تَفْسِيرُ سُورَةِ عَبَسَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ذَكَرَ غيرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا يخاطبُ بَعْضَ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ، وَقَدْ طَمع فِي إِسْلَامِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُخَاطِبُهُ وَيُنَاجِيهُ إِذْ أَقْبَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا-فَجَعَلَ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ وَيُلِحُّ عَلَيْهِ، وودَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَوْ كَفَّ سَاعَتَهُ تِلْكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مُخَاطَبَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ؛ طَمَعًا وَرَغْبَةً فِي هِدَايَتِهِ. وعَبَس فِي وَجْهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ زَكَاةٌ وَطَهَارَةٌ فِي نَفْسِهِ. (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ اتِّعَاظٌ وَانْزِجَارٌ عَنِ الْمَحَارِمِ، (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أَيْ: أَمَّا الْغَنِيُّ فَأَنْتَ تَتَعَرَّضُ لَهُ لَعَلَّهُ يَهْتَدِي، (وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: مَا أَنْتَ بِمُطَالَبٍ بِهِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ زَكَاةٌ. (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى) أَيْ: يَقْصِدُكَ وَيَؤُمُّكَ لِيَهْتَدِيَ بِمَا تَقُولُ لَهُ، (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أَيْ: تَتَشَاغَلُ. وَمِنْ هَاهُنَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ ﷺ أَلَّا يَخُصَّ بِالْإِنْذَارِ أَحَدًا، بَلْ يُسَاوِي فِيهِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالضَّعِيفِ، وَالْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ، وَالسَّادَةِ وَالْعَبِيدِ، وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالصِّغَارِ وَالْكِبَارِ. ثُمَّ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ-هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ-حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ [عَنْ أَنَسٍ] [[تنبيه: ما بين المعقوفين ليس في أصل مسند أبي يعلى وتفسير عبد الرزاق. وهل من النسخ، وأظنه مقحما. والله أعلم.]] فِي قَوْلِهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُكَلِّمُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) فَكَانَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ. قَالَ قَتَادَةُ: وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ ومعه راية سوداء- يَعْنِي ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ [[مسند أبي يعلى (٥/٤٣١) ، وتفسير عبد الرزاق (٢/٢٨٢) .]] . وَقَالَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِمَّا عَرَضَهُ عَلَيْهِ عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَرْشِدْنِي. قَالَتْ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ. قَالَتْ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُعرض عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَقُولُ: "أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟ ". فَيَقُولُ: لَا. فَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) [[مسند أبي يعلى (٨/٢٦١) ، وتفسير الطبري (٣٠/٣٢) .]] . وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، بِإِسْنَادِهِ، مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أنزلَت (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) .]] . قُلْتُ: كَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ [[الموطأ (١/٢٠٣)]] . ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) قَالَ: بَيْنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاجِي عتبةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأَبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ-وَكَانَ يَتَصَدَّى لَهُمْ كَثِيرًا، وَيَحْرِصُ [[في أ: "ويجعل".]] عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا-فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْمَى-يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-يَمْشِي وَهُوَ يُنَاجِيهِمْ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يَسْتَقْرِئُ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ، وَتَوَلَّى وكَرهَ كَلامَه، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِينَ، فَلَمَّا قَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ نَجْوَاهُ، وَأَخَذَ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، أَمَسَكَ اللَّهُ بَعْضَ بَصَرِهِ، ثُمَّ خَفَق بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِ مَا نَزَلَ، أَكْرَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمَهُ وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا حَاجَتُكَ؟ هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيْءٍ؟ " وَإِذَا ذَهَبَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: "هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ؟ ". وَذَلِكَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) [[تفسير الطبري (٣٠/٣٢) ، ووجه غرابته ما نقله السهيلي في الروض الأنف عن شيخه ابن العربي قال: "قول المفسرين في الذي شغل النبي صلى الله عليه وسلم أنه الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعباس كله باطل، فإن أمية والوليد كانا بمكة، وابن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما، ولا حضرا معه وماتا كافرين، أحدهما قبل الهجرة والآخر في بدر، ولم يقصد أمية المدينة قط، ولا حضر عنده مفردا ولا مع آخر" انتهى.]] . فِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ، وَقَدْ تُكُلّم فِي إِسْنَادِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ". وَهُوَ الْأَعْمَى الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) وَكَانَ يُؤَذِّنُ مَعَ بِلَالٍ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ رَجُلا ضريرَ الْبَصَرِ، فَلَمْ يَكْ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ-حِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى بُزُوغِ الْفَجْرِ-: أذَّن [[أصل الحديث في صحيح مسلم برقم (١٠٩٢) .]] . وَهَكَذَا ذَكَرَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ [[في م: "أنها أنزلت".]] فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُقَالُ: عَمْرٌو. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ، أَوِ الْوَصِيَّةُ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي إِبْلَاغِ الْعِلْمِ مِنْ [[في أ: "بين".]] شَرِيفِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) يَعْنِي: الْقُرْآنَ، (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) أَيْ: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْوَحْيِ؛ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ أَوِ الْعِظَةُ، وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ، بَلْ جَمِيعُ الْقُرْآنِ (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ) أَيْ: مُعَظَّمَةٍ مُوَقَّرَةٍ (مَرْفُوعَةٍ) أَيْ: عَالِيَةِ الْقَدْرِ، (مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: مِنَ الدَّنَسِ وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. * * وَقَوْلُهُ: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّفَرَةُ بِالنَّبَطِيَّةِ: الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ السَّفَرَةَ الْمَلَائِكَةُ، وَالسَّفَرَةُ يَعْنِي بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: السَّفِيرُ: الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الصُّلْحِ وَالْخَيْرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: ومَا أدَعُ السّفَارَة بَين قَومي ... وَما أمْشي بِغِشٍّ إِنْ مَشَيتُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) .]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَفَرةٌ: الْمَلَائِكَةُ. سَفرت: أَصْلَحَتْ بَيْنَهُمْ. وَجَعَلَتِ الملائكةُ إِذَا نَزَلَتْ بوَحْي اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ [[صحيح البخاري (٨/٦٩١) "فتح".]] . * * وَقَوْلُهُ: (كِرَامٍ بَرَرَةٍ) أَيْ: خُلقهم كَرِيمٌ حَسَنٌ شَرِيفٌ، وَأَخْلَاقُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ بَارَّةٌ طَاهِرَةٌ كَامِلَةٌ. وَمِنْ هَاهُنَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ عَلَى السَّدَادِ وَالرَّشَادِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى، عَنِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ". أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، بِهِ [[المسند (٦/٤٨) وصحيح البخاري برقم (٤٩٣٧) وصحيح مسلم برقم (٧٩٨) وسنن أبي داود برقم (١٤٥٤) وسنن الترمذي برقم (٢٩٠٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٧٩) .]] .
Abasa سُورَةُ عَبَسَ
Sourate 80 · 42 versets · Meccan
بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ
Il s'est renfrogné et il s'est détourné
Tafsir (3)
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) ﴾ . يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿عَبَسَ﴾ قبض وجهه تكرّها، ﴿وَتَوَلى﴾ يقول: وأعرض ﴿أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ يقول: لأن جاءه الأعمى. وقد ذُكر عن بعض القرّاء أنه كان يطوّل الألف ويمدها من ﴿أنْ جاءَهُ﴾ فيقول: ﴿آنْ جاءَهُ﴾ ، وكأنّ معنى الكلام كان عنده: أأن جاءه الأعمى؟ عبس وتولى، كما قرأ من قرأ: ﴿آنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ بمدّ الألف من "أن" وقصرها. وذُكر أن الأعمى الذي ذكره الله في هذه الآية، هو ابن أمّ مكتوم، عوتب النبيّ ﷺ بسببه. ذكر الأخبار الواردة بذلك ⁕ حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثنا أبي، عن هشام بن عروة مما عرضه عليه عروة، عن عائشة قالت: أنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابن أمّ مكتوم قالت: أتى إلى رسول الله ﷺ فجعل يقول: أرشدني، قالت: وعند رسول الله ﷺ من عظماء المشركين، قالت: فجعل النبيّ ﷺ يُعْرِض عنه، ويُقْبِل على الآخر ويقول: "أتَرَى بِما أقُولُهُ بأسًا؟ فيقول: لا ففي هذا أُنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ . ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ قال: " بينا رسول الله ﷺ يناجي عُتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب، وكان يتصدّى لهم كثيرا، ويَعرض عليهم أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى يقال له عبد الله بن أمّ مكتوم، يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرئ النبيّ ﷺ آية من القرآن، وقال: يا رسول الله، علمني مما علَّمك الله، فأعرض عنه رسول الله ﷺ، وعبس في وجهه وتوّلى، وكره كلامه، وأقبل على الآخرين؛ فلما قضى رسول الله ﷺ، وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره، ثم خَفَق برأسه، ثم أنزل الله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ ، فلما نزل فيه أكرمه رسول الله ﷺ وكلَّمه، وقال له: "ما حاجَتُك، هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيءٍ؟ " وإذا ذهب من عنده قال له: "هَلْ لكَ حاجَةٌ فِي شَيْء؟ " وذلك لما أنزل الله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، قال: نزلت في ابن أمّ مكتوم ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ . ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ قال: رجل من بني فهر، يقال له: ابن أمّ مكتوم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ عبد الله بن زائدة، وهو ابن أمّ مكتوم، وجاءه يستقرئه، وهو يناجي أُميَّة بن خلف، رجل من عِلْية قريش، فأعرض عنه نبيّ الله ﷺ، فأنزل الله فيه ما تسمعون: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ ذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ استخلفه بعد ذلك مرّتين على المدينة في غزوتين غزاهما يصلي بأهلها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أنه رآه يوم القادسية معه راية سوداء، وعليه درع له. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: جاء ابن أمّ مكتوم إلى النبيّ ﷺ وهو يكلم أبيَّ بن خَلَف، فأعرض عنه، فأنزل الله عليه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فكان النبيّ ﷺ بعد ذلك يُكرمه قال أنس: فرأيته يوم القادسية عليه درع، ومعه راية سوداء. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ تصدّى رسول الله ﷺ لرجل من مشركي قريش كثير المال، ورجا أن يؤمن، وجاء رجل من الأنصار أعمى يقال له: عبد الله بن أمّ مكتوم، فجعل يسأل نبيّ الله ﷺ فكرهه نبيّ الله ﷺ وتولى عنه، وأقبل على الغنيّ، فوعظ الله نبيه، فأكرمه نبيّ الله ﷺ، واستخلفه على المدينة مرّتين في غزوتين غزاهما. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وسألته عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ قال: جاء ابن أمّ مكتوم إلى رسول الله ﷺ وقائده يبصر، وهو لا يبصر، قال: ورسول الله ﷺ يشير إلى قائده يكفّ، وابن أمّ مكتوم يدفعه ولا يُبصر؛ قال: حتى عبس رسول الله ﷺ، فعاتبه الله في ذلك، فقال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ... ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ قال ابن زيد: كان يقال: لو أن رسول الله ﷺ كَتَمَ من الوحي شيئا، كتم هذا عن نفسه، قال: وكان يتصدّى لهذا الشريف في جاهليته رجاء أن يسلم، وكان عن هذا يتلَّهى. * * وقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وما يدريك يا محمد لعلّ هذا الأعمى الذي عَبَست في وجهه يَزَّكَّى: يقول: يتطهَّر من ذنوبه. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ يسلم. * * وقوله: ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يقول: أو يتذكَّر فتنفعه الذكرى: يعني: يعتبر فينفعه الاعتبار والاتعاظ، والقراءة على رفع: ﴿فتَنْفَعهُ﴾ عطفا به على قوله: ﴿يَذَّكَّرُ﴾ ، وقد رُوي عن عاصم النصب فيه والرفع، والنصب على أن تجعله جوابا بالفاء للعلّ، كما قال الشاعر: عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أوْ دُوْلاتِها ... يُدِلْنَنا اللَّمَّةَ مِنْ لمَّاتِها فَتَسْتَرِيحُ النَّفْسُ مِنْ زَفْراتها ... وتُنْقَعُ الغُلَّةُ مِن غُلاتِها [[الحديث ١٥٦- هو مختصر مما قبله: ١٥٥.]] "وتنقع" يُروى بالرفع والنصب.
Le Messager s’est renfrogné et détourné
أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ
parce que l'aveugle est venu à lui.
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ عَبَسَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ذَكَرَ غيرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا يخاطبُ بَعْضَ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ، وَقَدْ طَمع فِي إِسْلَامِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُخَاطِبُهُ وَيُنَاجِيهُ إِذْ أَقْبَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا-فَجَعَلَ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ وَيُلِحُّ عَلَيْهِ، وودَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَوْ كَفَّ سَاعَتَهُ تِلْكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مُخَاطَبَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ؛ طَمَعًا وَرَغْبَةً فِي هِدَايَتِهِ. وعَبَس فِي وَجْهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ زَكَاةٌ وَطَهَارَةٌ فِي نَفْسِهِ. (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ اتِّعَاظٌ وَانْزِجَارٌ عَنِ الْمَحَارِمِ، (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أَيْ: أَمَّا الْغَنِيُّ فَأَنْتَ تَتَعَرَّضُ لَهُ لَعَلَّهُ يَهْتَدِي، (وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: مَا أَنْتَ بِمُطَالَبٍ بِهِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ زَكَاةٌ. (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى) أَيْ: يَقْصِدُكَ وَيَؤُمُّكَ لِيَهْتَدِيَ بِمَا تَقُولُ لَهُ، (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أَيْ: تَتَشَاغَلُ. وَمِنْ هَاهُنَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ ﷺ أَلَّا يَخُصَّ بِالْإِنْذَارِ أَحَدًا، بَلْ يُسَاوِي فِيهِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالضَّعِيفِ، وَالْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ، وَالسَّادَةِ وَالْعَبِيدِ، وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالصِّغَارِ وَالْكِبَارِ. ثُمَّ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ-هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ-حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ [عَنْ أَنَسٍ] [[تنبيه: ما بين المعقوفين ليس في أصل مسند أبي يعلى وتفسير عبد الرزاق. وهل من النسخ، وأظنه مقحما. والله أعلم.]] فِي قَوْلِهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُكَلِّمُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) فَكَانَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ. قَالَ قَتَادَةُ: وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ ومعه راية سوداء- يَعْنِي ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ [[مسند أبي يعلى (٥/٤٣١) ، وتفسير عبد الرزاق (٢/٢٨٢) .]] . وَقَالَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِمَّا عَرَضَهُ عَلَيْهِ عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَرْشِدْنِي. قَالَتْ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ. قَالَتْ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُعرض عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَقُولُ: "أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟ ". فَيَقُولُ: لَا. فَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) [[مسند أبي يعلى (٨/٢٦١) ، وتفسير الطبري (٣٠/٣٢) .]] . وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، بِإِسْنَادِهِ، مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أنزلَت (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) .]] . قُلْتُ: كَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ [[الموطأ (١/٢٠٣)]] . ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) قَالَ: بَيْنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاجِي عتبةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأَبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ-وَكَانَ يَتَصَدَّى لَهُمْ كَثِيرًا، وَيَحْرِصُ [[في أ: "ويجعل".]] عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا-فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْمَى-يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-يَمْشِي وَهُوَ يُنَاجِيهِمْ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يَسْتَقْرِئُ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ، وَتَوَلَّى وكَرهَ كَلامَه، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِينَ، فَلَمَّا قَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ نَجْوَاهُ، وَأَخَذَ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، أَمَسَكَ اللَّهُ بَعْضَ بَصَرِهِ، ثُمَّ خَفَق بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِ مَا نَزَلَ، أَكْرَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمَهُ وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا حَاجَتُكَ؟ هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيْءٍ؟ " وَإِذَا ذَهَبَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: "هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ؟ ". وَذَلِكَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) [[تفسير الطبري (٣٠/٣٢) ، ووجه غرابته ما نقله السهيلي في الروض الأنف عن شيخه ابن العربي قال: "قول المفسرين في الذي شغل النبي صلى الله عليه وسلم أنه الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعباس كله باطل، فإن أمية والوليد كانا بمكة، وابن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما، ولا حضرا معه وماتا كافرين، أحدهما قبل الهجرة والآخر في بدر، ولم يقصد أمية المدينة قط، ولا حضر عنده مفردا ولا مع آخر" انتهى.]] . فِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ، وَقَدْ تُكُلّم فِي إِسْنَادِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ". وَهُوَ الْأَعْمَى الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) وَكَانَ يُؤَذِّنُ مَعَ بِلَالٍ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ رَجُلا ضريرَ الْبَصَرِ، فَلَمْ يَكْ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ-حِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى بُزُوغِ الْفَجْرِ-: أذَّن [[أصل الحديث في صحيح مسلم برقم (١٠٩٢) .]] . وَهَكَذَا ذَكَرَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ [[في م: "أنها أنزلت".]] فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُقَالُ: عَمْرٌو. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ، أَوِ الْوَصِيَّةُ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي إِبْلَاغِ الْعِلْمِ مِنْ [[في أ: "بين".]] شَرِيفِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) يَعْنِي: الْقُرْآنَ، (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) أَيْ: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْوَحْيِ؛ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ أَوِ الْعِظَةُ، وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ، بَلْ جَمِيعُ الْقُرْآنِ (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ) أَيْ: مُعَظَّمَةٍ مُوَقَّرَةٍ (مَرْفُوعَةٍ) أَيْ: عَالِيَةِ الْقَدْرِ، (مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: مِنَ الدَّنَسِ وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. * * وَقَوْلُهُ: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّفَرَةُ بِالنَّبَطِيَّةِ: الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ السَّفَرَةَ الْمَلَائِكَةُ، وَالسَّفَرَةُ يَعْنِي بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: السَّفِيرُ: الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الصُّلْحِ وَالْخَيْرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: ومَا أدَعُ السّفَارَة بَين قَومي ... وَما أمْشي بِغِشٍّ إِنْ مَشَيتُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) .]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَفَرةٌ: الْمَلَائِكَةُ. سَفرت: أَصْلَحَتْ بَيْنَهُمْ. وَجَعَلَتِ الملائكةُ إِذَا نَزَلَتْ بوَحْي اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ [[صحيح البخاري (٨/٦٩١) "فتح".]] . * * وَقَوْلُهُ: (كِرَامٍ بَرَرَةٍ) أَيْ: خُلقهم كَرِيمٌ حَسَنٌ شَرِيفٌ، وَأَخْلَاقُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ بَارَّةٌ طَاهِرَةٌ كَامِلَةٌ. وَمِنْ هَاهُنَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ عَلَى السَّدَادِ وَالرَّشَادِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى، عَنِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ". أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، بِهِ [[المسند (٦/٤٨) وصحيح البخاري برقم (٤٩٣٧) وصحيح مسلم برقم (٧٩٨) وسنن أبي داود برقم (١٤٥٤) وسنن الترمذي برقم (٢٩٠٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٧٩) .]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) ﴾ . يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿عَبَسَ﴾ قبض وجهه تكرّها، ﴿وَتَوَلى﴾ يقول: وأعرض ﴿أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ يقول: لأن جاءه الأعمى. وقد ذُكر عن بعض القرّاء أنه كان يطوّل الألف ويمدها من ﴿أنْ جاءَهُ﴾ فيقول: ﴿آنْ جاءَهُ﴾ ، وكأنّ معنى الكلام كان عنده: أأن جاءه الأعمى؟ عبس وتولى، كما قرأ من قرأ: ﴿آنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ بمدّ الألف من "أن" وقصرها. وذُكر أن الأعمى الذي ذكره الله في هذه الآية، هو ابن أمّ مكتوم، عوتب النبيّ ﷺ بسببه. ذكر الأخبار الواردة بذلك ⁕ حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثنا أبي، عن هشام بن عروة مما عرضه عليه عروة، عن عائشة قالت: أنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابن أمّ مكتوم قالت: أتى إلى رسول الله ﷺ فجعل يقول: أرشدني، قالت: وعند رسول الله ﷺ من عظماء المشركين، قالت: فجعل النبيّ ﷺ يُعْرِض عنه، ويُقْبِل على الآخر ويقول: "أتَرَى بِما أقُولُهُ بأسًا؟ فيقول: لا ففي هذا أُنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ . ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ قال: " بينا رسول الله ﷺ يناجي عُتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب، وكان يتصدّى لهم كثيرا، ويَعرض عليهم أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى يقال له عبد الله بن أمّ مكتوم، يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرئ النبيّ ﷺ آية من القرآن، وقال: يا رسول الله، علمني مما علَّمك الله، فأعرض عنه رسول الله ﷺ، وعبس في وجهه وتوّلى، وكره كلامه، وأقبل على الآخرين؛ فلما قضى رسول الله ﷺ، وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره، ثم خَفَق برأسه، ثم أنزل الله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ ، فلما نزل فيه أكرمه رسول الله ﷺ وكلَّمه، وقال له: "ما حاجَتُك، هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيءٍ؟ " وإذا ذهب من عنده قال له: "هَلْ لكَ حاجَةٌ فِي شَيْء؟ " وذلك لما أنزل الله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، قال: نزلت في ابن أمّ مكتوم ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ . ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ قال: رجل من بني فهر، يقال له: ابن أمّ مكتوم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ عبد الله بن زائدة، وهو ابن أمّ مكتوم، وجاءه يستقرئه، وهو يناجي أُميَّة بن خلف، رجل من عِلْية قريش، فأعرض عنه نبيّ الله ﷺ، فأنزل الله فيه ما تسمعون: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ ذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ استخلفه بعد ذلك مرّتين على المدينة في غزوتين غزاهما يصلي بأهلها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أنه رآه يوم القادسية معه راية سوداء، وعليه درع له. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: جاء ابن أمّ مكتوم إلى النبيّ ﷺ وهو يكلم أبيَّ بن خَلَف، فأعرض عنه، فأنزل الله عليه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فكان النبيّ ﷺ بعد ذلك يُكرمه قال أنس: فرأيته يوم القادسية عليه درع، ومعه راية سوداء. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ تصدّى رسول الله ﷺ لرجل من مشركي قريش كثير المال، ورجا أن يؤمن، وجاء رجل من الأنصار أعمى يقال له: عبد الله بن أمّ مكتوم، فجعل يسأل نبيّ الله ﷺ فكرهه نبيّ الله ﷺ وتولى عنه، وأقبل على الغنيّ، فوعظ الله نبيه، فأكرمه نبيّ الله ﷺ، واستخلفه على المدينة مرّتين في غزوتين غزاهما. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وسألته عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ قال: جاء ابن أمّ مكتوم إلى رسول الله ﷺ وقائده يبصر، وهو لا يبصر، قال: ورسول الله ﷺ يشير إلى قائده يكفّ، وابن أمّ مكتوم يدفعه ولا يُبصر؛ قال: حتى عبس رسول الله ﷺ، فعاتبه الله في ذلك، فقال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ... ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ قال ابن زيد: كان يقال: لو أن رسول الله ﷺ كَتَمَ من الوحي شيئا، كتم هذا عن نفسه، قال: وكان يتصدّى لهذا الشريف في جاهليته رجاء أن يسلم، وكان عن هذا يتلَّهى. * * وقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وما يدريك يا محمد لعلّ هذا الأعمى الذي عَبَست في وجهه يَزَّكَّى: يقول: يتطهَّر من ذنوبه. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ يسلم. * * وقوله: ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يقول: أو يتذكَّر فتنفعه الذكرى: يعني: يعتبر فينفعه الاعتبار والاتعاظ، والقراءة على رفع: ﴿فتَنْفَعهُ﴾ عطفا به على قوله: ﴿يَذَّكَّرُ﴾ ، وقد رُوي عن عاصم النصب فيه والرفع، والنصب على أن تجعله جوابا بالفاء للعلّ، كما قال الشاعر: عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أوْ دُوْلاتِها ... يُدِلْنَنا اللَّمَّةَ مِنْ لمَّاتِها فَتَسْتَرِيحُ النَّفْسُ مِنْ زَفْراتها ... وتُنْقَعُ الغُلَّةُ مِن غُلاتِها [[الحديث ١٥٦- هو مختصر مما قبله: ١٥٥.]] "وتنقع" يُروى بالرفع والنصب.
lorsque ‘AbduLlâh ibn `Umm Maktûm, qui était aveugle, vint le consulter alors qu’il était occupé à prêcher de notoires polythéistes, dans l’espoir qu’ils se convertissent.
وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ
Qui te dit: peut-être [cherche]-t-il à se purifier?
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ عَبَسَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ذَكَرَ غيرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا يخاطبُ بَعْضَ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ، وَقَدْ طَمع فِي إِسْلَامِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُخَاطِبُهُ وَيُنَاجِيهُ إِذْ أَقْبَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا-فَجَعَلَ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ وَيُلِحُّ عَلَيْهِ، وودَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَوْ كَفَّ سَاعَتَهُ تِلْكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مُخَاطَبَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ؛ طَمَعًا وَرَغْبَةً فِي هِدَايَتِهِ. وعَبَس فِي وَجْهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ زَكَاةٌ وَطَهَارَةٌ فِي نَفْسِهِ. (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ اتِّعَاظٌ وَانْزِجَارٌ عَنِ الْمَحَارِمِ، (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أَيْ: أَمَّا الْغَنِيُّ فَأَنْتَ تَتَعَرَّضُ لَهُ لَعَلَّهُ يَهْتَدِي، (وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: مَا أَنْتَ بِمُطَالَبٍ بِهِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ زَكَاةٌ. (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى) أَيْ: يَقْصِدُكَ وَيَؤُمُّكَ لِيَهْتَدِيَ بِمَا تَقُولُ لَهُ، (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أَيْ: تَتَشَاغَلُ. وَمِنْ هَاهُنَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ ﷺ أَلَّا يَخُصَّ بِالْإِنْذَارِ أَحَدًا، بَلْ يُسَاوِي فِيهِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالضَّعِيفِ، وَالْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ، وَالسَّادَةِ وَالْعَبِيدِ، وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالصِّغَارِ وَالْكِبَارِ. ثُمَّ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ-هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ-حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ [عَنْ أَنَسٍ] [[تنبيه: ما بين المعقوفين ليس في أصل مسند أبي يعلى وتفسير عبد الرزاق. وهل من النسخ، وأظنه مقحما. والله أعلم.]] فِي قَوْلِهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُكَلِّمُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) فَكَانَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ. قَالَ قَتَادَةُ: وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ ومعه راية سوداء- يَعْنِي ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ [[مسند أبي يعلى (٥/٤٣١) ، وتفسير عبد الرزاق (٢/٢٨٢) .]] . وَقَالَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِمَّا عَرَضَهُ عَلَيْهِ عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَرْشِدْنِي. قَالَتْ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ. قَالَتْ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُعرض عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَقُولُ: "أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟ ". فَيَقُولُ: لَا. فَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) [[مسند أبي يعلى (٨/٢٦١) ، وتفسير الطبري (٣٠/٣٢) .]] . وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، بِإِسْنَادِهِ، مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أنزلَت (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) .]] . قُلْتُ: كَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ [[الموطأ (١/٢٠٣)]] . ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) قَالَ: بَيْنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاجِي عتبةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأَبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ-وَكَانَ يَتَصَدَّى لَهُمْ كَثِيرًا، وَيَحْرِصُ [[في أ: "ويجعل".]] عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا-فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْمَى-يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-يَمْشِي وَهُوَ يُنَاجِيهِمْ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يَسْتَقْرِئُ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ، وَتَوَلَّى وكَرهَ كَلامَه، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِينَ، فَلَمَّا قَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ نَجْوَاهُ، وَأَخَذَ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، أَمَسَكَ اللَّهُ بَعْضَ بَصَرِهِ، ثُمَّ خَفَق بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِ مَا نَزَلَ، أَكْرَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمَهُ وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا حَاجَتُكَ؟ هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيْءٍ؟ " وَإِذَا ذَهَبَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: "هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ؟ ". وَذَلِكَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) [[تفسير الطبري (٣٠/٣٢) ، ووجه غرابته ما نقله السهيلي في الروض الأنف عن شيخه ابن العربي قال: "قول المفسرين في الذي شغل النبي صلى الله عليه وسلم أنه الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعباس كله باطل، فإن أمية والوليد كانا بمكة، وابن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما، ولا حضرا معه وماتا كافرين، أحدهما قبل الهجرة والآخر في بدر، ولم يقصد أمية المدينة قط، ولا حضر عنده مفردا ولا مع آخر" انتهى.]] . فِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ، وَقَدْ تُكُلّم فِي إِسْنَادِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ". وَهُوَ الْأَعْمَى الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) وَكَانَ يُؤَذِّنُ مَعَ بِلَالٍ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ رَجُلا ضريرَ الْبَصَرِ، فَلَمْ يَكْ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ-حِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى بُزُوغِ الْفَجْرِ-: أذَّن [[أصل الحديث في صحيح مسلم برقم (١٠٩٢) .]] . وَهَكَذَا ذَكَرَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ [[في م: "أنها أنزلت".]] فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُقَالُ: عَمْرٌو. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ، أَوِ الْوَصِيَّةُ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي إِبْلَاغِ الْعِلْمِ مِنْ [[في أ: "بين".]] شَرِيفِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) يَعْنِي: الْقُرْآنَ، (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) أَيْ: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْوَحْيِ؛ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ أَوِ الْعِظَةُ، وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ، بَلْ جَمِيعُ الْقُرْآنِ (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ) أَيْ: مُعَظَّمَةٍ مُوَقَّرَةٍ (مَرْفُوعَةٍ) أَيْ: عَالِيَةِ الْقَدْرِ، (مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: مِنَ الدَّنَسِ وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. * * وَقَوْلُهُ: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّفَرَةُ بِالنَّبَطِيَّةِ: الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ السَّفَرَةَ الْمَلَائِكَةُ، وَالسَّفَرَةُ يَعْنِي بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: السَّفِيرُ: الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الصُّلْحِ وَالْخَيْرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: ومَا أدَعُ السّفَارَة بَين قَومي ... وَما أمْشي بِغِشٍّ إِنْ مَشَيتُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) .]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَفَرةٌ: الْمَلَائِكَةُ. سَفرت: أَصْلَحَتْ بَيْنَهُمْ. وَجَعَلَتِ الملائكةُ إِذَا نَزَلَتْ بوَحْي اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ [[صحيح البخاري (٨/٦٩١) "فتح".]] . * * وَقَوْلُهُ: (كِرَامٍ بَرَرَةٍ) أَيْ: خُلقهم كَرِيمٌ حَسَنٌ شَرِيفٌ، وَأَخْلَاقُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ بَارَّةٌ طَاهِرَةٌ كَامِلَةٌ. وَمِنْ هَاهُنَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ عَلَى السَّدَادِ وَالرَّشَادِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى، عَنِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ". أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، بِهِ [[المسند (٦/٤٨) وصحيح البخاري برقم (٤٩٣٧) وصحيح مسلم برقم (٧٩٨) وسنن أبي داود برقم (١٤٥٤) وسنن الترمذي برقم (٢٩٠٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٧٩) .]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) ﴾ . يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿عَبَسَ﴾ قبض وجهه تكرّها، ﴿وَتَوَلى﴾ يقول: وأعرض ﴿أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ يقول: لأن جاءه الأعمى. وقد ذُكر عن بعض القرّاء أنه كان يطوّل الألف ويمدها من ﴿أنْ جاءَهُ﴾ فيقول: ﴿آنْ جاءَهُ﴾ ، وكأنّ معنى الكلام كان عنده: أأن جاءه الأعمى؟ عبس وتولى، كما قرأ من قرأ: ﴿آنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ بمدّ الألف من "أن" وقصرها. وذُكر أن الأعمى الذي ذكره الله في هذه الآية، هو ابن أمّ مكتوم، عوتب النبيّ ﷺ بسببه. ذكر الأخبار الواردة بذلك ⁕ حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثنا أبي، عن هشام بن عروة مما عرضه عليه عروة، عن عائشة قالت: أنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابن أمّ مكتوم قالت: أتى إلى رسول الله ﷺ فجعل يقول: أرشدني، قالت: وعند رسول الله ﷺ من عظماء المشركين، قالت: فجعل النبيّ ﷺ يُعْرِض عنه، ويُقْبِل على الآخر ويقول: "أتَرَى بِما أقُولُهُ بأسًا؟ فيقول: لا ففي هذا أُنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ . ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ قال: " بينا رسول الله ﷺ يناجي عُتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب، وكان يتصدّى لهم كثيرا، ويَعرض عليهم أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى يقال له عبد الله بن أمّ مكتوم، يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرئ النبيّ ﷺ آية من القرآن، وقال: يا رسول الله، علمني مما علَّمك الله، فأعرض عنه رسول الله ﷺ، وعبس في وجهه وتوّلى، وكره كلامه، وأقبل على الآخرين؛ فلما قضى رسول الله ﷺ، وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره، ثم خَفَق برأسه، ثم أنزل الله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ ، فلما نزل فيه أكرمه رسول الله ﷺ وكلَّمه، وقال له: "ما حاجَتُك، هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيءٍ؟ " وإذا ذهب من عنده قال له: "هَلْ لكَ حاجَةٌ فِي شَيْء؟ " وذلك لما أنزل الله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، قال: نزلت في ابن أمّ مكتوم ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ . ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ قال: رجل من بني فهر، يقال له: ابن أمّ مكتوم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ عبد الله بن زائدة، وهو ابن أمّ مكتوم، وجاءه يستقرئه، وهو يناجي أُميَّة بن خلف، رجل من عِلْية قريش، فأعرض عنه نبيّ الله ﷺ، فأنزل الله فيه ما تسمعون: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ ذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ استخلفه بعد ذلك مرّتين على المدينة في غزوتين غزاهما يصلي بأهلها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أنه رآه يوم القادسية معه راية سوداء، وعليه درع له. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: جاء ابن أمّ مكتوم إلى النبيّ ﷺ وهو يكلم أبيَّ بن خَلَف، فأعرض عنه، فأنزل الله عليه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فكان النبيّ ﷺ بعد ذلك يُكرمه قال أنس: فرأيته يوم القادسية عليه درع، ومعه راية سوداء. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ تصدّى رسول الله ﷺ لرجل من مشركي قريش كثير المال، ورجا أن يؤمن، وجاء رجل من الأنصار أعمى يقال له: عبد الله بن أمّ مكتوم، فجعل يسأل نبيّ الله ﷺ فكرهه نبيّ الله ﷺ وتولى عنه، وأقبل على الغنيّ، فوعظ الله نبيه، فأكرمه نبيّ الله ﷺ، واستخلفه على المدينة مرّتين في غزوتين غزاهما. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وسألته عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ قال: جاء ابن أمّ مكتوم إلى رسول الله ﷺ وقائده يبصر، وهو لا يبصر، قال: ورسول الله ﷺ يشير إلى قائده يكفّ، وابن أمّ مكتوم يدفعه ولا يُبصر؛ قال: حتى عبس رسول الله ﷺ، فعاتبه الله في ذلك، فقال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ... ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ قال ابن زيد: كان يقال: لو أن رسول الله ﷺ كَتَمَ من الوحي شيئا، كتم هذا عن نفسه، قال: وكان يتصدّى لهذا الشريف في جاهليته رجاء أن يسلم، وكان عن هذا يتلَّهى. * * وقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وما يدريك يا محمد لعلّ هذا الأعمى الذي عَبَست في وجهه يَزَّكَّى: يقول: يتطهَّر من ذنوبه. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ يسلم. * * وقوله: ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يقول: أو يتذكَّر فتنفعه الذكرى: يعني: يعتبر فينفعه الاعتبار والاتعاظ، والقراءة على رفع: ﴿فتَنْفَعهُ﴾ عطفا به على قوله: ﴿يَذَّكَّرُ﴾ ، وقد رُوي عن عاصم النصب فيه والرفع، والنصب على أن تجعله جوابا بالفاء للعلّ، كما قال الشاعر: عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أوْ دُوْلاتِها ... يُدِلْنَنا اللَّمَّةَ مِنْ لمَّاتِها فَتَسْتَرِيحُ النَّفْسُ مِنْ زَفْراتها ... وتُنْقَعُ الغُلَّةُ مِن غُلاتِها [[الحديث ١٥٦- هو مختصر مما قبله: ١٥٥.]] "وتنقع" يُروى بالرفع والنصب.
Ô Messager, il se peut que cet aveugle cherche à se purifier de ses péchés
أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰٓ
ou à se rappeler en sorte que le rappel lui profite?
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ عَبَسَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ذَكَرَ غيرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا يخاطبُ بَعْضَ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ، وَقَدْ طَمع فِي إِسْلَامِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُخَاطِبُهُ وَيُنَاجِيهُ إِذْ أَقْبَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا-فَجَعَلَ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ وَيُلِحُّ عَلَيْهِ، وودَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَوْ كَفَّ سَاعَتَهُ تِلْكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مُخَاطَبَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ؛ طَمَعًا وَرَغْبَةً فِي هِدَايَتِهِ. وعَبَس فِي وَجْهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ زَكَاةٌ وَطَهَارَةٌ فِي نَفْسِهِ. (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ اتِّعَاظٌ وَانْزِجَارٌ عَنِ الْمَحَارِمِ، (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أَيْ: أَمَّا الْغَنِيُّ فَأَنْتَ تَتَعَرَّضُ لَهُ لَعَلَّهُ يَهْتَدِي، (وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: مَا أَنْتَ بِمُطَالَبٍ بِهِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ زَكَاةٌ. (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى) أَيْ: يَقْصِدُكَ وَيَؤُمُّكَ لِيَهْتَدِيَ بِمَا تَقُولُ لَهُ، (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أَيْ: تَتَشَاغَلُ. وَمِنْ هَاهُنَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ ﷺ أَلَّا يَخُصَّ بِالْإِنْذَارِ أَحَدًا، بَلْ يُسَاوِي فِيهِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالضَّعِيفِ، وَالْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ، وَالسَّادَةِ وَالْعَبِيدِ، وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالصِّغَارِ وَالْكِبَارِ. ثُمَّ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ-هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ-حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ [عَنْ أَنَسٍ] [[تنبيه: ما بين المعقوفين ليس في أصل مسند أبي يعلى وتفسير عبد الرزاق. وهل من النسخ، وأظنه مقحما. والله أعلم.]] فِي قَوْلِهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُكَلِّمُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) فَكَانَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ. قَالَ قَتَادَةُ: وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ ومعه راية سوداء- يَعْنِي ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ [[مسند أبي يعلى (٥/٤٣١) ، وتفسير عبد الرزاق (٢/٢٨٢) .]] . وَقَالَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِمَّا عَرَضَهُ عَلَيْهِ عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَرْشِدْنِي. قَالَتْ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ. قَالَتْ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُعرض عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَقُولُ: "أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟ ". فَيَقُولُ: لَا. فَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) [[مسند أبي يعلى (٨/٢٦١) ، وتفسير الطبري (٣٠/٣٢) .]] . وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، بِإِسْنَادِهِ، مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أنزلَت (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) .]] . قُلْتُ: كَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ [[الموطأ (١/٢٠٣)]] . ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) قَالَ: بَيْنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاجِي عتبةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأَبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ-وَكَانَ يَتَصَدَّى لَهُمْ كَثِيرًا، وَيَحْرِصُ [[في أ: "ويجعل".]] عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا-فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْمَى-يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-يَمْشِي وَهُوَ يُنَاجِيهِمْ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يَسْتَقْرِئُ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ، وَتَوَلَّى وكَرهَ كَلامَه، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِينَ، فَلَمَّا قَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ نَجْوَاهُ، وَأَخَذَ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، أَمَسَكَ اللَّهُ بَعْضَ بَصَرِهِ، ثُمَّ خَفَق بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِ مَا نَزَلَ، أَكْرَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمَهُ وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا حَاجَتُكَ؟ هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيْءٍ؟ " وَإِذَا ذَهَبَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: "هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ؟ ". وَذَلِكَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) [[تفسير الطبري (٣٠/٣٢) ، ووجه غرابته ما نقله السهيلي في الروض الأنف عن شيخه ابن العربي قال: "قول المفسرين في الذي شغل النبي صلى الله عليه وسلم أنه الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعباس كله باطل، فإن أمية والوليد كانا بمكة، وابن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما، ولا حضرا معه وماتا كافرين، أحدهما قبل الهجرة والآخر في بدر، ولم يقصد أمية المدينة قط، ولا حضر عنده مفردا ولا مع آخر" انتهى.]] . فِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ، وَقَدْ تُكُلّم فِي إِسْنَادِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ". وَهُوَ الْأَعْمَى الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) وَكَانَ يُؤَذِّنُ مَعَ بِلَالٍ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ رَجُلا ضريرَ الْبَصَرِ، فَلَمْ يَكْ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ-حِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى بُزُوغِ الْفَجْرِ-: أذَّن [[أصل الحديث في صحيح مسلم برقم (١٠٩٢) .]] . وَهَكَذَا ذَكَرَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ [[في م: "أنها أنزلت".]] فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُقَالُ: عَمْرٌو. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ، أَوِ الْوَصِيَّةُ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي إِبْلَاغِ الْعِلْمِ مِنْ [[في أ: "بين".]] شَرِيفِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) يَعْنِي: الْقُرْآنَ، (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) أَيْ: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْوَحْيِ؛ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ أَوِ الْعِظَةُ، وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ، بَلْ جَمِيعُ الْقُرْآنِ (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ) أَيْ: مُعَظَّمَةٍ مُوَقَّرَةٍ (مَرْفُوعَةٍ) أَيْ: عَالِيَةِ الْقَدْرِ، (مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: مِنَ الدَّنَسِ وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. * * وَقَوْلُهُ: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّفَرَةُ بِالنَّبَطِيَّةِ: الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ السَّفَرَةَ الْمَلَائِكَةُ، وَالسَّفَرَةُ يَعْنِي بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: السَّفِيرُ: الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الصُّلْحِ وَالْخَيْرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: ومَا أدَعُ السّفَارَة بَين قَومي ... وَما أمْشي بِغِشٍّ إِنْ مَشَيتُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) .]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَفَرةٌ: الْمَلَائِكَةُ. سَفرت: أَصْلَحَتْ بَيْنَهُمْ. وَجَعَلَتِ الملائكةُ إِذَا نَزَلَتْ بوَحْي اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ [[صحيح البخاري (٨/٦٩١) "فتح".]] . * * وَقَوْلُهُ: (كِرَامٍ بَرَرَةٍ) أَيْ: خُلقهم كَرِيمٌ حَسَنٌ شَرِيفٌ، وَأَخْلَاقُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ بَارَّةٌ طَاهِرَةٌ كَامِلَةٌ. وَمِنْ هَاهُنَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ عَلَى السَّدَادِ وَالرَّشَادِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى، عَنِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ". أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، بِهِ [[المسند (٦/٤٨) وصحيح البخاري برقم (٤٩٣٧) وصحيح مسلم برقم (٧٩٨) وسنن أبي داود برقم (١٤٥٤) وسنن الترمذي برقم (٢٩٠٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٧٩) .]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) ﴾ . يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿عَبَسَ﴾ قبض وجهه تكرّها، ﴿وَتَوَلى﴾ يقول: وأعرض ﴿أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ يقول: لأن جاءه الأعمى. وقد ذُكر عن بعض القرّاء أنه كان يطوّل الألف ويمدها من ﴿أنْ جاءَهُ﴾ فيقول: ﴿آنْ جاءَهُ﴾ ، وكأنّ معنى الكلام كان عنده: أأن جاءه الأعمى؟ عبس وتولى، كما قرأ من قرأ: ﴿آنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ بمدّ الألف من "أن" وقصرها. وذُكر أن الأعمى الذي ذكره الله في هذه الآية، هو ابن أمّ مكتوم، عوتب النبيّ ﷺ بسببه. ذكر الأخبار الواردة بذلك ⁕ حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثنا أبي، عن هشام بن عروة مما عرضه عليه عروة، عن عائشة قالت: أنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابن أمّ مكتوم قالت: أتى إلى رسول الله ﷺ فجعل يقول: أرشدني، قالت: وعند رسول الله ﷺ من عظماء المشركين، قالت: فجعل النبيّ ﷺ يُعْرِض عنه، ويُقْبِل على الآخر ويقول: "أتَرَى بِما أقُولُهُ بأسًا؟ فيقول: لا ففي هذا أُنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ . ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ قال: " بينا رسول الله ﷺ يناجي عُتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب، وكان يتصدّى لهم كثيرا، ويَعرض عليهم أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى يقال له عبد الله بن أمّ مكتوم، يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرئ النبيّ ﷺ آية من القرآن، وقال: يا رسول الله، علمني مما علَّمك الله، فأعرض عنه رسول الله ﷺ، وعبس في وجهه وتوّلى، وكره كلامه، وأقبل على الآخرين؛ فلما قضى رسول الله ﷺ، وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره، ثم خَفَق برأسه، ثم أنزل الله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ ، فلما نزل فيه أكرمه رسول الله ﷺ وكلَّمه، وقال له: "ما حاجَتُك، هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيءٍ؟ " وإذا ذهب من عنده قال له: "هَلْ لكَ حاجَةٌ فِي شَيْء؟ " وذلك لما أنزل الله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، قال: نزلت في ابن أمّ مكتوم ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ . ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ قال: رجل من بني فهر، يقال له: ابن أمّ مكتوم. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ عبد الله بن زائدة، وهو ابن أمّ مكتوم، وجاءه يستقرئه، وهو يناجي أُميَّة بن خلف، رجل من عِلْية قريش، فأعرض عنه نبيّ الله ﷺ، فأنزل الله فيه ما تسمعون: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ ذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ استخلفه بعد ذلك مرّتين على المدينة في غزوتين غزاهما يصلي بأهلها. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أنه رآه يوم القادسية معه راية سوداء، وعليه درع له. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: جاء ابن أمّ مكتوم إلى النبيّ ﷺ وهو يكلم أبيَّ بن خَلَف، فأعرض عنه، فأنزل الله عليه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فكان النبيّ ﷺ بعد ذلك يُكرمه قال أنس: فرأيته يوم القادسية عليه درع، ومعه راية سوداء. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ تصدّى رسول الله ﷺ لرجل من مشركي قريش كثير المال، ورجا أن يؤمن، وجاء رجل من الأنصار أعمى يقال له: عبد الله بن أمّ مكتوم، فجعل يسأل نبيّ الله ﷺ فكرهه نبيّ الله ﷺ وتولى عنه، وأقبل على الغنيّ، فوعظ الله نبيه، فأكرمه نبيّ الله ﷺ، واستخلفه على المدينة مرّتين في غزوتين غزاهما. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وسألته عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى﴾ قال: جاء ابن أمّ مكتوم إلى رسول الله ﷺ وقائده يبصر، وهو لا يبصر، قال: ورسول الله ﷺ يشير إلى قائده يكفّ، وابن أمّ مكتوم يدفعه ولا يُبصر؛ قال: حتى عبس رسول الله ﷺ، فعاتبه الله في ذلك، فقال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ... ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ قال ابن زيد: كان يقال: لو أن رسول الله ﷺ كَتَمَ من الوحي شيئا، كتم هذا عن نفسه، قال: وكان يتصدّى لهذا الشريف في جاهليته رجاء أن يسلم، وكان عن هذا يتلَّهى. * * وقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وما يدريك يا محمد لعلّ هذا الأعمى الذي عَبَست في وجهه يَزَّكَّى: يقول: يتطهَّر من ذنوبه. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:- ⁕ حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ يسلم. * * وقوله: ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يقول: أو يتذكَّر فتنفعه الذكرى: يعني: يعتبر فينفعه الاعتبار والاتعاظ، والقراءة على رفع: ﴿فتَنْفَعهُ﴾ عطفا به على قوله: ﴿يَذَّكَّرُ﴾ ، وقد رُوي عن عاصم النصب فيه والرفع، والنصب على أن تجعله جوابا بالفاء للعلّ، كما قال الشاعر: عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أوْ دُوْلاتِها ... يُدِلْنَنا اللَّمَّةَ مِنْ لمَّاتِها فَتَسْتَرِيحُ النَّفْسُ مِنْ زَفْراتها ... وتُنْقَعُ الغُلَّةُ مِن غُلاتِها [[الحديث ١٥٦- هو مختصر مما قبله: ١٥٥.]] "وتنقع" يُروى بالرفع والنصب.
ou à tirer profit de tes exhortations.
أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ
Quant à celui qui se complaît dans sa suffisance (pour sa richesse)
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ عَبَسَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ذَكَرَ غيرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا يخاطبُ بَعْضَ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ، وَقَدْ طَمع فِي إِسْلَامِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُخَاطِبُهُ وَيُنَاجِيهُ إِذْ أَقْبَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا-فَجَعَلَ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ وَيُلِحُّ عَلَيْهِ، وودَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَوْ كَفَّ سَاعَتَهُ تِلْكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مُخَاطَبَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ؛ طَمَعًا وَرَغْبَةً فِي هِدَايَتِهِ. وعَبَس فِي وَجْهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ زَكَاةٌ وَطَهَارَةٌ فِي نَفْسِهِ. (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ اتِّعَاظٌ وَانْزِجَارٌ عَنِ الْمَحَارِمِ، (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أَيْ: أَمَّا الْغَنِيُّ فَأَنْتَ تَتَعَرَّضُ لَهُ لَعَلَّهُ يَهْتَدِي، (وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: مَا أَنْتَ بِمُطَالَبٍ بِهِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ زَكَاةٌ. (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى) أَيْ: يَقْصِدُكَ وَيَؤُمُّكَ لِيَهْتَدِيَ بِمَا تَقُولُ لَهُ، (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أَيْ: تَتَشَاغَلُ. وَمِنْ هَاهُنَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ ﷺ أَلَّا يَخُصَّ بِالْإِنْذَارِ أَحَدًا، بَلْ يُسَاوِي فِيهِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالضَّعِيفِ، وَالْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ، وَالسَّادَةِ وَالْعَبِيدِ، وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالصِّغَارِ وَالْكِبَارِ. ثُمَّ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ-هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ-حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ [عَنْ أَنَسٍ] [[تنبيه: ما بين المعقوفين ليس في أصل مسند أبي يعلى وتفسير عبد الرزاق. وهل من النسخ، وأظنه مقحما. والله أعلم.]] فِي قَوْلِهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُكَلِّمُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) فَكَانَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ. قَالَ قَتَادَةُ: وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ ومعه راية سوداء- يَعْنِي ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ [[مسند أبي يعلى (٥/٤٣١) ، وتفسير عبد الرزاق (٢/٢٨٢) .]] . وَقَالَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِمَّا عَرَضَهُ عَلَيْهِ عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَرْشِدْنِي. قَالَتْ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ. قَالَتْ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُعرض عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَقُولُ: "أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟ ". فَيَقُولُ: لَا. فَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) [[مسند أبي يعلى (٨/٢٦١) ، وتفسير الطبري (٣٠/٣٢) .]] . وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، بِإِسْنَادِهِ، مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أنزلَت (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) .]] . قُلْتُ: كَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ [[الموطأ (١/٢٠٣)]] . ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) قَالَ: بَيْنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاجِي عتبةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأَبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ-وَكَانَ يَتَصَدَّى لَهُمْ كَثِيرًا، وَيَحْرِصُ [[في أ: "ويجعل".]] عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا-فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْمَى-يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-يَمْشِي وَهُوَ يُنَاجِيهِمْ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يَسْتَقْرِئُ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ، وَتَوَلَّى وكَرهَ كَلامَه، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِينَ، فَلَمَّا قَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ نَجْوَاهُ، وَأَخَذَ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، أَمَسَكَ اللَّهُ بَعْضَ بَصَرِهِ، ثُمَّ خَفَق بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِ مَا نَزَلَ، أَكْرَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمَهُ وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا حَاجَتُكَ؟ هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيْءٍ؟ " وَإِذَا ذَهَبَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: "هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ؟ ". وَذَلِكَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) [[تفسير الطبري (٣٠/٣٢) ، ووجه غرابته ما نقله السهيلي في الروض الأنف عن شيخه ابن العربي قال: "قول المفسرين في الذي شغل النبي صلى الله عليه وسلم أنه الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعباس كله باطل، فإن أمية والوليد كانا بمكة، وابن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما، ولا حضرا معه وماتا كافرين، أحدهما قبل الهجرة والآخر في بدر، ولم يقصد أمية المدينة قط، ولا حضر عنده مفردا ولا مع آخر" انتهى.]] . فِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ، وَقَدْ تُكُلّم فِي إِسْنَادِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ". وَهُوَ الْأَعْمَى الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) وَكَانَ يُؤَذِّنُ مَعَ بِلَالٍ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ رَجُلا ضريرَ الْبَصَرِ، فَلَمْ يَكْ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ-حِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى بُزُوغِ الْفَجْرِ-: أذَّن [[أصل الحديث في صحيح مسلم برقم (١٠٩٢) .]] . وَهَكَذَا ذَكَرَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ [[في م: "أنها أنزلت".]] فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُقَالُ: عَمْرٌو. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ، أَوِ الْوَصِيَّةُ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي إِبْلَاغِ الْعِلْمِ مِنْ [[في أ: "بين".]] شَرِيفِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) يَعْنِي: الْقُرْآنَ، (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) أَيْ: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْوَحْيِ؛ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ أَوِ الْعِظَةُ، وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ، بَلْ جَمِيعُ الْقُرْآنِ (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ) أَيْ: مُعَظَّمَةٍ مُوَقَّرَةٍ (مَرْفُوعَةٍ) أَيْ: عَالِيَةِ الْقَدْرِ، (مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: مِنَ الدَّنَسِ وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. * * وَقَوْلُهُ: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّفَرَةُ بِالنَّبَطِيَّةِ: الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ السَّفَرَةَ الْمَلَائِكَةُ، وَالسَّفَرَةُ يَعْنِي بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: السَّفِيرُ: الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الصُّلْحِ وَالْخَيْرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: ومَا أدَعُ السّفَارَة بَين قَومي ... وَما أمْشي بِغِشٍّ إِنْ مَشَيتُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) .]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَفَرةٌ: الْمَلَائِكَةُ. سَفرت: أَصْلَحَتْ بَيْنَهُمْ. وَجَعَلَتِ الملائكةُ إِذَا نَزَلَتْ بوَحْي اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ [[صحيح البخاري (٨/٦٩١) "فتح".]] . * * وَقَوْلُهُ: (كِرَامٍ بَرَرَةٍ) أَيْ: خُلقهم كَرِيمٌ حَسَنٌ شَرِيفٌ، وَأَخْلَاقُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ بَارَّةٌ طَاهِرَةٌ كَامِلَةٌ. وَمِنْ هَاهُنَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ عَلَى السَّدَادِ وَالرَّشَادِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى، عَنِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ". أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، بِهِ [[المسند (٦/٤٨) وصحيح البخاري برقم (٤٩٣٧) وصحيح مسلم برقم (٧٩٨) وسنن أبي داود برقم (١٤٥٤) وسنن الترمذي برقم (٢٩٠٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٧٩) .]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: أما من استغنى بماله فأنت له تتعرّض رجاء أن يُسلِم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ قال: نزلت في العباس. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ قال عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى﴾ يقول: وأي شيء عليك أن لا يتطهَّر من كفره فيُسلم؟ ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى﴾ يقول: وأما هذا الأعمى الذي جاءك سعيا، وهو يخشى الله ويتقيه ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ يقول: فأنت عنه تعرض، وتشاغل عنه بغيره وتغافل. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿كَلا﴾ ما الأمر كما تفعل يا محمد من أن تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدّى لمن استغنى ﴿إنَّها تَذْكِرَة﴾ يقول: إن هذه العظة وهذه السورة تذكرة: يقول: عظة وعبرة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ يقول: فمن شاء من عباد الله ذكره، يقول: ذكر تنزيل الله ووحيه والهاء في قوله: "إنَّها" للسورة، وفي قوله: "ذَكَرَهُ" للتنزيل والوحي. ﴿فِي صُحُفِ﴾ يقول: إنها تذكرة ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ يعني: في اللوح المحفوظ، وهو المرفوع المطهر عند الله. * * وقوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: الصحف المكرّمة بأيدي سفرة، جمع سافر. واختلف أهل التأويل فيهم ما هم؟ فقال بعضهم: هم كَتَبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: كَتَبة. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: الكَتَبة. وقال آخرون: هم القرّاء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: هم القرّاء. وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ يعني: الملائكة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ قال: السَّفَرة: الذين يُحْصون الأعمال. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الملائكة الذين يَسْفِرون بين الله ورسله بالوحي. وسفير القوم: الذي يسعى بينهم بالصلح، يقال: سفرت بين القوم: إذا أصلحت بينهم، ومنه قول الشاعر: ومَا أدَعُ السِّفارَةَ بَين قَوْمي ... ومَا أمْشِي بغِشّ إنْ مَشِيتُ [[الخبر ١٥٧- إسناد صحيح. محمد بن سنان القزاز، شيخ الطبري: تكلموا فيه من أجل حديث واحد. والحق أنه لا بأس به، كما قال الدارقطني. وهو مترجم في التهذيب، وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد ٥: ٣٤٣- ٣٤٦. أبو عاصم: هو النبيل، الضحاك بن مخلد، الحافظ الحجة. شبيب: هو ابن بشر البجلي، ووقع في التهذيب ٤: ٣٠٦ "الحلبي" وهو خطأ مطبعي، صوابه في التاريخ الكبير للبخاري ٢ / ٢ / ٢٣٢ / ٢٣٣ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٥٧- ٣٥٨ والتقريب وغيرها، وهو ثقة، وثقه ابن معين.]] وإذا وُجِّه التأويل إلى ما قلنا، احتمل الوجه الذي قاله القائلون: هم الكَتَبة، والذي قاله القائلون: هم القرّاء لأن الملائكة هي التي تقرأ الكتب، وتَسْفِر بين الله وبين رسله. * * وقوله: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ والبَررَة: جمع بارّ، كما الكفرة جمع كافر، والسحرة جمع ساحر، غير أن المعروف من كلام العرب إذا نطقوا بواحدة أن يقولوا: رجل بر، وامرأة برّة، وإذا جمعوا ردّوه إلى جمع فاعل، كما قالوا: رجل سري، ثم قالوا في جمعه: قوم سراة وكان القياس في واحده أن يكون ساريا، وقد حُكي سماعا من بعض العرب: قوم خِيَرَة بَرَرَة، وواحد الخيرة: خير، والبَررَة: برّ. * * وقوله: ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: لعن الإنسان الكافر ما أكفره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال مجاهد. ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا عبد الحميد الحِماني، عن الأعمش، عن مجاهد قال: ما كان في القرآن قُتِلَ الإنسانُ أو فُعل بالإنسان، فإنما عنِي به: الكافر. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ بلغني أنه: الكافر. وفي قوله: ﴿أكْفَرَهُ﴾ وجهان: أحدهما: التعجب من كفره مع إحسان الله إليه، وأياديه عنده. والآخر: ما الذي أكفره، أي: أيّ شيء أكفره.
