف أهل التأويل في معنى ﴿الرُّجْزُ﴾ في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو الأصنام. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ يقول: السخط وهو الأصنام. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الأوثان. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل - قال أبو جعفر: أحسبه أنا - عن جابرٍ، عن مجاهد وعكرِمة ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الأوثان. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ : إساف ونائلة، وهما صنمان كانا عند البيت يمسح وجوههما من أتى عليهما، فأمر الله نبيَّهُ ﷺ أن يجتنبهما ويعتزلهما. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: هي الأوثان. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الرجز: آلهتهم التي كانوا يعبدون؛ أمره أن يهجرها، فلا يأتيها، ولا يقربها. وقال آخرون: بل معنى ذلك: والمعصية والإثم فاهجر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الإثم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ يقول: اهجر المعصية. وقد بيَّنا معنى الرجز فيما مضى بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع. * * وقوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تُعط عطية تلتمس بها أفضل منها. ⁕ حدثنا أبو حميد الحمصي أحمد بن المُغيرة، قال: ثني أبو حيوة شريح بن يزيد الحضرميّ، قال: ثني أرطاة عن ضمرة بن حبيب وأبي الأحوص في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا، لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني من سمع عكرِمة يقول: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط العطية لتريد أن تأخذ أكثر منها. ⁕ حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل، عن منصور، عن إبراهيم ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط كيما تَزداد. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن مُغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا لتأخذ أكثر منه. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سلمة، عن الضحاك ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعطِ لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعطِ لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا لتزداد. ⁕ حدثنا أبو كُرَيْبٍ قال: ثنا وكيع، عن ابن أبي روّاد، عن الضحاك، قال: هو الربا الحلال، كان للنبي ﷺ خاصة. ⁕ حدثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيع، عن أبي حجيرة، عن الضحاك، هما رِبَوان: حلال، وحرام؛ فأما الحلال: فالهدايا، والحرام: فالربا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ يقول: لا تعطِ شيئا، إنما بك مجازاة الدنيا ومعارضها. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تعط شيئا لتثاب أفضل منه، وقاله أيضا طاوس. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: تعطي مالا مصانعة رجاء أفضل منه من الثواب في الدنيا. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: لا تعط لتُعْطى أكثر منه. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط لتزداد. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن رجل، عن الضحاك بن مزاحم ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: هي للنبيّ ﷺ خاصّة، وللناس عامَّة مُوَسَّع عليهم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تمنن عملك على ربك تستكثر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سفيان بن حسين، عن الحسن، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تمنن عملك تستكثره على ربك. ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تمنن تستكثر عملك. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا يونس بن نافع أبو غانم، عن أبي سهل كثير بن زياد، عن الحسن ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ يقول: لا تمنن تستكثر عملك الصالح. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا يكثر عملك في عينك، فإنه فيما أنعم الله عليك وأعطاك قليل. وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تضعف أن تستكثر من الخير. ووجَّهوا معنى قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ﴾ أي لا تضعف، من قولهم: حبل منين: إذا كان ضعيفا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو حميد بن المغيرة الحمصي، قال: ثنا عبد الله بن عمرو، قال: ثنا محمد بن سلمة، عن خَصِيف عن مجاهد، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قال: تمنن في كلام العرب: تضعف. وقال آخرون في ذلك: لا تمنن بالنبوّة على الناس، تأخذ عليه منهم أجرًا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تمنن بالنبوّة والقرآن الذي أرسلناك به تستكثرهم به، تأخذ عليه عوضا من الدنيا. وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب في ذلك قول من قال: معنى ذلك: ولا تمنن على ربك من أن تستكثر عملك الصالح. وإنما قلت ذلك أولى بالصواب، لأن ذلك في سياق آيات تقدم فيهنّ أمر الله نبيه ﷺ بالجدّ في الدعاء إليه، والصبر على ما يَلْقَى من الأذى فيه، فهذه بأن تكون من أنواع تلك، أشبه منها بأن تكون من غيرها. وذُكر عن عبد الله بن مسعود أن ذلك في قراءته (ولا تمنن أن [[الحديث ١٩٨ - بديل، بضم الباء الموحدة وفتح الدال المهملة: هو ابن ميسرة العقيلي، وهو تابعي ثقة. وهذه الرواية متصلة بإسناد صحيح. لأن عبد الله بن شقيق صرح فيها بانه أخبره "من سمع النبي ﷺ "، وجهالة الصحابي لا تضر، كما هو معروف. والوصل بذكر الصحابي المبهم - زيادة من الثقة، فهي مقبولة. وقد ذكر ابن كثير ١: ٥٤ - ٥٥ هذه الرواية الموصولة، ثم أشار إلى الروايات الثلاث المرسلة، ثم قال: " ووقع في رواية عروة تسمية: عبد الله بن عمرو، فالله أعلم". ولكنه لم يذكر من خرج رواية عروة التي يشير إليها. ثم قال ابن كثير: "وقد روى ابن مردويه من حديث إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر، قال: سألت رسول الله ﷺ عن المغضوب عليهم، قال: اليهود، قلت: الضالين؟ قال: النصارى". وأشار الحافظ في الفتح ٨: ١٢٢ إلى رواية ابن مردويه هذه عن أبي ذر "بإسناد حسن". وذكر أيضًا أن رواية عبد الله بن شقيق الموصولة " أنه أخبره من سمع النبي ﷺ" - رواها أحمد. وهذه الروايات أيضًا عند السيوطي ١: ١٦، والشوكاني ١: ١٤ - ١٥. وسيأتي تفسير (الضالين) بهذه الأسانيد ٢١٠، ٢١١، ٢١٢، ٢١٣. وسيأتي في ٢١١ بيان من عروة الذي في الإسناد ١٩٧.]] تستكثر) . * * وقوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ يقول تعالى ذكره: ولربك فاصبر على ما لقيت فيه من المكروه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل على اختلاف فيه بين أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: على ما أوتيت. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: حمل أمرًا عظيما محاربة العرب، ثم العجم من بعد العرب في الله. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولربك فاصبر على عطيتك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: اصبر على عطيتك. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: اصبر على عطيتك لله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: عطيتك اصبر عليها.

Al-Mukhtasar (français)

Ne rappelle pas à ton Seigneur tes bonnes œuvres comme une faveur et ne leur donne pas plus qu’elles ne valent.

7

وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ

Et pour ton Seigneur, endure.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ [مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ] [[زيادة من م.]] عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ وَخَالَفَهُ [[في م: "وخالف".]] الْجُمْهُورُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَوَّلَ الْقُرْآنِ نُزُولًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ كَمَا سَيَأْتِي [بَيَانُ] [[زيادة من م.]] ذَلِكَ هُنَاكَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ؟ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، وقلتُ لَهُ مِثْلَ مَا قلتَ لِي، فَقَالَ جَابِرٌ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "جَاوَرْتُ بحرَاء، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هبطتُ فنُوديت فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ شَمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا. فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي. وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا. قَالَ: فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا قَالَ: فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٢٢) .]] هَكَذَا سَاقَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ [[صحيح مسلم برقم (١٦١) .]] مِنْ طَرِيقِ عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ: "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بصري قبَلَ السماء، فإذا الملك الذي جاءني بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَثَثْتُ [[في م: "فجثيت".]] مِنْهُ حَتَّى هَوَيتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إِلَى: ﴿فَاهْجُرْ﴾ - قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرُّجْزُ: الْأَوْثَانُ -ثُمَّ حَميَ الوحيُ وتَتَابع". هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٢٦) .]] وَهَذَا السِّيَاقُ هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ الْوَحْيُ قَبْلَ هَذَا، لِقَوْلِهِ: "فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [[في م: "الذي كان".]] بِحِرَاءٍ"، وَهُوَ جِبْرِيلُ حِينَ أَتَاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثُمَّ إِنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذَا فَتْرَةٌ، ثُمَّ نَزَلَ الْمَلَكُ بَعْدَ هَذَا. وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ هَذِهِ السُّورَةُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا لَيْث، حَدَّثَنَا عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ [[في أ: "ابن هشام".]] قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنِّي فَتْرَةً، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سمعتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَل السَّمَاءِ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [بِحِرَاءٍ الْآنَ] [[زيادة من م، أ، والمسند.]] قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجُثت [[في م: "فجثيت".]] مِنْهُ فَرَقًا، حَتَّى هَوَيت إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ لَهُمْ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ [بعدُ] [[زيادة من المسند.]] وَتَتَابَعَ". أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/٣٢٥) ، وصحيح البخاري برقم (٤٩٢٦) ، وصحيح مسلم برقم (١٦١) .]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُعَيْبٍ السِّمْسَارُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ [[في أ: الحسن بن بشير".]] البَجَلي، حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكة يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعَامًا، فَلَمَّا أَكَلُوا. قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَاحِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِسَاحِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَاهِنٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِكَاهِنٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَاعِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِشَاعِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: [بَلْ] [[زيادة من م.]] سِحْرٌ يُؤثر. فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فحزنَ وقَنعَ رَأْسَهُ، وتَدَثَّر، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [[المعجم الكبير للطبراني (١١/١٢٥) ، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣١) : "وفيه إبراهيم بن يزيد الخوري وهو ضعيف".]] . فَقَوْلُهُ ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أَيْ: شَمِّرْ عَنْ سَاقِ الْعَزْمِ، وَأَنْذِرِ النَّاسَ. وَبِهَذَا حَصَلَ الْإِرْسَالُ، كَمَا حَصَلَ بِالْأَوَّلِ النُّبُوَّةُ. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أَيْ: عَظِّمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ الْأَجْلَحُ الْكِنْدِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: لَا تَلْبَسْهَا [[في أ: "لا تسلبها".]] عَلَى مَعْصِيَةٍ وَلَا عَلَى غَدْرَة. ثُمَّ قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ: فَإني بِحَمْدِ اللَّهِ لَا ثوبَ فَاجر ... لبستُ وَلَا مِنْ غَدْرَة أتَقَنَّعُ [[البيت في تفسير الطبري (٢٩ظ٩١) .]] وَقَالَ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [فِي هَذِهِ الْآيَةِ] [[زيادة من م.]] ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: نَقِي الثِّيَابِ. وَفِي رِوَايَةٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: فَطَهِّرْ مِنَ الذُّنُوبِ. وَكَذَا قَالَ إبراهيم، الشعبي، وَعَطَاءٌ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: مِنَ الْإِثْمِ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ. وَقَالَ [[في م: "وعن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: نَفْسَكَ، لَيْسَ ثِيَابَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عَمَلَكَ فَأَصْلِحْ، وَكَذَا قَالَ أَبُو رَزِين. وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: لَسْتَ بِكَاهِنٍ وَلَا سَاحِرٍ، فَأَعْرِضْ عَمَّا قَالُوا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: طَهِّرْهَا مِنَ الْمَعَاصِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ إِذَا نَكَثَ وَلَمْ يَفِ بِعَهْدِ اللَّهِ إِنَّهُ لَمُدنَس [[في م: "لدنس".]] الثِّيَابِ. وَإِذَا وَفَّى وَأَصْلَحَ: إِنَّهُ لَمُطَهَّرُ الثِّيَابِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ: لَا تَلْبِسْهَا عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ الشَّاعِرُ [[هو دكين بن رجاء، وانظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة (٢/٦١٢) مستفادًا من حاشية الشعب.]] إِذَا المرءُ لَمْ يَدْنَس منَ اللُّؤْمِ عِرْضُه ... فَكُلّ ردَاء يَرْتَديه جَميلُ ... وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [يَعْنِي] [[زيادة من م.]] لَا تَكُ ثِيَابُكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِنْ مَكْسَبٍ غَيْرِ طَائِبٍ، وَيُقَالُ: لَا تَلْبَسْ ثِيَابَكَ عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيِ: اغْسِلْهَا بِالْمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ لَا يَتَطَهَّرُونَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ، وَأَنْ يُطَهِّرَ ثِيَابَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَدْ تَشْمَلُ الْآيَةُ جَمِيعَ ذَلِكَ مَعَ طَهَارَةِ الْقَلْبِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ الثِّيَابَ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: أفاطمَ مَهلا بَعْضَ هَذا التَدَلُّل ... وَإن كُنت قَد أزْمَعْت هَجْري فأجْمِلي ... وَإن تَكُ قَد سَ ـاءتك مِنِّي خَليقَةٌ ... فَسُلّي ثِيَابي مِن ثِيَابِكِ تَنْسُلِ [[ديوان امرئ القيس (ص٣٧) مستفادًا من حاشية الشعب.]] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ وَقَلْبَكَ ونيتك فطهر. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وخُلقَك فَحسّن. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ وَهُوَ الْأَصْنَامُ، فَاهْجُرْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الْأَوْثَانُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ أَيِ: اتْرُكِ الْمَعْصِيَةَ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا يَلْزَمُ تَلَبُّسُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الْأَحْزَابِ: ١] ﴿وَقَالَ مُوسَى لأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تُعْطِ الْعَطِيَّةَ تَلْتَمِسُ أَكْثَرَ مِنْهَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ: "وَلَا تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا تَمْنُنْ بِعَمَلِكَ عَلَى رَبِّكَ تَسْتَكْثِرُهُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ خُصَيْفٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ: لَا تَضْعُفْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الْخَيْرِ، قَالَ تَمْنُنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: تَضْعُفُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ عَلَى النَّاسِ، تَسْتَكْثِرُهُمْ بِهَا، تَأْخُذُ عَلَيْهِ عِوَضًا مِنَ الدُّنْيَا. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَالْأَظْهَرُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أَيِ: اجْعَلْ صَبْرَكَ عَلَى أَذَاهُمْ لِوَجْهِ رَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: اصْبِرْ عَطِيَّتَكَ لِلَّهِ تَعَالَى [[في أ: "لله عز وجل".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: ﴿النَّاقُورِ﴾ الصُّورِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهُوَ كَهَيْئَةِ الْقَرْنِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُطَرِّف، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ؟ " فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا". وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَسْبَاطٍ، بِهِ [[المسند (١/٣٢٦) ، وقال الحافظ عند تفسير الآية: ١٧٣ من سورة آل عمران: "حديث جيد".]] وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ ابْنِ فُضَيْلٍ وَأَسْبَاطٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُطَرِّفٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ أَيْ: شَدِيدٌ. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ أَيْ: غَيْرُ سَهْلٍ عَلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [الْقَمَرِ: ٨] . وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى -قَاضِي الْبَصْرَةِ-: أَنَّهُ صَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَقَرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ شَهِقَ شَهْقَةً، ثُمَّ خَرَّ مَيِّتًا، رَحِمَهُ اللَّهُ [[رواه أبو نعيم في الحلية (٢/٢٥٨، ٢٥٩) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) ﴾ يقول جلّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يأيها المتدثر بثيابه عند نومه. وذُكر أن نبيّ الله ﷺ قيل له ذلك، وهو متدثر بقطيفة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قال: كان متدثرا في قطيفة. وذُكر أن هذه الآية أول شيء نزل من القرآن على رسول الله ﷺ، وأنه قيل له: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ . كما:- ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ وهو يحدّث عن فترة الوحي: " بَيْنا أنا أمْشِي سَمِعْت صَوْتا مِنَ السَّماءِ، فَرَفَعْتُ رأسِي، فإذَا المَلَك الَّذِي جاءَنِي بحرَاءَ جالِسٌ عَلى كُرْسِي بَينَ السَّماءِ والأرْضِ، قال رسول الله ﷺ: "فَجُثِثْتُ مِنْهُ فَرَقا [[الحديث ١٩٥ - وهذا إسناد صحيح أيضًا. مري بن قطري الكوفي: ذكره ابن حبان في الثقات، وترجمه البخاري في الكبير ٤ / ٢ / ٥٧، وقال: "سمع عدي بن حاتم، روى عنه سماك بن حرب، يعد في الكوفيين". و "مري": بضم الميم وتشديد الراء المكسورة مع تشديد الياء. و "قطري" بفتح القاف والطاء وبعد الراء ياء مشددة. وبعضه سيأتي أيضًا بالإسناد نفسه ٢٠٩. وهذا الحديث عن عدي بن حاتم: أصله قصة مطولة في إسلامه. فرواه -بطوله- أحمد في المسند ٤: ٣٧٨ - ٣٧٩ عن محمد بن جعفر عن شعبة، بالإسناد السابق ١٩٤. . ورواه الترمذي ٤: ٦٧ من طريق عمرو بن أبي قيس عن سماك عن عباد بن حبيش عن عدي. وقال: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب. وروى شعبة عن سماك بن حرب عن عباد بن حبيش عن عدي بن حاتم عن النبي ﷺ - الحديث بطوله". وروى بعضه الطيالسي في مسنده: ١٠٤٠ عن عمرو بن ثابت "عمن سمع عدي بن حاتم". وقد تبين لنا من روايات الطبري هنا أن سماك بن حرب سمعه من عباد بن حبيش ومن مري بن قطري، كلاهما عن عدي، وأن سماك بن حرب لم ينفرد بروايته أيضًا، إذ رواه إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عدي. وأن لم يعرفه الترمذي إلا من حديث سماك - لا ينفي أن يعرفه غيره من وجه آخر. وذكره ابن كثير ١: ٥٤ من رواية أحمد في المسند، وأشار إلى رواية الترمذي، وإلى روايات الطبري هنا، ثم قال: "وقد روى حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها ". وذكره الحافظ في الإصابة، في ترجمة عدي ٢: ٢٢٩ من رواية أحمد والترمذي. وذكر السيوطي منه ١: ١٦ تفسير الحرفين، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه. وكذلك صنع الشوكاني ١: ١٥.]] ، وجِئْتُ أهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فدَثَّرُونِي" فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ..﴾ إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: ثم تتابع الوحي. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعي، قال: ثني يحيى بن أبي كثير، قال: سألت أبا سلمة: أيّ القرآن أُنزل أوّل، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت: يقولون ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ، فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله: أيّ القرآن أنزل أوّل؟ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ، فقلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فقال: لا أخبرك إلا ما:- ⁕ حدثنا النبيّ ﷺ، قال: جاورت في حِراء؛ فلما قضيت جواري هبطت، فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت عن يميني وعن شمالي وخلفي وقدّامي، فلم أر شيئا، فنظرت فوق رأسي فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض، فخشيت منه، هكذا قال عثمان بن عمرو، إنما هو: فجثثت منه، ولقيت خديجة، فقلت دثروني، فدثروني، وصبوا عليّ ماءً، فأنزل الله عليّ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ . ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن عليّ بن مبارك، عن يحيى بن أبي كثير، قال سألت أبا سلمة عن أوّل ما نزل من القرآن، قال: نزلت ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أوّل؛ قال: قلت: إنهم يقولون ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ، فقال: سألت جابر بن عبد الله، فقال: لا أحدّثك إلا ما:- ⁕ حدثنا رسول الله ﷺ قال: "جاوَرْتُ بِحِراء؛ فلمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلمْ أرَ شَيْئا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئا، فَرَفَعْتُ رأسي فرأيْتُ شَيْئا، فأتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصبُّوا عَليَّ ماء بارِدًا، فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، قال: فتر الوحي عن رسول الله ﷺ فترة، فحزن حزنًا، فجعل يعدو إلى شواهق رءوس الجبال ليتردّى منها، فكلما أوفى بذروة جبل تبدّى له جبريل عليه السلام فيقول: إنك نبيّ الله، فيسكن جأشه، وتسكن نفسه، فكان النبيّ ﷺ يحدث عن ذلك، قال: "بَيْنَما أنا أَمْشِي يَوْما إذ رأيْتُ المَلَكَ الَّذِي كان يأتِيني بِحرَاءَ على كُرْسِيّ بَينَ السَّماءِ والأرْضِ، فَجَثَثْتُ مِنْهُ رُعْبا، فَرَجَعْتُ إلى خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: "زَمِّلُونِي"، فزملناه: أي فدثرناه، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّر﴾ قال الزهري: فكان أوّل شيء أنزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ... ﴾ حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ، فقال بعضهم: معنى ذلك: يأيُّها النائم في ثيابه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قال: يأيها النائم. ⁕ حدثنا بشر، ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يقول: المتدثر في ثيابه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: يأيُّها المتدثر النبوّة وأثقالها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: وسُئل داود عن هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فحدثنا عن عكرِمة أنه قال: دثِّرت هذا الأمر فقم به. * * وقوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قم من نومك فأنذر عذاب الله قومك الذين أشركوا بالله، وعبدوا غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ : أي أنذر عذاب الله ووقائعه في الأمم، وشدّة نقمته. * * وقوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ يقول تعالى ذكره: وربك يا محمد فعظم بعبادته، والرغبة إليه في حاجاتك دون غيره من الآلهة والأنداد. * * وقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: لا تلبس ثيابك على معصية، ولا على غدرة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: أما سمعت قول غَيلان بن سَلَمة: وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ [[الحديث ١٩٦ - حميد بن مسعدة السامي، شيخ الطبري: هو "السامي" بالسين المهملة، نص على ذلك الحافظ ابن حجر في التقريب. وهو نسبة إلى "سامة بن لؤي بن غالب". ووقع في نسخ الطبري -هنا وفيما يأتي ٢١٠- "الشامي" بالمعجمة، وهو تصحيف. و "الجريري"، بضم الجيم: هو سعيد بن إياس البصري. و "عبد الله بن شقيق العقيلي"، بضم العين وفتح القاف: تابعي كبير ثقة. وهذا الإسناد مرسل، لقول عبد الله بن شقيق: "أن رجلا". وسيأتي مرسلا أيضًا ١٩٧، ١٩٩ ولكنه سيأتي موصولا ١٩٨.]] حدثنا أبو كُريب: قال: ثنا مُصْعَب بن سلام، عن الأجلح، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال: أتاه رجل وأنا جالس فقال: أرأيت قول الله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبسها على معصية ولا على غدرة، ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفيّ: وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ ⁕ حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثنا حفص بن غياث، عن الأجلح، عن عكرِمة، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبسها على غدرة، ولا على فجرة ثم تمثَّل بشعر غيلان بن سلمة هذا. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن عكرِمة ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تلبس ثيابك على معصية، ألم تسمع قول غيلان بن سَلَمَة الثقفيّ: وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ ⁕ حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني عطاء، أنه سمع ابن عباس يقول: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم، ثم قال: نقيّ الثياب في كلام العرب. ⁕ حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثنا حفص بن غياث القاضي، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: في كلام العرب: نقيّ الثياب. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الذنوب. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الذنوب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: هي كلمة من العربية كانت العرب تقولها: طهر ثيابك: أي من الذنوب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يقول: طهرها من المعاصي، فكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يف بعهد أنه دَنِسَ الثياب، وإذا وفى وأصلح قالوا: مطهَّر الثياب. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يقول: لا تلبس ثيابك على معصية. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم. ⁕ قال ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: من الإثم. ⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن الأجلح، سمع عكرمة قال: لا تلبس ثيابك على معصية. ⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن عامر وعطاء قالا من الخطايا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تلبس ثيابك من مكسب غير طيب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طائب، ويقال: لا تلبس ثيابك على معصية. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أصلح عملك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: عملك فأصلح. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي رَزِين في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: عملك فأصلحه، وكان الرجل إذا كان خبيث العمل، قالوا: فلان خبيث الثياب، وإذا كان حسن العمل قالوا: فلان طاهر الثياب. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: لست بكاهن ولا ساحر، فأعرض عما قالوا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: اغسلها بالماء، وطهرها من النجاسة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عباس بن أبي طالب، قال: ثنا عليّ بن عبد الله بن جعفر، عن أحمد بن موسى بن أبى مريم صاحب اللؤلؤ، قال: أخبرنا ابن عون، عن محمد بن سيرين ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: اغسلها بالماء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره أن يتطهر، ويطهِّر ثيابه. وهذا القول الذي قاله ابن سيرين وابن زيد في ذلك أظهر معانيه، والذي قاله ابن عباس، وعكرمة وابن زكريا قول عليه أكثر السلف من أنه عُنِيَ به: جسمك فطهر من الذنوب، والله أعلم بمراده من ذلك. ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء المدينة وعامة قرّاء الكوفة: ﴿والرِّجْزَ﴾ بكسر الراء، وقرأه بعض المكيين والمدنيين ﴿وَالرُّجْزَ﴾ بضم الراء، فمن ضمّ الراء وجهه إلى الأوثان، وقال: معنى الكلام: والأوثان فاهجر عبادتها، واترك خدمتها، ومن كسر الراء وجَّهه إلى العذاب، وقال: معناه: والعذاب فاهجر، أي ما أوجب لك العذاب من الأعمال فاهجر. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، والضمّ والكسر في ذلك لغتان بمعنى واحد، ولم نجد أحدًا من متقدّمي أهل التأويل فرّق بين تأويل ذلك، وإنما فرّق بين ذلك فيما بلغنا الكسائيّ. واختلف أهل التأويل في معنى ﴿الرُّجْزُ﴾ في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو الأصنام. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ يقول: السخط وهو الأصنام. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الأوثان. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل - قال أبو جعفر: أحسبه أنا - عن جابرٍ، عن مجاهد وعكرِمة ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الأوثان. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ : إساف ونائلة، وهما صنمان كانا عند البيت يمسح وجوههما من أتى عليهما، فأمر الله نبيَّهُ ﷺ أن يجتنبهما ويعتزلهما. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: هي الأوثان. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الرجز: آلهتهم التي كانوا يعبدون؛ أمره أن يهجرها، فلا يأتيها، ولا يقربها. وقال آخرون: بل معنى ذلك: والمعصية والإثم فاهجر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: الإثم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ يقول: اهجر المعصية. وقد بيَّنا معنى الرجز فيما مضى بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع. * * وقوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تُعط عطية تلتمس بها أفضل منها. ⁕ حدثنا أبو حميد الحمصي أحمد بن المُغيرة، قال: ثني أبو حيوة شريح بن يزيد الحضرميّ، قال: ثني أرطاة عن ضمرة بن حبيب وأبي الأحوص في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا، لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني من سمع عكرِمة يقول: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط العطية لتريد أن تأخذ أكثر منها. ⁕ حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل، عن منصور، عن إبراهيم ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط كيما تَزداد. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن مُغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا لتأخذ أكثر منه. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سلمة، عن الضحاك ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعطِ لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعطِ لتُعْطَى أكثر منه. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط شيئا لتزداد. ⁕ حدثنا أبو كُرَيْبٍ قال: ثنا وكيع، عن ابن أبي روّاد، عن الضحاك، قال: هو الربا الحلال، كان للنبي ﷺ خاصة. ⁕ حدثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيع، عن أبي حجيرة، عن الضحاك، هما رِبَوان: حلال، وحرام؛ فأما الحلال: فالهدايا، والحرام: فالربا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ يقول: لا تعطِ شيئا، إنما بك مجازاة الدنيا ومعارضها. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تعط شيئا لتثاب أفضل منه، وقاله أيضا طاوس. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: تعطي مالا مصانعة رجاء أفضل منه من الثواب في الدنيا. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: لا تعط لتُعْطى أكثر منه. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تعط لتزداد. ⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن رجل، عن الضحاك بن مزاحم ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: هي للنبيّ ﷺ خاصّة، وللناس عامَّة مُوَسَّع عليهم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تمنن عملك على ربك تستكثر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سفيان بن حسين، عن الحسن، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تمنن عملك تستكثره على ربك. ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تمنن تستكثر عملك. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا يونس بن نافع أبو غانم، عن أبي سهل كثير بن زياد، عن الحسن ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ يقول: لا تمنن تستكثر عملك الصالح. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا يكثر عملك في عينك، فإنه فيما أنعم الله عليك وأعطاك قليل. وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تضعف أن تستكثر من الخير. ووجَّهوا معنى قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ﴾ أي لا تضعف، من قولهم: حبل منين: إذا كان ضعيفا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو حميد بن المغيرة الحمصي، قال: ثنا عبد الله بن عمرو، قال: ثنا محمد بن سلمة، عن خَصِيف عن مجاهد، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قال: تمنن في كلام العرب: تضعف. وقال آخرون في ذلك: لا تمنن بالنبوّة على الناس، تأخذ عليه منهم أجرًا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: لا تمنن بالنبوّة والقرآن الذي أرسلناك به تستكثرهم به، تأخذ عليه عوضا من الدنيا. وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب في ذلك قول من قال: معنى ذلك: ولا تمنن على ربك من أن تستكثر عملك الصالح. وإنما قلت ذلك أولى بالصواب، لأن ذلك في سياق آيات تقدم فيهنّ أمر الله نبيه ﷺ بالجدّ في الدعاء إليه، والصبر على ما يَلْقَى من الأذى فيه، فهذه بأن تكون من أنواع تلك، أشبه منها بأن تكون من غيرها. وذُكر عن عبد الله بن مسعود أن ذلك في قراءته (ولا تمنن أن [[الحديث ١٩٨ - بديل، بضم الباء الموحدة وفتح الدال المهملة: هو ابن ميسرة العقيلي، وهو تابعي ثقة. وهذه الرواية متصلة بإسناد صحيح. لأن عبد الله بن شقيق صرح فيها بانه أخبره "من سمع النبي ﷺ "، وجهالة الصحابي لا تضر، كما هو معروف. والوصل بذكر الصحابي المبهم - زيادة من الثقة، فهي مقبولة. وقد ذكر ابن كثير ١: ٥٤ - ٥٥ هذه الرواية الموصولة، ثم أشار إلى الروايات الثلاث المرسلة، ثم قال: " ووقع في رواية عروة تسمية: عبد الله بن عمرو، فالله أعلم". ولكنه لم يذكر من خرج رواية عروة التي يشير إليها. ثم قال ابن كثير: "وقد روى ابن مردويه من حديث إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر، قال: سألت رسول الله ﷺ عن المغضوب عليهم، قال: اليهود، قلت: الضالين؟ قال: النصارى". وأشار الحافظ في الفتح ٨: ١٢٢ إلى رواية ابن مردويه هذه عن أبي ذر "بإسناد حسن". وذكر أيضًا أن رواية عبد الله بن شقيق الموصولة " أنه أخبره من سمع النبي ﷺ" - رواها أحمد. وهذه الروايات أيضًا عند السيوطي ١: ١٦، والشوكاني ١: ١٤ - ١٥. وسيأتي تفسير (الضالين) بهذه الأسانيد ٢١٠، ٢١١، ٢١٢، ٢١٣. وسيأتي في ٢١١ بيان من عروة الذي في الإسناد ١٩٧.]] تستكثر) . * * وقوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ يقول تعالى ذكره: ولربك فاصبر على ما لقيت فيه من المكروه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل على اختلاف فيه بين أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: على ما أوتيت. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: حمل أمرًا عظيما محاربة العرب، ثم العجم من بعد العرب في الله. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولربك فاصبر على عطيتك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: اصبر على عطيتك. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: اصبر على عطيتك لله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قال: عطيتك اصبر عليها.

Al-Mukhtasar (français)

Endure pour Allah les persécutions que tu subis.

8

فَإِذَا نُقِرَ فِى ٱلنَّاقُورِ

Quand on sonnera du Clairon,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ [مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ] [[زيادة من م.]] عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ وَخَالَفَهُ [[في م: "وخالف".]] الْجُمْهُورُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَوَّلَ الْقُرْآنِ نُزُولًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ كَمَا سَيَأْتِي [بَيَانُ] [[زيادة من م.]] ذَلِكَ هُنَاكَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ؟ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، وقلتُ لَهُ مِثْلَ مَا قلتَ لِي، فَقَالَ جَابِرٌ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "جَاوَرْتُ بحرَاء، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هبطتُ فنُوديت فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ شَمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا. فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي. وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا. قَالَ: فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا قَالَ: فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٢٢) .]] هَكَذَا سَاقَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ [[صحيح مسلم برقم (١٦١) .]] مِنْ طَرِيقِ عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ: "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بصري قبَلَ السماء، فإذا الملك الذي جاءني بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَثَثْتُ [[في م: "فجثيت".]] مِنْهُ حَتَّى هَوَيتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إِلَى: ﴿فَاهْجُرْ﴾ - قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرُّجْزُ: الْأَوْثَانُ -ثُمَّ حَميَ الوحيُ وتَتَابع". هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٢٦) .]] وَهَذَا السِّيَاقُ هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ الْوَحْيُ قَبْلَ هَذَا، لِقَوْلِهِ: "فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [[في م: "الذي كان".]] بِحِرَاءٍ"، وَهُوَ جِبْرِيلُ حِينَ أَتَاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثُمَّ إِنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذَا فَتْرَةٌ، ثُمَّ نَزَلَ الْمَلَكُ بَعْدَ هَذَا. وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ هَذِهِ السُّورَةُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا لَيْث، حَدَّثَنَا عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ [[في أ: "ابن هشام".]] قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنِّي فَتْرَةً، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سمعتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَل السَّمَاءِ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [بِحِرَاءٍ الْآنَ] [[زيادة من م، أ، والمسند.]] قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجُثت [[في م: "فجثيت".]] مِنْهُ فَرَقًا، حَتَّى هَوَيت إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ لَهُمْ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ [بعدُ] [[زيادة من المسند.]] وَتَتَابَعَ". أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/٣٢٥) ، وصحيح البخاري برقم (٤٩٢٦) ، وصحيح مسلم برقم (١٦١) .]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُعَيْبٍ السِّمْسَارُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ [[في أ: الحسن بن بشير".]] البَجَلي، حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكة يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعَامًا، فَلَمَّا أَكَلُوا. قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَاحِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِسَاحِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَاهِنٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِكَاهِنٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَاعِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِشَاعِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: [بَلْ] [[زيادة من م.]] سِحْرٌ يُؤثر. فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فحزنَ وقَنعَ رَأْسَهُ، وتَدَثَّر، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [[المعجم الكبير للطبراني (١١/١٢٥) ، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣١) : "وفيه إبراهيم بن يزيد الخوري وهو ضعيف".]] . فَقَوْلُهُ ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أَيْ: شَمِّرْ عَنْ سَاقِ الْعَزْمِ، وَأَنْذِرِ النَّاسَ. وَبِهَذَا حَصَلَ الْإِرْسَالُ، كَمَا حَصَلَ بِالْأَوَّلِ النُّبُوَّةُ. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أَيْ: عَظِّمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ الْأَجْلَحُ الْكِنْدِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: لَا تَلْبَسْهَا [[في أ: "لا تسلبها".]] عَلَى مَعْصِيَةٍ وَلَا عَلَى غَدْرَة. ثُمَّ قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ: فَإني بِحَمْدِ اللَّهِ لَا ثوبَ فَاجر ... لبستُ وَلَا مِنْ غَدْرَة أتَقَنَّعُ [[البيت في تفسير الطبري (٢٩ظ٩١) .]] وَقَالَ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [فِي هَذِهِ الْآيَةِ] [[زيادة من م.]] ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: نَقِي الثِّيَابِ. وَفِي رِوَايَةٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: فَطَهِّرْ مِنَ الذُّنُوبِ. وَكَذَا قَالَ إبراهيم، الشعبي، وَعَطَاءٌ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: مِنَ الْإِثْمِ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ. وَقَالَ [[في م: "وعن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: نَفْسَكَ، لَيْسَ ثِيَابَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عَمَلَكَ فَأَصْلِحْ، وَكَذَا قَالَ أَبُو رَزِين. وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: لَسْتَ بِكَاهِنٍ وَلَا سَاحِرٍ، فَأَعْرِضْ عَمَّا قَالُوا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: طَهِّرْهَا مِنَ الْمَعَاصِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ إِذَا نَكَثَ وَلَمْ يَفِ بِعَهْدِ اللَّهِ إِنَّهُ لَمُدنَس [[في م: "لدنس".]] الثِّيَابِ. وَإِذَا وَفَّى وَأَصْلَحَ: إِنَّهُ لَمُطَهَّرُ الثِّيَابِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ: لَا تَلْبِسْهَا عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ الشَّاعِرُ [[هو دكين بن رجاء، وانظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة (٢/٦١٢) مستفادًا من حاشية الشعب.]] إِذَا المرءُ لَمْ يَدْنَس منَ اللُّؤْمِ عِرْضُه ... فَكُلّ ردَاء يَرْتَديه جَميلُ ... وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [يَعْنِي] [[زيادة من م.]] لَا تَكُ ثِيَابُكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِنْ مَكْسَبٍ غَيْرِ طَائِبٍ، وَيُقَالُ: لَا تَلْبَسْ ثِيَابَكَ عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيِ: اغْسِلْهَا بِالْمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ لَا يَتَطَهَّرُونَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ، وَأَنْ يُطَهِّرَ ثِيَابَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَدْ تَشْمَلُ الْآيَةُ جَمِيعَ ذَلِكَ مَعَ طَهَارَةِ الْقَلْبِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ الثِّيَابَ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: أفاطمَ مَهلا بَعْضَ هَذا التَدَلُّل ... وَإن كُنت قَد أزْمَعْت هَجْري فأجْمِلي ... وَإن تَكُ قَد سَ ـاءتك مِنِّي خَليقَةٌ ... فَسُلّي ثِيَابي مِن ثِيَابِكِ تَنْسُلِ [[ديوان امرئ القيس (ص٣٧) مستفادًا من حاشية الشعب.]] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ وَقَلْبَكَ ونيتك فطهر. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وخُلقَك فَحسّن. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ وَهُوَ الْأَصْنَامُ، فَاهْجُرْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الْأَوْثَانُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ أَيِ: اتْرُكِ الْمَعْصِيَةَ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا يَلْزَمُ تَلَبُّسُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الْأَحْزَابِ: ١] ﴿وَقَالَ مُوسَى لأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تُعْطِ الْعَطِيَّةَ تَلْتَمِسُ أَكْثَرَ مِنْهَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ: "وَلَا تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا تَمْنُنْ بِعَمَلِكَ عَلَى رَبِّكَ تَسْتَكْثِرُهُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ خُصَيْفٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ: لَا تَضْعُفْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الْخَيْرِ، قَالَ تَمْنُنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: تَضْعُفُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ عَلَى النَّاسِ، تَسْتَكْثِرُهُمْ بِهَا، تَأْخُذُ عَلَيْهِ عِوَضًا مِنَ الدُّنْيَا. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَالْأَظْهَرُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أَيِ: اجْعَلْ صَبْرَكَ عَلَى أَذَاهُمْ لِوَجْهِ رَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: اصْبِرْ عَطِيَّتَكَ لِلَّهِ تَعَالَى [[في أ: "لله عز وجل".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: ﴿النَّاقُورِ﴾ الصُّورِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهُوَ كَهَيْئَةِ الْقَرْنِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُطَرِّف، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ؟ " فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا". وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَسْبَاطٍ، بِهِ [[المسند (١/٣٢٦) ، وقال الحافظ عند تفسير الآية: ١٧٣ من سورة آل عمران: "حديث جيد".]] وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ ابْنِ فُضَيْلٍ وَأَسْبَاطٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُطَرِّفٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ أَيْ: شَدِيدٌ. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ أَيْ: غَيْرُ سَهْلٍ عَلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [الْقَمَرِ: ٨] . وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى -قَاضِي الْبَصْرَةِ-: أَنَّهُ صَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَقَرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ شَهِقَ شَهْقَةً، ثُمَّ خَرَّ مَيِّتًا، رَحِمَهُ اللَّهُ [[رواه أبو نعيم في الحلية (٢/٢٥٨، ٢٥٩) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا (١٢) ﴾ . يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ فذلك يومئذ يوم شديد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن فضيل وأسباط، عن مطرِّف، عن عطية العوفيِّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ قال رسول الله ﷺ: "كَيْفَ أنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ القَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ يَسْتَمعُ مَتَى يُؤْمَرُ يَنْفُخُ فِيهِ"، فقال أصحابُ رسول الله ﷺ: كيف نقول؟ فقال: تقولون: حَسْبُنا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا". ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أبو رجاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: إذا نُفخ في الصور. ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ مثله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن شريك، عن جابر، عن مجاهد ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: إذا نُفخ في الصور. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: في الصور، قال: هو شيء كهيئة البوق. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: هو يوم يُنفخ في الصور الذي ينفخ فيه، قال ابن عباس: إن نبيّ الله ﷺ خرج إلى أصحابه، فقال: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ القَرْنَ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ بأُذُنِهِ يَسْتَمِعُ مَتى يُؤْمَرُ بالصَّيْحَة؟ فاشتدّ ذلك على أصحابه، فأمرهم أن يقولوا: حَسْبُنا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، على اللهِ تَوَكَّلْنا". ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ يقول: الصور. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال الحسن: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: إذا نُفخ في الصُّور. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ والناقور: الصور، والصور: الخلق. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ يعني: الصُّور. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: الناقور: الصور. ⁕ حدثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع، مثله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: الصور. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ يقول: شديد. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله تعالى ذكره ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ فبين الله على من يقع ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ . * * وقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: كِلْ يا محمد أمر الذي خلقته في بطن أمه وحيدًا، لا شيء له من مال ولا ولد إليّ. وذُكر أنه عُنِي بذلك: الوليد بن المغيرة المخزومي. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا سفيان، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا يُونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد، عن سعيد بن جُبير أو عكرِمة، عن ابن عباس، قال: أنزل الله في الوليد بن المغيرة قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ... ﴾ إلى آخرها. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ قال: خلقته وحده ليس معه مال ولا ولد. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن محمد بن شريك، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ قال: نزلت في الوليد بن المغيرة، وكذلك الخلق كلهم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ وهو الوليد بن المغيرة، أخرجه الله من بطن أمه وحيدًا، لا مال له ولا ولد، فرزقه الله المال والولد، والثروة والنماء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ... ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ... ﴾ حتى بلغ ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ قال: هذه الآية أُنزلت في الوليد بن المُغيرة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ يعني الوليد بن المغيرة ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ . اختلف أهل التأويل في هذا المال الذي ذكره الله، وأخبر أنه جعله للوحيد ما هو؟ وما مبلغه؟ فقال بعضهم: كان ذلك دنانير، ومبلغها ألف دينار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أبيه، عن مجاهد ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: كان ماله ألف دينار. ⁕ حدثنا صالح بن مسمار المروزي، قال: ثنا الحارث بن عمران الكوفيّ، قال: ثنا محمد بن سوقة، عن سعيد بن جُبير، في قوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: ألف دينار. وقال آخرون: كان ماله أربعة آلاف دينار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: بلغني أنه أربعة آلاف دينار. وقال آخرون: كان ماله أرضًا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن المثنى، قال: ثني وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، في قوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: الأرض. ⁕ حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، مثله. وقال آخرون: كان ذلك غلة شهر بشهر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حلبس، إمام مسجد ابن علية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عمر رضي الله عنه، في قوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: غلة شهر بشهر. ⁕ حدثني أبو حفص الحيري، قال: ثنا حلبس الضُّبَعي، عن ابن جريج، عن عطاء مثله، ولم يقل: عن عمر. ⁕ حدثنا أحمد بن الوليد الرملي، قال: ثنا غالب بن حلبس، قال: ثنا أبي، عن ابن جريج، عن عطاء مثله، ولم يقل: عن عمر. ⁕ حدثنا أحمد بن الوليد، قال: ثنا أبو بكر عياش، قال: ثنا حلبس بن محمد العجلي، عن ابن جريج عن عطاء، عن عمر، مثله. والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ وهو الكثير الممدود، عدده أو مساحته.

Al-Mukhtasar (français)

Lorsque l’on soufflera dans la Trompe pour la seconde fois,

9

فَذَٰلِكَ يَوْمَئِذٍۢ يَوْمٌ عَسِيرٌ

alors, ce jour-là sera un jour difficile,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ [مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ] [[زيادة من م.]] عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ وَخَالَفَهُ [[في م: "وخالف".]] الْجُمْهُورُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَوَّلَ الْقُرْآنِ نُزُولًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ كَمَا سَيَأْتِي [بَيَانُ] [[زيادة من م.]] ذَلِكَ هُنَاكَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ؟ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، وقلتُ لَهُ مِثْلَ مَا قلتَ لِي، فَقَالَ جَابِرٌ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "جَاوَرْتُ بحرَاء، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هبطتُ فنُوديت فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ شَمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا. فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي. وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا. قَالَ: فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا قَالَ: فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٢٢) .]] هَكَذَا سَاقَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ [[صحيح مسلم برقم (١٦١) .]] مِنْ طَرِيقِ عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ: "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بصري قبَلَ السماء، فإذا الملك الذي جاءني بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَثَثْتُ [[في م: "فجثيت".]] مِنْهُ حَتَّى هَوَيتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إِلَى: ﴿فَاهْجُرْ﴾ - قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرُّجْزُ: الْأَوْثَانُ -ثُمَّ حَميَ الوحيُ وتَتَابع". هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٢٦) .]] وَهَذَا السِّيَاقُ هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ الْوَحْيُ قَبْلَ هَذَا، لِقَوْلِهِ: "فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [[في م: "الذي كان".]] بِحِرَاءٍ"، وَهُوَ جِبْرِيلُ حِينَ أَتَاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثُمَّ إِنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذَا فَتْرَةٌ، ثُمَّ نَزَلَ الْمَلَكُ بَعْدَ هَذَا. وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ هَذِهِ السُّورَةُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا لَيْث، حَدَّثَنَا عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ [[في أ: "ابن هشام".]] قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنِّي فَتْرَةً، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سمعتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَل السَّمَاءِ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [بِحِرَاءٍ الْآنَ] [[زيادة من م، أ، والمسند.]] قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجُثت [[في م: "فجثيت".]] مِنْهُ فَرَقًا، حَتَّى هَوَيت إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ لَهُمْ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ [بعدُ] [[زيادة من المسند.]] وَتَتَابَعَ". أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/٣٢٥) ، وصحيح البخاري برقم (٤٩٢٦) ، وصحيح مسلم برقم (١٦١) .]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُعَيْبٍ السِّمْسَارُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ [[في أ: الحسن بن بشير".]] البَجَلي، حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكة يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعَامًا، فَلَمَّا أَكَلُوا. قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَاحِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِسَاحِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَاهِنٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِكَاهِنٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَاعِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِشَاعِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: [بَلْ] [[زيادة من م.]] سِحْرٌ يُؤثر. فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فحزنَ وقَنعَ رَأْسَهُ، وتَدَثَّر، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [[المعجم الكبير للطبراني (١١/١٢٥) ، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣١) : "وفيه إبراهيم بن يزيد الخوري وهو ضعيف".]] . فَقَوْلُهُ ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أَيْ: شَمِّرْ عَنْ سَاقِ الْعَزْمِ، وَأَنْذِرِ النَّاسَ. وَبِهَذَا حَصَلَ الْإِرْسَالُ، كَمَا حَصَلَ بِالْأَوَّلِ النُّبُوَّةُ. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أَيْ: عَظِّمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ الْأَجْلَحُ الْكِنْدِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: لَا تَلْبَسْهَا [[في أ: "لا تسلبها".]] عَلَى مَعْصِيَةٍ وَلَا عَلَى غَدْرَة. ثُمَّ قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ: فَإني بِحَمْدِ اللَّهِ لَا ثوبَ فَاجر ... لبستُ وَلَا مِنْ غَدْرَة أتَقَنَّعُ [[البيت في تفسير الطبري (٢٩ظ٩١) .]] وَقَالَ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [فِي هَذِهِ الْآيَةِ] [[زيادة من م.]] ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: نَقِي الثِّيَابِ. وَفِي رِوَايَةٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: فَطَهِّرْ مِنَ الذُّنُوبِ. وَكَذَا قَالَ إبراهيم، الشعبي، وَعَطَاءٌ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: مِنَ الْإِثْمِ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ. وَقَالَ [[في م: "وعن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: نَفْسَكَ، لَيْسَ ثِيَابَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عَمَلَكَ فَأَصْلِحْ، وَكَذَا قَالَ أَبُو رَزِين. وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: لَسْتَ بِكَاهِنٍ وَلَا سَاحِرٍ، فَأَعْرِضْ عَمَّا قَالُوا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: طَهِّرْهَا مِنَ الْمَعَاصِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ إِذَا نَكَثَ وَلَمْ يَفِ بِعَهْدِ اللَّهِ إِنَّهُ لَمُدنَس [[في م: "لدنس".]] الثِّيَابِ. وَإِذَا وَفَّى وَأَصْلَحَ: إِنَّهُ لَمُطَهَّرُ الثِّيَابِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ: لَا تَلْبِسْهَا عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ الشَّاعِرُ [[هو دكين بن رجاء، وانظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة (٢/٦١٢) مستفادًا من حاشية الشعب.]] إِذَا المرءُ لَمْ يَدْنَس منَ اللُّؤْمِ عِرْضُه ... فَكُلّ ردَاء يَرْتَديه جَميلُ ... وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [يَعْنِي] [[زيادة من م.]] لَا تَكُ ثِيَابُكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِنْ مَكْسَبٍ غَيْرِ طَائِبٍ، وَيُقَالُ: لَا تَلْبَسْ ثِيَابَكَ عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيِ: اغْسِلْهَا بِالْمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ لَا يَتَطَهَّرُونَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ، وَأَنْ يُطَهِّرَ ثِيَابَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَدْ تَشْمَلُ الْآيَةُ جَمِيعَ ذَلِكَ مَعَ طَهَارَةِ الْقَلْبِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ الثِّيَابَ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: أفاطمَ مَهلا بَعْضَ هَذا التَدَلُّل ... وَإن كُنت قَد أزْمَعْت هَجْري فأجْمِلي ... وَإن تَكُ قَد سَ ـاءتك مِنِّي خَليقَةٌ ... فَسُلّي ثِيَابي مِن ثِيَابِكِ تَنْسُلِ [[ديوان امرئ القيس (ص٣٧) مستفادًا من حاشية الشعب.]] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ وَقَلْبَكَ ونيتك فطهر. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وخُلقَك فَحسّن. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ وَهُوَ الْأَصْنَامُ، فَاهْجُرْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الْأَوْثَانُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ أَيِ: اتْرُكِ الْمَعْصِيَةَ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا يَلْزَمُ تَلَبُّسُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الْأَحْزَابِ: ١] ﴿وَقَالَ مُوسَى لأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تُعْطِ الْعَطِيَّةَ تَلْتَمِسُ أَكْثَرَ مِنْهَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ: "وَلَا تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا تَمْنُنْ بِعَمَلِكَ عَلَى رَبِّكَ تَسْتَكْثِرُهُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ خُصَيْفٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ: لَا تَضْعُفْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الْخَيْرِ، قَالَ تَمْنُنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: تَضْعُفُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ عَلَى النَّاسِ، تَسْتَكْثِرُهُمْ بِهَا، تَأْخُذُ عَلَيْهِ عِوَضًا مِنَ الدُّنْيَا. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَالْأَظْهَرُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أَيِ: اجْعَلْ صَبْرَكَ عَلَى أَذَاهُمْ لِوَجْهِ رَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: اصْبِرْ عَطِيَّتَكَ لِلَّهِ تَعَالَى [[في أ: "لله عز وجل".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: ﴿النَّاقُورِ﴾ الصُّورِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهُوَ كَهَيْئَةِ الْقَرْنِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُطَرِّف، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ؟ " فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا". وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَسْبَاطٍ، بِهِ [[المسند (١/٣٢٦) ، وقال الحافظ عند تفسير الآية: ١٧٣ من سورة آل عمران: "حديث جيد".]] وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ ابْنِ فُضَيْلٍ وَأَسْبَاطٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُطَرِّفٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ أَيْ: شَدِيدٌ. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ أَيْ: غَيْرُ سَهْلٍ عَلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [الْقَمَرِ: ٨] . وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى -قَاضِي الْبَصْرَةِ-: أَنَّهُ صَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَقَرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ شَهِقَ شَهْقَةً، ثُمَّ خَرَّ مَيِّتًا، رَحِمَهُ اللَّهُ [[رواه أبو نعيم في الحلية (٢/٢٥٨، ٢٥٩) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا (١٢) ﴾ . يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ فذلك يومئذ يوم شديد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن فضيل وأسباط، عن مطرِّف، عن عطية العوفيِّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ قال رسول الله ﷺ: "كَيْفَ أنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ القَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ يَسْتَمعُ مَتَى يُؤْمَرُ يَنْفُخُ فِيهِ"، فقال أصحابُ رسول الله ﷺ: كيف نقول؟ فقال: تقولون: حَسْبُنا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا". ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أبو رجاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: إذا نُفخ في الصور. ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ مثله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن شريك، عن جابر، عن مجاهد ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: إذا نُفخ في الصور. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: في الصور، قال: هو شيء كهيئة البوق. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: هو يوم يُنفخ في الصور الذي ينفخ فيه، قال ابن عباس: إن نبيّ الله ﷺ خرج إلى أصحابه، فقال: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ القَرْنَ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ بأُذُنِهِ يَسْتَمِعُ مَتى يُؤْمَرُ بالصَّيْحَة؟ فاشتدّ ذلك على أصحابه، فأمرهم أن يقولوا: حَسْبُنا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، على اللهِ تَوَكَّلْنا". ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ يقول: الصور. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال الحسن: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: إذا نُفخ في الصُّور. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ والناقور: الصور، والصور: الخلق. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ يعني: الصُّور. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: الناقور: الصور. ⁕ حدثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع، مثله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: الصور. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ يقول: شديد. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله تعالى ذكره ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ فبين الله على من يقع ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ . * * وقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: كِلْ يا محمد أمر الذي خلقته في بطن أمه وحيدًا، لا شيء له من مال ولا ولد إليّ. وذُكر أنه عُنِي بذلك: الوليد بن المغيرة المخزومي. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا سفيان، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا يُونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد، عن سعيد بن جُبير أو عكرِمة، عن ابن عباس، قال: أنزل الله في الوليد بن المغيرة قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ... ﴾ إلى آخرها. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ قال: خلقته وحده ليس معه مال ولا ولد. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن محمد بن شريك، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ قال: نزلت في الوليد بن المغيرة، وكذلك الخلق كلهم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ وهو الوليد بن المغيرة، أخرجه الله من بطن أمه وحيدًا، لا مال له ولا ولد، فرزقه الله المال والولد، والثروة والنماء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ... ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ... ﴾ حتى بلغ ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ قال: هذه الآية أُنزلت في الوليد بن المُغيرة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ يعني الوليد بن المغيرة ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ . اختلف أهل التأويل في هذا المال الذي ذكره الله، وأخبر أنه جعله للوحيد ما هو؟ وما مبلغه؟ فقال بعضهم: كان ذلك دنانير، ومبلغها ألف دينار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أبيه، عن مجاهد ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: كان ماله ألف دينار. ⁕ حدثنا صالح بن مسمار المروزي، قال: ثنا الحارث بن عمران الكوفيّ، قال: ثنا محمد بن سوقة، عن سعيد بن جُبير، في قوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: ألف دينار. وقال آخرون: كان ماله أربعة آلاف دينار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: بلغني أنه أربعة آلاف دينار. وقال آخرون: كان ماله أرضًا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن المثنى، قال: ثني وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، في قوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: الأرض. ⁕ حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، مثله. وقال آخرون: كان ذلك غلة شهر بشهر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حلبس، إمام مسجد ابن علية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عمر رضي الله عنه، في قوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: غلة شهر بشهر. ⁕ حدثني أبو حفص الحيري، قال: ثنا حلبس الضُّبَعي، عن ابن جريج، عن عطاء مثله، ولم يقل: عن عمر. ⁕ حدثنا أحمد بن الوليد الرملي، قال: ثنا غالب بن حلبس، قال: ثنا أبي، عن ابن جريج، عن عطاء مثله، ولم يقل: عن عمر. ⁕ حدثنا أحمد بن الوليد، قال: ثنا أبو بكر عياش، قال: ثنا حلبس بن محمد العجلي، عن ابن جريج عن عطاء، عن عمر، مثله. والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ وهو الكثير الممدود، عدده أو مساحته.