Celui qui prétend se suffire à lui-même par les richesses qu’il possède et se refuse à croire en ce que tu apportes,
فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ
tu vas avec empressement à sa rencontre.
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ عَبَسَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ذَكَرَ غيرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا يخاطبُ بَعْضَ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ، وَقَدْ طَمع فِي إِسْلَامِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُخَاطِبُهُ وَيُنَاجِيهُ إِذْ أَقْبَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا-فَجَعَلَ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ وَيُلِحُّ عَلَيْهِ، وودَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَوْ كَفَّ سَاعَتَهُ تِلْكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مُخَاطَبَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ؛ طَمَعًا وَرَغْبَةً فِي هِدَايَتِهِ. وعَبَس فِي وَجْهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ زَكَاةٌ وَطَهَارَةٌ فِي نَفْسِهِ. (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ اتِّعَاظٌ وَانْزِجَارٌ عَنِ الْمَحَارِمِ، (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أَيْ: أَمَّا الْغَنِيُّ فَأَنْتَ تَتَعَرَّضُ لَهُ لَعَلَّهُ يَهْتَدِي، (وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: مَا أَنْتَ بِمُطَالَبٍ بِهِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ زَكَاةٌ. (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى) أَيْ: يَقْصِدُكَ وَيَؤُمُّكَ لِيَهْتَدِيَ بِمَا تَقُولُ لَهُ، (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أَيْ: تَتَشَاغَلُ. وَمِنْ هَاهُنَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ ﷺ أَلَّا يَخُصَّ بِالْإِنْذَارِ أَحَدًا، بَلْ يُسَاوِي فِيهِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالضَّعِيفِ، وَالْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ، وَالسَّادَةِ وَالْعَبِيدِ، وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالصِّغَارِ وَالْكِبَارِ. ثُمَّ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ-هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ-حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ [عَنْ أَنَسٍ] [[تنبيه: ما بين المعقوفين ليس في أصل مسند أبي يعلى وتفسير عبد الرزاق. وهل من النسخ، وأظنه مقحما. والله أعلم.]] فِي قَوْلِهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُكَلِّمُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) فَكَانَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ. قَالَ قَتَادَةُ: وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ ومعه راية سوداء- يَعْنِي ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ [[مسند أبي يعلى (٥/٤٣١) ، وتفسير عبد الرزاق (٢/٢٨٢) .]] . وَقَالَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِمَّا عَرَضَهُ عَلَيْهِ عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَرْشِدْنِي. قَالَتْ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ. قَالَتْ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُعرض عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَقُولُ: "أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟ ". فَيَقُولُ: لَا. فَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) [[مسند أبي يعلى (٨/٢٦١) ، وتفسير الطبري (٣٠/٣٢) .]] . وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، بِإِسْنَادِهِ، مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أنزلَت (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) .]] . قُلْتُ: كَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ [[الموطأ (١/٢٠٣)]] . ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) قَالَ: بَيْنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاجِي عتبةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأَبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ-وَكَانَ يَتَصَدَّى لَهُمْ كَثِيرًا، وَيَحْرِصُ [[في أ: "ويجعل".]] عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا-فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْمَى-يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-يَمْشِي وَهُوَ يُنَاجِيهِمْ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يَسْتَقْرِئُ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ، وَتَوَلَّى وكَرهَ كَلامَه، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِينَ، فَلَمَّا قَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ نَجْوَاهُ، وَأَخَذَ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، أَمَسَكَ اللَّهُ بَعْضَ بَصَرِهِ، ثُمَّ خَفَق بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِ مَا نَزَلَ، أَكْرَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمَهُ وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا حَاجَتُكَ؟ هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيْءٍ؟ " وَإِذَا ذَهَبَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: "هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ؟ ". وَذَلِكَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) [[تفسير الطبري (٣٠/٣٢) ، ووجه غرابته ما نقله السهيلي في الروض الأنف عن شيخه ابن العربي قال: "قول المفسرين في الذي شغل النبي صلى الله عليه وسلم أنه الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعباس كله باطل، فإن أمية والوليد كانا بمكة، وابن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما، ولا حضرا معه وماتا كافرين، أحدهما قبل الهجرة والآخر في بدر، ولم يقصد أمية المدينة قط، ولا حضر عنده مفردا ولا مع آخر" انتهى.]] . فِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ، وَقَدْ تُكُلّم فِي إِسْنَادِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ". وَهُوَ الْأَعْمَى الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) وَكَانَ يُؤَذِّنُ مَعَ بِلَالٍ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ رَجُلا ضريرَ الْبَصَرِ، فَلَمْ يَكْ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ-حِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى بُزُوغِ الْفَجْرِ-: أذَّن [[أصل الحديث في صحيح مسلم برقم (١٠٩٢) .]] . وَهَكَذَا ذَكَرَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ [[في م: "أنها أنزلت".]] فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُقَالُ: عَمْرٌو. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ، أَوِ الْوَصِيَّةُ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي إِبْلَاغِ الْعِلْمِ مِنْ [[في أ: "بين".]] شَرِيفِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) يَعْنِي: الْقُرْآنَ، (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) أَيْ: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْوَحْيِ؛ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ أَوِ الْعِظَةُ، وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ، بَلْ جَمِيعُ الْقُرْآنِ (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ) أَيْ: مُعَظَّمَةٍ مُوَقَّرَةٍ (مَرْفُوعَةٍ) أَيْ: عَالِيَةِ الْقَدْرِ، (مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: مِنَ الدَّنَسِ وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. * * وَقَوْلُهُ: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّفَرَةُ بِالنَّبَطِيَّةِ: الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ السَّفَرَةَ الْمَلَائِكَةُ، وَالسَّفَرَةُ يَعْنِي بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: السَّفِيرُ: الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الصُّلْحِ وَالْخَيْرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: ومَا أدَعُ السّفَارَة بَين قَومي ... وَما أمْشي بِغِشٍّ إِنْ مَشَيتُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) .]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَفَرةٌ: الْمَلَائِكَةُ. سَفرت: أَصْلَحَتْ بَيْنَهُمْ. وَجَعَلَتِ الملائكةُ إِذَا نَزَلَتْ بوَحْي اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ [[صحيح البخاري (٨/٦٩١) "فتح".]] . * * وَقَوْلُهُ: (كِرَامٍ بَرَرَةٍ) أَيْ: خُلقهم كَرِيمٌ حَسَنٌ شَرِيفٌ، وَأَخْلَاقُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ بَارَّةٌ طَاهِرَةٌ كَامِلَةٌ. وَمِنْ هَاهُنَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ عَلَى السَّدَادِ وَالرَّشَادِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى، عَنِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ". أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، بِهِ [[المسند (٦/٤٨) وصحيح البخاري برقم (٤٩٣٧) وصحيح مسلم برقم (٧٩٨) وسنن أبي داود برقم (١٤٥٤) وسنن الترمذي برقم (٢٩٠٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٧٩) .]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: أما من استغنى بماله فأنت له تتعرّض رجاء أن يُسلِم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ قال: نزلت في العباس. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ قال عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى﴾ يقول: وأي شيء عليك أن لا يتطهَّر من كفره فيُسلم؟ ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى﴾ يقول: وأما هذا الأعمى الذي جاءك سعيا، وهو يخشى الله ويتقيه ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ يقول: فأنت عنه تعرض، وتشاغل عنه بغيره وتغافل. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿كَلا﴾ ما الأمر كما تفعل يا محمد من أن تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدّى لمن استغنى ﴿إنَّها تَذْكِرَة﴾ يقول: إن هذه العظة وهذه السورة تذكرة: يقول: عظة وعبرة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ يقول: فمن شاء من عباد الله ذكره، يقول: ذكر تنزيل الله ووحيه والهاء في قوله: "إنَّها" للسورة، وفي قوله: "ذَكَرَهُ" للتنزيل والوحي. ﴿فِي صُحُفِ﴾ يقول: إنها تذكرة ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ يعني: في اللوح المحفوظ، وهو المرفوع المطهر عند الله. * * وقوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: الصحف المكرّمة بأيدي سفرة، جمع سافر. واختلف أهل التأويل فيهم ما هم؟ فقال بعضهم: هم كَتَبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: كَتَبة. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: الكَتَبة. وقال آخرون: هم القرّاء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: هم القرّاء. وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ يعني: الملائكة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ قال: السَّفَرة: الذين يُحْصون الأعمال. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الملائكة الذين يَسْفِرون بين الله ورسله بالوحي. وسفير القوم: الذي يسعى بينهم بالصلح، يقال: سفرت بين القوم: إذا أصلحت بينهم، ومنه قول الشاعر: ومَا أدَعُ السِّفارَةَ بَين قَوْمي ... ومَا أمْشِي بغِشّ إنْ مَشِيتُ [[الخبر ١٥٧- إسناد صحيح. محمد بن سنان القزاز، شيخ الطبري: تكلموا فيه من أجل حديث واحد. والحق أنه لا بأس به، كما قال الدارقطني. وهو مترجم في التهذيب، وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد ٥: ٣٤٣- ٣٤٦. أبو عاصم: هو النبيل، الضحاك بن مخلد، الحافظ الحجة. شبيب: هو ابن بشر البجلي، ووقع في التهذيب ٤: ٣٠٦ "الحلبي" وهو خطأ مطبعي، صوابه في التاريخ الكبير للبخاري ٢ / ٢ / ٢٣٢ / ٢٣٣ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٥٧- ٣٥٨ والتقريب وغيرها، وهو ثقة، وثقه ابن معين.]] وإذا وُجِّه التأويل إلى ما قلنا، احتمل الوجه الذي قاله القائلون: هم الكَتَبة، والذي قاله القائلون: هم القرّاء لأن الملائكة هي التي تقرأ الكتب، وتَسْفِر بين الله وبين رسله. * * وقوله: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ والبَررَة: جمع بارّ، كما الكفرة جمع كافر، والسحرة جمع ساحر، غير أن المعروف من كلام العرب إذا نطقوا بواحدة أن يقولوا: رجل بر، وامرأة برّة، وإذا جمعوا ردّوه إلى جمع فاعل، كما قالوا: رجل سري، ثم قالوا في جمعه: قوم سراة وكان القياس في واحده أن يكون ساريا، وقد حُكي سماعا من بعض العرب: قوم خِيَرَة بَرَرَة، وواحد الخيرة: خير، والبَررَة: برّ. * * وقوله: ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: لعن الإنسان الكافر ما أكفره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال مجاهد. ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا عبد الحميد الحِماني، عن الأعمش، عن مجاهد قال: ما كان في القرآن قُتِلَ الإنسانُ أو فُعل بالإنسان، فإنما عنِي به: الكافر. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ بلغني أنه: الكافر. وفي قوله: ﴿أكْفَرَهُ﴾ وجهان: أحدهما: التعجب من كفره مع إحسان الله إليه، وأياديه عنده. والآخر: ما الذي أكفره، أي: أيّ شيء أكفره.
tu vas avec empressement à sa rencontre
وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ
Or, que t'importe qu'il ne se purifie pas».
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ عَبَسَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ذَكَرَ غيرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا يخاطبُ بَعْضَ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ، وَقَدْ طَمع فِي إِسْلَامِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُخَاطِبُهُ وَيُنَاجِيهُ إِذْ أَقْبَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا-فَجَعَلَ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ وَيُلِحُّ عَلَيْهِ، وودَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَوْ كَفَّ سَاعَتَهُ تِلْكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مُخَاطَبَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ؛ طَمَعًا وَرَغْبَةً فِي هِدَايَتِهِ. وعَبَس فِي وَجْهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ زَكَاةٌ وَطَهَارَةٌ فِي نَفْسِهِ. (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ اتِّعَاظٌ وَانْزِجَارٌ عَنِ الْمَحَارِمِ، (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أَيْ: أَمَّا الْغَنِيُّ فَأَنْتَ تَتَعَرَّضُ لَهُ لَعَلَّهُ يَهْتَدِي، (وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: مَا أَنْتَ بِمُطَالَبٍ بِهِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ زَكَاةٌ. (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى) أَيْ: يَقْصِدُكَ وَيَؤُمُّكَ لِيَهْتَدِيَ بِمَا تَقُولُ لَهُ، (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أَيْ: تَتَشَاغَلُ. وَمِنْ هَاهُنَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ ﷺ أَلَّا يَخُصَّ بِالْإِنْذَارِ أَحَدًا، بَلْ يُسَاوِي فِيهِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالضَّعِيفِ، وَالْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ، وَالسَّادَةِ وَالْعَبِيدِ، وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالصِّغَارِ وَالْكِبَارِ. ثُمَّ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ-هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ-حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ [عَنْ أَنَسٍ] [[تنبيه: ما بين المعقوفين ليس في أصل مسند أبي يعلى وتفسير عبد الرزاق. وهل من النسخ، وأظنه مقحما. والله أعلم.]] فِي قَوْلِهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُكَلِّمُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) فَكَانَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ. قَالَ قَتَادَةُ: وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ ومعه راية سوداء- يَعْنِي ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ [[مسند أبي يعلى (٥/٤٣١) ، وتفسير عبد الرزاق (٢/٢٨٢) .]] . وَقَالَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِمَّا عَرَضَهُ عَلَيْهِ عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَرْشِدْنِي. قَالَتْ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ. قَالَتْ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُعرض عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَقُولُ: "أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟ ". فَيَقُولُ: لَا. فَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) [[مسند أبي يعلى (٨/٢٦١) ، وتفسير الطبري (٣٠/٣٢) .]] . وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، بِإِسْنَادِهِ، مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أنزلَت (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) .]] . قُلْتُ: كَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ [[الموطأ (١/٢٠٣)]] . ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) قَالَ: بَيْنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاجِي عتبةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأَبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ-وَكَانَ يَتَصَدَّى لَهُمْ كَثِيرًا، وَيَحْرِصُ [[في أ: "ويجعل".]] عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا-فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْمَى-يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-يَمْشِي وَهُوَ يُنَاجِيهِمْ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يَسْتَقْرِئُ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ، وَتَوَلَّى وكَرهَ كَلامَه، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِينَ، فَلَمَّا قَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ نَجْوَاهُ، وَأَخَذَ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، أَمَسَكَ اللَّهُ بَعْضَ بَصَرِهِ، ثُمَّ خَفَق بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِ مَا نَزَلَ، أَكْرَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمَهُ وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا حَاجَتُكَ؟ هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيْءٍ؟ " وَإِذَا ذَهَبَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: "هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ؟ ". وَذَلِكَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) [[تفسير الطبري (٣٠/٣٢) ، ووجه غرابته ما نقله السهيلي في الروض الأنف عن شيخه ابن العربي قال: "قول المفسرين في الذي شغل النبي صلى الله عليه وسلم أنه الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعباس كله باطل، فإن أمية والوليد كانا بمكة، وابن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما، ولا حضرا معه وماتا كافرين، أحدهما قبل الهجرة والآخر في بدر، ولم يقصد أمية المدينة قط، ولا حضر عنده مفردا ولا مع آخر" انتهى.]] . فِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ، وَقَدْ تُكُلّم فِي إِسْنَادِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ". وَهُوَ الْأَعْمَى الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) وَكَانَ يُؤَذِّنُ مَعَ بِلَالٍ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ رَجُلا ضريرَ الْبَصَرِ، فَلَمْ يَكْ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ-حِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى بُزُوغِ الْفَجْرِ-: أذَّن [[أصل الحديث في صحيح مسلم برقم (١٠٩٢) .]] . وَهَكَذَا ذَكَرَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ [[في م: "أنها أنزلت".]] فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُقَالُ: عَمْرٌو. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ، أَوِ الْوَصِيَّةُ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي إِبْلَاغِ الْعِلْمِ مِنْ [[في أ: "بين".]] شَرِيفِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) يَعْنِي: الْقُرْآنَ، (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) أَيْ: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْوَحْيِ؛ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ أَوِ الْعِظَةُ، وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ، بَلْ جَمِيعُ الْقُرْآنِ (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ) أَيْ: مُعَظَّمَةٍ مُوَقَّرَةٍ (مَرْفُوعَةٍ) أَيْ: عَالِيَةِ الْقَدْرِ، (مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: مِنَ الدَّنَسِ وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. * * وَقَوْلُهُ: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّفَرَةُ بِالنَّبَطِيَّةِ: الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ السَّفَرَةَ الْمَلَائِكَةُ، وَالسَّفَرَةُ يَعْنِي بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: السَّفِيرُ: الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الصُّلْحِ وَالْخَيْرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: ومَا أدَعُ السّفَارَة بَين قَومي ... وَما أمْشي بِغِشٍّ إِنْ مَشَيتُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) .]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَفَرةٌ: الْمَلَائِكَةُ. سَفرت: أَصْلَحَتْ بَيْنَهُمْ. وَجَعَلَتِ الملائكةُ إِذَا نَزَلَتْ بوَحْي اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ [[صحيح البخاري (٨/٦٩١) "فتح".]] . * * وَقَوْلُهُ: (كِرَامٍ بَرَرَةٍ) أَيْ: خُلقهم كَرِيمٌ حَسَنٌ شَرِيفٌ، وَأَخْلَاقُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ بَارَّةٌ طَاهِرَةٌ كَامِلَةٌ. وَمِنْ هَاهُنَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ عَلَى السَّدَادِ وَالرَّشَادِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى، عَنِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ". أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، بِهِ [[المسند (٦/٤٨) وصحيح البخاري برقم (٤٩٣٧) وصحيح مسلم برقم (٧٩٨) وسنن أبي داود برقم (١٤٥٤) وسنن الترمذي برقم (٢٩٠٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٧٩) .]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: أما من استغنى بماله فأنت له تتعرّض رجاء أن يُسلِم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ قال: نزلت في العباس. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ قال عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى﴾ يقول: وأي شيء عليك أن لا يتطهَّر من كفره فيُسلم؟ ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى﴾ يقول: وأما هذا الأعمى الذي جاءك سعيا، وهو يخشى الله ويتقيه ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ يقول: فأنت عنه تعرض، وتشاغل عنه بغيره وتغافل. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿كَلا﴾ ما الأمر كما تفعل يا محمد من أن تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدّى لمن استغنى ﴿إنَّها تَذْكِرَة﴾ يقول: إن هذه العظة وهذه السورة تذكرة: يقول: عظة وعبرة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ يقول: فمن شاء من عباد الله ذكره، يقول: ذكر تنزيل الله ووحيه والهاء في قوله: "إنَّها" للسورة، وفي قوله: "ذَكَرَهُ" للتنزيل والوحي. ﴿فِي صُحُفِ﴾ يقول: إنها تذكرة ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ يعني: في اللوح المحفوظ، وهو المرفوع المطهر عند الله. * * وقوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: الصحف المكرّمة بأيدي سفرة، جمع سافر. واختلف أهل التأويل فيهم ما هم؟ فقال بعضهم: هم كَتَبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: كَتَبة. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: الكَتَبة. وقال آخرون: هم القرّاء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: هم القرّاء. وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ يعني: الملائكة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ قال: السَّفَرة: الذين يُحْصون الأعمال. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الملائكة الذين يَسْفِرون بين الله ورسله بالوحي. وسفير القوم: الذي يسعى بينهم بالصلح، يقال: سفرت بين القوم: إذا أصلحت بينهم، ومنه قول الشاعر: ومَا أدَعُ السِّفارَةَ بَين قَوْمي ... ومَا أمْشِي بغِشّ إنْ مَشِيتُ [[الخبر ١٥٧- إسناد صحيح. محمد بن سنان القزاز، شيخ الطبري: تكلموا فيه من أجل حديث واحد. والحق أنه لا بأس به، كما قال الدارقطني. وهو مترجم في التهذيب، وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد ٥: ٣٤٣- ٣٤٦. أبو عاصم: هو النبيل، الضحاك بن مخلد، الحافظ الحجة. شبيب: هو ابن بشر البجلي، ووقع في التهذيب ٤: ٣٠٦ "الحلبي" وهو خطأ مطبعي، صوابه في التاريخ الكبير للبخاري ٢ / ٢ / ٢٣٢ / ٢٣٣ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٥٧- ٣٥٨ والتقريب وغيرها، وهو ثقة، وثقه ابن معين.]] وإذا وُجِّه التأويل إلى ما قلنا، احتمل الوجه الذي قاله القائلون: هم الكَتَبة، والذي قاله القائلون: هم القرّاء لأن الملائكة هي التي تقرأ الكتب، وتَسْفِر بين الله وبين رسله. * * وقوله: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ والبَررَة: جمع بارّ، كما الكفرة جمع كافر، والسحرة جمع ساحر، غير أن المعروف من كلام العرب إذا نطقوا بواحدة أن يقولوا: رجل بر، وامرأة برّة، وإذا جمعوا ردّوه إلى جمع فاعل، كما قالوا: رجل سري، ثم قالوا في جمعه: قوم سراة وكان القياس في واحده أن يكون ساريا، وقد حُكي سماعا من بعض العرب: قوم خِيَرَة بَرَرَة، وواحد الخيرة: خير، والبَررَة: برّ. * * وقوله: ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: لعن الإنسان الكافر ما أكفره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال مجاهد. ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا عبد الحميد الحِماني، عن الأعمش، عن مجاهد قال: ما كان في القرآن قُتِلَ الإنسانُ أو فُعل بالإنسان، فإنما عنِي به: الكافر. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ بلغني أنه: الكافر. وفي قوله: ﴿أكْفَرَهُ﴾ وجهان: أحدهما: التعجب من كفره مع إحسان الله إليه، وأياديه عنده. والآخر: ما الذي أكفره، أي: أيّ شيء أكفره.
alors qu’il t’importe peu qu’il ne se purifie pas de ses péchés par son repentir à Allah.
وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ
Et quant à celui qui vient à toi avec empressement
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ عَبَسَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ذَكَرَ غيرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا يخاطبُ بَعْضَ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ، وَقَدْ طَمع فِي إِسْلَامِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُخَاطِبُهُ وَيُنَاجِيهُ إِذْ أَقْبَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا-فَجَعَلَ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ وَيُلِحُّ عَلَيْهِ، وودَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَوْ كَفَّ سَاعَتَهُ تِلْكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مُخَاطَبَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ؛ طَمَعًا وَرَغْبَةً فِي هِدَايَتِهِ. وعَبَس فِي وَجْهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ زَكَاةٌ وَطَهَارَةٌ فِي نَفْسِهِ. (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ اتِّعَاظٌ وَانْزِجَارٌ عَنِ الْمَحَارِمِ، (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أَيْ: أَمَّا الْغَنِيُّ فَأَنْتَ تَتَعَرَّضُ لَهُ لَعَلَّهُ يَهْتَدِي، (وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: مَا أَنْتَ بِمُطَالَبٍ بِهِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ زَكَاةٌ. (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى) أَيْ: يَقْصِدُكَ وَيَؤُمُّكَ لِيَهْتَدِيَ بِمَا تَقُولُ لَهُ، (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أَيْ: تَتَشَاغَلُ. وَمِنْ هَاهُنَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ ﷺ أَلَّا يَخُصَّ بِالْإِنْذَارِ أَحَدًا، بَلْ يُسَاوِي فِيهِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالضَّعِيفِ، وَالْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ، وَالسَّادَةِ وَالْعَبِيدِ، وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالصِّغَارِ وَالْكِبَارِ. ثُمَّ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ-هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ-حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ [عَنْ أَنَسٍ] [[تنبيه: ما بين المعقوفين ليس في أصل مسند أبي يعلى وتفسير عبد الرزاق. وهل من النسخ، وأظنه مقحما. والله أعلم.]] فِي قَوْلِهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُكَلِّمُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) فَكَانَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ. قَالَ قَتَادَةُ: وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ ومعه راية سوداء- يَعْنِي ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ [[مسند أبي يعلى (٥/٤٣١) ، وتفسير عبد الرزاق (٢/٢٨٢) .]] . وَقَالَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِمَّا عَرَضَهُ عَلَيْهِ عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَرْشِدْنِي. قَالَتْ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ. قَالَتْ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُعرض عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَقُولُ: "أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟ ". فَيَقُولُ: لَا. فَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) [[مسند أبي يعلى (٨/٢٦١) ، وتفسير الطبري (٣٠/٣٢) .]] . وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، بِإِسْنَادِهِ، مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أنزلَت (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) .]] . قُلْتُ: كَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ [[الموطأ (١/٢٠٣)]] . ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) قَالَ: بَيْنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاجِي عتبةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأَبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ-وَكَانَ يَتَصَدَّى لَهُمْ كَثِيرًا، وَيَحْرِصُ [[في أ: "ويجعل".]] عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا-فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْمَى-يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-يَمْشِي وَهُوَ يُنَاجِيهِمْ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يَسْتَقْرِئُ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ، وَتَوَلَّى وكَرهَ كَلامَه، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِينَ، فَلَمَّا قَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ نَجْوَاهُ، وَأَخَذَ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، أَمَسَكَ اللَّهُ بَعْضَ بَصَرِهِ، ثُمَّ خَفَق بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِ مَا نَزَلَ، أَكْرَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمَهُ وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا حَاجَتُكَ؟ هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيْءٍ؟ " وَإِذَا ذَهَبَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: "هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ؟ ". وَذَلِكَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) [[تفسير الطبري (٣٠/٣٢) ، ووجه غرابته ما نقله السهيلي في الروض الأنف عن شيخه ابن العربي قال: "قول المفسرين في الذي شغل النبي صلى الله عليه وسلم أنه الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعباس كله باطل، فإن أمية والوليد كانا بمكة، وابن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما، ولا حضرا معه وماتا كافرين، أحدهما قبل الهجرة والآخر في بدر، ولم يقصد أمية المدينة قط، ولا حضر عنده مفردا ولا مع آخر" انتهى.]] . فِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ، وَقَدْ تُكُلّم فِي إِسْنَادِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ". وَهُوَ الْأَعْمَى الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) وَكَانَ يُؤَذِّنُ مَعَ بِلَالٍ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ رَجُلا ضريرَ الْبَصَرِ، فَلَمْ يَكْ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ-حِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى بُزُوغِ الْفَجْرِ-: أذَّن [[أصل الحديث في صحيح مسلم برقم (١٠٩٢) .]] . وَهَكَذَا ذَكَرَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ [[في م: "أنها أنزلت".]] فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُقَالُ: عَمْرٌو. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ، أَوِ الْوَصِيَّةُ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي إِبْلَاغِ الْعِلْمِ مِنْ [[في أ: "بين".]] شَرِيفِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) يَعْنِي: الْقُرْآنَ، (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) أَيْ: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْوَحْيِ؛ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ أَوِ الْعِظَةُ، وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ، بَلْ جَمِيعُ الْقُرْآنِ (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ) أَيْ: مُعَظَّمَةٍ مُوَقَّرَةٍ (مَرْفُوعَةٍ) أَيْ: عَالِيَةِ الْقَدْرِ، (مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: مِنَ الدَّنَسِ وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. * * وَقَوْلُهُ: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّفَرَةُ بِالنَّبَطِيَّةِ: الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ السَّفَرَةَ الْمَلَائِكَةُ، وَالسَّفَرَةُ يَعْنِي بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: السَّفِيرُ: الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الصُّلْحِ وَالْخَيْرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: ومَا أدَعُ السّفَارَة بَين قَومي ... وَما أمْشي بِغِشٍّ إِنْ مَشَيتُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) .]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَفَرةٌ: الْمَلَائِكَةُ. سَفرت: أَصْلَحَتْ بَيْنَهُمْ. وَجَعَلَتِ الملائكةُ إِذَا نَزَلَتْ بوَحْي اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ [[صحيح البخاري (٨/٦٩١) "فتح".]] . * * وَقَوْلُهُ: (كِرَامٍ بَرَرَةٍ) أَيْ: خُلقهم كَرِيمٌ حَسَنٌ شَرِيفٌ، وَأَخْلَاقُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ بَارَّةٌ طَاهِرَةٌ كَامِلَةٌ. وَمِنْ هَاهُنَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ عَلَى السَّدَادِ وَالرَّشَادِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى، عَنِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ". أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، بِهِ [[المسند (٦/٤٨) وصحيح البخاري برقم (٤٩٣٧) وصحيح مسلم برقم (٧٩٨) وسنن أبي داود برقم (١٤٥٤) وسنن الترمذي برقم (٢٩٠٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٧٩) .]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: أما من استغنى بماله فأنت له تتعرّض رجاء أن يُسلِم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ قال: نزلت في العباس. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ قال عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى﴾ يقول: وأي شيء عليك أن لا يتطهَّر من كفره فيُسلم؟ ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى﴾ يقول: وأما هذا الأعمى الذي جاءك سعيا، وهو يخشى الله ويتقيه ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ يقول: فأنت عنه تعرض، وتشاغل عنه بغيره وتغافل. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿كَلا﴾ ما الأمر كما تفعل يا محمد من أن تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدّى لمن استغنى ﴿إنَّها تَذْكِرَة﴾ يقول: إن هذه العظة وهذه السورة تذكرة: يقول: عظة وعبرة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ يقول: فمن شاء من عباد الله ذكره، يقول: ذكر تنزيل الله ووحيه والهاء في قوله: "إنَّها" للسورة، وفي قوله: "ذَكَرَهُ" للتنزيل والوحي. ﴿فِي صُحُفِ﴾ يقول: إنها تذكرة ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ يعني: في اللوح المحفوظ، وهو المرفوع المطهر عند الله. * * وقوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: الصحف المكرّمة بأيدي سفرة، جمع سافر. واختلف أهل التأويل فيهم ما هم؟ فقال بعضهم: هم كَتَبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: كَتَبة. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: الكَتَبة. وقال آخرون: هم القرّاء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: هم القرّاء. وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ يعني: الملائكة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ قال: السَّفَرة: الذين يُحْصون الأعمال. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الملائكة الذين يَسْفِرون بين الله ورسله بالوحي. وسفير القوم: الذي يسعى بينهم بالصلح، يقال: سفرت بين القوم: إذا أصلحت بينهم، ومنه قول الشاعر: ومَا أدَعُ السِّفارَةَ بَين قَوْمي ... ومَا أمْشِي بغِشّ إنْ مَشِيتُ [[الخبر ١٥٧- إسناد صحيح. محمد بن سنان القزاز، شيخ الطبري: تكلموا فيه من أجل حديث واحد. والحق أنه لا بأس به، كما قال الدارقطني. وهو مترجم في التهذيب، وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد ٥: ٣٤٣- ٣٤٦. أبو عاصم: هو النبيل، الضحاك بن مخلد، الحافظ الحجة. شبيب: هو ابن بشر البجلي، ووقع في التهذيب ٤: ٣٠٦ "الحلبي" وهو خطأ مطبعي، صوابه في التاريخ الكبير للبخاري ٢ / ٢ / ٢٣٢ / ٢٣٣ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٥٧- ٣٥٨ والتقريب وغيرها، وهو ثقة، وثقه ابن معين.]] وإذا وُجِّه التأويل إلى ما قلنا، احتمل الوجه الذي قاله القائلون: هم الكَتَبة، والذي قاله القائلون: هم القرّاء لأن الملائكة هي التي تقرأ الكتب، وتَسْفِر بين الله وبين رسله. * * وقوله: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ والبَررَة: جمع بارّ، كما الكفرة جمع كافر، والسحرة جمع ساحر، غير أن المعروف من كلام العرب إذا نطقوا بواحدة أن يقولوا: رجل بر، وامرأة برّة، وإذا جمعوا ردّوه إلى جمع فاعل، كما قالوا: رجل سري، ثم قالوا في جمعه: قوم سراة وكان القياس في واحده أن يكون ساريا، وقد حُكي سماعا من بعض العرب: قوم خِيَرَة بَرَرَة، وواحد الخيرة: خير، والبَررَة: برّ. * * وقوله: ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: لعن الإنسان الكافر ما أكفره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال مجاهد. ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا عبد الحميد الحِماني، عن الأعمش، عن مجاهد قال: ما كان في القرآن قُتِلَ الإنسانُ أو فُعل بالإنسان، فإنما عنِي به: الكافر. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ بلغني أنه: الكافر. وفي قوله: ﴿أكْفَرَهُ﴾ وجهان: أحدهما: التعجب من كفره مع إحسان الله إليه، وأياديه عنده. والآخر: ما الذي أكفره، أي: أيّ شيء أكفره.
Quant à celui qui vient à toi avec empressement
وَهُوَ يَخْشَىٰ
tout en ayant la crainte,
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ عَبَسَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ذَكَرَ غيرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا يخاطبُ بَعْضَ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ، وَقَدْ طَمع فِي إِسْلَامِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُخَاطِبُهُ وَيُنَاجِيهُ إِذْ أَقْبَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا-فَجَعَلَ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ وَيُلِحُّ عَلَيْهِ، وودَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَوْ كَفَّ سَاعَتَهُ تِلْكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مُخَاطَبَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ؛ طَمَعًا وَرَغْبَةً فِي هِدَايَتِهِ. وعَبَس فِي وَجْهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ زَكَاةٌ وَطَهَارَةٌ فِي نَفْسِهِ. (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ اتِّعَاظٌ وَانْزِجَارٌ عَنِ الْمَحَارِمِ، (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أَيْ: أَمَّا الْغَنِيُّ فَأَنْتَ تَتَعَرَّضُ لَهُ لَعَلَّهُ يَهْتَدِي، (وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: مَا أَنْتَ بِمُطَالَبٍ بِهِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ زَكَاةٌ. (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى) أَيْ: يَقْصِدُكَ وَيَؤُمُّكَ لِيَهْتَدِيَ بِمَا تَقُولُ لَهُ، (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أَيْ: تَتَشَاغَلُ. وَمِنْ هَاهُنَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ ﷺ أَلَّا يَخُصَّ بِالْإِنْذَارِ أَحَدًا، بَلْ يُسَاوِي فِيهِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالضَّعِيفِ، وَالْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ، وَالسَّادَةِ وَالْعَبِيدِ، وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالصِّغَارِ وَالْكِبَارِ. ثُمَّ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ-هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ-حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ [عَنْ أَنَسٍ] [[تنبيه: ما بين المعقوفين ليس في أصل مسند أبي يعلى وتفسير عبد الرزاق. وهل من النسخ، وأظنه مقحما. والله أعلم.]] فِي قَوْلِهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُكَلِّمُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) فَكَانَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ. قَالَ قَتَادَةُ: وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ ومعه راية سوداء- يَعْنِي ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ [[مسند أبي يعلى (٥/٤٣١) ، وتفسير عبد الرزاق (٢/٢٨٢) .]] . وَقَالَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِمَّا عَرَضَهُ عَلَيْهِ عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَرْشِدْنِي. قَالَتْ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ. قَالَتْ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُعرض عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَقُولُ: "أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟ ". فَيَقُولُ: لَا. فَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) [[مسند أبي يعلى (٨/٢٦١) ، وتفسير الطبري (٣٠/٣٢) .]] . وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، بِإِسْنَادِهِ، مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أنزلَت (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) .]] . قُلْتُ: كَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ [[الموطأ (١/٢٠٣)]] . ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) قَالَ: بَيْنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاجِي عتبةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأَبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ-وَكَانَ يَتَصَدَّى لَهُمْ كَثِيرًا، وَيَحْرِصُ [[في أ: "ويجعل".]] عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا-فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْمَى-يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-يَمْشِي وَهُوَ يُنَاجِيهِمْ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يَسْتَقْرِئُ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ، وَتَوَلَّى وكَرهَ كَلامَه، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِينَ، فَلَمَّا قَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ نَجْوَاهُ، وَأَخَذَ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، أَمَسَكَ اللَّهُ بَعْضَ بَصَرِهِ، ثُمَّ خَفَق بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِ مَا نَزَلَ، أَكْرَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمَهُ وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا حَاجَتُكَ؟ هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيْءٍ؟ " وَإِذَا ذَهَبَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: "هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ؟ ". وَذَلِكَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) [[تفسير الطبري (٣٠/٣٢) ، ووجه غرابته ما نقله السهيلي في الروض الأنف عن شيخه ابن العربي قال: "قول المفسرين في الذي شغل النبي صلى الله عليه وسلم أنه الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعباس كله باطل، فإن أمية والوليد كانا بمكة، وابن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما، ولا حضرا معه وماتا كافرين، أحدهما قبل الهجرة والآخر في بدر، ولم يقصد أمية المدينة قط، ولا حضر عنده مفردا ولا مع آخر" انتهى.]] . فِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ، وَقَدْ تُكُلّم فِي إِسْنَادِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ". وَهُوَ الْأَعْمَى الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) وَكَانَ يُؤَذِّنُ مَعَ بِلَالٍ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ رَجُلا ضريرَ الْبَصَرِ، فَلَمْ يَكْ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ-حِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى بُزُوغِ الْفَجْرِ-: أذَّن [[أصل الحديث في صحيح مسلم برقم (١٠٩٢) .]] . وَهَكَذَا ذَكَرَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ [[في م: "أنها أنزلت".]] فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُقَالُ: عَمْرٌو. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ، أَوِ الْوَصِيَّةُ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي إِبْلَاغِ الْعِلْمِ مِنْ [[في أ: "بين".]] شَرِيفِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) يَعْنِي: الْقُرْآنَ، (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) أَيْ: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْوَحْيِ؛ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ أَوِ الْعِظَةُ، وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ، بَلْ جَمِيعُ الْقُرْآنِ (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ) أَيْ: مُعَظَّمَةٍ مُوَقَّرَةٍ (مَرْفُوعَةٍ) أَيْ: عَالِيَةِ الْقَدْرِ، (مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: مِنَ الدَّنَسِ وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. * * وَقَوْلُهُ: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّفَرَةُ بِالنَّبَطِيَّةِ: الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ السَّفَرَةَ الْمَلَائِكَةُ، وَالسَّفَرَةُ يَعْنِي بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: السَّفِيرُ: الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الصُّلْحِ وَالْخَيْرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: ومَا أدَعُ السّفَارَة بَين قَومي ... وَما أمْشي بِغِشٍّ إِنْ مَشَيتُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) .]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَفَرةٌ: الْمَلَائِكَةُ. سَفرت: أَصْلَحَتْ بَيْنَهُمْ. وَجَعَلَتِ الملائكةُ إِذَا نَزَلَتْ بوَحْي اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ [[صحيح البخاري (٨/٦٩١) "فتح".]] . * * وَقَوْلُهُ: (كِرَامٍ بَرَرَةٍ) أَيْ: خُلقهم كَرِيمٌ حَسَنٌ شَرِيفٌ، وَأَخْلَاقُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ بَارَّةٌ طَاهِرَةٌ كَامِلَةٌ. وَمِنْ هَاهُنَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ عَلَى السَّدَادِ وَالرَّشَادِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى، عَنِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ". أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، بِهِ [[المسند (٦/٤٨) وصحيح البخاري برقم (٤٩٣٧) وصحيح مسلم برقم (٧٩٨) وسنن أبي داود برقم (١٤٥٤) وسنن الترمذي برقم (٢٩٠٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٧٩) .]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: أما من استغنى بماله فأنت له تتعرّض رجاء أن يُسلِم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ قال: نزلت في العباس. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ قال عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى﴾ يقول: وأي شيء عليك أن لا يتطهَّر من كفره فيُسلم؟ ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى﴾ يقول: وأما هذا الأعمى الذي جاءك سعيا، وهو يخشى الله ويتقيه ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ يقول: فأنت عنه تعرض، وتشاغل عنه بغيره وتغافل. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿كَلا﴾ ما الأمر كما تفعل يا محمد من أن تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدّى لمن استغنى ﴿إنَّها تَذْكِرَة﴾ يقول: إن هذه العظة وهذه السورة تذكرة: يقول: عظة وعبرة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ يقول: فمن شاء من عباد الله ذكره، يقول: ذكر تنزيل الله ووحيه والهاء في قوله: "إنَّها" للسورة، وفي قوله: "ذَكَرَهُ" للتنزيل والوحي. ﴿فِي صُحُفِ﴾ يقول: إنها تذكرة ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ يعني: في اللوح المحفوظ، وهو المرفوع المطهر عند الله. * * وقوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: الصحف المكرّمة بأيدي سفرة، جمع سافر. واختلف أهل التأويل فيهم ما هم؟ فقال بعضهم: هم كَتَبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: كَتَبة. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: الكَتَبة. وقال آخرون: هم القرّاء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: هم القرّاء. وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ يعني: الملائكة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ قال: السَّفَرة: الذين يُحْصون الأعمال. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الملائكة الذين يَسْفِرون بين الله ورسله بالوحي. وسفير القوم: الذي يسعى بينهم بالصلح، يقال: سفرت بين القوم: إذا أصلحت بينهم، ومنه قول الشاعر: ومَا أدَعُ السِّفارَةَ بَين قَوْمي ... ومَا أمْشِي بغِشّ إنْ مَشِيتُ [[الخبر ١٥٧- إسناد صحيح. محمد بن سنان القزاز، شيخ الطبري: تكلموا فيه من أجل حديث واحد. والحق أنه لا بأس به، كما قال الدارقطني. وهو مترجم في التهذيب، وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد ٥: ٣٤٣- ٣٤٦. أبو عاصم: هو النبيل، الضحاك بن مخلد، الحافظ الحجة. شبيب: هو ابن بشر البجلي، ووقع في التهذيب ٤: ٣٠٦ "الحلبي" وهو خطأ مطبعي، صوابه في التاريخ الكبير للبخاري ٢ / ٢ / ٢٣٢ / ٢٣٣ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٥٧- ٣٥٨ والتقريب وغيرها، وهو ثقة، وثقه ابن معين.]] وإذا وُجِّه التأويل إلى ما قلنا، احتمل الوجه الذي قاله القائلون: هم الكَتَبة، والذي قاله القائلون: هم القرّاء لأن الملائكة هي التي تقرأ الكتب، وتَسْفِر بين الله وبين رسله. * * وقوله: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ والبَررَة: جمع بارّ، كما الكفرة جمع كافر، والسحرة جمع ساحر، غير أن المعروف من كلام العرب إذا نطقوا بواحدة أن يقولوا: رجل بر، وامرأة برّة، وإذا جمعوا ردّوه إلى جمع فاعل، كما قالوا: رجل سري، ثم قالوا في جمعه: قوم سراة وكان القياس في واحده أن يكون ساريا، وقد حُكي سماعا من بعض العرب: قوم خِيَرَة بَرَرَة، وواحد الخيرة: خير، والبَررَة: برّ. * * وقوله: ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: لعن الإنسان الكافر ما أكفره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال مجاهد. ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا عبد الحميد الحِماني، عن الأعمش، عن مجاهد قال: ما كان في القرآن قُتِلَ الإنسانُ أو فُعل بالإنسان، فإنما عنِي به: الكافر. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ بلغني أنه: الكافر. وفي قوله: ﴿أكْفَرَهُ﴾ وجهان: أحدهما: التعجب من كفره مع إحسان الله إليه، وأياديه عنده. والآخر: ما الذي أكفره، أي: أيّ شيء أكفره.
tout en craignant son Seigneur,
فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ
tu ne t'en soucies pas.
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ عَبَسَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ذَكَرَ غيرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا يخاطبُ بَعْضَ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ، وَقَدْ طَمع فِي إِسْلَامِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُخَاطِبُهُ وَيُنَاجِيهُ إِذْ أَقْبَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا-فَجَعَلَ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ وَيُلِحُّ عَلَيْهِ، وودَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَوْ كَفَّ سَاعَتَهُ تِلْكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مُخَاطَبَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ؛ طَمَعًا وَرَغْبَةً فِي هِدَايَتِهِ. وعَبَس فِي وَجْهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ زَكَاةٌ وَطَهَارَةٌ فِي نَفْسِهِ. (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ اتِّعَاظٌ وَانْزِجَارٌ عَنِ الْمَحَارِمِ، (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أَيْ: أَمَّا الْغَنِيُّ فَأَنْتَ تَتَعَرَّضُ لَهُ لَعَلَّهُ يَهْتَدِي، (وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: مَا أَنْتَ بِمُطَالَبٍ بِهِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ زَكَاةٌ. (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى) أَيْ: يَقْصِدُكَ وَيَؤُمُّكَ لِيَهْتَدِيَ بِمَا تَقُولُ لَهُ، (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أَيْ: تَتَشَاغَلُ. وَمِنْ هَاهُنَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ ﷺ أَلَّا يَخُصَّ بِالْإِنْذَارِ أَحَدًا، بَلْ يُسَاوِي فِيهِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالضَّعِيفِ، وَالْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ، وَالسَّادَةِ وَالْعَبِيدِ، وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالصِّغَارِ وَالْكِبَارِ. ثُمَّ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ-هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ-حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ [عَنْ أَنَسٍ] [[تنبيه: ما بين المعقوفين ليس في أصل مسند أبي يعلى وتفسير عبد الرزاق. وهل من النسخ، وأظنه مقحما. والله أعلم.]] فِي قَوْلِهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُكَلِّمُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) فَكَانَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ. قَالَ قَتَادَةُ: وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ ومعه راية سوداء- يَعْنِي ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ [[مسند أبي يعلى (٥/٤٣١) ، وتفسير عبد الرزاق (٢/٢٨٢) .]] . وَقَالَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِمَّا عَرَضَهُ عَلَيْهِ عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَرْشِدْنِي. قَالَتْ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ. قَالَتْ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُعرض عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَقُولُ: "أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟ ". فَيَقُولُ: لَا. فَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) [[مسند أبي يعلى (٨/٢٦١) ، وتفسير الطبري (٣٠/٣٢) .]] . وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، بِإِسْنَادِهِ، مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أنزلَت (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) .]] . قُلْتُ: كَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ [[الموطأ (١/٢٠٣)]] . ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) قَالَ: بَيْنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاجِي عتبةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأَبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ-وَكَانَ يَتَصَدَّى لَهُمْ كَثِيرًا، وَيَحْرِصُ [[في أ: "ويجعل".]] عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا-فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْمَى-يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-يَمْشِي وَهُوَ يُنَاجِيهِمْ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يَسْتَقْرِئُ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ، وَتَوَلَّى وكَرهَ كَلامَه، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِينَ، فَلَمَّا قَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ نَجْوَاهُ، وَأَخَذَ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، أَمَسَكَ اللَّهُ بَعْضَ بَصَرِهِ، ثُمَّ خَفَق بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِ مَا نَزَلَ، أَكْرَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمَهُ وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا حَاجَتُكَ؟ هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيْءٍ؟ " وَإِذَا ذَهَبَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: "هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ؟ ". وَذَلِكَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) [[تفسير الطبري (٣٠/٣٢) ، ووجه غرابته ما نقله السهيلي في الروض الأنف عن شيخه ابن العربي قال: "قول المفسرين في الذي شغل النبي صلى الله عليه وسلم أنه الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعباس كله باطل، فإن أمية والوليد كانا بمكة، وابن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما، ولا حضرا معه وماتا كافرين، أحدهما قبل الهجرة والآخر في بدر، ولم يقصد أمية المدينة قط، ولا حضر عنده مفردا ولا مع آخر" انتهى.]] . فِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ، وَقَدْ تُكُلّم فِي إِسْنَادِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ". وَهُوَ الْأَعْمَى الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) وَكَانَ يُؤَذِّنُ مَعَ بِلَالٍ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ رَجُلا ضريرَ الْبَصَرِ، فَلَمْ يَكْ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ-حِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى بُزُوغِ الْفَجْرِ-: أذَّن [[أصل الحديث في صحيح مسلم برقم (١٠٩٢) .]] . وَهَكَذَا ذَكَرَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ [[في م: "أنها أنزلت".]] فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُقَالُ: عَمْرٌو. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ، أَوِ الْوَصِيَّةُ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي إِبْلَاغِ الْعِلْمِ مِنْ [[في أ: "بين".]] شَرِيفِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) يَعْنِي: الْقُرْآنَ، (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) أَيْ: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْوَحْيِ؛ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ أَوِ الْعِظَةُ، وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ، بَلْ جَمِيعُ الْقُرْآنِ (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ) أَيْ: مُعَظَّمَةٍ مُوَقَّرَةٍ (مَرْفُوعَةٍ) أَيْ: عَالِيَةِ الْقَدْرِ، (مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: مِنَ الدَّنَسِ وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. * * وَقَوْلُهُ: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّفَرَةُ بِالنَّبَطِيَّةِ: الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ السَّفَرَةَ الْمَلَائِكَةُ، وَالسَّفَرَةُ يَعْنِي بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: السَّفِيرُ: الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الصُّلْحِ وَالْخَيْرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: ومَا أدَعُ السّفَارَة بَين قَومي ... وَما أمْشي بِغِشٍّ إِنْ مَشَيتُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) .]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَفَرةٌ: الْمَلَائِكَةُ. سَفرت: أَصْلَحَتْ بَيْنَهُمْ. وَجَعَلَتِ الملائكةُ إِذَا نَزَلَتْ بوَحْي اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ [[صحيح البخاري (٨/٦٩١) "فتح".]] . * * وَقَوْلُهُ: (كِرَامٍ بَرَرَةٍ) أَيْ: خُلقهم كَرِيمٌ حَسَنٌ شَرِيفٌ، وَأَخْلَاقُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ بَارَّةٌ طَاهِرَةٌ كَامِلَةٌ. وَمِنْ هَاهُنَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ عَلَى السَّدَادِ وَالرَّشَادِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى، عَنِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ". أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، بِهِ [[المسند (٦/٤٨) وصحيح البخاري برقم (٤٩٣٧) وصحيح مسلم برقم (٧٩٨) وسنن أبي داود برقم (١٤٥٤) وسنن الترمذي برقم (٢٩٠٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٧٩) .]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: أما من استغنى بماله فأنت له تتعرّض رجاء أن يُسلِم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ قال: نزلت في العباس. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ قال عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى﴾ يقول: وأي شيء عليك أن لا يتطهَّر من كفره فيُسلم؟ ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى﴾ يقول: وأما هذا الأعمى الذي جاءك سعيا، وهو يخشى الله ويتقيه ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ يقول: فأنت عنه تعرض، وتشاغل عنه بغيره وتغافل. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿كَلا﴾ ما الأمر كما تفعل يا محمد من أن تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدّى لمن استغنى ﴿إنَّها تَذْكِرَة﴾ يقول: إن هذه العظة وهذه السورة تذكرة: يقول: عظة وعبرة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ يقول: فمن شاء من عباد الله ذكره، يقول: ذكر تنزيل الله ووحيه والهاء في قوله: "إنَّها" للسورة، وفي قوله: "ذَكَرَهُ" للتنزيل والوحي. ﴿فِي صُحُفِ﴾ يقول: إنها تذكرة ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ يعني: في اللوح المحفوظ، وهو المرفوع المطهر عند الله. * * وقوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: الصحف المكرّمة بأيدي سفرة، جمع سافر. واختلف أهل التأويل فيهم ما هم؟ فقال بعضهم: هم كَتَبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: كَتَبة. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: الكَتَبة. وقال آخرون: هم القرّاء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: هم القرّاء. وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ يعني: الملائكة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ قال: السَّفَرة: الذين يُحْصون الأعمال. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الملائكة الذين يَسْفِرون بين الله ورسله بالوحي. وسفير القوم: الذي يسعى بينهم بالصلح، يقال: سفرت بين القوم: إذا أصلحت بينهم، ومنه قول الشاعر: ومَا أدَعُ السِّفارَةَ بَين قَوْمي ... ومَا أمْشِي بغِشّ إنْ مَشِيتُ [[الخبر ١٥٧- إسناد صحيح. محمد بن سنان القزاز، شيخ الطبري: تكلموا فيه من أجل حديث واحد. والحق أنه لا بأس به، كما قال الدارقطني. وهو مترجم في التهذيب، وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد ٥: ٣٤٣- ٣٤٦. أبو عاصم: هو النبيل، الضحاك بن مخلد، الحافظ الحجة. شبيب: هو ابن بشر البجلي، ووقع في التهذيب ٤: ٣٠٦ "الحلبي" وهو خطأ مطبعي، صوابه في التاريخ الكبير للبخاري ٢ / ٢ / ٢٣٢ / ٢٣٣ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٥٧- ٣٥٨ والتقريب وغيرها، وهو ثقة، وثقه ابن معين.]] وإذا وُجِّه التأويل إلى ما قلنا، احتمل الوجه الذي قاله القائلون: هم الكَتَبة، والذي قاله القائلون: هم القرّاء لأن الملائكة هي التي تقرأ الكتب، وتَسْفِر بين الله وبين رسله. * * وقوله: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ والبَررَة: جمع بارّ، كما الكفرة جمع كافر، والسحرة جمع ساحر، غير أن المعروف من كلام العرب إذا نطقوا بواحدة أن يقولوا: رجل بر، وامرأة برّة، وإذا جمعوا ردّوه إلى جمع فاعل، كما قالوا: رجل سري، ثم قالوا في جمعه: قوم سراة وكان القياس في واحده أن يكون ساريا، وقد حُكي سماعا من بعض العرب: قوم خِيَرَة بَرَرَة، وواحد الخيرة: خير، والبَررَة: برّ. * * وقوله: ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: لعن الإنسان الكافر ما أكفره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال مجاهد. ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا عبد الحميد الحِماني، عن الأعمش، عن مجاهد قال: ما كان في القرآن قُتِلَ الإنسانُ أو فُعل بالإنسان، فإنما عنِي به: الكافر. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ بلغني أنه: الكافر. وفي قوله: ﴿أكْفَرَهُ﴾ وجهان: أحدهما: التعجب من كفره مع إحسان الله إليه، وأياديه عنده. والآخر: ما الذي أكفره، أي: أيّ شيء أكفره.
tu le délaisses au profit de polythéistes notoires.