Al-Mukhtasar (français)

ce sera un Jour terrible

10

عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍۢ

pas facile pour les mécréants.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ [مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ] [[زيادة من م.]] عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ وَخَالَفَهُ [[في م: "وخالف".]] الْجُمْهُورُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَوَّلَ الْقُرْآنِ نُزُولًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ كَمَا سَيَأْتِي [بَيَانُ] [[زيادة من م.]] ذَلِكَ هُنَاكَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ؟ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، وقلتُ لَهُ مِثْلَ مَا قلتَ لِي، فَقَالَ جَابِرٌ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "جَاوَرْتُ بحرَاء، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هبطتُ فنُوديت فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ شَمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا. فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي. وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا. قَالَ: فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا قَالَ: فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٢٢) .]] هَكَذَا سَاقَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ [[صحيح مسلم برقم (١٦١) .]] مِنْ طَرِيقِ عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ: "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بصري قبَلَ السماء، فإذا الملك الذي جاءني بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَثَثْتُ [[في م: "فجثيت".]] مِنْهُ حَتَّى هَوَيتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إِلَى: ﴿فَاهْجُرْ﴾ - قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرُّجْزُ: الْأَوْثَانُ -ثُمَّ حَميَ الوحيُ وتَتَابع". هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ [[صحيح البخاري برقم (٤٩٢٦) .]] وَهَذَا السِّيَاقُ هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ الْوَحْيُ قَبْلَ هَذَا، لِقَوْلِهِ: "فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [[في م: "الذي كان".]] بِحِرَاءٍ"، وَهُوَ جِبْرِيلُ حِينَ أَتَاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثُمَّ إِنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذَا فَتْرَةٌ، ثُمَّ نَزَلَ الْمَلَكُ بَعْدَ هَذَا. وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ هَذِهِ السُّورَةُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا لَيْث، حَدَّثَنَا عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ [[في أ: "ابن هشام".]] قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنِّي فَتْرَةً، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سمعتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَل السَّمَاءِ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [بِحِرَاءٍ الْآنَ] [[زيادة من م، أ، والمسند.]] قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجُثت [[في م: "فجثيت".]] مِنْهُ فَرَقًا، حَتَّى هَوَيت إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ لَهُمْ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ [بعدُ] [[زيادة من المسند.]] وَتَتَابَعَ". أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/٣٢٥) ، وصحيح البخاري برقم (٤٩٢٦) ، وصحيح مسلم برقم (١٦١) .]] . وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُعَيْبٍ السِّمْسَارُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ [[في أ: الحسن بن بشير".]] البَجَلي، حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكة يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعَامًا، فَلَمَّا أَكَلُوا. قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَاحِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِسَاحِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَاهِنٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِكَاهِنٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَاعِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِشَاعِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: [بَلْ] [[زيادة من م.]] سِحْرٌ يُؤثر. فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فحزنَ وقَنعَ رَأْسَهُ، وتَدَثَّر، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [[المعجم الكبير للطبراني (١١/١٢٥) ، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣١) : "وفيه إبراهيم بن يزيد الخوري وهو ضعيف".]] . فَقَوْلُهُ ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أَيْ: شَمِّرْ عَنْ سَاقِ الْعَزْمِ، وَأَنْذِرِ النَّاسَ. وَبِهَذَا حَصَلَ الْإِرْسَالُ، كَمَا حَصَلَ بِالْأَوَّلِ النُّبُوَّةُ. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أَيْ: عَظِّمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ الْأَجْلَحُ الْكِنْدِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: لَا تَلْبَسْهَا [[في أ: "لا تسلبها".]] عَلَى مَعْصِيَةٍ وَلَا عَلَى غَدْرَة. ثُمَّ قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ: فَإني بِحَمْدِ اللَّهِ لَا ثوبَ فَاجر ... لبستُ وَلَا مِنْ غَدْرَة أتَقَنَّعُ [[البيت في تفسير الطبري (٢٩ظ٩١) .]] وَقَالَ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [فِي هَذِهِ الْآيَةِ] [[زيادة من م.]] ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: نَقِي الثِّيَابِ. وَفِي رِوَايَةٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: فَطَهِّرْ مِنَ الذُّنُوبِ. وَكَذَا قَالَ إبراهيم، الشعبي، وَعَطَاءٌ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: مِنَ الْإِثْمِ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ. وَقَالَ [[في م: "وعن".]] مُجَاهِدٌ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: نَفْسَكَ، لَيْسَ ثِيَابَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عَمَلَكَ فَأَصْلِحْ، وَكَذَا قَالَ أَبُو رَزِين. وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: لَسْتَ بِكَاهِنٍ وَلَا سَاحِرٍ، فَأَعْرِضْ عَمَّا قَالُوا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: طَهِّرْهَا مِنَ الْمَعَاصِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ إِذَا نَكَثَ وَلَمْ يَفِ بِعَهْدِ اللَّهِ إِنَّهُ لَمُدنَس [[في م: "لدنس".]] الثِّيَابِ. وَإِذَا وَفَّى وَأَصْلَحَ: إِنَّهُ لَمُطَهَّرُ الثِّيَابِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ: لَا تَلْبِسْهَا عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ الشَّاعِرُ [[هو دكين بن رجاء، وانظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة (٢/٦١٢) مستفادًا من حاشية الشعب.]] إِذَا المرءُ لَمْ يَدْنَس منَ اللُّؤْمِ عِرْضُه ... فَكُلّ ردَاء يَرْتَديه جَميلُ ... وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [يَعْنِي] [[زيادة من م.]] لَا تَكُ ثِيَابُكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِنْ مَكْسَبٍ غَيْرِ طَائِبٍ، وَيُقَالُ: لَا تَلْبَسْ ثِيَابَكَ عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيِ: اغْسِلْهَا بِالْمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ لَا يَتَطَهَّرُونَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ، وَأَنْ يُطَهِّرَ ثِيَابَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَدْ تَشْمَلُ الْآيَةُ جَمِيعَ ذَلِكَ مَعَ طَهَارَةِ الْقَلْبِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ الثِّيَابَ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: أفاطمَ مَهلا بَعْضَ هَذا التَدَلُّل ... وَإن كُنت قَد أزْمَعْت هَجْري فأجْمِلي ... وَإن تَكُ قَد سَ ـاءتك مِنِّي خَليقَةٌ ... فَسُلّي ثِيَابي مِن ثِيَابِكِ تَنْسُلِ [[ديوان امرئ القيس (ص٣٧) مستفادًا من حاشية الشعب.]] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ وَقَلْبَكَ ونيتك فطهر. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وخُلقَك فَحسّن. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ وَهُوَ الْأَصْنَامُ، فَاهْجُرْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الْأَوْثَانُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ أَيِ: اتْرُكِ الْمَعْصِيَةَ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا يَلْزَمُ تَلَبُّسُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الْأَحْزَابِ: ١] ﴿وَقَالَ مُوسَى لأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٢] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تُعْطِ الْعَطِيَّةَ تَلْتَمِسُ أَكْثَرَ مِنْهَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ: "وَلَا تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ". وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا تَمْنُنْ بِعَمَلِكَ عَلَى رَبِّكَ تَسْتَكْثِرُهُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ خُصَيْفٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ: لَا تَضْعُفْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الْخَيْرِ، قَالَ تَمْنُنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: تَضْعُفُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ عَلَى النَّاسِ، تَسْتَكْثِرُهُمْ بِهَا، تَأْخُذُ عَلَيْهِ عِوَضًا مِنَ الدُّنْيَا. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَالْأَظْهَرُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أَيِ: اجْعَلْ صَبْرَكَ عَلَى أَذَاهُمْ لِوَجْهِ رَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: اصْبِرْ عَطِيَّتَكَ لِلَّهِ تَعَالَى [[في أ: "لله عز وجل".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: ﴿النَّاقُورِ﴾ الصُّورِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهُوَ كَهَيْئَةِ الْقَرْنِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُطَرِّف، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ؟ " فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا". وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَسْبَاطٍ، بِهِ [[المسند (١/٣٢٦) ، وقال الحافظ عند تفسير الآية: ١٧٣ من سورة آل عمران: "حديث جيد".]] وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ ابْنِ فُضَيْلٍ وَأَسْبَاطٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُطَرِّفٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ أَيْ: شَدِيدٌ. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ أَيْ: غَيْرُ سَهْلٍ عَلَيْهِمْ. كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [الْقَمَرِ: ٨] . وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى -قَاضِي الْبَصْرَةِ-: أَنَّهُ صَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَقَرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ شَهِقَ شَهْقَةً، ثُمَّ خَرَّ مَيِّتًا، رَحِمَهُ اللَّهُ [[رواه أبو نعيم في الحلية (٢/٢٥٨، ٢٥٩) .]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا (١٢) ﴾ . يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ فذلك يومئذ يوم شديد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن فضيل وأسباط، عن مطرِّف، عن عطية العوفيِّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ قال رسول الله ﷺ: "كَيْفَ أنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ القَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ يَسْتَمعُ مَتَى يُؤْمَرُ يَنْفُخُ فِيهِ"، فقال أصحابُ رسول الله ﷺ: كيف نقول؟ فقال: تقولون: حَسْبُنا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا". ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أبو رجاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: إذا نُفخ في الصور. ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ مثله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن شريك، عن جابر، عن مجاهد ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: إذا نُفخ في الصور. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: في الصور، قال: هو شيء كهيئة البوق. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: هو يوم يُنفخ في الصور الذي ينفخ فيه، قال ابن عباس: إن نبيّ الله ﷺ خرج إلى أصحابه، فقال: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ القَرْنَ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ بأُذُنِهِ يَسْتَمِعُ مَتى يُؤْمَرُ بالصَّيْحَة؟ فاشتدّ ذلك على أصحابه، فأمرهم أن يقولوا: حَسْبُنا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، على اللهِ تَوَكَّلْنا". ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ يقول: الصور. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال الحسن: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: إذا نُفخ في الصُّور. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ والناقور: الصور، والصور: الخلق. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ يعني: الصُّور. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: الناقور: الصور. ⁕ حدثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع، مثله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: الصور. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ يقول: شديد. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله تعالى ذكره ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ فبين الله على من يقع ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ . * * وقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: كِلْ يا محمد أمر الذي خلقته في بطن أمه وحيدًا، لا شيء له من مال ولا ولد إليّ. وذُكر أنه عُنِي بذلك: الوليد بن المغيرة المخزومي. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا سفيان، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا يُونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد، عن سعيد بن جُبير أو عكرِمة، عن ابن عباس، قال: أنزل الله في الوليد بن المغيرة قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ... ﴾ إلى آخرها. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ قال: خلقته وحده ليس معه مال ولا ولد. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن محمد بن شريك، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ قال: نزلت في الوليد بن المغيرة، وكذلك الخلق كلهم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ وهو الوليد بن المغيرة، أخرجه الله من بطن أمه وحيدًا، لا مال له ولا ولد، فرزقه الله المال والولد، والثروة والنماء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ... ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ... ﴾ حتى بلغ ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ قال: هذه الآية أُنزلت في الوليد بن المُغيرة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ يعني الوليد بن المغيرة ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ . اختلف أهل التأويل في هذا المال الذي ذكره الله، وأخبر أنه جعله للوحيد ما هو؟ وما مبلغه؟ فقال بعضهم: كان ذلك دنانير، ومبلغها ألف دينار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أبيه، عن مجاهد ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: كان ماله ألف دينار. ⁕ حدثنا صالح بن مسمار المروزي، قال: ثنا الحارث بن عمران الكوفيّ، قال: ثنا محمد بن سوقة، عن سعيد بن جُبير، في قوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: ألف دينار. وقال آخرون: كان ماله أربعة آلاف دينار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: بلغني أنه أربعة آلاف دينار. وقال آخرون: كان ماله أرضًا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن المثنى، قال: ثني وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، في قوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: الأرض. ⁕ حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، مثله. وقال آخرون: كان ذلك غلة شهر بشهر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حلبس، إمام مسجد ابن علية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عمر رضي الله عنه، في قوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: غلة شهر بشهر. ⁕ حدثني أبو حفص الحيري، قال: ثنا حلبس الضُّبَعي، عن ابن جريج، عن عطاء مثله، ولم يقل: عن عمر. ⁕ حدثنا أحمد بن الوليد الرملي، قال: ثنا غالب بن حلبس، قال: ثنا أبي، عن ابن جريج، عن عطاء مثله، ولم يقل: عن عمر. ⁕ حدثنا أحمد بن الوليد، قال: ثنا أبو بكر عياش، قال: ثنا حلبس بن محمد العجلي، عن ابن جريج عن عطاء، عن عمر، مثله. والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ وهو الكثير الممدود، عدده أو مساحته.

Al-Mukhtasar (français)

et non facile pour ceux qui mécroyaient en Allah et en Ses messagers.

11

ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًۭا

Laisse-Moi avec celui que J'ai créé seul,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَبَدَّلَهَا كُفْرًا، وَقَابَلَهَا بِالْجُحُودِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهَا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ. وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نعَمه حَيْثُ قَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أَيْ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللَّهُ، ﴿مَالا مَمْدُودًا﴾ أَيْ: وَاسِعًا كَثِيرًا قِيلَ: أَلْفُ دِينَارٍ. وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: أَرْضًا يَسْتَغِلُّهَا. وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ لَهُ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَغِيبُونَ، أَيْ: حُضُورًا عِنْدَهُ لَا يُسَافِرُونَ فِي التِّجَارَاتِ، بَلْ مَواليهم وَأُجَرَاؤُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ، يَتَمَتَّعُ بِهِمْ ويتَمَلَّى بِهِمْ. وَكَانُوا -فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ-ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا عَشْرَةً. وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ [وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ] . [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أَيْ: مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أَيْ: مُعَانِدًا، وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ. قَالَ اللَّهُ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سعيد، عن رسول الله ﷺ قَالَ: "وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، والصَّعُود: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، بِهِ [[المسند (٣/٧٥) ، وسنن الترمذي برقم (٣١٦٤) .]] ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعة عَنْ دَرَّاجٍ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) .]] وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ [[في م: "البصري".]] -قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجاب، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهَنِيّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ: "هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠٩) "مجمع البحرين" من طريق منجاب بن الحارث به مرفوعًا. وقال الطبراني: "لم يرفع هذا الحديث عن عمار الدهني إلا شريك، ورواه سفيان بن عيينة عن عمار الدهني فوافقه".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ [[في م: "وقال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: صَعُودٌ: صَخْرَةٌ [فِي جَهَنَّمَ] [[زيادة من م.]] عَظِيمَةٌ يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَعُودًا: صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أَيْ: مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا، أَيْ: قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ؛ لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، أَيْ: تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئل عَنِ الْقُرْآنِ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ، ﴿وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: تَرَوَّى، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أَيْ: أَعَادَ النَّظْرَةَ [[في م: "النظر".]] وَالتَّرَوِّيَ. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أَيْ: قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ، ﴿وَبَسَرَ﴾ أَيْ: كَلَحَ وَكَرِهَ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَير الشَّاعِرِ: وَقَد رَابَني مِنْهَا صُدُودٌ رَأيتُه ... وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُورُها ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ أَيْ: صُرف عَنِ الْحَقِّ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ، ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أَيْ: هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أَيْ: لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ. وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ-وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَسَأَلَهُ [[في م، أ: "يسأله".]] عَنِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ. فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا بِسَحْرٍ وَلَا بهذْي مِنَ الْجُنُونِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النفرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَا الْوَلِيدُ لتصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟ فَقَالَ: ألستُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَقَدْ [[في أ: "أوقد".]] تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟! فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَمَا يَعْلَى، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الْآيَةَ، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قَبَضَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَكَلَحَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبَّاد بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقرأ عليه الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيْ عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرض لِمَا قِبَلَهُ. قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ [[في م: "أنه".]] مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [قَالَ قَتَادَةُ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا] [[زيادة من تفسير الطبري]] حَتَّى بَلَغَ: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٨) .]] وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وفودُ الْعَرَبِ لِلْحَجِّ ليصدّوهُم عَنْهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: شَاعِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: سَاحِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَاهِنٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَجْنُونٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٨] كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ، فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أَيْ: سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وَتَفْخِيمٌ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أَيْ: تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وعَصَبهم وَجُلُودَهُمْ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، قَالَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لِلْجِلْدِ، وَقَالَ أَبُو رَزين: تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَلُوحُ أَجْسَادُهُمْ عَلَيْهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أَيْ: حَرَّاقَةٌ لِلْجِلْدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أَيْ: مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ، عَظِيمٌ خَلْقُهُمْ، غَلِيظٌ خُلُقُهُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي حُرَيْثٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: "ادْعُهُمْ، أَمَا إِنِّي سَائِلُهُمْ عَنْ تُربَة الْجَنَّةِ إِنْ أَتَوْنِي، أَمَا إِنَّهَا [[في م: "إنها كأنها".]] دَرْمكة بيضاء". فجاؤوه فَسَأَلُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأَهْوَى بِأَصَابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَأَمْسَكَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: "أَخْبِرُونِي عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ". فَقَالُوا: أَخْبِرْهُمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ. فَقَالَ: كَأَنَّهَا خُبزَة بَيْضَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما إِنَّ الْخُبْزَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدّرمَك". [[ورواه البيهقي في البعث برقم (٥٠٩) من طريق مسروق بن المرزبان، عن ابن أبي زائدة به، وقال: "حديث ابن أبي مطر -أي حريث- ليس بالقوى، وحديث جابر أصح" وهو الآتي بعده.]] هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مِنْدَهْ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبدَة، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، غلبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: "بِأَيِّ شَيْءٍ؟ " قَالَ: سَأَلَتْهُمْ يَهُود هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئلوا عَمَّا لَا يَدْرُونَ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي [[في م: "قالوا لا نعلم".]] حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا؟ عليَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ، لَكِنْ سَأَلُوا [[في م، أ: "لكنهم قد سألوا".]] نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً". فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ. قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "هَكَذَا"، وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ، مَرَّتَيْنِ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرمك". فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: "الْخُبْزُ مِنَ الدَّرمك". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، به [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٧) .]] وقال هو والبزار: لَا نَعْرِفُهُ [[في م: "لا يعرف".]] إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَقَصَّ الدَّرْمَكَ فَقَطْ. [[المسند (٣/٣٦١) .]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا (١٢) ﴾ . يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ فذلك يومئذ يوم شديد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن فضيل وأسباط، عن مطرِّف، عن عطية العوفيِّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ قال رسول الله ﷺ: "كَيْفَ أنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ القَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ يَسْتَمعُ مَتَى يُؤْمَرُ يَنْفُخُ فِيهِ"، فقال أصحابُ رسول الله ﷺ: كيف نقول؟ فقال: تقولون: حَسْبُنا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا". ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أبو رجاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: إذا نُفخ في الصور. ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ مثله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن شريك، عن جابر، عن مجاهد ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: إذا نُفخ في الصور. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: في الصور، قال: هو شيء كهيئة البوق. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: هو يوم يُنفخ في الصور الذي ينفخ فيه، قال ابن عباس: إن نبيّ الله ﷺ خرج إلى أصحابه، فقال: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ القَرْنَ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ بأُذُنِهِ يَسْتَمِعُ مَتى يُؤْمَرُ بالصَّيْحَة؟ فاشتدّ ذلك على أصحابه، فأمرهم أن يقولوا: حَسْبُنا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، على اللهِ تَوَكَّلْنا". ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ يقول: الصور. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال الحسن: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: إذا نُفخ في الصُّور. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ والناقور: الصور، والصور: الخلق. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ يعني: الصُّور. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: الناقور: الصور. ⁕ حدثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع، مثله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: الصور. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ يقول: شديد. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله تعالى ذكره ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ فبين الله على من يقع ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ . * * وقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: كِلْ يا محمد أمر الذي خلقته في بطن أمه وحيدًا، لا شيء له من مال ولا ولد إليّ. وذُكر أنه عُنِي بذلك: الوليد بن المغيرة المخزومي. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا سفيان، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا يُونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد، عن سعيد بن جُبير أو عكرِمة، عن ابن عباس، قال: أنزل الله في الوليد بن المغيرة قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ... ﴾ إلى آخرها. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ قال: خلقته وحده ليس معه مال ولا ولد. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن محمد بن شريك، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ قال: نزلت في الوليد بن المغيرة، وكذلك الخلق كلهم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ وهو الوليد بن المغيرة، أخرجه الله من بطن أمه وحيدًا، لا مال له ولا ولد، فرزقه الله المال والولد، والثروة والنماء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ... ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ... ﴾ حتى بلغ ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ قال: هذه الآية أُنزلت في الوليد بن المُغيرة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ يعني الوليد بن المغيرة ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ . اختلف أهل التأويل في هذا المال الذي ذكره الله، وأخبر أنه جعله للوحيد ما هو؟ وما مبلغه؟ فقال بعضهم: كان ذلك دنانير، ومبلغها ألف دينار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أبيه، عن مجاهد ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: كان ماله ألف دينار. ⁕ حدثنا صالح بن مسمار المروزي، قال: ثنا الحارث بن عمران الكوفيّ، قال: ثنا محمد بن سوقة، عن سعيد بن جُبير، في قوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: ألف دينار. وقال آخرون: كان ماله أربعة آلاف دينار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: بلغني أنه أربعة آلاف دينار. وقال آخرون: كان ماله أرضًا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن المثنى، قال: ثني وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، في قوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: الأرض. ⁕ حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، مثله. وقال آخرون: كان ذلك غلة شهر بشهر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حلبس، إمام مسجد ابن علية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عمر رضي الله عنه، في قوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: غلة شهر بشهر. ⁕ حدثني أبو حفص الحيري، قال: ثنا حلبس الضُّبَعي، عن ابن جريج، عن عطاء مثله، ولم يقل: عن عمر. ⁕ حدثنا أحمد بن الوليد الرملي، قال: ثنا غالب بن حلبس، قال: ثنا أبي، عن ابن جريج، عن عطاء مثله، ولم يقل: عن عمر. ⁕ حدثنا أحمد بن الوليد، قال: ثنا أبو بكر عياش، قال: ثنا حلبس بن محمد العجلي، عن ابن جريج عن عطاء، عن عمر، مثله. والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ وهو الكثير الممدود، عدده أو مساحته.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Messager, laisse-Moi avec celui que j’ai créé seul dans le ventre de sa mère, dépourvu de richesse et de progéniture. Il s’agit d’Al-Walîd ibn al-Mughîrah.

12

وَجَعَلْتُ لَهُۥ مَالًۭا مَّمْدُودًۭا

et à qui J'ai donné des biens étendus,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَبَدَّلَهَا كُفْرًا، وَقَابَلَهَا بِالْجُحُودِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهَا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ. وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نعَمه حَيْثُ قَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أَيْ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللَّهُ، ﴿مَالا مَمْدُودًا﴾ أَيْ: وَاسِعًا كَثِيرًا قِيلَ: أَلْفُ دِينَارٍ. وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: أَرْضًا يَسْتَغِلُّهَا. وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ لَهُ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَغِيبُونَ، أَيْ: حُضُورًا عِنْدَهُ لَا يُسَافِرُونَ فِي التِّجَارَاتِ، بَلْ مَواليهم وَأُجَرَاؤُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ، يَتَمَتَّعُ بِهِمْ ويتَمَلَّى بِهِمْ. وَكَانُوا -فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ-ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا عَشْرَةً. وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ [وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ] . [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أَيْ: مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أَيْ: مُعَانِدًا، وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ. قَالَ اللَّهُ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سعيد، عن رسول الله ﷺ قَالَ: "وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، والصَّعُود: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، بِهِ [[المسند (٣/٧٥) ، وسنن الترمذي برقم (٣١٦٤) .]] ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعة عَنْ دَرَّاجٍ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) .]] وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ [[في م: "البصري".]] -قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجاب، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهَنِيّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ: "هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠٩) "مجمع البحرين" من طريق منجاب بن الحارث به مرفوعًا. وقال الطبراني: "لم يرفع هذا الحديث عن عمار الدهني إلا شريك، ورواه سفيان بن عيينة عن عمار الدهني فوافقه".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ [[في م: "وقال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: صَعُودٌ: صَخْرَةٌ [فِي جَهَنَّمَ] [[زيادة من م.]] عَظِيمَةٌ يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَعُودًا: صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أَيْ: مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا، أَيْ: قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ؛ لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، أَيْ: تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئل عَنِ الْقُرْآنِ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ، ﴿وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: تَرَوَّى، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أَيْ: أَعَادَ النَّظْرَةَ [[في م: "النظر".]] وَالتَّرَوِّيَ. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أَيْ: قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ، ﴿وَبَسَرَ﴾ أَيْ: كَلَحَ وَكَرِهَ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَير الشَّاعِرِ: وَقَد رَابَني مِنْهَا صُدُودٌ رَأيتُه ... وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُورُها ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ أَيْ: صُرف عَنِ الْحَقِّ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ، ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أَيْ: هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أَيْ: لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ. وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ-وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَسَأَلَهُ [[في م، أ: "يسأله".]] عَنِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ. فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا بِسَحْرٍ وَلَا بهذْي مِنَ الْجُنُونِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النفرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَا الْوَلِيدُ لتصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟ فَقَالَ: ألستُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَقَدْ [[في أ: "أوقد".]] تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟! فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَمَا يَعْلَى، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الْآيَةَ، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قَبَضَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَكَلَحَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبَّاد بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقرأ عليه الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيْ عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرض لِمَا قِبَلَهُ. قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ [[في م: "أنه".]] مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [قَالَ قَتَادَةُ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا] [[زيادة من تفسير الطبري]] حَتَّى بَلَغَ: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٨) .]] وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وفودُ الْعَرَبِ لِلْحَجِّ ليصدّوهُم عَنْهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: شَاعِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: سَاحِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَاهِنٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَجْنُونٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٨] كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ، فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أَيْ: سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وَتَفْخِيمٌ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أَيْ: تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وعَصَبهم وَجُلُودَهُمْ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، قَالَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لِلْجِلْدِ، وَقَالَ أَبُو رَزين: تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَلُوحُ أَجْسَادُهُمْ عَلَيْهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أَيْ: حَرَّاقَةٌ لِلْجِلْدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أَيْ: مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ، عَظِيمٌ خَلْقُهُمْ، غَلِيظٌ خُلُقُهُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي حُرَيْثٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: "ادْعُهُمْ، أَمَا إِنِّي سَائِلُهُمْ عَنْ تُربَة الْجَنَّةِ إِنْ أَتَوْنِي، أَمَا إِنَّهَا [[في م: "إنها كأنها".]] دَرْمكة بيضاء". فجاؤوه فَسَأَلُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأَهْوَى بِأَصَابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَأَمْسَكَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: "أَخْبِرُونِي عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ". فَقَالُوا: أَخْبِرْهُمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ. فَقَالَ: كَأَنَّهَا خُبزَة بَيْضَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما إِنَّ الْخُبْزَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدّرمَك". [[ورواه البيهقي في البعث برقم (٥٠٩) من طريق مسروق بن المرزبان، عن ابن أبي زائدة به، وقال: "حديث ابن أبي مطر -أي حريث- ليس بالقوى، وحديث جابر أصح" وهو الآتي بعده.]] هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مِنْدَهْ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبدَة، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، غلبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: "بِأَيِّ شَيْءٍ؟ " قَالَ: سَأَلَتْهُمْ يَهُود هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئلوا عَمَّا لَا يَدْرُونَ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي [[في م: "قالوا لا نعلم".]] حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا؟ عليَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ، لَكِنْ سَأَلُوا [[في م، أ: "لكنهم قد سألوا".]] نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً". فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ. قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "هَكَذَا"، وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ، مَرَّتَيْنِ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرمك". فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: "الْخُبْزُ مِنَ الدَّرمك". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، به [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٧) .]] وقال هو والبزار: لَا نَعْرِفُهُ [[في م: "لا يعرف".]] إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَقَصَّ الدَّرْمَكَ فَقَطْ. [[المسند (٣/٣٦١) .]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا (١٢) ﴾ . يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ فذلك يومئذ يوم شديد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن فضيل وأسباط، عن مطرِّف، عن عطية العوفيِّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ قال رسول الله ﷺ: "كَيْفَ أنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ القَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ يَسْتَمعُ مَتَى يُؤْمَرُ يَنْفُخُ فِيهِ"، فقال أصحابُ رسول الله ﷺ: كيف نقول؟ فقال: تقولون: حَسْبُنا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا". ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أبو رجاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: إذا نُفخ في الصور. ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ مثله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن شريك، عن جابر، عن مجاهد ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: إذا نُفخ في الصور. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: في الصور، قال: هو شيء كهيئة البوق. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: هو يوم يُنفخ في الصور الذي ينفخ فيه، قال ابن عباس: إن نبيّ الله ﷺ خرج إلى أصحابه، فقال: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ القَرْنَ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ بأُذُنِهِ يَسْتَمِعُ مَتى يُؤْمَرُ بالصَّيْحَة؟ فاشتدّ ذلك على أصحابه، فأمرهم أن يقولوا: حَسْبُنا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، على اللهِ تَوَكَّلْنا". ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ يقول: الصور. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال الحسن: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: إذا نُفخ في الصُّور. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ والناقور: الصور، والصور: الخلق. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ يعني: الصُّور. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع، قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: الناقور: الصور. ⁕ حدثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع، مثله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: الصور. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ يقول: شديد. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله تعالى ذكره ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ فبين الله على من يقع ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ . * * وقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: كِلْ يا محمد أمر الذي خلقته في بطن أمه وحيدًا، لا شيء له من مال ولا ولد إليّ. وذُكر أنه عُنِي بذلك: الوليد بن المغيرة المخزومي. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا سفيان، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا يُونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد، عن سعيد بن جُبير أو عكرِمة، عن ابن عباس، قال: أنزل الله في الوليد بن المغيرة قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ... ﴾ إلى آخرها. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ قال: خلقته وحده ليس معه مال ولا ولد. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن محمد بن شريك، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ قال: نزلت في الوليد بن المغيرة، وكذلك الخلق كلهم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ وهو الوليد بن المغيرة، أخرجه الله من بطن أمه وحيدًا، لا مال له ولا ولد، فرزقه الله المال والولد، والثروة والنماء. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ... ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ... ﴾ حتى بلغ ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ قال: هذه الآية أُنزلت في الوليد بن المُغيرة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ يعني الوليد بن المغيرة ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ . اختلف أهل التأويل في هذا المال الذي ذكره الله، وأخبر أنه جعله للوحيد ما هو؟ وما مبلغه؟ فقال بعضهم: كان ذلك دنانير، ومبلغها ألف دينار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أبيه، عن مجاهد ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: كان ماله ألف دينار. ⁕ حدثنا صالح بن مسمار المروزي، قال: ثنا الحارث بن عمران الكوفيّ، قال: ثنا محمد بن سوقة، عن سعيد بن جُبير، في قوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: ألف دينار. وقال آخرون: كان ماله أربعة آلاف دينار. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: بلغني أنه أربعة آلاف دينار. وقال آخرون: كان ماله أرضًا. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن المثنى، قال: ثني وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، في قوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: الأرض. ⁕ حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، مثله. وقال آخرون: كان ذلك غلة شهر بشهر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حلبس، إمام مسجد ابن علية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عمر رضي الله عنه، في قوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ قال: غلة شهر بشهر. ⁕ حدثني أبو حفص الحيري، قال: ثنا حلبس الضُّبَعي، عن ابن جريج، عن عطاء مثله، ولم يقل: عن عمر. ⁕ حدثنا أحمد بن الوليد الرملي، قال: ثنا غالب بن حلبس، قال: ثنا أبي، عن ابن جريج، عن عطاء مثله، ولم يقل: عن عمر. ⁕ حدثنا أحمد بن الوليد، قال: ثنا أبو بكر عياش، قال: ثنا حلبس بن محمد العجلي، عن ابن جريج عن عطاء، عن عمر، مثله. والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ وهو الكثير الممدود، عدده أو مساحته.

Al-Mukhtasar (français)

Puis Je lui ai accordé de grandes richesses

13

وَبَنِينَ شُهُودًۭا

et des enfants qui lui tiennent toujours compagnie,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَبَدَّلَهَا كُفْرًا، وَقَابَلَهَا بِالْجُحُودِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهَا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ. وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نعَمه حَيْثُ قَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أَيْ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللَّهُ، ﴿مَالا مَمْدُودًا﴾ أَيْ: وَاسِعًا كَثِيرًا قِيلَ: أَلْفُ دِينَارٍ. وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: أَرْضًا يَسْتَغِلُّهَا. وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ لَهُ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَغِيبُونَ، أَيْ: حُضُورًا عِنْدَهُ لَا يُسَافِرُونَ فِي التِّجَارَاتِ، بَلْ مَواليهم وَأُجَرَاؤُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ، يَتَمَتَّعُ بِهِمْ ويتَمَلَّى بِهِمْ. وَكَانُوا -فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ-ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا عَشْرَةً. وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ [وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ] . [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أَيْ: مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أَيْ: مُعَانِدًا، وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ. قَالَ اللَّهُ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سعيد، عن رسول الله ﷺ قَالَ: "وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، والصَّعُود: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، بِهِ [[المسند (٣/٧٥) ، وسنن الترمذي برقم (٣١٦٤) .]] ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعة عَنْ دَرَّاجٍ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) .]] وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ [[في م: "البصري".]] -قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجاب، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهَنِيّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ: "هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠٩) "مجمع البحرين" من طريق منجاب بن الحارث به مرفوعًا. وقال الطبراني: "لم يرفع هذا الحديث عن عمار الدهني إلا شريك، ورواه سفيان بن عيينة عن عمار الدهني فوافقه".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ [[في م: "وقال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: صَعُودٌ: صَخْرَةٌ [فِي جَهَنَّمَ] [[زيادة من م.]] عَظِيمَةٌ يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَعُودًا: صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أَيْ: مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا، أَيْ: قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ؛ لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، أَيْ: تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئل عَنِ الْقُرْآنِ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ، ﴿وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: تَرَوَّى، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أَيْ: أَعَادَ النَّظْرَةَ [[في م: "النظر".]] وَالتَّرَوِّيَ. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أَيْ: قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ، ﴿وَبَسَرَ﴾ أَيْ: كَلَحَ وَكَرِهَ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَير الشَّاعِرِ: وَقَد رَابَني مِنْهَا صُدُودٌ رَأيتُه ... وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُورُها ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ أَيْ: صُرف عَنِ الْحَقِّ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ، ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أَيْ: هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أَيْ: لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ. وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ-وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَسَأَلَهُ [[في م، أ: "يسأله".]] عَنِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ. فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا بِسَحْرٍ وَلَا بهذْي مِنَ الْجُنُونِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النفرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَا الْوَلِيدُ لتصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟ فَقَالَ: ألستُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَقَدْ [[في أ: "أوقد".]] تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟! فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَمَا يَعْلَى، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الْآيَةَ، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قَبَضَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَكَلَحَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبَّاد بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقرأ عليه الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيْ عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرض لِمَا قِبَلَهُ. قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ [[في م: "أنه".]] مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [قَالَ قَتَادَةُ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا] [[زيادة من تفسير الطبري]] حَتَّى بَلَغَ: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٨) .]] وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وفودُ الْعَرَبِ لِلْحَجِّ ليصدّوهُم عَنْهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: شَاعِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: سَاحِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَاهِنٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَجْنُونٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٨] كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ، فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أَيْ: سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وَتَفْخِيمٌ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أَيْ: تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وعَصَبهم وَجُلُودَهُمْ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، قَالَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لِلْجِلْدِ، وَقَالَ أَبُو رَزين: تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَلُوحُ أَجْسَادُهُمْ عَلَيْهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أَيْ: حَرَّاقَةٌ لِلْجِلْدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أَيْ: مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ، عَظِيمٌ خَلْقُهُمْ، غَلِيظٌ خُلُقُهُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي حُرَيْثٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: "ادْعُهُمْ، أَمَا إِنِّي سَائِلُهُمْ عَنْ تُربَة الْجَنَّةِ إِنْ أَتَوْنِي، أَمَا إِنَّهَا [[في م: "إنها كأنها".]] دَرْمكة بيضاء". فجاؤوه فَسَأَلُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأَهْوَى بِأَصَابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَأَمْسَكَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: "أَخْبِرُونِي عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ". فَقَالُوا: أَخْبِرْهُمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ. فَقَالَ: كَأَنَّهَا خُبزَة بَيْضَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما إِنَّ الْخُبْزَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدّرمَك". [[ورواه البيهقي في البعث برقم (٥٠٩) من طريق مسروق بن المرزبان، عن ابن أبي زائدة به، وقال: "حديث ابن أبي مطر -أي حريث- ليس بالقوى، وحديث جابر أصح" وهو الآتي بعده.]] هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مِنْدَهْ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبدَة، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، غلبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: "بِأَيِّ شَيْءٍ؟ " قَالَ: سَأَلَتْهُمْ يَهُود هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئلوا عَمَّا لَا يَدْرُونَ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي [[في م: "قالوا لا نعلم".]] حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا؟ عليَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ، لَكِنْ سَأَلُوا [[في م، أ: "لكنهم قد سألوا".]] نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً". فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ. قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "هَكَذَا"، وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ، مَرَّتَيْنِ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرمك". فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: "الْخُبْزُ مِنَ الدَّرمك". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، به [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٧) .]] وقال هو والبزار: لَا نَعْرِفُهُ [[في م: "لا يعرف".]] إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَقَصَّ الدَّرْمَكَ فَقَطْ. [[المسند (٣/٣٦١) .]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) ﴾ . يقول تعالى ذكره: وجعلت له بنين شهودا، ذُكر أنهم كانوا عشرة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أبيه، عن مجاهد ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قال: كان بنوه عشرة. * * وقوله: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ يقول تعالى ذكره: وبسطت له في العيش بسطًا. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ قال: بسط له. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ قال: من المال والولد. * * وقوله: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم يأمل ويرجو أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلا﴾ يقول: ليس ذلك كما يأمل ويرجو من أن أزيده مالا وولدا، وتمهيدا في الدنيا ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ يقول: إن هذا الذي خلقته وحيدا كان لآياتنا - وهي حجج الله على خلقه من الكتب والرسل - عنيدا، يعني معاندا للحقّ مجانبا له، كالبعير العنود؛ ومنه قول القائل: إذَا نزلْتُ فاجْعَلانِي وَسَطا ... إنّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا [[الأثر ٢٠٠ - أثر الضحاك عن ابن عباس لم يخرجوه. وسيأتي باقيه ٢١٥.]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ قال: جحودا. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ قال محمد بن عمرو: معاندا لها. وقال الحارث: معاندا عنها، مجانبا لها. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد، قوله: ﴿عَنِيدًا﴾ قال: معاندا للحقّ مجانبا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ كفورا بآيات الله جحودا بها. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ قال: مشاقا، وقيل: عنيدا، وهو من عاند معاندة فهو معاند، كما قيل: عام قابل، وإنما هو مقبل. * * وقوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ يقول تعالى ذكره: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة له منها. وقيل: إن الصعود جبل في النار يكلَّفُ أهل النار صعوده. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا محمد بن سعيد بن زائدة، قال: ثنا شريك، عن عمارة، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: هو جبل في النار من نار، يكلَّفون أن يصعدوه، فإذا وضع يده ذابت، فإذا رفعها عادت، فإذا وضع رجله كذلك. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله ﷺ قال: "الصَّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يُصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ثُمَّ يَهْوِي كَذلكَ مِنْهُ أبَدًا". ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: مشقة من العذاب. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أي عذابا لا راحة منه. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: مشقة من العذاب. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: تعبا من العذاب.

Al-Mukhtasar (français)

ainsi que des enfants qui sont toujours présents autour de lui et assistent aux grandes occasions avec lui sans le quitter pour voyager, puisqu’ils n’en ont pas besoin en raison de la richesse de leurs pères.

14

وَمَهَّدتُّ لَهُۥ تَمْهِيدًۭا

pour qui aussi J'ai aplani toutes difficultés

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَبَدَّلَهَا كُفْرًا، وَقَابَلَهَا بِالْجُحُودِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهَا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ. وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نعَمه حَيْثُ قَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أَيْ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللَّهُ، ﴿مَالا مَمْدُودًا﴾ أَيْ: وَاسِعًا كَثِيرًا قِيلَ: أَلْفُ دِينَارٍ. وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: أَرْضًا يَسْتَغِلُّهَا. وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ لَهُ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَغِيبُونَ، أَيْ: حُضُورًا عِنْدَهُ لَا يُسَافِرُونَ فِي التِّجَارَاتِ، بَلْ مَواليهم وَأُجَرَاؤُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ، يَتَمَتَّعُ بِهِمْ ويتَمَلَّى بِهِمْ. وَكَانُوا -فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ-ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا عَشْرَةً. وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ [وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ] . [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أَيْ: مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أَيْ: مُعَانِدًا، وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ. قَالَ اللَّهُ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سعيد، عن رسول الله ﷺ قَالَ: "وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، والصَّعُود: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، بِهِ [[المسند (٣/٧٥) ، وسنن الترمذي برقم (٣١٦٤) .]] ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعة عَنْ دَرَّاجٍ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) .]] وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ [[في م: "البصري".]] -قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجاب، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهَنِيّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ: "هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠٩) "مجمع البحرين" من طريق منجاب بن الحارث به مرفوعًا. وقال الطبراني: "لم يرفع هذا الحديث عن عمار الدهني إلا شريك، ورواه سفيان بن عيينة عن عمار الدهني فوافقه".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ [[في م: "وقال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: صَعُودٌ: صَخْرَةٌ [فِي جَهَنَّمَ] [[زيادة من م.]] عَظِيمَةٌ يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَعُودًا: صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أَيْ: مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا، أَيْ: قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ؛ لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، أَيْ: تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئل عَنِ الْقُرْآنِ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ، ﴿وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: تَرَوَّى، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أَيْ: أَعَادَ النَّظْرَةَ [[في م: "النظر".]] وَالتَّرَوِّيَ. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أَيْ: قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ، ﴿وَبَسَرَ﴾ أَيْ: كَلَحَ وَكَرِهَ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَير الشَّاعِرِ: وَقَد رَابَني مِنْهَا صُدُودٌ رَأيتُه ... وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُورُها ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ أَيْ: صُرف عَنِ الْحَقِّ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ، ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أَيْ: هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أَيْ: لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ. وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ-وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَسَأَلَهُ [[في م، أ: "يسأله".]] عَنِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ. فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا بِسَحْرٍ وَلَا بهذْي مِنَ الْجُنُونِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النفرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَا الْوَلِيدُ لتصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟ فَقَالَ: ألستُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَقَدْ [[في أ: "أوقد".]] تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟! فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَمَا يَعْلَى، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الْآيَةَ، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قَبَضَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَكَلَحَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبَّاد بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقرأ عليه الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيْ عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرض لِمَا قِبَلَهُ. قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ [[في م: "أنه".]] مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [قَالَ قَتَادَةُ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا] [[زيادة من تفسير الطبري]] حَتَّى بَلَغَ: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٨) .]] وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وفودُ الْعَرَبِ لِلْحَجِّ ليصدّوهُم عَنْهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: شَاعِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: سَاحِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَاهِنٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَجْنُونٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٨] كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ، فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أَيْ: سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وَتَفْخِيمٌ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أَيْ: تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وعَصَبهم وَجُلُودَهُمْ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، قَالَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لِلْجِلْدِ، وَقَالَ أَبُو رَزين: تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَلُوحُ أَجْسَادُهُمْ عَلَيْهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أَيْ: حَرَّاقَةٌ لِلْجِلْدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أَيْ: مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ، عَظِيمٌ خَلْقُهُمْ، غَلِيظٌ خُلُقُهُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي حُرَيْثٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: "ادْعُهُمْ، أَمَا إِنِّي سَائِلُهُمْ عَنْ تُربَة الْجَنَّةِ إِنْ أَتَوْنِي، أَمَا إِنَّهَا [[في م: "إنها كأنها".]] دَرْمكة بيضاء". فجاؤوه فَسَأَلُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأَهْوَى بِأَصَابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَأَمْسَكَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: "أَخْبِرُونِي عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ". فَقَالُوا: أَخْبِرْهُمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ. فَقَالَ: كَأَنَّهَا خُبزَة بَيْضَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما إِنَّ الْخُبْزَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدّرمَك". [[ورواه البيهقي في البعث برقم (٥٠٩) من طريق مسروق بن المرزبان، عن ابن أبي زائدة به، وقال: "حديث ابن أبي مطر -أي حريث- ليس بالقوى، وحديث جابر أصح" وهو الآتي بعده.]] هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مِنْدَهْ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبدَة، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، غلبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: "بِأَيِّ شَيْءٍ؟ " قَالَ: سَأَلَتْهُمْ يَهُود هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئلوا عَمَّا لَا يَدْرُونَ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي [[في م: "قالوا لا نعلم".]] حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا؟ عليَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ، لَكِنْ سَأَلُوا [[في م، أ: "لكنهم قد سألوا".]] نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً". فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ. قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "هَكَذَا"، وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ، مَرَّتَيْنِ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرمك". فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: "الْخُبْزُ مِنَ الدَّرمك". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، به [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٧) .]] وقال هو والبزار: لَا نَعْرِفُهُ [[في م: "لا يعرف".]] إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَقَصَّ الدَّرْمَكَ فَقَطْ. [[المسند (٣/٣٦١) .]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) ﴾ . يقول تعالى ذكره: وجعلت له بنين شهودا، ذُكر أنهم كانوا عشرة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أبيه، عن مجاهد ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قال: كان بنوه عشرة. * * وقوله: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ يقول تعالى ذكره: وبسطت له في العيش بسطًا. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ قال: بسط له. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ قال: من المال والولد. * * وقوله: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم يأمل ويرجو أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلا﴾ يقول: ليس ذلك كما يأمل ويرجو من أن أزيده مالا وولدا، وتمهيدا في الدنيا ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ يقول: إن هذا الذي خلقته وحيدا كان لآياتنا - وهي حجج الله على خلقه من الكتب والرسل - عنيدا، يعني معاندا للحقّ مجانبا له، كالبعير العنود؛ ومنه قول القائل: إذَا نزلْتُ فاجْعَلانِي وَسَطا ... إنّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا [[الأثر ٢٠٠ - أثر الضحاك عن ابن عباس لم يخرجوه. وسيأتي باقيه ٢١٥.]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ قال: جحودا. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ قال محمد بن عمرو: معاندا لها. وقال الحارث: معاندا عنها، مجانبا لها. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد، قوله: ﴿عَنِيدًا﴾ قال: معاندا للحقّ مجانبا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ كفورا بآيات الله جحودا بها. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ قال: مشاقا، وقيل: عنيدا، وهو من عاند معاندة فهو معاند، كما قيل: عام قابل، وإنما هو مقبل. * * وقوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ يقول تعالى ذكره: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة له منها. وقيل: إن الصعود جبل في النار يكلَّفُ أهل النار صعوده. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا محمد بن سعيد بن زائدة، قال: ثنا شريك، عن عمارة، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: هو جبل في النار من نار، يكلَّفون أن يصعدوه، فإذا وضع يده ذابت، فإذا رفعها عادت، فإذا وضع رجله كذلك. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله ﷺ قال: "الصَّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يُصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ثُمَّ يَهْوِي كَذلكَ مِنْهُ أبَدًا". ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: مشقة من العذاب. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أي عذابا لا راحة منه. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: مشقة من العذاب. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: تعبا من العذاب.

Al-Mukhtasar (français)

Je lui ai facilité la vie, la subsistance et la progéniture.

15

ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ

Cependant, il convoite [de Moi] que Je lui donne davantage.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَبَدَّلَهَا كُفْرًا، وَقَابَلَهَا بِالْجُحُودِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهَا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ. وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نعَمه حَيْثُ قَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أَيْ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللَّهُ، ﴿مَالا مَمْدُودًا﴾ أَيْ: وَاسِعًا كَثِيرًا قِيلَ: أَلْفُ دِينَارٍ. وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: أَرْضًا يَسْتَغِلُّهَا. وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ لَهُ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَغِيبُونَ، أَيْ: حُضُورًا عِنْدَهُ لَا يُسَافِرُونَ فِي التِّجَارَاتِ، بَلْ مَواليهم وَأُجَرَاؤُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ، يَتَمَتَّعُ بِهِمْ ويتَمَلَّى بِهِمْ. وَكَانُوا -فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ-ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا عَشْرَةً. وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ [وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ] . [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أَيْ: مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أَيْ: مُعَانِدًا، وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ. قَالَ اللَّهُ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سعيد، عن رسول الله ﷺ قَالَ: "وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، والصَّعُود: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، بِهِ [[المسند (٣/٧٥) ، وسنن الترمذي برقم (٣١٦٤) .]] ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعة عَنْ دَرَّاجٍ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) .]] وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ [[في م: "البصري".]] -قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجاب، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهَنِيّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ: "هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠٩) "مجمع البحرين" من طريق منجاب بن الحارث به مرفوعًا. وقال الطبراني: "لم يرفع هذا الحديث عن عمار الدهني إلا شريك، ورواه سفيان بن عيينة عن عمار الدهني فوافقه".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ [[في م: "وقال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: صَعُودٌ: صَخْرَةٌ [فِي جَهَنَّمَ] [[زيادة من م.]] عَظِيمَةٌ يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَعُودًا: صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أَيْ: مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا، أَيْ: قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ؛ لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، أَيْ: تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئل عَنِ الْقُرْآنِ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ، ﴿وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: تَرَوَّى، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أَيْ: أَعَادَ النَّظْرَةَ [[في م: "النظر".]] وَالتَّرَوِّيَ. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أَيْ: قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ، ﴿وَبَسَرَ﴾ أَيْ: كَلَحَ وَكَرِهَ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَير الشَّاعِرِ: وَقَد رَابَني مِنْهَا صُدُودٌ رَأيتُه ... وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُورُها ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ أَيْ: صُرف عَنِ الْحَقِّ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ، ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أَيْ: هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أَيْ: لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ. وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ-وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَسَأَلَهُ [[في م، أ: "يسأله".]] عَنِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ. فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا بِسَحْرٍ وَلَا بهذْي مِنَ الْجُنُونِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النفرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَا الْوَلِيدُ لتصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟ فَقَالَ: ألستُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَقَدْ [[في أ: "أوقد".]] تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟! فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَمَا يَعْلَى، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الْآيَةَ، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قَبَضَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَكَلَحَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبَّاد بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقرأ عليه الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيْ عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرض لِمَا قِبَلَهُ. قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ [[في م: "أنه".]] مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [قَالَ قَتَادَةُ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا] [[زيادة من تفسير الطبري]] حَتَّى بَلَغَ: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٨) .]] وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وفودُ الْعَرَبِ لِلْحَجِّ ليصدّوهُم عَنْهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: شَاعِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: سَاحِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَاهِنٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَجْنُونٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٨] كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ، فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أَيْ: سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وَتَفْخِيمٌ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أَيْ: تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وعَصَبهم وَجُلُودَهُمْ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، قَالَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لِلْجِلْدِ، وَقَالَ أَبُو رَزين: تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَلُوحُ أَجْسَادُهُمْ عَلَيْهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أَيْ: حَرَّاقَةٌ لِلْجِلْدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أَيْ: مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ، عَظِيمٌ خَلْقُهُمْ، غَلِيظٌ خُلُقُهُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي حُرَيْثٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: "ادْعُهُمْ، أَمَا إِنِّي سَائِلُهُمْ عَنْ تُربَة الْجَنَّةِ إِنْ أَتَوْنِي، أَمَا إِنَّهَا [[في م: "إنها كأنها".]] دَرْمكة بيضاء". فجاؤوه فَسَأَلُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأَهْوَى بِأَصَابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَأَمْسَكَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: "أَخْبِرُونِي عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ". فَقَالُوا: أَخْبِرْهُمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ. فَقَالَ: كَأَنَّهَا خُبزَة بَيْضَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما إِنَّ الْخُبْزَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدّرمَك". [[ورواه البيهقي في البعث برقم (٥٠٩) من طريق مسروق بن المرزبان، عن ابن أبي زائدة به، وقال: "حديث ابن أبي مطر -أي حريث- ليس بالقوى، وحديث جابر أصح" وهو الآتي بعده.]] هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مِنْدَهْ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبدَة، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، غلبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: "بِأَيِّ شَيْءٍ؟ " قَالَ: سَأَلَتْهُمْ يَهُود هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئلوا عَمَّا لَا يَدْرُونَ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي [[في م: "قالوا لا نعلم".]] حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا؟ عليَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ، لَكِنْ سَأَلُوا [[في م، أ: "لكنهم قد سألوا".]] نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً". فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ. قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "هَكَذَا"، وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ، مَرَّتَيْنِ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرمك". فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: "الْخُبْزُ مِنَ الدَّرمك". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، به [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٧) .]] وقال هو والبزار: لَا نَعْرِفُهُ [[في م: "لا يعرف".]] إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَقَصَّ الدَّرْمَكَ فَقَطْ. [[المسند (٣/٣٦١) .]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) ﴾ . يقول تعالى ذكره: وجعلت له بنين شهودا، ذُكر أنهم كانوا عشرة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أبيه، عن مجاهد ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قال: كان بنوه عشرة. * * وقوله: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ يقول تعالى ذكره: وبسطت له في العيش بسطًا. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ قال: بسط له. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ قال: من المال والولد. * * وقوله: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم يأمل ويرجو أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلا﴾ يقول: ليس ذلك كما يأمل ويرجو من أن أزيده مالا وولدا، وتمهيدا في الدنيا ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ يقول: إن هذا الذي خلقته وحيدا كان لآياتنا - وهي حجج الله على خلقه من الكتب والرسل - عنيدا، يعني معاندا للحقّ مجانبا له، كالبعير العنود؛ ومنه قول القائل: إذَا نزلْتُ فاجْعَلانِي وَسَطا ... إنّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا [[الأثر ٢٠٠ - أثر الضحاك عن ابن عباس لم يخرجوه. وسيأتي باقيه ٢١٥.]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ قال: جحودا. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ قال محمد بن عمرو: معاندا لها. وقال الحارث: معاندا عنها، مجانبا لها. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد، قوله: ﴿عَنِيدًا﴾ قال: معاندا للحقّ مجانبا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ كفورا بآيات الله جحودا بها. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ قال: مشاقا، وقيل: عنيدا، وهو من عاند معاندة فهو معاند، كما قيل: عام قابل، وإنما هو مقبل. * * وقوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ يقول تعالى ذكره: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة له منها. وقيل: إن الصعود جبل في النار يكلَّفُ أهل النار صعوده. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا محمد بن سعيد بن زائدة، قال: ثنا شريك، عن عمارة، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: هو جبل في النار من نار، يكلَّفون أن يصعدوه، فإذا وضع يده ذابت، فإذا رفعها عادت، فإذا وضع رجله كذلك. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله ﷺ قال: "الصَّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يُصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ثُمَّ يَهْوِي كَذلكَ مِنْهُ أبَدًا". ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: مشقة من العذاب. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أي عذابا لا راحة منه. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: مشقة من العذاب. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: تعبا من العذاب.

Al-Mukhtasar (français)

Puis après cela, il attend de Moi que Je lui donne davantage malgré sa mécréance.

16

كَلَّآ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ لِءَايَٰتِنَا عَنِيدًۭا

Pas du tout! Car il reniait nos versets (le Coran) avec entêtement.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَبَدَّلَهَا كُفْرًا، وَقَابَلَهَا بِالْجُحُودِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهَا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ. وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نعَمه حَيْثُ قَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أَيْ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللَّهُ، ﴿مَالا مَمْدُودًا﴾ أَيْ: وَاسِعًا كَثِيرًا قِيلَ: أَلْفُ دِينَارٍ. وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: أَرْضًا يَسْتَغِلُّهَا. وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ لَهُ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَغِيبُونَ، أَيْ: حُضُورًا عِنْدَهُ لَا يُسَافِرُونَ فِي التِّجَارَاتِ، بَلْ مَواليهم وَأُجَرَاؤُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ، يَتَمَتَّعُ بِهِمْ ويتَمَلَّى بِهِمْ. وَكَانُوا -فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ-ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا عَشْرَةً. وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ [وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ] . [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أَيْ: مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أَيْ: مُعَانِدًا، وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ. قَالَ اللَّهُ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سعيد، عن رسول الله ﷺ قَالَ: "وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، والصَّعُود: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، بِهِ [[المسند (٣/٧٥) ، وسنن الترمذي برقم (٣١٦٤) .]] ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعة عَنْ دَرَّاجٍ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) .]] وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ [[في م: "البصري".]] -قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجاب، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهَنِيّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ: "هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠٩) "مجمع البحرين" من طريق منجاب بن الحارث به مرفوعًا. وقال الطبراني: "لم يرفع هذا الحديث عن عمار الدهني إلا شريك، ورواه سفيان بن عيينة عن عمار الدهني فوافقه".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ [[في م: "وقال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: صَعُودٌ: صَخْرَةٌ [فِي جَهَنَّمَ] [[زيادة من م.]] عَظِيمَةٌ يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَعُودًا: صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أَيْ: مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا، أَيْ: قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ؛ لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، أَيْ: تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئل عَنِ الْقُرْآنِ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ، ﴿وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: تَرَوَّى، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أَيْ: أَعَادَ النَّظْرَةَ [[في م: "النظر".]] وَالتَّرَوِّيَ. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أَيْ: قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ، ﴿وَبَسَرَ﴾ أَيْ: كَلَحَ وَكَرِهَ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَير الشَّاعِرِ: وَقَد رَابَني مِنْهَا صُدُودٌ رَأيتُه ... وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُورُها ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ أَيْ: صُرف عَنِ الْحَقِّ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ، ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أَيْ: هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أَيْ: لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ. وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ-وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَسَأَلَهُ [[في م، أ: "يسأله".]] عَنِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ. فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا بِسَحْرٍ وَلَا بهذْي مِنَ الْجُنُونِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النفرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَا الْوَلِيدُ لتصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟ فَقَالَ: ألستُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَقَدْ [[في أ: "أوقد".]] تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟! فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَمَا يَعْلَى، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الْآيَةَ، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قَبَضَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَكَلَحَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبَّاد بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقرأ عليه الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيْ عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرض لِمَا قِبَلَهُ. قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ [[في م: "أنه".]] مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [قَالَ قَتَادَةُ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا] [[زيادة من تفسير الطبري]] حَتَّى بَلَغَ: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٨) .]] وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وفودُ الْعَرَبِ لِلْحَجِّ ليصدّوهُم عَنْهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: شَاعِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: سَاحِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَاهِنٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَجْنُونٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٨] كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ، فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أَيْ: سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وَتَفْخِيمٌ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أَيْ: تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وعَصَبهم وَجُلُودَهُمْ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، قَالَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لِلْجِلْدِ، وَقَالَ أَبُو رَزين: تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَلُوحُ أَجْسَادُهُمْ عَلَيْهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أَيْ: حَرَّاقَةٌ لِلْجِلْدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أَيْ: مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ، عَظِيمٌ خَلْقُهُمْ، غَلِيظٌ خُلُقُهُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي حُرَيْثٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: "ادْعُهُمْ، أَمَا إِنِّي سَائِلُهُمْ عَنْ تُربَة الْجَنَّةِ إِنْ أَتَوْنِي، أَمَا إِنَّهَا [[في م: "إنها كأنها".]] دَرْمكة بيضاء". فجاؤوه فَسَأَلُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأَهْوَى بِأَصَابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَأَمْسَكَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: "أَخْبِرُونِي عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ". فَقَالُوا: أَخْبِرْهُمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ. فَقَالَ: كَأَنَّهَا خُبزَة بَيْضَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما إِنَّ الْخُبْزَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدّرمَك". [[ورواه البيهقي في البعث برقم (٥٠٩) من طريق مسروق بن المرزبان، عن ابن أبي زائدة به، وقال: "حديث ابن أبي مطر -أي حريث- ليس بالقوى، وحديث جابر أصح" وهو الآتي بعده.]] هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مِنْدَهْ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبدَة، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، غلبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: "بِأَيِّ شَيْءٍ؟ " قَالَ: سَأَلَتْهُمْ يَهُود هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئلوا عَمَّا لَا يَدْرُونَ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي [[في م: "قالوا لا نعلم".]] حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا؟ عليَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ، لَكِنْ سَأَلُوا [[في م، أ: "لكنهم قد سألوا".]] نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً". فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ. قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "هَكَذَا"، وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ، مَرَّتَيْنِ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرمك". فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: "الْخُبْزُ مِنَ الدَّرمك". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، به [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٧) .]] وقال هو والبزار: لَا نَعْرِفُهُ [[في م: "لا يعرف".]] إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَقَصَّ الدَّرْمَكَ فَقَطْ. [[المسند (٣/٣٦١) .]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) ﴾ . يقول تعالى ذكره: وجعلت له بنين شهودا، ذُكر أنهم كانوا عشرة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أبيه، عن مجاهد ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قال: كان بنوه عشرة. * * وقوله: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ يقول تعالى ذكره: وبسطت له في العيش بسطًا. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ قال: بسط له. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ قال: من المال والولد. * * وقوله: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم يأمل ويرجو أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلا﴾ يقول: ليس ذلك كما يأمل ويرجو من أن أزيده مالا وولدا، وتمهيدا في الدنيا ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ يقول: إن هذا الذي خلقته وحيدا كان لآياتنا - وهي حجج الله على خلقه من الكتب والرسل - عنيدا، يعني معاندا للحقّ مجانبا له، كالبعير العنود؛ ومنه قول القائل: إذَا نزلْتُ فاجْعَلانِي وَسَطا ... إنّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا [[الأثر ٢٠٠ - أثر الضحاك عن ابن عباس لم يخرجوه. وسيأتي باقيه ٢١٥.]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ قال: جحودا. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ قال محمد بن عمرو: معاندا لها. وقال الحارث: معاندا عنها، مجانبا لها. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد، قوله: ﴿عَنِيدًا﴾ قال: معاندا للحقّ مجانبا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ كفورا بآيات الله جحودا بها. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ قال: مشاقا، وقيل: عنيدا، وهو من عاند معاندة فهو معاند، كما قيل: عام قابل، وإنما هو مقبل. * * وقوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ يقول تعالى ذكره: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة له منها. وقيل: إن الصعود جبل في النار يكلَّفُ أهل النار صعوده. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا محمد بن سعيد بن زائدة، قال: ثنا شريك، عن عمارة، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: هو جبل في النار من نار، يكلَّفون أن يصعدوه، فإذا وضع يده ذابت، فإذا رفعها عادت، فإذا وضع رجله كذلك. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله ﷺ قال: "الصَّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يُصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ثُمَّ يَهْوِي كَذلكَ مِنْهُ أبَدًا". ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: مشقة من العذاب. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أي عذابا لا راحة منه. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: مشقة من العذاب. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: تعبا من العذاب.

Al-Mukhtasar (français)

Or il n’en sera rien. Il reniait Nos versets révélés à Notre Messager et les traitait de mensonges.

17

سَأُرْهِقُهُۥ صَعُودًا

Je vais le contraindre à gravir une pente.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَبَدَّلَهَا كُفْرًا، وَقَابَلَهَا بِالْجُحُودِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهَا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ. وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نعَمه حَيْثُ قَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أَيْ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللَّهُ، ﴿مَالا مَمْدُودًا﴾ أَيْ: وَاسِعًا كَثِيرًا قِيلَ: أَلْفُ دِينَارٍ. وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: أَرْضًا يَسْتَغِلُّهَا. وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ لَهُ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَغِيبُونَ، أَيْ: حُضُورًا عِنْدَهُ لَا يُسَافِرُونَ فِي التِّجَارَاتِ، بَلْ مَواليهم وَأُجَرَاؤُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ، يَتَمَتَّعُ بِهِمْ ويتَمَلَّى بِهِمْ. وَكَانُوا -فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ-ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا عَشْرَةً. وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ [وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ] . [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أَيْ: مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أَيْ: مُعَانِدًا، وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ. قَالَ اللَّهُ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سعيد، عن رسول الله ﷺ قَالَ: "وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، والصَّعُود: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، بِهِ [[المسند (٣/٧٥) ، وسنن الترمذي برقم (٣١٦٤) .]] ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعة عَنْ دَرَّاجٍ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) .]] وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ [[في م: "البصري".]] -قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجاب، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهَنِيّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ: "هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠٩) "مجمع البحرين" من طريق منجاب بن الحارث به مرفوعًا. وقال الطبراني: "لم يرفع هذا الحديث عن عمار الدهني إلا شريك، ورواه سفيان بن عيينة عن عمار الدهني فوافقه".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ [[في م: "وقال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: صَعُودٌ: صَخْرَةٌ [فِي جَهَنَّمَ] [[زيادة من م.]] عَظِيمَةٌ يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَعُودًا: صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أَيْ: مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا، أَيْ: قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ؛ لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، أَيْ: تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئل عَنِ الْقُرْآنِ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ، ﴿وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: تَرَوَّى، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أَيْ: أَعَادَ النَّظْرَةَ [[في م: "النظر".]] وَالتَّرَوِّيَ. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أَيْ: قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ، ﴿وَبَسَرَ﴾ أَيْ: كَلَحَ وَكَرِهَ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَير الشَّاعِرِ: وَقَد رَابَني مِنْهَا صُدُودٌ رَأيتُه ... وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُورُها ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ أَيْ: صُرف عَنِ الْحَقِّ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ، ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أَيْ: هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أَيْ: لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ. وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ-وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَسَأَلَهُ [[في م، أ: "يسأله".]] عَنِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ. فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا بِسَحْرٍ وَلَا بهذْي مِنَ الْجُنُونِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النفرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَا الْوَلِيدُ لتصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟ فَقَالَ: ألستُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَقَدْ [[في أ: "أوقد".]] تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟! فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَمَا يَعْلَى، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الْآيَةَ، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قَبَضَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَكَلَحَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبَّاد بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقرأ عليه الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيْ عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرض لِمَا قِبَلَهُ. قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ [[في م: "أنه".]] مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [قَالَ قَتَادَةُ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا] [[زيادة من تفسير الطبري]] حَتَّى بَلَغَ: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٨) .]] وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وفودُ الْعَرَبِ لِلْحَجِّ ليصدّوهُم عَنْهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: شَاعِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: سَاحِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَاهِنٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَجْنُونٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٨] كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ، فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أَيْ: سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وَتَفْخِيمٌ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أَيْ: تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وعَصَبهم وَجُلُودَهُمْ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، قَالَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لِلْجِلْدِ، وَقَالَ أَبُو رَزين: تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَلُوحُ أَجْسَادُهُمْ عَلَيْهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أَيْ: حَرَّاقَةٌ لِلْجِلْدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أَيْ: مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ، عَظِيمٌ خَلْقُهُمْ، غَلِيظٌ خُلُقُهُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي حُرَيْثٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: "ادْعُهُمْ، أَمَا إِنِّي سَائِلُهُمْ عَنْ تُربَة الْجَنَّةِ إِنْ أَتَوْنِي، أَمَا إِنَّهَا [[في م: "إنها كأنها".]] دَرْمكة بيضاء". فجاؤوه فَسَأَلُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأَهْوَى بِأَصَابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَأَمْسَكَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: "أَخْبِرُونِي عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ". فَقَالُوا: أَخْبِرْهُمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ. فَقَالَ: كَأَنَّهَا خُبزَة بَيْضَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما إِنَّ الْخُبْزَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدّرمَك". [[ورواه البيهقي في البعث برقم (٥٠٩) من طريق مسروق بن المرزبان، عن ابن أبي زائدة به، وقال: "حديث ابن أبي مطر -أي حريث- ليس بالقوى، وحديث جابر أصح" وهو الآتي بعده.]] هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مِنْدَهْ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبدَة، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، غلبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: "بِأَيِّ شَيْءٍ؟ " قَالَ: سَأَلَتْهُمْ يَهُود هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئلوا عَمَّا لَا يَدْرُونَ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي [[في م: "قالوا لا نعلم".]] حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا؟ عليَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ، لَكِنْ سَأَلُوا [[في م، أ: "لكنهم قد سألوا".]] نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً". فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ. قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "هَكَذَا"، وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ، مَرَّتَيْنِ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرمك". فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: "الْخُبْزُ مِنَ الدَّرمك". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، به [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٧) .]] وقال هو والبزار: لَا نَعْرِفُهُ [[في م: "لا يعرف".]] إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَقَصَّ الدَّرْمَكَ فَقَطْ. [[المسند (٣/٣٦١) .]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) ﴾ . يقول تعالى ذكره: وجعلت له بنين شهودا، ذُكر أنهم كانوا عشرة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أبيه، عن مجاهد ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قال: كان بنوه عشرة. * * وقوله: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ يقول تعالى ذكره: وبسطت له في العيش بسطًا. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ قال: بسط له. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ قال: من المال والولد. * * وقوله: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم يأمل ويرجو أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلا﴾ يقول: ليس ذلك كما يأمل ويرجو من أن أزيده مالا وولدا، وتمهيدا في الدنيا ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ يقول: إن هذا الذي خلقته وحيدا كان لآياتنا - وهي حجج الله على خلقه من الكتب والرسل - عنيدا، يعني معاندا للحقّ مجانبا له، كالبعير العنود؛ ومنه قول القائل: إذَا نزلْتُ فاجْعَلانِي وَسَطا ... إنّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا [[الأثر ٢٠٠ - أثر الضحاك عن ابن عباس لم يخرجوه. وسيأتي باقيه ٢١٥.]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ قال: جحودا. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ قال محمد بن عمرو: معاندا لها. وقال الحارث: معاندا عنها، مجانبا لها. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد، قوله: ﴿عَنِيدًا﴾ قال: معاندا للحقّ مجانبا. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ كفورا بآيات الله جحودا بها. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ قال: مشاقا، وقيل: عنيدا، وهو من عاند معاندة فهو معاند، كما قيل: عام قابل، وإنما هو مقبل. * * وقوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ يقول تعالى ذكره: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة له منها. وقيل: إن الصعود جبل في النار يكلَّفُ أهل النار صعوده. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا محمد بن سعيد بن زائدة، قال: ثنا شريك، عن عمارة، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: هو جبل في النار من نار، يكلَّفون أن يصعدوه، فإذا وضع يده ذابت، فإذا رفعها عادت، فإذا وضع رجله كذلك. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله ﷺ قال: "الصَّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يُصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ثُمَّ يَهْوِي كَذلكَ مِنْهُ أبَدًا". ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: مشقة من العذاب. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أي عذابا لا راحة منه. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: مشقة من العذاب. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قال: تعبا من العذاب.