كَلَّآ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌۭ
N'agis plus ainsi! Vraiment ceci est un rappel -
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ عَبَسَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ذَكَرَ غيرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا يخاطبُ بَعْضَ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ، وَقَدْ طَمع فِي إِسْلَامِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُخَاطِبُهُ وَيُنَاجِيهُ إِذْ أَقْبَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا-فَجَعَلَ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ وَيُلِحُّ عَلَيْهِ، وودَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَوْ كَفَّ سَاعَتَهُ تِلْكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مُخَاطَبَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ؛ طَمَعًا وَرَغْبَةً فِي هِدَايَتِهِ. وعَبَس فِي وَجْهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ زَكَاةٌ وَطَهَارَةٌ فِي نَفْسِهِ. (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ اتِّعَاظٌ وَانْزِجَارٌ عَنِ الْمَحَارِمِ، (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أَيْ: أَمَّا الْغَنِيُّ فَأَنْتَ تَتَعَرَّضُ لَهُ لَعَلَّهُ يَهْتَدِي، (وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: مَا أَنْتَ بِمُطَالَبٍ بِهِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ زَكَاةٌ. (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى) أَيْ: يَقْصِدُكَ وَيَؤُمُّكَ لِيَهْتَدِيَ بِمَا تَقُولُ لَهُ، (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أَيْ: تَتَشَاغَلُ. وَمِنْ هَاهُنَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ ﷺ أَلَّا يَخُصَّ بِالْإِنْذَارِ أَحَدًا، بَلْ يُسَاوِي فِيهِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالضَّعِيفِ، وَالْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ، وَالسَّادَةِ وَالْعَبِيدِ، وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالصِّغَارِ وَالْكِبَارِ. ثُمَّ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ-هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ-حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ [عَنْ أَنَسٍ] [[تنبيه: ما بين المعقوفين ليس في أصل مسند أبي يعلى وتفسير عبد الرزاق. وهل من النسخ، وأظنه مقحما. والله أعلم.]] فِي قَوْلِهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُكَلِّمُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) فَكَانَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ. قَالَ قَتَادَةُ: وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ ومعه راية سوداء- يَعْنِي ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ [[مسند أبي يعلى (٥/٤٣١) ، وتفسير عبد الرزاق (٢/٢٨٢) .]] . وَقَالَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِمَّا عَرَضَهُ عَلَيْهِ عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَرْشِدْنِي. قَالَتْ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ. قَالَتْ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُعرض عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَقُولُ: "أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟ ". فَيَقُولُ: لَا. فَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) [[مسند أبي يعلى (٨/٢٦١) ، وتفسير الطبري (٣٠/٣٢) .]] . وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، بِإِسْنَادِهِ، مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أنزلَت (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) .]] . قُلْتُ: كَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ [[الموطأ (١/٢٠٣)]] . ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) قَالَ: بَيْنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاجِي عتبةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأَبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ-وَكَانَ يَتَصَدَّى لَهُمْ كَثِيرًا، وَيَحْرِصُ [[في أ: "ويجعل".]] عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا-فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْمَى-يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-يَمْشِي وَهُوَ يُنَاجِيهِمْ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يَسْتَقْرِئُ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ، وَتَوَلَّى وكَرهَ كَلامَه، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِينَ، فَلَمَّا قَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ نَجْوَاهُ، وَأَخَذَ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، أَمَسَكَ اللَّهُ بَعْضَ بَصَرِهِ، ثُمَّ خَفَق بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِ مَا نَزَلَ، أَكْرَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمَهُ وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا حَاجَتُكَ؟ هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيْءٍ؟ " وَإِذَا ذَهَبَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: "هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ؟ ". وَذَلِكَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) [[تفسير الطبري (٣٠/٣٢) ، ووجه غرابته ما نقله السهيلي في الروض الأنف عن شيخه ابن العربي قال: "قول المفسرين في الذي شغل النبي صلى الله عليه وسلم أنه الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعباس كله باطل، فإن أمية والوليد كانا بمكة، وابن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما، ولا حضرا معه وماتا كافرين، أحدهما قبل الهجرة والآخر في بدر، ولم يقصد أمية المدينة قط، ولا حضر عنده مفردا ولا مع آخر" انتهى.]] . فِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ، وَقَدْ تُكُلّم فِي إِسْنَادِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ". وَهُوَ الْأَعْمَى الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) وَكَانَ يُؤَذِّنُ مَعَ بِلَالٍ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ رَجُلا ضريرَ الْبَصَرِ، فَلَمْ يَكْ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ-حِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى بُزُوغِ الْفَجْرِ-: أذَّن [[أصل الحديث في صحيح مسلم برقم (١٠٩٢) .]] . وَهَكَذَا ذَكَرَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ [[في م: "أنها أنزلت".]] فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُقَالُ: عَمْرٌو. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ، أَوِ الْوَصِيَّةُ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي إِبْلَاغِ الْعِلْمِ مِنْ [[في أ: "بين".]] شَرِيفِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) يَعْنِي: الْقُرْآنَ، (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) أَيْ: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْوَحْيِ؛ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ أَوِ الْعِظَةُ، وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ، بَلْ جَمِيعُ الْقُرْآنِ (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ) أَيْ: مُعَظَّمَةٍ مُوَقَّرَةٍ (مَرْفُوعَةٍ) أَيْ: عَالِيَةِ الْقَدْرِ، (مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: مِنَ الدَّنَسِ وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. * * وَقَوْلُهُ: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّفَرَةُ بِالنَّبَطِيَّةِ: الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ السَّفَرَةَ الْمَلَائِكَةُ، وَالسَّفَرَةُ يَعْنِي بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: السَّفِيرُ: الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الصُّلْحِ وَالْخَيْرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: ومَا أدَعُ السّفَارَة بَين قَومي ... وَما أمْشي بِغِشٍّ إِنْ مَشَيتُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) .]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَفَرةٌ: الْمَلَائِكَةُ. سَفرت: أَصْلَحَتْ بَيْنَهُمْ. وَجَعَلَتِ الملائكةُ إِذَا نَزَلَتْ بوَحْي اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ [[صحيح البخاري (٨/٦٩١) "فتح".]] . * * وَقَوْلُهُ: (كِرَامٍ بَرَرَةٍ) أَيْ: خُلقهم كَرِيمٌ حَسَنٌ شَرِيفٌ، وَأَخْلَاقُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ بَارَّةٌ طَاهِرَةٌ كَامِلَةٌ. وَمِنْ هَاهُنَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ عَلَى السَّدَادِ وَالرَّشَادِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى، عَنِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ". أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، بِهِ [[المسند (٦/٤٨) وصحيح البخاري برقم (٤٩٣٧) وصحيح مسلم برقم (٧٩٨) وسنن أبي داود برقم (١٤٥٤) وسنن الترمذي برقم (٢٩٠٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٧٩) .]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: أما من استغنى بماله فأنت له تتعرّض رجاء أن يُسلِم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ قال: نزلت في العباس. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ قال عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى﴾ يقول: وأي شيء عليك أن لا يتطهَّر من كفره فيُسلم؟ ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى﴾ يقول: وأما هذا الأعمى الذي جاءك سعيا، وهو يخشى الله ويتقيه ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ يقول: فأنت عنه تعرض، وتشاغل عنه بغيره وتغافل. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿كَلا﴾ ما الأمر كما تفعل يا محمد من أن تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدّى لمن استغنى ﴿إنَّها تَذْكِرَة﴾ يقول: إن هذه العظة وهذه السورة تذكرة: يقول: عظة وعبرة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ يقول: فمن شاء من عباد الله ذكره، يقول: ذكر تنزيل الله ووحيه والهاء في قوله: "إنَّها" للسورة، وفي قوله: "ذَكَرَهُ" للتنزيل والوحي. ﴿فِي صُحُفِ﴾ يقول: إنها تذكرة ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ يعني: في اللوح المحفوظ، وهو المرفوع المطهر عند الله. * * وقوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: الصحف المكرّمة بأيدي سفرة، جمع سافر. واختلف أهل التأويل فيهم ما هم؟ فقال بعضهم: هم كَتَبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: كَتَبة. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: الكَتَبة. وقال آخرون: هم القرّاء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: هم القرّاء. وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ يعني: الملائكة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ قال: السَّفَرة: الذين يُحْصون الأعمال. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الملائكة الذين يَسْفِرون بين الله ورسله بالوحي. وسفير القوم: الذي يسعى بينهم بالصلح، يقال: سفرت بين القوم: إذا أصلحت بينهم، ومنه قول الشاعر: ومَا أدَعُ السِّفارَةَ بَين قَوْمي ... ومَا أمْشِي بغِشّ إنْ مَشِيتُ [[الخبر ١٥٧- إسناد صحيح. محمد بن سنان القزاز، شيخ الطبري: تكلموا فيه من أجل حديث واحد. والحق أنه لا بأس به، كما قال الدارقطني. وهو مترجم في التهذيب، وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد ٥: ٣٤٣- ٣٤٦. أبو عاصم: هو النبيل، الضحاك بن مخلد، الحافظ الحجة. شبيب: هو ابن بشر البجلي، ووقع في التهذيب ٤: ٣٠٦ "الحلبي" وهو خطأ مطبعي، صوابه في التاريخ الكبير للبخاري ٢ / ٢ / ٢٣٢ / ٢٣٣ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٥٧- ٣٥٨ والتقريب وغيرها، وهو ثقة، وثقه ابن معين.]] وإذا وُجِّه التأويل إلى ما قلنا، احتمل الوجه الذي قاله القائلون: هم الكَتَبة، والذي قاله القائلون: هم القرّاء لأن الملائكة هي التي تقرأ الكتب، وتَسْفِر بين الله وبين رسله. * * وقوله: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ والبَررَة: جمع بارّ، كما الكفرة جمع كافر، والسحرة جمع ساحر، غير أن المعروف من كلام العرب إذا نطقوا بواحدة أن يقولوا: رجل بر، وامرأة برّة، وإذا جمعوا ردّوه إلى جمع فاعل، كما قالوا: رجل سري، ثم قالوا في جمعه: قوم سراة وكان القياس في واحده أن يكون ساريا، وقد حُكي سماعا من بعض العرب: قوم خِيَرَة بَرَرَة، وواحد الخيرة: خير، والبَررَة: برّ. * * وقوله: ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: لعن الإنسان الكافر ما أكفره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال مجاهد. ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا عبد الحميد الحِماني، عن الأعمش، عن مجاهد قال: ما كان في القرآن قُتِلَ الإنسانُ أو فُعل بالإنسان، فإنما عنِي به: الكافر. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ بلغني أنه: الكافر. وفي قوله: ﴿أكْفَرَهُ﴾ وجهان: أحدهما: التعجب من كفره مع إحسان الله إليه، وأياديه عنده. والآخر: ما الذي أكفره، أي: أيّ شيء أكفره.
Tu ne dois pas agir ainsi car l’exhortation et le rappel doivent bénéficier à ceux qui sont volontaires.
فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ
quiconque veut, donc, s'en rappelle -
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ عَبَسَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ذَكَرَ غيرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا يخاطبُ بَعْضَ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ، وَقَدْ طَمع فِي إِسْلَامِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُخَاطِبُهُ وَيُنَاجِيهُ إِذْ أَقْبَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا-فَجَعَلَ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ وَيُلِحُّ عَلَيْهِ، وودَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَوْ كَفَّ سَاعَتَهُ تِلْكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مُخَاطَبَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ؛ طَمَعًا وَرَغْبَةً فِي هِدَايَتِهِ. وعَبَس فِي وَجْهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ زَكَاةٌ وَطَهَارَةٌ فِي نَفْسِهِ. (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ اتِّعَاظٌ وَانْزِجَارٌ عَنِ الْمَحَارِمِ، (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أَيْ: أَمَّا الْغَنِيُّ فَأَنْتَ تَتَعَرَّضُ لَهُ لَعَلَّهُ يَهْتَدِي، (وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: مَا أَنْتَ بِمُطَالَبٍ بِهِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ زَكَاةٌ. (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى) أَيْ: يَقْصِدُكَ وَيَؤُمُّكَ لِيَهْتَدِيَ بِمَا تَقُولُ لَهُ، (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أَيْ: تَتَشَاغَلُ. وَمِنْ هَاهُنَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ ﷺ أَلَّا يَخُصَّ بِالْإِنْذَارِ أَحَدًا، بَلْ يُسَاوِي فِيهِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالضَّعِيفِ، وَالْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ، وَالسَّادَةِ وَالْعَبِيدِ، وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالصِّغَارِ وَالْكِبَارِ. ثُمَّ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ-هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ-حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ [عَنْ أَنَسٍ] [[تنبيه: ما بين المعقوفين ليس في أصل مسند أبي يعلى وتفسير عبد الرزاق. وهل من النسخ، وأظنه مقحما. والله أعلم.]] فِي قَوْلِهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُكَلِّمُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) فَكَانَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ. قَالَ قَتَادَةُ: وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ ومعه راية سوداء- يَعْنِي ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ [[مسند أبي يعلى (٥/٤٣١) ، وتفسير عبد الرزاق (٢/٢٨٢) .]] . وَقَالَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِمَّا عَرَضَهُ عَلَيْهِ عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَرْشِدْنِي. قَالَتْ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ. قَالَتْ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُعرض عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَقُولُ: "أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟ ". فَيَقُولُ: لَا. فَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) [[مسند أبي يعلى (٨/٢٦١) ، وتفسير الطبري (٣٠/٣٢) .]] . وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، بِإِسْنَادِهِ، مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أنزلَت (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) .]] . قُلْتُ: كَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ [[الموطأ (١/٢٠٣)]] . ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) قَالَ: بَيْنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاجِي عتبةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأَبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ-وَكَانَ يَتَصَدَّى لَهُمْ كَثِيرًا، وَيَحْرِصُ [[في أ: "ويجعل".]] عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا-فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْمَى-يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-يَمْشِي وَهُوَ يُنَاجِيهِمْ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يَسْتَقْرِئُ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ، وَتَوَلَّى وكَرهَ كَلامَه، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِينَ، فَلَمَّا قَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ نَجْوَاهُ، وَأَخَذَ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، أَمَسَكَ اللَّهُ بَعْضَ بَصَرِهِ، ثُمَّ خَفَق بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِ مَا نَزَلَ، أَكْرَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمَهُ وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا حَاجَتُكَ؟ هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيْءٍ؟ " وَإِذَا ذَهَبَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: "هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ؟ ". وَذَلِكَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) [[تفسير الطبري (٣٠/٣٢) ، ووجه غرابته ما نقله السهيلي في الروض الأنف عن شيخه ابن العربي قال: "قول المفسرين في الذي شغل النبي صلى الله عليه وسلم أنه الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعباس كله باطل، فإن أمية والوليد كانا بمكة، وابن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما، ولا حضرا معه وماتا كافرين، أحدهما قبل الهجرة والآخر في بدر، ولم يقصد أمية المدينة قط، ولا حضر عنده مفردا ولا مع آخر" انتهى.]] . فِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ، وَقَدْ تُكُلّم فِي إِسْنَادِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ". وَهُوَ الْأَعْمَى الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) وَكَانَ يُؤَذِّنُ مَعَ بِلَالٍ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ رَجُلا ضريرَ الْبَصَرِ، فَلَمْ يَكْ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ-حِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى بُزُوغِ الْفَجْرِ-: أذَّن [[أصل الحديث في صحيح مسلم برقم (١٠٩٢) .]] . وَهَكَذَا ذَكَرَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ [[في م: "أنها أنزلت".]] فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُقَالُ: عَمْرٌو. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ، أَوِ الْوَصِيَّةُ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي إِبْلَاغِ الْعِلْمِ مِنْ [[في أ: "بين".]] شَرِيفِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) يَعْنِي: الْقُرْآنَ، (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) أَيْ: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْوَحْيِ؛ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ أَوِ الْعِظَةُ، وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ، بَلْ جَمِيعُ الْقُرْآنِ (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ) أَيْ: مُعَظَّمَةٍ مُوَقَّرَةٍ (مَرْفُوعَةٍ) أَيْ: عَالِيَةِ الْقَدْرِ، (مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: مِنَ الدَّنَسِ وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. * * وَقَوْلُهُ: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّفَرَةُ بِالنَّبَطِيَّةِ: الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ السَّفَرَةَ الْمَلَائِكَةُ، وَالسَّفَرَةُ يَعْنِي بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: السَّفِيرُ: الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الصُّلْحِ وَالْخَيْرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: ومَا أدَعُ السّفَارَة بَين قَومي ... وَما أمْشي بِغِشٍّ إِنْ مَشَيتُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) .]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَفَرةٌ: الْمَلَائِكَةُ. سَفرت: أَصْلَحَتْ بَيْنَهُمْ. وَجَعَلَتِ الملائكةُ إِذَا نَزَلَتْ بوَحْي اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ [[صحيح البخاري (٨/٦٩١) "فتح".]] . * * وَقَوْلُهُ: (كِرَامٍ بَرَرَةٍ) أَيْ: خُلقهم كَرِيمٌ حَسَنٌ شَرِيفٌ، وَأَخْلَاقُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ بَارَّةٌ طَاهِرَةٌ كَامِلَةٌ. وَمِنْ هَاهُنَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ عَلَى السَّدَادِ وَالرَّشَادِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى، عَنِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ". أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، بِهِ [[المسند (٦/٤٨) وصحيح البخاري برقم (٤٩٣٧) وصحيح مسلم برقم (٧٩٨) وسنن أبي داود برقم (١٤٥٤) وسنن الترمذي برقم (٢٩٠٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٧٩) .]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: أما من استغنى بماله فأنت له تتعرّض رجاء أن يُسلِم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ قال: نزلت في العباس. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ قال عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى﴾ يقول: وأي شيء عليك أن لا يتطهَّر من كفره فيُسلم؟ ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى﴾ يقول: وأما هذا الأعمى الذي جاءك سعيا، وهو يخشى الله ويتقيه ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ يقول: فأنت عنه تعرض، وتشاغل عنه بغيره وتغافل. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿كَلا﴾ ما الأمر كما تفعل يا محمد من أن تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدّى لمن استغنى ﴿إنَّها تَذْكِرَة﴾ يقول: إن هذه العظة وهذه السورة تذكرة: يقول: عظة وعبرة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ يقول: فمن شاء من عباد الله ذكره، يقول: ذكر تنزيل الله ووحيه والهاء في قوله: "إنَّها" للسورة، وفي قوله: "ذَكَرَهُ" للتنزيل والوحي. ﴿فِي صُحُفِ﴾ يقول: إنها تذكرة ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ يعني: في اللوح المحفوظ، وهو المرفوع المطهر عند الله. * * وقوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: الصحف المكرّمة بأيدي سفرة، جمع سافر. واختلف أهل التأويل فيهم ما هم؟ فقال بعضهم: هم كَتَبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: كَتَبة. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: الكَتَبة. وقال آخرون: هم القرّاء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: هم القرّاء. وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ يعني: الملائكة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ قال: السَّفَرة: الذين يُحْصون الأعمال. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الملائكة الذين يَسْفِرون بين الله ورسله بالوحي. وسفير القوم: الذي يسعى بينهم بالصلح، يقال: سفرت بين القوم: إذا أصلحت بينهم، ومنه قول الشاعر: ومَا أدَعُ السِّفارَةَ بَين قَوْمي ... ومَا أمْشِي بغِشّ إنْ مَشِيتُ [[الخبر ١٥٧- إسناد صحيح. محمد بن سنان القزاز، شيخ الطبري: تكلموا فيه من أجل حديث واحد. والحق أنه لا بأس به، كما قال الدارقطني. وهو مترجم في التهذيب، وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد ٥: ٣٤٣- ٣٤٦. أبو عاصم: هو النبيل، الضحاك بن مخلد، الحافظ الحجة. شبيب: هو ابن بشر البجلي، ووقع في التهذيب ٤: ٣٠٦ "الحلبي" وهو خطأ مطبعي، صوابه في التاريخ الكبير للبخاري ٢ / ٢ / ٢٣٢ / ٢٣٣ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٥٧- ٣٥٨ والتقريب وغيرها، وهو ثقة، وثقه ابن معين.]] وإذا وُجِّه التأويل إلى ما قلنا، احتمل الوجه الذي قاله القائلون: هم الكَتَبة، والذي قاله القائلون: هم القرّاء لأن الملائكة هي التي تقرأ الكتب، وتَسْفِر بين الله وبين رسله. * * وقوله: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ والبَررَة: جمع بارّ، كما الكفرة جمع كافر، والسحرة جمع ساحر، غير أن المعروف من كلام العرب إذا نطقوا بواحدة أن يقولوا: رجل بر، وامرأة برّة، وإذا جمعوا ردّوه إلى جمع فاعل، كما قالوا: رجل سري، ثم قالوا في جمعه: قوم سراة وكان القياس في واحده أن يكون ساريا، وقد حُكي سماعا من بعض العرب: قوم خِيَرَة بَرَرَة، وواحد الخيرة: خير، والبَررَة: برّ. * * وقوله: ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: لعن الإنسان الكافر ما أكفره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال مجاهد. ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا عبد الحميد الحِماني، عن الأعمش، عن مجاهد قال: ما كان في القرآن قُتِلَ الإنسانُ أو فُعل بالإنسان، فإنما عنِي به: الكافر. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ بلغني أنه: الكافر. وفي قوله: ﴿أكْفَرَهُ﴾ وجهان: أحدهما: التعجب من كفره مع إحسان الله إليه، وأياديه عنده. والآخر: ما الذي أكفره، أي: أيّ شيء أكفره.
Ainsi, quiconque veut évoquer Allah, qu’il L’évoque et tire profit de ce qui est contenu dans ce Coran.
فِى صُحُفٍۢ مُّكَرَّمَةٍۢ
consigné dans des feuilles honorées,
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ عَبَسَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ذَكَرَ غيرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا يخاطبُ بَعْضَ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ، وَقَدْ طَمع فِي إِسْلَامِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُخَاطِبُهُ وَيُنَاجِيهُ إِذْ أَقْبَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا-فَجَعَلَ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ وَيُلِحُّ عَلَيْهِ، وودَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَوْ كَفَّ سَاعَتَهُ تِلْكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مُخَاطَبَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ؛ طَمَعًا وَرَغْبَةً فِي هِدَايَتِهِ. وعَبَس فِي وَجْهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ زَكَاةٌ وَطَهَارَةٌ فِي نَفْسِهِ. (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ اتِّعَاظٌ وَانْزِجَارٌ عَنِ الْمَحَارِمِ، (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أَيْ: أَمَّا الْغَنِيُّ فَأَنْتَ تَتَعَرَّضُ لَهُ لَعَلَّهُ يَهْتَدِي، (وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: مَا أَنْتَ بِمُطَالَبٍ بِهِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ زَكَاةٌ. (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى) أَيْ: يَقْصِدُكَ وَيَؤُمُّكَ لِيَهْتَدِيَ بِمَا تَقُولُ لَهُ، (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أَيْ: تَتَشَاغَلُ. وَمِنْ هَاهُنَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ ﷺ أَلَّا يَخُصَّ بِالْإِنْذَارِ أَحَدًا، بَلْ يُسَاوِي فِيهِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالضَّعِيفِ، وَالْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ، وَالسَّادَةِ وَالْعَبِيدِ، وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالصِّغَارِ وَالْكِبَارِ. ثُمَّ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ-هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ-حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ [عَنْ أَنَسٍ] [[تنبيه: ما بين المعقوفين ليس في أصل مسند أبي يعلى وتفسير عبد الرزاق. وهل من النسخ، وأظنه مقحما. والله أعلم.]] فِي قَوْلِهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُكَلِّمُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) فَكَانَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ. قَالَ قَتَادَةُ: وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ ومعه راية سوداء- يَعْنِي ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ [[مسند أبي يعلى (٥/٤٣١) ، وتفسير عبد الرزاق (٢/٢٨٢) .]] . وَقَالَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِمَّا عَرَضَهُ عَلَيْهِ عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَرْشِدْنِي. قَالَتْ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ. قَالَتْ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُعرض عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَقُولُ: "أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟ ". فَيَقُولُ: لَا. فَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) [[مسند أبي يعلى (٨/٢٦١) ، وتفسير الطبري (٣٠/٣٢) .]] . وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، بِإِسْنَادِهِ، مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أنزلَت (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) .]] . قُلْتُ: كَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ [[الموطأ (١/٢٠٣)]] . ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) قَالَ: بَيْنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاجِي عتبةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأَبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ-وَكَانَ يَتَصَدَّى لَهُمْ كَثِيرًا، وَيَحْرِصُ [[في أ: "ويجعل".]] عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا-فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْمَى-يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-يَمْشِي وَهُوَ يُنَاجِيهِمْ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يَسْتَقْرِئُ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ، وَتَوَلَّى وكَرهَ كَلامَه، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِينَ، فَلَمَّا قَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ نَجْوَاهُ، وَأَخَذَ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، أَمَسَكَ اللَّهُ بَعْضَ بَصَرِهِ، ثُمَّ خَفَق بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِ مَا نَزَلَ، أَكْرَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمَهُ وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا حَاجَتُكَ؟ هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيْءٍ؟ " وَإِذَا ذَهَبَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: "هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ؟ ". وَذَلِكَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) [[تفسير الطبري (٣٠/٣٢) ، ووجه غرابته ما نقله السهيلي في الروض الأنف عن شيخه ابن العربي قال: "قول المفسرين في الذي شغل النبي صلى الله عليه وسلم أنه الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعباس كله باطل، فإن أمية والوليد كانا بمكة، وابن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما، ولا حضرا معه وماتا كافرين، أحدهما قبل الهجرة والآخر في بدر، ولم يقصد أمية المدينة قط، ولا حضر عنده مفردا ولا مع آخر" انتهى.]] . فِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ، وَقَدْ تُكُلّم فِي إِسْنَادِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ". وَهُوَ الْأَعْمَى الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) وَكَانَ يُؤَذِّنُ مَعَ بِلَالٍ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ رَجُلا ضريرَ الْبَصَرِ، فَلَمْ يَكْ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ-حِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى بُزُوغِ الْفَجْرِ-: أذَّن [[أصل الحديث في صحيح مسلم برقم (١٠٩٢) .]] . وَهَكَذَا ذَكَرَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ [[في م: "أنها أنزلت".]] فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُقَالُ: عَمْرٌو. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ، أَوِ الْوَصِيَّةُ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي إِبْلَاغِ الْعِلْمِ مِنْ [[في أ: "بين".]] شَرِيفِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) يَعْنِي: الْقُرْآنَ، (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) أَيْ: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْوَحْيِ؛ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ أَوِ الْعِظَةُ، وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ، بَلْ جَمِيعُ الْقُرْآنِ (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ) أَيْ: مُعَظَّمَةٍ مُوَقَّرَةٍ (مَرْفُوعَةٍ) أَيْ: عَالِيَةِ الْقَدْرِ، (مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: مِنَ الدَّنَسِ وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. * * وَقَوْلُهُ: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّفَرَةُ بِالنَّبَطِيَّةِ: الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ السَّفَرَةَ الْمَلَائِكَةُ، وَالسَّفَرَةُ يَعْنِي بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: السَّفِيرُ: الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الصُّلْحِ وَالْخَيْرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: ومَا أدَعُ السّفَارَة بَين قَومي ... وَما أمْشي بِغِشٍّ إِنْ مَشَيتُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) .]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَفَرةٌ: الْمَلَائِكَةُ. سَفرت: أَصْلَحَتْ بَيْنَهُمْ. وَجَعَلَتِ الملائكةُ إِذَا نَزَلَتْ بوَحْي اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ [[صحيح البخاري (٨/٦٩١) "فتح".]] . * * وَقَوْلُهُ: (كِرَامٍ بَرَرَةٍ) أَيْ: خُلقهم كَرِيمٌ حَسَنٌ شَرِيفٌ، وَأَخْلَاقُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ بَارَّةٌ طَاهِرَةٌ كَامِلَةٌ. وَمِنْ هَاهُنَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ عَلَى السَّدَادِ وَالرَّشَادِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى، عَنِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ". أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، بِهِ [[المسند (٦/٤٨) وصحيح البخاري برقم (٤٩٣٧) وصحيح مسلم برقم (٧٩٨) وسنن أبي داود برقم (١٤٥٤) وسنن الترمذي برقم (٢٩٠٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٧٩) .]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: أما من استغنى بماله فأنت له تتعرّض رجاء أن يُسلِم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ قال: نزلت في العباس. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ قال عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى﴾ يقول: وأي شيء عليك أن لا يتطهَّر من كفره فيُسلم؟ ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى﴾ يقول: وأما هذا الأعمى الذي جاءك سعيا، وهو يخشى الله ويتقيه ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ يقول: فأنت عنه تعرض، وتشاغل عنه بغيره وتغافل. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿كَلا﴾ ما الأمر كما تفعل يا محمد من أن تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدّى لمن استغنى ﴿إنَّها تَذْكِرَة﴾ يقول: إن هذه العظة وهذه السورة تذكرة: يقول: عظة وعبرة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ يقول: فمن شاء من عباد الله ذكره، يقول: ذكر تنزيل الله ووحيه والهاء في قوله: "إنَّها" للسورة، وفي قوله: "ذَكَرَهُ" للتنزيل والوحي. ﴿فِي صُحُفِ﴾ يقول: إنها تذكرة ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ يعني: في اللوح المحفوظ، وهو المرفوع المطهر عند الله. * * وقوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: الصحف المكرّمة بأيدي سفرة، جمع سافر. واختلف أهل التأويل فيهم ما هم؟ فقال بعضهم: هم كَتَبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: كَتَبة. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: الكَتَبة. وقال آخرون: هم القرّاء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: هم القرّاء. وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ يعني: الملائكة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ قال: السَّفَرة: الذين يُحْصون الأعمال. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الملائكة الذين يَسْفِرون بين الله ورسله بالوحي. وسفير القوم: الذي يسعى بينهم بالصلح، يقال: سفرت بين القوم: إذا أصلحت بينهم، ومنه قول الشاعر: ومَا أدَعُ السِّفارَةَ بَين قَوْمي ... ومَا أمْشِي بغِشّ إنْ مَشِيتُ [[الخبر ١٥٧- إسناد صحيح. محمد بن سنان القزاز، شيخ الطبري: تكلموا فيه من أجل حديث واحد. والحق أنه لا بأس به، كما قال الدارقطني. وهو مترجم في التهذيب، وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد ٥: ٣٤٣- ٣٤٦. أبو عاصم: هو النبيل، الضحاك بن مخلد، الحافظ الحجة. شبيب: هو ابن بشر البجلي، ووقع في التهذيب ٤: ٣٠٦ "الحلبي" وهو خطأ مطبعي، صوابه في التاريخ الكبير للبخاري ٢ / ٢ / ٢٣٢ / ٢٣٣ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٥٧- ٣٥٨ والتقريب وغيرها، وهو ثقة، وثقه ابن معين.]] وإذا وُجِّه التأويل إلى ما قلنا، احتمل الوجه الذي قاله القائلون: هم الكَتَبة، والذي قاله القائلون: هم القرّاء لأن الملائكة هي التي تقرأ الكتب، وتَسْفِر بين الله وبين رسله. * * وقوله: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ والبَررَة: جمع بارّ، كما الكفرة جمع كافر، والسحرة جمع ساحر، غير أن المعروف من كلام العرب إذا نطقوا بواحدة أن يقولوا: رجل بر، وامرأة برّة، وإذا جمعوا ردّوه إلى جمع فاعل، كما قالوا: رجل سري، ثم قالوا في جمعه: قوم سراة وكان القياس في واحده أن يكون ساريا، وقد حُكي سماعا من بعض العرب: قوم خِيَرَة بَرَرَة، وواحد الخيرة: خير، والبَررَة: برّ. * * وقوله: ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: لعن الإنسان الكافر ما أكفره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال مجاهد. ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا عبد الحميد الحِماني، عن الأعمش، عن مجاهد قال: ما كان في القرآن قُتِلَ الإنسانُ أو فُعل بالإنسان، فإنما عنِي به: الكافر. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ بلغني أنه: الكافر. وفي قوله: ﴿أكْفَرَهُ﴾ وجهان: أحدهما: التعجب من كفره مع إحسان الله إليه، وأياديه عنده. والآخر: ما الذي أكفره، أي: أيّ شيء أكفره.
En effet, ce Coran est consigné dans des feuillets nobles pour les anges,
مَّرْفُوعَةٍۢ مُّطَهَّرَةٍۭ
élevées, purifiées,
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ عَبَسَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ذَكَرَ غيرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا يخاطبُ بَعْضَ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ، وَقَدْ طَمع فِي إِسْلَامِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُخَاطِبُهُ وَيُنَاجِيهُ إِذْ أَقْبَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا-فَجَعَلَ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ وَيُلِحُّ عَلَيْهِ، وودَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَوْ كَفَّ سَاعَتَهُ تِلْكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مُخَاطَبَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ؛ طَمَعًا وَرَغْبَةً فِي هِدَايَتِهِ. وعَبَس فِي وَجْهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ زَكَاةٌ وَطَهَارَةٌ فِي نَفْسِهِ. (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ اتِّعَاظٌ وَانْزِجَارٌ عَنِ الْمَحَارِمِ، (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أَيْ: أَمَّا الْغَنِيُّ فَأَنْتَ تَتَعَرَّضُ لَهُ لَعَلَّهُ يَهْتَدِي، (وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: مَا أَنْتَ بِمُطَالَبٍ بِهِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ زَكَاةٌ. (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى) أَيْ: يَقْصِدُكَ وَيَؤُمُّكَ لِيَهْتَدِيَ بِمَا تَقُولُ لَهُ، (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أَيْ: تَتَشَاغَلُ. وَمِنْ هَاهُنَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ ﷺ أَلَّا يَخُصَّ بِالْإِنْذَارِ أَحَدًا، بَلْ يُسَاوِي فِيهِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالضَّعِيفِ، وَالْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ، وَالسَّادَةِ وَالْعَبِيدِ، وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالصِّغَارِ وَالْكِبَارِ. ثُمَّ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ-هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ-حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ [عَنْ أَنَسٍ] [[تنبيه: ما بين المعقوفين ليس في أصل مسند أبي يعلى وتفسير عبد الرزاق. وهل من النسخ، وأظنه مقحما. والله أعلم.]] فِي قَوْلِهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُكَلِّمُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) فَكَانَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ. قَالَ قَتَادَةُ: وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ ومعه راية سوداء- يَعْنِي ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ [[مسند أبي يعلى (٥/٤٣١) ، وتفسير عبد الرزاق (٢/٢٨٢) .]] . وَقَالَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِمَّا عَرَضَهُ عَلَيْهِ عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَرْشِدْنِي. قَالَتْ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ. قَالَتْ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُعرض عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَقُولُ: "أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟ ". فَيَقُولُ: لَا. فَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) [[مسند أبي يعلى (٨/٢٦١) ، وتفسير الطبري (٣٠/٣٢) .]] . وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، بِإِسْنَادِهِ، مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أنزلَت (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) .]] . قُلْتُ: كَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ [[الموطأ (١/٢٠٣)]] . ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) قَالَ: بَيْنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاجِي عتبةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأَبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ-وَكَانَ يَتَصَدَّى لَهُمْ كَثِيرًا، وَيَحْرِصُ [[في أ: "ويجعل".]] عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا-فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْمَى-يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-يَمْشِي وَهُوَ يُنَاجِيهِمْ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يَسْتَقْرِئُ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ، وَتَوَلَّى وكَرهَ كَلامَه، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِينَ، فَلَمَّا قَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ نَجْوَاهُ، وَأَخَذَ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، أَمَسَكَ اللَّهُ بَعْضَ بَصَرِهِ، ثُمَّ خَفَق بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِ مَا نَزَلَ، أَكْرَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمَهُ وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا حَاجَتُكَ؟ هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيْءٍ؟ " وَإِذَا ذَهَبَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: "هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ؟ ". وَذَلِكَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) [[تفسير الطبري (٣٠/٣٢) ، ووجه غرابته ما نقله السهيلي في الروض الأنف عن شيخه ابن العربي قال: "قول المفسرين في الذي شغل النبي صلى الله عليه وسلم أنه الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعباس كله باطل، فإن أمية والوليد كانا بمكة، وابن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما، ولا حضرا معه وماتا كافرين، أحدهما قبل الهجرة والآخر في بدر، ولم يقصد أمية المدينة قط، ولا حضر عنده مفردا ولا مع آخر" انتهى.]] . فِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ، وَقَدْ تُكُلّم فِي إِسْنَادِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ". وَهُوَ الْأَعْمَى الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) وَكَانَ يُؤَذِّنُ مَعَ بِلَالٍ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ رَجُلا ضريرَ الْبَصَرِ، فَلَمْ يَكْ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ-حِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى بُزُوغِ الْفَجْرِ-: أذَّن [[أصل الحديث في صحيح مسلم برقم (١٠٩٢) .]] . وَهَكَذَا ذَكَرَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ [[في م: "أنها أنزلت".]] فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُقَالُ: عَمْرٌو. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ، أَوِ الْوَصِيَّةُ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي إِبْلَاغِ الْعِلْمِ مِنْ [[في أ: "بين".]] شَرِيفِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) يَعْنِي: الْقُرْآنَ، (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) أَيْ: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْوَحْيِ؛ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ أَوِ الْعِظَةُ، وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ، بَلْ جَمِيعُ الْقُرْآنِ (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ) أَيْ: مُعَظَّمَةٍ مُوَقَّرَةٍ (مَرْفُوعَةٍ) أَيْ: عَالِيَةِ الْقَدْرِ، (مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: مِنَ الدَّنَسِ وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. * * وَقَوْلُهُ: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّفَرَةُ بِالنَّبَطِيَّةِ: الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ السَّفَرَةَ الْمَلَائِكَةُ، وَالسَّفَرَةُ يَعْنِي بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: السَّفِيرُ: الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الصُّلْحِ وَالْخَيْرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: ومَا أدَعُ السّفَارَة بَين قَومي ... وَما أمْشي بِغِشٍّ إِنْ مَشَيتُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) .]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَفَرةٌ: الْمَلَائِكَةُ. سَفرت: أَصْلَحَتْ بَيْنَهُمْ. وَجَعَلَتِ الملائكةُ إِذَا نَزَلَتْ بوَحْي اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ [[صحيح البخاري (٨/٦٩١) "فتح".]] . * * وَقَوْلُهُ: (كِرَامٍ بَرَرَةٍ) أَيْ: خُلقهم كَرِيمٌ حَسَنٌ شَرِيفٌ، وَأَخْلَاقُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ بَارَّةٌ طَاهِرَةٌ كَامِلَةٌ. وَمِنْ هَاهُنَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ عَلَى السَّدَادِ وَالرَّشَادِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى، عَنِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ". أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، بِهِ [[المسند (٦/٤٨) وصحيح البخاري برقم (٤٩٣٧) وصحيح مسلم برقم (٧٩٨) وسنن أبي داود برقم (١٤٥٤) وسنن الترمذي برقم (٢٩٠٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٧٩) .]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: أما من استغنى بماله فأنت له تتعرّض رجاء أن يُسلِم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ قال: نزلت في العباس. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ قال عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى﴾ يقول: وأي شيء عليك أن لا يتطهَّر من كفره فيُسلم؟ ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى﴾ يقول: وأما هذا الأعمى الذي جاءك سعيا، وهو يخشى الله ويتقيه ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ يقول: فأنت عنه تعرض، وتشاغل عنه بغيره وتغافل. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿كَلا﴾ ما الأمر كما تفعل يا محمد من أن تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدّى لمن استغنى ﴿إنَّها تَذْكِرَة﴾ يقول: إن هذه العظة وهذه السورة تذكرة: يقول: عظة وعبرة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ يقول: فمن شاء من عباد الله ذكره، يقول: ذكر تنزيل الله ووحيه والهاء في قوله: "إنَّها" للسورة، وفي قوله: "ذَكَرَهُ" للتنزيل والوحي. ﴿فِي صُحُفِ﴾ يقول: إنها تذكرة ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ يعني: في اللوح المحفوظ، وهو المرفوع المطهر عند الله. * * وقوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: الصحف المكرّمة بأيدي سفرة، جمع سافر. واختلف أهل التأويل فيهم ما هم؟ فقال بعضهم: هم كَتَبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: كَتَبة. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: الكَتَبة. وقال آخرون: هم القرّاء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: هم القرّاء. وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ يعني: الملائكة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ قال: السَّفَرة: الذين يُحْصون الأعمال. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الملائكة الذين يَسْفِرون بين الله ورسله بالوحي. وسفير القوم: الذي يسعى بينهم بالصلح، يقال: سفرت بين القوم: إذا أصلحت بينهم، ومنه قول الشاعر: ومَا أدَعُ السِّفارَةَ بَين قَوْمي ... ومَا أمْشِي بغِشّ إنْ مَشِيتُ [[الخبر ١٥٧- إسناد صحيح. محمد بن سنان القزاز، شيخ الطبري: تكلموا فيه من أجل حديث واحد. والحق أنه لا بأس به، كما قال الدارقطني. وهو مترجم في التهذيب، وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد ٥: ٣٤٣- ٣٤٦. أبو عاصم: هو النبيل، الضحاك بن مخلد، الحافظ الحجة. شبيب: هو ابن بشر البجلي، ووقع في التهذيب ٤: ٣٠٦ "الحلبي" وهو خطأ مطبعي، صوابه في التاريخ الكبير للبخاري ٢ / ٢ / ٢٣٢ / ٢٣٣ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٥٧- ٣٥٨ والتقريب وغيرها، وهو ثقة، وثقه ابن معين.]] وإذا وُجِّه التأويل إلى ما قلنا، احتمل الوجه الذي قاله القائلون: هم الكَتَبة، والذي قاله القائلون: هم القرّاء لأن الملائكة هي التي تقرأ الكتب، وتَسْفِر بين الله وبين رسله. * * وقوله: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ والبَررَة: جمع بارّ، كما الكفرة جمع كافر، والسحرة جمع ساحر، غير أن المعروف من كلام العرب إذا نطقوا بواحدة أن يقولوا: رجل بر، وامرأة برّة، وإذا جمعوا ردّوه إلى جمع فاعل، كما قالوا: رجل سري، ثم قالوا في جمعه: قوم سراة وكان القياس في واحده أن يكون ساريا، وقد حُكي سماعا من بعض العرب: قوم خِيَرَة بَرَرَة، وواحد الخيرة: خير، والبَررَة: برّ. * * وقوله: ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: لعن الإنسان الكافر ما أكفره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال مجاهد. ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا عبد الحميد الحِماني، عن الأعمش، عن مجاهد قال: ما كان في القرآن قُتِلَ الإنسانُ أو فُعل بالإنسان، فإنما عنِي به: الكافر. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ بلغني أنه: الكافر. وفي قوله: ﴿أكْفَرَهُ﴾ وجهان: أحدهما: التعجب من كفره مع إحسان الله إليه، وأياديه عنده. والآخر: ما الذي أكفره، أي: أيّ شيء أكفره.
gardés dans un lieu élevé à l’abri des souillures et des impuretés,
بِأَيْدِى سَفَرَةٍۢ
entre les mains d'ambassadeurs
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ عَبَسَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ذَكَرَ غيرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا يخاطبُ بَعْضَ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ، وَقَدْ طَمع فِي إِسْلَامِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُخَاطِبُهُ وَيُنَاجِيهُ إِذْ أَقْبَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا-فَجَعَلَ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ وَيُلِحُّ عَلَيْهِ، وودَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَوْ كَفَّ سَاعَتَهُ تِلْكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مُخَاطَبَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ؛ طَمَعًا وَرَغْبَةً فِي هِدَايَتِهِ. وعَبَس فِي وَجْهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ زَكَاةٌ وَطَهَارَةٌ فِي نَفْسِهِ. (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ اتِّعَاظٌ وَانْزِجَارٌ عَنِ الْمَحَارِمِ، (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أَيْ: أَمَّا الْغَنِيُّ فَأَنْتَ تَتَعَرَّضُ لَهُ لَعَلَّهُ يَهْتَدِي، (وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: مَا أَنْتَ بِمُطَالَبٍ بِهِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ زَكَاةٌ. (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى) أَيْ: يَقْصِدُكَ وَيَؤُمُّكَ لِيَهْتَدِيَ بِمَا تَقُولُ لَهُ، (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أَيْ: تَتَشَاغَلُ. وَمِنْ هَاهُنَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ ﷺ أَلَّا يَخُصَّ بِالْإِنْذَارِ أَحَدًا، بَلْ يُسَاوِي فِيهِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالضَّعِيفِ، وَالْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ، وَالسَّادَةِ وَالْعَبِيدِ، وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالصِّغَارِ وَالْكِبَارِ. ثُمَّ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ-هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ-حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ [عَنْ أَنَسٍ] [[تنبيه: ما بين المعقوفين ليس في أصل مسند أبي يعلى وتفسير عبد الرزاق. وهل من النسخ، وأظنه مقحما. والله أعلم.]] فِي قَوْلِهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُكَلِّمُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) فَكَانَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ. قَالَ قَتَادَةُ: وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ ومعه راية سوداء- يَعْنِي ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ [[مسند أبي يعلى (٥/٤٣١) ، وتفسير عبد الرزاق (٢/٢٨٢) .]] . وَقَالَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِمَّا عَرَضَهُ عَلَيْهِ عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَرْشِدْنِي. قَالَتْ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ. قَالَتْ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُعرض عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَقُولُ: "أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟ ". فَيَقُولُ: لَا. فَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) [[مسند أبي يعلى (٨/٢٦١) ، وتفسير الطبري (٣٠/٣٢) .]] . وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، بِإِسْنَادِهِ، مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أنزلَت (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) .]] . قُلْتُ: كَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ [[الموطأ (١/٢٠٣)]] . ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) قَالَ: بَيْنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاجِي عتبةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأَبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ-وَكَانَ يَتَصَدَّى لَهُمْ كَثِيرًا، وَيَحْرِصُ [[في أ: "ويجعل".]] عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا-فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْمَى-يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-يَمْشِي وَهُوَ يُنَاجِيهِمْ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يَسْتَقْرِئُ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ، وَتَوَلَّى وكَرهَ كَلامَه، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِينَ، فَلَمَّا قَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ نَجْوَاهُ، وَأَخَذَ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، أَمَسَكَ اللَّهُ بَعْضَ بَصَرِهِ، ثُمَّ خَفَق بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِ مَا نَزَلَ، أَكْرَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمَهُ وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا حَاجَتُكَ؟ هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيْءٍ؟ " وَإِذَا ذَهَبَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: "هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ؟ ". وَذَلِكَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) [[تفسير الطبري (٣٠/٣٢) ، ووجه غرابته ما نقله السهيلي في الروض الأنف عن شيخه ابن العربي قال: "قول المفسرين في الذي شغل النبي صلى الله عليه وسلم أنه الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعباس كله باطل، فإن أمية والوليد كانا بمكة، وابن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما، ولا حضرا معه وماتا كافرين، أحدهما قبل الهجرة والآخر في بدر، ولم يقصد أمية المدينة قط، ولا حضر عنده مفردا ولا مع آخر" انتهى.]] . فِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ، وَقَدْ تُكُلّم فِي إِسْنَادِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ". وَهُوَ الْأَعْمَى الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) وَكَانَ يُؤَذِّنُ مَعَ بِلَالٍ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ رَجُلا ضريرَ الْبَصَرِ، فَلَمْ يَكْ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ-حِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى بُزُوغِ الْفَجْرِ-: أذَّن [[أصل الحديث في صحيح مسلم برقم (١٠٩٢) .]] . وَهَكَذَا ذَكَرَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ [[في م: "أنها أنزلت".]] فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُقَالُ: عَمْرٌو. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ، أَوِ الْوَصِيَّةُ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي إِبْلَاغِ الْعِلْمِ مِنْ [[في أ: "بين".]] شَرِيفِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) يَعْنِي: الْقُرْآنَ، (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) أَيْ: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْوَحْيِ؛ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ أَوِ الْعِظَةُ، وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ، بَلْ جَمِيعُ الْقُرْآنِ (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ) أَيْ: مُعَظَّمَةٍ مُوَقَّرَةٍ (مَرْفُوعَةٍ) أَيْ: عَالِيَةِ الْقَدْرِ، (مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: مِنَ الدَّنَسِ وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. * * وَقَوْلُهُ: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّفَرَةُ بِالنَّبَطِيَّةِ: الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ السَّفَرَةَ الْمَلَائِكَةُ، وَالسَّفَرَةُ يَعْنِي بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: السَّفِيرُ: الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الصُّلْحِ وَالْخَيْرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: ومَا أدَعُ السّفَارَة بَين قَومي ... وَما أمْشي بِغِشٍّ إِنْ مَشَيتُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) .]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَفَرةٌ: الْمَلَائِكَةُ. سَفرت: أَصْلَحَتْ بَيْنَهُمْ. وَجَعَلَتِ الملائكةُ إِذَا نَزَلَتْ بوَحْي اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ [[صحيح البخاري (٨/٦٩١) "فتح".]] . * * وَقَوْلُهُ: (كِرَامٍ بَرَرَةٍ) أَيْ: خُلقهم كَرِيمٌ حَسَنٌ شَرِيفٌ، وَأَخْلَاقُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ بَارَّةٌ طَاهِرَةٌ كَامِلَةٌ. وَمِنْ هَاهُنَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ عَلَى السَّدَادِ وَالرَّشَادِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى، عَنِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ". أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، بِهِ [[المسند (٦/٤٨) وصحيح البخاري برقم (٤٩٣٧) وصحيح مسلم برقم (٧٩٨) وسنن أبي داود برقم (١٤٥٤) وسنن الترمذي برقم (٢٩٠٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٧٩) .]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: أما من استغنى بماله فأنت له تتعرّض رجاء أن يُسلِم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ قال: نزلت في العباس. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ قال عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى﴾ يقول: وأي شيء عليك أن لا يتطهَّر من كفره فيُسلم؟ ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى﴾ يقول: وأما هذا الأعمى الذي جاءك سعيا، وهو يخشى الله ويتقيه ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ يقول: فأنت عنه تعرض، وتشاغل عنه بغيره وتغافل. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿كَلا﴾ ما الأمر كما تفعل يا محمد من أن تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدّى لمن استغنى ﴿إنَّها تَذْكِرَة﴾ يقول: إن هذه العظة وهذه السورة تذكرة: يقول: عظة وعبرة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ يقول: فمن شاء من عباد الله ذكره، يقول: ذكر تنزيل الله ووحيه والهاء في قوله: "إنَّها" للسورة، وفي قوله: "ذَكَرَهُ" للتنزيل والوحي. ﴿فِي صُحُفِ﴾ يقول: إنها تذكرة ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ يعني: في اللوح المحفوظ، وهو المرفوع المطهر عند الله. * * وقوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: الصحف المكرّمة بأيدي سفرة، جمع سافر. واختلف أهل التأويل فيهم ما هم؟ فقال بعضهم: هم كَتَبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: كَتَبة. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: الكَتَبة. وقال آخرون: هم القرّاء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: هم القرّاء. وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ يعني: الملائكة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ قال: السَّفَرة: الذين يُحْصون الأعمال. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الملائكة الذين يَسْفِرون بين الله ورسله بالوحي. وسفير القوم: الذي يسعى بينهم بالصلح، يقال: سفرت بين القوم: إذا أصلحت بينهم، ومنه قول الشاعر: ومَا أدَعُ السِّفارَةَ بَين قَوْمي ... ومَا أمْشِي بغِشّ إنْ مَشِيتُ [[الخبر ١٥٧- إسناد صحيح. محمد بن سنان القزاز، شيخ الطبري: تكلموا فيه من أجل حديث واحد. والحق أنه لا بأس به، كما قال الدارقطني. وهو مترجم في التهذيب، وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد ٥: ٣٤٣- ٣٤٦. أبو عاصم: هو النبيل، الضحاك بن مخلد، الحافظ الحجة. شبيب: هو ابن بشر البجلي، ووقع في التهذيب ٤: ٣٠٦ "الحلبي" وهو خطأ مطبعي، صوابه في التاريخ الكبير للبخاري ٢ / ٢ / ٢٣٢ / ٢٣٣ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٥٧- ٣٥٨ والتقريب وغيرها، وهو ثقة، وثقه ابن معين.]] وإذا وُجِّه التأويل إلى ما قلنا، احتمل الوجه الذي قاله القائلون: هم الكَتَبة، والذي قاله القائلون: هم القرّاء لأن الملائكة هي التي تقرأ الكتب، وتَسْفِر بين الله وبين رسله. * * وقوله: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ والبَررَة: جمع بارّ، كما الكفرة جمع كافر، والسحرة جمع ساحر، غير أن المعروف من كلام العرب إذا نطقوا بواحدة أن يقولوا: رجل بر، وامرأة برّة، وإذا جمعوا ردّوه إلى جمع فاعل، كما قالوا: رجل سري، ثم قالوا في جمعه: قوم سراة وكان القياس في واحده أن يكون ساريا، وقد حُكي سماعا من بعض العرب: قوم خِيَرَة بَرَرَة، وواحد الخيرة: خير، والبَررَة: برّ. * * وقوله: ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: لعن الإنسان الكافر ما أكفره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال مجاهد. ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا عبد الحميد الحِماني، عن الأعمش، عن مجاهد قال: ما كان في القرآن قُتِلَ الإنسانُ أو فُعل بالإنسان، فإنما عنِي به: الكافر. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ بلغني أنه: الكافر. وفي قوله: ﴿أكْفَرَهُ﴾ وجهان: أحدهما: التعجب من كفره مع إحسان الله إليه، وأياديه عنده. والآخر: ما الذي أكفره، أي: أيّ شيء أكفره.
entre les mains de messagers issus des anges,
كِرَامٍۭ بَرَرَةٍۢ
nobles, obéissants.
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ عَبَسَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * ذَكَرَ غيرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا يخاطبُ بَعْضَ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ، وَقَدْ طَمع فِي إِسْلَامِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُخَاطِبُهُ وَيُنَاجِيهُ إِذْ أَقْبَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا-فَجَعَلَ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ وَيُلِحُّ عَلَيْهِ، وودَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَوْ كَفَّ سَاعَتَهُ تِلْكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مُخَاطَبَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ؛ طَمَعًا وَرَغْبَةً فِي هِدَايَتِهِ. وعَبَس فِي وَجْهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ زَكَاةٌ وَطَهَارَةٌ فِي نَفْسِهِ. (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ اتِّعَاظٌ وَانْزِجَارٌ عَنِ الْمَحَارِمِ، (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أَيْ: أَمَّا الْغَنِيُّ فَأَنْتَ تَتَعَرَّضُ لَهُ لَعَلَّهُ يَهْتَدِي، (وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) ؟ أَيْ: مَا أَنْتَ بِمُطَالَبٍ بِهِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ زَكَاةٌ. (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى) أَيْ: يَقْصِدُكَ وَيَؤُمُّكَ لِيَهْتَدِيَ بِمَا تَقُولُ لَهُ، (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أَيْ: تَتَشَاغَلُ. وَمِنْ هَاهُنَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ ﷺ أَلَّا يَخُصَّ بِالْإِنْذَارِ أَحَدًا، بَلْ يُسَاوِي فِيهِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالضَّعِيفِ، وَالْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ، وَالسَّادَةِ وَالْعَبِيدِ، وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالصِّغَارِ وَالْكِبَارِ. ثُمَّ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ-هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ-حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ [عَنْ أَنَسٍ] [[تنبيه: ما بين المعقوفين ليس في أصل مسند أبي يعلى وتفسير عبد الرزاق. وهل من النسخ، وأظنه مقحما. والله أعلم.]] فِي قَوْلِهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُكَلِّمُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) فَكَانَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ. قَالَ قَتَادَةُ: وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ ومعه راية سوداء- يَعْنِي ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ [[مسند أبي يعلى (٥/٤٣١) ، وتفسير عبد الرزاق (٢/٢٨٢) .]] . وَقَالَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِمَّا عَرَضَهُ عَلَيْهِ عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَرْشِدْنِي. قَالَتْ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ. قَالَتْ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُعرض عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَقُولُ: "أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟ ". فَيَقُولُ: لَا. فَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) [[مسند أبي يعلى (٨/٢٦١) ، وتفسير الطبري (٣٠/٣٢) .]] . وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، بِإِسْنَادِهِ، مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أنزلَت (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ [[سنن الترمذي برقم (٣٣٢٨) .]] . قُلْتُ: كَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ [[الموطأ (١/٢٠٣)]] . ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) قَالَ: بَيْنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاجِي عتبةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأَبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ-وَكَانَ يَتَصَدَّى لَهُمْ كَثِيرًا، وَيَحْرِصُ [[في أ: "ويجعل".]] عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا-فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْمَى-يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ-يَمْشِي وَهُوَ يُنَاجِيهِمْ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يَسْتَقْرِئُ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ، وَتَوَلَّى وكَرهَ كَلامَه، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِينَ، فَلَمَّا قَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ نَجْوَاهُ، وَأَخَذَ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، أَمَسَكَ اللَّهُ بَعْضَ بَصَرِهِ، ثُمَّ خَفَق بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِ مَا نَزَلَ، أَكْرَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمَهُ وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا حَاجَتُكَ؟ هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيْءٍ؟ " وَإِذَا ذَهَبَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: "هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ؟ ". وَذَلِكَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى) [[تفسير الطبري (٣٠/٣٢) ، ووجه غرابته ما نقله السهيلي في الروض الأنف عن شيخه ابن العربي قال: "قول المفسرين في الذي شغل النبي صلى الله عليه وسلم أنه الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعباس كله باطل، فإن أمية والوليد كانا بمكة، وابن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما، ولا حضرا معه وماتا كافرين، أحدهما قبل الهجرة والآخر في بدر، ولم يقصد أمية المدينة قط، ولا حضر عنده مفردا ولا مع آخر" انتهى.]] . فِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ، وَقَدْ تُكُلّم فِي إِسْنَادِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ". وَهُوَ الْأَعْمَى الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى) وَكَانَ يُؤَذِّنُ مَعَ بِلَالٍ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ رَجُلا ضريرَ الْبَصَرِ، فَلَمْ يَكْ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ-حِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى بُزُوغِ الْفَجْرِ-: أذَّن [[أصل الحديث في صحيح مسلم برقم (١٠٩٢) .]] . وَهَكَذَا ذَكَرَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ [[في م: "أنها أنزلت".]] فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُقَالُ: عَمْرٌو. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ، أَوِ الْوَصِيَّةُ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي إِبْلَاغِ الْعِلْمِ مِنْ [[في أ: "بين".]] شَرِيفِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) يَعْنِي: الْقُرْآنَ، (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) أَيْ: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ. وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْوَحْيِ؛ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. * * وَقَوْلُهُ: (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: هَذِهِ السُّورَةُ أَوِ الْعِظَةُ، وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ، بَلْ جَمِيعُ الْقُرْآنِ (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ) أَيْ: مُعَظَّمَةٍ مُوَقَّرَةٍ (مَرْفُوعَةٍ) أَيْ: عَالِيَةِ الْقَدْرِ، (مُطَهَّرَةٍ) أَيْ: مِنَ الدَّنَسِ وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. * * وَقَوْلُهُ: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّفَرَةُ بِالنَّبَطِيَّةِ: الْقُرَّاءُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ السَّفَرَةَ الْمَلَائِكَةُ، وَالسَّفَرَةُ يَعْنِي بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: السَّفِيرُ: الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الصُّلْحِ وَالْخَيْرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: ومَا أدَعُ السّفَارَة بَين قَومي ... وَما أمْشي بِغِشٍّ إِنْ مَشَيتُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) .]] وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَفَرةٌ: الْمَلَائِكَةُ. سَفرت: أَصْلَحَتْ بَيْنَهُمْ. وَجَعَلَتِ الملائكةُ إِذَا نَزَلَتْ بوَحْي اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ [[صحيح البخاري (٨/٦٩١) "فتح".]] . * * وَقَوْلُهُ: (كِرَامٍ بَرَرَةٍ) أَيْ: خُلقهم كَرِيمٌ حَسَنٌ شَرِيفٌ، وَأَخْلَاقُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ بَارَّةٌ طَاهِرَةٌ كَامِلَةٌ. وَمِنْ هَاهُنَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ عَلَى السَّدَادِ وَالرَّشَادِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى، عَنِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ". أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، بِهِ [[المسند (٦/٤٨) وصحيح البخاري برقم (٤٩٣٧) وصحيح مسلم برقم (٧٩٨) وسنن أبي داود برقم (١٤٥٤) وسنن الترمذي برقم (٢٩٠٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٤٧) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٧٩) .]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: أما من استغنى بماله فأنت له تتعرّض رجاء أن يُسلِم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ قال: نزلت في العباس. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ قال عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى﴾ يقول: وأي شيء عليك أن لا يتطهَّر من كفره فيُسلم؟ ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى﴾ يقول: وأما هذا الأعمى الذي جاءك سعيا، وهو يخشى الله ويتقيه ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ يقول: فأنت عنه تعرض، وتشاغل عنه بغيره وتغافل. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿كَلا﴾ ما الأمر كما تفعل يا محمد من أن تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدّى لمن استغنى ﴿إنَّها تَذْكِرَة﴾ يقول: إن هذه العظة وهذه السورة تذكرة: يقول: عظة وعبرة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ يقول: فمن شاء من عباد الله ذكره، يقول: ذكر تنزيل الله ووحيه والهاء في قوله: "إنَّها" للسورة، وفي قوله: "ذَكَرَهُ" للتنزيل والوحي. ﴿فِي صُحُفِ﴾ يقول: إنها تذكرة ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ يعني: في اللوح المحفوظ، وهو المرفوع المطهر عند الله. * * وقوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: الصحف المكرّمة بأيدي سفرة، جمع سافر. واختلف أهل التأويل فيهم ما هم؟ فقال بعضهم: هم كَتَبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: كَتَبة. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: الكَتَبة. وقال آخرون: هم القرّاء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: هم القرّاء. وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ يعني: الملائكة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ قال: السَّفَرة: الذين يُحْصون الأعمال. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الملائكة الذين يَسْفِرون بين الله ورسله بالوحي. وسفير القوم: الذي يسعى بينهم بالصلح، يقال: سفرت بين القوم: إذا أصلحت بينهم، ومنه قول الشاعر: ومَا أدَعُ السِّفارَةَ بَين قَوْمي ... ومَا أمْشِي بغِشّ إنْ مَشِيتُ [[الخبر ١٥٧- إسناد صحيح. محمد بن سنان القزاز، شيخ الطبري: تكلموا فيه من أجل حديث واحد. والحق أنه لا بأس به، كما قال الدارقطني. وهو مترجم في التهذيب، وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد ٥: ٣٤٣- ٣٤٦. أبو عاصم: هو النبيل، الضحاك بن مخلد، الحافظ الحجة. شبيب: هو ابن بشر البجلي، ووقع في التهذيب ٤: ٣٠٦ "الحلبي" وهو خطأ مطبعي، صوابه في التاريخ الكبير للبخاري ٢ / ٢ / ٢٣٢ / ٢٣٣ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٥٧- ٣٥٨ والتقريب وغيرها، وهو ثقة، وثقه ابن معين.]] وإذا وُجِّه التأويل إلى ما قلنا، احتمل الوجه الذي قاله القائلون: هم الكَتَبة، والذي قاله القائلون: هم القرّاء لأن الملائكة هي التي تقرأ الكتب، وتَسْفِر بين الله وبين رسله. * * وقوله: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ والبَررَة: جمع بارّ، كما الكفرة جمع كافر، والسحرة جمع ساحر، غير أن المعروف من كلام العرب إذا نطقوا بواحدة أن يقولوا: رجل بر، وامرأة برّة، وإذا جمعوا ردّوه إلى جمع فاعل، كما قالوا: رجل سري، ثم قالوا في جمعه: قوم سراة وكان القياس في واحده أن يكون ساريا، وقد حُكي سماعا من بعض العرب: قوم خِيَرَة بَرَرَة، وواحد الخيرة: خير، والبَررَة: برّ. * * وقوله: ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: لعن الإنسان الكافر ما أكفره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال مجاهد. ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا عبد الحميد الحِماني، عن الأعمش، عن مجاهد قال: ما كان في القرآن قُتِلَ الإنسانُ أو فُعل بالإنسان، فإنما عنِي به: الكافر. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ بلغني أنه: الكافر. وفي قوله: ﴿أكْفَرَهُ﴾ وجهان: أحدهما: التعجب من كفره مع إحسان الله إليه، وأياديه عنده. والآخر: ما الذي أكفره، أي: أيّ شيء أكفره.
nobles pour leur Seigneur et accomplissant de nombreux actes d’obéissance.