Al-Mukhtasar (français)

Je le contraindrai donc à endurer un châtiment qu’il ne peut supporter

18

إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ

Il a réfléchi. Et il a décidé.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَبَدَّلَهَا كُفْرًا، وَقَابَلَهَا بِالْجُحُودِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهَا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ. وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نعَمه حَيْثُ قَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أَيْ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللَّهُ، ﴿مَالا مَمْدُودًا﴾ أَيْ: وَاسِعًا كَثِيرًا قِيلَ: أَلْفُ دِينَارٍ. وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: أَرْضًا يَسْتَغِلُّهَا. وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ لَهُ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَغِيبُونَ، أَيْ: حُضُورًا عِنْدَهُ لَا يُسَافِرُونَ فِي التِّجَارَاتِ، بَلْ مَواليهم وَأُجَرَاؤُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ، يَتَمَتَّعُ بِهِمْ ويتَمَلَّى بِهِمْ. وَكَانُوا -فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ-ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا عَشْرَةً. وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ [وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ] . [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أَيْ: مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أَيْ: مُعَانِدًا، وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ. قَالَ اللَّهُ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سعيد، عن رسول الله ﷺ قَالَ: "وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، والصَّعُود: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، بِهِ [[المسند (٣/٧٥) ، وسنن الترمذي برقم (٣١٦٤) .]] ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعة عَنْ دَرَّاجٍ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) .]] وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ [[في م: "البصري".]] -قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجاب، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهَنِيّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ: "هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠٩) "مجمع البحرين" من طريق منجاب بن الحارث به مرفوعًا. وقال الطبراني: "لم يرفع هذا الحديث عن عمار الدهني إلا شريك، ورواه سفيان بن عيينة عن عمار الدهني فوافقه".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ [[في م: "وقال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: صَعُودٌ: صَخْرَةٌ [فِي جَهَنَّمَ] [[زيادة من م.]] عَظِيمَةٌ يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَعُودًا: صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أَيْ: مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا، أَيْ: قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ؛ لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، أَيْ: تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئل عَنِ الْقُرْآنِ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ، ﴿وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: تَرَوَّى، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أَيْ: أَعَادَ النَّظْرَةَ [[في م: "النظر".]] وَالتَّرَوِّيَ. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أَيْ: قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ، ﴿وَبَسَرَ﴾ أَيْ: كَلَحَ وَكَرِهَ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَير الشَّاعِرِ: وَقَد رَابَني مِنْهَا صُدُودٌ رَأيتُه ... وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُورُها ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ أَيْ: صُرف عَنِ الْحَقِّ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ، ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أَيْ: هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أَيْ: لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ. وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ-وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَسَأَلَهُ [[في م، أ: "يسأله".]] عَنِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ. فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا بِسَحْرٍ وَلَا بهذْي مِنَ الْجُنُونِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النفرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَا الْوَلِيدُ لتصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟ فَقَالَ: ألستُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَقَدْ [[في أ: "أوقد".]] تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟! فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَمَا يَعْلَى، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الْآيَةَ، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قَبَضَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَكَلَحَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبَّاد بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقرأ عليه الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيْ عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرض لِمَا قِبَلَهُ. قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ [[في م: "أنه".]] مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [قَالَ قَتَادَةُ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا] [[زيادة من تفسير الطبري]] حَتَّى بَلَغَ: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٨) .]] وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وفودُ الْعَرَبِ لِلْحَجِّ ليصدّوهُم عَنْهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: شَاعِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: سَاحِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَاهِنٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَجْنُونٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٨] كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ، فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أَيْ: سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وَتَفْخِيمٌ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أَيْ: تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وعَصَبهم وَجُلُودَهُمْ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، قَالَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لِلْجِلْدِ، وَقَالَ أَبُو رَزين: تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَلُوحُ أَجْسَادُهُمْ عَلَيْهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أَيْ: حَرَّاقَةٌ لِلْجِلْدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أَيْ: مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ، عَظِيمٌ خَلْقُهُمْ، غَلِيظٌ خُلُقُهُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي حُرَيْثٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: "ادْعُهُمْ، أَمَا إِنِّي سَائِلُهُمْ عَنْ تُربَة الْجَنَّةِ إِنْ أَتَوْنِي، أَمَا إِنَّهَا [[في م: "إنها كأنها".]] دَرْمكة بيضاء". فجاؤوه فَسَأَلُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأَهْوَى بِأَصَابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَأَمْسَكَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: "أَخْبِرُونِي عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ". فَقَالُوا: أَخْبِرْهُمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ. فَقَالَ: كَأَنَّهَا خُبزَة بَيْضَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما إِنَّ الْخُبْزَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدّرمَك". [[ورواه البيهقي في البعث برقم (٥٠٩) من طريق مسروق بن المرزبان، عن ابن أبي زائدة به، وقال: "حديث ابن أبي مطر -أي حريث- ليس بالقوى، وحديث جابر أصح" وهو الآتي بعده.]] هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مِنْدَهْ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبدَة، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، غلبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: "بِأَيِّ شَيْءٍ؟ " قَالَ: سَأَلَتْهُمْ يَهُود هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئلوا عَمَّا لَا يَدْرُونَ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي [[في م: "قالوا لا نعلم".]] حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا؟ عليَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ، لَكِنْ سَأَلُوا [[في م، أ: "لكنهم قد سألوا".]] نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً". فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ. قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "هَكَذَا"، وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ، مَرَّتَيْنِ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرمك". فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: "الْخُبْزُ مِنَ الدَّرمك". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، به [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٧) .]] وقال هو والبزار: لَا نَعْرِفُهُ [[في م: "لا يعرف".]] إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَقَصَّ الدَّرْمَكَ فَقَطْ. [[المسند (٣/٣٦١) .]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) ﴾ . يقول تعالى ذكره: إن هذا الذي خلقته وحيدا، فكَّر فيما أنزل على عبده محمد ﷺ من القرآن، وقدّر فيما يقول فيه ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ يقول: ثم لعن كيف قدّر النازل فيه ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ يقول: ثم روّى في ذلك ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ يقول: ثم قبض ما بين عينيه ﴿وَبَسَرَ﴾ يقول: كلح وجهه؛ ومنه قول توبة بن الحُمَيِّر: وَقَدْ رَابَنِي مِنْها صُدُودٌ رأيتُهُ ... وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها [[تقدم إليه بشيء: أمره بفعله أو إتيانه.]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت الأخبار عن الوحيد أنه فعل. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر عن عباد بن منصور، عن عكرِمة، أن الوليد بن المُغيرة جاء إلى النبي ﷺ، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فقال: أي عمّ إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا قال: لِمَ؟ قال: يعطونكه فإنك أتيت محمدا تتعرّض لما قِبَله، قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالا قال: فقل فيه قولا يعلم قومك أنَّك مُنكر لما قال، وأنك كاره له؛ قال: فما أقول فيه، فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه مني، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو ولا يعلى، قال: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر فيه؛ فلما فكَّر قال: هذا سحر يأثره عن غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ قال قتادة: خرج من بطن أمه وحيدا، فنزلت هذه الآية حتى بلغ تسعة عشر. ⁕ حدثني محمد بن سعيد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ... ﴾ إلى ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قُحافة رضي الله عنه، يسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجبا لما يقول ابن أبي كبشة، فو الله ما هو بشعر، ولا بسحر، ولا بهذي من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله، فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا وقالوا: والله لئن صبأ الوليد لتصبأنّ قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل قال: أنا والله أكفيكم شأنه، فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال للوليد: ألم تر قومك قد جمعوا لك الصدقة قال: ألستُ أكثرهم مالا وولدا؟ فقال له أبو جهل: يتحدّثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قُحافة لتصيب من طعامه، قال الوليد: أقد تحدثت به عشيرتي، فلا يقصر عن سائر بني قُصيّ، لا أقرب أبا بكر ولا عمر ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر، فأنزل الله على نبيه ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ... ﴾ إلى ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ ، زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال هذا الرجل، فإذا هو ليس له بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وَما يعلى، وما أشكّ أنه سحر، فأنزل الله فيه: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ... ﴾ الآية ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ : قبض ما بين عينيه وكلح. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ قال: الوليد بن المغيرة يوم دار الندوة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ يعني الوليد بن المغيرة، دعاه نبي الله ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر، ففكر ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ فجعل الله له سقر. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا ... ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: هذا الوليد بن المغيرة قال: سأبتار لكم هذا الرجل الليلة، فأتى النبيّ ﷺ، فوجده قائما يصلي ويقترئ، وأتاهم فقالوا: مه، قال: سمعت قولا حلوا أخضر مثمرا يأخذ بالقلوب، فقالوا: هو شعر، فقال: لا والله ما هو بالشعر، ليس أحد أعلم بالشعر مني، أليس قد عَرضت عليّ الشعراء شعرهم نابغة وفلان وفلان؟ قالوا: فهو كاهن، فقال: لا والله ما هو بكاهن، قد عرضت عليّ الكهانة، قالوا: فهذا سحر الأوّلين اكتتبه، قال: لا أدري إن كان شيئا فعسى هو إذا سحر يؤثر، فقرأ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ قال: قتل كيف قدّر حين قال: ليس بشعر، ثم قتل كيف قدّر حين قال: ليس بكهانة. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم ولى عن الإيمان والتصديق بما أنزل الله من كتابه، واستكبر عن الإقرار بالحق ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأثره عن غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأخذه عن غيره. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي رزين ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأثره عن غيره. * * وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الوحيد في القرآن ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول البشر، يقول: ما هو إلا كلام ابن آدم، وما هو بكلام الله.

Al-Mukhtasar (français)

Ce mécréant que J’ai comblé de bienfaits a bien réfléchi aux paroles qu’il profèrera afin d’invalider le Coran et a fini par s’en convaincre lui-même.

19

فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ

Qu'il périsse! Comme il a décidé!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَبَدَّلَهَا كُفْرًا، وَقَابَلَهَا بِالْجُحُودِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهَا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ. وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نعَمه حَيْثُ قَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أَيْ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللَّهُ، ﴿مَالا مَمْدُودًا﴾ أَيْ: وَاسِعًا كَثِيرًا قِيلَ: أَلْفُ دِينَارٍ. وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: أَرْضًا يَسْتَغِلُّهَا. وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ لَهُ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَغِيبُونَ، أَيْ: حُضُورًا عِنْدَهُ لَا يُسَافِرُونَ فِي التِّجَارَاتِ، بَلْ مَواليهم وَأُجَرَاؤُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ، يَتَمَتَّعُ بِهِمْ ويتَمَلَّى بِهِمْ. وَكَانُوا -فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ-ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا عَشْرَةً. وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ [وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ] . [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أَيْ: مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أَيْ: مُعَانِدًا، وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ. قَالَ اللَّهُ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سعيد، عن رسول الله ﷺ قَالَ: "وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، والصَّعُود: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، بِهِ [[المسند (٣/٧٥) ، وسنن الترمذي برقم (٣١٦٤) .]] ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعة عَنْ دَرَّاجٍ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) .]] وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ [[في م: "البصري".]] -قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجاب، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهَنِيّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ: "هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠٩) "مجمع البحرين" من طريق منجاب بن الحارث به مرفوعًا. وقال الطبراني: "لم يرفع هذا الحديث عن عمار الدهني إلا شريك، ورواه سفيان بن عيينة عن عمار الدهني فوافقه".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ [[في م: "وقال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: صَعُودٌ: صَخْرَةٌ [فِي جَهَنَّمَ] [[زيادة من م.]] عَظِيمَةٌ يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَعُودًا: صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أَيْ: مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا، أَيْ: قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ؛ لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، أَيْ: تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئل عَنِ الْقُرْآنِ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ، ﴿وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: تَرَوَّى، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أَيْ: أَعَادَ النَّظْرَةَ [[في م: "النظر".]] وَالتَّرَوِّيَ. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أَيْ: قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ، ﴿وَبَسَرَ﴾ أَيْ: كَلَحَ وَكَرِهَ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَير الشَّاعِرِ: وَقَد رَابَني مِنْهَا صُدُودٌ رَأيتُه ... وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُورُها ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ أَيْ: صُرف عَنِ الْحَقِّ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ، ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أَيْ: هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أَيْ: لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ. وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ-وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَسَأَلَهُ [[في م، أ: "يسأله".]] عَنِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ. فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا بِسَحْرٍ وَلَا بهذْي مِنَ الْجُنُونِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النفرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَا الْوَلِيدُ لتصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟ فَقَالَ: ألستُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَقَدْ [[في أ: "أوقد".]] تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟! فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَمَا يَعْلَى، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الْآيَةَ، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قَبَضَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَكَلَحَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبَّاد بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقرأ عليه الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيْ عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرض لِمَا قِبَلَهُ. قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ [[في م: "أنه".]] مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [قَالَ قَتَادَةُ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا] [[زيادة من تفسير الطبري]] حَتَّى بَلَغَ: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٨) .]] وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وفودُ الْعَرَبِ لِلْحَجِّ ليصدّوهُم عَنْهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: شَاعِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: سَاحِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَاهِنٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَجْنُونٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٨] كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ، فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أَيْ: سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وَتَفْخِيمٌ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أَيْ: تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وعَصَبهم وَجُلُودَهُمْ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، قَالَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لِلْجِلْدِ، وَقَالَ أَبُو رَزين: تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَلُوحُ أَجْسَادُهُمْ عَلَيْهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أَيْ: حَرَّاقَةٌ لِلْجِلْدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أَيْ: مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ، عَظِيمٌ خَلْقُهُمْ، غَلِيظٌ خُلُقُهُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي حُرَيْثٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: "ادْعُهُمْ، أَمَا إِنِّي سَائِلُهُمْ عَنْ تُربَة الْجَنَّةِ إِنْ أَتَوْنِي، أَمَا إِنَّهَا [[في م: "إنها كأنها".]] دَرْمكة بيضاء". فجاؤوه فَسَأَلُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأَهْوَى بِأَصَابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَأَمْسَكَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: "أَخْبِرُونِي عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ". فَقَالُوا: أَخْبِرْهُمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ. فَقَالَ: كَأَنَّهَا خُبزَة بَيْضَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما إِنَّ الْخُبْزَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدّرمَك". [[ورواه البيهقي في البعث برقم (٥٠٩) من طريق مسروق بن المرزبان، عن ابن أبي زائدة به، وقال: "حديث ابن أبي مطر -أي حريث- ليس بالقوى، وحديث جابر أصح" وهو الآتي بعده.]] هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مِنْدَهْ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبدَة، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، غلبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: "بِأَيِّ شَيْءٍ؟ " قَالَ: سَأَلَتْهُمْ يَهُود هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئلوا عَمَّا لَا يَدْرُونَ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي [[في م: "قالوا لا نعلم".]] حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا؟ عليَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ، لَكِنْ سَأَلُوا [[في م، أ: "لكنهم قد سألوا".]] نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً". فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ. قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "هَكَذَا"، وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ، مَرَّتَيْنِ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرمك". فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: "الْخُبْزُ مِنَ الدَّرمك". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، به [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٧) .]] وقال هو والبزار: لَا نَعْرِفُهُ [[في م: "لا يعرف".]] إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَقَصَّ الدَّرْمَكَ فَقَطْ. [[المسند (٣/٣٦١) .]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) ﴾ . يقول تعالى ذكره: إن هذا الذي خلقته وحيدا، فكَّر فيما أنزل على عبده محمد ﷺ من القرآن، وقدّر فيما يقول فيه ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ يقول: ثم لعن كيف قدّر النازل فيه ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ يقول: ثم روّى في ذلك ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ يقول: ثم قبض ما بين عينيه ﴿وَبَسَرَ﴾ يقول: كلح وجهه؛ ومنه قول توبة بن الحُمَيِّر: وَقَدْ رَابَنِي مِنْها صُدُودٌ رأيتُهُ ... وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها [[تقدم إليه بشيء: أمره بفعله أو إتيانه.]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت الأخبار عن الوحيد أنه فعل. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر عن عباد بن منصور، عن عكرِمة، أن الوليد بن المُغيرة جاء إلى النبي ﷺ، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فقال: أي عمّ إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا قال: لِمَ؟ قال: يعطونكه فإنك أتيت محمدا تتعرّض لما قِبَله، قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالا قال: فقل فيه قولا يعلم قومك أنَّك مُنكر لما قال، وأنك كاره له؛ قال: فما أقول فيه، فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه مني، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو ولا يعلى، قال: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر فيه؛ فلما فكَّر قال: هذا سحر يأثره عن غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ قال قتادة: خرج من بطن أمه وحيدا، فنزلت هذه الآية حتى بلغ تسعة عشر. ⁕ حدثني محمد بن سعيد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ... ﴾ إلى ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قُحافة رضي الله عنه، يسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجبا لما يقول ابن أبي كبشة، فو الله ما هو بشعر، ولا بسحر، ولا بهذي من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله، فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا وقالوا: والله لئن صبأ الوليد لتصبأنّ قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل قال: أنا والله أكفيكم شأنه، فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال للوليد: ألم تر قومك قد جمعوا لك الصدقة قال: ألستُ أكثرهم مالا وولدا؟ فقال له أبو جهل: يتحدّثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قُحافة لتصيب من طعامه، قال الوليد: أقد تحدثت به عشيرتي، فلا يقصر عن سائر بني قُصيّ، لا أقرب أبا بكر ولا عمر ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر، فأنزل الله على نبيه ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ... ﴾ إلى ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ ، زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال هذا الرجل، فإذا هو ليس له بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وَما يعلى، وما أشكّ أنه سحر، فأنزل الله فيه: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ... ﴾ الآية ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ : قبض ما بين عينيه وكلح. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ قال: الوليد بن المغيرة يوم دار الندوة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ يعني الوليد بن المغيرة، دعاه نبي الله ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر، ففكر ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ فجعل الله له سقر. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا ... ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: هذا الوليد بن المغيرة قال: سأبتار لكم هذا الرجل الليلة، فأتى النبيّ ﷺ، فوجده قائما يصلي ويقترئ، وأتاهم فقالوا: مه، قال: سمعت قولا حلوا أخضر مثمرا يأخذ بالقلوب، فقالوا: هو شعر، فقال: لا والله ما هو بالشعر، ليس أحد أعلم بالشعر مني، أليس قد عَرضت عليّ الشعراء شعرهم نابغة وفلان وفلان؟ قالوا: فهو كاهن، فقال: لا والله ما هو بكاهن، قد عرضت عليّ الكهانة، قالوا: فهذا سحر الأوّلين اكتتبه، قال: لا أدري إن كان شيئا فعسى هو إذا سحر يؤثر، فقرأ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ قال: قتل كيف قدّر حين قال: ليس بشعر، ثم قتل كيف قدّر حين قال: ليس بكهانة. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم ولى عن الإيمان والتصديق بما أنزل الله من كتابه، واستكبر عن الإقرار بالحق ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأثره عن غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأخذه عن غيره. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي رزين ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأثره عن غيره. * * وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الوحيد في القرآن ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول البشر، يقول: ما هو إلا كلام ابن آدم، وما هو بكلام الله.

Al-Mukhtasar (français)

Qu’il soit maudit et supplicié pour ce qu’il a décidé.

20

ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ

Encore une fois, qu'il périsse; comme il a décidé!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَبَدَّلَهَا كُفْرًا، وَقَابَلَهَا بِالْجُحُودِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهَا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ. وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نعَمه حَيْثُ قَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أَيْ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللَّهُ، ﴿مَالا مَمْدُودًا﴾ أَيْ: وَاسِعًا كَثِيرًا قِيلَ: أَلْفُ دِينَارٍ. وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: أَرْضًا يَسْتَغِلُّهَا. وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ لَهُ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَغِيبُونَ، أَيْ: حُضُورًا عِنْدَهُ لَا يُسَافِرُونَ فِي التِّجَارَاتِ، بَلْ مَواليهم وَأُجَرَاؤُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ، يَتَمَتَّعُ بِهِمْ ويتَمَلَّى بِهِمْ. وَكَانُوا -فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ-ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا عَشْرَةً. وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ [وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ] . [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أَيْ: مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أَيْ: مُعَانِدًا، وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ. قَالَ اللَّهُ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سعيد، عن رسول الله ﷺ قَالَ: "وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، والصَّعُود: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، بِهِ [[المسند (٣/٧٥) ، وسنن الترمذي برقم (٣١٦٤) .]] ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعة عَنْ دَرَّاجٍ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) .]] وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ [[في م: "البصري".]] -قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجاب، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهَنِيّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ: "هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠٩) "مجمع البحرين" من طريق منجاب بن الحارث به مرفوعًا. وقال الطبراني: "لم يرفع هذا الحديث عن عمار الدهني إلا شريك، ورواه سفيان بن عيينة عن عمار الدهني فوافقه".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ [[في م: "وقال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: صَعُودٌ: صَخْرَةٌ [فِي جَهَنَّمَ] [[زيادة من م.]] عَظِيمَةٌ يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَعُودًا: صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أَيْ: مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا، أَيْ: قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ؛ لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، أَيْ: تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئل عَنِ الْقُرْآنِ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ، ﴿وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: تَرَوَّى، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أَيْ: أَعَادَ النَّظْرَةَ [[في م: "النظر".]] وَالتَّرَوِّيَ. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أَيْ: قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ، ﴿وَبَسَرَ﴾ أَيْ: كَلَحَ وَكَرِهَ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَير الشَّاعِرِ: وَقَد رَابَني مِنْهَا صُدُودٌ رَأيتُه ... وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُورُها ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ أَيْ: صُرف عَنِ الْحَقِّ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ، ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أَيْ: هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أَيْ: لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ. وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ-وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَسَأَلَهُ [[في م، أ: "يسأله".]] عَنِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ. فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا بِسَحْرٍ وَلَا بهذْي مِنَ الْجُنُونِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النفرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَا الْوَلِيدُ لتصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟ فَقَالَ: ألستُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَقَدْ [[في أ: "أوقد".]] تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟! فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَمَا يَعْلَى، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الْآيَةَ، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قَبَضَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَكَلَحَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبَّاد بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقرأ عليه الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيْ عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرض لِمَا قِبَلَهُ. قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ [[في م: "أنه".]] مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [قَالَ قَتَادَةُ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا] [[زيادة من تفسير الطبري]] حَتَّى بَلَغَ: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٨) .]] وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وفودُ الْعَرَبِ لِلْحَجِّ ليصدّوهُم عَنْهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: شَاعِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: سَاحِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَاهِنٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَجْنُونٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٨] كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ، فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أَيْ: سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وَتَفْخِيمٌ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أَيْ: تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وعَصَبهم وَجُلُودَهُمْ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، قَالَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لِلْجِلْدِ، وَقَالَ أَبُو رَزين: تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَلُوحُ أَجْسَادُهُمْ عَلَيْهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أَيْ: حَرَّاقَةٌ لِلْجِلْدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أَيْ: مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ، عَظِيمٌ خَلْقُهُمْ، غَلِيظٌ خُلُقُهُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي حُرَيْثٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: "ادْعُهُمْ، أَمَا إِنِّي سَائِلُهُمْ عَنْ تُربَة الْجَنَّةِ إِنْ أَتَوْنِي، أَمَا إِنَّهَا [[في م: "إنها كأنها".]] دَرْمكة بيضاء". فجاؤوه فَسَأَلُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأَهْوَى بِأَصَابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَأَمْسَكَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: "أَخْبِرُونِي عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ". فَقَالُوا: أَخْبِرْهُمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ. فَقَالَ: كَأَنَّهَا خُبزَة بَيْضَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما إِنَّ الْخُبْزَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدّرمَك". [[ورواه البيهقي في البعث برقم (٥٠٩) من طريق مسروق بن المرزبان، عن ابن أبي زائدة به، وقال: "حديث ابن أبي مطر -أي حريث- ليس بالقوى، وحديث جابر أصح" وهو الآتي بعده.]] هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مِنْدَهْ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبدَة، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، غلبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: "بِأَيِّ شَيْءٍ؟ " قَالَ: سَأَلَتْهُمْ يَهُود هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئلوا عَمَّا لَا يَدْرُونَ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي [[في م: "قالوا لا نعلم".]] حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا؟ عليَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ، لَكِنْ سَأَلُوا [[في م، أ: "لكنهم قد سألوا".]] نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً". فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ. قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "هَكَذَا"، وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ، مَرَّتَيْنِ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرمك". فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: "الْخُبْزُ مِنَ الدَّرمك". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، به [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٧) .]] وقال هو والبزار: لَا نَعْرِفُهُ [[في م: "لا يعرف".]] إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَقَصَّ الدَّرْمَكَ فَقَطْ. [[المسند (٣/٣٦١) .]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) ﴾ . يقول تعالى ذكره: إن هذا الذي خلقته وحيدا، فكَّر فيما أنزل على عبده محمد ﷺ من القرآن، وقدّر فيما يقول فيه ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ يقول: ثم لعن كيف قدّر النازل فيه ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ يقول: ثم روّى في ذلك ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ يقول: ثم قبض ما بين عينيه ﴿وَبَسَرَ﴾ يقول: كلح وجهه؛ ومنه قول توبة بن الحُمَيِّر: وَقَدْ رَابَنِي مِنْها صُدُودٌ رأيتُهُ ... وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها [[تقدم إليه بشيء: أمره بفعله أو إتيانه.]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت الأخبار عن الوحيد أنه فعل. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر عن عباد بن منصور، عن عكرِمة، أن الوليد بن المُغيرة جاء إلى النبي ﷺ، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فقال: أي عمّ إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا قال: لِمَ؟ قال: يعطونكه فإنك أتيت محمدا تتعرّض لما قِبَله، قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالا قال: فقل فيه قولا يعلم قومك أنَّك مُنكر لما قال، وأنك كاره له؛ قال: فما أقول فيه، فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه مني، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو ولا يعلى، قال: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر فيه؛ فلما فكَّر قال: هذا سحر يأثره عن غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ قال قتادة: خرج من بطن أمه وحيدا، فنزلت هذه الآية حتى بلغ تسعة عشر. ⁕ حدثني محمد بن سعيد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ... ﴾ إلى ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قُحافة رضي الله عنه، يسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجبا لما يقول ابن أبي كبشة، فو الله ما هو بشعر، ولا بسحر، ولا بهذي من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله، فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا وقالوا: والله لئن صبأ الوليد لتصبأنّ قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل قال: أنا والله أكفيكم شأنه، فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال للوليد: ألم تر قومك قد جمعوا لك الصدقة قال: ألستُ أكثرهم مالا وولدا؟ فقال له أبو جهل: يتحدّثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قُحافة لتصيب من طعامه، قال الوليد: أقد تحدثت به عشيرتي، فلا يقصر عن سائر بني قُصيّ، لا أقرب أبا بكر ولا عمر ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر، فأنزل الله على نبيه ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ... ﴾ إلى ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ ، زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال هذا الرجل، فإذا هو ليس له بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وَما يعلى، وما أشكّ أنه سحر، فأنزل الله فيه: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ... ﴾ الآية ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ : قبض ما بين عينيه وكلح. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ قال: الوليد بن المغيرة يوم دار الندوة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ يعني الوليد بن المغيرة، دعاه نبي الله ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر، ففكر ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ فجعل الله له سقر. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا ... ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: هذا الوليد بن المغيرة قال: سأبتار لكم هذا الرجل الليلة، فأتى النبيّ ﷺ، فوجده قائما يصلي ويقترئ، وأتاهم فقالوا: مه، قال: سمعت قولا حلوا أخضر مثمرا يأخذ بالقلوب، فقالوا: هو شعر، فقال: لا والله ما هو بالشعر، ليس أحد أعلم بالشعر مني، أليس قد عَرضت عليّ الشعراء شعرهم نابغة وفلان وفلان؟ قالوا: فهو كاهن، فقال: لا والله ما هو بكاهن، قد عرضت عليّ الكهانة، قالوا: فهذا سحر الأوّلين اكتتبه، قال: لا أدري إن كان شيئا فعسى هو إذا سحر يؤثر، فقرأ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ قال: قتل كيف قدّر حين قال: ليس بشعر، ثم قتل كيف قدّر حين قال: ليس بكهانة. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم ولى عن الإيمان والتصديق بما أنزل الله من كتابه، واستكبر عن الإقرار بالحق ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأثره عن غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأخذه عن غيره. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي رزين ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأثره عن غيره. * * وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الوحيد في القرآن ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول البشر، يقول: ما هو إلا كلام ابن آدم، وما هو بكلام الله.

Al-Mukhtasar (français)

Encore une fois, qu’il soit maudit et supplicié pour ce qu’il a décidé.

21

ثُمَّ نَظَرَ

Ensuite, il a regardé.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَبَدَّلَهَا كُفْرًا، وَقَابَلَهَا بِالْجُحُودِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهَا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ. وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نعَمه حَيْثُ قَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أَيْ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللَّهُ، ﴿مَالا مَمْدُودًا﴾ أَيْ: وَاسِعًا كَثِيرًا قِيلَ: أَلْفُ دِينَارٍ. وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: أَرْضًا يَسْتَغِلُّهَا. وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ لَهُ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَغِيبُونَ، أَيْ: حُضُورًا عِنْدَهُ لَا يُسَافِرُونَ فِي التِّجَارَاتِ، بَلْ مَواليهم وَأُجَرَاؤُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ، يَتَمَتَّعُ بِهِمْ ويتَمَلَّى بِهِمْ. وَكَانُوا -فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ-ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا عَشْرَةً. وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ [وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ] . [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أَيْ: مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أَيْ: مُعَانِدًا، وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ. قَالَ اللَّهُ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سعيد، عن رسول الله ﷺ قَالَ: "وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، والصَّعُود: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، بِهِ [[المسند (٣/٧٥) ، وسنن الترمذي برقم (٣١٦٤) .]] ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعة عَنْ دَرَّاجٍ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) .]] وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ [[في م: "البصري".]] -قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجاب، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهَنِيّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ: "هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠٩) "مجمع البحرين" من طريق منجاب بن الحارث به مرفوعًا. وقال الطبراني: "لم يرفع هذا الحديث عن عمار الدهني إلا شريك، ورواه سفيان بن عيينة عن عمار الدهني فوافقه".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ [[في م: "وقال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: صَعُودٌ: صَخْرَةٌ [فِي جَهَنَّمَ] [[زيادة من م.]] عَظِيمَةٌ يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَعُودًا: صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أَيْ: مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا، أَيْ: قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ؛ لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، أَيْ: تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئل عَنِ الْقُرْآنِ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ، ﴿وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: تَرَوَّى، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أَيْ: أَعَادَ النَّظْرَةَ [[في م: "النظر".]] وَالتَّرَوِّيَ. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أَيْ: قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ، ﴿وَبَسَرَ﴾ أَيْ: كَلَحَ وَكَرِهَ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَير الشَّاعِرِ: وَقَد رَابَني مِنْهَا صُدُودٌ رَأيتُه ... وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُورُها ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ أَيْ: صُرف عَنِ الْحَقِّ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ، ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أَيْ: هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أَيْ: لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ. وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ-وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَسَأَلَهُ [[في م، أ: "يسأله".]] عَنِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ. فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا بِسَحْرٍ وَلَا بهذْي مِنَ الْجُنُونِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النفرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَا الْوَلِيدُ لتصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟ فَقَالَ: ألستُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَقَدْ [[في أ: "أوقد".]] تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟! فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَمَا يَعْلَى، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الْآيَةَ، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قَبَضَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَكَلَحَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبَّاد بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقرأ عليه الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيْ عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرض لِمَا قِبَلَهُ. قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ [[في م: "أنه".]] مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [قَالَ قَتَادَةُ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا] [[زيادة من تفسير الطبري]] حَتَّى بَلَغَ: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٨) .]] وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وفودُ الْعَرَبِ لِلْحَجِّ ليصدّوهُم عَنْهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: شَاعِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: سَاحِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَاهِنٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَجْنُونٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٨] كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ، فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أَيْ: سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وَتَفْخِيمٌ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أَيْ: تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وعَصَبهم وَجُلُودَهُمْ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، قَالَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لِلْجِلْدِ، وَقَالَ أَبُو رَزين: تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَلُوحُ أَجْسَادُهُمْ عَلَيْهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أَيْ: حَرَّاقَةٌ لِلْجِلْدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أَيْ: مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ، عَظِيمٌ خَلْقُهُمْ، غَلِيظٌ خُلُقُهُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي حُرَيْثٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: "ادْعُهُمْ، أَمَا إِنِّي سَائِلُهُمْ عَنْ تُربَة الْجَنَّةِ إِنْ أَتَوْنِي، أَمَا إِنَّهَا [[في م: "إنها كأنها".]] دَرْمكة بيضاء". فجاؤوه فَسَأَلُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأَهْوَى بِأَصَابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَأَمْسَكَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: "أَخْبِرُونِي عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ". فَقَالُوا: أَخْبِرْهُمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ. فَقَالَ: كَأَنَّهَا خُبزَة بَيْضَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما إِنَّ الْخُبْزَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدّرمَك". [[ورواه البيهقي في البعث برقم (٥٠٩) من طريق مسروق بن المرزبان، عن ابن أبي زائدة به، وقال: "حديث ابن أبي مطر -أي حريث- ليس بالقوى، وحديث جابر أصح" وهو الآتي بعده.]] هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مِنْدَهْ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبدَة، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، غلبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: "بِأَيِّ شَيْءٍ؟ " قَالَ: سَأَلَتْهُمْ يَهُود هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئلوا عَمَّا لَا يَدْرُونَ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي [[في م: "قالوا لا نعلم".]] حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا؟ عليَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ، لَكِنْ سَأَلُوا [[في م، أ: "لكنهم قد سألوا".]] نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً". فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ. قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "هَكَذَا"، وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ، مَرَّتَيْنِ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرمك". فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: "الْخُبْزُ مِنَ الدَّرمك". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، به [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٧) .]] وقال هو والبزار: لَا نَعْرِفُهُ [[في م: "لا يعرف".]] إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَقَصَّ الدَّرْمَكَ فَقَطْ. [[المسند (٣/٣٦١) .]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) ﴾ . يقول تعالى ذكره: إن هذا الذي خلقته وحيدا، فكَّر فيما أنزل على عبده محمد ﷺ من القرآن، وقدّر فيما يقول فيه ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ يقول: ثم لعن كيف قدّر النازل فيه ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ يقول: ثم روّى في ذلك ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ يقول: ثم قبض ما بين عينيه ﴿وَبَسَرَ﴾ يقول: كلح وجهه؛ ومنه قول توبة بن الحُمَيِّر: وَقَدْ رَابَنِي مِنْها صُدُودٌ رأيتُهُ ... وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها [[تقدم إليه بشيء: أمره بفعله أو إتيانه.]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت الأخبار عن الوحيد أنه فعل. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر عن عباد بن منصور، عن عكرِمة، أن الوليد بن المُغيرة جاء إلى النبي ﷺ، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فقال: أي عمّ إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا قال: لِمَ؟ قال: يعطونكه فإنك أتيت محمدا تتعرّض لما قِبَله، قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالا قال: فقل فيه قولا يعلم قومك أنَّك مُنكر لما قال، وأنك كاره له؛ قال: فما أقول فيه، فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه مني، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو ولا يعلى، قال: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر فيه؛ فلما فكَّر قال: هذا سحر يأثره عن غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ قال قتادة: خرج من بطن أمه وحيدا، فنزلت هذه الآية حتى بلغ تسعة عشر. ⁕ حدثني محمد بن سعيد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ... ﴾ إلى ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قُحافة رضي الله عنه، يسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجبا لما يقول ابن أبي كبشة، فو الله ما هو بشعر، ولا بسحر، ولا بهذي من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله، فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا وقالوا: والله لئن صبأ الوليد لتصبأنّ قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل قال: أنا والله أكفيكم شأنه، فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال للوليد: ألم تر قومك قد جمعوا لك الصدقة قال: ألستُ أكثرهم مالا وولدا؟ فقال له أبو جهل: يتحدّثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قُحافة لتصيب من طعامه، قال الوليد: أقد تحدثت به عشيرتي، فلا يقصر عن سائر بني قُصيّ، لا أقرب أبا بكر ولا عمر ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر، فأنزل الله على نبيه ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ... ﴾ إلى ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ ، زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال هذا الرجل، فإذا هو ليس له بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وَما يعلى، وما أشكّ أنه سحر، فأنزل الله فيه: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ... ﴾ الآية ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ : قبض ما بين عينيه وكلح. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ قال: الوليد بن المغيرة يوم دار الندوة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ يعني الوليد بن المغيرة، دعاه نبي الله ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر، ففكر ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ فجعل الله له سقر. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا ... ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: هذا الوليد بن المغيرة قال: سأبتار لكم هذا الرجل الليلة، فأتى النبيّ ﷺ، فوجده قائما يصلي ويقترئ، وأتاهم فقالوا: مه، قال: سمعت قولا حلوا أخضر مثمرا يأخذ بالقلوب، فقالوا: هو شعر، فقال: لا والله ما هو بالشعر، ليس أحد أعلم بالشعر مني، أليس قد عَرضت عليّ الشعراء شعرهم نابغة وفلان وفلان؟ قالوا: فهو كاهن، فقال: لا والله ما هو بكاهن، قد عرضت عليّ الكهانة، قالوا: فهذا سحر الأوّلين اكتتبه، قال: لا أدري إن كان شيئا فعسى هو إذا سحر يؤثر، فقرأ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ قال: قتل كيف قدّر حين قال: ليس بشعر، ثم قتل كيف قدّر حين قال: ليس بكهانة. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم ولى عن الإيمان والتصديق بما أنزل الله من كتابه، واستكبر عن الإقرار بالحق ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأثره عن غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأخذه عن غيره. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي رزين ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأثره عن غيره. * * وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الوحيد في القرآن ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول البشر، يقول: ما هو إلا كلام ابن آدم، وما هو بكلام الله.

Al-Mukhtasar (français)

Ensuite, il reconsidéra ce qu’il dit et y repensa.

22

ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ

Et il s'est renfrogné et a durci son visage.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَبَدَّلَهَا كُفْرًا، وَقَابَلَهَا بِالْجُحُودِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهَا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ. وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نعَمه حَيْثُ قَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أَيْ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللَّهُ، ﴿مَالا مَمْدُودًا﴾ أَيْ: وَاسِعًا كَثِيرًا قِيلَ: أَلْفُ دِينَارٍ. وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: أَرْضًا يَسْتَغِلُّهَا. وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ لَهُ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَغِيبُونَ، أَيْ: حُضُورًا عِنْدَهُ لَا يُسَافِرُونَ فِي التِّجَارَاتِ، بَلْ مَواليهم وَأُجَرَاؤُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ، يَتَمَتَّعُ بِهِمْ ويتَمَلَّى بِهِمْ. وَكَانُوا -فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ-ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا عَشْرَةً. وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ [وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ] . [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أَيْ: مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أَيْ: مُعَانِدًا، وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ. قَالَ اللَّهُ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سعيد، عن رسول الله ﷺ قَالَ: "وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، والصَّعُود: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، بِهِ [[المسند (٣/٧٥) ، وسنن الترمذي برقم (٣١٦٤) .]] ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعة عَنْ دَرَّاجٍ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) .]] وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ [[في م: "البصري".]] -قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجاب، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهَنِيّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ: "هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠٩) "مجمع البحرين" من طريق منجاب بن الحارث به مرفوعًا. وقال الطبراني: "لم يرفع هذا الحديث عن عمار الدهني إلا شريك، ورواه سفيان بن عيينة عن عمار الدهني فوافقه".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ [[في م: "وقال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: صَعُودٌ: صَخْرَةٌ [فِي جَهَنَّمَ] [[زيادة من م.]] عَظِيمَةٌ يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَعُودًا: صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أَيْ: مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا، أَيْ: قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ؛ لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، أَيْ: تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئل عَنِ الْقُرْآنِ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ، ﴿وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: تَرَوَّى، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أَيْ: أَعَادَ النَّظْرَةَ [[في م: "النظر".]] وَالتَّرَوِّيَ. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أَيْ: قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ، ﴿وَبَسَرَ﴾ أَيْ: كَلَحَ وَكَرِهَ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَير الشَّاعِرِ: وَقَد رَابَني مِنْهَا صُدُودٌ رَأيتُه ... وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُورُها ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ أَيْ: صُرف عَنِ الْحَقِّ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ، ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أَيْ: هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أَيْ: لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ. وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ-وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَسَأَلَهُ [[في م، أ: "يسأله".]] عَنِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ. فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا بِسَحْرٍ وَلَا بهذْي مِنَ الْجُنُونِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النفرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَا الْوَلِيدُ لتصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟ فَقَالَ: ألستُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَقَدْ [[في أ: "أوقد".]] تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟! فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَمَا يَعْلَى، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الْآيَةَ، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قَبَضَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَكَلَحَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبَّاد بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقرأ عليه الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيْ عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرض لِمَا قِبَلَهُ. قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ [[في م: "أنه".]] مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [قَالَ قَتَادَةُ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا] [[زيادة من تفسير الطبري]] حَتَّى بَلَغَ: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٨) .]] وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وفودُ الْعَرَبِ لِلْحَجِّ ليصدّوهُم عَنْهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: شَاعِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: سَاحِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَاهِنٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَجْنُونٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٨] كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ، فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أَيْ: سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وَتَفْخِيمٌ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أَيْ: تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وعَصَبهم وَجُلُودَهُمْ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، قَالَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لِلْجِلْدِ، وَقَالَ أَبُو رَزين: تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَلُوحُ أَجْسَادُهُمْ عَلَيْهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أَيْ: حَرَّاقَةٌ لِلْجِلْدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أَيْ: مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ، عَظِيمٌ خَلْقُهُمْ، غَلِيظٌ خُلُقُهُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي حُرَيْثٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: "ادْعُهُمْ، أَمَا إِنِّي سَائِلُهُمْ عَنْ تُربَة الْجَنَّةِ إِنْ أَتَوْنِي، أَمَا إِنَّهَا [[في م: "إنها كأنها".]] دَرْمكة بيضاء". فجاؤوه فَسَأَلُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأَهْوَى بِأَصَابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَأَمْسَكَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: "أَخْبِرُونِي عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ". فَقَالُوا: أَخْبِرْهُمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ. فَقَالَ: كَأَنَّهَا خُبزَة بَيْضَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما إِنَّ الْخُبْزَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدّرمَك". [[ورواه البيهقي في البعث برقم (٥٠٩) من طريق مسروق بن المرزبان، عن ابن أبي زائدة به، وقال: "حديث ابن أبي مطر -أي حريث- ليس بالقوى، وحديث جابر أصح" وهو الآتي بعده.]] هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مِنْدَهْ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبدَة، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، غلبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: "بِأَيِّ شَيْءٍ؟ " قَالَ: سَأَلَتْهُمْ يَهُود هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئلوا عَمَّا لَا يَدْرُونَ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي [[في م: "قالوا لا نعلم".]] حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا؟ عليَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ، لَكِنْ سَأَلُوا [[في م، أ: "لكنهم قد سألوا".]] نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً". فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ. قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "هَكَذَا"، وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ، مَرَّتَيْنِ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرمك". فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: "الْخُبْزُ مِنَ الدَّرمك". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، به [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٧) .]] وقال هو والبزار: لَا نَعْرِفُهُ [[في م: "لا يعرف".]] إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَقَصَّ الدَّرْمَكَ فَقَطْ. [[المسند (٣/٣٦١) .]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) ﴾ . يقول تعالى ذكره: إن هذا الذي خلقته وحيدا، فكَّر فيما أنزل على عبده محمد ﷺ من القرآن، وقدّر فيما يقول فيه ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ يقول: ثم لعن كيف قدّر النازل فيه ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ يقول: ثم روّى في ذلك ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ يقول: ثم قبض ما بين عينيه ﴿وَبَسَرَ﴾ يقول: كلح وجهه؛ ومنه قول توبة بن الحُمَيِّر: وَقَدْ رَابَنِي مِنْها صُدُودٌ رأيتُهُ ... وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها [[تقدم إليه بشيء: أمره بفعله أو إتيانه.]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت الأخبار عن الوحيد أنه فعل. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر عن عباد بن منصور، عن عكرِمة، أن الوليد بن المُغيرة جاء إلى النبي ﷺ، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فقال: أي عمّ إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا قال: لِمَ؟ قال: يعطونكه فإنك أتيت محمدا تتعرّض لما قِبَله، قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالا قال: فقل فيه قولا يعلم قومك أنَّك مُنكر لما قال، وأنك كاره له؛ قال: فما أقول فيه، فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه مني، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو ولا يعلى، قال: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر فيه؛ فلما فكَّر قال: هذا سحر يأثره عن غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ قال قتادة: خرج من بطن أمه وحيدا، فنزلت هذه الآية حتى بلغ تسعة عشر. ⁕ حدثني محمد بن سعيد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ... ﴾ إلى ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قُحافة رضي الله عنه، يسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجبا لما يقول ابن أبي كبشة، فو الله ما هو بشعر، ولا بسحر، ولا بهذي من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله، فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا وقالوا: والله لئن صبأ الوليد لتصبأنّ قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل قال: أنا والله أكفيكم شأنه، فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال للوليد: ألم تر قومك قد جمعوا لك الصدقة قال: ألستُ أكثرهم مالا وولدا؟ فقال له أبو جهل: يتحدّثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قُحافة لتصيب من طعامه، قال الوليد: أقد تحدثت به عشيرتي، فلا يقصر عن سائر بني قُصيّ، لا أقرب أبا بكر ولا عمر ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر، فأنزل الله على نبيه ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ... ﴾ إلى ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ ، زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال هذا الرجل، فإذا هو ليس له بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وَما يعلى، وما أشكّ أنه سحر، فأنزل الله فيه: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ... ﴾ الآية ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ : قبض ما بين عينيه وكلح. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ قال: الوليد بن المغيرة يوم دار الندوة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ يعني الوليد بن المغيرة، دعاه نبي الله ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر، ففكر ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ فجعل الله له سقر. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا ... ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: هذا الوليد بن المغيرة قال: سأبتار لكم هذا الرجل الليلة، فأتى النبيّ ﷺ، فوجده قائما يصلي ويقترئ، وأتاهم فقالوا: مه، قال: سمعت قولا حلوا أخضر مثمرا يأخذ بالقلوب، فقالوا: هو شعر، فقال: لا والله ما هو بالشعر، ليس أحد أعلم بالشعر مني، أليس قد عَرضت عليّ الشعراء شعرهم نابغة وفلان وفلان؟ قالوا: فهو كاهن، فقال: لا والله ما هو بكاهن، قد عرضت عليّ الكهانة، قالوا: فهذا سحر الأوّلين اكتتبه، قال: لا أدري إن كان شيئا فعسى هو إذا سحر يؤثر، فقرأ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ قال: قتل كيف قدّر حين قال: ليس بشعر، ثم قتل كيف قدّر حين قال: ليس بكهانة. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم ولى عن الإيمان والتصديق بما أنزل الله من كتابه، واستكبر عن الإقرار بالحق ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأثره عن غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأخذه عن غيره. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي رزين ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأثره عن غيره. * * وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الوحيد في القرآن ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول البشر، يقول: ما هو إلا كلام ابن آدم، وما هو بكلام الله.

Al-Mukhtasar (français)

Ne trouvant rien à dire de plus pour porter atteinte au Coran, il se renfrogna et son visage s’assombrit.

23

ثُمَّ أَدْبَرَ وَٱسْتَكْبَرَ

Ensuite il a tourné le dos et s'est enflé d'orgueil

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَبَدَّلَهَا كُفْرًا، وَقَابَلَهَا بِالْجُحُودِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهَا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ. وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نعَمه حَيْثُ قَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أَيْ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللَّهُ، ﴿مَالا مَمْدُودًا﴾ أَيْ: وَاسِعًا كَثِيرًا قِيلَ: أَلْفُ دِينَارٍ. وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: أَرْضًا يَسْتَغِلُّهَا. وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ لَهُ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَغِيبُونَ، أَيْ: حُضُورًا عِنْدَهُ لَا يُسَافِرُونَ فِي التِّجَارَاتِ، بَلْ مَواليهم وَأُجَرَاؤُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ، يَتَمَتَّعُ بِهِمْ ويتَمَلَّى بِهِمْ. وَكَانُوا -فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ-ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا عَشْرَةً. وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ [وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ] . [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أَيْ: مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أَيْ: مُعَانِدًا، وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ. قَالَ اللَّهُ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سعيد، عن رسول الله ﷺ قَالَ: "وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، والصَّعُود: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، بِهِ [[المسند (٣/٧٥) ، وسنن الترمذي برقم (٣١٦٤) .]] ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعة عَنْ دَرَّاجٍ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) .]] وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ [[في م: "البصري".]] -قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجاب، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهَنِيّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ: "هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠٩) "مجمع البحرين" من طريق منجاب بن الحارث به مرفوعًا. وقال الطبراني: "لم يرفع هذا الحديث عن عمار الدهني إلا شريك، ورواه سفيان بن عيينة عن عمار الدهني فوافقه".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ [[في م: "وقال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: صَعُودٌ: صَخْرَةٌ [فِي جَهَنَّمَ] [[زيادة من م.]] عَظِيمَةٌ يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَعُودًا: صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أَيْ: مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا، أَيْ: قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ؛ لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، أَيْ: تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئل عَنِ الْقُرْآنِ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ، ﴿وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: تَرَوَّى، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أَيْ: أَعَادَ النَّظْرَةَ [[في م: "النظر".]] وَالتَّرَوِّيَ. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أَيْ: قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ، ﴿وَبَسَرَ﴾ أَيْ: كَلَحَ وَكَرِهَ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَير الشَّاعِرِ: وَقَد رَابَني مِنْهَا صُدُودٌ رَأيتُه ... وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُورُها ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ أَيْ: صُرف عَنِ الْحَقِّ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ، ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أَيْ: هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أَيْ: لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ. وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ-وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَسَأَلَهُ [[في م، أ: "يسأله".]] عَنِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ. فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا بِسَحْرٍ وَلَا بهذْي مِنَ الْجُنُونِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النفرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَا الْوَلِيدُ لتصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟ فَقَالَ: ألستُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَقَدْ [[في أ: "أوقد".]] تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟! فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَمَا يَعْلَى، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الْآيَةَ، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قَبَضَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَكَلَحَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبَّاد بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقرأ عليه الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيْ عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرض لِمَا قِبَلَهُ. قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ [[في م: "أنه".]] مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [قَالَ قَتَادَةُ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا] [[زيادة من تفسير الطبري]] حَتَّى بَلَغَ: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٨) .]] وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وفودُ الْعَرَبِ لِلْحَجِّ ليصدّوهُم عَنْهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: شَاعِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: سَاحِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَاهِنٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَجْنُونٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٨] كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ، فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أَيْ: سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وَتَفْخِيمٌ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أَيْ: تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وعَصَبهم وَجُلُودَهُمْ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، قَالَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لِلْجِلْدِ، وَقَالَ أَبُو رَزين: تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَلُوحُ أَجْسَادُهُمْ عَلَيْهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أَيْ: حَرَّاقَةٌ لِلْجِلْدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أَيْ: مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ، عَظِيمٌ خَلْقُهُمْ، غَلِيظٌ خُلُقُهُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي حُرَيْثٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: "ادْعُهُمْ، أَمَا إِنِّي سَائِلُهُمْ عَنْ تُربَة الْجَنَّةِ إِنْ أَتَوْنِي، أَمَا إِنَّهَا [[في م: "إنها كأنها".]] دَرْمكة بيضاء". فجاؤوه فَسَأَلُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأَهْوَى بِأَصَابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَأَمْسَكَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: "أَخْبِرُونِي عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ". فَقَالُوا: أَخْبِرْهُمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ. فَقَالَ: كَأَنَّهَا خُبزَة بَيْضَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما إِنَّ الْخُبْزَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدّرمَك". [[ورواه البيهقي في البعث برقم (٥٠٩) من طريق مسروق بن المرزبان، عن ابن أبي زائدة به، وقال: "حديث ابن أبي مطر -أي حريث- ليس بالقوى، وحديث جابر أصح" وهو الآتي بعده.]] هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مِنْدَهْ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبدَة، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، غلبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: "بِأَيِّ شَيْءٍ؟ " قَالَ: سَأَلَتْهُمْ يَهُود هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئلوا عَمَّا لَا يَدْرُونَ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي [[في م: "قالوا لا نعلم".]] حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا؟ عليَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ، لَكِنْ سَأَلُوا [[في م، أ: "لكنهم قد سألوا".]] نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً". فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ. قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "هَكَذَا"، وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ، مَرَّتَيْنِ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرمك". فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: "الْخُبْزُ مِنَ الدَّرمك". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، به [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٧) .]] وقال هو والبزار: لَا نَعْرِفُهُ [[في م: "لا يعرف".]] إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَقَصَّ الدَّرْمَكَ فَقَطْ. [[المسند (٣/٣٦١) .]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) ﴾ . يقول تعالى ذكره: إن هذا الذي خلقته وحيدا، فكَّر فيما أنزل على عبده محمد ﷺ من القرآن، وقدّر فيما يقول فيه ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ يقول: ثم لعن كيف قدّر النازل فيه ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ يقول: ثم روّى في ذلك ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ يقول: ثم قبض ما بين عينيه ﴿وَبَسَرَ﴾ يقول: كلح وجهه؛ ومنه قول توبة بن الحُمَيِّر: وَقَدْ رَابَنِي مِنْها صُدُودٌ رأيتُهُ ... وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها [[تقدم إليه بشيء: أمره بفعله أو إتيانه.]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت الأخبار عن الوحيد أنه فعل. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر عن عباد بن منصور، عن عكرِمة، أن الوليد بن المُغيرة جاء إلى النبي ﷺ، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فقال: أي عمّ إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا قال: لِمَ؟ قال: يعطونكه فإنك أتيت محمدا تتعرّض لما قِبَله، قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالا قال: فقل فيه قولا يعلم قومك أنَّك مُنكر لما قال، وأنك كاره له؛ قال: فما أقول فيه، فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه مني، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو ولا يعلى، قال: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر فيه؛ فلما فكَّر قال: هذا سحر يأثره عن غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ قال قتادة: خرج من بطن أمه وحيدا، فنزلت هذه الآية حتى بلغ تسعة عشر. ⁕ حدثني محمد بن سعيد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ... ﴾ إلى ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قُحافة رضي الله عنه، يسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجبا لما يقول ابن أبي كبشة، فو الله ما هو بشعر، ولا بسحر، ولا بهذي من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله، فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا وقالوا: والله لئن صبأ الوليد لتصبأنّ قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل قال: أنا والله أكفيكم شأنه، فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال للوليد: ألم تر قومك قد جمعوا لك الصدقة قال: ألستُ أكثرهم مالا وولدا؟ فقال له أبو جهل: يتحدّثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قُحافة لتصيب من طعامه، قال الوليد: أقد تحدثت به عشيرتي، فلا يقصر عن سائر بني قُصيّ، لا أقرب أبا بكر ولا عمر ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر، فأنزل الله على نبيه ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ... ﴾ إلى ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ ، زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال هذا الرجل، فإذا هو ليس له بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وَما يعلى، وما أشكّ أنه سحر، فأنزل الله فيه: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ... ﴾ الآية ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ : قبض ما بين عينيه وكلح. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ قال: الوليد بن المغيرة يوم دار الندوة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ يعني الوليد بن المغيرة، دعاه نبي الله ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر، ففكر ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ فجعل الله له سقر. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا ... ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: هذا الوليد بن المغيرة قال: سأبتار لكم هذا الرجل الليلة، فأتى النبيّ ﷺ، فوجده قائما يصلي ويقترئ، وأتاهم فقالوا: مه، قال: سمعت قولا حلوا أخضر مثمرا يأخذ بالقلوب، فقالوا: هو شعر، فقال: لا والله ما هو بالشعر، ليس أحد أعلم بالشعر مني، أليس قد عَرضت عليّ الشعراء شعرهم نابغة وفلان وفلان؟ قالوا: فهو كاهن، فقال: لا والله ما هو بكاهن، قد عرضت عليّ الكهانة، قالوا: فهذا سحر الأوّلين اكتتبه، قال: لا أدري إن كان شيئا فعسى هو إذا سحر يؤثر، فقرأ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ قال: قتل كيف قدّر حين قال: ليس بشعر، ثم قتل كيف قدّر حين قال: ليس بكهانة. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم ولى عن الإيمان والتصديق بما أنزل الله من كتابه، واستكبر عن الإقرار بالحق ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأثره عن غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأخذه عن غيره. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي رزين ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأثره عن غيره. * * وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الوحيد في القرآن ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول البشر، يقول: ما هو إلا كلام ابن آدم، وما هو بكلام الله.

Al-Mukhtasar (français)

Ensuite, il refusa d’avoir la foi et dédaigna suivre le Prophète

24

فَقَالَ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ يُؤْثَرُ

Puis il a dit: «Ceci (le Coran) n'est que magie apprise

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَبَدَّلَهَا كُفْرًا، وَقَابَلَهَا بِالْجُحُودِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهَا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ. وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نعَمه حَيْثُ قَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أَيْ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللَّهُ، ﴿مَالا مَمْدُودًا﴾ أَيْ: وَاسِعًا كَثِيرًا قِيلَ: أَلْفُ دِينَارٍ. وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: أَرْضًا يَسْتَغِلُّهَا. وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ لَهُ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَغِيبُونَ، أَيْ: حُضُورًا عِنْدَهُ لَا يُسَافِرُونَ فِي التِّجَارَاتِ، بَلْ مَواليهم وَأُجَرَاؤُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ، يَتَمَتَّعُ بِهِمْ ويتَمَلَّى بِهِمْ. وَكَانُوا -فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ-ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا عَشْرَةً. وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ [وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ] . [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أَيْ: مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أَيْ: مُعَانِدًا، وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ. قَالَ اللَّهُ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سعيد، عن رسول الله ﷺ قَالَ: "وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، والصَّعُود: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، بِهِ [[المسند (٣/٧٥) ، وسنن الترمذي برقم (٣١٦٤) .]] ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعة عَنْ دَرَّاجٍ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) .]] وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ [[في م: "البصري".]] -قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجاب، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهَنِيّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ: "هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠٩) "مجمع البحرين" من طريق منجاب بن الحارث به مرفوعًا. وقال الطبراني: "لم يرفع هذا الحديث عن عمار الدهني إلا شريك، ورواه سفيان بن عيينة عن عمار الدهني فوافقه".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ [[في م: "وقال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: صَعُودٌ: صَخْرَةٌ [فِي جَهَنَّمَ] [[زيادة من م.]] عَظِيمَةٌ يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَعُودًا: صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أَيْ: مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا، أَيْ: قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ؛ لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، أَيْ: تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئل عَنِ الْقُرْآنِ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ، ﴿وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: تَرَوَّى، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أَيْ: أَعَادَ النَّظْرَةَ [[في م: "النظر".]] وَالتَّرَوِّيَ. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أَيْ: قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ، ﴿وَبَسَرَ﴾ أَيْ: كَلَحَ وَكَرِهَ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَير الشَّاعِرِ: وَقَد رَابَني مِنْهَا صُدُودٌ رَأيتُه ... وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُورُها ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ أَيْ: صُرف عَنِ الْحَقِّ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ، ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أَيْ: هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أَيْ: لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ. وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ-وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَسَأَلَهُ [[في م، أ: "يسأله".]] عَنِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ. فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا بِسَحْرٍ وَلَا بهذْي مِنَ الْجُنُونِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النفرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَا الْوَلِيدُ لتصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟ فَقَالَ: ألستُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَقَدْ [[في أ: "أوقد".]] تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟! فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَمَا يَعْلَى، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الْآيَةَ، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قَبَضَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَكَلَحَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبَّاد بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقرأ عليه الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيْ عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرض لِمَا قِبَلَهُ. قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ [[في م: "أنه".]] مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [قَالَ قَتَادَةُ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا] [[زيادة من تفسير الطبري]] حَتَّى بَلَغَ: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٨) .]] وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وفودُ الْعَرَبِ لِلْحَجِّ ليصدّوهُم عَنْهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: شَاعِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: سَاحِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَاهِنٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَجْنُونٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٨] كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ، فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أَيْ: سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وَتَفْخِيمٌ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أَيْ: تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وعَصَبهم وَجُلُودَهُمْ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، قَالَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لِلْجِلْدِ، وَقَالَ أَبُو رَزين: تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَلُوحُ أَجْسَادُهُمْ عَلَيْهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أَيْ: حَرَّاقَةٌ لِلْجِلْدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أَيْ: مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ، عَظِيمٌ خَلْقُهُمْ، غَلِيظٌ خُلُقُهُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي حُرَيْثٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: "ادْعُهُمْ، أَمَا إِنِّي سَائِلُهُمْ عَنْ تُربَة الْجَنَّةِ إِنْ أَتَوْنِي، أَمَا إِنَّهَا [[في م: "إنها كأنها".]] دَرْمكة بيضاء". فجاؤوه فَسَأَلُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأَهْوَى بِأَصَابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَأَمْسَكَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: "أَخْبِرُونِي عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ". فَقَالُوا: أَخْبِرْهُمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ. فَقَالَ: كَأَنَّهَا خُبزَة بَيْضَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما إِنَّ الْخُبْزَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدّرمَك". [[ورواه البيهقي في البعث برقم (٥٠٩) من طريق مسروق بن المرزبان، عن ابن أبي زائدة به، وقال: "حديث ابن أبي مطر -أي حريث- ليس بالقوى، وحديث جابر أصح" وهو الآتي بعده.]] هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مِنْدَهْ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبدَة، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، غلبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: "بِأَيِّ شَيْءٍ؟ " قَالَ: سَأَلَتْهُمْ يَهُود هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئلوا عَمَّا لَا يَدْرُونَ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي [[في م: "قالوا لا نعلم".]] حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا؟ عليَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ، لَكِنْ سَأَلُوا [[في م، أ: "لكنهم قد سألوا".]] نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً". فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ. قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "هَكَذَا"، وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ، مَرَّتَيْنِ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرمك". فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: "الْخُبْزُ مِنَ الدَّرمك". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، به [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٧) .]] وقال هو والبزار: لَا نَعْرِفُهُ [[في م: "لا يعرف".]] إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَقَصَّ الدَّرْمَكَ فَقَطْ. [[المسند (٣/٣٦١) .]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) ﴾ . يقول تعالى ذكره: إن هذا الذي خلقته وحيدا، فكَّر فيما أنزل على عبده محمد ﷺ من القرآن، وقدّر فيما يقول فيه ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ يقول: ثم لعن كيف قدّر النازل فيه ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ يقول: ثم روّى في ذلك ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ يقول: ثم قبض ما بين عينيه ﴿وَبَسَرَ﴾ يقول: كلح وجهه؛ ومنه قول توبة بن الحُمَيِّر: وَقَدْ رَابَنِي مِنْها صُدُودٌ رأيتُهُ ... وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها [[تقدم إليه بشيء: أمره بفعله أو إتيانه.]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت الأخبار عن الوحيد أنه فعل. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر عن عباد بن منصور، عن عكرِمة، أن الوليد بن المُغيرة جاء إلى النبي ﷺ، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فقال: أي عمّ إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا قال: لِمَ؟ قال: يعطونكه فإنك أتيت محمدا تتعرّض لما قِبَله، قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالا قال: فقل فيه قولا يعلم قومك أنَّك مُنكر لما قال، وأنك كاره له؛ قال: فما أقول فيه، فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه مني، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو ولا يعلى، قال: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر فيه؛ فلما فكَّر قال: هذا سحر يأثره عن غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ قال قتادة: خرج من بطن أمه وحيدا، فنزلت هذه الآية حتى بلغ تسعة عشر. ⁕ حدثني محمد بن سعيد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ... ﴾ إلى ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قُحافة رضي الله عنه، يسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجبا لما يقول ابن أبي كبشة، فو الله ما هو بشعر، ولا بسحر، ولا بهذي من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله، فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا وقالوا: والله لئن صبأ الوليد لتصبأنّ قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل قال: أنا والله أكفيكم شأنه، فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال للوليد: ألم تر قومك قد جمعوا لك الصدقة قال: ألستُ أكثرهم مالا وولدا؟ فقال له أبو جهل: يتحدّثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قُحافة لتصيب من طعامه، قال الوليد: أقد تحدثت به عشيرتي، فلا يقصر عن سائر بني قُصيّ، لا أقرب أبا بكر ولا عمر ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر، فأنزل الله على نبيه ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ... ﴾ إلى ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ ، زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال هذا الرجل، فإذا هو ليس له بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وَما يعلى، وما أشكّ أنه سحر، فأنزل الله فيه: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ... ﴾ الآية ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ : قبض ما بين عينيه وكلح. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ قال: الوليد بن المغيرة يوم دار الندوة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ يعني الوليد بن المغيرة، دعاه نبي الله ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر، ففكر ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ فجعل الله له سقر. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا ... ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: هذا الوليد بن المغيرة قال: سأبتار لكم هذا الرجل الليلة، فأتى النبيّ ﷺ، فوجده قائما يصلي ويقترئ، وأتاهم فقالوا: مه، قال: سمعت قولا حلوا أخضر مثمرا يأخذ بالقلوب، فقالوا: هو شعر، فقال: لا والله ما هو بالشعر، ليس أحد أعلم بالشعر مني، أليس قد عَرضت عليّ الشعراء شعرهم نابغة وفلان وفلان؟ قالوا: فهو كاهن، فقال: لا والله ما هو بكاهن، قد عرضت عليّ الكهانة، قالوا: فهذا سحر الأوّلين اكتتبه، قال: لا أدري إن كان شيئا فعسى هو إذا سحر يؤثر، فقرأ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ قال: قتل كيف قدّر حين قال: ليس بشعر، ثم قتل كيف قدّر حين قال: ليس بكهانة. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم ولى عن الإيمان والتصديق بما أنزل الله من كتابه، واستكبر عن الإقرار بالحق ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأثره عن غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأخذه عن غيره. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي رزين ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأثره عن غيره. * * وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الوحيد في القرآن ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول البشر، يقول: ما هو إلا كلام ابن آدم، وما هو بكلام الله.

Al-Mukhtasar (français)

disant: Ce qu’apporte Muħammad n’est pas la parole d’Allah

25

إِنْ هَٰذَآ إِلَّا قَوْلُ ٱلْبَشَرِ

ce n'est là que la parole d'un humain».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَبَدَّلَهَا كُفْرًا، وَقَابَلَهَا بِالْجُحُودِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهَا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ. وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نعَمه حَيْثُ قَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أَيْ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللَّهُ، ﴿مَالا مَمْدُودًا﴾ أَيْ: وَاسِعًا كَثِيرًا قِيلَ: أَلْفُ دِينَارٍ. وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: أَرْضًا يَسْتَغِلُّهَا. وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ لَهُ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَغِيبُونَ، أَيْ: حُضُورًا عِنْدَهُ لَا يُسَافِرُونَ فِي التِّجَارَاتِ، بَلْ مَواليهم وَأُجَرَاؤُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ، يَتَمَتَّعُ بِهِمْ ويتَمَلَّى بِهِمْ. وَكَانُوا -فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ-ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا عَشْرَةً. وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ [وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ] . [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أَيْ: مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أَيْ: مُعَانِدًا، وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ. قَالَ اللَّهُ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سعيد، عن رسول الله ﷺ قَالَ: "وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، والصَّعُود: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، بِهِ [[المسند (٣/٧٥) ، وسنن الترمذي برقم (٣١٦٤) .]] ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعة عَنْ دَرَّاجٍ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) .]] وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ [[في م: "البصري".]] -قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجاب، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهَنِيّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ: "هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠٩) "مجمع البحرين" من طريق منجاب بن الحارث به مرفوعًا. وقال الطبراني: "لم يرفع هذا الحديث عن عمار الدهني إلا شريك، ورواه سفيان بن عيينة عن عمار الدهني فوافقه".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ [[في م: "وقال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: صَعُودٌ: صَخْرَةٌ [فِي جَهَنَّمَ] [[زيادة من م.]] عَظِيمَةٌ يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَعُودًا: صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أَيْ: مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا، أَيْ: قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ؛ لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، أَيْ: تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئل عَنِ الْقُرْآنِ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ، ﴿وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: تَرَوَّى، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أَيْ: أَعَادَ النَّظْرَةَ [[في م: "النظر".]] وَالتَّرَوِّيَ. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أَيْ: قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ، ﴿وَبَسَرَ﴾ أَيْ: كَلَحَ وَكَرِهَ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَير الشَّاعِرِ: وَقَد رَابَني مِنْهَا صُدُودٌ رَأيتُه ... وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُورُها ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ أَيْ: صُرف عَنِ الْحَقِّ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ، ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أَيْ: هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أَيْ: لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ. وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ-وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَسَأَلَهُ [[في م، أ: "يسأله".]] عَنِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ. فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا بِسَحْرٍ وَلَا بهذْي مِنَ الْجُنُونِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النفرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَا الْوَلِيدُ لتصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟ فَقَالَ: ألستُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَقَدْ [[في أ: "أوقد".]] تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟! فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَمَا يَعْلَى، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الْآيَةَ، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قَبَضَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَكَلَحَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبَّاد بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقرأ عليه الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيْ عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرض لِمَا قِبَلَهُ. قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ [[في م: "أنه".]] مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [قَالَ قَتَادَةُ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا] [[زيادة من تفسير الطبري]] حَتَّى بَلَغَ: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٨) .]] وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وفودُ الْعَرَبِ لِلْحَجِّ ليصدّوهُم عَنْهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: شَاعِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: سَاحِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَاهِنٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَجْنُونٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٨] كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ، فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أَيْ: سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وَتَفْخِيمٌ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أَيْ: تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وعَصَبهم وَجُلُودَهُمْ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، قَالَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لِلْجِلْدِ، وَقَالَ أَبُو رَزين: تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَلُوحُ أَجْسَادُهُمْ عَلَيْهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أَيْ: حَرَّاقَةٌ لِلْجِلْدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أَيْ: مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ، عَظِيمٌ خَلْقُهُمْ، غَلِيظٌ خُلُقُهُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي حُرَيْثٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: "ادْعُهُمْ، أَمَا إِنِّي سَائِلُهُمْ عَنْ تُربَة الْجَنَّةِ إِنْ أَتَوْنِي، أَمَا إِنَّهَا [[في م: "إنها كأنها".]] دَرْمكة بيضاء". فجاؤوه فَسَأَلُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأَهْوَى بِأَصَابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَأَمْسَكَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: "أَخْبِرُونِي عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ". فَقَالُوا: أَخْبِرْهُمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ. فَقَالَ: كَأَنَّهَا خُبزَة بَيْضَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما إِنَّ الْخُبْزَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدّرمَك". [[ورواه البيهقي في البعث برقم (٥٠٩) من طريق مسروق بن المرزبان، عن ابن أبي زائدة به، وقال: "حديث ابن أبي مطر -أي حريث- ليس بالقوى، وحديث جابر أصح" وهو الآتي بعده.]] هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مِنْدَهْ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبدَة، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، غلبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: "بِأَيِّ شَيْءٍ؟ " قَالَ: سَأَلَتْهُمْ يَهُود هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئلوا عَمَّا لَا يَدْرُونَ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي [[في م: "قالوا لا نعلم".]] حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا؟ عليَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ، لَكِنْ سَأَلُوا [[في م، أ: "لكنهم قد سألوا".]] نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً". فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ. قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "هَكَذَا"، وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ، مَرَّتَيْنِ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرمك". فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: "الْخُبْزُ مِنَ الدَّرمك". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، به [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٧) .]] وقال هو والبزار: لَا نَعْرِفُهُ [[في م: "لا يعرف".]] إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَقَصَّ الدَّرْمَكَ فَقَطْ. [[المسند (٣/٣٦١) .]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) ﴾ . يقول تعالى ذكره: إن هذا الذي خلقته وحيدا، فكَّر فيما أنزل على عبده محمد ﷺ من القرآن، وقدّر فيما يقول فيه ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ يقول: ثم لعن كيف قدّر النازل فيه ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ يقول: ثم روّى في ذلك ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ يقول: ثم قبض ما بين عينيه ﴿وَبَسَرَ﴾ يقول: كلح وجهه؛ ومنه قول توبة بن الحُمَيِّر: وَقَدْ رَابَنِي مِنْها صُدُودٌ رأيتُهُ ... وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها [[تقدم إليه بشيء: أمره بفعله أو إتيانه.]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت الأخبار عن الوحيد أنه فعل. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر عن عباد بن منصور، عن عكرِمة، أن الوليد بن المُغيرة جاء إلى النبي ﷺ، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فقال: أي عمّ إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا قال: لِمَ؟ قال: يعطونكه فإنك أتيت محمدا تتعرّض لما قِبَله، قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالا قال: فقل فيه قولا يعلم قومك أنَّك مُنكر لما قال، وأنك كاره له؛ قال: فما أقول فيه، فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه مني، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو ولا يعلى، قال: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر فيه؛ فلما فكَّر قال: هذا سحر يأثره عن غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ قال قتادة: خرج من بطن أمه وحيدا، فنزلت هذه الآية حتى بلغ تسعة عشر. ⁕ حدثني محمد بن سعيد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ... ﴾ إلى ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قُحافة رضي الله عنه، يسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجبا لما يقول ابن أبي كبشة، فو الله ما هو بشعر، ولا بسحر، ولا بهذي من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله، فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا وقالوا: والله لئن صبأ الوليد لتصبأنّ قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل قال: أنا والله أكفيكم شأنه، فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال للوليد: ألم تر قومك قد جمعوا لك الصدقة قال: ألستُ أكثرهم مالا وولدا؟ فقال له أبو جهل: يتحدّثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قُحافة لتصيب من طعامه، قال الوليد: أقد تحدثت به عشيرتي، فلا يقصر عن سائر بني قُصيّ، لا أقرب أبا بكر ولا عمر ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر، فأنزل الله على نبيه ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ... ﴾ إلى ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ ، زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال هذا الرجل، فإذا هو ليس له بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وَما يعلى، وما أشكّ أنه سحر، فأنزل الله فيه: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ... ﴾ الآية ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ : قبض ما بين عينيه وكلح. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ قال: الوليد بن المغيرة يوم دار الندوة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ يعني الوليد بن المغيرة، دعاه نبي الله ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر، ففكر ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ فجعل الله له سقر. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا ... ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: هذا الوليد بن المغيرة قال: سأبتار لكم هذا الرجل الليلة، فأتى النبيّ ﷺ، فوجده قائما يصلي ويقترئ، وأتاهم فقالوا: مه، قال: سمعت قولا حلوا أخضر مثمرا يأخذ بالقلوب، فقالوا: هو شعر، فقال: لا والله ما هو بالشعر، ليس أحد أعلم بالشعر مني، أليس قد عَرضت عليّ الشعراء شعرهم نابغة وفلان وفلان؟ قالوا: فهو كاهن، فقال: لا والله ما هو بكاهن، قد عرضت عليّ الكهانة، قالوا: فهذا سحر الأوّلين اكتتبه، قال: لا أدري إن كان شيئا فعسى هو إذا سحر يؤثر، فقرأ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ قال: قتل كيف قدّر حين قال: ليس بشعر، ثم قتل كيف قدّر حين قال: ليس بكهانة. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ يقول تعالى ذكره: ثم ولى عن الإيمان والتصديق بما أنزل الله من كتابه، واستكبر عن الإقرار بالحق ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأثره عن غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأخذه عن غيره. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي رزين ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ قال: يأثره عن غيره. * * وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الوحيد في القرآن ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول البشر، يقول: ما هو إلا كلام ابن آدم، وما هو بكلام الله.

Al-Mukhtasar (français)

mais plutôt la parole d’un être humain.

26

سَأُصْلِيهِ سَقَرَ

Je vais le brûler dans le Feu intense (Saqar).

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَبَدَّلَهَا كُفْرًا، وَقَابَلَهَا بِالْجُحُودِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهَا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ. وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نعَمه حَيْثُ قَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أَيْ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللَّهُ، ﴿مَالا مَمْدُودًا﴾ أَيْ: وَاسِعًا كَثِيرًا قِيلَ: أَلْفُ دِينَارٍ. وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: أَرْضًا يَسْتَغِلُّهَا. وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ لَهُ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَغِيبُونَ، أَيْ: حُضُورًا عِنْدَهُ لَا يُسَافِرُونَ فِي التِّجَارَاتِ، بَلْ مَواليهم وَأُجَرَاؤُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ، يَتَمَتَّعُ بِهِمْ ويتَمَلَّى بِهِمْ. وَكَانُوا -فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ-ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا عَشْرَةً. وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ [وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ] . [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أَيْ: مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أَيْ: مُعَانِدًا، وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ. قَالَ اللَّهُ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سعيد، عن رسول الله ﷺ قَالَ: "وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، والصَّعُود: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، بِهِ [[المسند (٣/٧٥) ، وسنن الترمذي برقم (٣١٦٤) .]] ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعة عَنْ دَرَّاجٍ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) .]] وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ [[في م: "البصري".]] -قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجاب، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهَنِيّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ: "هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠٩) "مجمع البحرين" من طريق منجاب بن الحارث به مرفوعًا. وقال الطبراني: "لم يرفع هذا الحديث عن عمار الدهني إلا شريك، ورواه سفيان بن عيينة عن عمار الدهني فوافقه".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ [[في م: "وقال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: صَعُودٌ: صَخْرَةٌ [فِي جَهَنَّمَ] [[زيادة من م.]] عَظِيمَةٌ يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَعُودًا: صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أَيْ: مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا، أَيْ: قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ؛ لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، أَيْ: تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئل عَنِ الْقُرْآنِ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ، ﴿وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: تَرَوَّى، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أَيْ: أَعَادَ النَّظْرَةَ [[في م: "النظر".]] وَالتَّرَوِّيَ. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أَيْ: قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ، ﴿وَبَسَرَ﴾ أَيْ: كَلَحَ وَكَرِهَ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَير الشَّاعِرِ: وَقَد رَابَني مِنْهَا صُدُودٌ رَأيتُه ... وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُورُها ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ أَيْ: صُرف عَنِ الْحَقِّ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ، ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أَيْ: هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أَيْ: لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ. وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ-وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَسَأَلَهُ [[في م، أ: "يسأله".]] عَنِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ. فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا بِسَحْرٍ وَلَا بهذْي مِنَ الْجُنُونِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النفرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَا الْوَلِيدُ لتصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟ فَقَالَ: ألستُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَقَدْ [[في أ: "أوقد".]] تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟! فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَمَا يَعْلَى، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الْآيَةَ، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قَبَضَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَكَلَحَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبَّاد بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقرأ عليه الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيْ عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرض لِمَا قِبَلَهُ. قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ [[في م: "أنه".]] مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [قَالَ قَتَادَةُ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا] [[زيادة من تفسير الطبري]] حَتَّى بَلَغَ: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٨) .]] وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وفودُ الْعَرَبِ لِلْحَجِّ ليصدّوهُم عَنْهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: شَاعِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: سَاحِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَاهِنٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَجْنُونٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٨] كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ، فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أَيْ: سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وَتَفْخِيمٌ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أَيْ: تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وعَصَبهم وَجُلُودَهُمْ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، قَالَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لِلْجِلْدِ، وَقَالَ أَبُو رَزين: تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَلُوحُ أَجْسَادُهُمْ عَلَيْهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أَيْ: حَرَّاقَةٌ لِلْجِلْدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أَيْ: مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ، عَظِيمٌ خَلْقُهُمْ، غَلِيظٌ خُلُقُهُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي حُرَيْثٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: "ادْعُهُمْ، أَمَا إِنِّي سَائِلُهُمْ عَنْ تُربَة الْجَنَّةِ إِنْ أَتَوْنِي، أَمَا إِنَّهَا [[في م: "إنها كأنها".]] دَرْمكة بيضاء". فجاؤوه فَسَأَلُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأَهْوَى بِأَصَابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَأَمْسَكَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: "أَخْبِرُونِي عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ". فَقَالُوا: أَخْبِرْهُمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ. فَقَالَ: كَأَنَّهَا خُبزَة بَيْضَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما إِنَّ الْخُبْزَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدّرمَك". [[ورواه البيهقي في البعث برقم (٥٠٩) من طريق مسروق بن المرزبان، عن ابن أبي زائدة به، وقال: "حديث ابن أبي مطر -أي حريث- ليس بالقوى، وحديث جابر أصح" وهو الآتي بعده.]] هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مِنْدَهْ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبدَة، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، غلبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: "بِأَيِّ شَيْءٍ؟ " قَالَ: سَأَلَتْهُمْ يَهُود هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئلوا عَمَّا لَا يَدْرُونَ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي [[في م: "قالوا لا نعلم".]] حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا؟ عليَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ، لَكِنْ سَأَلُوا [[في م، أ: "لكنهم قد سألوا".]] نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً". فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ. قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "هَكَذَا"، وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ، مَرَّتَيْنِ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرمك". فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: "الْخُبْزُ مِنَ الدَّرمك". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، به [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٧) .]] وقال هو والبزار: لَا نَعْرِفُهُ [[في م: "لا يعرف".]] إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَقَصَّ الدَّرْمَكَ فَقَطْ. [[المسند (٣/٣٦١) .]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) ﴾ . يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ سأورده بابا من أبواب جهنم اسمه سقر، ولم يُجرَّ سقر لأنه اسم من أسماء جهنم ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ يقول تعالى ذكره: وأيّ شيء أدراك يا محمد، أيّ شيء سقر. ثم بين الله تعالى ذكره ما سقر، فقال: هي نار ﴿لا تُبْقي﴾ من فيها حيا ﴿وَلا تَذَرُ﴾ من فيها ميتا، ولكنها تحرقهم كلما جدّد خلقهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ قال: لا تميت ولا تحيي. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو ليلى، عن مرثد، في قوله: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ قال: لا تبقي منهم شيئا أن تأكلهم، فإذا خلقوا لها لا تذرهم حتى تأخذهم فتأكلهم. * * وقوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يعني جلّ ثناؤه: مغيرة لبشر أهلها، واللّواحة من نعت سقر، وبالردّ عليها رُفعت، وحسُن الرفع فيها، وهي نكرة، وسقر معرفة، لما فيها من معنى المدح. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال: الجلد. ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن أبى رزين ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال: تلفح الجلد لفحة، فتدعه أشدّ سوادا من الليل. ⁕ حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أبي وشعيب بن الليث، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، قال: قال زيد بن أسلم ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ : أي تلوَّح أجسادهم عليها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أي حرّاقة للجلد. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يقول: تحرق بشرة الإنسان. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال: تغير البشر، تحرق البشر؛ يقال: قد لاحه استقباله السماء، ثم قال: النار تغير ألوانهم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ غيرت جلودهم فاسودّت. ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين مثله. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يعني: بشر الإنسان، يقول: تحرق بشره. ورُوي عن ابن عباس في ذلك، ما:- ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يقول: معرّضة، وأخشى أن يكون خبر عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس هذا غلطا، وأن يكون موضع معرّضة مغيرة، لكن صحَّف فيه. * * وقوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ يقول تعالى ذكره: على سقر تسعة عشر من الخزنة. وذُكر أن ذلك لما أنزل على رسول الله ﷺ، قال أبو جهل ما:- ⁕ حدثني به محمد بن سعد قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ... ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ فلما سمع أبو جهل بذلك قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزَنة النار تسعة عشر وانتم الدَّهم، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم؟ فأوحي إلى رسول الله ﷺ أن يأتي أبا جهل، فيأخذ بيده في بطحاء مكة فيقول له: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ فلما فعل ذلك به رسول الله ﷺ قال أبو جهل: والله لا تفعل أنت وربك شيئا، فأخزاه الله يوم بدر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ذُكر لنا أن أبا جهل حين أُنزلت هذه الآية قال: يا معشر قريش، ما يستطيع كلّ عشرة منكم أن يغلبوا واحدا من خزَنة النار وأنتم الدَّهم [[يقول: جعل الله ذلك سنة منه لجميع خلقه يستنون بها. فقدم قوله "منه لجميع خلقه".]] ؟ فصاحبكم يحدثكم أن عليها تسعة عشر. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال أبو جهل: يخبركم محمد أن خزَنة النار تسعة عشر، وأنتم الدَّهم ليجتمع كلّ عشرة على واحد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال: خزنتها تسعة عشر. * * وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً﴾ يقول تعالى ذكره: وما جعلنا خزَنة النار إلا ملائكة يقول لأبي جهل في قوله لقريش: أما يستطيع كلّ عشرة منكم أن تغلب منها واحدا؟ فمن ذا يغلب خزنة النار وهم الملائكة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا ابن زيد، في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً﴾ قال: ما جعلناهم رجالا فيأخذ كلّ رجل رجلا كما قال هذا. * * وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقول: وما جعلنا عدّة هؤلاء الخزنة إلا فتنة للذين كفروا بالله من مُشركي قريش. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ : إلا بلاء. وإنما جعل الله الخبر عن عدّة خزنة جهنم فتنة للذين كفروا، لتكذيبهم بذلك، وقول بعضهم لأصحابه: أنا أكفيكموهم. ذكر الخبر عمن قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال: جعلوا فتنة، قال أبو الأشدّ بن الجمحي: لا يبلغون رتوتي حتى أجهضهم عن جهنم. * * وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يقول تعالى ذكره: ليستيقن أهل التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدّة خزَنة جهنم، إذ وافق ذلك ما أنزل الله في كتابه على محمد ﷺ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ قال: وإنها في التوراة والإنجيل تسعة عشر، فأراد الله أن يستيقن أهل الكتاب، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: يجدونه مكتوبا عندهم عدّة خزَنة أهل النار. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يصدّق القرآن الكتب التي كانت قبله فيها كلها، التوراة والإنجيل أن خزنة النار تسعة عشر. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: ليستيقن أهل الكتاب حين وافق عدّة خزَنة النار ما في كتبهم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: عدّة خزَنة جهنم تسعة عشر في التوراة والإنجيل. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أنك رسول الله. * * وقوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ يقول تعالى ذكره: وليزداد الذين آمنوا بالله تصديقا إلى تصديقهم بالله وبرسوله بتصديقهم بعدّة خزنة جهنم. * * وقوله: ﴿وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ يقول: ولا يشك أهل التوراة والإنجيل في حقيقة ذلك، والمؤمنون بالله من أمة محمد ﷺ. * * وقوله: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: وليقول الذين في قلوبهم مرض النفاق، والكافرون بالله من مشركي قريش ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ : أي نفاق. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ يقول: حتى يخوّفنا بهؤلاء التسعة عشر. * * وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ يقول تعالى ذكره: كما أضل الله هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين في خبر الله عن عدّة خزنة جهنم، أيّ شيء أراد الله بهذا الخبر من المثل حتى يخوّفنا بذكر عدتهم، ويهتدي به المؤمنون، فازدادوا بتصديقهم إلى إيمانهم إيمانا ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ مِنْ خَلْقِهِ فيخذله عن إصابة الحقّ ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ منهم، فيوفقه لإصابة الصواب ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ من كثرتهم ﴿إلا هُوَ﴾ يعني: الله. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ أي: من كثرتهم. * * وقوله: ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ يقول تعالى ذكره: وما النار التي وصفتها إلا تذكرة ذكر بها البشر، وهم بنو آدم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ يعني النار. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ قال: النار.

Al-Mukhtasar (français)

Je ferai entrer ce mécréant dans un endroit de l’Enfer nommé Saqar et il y endurera la chaleur.

27

وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا سَقَرُ

Et qui te dira ce qu'est Saqar?

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَبَدَّلَهَا كُفْرًا، وَقَابَلَهَا بِالْجُحُودِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهَا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ. وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نعَمه حَيْثُ قَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أَيْ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللَّهُ، ﴿مَالا مَمْدُودًا﴾ أَيْ: وَاسِعًا كَثِيرًا قِيلَ: أَلْفُ دِينَارٍ. وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: أَرْضًا يَسْتَغِلُّهَا. وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ لَهُ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَغِيبُونَ، أَيْ: حُضُورًا عِنْدَهُ لَا يُسَافِرُونَ فِي التِّجَارَاتِ، بَلْ مَواليهم وَأُجَرَاؤُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ، يَتَمَتَّعُ بِهِمْ ويتَمَلَّى بِهِمْ. وَكَانُوا -فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ-ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا عَشْرَةً. وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ [وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ] . [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أَيْ: مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أَيْ: مُعَانِدًا، وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ. قَالَ اللَّهُ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سعيد، عن رسول الله ﷺ قَالَ: "وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، والصَّعُود: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، بِهِ [[المسند (٣/٧٥) ، وسنن الترمذي برقم (٣١٦٤) .]] ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعة عَنْ دَرَّاجٍ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) .]] وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ [[في م: "البصري".]] -قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجاب، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهَنِيّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ: "هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠٩) "مجمع البحرين" من طريق منجاب بن الحارث به مرفوعًا. وقال الطبراني: "لم يرفع هذا الحديث عن عمار الدهني إلا شريك، ورواه سفيان بن عيينة عن عمار الدهني فوافقه".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ [[في م: "وقال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: صَعُودٌ: صَخْرَةٌ [فِي جَهَنَّمَ] [[زيادة من م.]] عَظِيمَةٌ يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَعُودًا: صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أَيْ: مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا، أَيْ: قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ؛ لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، أَيْ: تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئل عَنِ الْقُرْآنِ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ، ﴿وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: تَرَوَّى، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أَيْ: أَعَادَ النَّظْرَةَ [[في م: "النظر".]] وَالتَّرَوِّيَ. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أَيْ: قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ، ﴿وَبَسَرَ﴾ أَيْ: كَلَحَ وَكَرِهَ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَير الشَّاعِرِ: وَقَد رَابَني مِنْهَا صُدُودٌ رَأيتُه ... وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُورُها ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ أَيْ: صُرف عَنِ الْحَقِّ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ، ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أَيْ: هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أَيْ: لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ. وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ-وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَسَأَلَهُ [[في م، أ: "يسأله".]] عَنِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ. فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا بِسَحْرٍ وَلَا بهذْي مِنَ الْجُنُونِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النفرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَا الْوَلِيدُ لتصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟ فَقَالَ: ألستُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَقَدْ [[في أ: "أوقد".]] تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟! فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَمَا يَعْلَى، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الْآيَةَ، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قَبَضَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَكَلَحَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبَّاد بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقرأ عليه الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيْ عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرض لِمَا قِبَلَهُ. قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ [[في م: "أنه".]] مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [قَالَ قَتَادَةُ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا] [[زيادة من تفسير الطبري]] حَتَّى بَلَغَ: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٨) .]] وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وفودُ الْعَرَبِ لِلْحَجِّ ليصدّوهُم عَنْهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: شَاعِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: سَاحِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَاهِنٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَجْنُونٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٨] كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ، فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أَيْ: سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وَتَفْخِيمٌ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أَيْ: تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وعَصَبهم وَجُلُودَهُمْ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، قَالَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لِلْجِلْدِ، وَقَالَ أَبُو رَزين: تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَلُوحُ أَجْسَادُهُمْ عَلَيْهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أَيْ: حَرَّاقَةٌ لِلْجِلْدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أَيْ: مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ، عَظِيمٌ خَلْقُهُمْ، غَلِيظٌ خُلُقُهُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي حُرَيْثٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: "ادْعُهُمْ، أَمَا إِنِّي سَائِلُهُمْ عَنْ تُربَة الْجَنَّةِ إِنْ أَتَوْنِي، أَمَا إِنَّهَا [[في م: "إنها كأنها".]] دَرْمكة بيضاء". فجاؤوه فَسَأَلُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأَهْوَى بِأَصَابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَأَمْسَكَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: "أَخْبِرُونِي عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ". فَقَالُوا: أَخْبِرْهُمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ. فَقَالَ: كَأَنَّهَا خُبزَة بَيْضَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما إِنَّ الْخُبْزَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدّرمَك". [[ورواه البيهقي في البعث برقم (٥٠٩) من طريق مسروق بن المرزبان، عن ابن أبي زائدة به، وقال: "حديث ابن أبي مطر -أي حريث- ليس بالقوى، وحديث جابر أصح" وهو الآتي بعده.]] هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مِنْدَهْ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبدَة، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، غلبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: "بِأَيِّ شَيْءٍ؟ " قَالَ: سَأَلَتْهُمْ يَهُود هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئلوا عَمَّا لَا يَدْرُونَ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي [[في م: "قالوا لا نعلم".]] حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا؟ عليَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ، لَكِنْ سَأَلُوا [[في م، أ: "لكنهم قد سألوا".]] نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً". فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ. قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "هَكَذَا"، وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ، مَرَّتَيْنِ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرمك". فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: "الْخُبْزُ مِنَ الدَّرمك". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، به [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٧) .]] وقال هو والبزار: لَا نَعْرِفُهُ [[في م: "لا يعرف".]] إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَقَصَّ الدَّرْمَكَ فَقَطْ. [[المسند (٣/٣٦١) .]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) ﴾ . يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ سأورده بابا من أبواب جهنم اسمه سقر، ولم يُجرَّ سقر لأنه اسم من أسماء جهنم ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ يقول تعالى ذكره: وأيّ شيء أدراك يا محمد، أيّ شيء سقر. ثم بين الله تعالى ذكره ما سقر، فقال: هي نار ﴿لا تُبْقي﴾ من فيها حيا ﴿وَلا تَذَرُ﴾ من فيها ميتا، ولكنها تحرقهم كلما جدّد خلقهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ قال: لا تميت ولا تحيي. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو ليلى، عن مرثد، في قوله: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ قال: لا تبقي منهم شيئا أن تأكلهم، فإذا خلقوا لها لا تذرهم حتى تأخذهم فتأكلهم. * * وقوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يعني جلّ ثناؤه: مغيرة لبشر أهلها، واللّواحة من نعت سقر، وبالردّ عليها رُفعت، وحسُن الرفع فيها، وهي نكرة، وسقر معرفة، لما فيها من معنى المدح. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال: الجلد. ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن أبى رزين ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال: تلفح الجلد لفحة، فتدعه أشدّ سوادا من الليل. ⁕ حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أبي وشعيب بن الليث، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، قال: قال زيد بن أسلم ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ : أي تلوَّح أجسادهم عليها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أي حرّاقة للجلد. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يقول: تحرق بشرة الإنسان. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال: تغير البشر، تحرق البشر؛ يقال: قد لاحه استقباله السماء، ثم قال: النار تغير ألوانهم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ غيرت جلودهم فاسودّت. ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين مثله. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يعني: بشر الإنسان، يقول: تحرق بشره. ورُوي عن ابن عباس في ذلك، ما:- ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يقول: معرّضة، وأخشى أن يكون خبر عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس هذا غلطا، وأن يكون موضع معرّضة مغيرة، لكن صحَّف فيه. * * وقوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ يقول تعالى ذكره: على سقر تسعة عشر من الخزنة. وذُكر أن ذلك لما أنزل على رسول الله ﷺ، قال أبو جهل ما:- ⁕ حدثني به محمد بن سعد قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ... ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ فلما سمع أبو جهل بذلك قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزَنة النار تسعة عشر وانتم الدَّهم، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم؟ فأوحي إلى رسول الله ﷺ أن يأتي أبا جهل، فيأخذ بيده في بطحاء مكة فيقول له: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ فلما فعل ذلك به رسول الله ﷺ قال أبو جهل: والله لا تفعل أنت وربك شيئا، فأخزاه الله يوم بدر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ذُكر لنا أن أبا جهل حين أُنزلت هذه الآية قال: يا معشر قريش، ما يستطيع كلّ عشرة منكم أن يغلبوا واحدا من خزَنة النار وأنتم الدَّهم [[يقول: جعل الله ذلك سنة منه لجميع خلقه يستنون بها. فقدم قوله "منه لجميع خلقه".]] ؟ فصاحبكم يحدثكم أن عليها تسعة عشر. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال أبو جهل: يخبركم محمد أن خزَنة النار تسعة عشر، وأنتم الدَّهم ليجتمع كلّ عشرة على واحد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال: خزنتها تسعة عشر. * * وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً﴾ يقول تعالى ذكره: وما جعلنا خزَنة النار إلا ملائكة يقول لأبي جهل في قوله لقريش: أما يستطيع كلّ عشرة منكم أن تغلب منها واحدا؟ فمن ذا يغلب خزنة النار وهم الملائكة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا ابن زيد، في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً﴾ قال: ما جعلناهم رجالا فيأخذ كلّ رجل رجلا كما قال هذا. * * وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقول: وما جعلنا عدّة هؤلاء الخزنة إلا فتنة للذين كفروا بالله من مُشركي قريش. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ : إلا بلاء. وإنما جعل الله الخبر عن عدّة خزنة جهنم فتنة للذين كفروا، لتكذيبهم بذلك، وقول بعضهم لأصحابه: أنا أكفيكموهم. ذكر الخبر عمن قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال: جعلوا فتنة، قال أبو الأشدّ بن الجمحي: لا يبلغون رتوتي حتى أجهضهم عن جهنم. * * وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يقول تعالى ذكره: ليستيقن أهل التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدّة خزَنة جهنم، إذ وافق ذلك ما أنزل الله في كتابه على محمد ﷺ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ قال: وإنها في التوراة والإنجيل تسعة عشر، فأراد الله أن يستيقن أهل الكتاب، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: يجدونه مكتوبا عندهم عدّة خزَنة أهل النار. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يصدّق القرآن الكتب التي كانت قبله فيها كلها، التوراة والإنجيل أن خزنة النار تسعة عشر. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: ليستيقن أهل الكتاب حين وافق عدّة خزَنة النار ما في كتبهم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: عدّة خزَنة جهنم تسعة عشر في التوراة والإنجيل. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أنك رسول الله. * * وقوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ يقول تعالى ذكره: وليزداد الذين آمنوا بالله تصديقا إلى تصديقهم بالله وبرسوله بتصديقهم بعدّة خزنة جهنم. * * وقوله: ﴿وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ يقول: ولا يشك أهل التوراة والإنجيل في حقيقة ذلك، والمؤمنون بالله من أمة محمد ﷺ. * * وقوله: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: وليقول الذين في قلوبهم مرض النفاق، والكافرون بالله من مشركي قريش ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ : أي نفاق. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ يقول: حتى يخوّفنا بهؤلاء التسعة عشر. * * وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ يقول تعالى ذكره: كما أضل الله هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين في خبر الله عن عدّة خزنة جهنم، أيّ شيء أراد الله بهذا الخبر من المثل حتى يخوّفنا بذكر عدتهم، ويهتدي به المؤمنون، فازدادوا بتصديقهم إلى إيمانهم إيمانا ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ مِنْ خَلْقِهِ فيخذله عن إصابة الحقّ ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ منهم، فيوفقه لإصابة الصواب ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ من كثرتهم ﴿إلا هُوَ﴾ يعني: الله. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ أي: من كثرتهم. * * وقوله: ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ يقول تعالى ذكره: وما النار التي وصفتها إلا تذكرة ذكر بها البشر، وهم بنو آدم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ يعني النار. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ قال: النار.

Al-Mukhtasar (français)

Ô Muħammad, sais-tu ce qu’est le Saqar?

28

لَا تُبْقِى وَلَا تَذَرُ

Il ne laisse rien et n'épargne rien;

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَبَدَّلَهَا كُفْرًا، وَقَابَلَهَا بِالْجُحُودِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهَا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ. وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نعَمه حَيْثُ قَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أَيْ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللَّهُ، ﴿مَالا مَمْدُودًا﴾ أَيْ: وَاسِعًا كَثِيرًا قِيلَ: أَلْفُ دِينَارٍ. وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: أَرْضًا يَسْتَغِلُّهَا. وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ لَهُ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَغِيبُونَ، أَيْ: حُضُورًا عِنْدَهُ لَا يُسَافِرُونَ فِي التِّجَارَاتِ، بَلْ مَواليهم وَأُجَرَاؤُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ، يَتَمَتَّعُ بِهِمْ ويتَمَلَّى بِهِمْ. وَكَانُوا -فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ-ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا عَشْرَةً. وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ [وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ] . [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أَيْ: مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أَيْ: مُعَانِدًا، وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ. قَالَ اللَّهُ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سعيد، عن رسول الله ﷺ قَالَ: "وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، والصَّعُود: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، بِهِ [[المسند (٣/٧٥) ، وسنن الترمذي برقم (٣١٦٤) .]] ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعة عَنْ دَرَّاجٍ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) .]] وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ [[في م: "البصري".]] -قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجاب، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهَنِيّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ: "هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠٩) "مجمع البحرين" من طريق منجاب بن الحارث به مرفوعًا. وقال الطبراني: "لم يرفع هذا الحديث عن عمار الدهني إلا شريك، ورواه سفيان بن عيينة عن عمار الدهني فوافقه".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ [[في م: "وقال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: صَعُودٌ: صَخْرَةٌ [فِي جَهَنَّمَ] [[زيادة من م.]] عَظِيمَةٌ يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَعُودًا: صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أَيْ: مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا، أَيْ: قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ؛ لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، أَيْ: تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئل عَنِ الْقُرْآنِ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ، ﴿وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: تَرَوَّى، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أَيْ: أَعَادَ النَّظْرَةَ [[في م: "النظر".]] وَالتَّرَوِّيَ. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أَيْ: قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ، ﴿وَبَسَرَ﴾ أَيْ: كَلَحَ وَكَرِهَ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَير الشَّاعِرِ: وَقَد رَابَني مِنْهَا صُدُودٌ رَأيتُه ... وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُورُها ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ أَيْ: صُرف عَنِ الْحَقِّ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ، ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أَيْ: هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أَيْ: لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ. وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ-وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَسَأَلَهُ [[في م، أ: "يسأله".]] عَنِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ. فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا بِسَحْرٍ وَلَا بهذْي مِنَ الْجُنُونِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النفرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَا الْوَلِيدُ لتصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟ فَقَالَ: ألستُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَقَدْ [[في أ: "أوقد".]] تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟! فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَمَا يَعْلَى، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الْآيَةَ، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قَبَضَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَكَلَحَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبَّاد بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقرأ عليه الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيْ عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرض لِمَا قِبَلَهُ. قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ [[في م: "أنه".]] مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [قَالَ قَتَادَةُ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا] [[زيادة من تفسير الطبري]] حَتَّى بَلَغَ: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٨) .]] وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وفودُ الْعَرَبِ لِلْحَجِّ ليصدّوهُم عَنْهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: شَاعِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: سَاحِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَاهِنٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَجْنُونٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٨] كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ، فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أَيْ: سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وَتَفْخِيمٌ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أَيْ: تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وعَصَبهم وَجُلُودَهُمْ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، قَالَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لِلْجِلْدِ، وَقَالَ أَبُو رَزين: تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَلُوحُ أَجْسَادُهُمْ عَلَيْهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أَيْ: حَرَّاقَةٌ لِلْجِلْدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أَيْ: مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ، عَظِيمٌ خَلْقُهُمْ، غَلِيظٌ خُلُقُهُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي حُرَيْثٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: "ادْعُهُمْ، أَمَا إِنِّي سَائِلُهُمْ عَنْ تُربَة الْجَنَّةِ إِنْ أَتَوْنِي، أَمَا إِنَّهَا [[في م: "إنها كأنها".]] دَرْمكة بيضاء". فجاؤوه فَسَأَلُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأَهْوَى بِأَصَابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَأَمْسَكَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: "أَخْبِرُونِي عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ". فَقَالُوا: أَخْبِرْهُمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ. فَقَالَ: كَأَنَّهَا خُبزَة بَيْضَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما إِنَّ الْخُبْزَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدّرمَك". [[ورواه البيهقي في البعث برقم (٥٠٩) من طريق مسروق بن المرزبان، عن ابن أبي زائدة به، وقال: "حديث ابن أبي مطر -أي حريث- ليس بالقوى، وحديث جابر أصح" وهو الآتي بعده.]] هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مِنْدَهْ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبدَة، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، غلبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: "بِأَيِّ شَيْءٍ؟ " قَالَ: سَأَلَتْهُمْ يَهُود هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئلوا عَمَّا لَا يَدْرُونَ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي [[في م: "قالوا لا نعلم".]] حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا؟ عليَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ، لَكِنْ سَأَلُوا [[في م، أ: "لكنهم قد سألوا".]] نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً". فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ. قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "هَكَذَا"، وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ، مَرَّتَيْنِ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرمك". فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: "الْخُبْزُ مِنَ الدَّرمك". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، به [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٧) .]] وقال هو والبزار: لَا نَعْرِفُهُ [[في م: "لا يعرف".]] إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَقَصَّ الدَّرْمَكَ فَقَطْ. [[المسند (٣/٣٦١) .]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) ﴾ . يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ سأورده بابا من أبواب جهنم اسمه سقر، ولم يُجرَّ سقر لأنه اسم من أسماء جهنم ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ يقول تعالى ذكره: وأيّ شيء أدراك يا محمد، أيّ شيء سقر. ثم بين الله تعالى ذكره ما سقر، فقال: هي نار ﴿لا تُبْقي﴾ من فيها حيا ﴿وَلا تَذَرُ﴾ من فيها ميتا، ولكنها تحرقهم كلما جدّد خلقهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ قال: لا تميت ولا تحيي. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو ليلى، عن مرثد، في قوله: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ قال: لا تبقي منهم شيئا أن تأكلهم، فإذا خلقوا لها لا تذرهم حتى تأخذهم فتأكلهم. * * وقوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يعني جلّ ثناؤه: مغيرة لبشر أهلها، واللّواحة من نعت سقر، وبالردّ عليها رُفعت، وحسُن الرفع فيها، وهي نكرة، وسقر معرفة، لما فيها من معنى المدح. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال: الجلد. ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن أبى رزين ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال: تلفح الجلد لفحة، فتدعه أشدّ سوادا من الليل. ⁕ حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أبي وشعيب بن الليث، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، قال: قال زيد بن أسلم ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ : أي تلوَّح أجسادهم عليها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أي حرّاقة للجلد. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يقول: تحرق بشرة الإنسان. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال: تغير البشر، تحرق البشر؛ يقال: قد لاحه استقباله السماء، ثم قال: النار تغير ألوانهم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ غيرت جلودهم فاسودّت. ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين مثله. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يعني: بشر الإنسان، يقول: تحرق بشره. ورُوي عن ابن عباس في ذلك، ما:- ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يقول: معرّضة، وأخشى أن يكون خبر عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس هذا غلطا، وأن يكون موضع معرّضة مغيرة، لكن صحَّف فيه. * * وقوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ يقول تعالى ذكره: على سقر تسعة عشر من الخزنة. وذُكر أن ذلك لما أنزل على رسول الله ﷺ، قال أبو جهل ما:- ⁕ حدثني به محمد بن سعد قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ... ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ فلما سمع أبو جهل بذلك قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزَنة النار تسعة عشر وانتم الدَّهم، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم؟ فأوحي إلى رسول الله ﷺ أن يأتي أبا جهل، فيأخذ بيده في بطحاء مكة فيقول له: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ فلما فعل ذلك به رسول الله ﷺ قال أبو جهل: والله لا تفعل أنت وربك شيئا، فأخزاه الله يوم بدر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ذُكر لنا أن أبا جهل حين أُنزلت هذه الآية قال: يا معشر قريش، ما يستطيع كلّ عشرة منكم أن يغلبوا واحدا من خزَنة النار وأنتم الدَّهم [[يقول: جعل الله ذلك سنة منه لجميع خلقه يستنون بها. فقدم قوله "منه لجميع خلقه".]] ؟ فصاحبكم يحدثكم أن عليها تسعة عشر. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال أبو جهل: يخبركم محمد أن خزَنة النار تسعة عشر، وأنتم الدَّهم ليجتمع كلّ عشرة على واحد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال: خزنتها تسعة عشر. * * وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً﴾ يقول تعالى ذكره: وما جعلنا خزَنة النار إلا ملائكة يقول لأبي جهل في قوله لقريش: أما يستطيع كلّ عشرة منكم أن تغلب منها واحدا؟ فمن ذا يغلب خزنة النار وهم الملائكة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا ابن زيد، في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً﴾ قال: ما جعلناهم رجالا فيأخذ كلّ رجل رجلا كما قال هذا. * * وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقول: وما جعلنا عدّة هؤلاء الخزنة إلا فتنة للذين كفروا بالله من مُشركي قريش. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ : إلا بلاء. وإنما جعل الله الخبر عن عدّة خزنة جهنم فتنة للذين كفروا، لتكذيبهم بذلك، وقول بعضهم لأصحابه: أنا أكفيكموهم. ذكر الخبر عمن قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال: جعلوا فتنة، قال أبو الأشدّ بن الجمحي: لا يبلغون رتوتي حتى أجهضهم عن جهنم. * * وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يقول تعالى ذكره: ليستيقن أهل التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدّة خزَنة جهنم، إذ وافق ذلك ما أنزل الله في كتابه على محمد ﷺ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ قال: وإنها في التوراة والإنجيل تسعة عشر، فأراد الله أن يستيقن أهل الكتاب، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: يجدونه مكتوبا عندهم عدّة خزَنة أهل النار. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يصدّق القرآن الكتب التي كانت قبله فيها كلها، التوراة والإنجيل أن خزنة النار تسعة عشر. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: ليستيقن أهل الكتاب حين وافق عدّة خزَنة النار ما في كتبهم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: عدّة خزَنة جهنم تسعة عشر في التوراة والإنجيل. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أنك رسول الله. * * وقوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ يقول تعالى ذكره: وليزداد الذين آمنوا بالله تصديقا إلى تصديقهم بالله وبرسوله بتصديقهم بعدّة خزنة جهنم. * * وقوله: ﴿وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ يقول: ولا يشك أهل التوراة والإنجيل في حقيقة ذلك، والمؤمنون بالله من أمة محمد ﷺ. * * وقوله: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: وليقول الذين في قلوبهم مرض النفاق، والكافرون بالله من مشركي قريش ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ : أي نفاق. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ يقول: حتى يخوّفنا بهؤلاء التسعة عشر. * * وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ يقول تعالى ذكره: كما أضل الله هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين في خبر الله عن عدّة خزنة جهنم، أيّ شيء أراد الله بهذا الخبر من المثل حتى يخوّفنا بذكر عدتهم، ويهتدي به المؤمنون، فازدادوا بتصديقهم إلى إيمانهم إيمانا ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ مِنْ خَلْقِهِ فيخذله عن إصابة الحقّ ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ منهم، فيوفقه لإصابة الصواب ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ من كثرتهم ﴿إلا هُوَ﴾ يعني: الله. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ أي: من كثرتهم. * * وقوله: ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ يقول تعالى ذكره: وما النار التي وصفتها إلا تذكرة ذكر بها البشر، وهم بنو آدم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ يعني النار. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ قال: النار.

Al-Mukhtasar (français)

C’est un lieu qui ne laisse rien subsister de celui qui y est châtié puis le supplicié retourne dans son état originel, est de nouveau consumé, puis revient encore à son état originel et ainsi de suite.

29

لَوَّاحَةٌۭ لِّلْبَشَرِ

Il brûle la peau et la noircit.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَبَدَّلَهَا كُفْرًا، وَقَابَلَهَا بِالْجُحُودِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهَا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ. وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نعَمه حَيْثُ قَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أَيْ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللَّهُ، ﴿مَالا مَمْدُودًا﴾ أَيْ: وَاسِعًا كَثِيرًا قِيلَ: أَلْفُ دِينَارٍ. وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: أَرْضًا يَسْتَغِلُّهَا. وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ لَهُ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَغِيبُونَ، أَيْ: حُضُورًا عِنْدَهُ لَا يُسَافِرُونَ فِي التِّجَارَاتِ، بَلْ مَواليهم وَأُجَرَاؤُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ، يَتَمَتَّعُ بِهِمْ ويتَمَلَّى بِهِمْ. وَكَانُوا -فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ-ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا عَشْرَةً. وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ [وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ] . [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أَيْ: مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أَيْ: مُعَانِدًا، وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ. قَالَ اللَّهُ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سعيد، عن رسول الله ﷺ قَالَ: "وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، والصَّعُود: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، بِهِ [[المسند (٣/٧٥) ، وسنن الترمذي برقم (٣١٦٤) .]] ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعة عَنْ دَرَّاجٍ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) .]] وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ [[في م: "البصري".]] -قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجاب، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهَنِيّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ: "هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠٩) "مجمع البحرين" من طريق منجاب بن الحارث به مرفوعًا. وقال الطبراني: "لم يرفع هذا الحديث عن عمار الدهني إلا شريك، ورواه سفيان بن عيينة عن عمار الدهني فوافقه".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ [[في م: "وقال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: صَعُودٌ: صَخْرَةٌ [فِي جَهَنَّمَ] [[زيادة من م.]] عَظِيمَةٌ يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَعُودًا: صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أَيْ: مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا، أَيْ: قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ؛ لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، أَيْ: تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئل عَنِ الْقُرْآنِ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ، ﴿وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: تَرَوَّى، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أَيْ: أَعَادَ النَّظْرَةَ [[في م: "النظر".]] وَالتَّرَوِّيَ. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أَيْ: قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ، ﴿وَبَسَرَ﴾ أَيْ: كَلَحَ وَكَرِهَ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَير الشَّاعِرِ: وَقَد رَابَني مِنْهَا صُدُودٌ رَأيتُه ... وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُورُها ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ أَيْ: صُرف عَنِ الْحَقِّ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ، ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أَيْ: هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أَيْ: لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ. وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ-وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَسَأَلَهُ [[في م، أ: "يسأله".]] عَنِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ. فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا بِسَحْرٍ وَلَا بهذْي مِنَ الْجُنُونِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النفرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَا الْوَلِيدُ لتصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟ فَقَالَ: ألستُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَقَدْ [[في أ: "أوقد".]] تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟! فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَمَا يَعْلَى، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الْآيَةَ، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قَبَضَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَكَلَحَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبَّاد بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقرأ عليه الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيْ عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرض لِمَا قِبَلَهُ. قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ [[في م: "أنه".]] مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [قَالَ قَتَادَةُ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا] [[زيادة من تفسير الطبري]] حَتَّى بَلَغَ: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٨) .]] وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وفودُ الْعَرَبِ لِلْحَجِّ ليصدّوهُم عَنْهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: شَاعِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: سَاحِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَاهِنٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَجْنُونٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٨] كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ، فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أَيْ: سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وَتَفْخِيمٌ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أَيْ: تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وعَصَبهم وَجُلُودَهُمْ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، قَالَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لِلْجِلْدِ، وَقَالَ أَبُو رَزين: تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَلُوحُ أَجْسَادُهُمْ عَلَيْهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أَيْ: حَرَّاقَةٌ لِلْجِلْدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أَيْ: مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ، عَظِيمٌ خَلْقُهُمْ، غَلِيظٌ خُلُقُهُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي حُرَيْثٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: "ادْعُهُمْ، أَمَا إِنِّي سَائِلُهُمْ عَنْ تُربَة الْجَنَّةِ إِنْ أَتَوْنِي، أَمَا إِنَّهَا [[في م: "إنها كأنها".]] دَرْمكة بيضاء". فجاؤوه فَسَأَلُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأَهْوَى بِأَصَابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَأَمْسَكَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: "أَخْبِرُونِي عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ". فَقَالُوا: أَخْبِرْهُمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ. فَقَالَ: كَأَنَّهَا خُبزَة بَيْضَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما إِنَّ الْخُبْزَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدّرمَك". [[ورواه البيهقي في البعث برقم (٥٠٩) من طريق مسروق بن المرزبان، عن ابن أبي زائدة به، وقال: "حديث ابن أبي مطر -أي حريث- ليس بالقوى، وحديث جابر أصح" وهو الآتي بعده.]] هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مِنْدَهْ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبدَة، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، غلبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: "بِأَيِّ شَيْءٍ؟ " قَالَ: سَأَلَتْهُمْ يَهُود هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئلوا عَمَّا لَا يَدْرُونَ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي [[في م: "قالوا لا نعلم".]] حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا؟ عليَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ، لَكِنْ سَأَلُوا [[في م، أ: "لكنهم قد سألوا".]] نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً". فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ. قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "هَكَذَا"، وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ، مَرَّتَيْنِ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرمك". فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: "الْخُبْزُ مِنَ الدَّرمك". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، به [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٧) .]] وقال هو والبزار: لَا نَعْرِفُهُ [[في م: "لا يعرف".]] إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَقَصَّ الدَّرْمَكَ فَقَطْ. [[المسند (٣/٣٦١) .]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) ﴾ . يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ سأورده بابا من أبواب جهنم اسمه سقر، ولم يُجرَّ سقر لأنه اسم من أسماء جهنم ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ يقول تعالى ذكره: وأيّ شيء أدراك يا محمد، أيّ شيء سقر. ثم بين الله تعالى ذكره ما سقر، فقال: هي نار ﴿لا تُبْقي﴾ من فيها حيا ﴿وَلا تَذَرُ﴾ من فيها ميتا، ولكنها تحرقهم كلما جدّد خلقهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ قال: لا تميت ولا تحيي. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو ليلى، عن مرثد، في قوله: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ قال: لا تبقي منهم شيئا أن تأكلهم، فإذا خلقوا لها لا تذرهم حتى تأخذهم فتأكلهم. * * وقوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يعني جلّ ثناؤه: مغيرة لبشر أهلها، واللّواحة من نعت سقر، وبالردّ عليها رُفعت، وحسُن الرفع فيها، وهي نكرة، وسقر معرفة، لما فيها من معنى المدح. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال: الجلد. ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن أبى رزين ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال: تلفح الجلد لفحة، فتدعه أشدّ سوادا من الليل. ⁕ حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أبي وشعيب بن الليث، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، قال: قال زيد بن أسلم ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ : أي تلوَّح أجسادهم عليها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أي حرّاقة للجلد. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يقول: تحرق بشرة الإنسان. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال: تغير البشر، تحرق البشر؛ يقال: قد لاحه استقباله السماء، ثم قال: النار تغير ألوانهم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ غيرت جلودهم فاسودّت. ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين مثله. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يعني: بشر الإنسان، يقول: تحرق بشره. ورُوي عن ابن عباس في ذلك، ما:- ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يقول: معرّضة، وأخشى أن يكون خبر عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس هذا غلطا، وأن يكون موضع معرّضة مغيرة، لكن صحَّف فيه. * * وقوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ يقول تعالى ذكره: على سقر تسعة عشر من الخزنة. وذُكر أن ذلك لما أنزل على رسول الله ﷺ، قال أبو جهل ما:- ⁕ حدثني به محمد بن سعد قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ... ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ فلما سمع أبو جهل بذلك قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزَنة النار تسعة عشر وانتم الدَّهم، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم؟ فأوحي إلى رسول الله ﷺ أن يأتي أبا جهل، فيأخذ بيده في بطحاء مكة فيقول له: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ فلما فعل ذلك به رسول الله ﷺ قال أبو جهل: والله لا تفعل أنت وربك شيئا، فأخزاه الله يوم بدر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ذُكر لنا أن أبا جهل حين أُنزلت هذه الآية قال: يا معشر قريش، ما يستطيع كلّ عشرة منكم أن يغلبوا واحدا من خزَنة النار وأنتم الدَّهم [[يقول: جعل الله ذلك سنة منه لجميع خلقه يستنون بها. فقدم قوله "منه لجميع خلقه".]] ؟ فصاحبكم يحدثكم أن عليها تسعة عشر. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال أبو جهل: يخبركم محمد أن خزَنة النار تسعة عشر، وأنتم الدَّهم ليجتمع كلّ عشرة على واحد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال: خزنتها تسعة عشر. * * وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً﴾ يقول تعالى ذكره: وما جعلنا خزَنة النار إلا ملائكة يقول لأبي جهل في قوله لقريش: أما يستطيع كلّ عشرة منكم أن تغلب منها واحدا؟ فمن ذا يغلب خزنة النار وهم الملائكة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا ابن زيد، في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً﴾ قال: ما جعلناهم رجالا فيأخذ كلّ رجل رجلا كما قال هذا. * * وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقول: وما جعلنا عدّة هؤلاء الخزنة إلا فتنة للذين كفروا بالله من مُشركي قريش. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ : إلا بلاء. وإنما جعل الله الخبر عن عدّة خزنة جهنم فتنة للذين كفروا، لتكذيبهم بذلك، وقول بعضهم لأصحابه: أنا أكفيكموهم. ذكر الخبر عمن قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال: جعلوا فتنة، قال أبو الأشدّ بن الجمحي: لا يبلغون رتوتي حتى أجهضهم عن جهنم. * * وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يقول تعالى ذكره: ليستيقن أهل التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدّة خزَنة جهنم، إذ وافق ذلك ما أنزل الله في كتابه على محمد ﷺ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ قال: وإنها في التوراة والإنجيل تسعة عشر، فأراد الله أن يستيقن أهل الكتاب، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: يجدونه مكتوبا عندهم عدّة خزَنة أهل النار. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يصدّق القرآن الكتب التي كانت قبله فيها كلها، التوراة والإنجيل أن خزنة النار تسعة عشر. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: ليستيقن أهل الكتاب حين وافق عدّة خزَنة النار ما في كتبهم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: عدّة خزَنة جهنم تسعة عشر في التوراة والإنجيل. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أنك رسول الله. * * وقوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ يقول تعالى ذكره: وليزداد الذين آمنوا بالله تصديقا إلى تصديقهم بالله وبرسوله بتصديقهم بعدّة خزنة جهنم. * * وقوله: ﴿وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ يقول: ولا يشك أهل التوراة والإنجيل في حقيقة ذلك، والمؤمنون بالله من أمة محمد ﷺ. * * وقوله: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: وليقول الذين في قلوبهم مرض النفاق، والكافرون بالله من مشركي قريش ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ : أي نفاق. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ يقول: حتى يخوّفنا بهؤلاء التسعة عشر. * * وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ يقول تعالى ذكره: كما أضل الله هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين في خبر الله عن عدّة خزنة جهنم، أيّ شيء أراد الله بهذا الخبر من المثل حتى يخوّفنا بذكر عدتهم، ويهتدي به المؤمنون، فازدادوا بتصديقهم إلى إيمانهم إيمانا ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ مِنْ خَلْقِهِ فيخذله عن إصابة الحقّ ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ منهم، فيوفقه لإصابة الصواب ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ من كثرتهم ﴿إلا هُوَ﴾ يعني: الله. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ أي: من كثرتهم. * * وقوله: ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ يقول تعالى ذكره: وما النار التي وصفتها إلا تذكرة ذكر بها البشر، وهم بنو آدم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ يعني النار. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ قال: النار.