قُتِلَ ٱلْإِنسَٰنُ مَآ أَكْفَرَهُۥ
Que périsse l'homme! Qu'il est ingrat!
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ مِنْ بَنِي آدَمَ: (قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (قُتِلَ الإنْسَانُ) لُعِنَ الْإِنْسَانُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو مَالِكٍ. وَهَذَا لِجِنْسِ الْإِنْسَانِ الْمُكَذِّبِ؛ لِكَثْرَةِ تَكْذِيبِهِ بِلَا مُسْتَنَدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعَادِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ابن جريح"]] (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ! وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَهُ كَافِرًا؟ أَيْ: مَا حَمَلَهُ عَلَى التَّكْذِيبِ بِالْمَعَادِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) ، وقد تصرف الحافظ هنا في كلامه]] . وَقَالَ قَتَادَةُ-وَقَدْ حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ عَنْ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ-: (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَلْعَنَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى لَهُ كَيْفَ خَلَقَهُ مِنَ الشَّيْءِ الْحَقِيرِ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ كَمَا بَدَأَهُ، فَقَالَ: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) أَيْ: قَدَّرَ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ يَسَّرَ عَلَيْهِ خُرُوجَهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣] أَيْ: بَيَّنَّا [[في أ: "أي بيناه"]] لَهُ وَوَضَّحْنَاهُ وَسَهَّلْنَا عَلَيْهِ عَمَلَهُ [[في أ: "عمله".]] وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ زَيْدٍ. وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: إِنَّهُ بَعْدَ خَلْقِهِ لَهُ (أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: جَعَلَهُ ذَا قَبْرٍ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: "قَبَرْتُ الرَّجُلَ": إِذَا وَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَقْبَرَهُ اللَّهُ. وَعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ، وَأَعْضَبَهُ اللَّهُ، وَبَتَرْتُ ذَنَبَ الْبَعِيرِ وَأَبْتَرَهُ اللَّهُ. وَطَرَدْتُ عَنِّي فُلَانًا، وَأَطْرَدَهُ اللَّهُ، أَيْ: جَعَلَهُ طَرِيدًا قَالَ الْأَعْشَى: لَو أسْنَدَتْ مَيتًا إِلَى نَحْرها [[في م، أ: "إلى صدرها".]] عَاش، وَلم يُنقَل إلى قَابِر [[البيت في تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٠] ، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٩] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أصبغُ بنُ الفَرج، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنْ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَأْكُلُ الترابُ كلَّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبُ ذَنَبه [[في أ: "إلا عجز الذنب".]] قِيلَ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ يُنْشَئُونَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٦٠٩) من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب به، وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" قلت: دراج عن أبي الهيثم ضعيف.]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلَفْظُهُ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلى إِلَّا عَجْبُ الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُركَّب" [[صحيح البخاري برقم (٤٨١٤) ، وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: كَلَّا لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَذَا الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ؛ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) يَقُولُ: لَمْ يُؤد مَا فُرض عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ رَوَى-هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ-مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ: لَا يَقْضِي أَحَدٌ أَبَدًا كُلَّ مَا افتُرض عَلَيْهِ. وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا. وَلَمْ أَجِدْ لِلْمُتَقَدِّمِينَ فِيهِ كَلامًا سِوَى هَذَا. وَالَّذِي يَقَعُ لِي فِي مَعْنَى ذَلِكَ-وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْمَعْنَى: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ، (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) [أَيْ] [[زيادة من م، أ.]] لَا يَفْعَلُهُ الْآنَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، وَيَفْرَغَ الْقَدَرُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِمَّنْ كَتَبَ تَعَالَى [[في م: "ممن كتب الله".]] لَهُ أَنْ سيُوجَدُ مِنْهُمْ، وَيُخْرَجُ إِلَى الدُّنْيَا، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ تَعَالَى كَوْنًا وَقَدَرًا، فَإِذَا تَنَاهَى ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْشَرَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ وَأَعَادَهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ. وَقَدْ رَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: قَالَ عُزَير، عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَالَ الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي: فَإِنَّ الْقُبُورَ هِيَ بطنُ الْأَرْضِ، وَإِنَّ الْأَرْضَ هِيَ أُمُّ الْخَلْقِ، فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ مَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ وَتَمَّتْ هَذِهِ القبورُ الَّتِي مَدّ اللَّهُ لَهَا، انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا وَمَاتَ مَنْ عَلَيْهَا، وَلَفَظَتِ الْأَرْضُ مَا فِي جَوْفِهَا، وَأَخْرَجَتِ القبورُ مَا فِيهَا، وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ، وَاللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ: [[في أ: "وقوله".]] (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) فِيهِ امْتِنَانٌ، وَفِيهِ اسْتِدْلَالٌ بِإِحْيَاءِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَامِ بَعْدَمَا كَانَتْ عَظَاما بَالِيَةً وَتُرَابًا مُتَمَزِّقًا، (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، (ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا) أَيْ: أَسْكَنَاهُ فِيهَا فَدَخَلَ فِي تُخُومها وتَخَلَّل فِي أَجْزَاءِ الْحَبِّ المودعَ فِيهَا فَنَبَتَ وَارْتَفَعَ وَظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا) فَالْحَبُّ: كُلُّ مَا يُذْكَرُ مِنَ الْحُبُوبِ، وَالْعِنَبُ مَعْرُوفٌ وَالْقَضْبُ هُوَ: الْفَصْفَصَةُ الَّتِي تَأْكُلُهَا الدَّوَابُّ رَطْبَةٌ. وَيُقَالُ لَهَا: القَتّ أَيْضًا قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ. وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْقَضْبُ الْعَلَفُ. (وَزَيْتُونًا) وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أدْمٌ وَعَصِيرُهُ أُدْمٌ، وَيُسْتَصْبَحُ بِهِ، وَيُدَّهَنُ بِهِ. (وَنَخْلا) يُؤْكَلُ بَلَحًا بُسْرًا، وَرُطَبًا، وَتَمْرًا، وَنِيئًا، وَمَطْبُوخًا، وَيُعْتَصَرُ مِنْهُ رُبٌّ وَخَلٌّ. (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أي: بساتين. قال الحسن، وقتادة: (َ غُلْبًا) نَخْلٌ غِلَاظٌ كِرَامٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: "الْحَدَائِقُ": كُلُّ مَا الْتَفَّ وَاجْتَمَعَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: (غُلْبًا) [[في م: "الغلب".]] الشَّجَرُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أَيْ: طِوَالٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: (غُلْبًا) أَيْ: غِلَاظُ الْأَوْسَاطِ. وَفِي رِوَايَةٍ: غِلَاظُ الرِّقَابِ [[في م: "الأرقاب".]] ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الرَّجُلِ إِذَا كَانَ غَلِيظَ الرَّقَبَةِ قِيلَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَغْلَبُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِلْفَرَزْدَقِ: عَوَى فَأثارَ أغلبَ ضَيْغَمِيًا ... فَويلَ ابْنَ المَراغَة مَا استَثَارا [[تفسير الطبري (٣٠/٣٧)]] * * وَقَوْلُهُ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) أَمَّا الْفَاكِهَةُ فَهُوَ مَا يَتَفَكَّهُ بِهِ مِنَ الثِّمَارِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَاكِهَةُ: كُلُّ مَا أُكِلَ رَطْبًا. وَالْأَبُّ مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ-وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ: هُوَ الْحَشِيشُ لِلْبَهَائِمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو مَالِكٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ زَيْدٍ: الْأَبُّ لِلْبَهَائِمِ كَالْفَاكِهَةِ لِبَنِي آدَمَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: كُلُّ شَيْءٍ نَبَتَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَيْءٍ أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ سِوَى الْفَاكِهَةِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: نَبْتُ الْأَرْضِ مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: عَدَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: الْأَبُّ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ لِلْأَنْعَامِ. هَذَا لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ، وَقَالَ أَبُو السَّائِبِ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَتَأْكُلُ الْأَنْعَامُ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ وَالْمَرْعَى. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوشَب، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمي قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِنْ قلتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ [[فضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٢٢٧) ، وسبق الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَالصِّدِّيقِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فَلَمَّا أَتَيَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) قَالَ: عَرَفْنَا مَا الْفَاكِهَةُ، فَمَا الْأَبُّ؟ فَقَالَ: لَعَمْرُكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٨) ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/١٨٠) من طريق يزيد به، وتقدم الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . فَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ أَنَسٍ، بِهِ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ شَكْلَهُ وَجِنْسَهُ وَعَيْنَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ وَكُلُّ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، لِقَوْلِهِ: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) * * وَقَوْلُهُ: (مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ) أَيْ: عِيشَةً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: أما من استغنى بماله فأنت له تتعرّض رجاء أن يُسلِم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ قال: نزلت في العباس. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ قال عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى﴾ يقول: وأي شيء عليك أن لا يتطهَّر من كفره فيُسلم؟ ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى﴾ يقول: وأما هذا الأعمى الذي جاءك سعيا، وهو يخشى الله ويتقيه ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ يقول: فأنت عنه تعرض، وتشاغل عنه بغيره وتغافل. * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿كَلا﴾ ما الأمر كما تفعل يا محمد من أن تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدّى لمن استغنى ﴿إنَّها تَذْكِرَة﴾ يقول: إن هذه العظة وهذه السورة تذكرة: يقول: عظة وعبرة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ يقول: فمن شاء من عباد الله ذكره، يقول: ذكر تنزيل الله ووحيه والهاء في قوله: "إنَّها" للسورة، وفي قوله: "ذَكَرَهُ" للتنزيل والوحي. ﴿فِي صُحُفِ﴾ يقول: إنها تذكرة ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ يعني: في اللوح المحفوظ، وهو المرفوع المطهر عند الله. * * وقوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: الصحف المكرّمة بأيدي سفرة، جمع سافر. واختلف أهل التأويل فيهم ما هم؟ فقال بعضهم: هم كَتَبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ يقول: كَتَبة. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: الكَتَبة. وقال آخرون: هم القرّاء. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال: هم القرّاء. وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ يعني: الملائكة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ قال: السَّفَرة: الذين يُحْصون الأعمال. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الملائكة الذين يَسْفِرون بين الله ورسله بالوحي. وسفير القوم: الذي يسعى بينهم بالصلح، يقال: سفرت بين القوم: إذا أصلحت بينهم، ومنه قول الشاعر: ومَا أدَعُ السِّفارَةَ بَين قَوْمي ... ومَا أمْشِي بغِشّ إنْ مَشِيتُ [[الخبر ١٥٧- إسناد صحيح. محمد بن سنان القزاز، شيخ الطبري: تكلموا فيه من أجل حديث واحد. والحق أنه لا بأس به، كما قال الدارقطني. وهو مترجم في التهذيب، وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد ٥: ٣٤٣- ٣٤٦. أبو عاصم: هو النبيل، الضحاك بن مخلد، الحافظ الحجة. شبيب: هو ابن بشر البجلي، ووقع في التهذيب ٤: ٣٠٦ "الحلبي" وهو خطأ مطبعي، صوابه في التاريخ الكبير للبخاري ٢ / ٢ / ٢٣٢ / ٢٣٣ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٥٧- ٣٥٨ والتقريب وغيرها، وهو ثقة، وثقه ابن معين.]] وإذا وُجِّه التأويل إلى ما قلنا، احتمل الوجه الذي قاله القائلون: هم الكَتَبة، والذي قاله القائلون: هم القرّاء لأن الملائكة هي التي تقرأ الكتب، وتَسْفِر بين الله وبين رسله. * * وقوله: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ والبَررَة: جمع بارّ، كما الكفرة جمع كافر، والسحرة جمع ساحر، غير أن المعروف من كلام العرب إذا نطقوا بواحدة أن يقولوا: رجل بر، وامرأة برّة، وإذا جمعوا ردّوه إلى جمع فاعل، كما قالوا: رجل سري، ثم قالوا في جمعه: قوم سراة وكان القياس في واحده أن يكون ساريا، وقد حُكي سماعا من بعض العرب: قوم خِيَرَة بَرَرَة، وواحد الخيرة: خير، والبَررَة: برّ. * * وقوله: ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: لعن الإنسان الكافر ما أكفره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال مجاهد. ⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا عبد الحميد الحِماني، عن الأعمش، عن مجاهد قال: ما كان في القرآن قُتِلَ الإنسانُ أو فُعل بالإنسان، فإنما عنِي به: الكافر. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ بلغني أنه: الكافر. وفي قوله: ﴿أكْفَرَهُ﴾ وجهان: أحدهما: التعجب من كفره مع إحسان الله إليه، وأياديه عنده. والآخر: ما الذي أكفره، أي: أيّ شيء أكفره.
Que l’être humain mécréant soit maudit pour sa grande mécréance!
مِنْ أَىِّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ
De quoi [Allah] l'a-t-Il créé?
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ مِنْ بَنِي آدَمَ: (قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (قُتِلَ الإنْسَانُ) لُعِنَ الْإِنْسَانُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو مَالِكٍ. وَهَذَا لِجِنْسِ الْإِنْسَانِ الْمُكَذِّبِ؛ لِكَثْرَةِ تَكْذِيبِهِ بِلَا مُسْتَنَدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعَادِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ابن جريح"]] (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ! وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَهُ كَافِرًا؟ أَيْ: مَا حَمَلَهُ عَلَى التَّكْذِيبِ بِالْمَعَادِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) ، وقد تصرف الحافظ هنا في كلامه]] . وَقَالَ قَتَادَةُ-وَقَدْ حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ عَنْ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ-: (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَلْعَنَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى لَهُ كَيْفَ خَلَقَهُ مِنَ الشَّيْءِ الْحَقِيرِ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ كَمَا بَدَأَهُ، فَقَالَ: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) أَيْ: قَدَّرَ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ يَسَّرَ عَلَيْهِ خُرُوجَهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣] أَيْ: بَيَّنَّا [[في أ: "أي بيناه"]] لَهُ وَوَضَّحْنَاهُ وَسَهَّلْنَا عَلَيْهِ عَمَلَهُ [[في أ: "عمله".]] وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ زَيْدٍ. وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: إِنَّهُ بَعْدَ خَلْقِهِ لَهُ (أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: جَعَلَهُ ذَا قَبْرٍ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: "قَبَرْتُ الرَّجُلَ": إِذَا وَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَقْبَرَهُ اللَّهُ. وَعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ، وَأَعْضَبَهُ اللَّهُ، وَبَتَرْتُ ذَنَبَ الْبَعِيرِ وَأَبْتَرَهُ اللَّهُ. وَطَرَدْتُ عَنِّي فُلَانًا، وَأَطْرَدَهُ اللَّهُ، أَيْ: جَعَلَهُ طَرِيدًا قَالَ الْأَعْشَى: لَو أسْنَدَتْ مَيتًا إِلَى نَحْرها [[في م، أ: "إلى صدرها".]] عَاش، وَلم يُنقَل إلى قَابِر [[البيت في تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٠] ، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٩] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أصبغُ بنُ الفَرج، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنْ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَأْكُلُ الترابُ كلَّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبُ ذَنَبه [[في أ: "إلا عجز الذنب".]] قِيلَ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ يُنْشَئُونَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٦٠٩) من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب به، وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" قلت: دراج عن أبي الهيثم ضعيف.]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلَفْظُهُ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلى إِلَّا عَجْبُ الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُركَّب" [[صحيح البخاري برقم (٤٨١٤) ، وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: كَلَّا لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَذَا الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ؛ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) يَقُولُ: لَمْ يُؤد مَا فُرض عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ رَوَى-هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ-مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ: لَا يَقْضِي أَحَدٌ أَبَدًا كُلَّ مَا افتُرض عَلَيْهِ. وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا. وَلَمْ أَجِدْ لِلْمُتَقَدِّمِينَ فِيهِ كَلامًا سِوَى هَذَا. وَالَّذِي يَقَعُ لِي فِي مَعْنَى ذَلِكَ-وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْمَعْنَى: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ، (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) [أَيْ] [[زيادة من م، أ.]] لَا يَفْعَلُهُ الْآنَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، وَيَفْرَغَ الْقَدَرُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِمَّنْ كَتَبَ تَعَالَى [[في م: "ممن كتب الله".]] لَهُ أَنْ سيُوجَدُ مِنْهُمْ، وَيُخْرَجُ إِلَى الدُّنْيَا، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ تَعَالَى كَوْنًا وَقَدَرًا، فَإِذَا تَنَاهَى ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْشَرَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ وَأَعَادَهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ. وَقَدْ رَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: قَالَ عُزَير، عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَالَ الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي: فَإِنَّ الْقُبُورَ هِيَ بطنُ الْأَرْضِ، وَإِنَّ الْأَرْضَ هِيَ أُمُّ الْخَلْقِ، فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ مَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ وَتَمَّتْ هَذِهِ القبورُ الَّتِي مَدّ اللَّهُ لَهَا، انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا وَمَاتَ مَنْ عَلَيْهَا، وَلَفَظَتِ الْأَرْضُ مَا فِي جَوْفِهَا، وَأَخْرَجَتِ القبورُ مَا فِيهَا، وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ، وَاللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ: [[في أ: "وقوله".]] (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) فِيهِ امْتِنَانٌ، وَفِيهِ اسْتِدْلَالٌ بِإِحْيَاءِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَامِ بَعْدَمَا كَانَتْ عَظَاما بَالِيَةً وَتُرَابًا مُتَمَزِّقًا، (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، (ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا) أَيْ: أَسْكَنَاهُ فِيهَا فَدَخَلَ فِي تُخُومها وتَخَلَّل فِي أَجْزَاءِ الْحَبِّ المودعَ فِيهَا فَنَبَتَ وَارْتَفَعَ وَظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا) فَالْحَبُّ: كُلُّ مَا يُذْكَرُ مِنَ الْحُبُوبِ، وَالْعِنَبُ مَعْرُوفٌ وَالْقَضْبُ هُوَ: الْفَصْفَصَةُ الَّتِي تَأْكُلُهَا الدَّوَابُّ رَطْبَةٌ. وَيُقَالُ لَهَا: القَتّ أَيْضًا قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ. وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْقَضْبُ الْعَلَفُ. (وَزَيْتُونًا) وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أدْمٌ وَعَصِيرُهُ أُدْمٌ، وَيُسْتَصْبَحُ بِهِ، وَيُدَّهَنُ بِهِ. (وَنَخْلا) يُؤْكَلُ بَلَحًا بُسْرًا، وَرُطَبًا، وَتَمْرًا، وَنِيئًا، وَمَطْبُوخًا، وَيُعْتَصَرُ مِنْهُ رُبٌّ وَخَلٌّ. (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أي: بساتين. قال الحسن، وقتادة: (َ غُلْبًا) نَخْلٌ غِلَاظٌ كِرَامٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: "الْحَدَائِقُ": كُلُّ مَا الْتَفَّ وَاجْتَمَعَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: (غُلْبًا) [[في م: "الغلب".]] الشَّجَرُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أَيْ: طِوَالٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: (غُلْبًا) أَيْ: غِلَاظُ الْأَوْسَاطِ. وَفِي رِوَايَةٍ: غِلَاظُ الرِّقَابِ [[في م: "الأرقاب".]] ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الرَّجُلِ إِذَا كَانَ غَلِيظَ الرَّقَبَةِ قِيلَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَغْلَبُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِلْفَرَزْدَقِ: عَوَى فَأثارَ أغلبَ ضَيْغَمِيًا ... فَويلَ ابْنَ المَراغَة مَا استَثَارا [[تفسير الطبري (٣٠/٣٧)]] * * وَقَوْلُهُ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) أَمَّا الْفَاكِهَةُ فَهُوَ مَا يَتَفَكَّهُ بِهِ مِنَ الثِّمَارِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَاكِهَةُ: كُلُّ مَا أُكِلَ رَطْبًا. وَالْأَبُّ مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ-وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ: هُوَ الْحَشِيشُ لِلْبَهَائِمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو مَالِكٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ زَيْدٍ: الْأَبُّ لِلْبَهَائِمِ كَالْفَاكِهَةِ لِبَنِي آدَمَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: كُلُّ شَيْءٍ نَبَتَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَيْءٍ أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ سِوَى الْفَاكِهَةِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: نَبْتُ الْأَرْضِ مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: عَدَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: الْأَبُّ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ لِلْأَنْعَامِ. هَذَا لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ، وَقَالَ أَبُو السَّائِبِ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَتَأْكُلُ الْأَنْعَامُ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ وَالْمَرْعَى. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوشَب، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمي قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِنْ قلتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ [[فضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٢٢٧) ، وسبق الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَالصِّدِّيقِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فَلَمَّا أَتَيَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) قَالَ: عَرَفْنَا مَا الْفَاكِهَةُ، فَمَا الْأَبُّ؟ فَقَالَ: لَعَمْرُكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٨) ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/١٨٠) من طريق يزيد به، وتقدم الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . فَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ أَنَسٍ، بِهِ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ شَكْلَهُ وَجِنْسَهُ وَعَيْنَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ وَكُلُّ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، لِقَوْلِهِ: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) * * وَقَوْلُهُ: (مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ) أَيْ: عِيشَةً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) ﴾ . يقول تعالى ذكره: من أي شيء خلق الإنسان الكافر ربه حتي يتكبر ويتعظم عن طاعة ربه، والإقرار بتوحيده. ثم بين جلّ ثناؤه الذي منه خلقه، فقال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أحوالا نطفة تارة، ثم عَلَقة أخرى، ثم مُضغة، إلى أن أتت عليه أحواله وهو في رحم أمه. ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ يقول: ثم يسَّره للسبيل، يعني للطريق. واختلف أهل التأويل في السبيل الذي يسَّره لها، فقال بعضهم: هو خروجه من بطن أمه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ يعني بذلك: خروجه من بطن أمه يسَّره له. ⁕ حدثني ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: سبيل الرحم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن السديّ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: أخرجه من بطن أمه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: خروجه من بطن أمه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: أخرجه من بطن أمه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: طريق الحق والباطل، بيَّناه له وأعلمناه، وسهلنا له العمل به. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: هو كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ . ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: على نحو ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: سبيل الشقاء والسعادة، وهو كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: قال الحسن، في قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: سبيل الخير. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: هداه للإسلام الذي يسَّره له، وأعلمه به، والسبيل سبيل الإسلام. وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: ثم الطريق، وهو الخروج من بطن أمه يسَّره. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب، لأنه أشبههما بظاهر الآية، وذلك أن الخبر من الله قبلها وبعدها عن صفته خلقه وتدبيره جسمه، وتصريفه إياه في الأحوال، فالأولى أن يكون أوسط ذلك نظير ما قبله وما بعده. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ يقول: ثم قَبَضَ رُوحه، فأماته بعد ذلك. يعني بقوله: ﴿أَقْبَرَهُ﴾ صيره ذا قبر، والقابر: هو الدافن الميت بيده، كما قال الأعشى: لَوْ أسْنَدَتْ مَيْتا إلى نَحْرِها ... عاشَ وَلمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ [[الخبر ١٥٨- إسناده حسن على الأقل، لأن عطاء بن السائب تغير حفظه في آخر عمره، وقيس بن الربيع قديم، لعله سمع منه قبل الاختلاط، ولكن لم نتبين ذلك بدليل صريح. ووقع في هذا الإسناد خطأ في المطبوع "حدثنا مصعب"، وصوابه من المخطوطة "حدثنا محمد بن مصعب"، وهو القرقساني، كما مضى في الإسناد ١٥٤.]] والمقبر: هو الله، الذي أمر عباده أن يقبروه بعد وفاته، فصيره ذا قبر. والعرب تقول فيما ذُكر لي: بترت ذنَب البعير، والله أبتره، وعضبت قَرنَ الثور، والله أعضبه؛ وطردت عني فلانا، والله أطرده، صيره طريدا. * * وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يقول: ثم إذا شاء الله أنشره بعد مماته وأحياه، يقال: أنشر الله الميت بمعنى: أحياه، ونشر الميت بمعنى حيى هو بنفسه، ومنه قول الأعشى: حتى يَقُولَ النَّاسُ مِمَّا رأوْا ... يا عَجَبا لِلْمَيِّتِ النَّاشرِ [[الخبر ١٥٩- إسناده حسن كالذي قبله. وأبو أحمد الزبيري: هو محمد بن عبد الله ابن الزبير الأسدي، من الثقات الكبار، من شيوخ أحمد بن حنبل وغيره من الحفاظ. وقيس: هو ابن الربيع. وهذه الأخبار الثلاثة ١٥٧- ١٥٩، ولفظها واحد، ذكرها ابن كثير ١: ٤٤ خبرًا واحدًا دون إسناد. وذكرها السيوطي في الدر المنثور ١: ١٣ خبرًا واحدًا ونسبه إلى "الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وصححه، عن ابن عباس".]] * * وقوله: ﴿كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: كلا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر من أنه قد أدّى حقّ الله عليه، في نفسه وماله، ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ لم يؤدّ ما فرض عليه من الفرائض ربُّه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ قال: لا يقضي أحد أبدًا ما افتُرِض عليه. وقال الحارث: كلّ ما افترض عليه.
De quoi Allah l’a-t-il créé pour qu’il se conduise orgueilleusement sur Terre et qu’il mécroie en Lui?
مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ
D'une goutte de sperme, Il le crée et détermine (son destin):
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ مِنْ بَنِي آدَمَ: (قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (قُتِلَ الإنْسَانُ) لُعِنَ الْإِنْسَانُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو مَالِكٍ. وَهَذَا لِجِنْسِ الْإِنْسَانِ الْمُكَذِّبِ؛ لِكَثْرَةِ تَكْذِيبِهِ بِلَا مُسْتَنَدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعَادِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ابن جريح"]] (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ! وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَهُ كَافِرًا؟ أَيْ: مَا حَمَلَهُ عَلَى التَّكْذِيبِ بِالْمَعَادِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) ، وقد تصرف الحافظ هنا في كلامه]] . وَقَالَ قَتَادَةُ-وَقَدْ حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ عَنْ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ-: (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَلْعَنَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى لَهُ كَيْفَ خَلَقَهُ مِنَ الشَّيْءِ الْحَقِيرِ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ كَمَا بَدَأَهُ، فَقَالَ: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) أَيْ: قَدَّرَ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ يَسَّرَ عَلَيْهِ خُرُوجَهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣] أَيْ: بَيَّنَّا [[في أ: "أي بيناه"]] لَهُ وَوَضَّحْنَاهُ وَسَهَّلْنَا عَلَيْهِ عَمَلَهُ [[في أ: "عمله".]] وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ زَيْدٍ. وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: إِنَّهُ بَعْدَ خَلْقِهِ لَهُ (أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: جَعَلَهُ ذَا قَبْرٍ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: "قَبَرْتُ الرَّجُلَ": إِذَا وَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَقْبَرَهُ اللَّهُ. وَعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ، وَأَعْضَبَهُ اللَّهُ، وَبَتَرْتُ ذَنَبَ الْبَعِيرِ وَأَبْتَرَهُ اللَّهُ. وَطَرَدْتُ عَنِّي فُلَانًا، وَأَطْرَدَهُ اللَّهُ، أَيْ: جَعَلَهُ طَرِيدًا قَالَ الْأَعْشَى: لَو أسْنَدَتْ مَيتًا إِلَى نَحْرها [[في م، أ: "إلى صدرها".]] عَاش، وَلم يُنقَل إلى قَابِر [[البيت في تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٠] ، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٩] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أصبغُ بنُ الفَرج، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنْ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَأْكُلُ الترابُ كلَّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبُ ذَنَبه [[في أ: "إلا عجز الذنب".]] قِيلَ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ يُنْشَئُونَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٦٠٩) من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب به، وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" قلت: دراج عن أبي الهيثم ضعيف.]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلَفْظُهُ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلى إِلَّا عَجْبُ الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُركَّب" [[صحيح البخاري برقم (٤٨١٤) ، وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: كَلَّا لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَذَا الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ؛ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) يَقُولُ: لَمْ يُؤد مَا فُرض عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ رَوَى-هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ-مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ: لَا يَقْضِي أَحَدٌ أَبَدًا كُلَّ مَا افتُرض عَلَيْهِ. وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا. وَلَمْ أَجِدْ لِلْمُتَقَدِّمِينَ فِيهِ كَلامًا سِوَى هَذَا. وَالَّذِي يَقَعُ لِي فِي مَعْنَى ذَلِكَ-وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْمَعْنَى: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ، (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) [أَيْ] [[زيادة من م، أ.]] لَا يَفْعَلُهُ الْآنَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، وَيَفْرَغَ الْقَدَرُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِمَّنْ كَتَبَ تَعَالَى [[في م: "ممن كتب الله".]] لَهُ أَنْ سيُوجَدُ مِنْهُمْ، وَيُخْرَجُ إِلَى الدُّنْيَا، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ تَعَالَى كَوْنًا وَقَدَرًا، فَإِذَا تَنَاهَى ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْشَرَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ وَأَعَادَهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ. وَقَدْ رَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: قَالَ عُزَير، عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَالَ الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي: فَإِنَّ الْقُبُورَ هِيَ بطنُ الْأَرْضِ، وَإِنَّ الْأَرْضَ هِيَ أُمُّ الْخَلْقِ، فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ مَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ وَتَمَّتْ هَذِهِ القبورُ الَّتِي مَدّ اللَّهُ لَهَا، انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا وَمَاتَ مَنْ عَلَيْهَا، وَلَفَظَتِ الْأَرْضُ مَا فِي جَوْفِهَا، وَأَخْرَجَتِ القبورُ مَا فِيهَا، وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ، وَاللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ: [[في أ: "وقوله".]] (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) فِيهِ امْتِنَانٌ، وَفِيهِ اسْتِدْلَالٌ بِإِحْيَاءِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَامِ بَعْدَمَا كَانَتْ عَظَاما بَالِيَةً وَتُرَابًا مُتَمَزِّقًا، (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، (ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا) أَيْ: أَسْكَنَاهُ فِيهَا فَدَخَلَ فِي تُخُومها وتَخَلَّل فِي أَجْزَاءِ الْحَبِّ المودعَ فِيهَا فَنَبَتَ وَارْتَفَعَ وَظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا) فَالْحَبُّ: كُلُّ مَا يُذْكَرُ مِنَ الْحُبُوبِ، وَالْعِنَبُ مَعْرُوفٌ وَالْقَضْبُ هُوَ: الْفَصْفَصَةُ الَّتِي تَأْكُلُهَا الدَّوَابُّ رَطْبَةٌ. وَيُقَالُ لَهَا: القَتّ أَيْضًا قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ. وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْقَضْبُ الْعَلَفُ. (وَزَيْتُونًا) وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أدْمٌ وَعَصِيرُهُ أُدْمٌ، وَيُسْتَصْبَحُ بِهِ، وَيُدَّهَنُ بِهِ. (وَنَخْلا) يُؤْكَلُ بَلَحًا بُسْرًا، وَرُطَبًا، وَتَمْرًا، وَنِيئًا، وَمَطْبُوخًا، وَيُعْتَصَرُ مِنْهُ رُبٌّ وَخَلٌّ. (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أي: بساتين. قال الحسن، وقتادة: (َ غُلْبًا) نَخْلٌ غِلَاظٌ كِرَامٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: "الْحَدَائِقُ": كُلُّ مَا الْتَفَّ وَاجْتَمَعَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: (غُلْبًا) [[في م: "الغلب".]] الشَّجَرُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أَيْ: طِوَالٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: (غُلْبًا) أَيْ: غِلَاظُ الْأَوْسَاطِ. وَفِي رِوَايَةٍ: غِلَاظُ الرِّقَابِ [[في م: "الأرقاب".]] ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الرَّجُلِ إِذَا كَانَ غَلِيظَ الرَّقَبَةِ قِيلَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَغْلَبُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِلْفَرَزْدَقِ: عَوَى فَأثارَ أغلبَ ضَيْغَمِيًا ... فَويلَ ابْنَ المَراغَة مَا استَثَارا [[تفسير الطبري (٣٠/٣٧)]] * * وَقَوْلُهُ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) أَمَّا الْفَاكِهَةُ فَهُوَ مَا يَتَفَكَّهُ بِهِ مِنَ الثِّمَارِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَاكِهَةُ: كُلُّ مَا أُكِلَ رَطْبًا. وَالْأَبُّ مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ-وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ: هُوَ الْحَشِيشُ لِلْبَهَائِمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو مَالِكٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ زَيْدٍ: الْأَبُّ لِلْبَهَائِمِ كَالْفَاكِهَةِ لِبَنِي آدَمَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: كُلُّ شَيْءٍ نَبَتَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَيْءٍ أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ سِوَى الْفَاكِهَةِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: نَبْتُ الْأَرْضِ مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: عَدَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: الْأَبُّ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ لِلْأَنْعَامِ. هَذَا لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ، وَقَالَ أَبُو السَّائِبِ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَتَأْكُلُ الْأَنْعَامُ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ وَالْمَرْعَى. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوشَب، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمي قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِنْ قلتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ [[فضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٢٢٧) ، وسبق الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَالصِّدِّيقِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فَلَمَّا أَتَيَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) قَالَ: عَرَفْنَا مَا الْفَاكِهَةُ، فَمَا الْأَبُّ؟ فَقَالَ: لَعَمْرُكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٨) ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/١٨٠) من طريق يزيد به، وتقدم الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . فَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ أَنَسٍ، بِهِ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ شَكْلَهُ وَجِنْسَهُ وَعَيْنَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ وَكُلُّ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، لِقَوْلِهِ: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) * * وَقَوْلُهُ: (مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ) أَيْ: عِيشَةً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) ﴾ . يقول تعالى ذكره: من أي شيء خلق الإنسان الكافر ربه حتي يتكبر ويتعظم عن طاعة ربه، والإقرار بتوحيده. ثم بين جلّ ثناؤه الذي منه خلقه، فقال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أحوالا نطفة تارة، ثم عَلَقة أخرى، ثم مُضغة، إلى أن أتت عليه أحواله وهو في رحم أمه. ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ يقول: ثم يسَّره للسبيل، يعني للطريق. واختلف أهل التأويل في السبيل الذي يسَّره لها، فقال بعضهم: هو خروجه من بطن أمه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ يعني بذلك: خروجه من بطن أمه يسَّره له. ⁕ حدثني ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: سبيل الرحم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن السديّ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: أخرجه من بطن أمه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: خروجه من بطن أمه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: أخرجه من بطن أمه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: طريق الحق والباطل، بيَّناه له وأعلمناه، وسهلنا له العمل به. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: هو كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ . ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: على نحو ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: سبيل الشقاء والسعادة، وهو كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: قال الحسن، في قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: سبيل الخير. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: هداه للإسلام الذي يسَّره له، وأعلمه به، والسبيل سبيل الإسلام. وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: ثم الطريق، وهو الخروج من بطن أمه يسَّره. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب، لأنه أشبههما بظاهر الآية، وذلك أن الخبر من الله قبلها وبعدها عن صفته خلقه وتدبيره جسمه، وتصريفه إياه في الأحوال، فالأولى أن يكون أوسط ذلك نظير ما قبله وما بعده. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ يقول: ثم قَبَضَ رُوحه، فأماته بعد ذلك. يعني بقوله: ﴿أَقْبَرَهُ﴾ صيره ذا قبر، والقابر: هو الدافن الميت بيده، كما قال الأعشى: لَوْ أسْنَدَتْ مَيْتا إلى نَحْرِها ... عاشَ وَلمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ [[الخبر ١٥٨- إسناده حسن على الأقل، لأن عطاء بن السائب تغير حفظه في آخر عمره، وقيس بن الربيع قديم، لعله سمع منه قبل الاختلاط، ولكن لم نتبين ذلك بدليل صريح. ووقع في هذا الإسناد خطأ في المطبوع "حدثنا مصعب"، وصوابه من المخطوطة "حدثنا محمد بن مصعب"، وهو القرقساني، كما مضى في الإسناد ١٥٤.]] والمقبر: هو الله، الذي أمر عباده أن يقبروه بعد وفاته، فصيره ذا قبر. والعرب تقول فيما ذُكر لي: بترت ذنَب البعير، والله أبتره، وعضبت قَرنَ الثور، والله أعضبه؛ وطردت عني فلانا، والله أطرده، صيره طريدا. * * وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يقول: ثم إذا شاء الله أنشره بعد مماته وأحياه، يقال: أنشر الله الميت بمعنى: أحياه، ونشر الميت بمعنى حيى هو بنفسه، ومنه قول الأعشى: حتى يَقُولَ النَّاسُ مِمَّا رأوْا ... يا عَجَبا لِلْمَيِّتِ النَّاشرِ [[الخبر ١٥٩- إسناده حسن كالذي قبله. وأبو أحمد الزبيري: هو محمد بن عبد الله ابن الزبير الأسدي، من الثقات الكبار، من شيوخ أحمد بن حنبل وغيره من الحفاظ. وقيس: هو ابن الربيع. وهذه الأخبار الثلاثة ١٥٧- ١٥٩، ولفظها واحد، ذكرها ابن كثير ١: ٤٤ خبرًا واحدًا دون إسناد. وذكرها السيوطي في الدر المنثور ١: ١٣ خبرًا واحدًا ونسبه إلى "الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وصححه، عن ابن عباس".]] * * وقوله: ﴿كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: كلا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر من أنه قد أدّى حقّ الله عليه، في نفسه وماله، ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ لم يؤدّ ما فرض عليه من الفرائض ربُّه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ قال: لا يقضي أحد أبدًا ما افتُرِض عليه. وقال الحارث: كلّ ما افترض عليه.
Il le créa d’une petite goutte de sperme puis Il détermina les étapes de sa création.
ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُۥ
puis Il lui facilite le chemin;
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ مِنْ بَنِي آدَمَ: (قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (قُتِلَ الإنْسَانُ) لُعِنَ الْإِنْسَانُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو مَالِكٍ. وَهَذَا لِجِنْسِ الْإِنْسَانِ الْمُكَذِّبِ؛ لِكَثْرَةِ تَكْذِيبِهِ بِلَا مُسْتَنَدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعَادِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ابن جريح"]] (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ! وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَهُ كَافِرًا؟ أَيْ: مَا حَمَلَهُ عَلَى التَّكْذِيبِ بِالْمَعَادِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) ، وقد تصرف الحافظ هنا في كلامه]] . وَقَالَ قَتَادَةُ-وَقَدْ حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ عَنْ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ-: (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَلْعَنَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى لَهُ كَيْفَ خَلَقَهُ مِنَ الشَّيْءِ الْحَقِيرِ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ كَمَا بَدَأَهُ، فَقَالَ: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) أَيْ: قَدَّرَ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ يَسَّرَ عَلَيْهِ خُرُوجَهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣] أَيْ: بَيَّنَّا [[في أ: "أي بيناه"]] لَهُ وَوَضَّحْنَاهُ وَسَهَّلْنَا عَلَيْهِ عَمَلَهُ [[في أ: "عمله".]] وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ زَيْدٍ. وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: إِنَّهُ بَعْدَ خَلْقِهِ لَهُ (أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: جَعَلَهُ ذَا قَبْرٍ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: "قَبَرْتُ الرَّجُلَ": إِذَا وَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَقْبَرَهُ اللَّهُ. وَعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ، وَأَعْضَبَهُ اللَّهُ، وَبَتَرْتُ ذَنَبَ الْبَعِيرِ وَأَبْتَرَهُ اللَّهُ. وَطَرَدْتُ عَنِّي فُلَانًا، وَأَطْرَدَهُ اللَّهُ، أَيْ: جَعَلَهُ طَرِيدًا قَالَ الْأَعْشَى: لَو أسْنَدَتْ مَيتًا إِلَى نَحْرها [[في م، أ: "إلى صدرها".]] عَاش، وَلم يُنقَل إلى قَابِر [[البيت في تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٠] ، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٩] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أصبغُ بنُ الفَرج، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنْ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَأْكُلُ الترابُ كلَّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبُ ذَنَبه [[في أ: "إلا عجز الذنب".]] قِيلَ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ يُنْشَئُونَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٦٠٩) من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب به، وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" قلت: دراج عن أبي الهيثم ضعيف.]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلَفْظُهُ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلى إِلَّا عَجْبُ الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُركَّب" [[صحيح البخاري برقم (٤٨١٤) ، وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: كَلَّا لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَذَا الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ؛ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) يَقُولُ: لَمْ يُؤد مَا فُرض عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ رَوَى-هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ-مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ: لَا يَقْضِي أَحَدٌ أَبَدًا كُلَّ مَا افتُرض عَلَيْهِ. وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا. وَلَمْ أَجِدْ لِلْمُتَقَدِّمِينَ فِيهِ كَلامًا سِوَى هَذَا. وَالَّذِي يَقَعُ لِي فِي مَعْنَى ذَلِكَ-وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْمَعْنَى: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ، (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) [أَيْ] [[زيادة من م، أ.]] لَا يَفْعَلُهُ الْآنَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، وَيَفْرَغَ الْقَدَرُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِمَّنْ كَتَبَ تَعَالَى [[في م: "ممن كتب الله".]] لَهُ أَنْ سيُوجَدُ مِنْهُمْ، وَيُخْرَجُ إِلَى الدُّنْيَا، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ تَعَالَى كَوْنًا وَقَدَرًا، فَإِذَا تَنَاهَى ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْشَرَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ وَأَعَادَهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ. وَقَدْ رَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: قَالَ عُزَير، عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَالَ الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي: فَإِنَّ الْقُبُورَ هِيَ بطنُ الْأَرْضِ، وَإِنَّ الْأَرْضَ هِيَ أُمُّ الْخَلْقِ، فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ مَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ وَتَمَّتْ هَذِهِ القبورُ الَّتِي مَدّ اللَّهُ لَهَا، انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا وَمَاتَ مَنْ عَلَيْهَا، وَلَفَظَتِ الْأَرْضُ مَا فِي جَوْفِهَا، وَأَخْرَجَتِ القبورُ مَا فِيهَا، وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ، وَاللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ: [[في أ: "وقوله".]] (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) فِيهِ امْتِنَانٌ، وَفِيهِ اسْتِدْلَالٌ بِإِحْيَاءِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَامِ بَعْدَمَا كَانَتْ عَظَاما بَالِيَةً وَتُرَابًا مُتَمَزِّقًا، (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، (ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا) أَيْ: أَسْكَنَاهُ فِيهَا فَدَخَلَ فِي تُخُومها وتَخَلَّل فِي أَجْزَاءِ الْحَبِّ المودعَ فِيهَا فَنَبَتَ وَارْتَفَعَ وَظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا) فَالْحَبُّ: كُلُّ مَا يُذْكَرُ مِنَ الْحُبُوبِ، وَالْعِنَبُ مَعْرُوفٌ وَالْقَضْبُ هُوَ: الْفَصْفَصَةُ الَّتِي تَأْكُلُهَا الدَّوَابُّ رَطْبَةٌ. وَيُقَالُ لَهَا: القَتّ أَيْضًا قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ. وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْقَضْبُ الْعَلَفُ. (وَزَيْتُونًا) وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أدْمٌ وَعَصِيرُهُ أُدْمٌ، وَيُسْتَصْبَحُ بِهِ، وَيُدَّهَنُ بِهِ. (وَنَخْلا) يُؤْكَلُ بَلَحًا بُسْرًا، وَرُطَبًا، وَتَمْرًا، وَنِيئًا، وَمَطْبُوخًا، وَيُعْتَصَرُ مِنْهُ رُبٌّ وَخَلٌّ. (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أي: بساتين. قال الحسن، وقتادة: (َ غُلْبًا) نَخْلٌ غِلَاظٌ كِرَامٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: "الْحَدَائِقُ": كُلُّ مَا الْتَفَّ وَاجْتَمَعَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: (غُلْبًا) [[في م: "الغلب".]] الشَّجَرُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أَيْ: طِوَالٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: (غُلْبًا) أَيْ: غِلَاظُ الْأَوْسَاطِ. وَفِي رِوَايَةٍ: غِلَاظُ الرِّقَابِ [[في م: "الأرقاب".]] ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الرَّجُلِ إِذَا كَانَ غَلِيظَ الرَّقَبَةِ قِيلَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَغْلَبُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِلْفَرَزْدَقِ: عَوَى فَأثارَ أغلبَ ضَيْغَمِيًا ... فَويلَ ابْنَ المَراغَة مَا استَثَارا [[تفسير الطبري (٣٠/٣٧)]] * * وَقَوْلُهُ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) أَمَّا الْفَاكِهَةُ فَهُوَ مَا يَتَفَكَّهُ بِهِ مِنَ الثِّمَارِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَاكِهَةُ: كُلُّ مَا أُكِلَ رَطْبًا. وَالْأَبُّ مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ-وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ: هُوَ الْحَشِيشُ لِلْبَهَائِمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو مَالِكٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ زَيْدٍ: الْأَبُّ لِلْبَهَائِمِ كَالْفَاكِهَةِ لِبَنِي آدَمَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: كُلُّ شَيْءٍ نَبَتَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَيْءٍ أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ سِوَى الْفَاكِهَةِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: نَبْتُ الْأَرْضِ مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: عَدَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: الْأَبُّ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ لِلْأَنْعَامِ. هَذَا لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ، وَقَالَ أَبُو السَّائِبِ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَتَأْكُلُ الْأَنْعَامُ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ وَالْمَرْعَى. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوشَب، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمي قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِنْ قلتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ [[فضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٢٢٧) ، وسبق الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَالصِّدِّيقِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فَلَمَّا أَتَيَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) قَالَ: عَرَفْنَا مَا الْفَاكِهَةُ، فَمَا الْأَبُّ؟ فَقَالَ: لَعَمْرُكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٨) ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/١٨٠) من طريق يزيد به، وتقدم الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . فَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ أَنَسٍ، بِهِ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ شَكْلَهُ وَجِنْسَهُ وَعَيْنَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ وَكُلُّ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، لِقَوْلِهِ: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) * * وَقَوْلُهُ: (مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ) أَيْ: عِيشَةً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) ﴾ . يقول تعالى ذكره: من أي شيء خلق الإنسان الكافر ربه حتي يتكبر ويتعظم عن طاعة ربه، والإقرار بتوحيده. ثم بين جلّ ثناؤه الذي منه خلقه، فقال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أحوالا نطفة تارة، ثم عَلَقة أخرى، ثم مُضغة، إلى أن أتت عليه أحواله وهو في رحم أمه. ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ يقول: ثم يسَّره للسبيل، يعني للطريق. واختلف أهل التأويل في السبيل الذي يسَّره لها، فقال بعضهم: هو خروجه من بطن أمه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ يعني بذلك: خروجه من بطن أمه يسَّره له. ⁕ حدثني ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: سبيل الرحم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن السديّ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: أخرجه من بطن أمه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: خروجه من بطن أمه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: أخرجه من بطن أمه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: طريق الحق والباطل، بيَّناه له وأعلمناه، وسهلنا له العمل به. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: هو كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ . ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: على نحو ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: سبيل الشقاء والسعادة، وهو كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: قال الحسن، في قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: سبيل الخير. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: هداه للإسلام الذي يسَّره له، وأعلمه به، والسبيل سبيل الإسلام. وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: ثم الطريق، وهو الخروج من بطن أمه يسَّره. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب، لأنه أشبههما بظاهر الآية، وذلك أن الخبر من الله قبلها وبعدها عن صفته خلقه وتدبيره جسمه، وتصريفه إياه في الأحوال، فالأولى أن يكون أوسط ذلك نظير ما قبله وما بعده. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ يقول: ثم قَبَضَ رُوحه، فأماته بعد ذلك. يعني بقوله: ﴿أَقْبَرَهُ﴾ صيره ذا قبر، والقابر: هو الدافن الميت بيده، كما قال الأعشى: لَوْ أسْنَدَتْ مَيْتا إلى نَحْرِها ... عاشَ وَلمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ [[الخبر ١٥٨- إسناده حسن على الأقل، لأن عطاء بن السائب تغير حفظه في آخر عمره، وقيس بن الربيع قديم، لعله سمع منه قبل الاختلاط، ولكن لم نتبين ذلك بدليل صريح. ووقع في هذا الإسناد خطأ في المطبوع "حدثنا مصعب"، وصوابه من المخطوطة "حدثنا محمد بن مصعب"، وهو القرقساني، كما مضى في الإسناد ١٥٤.]] والمقبر: هو الله، الذي أمر عباده أن يقبروه بعد وفاته، فصيره ذا قبر. والعرب تقول فيما ذُكر لي: بترت ذنَب البعير، والله أبتره، وعضبت قَرنَ الثور، والله أعضبه؛ وطردت عني فلانا، والله أطرده، صيره طريدا. * * وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يقول: ثم إذا شاء الله أنشره بعد مماته وأحياه، يقال: أنشر الله الميت بمعنى: أحياه، ونشر الميت بمعنى حيى هو بنفسه، ومنه قول الأعشى: حتى يَقُولَ النَّاسُ مِمَّا رأوْا ... يا عَجَبا لِلْمَيِّتِ النَّاشرِ [[الخبر ١٥٩- إسناده حسن كالذي قبله. وأبو أحمد الزبيري: هو محمد بن عبد الله ابن الزبير الأسدي، من الثقات الكبار، من شيوخ أحمد بن حنبل وغيره من الحفاظ. وقيس: هو ابن الربيع. وهذه الأخبار الثلاثة ١٥٧- ١٥٩، ولفظها واحد، ذكرها ابن كثير ١: ٤٤ خبرًا واحدًا دون إسناد. وذكرها السيوطي في الدر المنثور ١: ١٣ خبرًا واحدًا ونسبه إلى "الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وصححه، عن ابن عباس".]] * * وقوله: ﴿كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: كلا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر من أنه قد أدّى حقّ الله عليه، في نفسه وماله، ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ لم يؤدّ ما فرض عليه من الفرائض ربُّه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ قال: لا يقضي أحد أبدًا ما افتُرِض عليه. وقال الحارث: كلّ ما افترض عليه.
Ensuite, Il lui facilita la sortie du ventre de sa mère après toutes ces étapes.
ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقْبَرَهُۥ
puis Il lui donne la mort et le met au tombeau;
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ مِنْ بَنِي آدَمَ: (قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (قُتِلَ الإنْسَانُ) لُعِنَ الْإِنْسَانُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو مَالِكٍ. وَهَذَا لِجِنْسِ الْإِنْسَانِ الْمُكَذِّبِ؛ لِكَثْرَةِ تَكْذِيبِهِ بِلَا مُسْتَنَدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعَادِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ابن جريح"]] (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ! وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَهُ كَافِرًا؟ أَيْ: مَا حَمَلَهُ عَلَى التَّكْذِيبِ بِالْمَعَادِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) ، وقد تصرف الحافظ هنا في كلامه]] . وَقَالَ قَتَادَةُ-وَقَدْ حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ عَنْ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ-: (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَلْعَنَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى لَهُ كَيْفَ خَلَقَهُ مِنَ الشَّيْءِ الْحَقِيرِ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ كَمَا بَدَأَهُ، فَقَالَ: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) أَيْ: قَدَّرَ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ يَسَّرَ عَلَيْهِ خُرُوجَهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣] أَيْ: بَيَّنَّا [[في أ: "أي بيناه"]] لَهُ وَوَضَّحْنَاهُ وَسَهَّلْنَا عَلَيْهِ عَمَلَهُ [[في أ: "عمله".]] وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ زَيْدٍ. وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: إِنَّهُ بَعْدَ خَلْقِهِ لَهُ (أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: جَعَلَهُ ذَا قَبْرٍ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: "قَبَرْتُ الرَّجُلَ": إِذَا وَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَقْبَرَهُ اللَّهُ. وَعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ، وَأَعْضَبَهُ اللَّهُ، وَبَتَرْتُ ذَنَبَ الْبَعِيرِ وَأَبْتَرَهُ اللَّهُ. وَطَرَدْتُ عَنِّي فُلَانًا، وَأَطْرَدَهُ اللَّهُ، أَيْ: جَعَلَهُ طَرِيدًا قَالَ الْأَعْشَى: لَو أسْنَدَتْ مَيتًا إِلَى نَحْرها [[في م، أ: "إلى صدرها".]] عَاش، وَلم يُنقَل إلى قَابِر [[البيت في تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٠] ، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٩] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أصبغُ بنُ الفَرج، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنْ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَأْكُلُ الترابُ كلَّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبُ ذَنَبه [[في أ: "إلا عجز الذنب".]] قِيلَ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ يُنْشَئُونَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٦٠٩) من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب به، وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" قلت: دراج عن أبي الهيثم ضعيف.]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلَفْظُهُ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلى إِلَّا عَجْبُ الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُركَّب" [[صحيح البخاري برقم (٤٨١٤) ، وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: كَلَّا لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَذَا الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ؛ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) يَقُولُ: لَمْ يُؤد مَا فُرض عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ رَوَى-هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ-مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ: لَا يَقْضِي أَحَدٌ أَبَدًا كُلَّ مَا افتُرض عَلَيْهِ. وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا. وَلَمْ أَجِدْ لِلْمُتَقَدِّمِينَ فِيهِ كَلامًا سِوَى هَذَا. وَالَّذِي يَقَعُ لِي فِي مَعْنَى ذَلِكَ-وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْمَعْنَى: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ، (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) [أَيْ] [[زيادة من م، أ.]] لَا يَفْعَلُهُ الْآنَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، وَيَفْرَغَ الْقَدَرُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِمَّنْ كَتَبَ تَعَالَى [[في م: "ممن كتب الله".]] لَهُ أَنْ سيُوجَدُ مِنْهُمْ، وَيُخْرَجُ إِلَى الدُّنْيَا، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ تَعَالَى كَوْنًا وَقَدَرًا، فَإِذَا تَنَاهَى ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْشَرَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ وَأَعَادَهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ. وَقَدْ رَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: قَالَ عُزَير، عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَالَ الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي: فَإِنَّ الْقُبُورَ هِيَ بطنُ الْأَرْضِ، وَإِنَّ الْأَرْضَ هِيَ أُمُّ الْخَلْقِ، فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ مَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ وَتَمَّتْ هَذِهِ القبورُ الَّتِي مَدّ اللَّهُ لَهَا، انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا وَمَاتَ مَنْ عَلَيْهَا، وَلَفَظَتِ الْأَرْضُ مَا فِي جَوْفِهَا، وَأَخْرَجَتِ القبورُ مَا فِيهَا، وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ، وَاللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ: [[في أ: "وقوله".]] (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) فِيهِ امْتِنَانٌ، وَفِيهِ اسْتِدْلَالٌ بِإِحْيَاءِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَامِ بَعْدَمَا كَانَتْ عَظَاما بَالِيَةً وَتُرَابًا مُتَمَزِّقًا، (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، (ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا) أَيْ: أَسْكَنَاهُ فِيهَا فَدَخَلَ فِي تُخُومها وتَخَلَّل فِي أَجْزَاءِ الْحَبِّ المودعَ فِيهَا فَنَبَتَ وَارْتَفَعَ وَظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا) فَالْحَبُّ: كُلُّ مَا يُذْكَرُ مِنَ الْحُبُوبِ، وَالْعِنَبُ مَعْرُوفٌ وَالْقَضْبُ هُوَ: الْفَصْفَصَةُ الَّتِي تَأْكُلُهَا الدَّوَابُّ رَطْبَةٌ. وَيُقَالُ لَهَا: القَتّ أَيْضًا قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ. وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْقَضْبُ الْعَلَفُ. (وَزَيْتُونًا) وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أدْمٌ وَعَصِيرُهُ أُدْمٌ، وَيُسْتَصْبَحُ بِهِ، وَيُدَّهَنُ بِهِ. (وَنَخْلا) يُؤْكَلُ بَلَحًا بُسْرًا، وَرُطَبًا، وَتَمْرًا، وَنِيئًا، وَمَطْبُوخًا، وَيُعْتَصَرُ مِنْهُ رُبٌّ وَخَلٌّ. (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أي: بساتين. قال الحسن، وقتادة: (َ غُلْبًا) نَخْلٌ غِلَاظٌ كِرَامٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: "الْحَدَائِقُ": كُلُّ مَا الْتَفَّ وَاجْتَمَعَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: (غُلْبًا) [[في م: "الغلب".]] الشَّجَرُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أَيْ: طِوَالٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: (غُلْبًا) أَيْ: غِلَاظُ الْأَوْسَاطِ. وَفِي رِوَايَةٍ: غِلَاظُ الرِّقَابِ [[في م: "الأرقاب".]] ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الرَّجُلِ إِذَا كَانَ غَلِيظَ الرَّقَبَةِ قِيلَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَغْلَبُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِلْفَرَزْدَقِ: عَوَى فَأثارَ أغلبَ ضَيْغَمِيًا ... فَويلَ ابْنَ المَراغَة مَا استَثَارا [[تفسير الطبري (٣٠/٣٧)]] * * وَقَوْلُهُ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) أَمَّا الْفَاكِهَةُ فَهُوَ مَا يَتَفَكَّهُ بِهِ مِنَ الثِّمَارِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَاكِهَةُ: كُلُّ مَا أُكِلَ رَطْبًا. وَالْأَبُّ مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ-وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ: هُوَ الْحَشِيشُ لِلْبَهَائِمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو مَالِكٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ زَيْدٍ: الْأَبُّ لِلْبَهَائِمِ كَالْفَاكِهَةِ لِبَنِي آدَمَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: كُلُّ شَيْءٍ نَبَتَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَيْءٍ أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ سِوَى الْفَاكِهَةِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: نَبْتُ الْأَرْضِ مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: عَدَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: الْأَبُّ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ لِلْأَنْعَامِ. هَذَا لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ، وَقَالَ أَبُو السَّائِبِ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَتَأْكُلُ الْأَنْعَامُ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ وَالْمَرْعَى. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوشَب، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمي قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِنْ قلتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ [[فضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٢٢٧) ، وسبق الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَالصِّدِّيقِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فَلَمَّا أَتَيَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) قَالَ: عَرَفْنَا مَا الْفَاكِهَةُ، فَمَا الْأَبُّ؟ فَقَالَ: لَعَمْرُكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٨) ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/١٨٠) من طريق يزيد به، وتقدم الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . فَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ أَنَسٍ، بِهِ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ شَكْلَهُ وَجِنْسَهُ وَعَيْنَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ وَكُلُّ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، لِقَوْلِهِ: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) * * وَقَوْلُهُ: (مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ) أَيْ: عِيشَةً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) ﴾ . يقول تعالى ذكره: من أي شيء خلق الإنسان الكافر ربه حتي يتكبر ويتعظم عن طاعة ربه، والإقرار بتوحيده. ثم بين جلّ ثناؤه الذي منه خلقه، فقال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أحوالا نطفة تارة، ثم عَلَقة أخرى، ثم مُضغة، إلى أن أتت عليه أحواله وهو في رحم أمه. ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ يقول: ثم يسَّره للسبيل، يعني للطريق. واختلف أهل التأويل في السبيل الذي يسَّره لها، فقال بعضهم: هو خروجه من بطن أمه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ يعني بذلك: خروجه من بطن أمه يسَّره له. ⁕ حدثني ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: سبيل الرحم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن السديّ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: أخرجه من بطن أمه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: خروجه من بطن أمه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: أخرجه من بطن أمه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: طريق الحق والباطل، بيَّناه له وأعلمناه، وسهلنا له العمل به. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: هو كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ . ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: على نحو ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: سبيل الشقاء والسعادة، وهو كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: قال الحسن، في قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: سبيل الخير. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: هداه للإسلام الذي يسَّره له، وأعلمه به، والسبيل سبيل الإسلام. وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: ثم الطريق، وهو الخروج من بطن أمه يسَّره. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب، لأنه أشبههما بظاهر الآية، وذلك أن الخبر من الله قبلها وبعدها عن صفته خلقه وتدبيره جسمه، وتصريفه إياه في الأحوال، فالأولى أن يكون أوسط ذلك نظير ما قبله وما بعده. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ يقول: ثم قَبَضَ رُوحه، فأماته بعد ذلك. يعني بقوله: ﴿أَقْبَرَهُ﴾ صيره ذا قبر، والقابر: هو الدافن الميت بيده، كما قال الأعشى: لَوْ أسْنَدَتْ مَيْتا إلى نَحْرِها ... عاشَ وَلمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ [[الخبر ١٥٨- إسناده حسن على الأقل، لأن عطاء بن السائب تغير حفظه في آخر عمره، وقيس بن الربيع قديم، لعله سمع منه قبل الاختلاط، ولكن لم نتبين ذلك بدليل صريح. ووقع في هذا الإسناد خطأ في المطبوع "حدثنا مصعب"، وصوابه من المخطوطة "حدثنا محمد بن مصعب"، وهو القرقساني، كما مضى في الإسناد ١٥٤.]] والمقبر: هو الله، الذي أمر عباده أن يقبروه بعد وفاته، فصيره ذا قبر. والعرب تقول فيما ذُكر لي: بترت ذنَب البعير، والله أبتره، وعضبت قَرنَ الثور، والله أعضبه؛ وطردت عني فلانا، والله أطرده، صيره طريدا. * * وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يقول: ثم إذا شاء الله أنشره بعد مماته وأحياه، يقال: أنشر الله الميت بمعنى: أحياه، ونشر الميت بمعنى حيى هو بنفسه، ومنه قول الأعشى: حتى يَقُولَ النَّاسُ مِمَّا رأوْا ... يا عَجَبا لِلْمَيِّتِ النَّاشرِ [[الخبر ١٥٩- إسناده حسن كالذي قبله. وأبو أحمد الزبيري: هو محمد بن عبد الله ابن الزبير الأسدي، من الثقات الكبار، من شيوخ أحمد بن حنبل وغيره من الحفاظ. وقيس: هو ابن الربيع. وهذه الأخبار الثلاثة ١٥٧- ١٥٩، ولفظها واحد، ذكرها ابن كثير ١: ٤٤ خبرًا واحدًا دون إسناد. وذكرها السيوطي في الدر المنثور ١: ١٣ خبرًا واحدًا ونسبه إلى "الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وصححه، عن ابن عباس".]] * * وقوله: ﴿كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: كلا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر من أنه قد أدّى حقّ الله عليه، في نفسه وماله، ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ لم يؤدّ ما فرض عليه من الفرائض ربُّه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ قال: لا يقضي أحد أبدًا ما افتُرِض عليه. وقال الحارث: كلّ ما افترض عليه.
Puis une fois que la vie qu’Il lui a déterminée s'écoule, Il le fait mourir et le met dans une tombe où il demeure jusqu’à ce qu’il soit ressuscité.
ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُۥ
puis Il le ressuscitera quand Il voudra.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ مِنْ بَنِي آدَمَ: (قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (قُتِلَ الإنْسَانُ) لُعِنَ الْإِنْسَانُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو مَالِكٍ. وَهَذَا لِجِنْسِ الْإِنْسَانِ الْمُكَذِّبِ؛ لِكَثْرَةِ تَكْذِيبِهِ بِلَا مُسْتَنَدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعَادِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ابن جريح"]] (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ! وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَهُ كَافِرًا؟ أَيْ: مَا حَمَلَهُ عَلَى التَّكْذِيبِ بِالْمَعَادِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) ، وقد تصرف الحافظ هنا في كلامه]] . وَقَالَ قَتَادَةُ-وَقَدْ حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ عَنْ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ-: (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَلْعَنَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى لَهُ كَيْفَ خَلَقَهُ مِنَ الشَّيْءِ الْحَقِيرِ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ كَمَا بَدَأَهُ، فَقَالَ: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) أَيْ: قَدَّرَ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ يَسَّرَ عَلَيْهِ خُرُوجَهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣] أَيْ: بَيَّنَّا [[في أ: "أي بيناه"]] لَهُ وَوَضَّحْنَاهُ وَسَهَّلْنَا عَلَيْهِ عَمَلَهُ [[في أ: "عمله".]] وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ زَيْدٍ. وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: إِنَّهُ بَعْدَ خَلْقِهِ لَهُ (أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: جَعَلَهُ ذَا قَبْرٍ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: "قَبَرْتُ الرَّجُلَ": إِذَا وَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَقْبَرَهُ اللَّهُ. وَعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ، وَأَعْضَبَهُ اللَّهُ، وَبَتَرْتُ ذَنَبَ الْبَعِيرِ وَأَبْتَرَهُ اللَّهُ. وَطَرَدْتُ عَنِّي فُلَانًا، وَأَطْرَدَهُ اللَّهُ، أَيْ: جَعَلَهُ طَرِيدًا قَالَ الْأَعْشَى: لَو أسْنَدَتْ مَيتًا إِلَى نَحْرها [[في م، أ: "إلى صدرها".]] عَاش، وَلم يُنقَل إلى قَابِر [[البيت في تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٠] ، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٩] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أصبغُ بنُ الفَرج، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنْ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَأْكُلُ الترابُ كلَّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبُ ذَنَبه [[في أ: "إلا عجز الذنب".]] قِيلَ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ يُنْشَئُونَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٦٠٩) من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب به، وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" قلت: دراج عن أبي الهيثم ضعيف.]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلَفْظُهُ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلى إِلَّا عَجْبُ الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُركَّب" [[صحيح البخاري برقم (٤٨١٤) ، وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: كَلَّا لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَذَا الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ؛ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) يَقُولُ: لَمْ يُؤد مَا فُرض عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ رَوَى-هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ-مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ: لَا يَقْضِي أَحَدٌ أَبَدًا كُلَّ مَا افتُرض عَلَيْهِ. وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا. وَلَمْ أَجِدْ لِلْمُتَقَدِّمِينَ فِيهِ كَلامًا سِوَى هَذَا. وَالَّذِي يَقَعُ لِي فِي مَعْنَى ذَلِكَ-وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْمَعْنَى: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ، (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) [أَيْ] [[زيادة من م، أ.]] لَا يَفْعَلُهُ الْآنَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، وَيَفْرَغَ الْقَدَرُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِمَّنْ كَتَبَ تَعَالَى [[في م: "ممن كتب الله".]] لَهُ أَنْ سيُوجَدُ مِنْهُمْ، وَيُخْرَجُ إِلَى الدُّنْيَا، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ تَعَالَى كَوْنًا وَقَدَرًا، فَإِذَا تَنَاهَى ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْشَرَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ وَأَعَادَهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ. وَقَدْ رَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: قَالَ عُزَير، عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَالَ الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي: فَإِنَّ الْقُبُورَ هِيَ بطنُ الْأَرْضِ، وَإِنَّ الْأَرْضَ هِيَ أُمُّ الْخَلْقِ، فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ مَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ وَتَمَّتْ هَذِهِ القبورُ الَّتِي مَدّ اللَّهُ لَهَا، انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا وَمَاتَ مَنْ عَلَيْهَا، وَلَفَظَتِ الْأَرْضُ مَا فِي جَوْفِهَا، وَأَخْرَجَتِ القبورُ مَا فِيهَا، وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ، وَاللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ: [[في أ: "وقوله".]] (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) فِيهِ امْتِنَانٌ، وَفِيهِ اسْتِدْلَالٌ بِإِحْيَاءِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَامِ بَعْدَمَا كَانَتْ عَظَاما بَالِيَةً وَتُرَابًا مُتَمَزِّقًا، (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، (ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا) أَيْ: أَسْكَنَاهُ فِيهَا فَدَخَلَ فِي تُخُومها وتَخَلَّل فِي أَجْزَاءِ الْحَبِّ المودعَ فِيهَا فَنَبَتَ وَارْتَفَعَ وَظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا) فَالْحَبُّ: كُلُّ مَا يُذْكَرُ مِنَ الْحُبُوبِ، وَالْعِنَبُ مَعْرُوفٌ وَالْقَضْبُ هُوَ: الْفَصْفَصَةُ الَّتِي تَأْكُلُهَا الدَّوَابُّ رَطْبَةٌ. وَيُقَالُ لَهَا: القَتّ أَيْضًا قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ. وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْقَضْبُ الْعَلَفُ. (وَزَيْتُونًا) وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أدْمٌ وَعَصِيرُهُ أُدْمٌ، وَيُسْتَصْبَحُ بِهِ، وَيُدَّهَنُ بِهِ. (وَنَخْلا) يُؤْكَلُ بَلَحًا بُسْرًا، وَرُطَبًا، وَتَمْرًا، وَنِيئًا، وَمَطْبُوخًا، وَيُعْتَصَرُ مِنْهُ رُبٌّ وَخَلٌّ. (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أي: بساتين. قال الحسن، وقتادة: (َ غُلْبًا) نَخْلٌ غِلَاظٌ كِرَامٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: "الْحَدَائِقُ": كُلُّ مَا الْتَفَّ وَاجْتَمَعَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: (غُلْبًا) [[في م: "الغلب".]] الشَّجَرُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أَيْ: طِوَالٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: (غُلْبًا) أَيْ: غِلَاظُ الْأَوْسَاطِ. وَفِي رِوَايَةٍ: غِلَاظُ الرِّقَابِ [[في م: "الأرقاب".]] ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الرَّجُلِ إِذَا كَانَ غَلِيظَ الرَّقَبَةِ قِيلَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَغْلَبُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِلْفَرَزْدَقِ: عَوَى فَأثارَ أغلبَ ضَيْغَمِيًا ... فَويلَ ابْنَ المَراغَة مَا استَثَارا [[تفسير الطبري (٣٠/٣٧)]] * * وَقَوْلُهُ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) أَمَّا الْفَاكِهَةُ فَهُوَ مَا يَتَفَكَّهُ بِهِ مِنَ الثِّمَارِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَاكِهَةُ: كُلُّ مَا أُكِلَ رَطْبًا. وَالْأَبُّ مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ-وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ: هُوَ الْحَشِيشُ لِلْبَهَائِمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو مَالِكٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ زَيْدٍ: الْأَبُّ لِلْبَهَائِمِ كَالْفَاكِهَةِ لِبَنِي آدَمَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: كُلُّ شَيْءٍ نَبَتَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَيْءٍ أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ سِوَى الْفَاكِهَةِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: نَبْتُ الْأَرْضِ مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: عَدَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: الْأَبُّ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ لِلْأَنْعَامِ. هَذَا لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ، وَقَالَ أَبُو السَّائِبِ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَتَأْكُلُ الْأَنْعَامُ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ وَالْمَرْعَى. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوشَب، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمي قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِنْ قلتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ [[فضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٢٢٧) ، وسبق الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَالصِّدِّيقِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فَلَمَّا أَتَيَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) قَالَ: عَرَفْنَا مَا الْفَاكِهَةُ، فَمَا الْأَبُّ؟ فَقَالَ: لَعَمْرُكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٨) ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/١٨٠) من طريق يزيد به، وتقدم الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . فَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ أَنَسٍ، بِهِ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ شَكْلَهُ وَجِنْسَهُ وَعَيْنَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ وَكُلُّ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، لِقَوْلِهِ: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) * * وَقَوْلُهُ: (مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ) أَيْ: عِيشَةً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) ﴾ . يقول تعالى ذكره: من أي شيء خلق الإنسان الكافر ربه حتي يتكبر ويتعظم عن طاعة ربه، والإقرار بتوحيده. ثم بين جلّ ثناؤه الذي منه خلقه، فقال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أحوالا نطفة تارة، ثم عَلَقة أخرى، ثم مُضغة، إلى أن أتت عليه أحواله وهو في رحم أمه. ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ يقول: ثم يسَّره للسبيل، يعني للطريق. واختلف أهل التأويل في السبيل الذي يسَّره لها، فقال بعضهم: هو خروجه من بطن أمه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ يعني بذلك: خروجه من بطن أمه يسَّره له. ⁕ حدثني ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: سبيل الرحم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن السديّ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: أخرجه من بطن أمه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: خروجه من بطن أمه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: أخرجه من بطن أمه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: طريق الحق والباطل، بيَّناه له وأعلمناه، وسهلنا له العمل به. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: هو كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ . ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: على نحو ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: سبيل الشقاء والسعادة، وهو كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: قال الحسن، في قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: سبيل الخير. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: هداه للإسلام الذي يسَّره له، وأعلمه به، والسبيل سبيل الإسلام. وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: ثم الطريق، وهو الخروج من بطن أمه يسَّره. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب، لأنه أشبههما بظاهر الآية، وذلك أن الخبر من الله قبلها وبعدها عن صفته خلقه وتدبيره جسمه، وتصريفه إياه في الأحوال، فالأولى أن يكون أوسط ذلك نظير ما قبله وما بعده. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ يقول: ثم قَبَضَ رُوحه، فأماته بعد ذلك. يعني بقوله: ﴿أَقْبَرَهُ﴾ صيره ذا قبر، والقابر: هو الدافن الميت بيده، كما قال الأعشى: لَوْ أسْنَدَتْ مَيْتا إلى نَحْرِها ... عاشَ وَلمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ [[الخبر ١٥٨- إسناده حسن على الأقل، لأن عطاء بن السائب تغير حفظه في آخر عمره، وقيس بن الربيع قديم، لعله سمع منه قبل الاختلاط، ولكن لم نتبين ذلك بدليل صريح. ووقع في هذا الإسناد خطأ في المطبوع "حدثنا مصعب"، وصوابه من المخطوطة "حدثنا محمد بن مصعب"، وهو القرقساني، كما مضى في الإسناد ١٥٤.]] والمقبر: هو الله، الذي أمر عباده أن يقبروه بعد وفاته، فصيره ذا قبر. والعرب تقول فيما ذُكر لي: بترت ذنَب البعير، والله أبتره، وعضبت قَرنَ الثور، والله أعضبه؛ وطردت عني فلانا، والله أطرده، صيره طريدا. * * وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يقول: ثم إذا شاء الله أنشره بعد مماته وأحياه، يقال: أنشر الله الميت بمعنى: أحياه، ونشر الميت بمعنى حيى هو بنفسه، ومنه قول الأعشى: حتى يَقُولَ النَّاسُ مِمَّا رأوْا ... يا عَجَبا لِلْمَيِّتِ النَّاشرِ [[الخبر ١٥٩- إسناده حسن كالذي قبله. وأبو أحمد الزبيري: هو محمد بن عبد الله ابن الزبير الأسدي، من الثقات الكبار، من شيوخ أحمد بن حنبل وغيره من الحفاظ. وقيس: هو ابن الربيع. وهذه الأخبار الثلاثة ١٥٧- ١٥٩، ولفظها واحد، ذكرها ابن كثير ١: ٤٤ خبرًا واحدًا دون إسناد. وذكرها السيوطي في الدر المنثور ١: ١٣ خبرًا واحدًا ونسبه إلى "الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وصححه، عن ابن عباس".]] * * وقوله: ﴿كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: كلا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر من أنه قد أدّى حقّ الله عليه، في نفسه وماله، ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ لم يؤدّ ما فرض عليه من الفرائض ربُّه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ قال: لا يقضي أحد أبدًا ما افتُرِض عليه. وقال الحارث: كلّ ما افترض عليه.
Puis lorsqu’Il le veut, Il le ressuscite afin de lui demander des comptes et de le rétribuer.
كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُۥ
Eh bien non! [L'homme] n'accomplit pas ce qu'Il lui commande.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ مِنْ بَنِي آدَمَ: (قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (قُتِلَ الإنْسَانُ) لُعِنَ الْإِنْسَانُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو مَالِكٍ. وَهَذَا لِجِنْسِ الْإِنْسَانِ الْمُكَذِّبِ؛ لِكَثْرَةِ تَكْذِيبِهِ بِلَا مُسْتَنَدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعَادِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ابن جريح"]] (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ! وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَهُ كَافِرًا؟ أَيْ: مَا حَمَلَهُ عَلَى التَّكْذِيبِ بِالْمَعَادِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) ، وقد تصرف الحافظ هنا في كلامه]] . وَقَالَ قَتَادَةُ-وَقَدْ حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ عَنْ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ-: (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَلْعَنَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى لَهُ كَيْفَ خَلَقَهُ مِنَ الشَّيْءِ الْحَقِيرِ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ كَمَا بَدَأَهُ، فَقَالَ: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) أَيْ: قَدَّرَ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ يَسَّرَ عَلَيْهِ خُرُوجَهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣] أَيْ: بَيَّنَّا [[في أ: "أي بيناه"]] لَهُ وَوَضَّحْنَاهُ وَسَهَّلْنَا عَلَيْهِ عَمَلَهُ [[في أ: "عمله".]] وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ زَيْدٍ. وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: إِنَّهُ بَعْدَ خَلْقِهِ لَهُ (أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: جَعَلَهُ ذَا قَبْرٍ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: "قَبَرْتُ الرَّجُلَ": إِذَا وَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَقْبَرَهُ اللَّهُ. وَعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ، وَأَعْضَبَهُ اللَّهُ، وَبَتَرْتُ ذَنَبَ الْبَعِيرِ وَأَبْتَرَهُ اللَّهُ. وَطَرَدْتُ عَنِّي فُلَانًا، وَأَطْرَدَهُ اللَّهُ، أَيْ: جَعَلَهُ طَرِيدًا قَالَ الْأَعْشَى: لَو أسْنَدَتْ مَيتًا إِلَى نَحْرها [[في م، أ: "إلى صدرها".]] عَاش، وَلم يُنقَل إلى قَابِر [[البيت في تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٠] ، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٩] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أصبغُ بنُ الفَرج، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنْ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَأْكُلُ الترابُ كلَّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبُ ذَنَبه [[في أ: "إلا عجز الذنب".]] قِيلَ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ يُنْشَئُونَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٦٠٩) من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب به، وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" قلت: دراج عن أبي الهيثم ضعيف.]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلَفْظُهُ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلى إِلَّا عَجْبُ الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُركَّب" [[صحيح البخاري برقم (٤٨١٤) ، وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: كَلَّا لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَذَا الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ؛ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) يَقُولُ: لَمْ يُؤد مَا فُرض عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ رَوَى-هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ-مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ: لَا يَقْضِي أَحَدٌ أَبَدًا كُلَّ مَا افتُرض عَلَيْهِ. وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا. وَلَمْ أَجِدْ لِلْمُتَقَدِّمِينَ فِيهِ كَلامًا سِوَى هَذَا. وَالَّذِي يَقَعُ لِي فِي مَعْنَى ذَلِكَ-وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْمَعْنَى: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ، (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) [أَيْ] [[زيادة من م، أ.]] لَا يَفْعَلُهُ الْآنَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، وَيَفْرَغَ الْقَدَرُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِمَّنْ كَتَبَ تَعَالَى [[في م: "ممن كتب الله".]] لَهُ أَنْ سيُوجَدُ مِنْهُمْ، وَيُخْرَجُ إِلَى الدُّنْيَا، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ تَعَالَى كَوْنًا وَقَدَرًا، فَإِذَا تَنَاهَى ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْشَرَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ وَأَعَادَهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ. وَقَدْ رَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: قَالَ عُزَير، عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَالَ الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي: فَإِنَّ الْقُبُورَ هِيَ بطنُ الْأَرْضِ، وَإِنَّ الْأَرْضَ هِيَ أُمُّ الْخَلْقِ، فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ مَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ وَتَمَّتْ هَذِهِ القبورُ الَّتِي مَدّ اللَّهُ لَهَا، انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا وَمَاتَ مَنْ عَلَيْهَا، وَلَفَظَتِ الْأَرْضُ مَا فِي جَوْفِهَا، وَأَخْرَجَتِ القبورُ مَا فِيهَا، وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ، وَاللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ: [[في أ: "وقوله".]] (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) فِيهِ امْتِنَانٌ، وَفِيهِ اسْتِدْلَالٌ بِإِحْيَاءِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَامِ بَعْدَمَا كَانَتْ عَظَاما بَالِيَةً وَتُرَابًا مُتَمَزِّقًا، (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، (ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا) أَيْ: أَسْكَنَاهُ فِيهَا فَدَخَلَ فِي تُخُومها وتَخَلَّل فِي أَجْزَاءِ الْحَبِّ المودعَ فِيهَا فَنَبَتَ وَارْتَفَعَ وَظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا) فَالْحَبُّ: كُلُّ مَا يُذْكَرُ مِنَ الْحُبُوبِ، وَالْعِنَبُ مَعْرُوفٌ وَالْقَضْبُ هُوَ: الْفَصْفَصَةُ الَّتِي تَأْكُلُهَا الدَّوَابُّ رَطْبَةٌ. وَيُقَالُ لَهَا: القَتّ أَيْضًا قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ. وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْقَضْبُ الْعَلَفُ. (وَزَيْتُونًا) وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أدْمٌ وَعَصِيرُهُ أُدْمٌ، وَيُسْتَصْبَحُ بِهِ، وَيُدَّهَنُ بِهِ. (وَنَخْلا) يُؤْكَلُ بَلَحًا بُسْرًا، وَرُطَبًا، وَتَمْرًا، وَنِيئًا، وَمَطْبُوخًا، وَيُعْتَصَرُ مِنْهُ رُبٌّ وَخَلٌّ. (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أي: بساتين. قال الحسن، وقتادة: (َ غُلْبًا) نَخْلٌ غِلَاظٌ كِرَامٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: "الْحَدَائِقُ": كُلُّ مَا الْتَفَّ وَاجْتَمَعَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: (غُلْبًا) [[في م: "الغلب".]] الشَّجَرُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أَيْ: طِوَالٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: (غُلْبًا) أَيْ: غِلَاظُ الْأَوْسَاطِ. وَفِي رِوَايَةٍ: غِلَاظُ الرِّقَابِ [[في م: "الأرقاب".]] ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الرَّجُلِ إِذَا كَانَ غَلِيظَ الرَّقَبَةِ قِيلَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَغْلَبُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِلْفَرَزْدَقِ: عَوَى فَأثارَ أغلبَ ضَيْغَمِيًا ... فَويلَ ابْنَ المَراغَة مَا استَثَارا [[تفسير الطبري (٣٠/٣٧)]] * * وَقَوْلُهُ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) أَمَّا الْفَاكِهَةُ فَهُوَ مَا يَتَفَكَّهُ بِهِ مِنَ الثِّمَارِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَاكِهَةُ: كُلُّ مَا أُكِلَ رَطْبًا. وَالْأَبُّ مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ-وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ: هُوَ الْحَشِيشُ لِلْبَهَائِمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو مَالِكٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ زَيْدٍ: الْأَبُّ لِلْبَهَائِمِ كَالْفَاكِهَةِ لِبَنِي آدَمَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: كُلُّ شَيْءٍ نَبَتَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَيْءٍ أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ سِوَى الْفَاكِهَةِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: نَبْتُ الْأَرْضِ مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: عَدَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: الْأَبُّ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ لِلْأَنْعَامِ. هَذَا لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ، وَقَالَ أَبُو السَّائِبِ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَتَأْكُلُ الْأَنْعَامُ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ وَالْمَرْعَى. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوشَب، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمي قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِنْ قلتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ [[فضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٢٢٧) ، وسبق الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَالصِّدِّيقِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فَلَمَّا أَتَيَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) قَالَ: عَرَفْنَا مَا الْفَاكِهَةُ، فَمَا الْأَبُّ؟ فَقَالَ: لَعَمْرُكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٨) ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/١٨٠) من طريق يزيد به، وتقدم الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . فَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ أَنَسٍ، بِهِ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ شَكْلَهُ وَجِنْسَهُ وَعَيْنَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ وَكُلُّ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، لِقَوْلِهِ: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) * * وَقَوْلُهُ: (مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ) أَيْ: عِيشَةً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) ﴾ . يقول تعالى ذكره: من أي شيء خلق الإنسان الكافر ربه حتي يتكبر ويتعظم عن طاعة ربه، والإقرار بتوحيده. ثم بين جلّ ثناؤه الذي منه خلقه، فقال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أحوالا نطفة تارة، ثم عَلَقة أخرى، ثم مُضغة، إلى أن أتت عليه أحواله وهو في رحم أمه. ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ يقول: ثم يسَّره للسبيل، يعني للطريق. واختلف أهل التأويل في السبيل الذي يسَّره لها، فقال بعضهم: هو خروجه من بطن أمه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ يعني بذلك: خروجه من بطن أمه يسَّره له. ⁕ حدثني ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: سبيل الرحم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن السديّ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: أخرجه من بطن أمه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: خروجه من بطن أمه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: أخرجه من بطن أمه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: طريق الحق والباطل، بيَّناه له وأعلمناه، وسهلنا له العمل به. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: هو كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ . ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: على نحو ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: سبيل الشقاء والسعادة، وهو كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: قال الحسن، في قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: سبيل الخير. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال: هداه للإسلام الذي يسَّره له، وأعلمه به، والسبيل سبيل الإسلام. وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: ثم الطريق، وهو الخروج من بطن أمه يسَّره. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب، لأنه أشبههما بظاهر الآية، وذلك أن الخبر من الله قبلها وبعدها عن صفته خلقه وتدبيره جسمه، وتصريفه إياه في الأحوال، فالأولى أن يكون أوسط ذلك نظير ما قبله وما بعده. * * وقوله: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ يقول: ثم قَبَضَ رُوحه، فأماته بعد ذلك. يعني بقوله: ﴿أَقْبَرَهُ﴾ صيره ذا قبر، والقابر: هو الدافن الميت بيده، كما قال الأعشى: لَوْ أسْنَدَتْ مَيْتا إلى نَحْرِها ... عاشَ وَلمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ [[الخبر ١٥٨- إسناده حسن على الأقل، لأن عطاء بن السائب تغير حفظه في آخر عمره، وقيس بن الربيع قديم، لعله سمع منه قبل الاختلاط، ولكن لم نتبين ذلك بدليل صريح. ووقع في هذا الإسناد خطأ في المطبوع "حدثنا مصعب"، وصوابه من المخطوطة "حدثنا محمد بن مصعب"، وهو القرقساني، كما مضى في الإسناد ١٥٤.]] والمقبر: هو الله، الذي أمر عباده أن يقبروه بعد وفاته، فصيره ذا قبر. والعرب تقول فيما ذُكر لي: بترت ذنَب البعير، والله أبتره، وعضبت قَرنَ الثور، والله أعضبه؛ وطردت عني فلانا، والله أطرده، صيره طريدا. * * وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يقول: ثم إذا شاء الله أنشره بعد مماته وأحياه، يقال: أنشر الله الميت بمعنى: أحياه، ونشر الميت بمعنى حيى هو بنفسه، ومنه قول الأعشى: حتى يَقُولَ النَّاسُ مِمَّا رأوْا ... يا عَجَبا لِلْمَيِّتِ النَّاشرِ [[الخبر ١٥٩- إسناده حسن كالذي قبله. وأبو أحمد الزبيري: هو محمد بن عبد الله ابن الزبير الأسدي، من الثقات الكبار، من شيوخ أحمد بن حنبل وغيره من الحفاظ. وقيس: هو ابن الربيع. وهذه الأخبار الثلاثة ١٥٧- ١٥٩، ولفظها واحد، ذكرها ابن كثير ١: ٤٤ خبرًا واحدًا دون إسناد. وذكرها السيوطي في الدر المنثور ١: ١٣ خبرًا واحدًا ونسبه إلى "الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وصححه، عن ابن عباس".]] * * وقوله: ﴿كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: كلا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر من أنه قد أدّى حقّ الله عليه، في نفسه وماله، ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ لم يؤدّ ما فرض عليه من الفرائض ربُّه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ قال: لا يقضي أحد أبدًا ما افتُرِض عليه. وقال الحارث: كلّ ما افترض عليه.
Ce que prétend ce mécréant, à savoir qu’il s’est acquitté de ce qu’il doit à son Seigneur, est faux car il n’a pas rempli les obligations qu’Allah lui a imposées.
فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦٓ
Que l'homme considère donc sa nourriture:
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ مِنْ بَنِي آدَمَ: (قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (قُتِلَ الإنْسَانُ) لُعِنَ الْإِنْسَانُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو مَالِكٍ. وَهَذَا لِجِنْسِ الْإِنْسَانِ الْمُكَذِّبِ؛ لِكَثْرَةِ تَكْذِيبِهِ بِلَا مُسْتَنَدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعَادِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ابن جريح"]] (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ! وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَهُ كَافِرًا؟ أَيْ: مَا حَمَلَهُ عَلَى التَّكْذِيبِ بِالْمَعَادِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) ، وقد تصرف الحافظ هنا في كلامه]] . وَقَالَ قَتَادَةُ-وَقَدْ حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ عَنْ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ-: (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَلْعَنَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى لَهُ كَيْفَ خَلَقَهُ مِنَ الشَّيْءِ الْحَقِيرِ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ كَمَا بَدَأَهُ، فَقَالَ: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) أَيْ: قَدَّرَ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ يَسَّرَ عَلَيْهِ خُرُوجَهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣] أَيْ: بَيَّنَّا [[في أ: "أي بيناه"]] لَهُ وَوَضَّحْنَاهُ وَسَهَّلْنَا عَلَيْهِ عَمَلَهُ [[في أ: "عمله".]] وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ زَيْدٍ. وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: إِنَّهُ بَعْدَ خَلْقِهِ لَهُ (أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: جَعَلَهُ ذَا قَبْرٍ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: "قَبَرْتُ الرَّجُلَ": إِذَا وَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَقْبَرَهُ اللَّهُ. وَعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ، وَأَعْضَبَهُ اللَّهُ، وَبَتَرْتُ ذَنَبَ الْبَعِيرِ وَأَبْتَرَهُ اللَّهُ. وَطَرَدْتُ عَنِّي فُلَانًا، وَأَطْرَدَهُ اللَّهُ، أَيْ: جَعَلَهُ طَرِيدًا قَالَ الْأَعْشَى: لَو أسْنَدَتْ مَيتًا إِلَى نَحْرها [[في م، أ: "إلى صدرها".]] عَاش، وَلم يُنقَل إلى قَابِر [[البيت في تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٠] ، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٩] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أصبغُ بنُ الفَرج، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنْ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَأْكُلُ الترابُ كلَّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبُ ذَنَبه [[في أ: "إلا عجز الذنب".]] قِيلَ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ يُنْشَئُونَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٦٠٩) من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب به، وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" قلت: دراج عن أبي الهيثم ضعيف.]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلَفْظُهُ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلى إِلَّا عَجْبُ الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُركَّب" [[صحيح البخاري برقم (٤٨١٤) ، وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: كَلَّا لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَذَا الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ؛ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) يَقُولُ: لَمْ يُؤد مَا فُرض عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ رَوَى-هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ-مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ: لَا يَقْضِي أَحَدٌ أَبَدًا كُلَّ مَا افتُرض عَلَيْهِ. وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا. وَلَمْ أَجِدْ لِلْمُتَقَدِّمِينَ فِيهِ كَلامًا سِوَى هَذَا. وَالَّذِي يَقَعُ لِي فِي مَعْنَى ذَلِكَ-وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْمَعْنَى: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ، (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) [أَيْ] [[زيادة من م، أ.]] لَا يَفْعَلُهُ الْآنَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، وَيَفْرَغَ الْقَدَرُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِمَّنْ كَتَبَ تَعَالَى [[في م: "ممن كتب الله".]] لَهُ أَنْ سيُوجَدُ مِنْهُمْ، وَيُخْرَجُ إِلَى الدُّنْيَا، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ تَعَالَى كَوْنًا وَقَدَرًا، فَإِذَا تَنَاهَى ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْشَرَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ وَأَعَادَهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ. وَقَدْ رَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: قَالَ عُزَير، عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَالَ الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي: فَإِنَّ الْقُبُورَ هِيَ بطنُ الْأَرْضِ، وَإِنَّ الْأَرْضَ هِيَ أُمُّ الْخَلْقِ، فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ مَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ وَتَمَّتْ هَذِهِ القبورُ الَّتِي مَدّ اللَّهُ لَهَا، انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا وَمَاتَ مَنْ عَلَيْهَا، وَلَفَظَتِ الْأَرْضُ مَا فِي جَوْفِهَا، وَأَخْرَجَتِ القبورُ مَا فِيهَا، وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ، وَاللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ: [[في أ: "وقوله".]] (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) فِيهِ امْتِنَانٌ، وَفِيهِ اسْتِدْلَالٌ بِإِحْيَاءِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَامِ بَعْدَمَا كَانَتْ عَظَاما بَالِيَةً وَتُرَابًا مُتَمَزِّقًا، (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، (ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا) أَيْ: أَسْكَنَاهُ فِيهَا فَدَخَلَ فِي تُخُومها وتَخَلَّل فِي أَجْزَاءِ الْحَبِّ المودعَ فِيهَا فَنَبَتَ وَارْتَفَعَ وَظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا) فَالْحَبُّ: كُلُّ مَا يُذْكَرُ مِنَ الْحُبُوبِ، وَالْعِنَبُ مَعْرُوفٌ وَالْقَضْبُ هُوَ: الْفَصْفَصَةُ الَّتِي تَأْكُلُهَا الدَّوَابُّ رَطْبَةٌ. وَيُقَالُ لَهَا: القَتّ أَيْضًا قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ. وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْقَضْبُ الْعَلَفُ. (وَزَيْتُونًا) وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أدْمٌ وَعَصِيرُهُ أُدْمٌ، وَيُسْتَصْبَحُ بِهِ، وَيُدَّهَنُ بِهِ. (وَنَخْلا) يُؤْكَلُ بَلَحًا بُسْرًا، وَرُطَبًا، وَتَمْرًا، وَنِيئًا، وَمَطْبُوخًا، وَيُعْتَصَرُ مِنْهُ رُبٌّ وَخَلٌّ. (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أي: بساتين. قال الحسن، وقتادة: (َ غُلْبًا) نَخْلٌ غِلَاظٌ كِرَامٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: "الْحَدَائِقُ": كُلُّ مَا الْتَفَّ وَاجْتَمَعَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: (غُلْبًا) [[في م: "الغلب".]] الشَّجَرُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أَيْ: طِوَالٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: (غُلْبًا) أَيْ: غِلَاظُ الْأَوْسَاطِ. وَفِي رِوَايَةٍ: غِلَاظُ الرِّقَابِ [[في م: "الأرقاب".]] ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الرَّجُلِ إِذَا كَانَ غَلِيظَ الرَّقَبَةِ قِيلَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَغْلَبُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِلْفَرَزْدَقِ: عَوَى فَأثارَ أغلبَ ضَيْغَمِيًا ... فَويلَ ابْنَ المَراغَة مَا استَثَارا [[تفسير الطبري (٣٠/٣٧)]] * * وَقَوْلُهُ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) أَمَّا الْفَاكِهَةُ فَهُوَ مَا يَتَفَكَّهُ بِهِ مِنَ الثِّمَارِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَاكِهَةُ: كُلُّ مَا أُكِلَ رَطْبًا. وَالْأَبُّ مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ-وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ: هُوَ الْحَشِيشُ لِلْبَهَائِمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو مَالِكٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ زَيْدٍ: الْأَبُّ لِلْبَهَائِمِ كَالْفَاكِهَةِ لِبَنِي آدَمَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: كُلُّ شَيْءٍ نَبَتَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَيْءٍ أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ سِوَى الْفَاكِهَةِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: نَبْتُ الْأَرْضِ مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: عَدَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: الْأَبُّ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ لِلْأَنْعَامِ. هَذَا لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ، وَقَالَ أَبُو السَّائِبِ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَتَأْكُلُ الْأَنْعَامُ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ وَالْمَرْعَى. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوشَب، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمي قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِنْ قلتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ [[فضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٢٢٧) ، وسبق الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَالصِّدِّيقِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فَلَمَّا أَتَيَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) قَالَ: عَرَفْنَا مَا الْفَاكِهَةُ، فَمَا الْأَبُّ؟ فَقَالَ: لَعَمْرُكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٨) ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/١٨٠) من طريق يزيد به، وتقدم الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . فَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ أَنَسٍ، بِهِ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ شَكْلَهُ وَجِنْسَهُ وَعَيْنَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ وَكُلُّ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، لِقَوْلِهِ: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) * * وَقَوْلُهُ: (مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ) أَيْ: عِيشَةً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) ﴾ . يقول تعالى ذكره: فلينظر هذا الإنسان الكافر المُنكر توحيد الله إلى طعامه كيف دبَّره. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ وشرابه، قال: إلى مأكله ومشربه. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ آية لهم. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة بكسر الألف من "أنَّا"، على وجه الاستئناف، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة "أنَّا" بفتح الألف، بمعنى: فلينظر الإنسان إلى أنا، فيجعل "أنَّا" في موضع خفض على نية تكرير الخافض، وقد يجوز أن يكون رفعا إذا فُتحت، بنية طعامه، ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان: فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. * * وقوله: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يقول: أنا أنزلنا الغيث من السماء إنزالا وصببناه عليها صبا ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا﴾ يقول: ثم فتقنا الأرض فصدّعناها بالنبات ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ يعني: حبّ الزرع، وهو كلّ ما أخرجته الأرض من الحبوب كالحنطة والشعير، وغير ذلك ﴿وَعِنَبًا﴾ يقول: وكرم عنب ﴿وَقَضْبَا﴾ يعني بالقضب: الرطبة، وأهل مكة يسمون القَتَّ القَضْب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَقَضْبا﴾ يقول: الفِصفِصة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَقَضْبا﴾ قال: والقضب: الفصافص. قال أبو جعفر رحمه الله: الفِصفصة: الرَّطبة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وقَضْبا﴾ يعني: الرطبة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿وَقَضْبا﴾ قال: القضب: العَلَف. * * وقوله: ﴿وَزَيْتُونًا﴾ وهو الزيتون الذي منه الزيت ﴿وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ وقد بينَّا أن الحديقة البستان المحوّط عليه. * * وقوله: ﴿غُلْبا﴾ يعني: غلاظا. ويعني بقوله: ﴿غُلْبا﴾ أشجارا في بساتين غلاظ. والغلب: جمع أغلب، وهو الغليظ الرقبة من الرجال؛ ومنه قول الفرزدق: عَوَى فأثارَ أغْلَبَ ضَيْغَميًّا ... فَوَيْل ابْنِ المَراغَةِ ما اسْتثارَا؟ [[الأثر ١٦٠ - أحمد بن عبد الرحيم البرقي: اشتهر بهذا، منسوبًا إلى جده، وكذلك أخوه "محمد" وهو: أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم. وقد مضت رواية الطبري عنه أيضًا برقم ٢٢ باسم "ابن البرقي". ابن أبي مريم: هو سعيد. ابن لهيعة هو عبد الله. عطاء بن دينار المصري: ثقة، وثقه أحمد بن حنبل وأبو داود وغيرهما وروى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣ / ١ / ٣٣٢ وفي المراسيل: ٥٨ عن أحمد بن صالح، قال: " عطاء بن دينار، هو من ثقات أهل مصر، وتفسيره - فيما يروى عن سعيد بن جبير -: صحيفة، وليست له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير ". وروى في الجرح عن أبيه أبي حاتم، قال: " هو صالح الحديث، إلا أن التفسير أخذه من الديوان، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار في الديوان، فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير".]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في البيان عنه، فقال بعضهم: هو ما التفّ من الشجر واجتمع. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: الحدائق: ما التفّ واجتمع. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: طيبة. وقال آخرون: الحدائق: نبت الشجر كله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا عصام، عن أبيه: الحدائق: نبت الشجر كلها. ⁕ حدثني محمد بن سنان القزّاز، قال: ثنا أبو عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: الشجر يستظلّ به في الجنة. وقال آخرون: بل الغُلب: الطوال. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ يقول: طوالا. وقال آخرون: هو النخل الكرام. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ والغلب: النخل الكرام. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: النخل الكرام. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ عظام النخل العظيمة الجذع، قال: والغلب من الرجال: العظام الرقاب، يقال: هو أغلب الرقبة: عظيمها. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرمة ﴿حَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: عظام الأوساط.
Que l’être humain mécréant regarde la nourriture qu’il mange et réfléchisse d’où elle provient.
أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبًّۭا
C'est Nous qui versons l'eau abondante,
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ مِنْ بَنِي آدَمَ: (قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (قُتِلَ الإنْسَانُ) لُعِنَ الْإِنْسَانُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو مَالِكٍ. وَهَذَا لِجِنْسِ الْإِنْسَانِ الْمُكَذِّبِ؛ لِكَثْرَةِ تَكْذِيبِهِ بِلَا مُسْتَنَدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعَادِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ابن جريح"]] (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ! وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَهُ كَافِرًا؟ أَيْ: مَا حَمَلَهُ عَلَى التَّكْذِيبِ بِالْمَعَادِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) ، وقد تصرف الحافظ هنا في كلامه]] . وَقَالَ قَتَادَةُ-وَقَدْ حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ عَنْ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ-: (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَلْعَنَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى لَهُ كَيْفَ خَلَقَهُ مِنَ الشَّيْءِ الْحَقِيرِ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ كَمَا بَدَأَهُ، فَقَالَ: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) أَيْ: قَدَّرَ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ يَسَّرَ عَلَيْهِ خُرُوجَهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣] أَيْ: بَيَّنَّا [[في أ: "أي بيناه"]] لَهُ وَوَضَّحْنَاهُ وَسَهَّلْنَا عَلَيْهِ عَمَلَهُ [[في أ: "عمله".]] وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ زَيْدٍ. وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: إِنَّهُ بَعْدَ خَلْقِهِ لَهُ (أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: جَعَلَهُ ذَا قَبْرٍ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: "قَبَرْتُ الرَّجُلَ": إِذَا وَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَقْبَرَهُ اللَّهُ. وَعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ، وَأَعْضَبَهُ اللَّهُ، وَبَتَرْتُ ذَنَبَ الْبَعِيرِ وَأَبْتَرَهُ اللَّهُ. وَطَرَدْتُ عَنِّي فُلَانًا، وَأَطْرَدَهُ اللَّهُ، أَيْ: جَعَلَهُ طَرِيدًا قَالَ الْأَعْشَى: لَو أسْنَدَتْ مَيتًا إِلَى نَحْرها [[في م، أ: "إلى صدرها".]] عَاش، وَلم يُنقَل إلى قَابِر [[البيت في تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٠] ، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٩] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أصبغُ بنُ الفَرج، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنْ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَأْكُلُ الترابُ كلَّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبُ ذَنَبه [[في أ: "إلا عجز الذنب".]] قِيلَ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ يُنْشَئُونَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٦٠٩) من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب به، وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" قلت: دراج عن أبي الهيثم ضعيف.]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلَفْظُهُ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلى إِلَّا عَجْبُ الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُركَّب" [[صحيح البخاري برقم (٤٨١٤) ، وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: كَلَّا لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَذَا الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ؛ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) يَقُولُ: لَمْ يُؤد مَا فُرض عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ رَوَى-هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ-مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ: لَا يَقْضِي أَحَدٌ أَبَدًا كُلَّ مَا افتُرض عَلَيْهِ. وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا. وَلَمْ أَجِدْ لِلْمُتَقَدِّمِينَ فِيهِ كَلامًا سِوَى هَذَا. وَالَّذِي يَقَعُ لِي فِي مَعْنَى ذَلِكَ-وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْمَعْنَى: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ، (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) [أَيْ] [[زيادة من م، أ.]] لَا يَفْعَلُهُ الْآنَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، وَيَفْرَغَ الْقَدَرُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِمَّنْ كَتَبَ تَعَالَى [[في م: "ممن كتب الله".]] لَهُ أَنْ سيُوجَدُ مِنْهُمْ، وَيُخْرَجُ إِلَى الدُّنْيَا، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ تَعَالَى كَوْنًا وَقَدَرًا، فَإِذَا تَنَاهَى ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْشَرَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ وَأَعَادَهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ. وَقَدْ رَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: قَالَ عُزَير، عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَالَ الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي: فَإِنَّ الْقُبُورَ هِيَ بطنُ الْأَرْضِ، وَإِنَّ الْأَرْضَ هِيَ أُمُّ الْخَلْقِ، فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ مَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ وَتَمَّتْ هَذِهِ القبورُ الَّتِي مَدّ اللَّهُ لَهَا، انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا وَمَاتَ مَنْ عَلَيْهَا، وَلَفَظَتِ الْأَرْضُ مَا فِي جَوْفِهَا، وَأَخْرَجَتِ القبورُ مَا فِيهَا، وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ، وَاللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ: [[في أ: "وقوله".]] (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) فِيهِ امْتِنَانٌ، وَفِيهِ اسْتِدْلَالٌ بِإِحْيَاءِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَامِ بَعْدَمَا كَانَتْ عَظَاما بَالِيَةً وَتُرَابًا مُتَمَزِّقًا، (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، (ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا) أَيْ: أَسْكَنَاهُ فِيهَا فَدَخَلَ فِي تُخُومها وتَخَلَّل فِي أَجْزَاءِ الْحَبِّ المودعَ فِيهَا فَنَبَتَ وَارْتَفَعَ وَظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا) فَالْحَبُّ: كُلُّ مَا يُذْكَرُ مِنَ الْحُبُوبِ، وَالْعِنَبُ مَعْرُوفٌ وَالْقَضْبُ هُوَ: الْفَصْفَصَةُ الَّتِي تَأْكُلُهَا الدَّوَابُّ رَطْبَةٌ. وَيُقَالُ لَهَا: القَتّ أَيْضًا قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ. وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْقَضْبُ الْعَلَفُ. (وَزَيْتُونًا) وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أدْمٌ وَعَصِيرُهُ أُدْمٌ، وَيُسْتَصْبَحُ بِهِ، وَيُدَّهَنُ بِهِ. (وَنَخْلا) يُؤْكَلُ بَلَحًا بُسْرًا، وَرُطَبًا، وَتَمْرًا، وَنِيئًا، وَمَطْبُوخًا، وَيُعْتَصَرُ مِنْهُ رُبٌّ وَخَلٌّ. (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أي: بساتين. قال الحسن، وقتادة: (َ غُلْبًا) نَخْلٌ غِلَاظٌ كِرَامٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: "الْحَدَائِقُ": كُلُّ مَا الْتَفَّ وَاجْتَمَعَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: (غُلْبًا) [[في م: "الغلب".]] الشَّجَرُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أَيْ: طِوَالٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: (غُلْبًا) أَيْ: غِلَاظُ الْأَوْسَاطِ. وَفِي رِوَايَةٍ: غِلَاظُ الرِّقَابِ [[في م: "الأرقاب".]] ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الرَّجُلِ إِذَا كَانَ غَلِيظَ الرَّقَبَةِ قِيلَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَغْلَبُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِلْفَرَزْدَقِ: عَوَى فَأثارَ أغلبَ ضَيْغَمِيًا ... فَويلَ ابْنَ المَراغَة مَا استَثَارا [[تفسير الطبري (٣٠/٣٧)]] * * وَقَوْلُهُ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) أَمَّا الْفَاكِهَةُ فَهُوَ مَا يَتَفَكَّهُ بِهِ مِنَ الثِّمَارِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَاكِهَةُ: كُلُّ مَا أُكِلَ رَطْبًا. وَالْأَبُّ مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ-وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ: هُوَ الْحَشِيشُ لِلْبَهَائِمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو مَالِكٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ زَيْدٍ: الْأَبُّ لِلْبَهَائِمِ كَالْفَاكِهَةِ لِبَنِي آدَمَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: كُلُّ شَيْءٍ نَبَتَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَيْءٍ أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ سِوَى الْفَاكِهَةِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: نَبْتُ الْأَرْضِ مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: عَدَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: الْأَبُّ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ لِلْأَنْعَامِ. هَذَا لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ، وَقَالَ أَبُو السَّائِبِ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَتَأْكُلُ الْأَنْعَامُ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ وَالْمَرْعَى. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوشَب، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمي قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِنْ قلتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ [[فضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٢٢٧) ، وسبق الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَالصِّدِّيقِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فَلَمَّا أَتَيَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) قَالَ: عَرَفْنَا مَا الْفَاكِهَةُ، فَمَا الْأَبُّ؟ فَقَالَ: لَعَمْرُكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٨) ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/١٨٠) من طريق يزيد به، وتقدم الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . فَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ أَنَسٍ، بِهِ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ شَكْلَهُ وَجِنْسَهُ وَعَيْنَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ وَكُلُّ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، لِقَوْلِهِ: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) * * وَقَوْلُهُ: (مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ) أَيْ: عِيشَةً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) ﴾ . يقول تعالى ذكره: فلينظر هذا الإنسان الكافر المُنكر توحيد الله إلى طعامه كيف دبَّره. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ وشرابه، قال: إلى مأكله ومشربه. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ آية لهم. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة بكسر الألف من "أنَّا"، على وجه الاستئناف، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة "أنَّا" بفتح الألف، بمعنى: فلينظر الإنسان إلى أنا، فيجعل "أنَّا" في موضع خفض على نية تكرير الخافض، وقد يجوز أن يكون رفعا إذا فُتحت، بنية طعامه، ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان: فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. * * وقوله: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يقول: أنا أنزلنا الغيث من السماء إنزالا وصببناه عليها صبا ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا﴾ يقول: ثم فتقنا الأرض فصدّعناها بالنبات ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ يعني: حبّ الزرع، وهو كلّ ما أخرجته الأرض من الحبوب كالحنطة والشعير، وغير ذلك ﴿وَعِنَبًا﴾ يقول: وكرم عنب ﴿وَقَضْبَا﴾ يعني بالقضب: الرطبة، وأهل مكة يسمون القَتَّ القَضْب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَقَضْبا﴾ يقول: الفِصفِصة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَقَضْبا﴾ قال: والقضب: الفصافص. قال أبو جعفر رحمه الله: الفِصفصة: الرَّطبة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وقَضْبا﴾ يعني: الرطبة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿وَقَضْبا﴾ قال: القضب: العَلَف. * * وقوله: ﴿وَزَيْتُونًا﴾ وهو الزيتون الذي منه الزيت ﴿وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ وقد بينَّا أن الحديقة البستان المحوّط عليه. * * وقوله: ﴿غُلْبا﴾ يعني: غلاظا. ويعني بقوله: ﴿غُلْبا﴾ أشجارا في بساتين غلاظ. والغلب: جمع أغلب، وهو الغليظ الرقبة من الرجال؛ ومنه قول الفرزدق: عَوَى فأثارَ أغْلَبَ ضَيْغَميًّا ... فَوَيْل ابْنِ المَراغَةِ ما اسْتثارَا؟ [[الأثر ١٦٠ - أحمد بن عبد الرحيم البرقي: اشتهر بهذا، منسوبًا إلى جده، وكذلك أخوه "محمد" وهو: أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم. وقد مضت رواية الطبري عنه أيضًا برقم ٢٢ باسم "ابن البرقي". ابن أبي مريم: هو سعيد. ابن لهيعة هو عبد الله. عطاء بن دينار المصري: ثقة، وثقه أحمد بن حنبل وأبو داود وغيرهما وروى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣ / ١ / ٣٣٢ وفي المراسيل: ٥٨ عن أحمد بن صالح، قال: " عطاء بن دينار، هو من ثقات أهل مصر، وتفسيره - فيما يروى عن سعيد بن جبير -: صحيفة، وليست له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير ". وروى في الجرح عن أبيه أبي حاتم، قال: " هو صالح الحديث، إلا أن التفسير أخذه من الديوان، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار في الديوان، فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير".]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في البيان عنه، فقال بعضهم: هو ما التفّ من الشجر واجتمع. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: الحدائق: ما التفّ واجتمع. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: طيبة. وقال آخرون: الحدائق: نبت الشجر كله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا عصام، عن أبيه: الحدائق: نبت الشجر كلها. ⁕ حدثني محمد بن سنان القزّاز، قال: ثنا أبو عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: الشجر يستظلّ به في الجنة. وقال آخرون: بل الغُلب: الطوال. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ يقول: طوالا. وقال آخرون: هو النخل الكرام. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ والغلب: النخل الكرام. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: النخل الكرام. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ عظام النخل العظيمة الجذع، قال: والغلب من الرجال: العظام الرقاب، يقال: هو أغلب الرقبة: عظيمها. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرمة ﴿حَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: عظام الأوساط.
Son origine est l’eau de la pluie qui descend avec abondance du Ciel.
ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلْأَرْضَ شَقًّۭا
puis Nous fendons la terre par fissures
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ مِنْ بَنِي آدَمَ: (قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (قُتِلَ الإنْسَانُ) لُعِنَ الْإِنْسَانُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو مَالِكٍ. وَهَذَا لِجِنْسِ الْإِنْسَانِ الْمُكَذِّبِ؛ لِكَثْرَةِ تَكْذِيبِهِ بِلَا مُسْتَنَدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعَادِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ابن جريح"]] (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ! وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَهُ كَافِرًا؟ أَيْ: مَا حَمَلَهُ عَلَى التَّكْذِيبِ بِالْمَعَادِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) ، وقد تصرف الحافظ هنا في كلامه]] . وَقَالَ قَتَادَةُ-وَقَدْ حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ عَنْ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ-: (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَلْعَنَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى لَهُ كَيْفَ خَلَقَهُ مِنَ الشَّيْءِ الْحَقِيرِ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ كَمَا بَدَأَهُ، فَقَالَ: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) أَيْ: قَدَّرَ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ يَسَّرَ عَلَيْهِ خُرُوجَهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣] أَيْ: بَيَّنَّا [[في أ: "أي بيناه"]] لَهُ وَوَضَّحْنَاهُ وَسَهَّلْنَا عَلَيْهِ عَمَلَهُ [[في أ: "عمله".]] وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ زَيْدٍ. وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: إِنَّهُ بَعْدَ خَلْقِهِ لَهُ (أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: جَعَلَهُ ذَا قَبْرٍ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: "قَبَرْتُ الرَّجُلَ": إِذَا وَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَقْبَرَهُ اللَّهُ. وَعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ، وَأَعْضَبَهُ اللَّهُ، وَبَتَرْتُ ذَنَبَ الْبَعِيرِ وَأَبْتَرَهُ اللَّهُ. وَطَرَدْتُ عَنِّي فُلَانًا، وَأَطْرَدَهُ اللَّهُ، أَيْ: جَعَلَهُ طَرِيدًا قَالَ الْأَعْشَى: لَو أسْنَدَتْ مَيتًا إِلَى نَحْرها [[في م، أ: "إلى صدرها".]] عَاش، وَلم يُنقَل إلى قَابِر [[البيت في تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٠] ، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٩] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أصبغُ بنُ الفَرج، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنْ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَأْكُلُ الترابُ كلَّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبُ ذَنَبه [[في أ: "إلا عجز الذنب".]] قِيلَ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ يُنْشَئُونَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٦٠٩) من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب به، وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" قلت: دراج عن أبي الهيثم ضعيف.]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلَفْظُهُ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلى إِلَّا عَجْبُ الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُركَّب" [[صحيح البخاري برقم (٤٨١٤) ، وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: كَلَّا لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَذَا الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ؛ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) يَقُولُ: لَمْ يُؤد مَا فُرض عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ رَوَى-هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ-مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ: لَا يَقْضِي أَحَدٌ أَبَدًا كُلَّ مَا افتُرض عَلَيْهِ. وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا. وَلَمْ أَجِدْ لِلْمُتَقَدِّمِينَ فِيهِ كَلامًا سِوَى هَذَا. وَالَّذِي يَقَعُ لِي فِي مَعْنَى ذَلِكَ-وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْمَعْنَى: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ، (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) [أَيْ] [[زيادة من م، أ.]] لَا يَفْعَلُهُ الْآنَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، وَيَفْرَغَ الْقَدَرُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِمَّنْ كَتَبَ تَعَالَى [[في م: "ممن كتب الله".]] لَهُ أَنْ سيُوجَدُ مِنْهُمْ، وَيُخْرَجُ إِلَى الدُّنْيَا، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ تَعَالَى كَوْنًا وَقَدَرًا، فَإِذَا تَنَاهَى ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْشَرَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ وَأَعَادَهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ. وَقَدْ رَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: قَالَ عُزَير، عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَالَ الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي: فَإِنَّ الْقُبُورَ هِيَ بطنُ الْأَرْضِ، وَإِنَّ الْأَرْضَ هِيَ أُمُّ الْخَلْقِ، فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ مَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ وَتَمَّتْ هَذِهِ القبورُ الَّتِي مَدّ اللَّهُ لَهَا، انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا وَمَاتَ مَنْ عَلَيْهَا، وَلَفَظَتِ الْأَرْضُ مَا فِي جَوْفِهَا، وَأَخْرَجَتِ القبورُ مَا فِيهَا، وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ، وَاللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ: [[في أ: "وقوله".]] (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) فِيهِ امْتِنَانٌ، وَفِيهِ اسْتِدْلَالٌ بِإِحْيَاءِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَامِ بَعْدَمَا كَانَتْ عَظَاما بَالِيَةً وَتُرَابًا مُتَمَزِّقًا، (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، (ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا) أَيْ: أَسْكَنَاهُ فِيهَا فَدَخَلَ فِي تُخُومها وتَخَلَّل فِي أَجْزَاءِ الْحَبِّ المودعَ فِيهَا فَنَبَتَ وَارْتَفَعَ وَظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا) فَالْحَبُّ: كُلُّ مَا يُذْكَرُ مِنَ الْحُبُوبِ، وَالْعِنَبُ مَعْرُوفٌ وَالْقَضْبُ هُوَ: الْفَصْفَصَةُ الَّتِي تَأْكُلُهَا الدَّوَابُّ رَطْبَةٌ. وَيُقَالُ لَهَا: القَتّ أَيْضًا قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ. وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْقَضْبُ الْعَلَفُ. (وَزَيْتُونًا) وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أدْمٌ وَعَصِيرُهُ أُدْمٌ، وَيُسْتَصْبَحُ بِهِ، وَيُدَّهَنُ بِهِ. (وَنَخْلا) يُؤْكَلُ بَلَحًا بُسْرًا، وَرُطَبًا، وَتَمْرًا، وَنِيئًا، وَمَطْبُوخًا، وَيُعْتَصَرُ مِنْهُ رُبٌّ وَخَلٌّ. (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أي: بساتين. قال الحسن، وقتادة: (َ غُلْبًا) نَخْلٌ غِلَاظٌ كِرَامٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: "الْحَدَائِقُ": كُلُّ مَا الْتَفَّ وَاجْتَمَعَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: (غُلْبًا) [[في م: "الغلب".]] الشَّجَرُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أَيْ: طِوَالٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: (غُلْبًا) أَيْ: غِلَاظُ الْأَوْسَاطِ. وَفِي رِوَايَةٍ: غِلَاظُ الرِّقَابِ [[في م: "الأرقاب".]] ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الرَّجُلِ إِذَا كَانَ غَلِيظَ الرَّقَبَةِ قِيلَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَغْلَبُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِلْفَرَزْدَقِ: عَوَى فَأثارَ أغلبَ ضَيْغَمِيًا ... فَويلَ ابْنَ المَراغَة مَا استَثَارا [[تفسير الطبري (٣٠/٣٧)]] * * وَقَوْلُهُ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) أَمَّا الْفَاكِهَةُ فَهُوَ مَا يَتَفَكَّهُ بِهِ مِنَ الثِّمَارِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَاكِهَةُ: كُلُّ مَا أُكِلَ رَطْبًا. وَالْأَبُّ مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ-وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ: هُوَ الْحَشِيشُ لِلْبَهَائِمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو مَالِكٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ زَيْدٍ: الْأَبُّ لِلْبَهَائِمِ كَالْفَاكِهَةِ لِبَنِي آدَمَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: كُلُّ شَيْءٍ نَبَتَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَيْءٍ أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ سِوَى الْفَاكِهَةِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: نَبْتُ الْأَرْضِ مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: عَدَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: الْأَبُّ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ لِلْأَنْعَامِ. هَذَا لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ، وَقَالَ أَبُو السَّائِبِ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَتَأْكُلُ الْأَنْعَامُ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ وَالْمَرْعَى. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوشَب، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمي قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِنْ قلتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ [[فضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٢٢٧) ، وسبق الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَالصِّدِّيقِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فَلَمَّا أَتَيَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) قَالَ: عَرَفْنَا مَا الْفَاكِهَةُ، فَمَا الْأَبُّ؟ فَقَالَ: لَعَمْرُكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٨) ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/١٨٠) من طريق يزيد به، وتقدم الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . فَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ أَنَسٍ، بِهِ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ شَكْلَهُ وَجِنْسَهُ وَعَيْنَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ وَكُلُّ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، لِقَوْلِهِ: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) * * وَقَوْلُهُ: (مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ) أَيْ: عِيشَةً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) ﴾ . يقول تعالى ذكره: فلينظر هذا الإنسان الكافر المُنكر توحيد الله إلى طعامه كيف دبَّره. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ وشرابه، قال: إلى مأكله ومشربه. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ آية لهم. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة بكسر الألف من "أنَّا"، على وجه الاستئناف، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة "أنَّا" بفتح الألف، بمعنى: فلينظر الإنسان إلى أنا، فيجعل "أنَّا" في موضع خفض على نية تكرير الخافض، وقد يجوز أن يكون رفعا إذا فُتحت، بنية طعامه، ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان: فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. * * وقوله: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يقول: أنا أنزلنا الغيث من السماء إنزالا وصببناه عليها صبا ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا﴾ يقول: ثم فتقنا الأرض فصدّعناها بالنبات ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ يعني: حبّ الزرع، وهو كلّ ما أخرجته الأرض من الحبوب كالحنطة والشعير، وغير ذلك ﴿وَعِنَبًا﴾ يقول: وكرم عنب ﴿وَقَضْبَا﴾ يعني بالقضب: الرطبة، وأهل مكة يسمون القَتَّ القَضْب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَقَضْبا﴾ يقول: الفِصفِصة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَقَضْبا﴾ قال: والقضب: الفصافص. قال أبو جعفر رحمه الله: الفِصفصة: الرَّطبة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وقَضْبا﴾ يعني: الرطبة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿وَقَضْبا﴾ قال: القضب: العَلَف. * * وقوله: ﴿وَزَيْتُونًا﴾ وهو الزيتون الذي منه الزيت ﴿وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ وقد بينَّا أن الحديقة البستان المحوّط عليه. * * وقوله: ﴿غُلْبا﴾ يعني: غلاظا. ويعني بقوله: ﴿غُلْبا﴾ أشجارا في بساتين غلاظ. والغلب: جمع أغلب، وهو الغليظ الرقبة من الرجال؛ ومنه قول الفرزدق: عَوَى فأثارَ أغْلَبَ ضَيْغَميًّا ... فَوَيْل ابْنِ المَراغَةِ ما اسْتثارَا؟ [[الأثر ١٦٠ - أحمد بن عبد الرحيم البرقي: اشتهر بهذا، منسوبًا إلى جده، وكذلك أخوه "محمد" وهو: أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم. وقد مضت رواية الطبري عنه أيضًا برقم ٢٢ باسم "ابن البرقي". ابن أبي مريم: هو سعيد. ابن لهيعة هو عبد الله. عطاء بن دينار المصري: ثقة، وثقه أحمد بن حنبل وأبو داود وغيرهما وروى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣ / ١ / ٣٣٢ وفي المراسيل: ٥٨ عن أحمد بن صالح، قال: " عطاء بن دينار، هو من ثقات أهل مصر، وتفسيره - فيما يروى عن سعيد بن جبير -: صحيفة، وليست له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير ". وروى في الجرح عن أبيه أبي حاتم، قال: " هو صالح الحديث، إلا أن التفسير أخذه من الديوان، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار في الديوان، فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير".]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في البيان عنه، فقال بعضهم: هو ما التفّ من الشجر واجتمع. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: الحدائق: ما التفّ واجتمع. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: طيبة. وقال آخرون: الحدائق: نبت الشجر كله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا عصام، عن أبيه: الحدائق: نبت الشجر كلها. ⁕ حدثني محمد بن سنان القزّاز، قال: ثنا أبو عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: الشجر يستظلّ به في الجنة. وقال آخرون: بل الغُلب: الطوال. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ يقول: طوالا. وقال آخرون: هو النخل الكرام. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ والغلب: النخل الكرام. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: النخل الكرام. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ عظام النخل العظيمة الجذع، قال: والغلب من الرجال: العظام الرقاب، يقال: هو أغلب الرقبة: عظيمها. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرمة ﴿حَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: عظام الأوساط.
Puis Nous fendons la Terre en prévision de la sortie des plantes
فَأَنۢبَتْنَا فِيهَا حَبًّۭا
et y faisons pousser grains,
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ مِنْ بَنِي آدَمَ: (قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (قُتِلَ الإنْسَانُ) لُعِنَ الْإِنْسَانُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو مَالِكٍ. وَهَذَا لِجِنْسِ الْإِنْسَانِ الْمُكَذِّبِ؛ لِكَثْرَةِ تَكْذِيبِهِ بِلَا مُسْتَنَدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعَادِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ابن جريح"]] (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ! وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَهُ كَافِرًا؟ أَيْ: مَا حَمَلَهُ عَلَى التَّكْذِيبِ بِالْمَعَادِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) ، وقد تصرف الحافظ هنا في كلامه]] . وَقَالَ قَتَادَةُ-وَقَدْ حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ عَنْ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ-: (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَلْعَنَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى لَهُ كَيْفَ خَلَقَهُ مِنَ الشَّيْءِ الْحَقِيرِ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ كَمَا بَدَأَهُ، فَقَالَ: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) أَيْ: قَدَّرَ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ يَسَّرَ عَلَيْهِ خُرُوجَهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣] أَيْ: بَيَّنَّا [[في أ: "أي بيناه"]] لَهُ وَوَضَّحْنَاهُ وَسَهَّلْنَا عَلَيْهِ عَمَلَهُ [[في أ: "عمله".]] وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ زَيْدٍ. وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: إِنَّهُ بَعْدَ خَلْقِهِ لَهُ (أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: جَعَلَهُ ذَا قَبْرٍ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: "قَبَرْتُ الرَّجُلَ": إِذَا وَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَقْبَرَهُ اللَّهُ. وَعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ، وَأَعْضَبَهُ اللَّهُ، وَبَتَرْتُ ذَنَبَ الْبَعِيرِ وَأَبْتَرَهُ اللَّهُ. وَطَرَدْتُ عَنِّي فُلَانًا، وَأَطْرَدَهُ اللَّهُ، أَيْ: جَعَلَهُ طَرِيدًا قَالَ الْأَعْشَى: لَو أسْنَدَتْ مَيتًا إِلَى نَحْرها [[في م، أ: "إلى صدرها".]] عَاش، وَلم يُنقَل إلى قَابِر [[البيت في تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٠] ، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٩] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أصبغُ بنُ الفَرج، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنْ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَأْكُلُ الترابُ كلَّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبُ ذَنَبه [[في أ: "إلا عجز الذنب".]] قِيلَ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ يُنْشَئُونَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٦٠٩) من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب به، وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" قلت: دراج عن أبي الهيثم ضعيف.]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلَفْظُهُ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلى إِلَّا عَجْبُ الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُركَّب" [[صحيح البخاري برقم (٤٨١٤) ، وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: كَلَّا لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَذَا الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ؛ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) يَقُولُ: لَمْ يُؤد مَا فُرض عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ رَوَى-هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ-مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ: لَا يَقْضِي أَحَدٌ أَبَدًا كُلَّ مَا افتُرض عَلَيْهِ. وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا. وَلَمْ أَجِدْ لِلْمُتَقَدِّمِينَ فِيهِ كَلامًا سِوَى هَذَا. وَالَّذِي يَقَعُ لِي فِي مَعْنَى ذَلِكَ-وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْمَعْنَى: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ، (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) [أَيْ] [[زيادة من م، أ.]] لَا يَفْعَلُهُ الْآنَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، وَيَفْرَغَ الْقَدَرُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِمَّنْ كَتَبَ تَعَالَى [[في م: "ممن كتب الله".]] لَهُ أَنْ سيُوجَدُ مِنْهُمْ، وَيُخْرَجُ إِلَى الدُّنْيَا، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ تَعَالَى كَوْنًا وَقَدَرًا، فَإِذَا تَنَاهَى ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْشَرَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ وَأَعَادَهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ. وَقَدْ رَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: قَالَ عُزَير، عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَالَ الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي: فَإِنَّ الْقُبُورَ هِيَ بطنُ الْأَرْضِ، وَإِنَّ الْأَرْضَ هِيَ أُمُّ الْخَلْقِ، فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ مَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ وَتَمَّتْ هَذِهِ القبورُ الَّتِي مَدّ اللَّهُ لَهَا، انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا وَمَاتَ مَنْ عَلَيْهَا، وَلَفَظَتِ الْأَرْضُ مَا فِي جَوْفِهَا، وَأَخْرَجَتِ القبورُ مَا فِيهَا، وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ، وَاللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ: [[في أ: "وقوله".]] (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) فِيهِ امْتِنَانٌ، وَفِيهِ اسْتِدْلَالٌ بِإِحْيَاءِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَامِ بَعْدَمَا كَانَتْ عَظَاما بَالِيَةً وَتُرَابًا مُتَمَزِّقًا، (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، (ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا) أَيْ: أَسْكَنَاهُ فِيهَا فَدَخَلَ فِي تُخُومها وتَخَلَّل فِي أَجْزَاءِ الْحَبِّ المودعَ فِيهَا فَنَبَتَ وَارْتَفَعَ وَظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا) فَالْحَبُّ: كُلُّ مَا يُذْكَرُ مِنَ الْحُبُوبِ، وَالْعِنَبُ مَعْرُوفٌ وَالْقَضْبُ هُوَ: الْفَصْفَصَةُ الَّتِي تَأْكُلُهَا الدَّوَابُّ رَطْبَةٌ. وَيُقَالُ لَهَا: القَتّ أَيْضًا قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ. وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْقَضْبُ الْعَلَفُ. (وَزَيْتُونًا) وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أدْمٌ وَعَصِيرُهُ أُدْمٌ، وَيُسْتَصْبَحُ بِهِ، وَيُدَّهَنُ بِهِ. (وَنَخْلا) يُؤْكَلُ بَلَحًا بُسْرًا، وَرُطَبًا، وَتَمْرًا، وَنِيئًا، وَمَطْبُوخًا، وَيُعْتَصَرُ مِنْهُ رُبٌّ وَخَلٌّ. (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أي: بساتين. قال الحسن، وقتادة: (َ غُلْبًا) نَخْلٌ غِلَاظٌ كِرَامٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: "الْحَدَائِقُ": كُلُّ مَا الْتَفَّ وَاجْتَمَعَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: (غُلْبًا) [[في م: "الغلب".]] الشَّجَرُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أَيْ: طِوَالٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: (غُلْبًا) أَيْ: غِلَاظُ الْأَوْسَاطِ. وَفِي رِوَايَةٍ: غِلَاظُ الرِّقَابِ [[في م: "الأرقاب".]] ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الرَّجُلِ إِذَا كَانَ غَلِيظَ الرَّقَبَةِ قِيلَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَغْلَبُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِلْفَرَزْدَقِ: عَوَى فَأثارَ أغلبَ ضَيْغَمِيًا ... فَويلَ ابْنَ المَراغَة مَا استَثَارا [[تفسير الطبري (٣٠/٣٧)]] * * وَقَوْلُهُ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) أَمَّا الْفَاكِهَةُ فَهُوَ مَا يَتَفَكَّهُ بِهِ مِنَ الثِّمَارِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَاكِهَةُ: كُلُّ مَا أُكِلَ رَطْبًا. وَالْأَبُّ مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ-وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ: هُوَ الْحَشِيشُ لِلْبَهَائِمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو مَالِكٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ زَيْدٍ: الْأَبُّ لِلْبَهَائِمِ كَالْفَاكِهَةِ لِبَنِي آدَمَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: كُلُّ شَيْءٍ نَبَتَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَيْءٍ أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ سِوَى الْفَاكِهَةِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: نَبْتُ الْأَرْضِ مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: عَدَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: الْأَبُّ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ لِلْأَنْعَامِ. هَذَا لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ، وَقَالَ أَبُو السَّائِبِ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَتَأْكُلُ الْأَنْعَامُ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ وَالْمَرْعَى. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوشَب، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمي قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِنْ قلتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ [[فضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٢٢٧) ، وسبق الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَالصِّدِّيقِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فَلَمَّا أَتَيَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) قَالَ: عَرَفْنَا مَا الْفَاكِهَةُ، فَمَا الْأَبُّ؟ فَقَالَ: لَعَمْرُكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٨) ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/١٨٠) من طريق يزيد به، وتقدم الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . فَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ أَنَسٍ، بِهِ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ شَكْلَهُ وَجِنْسَهُ وَعَيْنَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ وَكُلُّ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، لِقَوْلِهِ: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) * * وَقَوْلُهُ: (مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ) أَيْ: عِيشَةً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) ﴾ . يقول تعالى ذكره: فلينظر هذا الإنسان الكافر المُنكر توحيد الله إلى طعامه كيف دبَّره. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ وشرابه، قال: إلى مأكله ومشربه. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ آية لهم. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة بكسر الألف من "أنَّا"، على وجه الاستئناف، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة "أنَّا" بفتح الألف، بمعنى: فلينظر الإنسان إلى أنا، فيجعل "أنَّا" في موضع خفض على نية تكرير الخافض، وقد يجوز أن يكون رفعا إذا فُتحت، بنية طعامه، ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان: فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. * * وقوله: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يقول: أنا أنزلنا الغيث من السماء إنزالا وصببناه عليها صبا ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا﴾ يقول: ثم فتقنا الأرض فصدّعناها بالنبات ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ يعني: حبّ الزرع، وهو كلّ ما أخرجته الأرض من الحبوب كالحنطة والشعير، وغير ذلك ﴿وَعِنَبًا﴾ يقول: وكرم عنب ﴿وَقَضْبَا﴾ يعني بالقضب: الرطبة، وأهل مكة يسمون القَتَّ القَضْب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَقَضْبا﴾ يقول: الفِصفِصة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَقَضْبا﴾ قال: والقضب: الفصافص. قال أبو جعفر رحمه الله: الفِصفصة: الرَّطبة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وقَضْبا﴾ يعني: الرطبة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿وَقَضْبا﴾ قال: القضب: العَلَف. * * وقوله: ﴿وَزَيْتُونًا﴾ وهو الزيتون الذي منه الزيت ﴿وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ وقد بينَّا أن الحديقة البستان المحوّط عليه. * * وقوله: ﴿غُلْبا﴾ يعني: غلاظا. ويعني بقوله: ﴿غُلْبا﴾ أشجارا في بساتين غلاظ. والغلب: جمع أغلب، وهو الغليظ الرقبة من الرجال؛ ومنه قول الفرزدق: عَوَى فأثارَ أغْلَبَ ضَيْغَميًّا ... فَوَيْل ابْنِ المَراغَةِ ما اسْتثارَا؟ [[الأثر ١٦٠ - أحمد بن عبد الرحيم البرقي: اشتهر بهذا، منسوبًا إلى جده، وكذلك أخوه "محمد" وهو: أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم. وقد مضت رواية الطبري عنه أيضًا برقم ٢٢ باسم "ابن البرقي". ابن أبي مريم: هو سعيد. ابن لهيعة هو عبد الله. عطاء بن دينار المصري: ثقة، وثقه أحمد بن حنبل وأبو داود وغيرهما وروى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣ / ١ / ٣٣٢ وفي المراسيل: ٥٨ عن أحمد بن صالح، قال: " عطاء بن دينار، هو من ثقات أهل مصر، وتفسيره - فيما يروى عن سعيد بن جبير -: صحيفة، وليست له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير ". وروى في الجرح عن أبيه أبي حاتم، قال: " هو صالح الحديث، إلا أن التفسير أخذه من الديوان، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار في الديوان، فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير".]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في البيان عنه، فقال بعضهم: هو ما التفّ من الشجر واجتمع. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: الحدائق: ما التفّ واجتمع. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: طيبة. وقال آخرون: الحدائق: نبت الشجر كله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا عصام، عن أبيه: الحدائق: نبت الشجر كلها. ⁕ حدثني محمد بن سنان القزّاز، قال: ثنا أبو عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: الشجر يستظلّ به في الجنة. وقال آخرون: بل الغُلب: الطوال. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ يقول: طوالا. وقال آخرون: هو النخل الكرام. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ والغلب: النخل الكرام. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: النخل الكرام. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ عظام النخل العظيمة الجذع، قال: والغلب من الرجال: العظام الرقاب، يقال: هو أغلب الرقبة: عظيمها. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرمة ﴿حَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: عظام الأوساط.
et y faisons pousser des grains, comme le blé, le maïs et d’autres variété,
وَعِنَبًۭا وَقَضْبًۭا
vignobles et légumes,
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ مِنْ بَنِي آدَمَ: (قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (قُتِلَ الإنْسَانُ) لُعِنَ الْإِنْسَانُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو مَالِكٍ. وَهَذَا لِجِنْسِ الْإِنْسَانِ الْمُكَذِّبِ؛ لِكَثْرَةِ تَكْذِيبِهِ بِلَا مُسْتَنَدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعَادِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ابن جريح"]] (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ! وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَهُ كَافِرًا؟ أَيْ: مَا حَمَلَهُ عَلَى التَّكْذِيبِ بِالْمَعَادِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) ، وقد تصرف الحافظ هنا في كلامه]] . وَقَالَ قَتَادَةُ-وَقَدْ حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ عَنْ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ-: (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَلْعَنَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى لَهُ كَيْفَ خَلَقَهُ مِنَ الشَّيْءِ الْحَقِيرِ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ كَمَا بَدَأَهُ، فَقَالَ: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) أَيْ: قَدَّرَ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ يَسَّرَ عَلَيْهِ خُرُوجَهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣] أَيْ: بَيَّنَّا [[في أ: "أي بيناه"]] لَهُ وَوَضَّحْنَاهُ وَسَهَّلْنَا عَلَيْهِ عَمَلَهُ [[في أ: "عمله".]] وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ زَيْدٍ. وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: إِنَّهُ بَعْدَ خَلْقِهِ لَهُ (أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: جَعَلَهُ ذَا قَبْرٍ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: "قَبَرْتُ الرَّجُلَ": إِذَا وَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَقْبَرَهُ اللَّهُ. وَعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ، وَأَعْضَبَهُ اللَّهُ، وَبَتَرْتُ ذَنَبَ الْبَعِيرِ وَأَبْتَرَهُ اللَّهُ. وَطَرَدْتُ عَنِّي فُلَانًا، وَأَطْرَدَهُ اللَّهُ، أَيْ: جَعَلَهُ طَرِيدًا قَالَ الْأَعْشَى: لَو أسْنَدَتْ مَيتًا إِلَى نَحْرها [[في م، أ: "إلى صدرها".]] عَاش، وَلم يُنقَل إلى قَابِر [[البيت في تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٠] ، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٩] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أصبغُ بنُ الفَرج، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنْ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَأْكُلُ الترابُ كلَّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبُ ذَنَبه [[في أ: "إلا عجز الذنب".]] قِيلَ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ يُنْشَئُونَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٦٠٩) من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب به، وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" قلت: دراج عن أبي الهيثم ضعيف.]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلَفْظُهُ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلى إِلَّا عَجْبُ الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُركَّب" [[صحيح البخاري برقم (٤٨١٤) ، وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: كَلَّا لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَذَا الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ؛ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) يَقُولُ: لَمْ يُؤد مَا فُرض عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ رَوَى-هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ-مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ: لَا يَقْضِي أَحَدٌ أَبَدًا كُلَّ مَا افتُرض عَلَيْهِ. وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا. وَلَمْ أَجِدْ لِلْمُتَقَدِّمِينَ فِيهِ كَلامًا سِوَى هَذَا. وَالَّذِي يَقَعُ لِي فِي مَعْنَى ذَلِكَ-وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْمَعْنَى: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ، (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) [أَيْ] [[زيادة من م، أ.]] لَا يَفْعَلُهُ الْآنَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، وَيَفْرَغَ الْقَدَرُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِمَّنْ كَتَبَ تَعَالَى [[في م: "ممن كتب الله".]] لَهُ أَنْ سيُوجَدُ مِنْهُمْ، وَيُخْرَجُ إِلَى الدُّنْيَا، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ تَعَالَى كَوْنًا وَقَدَرًا، فَإِذَا تَنَاهَى ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْشَرَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ وَأَعَادَهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ. وَقَدْ رَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: قَالَ عُزَير، عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَالَ الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي: فَإِنَّ الْقُبُورَ هِيَ بطنُ الْأَرْضِ، وَإِنَّ الْأَرْضَ هِيَ أُمُّ الْخَلْقِ، فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ مَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ وَتَمَّتْ هَذِهِ القبورُ الَّتِي مَدّ اللَّهُ لَهَا، انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا وَمَاتَ مَنْ عَلَيْهَا، وَلَفَظَتِ الْأَرْضُ مَا فِي جَوْفِهَا، وَأَخْرَجَتِ القبورُ مَا فِيهَا، وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ، وَاللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ: [[في أ: "وقوله".]] (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) فِيهِ امْتِنَانٌ، وَفِيهِ اسْتِدْلَالٌ بِإِحْيَاءِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَامِ بَعْدَمَا كَانَتْ عَظَاما بَالِيَةً وَتُرَابًا مُتَمَزِّقًا، (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، (ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا) أَيْ: أَسْكَنَاهُ فِيهَا فَدَخَلَ فِي تُخُومها وتَخَلَّل فِي أَجْزَاءِ الْحَبِّ المودعَ فِيهَا فَنَبَتَ وَارْتَفَعَ وَظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا) فَالْحَبُّ: كُلُّ مَا يُذْكَرُ مِنَ الْحُبُوبِ، وَالْعِنَبُ مَعْرُوفٌ وَالْقَضْبُ هُوَ: الْفَصْفَصَةُ الَّتِي تَأْكُلُهَا الدَّوَابُّ رَطْبَةٌ. وَيُقَالُ لَهَا: القَتّ أَيْضًا قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ. وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْقَضْبُ الْعَلَفُ. (وَزَيْتُونًا) وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أدْمٌ وَعَصِيرُهُ أُدْمٌ، وَيُسْتَصْبَحُ بِهِ، وَيُدَّهَنُ بِهِ. (وَنَخْلا) يُؤْكَلُ بَلَحًا بُسْرًا، وَرُطَبًا، وَتَمْرًا، وَنِيئًا، وَمَطْبُوخًا، وَيُعْتَصَرُ مِنْهُ رُبٌّ وَخَلٌّ. (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أي: بساتين. قال الحسن، وقتادة: (َ غُلْبًا) نَخْلٌ غِلَاظٌ كِرَامٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: "الْحَدَائِقُ": كُلُّ مَا الْتَفَّ وَاجْتَمَعَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: (غُلْبًا) [[في م: "الغلب".]] الشَّجَرُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أَيْ: طِوَالٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: (غُلْبًا) أَيْ: غِلَاظُ الْأَوْسَاطِ. وَفِي رِوَايَةٍ: غِلَاظُ الرِّقَابِ [[في م: "الأرقاب".]] ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الرَّجُلِ إِذَا كَانَ غَلِيظَ الرَّقَبَةِ قِيلَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَغْلَبُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِلْفَرَزْدَقِ: عَوَى فَأثارَ أغلبَ ضَيْغَمِيًا ... فَويلَ ابْنَ المَراغَة مَا استَثَارا [[تفسير الطبري (٣٠/٣٧)]] * * وَقَوْلُهُ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) أَمَّا الْفَاكِهَةُ فَهُوَ مَا يَتَفَكَّهُ بِهِ مِنَ الثِّمَارِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَاكِهَةُ: كُلُّ مَا أُكِلَ رَطْبًا. وَالْأَبُّ مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ-وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ: هُوَ الْحَشِيشُ لِلْبَهَائِمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو مَالِكٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ زَيْدٍ: الْأَبُّ لِلْبَهَائِمِ كَالْفَاكِهَةِ لِبَنِي آدَمَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: كُلُّ شَيْءٍ نَبَتَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَيْءٍ أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ سِوَى الْفَاكِهَةِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: نَبْتُ الْأَرْضِ مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: عَدَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: الْأَبُّ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ لِلْأَنْعَامِ. هَذَا لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ، وَقَالَ أَبُو السَّائِبِ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَتَأْكُلُ الْأَنْعَامُ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ وَالْمَرْعَى. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوشَب، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمي قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِنْ قلتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ [[فضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٢٢٧) ، وسبق الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَالصِّدِّيقِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فَلَمَّا أَتَيَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) قَالَ: عَرَفْنَا مَا الْفَاكِهَةُ، فَمَا الْأَبُّ؟ فَقَالَ: لَعَمْرُكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٨) ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/١٨٠) من طريق يزيد به، وتقدم الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . فَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ أَنَسٍ، بِهِ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ شَكْلَهُ وَجِنْسَهُ وَعَيْنَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ وَكُلُّ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، لِقَوْلِهِ: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) * * وَقَوْلُهُ: (مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ) أَيْ: عِيشَةً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) ﴾ . يقول تعالى ذكره: فلينظر هذا الإنسان الكافر المُنكر توحيد الله إلى طعامه كيف دبَّره. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ وشرابه، قال: إلى مأكله ومشربه. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ آية لهم. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة بكسر الألف من "أنَّا"، على وجه الاستئناف، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة "أنَّا" بفتح الألف، بمعنى: فلينظر الإنسان إلى أنا، فيجعل "أنَّا" في موضع خفض على نية تكرير الخافض، وقد يجوز أن يكون رفعا إذا فُتحت، بنية طعامه، ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان: فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. * * وقوله: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يقول: أنا أنزلنا الغيث من السماء إنزالا وصببناه عليها صبا ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا﴾ يقول: ثم فتقنا الأرض فصدّعناها بالنبات ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ يعني: حبّ الزرع، وهو كلّ ما أخرجته الأرض من الحبوب كالحنطة والشعير، وغير ذلك ﴿وَعِنَبًا﴾ يقول: وكرم عنب ﴿وَقَضْبَا﴾ يعني بالقضب: الرطبة، وأهل مكة يسمون القَتَّ القَضْب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَقَضْبا﴾ يقول: الفِصفِصة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَقَضْبا﴾ قال: والقضب: الفصافص. قال أبو جعفر رحمه الله: الفِصفصة: الرَّطبة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وقَضْبا﴾ يعني: الرطبة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿وَقَضْبا﴾ قال: القضب: العَلَف. * * وقوله: ﴿وَزَيْتُونًا﴾ وهو الزيتون الذي منه الزيت ﴿وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ وقد بينَّا أن الحديقة البستان المحوّط عليه. * * وقوله: ﴿غُلْبا﴾ يعني: غلاظا. ويعني بقوله: ﴿غُلْبا﴾ أشجارا في بساتين غلاظ. والغلب: جمع أغلب، وهو الغليظ الرقبة من الرجال؛ ومنه قول الفرزدق: عَوَى فأثارَ أغْلَبَ ضَيْغَميًّا ... فَوَيْل ابْنِ المَراغَةِ ما اسْتثارَا؟ [[الأثر ١٦٠ - أحمد بن عبد الرحيم البرقي: اشتهر بهذا، منسوبًا إلى جده، وكذلك أخوه "محمد" وهو: أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم. وقد مضت رواية الطبري عنه أيضًا برقم ٢٢ باسم "ابن البرقي". ابن أبي مريم: هو سعيد. ابن لهيعة هو عبد الله. عطاء بن دينار المصري: ثقة، وثقه أحمد بن حنبل وأبو داود وغيرهما وروى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣ / ١ / ٣٣٢ وفي المراسيل: ٥٨ عن أحمد بن صالح، قال: " عطاء بن دينار، هو من ثقات أهل مصر، وتفسيره - فيما يروى عن سعيد بن جبير -: صحيفة، وليست له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير ". وروى في الجرح عن أبيه أبي حاتم، قال: " هو صالح الحديث، إلا أن التفسير أخذه من الديوان، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار في الديوان، فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير".]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في البيان عنه، فقال بعضهم: هو ما التفّ من الشجر واجتمع. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: الحدائق: ما التفّ واجتمع. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: طيبة. وقال آخرون: الحدائق: نبت الشجر كله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا عصام، عن أبيه: الحدائق: نبت الشجر كلها. ⁕ حدثني محمد بن سنان القزّاز، قال: ثنا أبو عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: الشجر يستظلّ به في الجنة. وقال آخرون: بل الغُلب: الطوال. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ يقول: طوالا. وقال آخرون: هو النخل الكرام. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ والغلب: النخل الكرام. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: النخل الكرام. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ عظام النخل العظيمة الجذع، قال: والغلب من الرجال: العظام الرقاب، يقال: هو أغلب الرقبة: عظيمها. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرمة ﴿حَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: عظام الأوساط.
ainsi que des vignes et du fourrage frais dont ils nourrissent leurs bêtes.
وَزَيْتُونًۭا وَنَخْلًۭا
oliviers et palmiers,
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ مِنْ بَنِي آدَمَ: (قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (قُتِلَ الإنْسَانُ) لُعِنَ الْإِنْسَانُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو مَالِكٍ. وَهَذَا لِجِنْسِ الْإِنْسَانِ الْمُكَذِّبِ؛ لِكَثْرَةِ تَكْذِيبِهِ بِلَا مُسْتَنَدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعَادِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ابن جريح"]] (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ! وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَهُ كَافِرًا؟ أَيْ: مَا حَمَلَهُ عَلَى التَّكْذِيبِ بِالْمَعَادِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) ، وقد تصرف الحافظ هنا في كلامه]] . وَقَالَ قَتَادَةُ-وَقَدْ حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ عَنْ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ-: (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَلْعَنَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى لَهُ كَيْفَ خَلَقَهُ مِنَ الشَّيْءِ الْحَقِيرِ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ كَمَا بَدَأَهُ، فَقَالَ: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) أَيْ: قَدَّرَ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ يَسَّرَ عَلَيْهِ خُرُوجَهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣] أَيْ: بَيَّنَّا [[في أ: "أي بيناه"]] لَهُ وَوَضَّحْنَاهُ وَسَهَّلْنَا عَلَيْهِ عَمَلَهُ [[في أ: "عمله".]] وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ زَيْدٍ. وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: إِنَّهُ بَعْدَ خَلْقِهِ لَهُ (أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: جَعَلَهُ ذَا قَبْرٍ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: "قَبَرْتُ الرَّجُلَ": إِذَا وَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَقْبَرَهُ اللَّهُ. وَعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ، وَأَعْضَبَهُ اللَّهُ، وَبَتَرْتُ ذَنَبَ الْبَعِيرِ وَأَبْتَرَهُ اللَّهُ. وَطَرَدْتُ عَنِّي فُلَانًا، وَأَطْرَدَهُ اللَّهُ، أَيْ: جَعَلَهُ طَرِيدًا قَالَ الْأَعْشَى: لَو أسْنَدَتْ مَيتًا إِلَى نَحْرها [[في م، أ: "إلى صدرها".]] عَاش، وَلم يُنقَل إلى قَابِر [[البيت في تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٠] ، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٩] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أصبغُ بنُ الفَرج، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنْ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَأْكُلُ الترابُ كلَّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبُ ذَنَبه [[في أ: "إلا عجز الذنب".]] قِيلَ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ يُنْشَئُونَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٦٠٩) من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب به، وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" قلت: دراج عن أبي الهيثم ضعيف.]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلَفْظُهُ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلى إِلَّا عَجْبُ الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُركَّب" [[صحيح البخاري برقم (٤٨١٤) ، وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: كَلَّا لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَذَا الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ؛ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) يَقُولُ: لَمْ يُؤد مَا فُرض عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ رَوَى-هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ-مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ: لَا يَقْضِي أَحَدٌ أَبَدًا كُلَّ مَا افتُرض عَلَيْهِ. وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا. وَلَمْ أَجِدْ لِلْمُتَقَدِّمِينَ فِيهِ كَلامًا سِوَى هَذَا. وَالَّذِي يَقَعُ لِي فِي مَعْنَى ذَلِكَ-وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْمَعْنَى: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ، (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) [أَيْ] [[زيادة من م، أ.]] لَا يَفْعَلُهُ الْآنَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، وَيَفْرَغَ الْقَدَرُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِمَّنْ كَتَبَ تَعَالَى [[في م: "ممن كتب الله".]] لَهُ أَنْ سيُوجَدُ مِنْهُمْ، وَيُخْرَجُ إِلَى الدُّنْيَا، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ تَعَالَى كَوْنًا وَقَدَرًا، فَإِذَا تَنَاهَى ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْشَرَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ وَأَعَادَهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ. وَقَدْ رَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: قَالَ عُزَير، عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَالَ الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي: فَإِنَّ الْقُبُورَ هِيَ بطنُ الْأَرْضِ، وَإِنَّ الْأَرْضَ هِيَ أُمُّ الْخَلْقِ، فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ مَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ وَتَمَّتْ هَذِهِ القبورُ الَّتِي مَدّ اللَّهُ لَهَا، انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا وَمَاتَ مَنْ عَلَيْهَا، وَلَفَظَتِ الْأَرْضُ مَا فِي جَوْفِهَا، وَأَخْرَجَتِ القبورُ مَا فِيهَا، وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ، وَاللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ: [[في أ: "وقوله".]] (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) فِيهِ امْتِنَانٌ، وَفِيهِ اسْتِدْلَالٌ بِإِحْيَاءِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَامِ بَعْدَمَا كَانَتْ عَظَاما بَالِيَةً وَتُرَابًا مُتَمَزِّقًا، (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، (ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا) أَيْ: أَسْكَنَاهُ فِيهَا فَدَخَلَ فِي تُخُومها وتَخَلَّل فِي أَجْزَاءِ الْحَبِّ المودعَ فِيهَا فَنَبَتَ وَارْتَفَعَ وَظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا) فَالْحَبُّ: كُلُّ مَا يُذْكَرُ مِنَ الْحُبُوبِ، وَالْعِنَبُ مَعْرُوفٌ وَالْقَضْبُ هُوَ: الْفَصْفَصَةُ الَّتِي تَأْكُلُهَا الدَّوَابُّ رَطْبَةٌ. وَيُقَالُ لَهَا: القَتّ أَيْضًا قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ. وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْقَضْبُ الْعَلَفُ. (وَزَيْتُونًا) وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أدْمٌ وَعَصِيرُهُ أُدْمٌ، وَيُسْتَصْبَحُ بِهِ، وَيُدَّهَنُ بِهِ. (وَنَخْلا) يُؤْكَلُ بَلَحًا بُسْرًا، وَرُطَبًا، وَتَمْرًا، وَنِيئًا، وَمَطْبُوخًا، وَيُعْتَصَرُ مِنْهُ رُبٌّ وَخَلٌّ. (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أي: بساتين. قال الحسن، وقتادة: (َ غُلْبًا) نَخْلٌ غِلَاظٌ كِرَامٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: "الْحَدَائِقُ": كُلُّ مَا الْتَفَّ وَاجْتَمَعَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: (غُلْبًا) [[في م: "الغلب".]] الشَّجَرُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أَيْ: طِوَالٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: (غُلْبًا) أَيْ: غِلَاظُ الْأَوْسَاطِ. وَفِي رِوَايَةٍ: غِلَاظُ الرِّقَابِ [[في م: "الأرقاب".]] ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الرَّجُلِ إِذَا كَانَ غَلِيظَ الرَّقَبَةِ قِيلَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَغْلَبُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِلْفَرَزْدَقِ: عَوَى فَأثارَ أغلبَ ضَيْغَمِيًا ... فَويلَ ابْنَ المَراغَة مَا استَثَارا [[تفسير الطبري (٣٠/٣٧)]] * * وَقَوْلُهُ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) أَمَّا الْفَاكِهَةُ فَهُوَ مَا يَتَفَكَّهُ بِهِ مِنَ الثِّمَارِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَاكِهَةُ: كُلُّ مَا أُكِلَ رَطْبًا. وَالْأَبُّ مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ-وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ: هُوَ الْحَشِيشُ لِلْبَهَائِمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو مَالِكٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ زَيْدٍ: الْأَبُّ لِلْبَهَائِمِ كَالْفَاكِهَةِ لِبَنِي آدَمَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: كُلُّ شَيْءٍ نَبَتَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَيْءٍ أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ سِوَى الْفَاكِهَةِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: نَبْتُ الْأَرْضِ مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: عَدَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: الْأَبُّ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ لِلْأَنْعَامِ. هَذَا لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ، وَقَالَ أَبُو السَّائِبِ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَتَأْكُلُ الْأَنْعَامُ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ وَالْمَرْعَى. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوشَب، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمي قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِنْ قلتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ [[فضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٢٢٧) ، وسبق الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَالصِّدِّيقِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فَلَمَّا أَتَيَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) قَالَ: عَرَفْنَا مَا الْفَاكِهَةُ، فَمَا الْأَبُّ؟ فَقَالَ: لَعَمْرُكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٨) ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/١٨٠) من طريق يزيد به، وتقدم الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . فَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ أَنَسٍ، بِهِ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ شَكْلَهُ وَجِنْسَهُ وَعَيْنَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ وَكُلُّ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، لِقَوْلِهِ: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) * * وَقَوْلُهُ: (مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ) أَيْ: عِيشَةً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) ﴾ . يقول تعالى ذكره: فلينظر هذا الإنسان الكافر المُنكر توحيد الله إلى طعامه كيف دبَّره. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ وشرابه، قال: إلى مأكله ومشربه. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ آية لهم. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة بكسر الألف من "أنَّا"، على وجه الاستئناف، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة "أنَّا" بفتح الألف، بمعنى: فلينظر الإنسان إلى أنا، فيجعل "أنَّا" في موضع خفض على نية تكرير الخافض، وقد يجوز أن يكون رفعا إذا فُتحت، بنية طعامه، ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان: فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. * * وقوله: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يقول: أنا أنزلنا الغيث من السماء إنزالا وصببناه عليها صبا ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا﴾ يقول: ثم فتقنا الأرض فصدّعناها بالنبات ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ يعني: حبّ الزرع، وهو كلّ ما أخرجته الأرض من الحبوب كالحنطة والشعير، وغير ذلك ﴿وَعِنَبًا﴾ يقول: وكرم عنب ﴿وَقَضْبَا﴾ يعني بالقضب: الرطبة، وأهل مكة يسمون القَتَّ القَضْب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَقَضْبا﴾ يقول: الفِصفِصة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَقَضْبا﴾ قال: والقضب: الفصافص. قال أبو جعفر رحمه الله: الفِصفصة: الرَّطبة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وقَضْبا﴾ يعني: الرطبة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿وَقَضْبا﴾ قال: القضب: العَلَف. * * وقوله: ﴿وَزَيْتُونًا﴾ وهو الزيتون الذي منه الزيت ﴿وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ وقد بينَّا أن الحديقة البستان المحوّط عليه. * * وقوله: ﴿غُلْبا﴾ يعني: غلاظا. ويعني بقوله: ﴿غُلْبا﴾ أشجارا في بساتين غلاظ. والغلب: جمع أغلب، وهو الغليظ الرقبة من الرجال؛ ومنه قول الفرزدق: عَوَى فأثارَ أغْلَبَ ضَيْغَميًّا ... فَوَيْل ابْنِ المَراغَةِ ما اسْتثارَا؟ [[الأثر ١٦٠ - أحمد بن عبد الرحيم البرقي: اشتهر بهذا، منسوبًا إلى جده، وكذلك أخوه "محمد" وهو: أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم. وقد مضت رواية الطبري عنه أيضًا برقم ٢٢ باسم "ابن البرقي". ابن أبي مريم: هو سعيد. ابن لهيعة هو عبد الله. عطاء بن دينار المصري: ثقة، وثقه أحمد بن حنبل وأبو داود وغيرهما وروى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣ / ١ / ٣٣٢ وفي المراسيل: ٥٨ عن أحمد بن صالح، قال: " عطاء بن دينار، هو من ثقات أهل مصر، وتفسيره - فيما يروى عن سعيد بن جبير -: صحيفة، وليست له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير ". وروى في الجرح عن أبيه أبي حاتم، قال: " هو صالح الحديث، إلا أن التفسير أخذه من الديوان، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار في الديوان، فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير".]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في البيان عنه، فقال بعضهم: هو ما التفّ من الشجر واجتمع. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: الحدائق: ما التفّ واجتمع. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: طيبة. وقال آخرون: الحدائق: نبت الشجر كله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا عصام، عن أبيه: الحدائق: نبت الشجر كلها. ⁕ حدثني محمد بن سنان القزّاز، قال: ثنا أبو عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: الشجر يستظلّ به في الجنة. وقال آخرون: بل الغُلب: الطوال. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ يقول: طوالا. وقال آخرون: هو النخل الكرام. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ والغلب: النخل الكرام. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: النخل الكرام. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ عظام النخل العظيمة الجذع، قال: والغلب من الرجال: العظام الرقاب، يقال: هو أغلب الرقبة: عظيمها. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرمة ﴿حَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: عظام الأوساط.
Nous y faisons également pousser des oliviers, des palmiers,
وَحَدَآئِقَ غُلْبًۭا
jardins touffus,
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ مِنْ بَنِي آدَمَ: (قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (قُتِلَ الإنْسَانُ) لُعِنَ الْإِنْسَانُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو مَالِكٍ. وَهَذَا لِجِنْسِ الْإِنْسَانِ الْمُكَذِّبِ؛ لِكَثْرَةِ تَكْذِيبِهِ بِلَا مُسْتَنَدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعَادِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ابن جريح"]] (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ! وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَهُ كَافِرًا؟ أَيْ: مَا حَمَلَهُ عَلَى التَّكْذِيبِ بِالْمَعَادِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) ، وقد تصرف الحافظ هنا في كلامه]] . وَقَالَ قَتَادَةُ-وَقَدْ حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ عَنْ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ-: (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَلْعَنَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى لَهُ كَيْفَ خَلَقَهُ مِنَ الشَّيْءِ الْحَقِيرِ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ كَمَا بَدَأَهُ، فَقَالَ: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) أَيْ: قَدَّرَ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ يَسَّرَ عَلَيْهِ خُرُوجَهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣] أَيْ: بَيَّنَّا [[في أ: "أي بيناه"]] لَهُ وَوَضَّحْنَاهُ وَسَهَّلْنَا عَلَيْهِ عَمَلَهُ [[في أ: "عمله".]] وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ زَيْدٍ. وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: إِنَّهُ بَعْدَ خَلْقِهِ لَهُ (أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: جَعَلَهُ ذَا قَبْرٍ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: "قَبَرْتُ الرَّجُلَ": إِذَا وَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَقْبَرَهُ اللَّهُ. وَعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ، وَأَعْضَبَهُ اللَّهُ، وَبَتَرْتُ ذَنَبَ الْبَعِيرِ وَأَبْتَرَهُ اللَّهُ. وَطَرَدْتُ عَنِّي فُلَانًا، وَأَطْرَدَهُ اللَّهُ، أَيْ: جَعَلَهُ طَرِيدًا قَالَ الْأَعْشَى: لَو أسْنَدَتْ مَيتًا إِلَى نَحْرها [[في م، أ: "إلى صدرها".]] عَاش، وَلم يُنقَل إلى قَابِر [[البيت في تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٠] ، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٩] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أصبغُ بنُ الفَرج، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنْ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَأْكُلُ الترابُ كلَّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبُ ذَنَبه [[في أ: "إلا عجز الذنب".]] قِيلَ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ يُنْشَئُونَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٦٠٩) من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب به، وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" قلت: دراج عن أبي الهيثم ضعيف.]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلَفْظُهُ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلى إِلَّا عَجْبُ الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُركَّب" [[صحيح البخاري برقم (٤٨١٤) ، وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: كَلَّا لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَذَا الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ؛ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) يَقُولُ: لَمْ يُؤد مَا فُرض عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ رَوَى-هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ-مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ: لَا يَقْضِي أَحَدٌ أَبَدًا كُلَّ مَا افتُرض عَلَيْهِ. وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا. وَلَمْ أَجِدْ لِلْمُتَقَدِّمِينَ فِيهِ كَلامًا سِوَى هَذَا. وَالَّذِي يَقَعُ لِي فِي مَعْنَى ذَلِكَ-وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْمَعْنَى: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ، (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) [أَيْ] [[زيادة من م، أ.]] لَا يَفْعَلُهُ الْآنَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، وَيَفْرَغَ الْقَدَرُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِمَّنْ كَتَبَ تَعَالَى [[في م: "ممن كتب الله".]] لَهُ أَنْ سيُوجَدُ مِنْهُمْ، وَيُخْرَجُ إِلَى الدُّنْيَا، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ تَعَالَى كَوْنًا وَقَدَرًا، فَإِذَا تَنَاهَى ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْشَرَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ وَأَعَادَهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ. وَقَدْ رَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: قَالَ عُزَير، عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَالَ الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي: فَإِنَّ الْقُبُورَ هِيَ بطنُ الْأَرْضِ، وَإِنَّ الْأَرْضَ هِيَ أُمُّ الْخَلْقِ، فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ مَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ وَتَمَّتْ هَذِهِ القبورُ الَّتِي مَدّ اللَّهُ لَهَا، انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا وَمَاتَ مَنْ عَلَيْهَا، وَلَفَظَتِ الْأَرْضُ مَا فِي جَوْفِهَا، وَأَخْرَجَتِ القبورُ مَا فِيهَا، وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ، وَاللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ: [[في أ: "وقوله".]] (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) فِيهِ امْتِنَانٌ، وَفِيهِ اسْتِدْلَالٌ بِإِحْيَاءِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَامِ بَعْدَمَا كَانَتْ عَظَاما بَالِيَةً وَتُرَابًا مُتَمَزِّقًا، (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، (ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا) أَيْ: أَسْكَنَاهُ فِيهَا فَدَخَلَ فِي تُخُومها وتَخَلَّل فِي أَجْزَاءِ الْحَبِّ المودعَ فِيهَا فَنَبَتَ وَارْتَفَعَ وَظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا) فَالْحَبُّ: كُلُّ مَا يُذْكَرُ مِنَ الْحُبُوبِ، وَالْعِنَبُ مَعْرُوفٌ وَالْقَضْبُ هُوَ: الْفَصْفَصَةُ الَّتِي تَأْكُلُهَا الدَّوَابُّ رَطْبَةٌ. وَيُقَالُ لَهَا: القَتّ أَيْضًا قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ. وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْقَضْبُ الْعَلَفُ. (وَزَيْتُونًا) وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أدْمٌ وَعَصِيرُهُ أُدْمٌ، وَيُسْتَصْبَحُ بِهِ، وَيُدَّهَنُ بِهِ. (وَنَخْلا) يُؤْكَلُ بَلَحًا بُسْرًا، وَرُطَبًا، وَتَمْرًا، وَنِيئًا، وَمَطْبُوخًا، وَيُعْتَصَرُ مِنْهُ رُبٌّ وَخَلٌّ. (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أي: بساتين. قال الحسن، وقتادة: (َ غُلْبًا) نَخْلٌ غِلَاظٌ كِرَامٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: "الْحَدَائِقُ": كُلُّ مَا الْتَفَّ وَاجْتَمَعَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: (غُلْبًا) [[في م: "الغلب".]] الشَّجَرُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أَيْ: طِوَالٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: (غُلْبًا) أَيْ: غِلَاظُ الْأَوْسَاطِ. وَفِي رِوَايَةٍ: غِلَاظُ الرِّقَابِ [[في م: "الأرقاب".]] ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الرَّجُلِ إِذَا كَانَ غَلِيظَ الرَّقَبَةِ قِيلَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَغْلَبُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِلْفَرَزْدَقِ: عَوَى فَأثارَ أغلبَ ضَيْغَمِيًا ... فَويلَ ابْنَ المَراغَة مَا استَثَارا [[تفسير الطبري (٣٠/٣٧)]] * * وَقَوْلُهُ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) أَمَّا الْفَاكِهَةُ فَهُوَ مَا يَتَفَكَّهُ بِهِ مِنَ الثِّمَارِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَاكِهَةُ: كُلُّ مَا أُكِلَ رَطْبًا. وَالْأَبُّ مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ-وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ: هُوَ الْحَشِيشُ لِلْبَهَائِمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو مَالِكٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ زَيْدٍ: الْأَبُّ لِلْبَهَائِمِ كَالْفَاكِهَةِ لِبَنِي آدَمَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: كُلُّ شَيْءٍ نَبَتَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَيْءٍ أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ سِوَى الْفَاكِهَةِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: نَبْتُ الْأَرْضِ مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: عَدَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: الْأَبُّ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ لِلْأَنْعَامِ. هَذَا لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ، وَقَالَ أَبُو السَّائِبِ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَتَأْكُلُ الْأَنْعَامُ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ وَالْمَرْعَى. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوشَب، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمي قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِنْ قلتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ [[فضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٢٢٧) ، وسبق الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَالصِّدِّيقِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فَلَمَّا أَتَيَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) قَالَ: عَرَفْنَا مَا الْفَاكِهَةُ، فَمَا الْأَبُّ؟ فَقَالَ: لَعَمْرُكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٨) ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/١٨٠) من طريق يزيد به، وتقدم الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . فَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ أَنَسٍ، بِهِ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ شَكْلَهُ وَجِنْسَهُ وَعَيْنَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ وَكُلُّ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، لِقَوْلِهِ: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) * * وَقَوْلُهُ: (مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ) أَيْ: عِيشَةً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) ﴾ . يقول تعالى ذكره: فلينظر هذا الإنسان الكافر المُنكر توحيد الله إلى طعامه كيف دبَّره. كما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ وشرابه، قال: إلى مأكله ومشربه. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ آية لهم. واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة بكسر الألف من "أنَّا"، على وجه الاستئناف، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة "أنَّا" بفتح الألف، بمعنى: فلينظر الإنسان إلى أنا، فيجعل "أنَّا" في موضع خفض على نية تكرير الخافض، وقد يجوز أن يكون رفعا إذا فُتحت، بنية طعامه، ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان: فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. * * وقوله: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يقول: أنا أنزلنا الغيث من السماء إنزالا وصببناه عليها صبا ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا﴾ يقول: ثم فتقنا الأرض فصدّعناها بالنبات ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ يعني: حبّ الزرع، وهو كلّ ما أخرجته الأرض من الحبوب كالحنطة والشعير، وغير ذلك ﴿وَعِنَبًا﴾ يقول: وكرم عنب ﴿وَقَضْبَا﴾ يعني بالقضب: الرطبة، وأهل مكة يسمون القَتَّ القَضْب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَقَضْبا﴾ يقول: الفِصفِصة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَقَضْبا﴾ قال: والقضب: الفصافص. قال أبو جعفر رحمه الله: الفِصفصة: الرَّطبة. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وقَضْبا﴾ يعني: الرطبة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿وَقَضْبا﴾ قال: القضب: العَلَف. * * وقوله: ﴿وَزَيْتُونًا﴾ وهو الزيتون الذي منه الزيت ﴿وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ وقد بينَّا أن الحديقة البستان المحوّط عليه. * * وقوله: ﴿غُلْبا﴾ يعني: غلاظا. ويعني بقوله: ﴿غُلْبا﴾ أشجارا في بساتين غلاظ. والغلب: جمع أغلب، وهو الغليظ الرقبة من الرجال؛ ومنه قول الفرزدق: عَوَى فأثارَ أغْلَبَ ضَيْغَميًّا ... فَوَيْل ابْنِ المَراغَةِ ما اسْتثارَا؟ [[الأثر ١٦٠ - أحمد بن عبد الرحيم البرقي: اشتهر بهذا، منسوبًا إلى جده، وكذلك أخوه "محمد" وهو: أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم. وقد مضت رواية الطبري عنه أيضًا برقم ٢٢ باسم "ابن البرقي". ابن أبي مريم: هو سعيد. ابن لهيعة هو عبد الله. عطاء بن دينار المصري: ثقة، وثقه أحمد بن حنبل وأبو داود وغيرهما وروى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣ / ١ / ٣٣٢ وفي المراسيل: ٥٨ عن أحمد بن صالح، قال: " عطاء بن دينار، هو من ثقات أهل مصر، وتفسيره - فيما يروى عن سعيد بن جبير -: صحيفة، وليست له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير ". وروى في الجرح عن أبيه أبي حاتم، قال: " هو صالح الحديث، إلا أن التفسير أخذه من الديوان، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار في الديوان، فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير".]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في البيان عنه، فقال بعضهم: هو ما التفّ من الشجر واجتمع. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: الحدائق: ما التفّ واجتمع. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: طيبة. وقال آخرون: الحدائق: نبت الشجر كله. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا عصام، عن أبيه: الحدائق: نبت الشجر كلها. ⁕ حدثني محمد بن سنان القزّاز، قال: ثنا أبو عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: الشجر يستظلّ به في الجنة. وقال آخرون: بل الغُلب: الطوال. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ يقول: طوالا. وقال آخرون: هو النخل الكرام. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ والغلب: النخل الكرام. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: النخل الكرام. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ عظام النخل العظيمة الجذع، قال: والغلب من الرجال: العظام الرقاب، يقال: هو أغلب الرقبة: عظيمها. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرمة ﴿حَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: عظام الأوساط.