Al-Mukhtasar (français)

Il brûle la peau et lui fait changer d’état

30

عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ

Ils sont dix neuf à y veiller.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَبَدَّلَهَا كُفْرًا، وَقَابَلَهَا بِالْجُحُودِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهَا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ. وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نعَمه حَيْثُ قَالَ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أَيْ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللَّهُ، ﴿مَالا مَمْدُودًا﴾ أَيْ: وَاسِعًا كَثِيرًا قِيلَ: أَلْفُ دِينَارٍ. وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: أَرْضًا يَسْتَغِلُّهَا. وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ لَهُ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَغِيبُونَ، أَيْ: حُضُورًا عِنْدَهُ لَا يُسَافِرُونَ فِي التِّجَارَاتِ، بَلْ مَواليهم وَأُجَرَاؤُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ، يَتَمَتَّعُ بِهِمْ ويتَمَلَّى بِهِمْ. وَكَانُوا -فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ-ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانُوا عَشْرَةً. وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ [وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ] . [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أَيْ: مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أَيْ: مُعَانِدًا، وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ. قَالَ اللَّهُ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سعيد، عن رسول الله ﷺ قَالَ: "وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، والصَّعُود: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، بِهِ [[المسند (٣/٧٥) ، وسنن الترمذي برقم (٣١٦٤) .]] ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعة عَنْ دَرَّاجٍ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) .]] وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ [[في م: "البصري".]] -قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجاب، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهَنِيّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قَالَ: "هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ ذَابَتْ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ، بِهِ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٧) ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠٩) "مجمع البحرين" من طريق منجاب بن الحارث به مرفوعًا. وقال الطبراني: "لم يرفع هذا الحديث عن عمار الدهني إلا شريك، ورواه سفيان بن عيينة عن عمار الدهني فوافقه".]] . وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ [[في م: "وقال".]] ابْنِ عَبَّاسٍ: صَعُودٌ: صَخْرَةٌ [فِي جَهَنَّمَ] [[زيادة من م.]] عَظِيمَةٌ يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَعُودًا: صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ أَيْ: مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا، أَيْ: قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ؛ لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، أَيْ: تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئل عَنِ الْقُرْآنِ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ، ﴿وَقَدَّرَ﴾ أَيْ: تَرَوَّى، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دُعَاءٌ عَلَيْهِ، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أَيْ: أَعَادَ النَّظْرَةَ [[في م: "النظر".]] وَالتَّرَوِّيَ. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أَيْ: قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ، ﴿وَبَسَرَ﴾ أَيْ: كَلَحَ وَكَرِهَ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَير الشَّاعِرِ: وَقَد رَابَني مِنْهَا صُدُودٌ رَأيتُه ... وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُورُها ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ أَيْ: صُرف عَنِ الْحَقِّ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ، ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أَيْ: هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أَيْ: لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ. وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ-وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَسَأَلَهُ [[في م، أ: "يسأله".]] عَنِ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ. فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا بِسَحْرٍ وَلَا بهذْي مِنَ الْجُنُونِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النفرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَا الْوَلِيدُ لتصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ. فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟ فَقَالَ: ألستُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَقَدْ [[في أ: "أوقد".]] تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟! فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَمَا يَعْلَى، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الْآيَةَ، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ قَبَضَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَكَلَحَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عَبَّاد بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقرأ عليه الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيْ عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرض لِمَا قِبَلَهُ. قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ [[في م: "أنه".]] مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ. فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [قَالَ قَتَادَةُ: خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا] [[زيادة من تفسير الطبري]] حَتَّى بَلَغَ: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [[تفسير الطبري (٢٩/٩٨) .]] وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وفودُ الْعَرَبِ لِلْحَجِّ ليصدّوهُم عَنْهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: شَاعِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: سَاحِرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَاهِنٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَجْنُونٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٨] كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ، فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ أَيْ: سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ ؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وَتَفْخِيمٌ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أَيْ: تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وعَصَبهم وَجُلُودَهُمْ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، قَالَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمَا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ لِلْجِلْدِ، وَقَالَ أَبُو رَزين: تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: تَلُوحُ أَجْسَادُهُمْ عَلَيْهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أَيْ: حَرَّاقَةٌ لِلْجِلْدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أَيْ: مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ، عَظِيمٌ خَلْقُهُمْ، غَلِيظٌ خُلُقُهُمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنِي حُرَيْثٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ. فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: "ادْعُهُمْ، أَمَا إِنِّي سَائِلُهُمْ عَنْ تُربَة الْجَنَّةِ إِنْ أَتَوْنِي، أَمَا إِنَّهَا [[في م: "إنها كأنها".]] دَرْمكة بيضاء". فجاؤوه فَسَأَلُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأَهْوَى بِأَصَابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَأَمْسَكَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: "أَخْبِرُونِي عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ". فَقَالُوا: أَخْبِرْهُمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ. فَقَالَ: كَأَنَّهَا خُبزَة بَيْضَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما إِنَّ الْخُبْزَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدّرمَك". [[ورواه البيهقي في البعث برقم (٥٠٩) من طريق مسروق بن المرزبان، عن ابن أبي زائدة به، وقال: "حديث ابن أبي مطر -أي حريث- ليس بالقوى، وحديث جابر أصح" وهو الآتي بعده.]] هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مِنْدَهْ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبدَة، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، غلبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: "بِأَيِّ شَيْءٍ؟ " قَالَ: سَأَلَتْهُمْ يَهُود هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئلوا عَمَّا لَا يَدْرُونَ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي [[في م: "قالوا لا نعلم".]] حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا؟ عليَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ، لَكِنْ سَأَلُوا [[في م، أ: "لكنهم قد سألوا".]] نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً". فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ. قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "هَكَذَا"، وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ، مَرَّتَيْنِ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرمك". فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: "الْخُبْزُ مِنَ الدَّرمك". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، به [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٧) .]] وقال هو والبزار: لَا نَعْرِفُهُ [[في م: "لا يعرف".]] إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، فَقَصَّ الدَّرْمَكَ فَقَطْ. [[المسند (٣/٣٦١) .]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) ﴾ . يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ سأورده بابا من أبواب جهنم اسمه سقر، ولم يُجرَّ سقر لأنه اسم من أسماء جهنم ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ يقول تعالى ذكره: وأيّ شيء أدراك يا محمد، أيّ شيء سقر. ثم بين الله تعالى ذكره ما سقر، فقال: هي نار ﴿لا تُبْقي﴾ من فيها حيا ﴿وَلا تَذَرُ﴾ من فيها ميتا، ولكنها تحرقهم كلما جدّد خلقهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ قال: لا تميت ولا تحيي. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو ليلى، عن مرثد، في قوله: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ قال: لا تبقي منهم شيئا أن تأكلهم، فإذا خلقوا لها لا تذرهم حتى تأخذهم فتأكلهم. * * وقوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يعني جلّ ثناؤه: مغيرة لبشر أهلها، واللّواحة من نعت سقر، وبالردّ عليها رُفعت، وحسُن الرفع فيها، وهي نكرة، وسقر معرفة، لما فيها من معنى المدح. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال: الجلد. ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن أبى رزين ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال: تلفح الجلد لفحة، فتدعه أشدّ سوادا من الليل. ⁕ حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أبي وشعيب بن الليث، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، قال: قال زيد بن أسلم ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ : أي تلوَّح أجسادهم عليها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أي حرّاقة للجلد. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يقول: تحرق بشرة الإنسان. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال: تغير البشر، تحرق البشر؛ يقال: قد لاحه استقباله السماء، ثم قال: النار تغير ألوانهم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ غيرت جلودهم فاسودّت. ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين مثله. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يعني: بشر الإنسان، يقول: تحرق بشره. ورُوي عن ابن عباس في ذلك، ما:- ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يقول: معرّضة، وأخشى أن يكون خبر عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس هذا غلطا، وأن يكون موضع معرّضة مغيرة، لكن صحَّف فيه. * * وقوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ يقول تعالى ذكره: على سقر تسعة عشر من الخزنة. وذُكر أن ذلك لما أنزل على رسول الله ﷺ، قال أبو جهل ما:- ⁕ حدثني به محمد بن سعد قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ... ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ فلما سمع أبو جهل بذلك قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزَنة النار تسعة عشر وانتم الدَّهم، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم؟ فأوحي إلى رسول الله ﷺ أن يأتي أبا جهل، فيأخذ بيده في بطحاء مكة فيقول له: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ فلما فعل ذلك به رسول الله ﷺ قال أبو جهل: والله لا تفعل أنت وربك شيئا، فأخزاه الله يوم بدر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ذُكر لنا أن أبا جهل حين أُنزلت هذه الآية قال: يا معشر قريش، ما يستطيع كلّ عشرة منكم أن يغلبوا واحدا من خزَنة النار وأنتم الدَّهم [[يقول: جعل الله ذلك سنة منه لجميع خلقه يستنون بها. فقدم قوله "منه لجميع خلقه".]] ؟ فصاحبكم يحدثكم أن عليها تسعة عشر. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال أبو جهل: يخبركم محمد أن خزَنة النار تسعة عشر، وأنتم الدَّهم ليجتمع كلّ عشرة على واحد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال: خزنتها تسعة عشر. * * وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً﴾ يقول تعالى ذكره: وما جعلنا خزَنة النار إلا ملائكة يقول لأبي جهل في قوله لقريش: أما يستطيع كلّ عشرة منكم أن تغلب منها واحدا؟ فمن ذا يغلب خزنة النار وهم الملائكة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا ابن زيد، في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً﴾ قال: ما جعلناهم رجالا فيأخذ كلّ رجل رجلا كما قال هذا. * * وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقول: وما جعلنا عدّة هؤلاء الخزنة إلا فتنة للذين كفروا بالله من مُشركي قريش. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ : إلا بلاء. وإنما جعل الله الخبر عن عدّة خزنة جهنم فتنة للذين كفروا، لتكذيبهم بذلك، وقول بعضهم لأصحابه: أنا أكفيكموهم. ذكر الخبر عمن قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال: جعلوا فتنة، قال أبو الأشدّ بن الجمحي: لا يبلغون رتوتي حتى أجهضهم عن جهنم. * * وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يقول تعالى ذكره: ليستيقن أهل التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدّة خزَنة جهنم، إذ وافق ذلك ما أنزل الله في كتابه على محمد ﷺ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ قال: وإنها في التوراة والإنجيل تسعة عشر، فأراد الله أن يستيقن أهل الكتاب، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: يجدونه مكتوبا عندهم عدّة خزَنة أهل النار. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يصدّق القرآن الكتب التي كانت قبله فيها كلها، التوراة والإنجيل أن خزنة النار تسعة عشر. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: ليستيقن أهل الكتاب حين وافق عدّة خزَنة النار ما في كتبهم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: عدّة خزَنة جهنم تسعة عشر في التوراة والإنجيل. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أنك رسول الله. * * وقوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ يقول تعالى ذكره: وليزداد الذين آمنوا بالله تصديقا إلى تصديقهم بالله وبرسوله بتصديقهم بعدّة خزنة جهنم. * * وقوله: ﴿وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ يقول: ولا يشك أهل التوراة والإنجيل في حقيقة ذلك، والمؤمنون بالله من أمة محمد ﷺ. * * وقوله: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: وليقول الذين في قلوبهم مرض النفاق، والكافرون بالله من مشركي قريش ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ : أي نفاق. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ يقول: حتى يخوّفنا بهؤلاء التسعة عشر. * * وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ يقول تعالى ذكره: كما أضل الله هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين في خبر الله عن عدّة خزنة جهنم، أيّ شيء أراد الله بهذا الخبر من المثل حتى يخوّفنا بذكر عدتهم، ويهتدي به المؤمنون، فازدادوا بتصديقهم إلى إيمانهم إيمانا ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ مِنْ خَلْقِهِ فيخذله عن إصابة الحقّ ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ منهم، فيوفقه لإصابة الصواب ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ من كثرتهم ﴿إلا هُوَ﴾ يعني: الله. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ أي: من كثرتهم. * * وقوله: ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ يقول تعالى ذكره: وما النار التي وصفتها إلا تذكرة ذكر بها البشر، وهم بنو آدم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ يعني النار. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ قال: النار.

Al-Mukhtasar (français)

Dix-neufs anges gardent ce lieu.

31

وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَٰٓئِكَةًۭ ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةًۭ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِيمَٰنًۭا ۙ وَلَا يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۙ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ وَٱلْكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًۭا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ

Nous n'avons assigné comme gardiens du Feu que des Anges. Cependant, Nous n'en avons fixé le nombre que pour éprouver les mécréants, et aussi afin que ceux à qui le Livre a été apporté soient convaincus, et que croisse la foi de ceux qui croient, et que ceux à qui le Livre a été apporté et les croyants n'aient point de doute; et pour que ceux qui ont au cœur quelque maladie ainsi que les mécréants disent: «Qu'a donc voulu Allah par cette parabole?» C'est ainsi qu'Allah égare qui Il veut et guide qui Il veut. Nul ne connaît les armées de ton Seigneur, à part Lui. Et ce n'est là qu'un rappel pour les humains.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ﴾ أَيْ: خُزَّانها، ﴿إِلا مَلائِكَةً﴾ أَيْ: [زَبَانِيَةً] [[زيادة من م.]] غِلَاظًا شِدَادًا. وَذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ حِينَ ذَكَرَ عَدَدَ الْخَزَنَةِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَمَا يَسْتَطِيعُ كُلُّ عَشْرَةٍ مِنْكُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَتَغْلِبُونَهُمْ [[في أ: "فتغلبوهم".]] ؟ فَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً﴾ أَيْ: شَدِيدِي الخَلْق لَا يُقَاوَمُونَ وَلَا يُغَالَبُونَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَبَا الْأَشُدَّيْنِ -وَاسْمُهُ: كَلَدَة بْنُ أُسَيْدِ بْنِ خَلَفٍ-قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اكْفُونِي مِنْهُمُ اثْنَيْنِ وَأَنَا أَكْفِيكُمْ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ، إِعْجَابًا مِنْهُ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْقُوَّةِ فِيمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ عَلَى جِلْدِ الْبَقَرَةِ وَيُجَاذِبُهُ عَشْرَةٌ لِيَنْتَزِعُوهُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ، فَيَتَمَزَّقُ الْجِلْدُ وَلَا يَتَزَحْزَحُ عَنْهُ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَهُوَ الَّذِي دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مُصَارَعَتِهِ وَقَالَ: إِنْ صَرَعْتَنِي آمَنْتُ بِكَ، فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِرَارًا، فَلَمْ يُؤْمِنْ. قَالَ: وَقَدْ نَسَب ابنُ إِسْحَاقَ خَبَرَ الْمُصَارَعَةِ إِلَى رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ [[الروض الأنف للسهيلي (١/٢٠٠) .]] . قُلْتُ: وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا ذَكَرَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: إِنَّمَا ذَكَرْنَا عِدَّتَهُمْ أَنَّهُمْ تسعةَ عشرَ اخْتِبَارًا منَّا لِلنَّاسِ، ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أَيْ: يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا الرَّسُولَ حَقٌّ؛ فَإِنَّهُ نَطَقَ بِمُطَابَقَةِ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ. ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ أَيْ: إِلَى إِيمَانِهِمْ. بِمَا يَشْهَدُونَ مِنْ صِدْقِ إِخْبَارِ نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أَيْ: مِنَ الْمُنَافِقِينَ ﴿وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ ؟ أَيْ: يَقُولُونَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ هَذَا هَاهُنَا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: مِنْ مِثْلِ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ يَتَأَكَّدُ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِ أَقْوَامٍ، وَيَتَزَلْزَلُ عِنْدَ آخَرِينَ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ أَيْ: مَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ وَكَثْرَتَهُمْ إِلَّا هُوَ تَعَالَى، لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّهُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ فَقَطْ، كَمَا قَدْ قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ وَالْجَهَالَةِ وَمِنَ الْفَلَاسِفَةِ الْيُونَانِيِّينَ. وَمَنْ تَابَعَهُمْ [[في م: "ومن شايعهم".]] مِنَ الْمِلَّتَيْنِ الَّذِينَ سَمِعُوا هَذِهِ الْآيَةَ، فَأَرَادُوا تَنْزِيلَهَا عَلَى الْعُقُولِ الْعَشَرَةِ وَالنُّفُوسِ التِّسْعَةِ، الَّتِي اخْتَرَعُوا دَعْوَاهَا وَعَجَزُوا عَنْ إِقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى مُقْتَضَاهَا، فَأُفْهِمُوا [[في أ: "فما فهموا".]] صَدْرَ هَذِهِ الْآيَةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِآخِرِهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ الْمَرْوِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي صِفَةِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ: "فَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ فِي كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ" [[هذا جزء من حديث أنس الطويل في الإسراء، وهو في صحيح البخاري برقم (٧٥١٧) ، وصحيح مسلم برقم (١٦٢) . وهذا القدر قد وقع لمسلم من هذا الوجه، وانظر أحاديث الإسراء عند تفسير أول سورة الإسراء.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ مُورِقٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وحُقَّ لَهَا أَنْ تَئط، مَا فيها موضع أَصَابِعَ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ، لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَا تَلَذّذتم بِالنِّسَاءِ عَلَى [[في أ: "في".]] الفُرُشات، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: وَاللَّهِ لوددتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعضد. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ [[المسند (٥/١٧٣) ، وسنن الترمذي برقم (٢٣١٢) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤١٩٠) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَوْقُوفًا. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا خَيْرُ [[في م: "حدثنا حسين".]] بْنُ عَرَفَةَ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عُرْوَة بْنُ مَرْوَانَ الرُّقِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "ما في السموات السَّبْعِ مَوْضِعُ قَدَمٍ وَلَا شِبْرٍ وَلَا كَفٍّ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ، أَوْ مَلَكٌ سَاجِدٌ، أَوْ مَلَكٌ رَاكِعٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالُوا جَمِيعًا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، إِلَّا أَنَّا لَمْ نُشْرِكْ بِكَ شَيْئًا". [[المعجم الكبير (٢/١٨٤) ، وقال الهيثمي في المجمع (١/٥٢) : "وفيه عروة بن مروان". قلت: قال الدارقطني: ليس بالقوى.]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي "كِتَابِ الصَّلَاةِ": حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانِ بْنِ مُحْرِز، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ قَالَ لَهُمْ: "هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ " قَالُوا: مَا نَسْمَعُ مِنْ شَيْءٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَسْمَعُ أَطِيطَ السَّمَاءِ وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئطّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ" [[تعظيم قدر الصلاة للمروزي برقم (٢٤٨) .]] . وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَهْزَاذَ [[في م: "مهزاذ".]] حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاذٍ الْفَضْلُ بْنُ خَالِدٍ النَّحْوِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَاهِلِيُّ، سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ، يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ، وَذَلِكَ قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصاقات: ١٦٤-١٦٦] . [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٣) .]] . وَهَذَا مَرْفُوعٌ [[في أ: "وهذا مرفوعا" وهو خطأ.]] غَرِيبٌ جِدًّا ثُمَّ رَوَاهُ [[في م: "ثم رواه".]] عَنْ مَحْمُودِ بْنِ آدَمَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مِنَ السَّمَاوَاتِ سَمَاءً مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أَوْ قَدَمَاهُ قَائِمًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٤) .]] . ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أُمِّهِ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عُثْمَانَ [[في هـ: "عمر".]] بْنِ عَطِيَّةَ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ [مِنْ بَنِي] [[زيادة من م.]] سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ. حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ زَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ مِنْ بَنِي الْحُبُلِيِّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ، مَنْ بَنِي سَالِمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَلَاءِ، مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ الْعَلَاءِ بْنِ سَعْدٍ -وَقَدْ شَهِدَ الْفَتْحَ وَمَا بَعْدَهُ-أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمًا لِجُلَسَائِهِ: "هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ " قَالُوا: وَمَا تَسَمَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئط، إِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَوْضِعُ قَدَم إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ، وقالَ الْمَلَائِكَةُ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٥) .]] وَهَذَا إِسْنَادٌ غَرِيبٌ جِدًّا. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا [مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا] [[زيادة من تعظيم قدر الصلاة (٢٥٦) .]] إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الفَروي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ديناره، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ جَاءَ وَالصَّلَاةُ قَائِمَةٌ، وَنَفَرٌ ثَلَاثَةٌ جُلُوسٌ، أَحَدُهُمْ أَبُو جَحْشٍ اللَّيْثِيُّ، فَقَالَ: قُومُوا فَصَلُّوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ. فَقَامَ اثْنَانِ وَأَبَى أَبُو جَحْشٍ أَنْ يَقُومَ، وَقَالَ: لَا أَقُومُ حَتَّى يَأْتِيَ رَجُلٌ هُوَ أَقْوَى مِنِّي ذِرَاعَيْنِ، وَأَشَدُّ مِنِّي بَطْشًا فَيَصْرَعُنِي، ثُمَّ يَدس وَجْهِي فِي التُّرَابِ. قَالَ عُمَرُ: فَصَرَعْتُهُ وَدَسَسْتُ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، فَأَتَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَحَجَزَنِي عَنْهُ، فَخَرَجَ عُمَرُ مُغْضَبًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فقال: "مَا رَأيَكَ يَا أَبَا حَفْصٍ؟ ". فَذَكَرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إن رضى عُمَرَ رحمةٌ، وَاللَّهِ لوددْتُ أَنَّكَ جِئْتَنِي بِرَأْسِ الْخَبِيثِ"، فَقَامَ عُمَرُ يُوجّهُ نَحْوَهُ، فَلَمَّا أَبْعَدَ نَادَاهُ فَقَالَ: "اجْلِسْ حَتَّى أُخْبِرَكَ بِغِنَى الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ صَلَاةِ أَبِي جَحْشٍ، إِنَّ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَلَائِكَةً خُشُوعًا [[في م، أ: "خشوع".]] لَا يرفعون رءوسهم حتى تقوم الساعة. فإذا قامت رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ ثُمَّ قَالُوا: رَبَّنَا، مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، وَإِنَّ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ مَلَائِكَةً سُجُودًا لَا يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَإِذَا قَامَتِ السَّاعَةُ رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ، وَقَالُوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ" فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَمَا يَقُولُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: " أَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ. وَأَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ. وَأَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ. فَقُلْهَا يَا عُمَرُ فِي صَلَاتِكَ". فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِالَّذِي كُنْتَ عَلَّمْتَنِي وَأَمَرْتَنِي أَنْ أَقُولَهُ فِي صَلَاتِي؟ فَقَالَ: "قُلْ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً". وَكَانَ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ أَنْ يَقُولَ: "أَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عِقَابِكَ، وَأَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سخَطك، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، جَلَّ وَجْهُكَ" [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٦) ، ورواه الحاكم في المستدرك (٣/٨٧) من طريق إسحاق الفروي به، وقال: "حديث صحيح الإسناد على شريط البخاري ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي. قلت: "منكر غريب، وما هو على شرط البخاري، وفيه عبد الملك بن قدامة الجحمي ضعيف، تفرد به".]] وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، بَلْ مُنْكَرٌ نَكَارَةً شَدِيدَةً، وَإِسْحَاقُ الْفَرَوِيُّ رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْعُقَيْلِيُّ وَالدَّارُقُطْنِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: كَانَ صَدُوقًا إِلَّا أَنَّهُ ذَهَبَ بَصَرُهُ فرُبما لُقِّنَ، وَكُتُبُهُ صَحِيحَةٌ. وَقَالَ مَرَّةً: هُوَ مُضْطَرِبٌ، وَشَيْخُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ أَبُو قَتَادَةَ الْجُمَحِيُّ: تُكَلِّمَ فِيهِ أَيْضًا. وَالْعَجَبُ مِنَ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ كَيْفَ رَوَاهُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ، وَلَا عَرَّف بِحَالِهِ، وَلَا تَعَرَّضَ لِضَعْفِ بَعْضِ رِجَالِهِ؟! غَيْرَ أَنَّهُ رَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلًا بِنَحْوِهِ. وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مُرْسَلًا قَرِيبًا مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَهْزَاذَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ أَرْطَاةَ وَهُوَ يَخْطُبُنَا عَلَى مِنْبَرِ الْمَدَائِنِ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَائِكَةً تُرعَد فَرَائِصُهُمْ مِنْ خِيفَتِهِ، مَا مِنْهُمْ مَلَكٌ تَقْطُرُ مِنْهُ دَمْعَةٌ مِنْ عَيْنِهِ إِلَّا وَقَعَتْ عَلَى مَلَكٍ يُصَلِّي، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَلَائِكَةً سُجُودًا مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ وَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَلَائِكَةً رُكُوعًا لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ نَظَرُوا إِلَى وَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالُوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ" [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٦٠) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا بَأْسَ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: ﴿وَمَا هِيَ﴾ أَيِ: النَّارُ الَّتِي وصفت، ﴿إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿كَلا وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ أَيْ: وَلَّى، ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ أَيْ: أَشْرَقَ، ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ أَيِ: الْعَظَائِمِ، يَعْنِي: النَّارَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ أَيْ: لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَقْبَلَ النِّذَارَةَ وَيَهْتَدِيَ لِلْحَقِّ، أَوْ يَتَأَخَّرَ عَنْهَا وَيُوَلِّيَ وَيَرُدَّهَا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) ﴾ . يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ سأورده بابا من أبواب جهنم اسمه سقر، ولم يُجرَّ سقر لأنه اسم من أسماء جهنم ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ يقول تعالى ذكره: وأيّ شيء أدراك يا محمد، أيّ شيء سقر. ثم بين الله تعالى ذكره ما سقر، فقال: هي نار ﴿لا تُبْقي﴾ من فيها حيا ﴿وَلا تَذَرُ﴾ من فيها ميتا، ولكنها تحرقهم كلما جدّد خلقهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ قال: لا تميت ولا تحيي. ⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو ليلى، عن مرثد، في قوله: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ قال: لا تبقي منهم شيئا أن تأكلهم، فإذا خلقوا لها لا تذرهم حتى تأخذهم فتأكلهم. * * وقوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يعني جلّ ثناؤه: مغيرة لبشر أهلها، واللّواحة من نعت سقر، وبالردّ عليها رُفعت، وحسُن الرفع فيها، وهي نكرة، وسقر معرفة، لما فيها من معنى المدح. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال: الجلد. ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن أبى رزين ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال: تلفح الجلد لفحة، فتدعه أشدّ سوادا من الليل. ⁕ حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أبي وشعيب بن الليث، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، قال: قال زيد بن أسلم ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ : أي تلوَّح أجسادهم عليها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أي حرّاقة للجلد. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يقول: تحرق بشرة الإنسان. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال: تغير البشر، تحرق البشر؛ يقال: قد لاحه استقباله السماء، ثم قال: النار تغير ألوانهم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ غيرت جلودهم فاسودّت. ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين مثله. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يعني: بشر الإنسان، يقول: تحرق بشره. ورُوي عن ابن عباس في ذلك، ما:- ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ يقول: معرّضة، وأخشى أن يكون خبر عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس هذا غلطا، وأن يكون موضع معرّضة مغيرة، لكن صحَّف فيه. * * وقوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ يقول تعالى ذكره: على سقر تسعة عشر من الخزنة. وذُكر أن ذلك لما أنزل على رسول الله ﷺ، قال أبو جهل ما:- ⁕ حدثني به محمد بن سعد قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ... ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ فلما سمع أبو جهل بذلك قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزَنة النار تسعة عشر وانتم الدَّهم، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم؟ فأوحي إلى رسول الله ﷺ أن يأتي أبا جهل، فيأخذ بيده في بطحاء مكة فيقول له: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ فلما فعل ذلك به رسول الله ﷺ قال أبو جهل: والله لا تفعل أنت وربك شيئا، فأخزاه الله يوم بدر. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ذُكر لنا أن أبا جهل حين أُنزلت هذه الآية قال: يا معشر قريش، ما يستطيع كلّ عشرة منكم أن يغلبوا واحدا من خزَنة النار وأنتم الدَّهم [[يقول: جعل الله ذلك سنة منه لجميع خلقه يستنون بها. فقدم قوله "منه لجميع خلقه".]] ؟ فصاحبكم يحدثكم أن عليها تسعة عشر. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال أبو جهل: يخبركم محمد أن خزَنة النار تسعة عشر، وأنتم الدَّهم ليجتمع كلّ عشرة على واحد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال: خزنتها تسعة عشر. * * وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً﴾ يقول تعالى ذكره: وما جعلنا خزَنة النار إلا ملائكة يقول لأبي جهل في قوله لقريش: أما يستطيع كلّ عشرة منكم أن تغلب منها واحدا؟ فمن ذا يغلب خزنة النار وهم الملائكة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا ابن زيد، في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً﴾ قال: ما جعلناهم رجالا فيأخذ كلّ رجل رجلا كما قال هذا. * * وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقول: وما جعلنا عدّة هؤلاء الخزنة إلا فتنة للذين كفروا بالله من مُشركي قريش. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ : إلا بلاء. وإنما جعل الله الخبر عن عدّة خزنة جهنم فتنة للذين كفروا، لتكذيبهم بذلك، وقول بعضهم لأصحابه: أنا أكفيكموهم. ذكر الخبر عمن قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال: جعلوا فتنة، قال أبو الأشدّ بن الجمحي: لا يبلغون رتوتي حتى أجهضهم عن جهنم. * * وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يقول تعالى ذكره: ليستيقن أهل التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدّة خزَنة جهنم، إذ وافق ذلك ما أنزل الله في كتابه على محمد ﷺ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ قال: وإنها في التوراة والإنجيل تسعة عشر، فأراد الله أن يستيقن أهل الكتاب، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: يجدونه مكتوبا عندهم عدّة خزَنة أهل النار. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يصدّق القرآن الكتب التي كانت قبله فيها كلها، التوراة والإنجيل أن خزنة النار تسعة عشر. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: ليستيقن أهل الكتاب حين وافق عدّة خزَنة النار ما في كتبهم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: عدّة خزَنة جهنم تسعة عشر في التوراة والإنجيل. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أنك رسول الله. * * وقوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ يقول تعالى ذكره: وليزداد الذين آمنوا بالله تصديقا إلى تصديقهم بالله وبرسوله بتصديقهم بعدّة خزنة جهنم. * * وقوله: ﴿وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ يقول: ولا يشك أهل التوراة والإنجيل في حقيقة ذلك، والمؤمنون بالله من أمة محمد ﷺ. * * وقوله: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: وليقول الذين في قلوبهم مرض النفاق، والكافرون بالله من مشركي قريش ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ : أي نفاق. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ يقول: حتى يخوّفنا بهؤلاء التسعة عشر. * * وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ يقول تعالى ذكره: كما أضل الله هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين في خبر الله عن عدّة خزنة جهنم، أيّ شيء أراد الله بهذا الخبر من المثل حتى يخوّفنا بذكر عدتهم، ويهتدي به المؤمنون، فازدادوا بتصديقهم إلى إيمانهم إيمانا ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ مِنْ خَلْقِهِ فيخذله عن إصابة الحقّ ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ منهم، فيوفقه لإصابة الصواب ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ من كثرتهم ﴿إلا هُوَ﴾ يعني: الله. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ أي: من كثرتهم. * * وقوله: ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ يقول تعالى ذكره: وما النار التي وصفتها إلا تذكرة ذكر بها البشر، وهم بنو آدم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ يعني النار. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ قال: النار.

Al-Mukhtasar (français)

Les gardiens de l’Enfer ne sont autres que des anges, car les humains ne pourraient assumer cette charge. `Abû Jahl mentit lorsqu’il prétendit que lui et les siens auront le pouvoir de les vaincre et de sortir de l’Enfer. Nous n’avons déterminé ce nombre de gardiens qu’à titre d’épreuve pour ceux qui mécroient en Allah ; afin qu’ils disent ce qu’ils ont dit et que leur châtiment soit doublé ; afin que soient convaincus les juifs, à qui la Torah a été donnée, et les chrétiens, à qui l’Evangile a été donnée, lorsque le Coran confirme ce que contiennent leurs deux livres ; afin que la foi des croyants s’accroisse lorsqu’ils verront que les Gens du Livre les corroborent; afin que les juifs les chrétiens et les croyants ne soient pas saisis de doutes ; et afin que les indécis et les mécréants disent: Quelle est la fin voulue par Allah en énonçant ce nombre étrange? Tout comme ce nombre égare celui qui le nie et guide celui qui y croit, Allah égare qui Il veut égarer et guide qui Il veut guider. Tellement le nombre de Ses soldats est grand, Allah est le Seul à le connaître. Que `Abû Jahl sache cela, lui qui dit en guise de démenti et de dérision: « Muħammad ne peut-il compter que sur dix-neuf aides ». Le Feu n’est qu’un rappel adressé aux humains afin qu’ils prennent conscience de l’éminence d’Allah.

32

كَلَّا وَٱلْقَمَرِ

Non!... Par la lune!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ﴾ أَيْ: خُزَّانها، ﴿إِلا مَلائِكَةً﴾ أَيْ: [زَبَانِيَةً] [[زيادة من م.]] غِلَاظًا شِدَادًا. وَذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ حِينَ ذَكَرَ عَدَدَ الْخَزَنَةِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَمَا يَسْتَطِيعُ كُلُّ عَشْرَةٍ مِنْكُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَتَغْلِبُونَهُمْ [[في أ: "فتغلبوهم".]] ؟ فَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً﴾ أَيْ: شَدِيدِي الخَلْق لَا يُقَاوَمُونَ وَلَا يُغَالَبُونَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَبَا الْأَشُدَّيْنِ -وَاسْمُهُ: كَلَدَة بْنُ أُسَيْدِ بْنِ خَلَفٍ-قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اكْفُونِي مِنْهُمُ اثْنَيْنِ وَأَنَا أَكْفِيكُمْ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ، إِعْجَابًا مِنْهُ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْقُوَّةِ فِيمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ عَلَى جِلْدِ الْبَقَرَةِ وَيُجَاذِبُهُ عَشْرَةٌ لِيَنْتَزِعُوهُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ، فَيَتَمَزَّقُ الْجِلْدُ وَلَا يَتَزَحْزَحُ عَنْهُ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَهُوَ الَّذِي دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مُصَارَعَتِهِ وَقَالَ: إِنْ صَرَعْتَنِي آمَنْتُ بِكَ، فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِرَارًا، فَلَمْ يُؤْمِنْ. قَالَ: وَقَدْ نَسَب ابنُ إِسْحَاقَ خَبَرَ الْمُصَارَعَةِ إِلَى رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ [[الروض الأنف للسهيلي (١/٢٠٠) .]] . قُلْتُ: وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا ذَكَرَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: إِنَّمَا ذَكَرْنَا عِدَّتَهُمْ أَنَّهُمْ تسعةَ عشرَ اخْتِبَارًا منَّا لِلنَّاسِ، ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أَيْ: يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا الرَّسُولَ حَقٌّ؛ فَإِنَّهُ نَطَقَ بِمُطَابَقَةِ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ. ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ أَيْ: إِلَى إِيمَانِهِمْ. بِمَا يَشْهَدُونَ مِنْ صِدْقِ إِخْبَارِ نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أَيْ: مِنَ الْمُنَافِقِينَ ﴿وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ ؟ أَيْ: يَقُولُونَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ هَذَا هَاهُنَا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: مِنْ مِثْلِ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ يَتَأَكَّدُ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِ أَقْوَامٍ، وَيَتَزَلْزَلُ عِنْدَ آخَرِينَ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ أَيْ: مَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ وَكَثْرَتَهُمْ إِلَّا هُوَ تَعَالَى، لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّهُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ فَقَطْ، كَمَا قَدْ قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ وَالْجَهَالَةِ وَمِنَ الْفَلَاسِفَةِ الْيُونَانِيِّينَ. وَمَنْ تَابَعَهُمْ [[في م: "ومن شايعهم".]] مِنَ الْمِلَّتَيْنِ الَّذِينَ سَمِعُوا هَذِهِ الْآيَةَ، فَأَرَادُوا تَنْزِيلَهَا عَلَى الْعُقُولِ الْعَشَرَةِ وَالنُّفُوسِ التِّسْعَةِ، الَّتِي اخْتَرَعُوا دَعْوَاهَا وَعَجَزُوا عَنْ إِقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى مُقْتَضَاهَا، فَأُفْهِمُوا [[في أ: "فما فهموا".]] صَدْرَ هَذِهِ الْآيَةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِآخِرِهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ الْمَرْوِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي صِفَةِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ: "فَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ فِي كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ" [[هذا جزء من حديث أنس الطويل في الإسراء، وهو في صحيح البخاري برقم (٧٥١٧) ، وصحيح مسلم برقم (١٦٢) . وهذا القدر قد وقع لمسلم من هذا الوجه، وانظر أحاديث الإسراء عند تفسير أول سورة الإسراء.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ مُورِقٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وحُقَّ لَهَا أَنْ تَئط، مَا فيها موضع أَصَابِعَ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ، لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَا تَلَذّذتم بِالنِّسَاءِ عَلَى [[في أ: "في".]] الفُرُشات، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: وَاللَّهِ لوددتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعضد. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ [[المسند (٥/١٧٣) ، وسنن الترمذي برقم (٢٣١٢) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤١٩٠) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَوْقُوفًا. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا خَيْرُ [[في م: "حدثنا حسين".]] بْنُ عَرَفَةَ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عُرْوَة بْنُ مَرْوَانَ الرُّقِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "ما في السموات السَّبْعِ مَوْضِعُ قَدَمٍ وَلَا شِبْرٍ وَلَا كَفٍّ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ، أَوْ مَلَكٌ سَاجِدٌ، أَوْ مَلَكٌ رَاكِعٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالُوا جَمِيعًا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، إِلَّا أَنَّا لَمْ نُشْرِكْ بِكَ شَيْئًا". [[المعجم الكبير (٢/١٨٤) ، وقال الهيثمي في المجمع (١/٥٢) : "وفيه عروة بن مروان". قلت: قال الدارقطني: ليس بالقوى.]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي "كِتَابِ الصَّلَاةِ": حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانِ بْنِ مُحْرِز، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ قَالَ لَهُمْ: "هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ " قَالُوا: مَا نَسْمَعُ مِنْ شَيْءٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَسْمَعُ أَطِيطَ السَّمَاءِ وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئطّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ" [[تعظيم قدر الصلاة للمروزي برقم (٢٤٨) .]] . وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَهْزَاذَ [[في م: "مهزاذ".]] حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاذٍ الْفَضْلُ بْنُ خَالِدٍ النَّحْوِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَاهِلِيُّ، سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ، يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ، وَذَلِكَ قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصاقات: ١٦٤-١٦٦] . [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٣) .]] . وَهَذَا مَرْفُوعٌ [[في أ: "وهذا مرفوعا" وهو خطأ.]] غَرِيبٌ جِدًّا ثُمَّ رَوَاهُ [[في م: "ثم رواه".]] عَنْ مَحْمُودِ بْنِ آدَمَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مِنَ السَّمَاوَاتِ سَمَاءً مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أَوْ قَدَمَاهُ قَائِمًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٤) .]] . ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أُمِّهِ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عُثْمَانَ [[في هـ: "عمر".]] بْنِ عَطِيَّةَ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ [مِنْ بَنِي] [[زيادة من م.]] سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ. حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ زَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ مِنْ بَنِي الْحُبُلِيِّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ، مَنْ بَنِي سَالِمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَلَاءِ، مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ الْعَلَاءِ بْنِ سَعْدٍ -وَقَدْ شَهِدَ الْفَتْحَ وَمَا بَعْدَهُ-أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمًا لِجُلَسَائِهِ: "هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ " قَالُوا: وَمَا تَسَمَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئط، إِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَوْضِعُ قَدَم إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ، وقالَ الْمَلَائِكَةُ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٥) .]] وَهَذَا إِسْنَادٌ غَرِيبٌ جِدًّا. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا [مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا] [[زيادة من تعظيم قدر الصلاة (٢٥٦) .]] إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الفَروي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ديناره، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ جَاءَ وَالصَّلَاةُ قَائِمَةٌ، وَنَفَرٌ ثَلَاثَةٌ جُلُوسٌ، أَحَدُهُمْ أَبُو جَحْشٍ اللَّيْثِيُّ، فَقَالَ: قُومُوا فَصَلُّوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ. فَقَامَ اثْنَانِ وَأَبَى أَبُو جَحْشٍ أَنْ يَقُومَ، وَقَالَ: لَا أَقُومُ حَتَّى يَأْتِيَ رَجُلٌ هُوَ أَقْوَى مِنِّي ذِرَاعَيْنِ، وَأَشَدُّ مِنِّي بَطْشًا فَيَصْرَعُنِي، ثُمَّ يَدس وَجْهِي فِي التُّرَابِ. قَالَ عُمَرُ: فَصَرَعْتُهُ وَدَسَسْتُ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، فَأَتَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَحَجَزَنِي عَنْهُ، فَخَرَجَ عُمَرُ مُغْضَبًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فقال: "مَا رَأيَكَ يَا أَبَا حَفْصٍ؟ ". فَذَكَرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إن رضى عُمَرَ رحمةٌ، وَاللَّهِ لوددْتُ أَنَّكَ جِئْتَنِي بِرَأْسِ الْخَبِيثِ"، فَقَامَ عُمَرُ يُوجّهُ نَحْوَهُ، فَلَمَّا أَبْعَدَ نَادَاهُ فَقَالَ: "اجْلِسْ حَتَّى أُخْبِرَكَ بِغِنَى الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ صَلَاةِ أَبِي جَحْشٍ، إِنَّ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَلَائِكَةً خُشُوعًا [[في م، أ: "خشوع".]] لَا يرفعون رءوسهم حتى تقوم الساعة. فإذا قامت رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ ثُمَّ قَالُوا: رَبَّنَا، مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، وَإِنَّ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ مَلَائِكَةً سُجُودًا لَا يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَإِذَا قَامَتِ السَّاعَةُ رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ، وَقَالُوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ" فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَمَا يَقُولُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: " أَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ. وَأَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ. وَأَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ. فَقُلْهَا يَا عُمَرُ فِي صَلَاتِكَ". فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِالَّذِي كُنْتَ عَلَّمْتَنِي وَأَمَرْتَنِي أَنْ أَقُولَهُ فِي صَلَاتِي؟ فَقَالَ: "قُلْ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً". وَكَانَ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ أَنْ يَقُولَ: "أَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عِقَابِكَ، وَأَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سخَطك، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، جَلَّ وَجْهُكَ" [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٦) ، ورواه الحاكم في المستدرك (٣/٨٧) من طريق إسحاق الفروي به، وقال: "حديث صحيح الإسناد على شريط البخاري ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي. قلت: "منكر غريب، وما هو على شرط البخاري، وفيه عبد الملك بن قدامة الجحمي ضعيف، تفرد به".]] وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، بَلْ مُنْكَرٌ نَكَارَةً شَدِيدَةً، وَإِسْحَاقُ الْفَرَوِيُّ رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْعُقَيْلِيُّ وَالدَّارُقُطْنِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: كَانَ صَدُوقًا إِلَّا أَنَّهُ ذَهَبَ بَصَرُهُ فرُبما لُقِّنَ، وَكُتُبُهُ صَحِيحَةٌ. وَقَالَ مَرَّةً: هُوَ مُضْطَرِبٌ، وَشَيْخُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ أَبُو قَتَادَةَ الْجُمَحِيُّ: تُكَلِّمَ فِيهِ أَيْضًا. وَالْعَجَبُ مِنَ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ كَيْفَ رَوَاهُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ، وَلَا عَرَّف بِحَالِهِ، وَلَا تَعَرَّضَ لِضَعْفِ بَعْضِ رِجَالِهِ؟! غَيْرَ أَنَّهُ رَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلًا بِنَحْوِهِ. وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مُرْسَلًا قَرِيبًا مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَهْزَاذَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ أَرْطَاةَ وَهُوَ يَخْطُبُنَا عَلَى مِنْبَرِ الْمَدَائِنِ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَائِكَةً تُرعَد فَرَائِصُهُمْ مِنْ خِيفَتِهِ، مَا مِنْهُمْ مَلَكٌ تَقْطُرُ مِنْهُ دَمْعَةٌ مِنْ عَيْنِهِ إِلَّا وَقَعَتْ عَلَى مَلَكٍ يُصَلِّي، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَلَائِكَةً سُجُودًا مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ وَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَلَائِكَةً رُكُوعًا لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ نَظَرُوا إِلَى وَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالُوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ" [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٦٠) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا بَأْسَ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: ﴿وَمَا هِيَ﴾ أَيِ: النَّارُ الَّتِي وصفت، ﴿إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿كَلا وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ أَيْ: وَلَّى، ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ أَيْ: أَشْرَقَ، ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ أَيِ: الْعَظَائِمِ، يَعْنِي: النَّارَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ أَيْ: لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَقْبَلَ النِّذَارَةَ وَيَهْتَدِيَ لِلْحَقِّ، أَوْ يَتَأَخَّرَ عَنْهَا وَيُوَلِّيَ وَيَرُدَّهَا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) ﴾ . يعني تعالى ذكره بقوله ﴿كَلا﴾ ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابَهُ المشركين خزنةُ جهنم حتى يجهضهم عنها، ثم أقسم ربنا تعالى فقال: ﴿وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ يقول: والليل إذ ولَّى ذاهبا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ إذ ولَّى. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي؛ عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ دبوره: إظلامه. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ ، وبعض قرّاء مكة والكوفة ﴿إذا دَبَرَ﴾ . والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقد اختلف أهل العلم بكلام العرب في ذلك، فقال بعض الكوفيين: هما لغتان، يقال: دبر النهار وأدبر، ودبر الصيف وأدبر، قال: وكذلك قَبل وأقبل؛ فإذا قالوا: أقبل الراكب وأدبر لم يقولوه إلا بالألف. وقال بعض البصريين: ﴿واللَّيْل إذَا دَبَرَ﴾ يعني: إذا دبر النهار وكان في آخره؛ قال: ويقال: دبرني: إذا جاء خلفي، وأدبر: إذا ولَّى. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما لغتان بمعنى، وذلك أنه محكيّ عن العرب: قبح الله ما قَبِل منه وما دبر. وأخرى أن أهل التفسير لم يميزوا في تفسيرهم بين القراءتين، وذلك دليل على أنهم فعلوا ذلك كذلك، لأنهما بمعنى واحد. * * وقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ يقول تعالى ذكره: والصبح إذا أضاء. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ إذا أضاء وأقبل ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يقول تعالى ذكره: إن جهنم لإحدى الكبر، يعني: الأمور العظام. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يعني: جهنم. ⁕ حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: جهنم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: هذه النار. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: هي النار. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يعني: جهنم. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يعني جهنم. * * وقوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ يقول تعالى ذكره: إن النار لإحدى الكبر، نذيرا لبنى آدم. واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ، وما الموصوف بذلك، فقال بعضهم: عُنِيَ بذلك النار، وقالوا: هي صفة للهاء التي في قوله ﴿إنها﴾ وقالوا: هي النذير، فعلى قول هؤلاء النذير نصب على القطع من إحدى الكبر؛ لأن إحدى الكبر معرفة، وقوله: ﴿نَذِيرًا﴾ نكرة، والكلام قد يحسُن الوقوف عليه دونه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: قال الحسن: والله ما أُنذر الناسُ بشيء أدهى منها، أو بداهية هي أدهى منها. وقال آخرون: بل ذلك من صفة الله تعالى، وهو خبر من الله عن نفسه، أنه نذير لخلقه، وعلى هذا القول يجب أن يكون نصب قوله ﴿نَذِيرًا﴾ على الخروج من جملة الكلام المتقدم، فيكون معنى الكلام: وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة نذيرا للبشر، يعني: إنذارا لهم؛ فيكون قوله ﴿نَذِيرًا﴾ بمعنى إنذارا لهم؛ كما قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ بمعنى إنذاري؛ ويكون أيضا بمعنى: إنها لإحدى الكُبَرِ؛ صيرنا ذلك كذلك نذيرا، فيكون قوله: ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ مؤدّيا عن معنى صيرنا ذلك كذلك، وهذا المعنى قصد من قال ذلك إن شاء الله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن أبي رزين ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: جهنم ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ يقول الله: أنا لكم منها نذير فاتقوها. وقال آخرون: بل ذلك من صفة رسول الله ﷺ، وقالوا: نصب نذيرا على الحال مما في قوله " قم "، وقالوا: معنى الكلام: قم نذيرا للبشر فأنذر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ قال: الخلق. قال: بنو آدم، البشر. فقيل له: محمد النذير؟ قال: نعم ينذرهم. * * وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ يقول تعالى ذكره: نذيرًا للبشر لمن شاء منكم أيها الناس أن يتقدّم في طاعة الله، أو يتأخر في معصية الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ قال: من شاء اتبع طاعة الله، ومن شاء تأخر عنها. ⁕ حدثني بشر؛ قال: ثنا يزيد؛ قال: ثنا سعيد؛ عن قتادة ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ يتقدّم في طاعة الله، أو يتأخر في معصيته.

Al-Mukhtasar (français)

Il n’arrivera pas, comme le prétend un certain polythéiste, que ses compagnons viendront à bout des gardiens de l’Enfer et qu’ils finiront par en sortir. Allah prête ici serment par la lune.

33

وَٱلَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ

Et par la nuit quand elle se retire!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ﴾ أَيْ: خُزَّانها، ﴿إِلا مَلائِكَةً﴾ أَيْ: [زَبَانِيَةً] [[زيادة من م.]] غِلَاظًا شِدَادًا. وَذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ حِينَ ذَكَرَ عَدَدَ الْخَزَنَةِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَمَا يَسْتَطِيعُ كُلُّ عَشْرَةٍ مِنْكُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَتَغْلِبُونَهُمْ [[في أ: "فتغلبوهم".]] ؟ فَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً﴾ أَيْ: شَدِيدِي الخَلْق لَا يُقَاوَمُونَ وَلَا يُغَالَبُونَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَبَا الْأَشُدَّيْنِ -وَاسْمُهُ: كَلَدَة بْنُ أُسَيْدِ بْنِ خَلَفٍ-قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اكْفُونِي مِنْهُمُ اثْنَيْنِ وَأَنَا أَكْفِيكُمْ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ، إِعْجَابًا مِنْهُ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْقُوَّةِ فِيمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ عَلَى جِلْدِ الْبَقَرَةِ وَيُجَاذِبُهُ عَشْرَةٌ لِيَنْتَزِعُوهُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ، فَيَتَمَزَّقُ الْجِلْدُ وَلَا يَتَزَحْزَحُ عَنْهُ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَهُوَ الَّذِي دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مُصَارَعَتِهِ وَقَالَ: إِنْ صَرَعْتَنِي آمَنْتُ بِكَ، فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِرَارًا، فَلَمْ يُؤْمِنْ. قَالَ: وَقَدْ نَسَب ابنُ إِسْحَاقَ خَبَرَ الْمُصَارَعَةِ إِلَى رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ [[الروض الأنف للسهيلي (١/٢٠٠) .]] . قُلْتُ: وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا ذَكَرَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: إِنَّمَا ذَكَرْنَا عِدَّتَهُمْ أَنَّهُمْ تسعةَ عشرَ اخْتِبَارًا منَّا لِلنَّاسِ، ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أَيْ: يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا الرَّسُولَ حَقٌّ؛ فَإِنَّهُ نَطَقَ بِمُطَابَقَةِ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ. ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ أَيْ: إِلَى إِيمَانِهِمْ. بِمَا يَشْهَدُونَ مِنْ صِدْقِ إِخْبَارِ نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أَيْ: مِنَ الْمُنَافِقِينَ ﴿وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ ؟ أَيْ: يَقُولُونَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ هَذَا هَاهُنَا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: مِنْ مِثْلِ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ يَتَأَكَّدُ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِ أَقْوَامٍ، وَيَتَزَلْزَلُ عِنْدَ آخَرِينَ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ أَيْ: مَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ وَكَثْرَتَهُمْ إِلَّا هُوَ تَعَالَى، لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّهُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ فَقَطْ، كَمَا قَدْ قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ وَالْجَهَالَةِ وَمِنَ الْفَلَاسِفَةِ الْيُونَانِيِّينَ. وَمَنْ تَابَعَهُمْ [[في م: "ومن شايعهم".]] مِنَ الْمِلَّتَيْنِ الَّذِينَ سَمِعُوا هَذِهِ الْآيَةَ، فَأَرَادُوا تَنْزِيلَهَا عَلَى الْعُقُولِ الْعَشَرَةِ وَالنُّفُوسِ التِّسْعَةِ، الَّتِي اخْتَرَعُوا دَعْوَاهَا وَعَجَزُوا عَنْ إِقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى مُقْتَضَاهَا، فَأُفْهِمُوا [[في أ: "فما فهموا".]] صَدْرَ هَذِهِ الْآيَةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِآخِرِهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ الْمَرْوِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي صِفَةِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ: "فَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ فِي كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ" [[هذا جزء من حديث أنس الطويل في الإسراء، وهو في صحيح البخاري برقم (٧٥١٧) ، وصحيح مسلم برقم (١٦٢) . وهذا القدر قد وقع لمسلم من هذا الوجه، وانظر أحاديث الإسراء عند تفسير أول سورة الإسراء.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ مُورِقٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وحُقَّ لَهَا أَنْ تَئط، مَا فيها موضع أَصَابِعَ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ، لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَا تَلَذّذتم بِالنِّسَاءِ عَلَى [[في أ: "في".]] الفُرُشات، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: وَاللَّهِ لوددتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعضد. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ [[المسند (٥/١٧٣) ، وسنن الترمذي برقم (٢٣١٢) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤١٩٠) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَوْقُوفًا. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا خَيْرُ [[في م: "حدثنا حسين".]] بْنُ عَرَفَةَ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عُرْوَة بْنُ مَرْوَانَ الرُّقِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "ما في السموات السَّبْعِ مَوْضِعُ قَدَمٍ وَلَا شِبْرٍ وَلَا كَفٍّ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ، أَوْ مَلَكٌ سَاجِدٌ، أَوْ مَلَكٌ رَاكِعٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالُوا جَمِيعًا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، إِلَّا أَنَّا لَمْ نُشْرِكْ بِكَ شَيْئًا". [[المعجم الكبير (٢/١٨٤) ، وقال الهيثمي في المجمع (١/٥٢) : "وفيه عروة بن مروان". قلت: قال الدارقطني: ليس بالقوى.]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي "كِتَابِ الصَّلَاةِ": حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانِ بْنِ مُحْرِز، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ قَالَ لَهُمْ: "هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ " قَالُوا: مَا نَسْمَعُ مِنْ شَيْءٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَسْمَعُ أَطِيطَ السَّمَاءِ وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئطّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ" [[تعظيم قدر الصلاة للمروزي برقم (٢٤٨) .]] . وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَهْزَاذَ [[في م: "مهزاذ".]] حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاذٍ الْفَضْلُ بْنُ خَالِدٍ النَّحْوِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَاهِلِيُّ، سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ، يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ، وَذَلِكَ قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصاقات: ١٦٤-١٦٦] . [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٣) .]] . وَهَذَا مَرْفُوعٌ [[في أ: "وهذا مرفوعا" وهو خطأ.]] غَرِيبٌ جِدًّا ثُمَّ رَوَاهُ [[في م: "ثم رواه".]] عَنْ مَحْمُودِ بْنِ آدَمَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مِنَ السَّمَاوَاتِ سَمَاءً مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أَوْ قَدَمَاهُ قَائِمًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٤) .]] . ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أُمِّهِ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عُثْمَانَ [[في هـ: "عمر".]] بْنِ عَطِيَّةَ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ [مِنْ بَنِي] [[زيادة من م.]] سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ. حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ زَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ مِنْ بَنِي الْحُبُلِيِّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ، مَنْ بَنِي سَالِمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَلَاءِ، مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ الْعَلَاءِ بْنِ سَعْدٍ -وَقَدْ شَهِدَ الْفَتْحَ وَمَا بَعْدَهُ-أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمًا لِجُلَسَائِهِ: "هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ " قَالُوا: وَمَا تَسَمَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئط، إِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَوْضِعُ قَدَم إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ، وقالَ الْمَلَائِكَةُ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٥) .]] وَهَذَا إِسْنَادٌ غَرِيبٌ جِدًّا. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا [مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا] [[زيادة من تعظيم قدر الصلاة (٢٥٦) .]] إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الفَروي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ديناره، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ جَاءَ وَالصَّلَاةُ قَائِمَةٌ، وَنَفَرٌ ثَلَاثَةٌ جُلُوسٌ، أَحَدُهُمْ أَبُو جَحْشٍ اللَّيْثِيُّ، فَقَالَ: قُومُوا فَصَلُّوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ. فَقَامَ اثْنَانِ وَأَبَى أَبُو جَحْشٍ أَنْ يَقُومَ، وَقَالَ: لَا أَقُومُ حَتَّى يَأْتِيَ رَجُلٌ هُوَ أَقْوَى مِنِّي ذِرَاعَيْنِ، وَأَشَدُّ مِنِّي بَطْشًا فَيَصْرَعُنِي، ثُمَّ يَدس وَجْهِي فِي التُّرَابِ. قَالَ عُمَرُ: فَصَرَعْتُهُ وَدَسَسْتُ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، فَأَتَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَحَجَزَنِي عَنْهُ، فَخَرَجَ عُمَرُ مُغْضَبًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فقال: "مَا رَأيَكَ يَا أَبَا حَفْصٍ؟ ". فَذَكَرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إن رضى عُمَرَ رحمةٌ، وَاللَّهِ لوددْتُ أَنَّكَ جِئْتَنِي بِرَأْسِ الْخَبِيثِ"، فَقَامَ عُمَرُ يُوجّهُ نَحْوَهُ، فَلَمَّا أَبْعَدَ نَادَاهُ فَقَالَ: "اجْلِسْ حَتَّى أُخْبِرَكَ بِغِنَى الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ صَلَاةِ أَبِي جَحْشٍ، إِنَّ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَلَائِكَةً خُشُوعًا [[في م، أ: "خشوع".]] لَا يرفعون رءوسهم حتى تقوم الساعة. فإذا قامت رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ ثُمَّ قَالُوا: رَبَّنَا، مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، وَإِنَّ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ مَلَائِكَةً سُجُودًا لَا يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَإِذَا قَامَتِ السَّاعَةُ رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ، وَقَالُوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ" فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَمَا يَقُولُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: " أَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ. وَأَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ. وَأَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ. فَقُلْهَا يَا عُمَرُ فِي صَلَاتِكَ". فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِالَّذِي كُنْتَ عَلَّمْتَنِي وَأَمَرْتَنِي أَنْ أَقُولَهُ فِي صَلَاتِي؟ فَقَالَ: "قُلْ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً". وَكَانَ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ أَنْ يَقُولَ: "أَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عِقَابِكَ، وَأَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سخَطك، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، جَلَّ وَجْهُكَ" [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٦) ، ورواه الحاكم في المستدرك (٣/٨٧) من طريق إسحاق الفروي به، وقال: "حديث صحيح الإسناد على شريط البخاري ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي. قلت: "منكر غريب، وما هو على شرط البخاري، وفيه عبد الملك بن قدامة الجحمي ضعيف، تفرد به".]] وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، بَلْ مُنْكَرٌ نَكَارَةً شَدِيدَةً، وَإِسْحَاقُ الْفَرَوِيُّ رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْعُقَيْلِيُّ وَالدَّارُقُطْنِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: كَانَ صَدُوقًا إِلَّا أَنَّهُ ذَهَبَ بَصَرُهُ فرُبما لُقِّنَ، وَكُتُبُهُ صَحِيحَةٌ. وَقَالَ مَرَّةً: هُوَ مُضْطَرِبٌ، وَشَيْخُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ أَبُو قَتَادَةَ الْجُمَحِيُّ: تُكَلِّمَ فِيهِ أَيْضًا. وَالْعَجَبُ مِنَ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ كَيْفَ رَوَاهُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ، وَلَا عَرَّف بِحَالِهِ، وَلَا تَعَرَّضَ لِضَعْفِ بَعْضِ رِجَالِهِ؟! غَيْرَ أَنَّهُ رَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلًا بِنَحْوِهِ. وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مُرْسَلًا قَرِيبًا مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَهْزَاذَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ أَرْطَاةَ وَهُوَ يَخْطُبُنَا عَلَى مِنْبَرِ الْمَدَائِنِ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَائِكَةً تُرعَد فَرَائِصُهُمْ مِنْ خِيفَتِهِ، مَا مِنْهُمْ مَلَكٌ تَقْطُرُ مِنْهُ دَمْعَةٌ مِنْ عَيْنِهِ إِلَّا وَقَعَتْ عَلَى مَلَكٍ يُصَلِّي، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَلَائِكَةً سُجُودًا مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ وَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَلَائِكَةً رُكُوعًا لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ نَظَرُوا إِلَى وَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالُوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ" [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٦٠) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا بَأْسَ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: ﴿وَمَا هِيَ﴾ أَيِ: النَّارُ الَّتِي وصفت، ﴿إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿كَلا وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ أَيْ: وَلَّى، ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ أَيْ: أَشْرَقَ، ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ أَيِ: الْعَظَائِمِ، يَعْنِي: النَّارَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ أَيْ: لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَقْبَلَ النِّذَارَةَ وَيَهْتَدِيَ لِلْحَقِّ، أَوْ يَتَأَخَّرَ عَنْهَا وَيُوَلِّيَ وَيَرُدَّهَا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) ﴾ . يعني تعالى ذكره بقوله ﴿كَلا﴾ ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابَهُ المشركين خزنةُ جهنم حتى يجهضهم عنها، ثم أقسم ربنا تعالى فقال: ﴿وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ يقول: والليل إذ ولَّى ذاهبا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ إذ ولَّى. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي؛ عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ دبوره: إظلامه. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ ، وبعض قرّاء مكة والكوفة ﴿إذا دَبَرَ﴾ . والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقد اختلف أهل العلم بكلام العرب في ذلك، فقال بعض الكوفيين: هما لغتان، يقال: دبر النهار وأدبر، ودبر الصيف وأدبر، قال: وكذلك قَبل وأقبل؛ فإذا قالوا: أقبل الراكب وأدبر لم يقولوه إلا بالألف. وقال بعض البصريين: ﴿واللَّيْل إذَا دَبَرَ﴾ يعني: إذا دبر النهار وكان في آخره؛ قال: ويقال: دبرني: إذا جاء خلفي، وأدبر: إذا ولَّى. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما لغتان بمعنى، وذلك أنه محكيّ عن العرب: قبح الله ما قَبِل منه وما دبر. وأخرى أن أهل التفسير لم يميزوا في تفسيرهم بين القراءتين، وذلك دليل على أنهم فعلوا ذلك كذلك، لأنهما بمعنى واحد. * * وقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ يقول تعالى ذكره: والصبح إذا أضاء. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ إذا أضاء وأقبل ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يقول تعالى ذكره: إن جهنم لإحدى الكبر، يعني: الأمور العظام. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يعني: جهنم. ⁕ حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: جهنم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: هذه النار. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: هي النار. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يعني: جهنم. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يعني جهنم. * * وقوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ يقول تعالى ذكره: إن النار لإحدى الكبر، نذيرا لبنى آدم. واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ، وما الموصوف بذلك، فقال بعضهم: عُنِيَ بذلك النار، وقالوا: هي صفة للهاء التي في قوله ﴿إنها﴾ وقالوا: هي النذير، فعلى قول هؤلاء النذير نصب على القطع من إحدى الكبر؛ لأن إحدى الكبر معرفة، وقوله: ﴿نَذِيرًا﴾ نكرة، والكلام قد يحسُن الوقوف عليه دونه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: قال الحسن: والله ما أُنذر الناسُ بشيء أدهى منها، أو بداهية هي أدهى منها. وقال آخرون: بل ذلك من صفة الله تعالى، وهو خبر من الله عن نفسه، أنه نذير لخلقه، وعلى هذا القول يجب أن يكون نصب قوله ﴿نَذِيرًا﴾ على الخروج من جملة الكلام المتقدم، فيكون معنى الكلام: وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة نذيرا للبشر، يعني: إنذارا لهم؛ فيكون قوله ﴿نَذِيرًا﴾ بمعنى إنذارا لهم؛ كما قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ بمعنى إنذاري؛ ويكون أيضا بمعنى: إنها لإحدى الكُبَرِ؛ صيرنا ذلك كذلك نذيرا، فيكون قوله: ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ مؤدّيا عن معنى صيرنا ذلك كذلك، وهذا المعنى قصد من قال ذلك إن شاء الله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن أبي رزين ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: جهنم ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ يقول الله: أنا لكم منها نذير فاتقوها. وقال آخرون: بل ذلك من صفة رسول الله ﷺ، وقالوا: نصب نذيرا على الحال مما في قوله " قم "، وقالوا: معنى الكلام: قم نذيرا للبشر فأنذر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ قال: الخلق. قال: بنو آدم، البشر. فقيل له: محمد النذير؟ قال: نعم ينذرهم. * * وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ يقول تعالى ذكره: نذيرًا للبشر لمن شاء منكم أيها الناس أن يتقدّم في طاعة الله، أو يتأخر في معصية الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ قال: من شاء اتبع طاعة الله، ومن شاء تأخر عنها. ⁕ حدثني بشر؛ قال: ثنا يزيد؛ قال: ثنا سعيد؛ عن قتادة ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ يتقدّم في طاعة الله، أو يتأخر في معصيته.

Al-Mukhtasar (français)

Puis il prête serment par la nuit qui se termine

34

وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ

Et par l'aurore quand elle se découvre!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ﴾ أَيْ: خُزَّانها، ﴿إِلا مَلائِكَةً﴾ أَيْ: [زَبَانِيَةً] [[زيادة من م.]] غِلَاظًا شِدَادًا. وَذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ حِينَ ذَكَرَ عَدَدَ الْخَزَنَةِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَمَا يَسْتَطِيعُ كُلُّ عَشْرَةٍ مِنْكُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَتَغْلِبُونَهُمْ [[في أ: "فتغلبوهم".]] ؟ فَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً﴾ أَيْ: شَدِيدِي الخَلْق لَا يُقَاوَمُونَ وَلَا يُغَالَبُونَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَبَا الْأَشُدَّيْنِ -وَاسْمُهُ: كَلَدَة بْنُ أُسَيْدِ بْنِ خَلَفٍ-قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اكْفُونِي مِنْهُمُ اثْنَيْنِ وَأَنَا أَكْفِيكُمْ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ، إِعْجَابًا مِنْهُ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْقُوَّةِ فِيمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ عَلَى جِلْدِ الْبَقَرَةِ وَيُجَاذِبُهُ عَشْرَةٌ لِيَنْتَزِعُوهُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ، فَيَتَمَزَّقُ الْجِلْدُ وَلَا يَتَزَحْزَحُ عَنْهُ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَهُوَ الَّذِي دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مُصَارَعَتِهِ وَقَالَ: إِنْ صَرَعْتَنِي آمَنْتُ بِكَ، فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِرَارًا، فَلَمْ يُؤْمِنْ. قَالَ: وَقَدْ نَسَب ابنُ إِسْحَاقَ خَبَرَ الْمُصَارَعَةِ إِلَى رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ [[الروض الأنف للسهيلي (١/٢٠٠) .]] . قُلْتُ: وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا ذَكَرَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: إِنَّمَا ذَكَرْنَا عِدَّتَهُمْ أَنَّهُمْ تسعةَ عشرَ اخْتِبَارًا منَّا لِلنَّاسِ، ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أَيْ: يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا الرَّسُولَ حَقٌّ؛ فَإِنَّهُ نَطَقَ بِمُطَابَقَةِ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ. ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ أَيْ: إِلَى إِيمَانِهِمْ. بِمَا يَشْهَدُونَ مِنْ صِدْقِ إِخْبَارِ نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أَيْ: مِنَ الْمُنَافِقِينَ ﴿وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ ؟ أَيْ: يَقُولُونَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ هَذَا هَاهُنَا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: مِنْ مِثْلِ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ يَتَأَكَّدُ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِ أَقْوَامٍ، وَيَتَزَلْزَلُ عِنْدَ آخَرِينَ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ أَيْ: مَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ وَكَثْرَتَهُمْ إِلَّا هُوَ تَعَالَى، لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّهُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ فَقَطْ، كَمَا قَدْ قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ وَالْجَهَالَةِ وَمِنَ الْفَلَاسِفَةِ الْيُونَانِيِّينَ. وَمَنْ تَابَعَهُمْ [[في م: "ومن شايعهم".]] مِنَ الْمِلَّتَيْنِ الَّذِينَ سَمِعُوا هَذِهِ الْآيَةَ، فَأَرَادُوا تَنْزِيلَهَا عَلَى الْعُقُولِ الْعَشَرَةِ وَالنُّفُوسِ التِّسْعَةِ، الَّتِي اخْتَرَعُوا دَعْوَاهَا وَعَجَزُوا عَنْ إِقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى مُقْتَضَاهَا، فَأُفْهِمُوا [[في أ: "فما فهموا".]] صَدْرَ هَذِهِ الْآيَةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِآخِرِهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ الْمَرْوِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي صِفَةِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ: "فَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ فِي كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ" [[هذا جزء من حديث أنس الطويل في الإسراء، وهو في صحيح البخاري برقم (٧٥١٧) ، وصحيح مسلم برقم (١٦٢) . وهذا القدر قد وقع لمسلم من هذا الوجه، وانظر أحاديث الإسراء عند تفسير أول سورة الإسراء.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ مُورِقٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وحُقَّ لَهَا أَنْ تَئط، مَا فيها موضع أَصَابِعَ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ، لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَا تَلَذّذتم بِالنِّسَاءِ عَلَى [[في أ: "في".]] الفُرُشات، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: وَاللَّهِ لوددتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعضد. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ [[المسند (٥/١٧٣) ، وسنن الترمذي برقم (٢٣١٢) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤١٩٠) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَوْقُوفًا. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا خَيْرُ [[في م: "حدثنا حسين".]] بْنُ عَرَفَةَ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عُرْوَة بْنُ مَرْوَانَ الرُّقِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "ما في السموات السَّبْعِ مَوْضِعُ قَدَمٍ وَلَا شِبْرٍ وَلَا كَفٍّ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ، أَوْ مَلَكٌ سَاجِدٌ، أَوْ مَلَكٌ رَاكِعٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالُوا جَمِيعًا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، إِلَّا أَنَّا لَمْ نُشْرِكْ بِكَ شَيْئًا". [[المعجم الكبير (٢/١٨٤) ، وقال الهيثمي في المجمع (١/٥٢) : "وفيه عروة بن مروان". قلت: قال الدارقطني: ليس بالقوى.]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي "كِتَابِ الصَّلَاةِ": حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانِ بْنِ مُحْرِز، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ قَالَ لَهُمْ: "هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ " قَالُوا: مَا نَسْمَعُ مِنْ شَيْءٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَسْمَعُ أَطِيطَ السَّمَاءِ وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئطّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ" [[تعظيم قدر الصلاة للمروزي برقم (٢٤٨) .]] . وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَهْزَاذَ [[في م: "مهزاذ".]] حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاذٍ الْفَضْلُ بْنُ خَالِدٍ النَّحْوِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَاهِلِيُّ، سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ، يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ، وَذَلِكَ قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصاقات: ١٦٤-١٦٦] . [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٣) .]] . وَهَذَا مَرْفُوعٌ [[في أ: "وهذا مرفوعا" وهو خطأ.]] غَرِيبٌ جِدًّا ثُمَّ رَوَاهُ [[في م: "ثم رواه".]] عَنْ مَحْمُودِ بْنِ آدَمَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مِنَ السَّمَاوَاتِ سَمَاءً مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أَوْ قَدَمَاهُ قَائِمًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٤) .]] . ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أُمِّهِ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عُثْمَانَ [[في هـ: "عمر".]] بْنِ عَطِيَّةَ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ [مِنْ بَنِي] [[زيادة من م.]] سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ. حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ زَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ مِنْ بَنِي الْحُبُلِيِّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ، مَنْ بَنِي سَالِمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَلَاءِ، مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ الْعَلَاءِ بْنِ سَعْدٍ -وَقَدْ شَهِدَ الْفَتْحَ وَمَا بَعْدَهُ-أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمًا لِجُلَسَائِهِ: "هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ " قَالُوا: وَمَا تَسَمَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئط، إِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَوْضِعُ قَدَم إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ، وقالَ الْمَلَائِكَةُ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٥) .]] وَهَذَا إِسْنَادٌ غَرِيبٌ جِدًّا. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا [مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا] [[زيادة من تعظيم قدر الصلاة (٢٥٦) .]] إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الفَروي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ديناره، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ جَاءَ وَالصَّلَاةُ قَائِمَةٌ، وَنَفَرٌ ثَلَاثَةٌ جُلُوسٌ، أَحَدُهُمْ أَبُو جَحْشٍ اللَّيْثِيُّ، فَقَالَ: قُومُوا فَصَلُّوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ. فَقَامَ اثْنَانِ وَأَبَى أَبُو جَحْشٍ أَنْ يَقُومَ، وَقَالَ: لَا أَقُومُ حَتَّى يَأْتِيَ رَجُلٌ هُوَ أَقْوَى مِنِّي ذِرَاعَيْنِ، وَأَشَدُّ مِنِّي بَطْشًا فَيَصْرَعُنِي، ثُمَّ يَدس وَجْهِي فِي التُّرَابِ. قَالَ عُمَرُ: فَصَرَعْتُهُ وَدَسَسْتُ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، فَأَتَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَحَجَزَنِي عَنْهُ، فَخَرَجَ عُمَرُ مُغْضَبًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فقال: "مَا رَأيَكَ يَا أَبَا حَفْصٍ؟ ". فَذَكَرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إن رضى عُمَرَ رحمةٌ، وَاللَّهِ لوددْتُ أَنَّكَ جِئْتَنِي بِرَأْسِ الْخَبِيثِ"، فَقَامَ عُمَرُ يُوجّهُ نَحْوَهُ، فَلَمَّا أَبْعَدَ نَادَاهُ فَقَالَ: "اجْلِسْ حَتَّى أُخْبِرَكَ بِغِنَى الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ صَلَاةِ أَبِي جَحْشٍ، إِنَّ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَلَائِكَةً خُشُوعًا [[في م، أ: "خشوع".]] لَا يرفعون رءوسهم حتى تقوم الساعة. فإذا قامت رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ ثُمَّ قَالُوا: رَبَّنَا، مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، وَإِنَّ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ مَلَائِكَةً سُجُودًا لَا يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَإِذَا قَامَتِ السَّاعَةُ رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ، وَقَالُوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ" فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَمَا يَقُولُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: " أَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ. وَأَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ. وَأَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ. فَقُلْهَا يَا عُمَرُ فِي صَلَاتِكَ". فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِالَّذِي كُنْتَ عَلَّمْتَنِي وَأَمَرْتَنِي أَنْ أَقُولَهُ فِي صَلَاتِي؟ فَقَالَ: "قُلْ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً". وَكَانَ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ أَنْ يَقُولَ: "أَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عِقَابِكَ، وَأَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سخَطك، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، جَلَّ وَجْهُكَ" [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٦) ، ورواه الحاكم في المستدرك (٣/٨٧) من طريق إسحاق الفروي به، وقال: "حديث صحيح الإسناد على شريط البخاري ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي. قلت: "منكر غريب، وما هو على شرط البخاري، وفيه عبد الملك بن قدامة الجحمي ضعيف، تفرد به".]] وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، بَلْ مُنْكَرٌ نَكَارَةً شَدِيدَةً، وَإِسْحَاقُ الْفَرَوِيُّ رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْعُقَيْلِيُّ وَالدَّارُقُطْنِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: كَانَ صَدُوقًا إِلَّا أَنَّهُ ذَهَبَ بَصَرُهُ فرُبما لُقِّنَ، وَكُتُبُهُ صَحِيحَةٌ. وَقَالَ مَرَّةً: هُوَ مُضْطَرِبٌ، وَشَيْخُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ أَبُو قَتَادَةَ الْجُمَحِيُّ: تُكَلِّمَ فِيهِ أَيْضًا. وَالْعَجَبُ مِنَ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ كَيْفَ رَوَاهُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ، وَلَا عَرَّف بِحَالِهِ، وَلَا تَعَرَّضَ لِضَعْفِ بَعْضِ رِجَالِهِ؟! غَيْرَ أَنَّهُ رَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلًا بِنَحْوِهِ. وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مُرْسَلًا قَرِيبًا مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَهْزَاذَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ أَرْطَاةَ وَهُوَ يَخْطُبُنَا عَلَى مِنْبَرِ الْمَدَائِنِ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَائِكَةً تُرعَد فَرَائِصُهُمْ مِنْ خِيفَتِهِ، مَا مِنْهُمْ مَلَكٌ تَقْطُرُ مِنْهُ دَمْعَةٌ مِنْ عَيْنِهِ إِلَّا وَقَعَتْ عَلَى مَلَكٍ يُصَلِّي، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَلَائِكَةً سُجُودًا مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ وَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَلَائِكَةً رُكُوعًا لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ نَظَرُوا إِلَى وَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالُوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ" [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٦٠) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا بَأْسَ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: ﴿وَمَا هِيَ﴾ أَيِ: النَّارُ الَّتِي وصفت، ﴿إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿كَلا وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ أَيْ: وَلَّى، ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ أَيْ: أَشْرَقَ، ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ أَيِ: الْعَظَائِمِ، يَعْنِي: النَّارَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ أَيْ: لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَقْبَلَ النِّذَارَةَ وَيَهْتَدِيَ لِلْحَقِّ، أَوْ يَتَأَخَّرَ عَنْهَا وَيُوَلِّيَ وَيَرُدَّهَا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) ﴾ . يعني تعالى ذكره بقوله ﴿كَلا﴾ ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابَهُ المشركين خزنةُ جهنم حتى يجهضهم عنها، ثم أقسم ربنا تعالى فقال: ﴿وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ يقول: والليل إذ ولَّى ذاهبا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ إذ ولَّى. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي؛ عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ دبوره: إظلامه. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ ، وبعض قرّاء مكة والكوفة ﴿إذا دَبَرَ﴾ . والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقد اختلف أهل العلم بكلام العرب في ذلك، فقال بعض الكوفيين: هما لغتان، يقال: دبر النهار وأدبر، ودبر الصيف وأدبر، قال: وكذلك قَبل وأقبل؛ فإذا قالوا: أقبل الراكب وأدبر لم يقولوه إلا بالألف. وقال بعض البصريين: ﴿واللَّيْل إذَا دَبَرَ﴾ يعني: إذا دبر النهار وكان في آخره؛ قال: ويقال: دبرني: إذا جاء خلفي، وأدبر: إذا ولَّى. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما لغتان بمعنى، وذلك أنه محكيّ عن العرب: قبح الله ما قَبِل منه وما دبر. وأخرى أن أهل التفسير لم يميزوا في تفسيرهم بين القراءتين، وذلك دليل على أنهم فعلوا ذلك كذلك، لأنهما بمعنى واحد. * * وقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ يقول تعالى ذكره: والصبح إذا أضاء. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ إذا أضاء وأقبل ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يقول تعالى ذكره: إن جهنم لإحدى الكبر، يعني: الأمور العظام. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يعني: جهنم. ⁕ حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: جهنم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: هذه النار. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: هي النار. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يعني: جهنم. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يعني جهنم. * * وقوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ يقول تعالى ذكره: إن النار لإحدى الكبر، نذيرا لبنى آدم. واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ، وما الموصوف بذلك، فقال بعضهم: عُنِيَ بذلك النار، وقالوا: هي صفة للهاء التي في قوله ﴿إنها﴾ وقالوا: هي النذير، فعلى قول هؤلاء النذير نصب على القطع من إحدى الكبر؛ لأن إحدى الكبر معرفة، وقوله: ﴿نَذِيرًا﴾ نكرة، والكلام قد يحسُن الوقوف عليه دونه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: قال الحسن: والله ما أُنذر الناسُ بشيء أدهى منها، أو بداهية هي أدهى منها. وقال آخرون: بل ذلك من صفة الله تعالى، وهو خبر من الله عن نفسه، أنه نذير لخلقه، وعلى هذا القول يجب أن يكون نصب قوله ﴿نَذِيرًا﴾ على الخروج من جملة الكلام المتقدم، فيكون معنى الكلام: وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة نذيرا للبشر، يعني: إنذارا لهم؛ فيكون قوله ﴿نَذِيرًا﴾ بمعنى إنذارا لهم؛ كما قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ بمعنى إنذاري؛ ويكون أيضا بمعنى: إنها لإحدى الكُبَرِ؛ صيرنا ذلك كذلك نذيرا، فيكون قوله: ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ مؤدّيا عن معنى صيرنا ذلك كذلك، وهذا المعنى قصد من قال ذلك إن شاء الله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن أبي رزين ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: جهنم ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ يقول الله: أنا لكم منها نذير فاتقوها. وقال آخرون: بل ذلك من صفة رسول الله ﷺ، وقالوا: نصب نذيرا على الحال مما في قوله " قم "، وقالوا: معنى الكلام: قم نذيرا للبشر فأنذر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ قال: الخلق. قال: بنو آدم، البشر. فقيل له: محمد النذير؟ قال: نعم ينذرهم. * * وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ يقول تعالى ذكره: نذيرًا للبشر لمن شاء منكم أيها الناس أن يتقدّم في طاعة الله، أو يتأخر في معصية الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ قال: من شاء اتبع طاعة الله، ومن شاء تأخر عنها. ⁕ حدثني بشر؛ قال: ثنا يزيد؛ قال: ثنا سعيد؛ عن قتادة ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ يتقدّم في طاعة الله، أو يتأخر في معصيته.

Al-Mukhtasar (français)

et par l’aube qui apparaît.

35

إِنَّهَا لَإِحْدَى ٱلْكُبَرِ

[Saqar] est l'un des plus grands [malheurs]

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ﴾ أَيْ: خُزَّانها، ﴿إِلا مَلائِكَةً﴾ أَيْ: [زَبَانِيَةً] [[زيادة من م.]] غِلَاظًا شِدَادًا. وَذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ حِينَ ذَكَرَ عَدَدَ الْخَزَنَةِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَمَا يَسْتَطِيعُ كُلُّ عَشْرَةٍ مِنْكُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَتَغْلِبُونَهُمْ [[في أ: "فتغلبوهم".]] ؟ فَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً﴾ أَيْ: شَدِيدِي الخَلْق لَا يُقَاوَمُونَ وَلَا يُغَالَبُونَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَبَا الْأَشُدَّيْنِ -وَاسْمُهُ: كَلَدَة بْنُ أُسَيْدِ بْنِ خَلَفٍ-قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اكْفُونِي مِنْهُمُ اثْنَيْنِ وَأَنَا أَكْفِيكُمْ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ، إِعْجَابًا مِنْهُ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْقُوَّةِ فِيمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ عَلَى جِلْدِ الْبَقَرَةِ وَيُجَاذِبُهُ عَشْرَةٌ لِيَنْتَزِعُوهُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ، فَيَتَمَزَّقُ الْجِلْدُ وَلَا يَتَزَحْزَحُ عَنْهُ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَهُوَ الَّذِي دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مُصَارَعَتِهِ وَقَالَ: إِنْ صَرَعْتَنِي آمَنْتُ بِكَ، فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِرَارًا، فَلَمْ يُؤْمِنْ. قَالَ: وَقَدْ نَسَب ابنُ إِسْحَاقَ خَبَرَ الْمُصَارَعَةِ إِلَى رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ [[الروض الأنف للسهيلي (١/٢٠٠) .]] . قُلْتُ: وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا ذَكَرَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: إِنَّمَا ذَكَرْنَا عِدَّتَهُمْ أَنَّهُمْ تسعةَ عشرَ اخْتِبَارًا منَّا لِلنَّاسِ، ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أَيْ: يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا الرَّسُولَ حَقٌّ؛ فَإِنَّهُ نَطَقَ بِمُطَابَقَةِ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ. ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ أَيْ: إِلَى إِيمَانِهِمْ. بِمَا يَشْهَدُونَ مِنْ صِدْقِ إِخْبَارِ نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أَيْ: مِنَ الْمُنَافِقِينَ ﴿وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ ؟ أَيْ: يَقُولُونَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ هَذَا هَاهُنَا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: مِنْ مِثْلِ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ يَتَأَكَّدُ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِ أَقْوَامٍ، وَيَتَزَلْزَلُ عِنْدَ آخَرِينَ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ أَيْ: مَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ وَكَثْرَتَهُمْ إِلَّا هُوَ تَعَالَى، لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّهُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ فَقَطْ، كَمَا قَدْ قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ وَالْجَهَالَةِ وَمِنَ الْفَلَاسِفَةِ الْيُونَانِيِّينَ. وَمَنْ تَابَعَهُمْ [[في م: "ومن شايعهم".]] مِنَ الْمِلَّتَيْنِ الَّذِينَ سَمِعُوا هَذِهِ الْآيَةَ، فَأَرَادُوا تَنْزِيلَهَا عَلَى الْعُقُولِ الْعَشَرَةِ وَالنُّفُوسِ التِّسْعَةِ، الَّتِي اخْتَرَعُوا دَعْوَاهَا وَعَجَزُوا عَنْ إِقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى مُقْتَضَاهَا، فَأُفْهِمُوا [[في أ: "فما فهموا".]] صَدْرَ هَذِهِ الْآيَةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِآخِرِهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ الْمَرْوِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي صِفَةِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ: "فَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ فِي كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ" [[هذا جزء من حديث أنس الطويل في الإسراء، وهو في صحيح البخاري برقم (٧٥١٧) ، وصحيح مسلم برقم (١٦٢) . وهذا القدر قد وقع لمسلم من هذا الوجه، وانظر أحاديث الإسراء عند تفسير أول سورة الإسراء.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ مُورِقٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وحُقَّ لَهَا أَنْ تَئط، مَا فيها موضع أَصَابِعَ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ، لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَا تَلَذّذتم بِالنِّسَاءِ عَلَى [[في أ: "في".]] الفُرُشات، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: وَاللَّهِ لوددتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعضد. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ [[المسند (٥/١٧٣) ، وسنن الترمذي برقم (٢٣١٢) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤١٩٠) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَوْقُوفًا. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا خَيْرُ [[في م: "حدثنا حسين".]] بْنُ عَرَفَةَ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عُرْوَة بْنُ مَرْوَانَ الرُّقِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "ما في السموات السَّبْعِ مَوْضِعُ قَدَمٍ وَلَا شِبْرٍ وَلَا كَفٍّ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ، أَوْ مَلَكٌ سَاجِدٌ، أَوْ مَلَكٌ رَاكِعٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالُوا جَمِيعًا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، إِلَّا أَنَّا لَمْ نُشْرِكْ بِكَ شَيْئًا". [[المعجم الكبير (٢/١٨٤) ، وقال الهيثمي في المجمع (١/٥٢) : "وفيه عروة بن مروان". قلت: قال الدارقطني: ليس بالقوى.]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي "كِتَابِ الصَّلَاةِ": حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانِ بْنِ مُحْرِز، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ قَالَ لَهُمْ: "هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ " قَالُوا: مَا نَسْمَعُ مِنْ شَيْءٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَسْمَعُ أَطِيطَ السَّمَاءِ وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئطّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ" [[تعظيم قدر الصلاة للمروزي برقم (٢٤٨) .]] . وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَهْزَاذَ [[في م: "مهزاذ".]] حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاذٍ الْفَضْلُ بْنُ خَالِدٍ النَّحْوِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَاهِلِيُّ، سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ، يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ، وَذَلِكَ قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصاقات: ١٦٤-١٦٦] . [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٣) .]] . وَهَذَا مَرْفُوعٌ [[في أ: "وهذا مرفوعا" وهو خطأ.]] غَرِيبٌ جِدًّا ثُمَّ رَوَاهُ [[في م: "ثم رواه".]] عَنْ مَحْمُودِ بْنِ آدَمَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مِنَ السَّمَاوَاتِ سَمَاءً مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أَوْ قَدَمَاهُ قَائِمًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٤) .]] . ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أُمِّهِ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عُثْمَانَ [[في هـ: "عمر".]] بْنِ عَطِيَّةَ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ [مِنْ بَنِي] [[زيادة من م.]] سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ. حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ زَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ مِنْ بَنِي الْحُبُلِيِّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ، مَنْ بَنِي سَالِمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَلَاءِ، مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ الْعَلَاءِ بْنِ سَعْدٍ -وَقَدْ شَهِدَ الْفَتْحَ وَمَا بَعْدَهُ-أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمًا لِجُلَسَائِهِ: "هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ " قَالُوا: وَمَا تَسَمَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئط، إِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَوْضِعُ قَدَم إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ، وقالَ الْمَلَائِكَةُ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٥) .]] وَهَذَا إِسْنَادٌ غَرِيبٌ جِدًّا. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا [مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا] [[زيادة من تعظيم قدر الصلاة (٢٥٦) .]] إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الفَروي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ديناره، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ جَاءَ وَالصَّلَاةُ قَائِمَةٌ، وَنَفَرٌ ثَلَاثَةٌ جُلُوسٌ، أَحَدُهُمْ أَبُو جَحْشٍ اللَّيْثِيُّ، فَقَالَ: قُومُوا فَصَلُّوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ. فَقَامَ اثْنَانِ وَأَبَى أَبُو جَحْشٍ أَنْ يَقُومَ، وَقَالَ: لَا أَقُومُ حَتَّى يَأْتِيَ رَجُلٌ هُوَ أَقْوَى مِنِّي ذِرَاعَيْنِ، وَأَشَدُّ مِنِّي بَطْشًا فَيَصْرَعُنِي، ثُمَّ يَدس وَجْهِي فِي التُّرَابِ. قَالَ عُمَرُ: فَصَرَعْتُهُ وَدَسَسْتُ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، فَأَتَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَحَجَزَنِي عَنْهُ، فَخَرَجَ عُمَرُ مُغْضَبًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فقال: "مَا رَأيَكَ يَا أَبَا حَفْصٍ؟ ". فَذَكَرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إن رضى عُمَرَ رحمةٌ، وَاللَّهِ لوددْتُ أَنَّكَ جِئْتَنِي بِرَأْسِ الْخَبِيثِ"، فَقَامَ عُمَرُ يُوجّهُ نَحْوَهُ، فَلَمَّا أَبْعَدَ نَادَاهُ فَقَالَ: "اجْلِسْ حَتَّى أُخْبِرَكَ بِغِنَى الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ صَلَاةِ أَبِي جَحْشٍ، إِنَّ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَلَائِكَةً خُشُوعًا [[في م، أ: "خشوع".]] لَا يرفعون رءوسهم حتى تقوم الساعة. فإذا قامت رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ ثُمَّ قَالُوا: رَبَّنَا، مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، وَإِنَّ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ مَلَائِكَةً سُجُودًا لَا يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَإِذَا قَامَتِ السَّاعَةُ رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ، وَقَالُوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ" فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَمَا يَقُولُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: " أَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ. وَأَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ. وَأَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ. فَقُلْهَا يَا عُمَرُ فِي صَلَاتِكَ". فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِالَّذِي كُنْتَ عَلَّمْتَنِي وَأَمَرْتَنِي أَنْ أَقُولَهُ فِي صَلَاتِي؟ فَقَالَ: "قُلْ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً". وَكَانَ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ أَنْ يَقُولَ: "أَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عِقَابِكَ، وَأَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سخَطك، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، جَلَّ وَجْهُكَ" [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٦) ، ورواه الحاكم في المستدرك (٣/٨٧) من طريق إسحاق الفروي به، وقال: "حديث صحيح الإسناد على شريط البخاري ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي. قلت: "منكر غريب، وما هو على شرط البخاري، وفيه عبد الملك بن قدامة الجحمي ضعيف، تفرد به".]] وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، بَلْ مُنْكَرٌ نَكَارَةً شَدِيدَةً، وَإِسْحَاقُ الْفَرَوِيُّ رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْعُقَيْلِيُّ وَالدَّارُقُطْنِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: كَانَ صَدُوقًا إِلَّا أَنَّهُ ذَهَبَ بَصَرُهُ فرُبما لُقِّنَ، وَكُتُبُهُ صَحِيحَةٌ. وَقَالَ مَرَّةً: هُوَ مُضْطَرِبٌ، وَشَيْخُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ أَبُو قَتَادَةَ الْجُمَحِيُّ: تُكَلِّمَ فِيهِ أَيْضًا. وَالْعَجَبُ مِنَ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ كَيْفَ رَوَاهُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ، وَلَا عَرَّف بِحَالِهِ، وَلَا تَعَرَّضَ لِضَعْفِ بَعْضِ رِجَالِهِ؟! غَيْرَ أَنَّهُ رَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلًا بِنَحْوِهِ. وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مُرْسَلًا قَرِيبًا مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَهْزَاذَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ أَرْطَاةَ وَهُوَ يَخْطُبُنَا عَلَى مِنْبَرِ الْمَدَائِنِ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَائِكَةً تُرعَد فَرَائِصُهُمْ مِنْ خِيفَتِهِ، مَا مِنْهُمْ مَلَكٌ تَقْطُرُ مِنْهُ دَمْعَةٌ مِنْ عَيْنِهِ إِلَّا وَقَعَتْ عَلَى مَلَكٍ يُصَلِّي، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَلَائِكَةً سُجُودًا مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ وَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَلَائِكَةً رُكُوعًا لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ نَظَرُوا إِلَى وَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالُوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ" [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٦٠) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا بَأْسَ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: ﴿وَمَا هِيَ﴾ أَيِ: النَّارُ الَّتِي وصفت، ﴿إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿كَلا وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ أَيْ: وَلَّى، ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ أَيْ: أَشْرَقَ، ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ أَيِ: الْعَظَائِمِ، يَعْنِي: النَّارَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ أَيْ: لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَقْبَلَ النِّذَارَةَ وَيَهْتَدِيَ لِلْحَقِّ، أَوْ يَتَأَخَّرَ عَنْهَا وَيُوَلِّيَ وَيَرُدَّهَا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) ﴾ . يعني تعالى ذكره بقوله ﴿كَلا﴾ ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابَهُ المشركين خزنةُ جهنم حتى يجهضهم عنها، ثم أقسم ربنا تعالى فقال: ﴿وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ يقول: والليل إذ ولَّى ذاهبا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ إذ ولَّى. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي؛ عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ دبوره: إظلامه. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ ، وبعض قرّاء مكة والكوفة ﴿إذا دَبَرَ﴾ . والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقد اختلف أهل العلم بكلام العرب في ذلك، فقال بعض الكوفيين: هما لغتان، يقال: دبر النهار وأدبر، ودبر الصيف وأدبر، قال: وكذلك قَبل وأقبل؛ فإذا قالوا: أقبل الراكب وأدبر لم يقولوه إلا بالألف. وقال بعض البصريين: ﴿واللَّيْل إذَا دَبَرَ﴾ يعني: إذا دبر النهار وكان في آخره؛ قال: ويقال: دبرني: إذا جاء خلفي، وأدبر: إذا ولَّى. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما لغتان بمعنى، وذلك أنه محكيّ عن العرب: قبح الله ما قَبِل منه وما دبر. وأخرى أن أهل التفسير لم يميزوا في تفسيرهم بين القراءتين، وذلك دليل على أنهم فعلوا ذلك كذلك، لأنهما بمعنى واحد. * * وقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ يقول تعالى ذكره: والصبح إذا أضاء. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ إذا أضاء وأقبل ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يقول تعالى ذكره: إن جهنم لإحدى الكبر، يعني: الأمور العظام. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يعني: جهنم. ⁕ حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: جهنم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: هذه النار. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: هي النار. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يعني: جهنم. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يعني جهنم. * * وقوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ يقول تعالى ذكره: إن النار لإحدى الكبر، نذيرا لبنى آدم. واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ، وما الموصوف بذلك، فقال بعضهم: عُنِيَ بذلك النار، وقالوا: هي صفة للهاء التي في قوله ﴿إنها﴾ وقالوا: هي النذير، فعلى قول هؤلاء النذير نصب على القطع من إحدى الكبر؛ لأن إحدى الكبر معرفة، وقوله: ﴿نَذِيرًا﴾ نكرة، والكلام قد يحسُن الوقوف عليه دونه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: قال الحسن: والله ما أُنذر الناسُ بشيء أدهى منها، أو بداهية هي أدهى منها. وقال آخرون: بل ذلك من صفة الله تعالى، وهو خبر من الله عن نفسه، أنه نذير لخلقه، وعلى هذا القول يجب أن يكون نصب قوله ﴿نَذِيرًا﴾ على الخروج من جملة الكلام المتقدم، فيكون معنى الكلام: وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة نذيرا للبشر، يعني: إنذارا لهم؛ فيكون قوله ﴿نَذِيرًا﴾ بمعنى إنذارا لهم؛ كما قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ بمعنى إنذاري؛ ويكون أيضا بمعنى: إنها لإحدى الكُبَرِ؛ صيرنا ذلك كذلك نذيرا، فيكون قوله: ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ مؤدّيا عن معنى صيرنا ذلك كذلك، وهذا المعنى قصد من قال ذلك إن شاء الله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن أبي رزين ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: جهنم ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ يقول الله: أنا لكم منها نذير فاتقوها. وقال آخرون: بل ذلك من صفة رسول الله ﷺ، وقالوا: نصب نذيرا على الحال مما في قوله " قم "، وقالوا: معنى الكلام: قم نذيرا للبشر فأنذر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ قال: الخلق. قال: بنو آدم، البشر. فقيل له: محمد النذير؟ قال: نعم ينذرهم. * * وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ يقول تعالى ذكره: نذيرًا للبشر لمن شاء منكم أيها الناس أن يتقدّم في طاعة الله، أو يتأخر في معصية الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ قال: من شاء اتبع طاعة الله، ومن شاء تأخر عنها. ⁕ حدثني بشر؛ قال: ثنا يزيد؛ قال: ثنا سعيد؛ عن قتادة ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ يتقدّم في طاعة الله، أو يتأخر في معصيته.

Al-Mukhtasar (français)

Le Feu de l’Enfer est un des plus grands malheurs

36

نَذِيرًۭا لِّلْبَشَرِ

un avertissement, pour les humains.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ﴾ أَيْ: خُزَّانها، ﴿إِلا مَلائِكَةً﴾ أَيْ: [زَبَانِيَةً] [[زيادة من م.]] غِلَاظًا شِدَادًا. وَذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ حِينَ ذَكَرَ عَدَدَ الْخَزَنَةِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَمَا يَسْتَطِيعُ كُلُّ عَشْرَةٍ مِنْكُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَتَغْلِبُونَهُمْ [[في أ: "فتغلبوهم".]] ؟ فَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً﴾ أَيْ: شَدِيدِي الخَلْق لَا يُقَاوَمُونَ وَلَا يُغَالَبُونَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَبَا الْأَشُدَّيْنِ -وَاسْمُهُ: كَلَدَة بْنُ أُسَيْدِ بْنِ خَلَفٍ-قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اكْفُونِي مِنْهُمُ اثْنَيْنِ وَأَنَا أَكْفِيكُمْ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ، إِعْجَابًا مِنْهُ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْقُوَّةِ فِيمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ عَلَى جِلْدِ الْبَقَرَةِ وَيُجَاذِبُهُ عَشْرَةٌ لِيَنْتَزِعُوهُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ، فَيَتَمَزَّقُ الْجِلْدُ وَلَا يَتَزَحْزَحُ عَنْهُ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَهُوَ الَّذِي دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مُصَارَعَتِهِ وَقَالَ: إِنْ صَرَعْتَنِي آمَنْتُ بِكَ، فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِرَارًا، فَلَمْ يُؤْمِنْ. قَالَ: وَقَدْ نَسَب ابنُ إِسْحَاقَ خَبَرَ الْمُصَارَعَةِ إِلَى رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ [[الروض الأنف للسهيلي (١/٢٠٠) .]] . قُلْتُ: وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا ذَكَرَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: إِنَّمَا ذَكَرْنَا عِدَّتَهُمْ أَنَّهُمْ تسعةَ عشرَ اخْتِبَارًا منَّا لِلنَّاسِ، ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أَيْ: يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا الرَّسُولَ حَقٌّ؛ فَإِنَّهُ نَطَقَ بِمُطَابَقَةِ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ. ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ أَيْ: إِلَى إِيمَانِهِمْ. بِمَا يَشْهَدُونَ مِنْ صِدْقِ إِخْبَارِ نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أَيْ: مِنَ الْمُنَافِقِينَ ﴿وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ ؟ أَيْ: يَقُولُونَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ هَذَا هَاهُنَا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: مِنْ مِثْلِ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ يَتَأَكَّدُ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِ أَقْوَامٍ، وَيَتَزَلْزَلُ عِنْدَ آخَرِينَ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ أَيْ: مَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ وَكَثْرَتَهُمْ إِلَّا هُوَ تَعَالَى، لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّهُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ فَقَطْ، كَمَا قَدْ قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ وَالْجَهَالَةِ وَمِنَ الْفَلَاسِفَةِ الْيُونَانِيِّينَ. وَمَنْ تَابَعَهُمْ [[في م: "ومن شايعهم".]] مِنَ الْمِلَّتَيْنِ الَّذِينَ سَمِعُوا هَذِهِ الْآيَةَ، فَأَرَادُوا تَنْزِيلَهَا عَلَى الْعُقُولِ الْعَشَرَةِ وَالنُّفُوسِ التِّسْعَةِ، الَّتِي اخْتَرَعُوا دَعْوَاهَا وَعَجَزُوا عَنْ إِقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى مُقْتَضَاهَا، فَأُفْهِمُوا [[في أ: "فما فهموا".]] صَدْرَ هَذِهِ الْآيَةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِآخِرِهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ الْمَرْوِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي صِفَةِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ: "فَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ فِي كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ" [[هذا جزء من حديث أنس الطويل في الإسراء، وهو في صحيح البخاري برقم (٧٥١٧) ، وصحيح مسلم برقم (١٦٢) . وهذا القدر قد وقع لمسلم من هذا الوجه، وانظر أحاديث الإسراء عند تفسير أول سورة الإسراء.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ مُورِقٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وحُقَّ لَهَا أَنْ تَئط، مَا فيها موضع أَصَابِعَ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ، لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَا تَلَذّذتم بِالنِّسَاءِ عَلَى [[في أ: "في".]] الفُرُشات، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: وَاللَّهِ لوددتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعضد. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ [[المسند (٥/١٧٣) ، وسنن الترمذي برقم (٢٣١٢) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤١٩٠) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَوْقُوفًا. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا خَيْرُ [[في م: "حدثنا حسين".]] بْنُ عَرَفَةَ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عُرْوَة بْنُ مَرْوَانَ الرُّقِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "ما في السموات السَّبْعِ مَوْضِعُ قَدَمٍ وَلَا شِبْرٍ وَلَا كَفٍّ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ، أَوْ مَلَكٌ سَاجِدٌ، أَوْ مَلَكٌ رَاكِعٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالُوا جَمِيعًا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، إِلَّا أَنَّا لَمْ نُشْرِكْ بِكَ شَيْئًا". [[المعجم الكبير (٢/١٨٤) ، وقال الهيثمي في المجمع (١/٥٢) : "وفيه عروة بن مروان". قلت: قال الدارقطني: ليس بالقوى.]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي "كِتَابِ الصَّلَاةِ": حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانِ بْنِ مُحْرِز، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ قَالَ لَهُمْ: "هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ " قَالُوا: مَا نَسْمَعُ مِنْ شَيْءٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَسْمَعُ أَطِيطَ السَّمَاءِ وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئطّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ" [[تعظيم قدر الصلاة للمروزي برقم (٢٤٨) .]] . وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَهْزَاذَ [[في م: "مهزاذ".]] حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاذٍ الْفَضْلُ بْنُ خَالِدٍ النَّحْوِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَاهِلِيُّ، سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ، يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ، وَذَلِكَ قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصاقات: ١٦٤-١٦٦] . [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٣) .]] . وَهَذَا مَرْفُوعٌ [[في أ: "وهذا مرفوعا" وهو خطأ.]] غَرِيبٌ جِدًّا ثُمَّ رَوَاهُ [[في م: "ثم رواه".]] عَنْ مَحْمُودِ بْنِ آدَمَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مِنَ السَّمَاوَاتِ سَمَاءً مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أَوْ قَدَمَاهُ قَائِمًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٤) .]] . ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أُمِّهِ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عُثْمَانَ [[في هـ: "عمر".]] بْنِ عَطِيَّةَ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ [مِنْ بَنِي] [[زيادة من م.]] سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ. حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ زَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ مِنْ بَنِي الْحُبُلِيِّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ، مَنْ بَنِي سَالِمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَلَاءِ، مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ الْعَلَاءِ بْنِ سَعْدٍ -وَقَدْ شَهِدَ الْفَتْحَ وَمَا بَعْدَهُ-أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمًا لِجُلَسَائِهِ: "هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ " قَالُوا: وَمَا تَسَمَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئط، إِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَوْضِعُ قَدَم إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ، وقالَ الْمَلَائِكَةُ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٥) .]] وَهَذَا إِسْنَادٌ غَرِيبٌ جِدًّا. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا [مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا] [[زيادة من تعظيم قدر الصلاة (٢٥٦) .]] إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الفَروي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ديناره، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ جَاءَ وَالصَّلَاةُ قَائِمَةٌ، وَنَفَرٌ ثَلَاثَةٌ جُلُوسٌ، أَحَدُهُمْ أَبُو جَحْشٍ اللَّيْثِيُّ، فَقَالَ: قُومُوا فَصَلُّوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ. فَقَامَ اثْنَانِ وَأَبَى أَبُو جَحْشٍ أَنْ يَقُومَ، وَقَالَ: لَا أَقُومُ حَتَّى يَأْتِيَ رَجُلٌ هُوَ أَقْوَى مِنِّي ذِرَاعَيْنِ، وَأَشَدُّ مِنِّي بَطْشًا فَيَصْرَعُنِي، ثُمَّ يَدس وَجْهِي فِي التُّرَابِ. قَالَ عُمَرُ: فَصَرَعْتُهُ وَدَسَسْتُ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، فَأَتَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَحَجَزَنِي عَنْهُ، فَخَرَجَ عُمَرُ مُغْضَبًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فقال: "مَا رَأيَكَ يَا أَبَا حَفْصٍ؟ ". فَذَكَرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إن رضى عُمَرَ رحمةٌ، وَاللَّهِ لوددْتُ أَنَّكَ جِئْتَنِي بِرَأْسِ الْخَبِيثِ"، فَقَامَ عُمَرُ يُوجّهُ نَحْوَهُ، فَلَمَّا أَبْعَدَ نَادَاهُ فَقَالَ: "اجْلِسْ حَتَّى أُخْبِرَكَ بِغِنَى الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ صَلَاةِ أَبِي جَحْشٍ، إِنَّ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَلَائِكَةً خُشُوعًا [[في م، أ: "خشوع".]] لَا يرفعون رءوسهم حتى تقوم الساعة. فإذا قامت رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ ثُمَّ قَالُوا: رَبَّنَا، مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، وَإِنَّ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ مَلَائِكَةً سُجُودًا لَا يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَإِذَا قَامَتِ السَّاعَةُ رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ، وَقَالُوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ" فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَمَا يَقُولُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: " أَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ. وَأَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ. وَأَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ. فَقُلْهَا يَا عُمَرُ فِي صَلَاتِكَ". فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِالَّذِي كُنْتَ عَلَّمْتَنِي وَأَمَرْتَنِي أَنْ أَقُولَهُ فِي صَلَاتِي؟ فَقَالَ: "قُلْ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً". وَكَانَ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ أَنْ يَقُولَ: "أَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عِقَابِكَ، وَأَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سخَطك، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، جَلَّ وَجْهُكَ" [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٦) ، ورواه الحاكم في المستدرك (٣/٨٧) من طريق إسحاق الفروي به، وقال: "حديث صحيح الإسناد على شريط البخاري ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي. قلت: "منكر غريب، وما هو على شرط البخاري، وفيه عبد الملك بن قدامة الجحمي ضعيف، تفرد به".]] وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، بَلْ مُنْكَرٌ نَكَارَةً شَدِيدَةً، وَإِسْحَاقُ الْفَرَوِيُّ رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْعُقَيْلِيُّ وَالدَّارُقُطْنِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: كَانَ صَدُوقًا إِلَّا أَنَّهُ ذَهَبَ بَصَرُهُ فرُبما لُقِّنَ، وَكُتُبُهُ صَحِيحَةٌ. وَقَالَ مَرَّةً: هُوَ مُضْطَرِبٌ، وَشَيْخُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ أَبُو قَتَادَةَ الْجُمَحِيُّ: تُكَلِّمَ فِيهِ أَيْضًا. وَالْعَجَبُ مِنَ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ كَيْفَ رَوَاهُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ، وَلَا عَرَّف بِحَالِهِ، وَلَا تَعَرَّضَ لِضَعْفِ بَعْضِ رِجَالِهِ؟! غَيْرَ أَنَّهُ رَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلًا بِنَحْوِهِ. وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مُرْسَلًا قَرِيبًا مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَهْزَاذَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ أَرْطَاةَ وَهُوَ يَخْطُبُنَا عَلَى مِنْبَرِ الْمَدَائِنِ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَائِكَةً تُرعَد فَرَائِصُهُمْ مِنْ خِيفَتِهِ، مَا مِنْهُمْ مَلَكٌ تَقْطُرُ مِنْهُ دَمْعَةٌ مِنْ عَيْنِهِ إِلَّا وَقَعَتْ عَلَى مَلَكٍ يُصَلِّي، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَلَائِكَةً سُجُودًا مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ وَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَلَائِكَةً رُكُوعًا لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ نَظَرُوا إِلَى وَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالُوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ" [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٦٠) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا بَأْسَ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: ﴿وَمَا هِيَ﴾ أَيِ: النَّارُ الَّتِي وصفت، ﴿إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿كَلا وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ أَيْ: وَلَّى، ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ أَيْ: أَشْرَقَ، ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ أَيِ: الْعَظَائِمِ، يَعْنِي: النَّارَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ أَيْ: لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَقْبَلَ النِّذَارَةَ وَيَهْتَدِيَ لِلْحَقِّ، أَوْ يَتَأَخَّرَ عَنْهَا وَيُوَلِّيَ وَيَرُدَّهَا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) ﴾ . يعني تعالى ذكره بقوله ﴿كَلا﴾ ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابَهُ المشركين خزنةُ جهنم حتى يجهضهم عنها، ثم أقسم ربنا تعالى فقال: ﴿وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ يقول: والليل إذ ولَّى ذاهبا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ إذ ولَّى. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي؛ عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ دبوره: إظلامه. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ ، وبعض قرّاء مكة والكوفة ﴿إذا دَبَرَ﴾ . والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقد اختلف أهل العلم بكلام العرب في ذلك، فقال بعض الكوفيين: هما لغتان، يقال: دبر النهار وأدبر، ودبر الصيف وأدبر، قال: وكذلك قَبل وأقبل؛ فإذا قالوا: أقبل الراكب وأدبر لم يقولوه إلا بالألف. وقال بعض البصريين: ﴿واللَّيْل إذَا دَبَرَ﴾ يعني: إذا دبر النهار وكان في آخره؛ قال: ويقال: دبرني: إذا جاء خلفي، وأدبر: إذا ولَّى. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما لغتان بمعنى، وذلك أنه محكيّ عن العرب: قبح الله ما قَبِل منه وما دبر. وأخرى أن أهل التفسير لم يميزوا في تفسيرهم بين القراءتين، وذلك دليل على أنهم فعلوا ذلك كذلك، لأنهما بمعنى واحد. * * وقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ يقول تعالى ذكره: والصبح إذا أضاء. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ إذا أضاء وأقبل ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يقول تعالى ذكره: إن جهنم لإحدى الكبر، يعني: الأمور العظام. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يعني: جهنم. ⁕ حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: جهنم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: هذه النار. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: هي النار. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يعني: جهنم. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يعني جهنم. * * وقوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ يقول تعالى ذكره: إن النار لإحدى الكبر، نذيرا لبنى آدم. واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ، وما الموصوف بذلك، فقال بعضهم: عُنِيَ بذلك النار، وقالوا: هي صفة للهاء التي في قوله ﴿إنها﴾ وقالوا: هي النذير، فعلى قول هؤلاء النذير نصب على القطع من إحدى الكبر؛ لأن إحدى الكبر معرفة، وقوله: ﴿نَذِيرًا﴾ نكرة، والكلام قد يحسُن الوقوف عليه دونه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: قال الحسن: والله ما أُنذر الناسُ بشيء أدهى منها، أو بداهية هي أدهى منها. وقال آخرون: بل ذلك من صفة الله تعالى، وهو خبر من الله عن نفسه، أنه نذير لخلقه، وعلى هذا القول يجب أن يكون نصب قوله ﴿نَذِيرًا﴾ على الخروج من جملة الكلام المتقدم، فيكون معنى الكلام: وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة نذيرا للبشر، يعني: إنذارا لهم؛ فيكون قوله ﴿نَذِيرًا﴾ بمعنى إنذارا لهم؛ كما قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ بمعنى إنذاري؛ ويكون أيضا بمعنى: إنها لإحدى الكُبَرِ؛ صيرنا ذلك كذلك نذيرا، فيكون قوله: ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ مؤدّيا عن معنى صيرنا ذلك كذلك، وهذا المعنى قصد من قال ذلك إن شاء الله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن أبي رزين ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: جهنم ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ يقول الله: أنا لكم منها نذير فاتقوها. وقال آخرون: بل ذلك من صفة رسول الله ﷺ، وقالوا: نصب نذيرا على الحال مما في قوله " قم "، وقالوا: معنى الكلام: قم نذيرا للبشر فأنذر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ قال: الخلق. قال: بنو آدم، البشر. فقيل له: محمد النذير؟ قال: نعم ينذرهم. * * وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ يقول تعالى ذكره: نذيرًا للبشر لمن شاء منكم أيها الناس أن يتقدّم في طاعة الله، أو يتأخر في معصية الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ قال: من شاء اتبع طاعة الله، ومن شاء تأخر عنها. ⁕ حدثني بشر؛ قال: ثنا يزيد؛ قال: ثنا سعيد؛ عن قتادة ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ يتقدّم في طاعة الله، أو يتأخر في معصيته.

Al-Mukhtasar (français)

et un avertissement qui menace et effraie les humains.

37

لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ

Pour qui d'entre vous, veut avancer ou reculer.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ﴾ أَيْ: خُزَّانها، ﴿إِلا مَلائِكَةً﴾ أَيْ: [زَبَانِيَةً] [[زيادة من م.]] غِلَاظًا شِدَادًا. وَذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ حِينَ ذَكَرَ عَدَدَ الْخَزَنَةِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَمَا يَسْتَطِيعُ كُلُّ عَشْرَةٍ مِنْكُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَتَغْلِبُونَهُمْ [[في أ: "فتغلبوهم".]] ؟ فَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً﴾ أَيْ: شَدِيدِي الخَلْق لَا يُقَاوَمُونَ وَلَا يُغَالَبُونَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَبَا الْأَشُدَّيْنِ -وَاسْمُهُ: كَلَدَة بْنُ أُسَيْدِ بْنِ خَلَفٍ-قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اكْفُونِي مِنْهُمُ اثْنَيْنِ وَأَنَا أَكْفِيكُمْ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ، إِعْجَابًا مِنْهُ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْقُوَّةِ فِيمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ عَلَى جِلْدِ الْبَقَرَةِ وَيُجَاذِبُهُ عَشْرَةٌ لِيَنْتَزِعُوهُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ، فَيَتَمَزَّقُ الْجِلْدُ وَلَا يَتَزَحْزَحُ عَنْهُ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَهُوَ الَّذِي دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مُصَارَعَتِهِ وَقَالَ: إِنْ صَرَعْتَنِي آمَنْتُ بِكَ، فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِرَارًا، فَلَمْ يُؤْمِنْ. قَالَ: وَقَدْ نَسَب ابنُ إِسْحَاقَ خَبَرَ الْمُصَارَعَةِ إِلَى رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ [[الروض الأنف للسهيلي (١/٢٠٠) .]] . قُلْتُ: وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا ذَكَرَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: إِنَّمَا ذَكَرْنَا عِدَّتَهُمْ أَنَّهُمْ تسعةَ عشرَ اخْتِبَارًا منَّا لِلنَّاسِ، ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أَيْ: يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا الرَّسُولَ حَقٌّ؛ فَإِنَّهُ نَطَقَ بِمُطَابَقَةِ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ. ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ أَيْ: إِلَى إِيمَانِهِمْ. بِمَا يَشْهَدُونَ مِنْ صِدْقِ إِخْبَارِ نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أَيْ: مِنَ الْمُنَافِقِينَ ﴿وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ ؟ أَيْ: يَقُولُونَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ هَذَا هَاهُنَا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ: مِنْ مِثْلِ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ يَتَأَكَّدُ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِ أَقْوَامٍ، وَيَتَزَلْزَلُ عِنْدَ آخَرِينَ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ أَيْ: مَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ وَكَثْرَتَهُمْ إِلَّا هُوَ تَعَالَى، لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّهُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ فَقَطْ، كَمَا قَدْ قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ وَالْجَهَالَةِ وَمِنَ الْفَلَاسِفَةِ الْيُونَانِيِّينَ. وَمَنْ تَابَعَهُمْ [[في م: "ومن شايعهم".]] مِنَ الْمِلَّتَيْنِ الَّذِينَ سَمِعُوا هَذِهِ الْآيَةَ، فَأَرَادُوا تَنْزِيلَهَا عَلَى الْعُقُولِ الْعَشَرَةِ وَالنُّفُوسِ التِّسْعَةِ، الَّتِي اخْتَرَعُوا دَعْوَاهَا وَعَجَزُوا عَنْ إِقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى مُقْتَضَاهَا، فَأُفْهِمُوا [[في أ: "فما فهموا".]] صَدْرَ هَذِهِ الْآيَةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِآخِرِهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ الْمَرْوِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي صِفَةِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ: "فَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ فِي كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ" [[هذا جزء من حديث أنس الطويل في الإسراء، وهو في صحيح البخاري برقم (٧٥١٧) ، وصحيح مسلم برقم (١٦٢) . وهذا القدر قد وقع لمسلم من هذا الوجه، وانظر أحاديث الإسراء عند تفسير أول سورة الإسراء.]] . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ مُورِقٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وحُقَّ لَهَا أَنْ تَئط، مَا فيها موضع أَصَابِعَ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ، لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَا تَلَذّذتم بِالنِّسَاءِ عَلَى [[في أ: "في".]] الفُرُشات، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: وَاللَّهِ لوددتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعضد. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ [[المسند (٥/١٧٣) ، وسنن الترمذي برقم (٢٣١٢) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤١٩٠) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَوْقُوفًا. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا خَيْرُ [[في م: "حدثنا حسين".]] بْنُ عَرَفَةَ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عُرْوَة بْنُ مَرْوَانَ الرُّقِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "ما في السموات السَّبْعِ مَوْضِعُ قَدَمٍ وَلَا شِبْرٍ وَلَا كَفٍّ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ، أَوْ مَلَكٌ سَاجِدٌ، أَوْ مَلَكٌ رَاكِعٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالُوا جَمِيعًا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، إِلَّا أَنَّا لَمْ نُشْرِكْ بِكَ شَيْئًا". [[المعجم الكبير (٢/١٨٤) ، وقال الهيثمي في المجمع (١/٥٢) : "وفيه عروة بن مروان". قلت: قال الدارقطني: ليس بالقوى.]] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي "كِتَابِ الصَّلَاةِ": حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانِ بْنِ مُحْرِز، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ قَالَ لَهُمْ: "هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ " قَالُوا: مَا نَسْمَعُ مِنْ شَيْءٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَسْمَعُ أَطِيطَ السَّمَاءِ وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئطّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ" [[تعظيم قدر الصلاة للمروزي برقم (٢٤٨) .]] . وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَهْزَاذَ [[في م: "مهزاذ".]] حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاذٍ الْفَضْلُ بْنُ خَالِدٍ النَّحْوِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَاهِلِيُّ، سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ، يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ، وَذَلِكَ قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصاقات: ١٦٤-١٦٦] . [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٣) .]] . وَهَذَا مَرْفُوعٌ [[في أ: "وهذا مرفوعا" وهو خطأ.]] غَرِيبٌ جِدًّا ثُمَّ رَوَاهُ [[في م: "ثم رواه".]] عَنْ مَحْمُودِ بْنِ آدَمَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مِنَ السَّمَاوَاتِ سَمَاءً مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أَوْ قَدَمَاهُ قَائِمًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٤) .]] . ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أُمِّهِ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عُثْمَانَ [[في هـ: "عمر".]] بْنِ عَطِيَّةَ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ [مِنْ بَنِي] [[زيادة من م.]] سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ. حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ زَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ مِنْ بَنِي الْحُبُلِيِّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ، مَنْ بَنِي سَالِمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَلَاءِ، مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ الْعَلَاءِ بْنِ سَعْدٍ -وَقَدْ شَهِدَ الْفَتْحَ وَمَا بَعْدَهُ-أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمًا لِجُلَسَائِهِ: "هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ " قَالُوا: وَمَا تَسَمَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئط، إِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَوْضِعُ قَدَم إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ، وقالَ الْمَلَائِكَةُ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٥) .]] وَهَذَا إِسْنَادٌ غَرِيبٌ جِدًّا. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا [مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا] [[زيادة من تعظيم قدر الصلاة (٢٥٦) .]] إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الفَروي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ديناره، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ جَاءَ وَالصَّلَاةُ قَائِمَةٌ، وَنَفَرٌ ثَلَاثَةٌ جُلُوسٌ، أَحَدُهُمْ أَبُو جَحْشٍ اللَّيْثِيُّ، فَقَالَ: قُومُوا فَصَلُّوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ. فَقَامَ اثْنَانِ وَأَبَى أَبُو جَحْشٍ أَنْ يَقُومَ، وَقَالَ: لَا أَقُومُ حَتَّى يَأْتِيَ رَجُلٌ هُوَ أَقْوَى مِنِّي ذِرَاعَيْنِ، وَأَشَدُّ مِنِّي بَطْشًا فَيَصْرَعُنِي، ثُمَّ يَدس وَجْهِي فِي التُّرَابِ. قَالَ عُمَرُ: فَصَرَعْتُهُ وَدَسَسْتُ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، فَأَتَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَحَجَزَنِي عَنْهُ، فَخَرَجَ عُمَرُ مُغْضَبًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فقال: "مَا رَأيَكَ يَا أَبَا حَفْصٍ؟ ". فَذَكَرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إن رضى عُمَرَ رحمةٌ، وَاللَّهِ لوددْتُ أَنَّكَ جِئْتَنِي بِرَأْسِ الْخَبِيثِ"، فَقَامَ عُمَرُ يُوجّهُ نَحْوَهُ، فَلَمَّا أَبْعَدَ نَادَاهُ فَقَالَ: "اجْلِسْ حَتَّى أُخْبِرَكَ بِغِنَى الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ صَلَاةِ أَبِي جَحْشٍ، إِنَّ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَلَائِكَةً خُشُوعًا [[في م، أ: "خشوع".]] لَا يرفعون رءوسهم حتى تقوم الساعة. فإذا قامت رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ ثُمَّ قَالُوا: رَبَّنَا، مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، وَإِنَّ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ مَلَائِكَةً سُجُودًا لَا يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَإِذَا قَامَتِ السَّاعَةُ رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ، وَقَالُوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ" فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَمَا يَقُولُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: " أَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ. وَأَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ. وَأَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ. فَقُلْهَا يَا عُمَرُ فِي صَلَاتِكَ". فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِالَّذِي كُنْتَ عَلَّمْتَنِي وَأَمَرْتَنِي أَنْ أَقُولَهُ فِي صَلَاتِي؟ فَقَالَ: "قُلْ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً". وَكَانَ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ أَنْ يَقُولَ: "أَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عِقَابِكَ، وَأَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سخَطك، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، جَلَّ وَجْهُكَ" [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٦) ، ورواه الحاكم في المستدرك (٣/٨٧) من طريق إسحاق الفروي به، وقال: "حديث صحيح الإسناد على شريط البخاري ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي. قلت: "منكر غريب، وما هو على شرط البخاري، وفيه عبد الملك بن قدامة الجحمي ضعيف، تفرد به".]] وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، بَلْ مُنْكَرٌ نَكَارَةً شَدِيدَةً، وَإِسْحَاقُ الْفَرَوِيُّ رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْعُقَيْلِيُّ وَالدَّارُقُطْنِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: كَانَ صَدُوقًا إِلَّا أَنَّهُ ذَهَبَ بَصَرُهُ فرُبما لُقِّنَ، وَكُتُبُهُ صَحِيحَةٌ. وَقَالَ مَرَّةً: هُوَ مُضْطَرِبٌ، وَشَيْخُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ أَبُو قَتَادَةَ الْجُمَحِيُّ: تُكَلِّمَ فِيهِ أَيْضًا. وَالْعَجَبُ مِنَ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ كَيْفَ رَوَاهُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ، وَلَا عَرَّف بِحَالِهِ، وَلَا تَعَرَّضَ لِضَعْفِ بَعْضِ رِجَالِهِ؟! غَيْرَ أَنَّهُ رَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلًا بِنَحْوِهِ. وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مُرْسَلًا قَرِيبًا مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَهْزَاذَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ أَرْطَاةَ وَهُوَ يَخْطُبُنَا عَلَى مِنْبَرِ الْمَدَائِنِ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَائِكَةً تُرعَد فَرَائِصُهُمْ مِنْ خِيفَتِهِ، مَا مِنْهُمْ مَلَكٌ تَقْطُرُ مِنْهُ دَمْعَةٌ مِنْ عَيْنِهِ إِلَّا وَقَعَتْ عَلَى مَلَكٍ يُصَلِّي، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَلَائِكَةً سُجُودًا مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ وَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَلَائِكَةً رُكُوعًا لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ نَظَرُوا إِلَى وَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالُوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ" [[تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٦٠) .]] . وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا بَأْسَ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: ﴿وَمَا هِيَ﴾ أَيِ: النَّارُ الَّتِي وصفت، ﴿إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿كَلا وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ أَيْ: وَلَّى، ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ أَيْ: أَشْرَقَ، ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ أَيِ: الْعَظَائِمِ، يَعْنِي: النَّارَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ أَيْ: لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَقْبَلَ النِّذَارَةَ وَيَهْتَدِيَ لِلْحَقِّ، أَوْ يَتَأَخَّرَ عَنْهَا وَيُوَلِّيَ وَيَرُدَّهَا.