des vergers luxuriants,
وَفَٰكِهَةًۭ وَأَبًّۭا
fruits et herbages,
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ مِنْ بَنِي آدَمَ: (قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (قُتِلَ الإنْسَانُ) لُعِنَ الْإِنْسَانُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو مَالِكٍ. وَهَذَا لِجِنْسِ الْإِنْسَانِ الْمُكَذِّبِ؛ لِكَثْرَةِ تَكْذِيبِهِ بِلَا مُسْتَنَدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعَادِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ابن جريح"]] (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ! وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَهُ كَافِرًا؟ أَيْ: مَا حَمَلَهُ عَلَى التَّكْذِيبِ بِالْمَعَادِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) ، وقد تصرف الحافظ هنا في كلامه]] . وَقَالَ قَتَادَةُ-وَقَدْ حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ عَنْ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ-: (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَلْعَنَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى لَهُ كَيْفَ خَلَقَهُ مِنَ الشَّيْءِ الْحَقِيرِ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ كَمَا بَدَأَهُ، فَقَالَ: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) أَيْ: قَدَّرَ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ يَسَّرَ عَلَيْهِ خُرُوجَهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣] أَيْ: بَيَّنَّا [[في أ: "أي بيناه"]] لَهُ وَوَضَّحْنَاهُ وَسَهَّلْنَا عَلَيْهِ عَمَلَهُ [[في أ: "عمله".]] وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ زَيْدٍ. وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: إِنَّهُ بَعْدَ خَلْقِهِ لَهُ (أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: جَعَلَهُ ذَا قَبْرٍ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: "قَبَرْتُ الرَّجُلَ": إِذَا وَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَقْبَرَهُ اللَّهُ. وَعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ، وَأَعْضَبَهُ اللَّهُ، وَبَتَرْتُ ذَنَبَ الْبَعِيرِ وَأَبْتَرَهُ اللَّهُ. وَطَرَدْتُ عَنِّي فُلَانًا، وَأَطْرَدَهُ اللَّهُ، أَيْ: جَعَلَهُ طَرِيدًا قَالَ الْأَعْشَى: لَو أسْنَدَتْ مَيتًا إِلَى نَحْرها [[في م، أ: "إلى صدرها".]] عَاش، وَلم يُنقَل إلى قَابِر [[البيت في تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٠] ، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٩] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أصبغُ بنُ الفَرج، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنْ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَأْكُلُ الترابُ كلَّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبُ ذَنَبه [[في أ: "إلا عجز الذنب".]] قِيلَ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ يُنْشَئُونَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٦٠٩) من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب به، وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" قلت: دراج عن أبي الهيثم ضعيف.]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلَفْظُهُ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلى إِلَّا عَجْبُ الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُركَّب" [[صحيح البخاري برقم (٤٨١٤) ، وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: كَلَّا لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَذَا الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ؛ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) يَقُولُ: لَمْ يُؤد مَا فُرض عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ رَوَى-هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ-مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ: لَا يَقْضِي أَحَدٌ أَبَدًا كُلَّ مَا افتُرض عَلَيْهِ. وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا. وَلَمْ أَجِدْ لِلْمُتَقَدِّمِينَ فِيهِ كَلامًا سِوَى هَذَا. وَالَّذِي يَقَعُ لِي فِي مَعْنَى ذَلِكَ-وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْمَعْنَى: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ، (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) [أَيْ] [[زيادة من م، أ.]] لَا يَفْعَلُهُ الْآنَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، وَيَفْرَغَ الْقَدَرُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِمَّنْ كَتَبَ تَعَالَى [[في م: "ممن كتب الله".]] لَهُ أَنْ سيُوجَدُ مِنْهُمْ، وَيُخْرَجُ إِلَى الدُّنْيَا، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ تَعَالَى كَوْنًا وَقَدَرًا، فَإِذَا تَنَاهَى ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْشَرَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ وَأَعَادَهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ. وَقَدْ رَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: قَالَ عُزَير، عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَالَ الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي: فَإِنَّ الْقُبُورَ هِيَ بطنُ الْأَرْضِ، وَإِنَّ الْأَرْضَ هِيَ أُمُّ الْخَلْقِ، فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ مَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ وَتَمَّتْ هَذِهِ القبورُ الَّتِي مَدّ اللَّهُ لَهَا، انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا وَمَاتَ مَنْ عَلَيْهَا، وَلَفَظَتِ الْأَرْضُ مَا فِي جَوْفِهَا، وَأَخْرَجَتِ القبورُ مَا فِيهَا، وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ، وَاللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ: [[في أ: "وقوله".]] (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) فِيهِ امْتِنَانٌ، وَفِيهِ اسْتِدْلَالٌ بِإِحْيَاءِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَامِ بَعْدَمَا كَانَتْ عَظَاما بَالِيَةً وَتُرَابًا مُتَمَزِّقًا، (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، (ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا) أَيْ: أَسْكَنَاهُ فِيهَا فَدَخَلَ فِي تُخُومها وتَخَلَّل فِي أَجْزَاءِ الْحَبِّ المودعَ فِيهَا فَنَبَتَ وَارْتَفَعَ وَظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا) فَالْحَبُّ: كُلُّ مَا يُذْكَرُ مِنَ الْحُبُوبِ، وَالْعِنَبُ مَعْرُوفٌ وَالْقَضْبُ هُوَ: الْفَصْفَصَةُ الَّتِي تَأْكُلُهَا الدَّوَابُّ رَطْبَةٌ. وَيُقَالُ لَهَا: القَتّ أَيْضًا قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ. وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْقَضْبُ الْعَلَفُ. (وَزَيْتُونًا) وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أدْمٌ وَعَصِيرُهُ أُدْمٌ، وَيُسْتَصْبَحُ بِهِ، وَيُدَّهَنُ بِهِ. (وَنَخْلا) يُؤْكَلُ بَلَحًا بُسْرًا، وَرُطَبًا، وَتَمْرًا، وَنِيئًا، وَمَطْبُوخًا، وَيُعْتَصَرُ مِنْهُ رُبٌّ وَخَلٌّ. (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أي: بساتين. قال الحسن، وقتادة: (َ غُلْبًا) نَخْلٌ غِلَاظٌ كِرَامٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: "الْحَدَائِقُ": كُلُّ مَا الْتَفَّ وَاجْتَمَعَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: (غُلْبًا) [[في م: "الغلب".]] الشَّجَرُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أَيْ: طِوَالٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: (غُلْبًا) أَيْ: غِلَاظُ الْأَوْسَاطِ. وَفِي رِوَايَةٍ: غِلَاظُ الرِّقَابِ [[في م: "الأرقاب".]] ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الرَّجُلِ إِذَا كَانَ غَلِيظَ الرَّقَبَةِ قِيلَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَغْلَبُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِلْفَرَزْدَقِ: عَوَى فَأثارَ أغلبَ ضَيْغَمِيًا ... فَويلَ ابْنَ المَراغَة مَا استَثَارا [[تفسير الطبري (٣٠/٣٧)]] * * وَقَوْلُهُ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) أَمَّا الْفَاكِهَةُ فَهُوَ مَا يَتَفَكَّهُ بِهِ مِنَ الثِّمَارِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَاكِهَةُ: كُلُّ مَا أُكِلَ رَطْبًا. وَالْأَبُّ مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ-وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ: هُوَ الْحَشِيشُ لِلْبَهَائِمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو مَالِكٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ زَيْدٍ: الْأَبُّ لِلْبَهَائِمِ كَالْفَاكِهَةِ لِبَنِي آدَمَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: كُلُّ شَيْءٍ نَبَتَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَيْءٍ أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ سِوَى الْفَاكِهَةِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: نَبْتُ الْأَرْضِ مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: عَدَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: الْأَبُّ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ لِلْأَنْعَامِ. هَذَا لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ، وَقَالَ أَبُو السَّائِبِ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَتَأْكُلُ الْأَنْعَامُ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ وَالْمَرْعَى. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوشَب، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمي قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِنْ قلتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ [[فضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٢٢٧) ، وسبق الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَالصِّدِّيقِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فَلَمَّا أَتَيَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) قَالَ: عَرَفْنَا مَا الْفَاكِهَةُ، فَمَا الْأَبُّ؟ فَقَالَ: لَعَمْرُكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٨) ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/١٨٠) من طريق يزيد به، وتقدم الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . فَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ أَنَسٍ، بِهِ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ شَكْلَهُ وَجِنْسَهُ وَعَيْنَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ وَكُلُّ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، لِقَوْلِهِ: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) * * وَقَوْلُهُ: (مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ) أَيْ: عِيشَةً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿وَفاكِهَةً﴾ ما يأكله الناس من ثمار الأشجار، والأبّ: ما تأكله البهائم من العشب والنبات. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما يأكل ابن آدم. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما أكل الناس. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: أما الفاكهة فلكم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: الفاكهة لنا. ⁕ حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا حميد، قال أنس بن مالك: قرأ عمر ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ حتى أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد علمنا ما الفاكهة، فما الأبّ؟ ثم أحسبه " شك الطبري " قال: إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس، قال: قرأ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فلما أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد عرفنا الفاكهة. فما الأبّ؟ قال: لعمرك يا بن الخطاب إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس، قال: قرأ عمر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ ومعه عصا في يده، فقال: ما الأبّ، ثم قال: بحسبنا ما قد علمنا، وألقى العصا من يده. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أنس، عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إن هذا هو التكلف. قال: وحدثني قتادة، عن أنس، عن عمر بنحو هذا الحديث كله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب ويعقوب قالوا: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: عدّ سبعا جعل رزقه في سبعة، وجعله من سبعة، وقال في آخر ذلك: الأبّ: ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس. ⁕ حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا عاصم، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: نبت الأرض مما تأكله الدوابّ، ولا يأكله الناس. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب، قالا ثنا ابن إدريس، قال: ثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير، قال: عدّ ابن عباس، وقال: الأبّ: ما أنبتت الأرض للأنعام، وهذا لفظ حديث أبي كريب. وقال أبو السائب في حديثه: قال: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: الكلأ والمرعى كله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، قال: الأبّ النبات. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، مثله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش أو غيره، عن مجاهد، قال: الأبّ: المرعى. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: قال مجاهد: ﴿وأبًّا﴾ المرعى. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما تأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما أكلت الأنعام. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: أما الأبّ: فلأنعامكم نعم من الله متظاهرة. ⁕ حدثنا ابن بشر، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: العشب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، وقتادة، في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: هو ما تأكله الدوابّ. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وأبًّا﴾ يعني: المرعى. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ لأنعامنا، قال: والأبّ: ما ترعى. وقرأ: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ . قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس وعمرو بن الحارث، عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أنه سمع عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: قال الله: ﴿وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ كلّ هذا قد علمناه، فما الأبّ؟ ثم ضرب بيده، ثم قال: لعمرك إن هذا لهو التكلف، واتبعوا ما يتبين لكم في هذا الكتاب، قال عمر: وما يتبين فعليكم به، وما لا فدعوه. وقال آخرون: الأبّ: الثمار الرطبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وأبًّا﴾ يقول: الثمار الرطبة. * * وقوله: ﴿مَتاعا لَكُمْ﴾ يقول: أنبتنا هذه الأشياء التي يأكلها بنو آدم متاعا لكم أيها الناس، ومنفعة تتمتعون بها، وتنتفعون، والتي يأكلها الأنعام لأنعامكم، وأصل الأنعام الإبل، ثم تستعمل في كلّ راعية. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ قال: متاعا لكم الفاكهة، ولأنعامكم العشب. * * وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ ذُكر أنها اسم من أسماء القيامة، وأحسبها مأخوذة من قولهم: صاخ فلان لصوت فلان: إذا استمع له، إلا أن هذا يقال منه: هو مُصِيخ له، ولعلّ الصوت هو الصاخّ، فإن يكن ذلك كذلك، فينبغي أن يكون قبل ذلك لنفخة الصور. ذكر من قال: هو اسم من أسماء القيامة ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ قال: هذا من أسماء يوم القيامة عظَّمه الله، وحذّره عباده. * * وقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يقول: فإذا جاءت الصاخة في هذا اليوم الذي يفرّ فيه المرء من أخيه. ويعني بقوله: يفرّ من أخيه: يفرّ عن أخيه ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ﴾ يعني: زوجته التي كانت زوجته في الدنيا ﴿وَبَنِيهِ﴾ حذرا من مطالبتهم إياه بما بينه وبينهم من التَّبعات والمظالم. وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يفرّ عن أخيه لئلا يراه، وما ينزل به، ﴿لكل امرئ﴾ يعني: من الرجل وأخيه وأمه وأبيه، وسائر من ذُكر في هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة إذا جاءت الصاخَّة يوم القيامة ﴿شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ يقول: أمر يغنيه، ويُشغِله عن شأن غيره. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أفضى إلى كلّ إنسان ما يشغله عن الناس. ⁕ حدثنا أبو عمارة المَرْوَزيّ الحسين بن حُريث، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن عائذ بن شريح، عن أنس قال: سألتْ عائشة رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، إني سائلتك عن حديث أخبرني أنت به، قال:" إن كانَ عِنْدي مِنْهُ عِلْمٌ" قالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر الرجال؟ قال: " حفاةً عُرَاةً "، ثم انتظرت ساعة فقالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر النساء؟ قال: " كَذلك حُفاةً عُرَاةً "، قالت: واسوأتاه من يوم القيامة، قال: " وعَنْ ذلك تَسألِيني؟ إنَّهُ قَدْ نزلَتْ عليّ آيَة لا يَضُرُّكِ كانَ عَلَيْكِ ثيابٌ أمْ لا "، قالت: أيّ آية هي يا نبيّ الله؟ قال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ قال: شأن قد شغله عن صاحبه. * * وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: وجوه يومئذ مشرقة مضيئة، وهي وجوه المؤمنين الذين قد رضى الله عنهم، يقال: أسفر وجه فلان: إذا حَسُن، ومنه أسفر الصبح: إذا أضاء، وكلّ مضيء فهو مسفر، وأما سَفَر بغير ألف، فإنما يقال للمرأة إذا ألقت نقابها عن وجهها أو برقعها، يقال: قد سَفَرت المرأة عن وجهها إذا فعلت ذلك فهي سافر؛ ومنه قول تَوْبَة بن الحُمَيِّر: وكُنْتُ إذا ما زُرْتُ لَيْلَى تَبرْقَعَتْ ... فَقَدْ رَابَنِي مِنْها الغَدَاةَ سُفُورُها [[الأثر ١٦١ - إسناده إلى مجاهد ضعيف. لأن سفيان، وهو الثوري، لم يسمع من مجاهد؛ لأن الثوري ولد سنة ٩٧، ومجاهد مات سنة ١٠٠ أو بعدها بقليل، والظاهر عندي أن هذه الرواية من أغلاط مهران بن أبي عمر، راويها عن الثوري، فإن رواياته عن الثوري فيها اضطراب كما بينا في الحديث الماضي ١١. وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١: ٤٤ دون نسبة ولا إسناد. وذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١٣، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.]] يعني بقوله: " سفورها " إلقاءها برقعها عن وجهها. ﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يقول: ضاحكة من السرور بما أعطاها الله من النعيم والكرامة ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ لما ترجو من الزيادة. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ يقول: مشرقة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ قال: هؤلاء أهل الجنة. * * وقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَوُجُوهٌ﴾ وهي وجوه الكفار يومئذ عليها غبرة. ذُكر أن البهائم التي يصيرها الله ترابا يومئذ بعد القضاء بينها، يحوّل ذلك التراب غَبَرة في وجوه أهل الكفر ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: يغشى تلك الوجوه قَتَرة، وهي الغَبَرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: تغشاها ذلة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ قال: هذه وجوه أهل النار؛ قال: والقَتَرة من الغَبَرة، قال: وهما واحد، قال: فأما في الدنيا فإن القترة: ما ارتفع، فلحق بالسماء، ورفعته الريح، تسميه العرب القترة، وما كان أسفل في الأرض فهو الغبرة. * * وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم يوم القيامة هم الكفرة بالله، كانوا في الدنيا الفجرة في دينهم، لا يبالون ما أتوا به من معاصي الله، وركبوا من محارمه، فجزاهم الله بسوء أعمالهم ما أخبر به عباده. آخر تفسير سورة عبس.
des arbres fruitiers ainsi que des plantes que broutent vos bêtes.
مَّتَٰعًۭا لَّكُمْ وَلِأَنْعَٰمِكُمْ
pour votre jouissance vous et vos bestiaux.
Tafsir (3)
يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ مِنْ بَنِي آدَمَ: (قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (قُتِلَ الإنْسَانُ) لُعِنَ الْإِنْسَانُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو مَالِكٍ. وَهَذَا لِجِنْسِ الْإِنْسَانِ الْمُكَذِّبِ؛ لِكَثْرَةِ تَكْذِيبِهِ بِلَا مُسْتَنَدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعَادِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "ابن جريح"]] (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ! وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَهُ كَافِرًا؟ أَيْ: مَا حَمَلَهُ عَلَى التَّكْذِيبِ بِالْمَعَادِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٥) ، وقد تصرف الحافظ هنا في كلامه]] . وَقَالَ قَتَادَةُ-وَقَدْ حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ عَنْ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ-: (مَا أَكْفَرَهُ) مَا أَلْعَنَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى لَهُ كَيْفَ خَلَقَهُ مِنَ الشَّيْءِ الْحَقِيرِ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ كَمَا بَدَأَهُ، فَقَالَ: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) أَيْ: قَدَّرَ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ يَسَّرَ عَلَيْهِ خُرُوجَهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٣] أَيْ: بَيَّنَّا [[في أ: "أي بيناه"]] لَهُ وَوَضَّحْنَاهُ وَسَهَّلْنَا عَلَيْهِ عَمَلَهُ [[في أ: "عمله".]] وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ زَيْدٍ. وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: إِنَّهُ بَعْدَ خَلْقِهِ لَهُ (أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أَيْ: جَعَلَهُ ذَا قَبْرٍ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: "قَبَرْتُ الرَّجُلَ": إِذَا وَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَقْبَرَهُ اللَّهُ. وَعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ، وَأَعْضَبَهُ اللَّهُ، وَبَتَرْتُ ذَنَبَ الْبَعِيرِ وَأَبْتَرَهُ اللَّهُ. وَطَرَدْتُ عَنِّي فُلَانًا، وَأَطْرَدَهُ اللَّهُ، أَيْ: جَعَلَهُ طَرِيدًا قَالَ الْأَعْشَى: لَو أسْنَدَتْ مَيتًا إِلَى نَحْرها [[في م، أ: "إلى صدرها".]] عَاش، وَلم يُنقَل إلى قَابِر [[البيت في تفسير الطبري (٣٠/٣٦) .]] وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٠] ، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٩] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أصبغُ بنُ الفَرج، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنْ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَأْكُلُ الترابُ كلَّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبُ ذَنَبه [[في أ: "إلا عجز الذنب".]] قِيلَ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ يُنْشَئُونَ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٦٠٩) من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب به، وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" قلت: دراج عن أبي الهيثم ضعيف.]] . وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلَفْظُهُ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلى إِلَّا عَجْبُ الذَّنَب، مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُركَّب" [[صحيح البخاري برقم (٤٨١٤) ، وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٥)]] . * * وَقَوْلُهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: كَلَّا لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَذَا الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ؛ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) يَقُولُ: لَمْ يُؤد مَا فُرض عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ رَوَى-هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ-مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قَالَ: لَا يَقْضِي أَحَدٌ أَبَدًا كُلَّ مَا افتُرض عَلَيْهِ. وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا. وَلَمْ أَجِدْ لِلْمُتَقَدِّمِينَ فِيهِ كَلامًا سِوَى هَذَا. وَالَّذِي يَقَعُ لِي فِي مَعْنَى ذَلِكَ-وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْمَعْنَى: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أَيْ: بَعَثَهُ، (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) [أَيْ] [[زيادة من م، أ.]] لَا يَفْعَلُهُ الْآنَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، وَيَفْرَغَ الْقَدَرُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِمَّنْ كَتَبَ تَعَالَى [[في م: "ممن كتب الله".]] لَهُ أَنْ سيُوجَدُ مِنْهُمْ، وَيُخْرَجُ إِلَى الدُّنْيَا، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ تَعَالَى كَوْنًا وَقَدَرًا، فَإِذَا تَنَاهَى ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْشَرَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ وَأَعَادَهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ. وَقَدْ رَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: قَالَ عُزَير، عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَالَ الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي: فَإِنَّ الْقُبُورَ هِيَ بطنُ الْأَرْضِ، وَإِنَّ الْأَرْضَ هِيَ أُمُّ الْخَلْقِ، فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ مَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ وَتَمَّتْ هَذِهِ القبورُ الَّتِي مَدّ اللَّهُ لَهَا، انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا وَمَاتَ مَنْ عَلَيْهَا، وَلَفَظَتِ الْأَرْضُ مَا فِي جَوْفِهَا، وَأَخْرَجَتِ القبورُ مَا فِيهَا، وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ، وَاللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ: [[في أ: "وقوله".]] (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) فِيهِ امْتِنَانٌ، وَفِيهِ اسْتِدْلَالٌ بِإِحْيَاءِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَامِ بَعْدَمَا كَانَتْ عَظَاما بَالِيَةً وَتُرَابًا مُتَمَزِّقًا، (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، (ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا) أَيْ: أَسْكَنَاهُ فِيهَا فَدَخَلَ فِي تُخُومها وتَخَلَّل فِي أَجْزَاءِ الْحَبِّ المودعَ فِيهَا فَنَبَتَ وَارْتَفَعَ وَظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا) فَالْحَبُّ: كُلُّ مَا يُذْكَرُ مِنَ الْحُبُوبِ، وَالْعِنَبُ مَعْرُوفٌ وَالْقَضْبُ هُوَ: الْفَصْفَصَةُ الَّتِي تَأْكُلُهَا الدَّوَابُّ رَطْبَةٌ. وَيُقَالُ لَهَا: القَتّ أَيْضًا قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ. وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْقَضْبُ الْعَلَفُ. (وَزَيْتُونًا) وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أدْمٌ وَعَصِيرُهُ أُدْمٌ، وَيُسْتَصْبَحُ بِهِ، وَيُدَّهَنُ بِهِ. (وَنَخْلا) يُؤْكَلُ بَلَحًا بُسْرًا، وَرُطَبًا، وَتَمْرًا، وَنِيئًا، وَمَطْبُوخًا، وَيُعْتَصَرُ مِنْهُ رُبٌّ وَخَلٌّ. (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أي: بساتين. قال الحسن، وقتادة: (َ غُلْبًا) نَخْلٌ غِلَاظٌ كِرَامٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: "الْحَدَائِقُ": كُلُّ مَا الْتَفَّ وَاجْتَمَعَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: (غُلْبًا) [[في م: "الغلب".]] الشَّجَرُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) أَيْ: طِوَالٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: (غُلْبًا) أَيْ: غِلَاظُ الْأَوْسَاطِ. وَفِي رِوَايَةٍ: غِلَاظُ الرِّقَابِ [[في م: "الأرقاب".]] ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الرَّجُلِ إِذَا كَانَ غَلِيظَ الرَّقَبَةِ قِيلَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَغْلَبُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِلْفَرَزْدَقِ: عَوَى فَأثارَ أغلبَ ضَيْغَمِيًا ... فَويلَ ابْنَ المَراغَة مَا استَثَارا [[تفسير الطبري (٣٠/٣٧)]] * * وَقَوْلُهُ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) أَمَّا الْفَاكِهَةُ فَهُوَ مَا يَتَفَكَّهُ بِهِ مِنَ الثِّمَارِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفَاكِهَةُ: كُلُّ مَا أُكِلَ رَطْبًا. وَالْأَبُّ مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ-وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ: هُوَ الْحَشِيشُ لِلْبَهَائِمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو مَالِكٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ زَيْدٍ: الْأَبُّ لِلْبَهَائِمِ كَالْفَاكِهَةِ لِبَنِي آدَمَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: كُلُّ شَيْءٍ نَبَتَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَيْءٍ أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ سِوَى الْفَاكِهَةِ فَهُوَ أبٌّ. وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: نَبْتُ الْأَرْضِ مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: عَدَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: الْأَبُّ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ لِلْأَنْعَامِ. هَذَا لَفْظُ أَبِي كُرَيْبٍ، وَقَالَ أَبُو السَّائِبِ: مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَتَأْكُلُ الْأَنْعَامُ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ: الْكَلَأُ وَالْمَرْعَى. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوشَب، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمي قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِنْ قلتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ [[فضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٢٢٧) ، وسبق الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَالصِّدِّيقِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فَلَمَّا أَتَيَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) قَالَ: عَرَفْنَا مَا الْفَاكِهَةُ، فَمَا الْأَبُّ؟ فَقَالَ: لَعَمْرُكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٨) ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/١٨٠) من طريق يزيد به، وتقدم الكلام عليه في مقدمة التفسير.]] . فَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ أَنَسٍ، بِهِ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ شَكْلَهُ وَجِنْسَهُ وَعَيْنَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ وَكُلُّ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، لِقَوْلِهِ: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) * * وَقَوْلُهُ: (مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ) أَيْ: عِيشَةً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿وَفاكِهَةً﴾ ما يأكله الناس من ثمار الأشجار، والأبّ: ما تأكله البهائم من العشب والنبات. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما يأكل ابن آدم. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما أكل الناس. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: أما الفاكهة فلكم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: الفاكهة لنا. ⁕ حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا حميد، قال أنس بن مالك: قرأ عمر ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ حتى أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد علمنا ما الفاكهة، فما الأبّ؟ ثم أحسبه " شك الطبري " قال: إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس، قال: قرأ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فلما أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد عرفنا الفاكهة. فما الأبّ؟ قال: لعمرك يا بن الخطاب إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس، قال: قرأ عمر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ ومعه عصا في يده، فقال: ما الأبّ، ثم قال: بحسبنا ما قد علمنا، وألقى العصا من يده. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أنس، عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إن هذا هو التكلف. قال: وحدثني قتادة، عن أنس، عن عمر بنحو هذا الحديث كله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب ويعقوب قالوا: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: عدّ سبعا جعل رزقه في سبعة، وجعله من سبعة، وقال في آخر ذلك: الأبّ: ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس. ⁕ حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا عاصم، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: نبت الأرض مما تأكله الدوابّ، ولا يأكله الناس. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب، قالا ثنا ابن إدريس، قال: ثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير، قال: عدّ ابن عباس، وقال: الأبّ: ما أنبتت الأرض للأنعام، وهذا لفظ حديث أبي كريب. وقال أبو السائب في حديثه: قال: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: الكلأ والمرعى كله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، قال: الأبّ النبات. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، مثله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش أو غيره، عن مجاهد، قال: الأبّ: المرعى. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: قال مجاهد: ﴿وأبًّا﴾ المرعى. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما تأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما أكلت الأنعام. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: أما الأبّ: فلأنعامكم نعم من الله متظاهرة. ⁕ حدثنا ابن بشر، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: العشب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، وقتادة، في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: هو ما تأكله الدوابّ. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وأبًّا﴾ يعني: المرعى. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ لأنعامنا، قال: والأبّ: ما ترعى. وقرأ: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ . قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس وعمرو بن الحارث، عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أنه سمع عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: قال الله: ﴿وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ كلّ هذا قد علمناه، فما الأبّ؟ ثم ضرب بيده، ثم قال: لعمرك إن هذا لهو التكلف، واتبعوا ما يتبين لكم في هذا الكتاب، قال عمر: وما يتبين فعليكم به، وما لا فدعوه. وقال آخرون: الأبّ: الثمار الرطبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وأبًّا﴾ يقول: الثمار الرطبة. * * وقوله: ﴿مَتاعا لَكُمْ﴾ يقول: أنبتنا هذه الأشياء التي يأكلها بنو آدم متاعا لكم أيها الناس، ومنفعة تتمتعون بها، وتنتفعون، والتي يأكلها الأنعام لأنعامكم، وأصل الأنعام الإبل، ثم تستعمل في كلّ راعية. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ قال: متاعا لكم الفاكهة، ولأنعامكم العشب. * * وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ ذُكر أنها اسم من أسماء القيامة، وأحسبها مأخوذة من قولهم: صاخ فلان لصوت فلان: إذا استمع له، إلا أن هذا يقال منه: هو مُصِيخ له، ولعلّ الصوت هو الصاخّ، فإن يكن ذلك كذلك، فينبغي أن يكون قبل ذلك لنفخة الصور. ذكر من قال: هو اسم من أسماء القيامة ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ قال: هذا من أسماء يوم القيامة عظَّمه الله، وحذّره عباده. * * وقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يقول: فإذا جاءت الصاخة في هذا اليوم الذي يفرّ فيه المرء من أخيه. ويعني بقوله: يفرّ من أخيه: يفرّ عن أخيه ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ﴾ يعني: زوجته التي كانت زوجته في الدنيا ﴿وَبَنِيهِ﴾ حذرا من مطالبتهم إياه بما بينه وبينهم من التَّبعات والمظالم. وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يفرّ عن أخيه لئلا يراه، وما ينزل به، ﴿لكل امرئ﴾ يعني: من الرجل وأخيه وأمه وأبيه، وسائر من ذُكر في هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة إذا جاءت الصاخَّة يوم القيامة ﴿شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ يقول: أمر يغنيه، ويُشغِله عن شأن غيره. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أفضى إلى كلّ إنسان ما يشغله عن الناس. ⁕ حدثنا أبو عمارة المَرْوَزيّ الحسين بن حُريث، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن عائذ بن شريح، عن أنس قال: سألتْ عائشة رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، إني سائلتك عن حديث أخبرني أنت به، قال:" إن كانَ عِنْدي مِنْهُ عِلْمٌ" قالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر الرجال؟ قال: " حفاةً عُرَاةً "، ثم انتظرت ساعة فقالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر النساء؟ قال: " كَذلك حُفاةً عُرَاةً "، قالت: واسوأتاه من يوم القيامة، قال: " وعَنْ ذلك تَسألِيني؟ إنَّهُ قَدْ نزلَتْ عليّ آيَة لا يَضُرُّكِ كانَ عَلَيْكِ ثيابٌ أمْ لا "، قالت: أيّ آية هي يا نبيّ الله؟ قال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ قال: شأن قد شغله عن صاحبه. * * وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: وجوه يومئذ مشرقة مضيئة، وهي وجوه المؤمنين الذين قد رضى الله عنهم، يقال: أسفر وجه فلان: إذا حَسُن، ومنه أسفر الصبح: إذا أضاء، وكلّ مضيء فهو مسفر، وأما سَفَر بغير ألف، فإنما يقال للمرأة إذا ألقت نقابها عن وجهها أو برقعها، يقال: قد سَفَرت المرأة عن وجهها إذا فعلت ذلك فهي سافر؛ ومنه قول تَوْبَة بن الحُمَيِّر: وكُنْتُ إذا ما زُرْتُ لَيْلَى تَبرْقَعَتْ ... فَقَدْ رَابَنِي مِنْها الغَدَاةَ سُفُورُها [[الأثر ١٦١ - إسناده إلى مجاهد ضعيف. لأن سفيان، وهو الثوري، لم يسمع من مجاهد؛ لأن الثوري ولد سنة ٩٧، ومجاهد مات سنة ١٠٠ أو بعدها بقليل، والظاهر عندي أن هذه الرواية من أغلاط مهران بن أبي عمر، راويها عن الثوري، فإن رواياته عن الثوري فيها اضطراب كما بينا في الحديث الماضي ١١. وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١: ٤٤ دون نسبة ولا إسناد. وذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١٣، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.]] يعني بقوله: " سفورها " إلقاءها برقعها عن وجهها. ﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يقول: ضاحكة من السرور بما أعطاها الله من النعيم والكرامة ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ لما ترجو من الزيادة. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ يقول: مشرقة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ قال: هؤلاء أهل الجنة. * * وقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَوُجُوهٌ﴾ وهي وجوه الكفار يومئذ عليها غبرة. ذُكر أن البهائم التي يصيرها الله ترابا يومئذ بعد القضاء بينها، يحوّل ذلك التراب غَبَرة في وجوه أهل الكفر ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: يغشى تلك الوجوه قَتَرة، وهي الغَبَرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: تغشاها ذلة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ قال: هذه وجوه أهل النار؛ قال: والقَتَرة من الغَبَرة، قال: وهما واحد، قال: فأما في الدنيا فإن القترة: ما ارتفع، فلحق بالسماء، ورفعته الريح، تسميه العرب القترة، وما كان أسفل في الأرض فهو الغبرة. * * وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم يوم القيامة هم الكفرة بالله، كانوا في الدنيا الفجرة في دينهم، لا يبالون ما أتوا به من معاصي الله، وركبوا من محارمه، فجزاهم الله بسوء أعمالهم ما أخبر به عباده. آخر تفسير سورة عبس.
Tout ceci représente des bienfaits pour vous et pour vos bêtes.
فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ
Puis quand viendra le Fracas,
Tafsir (3)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (الصَّاخَّةُ) اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عَظَّمَهُ اللَّهُ، وحَذّره عِبَادَهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَعَلَّهُ اسْمٌ لِلنَّفْخَةِ فِي الصُّورِ. وَقَالَ البَغَويّ: (الصَّاخَّةُ) يَعْنِي صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَصُخّ الْأَسْمَاعَ، أَيْ: تُبَالِغُ فِي إِسْمَاعِهَا حَتَّى تَكَادَ تُصمّها [[في أ: "تصخها".]] . (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) أَيْ: يَرَاهُمْ، وَيَفِرُّ مِنْهُمْ، وَيَبْتَعِدُ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْهَوْلَ عَظِيمٌ، وَالْخَطْبَ جَلِيلٌ. قَالَ عِكْرِمَةُ: يَلْقَى الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ فَيَقُولُ لَهَا: يَا هَذِهِ، أَيُّ بَعْلٍ كنتُ لَكِ؟ فَتَقُولُ: نِعْمَ الْبَعْلُ كنتَ! وَتُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَتْ، فَيَقُولُ لَهَا: فَإِنِّي أطلبُ إِلَيْكِ اليومَ حَسَنَةً وَاحِدَةً تَهَبِينَهَا [[في أ: "تهبيها".]] لِي لَعَلِّي أَنْجُو مِمَّا تَرَيْنَ. فَتَقُولُ لَهُ: مَا أَيْسَرَ مَا طلبتَ، وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَخَافُ. قَالَ: وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَلْقَى ابْنَهُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ، أَيُّ وَالِدٍ كنتُ لَكَ؟ فَيُثْنِي بِخَيْرٍ. فيقولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ لَعَلِّي أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى. فَيَقُولُ وَلَدُهُ: يَا أَبَتِ، مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ، وَلَكِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَتَخَوَّفُ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ-فِي أَمْرِ الشَّفَاعَةِ-: أَنَّهُ إِذَا طُلِبَ إِلَى كُلٍّ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ أَنْ يَشْفَعَ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْخَلَائِقِ، يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي، لَا أَسْأَلُهُ اليومَ إِلَّا نَفْسِي، حَتَّى إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يَقُولُ: لَا أَسْأَلُهُ الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي، لَا أَسْأَلُهُ مَرْيَمَ الَّتِي وَلَدَتْنِي. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) [[أحاديث الشفاعة سبقت عند تفسير أول سورة الإسراء.]] . قَالَ قَتَادَةُ: الْأَحَبُّ فالأحبَ، وَالْأَقْرَبُ فالأقربَ، مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. * * وَقَوْلُهُ: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) أَيْ: هُوَ فِي شُغُل شَاغِلٍ عَنْ غَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ أَبُو زَيْدٍ الْعَبَّادَانِيُّ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرلا " قَالَ: فَقَالَتْ زوجته: يا رسول الله، أوَ يرى [[في م: "يا رسول الله، ننظر أو يرى".]] بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) أَوْ قَالَ: "مَا أَشْغَلَهُ عَنِ النَّظَرِ". وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مُنْفَرِدًا بِهِ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ عَارِمٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ-وَهُوَ أَبُو زَيْدٍ الْأَحْوَلُ الْبَصْرِيُّ، أَحَدُ الثِّقَاتِ-عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ [[سنن النسائي الكبري برقم (١١٦٤٧) .]] وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يزيد، عن هلال ابن خَبَّاب، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تُحشَرون حُفاة عُرَاة غُرْلا". فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَيُبْصِرُ-أَوْ: يَرَى-بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: "يَا فُلَانَةُ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[سنن الترمذي برقم (٣٣٣٢) .]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[في أ: "رضي الله تعالى عنهما".]] . وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا". فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِالْعَوْرَاتِ؟ فَقَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٤٨) .]] . انْفَرَدَ بِهِ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عائد ابن شُرَيح، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَأَلَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنِّي سَائِلَتُكَ عَنْ حَدِيثٍ فَتُخْبِرُنِي أنتَ بِهِ. فَقَالَ: "إِنْ كَانَ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ". قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحشر الرِّجَالُ؟ قَالَ: "حُفَاةً عُرَاةً". ثُمَّ انتظَرتْ سَاعَةً فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ النِّسَاءُ؟ قَالَ: "كَذَلِكَ حُفَاةً عُرَاةً". قَالَتْ: وَاسَوْأَتَاهُ مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ! قَالَ: "وَعَنْ أَيِّ ذَلِكَ تَسْأَلِينَ؟ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيَّ آيَةٌ لَا يَضُرُّكِ كَانَ عَلَيْكِ ثِيَابٌ أَوْ لَا يَكُونُ". قَالَتْ: أيةُ آيَةٍ هِيَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[ورواه الطبري في تفسيره (٣٠/٣٩) ، عن الحسين بن حريث عن الفضل بن موسى به.]] . وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُبْعَثُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ، وَبَلَغَ شُحُومَ الْآذَانِ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاسَوْأَتَاهُ يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: "قَدْ شُغل النَّاسُ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٣٤٠) ، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥١٤) من طريق إسماعيل بن إسحاق، عن إسماعيل بن أبي أويس به نحوه. وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولم يخرجاه بهذا اللفظ".]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ جِدًّا، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي عَمَّارٍ الْحُسَيْنِ بْنِ حُرَيْثٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، بِهِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٩)]] . وَلَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: عَائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ ضَعِيفٌ، فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ [[الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) أَيْ: يَكُونُ النَّاسُ هُنَالِكَ فَرِيقَيْنِ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ) أَيْ: مُسْتَنِيرَةٌ، (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) أَيْ: مَسْرُورَةٌ فَرِحَةٌ مِنْ سُرُورِ قُلُوبِهِمْ، قَدْ ظَهَرَ الْبِشْرُ عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْجَنَّةِ. (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) أَيْ: يَعْلُوهَا وَيَغْشَاهَا [[في م: "تعلوها وتغشاها".]] قَتَرَةٌ، أَيْ: سَوَادٌ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدٌ مَوْلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُلْجِمُ الكافرَ العرقُ ثُمَّ تَقَعُ الغُبْرة عَلَى وُجُوهِهِمْ". قَالَ: فَهُوَ قَوْلُهُ: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ) [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٨/٤٢٤) ، وله شاهد من حديث ابن مسعود: رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٥٨٢) "موارد" من طريق شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ ابن مسعود مرفوعا: "إن الكافر ليلجمه العرق يوم القيامة فيقول: أرحنى ولو إلى النار".]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) أَيْ: يَغْشَاهَا سَوَادُ الْوُجُوهِ. * * وَقَوْلُهُ: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) أَيِ: الْكَفَرَةُ قُلُوبُهُمْ، الْفَجَرَةُ فِي أَعْمَالِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٧] . آخِرُ تفسير سورة "عبس" ولله الحمد والمنة.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿وَفاكِهَةً﴾ ما يأكله الناس من ثمار الأشجار، والأبّ: ما تأكله البهائم من العشب والنبات. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما يأكل ابن آدم. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما أكل الناس. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: أما الفاكهة فلكم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: الفاكهة لنا. ⁕ حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا حميد، قال أنس بن مالك: قرأ عمر ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ حتى أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد علمنا ما الفاكهة، فما الأبّ؟ ثم أحسبه " شك الطبري " قال: إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس، قال: قرأ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فلما أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد عرفنا الفاكهة. فما الأبّ؟ قال: لعمرك يا بن الخطاب إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس، قال: قرأ عمر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ ومعه عصا في يده، فقال: ما الأبّ، ثم قال: بحسبنا ما قد علمنا، وألقى العصا من يده. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أنس، عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إن هذا هو التكلف. قال: وحدثني قتادة، عن أنس، عن عمر بنحو هذا الحديث كله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب ويعقوب قالوا: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: عدّ سبعا جعل رزقه في سبعة، وجعله من سبعة، وقال في آخر ذلك: الأبّ: ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس. ⁕ حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا عاصم، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: نبت الأرض مما تأكله الدوابّ، ولا يأكله الناس. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب، قالا ثنا ابن إدريس، قال: ثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير، قال: عدّ ابن عباس، وقال: الأبّ: ما أنبتت الأرض للأنعام، وهذا لفظ حديث أبي كريب. وقال أبو السائب في حديثه: قال: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: الكلأ والمرعى كله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، قال: الأبّ النبات. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، مثله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش أو غيره، عن مجاهد، قال: الأبّ: المرعى. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: قال مجاهد: ﴿وأبًّا﴾ المرعى. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما تأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما أكلت الأنعام. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: أما الأبّ: فلأنعامكم نعم من الله متظاهرة. ⁕ حدثنا ابن بشر، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: العشب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، وقتادة، في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: هو ما تأكله الدوابّ. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وأبًّا﴾ يعني: المرعى. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ لأنعامنا، قال: والأبّ: ما ترعى. وقرأ: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ . قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس وعمرو بن الحارث، عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أنه سمع عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: قال الله: ﴿وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ كلّ هذا قد علمناه، فما الأبّ؟ ثم ضرب بيده، ثم قال: لعمرك إن هذا لهو التكلف، واتبعوا ما يتبين لكم في هذا الكتاب، قال عمر: وما يتبين فعليكم به، وما لا فدعوه. وقال آخرون: الأبّ: الثمار الرطبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وأبًّا﴾ يقول: الثمار الرطبة. * * وقوله: ﴿مَتاعا لَكُمْ﴾ يقول: أنبتنا هذه الأشياء التي يأكلها بنو آدم متاعا لكم أيها الناس، ومنفعة تتمتعون بها، وتنتفعون، والتي يأكلها الأنعام لأنعامكم، وأصل الأنعام الإبل، ثم تستعمل في كلّ راعية. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ قال: متاعا لكم الفاكهة، ولأنعامكم العشب. * * وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ ذُكر أنها اسم من أسماء القيامة، وأحسبها مأخوذة من قولهم: صاخ فلان لصوت فلان: إذا استمع له، إلا أن هذا يقال منه: هو مُصِيخ له، ولعلّ الصوت هو الصاخّ، فإن يكن ذلك كذلك، فينبغي أن يكون قبل ذلك لنفخة الصور. ذكر من قال: هو اسم من أسماء القيامة ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ قال: هذا من أسماء يوم القيامة عظَّمه الله، وحذّره عباده. * * وقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يقول: فإذا جاءت الصاخة في هذا اليوم الذي يفرّ فيه المرء من أخيه. ويعني بقوله: يفرّ من أخيه: يفرّ عن أخيه ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ﴾ يعني: زوجته التي كانت زوجته في الدنيا ﴿وَبَنِيهِ﴾ حذرا من مطالبتهم إياه بما بينه وبينهم من التَّبعات والمظالم. وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يفرّ عن أخيه لئلا يراه، وما ينزل به، ﴿لكل امرئ﴾ يعني: من الرجل وأخيه وأمه وأبيه، وسائر من ذُكر في هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة إذا جاءت الصاخَّة يوم القيامة ﴿شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ يقول: أمر يغنيه، ويُشغِله عن شأن غيره. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أفضى إلى كلّ إنسان ما يشغله عن الناس. ⁕ حدثنا أبو عمارة المَرْوَزيّ الحسين بن حُريث، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن عائذ بن شريح، عن أنس قال: سألتْ عائشة رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، إني سائلتك عن حديث أخبرني أنت به، قال:" إن كانَ عِنْدي مِنْهُ عِلْمٌ" قالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر الرجال؟ قال: " حفاةً عُرَاةً "، ثم انتظرت ساعة فقالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر النساء؟ قال: " كَذلك حُفاةً عُرَاةً "، قالت: واسوأتاه من يوم القيامة، قال: " وعَنْ ذلك تَسألِيني؟ إنَّهُ قَدْ نزلَتْ عليّ آيَة لا يَضُرُّكِ كانَ عَلَيْكِ ثيابٌ أمْ لا "، قالت: أيّ آية هي يا نبيّ الله؟ قال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ قال: شأن قد شغله عن صاحبه. * * وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: وجوه يومئذ مشرقة مضيئة، وهي وجوه المؤمنين الذين قد رضى الله عنهم، يقال: أسفر وجه فلان: إذا حَسُن، ومنه أسفر الصبح: إذا أضاء، وكلّ مضيء فهو مسفر، وأما سَفَر بغير ألف، فإنما يقال للمرأة إذا ألقت نقابها عن وجهها أو برقعها، يقال: قد سَفَرت المرأة عن وجهها إذا فعلت ذلك فهي سافر؛ ومنه قول تَوْبَة بن الحُمَيِّر: وكُنْتُ إذا ما زُرْتُ لَيْلَى تَبرْقَعَتْ ... فَقَدْ رَابَنِي مِنْها الغَدَاةَ سُفُورُها [[الأثر ١٦١ - إسناده إلى مجاهد ضعيف. لأن سفيان، وهو الثوري، لم يسمع من مجاهد؛ لأن الثوري ولد سنة ٩٧، ومجاهد مات سنة ١٠٠ أو بعدها بقليل، والظاهر عندي أن هذه الرواية من أغلاط مهران بن أبي عمر، راويها عن الثوري، فإن رواياته عن الثوري فيها اضطراب كما بينا في الحديث الماضي ١١. وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١: ٤٤ دون نسبة ولا إسناد. وذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١٣، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.]] يعني بقوله: " سفورها " إلقاءها برقعها عن وجهها. ﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يقول: ضاحكة من السرور بما أعطاها الله من النعيم والكرامة ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ لما ترجو من الزيادة. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ يقول: مشرقة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ قال: هؤلاء أهل الجنة. * * وقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَوُجُوهٌ﴾ وهي وجوه الكفار يومئذ عليها غبرة. ذُكر أن البهائم التي يصيرها الله ترابا يومئذ بعد القضاء بينها، يحوّل ذلك التراب غَبَرة في وجوه أهل الكفر ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: يغشى تلك الوجوه قَتَرة، وهي الغَبَرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: تغشاها ذلة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ قال: هذه وجوه أهل النار؛ قال: والقَتَرة من الغَبَرة، قال: وهما واحد، قال: فأما في الدنيا فإن القترة: ما ارتفع، فلحق بالسماء، ورفعته الريح، تسميه العرب القترة، وما كان أسفل في الأرض فهو الغبرة. * * وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم يوم القيامة هم الكفرة بالله، كانوا في الدنيا الفجرة في دينهم، لا يبالون ما أتوا به من معاصي الله، وركبوا من محارمه، فجزاهم الله بسوء أعمالهم ما أخبر به عباده. آخر تفسير سورة عبس.
Lorsque retentira le Fracas (`aş-şâkhkhatu(şâkhkhah)), le bruit qui assourdira les oreilles. Il s’agit du second souffle dans la Trompe.
يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ
le jour où l'homme s'enfuira de son frère,
Tafsir (3)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (الصَّاخَّةُ) اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عَظَّمَهُ اللَّهُ، وحَذّره عِبَادَهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَعَلَّهُ اسْمٌ لِلنَّفْخَةِ فِي الصُّورِ. وَقَالَ البَغَويّ: (الصَّاخَّةُ) يَعْنِي صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَصُخّ الْأَسْمَاعَ، أَيْ: تُبَالِغُ فِي إِسْمَاعِهَا حَتَّى تَكَادَ تُصمّها [[في أ: "تصخها".]] . (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) أَيْ: يَرَاهُمْ، وَيَفِرُّ مِنْهُمْ، وَيَبْتَعِدُ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْهَوْلَ عَظِيمٌ، وَالْخَطْبَ جَلِيلٌ. قَالَ عِكْرِمَةُ: يَلْقَى الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ فَيَقُولُ لَهَا: يَا هَذِهِ، أَيُّ بَعْلٍ كنتُ لَكِ؟ فَتَقُولُ: نِعْمَ الْبَعْلُ كنتَ! وَتُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَتْ، فَيَقُولُ لَهَا: فَإِنِّي أطلبُ إِلَيْكِ اليومَ حَسَنَةً وَاحِدَةً تَهَبِينَهَا [[في أ: "تهبيها".]] لِي لَعَلِّي أَنْجُو مِمَّا تَرَيْنَ. فَتَقُولُ لَهُ: مَا أَيْسَرَ مَا طلبتَ، وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَخَافُ. قَالَ: وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَلْقَى ابْنَهُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ، أَيُّ وَالِدٍ كنتُ لَكَ؟ فَيُثْنِي بِخَيْرٍ. فيقولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ لَعَلِّي أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى. فَيَقُولُ وَلَدُهُ: يَا أَبَتِ، مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ، وَلَكِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَتَخَوَّفُ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ-فِي أَمْرِ الشَّفَاعَةِ-: أَنَّهُ إِذَا طُلِبَ إِلَى كُلٍّ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ أَنْ يَشْفَعَ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْخَلَائِقِ، يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي، لَا أَسْأَلُهُ اليومَ إِلَّا نَفْسِي، حَتَّى إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يَقُولُ: لَا أَسْأَلُهُ الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي، لَا أَسْأَلُهُ مَرْيَمَ الَّتِي وَلَدَتْنِي. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) [[أحاديث الشفاعة سبقت عند تفسير أول سورة الإسراء.]] . قَالَ قَتَادَةُ: الْأَحَبُّ فالأحبَ، وَالْأَقْرَبُ فالأقربَ، مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. * * وَقَوْلُهُ: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) أَيْ: هُوَ فِي شُغُل شَاغِلٍ عَنْ غَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ أَبُو زَيْدٍ الْعَبَّادَانِيُّ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرلا " قَالَ: فَقَالَتْ زوجته: يا رسول الله، أوَ يرى [[في م: "يا رسول الله، ننظر أو يرى".]] بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) أَوْ قَالَ: "مَا أَشْغَلَهُ عَنِ النَّظَرِ". وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مُنْفَرِدًا بِهِ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ عَارِمٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ-وَهُوَ أَبُو زَيْدٍ الْأَحْوَلُ الْبَصْرِيُّ، أَحَدُ الثِّقَاتِ-عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ [[سنن النسائي الكبري برقم (١١٦٤٧) .]] وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يزيد، عن هلال ابن خَبَّاب، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تُحشَرون حُفاة عُرَاة غُرْلا". فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَيُبْصِرُ-أَوْ: يَرَى-بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: "يَا فُلَانَةُ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[سنن الترمذي برقم (٣٣٣٢) .]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[في أ: "رضي الله تعالى عنهما".]] . وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا". فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِالْعَوْرَاتِ؟ فَقَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٤٨) .]] . انْفَرَدَ بِهِ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عائد ابن شُرَيح، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَأَلَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنِّي سَائِلَتُكَ عَنْ حَدِيثٍ فَتُخْبِرُنِي أنتَ بِهِ. فَقَالَ: "إِنْ كَانَ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ". قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحشر الرِّجَالُ؟ قَالَ: "حُفَاةً عُرَاةً". ثُمَّ انتظَرتْ سَاعَةً فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ النِّسَاءُ؟ قَالَ: "كَذَلِكَ حُفَاةً عُرَاةً". قَالَتْ: وَاسَوْأَتَاهُ مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ! قَالَ: "وَعَنْ أَيِّ ذَلِكَ تَسْأَلِينَ؟ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيَّ آيَةٌ لَا يَضُرُّكِ كَانَ عَلَيْكِ ثِيَابٌ أَوْ لَا يَكُونُ". قَالَتْ: أيةُ آيَةٍ هِيَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[ورواه الطبري في تفسيره (٣٠/٣٩) ، عن الحسين بن حريث عن الفضل بن موسى به.]] . وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُبْعَثُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ، وَبَلَغَ شُحُومَ الْآذَانِ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاسَوْأَتَاهُ يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: "قَدْ شُغل النَّاسُ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٣٤٠) ، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥١٤) من طريق إسماعيل بن إسحاق، عن إسماعيل بن أبي أويس به نحوه. وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولم يخرجاه بهذا اللفظ".]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ جِدًّا، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي عَمَّارٍ الْحُسَيْنِ بْنِ حُرَيْثٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، بِهِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٩)]] . وَلَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: عَائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ ضَعِيفٌ، فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ [[الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) أَيْ: يَكُونُ النَّاسُ هُنَالِكَ فَرِيقَيْنِ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ) أَيْ: مُسْتَنِيرَةٌ، (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) أَيْ: مَسْرُورَةٌ فَرِحَةٌ مِنْ سُرُورِ قُلُوبِهِمْ، قَدْ ظَهَرَ الْبِشْرُ عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْجَنَّةِ. (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) أَيْ: يَعْلُوهَا وَيَغْشَاهَا [[في م: "تعلوها وتغشاها".]] قَتَرَةٌ، أَيْ: سَوَادٌ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدٌ مَوْلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُلْجِمُ الكافرَ العرقُ ثُمَّ تَقَعُ الغُبْرة عَلَى وُجُوهِهِمْ". قَالَ: فَهُوَ قَوْلُهُ: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ) [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٨/٤٢٤) ، وله شاهد من حديث ابن مسعود: رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٥٨٢) "موارد" من طريق شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ ابن مسعود مرفوعا: "إن الكافر ليلجمه العرق يوم القيامة فيقول: أرحنى ولو إلى النار".]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) أَيْ: يَغْشَاهَا سَوَادُ الْوُجُوهِ. * * وَقَوْلُهُ: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) أَيِ: الْكَفَرَةُ قُلُوبُهُمْ، الْفَجَرَةُ فِي أَعْمَالِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٧] . آخِرُ تفسير سورة "عبس" ولله الحمد والمنة.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿وَفاكِهَةً﴾ ما يأكله الناس من ثمار الأشجار، والأبّ: ما تأكله البهائم من العشب والنبات. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما يأكل ابن آدم. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما أكل الناس. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: أما الفاكهة فلكم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: الفاكهة لنا. ⁕ حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا حميد، قال أنس بن مالك: قرأ عمر ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ حتى أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد علمنا ما الفاكهة، فما الأبّ؟ ثم أحسبه " شك الطبري " قال: إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس، قال: قرأ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فلما أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد عرفنا الفاكهة. فما الأبّ؟ قال: لعمرك يا بن الخطاب إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس، قال: قرأ عمر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ ومعه عصا في يده، فقال: ما الأبّ، ثم قال: بحسبنا ما قد علمنا، وألقى العصا من يده. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أنس، عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إن هذا هو التكلف. قال: وحدثني قتادة، عن أنس، عن عمر بنحو هذا الحديث كله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب ويعقوب قالوا: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: عدّ سبعا جعل رزقه في سبعة، وجعله من سبعة، وقال في آخر ذلك: الأبّ: ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس. ⁕ حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا عاصم، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: نبت الأرض مما تأكله الدوابّ، ولا يأكله الناس. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب، قالا ثنا ابن إدريس، قال: ثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير، قال: عدّ ابن عباس، وقال: الأبّ: ما أنبتت الأرض للأنعام، وهذا لفظ حديث أبي كريب. وقال أبو السائب في حديثه: قال: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: الكلأ والمرعى كله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، قال: الأبّ النبات. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، مثله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش أو غيره، عن مجاهد، قال: الأبّ: المرعى. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: قال مجاهد: ﴿وأبًّا﴾ المرعى. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما تأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما أكلت الأنعام. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: أما الأبّ: فلأنعامكم نعم من الله متظاهرة. ⁕ حدثنا ابن بشر، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: العشب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، وقتادة، في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: هو ما تأكله الدوابّ. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وأبًّا﴾ يعني: المرعى. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ لأنعامنا، قال: والأبّ: ما ترعى. وقرأ: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ . قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس وعمرو بن الحارث، عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أنه سمع عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: قال الله: ﴿وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ كلّ هذا قد علمناه، فما الأبّ؟ ثم ضرب بيده، ثم قال: لعمرك إن هذا لهو التكلف، واتبعوا ما يتبين لكم في هذا الكتاب، قال عمر: وما يتبين فعليكم به، وما لا فدعوه. وقال آخرون: الأبّ: الثمار الرطبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وأبًّا﴾ يقول: الثمار الرطبة. * * وقوله: ﴿مَتاعا لَكُمْ﴾ يقول: أنبتنا هذه الأشياء التي يأكلها بنو آدم متاعا لكم أيها الناس، ومنفعة تتمتعون بها، وتنتفعون، والتي يأكلها الأنعام لأنعامكم، وأصل الأنعام الإبل، ثم تستعمل في كلّ راعية. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ قال: متاعا لكم الفاكهة، ولأنعامكم العشب. * * وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ ذُكر أنها اسم من أسماء القيامة، وأحسبها مأخوذة من قولهم: صاخ فلان لصوت فلان: إذا استمع له، إلا أن هذا يقال منه: هو مُصِيخ له، ولعلّ الصوت هو الصاخّ، فإن يكن ذلك كذلك، فينبغي أن يكون قبل ذلك لنفخة الصور. ذكر من قال: هو اسم من أسماء القيامة ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ قال: هذا من أسماء يوم القيامة عظَّمه الله، وحذّره عباده. * * وقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يقول: فإذا جاءت الصاخة في هذا اليوم الذي يفرّ فيه المرء من أخيه. ويعني بقوله: يفرّ من أخيه: يفرّ عن أخيه ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ﴾ يعني: زوجته التي كانت زوجته في الدنيا ﴿وَبَنِيهِ﴾ حذرا من مطالبتهم إياه بما بينه وبينهم من التَّبعات والمظالم. وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يفرّ عن أخيه لئلا يراه، وما ينزل به، ﴿لكل امرئ﴾ يعني: من الرجل وأخيه وأمه وأبيه، وسائر من ذُكر في هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة إذا جاءت الصاخَّة يوم القيامة ﴿شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ يقول: أمر يغنيه، ويُشغِله عن شأن غيره. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أفضى إلى كلّ إنسان ما يشغله عن الناس. ⁕ حدثنا أبو عمارة المَرْوَزيّ الحسين بن حُريث، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن عائذ بن شريح، عن أنس قال: سألتْ عائشة رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، إني سائلتك عن حديث أخبرني أنت به، قال:" إن كانَ عِنْدي مِنْهُ عِلْمٌ" قالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر الرجال؟ قال: " حفاةً عُرَاةً "، ثم انتظرت ساعة فقالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر النساء؟ قال: " كَذلك حُفاةً عُرَاةً "، قالت: واسوأتاه من يوم القيامة، قال: " وعَنْ ذلك تَسألِيني؟ إنَّهُ قَدْ نزلَتْ عليّ آيَة لا يَضُرُّكِ كانَ عَلَيْكِ ثيابٌ أمْ لا "، قالت: أيّ آية هي يا نبيّ الله؟ قال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ قال: شأن قد شغله عن صاحبه. * * وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: وجوه يومئذ مشرقة مضيئة، وهي وجوه المؤمنين الذين قد رضى الله عنهم، يقال: أسفر وجه فلان: إذا حَسُن، ومنه أسفر الصبح: إذا أضاء، وكلّ مضيء فهو مسفر، وأما سَفَر بغير ألف، فإنما يقال للمرأة إذا ألقت نقابها عن وجهها أو برقعها، يقال: قد سَفَرت المرأة عن وجهها إذا فعلت ذلك فهي سافر؛ ومنه قول تَوْبَة بن الحُمَيِّر: وكُنْتُ إذا ما زُرْتُ لَيْلَى تَبرْقَعَتْ ... فَقَدْ رَابَنِي مِنْها الغَدَاةَ سُفُورُها [[الأثر ١٦١ - إسناده إلى مجاهد ضعيف. لأن سفيان، وهو الثوري، لم يسمع من مجاهد؛ لأن الثوري ولد سنة ٩٧، ومجاهد مات سنة ١٠٠ أو بعدها بقليل، والظاهر عندي أن هذه الرواية من أغلاط مهران بن أبي عمر، راويها عن الثوري، فإن رواياته عن الثوري فيها اضطراب كما بينا في الحديث الماضي ١١. وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١: ٤٤ دون نسبة ولا إسناد. وذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١٣، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.]] يعني بقوله: " سفورها " إلقاءها برقعها عن وجهها. ﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يقول: ضاحكة من السرور بما أعطاها الله من النعيم والكرامة ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ لما ترجو من الزيادة. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ يقول: مشرقة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ قال: هؤلاء أهل الجنة. * * وقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَوُجُوهٌ﴾ وهي وجوه الكفار يومئذ عليها غبرة. ذُكر أن البهائم التي يصيرها الله ترابا يومئذ بعد القضاء بينها، يحوّل ذلك التراب غَبَرة في وجوه أهل الكفر ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: يغشى تلك الوجوه قَتَرة، وهي الغَبَرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: تغشاها ذلة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ قال: هذه وجوه أهل النار؛ قال: والقَتَرة من الغَبَرة، قال: وهما واحد، قال: فأما في الدنيا فإن القترة: ما ارتفع، فلحق بالسماء، ورفعته الريح، تسميه العرب القترة، وما كان أسفل في الأرض فهو الغبرة. * * وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم يوم القيامة هم الكفرة بالله، كانوا في الدنيا الفجرة في دينهم، لا يبالون ما أتوا به من معاصي الله، وركبوا من محارمه، فجزاهم الله بسوء أعمالهم ما أخبر به عباده. آخر تفسير سورة عبس.