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) ﴾ . يعني تعالى ذكره بقوله ﴿كَلا﴾ ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابَهُ المشركين خزنةُ جهنم حتى يجهضهم عنها، ثم أقسم ربنا تعالى فقال: ﴿وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ يقول: والليل إذ ولَّى ذاهبا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ إذ ولَّى. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي؛ عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ دبوره: إظلامه. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ ، وبعض قرّاء مكة والكوفة ﴿إذا دَبَرَ﴾ . والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقد اختلف أهل العلم بكلام العرب في ذلك، فقال بعض الكوفيين: هما لغتان، يقال: دبر النهار وأدبر، ودبر الصيف وأدبر، قال: وكذلك قَبل وأقبل؛ فإذا قالوا: أقبل الراكب وأدبر لم يقولوه إلا بالألف. وقال بعض البصريين: ﴿واللَّيْل إذَا دَبَرَ﴾ يعني: إذا دبر النهار وكان في آخره؛ قال: ويقال: دبرني: إذا جاء خلفي، وأدبر: إذا ولَّى. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما لغتان بمعنى، وذلك أنه محكيّ عن العرب: قبح الله ما قَبِل منه وما دبر. وأخرى أن أهل التفسير لم يميزوا في تفسيرهم بين القراءتين، وذلك دليل على أنهم فعلوا ذلك كذلك، لأنهما بمعنى واحد. * * وقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ يقول تعالى ذكره: والصبح إذا أضاء. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ إذا أضاء وأقبل ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يقول تعالى ذكره: إن جهنم لإحدى الكبر، يعني: الأمور العظام. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يعني: جهنم. ⁕ حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: جهنم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: هذه النار. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: هي النار. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يعني: جهنم. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ يعني جهنم. * * وقوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ يقول تعالى ذكره: إن النار لإحدى الكبر، نذيرا لبنى آدم. واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ، وما الموصوف بذلك، فقال بعضهم: عُنِيَ بذلك النار، وقالوا: هي صفة للهاء التي في قوله ﴿إنها﴾ وقالوا: هي النذير، فعلى قول هؤلاء النذير نصب على القطع من إحدى الكبر؛ لأن إحدى الكبر معرفة، وقوله: ﴿نَذِيرًا﴾ نكرة، والكلام قد يحسُن الوقوف عليه دونه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: قال الحسن: والله ما أُنذر الناسُ بشيء أدهى منها، أو بداهية هي أدهى منها. وقال آخرون: بل ذلك من صفة الله تعالى، وهو خبر من الله عن نفسه، أنه نذير لخلقه، وعلى هذا القول يجب أن يكون نصب قوله ﴿نَذِيرًا﴾ على الخروج من جملة الكلام المتقدم، فيكون معنى الكلام: وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة نذيرا للبشر، يعني: إنذارا لهم؛ فيكون قوله ﴿نَذِيرًا﴾ بمعنى إنذارا لهم؛ كما قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ بمعنى إنذاري؛ ويكون أيضا بمعنى: إنها لإحدى الكُبَرِ؛ صيرنا ذلك كذلك نذيرا، فيكون قوله: ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ مؤدّيا عن معنى صيرنا ذلك كذلك، وهذا المعنى قصد من قال ذلك إن شاء الله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن أبي رزين ﴿إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ﴾ قال: جهنم ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ يقول الله: أنا لكم منها نذير فاتقوها. وقال آخرون: بل ذلك من صفة رسول الله ﷺ، وقالوا: نصب نذيرا على الحال مما في قوله " قم "، وقالوا: معنى الكلام: قم نذيرا للبشر فأنذر. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ قال: الخلق. قال: بنو آدم، البشر. فقيل له: محمد النذير؟ قال: نعم ينذرهم. * * وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ يقول تعالى ذكره: نذيرًا للبشر لمن شاء منكم أيها الناس أن يتقدّم في طاعة الله، أو يتأخر في معصية الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ قال: من شاء اتبع طاعة الله، ومن شاء تأخر عنها. ⁕ حدثني بشر؛ قال: ثنا يزيد؛ قال: ثنا سعيد؛ عن قتادة ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ يتقدّم في طاعة الله، أو يتأخر في معصيته.

Al-Mukhtasar (français)

Pour qui d’entre vous, ô gens, désire avancer dans la foi et les bonnes œuvres ou bien reculer dans la mécréance et les péchés.

38

كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ

Toute âme est l'otage de ce qu'elle a acquis.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أَيْ: مُعْتَقَلَةٌ بِعَمَلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فَإِنَّهُمْ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: يَسْأَلُونَ الْمُجْرِمِينَ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ وَأُولَئِكَ فِي الدِّرْكَاتِ قَائِلِينَ لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أَيْ: مَا عَبَدَنَا رَبَّنَا وَلَا أَحْسَنَّا إِلَى خَلْقِهِ مِنْ جِنْسِنَا، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ أَيْ: نَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا نَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا غَوِيَ غَاوٍ غَوَيْنَا مَعَهُ، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٩] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما هُوَ -يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ-فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٢٤٣) من حديث أم العلاء رضي الله عنها.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ [[في م: "بمثل هذه".]] الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ لَا تَنْفَعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفَاعَةُ شَافِعٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تُنْجِعُ إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا فَأَمَّا مَنْ وَافَى اللَّهَ كَافِرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَهُ النَّارُ لَا مَحَالَةَ، خَالِدًا فِيهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ قِبَلَكَ مِمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَتُذَكِّرُهُمْ بِهِ مُعْرِضِينَ، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُمْ فِي نِفَارِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ حُمُر مِنْ حُمُرِ الْوَحْشِ إِذَا فَرَّتْ مِمَّنْ يُرِيدُ صَيْدَهَا مِنْ أَسُدٍ، قاله أبو هريرة، وَابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ-عَنْهُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. أَوْ: رَامٍ، وَهُوَ رواية [[في م: "وهما روايتان".]] عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ [[في أ: "يوسف بن ماهك".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَسَدُ، بِالْعَرَبِيَّةِ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ: قَسْوَرَةٌ، وَبِالْفَارِسِيَّةِ: شير [[في أ: "بتار".]] وَبِالنَّبَطِيَّةِ: أويا. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أَيْ: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا كَمَا أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ: يُرِيدُونَ أَنْ يُؤْتُوا بَرَاءَةً بِغَيْرِ عَمَلٍ. فَقَوْلُهُ: ﴿كَلا بَلْ لَا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَفْسَدَهُمْ عَدَمُ إِيمَانِهِمْ بِهَا، وَتَكْذِيبُهُمْ بِوُقُوعِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أَيْ: حَقًّا إِنَّ الْقُرْآنَ تَذْكِرَةٌ، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أَيْ: هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُخاف مِنْهُ، وَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يَغفر ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ [[في أ: "حدثنا يزيد".]] بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ -أَخُو حَزْمٍ [[في م: "أخو حمزة".]] -حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وَقَالَ: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَلَا يُجْعَلْ مَعِي إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا كَانَ أَهْلًا أَنْ أَغْفِرَ لَهُ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطْعِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٢) ، وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٩٩) ، وتفسير النسائي (٢/٤٧٥) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَسُهَيْلٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سُهَيل، بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، والبَزار، والبَغَوي، وَغَيْرُهُمْ، مِنْ حَدِيثِ سُهَيل القُطَعي، بِهِ. [[مسند أبي يعلى (٦/٦٦) ، ومعالم التنزيل للبغوي (٨/٢٧٦) .]] آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْمُدَّثِّرِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة [وحسبنا الله ونعم الوكيل] [[زيادة من م.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) ﴾ . يقول تعالى ذكره: كلّ نفس مأمورة منهية بما عملت من معصية الله في الدنيا، رهينة في جهنم ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فإنهم غير مرتهنين، ولكنهم ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ يقول: مأخوذة بعملها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: غلق الناس كلهم إلا أصحاب اليمين. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: لا يحاسبون. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ أصحابَ اليمين لا يرتهنون بذنوبهم، ولكن يغفرها الله لهم، وقرأ قول الله: ﴿إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ قال: لا يؤاخذهم الله بسيئ أعمالهم، ولكن يغفرها الله لهم، ويتجاوز عنهم كما وعدهم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قال: كل نفس سبقت له كلمة العذاب يرتهنه الله في النار، لا يرتهن الله أحدا من أهل الجنة، ألم تسمع أنه قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ يقول: ليسوا رهينة ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: إن كان أحدهم سبقت له كلمة العذاب جُعلَ منزله في النار يكون فيها رهنا، وليس يرتهن أحد من أهل الجنة هم في جنات يتساءلون. واختلف أهل التأويل في أصحاب اليمين الذين ذكرهم الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: هم أطفال المسلمين. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني واصل بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن فضيل، عن الأعمش، عن عثمان، عن زاذان، عن علي رضي الله عنه في هذه الآية ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: هم الولدان. ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عثمان أبي اليقظان، عن زاذان أبي عمر عن عليّ رضي الله عنه في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: أطفال المسلمين. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن عثمان بن عمير أبي اليقظان، عن زاذان أبي عمر، عن عليّ رضي الله عنه ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: أولاد المسلمين. ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن عليّ رضي الله عنه ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: هم الولدان. وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: هم الملائكة، وإنما قال من قال: أصحاب اليمين في هذا الموضع: هم الولدان وأطفال المسلمين؛ ومن قال: هم الملائكة، لأن هؤلاء لم يكن لهم ذنوب، وقالوا: لم يكونوا ليسألوا المجرمين ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ إلا إنهم لم يقترفوا في الدنيا مآثم، ولو كانوا اقترفوها وعرفوها لم يكونوا ليسألوهم عما سلكهم في سقر، لأن كلّ من دخل من بني آدم ممن بلغ حدّ التكليف، ولزِمه فرض الأمر والنهي، قد علم أن أحدا لا يعاقب إلا على المعصية. * * وقوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ يقول: أصحاب اليمين في بساتين يتساءلون عن المجرمين الذين سلكوا في سقر، أيّ شيء سلككم في سقر؟ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ يقول: قال المجرمون لهم: لم نك في الدنيا من المصلين لله ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ بخلا بما خوّلهم الله، ومنعا له من حقه. ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ يقول: وكنا نخوض في الباطل وفيما يكرهه الله مع من يخوض فيه. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ قال: كلما غوى غاوٍ غوى معه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قوله: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ قال: يقولون: كلما غوى غاو غوينا معه.

Al-Mukhtasar (français)

Toute âme est l’otage de ses œuvres: soit elles la damnent, soit elles la sauvent et lui épargnent la perdition.

39

إِلَّآ أَصْحَٰبَ ٱلْيَمِينِ

Sauf les gens de la droite (les élus):

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أَيْ: مُعْتَقَلَةٌ بِعَمَلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فَإِنَّهُمْ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: يَسْأَلُونَ الْمُجْرِمِينَ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ وَأُولَئِكَ فِي الدِّرْكَاتِ قَائِلِينَ لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أَيْ: مَا عَبَدَنَا رَبَّنَا وَلَا أَحْسَنَّا إِلَى خَلْقِهِ مِنْ جِنْسِنَا، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ أَيْ: نَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا نَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا غَوِيَ غَاوٍ غَوَيْنَا مَعَهُ، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٩] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما هُوَ -يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ-فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٢٤٣) من حديث أم العلاء رضي الله عنها.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ [[في م: "بمثل هذه".]] الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ لَا تَنْفَعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفَاعَةُ شَافِعٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تُنْجِعُ إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا فَأَمَّا مَنْ وَافَى اللَّهَ كَافِرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَهُ النَّارُ لَا مَحَالَةَ، خَالِدًا فِيهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ قِبَلَكَ مِمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَتُذَكِّرُهُمْ بِهِ مُعْرِضِينَ، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُمْ فِي نِفَارِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ حُمُر مِنْ حُمُرِ الْوَحْشِ إِذَا فَرَّتْ مِمَّنْ يُرِيدُ صَيْدَهَا مِنْ أَسُدٍ، قاله أبو هريرة، وَابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ-عَنْهُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. أَوْ: رَامٍ، وَهُوَ رواية [[في م: "وهما روايتان".]] عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ [[في أ: "يوسف بن ماهك".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَسَدُ، بِالْعَرَبِيَّةِ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ: قَسْوَرَةٌ، وَبِالْفَارِسِيَّةِ: شير [[في أ: "بتار".]] وَبِالنَّبَطِيَّةِ: أويا. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أَيْ: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا كَمَا أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ: يُرِيدُونَ أَنْ يُؤْتُوا بَرَاءَةً بِغَيْرِ عَمَلٍ. فَقَوْلُهُ: ﴿كَلا بَلْ لَا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَفْسَدَهُمْ عَدَمُ إِيمَانِهِمْ بِهَا، وَتَكْذِيبُهُمْ بِوُقُوعِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أَيْ: حَقًّا إِنَّ الْقُرْآنَ تَذْكِرَةٌ، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أَيْ: هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُخاف مِنْهُ، وَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يَغفر ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ [[في أ: "حدثنا يزيد".]] بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ -أَخُو حَزْمٍ [[في م: "أخو حمزة".]] -حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وَقَالَ: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَلَا يُجْعَلْ مَعِي إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا كَانَ أَهْلًا أَنْ أَغْفِرَ لَهُ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطْعِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٢) ، وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٩٩) ، وتفسير النسائي (٢/٤٧٥) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَسُهَيْلٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سُهَيل، بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، والبَزار، والبَغَوي، وَغَيْرُهُمْ، مِنْ حَدِيثِ سُهَيل القُطَعي، بِهِ. [[مسند أبي يعلى (٦/٦٦) ، ومعالم التنزيل للبغوي (٨/٢٧٦) .]] آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْمُدَّثِّرِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة [وحسبنا الله ونعم الوكيل] [[زيادة من م.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) ﴾ . يقول تعالى ذكره: كلّ نفس مأمورة منهية بما عملت من معصية الله في الدنيا، رهينة في جهنم ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فإنهم غير مرتهنين، ولكنهم ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ يقول: مأخوذة بعملها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: غلق الناس كلهم إلا أصحاب اليمين. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: لا يحاسبون. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ أصحابَ اليمين لا يرتهنون بذنوبهم، ولكن يغفرها الله لهم، وقرأ قول الله: ﴿إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ قال: لا يؤاخذهم الله بسيئ أعمالهم، ولكن يغفرها الله لهم، ويتجاوز عنهم كما وعدهم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قال: كل نفس سبقت له كلمة العذاب يرتهنه الله في النار، لا يرتهن الله أحدا من أهل الجنة، ألم تسمع أنه قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ يقول: ليسوا رهينة ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: إن كان أحدهم سبقت له كلمة العذاب جُعلَ منزله في النار يكون فيها رهنا، وليس يرتهن أحد من أهل الجنة هم في جنات يتساءلون. واختلف أهل التأويل في أصحاب اليمين الذين ذكرهم الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: هم أطفال المسلمين. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني واصل بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن فضيل، عن الأعمش، عن عثمان، عن زاذان، عن علي رضي الله عنه في هذه الآية ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: هم الولدان. ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عثمان أبي اليقظان، عن زاذان أبي عمر عن عليّ رضي الله عنه في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: أطفال المسلمين. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن عثمان بن عمير أبي اليقظان، عن زاذان أبي عمر، عن عليّ رضي الله عنه ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: أولاد المسلمين. ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن عليّ رضي الله عنه ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: هم الولدان. وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: هم الملائكة، وإنما قال من قال: أصحاب اليمين في هذا الموضع: هم الولدان وأطفال المسلمين؛ ومن قال: هم الملائكة، لأن هؤلاء لم يكن لهم ذنوب، وقالوا: لم يكونوا ليسألوا المجرمين ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ إلا إنهم لم يقترفوا في الدنيا مآثم، ولو كانوا اقترفوها وعرفوها لم يكونوا ليسألوهم عما سلكهم في سقر، لأن كلّ من دخل من بني آدم ممن بلغ حدّ التكليف، ولزِمه فرض الأمر والنهي، قد علم أن أحدا لا يعاقب إلا على المعصية. * * وقوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ يقول: أصحاب اليمين في بساتين يتساءلون عن المجرمين الذين سلكوا في سقر، أيّ شيء سلككم في سقر؟ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ يقول: قال المجرمون لهم: لم نك في الدنيا من المصلين لله ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ بخلا بما خوّلهم الله، ومنعا له من حقه. ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ يقول: وكنا نخوض في الباطل وفيما يكرهه الله مع من يخوض فيه. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ قال: كلما غوى غاوٍ غوى معه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قوله: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ قال: يقولون: كلما غوى غاو غوينا معه.

Al-Mukhtasar (français)

Exception faite des croyants qui ne seront pas châtiés pour leurs péchés. Allah les leur pardonnera plutôt pour leurs bonnes œuvres.

40

فِى جَنَّٰتٍۢ يَتَسَآءَلُونَ

dans des Jardins, ils s'interrogeront

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أَيْ: مُعْتَقَلَةٌ بِعَمَلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فَإِنَّهُمْ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: يَسْأَلُونَ الْمُجْرِمِينَ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ وَأُولَئِكَ فِي الدِّرْكَاتِ قَائِلِينَ لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أَيْ: مَا عَبَدَنَا رَبَّنَا وَلَا أَحْسَنَّا إِلَى خَلْقِهِ مِنْ جِنْسِنَا، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ أَيْ: نَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا نَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا غَوِيَ غَاوٍ غَوَيْنَا مَعَهُ، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٩] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما هُوَ -يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ-فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٢٤٣) من حديث أم العلاء رضي الله عنها.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ [[في م: "بمثل هذه".]] الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ لَا تَنْفَعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفَاعَةُ شَافِعٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تُنْجِعُ إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا فَأَمَّا مَنْ وَافَى اللَّهَ كَافِرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَهُ النَّارُ لَا مَحَالَةَ، خَالِدًا فِيهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ قِبَلَكَ مِمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَتُذَكِّرُهُمْ بِهِ مُعْرِضِينَ، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُمْ فِي نِفَارِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ حُمُر مِنْ حُمُرِ الْوَحْشِ إِذَا فَرَّتْ مِمَّنْ يُرِيدُ صَيْدَهَا مِنْ أَسُدٍ، قاله أبو هريرة، وَابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ-عَنْهُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. أَوْ: رَامٍ، وَهُوَ رواية [[في م: "وهما روايتان".]] عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ [[في أ: "يوسف بن ماهك".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَسَدُ، بِالْعَرَبِيَّةِ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ: قَسْوَرَةٌ، وَبِالْفَارِسِيَّةِ: شير [[في أ: "بتار".]] وَبِالنَّبَطِيَّةِ: أويا. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أَيْ: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا كَمَا أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ: يُرِيدُونَ أَنْ يُؤْتُوا بَرَاءَةً بِغَيْرِ عَمَلٍ. فَقَوْلُهُ: ﴿كَلا بَلْ لَا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَفْسَدَهُمْ عَدَمُ إِيمَانِهِمْ بِهَا، وَتَكْذِيبُهُمْ بِوُقُوعِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أَيْ: حَقًّا إِنَّ الْقُرْآنَ تَذْكِرَةٌ، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أَيْ: هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُخاف مِنْهُ، وَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يَغفر ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ [[في أ: "حدثنا يزيد".]] بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ -أَخُو حَزْمٍ [[في م: "أخو حمزة".]] -حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وَقَالَ: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَلَا يُجْعَلْ مَعِي إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا كَانَ أَهْلًا أَنْ أَغْفِرَ لَهُ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطْعِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٢) ، وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٩٩) ، وتفسير النسائي (٢/٤٧٥) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَسُهَيْلٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سُهَيل، بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، والبَزار، والبَغَوي، وَغَيْرُهُمْ، مِنْ حَدِيثِ سُهَيل القُطَعي، بِهِ. [[مسند أبي يعلى (٦/٦٦) ، ومعالم التنزيل للبغوي (٨/٢٧٦) .]] آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْمُدَّثِّرِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة [وحسبنا الله ونعم الوكيل] [[زيادة من م.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) ﴾ . يقول تعالى ذكره: كلّ نفس مأمورة منهية بما عملت من معصية الله في الدنيا، رهينة في جهنم ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فإنهم غير مرتهنين، ولكنهم ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ يقول: مأخوذة بعملها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: غلق الناس كلهم إلا أصحاب اليمين. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: لا يحاسبون. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ أصحابَ اليمين لا يرتهنون بذنوبهم، ولكن يغفرها الله لهم، وقرأ قول الله: ﴿إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ قال: لا يؤاخذهم الله بسيئ أعمالهم، ولكن يغفرها الله لهم، ويتجاوز عنهم كما وعدهم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قال: كل نفس سبقت له كلمة العذاب يرتهنه الله في النار، لا يرتهن الله أحدا من أهل الجنة، ألم تسمع أنه قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ يقول: ليسوا رهينة ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: إن كان أحدهم سبقت له كلمة العذاب جُعلَ منزله في النار يكون فيها رهنا، وليس يرتهن أحد من أهل الجنة هم في جنات يتساءلون. واختلف أهل التأويل في أصحاب اليمين الذين ذكرهم الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: هم أطفال المسلمين. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني واصل بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن فضيل، عن الأعمش، عن عثمان، عن زاذان، عن علي رضي الله عنه في هذه الآية ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: هم الولدان. ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عثمان أبي اليقظان، عن زاذان أبي عمر عن عليّ رضي الله عنه في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: أطفال المسلمين. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن عثمان بن عمير أبي اليقظان، عن زاذان أبي عمر، عن عليّ رضي الله عنه ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: أولاد المسلمين. ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن عليّ رضي الله عنه ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: هم الولدان. وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: هم الملائكة، وإنما قال من قال: أصحاب اليمين في هذا الموضع: هم الولدان وأطفال المسلمين؛ ومن قال: هم الملائكة، لأن هؤلاء لم يكن لهم ذنوب، وقالوا: لم يكونوا ليسألوا المجرمين ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ إلا إنهم لم يقترفوا في الدنيا مآثم، ولو كانوا اقترفوها وعرفوها لم يكونوا ليسألوهم عما سلكهم في سقر، لأن كلّ من دخل من بني آدم ممن بلغ حدّ التكليف، ولزِمه فرض الأمر والنهي، قد علم أن أحدا لا يعاقب إلا على المعصية. * * وقوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ يقول: أصحاب اليمين في بساتين يتساءلون عن المجرمين الذين سلكوا في سقر، أيّ شيء سلككم في سقر؟ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ يقول: قال المجرمون لهم: لم نك في الدنيا من المصلين لله ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ بخلا بما خوّلهم الله، ومنعا له من حقه. ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ يقول: وكنا نخوض في الباطل وفيما يكرهه الله مع من يخوض فيه. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ قال: كلما غوى غاوٍ غوى معه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قوله: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ قال: يقولون: كلما غوى غاو غوينا معه.

Al-Mukhtasar (français)

Le Jour de la Résurrection, ils seront dans des Jardins où ils se questionneront les uns les autres

41

عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ

au sujet des criminels:

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أَيْ: مُعْتَقَلَةٌ بِعَمَلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فَإِنَّهُمْ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: يَسْأَلُونَ الْمُجْرِمِينَ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ وَأُولَئِكَ فِي الدِّرْكَاتِ قَائِلِينَ لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أَيْ: مَا عَبَدَنَا رَبَّنَا وَلَا أَحْسَنَّا إِلَى خَلْقِهِ مِنْ جِنْسِنَا، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ أَيْ: نَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا نَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا غَوِيَ غَاوٍ غَوَيْنَا مَعَهُ، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٩] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما هُوَ -يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ-فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٢٤٣) من حديث أم العلاء رضي الله عنها.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ [[في م: "بمثل هذه".]] الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ لَا تَنْفَعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفَاعَةُ شَافِعٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تُنْجِعُ إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا فَأَمَّا مَنْ وَافَى اللَّهَ كَافِرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَهُ النَّارُ لَا مَحَالَةَ، خَالِدًا فِيهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ قِبَلَكَ مِمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَتُذَكِّرُهُمْ بِهِ مُعْرِضِينَ، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُمْ فِي نِفَارِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ حُمُر مِنْ حُمُرِ الْوَحْشِ إِذَا فَرَّتْ مِمَّنْ يُرِيدُ صَيْدَهَا مِنْ أَسُدٍ، قاله أبو هريرة، وَابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ-عَنْهُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. أَوْ: رَامٍ، وَهُوَ رواية [[في م: "وهما روايتان".]] عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ [[في أ: "يوسف بن ماهك".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَسَدُ، بِالْعَرَبِيَّةِ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ: قَسْوَرَةٌ، وَبِالْفَارِسِيَّةِ: شير [[في أ: "بتار".]] وَبِالنَّبَطِيَّةِ: أويا. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أَيْ: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا كَمَا أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ: يُرِيدُونَ أَنْ يُؤْتُوا بَرَاءَةً بِغَيْرِ عَمَلٍ. فَقَوْلُهُ: ﴿كَلا بَلْ لَا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَفْسَدَهُمْ عَدَمُ إِيمَانِهِمْ بِهَا، وَتَكْذِيبُهُمْ بِوُقُوعِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أَيْ: حَقًّا إِنَّ الْقُرْآنَ تَذْكِرَةٌ، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أَيْ: هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُخاف مِنْهُ، وَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يَغفر ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ [[في أ: "حدثنا يزيد".]] بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ -أَخُو حَزْمٍ [[في م: "أخو حمزة".]] -حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وَقَالَ: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَلَا يُجْعَلْ مَعِي إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا كَانَ أَهْلًا أَنْ أَغْفِرَ لَهُ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطْعِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٢) ، وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٩٩) ، وتفسير النسائي (٢/٤٧٥) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَسُهَيْلٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سُهَيل، بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، والبَزار، والبَغَوي، وَغَيْرُهُمْ، مِنْ حَدِيثِ سُهَيل القُطَعي، بِهِ. [[مسند أبي يعلى (٦/٦٦) ، ومعالم التنزيل للبغوي (٨/٢٧٦) .]] آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْمُدَّثِّرِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة [وحسبنا الله ونعم الوكيل] [[زيادة من م.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) ﴾ . يقول تعالى ذكره: كلّ نفس مأمورة منهية بما عملت من معصية الله في الدنيا، رهينة في جهنم ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فإنهم غير مرتهنين، ولكنهم ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ يقول: مأخوذة بعملها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: غلق الناس كلهم إلا أصحاب اليمين. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: لا يحاسبون. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ أصحابَ اليمين لا يرتهنون بذنوبهم، ولكن يغفرها الله لهم، وقرأ قول الله: ﴿إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ قال: لا يؤاخذهم الله بسيئ أعمالهم، ولكن يغفرها الله لهم، ويتجاوز عنهم كما وعدهم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قال: كل نفس سبقت له كلمة العذاب يرتهنه الله في النار، لا يرتهن الله أحدا من أهل الجنة، ألم تسمع أنه قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ يقول: ليسوا رهينة ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: إن كان أحدهم سبقت له كلمة العذاب جُعلَ منزله في النار يكون فيها رهنا، وليس يرتهن أحد من أهل الجنة هم في جنات يتساءلون. واختلف أهل التأويل في أصحاب اليمين الذين ذكرهم الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: هم أطفال المسلمين. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني واصل بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن فضيل، عن الأعمش، عن عثمان، عن زاذان، عن علي رضي الله عنه في هذه الآية ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: هم الولدان. ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عثمان أبي اليقظان، عن زاذان أبي عمر عن عليّ رضي الله عنه في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: أطفال المسلمين. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن عثمان بن عمير أبي اليقظان، عن زاذان أبي عمر، عن عليّ رضي الله عنه ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: أولاد المسلمين. ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن عليّ رضي الله عنه ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: هم الولدان. وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: هم الملائكة، وإنما قال من قال: أصحاب اليمين في هذا الموضع: هم الولدان وأطفال المسلمين؛ ومن قال: هم الملائكة، لأن هؤلاء لم يكن لهم ذنوب، وقالوا: لم يكونوا ليسألوا المجرمين ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ إلا إنهم لم يقترفوا في الدنيا مآثم، ولو كانوا اقترفوها وعرفوها لم يكونوا ليسألوهم عما سلكهم في سقر، لأن كلّ من دخل من بني آدم ممن بلغ حدّ التكليف، ولزِمه فرض الأمر والنهي، قد علم أن أحدا لا يعاقب إلا على المعصية. * * وقوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ يقول: أصحاب اليمين في بساتين يتساءلون عن المجرمين الذين سلكوا في سقر، أيّ شيء سلككم في سقر؟ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ يقول: قال المجرمون لهم: لم نك في الدنيا من المصلين لله ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ بخلا بما خوّلهم الله، ومنعا له من حقه. ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ يقول: وكنا نخوض في الباطل وفيما يكرهه الله مع من يخوض فيه. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ قال: كلما غوى غاوٍ غوى معه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قوله: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ قال: يقولون: كلما غوى غاو غوينا معه.

Al-Mukhtasar (français)

au sujet des criminels qui se sont conduits eux-mêmes en péchant, à la perdition.

42

مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ

«Qu'est-ce qui vous a acheminés à Saqar?»

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أَيْ: مُعْتَقَلَةٌ بِعَمَلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فَإِنَّهُمْ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: يَسْأَلُونَ الْمُجْرِمِينَ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ وَأُولَئِكَ فِي الدِّرْكَاتِ قَائِلِينَ لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أَيْ: مَا عَبَدَنَا رَبَّنَا وَلَا أَحْسَنَّا إِلَى خَلْقِهِ مِنْ جِنْسِنَا، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ أَيْ: نَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا نَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا غَوِيَ غَاوٍ غَوَيْنَا مَعَهُ، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٩] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما هُوَ -يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ-فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٢٤٣) من حديث أم العلاء رضي الله عنها.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ [[في م: "بمثل هذه".]] الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ لَا تَنْفَعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفَاعَةُ شَافِعٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تُنْجِعُ إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا فَأَمَّا مَنْ وَافَى اللَّهَ كَافِرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَهُ النَّارُ لَا مَحَالَةَ، خَالِدًا فِيهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ قِبَلَكَ مِمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَتُذَكِّرُهُمْ بِهِ مُعْرِضِينَ، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُمْ فِي نِفَارِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ حُمُر مِنْ حُمُرِ الْوَحْشِ إِذَا فَرَّتْ مِمَّنْ يُرِيدُ صَيْدَهَا مِنْ أَسُدٍ، قاله أبو هريرة، وَابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ-عَنْهُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. أَوْ: رَامٍ، وَهُوَ رواية [[في م: "وهما روايتان".]] عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ [[في أ: "يوسف بن ماهك".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَسَدُ، بِالْعَرَبِيَّةِ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ: قَسْوَرَةٌ، وَبِالْفَارِسِيَّةِ: شير [[في أ: "بتار".]] وَبِالنَّبَطِيَّةِ: أويا. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أَيْ: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا كَمَا أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ: يُرِيدُونَ أَنْ يُؤْتُوا بَرَاءَةً بِغَيْرِ عَمَلٍ. فَقَوْلُهُ: ﴿كَلا بَلْ لَا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَفْسَدَهُمْ عَدَمُ إِيمَانِهِمْ بِهَا، وَتَكْذِيبُهُمْ بِوُقُوعِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أَيْ: حَقًّا إِنَّ الْقُرْآنَ تَذْكِرَةٌ، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أَيْ: هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُخاف مِنْهُ، وَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يَغفر ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ [[في أ: "حدثنا يزيد".]] بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ -أَخُو حَزْمٍ [[في م: "أخو حمزة".]] -حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وَقَالَ: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَلَا يُجْعَلْ مَعِي إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا كَانَ أَهْلًا أَنْ أَغْفِرَ لَهُ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطْعِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٢) ، وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٩٩) ، وتفسير النسائي (٢/٤٧٥) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَسُهَيْلٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سُهَيل، بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، والبَزار، والبَغَوي، وَغَيْرُهُمْ، مِنْ حَدِيثِ سُهَيل القُطَعي، بِهِ. [[مسند أبي يعلى (٦/٦٦) ، ومعالم التنزيل للبغوي (٨/٢٧٦) .]] آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْمُدَّثِّرِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة [وحسبنا الله ونعم الوكيل] [[زيادة من م.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) ﴾ . يقول تعالى ذكره: كلّ نفس مأمورة منهية بما عملت من معصية الله في الدنيا، رهينة في جهنم ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فإنهم غير مرتهنين، ولكنهم ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ يقول: مأخوذة بعملها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: غلق الناس كلهم إلا أصحاب اليمين. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: لا يحاسبون. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ أصحابَ اليمين لا يرتهنون بذنوبهم، ولكن يغفرها الله لهم، وقرأ قول الله: ﴿إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ قال: لا يؤاخذهم الله بسيئ أعمالهم، ولكن يغفرها الله لهم، ويتجاوز عنهم كما وعدهم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قال: كل نفس سبقت له كلمة العذاب يرتهنه الله في النار، لا يرتهن الله أحدا من أهل الجنة، ألم تسمع أنه قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ يقول: ليسوا رهينة ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: إن كان أحدهم سبقت له كلمة العذاب جُعلَ منزله في النار يكون فيها رهنا، وليس يرتهن أحد من أهل الجنة هم في جنات يتساءلون. واختلف أهل التأويل في أصحاب اليمين الذين ذكرهم الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: هم أطفال المسلمين. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني واصل بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن فضيل، عن الأعمش، عن عثمان، عن زاذان، عن علي رضي الله عنه في هذه الآية ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: هم الولدان. ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عثمان أبي اليقظان، عن زاذان أبي عمر عن عليّ رضي الله عنه في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: أطفال المسلمين. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن عثمان بن عمير أبي اليقظان، عن زاذان أبي عمر، عن عليّ رضي الله عنه ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: أولاد المسلمين. ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن عليّ رضي الله عنه ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: هم الولدان. وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: هم الملائكة، وإنما قال من قال: أصحاب اليمين في هذا الموضع: هم الولدان وأطفال المسلمين؛ ومن قال: هم الملائكة، لأن هؤلاء لم يكن لهم ذنوب، وقالوا: لم يكونوا ليسألوا المجرمين ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ إلا إنهم لم يقترفوا في الدنيا مآثم، ولو كانوا اقترفوها وعرفوها لم يكونوا ليسألوهم عما سلكهم في سقر، لأن كلّ من دخل من بني آدم ممن بلغ حدّ التكليف، ولزِمه فرض الأمر والنهي، قد علم أن أحدا لا يعاقب إلا على المعصية. * * وقوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ يقول: أصحاب اليمين في بساتين يتساءلون عن المجرمين الذين سلكوا في سقر، أيّ شيء سلككم في سقر؟ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ يقول: قال المجرمون لهم: لم نك في الدنيا من المصلين لله ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ بخلا بما خوّلهم الله، ومنعا له من حقه. ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ يقول: وكنا نخوض في الباطل وفيما يكرهه الله مع من يخوض فيه. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ قال: كلما غوى غاوٍ غوى معه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قوله: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ قال: يقولون: كلما غوى غاو غوينا معه.

Al-Mukhtasar (français)

Ils leur diront: Quelle est la raison de votre entrée en Enfer?

43

قَالُوا۟ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ

Ils diront: «Nous n'étions pas de ceux qui faisaient la Salât,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أَيْ: مُعْتَقَلَةٌ بِعَمَلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فَإِنَّهُمْ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: يَسْأَلُونَ الْمُجْرِمِينَ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ وَأُولَئِكَ فِي الدِّرْكَاتِ قَائِلِينَ لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أَيْ: مَا عَبَدَنَا رَبَّنَا وَلَا أَحْسَنَّا إِلَى خَلْقِهِ مِنْ جِنْسِنَا، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ أَيْ: نَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا نَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا غَوِيَ غَاوٍ غَوَيْنَا مَعَهُ، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٩] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما هُوَ -يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ-فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٢٤٣) من حديث أم العلاء رضي الله عنها.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ [[في م: "بمثل هذه".]] الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ لَا تَنْفَعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفَاعَةُ شَافِعٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تُنْجِعُ إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا فَأَمَّا مَنْ وَافَى اللَّهَ كَافِرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَهُ النَّارُ لَا مَحَالَةَ، خَالِدًا فِيهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ قِبَلَكَ مِمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَتُذَكِّرُهُمْ بِهِ مُعْرِضِينَ، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُمْ فِي نِفَارِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ حُمُر مِنْ حُمُرِ الْوَحْشِ إِذَا فَرَّتْ مِمَّنْ يُرِيدُ صَيْدَهَا مِنْ أَسُدٍ، قاله أبو هريرة، وَابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ-عَنْهُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. أَوْ: رَامٍ، وَهُوَ رواية [[في م: "وهما روايتان".]] عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ [[في أ: "يوسف بن ماهك".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَسَدُ، بِالْعَرَبِيَّةِ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ: قَسْوَرَةٌ، وَبِالْفَارِسِيَّةِ: شير [[في أ: "بتار".]] وَبِالنَّبَطِيَّةِ: أويا. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أَيْ: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا كَمَا أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ: يُرِيدُونَ أَنْ يُؤْتُوا بَرَاءَةً بِغَيْرِ عَمَلٍ. فَقَوْلُهُ: ﴿كَلا بَلْ لَا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَفْسَدَهُمْ عَدَمُ إِيمَانِهِمْ بِهَا، وَتَكْذِيبُهُمْ بِوُقُوعِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أَيْ: حَقًّا إِنَّ الْقُرْآنَ تَذْكِرَةٌ، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أَيْ: هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُخاف مِنْهُ، وَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يَغفر ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ [[في أ: "حدثنا يزيد".]] بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ -أَخُو حَزْمٍ [[في م: "أخو حمزة".]] -حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وَقَالَ: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَلَا يُجْعَلْ مَعِي إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا كَانَ أَهْلًا أَنْ أَغْفِرَ لَهُ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطْعِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٢) ، وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٩٩) ، وتفسير النسائي (٢/٤٧٥) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَسُهَيْلٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سُهَيل، بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، والبَزار، والبَغَوي، وَغَيْرُهُمْ، مِنْ حَدِيثِ سُهَيل القُطَعي، بِهِ. [[مسند أبي يعلى (٦/٦٦) ، ومعالم التنزيل للبغوي (٨/٢٧٦) .]] آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْمُدَّثِّرِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة [وحسبنا الله ونعم الوكيل] [[زيادة من م.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) ﴾ . يقول تعالى ذكره: كلّ نفس مأمورة منهية بما عملت من معصية الله في الدنيا، رهينة في جهنم ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فإنهم غير مرتهنين، ولكنهم ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ يقول: مأخوذة بعملها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: غلق الناس كلهم إلا أصحاب اليمين. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: لا يحاسبون. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ أصحابَ اليمين لا يرتهنون بذنوبهم، ولكن يغفرها الله لهم، وقرأ قول الله: ﴿إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ قال: لا يؤاخذهم الله بسيئ أعمالهم، ولكن يغفرها الله لهم، ويتجاوز عنهم كما وعدهم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قال: كل نفس سبقت له كلمة العذاب يرتهنه الله في النار، لا يرتهن الله أحدا من أهل الجنة، ألم تسمع أنه قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ يقول: ليسوا رهينة ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: إن كان أحدهم سبقت له كلمة العذاب جُعلَ منزله في النار يكون فيها رهنا، وليس يرتهن أحد من أهل الجنة هم في جنات يتساءلون. واختلف أهل التأويل في أصحاب اليمين الذين ذكرهم الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: هم أطفال المسلمين. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني واصل بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن فضيل، عن الأعمش، عن عثمان، عن زاذان، عن علي رضي الله عنه في هذه الآية ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: هم الولدان. ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عثمان أبي اليقظان، عن زاذان أبي عمر عن عليّ رضي الله عنه في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: أطفال المسلمين. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن عثمان بن عمير أبي اليقظان، عن زاذان أبي عمر، عن عليّ رضي الله عنه ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: أولاد المسلمين. ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن عليّ رضي الله عنه ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: هم الولدان. وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: هم الملائكة، وإنما قال من قال: أصحاب اليمين في هذا الموضع: هم الولدان وأطفال المسلمين؛ ومن قال: هم الملائكة، لأن هؤلاء لم يكن لهم ذنوب، وقالوا: لم يكونوا ليسألوا المجرمين ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ إلا إنهم لم يقترفوا في الدنيا مآثم، ولو كانوا اقترفوها وعرفوها لم يكونوا ليسألوهم عما سلكهم في سقر، لأن كلّ من دخل من بني آدم ممن بلغ حدّ التكليف، ولزِمه فرض الأمر والنهي، قد علم أن أحدا لا يعاقب إلا على المعصية. * * وقوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ يقول: أصحاب اليمين في بساتين يتساءلون عن المجرمين الذين سلكوا في سقر، أيّ شيء سلككم في سقر؟ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ يقول: قال المجرمون لهم: لم نك في الدنيا من المصلين لله ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ بخلا بما خوّلهم الله، ومنعا له من حقه. ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ يقول: وكنا نخوض في الباطل وفيما يكرهه الله مع من يخوض فيه. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ قال: كلما غوى غاوٍ غوى معه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قوله: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ قال: يقولون: كلما غوى غاو غوينا معه.

Al-Mukhtasar (français)

Les mécréants répondront: Nous n’étions pas du nombre de ceux qui accomplissaient les prières obligatoires dans le bas monde

44

وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ

et nous ne nourrissions pas le pauvre,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أَيْ: مُعْتَقَلَةٌ بِعَمَلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فَإِنَّهُمْ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: يَسْأَلُونَ الْمُجْرِمِينَ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ وَأُولَئِكَ فِي الدِّرْكَاتِ قَائِلِينَ لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أَيْ: مَا عَبَدَنَا رَبَّنَا وَلَا أَحْسَنَّا إِلَى خَلْقِهِ مِنْ جِنْسِنَا، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ أَيْ: نَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا نَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا غَوِيَ غَاوٍ غَوَيْنَا مَعَهُ، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٩] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما هُوَ -يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ-فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٢٤٣) من حديث أم العلاء رضي الله عنها.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ [[في م: "بمثل هذه".]] الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ لَا تَنْفَعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفَاعَةُ شَافِعٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تُنْجِعُ إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا فَأَمَّا مَنْ وَافَى اللَّهَ كَافِرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَهُ النَّارُ لَا مَحَالَةَ، خَالِدًا فِيهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ قِبَلَكَ مِمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَتُذَكِّرُهُمْ بِهِ مُعْرِضِينَ، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُمْ فِي نِفَارِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ حُمُر مِنْ حُمُرِ الْوَحْشِ إِذَا فَرَّتْ مِمَّنْ يُرِيدُ صَيْدَهَا مِنْ أَسُدٍ، قاله أبو هريرة، وَابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ-عَنْهُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. أَوْ: رَامٍ، وَهُوَ رواية [[في م: "وهما روايتان".]] عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ [[في أ: "يوسف بن ماهك".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَسَدُ، بِالْعَرَبِيَّةِ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ: قَسْوَرَةٌ، وَبِالْفَارِسِيَّةِ: شير [[في أ: "بتار".]] وَبِالنَّبَطِيَّةِ: أويا. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أَيْ: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا كَمَا أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ: يُرِيدُونَ أَنْ يُؤْتُوا بَرَاءَةً بِغَيْرِ عَمَلٍ. فَقَوْلُهُ: ﴿كَلا بَلْ لَا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَفْسَدَهُمْ عَدَمُ إِيمَانِهِمْ بِهَا، وَتَكْذِيبُهُمْ بِوُقُوعِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أَيْ: حَقًّا إِنَّ الْقُرْآنَ تَذْكِرَةٌ، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أَيْ: هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُخاف مِنْهُ، وَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يَغفر ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ [[في أ: "حدثنا يزيد".]] بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ -أَخُو حَزْمٍ [[في م: "أخو حمزة".]] -حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وَقَالَ: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَلَا يُجْعَلْ مَعِي إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا كَانَ أَهْلًا أَنْ أَغْفِرَ لَهُ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطْعِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٢) ، وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٩٩) ، وتفسير النسائي (٢/٤٧٥) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَسُهَيْلٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سُهَيل، بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، والبَزار، والبَغَوي، وَغَيْرُهُمْ، مِنْ حَدِيثِ سُهَيل القُطَعي، بِهِ. [[مسند أبي يعلى (٦/٦٦) ، ومعالم التنزيل للبغوي (٨/٢٧٦) .]] آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْمُدَّثِّرِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة [وحسبنا الله ونعم الوكيل] [[زيادة من م.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) ﴾ . يقول تعالى ذكره: كلّ نفس مأمورة منهية بما عملت من معصية الله في الدنيا، رهينة في جهنم ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فإنهم غير مرتهنين، ولكنهم ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ يقول: مأخوذة بعملها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: غلق الناس كلهم إلا أصحاب اليمين. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: لا يحاسبون. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ أصحابَ اليمين لا يرتهنون بذنوبهم، ولكن يغفرها الله لهم، وقرأ قول الله: ﴿إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ قال: لا يؤاخذهم الله بسيئ أعمالهم، ولكن يغفرها الله لهم، ويتجاوز عنهم كما وعدهم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قال: كل نفس سبقت له كلمة العذاب يرتهنه الله في النار، لا يرتهن الله أحدا من أهل الجنة، ألم تسمع أنه قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ يقول: ليسوا رهينة ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: إن كان أحدهم سبقت له كلمة العذاب جُعلَ منزله في النار يكون فيها رهنا، وليس يرتهن أحد من أهل الجنة هم في جنات يتساءلون. واختلف أهل التأويل في أصحاب اليمين الذين ذكرهم الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: هم أطفال المسلمين. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني واصل بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن فضيل، عن الأعمش، عن عثمان، عن زاذان، عن علي رضي الله عنه في هذه الآية ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: هم الولدان. ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عثمان أبي اليقظان، عن زاذان أبي عمر عن عليّ رضي الله عنه في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: أطفال المسلمين. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن عثمان بن عمير أبي اليقظان، عن زاذان أبي عمر، عن عليّ رضي الله عنه ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: أولاد المسلمين. ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن عليّ رضي الله عنه ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: هم الولدان. وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: هم الملائكة، وإنما قال من قال: أصحاب اليمين في هذا الموضع: هم الولدان وأطفال المسلمين؛ ومن قال: هم الملائكة، لأن هؤلاء لم يكن لهم ذنوب، وقالوا: لم يكونوا ليسألوا المجرمين ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ إلا إنهم لم يقترفوا في الدنيا مآثم، ولو كانوا اقترفوها وعرفوها لم يكونوا ليسألوهم عما سلكهم في سقر، لأن كلّ من دخل من بني آدم ممن بلغ حدّ التكليف، ولزِمه فرض الأمر والنهي، قد علم أن أحدا لا يعاقب إلا على المعصية. * * وقوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ يقول: أصحاب اليمين في بساتين يتساءلون عن المجرمين الذين سلكوا في سقر، أيّ شيء سلككم في سقر؟ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ يقول: قال المجرمون لهم: لم نك في الدنيا من المصلين لله ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ بخلا بما خوّلهم الله، ومنعا له من حقه. ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ يقول: وكنا نخوض في الباطل وفيما يكرهه الله مع من يخوض فيه. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ قال: كلما غوى غاوٍ غوى معه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قوله: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ قال: يقولون: كلما غوى غاو غوينا معه.

Al-Mukhtasar (français)

et nous ne nourrissions pas les pauvres avec ce dont Allah nous a fait don.

45

وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلْخَآئِضِينَ

et nous nous associions à ceux qui tenaient des conversations futiles,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أَيْ: مُعْتَقَلَةٌ بِعَمَلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فَإِنَّهُمْ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: يَسْأَلُونَ الْمُجْرِمِينَ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ وَأُولَئِكَ فِي الدِّرْكَاتِ قَائِلِينَ لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أَيْ: مَا عَبَدَنَا رَبَّنَا وَلَا أَحْسَنَّا إِلَى خَلْقِهِ مِنْ جِنْسِنَا، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ أَيْ: نَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا نَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا غَوِيَ غَاوٍ غَوَيْنَا مَعَهُ، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٩] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما هُوَ -يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ-فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٢٤٣) من حديث أم العلاء رضي الله عنها.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ [[في م: "بمثل هذه".]] الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ لَا تَنْفَعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفَاعَةُ شَافِعٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تُنْجِعُ إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا فَأَمَّا مَنْ وَافَى اللَّهَ كَافِرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَهُ النَّارُ لَا مَحَالَةَ، خَالِدًا فِيهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ قِبَلَكَ مِمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَتُذَكِّرُهُمْ بِهِ مُعْرِضِينَ، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُمْ فِي نِفَارِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ حُمُر مِنْ حُمُرِ الْوَحْشِ إِذَا فَرَّتْ مِمَّنْ يُرِيدُ صَيْدَهَا مِنْ أَسُدٍ، قاله أبو هريرة، وَابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ-عَنْهُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. أَوْ: رَامٍ، وَهُوَ رواية [[في م: "وهما روايتان".]] عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ [[في أ: "يوسف بن ماهك".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَسَدُ، بِالْعَرَبِيَّةِ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ: قَسْوَرَةٌ، وَبِالْفَارِسِيَّةِ: شير [[في أ: "بتار".]] وَبِالنَّبَطِيَّةِ: أويا. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أَيْ: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا كَمَا أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ: يُرِيدُونَ أَنْ يُؤْتُوا بَرَاءَةً بِغَيْرِ عَمَلٍ. فَقَوْلُهُ: ﴿كَلا بَلْ لَا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَفْسَدَهُمْ عَدَمُ إِيمَانِهِمْ بِهَا، وَتَكْذِيبُهُمْ بِوُقُوعِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أَيْ: حَقًّا إِنَّ الْقُرْآنَ تَذْكِرَةٌ، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أَيْ: هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُخاف مِنْهُ، وَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يَغفر ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ [[في أ: "حدثنا يزيد".]] بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ -أَخُو حَزْمٍ [[في م: "أخو حمزة".]] -حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وَقَالَ: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَلَا يُجْعَلْ مَعِي إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا كَانَ أَهْلًا أَنْ أَغْفِرَ لَهُ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطْعِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٢) ، وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٩٩) ، وتفسير النسائي (٢/٤٧٥) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَسُهَيْلٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سُهَيل، بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، والبَزار، والبَغَوي، وَغَيْرُهُمْ، مِنْ حَدِيثِ سُهَيل القُطَعي، بِهِ. [[مسند أبي يعلى (٦/٦٦) ، ومعالم التنزيل للبغوي (٨/٢٧٦) .]] آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْمُدَّثِّرِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة [وحسبنا الله ونعم الوكيل] [[زيادة من م.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) ﴾ . يقول تعالى ذكره: كلّ نفس مأمورة منهية بما عملت من معصية الله في الدنيا، رهينة في جهنم ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فإنهم غير مرتهنين، ولكنهم ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ يقول: مأخوذة بعملها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: غلق الناس كلهم إلا أصحاب اليمين. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: لا يحاسبون. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ أصحابَ اليمين لا يرتهنون بذنوبهم، ولكن يغفرها الله لهم، وقرأ قول الله: ﴿إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ قال: لا يؤاخذهم الله بسيئ أعمالهم، ولكن يغفرها الله لهم، ويتجاوز عنهم كما وعدهم. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ قال: كل نفس سبقت له كلمة العذاب يرتهنه الله في النار، لا يرتهن الله أحدا من أهل الجنة، ألم تسمع أنه قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ يقول: ليسوا رهينة ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ . ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: إن كان أحدهم سبقت له كلمة العذاب جُعلَ منزله في النار يكون فيها رهنا، وليس يرتهن أحد من أهل الجنة هم في جنات يتساءلون. واختلف أهل التأويل في أصحاب اليمين الذين ذكرهم الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: هم أطفال المسلمين. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني واصل بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن فضيل، عن الأعمش، عن عثمان، عن زاذان، عن علي رضي الله عنه في هذه الآية ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: هم الولدان. ⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عثمان أبي اليقظان، عن زاذان أبي عمر عن عليّ رضي الله عنه في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: أطفال المسلمين. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن عثمان بن عمير أبي اليقظان، عن زاذان أبي عمر، عن عليّ رضي الله عنه ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: أولاد المسلمين. ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن عليّ رضي الله عنه ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ قال: هم الولدان. وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: هم الملائكة، وإنما قال من قال: أصحاب اليمين في هذا الموضع: هم الولدان وأطفال المسلمين؛ ومن قال: هم الملائكة، لأن هؤلاء لم يكن لهم ذنوب، وقالوا: لم يكونوا ليسألوا المجرمين ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ إلا إنهم لم يقترفوا في الدنيا مآثم، ولو كانوا اقترفوها وعرفوها لم يكونوا ليسألوهم عما سلكهم في سقر، لأن كلّ من دخل من بني آدم ممن بلغ حدّ التكليف، ولزِمه فرض الأمر والنهي، قد علم أن أحدا لا يعاقب إلا على المعصية. * * وقوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ يقول: أصحاب اليمين في بساتين يتساءلون عن المجرمين الذين سلكوا في سقر، أيّ شيء سلككم في سقر؟ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ يقول: قال المجرمون لهم: لم نك في الدنيا من المصلين لله ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ بخلا بما خوّلهم الله، ومنعا له من حقه. ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ يقول: وكنا نخوض في الباطل وفيما يكرهه الله مع من يخوض فيه. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ قال: كلما غوى غاوٍ غوى معه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قوله: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ قال: يقولون: كلما غوى غاو غوينا معه.

Al-Mukhtasar (français)

Nous fréquentions les adeptes du faux que nous suivions partout, nous conversions avec les égarés et les fourvoyés

46

وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ

et nous traitions de mensonge le jour de la Rétribution,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أَيْ: مُعْتَقَلَةٌ بِعَمَلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فَإِنَّهُمْ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: يَسْأَلُونَ الْمُجْرِمِينَ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ وَأُولَئِكَ فِي الدِّرْكَاتِ قَائِلِينَ لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أَيْ: مَا عَبَدَنَا رَبَّنَا وَلَا أَحْسَنَّا إِلَى خَلْقِهِ مِنْ جِنْسِنَا، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ أَيْ: نَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا نَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا غَوِيَ غَاوٍ غَوَيْنَا مَعَهُ، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٩] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما هُوَ -يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ-فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٢٤٣) من حديث أم العلاء رضي الله عنها.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ [[في م: "بمثل هذه".]] الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ لَا تَنْفَعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفَاعَةُ شَافِعٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تُنْجِعُ إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا فَأَمَّا مَنْ وَافَى اللَّهَ كَافِرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَهُ النَّارُ لَا مَحَالَةَ، خَالِدًا فِيهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ قِبَلَكَ مِمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَتُذَكِّرُهُمْ بِهِ مُعْرِضِينَ، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُمْ فِي نِفَارِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ حُمُر مِنْ حُمُرِ الْوَحْشِ إِذَا فَرَّتْ مِمَّنْ يُرِيدُ صَيْدَهَا مِنْ أَسُدٍ، قاله أبو هريرة، وَابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ-عَنْهُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. أَوْ: رَامٍ، وَهُوَ رواية [[في م: "وهما روايتان".]] عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ [[في أ: "يوسف بن ماهك".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَسَدُ، بِالْعَرَبِيَّةِ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ: قَسْوَرَةٌ، وَبِالْفَارِسِيَّةِ: شير [[في أ: "بتار".]] وَبِالنَّبَطِيَّةِ: أويا. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أَيْ: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا كَمَا أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ: يُرِيدُونَ أَنْ يُؤْتُوا بَرَاءَةً بِغَيْرِ عَمَلٍ. فَقَوْلُهُ: ﴿كَلا بَلْ لَا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَفْسَدَهُمْ عَدَمُ إِيمَانِهِمْ بِهَا، وَتَكْذِيبُهُمْ بِوُقُوعِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أَيْ: حَقًّا إِنَّ الْقُرْآنَ تَذْكِرَةٌ، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أَيْ: هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُخاف مِنْهُ، وَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يَغفر ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ [[في أ: "حدثنا يزيد".]] بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ -أَخُو حَزْمٍ [[في م: "أخو حمزة".]] -حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وَقَالَ: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَلَا يُجْعَلْ مَعِي إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا كَانَ أَهْلًا أَنْ أَغْفِرَ لَهُ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطْعِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٢) ، وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٩٩) ، وتفسير النسائي (٢/٤٧٥) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَسُهَيْلٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سُهَيل، بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، والبَزار، والبَغَوي، وَغَيْرُهُمْ، مِنْ حَدِيثِ سُهَيل القُطَعي، بِهِ. [[مسند أبي يعلى (٦/٦٦) ، ومعالم التنزيل للبغوي (٨/٢٧٦) .]] آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْمُدَّثِّرِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة [وحسبنا الله ونعم الوكيل] [[زيادة من م.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) ﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

et nous traitions de mensonge le Jour de la Rétribution.

47

حَتَّىٰٓ أَتَىٰنَا ٱلْيَقِينُ

jusqu'à ce que nous vînt la vérité évidente [la mort]».

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أَيْ: مُعْتَقَلَةٌ بِعَمَلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فَإِنَّهُمْ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: يَسْأَلُونَ الْمُجْرِمِينَ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ وَأُولَئِكَ فِي الدِّرْكَاتِ قَائِلِينَ لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أَيْ: مَا عَبَدَنَا رَبَّنَا وَلَا أَحْسَنَّا إِلَى خَلْقِهِ مِنْ جِنْسِنَا، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ أَيْ: نَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا نَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا غَوِيَ غَاوٍ غَوَيْنَا مَعَهُ، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٩] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما هُوَ -يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ-فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٢٤٣) من حديث أم العلاء رضي الله عنها.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ [[في م: "بمثل هذه".]] الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ لَا تَنْفَعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفَاعَةُ شَافِعٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تُنْجِعُ إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا فَأَمَّا مَنْ وَافَى اللَّهَ كَافِرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَهُ النَّارُ لَا مَحَالَةَ، خَالِدًا فِيهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ قِبَلَكَ مِمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَتُذَكِّرُهُمْ بِهِ مُعْرِضِينَ، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُمْ فِي نِفَارِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ حُمُر مِنْ حُمُرِ الْوَحْشِ إِذَا فَرَّتْ مِمَّنْ يُرِيدُ صَيْدَهَا مِنْ أَسُدٍ، قاله أبو هريرة، وَابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ-عَنْهُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. أَوْ: رَامٍ، وَهُوَ رواية [[في م: "وهما روايتان".]] عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ [[في أ: "يوسف بن ماهك".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَسَدُ، بِالْعَرَبِيَّةِ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ: قَسْوَرَةٌ، وَبِالْفَارِسِيَّةِ: شير [[في أ: "بتار".]] وَبِالنَّبَطِيَّةِ: أويا. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أَيْ: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا كَمَا أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ: يُرِيدُونَ أَنْ يُؤْتُوا بَرَاءَةً بِغَيْرِ عَمَلٍ. فَقَوْلُهُ: ﴿كَلا بَلْ لَا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَفْسَدَهُمْ عَدَمُ إِيمَانِهِمْ بِهَا، وَتَكْذِيبُهُمْ بِوُقُوعِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أَيْ: حَقًّا إِنَّ الْقُرْآنَ تَذْكِرَةٌ، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أَيْ: هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُخاف مِنْهُ، وَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يَغفر ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ [[في أ: "حدثنا يزيد".]] بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ -أَخُو حَزْمٍ [[في م: "أخو حمزة".]] -حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وَقَالَ: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَلَا يُجْعَلْ مَعِي إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا كَانَ أَهْلًا أَنْ أَغْفِرَ لَهُ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطْعِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٢) ، وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٩٩) ، وتفسير النسائي (٢/٤٧٥) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَسُهَيْلٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سُهَيل، بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، والبَزار، والبَغَوي، وَغَيْرُهُمْ، مِنْ حَدِيثِ سُهَيل القُطَعي، بِهِ. [[مسند أبي يعلى (٦/٦٦) ، ومعالم التنزيل للبغوي (٨/٢٧٦) .]] آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْمُدَّثِّرِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة [وحسبنا الله ونعم الوكيل] [[زيادة من م.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) ﴾ .

Al-Mukhtasar (français)

Nous exagérions dans cette attitude jusqu’à ce que la mort survint à nous et s’interposa entre nous et le repentir.

48

فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ

Ne leur profitera point donc, l'intercession des intercesseurs.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أَيْ: مُعْتَقَلَةٌ بِعَمَلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فَإِنَّهُمْ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: يَسْأَلُونَ الْمُجْرِمِينَ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ وَأُولَئِكَ فِي الدِّرْكَاتِ قَائِلِينَ لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أَيْ: مَا عَبَدَنَا رَبَّنَا وَلَا أَحْسَنَّا إِلَى خَلْقِهِ مِنْ جِنْسِنَا، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ أَيْ: نَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا نَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا غَوِيَ غَاوٍ غَوَيْنَا مَعَهُ، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٩] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما هُوَ -يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ-فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٢٤٣) من حديث أم العلاء رضي الله عنها.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ [[في م: "بمثل هذه".]] الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ لَا تَنْفَعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفَاعَةُ شَافِعٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تُنْجِعُ إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا فَأَمَّا مَنْ وَافَى اللَّهَ كَافِرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَهُ النَّارُ لَا مَحَالَةَ، خَالِدًا فِيهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ قِبَلَكَ مِمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَتُذَكِّرُهُمْ بِهِ مُعْرِضِينَ، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُمْ فِي نِفَارِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ حُمُر مِنْ حُمُرِ الْوَحْشِ إِذَا فَرَّتْ مِمَّنْ يُرِيدُ صَيْدَهَا مِنْ أَسُدٍ، قاله أبو هريرة، وَابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ-عَنْهُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. أَوْ: رَامٍ، وَهُوَ رواية [[في م: "وهما روايتان".]] عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ [[في أ: "يوسف بن ماهك".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَسَدُ، بِالْعَرَبِيَّةِ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ: قَسْوَرَةٌ، وَبِالْفَارِسِيَّةِ: شير [[في أ: "بتار".]] وَبِالنَّبَطِيَّةِ: أويا. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أَيْ: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا كَمَا أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ: يُرِيدُونَ أَنْ يُؤْتُوا بَرَاءَةً بِغَيْرِ عَمَلٍ. فَقَوْلُهُ: ﴿كَلا بَلْ لَا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَفْسَدَهُمْ عَدَمُ إِيمَانِهِمْ بِهَا، وَتَكْذِيبُهُمْ بِوُقُوعِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أَيْ: حَقًّا إِنَّ الْقُرْآنَ تَذْكِرَةٌ، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أَيْ: هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُخاف مِنْهُ، وَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يَغفر ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ [[في أ: "حدثنا يزيد".]] بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ -أَخُو حَزْمٍ [[في م: "أخو حمزة".]] -حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وَقَالَ: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَلَا يُجْعَلْ مَعِي إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا كَانَ أَهْلًا أَنْ أَغْفِرَ لَهُ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطْعِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٢) ، وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٩٩) ، وتفسير النسائي (٢/٤٧٥) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَسُهَيْلٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سُهَيل، بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، والبَزار، والبَغَوي، وَغَيْرُهُمْ، مِنْ حَدِيثِ سُهَيل القُطَعي، بِهِ. [[مسند أبي يعلى (٦/٦٦) ، ومعالم التنزيل للبغوي (٨/٢٧٦) .]] آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْمُدَّثِّرِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة [وحسبنا الله ونعم الوكيل] [[زيادة من م.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) ﴾ . * * وقوله: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ يقول تعالى ذكره: قالوا: وكنا نكذّب بيوم المجازاة والثواب والعذاب، ولا نصدّق بثواب ولا عقاب ولا حساب ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يقول: قالوا: حتى أتانا الموت الموقن به ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ يقول: فما يشفع لهم الذين شفعهم الله في أهل الذنوب من أهل التوحيد، فتنفعهم شفاعتهم، وفي هذه الآية دلالة واضحة على أن الله تعالى ذكره مشفع بعض خلقه في بعض. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال: ثنا أبو الزعراء، عن عبد الله في قصة ذكرها في الشفاعة، قال: ثم تشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون والمؤمنون، ويشفعهم الله فيقول: أنا أرحم الراحمين، فيخرج من النار أكثر مما أخرج من جميع الخلق من النار، ثم يقول: أنا أرحم الراحمين، ثم قرأ عبد الله يأيها الكفار ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ وعقد بيده أربعا، ثم قال: هل ترون في هؤلاء من خير، ألا ما يُترك فيها أحد فيه خير. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عمي وإسماعيل بن أبي خالد، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، قال: قال عبد الله: لا يبقى في النار إلا أربعة، أو ذو الأربعة - الشك من أبي جعفر الطبري - ثم يتلو: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ تعلمن أن الله يشفع المومنين يوم القيامة. ذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول: " إنَّ مِنْ أُمَّتِي رَجُلا يُدْخِلُ اللهُ بِشَفاعَتِهِ الجَنَّةَ أكْثَرَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ ". قال الحسن: أكثر من ربيعة ومضر، كنا نحدَّث أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور عن معمر، عن قتادة ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ قال: تعلمن أن الله يشفع بعضهم في بعض. ⁕ قال: ثنا أبو ثور، قال معمر: وأخبرني من سمع أنس بن مالك يقول: إن الرجل ليشفع للرجلين والثلاثة والرجل. ⁕ قال: ثنا أبو ثور، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: يدخل الله بشفاعة رجل من هذه الأمة الجنة مثل بني تميم، أو قال: أكثر من بني تميم، وقال الحسن: مثل ربيعة ومضر. * * وقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ يقول: فما لهؤلاء المشركين عن تذكرة الله إياهم بهذا القرآن معرضين، لا يستمعون لها فيتعظوا ويعتبروا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أي: عن هذا القرآن.

Al-Mukhtasar (français)

Le Jour de la Résurrection, l’intercession des anges, des prophètes et des pieux ne leur profitera pas, car l’une des conditions de l’acceptation de l’intercession est que le bénéficiaire de cette intercession soit agréé.

49

فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ

Qu'ont-ils à se détourner du Rappel?

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أَيْ: مُعْتَقَلَةٌ بِعَمَلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فَإِنَّهُمْ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: يَسْأَلُونَ الْمُجْرِمِينَ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ وَأُولَئِكَ فِي الدِّرْكَاتِ قَائِلِينَ لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أَيْ: مَا عَبَدَنَا رَبَّنَا وَلَا أَحْسَنَّا إِلَى خَلْقِهِ مِنْ جِنْسِنَا، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ أَيْ: نَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا نَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا غَوِيَ غَاوٍ غَوَيْنَا مَعَهُ، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٩] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما هُوَ -يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ-فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٢٤٣) من حديث أم العلاء رضي الله عنها.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ [[في م: "بمثل هذه".]] الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ لَا تَنْفَعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفَاعَةُ شَافِعٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تُنْجِعُ إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا فَأَمَّا مَنْ وَافَى اللَّهَ كَافِرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَهُ النَّارُ لَا مَحَالَةَ، خَالِدًا فِيهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ قِبَلَكَ مِمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَتُذَكِّرُهُمْ بِهِ مُعْرِضِينَ، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُمْ فِي نِفَارِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ حُمُر مِنْ حُمُرِ الْوَحْشِ إِذَا فَرَّتْ مِمَّنْ يُرِيدُ صَيْدَهَا مِنْ أَسُدٍ، قاله أبو هريرة، وَابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ-عَنْهُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. أَوْ: رَامٍ، وَهُوَ رواية [[في م: "وهما روايتان".]] عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ [[في أ: "يوسف بن ماهك".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَسَدُ، بِالْعَرَبِيَّةِ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ: قَسْوَرَةٌ، وَبِالْفَارِسِيَّةِ: شير [[في أ: "بتار".]] وَبِالنَّبَطِيَّةِ: أويا. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أَيْ: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا كَمَا أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ: يُرِيدُونَ أَنْ يُؤْتُوا بَرَاءَةً بِغَيْرِ عَمَلٍ. فَقَوْلُهُ: ﴿كَلا بَلْ لَا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَفْسَدَهُمْ عَدَمُ إِيمَانِهِمْ بِهَا، وَتَكْذِيبُهُمْ بِوُقُوعِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أَيْ: حَقًّا إِنَّ الْقُرْآنَ تَذْكِرَةٌ، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أَيْ: هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُخاف مِنْهُ، وَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يَغفر ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ [[في أ: "حدثنا يزيد".]] بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ -أَخُو حَزْمٍ [[في م: "أخو حمزة".]] -حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وَقَالَ: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَلَا يُجْعَلْ مَعِي إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا كَانَ أَهْلًا أَنْ أَغْفِرَ لَهُ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطْعِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٢) ، وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٩٩) ، وتفسير النسائي (٢/٤٧٥) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَسُهَيْلٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سُهَيل، بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، والبَزار، والبَغَوي، وَغَيْرُهُمْ، مِنْ حَدِيثِ سُهَيل القُطَعي، بِهِ. [[مسند أبي يعلى (٦/٦٦) ، ومعالم التنزيل للبغوي (٨/٢٧٦) .]] آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْمُدَّثِّرِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة [وحسبنا الله ونعم الوكيل] [[زيادة من م.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) ﴾ . * * وقوله: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ يقول تعالى ذكره: قالوا: وكنا نكذّب بيوم المجازاة والثواب والعذاب، ولا نصدّق بثواب ولا عقاب ولا حساب ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يقول: قالوا: حتى أتانا الموت الموقن به ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ يقول: فما يشفع لهم الذين شفعهم الله في أهل الذنوب من أهل التوحيد، فتنفعهم شفاعتهم، وفي هذه الآية دلالة واضحة على أن الله تعالى ذكره مشفع بعض خلقه في بعض. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال: ثنا أبو الزعراء، عن عبد الله في قصة ذكرها في الشفاعة، قال: ثم تشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون والمؤمنون، ويشفعهم الله فيقول: أنا أرحم الراحمين، فيخرج من النار أكثر مما أخرج من جميع الخلق من النار، ثم يقول: أنا أرحم الراحمين، ثم قرأ عبد الله يأيها الكفار ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ وعقد بيده أربعا، ثم قال: هل ترون في هؤلاء من خير، ألا ما يُترك فيها أحد فيه خير. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عمي وإسماعيل بن أبي خالد، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، قال: قال عبد الله: لا يبقى في النار إلا أربعة، أو ذو الأربعة - الشك من أبي جعفر الطبري - ثم يتلو: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ تعلمن أن الله يشفع المومنين يوم القيامة. ذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول: " إنَّ مِنْ أُمَّتِي رَجُلا يُدْخِلُ اللهُ بِشَفاعَتِهِ الجَنَّةَ أكْثَرَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ ". قال الحسن: أكثر من ربيعة ومضر، كنا نحدَّث أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور عن معمر، عن قتادة ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ قال: تعلمن أن الله يشفع بعضهم في بعض. ⁕ قال: ثنا أبو ثور، قال معمر: وأخبرني من سمع أنس بن مالك يقول: إن الرجل ليشفع للرجلين والثلاثة والرجل. ⁕ قال: ثنا أبو ثور، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: يدخل الله بشفاعة رجل من هذه الأمة الجنة مثل بني تميم، أو قال: أكثر من بني تميم، وقال الحسن: مثل ربيعة ومضر. * * وقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ يقول: فما لهؤلاء المشركين عن تذكرة الله إياهم بهذا القرآن معرضين، لا يستمعون لها فيتعظوا ويعتبروا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أي: عن هذا القرآن.

Al-Mukhtasar (français)

Pour quelle raison ces polythéistes se détournent-ils du Coran?

50

كَأَنَّهُمْ حُمُرٌۭ مُّسْتَنفِرَةٌۭ

Ils sont comme des onagres épouvantés,

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أَيْ: مُعْتَقَلَةٌ بِعَمَلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فَإِنَّهُمْ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: يَسْأَلُونَ الْمُجْرِمِينَ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ وَأُولَئِكَ فِي الدِّرْكَاتِ قَائِلِينَ لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أَيْ: مَا عَبَدَنَا رَبَّنَا وَلَا أَحْسَنَّا إِلَى خَلْقِهِ مِنْ جِنْسِنَا، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ أَيْ: نَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا نَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا غَوِيَ غَاوٍ غَوَيْنَا مَعَهُ، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٩] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما هُوَ -يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ-فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٢٤٣) من حديث أم العلاء رضي الله عنها.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ [[في م: "بمثل هذه".]] الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ لَا تَنْفَعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفَاعَةُ شَافِعٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تُنْجِعُ إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا فَأَمَّا مَنْ وَافَى اللَّهَ كَافِرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَهُ النَّارُ لَا مَحَالَةَ، خَالِدًا فِيهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ قِبَلَكَ مِمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَتُذَكِّرُهُمْ بِهِ مُعْرِضِينَ، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُمْ فِي نِفَارِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ حُمُر مِنْ حُمُرِ الْوَحْشِ إِذَا فَرَّتْ مِمَّنْ يُرِيدُ صَيْدَهَا مِنْ أَسُدٍ، قاله أبو هريرة، وَابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ-عَنْهُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. أَوْ: رَامٍ، وَهُوَ رواية [[في م: "وهما روايتان".]] عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ [[في أ: "يوسف بن ماهك".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَسَدُ، بِالْعَرَبِيَّةِ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ: قَسْوَرَةٌ، وَبِالْفَارِسِيَّةِ: شير [[في أ: "بتار".]] وَبِالنَّبَطِيَّةِ: أويا. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أَيْ: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا كَمَا أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ: يُرِيدُونَ أَنْ يُؤْتُوا بَرَاءَةً بِغَيْرِ عَمَلٍ. فَقَوْلُهُ: ﴿كَلا بَلْ لَا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَفْسَدَهُمْ عَدَمُ إِيمَانِهِمْ بِهَا، وَتَكْذِيبُهُمْ بِوُقُوعِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أَيْ: حَقًّا إِنَّ الْقُرْآنَ تَذْكِرَةٌ، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أَيْ: هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُخاف مِنْهُ، وَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يَغفر ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ [[في أ: "حدثنا يزيد".]] بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ -أَخُو حَزْمٍ [[في م: "أخو حمزة".]] -حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وَقَالَ: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَلَا يُجْعَلْ مَعِي إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا كَانَ أَهْلًا أَنْ أَغْفِرَ لَهُ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطْعِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٢) ، وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٩٩) ، وتفسير النسائي (٢/٤٧٥) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَسُهَيْلٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سُهَيل، بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، والبَزار، والبَغَوي، وَغَيْرُهُمْ، مِنْ حَدِيثِ سُهَيل القُطَعي، بِهِ. [[مسند أبي يعلى (٦/٦٦) ، ومعالم التنزيل للبغوي (٨/٢٧٦) .]] آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْمُدَّثِّرِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة [وحسبنا الله ونعم الوكيل] [[زيادة من م.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ (٥٣) ﴾ . يقول تعالى ذكره: فما لهؤلاء المشركين بالله عن التذكرة معرِضين، مولِّين عنها تولية الحُمُر المستنفرة ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ . واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ ، فقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة والبصرة بكسر الفاء، وفي قراءة بعض المكيين أيضا بمعنى نافرة [[في المطبوعة: "في افتتاح. . . " والضمير في "فبه" عائد إلى "ما أدبه به".]] . والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان معروفتان، صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وكان الفرّاء يقول: الفتح والكسر في ذلك كثيران في كلام العرب؛ وأنشد: أمْسِكْ حِمَارَكَ إنَّهُ مُسْتَنْفِرٌ ... فِي إثْرِ أحْمِرَةٍ عَمَدْن لِغُرَّب [[في المطبوعة: "من إظهار"، "من دلالة شاهدة".]] * * وقوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى القسورة، فقال بعضهم: هم الرماة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الرماة. ⁕ حدثني ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن أبي موسى ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الرماة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هي الرماة. ⁕ قال ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿قَسْوَرَةٍ﴾ قال: عصبَة قناص من الرماة. زاد الحارث في حديثه. قال: وقال بعضهم في القسورة: هو الأسد، وبعضهم: الرماة. ⁕ حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سِماك، عن عكرِمة، في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: القسورة: الرماة، فقال رجل لعكرِمة: هو الأسد بلسان الحبشة، فقال عكرِمة: اسم الأسد بلسان الحبشة عنبسة. ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أبو رجاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الرماة. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن عبد الله السلولي، عن ابن عباس، قال: هي الرماة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ وهم الرماة القناص. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: قسورة النبل. وقال آخرون: هم القناص. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ يعني: رجال القَنْص. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبى بشر، عن سعيد بن جُبير في هذه الآية ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هم القناص. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير قال: هم القناص. وقال آخرون: هم جماعة الرجال. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي حمزة، قال: سألت ابن عباس عن القسورة، فقال: ما أعلمه بلغة أحد من العرب: الأسد، هي عصب الرجال. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث. قال: ما أعلمه بلغة أحد من العرب الأسد هي عِصب الرجال. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: سمعت أبي يحدّث، قال: ثنا داود، قال: ثني عباس بن عبد الرحمن مولى بني هاشم، قال: سئل ابن عباس عن القسورة، قال: جمع الرجال، ألم تسمع ما قالت فلانة في الجاهلية: يا بِنْتَ لُؤَيّ خَيْرَةً لخَيْرَه ... أحْوَالُهُا في الحَيّ مِثلُ القَسْوَرَهْ [[معناه: أي ما يعنيه ويقصده.]] وقال آخرون: هي أصوات الرجال. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: ركز الناس أصواتهم. قال أبو كريب، قال سفيان: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ . وقال آخرون: بل هو الأسد. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هو الأسد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن ابن سيلان، أن أبا هريرة كان يقول في قول الله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هو الأسد. ⁕ حدثني محمد بن معمر، قال: ثنا هشام، عن زيد بن أسلم، في قول الله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الأسد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، في قول الله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هو الأسد. ⁕ حدثني محمد بن خالد بن خداش، قال ثني سلم بن قتيبة، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عليّ، بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أنه سُئل عن قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هو بالعربية: الأسد، وبالفارسية: شار، وبالنبطية: أريا، وبالحبشية: قسورة. ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ يقول: الأسد. ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص بن غياث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة قال: الأسد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: القسورة: الأسد. * * وقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء المشركين في إعراضهم عن هذا القرآن أنهم لا يعلمون أنه من عند الله، ولكن كلّ رجل منهم يريد أن يؤتى كتابا من السماء ينزل عليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ قال: قد قال قائلون من الناس: يا محمد إن سرّك أن نتبعك فأتنا بكتاب خاصة إلى فلان وفلان، نؤمر فيه باتباعك، قال قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ قال: إلى فلان من رب العالمين. * * وقوله: ﴿كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ يقول تعالى ذكره: ما الأمر كما يزعمون من أنهم لو أوتوا صحفا منشَّرة صدّقوا، ﴿بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ ، يقول: لكنهم لا يخافون عقاب الله، ولا يصدقون بالبعث والثواب والعقاب؛ فذلك الذي دعاهم إلى الإعراض عن تذكرة الله، وهوّن عليهم ترك الاستماع لوحيه وتنزيله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ إنما أفسدهم أنهم كانوا لا يصدّقون بالآخرة، ولا يخافونها، هو الذي أفسدهم.

Al-Mukhtasar (français)

Dans leur refus de l’accepter, ils sont tels des ânes sauvages farouches

51

فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍۭ

s'enfuyant devant un lion.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أَيْ: مُعْتَقَلَةٌ بِعَمَلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فَإِنَّهُمْ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: يَسْأَلُونَ الْمُجْرِمِينَ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ وَأُولَئِكَ فِي الدِّرْكَاتِ قَائِلِينَ لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أَيْ: مَا عَبَدَنَا رَبَّنَا وَلَا أَحْسَنَّا إِلَى خَلْقِهِ مِنْ جِنْسِنَا، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ أَيْ: نَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا نَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا غَوِيَ غَاوٍ غَوَيْنَا مَعَهُ، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٩] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما هُوَ -يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ-فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٢٤٣) من حديث أم العلاء رضي الله عنها.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ [[في م: "بمثل هذه".]] الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ لَا تَنْفَعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفَاعَةُ شَافِعٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تُنْجِعُ إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا فَأَمَّا مَنْ وَافَى اللَّهَ كَافِرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَهُ النَّارُ لَا مَحَالَةَ، خَالِدًا فِيهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ قِبَلَكَ مِمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَتُذَكِّرُهُمْ بِهِ مُعْرِضِينَ، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُمْ فِي نِفَارِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ حُمُر مِنْ حُمُرِ الْوَحْشِ إِذَا فَرَّتْ مِمَّنْ يُرِيدُ صَيْدَهَا مِنْ أَسُدٍ، قاله أبو هريرة، وَابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ-عَنْهُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. أَوْ: رَامٍ، وَهُوَ رواية [[في م: "وهما روايتان".]] عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ [[في أ: "يوسف بن ماهك".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَسَدُ، بِالْعَرَبِيَّةِ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ: قَسْوَرَةٌ، وَبِالْفَارِسِيَّةِ: شير [[في أ: "بتار".]] وَبِالنَّبَطِيَّةِ: أويا. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أَيْ: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا كَمَا أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ: يُرِيدُونَ أَنْ يُؤْتُوا بَرَاءَةً بِغَيْرِ عَمَلٍ. فَقَوْلُهُ: ﴿كَلا بَلْ لَا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَفْسَدَهُمْ عَدَمُ إِيمَانِهِمْ بِهَا، وَتَكْذِيبُهُمْ بِوُقُوعِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أَيْ: حَقًّا إِنَّ الْقُرْآنَ تَذْكِرَةٌ، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أَيْ: هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُخاف مِنْهُ، وَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يَغفر ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ [[في أ: "حدثنا يزيد".]] بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ -أَخُو حَزْمٍ [[في م: "أخو حمزة".]] -حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وَقَالَ: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَلَا يُجْعَلْ مَعِي إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا كَانَ أَهْلًا أَنْ أَغْفِرَ لَهُ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطْعِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٢) ، وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٩٩) ، وتفسير النسائي (٢/٤٧٥) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَسُهَيْلٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سُهَيل، بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، والبَزار، والبَغَوي، وَغَيْرُهُمْ، مِنْ حَدِيثِ سُهَيل القُطَعي، بِهِ. [[مسند أبي يعلى (٦/٦٦) ، ومعالم التنزيل للبغوي (٨/٢٧٦) .]] آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْمُدَّثِّرِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة [وحسبنا الله ونعم الوكيل] [[زيادة من م.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ (٥٣) ﴾ . يقول تعالى ذكره: فما لهؤلاء المشركين بالله عن التذكرة معرِضين، مولِّين عنها تولية الحُمُر المستنفرة ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ . واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ ، فقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة والبصرة بكسر الفاء، وفي قراءة بعض المكيين أيضا بمعنى نافرة [[في المطبوعة: "في افتتاح. . . " والضمير في "فبه" عائد إلى "ما أدبه به".]] . والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان معروفتان، صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وكان الفرّاء يقول: الفتح والكسر في ذلك كثيران في كلام العرب؛ وأنشد: أمْسِكْ حِمَارَكَ إنَّهُ مُسْتَنْفِرٌ ... فِي إثْرِ أحْمِرَةٍ عَمَدْن لِغُرَّب [[في المطبوعة: "من إظهار"، "من دلالة شاهدة".]] * * وقوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى القسورة، فقال بعضهم: هم الرماة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الرماة. ⁕ حدثني ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن أبي موسى ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الرماة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هي الرماة. ⁕ قال ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿قَسْوَرَةٍ﴾ قال: عصبَة قناص من الرماة. زاد الحارث في حديثه. قال: وقال بعضهم في القسورة: هو الأسد، وبعضهم: الرماة. ⁕ حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سِماك، عن عكرِمة، في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: القسورة: الرماة، فقال رجل لعكرِمة: هو الأسد بلسان الحبشة، فقال عكرِمة: اسم الأسد بلسان الحبشة عنبسة. ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أبو رجاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الرماة. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن عبد الله السلولي، عن ابن عباس، قال: هي الرماة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ وهم الرماة القناص. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: قسورة النبل. وقال آخرون: هم القناص. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ يعني: رجال القَنْص. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبى بشر، عن سعيد بن جُبير في هذه الآية ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هم القناص. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير قال: هم القناص. وقال آخرون: هم جماعة الرجال. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي حمزة، قال: سألت ابن عباس عن القسورة، فقال: ما أعلمه بلغة أحد من العرب: الأسد، هي عصب الرجال. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث. قال: ما أعلمه بلغة أحد من العرب الأسد هي عِصب الرجال. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: سمعت أبي يحدّث، قال: ثنا داود، قال: ثني عباس بن عبد الرحمن مولى بني هاشم، قال: سئل ابن عباس عن القسورة، قال: جمع الرجال، ألم تسمع ما قالت فلانة في الجاهلية: يا بِنْتَ لُؤَيّ خَيْرَةً لخَيْرَه ... أحْوَالُهُا في الحَيّ مِثلُ القَسْوَرَهْ [[معناه: أي ما يعنيه ويقصده.]] وقال آخرون: هي أصوات الرجال. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: ركز الناس أصواتهم. قال أبو كريب، قال سفيان: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ . وقال آخرون: بل هو الأسد. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هو الأسد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن ابن سيلان، أن أبا هريرة كان يقول في قول الله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هو الأسد. ⁕ حدثني محمد بن معمر، قال: ثنا هشام، عن زيد بن أسلم، في قول الله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الأسد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، في قول الله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هو الأسد. ⁕ حدثني محمد بن خالد بن خداش، قال ثني سلم بن قتيبة، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عليّ، بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أنه سُئل عن قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هو بالعربية: الأسد، وبالفارسية: شار، وبالنبطية: أريا، وبالحبشية: قسورة. ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ يقول: الأسد. ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص بن غياث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة قال: الأسد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: القسورة: الأسد. * * وقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء المشركين في إعراضهم عن هذا القرآن أنهم لا يعلمون أنه من عند الله، ولكن كلّ رجل منهم يريد أن يؤتى كتابا من السماء ينزل عليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ قال: قد قال قائلون من الناس: يا محمد إن سرّك أن نتبعك فأتنا بكتاب خاصة إلى فلان وفلان، نؤمر فيه باتباعك، قال قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ قال: إلى فلان من رب العالمين. * * وقوله: ﴿كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ يقول تعالى ذكره: ما الأمر كما يزعمون من أنهم لو أوتوا صحفا منشَّرة صدّقوا، ﴿بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ ، يقول: لكنهم لا يخافون عقاب الله، ولا يصدقون بالبعث والثواب والعقاب؛ فذلك الذي دعاهم إلى الإعراض عن تذكرة الله، وهوّن عليهم ترك الاستماع لوحيه وتنزيله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ إنما أفسدهم أنهم كانوا لا يصدّقون بالآخرة، ولا يخافونها، هو الذي أفسدهم.

Al-Mukhtasar (français)

qui fuient un lion.

52

بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِئٍۢ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًۭا مُّنَشَّرَةًۭ

Chacun d'eux voudrait plutôt qu'on lui apporte des feuilles tout étalées.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أَيْ: مُعْتَقَلَةٌ بِعَمَلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فَإِنَّهُمْ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: يَسْأَلُونَ الْمُجْرِمِينَ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ وَأُولَئِكَ فِي الدِّرْكَاتِ قَائِلِينَ لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أَيْ: مَا عَبَدَنَا رَبَّنَا وَلَا أَحْسَنَّا إِلَى خَلْقِهِ مِنْ جِنْسِنَا، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ أَيْ: نَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا نَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا غَوِيَ غَاوٍ غَوَيْنَا مَعَهُ، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٩] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما هُوَ -يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ-فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٢٤٣) من حديث أم العلاء رضي الله عنها.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ [[في م: "بمثل هذه".]] الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ لَا تَنْفَعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفَاعَةُ شَافِعٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تُنْجِعُ إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا فَأَمَّا مَنْ وَافَى اللَّهَ كَافِرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَهُ النَّارُ لَا مَحَالَةَ، خَالِدًا فِيهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ قِبَلَكَ مِمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَتُذَكِّرُهُمْ بِهِ مُعْرِضِينَ، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُمْ فِي نِفَارِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ حُمُر مِنْ حُمُرِ الْوَحْشِ إِذَا فَرَّتْ مِمَّنْ يُرِيدُ صَيْدَهَا مِنْ أَسُدٍ، قاله أبو هريرة، وَابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ-عَنْهُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. أَوْ: رَامٍ، وَهُوَ رواية [[في م: "وهما روايتان".]] عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ [[في أ: "يوسف بن ماهك".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَسَدُ، بِالْعَرَبِيَّةِ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ: قَسْوَرَةٌ، وَبِالْفَارِسِيَّةِ: شير [[في أ: "بتار".]] وَبِالنَّبَطِيَّةِ: أويا. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أَيْ: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا كَمَا أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ: يُرِيدُونَ أَنْ يُؤْتُوا بَرَاءَةً بِغَيْرِ عَمَلٍ. فَقَوْلُهُ: ﴿كَلا بَلْ لَا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَفْسَدَهُمْ عَدَمُ إِيمَانِهِمْ بِهَا، وَتَكْذِيبُهُمْ بِوُقُوعِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أَيْ: حَقًّا إِنَّ الْقُرْآنَ تَذْكِرَةٌ، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أَيْ: هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُخاف مِنْهُ، وَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يَغفر ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ [[في أ: "حدثنا يزيد".]] بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ -أَخُو حَزْمٍ [[في م: "أخو حمزة".]] -حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وَقَالَ: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَلَا يُجْعَلْ مَعِي إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا كَانَ أَهْلًا أَنْ أَغْفِرَ لَهُ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطْعِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٢) ، وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٩٩) ، وتفسير النسائي (٢/٤٧٥) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَسُهَيْلٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سُهَيل، بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، والبَزار، والبَغَوي، وَغَيْرُهُمْ، مِنْ حَدِيثِ سُهَيل القُطَعي، بِهِ. [[مسند أبي يعلى (٦/٦٦) ، ومعالم التنزيل للبغوي (٨/٢٧٦) .]] آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْمُدَّثِّرِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة [وحسبنا الله ونعم الوكيل] [[زيادة من م.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ (٥٣) ﴾ . يقول تعالى ذكره: فما لهؤلاء المشركين بالله عن التذكرة معرِضين، مولِّين عنها تولية الحُمُر المستنفرة ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ . واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ ، فقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة والبصرة بكسر الفاء، وفي قراءة بعض المكيين أيضا بمعنى نافرة [[في المطبوعة: "في افتتاح. . . " والضمير في "فبه" عائد إلى "ما أدبه به".]] . والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان معروفتان، صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وكان الفرّاء يقول: الفتح والكسر في ذلك كثيران في كلام العرب؛ وأنشد: أمْسِكْ حِمَارَكَ إنَّهُ مُسْتَنْفِرٌ ... فِي إثْرِ أحْمِرَةٍ عَمَدْن لِغُرَّب [[في المطبوعة: "من إظهار"، "من دلالة شاهدة".]] * * وقوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى القسورة، فقال بعضهم: هم الرماة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الرماة. ⁕ حدثني ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن أبي موسى ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الرماة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هي الرماة. ⁕ قال ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿قَسْوَرَةٍ﴾ قال: عصبَة قناص من الرماة. زاد الحارث في حديثه. قال: وقال بعضهم في القسورة: هو الأسد، وبعضهم: الرماة. ⁕ حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سِماك، عن عكرِمة، في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: القسورة: الرماة، فقال رجل لعكرِمة: هو الأسد بلسان الحبشة، فقال عكرِمة: اسم الأسد بلسان الحبشة عنبسة. ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أبو رجاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الرماة. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن عبد الله السلولي، عن ابن عباس، قال: هي الرماة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ وهم الرماة القناص. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: قسورة النبل. وقال آخرون: هم القناص. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ يعني: رجال القَنْص. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبى بشر، عن سعيد بن جُبير في هذه الآية ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هم القناص. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير قال: هم القناص. وقال آخرون: هم جماعة الرجال. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي حمزة، قال: سألت ابن عباس عن القسورة، فقال: ما أعلمه بلغة أحد من العرب: الأسد، هي عصب الرجال. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث. قال: ما أعلمه بلغة أحد من العرب الأسد هي عِصب الرجال. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: سمعت أبي يحدّث، قال: ثنا داود، قال: ثني عباس بن عبد الرحمن مولى بني هاشم، قال: سئل ابن عباس عن القسورة، قال: جمع الرجال، ألم تسمع ما قالت فلانة في الجاهلية: يا بِنْتَ لُؤَيّ خَيْرَةً لخَيْرَه ... أحْوَالُهُا في الحَيّ مِثلُ القَسْوَرَهْ [[معناه: أي ما يعنيه ويقصده.]] وقال آخرون: هي أصوات الرجال. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: ركز الناس أصواتهم. قال أبو كريب، قال سفيان: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ . وقال آخرون: بل هو الأسد. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هو الأسد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن ابن سيلان، أن أبا هريرة كان يقول في قول الله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هو الأسد. ⁕ حدثني محمد بن معمر، قال: ثنا هشام، عن زيد بن أسلم، في قول الله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الأسد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، في قول الله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هو الأسد. ⁕ حدثني محمد بن خالد بن خداش، قال ثني سلم بن قتيبة، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عليّ، بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أنه سُئل عن قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هو بالعربية: الأسد، وبالفارسية: شار، وبالنبطية: أريا، وبالحبشية: قسورة. ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ يقول: الأسد. ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص بن غياث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة قال: الأسد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: القسورة: الأسد. * * وقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء المشركين في إعراضهم عن هذا القرآن أنهم لا يعلمون أنه من عند الله، ولكن كلّ رجل منهم يريد أن يؤتى كتابا من السماء ينزل عليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ قال: قد قال قائلون من الناس: يا محمد إن سرّك أن نتبعك فأتنا بكتاب خاصة إلى فلان وفلان، نؤمر فيه باتباعك، قال قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ قال: إلى فلان من رب العالمين. * * وقوله: ﴿كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ يقول تعالى ذكره: ما الأمر كما يزعمون من أنهم لو أوتوا صحفا منشَّرة صدّقوا، ﴿بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ ، يقول: لكنهم لا يخافون عقاب الله، ولا يصدقون بالبعث والثواب والعقاب؛ فذلك الذي دعاهم إلى الإعراض عن تذكرة الله، وهوّن عليهم ترك الاستماع لوحيه وتنزيله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ إنما أفسدهم أنهم كانوا لا يصدّقون بالآخرة، ولا يخافونها، هو الذي أفسدهم.

Al-Mukhtasar (français)

Chacun de ces polythéistes voudrait trouver un matin près de sa tête, un livre étalé lui apprenant que Muħammad est un messager envoyé par Allah. Ce n’est pas par manque de preuves ou par faiblesse des arguments qu’ils se conduisent ainsi, mais par entêtement et orgueil.

53

كَلَّا ۖ بَل لَّا يَخَافُونَ ٱلْءَاخِرَةَ

Ah! Non! C'est plutôt qu'ils ne craignent pas l'au-delà.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أَيْ: مُعْتَقَلَةٌ بِعَمَلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فَإِنَّهُمْ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: يَسْأَلُونَ الْمُجْرِمِينَ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ وَأُولَئِكَ فِي الدِّرْكَاتِ قَائِلِينَ لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أَيْ: مَا عَبَدَنَا رَبَّنَا وَلَا أَحْسَنَّا إِلَى خَلْقِهِ مِنْ جِنْسِنَا، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ أَيْ: نَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا نَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا غَوِيَ غَاوٍ غَوَيْنَا مَعَهُ، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٩] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما هُوَ -يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ-فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٢٤٣) من حديث أم العلاء رضي الله عنها.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ [[في م: "بمثل هذه".]] الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ لَا تَنْفَعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفَاعَةُ شَافِعٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تُنْجِعُ إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا فَأَمَّا مَنْ وَافَى اللَّهَ كَافِرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَهُ النَّارُ لَا مَحَالَةَ، خَالِدًا فِيهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ قِبَلَكَ مِمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَتُذَكِّرُهُمْ بِهِ مُعْرِضِينَ، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُمْ فِي نِفَارِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ حُمُر مِنْ حُمُرِ الْوَحْشِ إِذَا فَرَّتْ مِمَّنْ يُرِيدُ صَيْدَهَا مِنْ أَسُدٍ، قاله أبو هريرة، وَابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ-عَنْهُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. أَوْ: رَامٍ، وَهُوَ رواية [[في م: "وهما روايتان".]] عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ [[في أ: "يوسف بن ماهك".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَسَدُ، بِالْعَرَبِيَّةِ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ: قَسْوَرَةٌ، وَبِالْفَارِسِيَّةِ: شير [[في أ: "بتار".]] وَبِالنَّبَطِيَّةِ: أويا. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أَيْ: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا كَمَا أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ: يُرِيدُونَ أَنْ يُؤْتُوا بَرَاءَةً بِغَيْرِ عَمَلٍ. فَقَوْلُهُ: ﴿كَلا بَلْ لَا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَفْسَدَهُمْ عَدَمُ إِيمَانِهِمْ بِهَا، وَتَكْذِيبُهُمْ بِوُقُوعِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أَيْ: حَقًّا إِنَّ الْقُرْآنَ تَذْكِرَةٌ، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أَيْ: هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُخاف مِنْهُ، وَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يَغفر ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ [[في أ: "حدثنا يزيد".]] بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ -أَخُو حَزْمٍ [[في م: "أخو حمزة".]] -حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وَقَالَ: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَلَا يُجْعَلْ مَعِي إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا كَانَ أَهْلًا أَنْ أَغْفِرَ لَهُ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطْعِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٢) ، وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٩٩) ، وتفسير النسائي (٢/٤٧٥) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَسُهَيْلٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سُهَيل، بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، والبَزار، والبَغَوي، وَغَيْرُهُمْ، مِنْ حَدِيثِ سُهَيل القُطَعي، بِهِ. [[مسند أبي يعلى (٦/٦٦) ، ومعالم التنزيل للبغوي (٨/٢٧٦) .]] آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْمُدَّثِّرِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة [وحسبنا الله ونعم الوكيل] [[زيادة من م.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ (٥٣) ﴾ . يقول تعالى ذكره: فما لهؤلاء المشركين بالله عن التذكرة معرِضين، مولِّين عنها تولية الحُمُر المستنفرة ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ . واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ ، فقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة والبصرة بكسر الفاء، وفي قراءة بعض المكيين أيضا بمعنى نافرة [[في المطبوعة: "في افتتاح. . . " والضمير في "فبه" عائد إلى "ما أدبه به".]] . والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان معروفتان، صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وكان الفرّاء يقول: الفتح والكسر في ذلك كثيران في كلام العرب؛ وأنشد: أمْسِكْ حِمَارَكَ إنَّهُ مُسْتَنْفِرٌ ... فِي إثْرِ أحْمِرَةٍ عَمَدْن لِغُرَّب [[في المطبوعة: "من إظهار"، "من دلالة شاهدة".]] * * وقوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ اختلف أهل التأويل في معنى القسورة، فقال بعضهم: هم الرماة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الرماة. ⁕ حدثني ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن أبي موسى ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الرماة. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هي الرماة. ⁕ قال ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله. ⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿قَسْوَرَةٍ﴾ قال: عصبَة قناص من الرماة. زاد الحارث في حديثه. قال: وقال بعضهم في القسورة: هو الأسد، وبعضهم: الرماة. ⁕ حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سِماك، عن عكرِمة، في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: القسورة: الرماة، فقال رجل لعكرِمة: هو الأسد بلسان الحبشة، فقال عكرِمة: اسم الأسد بلسان الحبشة عنبسة. ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أبو رجاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الرماة. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن عبد الله السلولي، عن ابن عباس، قال: هي الرماة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ وهم الرماة القناص. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: قسورة النبل. وقال آخرون: هم القناص. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ يعني: رجال القَنْص. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبى بشر، عن سعيد بن جُبير في هذه الآية ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هم القناص. ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير قال: هم القناص. وقال آخرون: هم جماعة الرجال. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي حمزة، قال: سألت ابن عباس عن القسورة، فقال: ما أعلمه بلغة أحد من العرب: الأسد، هي عصب الرجال. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث. قال: ما أعلمه بلغة أحد من العرب الأسد هي عِصب الرجال. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: سمعت أبي يحدّث، قال: ثنا داود، قال: ثني عباس بن عبد الرحمن مولى بني هاشم، قال: سئل ابن عباس عن القسورة، قال: جمع الرجال، ألم تسمع ما قالت فلانة في الجاهلية: يا بِنْتَ لُؤَيّ خَيْرَةً لخَيْرَه ... أحْوَالُهُا في الحَيّ مِثلُ القَسْوَرَهْ [[معناه: أي ما يعنيه ويقصده.]] وقال آخرون: هي أصوات الرجال. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: ركز الناس أصواتهم. قال أبو كريب، قال سفيان: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ . وقال آخرون: بل هو الأسد. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هو الأسد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن ابن سيلان، أن أبا هريرة كان يقول في قول الله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هو الأسد. ⁕ حدثني محمد بن معمر، قال: ثنا هشام، عن زيد بن أسلم، في قول الله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الأسد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، في قول الله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هو الأسد. ⁕ حدثني محمد بن خالد بن خداش، قال ثني سلم بن قتيبة، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عليّ، بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أنه سُئل عن قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هو بالعربية: الأسد، وبالفارسية: شار، وبالنبطية: أريا، وبالحبشية: قسورة. ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ يقول: الأسد. ⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص بن غياث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة قال: الأسد. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: القسورة: الأسد. * * وقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء المشركين في إعراضهم عن هذا القرآن أنهم لا يعلمون أنه من عند الله، ولكن كلّ رجل منهم يريد أن يؤتى كتابا من السماء ينزل عليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ قال: قد قال قائلون من الناس: يا محمد إن سرّك أن نتبعك فأتنا بكتاب خاصة إلى فلان وفلان، نؤمر فيه باتباعك، قال قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ قال: إلى فلان من رب العالمين. * * وقوله: ﴿كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ يقول تعالى ذكره: ما الأمر كما يزعمون من أنهم لو أوتوا صحفا منشَّرة صدّقوا، ﴿بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ ، يقول: لكنهم لا يخافون عقاب الله، ولا يصدقون بالبعث والثواب والعقاب؛ فذلك الذي دعاهم إلى الإعراض عن تذكرة الله، وهوّن عليهم ترك الاستماع لوحيه وتنزيله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ إنما أفسدهم أنهم كانوا لا يصدّقون بالآخرة، ولا يخافونها، هو الذي أفسدهم.

Al-Mukhtasar (français)

Cela n’arrivera pas. La raison de leur égarement exagéré est qu’ils ne croient pas au châtiment de l’au-delà, demeurant de ce fait mécréants.

54

كَلَّآ إِنَّهُۥ تَذْكِرَةٌۭ

Ah! Non! Ceci est vraiment un Rappel.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أَيْ: مُعْتَقَلَةٌ بِعَمَلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فَإِنَّهُمْ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: يَسْأَلُونَ الْمُجْرِمِينَ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ وَأُولَئِكَ فِي الدِّرْكَاتِ قَائِلِينَ لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أَيْ: مَا عَبَدَنَا رَبَّنَا وَلَا أَحْسَنَّا إِلَى خَلْقِهِ مِنْ جِنْسِنَا، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ أَيْ: نَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا نَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا غَوِيَ غَاوٍ غَوَيْنَا مَعَهُ، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٩] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما هُوَ -يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ-فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٢٤٣) من حديث أم العلاء رضي الله عنها.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ [[في م: "بمثل هذه".]] الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ لَا تَنْفَعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفَاعَةُ شَافِعٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تُنْجِعُ إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا فَأَمَّا مَنْ وَافَى اللَّهَ كَافِرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَهُ النَّارُ لَا مَحَالَةَ، خَالِدًا فِيهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ قِبَلَكَ مِمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَتُذَكِّرُهُمْ بِهِ مُعْرِضِينَ، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُمْ فِي نِفَارِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ حُمُر مِنْ حُمُرِ الْوَحْشِ إِذَا فَرَّتْ مِمَّنْ يُرِيدُ صَيْدَهَا مِنْ أَسُدٍ، قاله أبو هريرة، وَابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ-عَنْهُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. أَوْ: رَامٍ، وَهُوَ رواية [[في م: "وهما روايتان".]] عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ [[في أ: "يوسف بن ماهك".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَسَدُ، بِالْعَرَبِيَّةِ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ: قَسْوَرَةٌ، وَبِالْفَارِسِيَّةِ: شير [[في أ: "بتار".]] وَبِالنَّبَطِيَّةِ: أويا. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أَيْ: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا كَمَا أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ: يُرِيدُونَ أَنْ يُؤْتُوا بَرَاءَةً بِغَيْرِ عَمَلٍ. فَقَوْلُهُ: ﴿كَلا بَلْ لَا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَفْسَدَهُمْ عَدَمُ إِيمَانِهِمْ بِهَا، وَتَكْذِيبُهُمْ بِوُقُوعِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أَيْ: حَقًّا إِنَّ الْقُرْآنَ تَذْكِرَةٌ، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أَيْ: هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُخاف مِنْهُ، وَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يَغفر ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ [[في أ: "حدثنا يزيد".]] بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ -أَخُو حَزْمٍ [[في م: "أخو حمزة".]] -حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وَقَالَ: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَلَا يُجْعَلْ مَعِي إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا كَانَ أَهْلًا أَنْ أَغْفِرَ لَهُ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطْعِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٢) ، وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٩٩) ، وتفسير النسائي (٢/٤٧٥) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَسُهَيْلٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سُهَيل، بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، والبَزار، والبَغَوي، وَغَيْرُهُمْ، مِنْ حَدِيثِ سُهَيل القُطَعي، بِهِ. [[مسند أبي يعلى (٦/٦٦) ، ومعالم التنزيل للبغوي (٨/٢٧٦) .]] آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْمُدَّثِّرِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة [وحسبنا الله ونعم الوكيل] [[زيادة من م.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦) ﴾ . يعني جلّ ثناؤه بقوله: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ليس الأمر كما يقول هؤلاء المشركون في هذا القرآن من أنه سحر يؤثر، وأنه قول البشر، ولكنه تذكرة من الله لخلقه، ذكرهم به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أي: القرآن. * * وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: فمن شاء من عباد الله الذين ذكرهم الله بهذا القرآن ذكره، فاتعظ فاستعمل ما فيه من أمر الله ونهيه ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ يقول تعالى ذكره: وما يذكرون هذا القرآن فيتعظون به، ويستعملون ما فيه، إلا أن يشاء الله أن يذكروه؛ لأنه لا أحد يقدر على شيء إلا بأن يشاء الله يقدره عليه، ويعطيه القدرة عليه. * * وقوله: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ يقول تعالى ذكره: الله أهل أن يتقي عباده عقابه على معصيتهم إياه، فيجتنبوا معاصيه، ويُسارعوا إلى طاعته، ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ يقول: هو أهل أن يغفر ذنوبهم إذا هم فعلوا ذلك، ولا يعاقبهم عليها مع توبتهم منها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ ربنا محقوق أن تتقى محارمه، وهو أهل المغفرة يغفر الذنوب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ قال: أهل أن تتقى محارمه، ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ : أهل أن يغفر الذنوب. آخر تفسير سورة المدثر

Al-Mukhtasar (français)

Ce Coran est une exhortation et un rappel.

55

فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ

Quiconque veut, qu'il se le rappelle.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أَيْ: مُعْتَقَلَةٌ بِعَمَلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فَإِنَّهُمْ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: يَسْأَلُونَ الْمُجْرِمِينَ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ وَأُولَئِكَ فِي الدِّرْكَاتِ قَائِلِينَ لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أَيْ: مَا عَبَدَنَا رَبَّنَا وَلَا أَحْسَنَّا إِلَى خَلْقِهِ مِنْ جِنْسِنَا، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ أَيْ: نَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا نَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا غَوِيَ غَاوٍ غَوَيْنَا مَعَهُ، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٩] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما هُوَ -يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ-فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٢٤٣) من حديث أم العلاء رضي الله عنها.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ [[في م: "بمثل هذه".]] الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ لَا تَنْفَعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفَاعَةُ شَافِعٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تُنْجِعُ إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا فَأَمَّا مَنْ وَافَى اللَّهَ كَافِرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَهُ النَّارُ لَا مَحَالَةَ، خَالِدًا فِيهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ قِبَلَكَ مِمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَتُذَكِّرُهُمْ بِهِ مُعْرِضِينَ، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُمْ فِي نِفَارِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ حُمُر مِنْ حُمُرِ الْوَحْشِ إِذَا فَرَّتْ مِمَّنْ يُرِيدُ صَيْدَهَا مِنْ أَسُدٍ، قاله أبو هريرة، وَابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ-عَنْهُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. أَوْ: رَامٍ، وَهُوَ رواية [[في م: "وهما روايتان".]] عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ [[في أ: "يوسف بن ماهك".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَسَدُ، بِالْعَرَبِيَّةِ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ: قَسْوَرَةٌ، وَبِالْفَارِسِيَّةِ: شير [[في أ: "بتار".]] وَبِالنَّبَطِيَّةِ: أويا. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أَيْ: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا كَمَا أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ: يُرِيدُونَ أَنْ يُؤْتُوا بَرَاءَةً بِغَيْرِ عَمَلٍ. فَقَوْلُهُ: ﴿كَلا بَلْ لَا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَفْسَدَهُمْ عَدَمُ إِيمَانِهِمْ بِهَا، وَتَكْذِيبُهُمْ بِوُقُوعِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أَيْ: حَقًّا إِنَّ الْقُرْآنَ تَذْكِرَةٌ، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أَيْ: هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُخاف مِنْهُ، وَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يَغفر ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ [[في أ: "حدثنا يزيد".]] بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ -أَخُو حَزْمٍ [[في م: "أخو حمزة".]] -حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وَقَالَ: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَلَا يُجْعَلْ مَعِي إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا كَانَ أَهْلًا أَنْ أَغْفِرَ لَهُ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطْعِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٢) ، وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٩٩) ، وتفسير النسائي (٢/٤٧٥) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَسُهَيْلٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سُهَيل، بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، والبَزار، والبَغَوي، وَغَيْرُهُمْ، مِنْ حَدِيثِ سُهَيل القُطَعي، بِهِ. [[مسند أبي يعلى (٦/٦٦) ، ومعالم التنزيل للبغوي (٨/٢٧٦) .]] آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْمُدَّثِّرِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة [وحسبنا الله ونعم الوكيل] [[زيادة من م.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦) ﴾ . يعني جلّ ثناؤه بقوله: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ليس الأمر كما يقول هؤلاء المشركون في هذا القرآن من أنه سحر يؤثر، وأنه قول البشر، ولكنه تذكرة من الله لخلقه، ذكرهم به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أي: القرآن. * * وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: فمن شاء من عباد الله الذين ذكرهم الله بهذا القرآن ذكره، فاتعظ فاستعمل ما فيه من أمر الله ونهيه ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ يقول تعالى ذكره: وما يذكرون هذا القرآن فيتعظون به، ويستعملون ما فيه، إلا أن يشاء الله أن يذكروه؛ لأنه لا أحد يقدر على شيء إلا بأن يشاء الله يقدره عليه، ويعطيه القدرة عليه. * * وقوله: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ يقول تعالى ذكره: الله أهل أن يتقي عباده عقابه على معصيتهم إياه، فيجتنبوا معاصيه، ويُسارعوا إلى طاعته، ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ يقول: هو أهل أن يغفر ذنوبهم إذا هم فعلوا ذلك، ولا يعاقبهم عليها مع توبتهم منها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ ربنا محقوق أن تتقى محارمه، وهو أهل المغفرة يغفر الذنوب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ قال: أهل أن تتقى محارمه، ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ : أهل أن يغفر الذنوب. آخر تفسير سورة المدثر

Al-Mukhtasar (français)

Quiconque veut lire le Coran et en tirer des enseignements, qu’il le lise et en tire des enseignements.

56

وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ

Mais ils ne se rappelleront que si Allah veut. C'est Lui qui est Le plus digne d'être craint; et c'est Lui qui détient le pardon.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أَيْ: مُعْتَقَلَةٌ بِعَمَلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فَإِنَّهُمْ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: يَسْأَلُونَ الْمُجْرِمِينَ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ وَأُولَئِكَ فِي الدِّرْكَاتِ قَائِلِينَ لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أَيْ: مَا عَبَدَنَا رَبَّنَا وَلَا أَحْسَنَّا إِلَى خَلْقِهِ مِنْ جِنْسِنَا، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ أَيْ: نَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا نَعْلَمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا غَوِيَ غَاوٍ غَوَيْنَا مَعَهُ، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الْحِجْرِ: ٩٩] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أما هُوَ -يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ-فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ". [[رواه البخاري في صحيحه برقم (١٢٤٣) من حديث أم العلاء رضي الله عنها.]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أَيْ: مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ [[في م: "بمثل هذه".]] الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ لَا تَنْفَعُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفَاعَةُ شَافِعٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تُنْجِعُ إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا فَأَمَّا مَنْ وَافَى اللَّهَ كَافِرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَهُ النَّارُ لَا مَحَالَةَ، خَالِدًا فِيهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ قِبَلَكَ مِمَّا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَتُذَكِّرُهُمْ بِهِ مُعْرِضِينَ، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أَيْ: كَأَنَّهُمْ فِي نِفَارِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ حُمُر مِنْ حُمُرِ الْوَحْشِ إِذَا فَرَّتْ مِمَّنْ يُرِيدُ صَيْدَهَا مِنْ أَسُدٍ، قاله أبو هريرة، وَابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ-عَنْهُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. أَوْ: رَامٍ، وَهُوَ رواية [[في م: "وهما روايتان".]] عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ [[في أ: "يوسف بن ماهك".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَسَدُ، بِالْعَرَبِيَّةِ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ: قَسْوَرَةٌ، وَبِالْفَارِسِيَّةِ: شير [[في أ: "بتار".]] وَبِالنَّبَطِيَّةِ: أويا. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ أَيْ: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا كَمَا أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ: يُرِيدُونَ أَنْ يُؤْتُوا بَرَاءَةً بِغَيْرِ عَمَلٍ. فَقَوْلُهُ: ﴿كَلا بَلْ لَا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَفْسَدَهُمْ عَدَمُ إِيمَانِهِمْ بِهَا، وَتَكْذِيبُهُمْ بِوُقُوعِهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أَيْ: حَقًّا إِنَّ الْقُرْآنَ تَذْكِرَةٌ، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣٠] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أَيْ: هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُخاف مِنْهُ، وَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يَغفر ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ [[في أ: "حدثنا يزيد".]] بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ -أَخُو حَزْمٍ [[في م: "أخو حمزة".]] -حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وَقَالَ: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، فَلَا يُجْعَلْ مَعِي إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا كَانَ أَهْلًا أَنْ أَغْفِرَ لَهُ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطْعِيِّ، بِهِ [[المسند (٣/١٤٢) ، وسنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٩٩) ، وتفسير النسائي (٢/٤٧٥) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَسُهَيْلٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ سُهَيل، بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، والبَزار، والبَغَوي، وَغَيْرُهُمْ، مِنْ حَدِيثِ سُهَيل القُطَعي، بِهِ. [[مسند أبي يعلى (٦/٦٦) ، ومعالم التنزيل للبغوي (٨/٢٧٦) .]] آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْمُدَّثِّرِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة [وحسبنا الله ونعم الوكيل] [[زيادة من م.]]

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦) ﴾ . يعني جلّ ثناؤه بقوله: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ليس الأمر كما يقول هؤلاء المشركون في هذا القرآن من أنه سحر يؤثر، وأنه قول البشر، ولكنه تذكرة من الله لخلقه، ذكرهم به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أي: القرآن. * * وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: فمن شاء من عباد الله الذين ذكرهم الله بهذا القرآن ذكره، فاتعظ فاستعمل ما فيه من أمر الله ونهيه ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ يقول تعالى ذكره: وما يذكرون هذا القرآن فيتعظون به، ويستعملون ما فيه، إلا أن يشاء الله أن يذكروه؛ لأنه لا أحد يقدر على شيء إلا بأن يشاء الله يقدره عليه، ويعطيه القدرة عليه. * * وقوله: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ يقول تعالى ذكره: الله أهل أن يتقي عباده عقابه على معصيتهم إياه، فيجتنبوا معاصيه، ويُسارعوا إلى طاعته، ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ يقول: هو أهل أن يغفر ذنوبهم إذا هم فعلوا ذلك، ولا يعاقبهم عليها مع توبتهم منها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ ربنا محقوق أن تتقى محارمه، وهو أهل المغفرة يغفر الذنوب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ قال: أهل أن تتقى محارمه، ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ : أهل أن يغفر الذنوب. آخر تفسير سورة المدثر

Al-Mukhtasar (français)

Or ils n’en tireront des enseignements que si Allah le veut. Il est le plus digne d’être craint et qu’on se conforme à Ses commandements et qu'on renonce à Ses interdits. Il est également le plus digne d’être craint et d’être Celui qui pardonne les péchés de Ses serviteurs lorsqu’ils se repentent à Lui.

← Toutes les sourates