Ce Jour-là, l’être humain fuira son frère,
وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ
de sa mère, de son père,
Tafsir (3)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (الصَّاخَّةُ) اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عَظَّمَهُ اللَّهُ، وحَذّره عِبَادَهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَعَلَّهُ اسْمٌ لِلنَّفْخَةِ فِي الصُّورِ. وَقَالَ البَغَويّ: (الصَّاخَّةُ) يَعْنِي صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَصُخّ الْأَسْمَاعَ، أَيْ: تُبَالِغُ فِي إِسْمَاعِهَا حَتَّى تَكَادَ تُصمّها [[في أ: "تصخها".]] . (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) أَيْ: يَرَاهُمْ، وَيَفِرُّ مِنْهُمْ، وَيَبْتَعِدُ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْهَوْلَ عَظِيمٌ، وَالْخَطْبَ جَلِيلٌ. قَالَ عِكْرِمَةُ: يَلْقَى الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ فَيَقُولُ لَهَا: يَا هَذِهِ، أَيُّ بَعْلٍ كنتُ لَكِ؟ فَتَقُولُ: نِعْمَ الْبَعْلُ كنتَ! وَتُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَتْ، فَيَقُولُ لَهَا: فَإِنِّي أطلبُ إِلَيْكِ اليومَ حَسَنَةً وَاحِدَةً تَهَبِينَهَا [[في أ: "تهبيها".]] لِي لَعَلِّي أَنْجُو مِمَّا تَرَيْنَ. فَتَقُولُ لَهُ: مَا أَيْسَرَ مَا طلبتَ، وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَخَافُ. قَالَ: وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَلْقَى ابْنَهُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ، أَيُّ وَالِدٍ كنتُ لَكَ؟ فَيُثْنِي بِخَيْرٍ. فيقولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ لَعَلِّي أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى. فَيَقُولُ وَلَدُهُ: يَا أَبَتِ، مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ، وَلَكِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَتَخَوَّفُ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ-فِي أَمْرِ الشَّفَاعَةِ-: أَنَّهُ إِذَا طُلِبَ إِلَى كُلٍّ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ أَنْ يَشْفَعَ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْخَلَائِقِ، يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي، لَا أَسْأَلُهُ اليومَ إِلَّا نَفْسِي، حَتَّى إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يَقُولُ: لَا أَسْأَلُهُ الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي، لَا أَسْأَلُهُ مَرْيَمَ الَّتِي وَلَدَتْنِي. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) [[أحاديث الشفاعة سبقت عند تفسير أول سورة الإسراء.]] . قَالَ قَتَادَةُ: الْأَحَبُّ فالأحبَ، وَالْأَقْرَبُ فالأقربَ، مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. * * وَقَوْلُهُ: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) أَيْ: هُوَ فِي شُغُل شَاغِلٍ عَنْ غَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ أَبُو زَيْدٍ الْعَبَّادَانِيُّ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرلا " قَالَ: فَقَالَتْ زوجته: يا رسول الله، أوَ يرى [[في م: "يا رسول الله، ننظر أو يرى".]] بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) أَوْ قَالَ: "مَا أَشْغَلَهُ عَنِ النَّظَرِ". وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مُنْفَرِدًا بِهِ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ عَارِمٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ-وَهُوَ أَبُو زَيْدٍ الْأَحْوَلُ الْبَصْرِيُّ، أَحَدُ الثِّقَاتِ-عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ [[سنن النسائي الكبري برقم (١١٦٤٧) .]] وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يزيد، عن هلال ابن خَبَّاب، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تُحشَرون حُفاة عُرَاة غُرْلا". فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَيُبْصِرُ-أَوْ: يَرَى-بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: "يَا فُلَانَةُ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[سنن الترمذي برقم (٣٣٣٢) .]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[في أ: "رضي الله تعالى عنهما".]] . وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا". فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِالْعَوْرَاتِ؟ فَقَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٤٨) .]] . انْفَرَدَ بِهِ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عائد ابن شُرَيح، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَأَلَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنِّي سَائِلَتُكَ عَنْ حَدِيثٍ فَتُخْبِرُنِي أنتَ بِهِ. فَقَالَ: "إِنْ كَانَ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ". قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحشر الرِّجَالُ؟ قَالَ: "حُفَاةً عُرَاةً". ثُمَّ انتظَرتْ سَاعَةً فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ النِّسَاءُ؟ قَالَ: "كَذَلِكَ حُفَاةً عُرَاةً". قَالَتْ: وَاسَوْأَتَاهُ مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ! قَالَ: "وَعَنْ أَيِّ ذَلِكَ تَسْأَلِينَ؟ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيَّ آيَةٌ لَا يَضُرُّكِ كَانَ عَلَيْكِ ثِيَابٌ أَوْ لَا يَكُونُ". قَالَتْ: أيةُ آيَةٍ هِيَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[ورواه الطبري في تفسيره (٣٠/٣٩) ، عن الحسين بن حريث عن الفضل بن موسى به.]] . وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُبْعَثُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ، وَبَلَغَ شُحُومَ الْآذَانِ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاسَوْأَتَاهُ يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: "قَدْ شُغل النَّاسُ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٣٤٠) ، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥١٤) من طريق إسماعيل بن إسحاق، عن إسماعيل بن أبي أويس به نحوه. وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولم يخرجاه بهذا اللفظ".]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ جِدًّا، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي عَمَّارٍ الْحُسَيْنِ بْنِ حُرَيْثٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، بِهِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٩)]] . وَلَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: عَائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ ضَعِيفٌ، فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ [[الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) أَيْ: يَكُونُ النَّاسُ هُنَالِكَ فَرِيقَيْنِ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ) أَيْ: مُسْتَنِيرَةٌ، (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) أَيْ: مَسْرُورَةٌ فَرِحَةٌ مِنْ سُرُورِ قُلُوبِهِمْ، قَدْ ظَهَرَ الْبِشْرُ عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْجَنَّةِ. (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) أَيْ: يَعْلُوهَا وَيَغْشَاهَا [[في م: "تعلوها وتغشاها".]] قَتَرَةٌ، أَيْ: سَوَادٌ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدٌ مَوْلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُلْجِمُ الكافرَ العرقُ ثُمَّ تَقَعُ الغُبْرة عَلَى وُجُوهِهِمْ". قَالَ: فَهُوَ قَوْلُهُ: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ) [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٨/٤٢٤) ، وله شاهد من حديث ابن مسعود: رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٥٨٢) "موارد" من طريق شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ ابن مسعود مرفوعا: "إن الكافر ليلجمه العرق يوم القيامة فيقول: أرحنى ولو إلى النار".]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) أَيْ: يَغْشَاهَا سَوَادُ الْوُجُوهِ. * * وَقَوْلُهُ: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) أَيِ: الْكَفَرَةُ قُلُوبُهُمْ، الْفَجَرَةُ فِي أَعْمَالِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٧] . آخِرُ تفسير سورة "عبس" ولله الحمد والمنة.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿وَفاكِهَةً﴾ ما يأكله الناس من ثمار الأشجار، والأبّ: ما تأكله البهائم من العشب والنبات. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما يأكل ابن آدم. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما أكل الناس. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: أما الفاكهة فلكم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: الفاكهة لنا. ⁕ حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا حميد، قال أنس بن مالك: قرأ عمر ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ حتى أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد علمنا ما الفاكهة، فما الأبّ؟ ثم أحسبه " شك الطبري " قال: إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس، قال: قرأ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فلما أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد عرفنا الفاكهة. فما الأبّ؟ قال: لعمرك يا بن الخطاب إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس، قال: قرأ عمر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ ومعه عصا في يده، فقال: ما الأبّ، ثم قال: بحسبنا ما قد علمنا، وألقى العصا من يده. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أنس، عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إن هذا هو التكلف. قال: وحدثني قتادة، عن أنس، عن عمر بنحو هذا الحديث كله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب ويعقوب قالوا: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: عدّ سبعا جعل رزقه في سبعة، وجعله من سبعة، وقال في آخر ذلك: الأبّ: ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس. ⁕ حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا عاصم، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: نبت الأرض مما تأكله الدوابّ، ولا يأكله الناس. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب، قالا ثنا ابن إدريس، قال: ثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير، قال: عدّ ابن عباس، وقال: الأبّ: ما أنبتت الأرض للأنعام، وهذا لفظ حديث أبي كريب. وقال أبو السائب في حديثه: قال: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: الكلأ والمرعى كله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، قال: الأبّ النبات. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، مثله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش أو غيره، عن مجاهد، قال: الأبّ: المرعى. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: قال مجاهد: ﴿وأبًّا﴾ المرعى. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما تأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما أكلت الأنعام. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: أما الأبّ: فلأنعامكم نعم من الله متظاهرة. ⁕ حدثنا ابن بشر، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: العشب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، وقتادة، في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: هو ما تأكله الدوابّ. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وأبًّا﴾ يعني: المرعى. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ لأنعامنا، قال: والأبّ: ما ترعى. وقرأ: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ . قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس وعمرو بن الحارث، عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أنه سمع عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: قال الله: ﴿وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ كلّ هذا قد علمناه، فما الأبّ؟ ثم ضرب بيده، ثم قال: لعمرك إن هذا لهو التكلف، واتبعوا ما يتبين لكم في هذا الكتاب، قال عمر: وما يتبين فعليكم به، وما لا فدعوه. وقال آخرون: الأبّ: الثمار الرطبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وأبًّا﴾ يقول: الثمار الرطبة. * * وقوله: ﴿مَتاعا لَكُمْ﴾ يقول: أنبتنا هذه الأشياء التي يأكلها بنو آدم متاعا لكم أيها الناس، ومنفعة تتمتعون بها، وتنتفعون، والتي يأكلها الأنعام لأنعامكم، وأصل الأنعام الإبل، ثم تستعمل في كلّ راعية. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ قال: متاعا لكم الفاكهة، ولأنعامكم العشب. * * وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ ذُكر أنها اسم من أسماء القيامة، وأحسبها مأخوذة من قولهم: صاخ فلان لصوت فلان: إذا استمع له، إلا أن هذا يقال منه: هو مُصِيخ له، ولعلّ الصوت هو الصاخّ، فإن يكن ذلك كذلك، فينبغي أن يكون قبل ذلك لنفخة الصور. ذكر من قال: هو اسم من أسماء القيامة ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ قال: هذا من أسماء يوم القيامة عظَّمه الله، وحذّره عباده. * * وقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يقول: فإذا جاءت الصاخة في هذا اليوم الذي يفرّ فيه المرء من أخيه. ويعني بقوله: يفرّ من أخيه: يفرّ عن أخيه ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ﴾ يعني: زوجته التي كانت زوجته في الدنيا ﴿وَبَنِيهِ﴾ حذرا من مطالبتهم إياه بما بينه وبينهم من التَّبعات والمظالم. وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يفرّ عن أخيه لئلا يراه، وما ينزل به، ﴿لكل امرئ﴾ يعني: من الرجل وأخيه وأمه وأبيه، وسائر من ذُكر في هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة إذا جاءت الصاخَّة يوم القيامة ﴿شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ يقول: أمر يغنيه، ويُشغِله عن شأن غيره. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أفضى إلى كلّ إنسان ما يشغله عن الناس. ⁕ حدثنا أبو عمارة المَرْوَزيّ الحسين بن حُريث، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن عائذ بن شريح، عن أنس قال: سألتْ عائشة رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، إني سائلتك عن حديث أخبرني أنت به، قال:" إن كانَ عِنْدي مِنْهُ عِلْمٌ" قالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر الرجال؟ قال: " حفاةً عُرَاةً "، ثم انتظرت ساعة فقالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر النساء؟ قال: " كَذلك حُفاةً عُرَاةً "، قالت: واسوأتاه من يوم القيامة، قال: " وعَنْ ذلك تَسألِيني؟ إنَّهُ قَدْ نزلَتْ عليّ آيَة لا يَضُرُّكِ كانَ عَلَيْكِ ثيابٌ أمْ لا "، قالت: أيّ آية هي يا نبيّ الله؟ قال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ قال: شأن قد شغله عن صاحبه. * * وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: وجوه يومئذ مشرقة مضيئة، وهي وجوه المؤمنين الذين قد رضى الله عنهم، يقال: أسفر وجه فلان: إذا حَسُن، ومنه أسفر الصبح: إذا أضاء، وكلّ مضيء فهو مسفر، وأما سَفَر بغير ألف، فإنما يقال للمرأة إذا ألقت نقابها عن وجهها أو برقعها، يقال: قد سَفَرت المرأة عن وجهها إذا فعلت ذلك فهي سافر؛ ومنه قول تَوْبَة بن الحُمَيِّر: وكُنْتُ إذا ما زُرْتُ لَيْلَى تَبرْقَعَتْ ... فَقَدْ رَابَنِي مِنْها الغَدَاةَ سُفُورُها [[الأثر ١٦١ - إسناده إلى مجاهد ضعيف. لأن سفيان، وهو الثوري، لم يسمع من مجاهد؛ لأن الثوري ولد سنة ٩٧، ومجاهد مات سنة ١٠٠ أو بعدها بقليل، والظاهر عندي أن هذه الرواية من أغلاط مهران بن أبي عمر، راويها عن الثوري، فإن رواياته عن الثوري فيها اضطراب كما بينا في الحديث الماضي ١١. وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١: ٤٤ دون نسبة ولا إسناد. وذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١٣، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.]] يعني بقوله: " سفورها " إلقاءها برقعها عن وجهها. ﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يقول: ضاحكة من السرور بما أعطاها الله من النعيم والكرامة ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ لما ترجو من الزيادة. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ يقول: مشرقة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ قال: هؤلاء أهل الجنة. * * وقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَوُجُوهٌ﴾ وهي وجوه الكفار يومئذ عليها غبرة. ذُكر أن البهائم التي يصيرها الله ترابا يومئذ بعد القضاء بينها، يحوّل ذلك التراب غَبَرة في وجوه أهل الكفر ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: يغشى تلك الوجوه قَتَرة، وهي الغَبَرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: تغشاها ذلة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ قال: هذه وجوه أهل النار؛ قال: والقَتَرة من الغَبَرة، قال: وهما واحد، قال: فأما في الدنيا فإن القترة: ما ارتفع، فلحق بالسماء، ورفعته الريح، تسميه العرب القترة، وما كان أسفل في الأرض فهو الغبرة. * * وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم يوم القيامة هم الكفرة بالله، كانوا في الدنيا الفجرة في دينهم، لا يبالون ما أتوا به من معاصي الله، وركبوا من محارمه، فجزاهم الله بسوء أعمالهم ما أخبر به عباده. آخر تفسير سورة عبس.
sa mère et son père,
وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ
de sa compagne et de ses enfants,
Tafsir (3)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (الصَّاخَّةُ) اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عَظَّمَهُ اللَّهُ، وحَذّره عِبَادَهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَعَلَّهُ اسْمٌ لِلنَّفْخَةِ فِي الصُّورِ. وَقَالَ البَغَويّ: (الصَّاخَّةُ) يَعْنِي صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَصُخّ الْأَسْمَاعَ، أَيْ: تُبَالِغُ فِي إِسْمَاعِهَا حَتَّى تَكَادَ تُصمّها [[في أ: "تصخها".]] . (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) أَيْ: يَرَاهُمْ، وَيَفِرُّ مِنْهُمْ، وَيَبْتَعِدُ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْهَوْلَ عَظِيمٌ، وَالْخَطْبَ جَلِيلٌ. قَالَ عِكْرِمَةُ: يَلْقَى الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ فَيَقُولُ لَهَا: يَا هَذِهِ، أَيُّ بَعْلٍ كنتُ لَكِ؟ فَتَقُولُ: نِعْمَ الْبَعْلُ كنتَ! وَتُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَتْ، فَيَقُولُ لَهَا: فَإِنِّي أطلبُ إِلَيْكِ اليومَ حَسَنَةً وَاحِدَةً تَهَبِينَهَا [[في أ: "تهبيها".]] لِي لَعَلِّي أَنْجُو مِمَّا تَرَيْنَ. فَتَقُولُ لَهُ: مَا أَيْسَرَ مَا طلبتَ، وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَخَافُ. قَالَ: وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَلْقَى ابْنَهُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ، أَيُّ وَالِدٍ كنتُ لَكَ؟ فَيُثْنِي بِخَيْرٍ. فيقولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ لَعَلِّي أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى. فَيَقُولُ وَلَدُهُ: يَا أَبَتِ، مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ، وَلَكِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَتَخَوَّفُ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ-فِي أَمْرِ الشَّفَاعَةِ-: أَنَّهُ إِذَا طُلِبَ إِلَى كُلٍّ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ أَنْ يَشْفَعَ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْخَلَائِقِ، يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي، لَا أَسْأَلُهُ اليومَ إِلَّا نَفْسِي، حَتَّى إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يَقُولُ: لَا أَسْأَلُهُ الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي، لَا أَسْأَلُهُ مَرْيَمَ الَّتِي وَلَدَتْنِي. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) [[أحاديث الشفاعة سبقت عند تفسير أول سورة الإسراء.]] . قَالَ قَتَادَةُ: الْأَحَبُّ فالأحبَ، وَالْأَقْرَبُ فالأقربَ، مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. * * وَقَوْلُهُ: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) أَيْ: هُوَ فِي شُغُل شَاغِلٍ عَنْ غَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ أَبُو زَيْدٍ الْعَبَّادَانِيُّ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرلا " قَالَ: فَقَالَتْ زوجته: يا رسول الله، أوَ يرى [[في م: "يا رسول الله، ننظر أو يرى".]] بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) أَوْ قَالَ: "مَا أَشْغَلَهُ عَنِ النَّظَرِ". وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مُنْفَرِدًا بِهِ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ عَارِمٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ-وَهُوَ أَبُو زَيْدٍ الْأَحْوَلُ الْبَصْرِيُّ، أَحَدُ الثِّقَاتِ-عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ [[سنن النسائي الكبري برقم (١١٦٤٧) .]] وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يزيد، عن هلال ابن خَبَّاب، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تُحشَرون حُفاة عُرَاة غُرْلا". فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَيُبْصِرُ-أَوْ: يَرَى-بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: "يَا فُلَانَةُ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[سنن الترمذي برقم (٣٣٣٢) .]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[في أ: "رضي الله تعالى عنهما".]] . وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا". فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِالْعَوْرَاتِ؟ فَقَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٤٨) .]] . انْفَرَدَ بِهِ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عائد ابن شُرَيح، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَأَلَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنِّي سَائِلَتُكَ عَنْ حَدِيثٍ فَتُخْبِرُنِي أنتَ بِهِ. فَقَالَ: "إِنْ كَانَ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ". قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحشر الرِّجَالُ؟ قَالَ: "حُفَاةً عُرَاةً". ثُمَّ انتظَرتْ سَاعَةً فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ النِّسَاءُ؟ قَالَ: "كَذَلِكَ حُفَاةً عُرَاةً". قَالَتْ: وَاسَوْأَتَاهُ مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ! قَالَ: "وَعَنْ أَيِّ ذَلِكَ تَسْأَلِينَ؟ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيَّ آيَةٌ لَا يَضُرُّكِ كَانَ عَلَيْكِ ثِيَابٌ أَوْ لَا يَكُونُ". قَالَتْ: أيةُ آيَةٍ هِيَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[ورواه الطبري في تفسيره (٣٠/٣٩) ، عن الحسين بن حريث عن الفضل بن موسى به.]] . وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُبْعَثُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ، وَبَلَغَ شُحُومَ الْآذَانِ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاسَوْأَتَاهُ يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: "قَدْ شُغل النَّاسُ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٣٤٠) ، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥١٤) من طريق إسماعيل بن إسحاق، عن إسماعيل بن أبي أويس به نحوه. وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولم يخرجاه بهذا اللفظ".]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ جِدًّا، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي عَمَّارٍ الْحُسَيْنِ بْنِ حُرَيْثٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، بِهِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٩)]] . وَلَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: عَائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ ضَعِيفٌ، فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ [[الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) أَيْ: يَكُونُ النَّاسُ هُنَالِكَ فَرِيقَيْنِ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ) أَيْ: مُسْتَنِيرَةٌ، (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) أَيْ: مَسْرُورَةٌ فَرِحَةٌ مِنْ سُرُورِ قُلُوبِهِمْ، قَدْ ظَهَرَ الْبِشْرُ عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْجَنَّةِ. (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) أَيْ: يَعْلُوهَا وَيَغْشَاهَا [[في م: "تعلوها وتغشاها".]] قَتَرَةٌ، أَيْ: سَوَادٌ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدٌ مَوْلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُلْجِمُ الكافرَ العرقُ ثُمَّ تَقَعُ الغُبْرة عَلَى وُجُوهِهِمْ". قَالَ: فَهُوَ قَوْلُهُ: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ) [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٨/٤٢٤) ، وله شاهد من حديث ابن مسعود: رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٥٨٢) "موارد" من طريق شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ ابن مسعود مرفوعا: "إن الكافر ليلجمه العرق يوم القيامة فيقول: أرحنى ولو إلى النار".]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) أَيْ: يَغْشَاهَا سَوَادُ الْوُجُوهِ. * * وَقَوْلُهُ: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) أَيِ: الْكَفَرَةُ قُلُوبُهُمْ، الْفَجَرَةُ فِي أَعْمَالِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٧] . آخِرُ تفسير سورة "عبس" ولله الحمد والمنة.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿وَفاكِهَةً﴾ ما يأكله الناس من ثمار الأشجار، والأبّ: ما تأكله البهائم من العشب والنبات. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما يأكل ابن آدم. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما أكل الناس. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: أما الفاكهة فلكم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: الفاكهة لنا. ⁕ حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا حميد، قال أنس بن مالك: قرأ عمر ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ حتى أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد علمنا ما الفاكهة، فما الأبّ؟ ثم أحسبه " شك الطبري " قال: إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس، قال: قرأ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فلما أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد عرفنا الفاكهة. فما الأبّ؟ قال: لعمرك يا بن الخطاب إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس، قال: قرأ عمر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ ومعه عصا في يده، فقال: ما الأبّ، ثم قال: بحسبنا ما قد علمنا، وألقى العصا من يده. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أنس، عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إن هذا هو التكلف. قال: وحدثني قتادة، عن أنس، عن عمر بنحو هذا الحديث كله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب ويعقوب قالوا: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: عدّ سبعا جعل رزقه في سبعة، وجعله من سبعة، وقال في آخر ذلك: الأبّ: ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس. ⁕ حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا عاصم، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: نبت الأرض مما تأكله الدوابّ، ولا يأكله الناس. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب، قالا ثنا ابن إدريس، قال: ثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير، قال: عدّ ابن عباس، وقال: الأبّ: ما أنبتت الأرض للأنعام، وهذا لفظ حديث أبي كريب. وقال أبو السائب في حديثه: قال: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: الكلأ والمرعى كله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، قال: الأبّ النبات. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، مثله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش أو غيره، عن مجاهد، قال: الأبّ: المرعى. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: قال مجاهد: ﴿وأبًّا﴾ المرعى. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما تأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما أكلت الأنعام. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: أما الأبّ: فلأنعامكم نعم من الله متظاهرة. ⁕ حدثنا ابن بشر، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: العشب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، وقتادة، في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: هو ما تأكله الدوابّ. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وأبًّا﴾ يعني: المرعى. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ لأنعامنا، قال: والأبّ: ما ترعى. وقرأ: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ . قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس وعمرو بن الحارث، عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أنه سمع عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: قال الله: ﴿وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ كلّ هذا قد علمناه، فما الأبّ؟ ثم ضرب بيده، ثم قال: لعمرك إن هذا لهو التكلف، واتبعوا ما يتبين لكم في هذا الكتاب، قال عمر: وما يتبين فعليكم به، وما لا فدعوه. وقال آخرون: الأبّ: الثمار الرطبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وأبًّا﴾ يقول: الثمار الرطبة. * * وقوله: ﴿مَتاعا لَكُمْ﴾ يقول: أنبتنا هذه الأشياء التي يأكلها بنو آدم متاعا لكم أيها الناس، ومنفعة تتمتعون بها، وتنتفعون، والتي يأكلها الأنعام لأنعامكم، وأصل الأنعام الإبل، ثم تستعمل في كلّ راعية. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ قال: متاعا لكم الفاكهة، ولأنعامكم العشب. * * وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ ذُكر أنها اسم من أسماء القيامة، وأحسبها مأخوذة من قولهم: صاخ فلان لصوت فلان: إذا استمع له، إلا أن هذا يقال منه: هو مُصِيخ له، ولعلّ الصوت هو الصاخّ، فإن يكن ذلك كذلك، فينبغي أن يكون قبل ذلك لنفخة الصور. ذكر من قال: هو اسم من أسماء القيامة ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ قال: هذا من أسماء يوم القيامة عظَّمه الله، وحذّره عباده. * * وقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يقول: فإذا جاءت الصاخة في هذا اليوم الذي يفرّ فيه المرء من أخيه. ويعني بقوله: يفرّ من أخيه: يفرّ عن أخيه ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ﴾ يعني: زوجته التي كانت زوجته في الدنيا ﴿وَبَنِيهِ﴾ حذرا من مطالبتهم إياه بما بينه وبينهم من التَّبعات والمظالم. وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يفرّ عن أخيه لئلا يراه، وما ينزل به، ﴿لكل امرئ﴾ يعني: من الرجل وأخيه وأمه وأبيه، وسائر من ذُكر في هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة إذا جاءت الصاخَّة يوم القيامة ﴿شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ يقول: أمر يغنيه، ويُشغِله عن شأن غيره. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أفضى إلى كلّ إنسان ما يشغله عن الناس. ⁕ حدثنا أبو عمارة المَرْوَزيّ الحسين بن حُريث، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن عائذ بن شريح، عن أنس قال: سألتْ عائشة رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، إني سائلتك عن حديث أخبرني أنت به، قال:" إن كانَ عِنْدي مِنْهُ عِلْمٌ" قالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر الرجال؟ قال: " حفاةً عُرَاةً "، ثم انتظرت ساعة فقالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر النساء؟ قال: " كَذلك حُفاةً عُرَاةً "، قالت: واسوأتاه من يوم القيامة، قال: " وعَنْ ذلك تَسألِيني؟ إنَّهُ قَدْ نزلَتْ عليّ آيَة لا يَضُرُّكِ كانَ عَلَيْكِ ثيابٌ أمْ لا "، قالت: أيّ آية هي يا نبيّ الله؟ قال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ قال: شأن قد شغله عن صاحبه. * * وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: وجوه يومئذ مشرقة مضيئة، وهي وجوه المؤمنين الذين قد رضى الله عنهم، يقال: أسفر وجه فلان: إذا حَسُن، ومنه أسفر الصبح: إذا أضاء، وكلّ مضيء فهو مسفر، وأما سَفَر بغير ألف، فإنما يقال للمرأة إذا ألقت نقابها عن وجهها أو برقعها، يقال: قد سَفَرت المرأة عن وجهها إذا فعلت ذلك فهي سافر؛ ومنه قول تَوْبَة بن الحُمَيِّر: وكُنْتُ إذا ما زُرْتُ لَيْلَى تَبرْقَعَتْ ... فَقَدْ رَابَنِي مِنْها الغَدَاةَ سُفُورُها [[الأثر ١٦١ - إسناده إلى مجاهد ضعيف. لأن سفيان، وهو الثوري، لم يسمع من مجاهد؛ لأن الثوري ولد سنة ٩٧، ومجاهد مات سنة ١٠٠ أو بعدها بقليل، والظاهر عندي أن هذه الرواية من أغلاط مهران بن أبي عمر، راويها عن الثوري، فإن رواياته عن الثوري فيها اضطراب كما بينا في الحديث الماضي ١١. وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١: ٤٤ دون نسبة ولا إسناد. وذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١٣، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.]] يعني بقوله: " سفورها " إلقاءها برقعها عن وجهها. ﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يقول: ضاحكة من السرور بما أعطاها الله من النعيم والكرامة ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ لما ترجو من الزيادة. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ يقول: مشرقة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ قال: هؤلاء أهل الجنة. * * وقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَوُجُوهٌ﴾ وهي وجوه الكفار يومئذ عليها غبرة. ذُكر أن البهائم التي يصيرها الله ترابا يومئذ بعد القضاء بينها، يحوّل ذلك التراب غَبَرة في وجوه أهل الكفر ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: يغشى تلك الوجوه قَتَرة، وهي الغَبَرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: تغشاها ذلة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ قال: هذه وجوه أهل النار؛ قال: والقَتَرة من الغَبَرة، قال: وهما واحد، قال: فأما في الدنيا فإن القترة: ما ارتفع، فلحق بالسماء، ورفعته الريح، تسميه العرب القترة، وما كان أسفل في الأرض فهو الغبرة. * * وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم يوم القيامة هم الكفرة بالله، كانوا في الدنيا الفجرة في دينهم، لا يبالون ما أتوا به من معاصي الله، وركبوا من محارمه، فجزاهم الله بسوء أعمالهم ما أخبر به عباده. آخر تفسير سورة عبس.
ainsi que son épouse et ses enfants,
لِكُلِّ ٱمْرِئٍۢ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍۢ شَأْنٌۭ يُغْنِيهِ
car chacun d'eux, ce jour-là, aura son propre cas pour l'occuper.
Tafsir (3)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (الصَّاخَّةُ) اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عَظَّمَهُ اللَّهُ، وحَذّره عِبَادَهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَعَلَّهُ اسْمٌ لِلنَّفْخَةِ فِي الصُّورِ. وَقَالَ البَغَويّ: (الصَّاخَّةُ) يَعْنِي صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَصُخّ الْأَسْمَاعَ، أَيْ: تُبَالِغُ فِي إِسْمَاعِهَا حَتَّى تَكَادَ تُصمّها [[في أ: "تصخها".]] . (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) أَيْ: يَرَاهُمْ، وَيَفِرُّ مِنْهُمْ، وَيَبْتَعِدُ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْهَوْلَ عَظِيمٌ، وَالْخَطْبَ جَلِيلٌ. قَالَ عِكْرِمَةُ: يَلْقَى الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ فَيَقُولُ لَهَا: يَا هَذِهِ، أَيُّ بَعْلٍ كنتُ لَكِ؟ فَتَقُولُ: نِعْمَ الْبَعْلُ كنتَ! وَتُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَتْ، فَيَقُولُ لَهَا: فَإِنِّي أطلبُ إِلَيْكِ اليومَ حَسَنَةً وَاحِدَةً تَهَبِينَهَا [[في أ: "تهبيها".]] لِي لَعَلِّي أَنْجُو مِمَّا تَرَيْنَ. فَتَقُولُ لَهُ: مَا أَيْسَرَ مَا طلبتَ، وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَخَافُ. قَالَ: وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَلْقَى ابْنَهُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ، أَيُّ وَالِدٍ كنتُ لَكَ؟ فَيُثْنِي بِخَيْرٍ. فيقولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ لَعَلِّي أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى. فَيَقُولُ وَلَدُهُ: يَا أَبَتِ، مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ، وَلَكِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَتَخَوَّفُ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ-فِي أَمْرِ الشَّفَاعَةِ-: أَنَّهُ إِذَا طُلِبَ إِلَى كُلٍّ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ أَنْ يَشْفَعَ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْخَلَائِقِ، يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي، لَا أَسْأَلُهُ اليومَ إِلَّا نَفْسِي، حَتَّى إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يَقُولُ: لَا أَسْأَلُهُ الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي، لَا أَسْأَلُهُ مَرْيَمَ الَّتِي وَلَدَتْنِي. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) [[أحاديث الشفاعة سبقت عند تفسير أول سورة الإسراء.]] . قَالَ قَتَادَةُ: الْأَحَبُّ فالأحبَ، وَالْأَقْرَبُ فالأقربَ، مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. * * وَقَوْلُهُ: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) أَيْ: هُوَ فِي شُغُل شَاغِلٍ عَنْ غَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ أَبُو زَيْدٍ الْعَبَّادَانِيُّ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرلا " قَالَ: فَقَالَتْ زوجته: يا رسول الله، أوَ يرى [[في م: "يا رسول الله، ننظر أو يرى".]] بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) أَوْ قَالَ: "مَا أَشْغَلَهُ عَنِ النَّظَرِ". وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مُنْفَرِدًا بِهِ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ عَارِمٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ-وَهُوَ أَبُو زَيْدٍ الْأَحْوَلُ الْبَصْرِيُّ، أَحَدُ الثِّقَاتِ-عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ [[سنن النسائي الكبري برقم (١١٦٤٧) .]] وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يزيد، عن هلال ابن خَبَّاب، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تُحشَرون حُفاة عُرَاة غُرْلا". فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَيُبْصِرُ-أَوْ: يَرَى-بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: "يَا فُلَانَةُ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[سنن الترمذي برقم (٣٣٣٢) .]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[في أ: "رضي الله تعالى عنهما".]] . وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا". فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِالْعَوْرَاتِ؟ فَقَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٤٨) .]] . انْفَرَدَ بِهِ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عائد ابن شُرَيح، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَأَلَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنِّي سَائِلَتُكَ عَنْ حَدِيثٍ فَتُخْبِرُنِي أنتَ بِهِ. فَقَالَ: "إِنْ كَانَ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ". قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحشر الرِّجَالُ؟ قَالَ: "حُفَاةً عُرَاةً". ثُمَّ انتظَرتْ سَاعَةً فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ النِّسَاءُ؟ قَالَ: "كَذَلِكَ حُفَاةً عُرَاةً". قَالَتْ: وَاسَوْأَتَاهُ مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ! قَالَ: "وَعَنْ أَيِّ ذَلِكَ تَسْأَلِينَ؟ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيَّ آيَةٌ لَا يَضُرُّكِ كَانَ عَلَيْكِ ثِيَابٌ أَوْ لَا يَكُونُ". قَالَتْ: أيةُ آيَةٍ هِيَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[ورواه الطبري في تفسيره (٣٠/٣٩) ، عن الحسين بن حريث عن الفضل بن موسى به.]] . وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُبْعَثُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ، وَبَلَغَ شُحُومَ الْآذَانِ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاسَوْأَتَاهُ يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: "قَدْ شُغل النَّاسُ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٣٤٠) ، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥١٤) من طريق إسماعيل بن إسحاق، عن إسماعيل بن أبي أويس به نحوه. وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولم يخرجاه بهذا اللفظ".]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ جِدًّا، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي عَمَّارٍ الْحُسَيْنِ بْنِ حُرَيْثٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، بِهِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٩)]] . وَلَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: عَائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ ضَعِيفٌ، فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ [[الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) أَيْ: يَكُونُ النَّاسُ هُنَالِكَ فَرِيقَيْنِ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ) أَيْ: مُسْتَنِيرَةٌ، (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) أَيْ: مَسْرُورَةٌ فَرِحَةٌ مِنْ سُرُورِ قُلُوبِهِمْ، قَدْ ظَهَرَ الْبِشْرُ عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْجَنَّةِ. (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) أَيْ: يَعْلُوهَا وَيَغْشَاهَا [[في م: "تعلوها وتغشاها".]] قَتَرَةٌ، أَيْ: سَوَادٌ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدٌ مَوْلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُلْجِمُ الكافرَ العرقُ ثُمَّ تَقَعُ الغُبْرة عَلَى وُجُوهِهِمْ". قَالَ: فَهُوَ قَوْلُهُ: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ) [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٨/٤٢٤) ، وله شاهد من حديث ابن مسعود: رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٥٨٢) "موارد" من طريق شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ ابن مسعود مرفوعا: "إن الكافر ليلجمه العرق يوم القيامة فيقول: أرحنى ولو إلى النار".]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) أَيْ: يَغْشَاهَا سَوَادُ الْوُجُوهِ. * * وَقَوْلُهُ: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) أَيِ: الْكَفَرَةُ قُلُوبُهُمْ، الْفَجَرَةُ فِي أَعْمَالِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٧] . آخِرُ تفسير سورة "عبس" ولله الحمد والمنة.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿وَفاكِهَةً﴾ ما يأكله الناس من ثمار الأشجار، والأبّ: ما تأكله البهائم من العشب والنبات. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما يأكل ابن آدم. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما أكل الناس. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: أما الفاكهة فلكم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: الفاكهة لنا. ⁕ حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا حميد، قال أنس بن مالك: قرأ عمر ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ حتى أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد علمنا ما الفاكهة، فما الأبّ؟ ثم أحسبه " شك الطبري " قال: إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس، قال: قرأ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فلما أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد عرفنا الفاكهة. فما الأبّ؟ قال: لعمرك يا بن الخطاب إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس، قال: قرأ عمر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ ومعه عصا في يده، فقال: ما الأبّ، ثم قال: بحسبنا ما قد علمنا، وألقى العصا من يده. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أنس، عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إن هذا هو التكلف. قال: وحدثني قتادة، عن أنس، عن عمر بنحو هذا الحديث كله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب ويعقوب قالوا: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: عدّ سبعا جعل رزقه في سبعة، وجعله من سبعة، وقال في آخر ذلك: الأبّ: ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس. ⁕ حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا عاصم، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: نبت الأرض مما تأكله الدوابّ، ولا يأكله الناس. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب، قالا ثنا ابن إدريس، قال: ثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير، قال: عدّ ابن عباس، وقال: الأبّ: ما أنبتت الأرض للأنعام، وهذا لفظ حديث أبي كريب. وقال أبو السائب في حديثه: قال: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: الكلأ والمرعى كله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، قال: الأبّ النبات. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، مثله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش أو غيره، عن مجاهد، قال: الأبّ: المرعى. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: قال مجاهد: ﴿وأبًّا﴾ المرعى. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما تأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما أكلت الأنعام. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: أما الأبّ: فلأنعامكم نعم من الله متظاهرة. ⁕ حدثنا ابن بشر، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: العشب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، وقتادة، في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: هو ما تأكله الدوابّ. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وأبًّا﴾ يعني: المرعى. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ لأنعامنا، قال: والأبّ: ما ترعى. وقرأ: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ . قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس وعمرو بن الحارث، عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أنه سمع عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: قال الله: ﴿وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ كلّ هذا قد علمناه، فما الأبّ؟ ثم ضرب بيده، ثم قال: لعمرك إن هذا لهو التكلف، واتبعوا ما يتبين لكم في هذا الكتاب، قال عمر: وما يتبين فعليكم به، وما لا فدعوه. وقال آخرون: الأبّ: الثمار الرطبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وأبًّا﴾ يقول: الثمار الرطبة. * * وقوله: ﴿مَتاعا لَكُمْ﴾ يقول: أنبتنا هذه الأشياء التي يأكلها بنو آدم متاعا لكم أيها الناس، ومنفعة تتمتعون بها، وتنتفعون، والتي يأكلها الأنعام لأنعامكم، وأصل الأنعام الإبل، ثم تستعمل في كلّ راعية. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ قال: متاعا لكم الفاكهة، ولأنعامكم العشب. * * وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ ذُكر أنها اسم من أسماء القيامة، وأحسبها مأخوذة من قولهم: صاخ فلان لصوت فلان: إذا استمع له، إلا أن هذا يقال منه: هو مُصِيخ له، ولعلّ الصوت هو الصاخّ، فإن يكن ذلك كذلك، فينبغي أن يكون قبل ذلك لنفخة الصور. ذكر من قال: هو اسم من أسماء القيامة ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ قال: هذا من أسماء يوم القيامة عظَّمه الله، وحذّره عباده. * * وقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يقول: فإذا جاءت الصاخة في هذا اليوم الذي يفرّ فيه المرء من أخيه. ويعني بقوله: يفرّ من أخيه: يفرّ عن أخيه ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ﴾ يعني: زوجته التي كانت زوجته في الدنيا ﴿وَبَنِيهِ﴾ حذرا من مطالبتهم إياه بما بينه وبينهم من التَّبعات والمظالم. وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يفرّ عن أخيه لئلا يراه، وما ينزل به، ﴿لكل امرئ﴾ يعني: من الرجل وأخيه وأمه وأبيه، وسائر من ذُكر في هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة إذا جاءت الصاخَّة يوم القيامة ﴿شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ يقول: أمر يغنيه، ويُشغِله عن شأن غيره. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أفضى إلى كلّ إنسان ما يشغله عن الناس. ⁕ حدثنا أبو عمارة المَرْوَزيّ الحسين بن حُريث، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن عائذ بن شريح، عن أنس قال: سألتْ عائشة رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، إني سائلتك عن حديث أخبرني أنت به، قال:" إن كانَ عِنْدي مِنْهُ عِلْمٌ" قالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر الرجال؟ قال: " حفاةً عُرَاةً "، ثم انتظرت ساعة فقالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر النساء؟ قال: " كَذلك حُفاةً عُرَاةً "، قالت: واسوأتاه من يوم القيامة، قال: " وعَنْ ذلك تَسألِيني؟ إنَّهُ قَدْ نزلَتْ عليّ آيَة لا يَضُرُّكِ كانَ عَلَيْكِ ثيابٌ أمْ لا "، قالت: أيّ آية هي يا نبيّ الله؟ قال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ قال: شأن قد شغله عن صاحبه. * * وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: وجوه يومئذ مشرقة مضيئة، وهي وجوه المؤمنين الذين قد رضى الله عنهم، يقال: أسفر وجه فلان: إذا حَسُن، ومنه أسفر الصبح: إذا أضاء، وكلّ مضيء فهو مسفر، وأما سَفَر بغير ألف، فإنما يقال للمرأة إذا ألقت نقابها عن وجهها أو برقعها، يقال: قد سَفَرت المرأة عن وجهها إذا فعلت ذلك فهي سافر؛ ومنه قول تَوْبَة بن الحُمَيِّر: وكُنْتُ إذا ما زُرْتُ لَيْلَى تَبرْقَعَتْ ... فَقَدْ رَابَنِي مِنْها الغَدَاةَ سُفُورُها [[الأثر ١٦١ - إسناده إلى مجاهد ضعيف. لأن سفيان، وهو الثوري، لم يسمع من مجاهد؛ لأن الثوري ولد سنة ٩٧، ومجاهد مات سنة ١٠٠ أو بعدها بقليل، والظاهر عندي أن هذه الرواية من أغلاط مهران بن أبي عمر، راويها عن الثوري، فإن رواياته عن الثوري فيها اضطراب كما بينا في الحديث الماضي ١١. وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١: ٤٤ دون نسبة ولا إسناد. وذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١٣، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.]] يعني بقوله: " سفورها " إلقاءها برقعها عن وجهها. ﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يقول: ضاحكة من السرور بما أعطاها الله من النعيم والكرامة ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ لما ترجو من الزيادة. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ يقول: مشرقة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ قال: هؤلاء أهل الجنة. * * وقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَوُجُوهٌ﴾ وهي وجوه الكفار يومئذ عليها غبرة. ذُكر أن البهائم التي يصيرها الله ترابا يومئذ بعد القضاء بينها، يحوّل ذلك التراب غَبَرة في وجوه أهل الكفر ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: يغشى تلك الوجوه قَتَرة، وهي الغَبَرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: تغشاها ذلة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ قال: هذه وجوه أهل النار؛ قال: والقَتَرة من الغَبَرة، قال: وهما واحد، قال: فأما في الدنيا فإن القترة: ما ارتفع، فلحق بالسماء، ورفعته الريح، تسميه العرب القترة، وما كان أسفل في الأرض فهو الغبرة. * * وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم يوم القيامة هم الكفرة بالله، كانوا في الدنيا الفجرة في دينهم، لا يبالون ما أتوا به من معاصي الله، وركبوا من محارمه، فجزاهم الله بسوء أعمالهم ما أخبر به عباده. آخر تفسير سورة عبس.
car chacun d’eux sera préoccupa par son propre sort tellement la terreur sera grande ce Jour-là.
وُجُوهٌۭ يَوْمَئِذٍۢ مُّسْفِرَةٌۭ
Ce jour-là, il y aura des visages rayonnants,
Tafsir (3)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (الصَّاخَّةُ) اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عَظَّمَهُ اللَّهُ، وحَذّره عِبَادَهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَعَلَّهُ اسْمٌ لِلنَّفْخَةِ فِي الصُّورِ. وَقَالَ البَغَويّ: (الصَّاخَّةُ) يَعْنِي صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَصُخّ الْأَسْمَاعَ، أَيْ: تُبَالِغُ فِي إِسْمَاعِهَا حَتَّى تَكَادَ تُصمّها [[في أ: "تصخها".]] . (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) أَيْ: يَرَاهُمْ، وَيَفِرُّ مِنْهُمْ، وَيَبْتَعِدُ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْهَوْلَ عَظِيمٌ، وَالْخَطْبَ جَلِيلٌ. قَالَ عِكْرِمَةُ: يَلْقَى الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ فَيَقُولُ لَهَا: يَا هَذِهِ، أَيُّ بَعْلٍ كنتُ لَكِ؟ فَتَقُولُ: نِعْمَ الْبَعْلُ كنتَ! وَتُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَتْ، فَيَقُولُ لَهَا: فَإِنِّي أطلبُ إِلَيْكِ اليومَ حَسَنَةً وَاحِدَةً تَهَبِينَهَا [[في أ: "تهبيها".]] لِي لَعَلِّي أَنْجُو مِمَّا تَرَيْنَ. فَتَقُولُ لَهُ: مَا أَيْسَرَ مَا طلبتَ، وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَخَافُ. قَالَ: وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَلْقَى ابْنَهُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ، أَيُّ وَالِدٍ كنتُ لَكَ؟ فَيُثْنِي بِخَيْرٍ. فيقولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ لَعَلِّي أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى. فَيَقُولُ وَلَدُهُ: يَا أَبَتِ، مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ، وَلَكِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَتَخَوَّفُ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ-فِي أَمْرِ الشَّفَاعَةِ-: أَنَّهُ إِذَا طُلِبَ إِلَى كُلٍّ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ أَنْ يَشْفَعَ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْخَلَائِقِ، يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي، لَا أَسْأَلُهُ اليومَ إِلَّا نَفْسِي، حَتَّى إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يَقُولُ: لَا أَسْأَلُهُ الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي، لَا أَسْأَلُهُ مَرْيَمَ الَّتِي وَلَدَتْنِي. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) [[أحاديث الشفاعة سبقت عند تفسير أول سورة الإسراء.]] . قَالَ قَتَادَةُ: الْأَحَبُّ فالأحبَ، وَالْأَقْرَبُ فالأقربَ، مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. * * وَقَوْلُهُ: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) أَيْ: هُوَ فِي شُغُل شَاغِلٍ عَنْ غَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ أَبُو زَيْدٍ الْعَبَّادَانِيُّ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرلا " قَالَ: فَقَالَتْ زوجته: يا رسول الله، أوَ يرى [[في م: "يا رسول الله، ننظر أو يرى".]] بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) أَوْ قَالَ: "مَا أَشْغَلَهُ عَنِ النَّظَرِ". وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مُنْفَرِدًا بِهِ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ عَارِمٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ-وَهُوَ أَبُو زَيْدٍ الْأَحْوَلُ الْبَصْرِيُّ، أَحَدُ الثِّقَاتِ-عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ [[سنن النسائي الكبري برقم (١١٦٤٧) .]] وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يزيد، عن هلال ابن خَبَّاب، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تُحشَرون حُفاة عُرَاة غُرْلا". فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَيُبْصِرُ-أَوْ: يَرَى-بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: "يَا فُلَانَةُ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[سنن الترمذي برقم (٣٣٣٢) .]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[في أ: "رضي الله تعالى عنهما".]] . وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا". فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِالْعَوْرَاتِ؟ فَقَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٤٨) .]] . انْفَرَدَ بِهِ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عائد ابن شُرَيح، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَأَلَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنِّي سَائِلَتُكَ عَنْ حَدِيثٍ فَتُخْبِرُنِي أنتَ بِهِ. فَقَالَ: "إِنْ كَانَ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ". قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحشر الرِّجَالُ؟ قَالَ: "حُفَاةً عُرَاةً". ثُمَّ انتظَرتْ سَاعَةً فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ النِّسَاءُ؟ قَالَ: "كَذَلِكَ حُفَاةً عُرَاةً". قَالَتْ: وَاسَوْأَتَاهُ مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ! قَالَ: "وَعَنْ أَيِّ ذَلِكَ تَسْأَلِينَ؟ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيَّ آيَةٌ لَا يَضُرُّكِ كَانَ عَلَيْكِ ثِيَابٌ أَوْ لَا يَكُونُ". قَالَتْ: أيةُ آيَةٍ هِيَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[ورواه الطبري في تفسيره (٣٠/٣٩) ، عن الحسين بن حريث عن الفضل بن موسى به.]] . وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُبْعَثُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ، وَبَلَغَ شُحُومَ الْآذَانِ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاسَوْأَتَاهُ يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: "قَدْ شُغل النَّاسُ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٣٤٠) ، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥١٤) من طريق إسماعيل بن إسحاق، عن إسماعيل بن أبي أويس به نحوه. وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولم يخرجاه بهذا اللفظ".]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ جِدًّا، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي عَمَّارٍ الْحُسَيْنِ بْنِ حُرَيْثٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، بِهِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٩)]] . وَلَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: عَائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ ضَعِيفٌ، فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ [[الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) أَيْ: يَكُونُ النَّاسُ هُنَالِكَ فَرِيقَيْنِ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ) أَيْ: مُسْتَنِيرَةٌ، (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) أَيْ: مَسْرُورَةٌ فَرِحَةٌ مِنْ سُرُورِ قُلُوبِهِمْ، قَدْ ظَهَرَ الْبِشْرُ عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْجَنَّةِ. (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) أَيْ: يَعْلُوهَا وَيَغْشَاهَا [[في م: "تعلوها وتغشاها".]] قَتَرَةٌ، أَيْ: سَوَادٌ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدٌ مَوْلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُلْجِمُ الكافرَ العرقُ ثُمَّ تَقَعُ الغُبْرة عَلَى وُجُوهِهِمْ". قَالَ: فَهُوَ قَوْلُهُ: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ) [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٨/٤٢٤) ، وله شاهد من حديث ابن مسعود: رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٥٨٢) "موارد" من طريق شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ ابن مسعود مرفوعا: "إن الكافر ليلجمه العرق يوم القيامة فيقول: أرحنى ولو إلى النار".]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) أَيْ: يَغْشَاهَا سَوَادُ الْوُجُوهِ. * * وَقَوْلُهُ: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) أَيِ: الْكَفَرَةُ قُلُوبُهُمْ، الْفَجَرَةُ فِي أَعْمَالِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٧] . آخِرُ تفسير سورة "عبس" ولله الحمد والمنة.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿وَفاكِهَةً﴾ ما يأكله الناس من ثمار الأشجار، والأبّ: ما تأكله البهائم من العشب والنبات. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما يأكل ابن آدم. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما أكل الناس. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: أما الفاكهة فلكم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: الفاكهة لنا. ⁕ حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا حميد، قال أنس بن مالك: قرأ عمر ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ حتى أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد علمنا ما الفاكهة، فما الأبّ؟ ثم أحسبه " شك الطبري " قال: إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس، قال: قرأ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فلما أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد عرفنا الفاكهة. فما الأبّ؟ قال: لعمرك يا بن الخطاب إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس، قال: قرأ عمر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ ومعه عصا في يده، فقال: ما الأبّ، ثم قال: بحسبنا ما قد علمنا، وألقى العصا من يده. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أنس، عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إن هذا هو التكلف. قال: وحدثني قتادة، عن أنس، عن عمر بنحو هذا الحديث كله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب ويعقوب قالوا: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: عدّ سبعا جعل رزقه في سبعة، وجعله من سبعة، وقال في آخر ذلك: الأبّ: ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس. ⁕ حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا عاصم، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: نبت الأرض مما تأكله الدوابّ، ولا يأكله الناس. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب، قالا ثنا ابن إدريس، قال: ثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير، قال: عدّ ابن عباس، وقال: الأبّ: ما أنبتت الأرض للأنعام، وهذا لفظ حديث أبي كريب. وقال أبو السائب في حديثه: قال: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: الكلأ والمرعى كله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، قال: الأبّ النبات. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، مثله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش أو غيره، عن مجاهد، قال: الأبّ: المرعى. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: قال مجاهد: ﴿وأبًّا﴾ المرعى. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما تأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما أكلت الأنعام. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: أما الأبّ: فلأنعامكم نعم من الله متظاهرة. ⁕ حدثنا ابن بشر، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: العشب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، وقتادة، في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: هو ما تأكله الدوابّ. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وأبًّا﴾ يعني: المرعى. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ لأنعامنا، قال: والأبّ: ما ترعى. وقرأ: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ . قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس وعمرو بن الحارث، عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أنه سمع عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: قال الله: ﴿وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ كلّ هذا قد علمناه، فما الأبّ؟ ثم ضرب بيده، ثم قال: لعمرك إن هذا لهو التكلف، واتبعوا ما يتبين لكم في هذا الكتاب، قال عمر: وما يتبين فعليكم به، وما لا فدعوه. وقال آخرون: الأبّ: الثمار الرطبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وأبًّا﴾ يقول: الثمار الرطبة. * * وقوله: ﴿مَتاعا لَكُمْ﴾ يقول: أنبتنا هذه الأشياء التي يأكلها بنو آدم متاعا لكم أيها الناس، ومنفعة تتمتعون بها، وتنتفعون، والتي يأكلها الأنعام لأنعامكم، وأصل الأنعام الإبل، ثم تستعمل في كلّ راعية. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ قال: متاعا لكم الفاكهة، ولأنعامكم العشب. * * وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ ذُكر أنها اسم من أسماء القيامة، وأحسبها مأخوذة من قولهم: صاخ فلان لصوت فلان: إذا استمع له، إلا أن هذا يقال منه: هو مُصِيخ له، ولعلّ الصوت هو الصاخّ، فإن يكن ذلك كذلك، فينبغي أن يكون قبل ذلك لنفخة الصور. ذكر من قال: هو اسم من أسماء القيامة ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ قال: هذا من أسماء يوم القيامة عظَّمه الله، وحذّره عباده. * * وقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يقول: فإذا جاءت الصاخة في هذا اليوم الذي يفرّ فيه المرء من أخيه. ويعني بقوله: يفرّ من أخيه: يفرّ عن أخيه ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ﴾ يعني: زوجته التي كانت زوجته في الدنيا ﴿وَبَنِيهِ﴾ حذرا من مطالبتهم إياه بما بينه وبينهم من التَّبعات والمظالم. وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يفرّ عن أخيه لئلا يراه، وما ينزل به، ﴿لكل امرئ﴾ يعني: من الرجل وأخيه وأمه وأبيه، وسائر من ذُكر في هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة إذا جاءت الصاخَّة يوم القيامة ﴿شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ يقول: أمر يغنيه، ويُشغِله عن شأن غيره. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أفضى إلى كلّ إنسان ما يشغله عن الناس. ⁕ حدثنا أبو عمارة المَرْوَزيّ الحسين بن حُريث، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن عائذ بن شريح، عن أنس قال: سألتْ عائشة رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، إني سائلتك عن حديث أخبرني أنت به، قال:" إن كانَ عِنْدي مِنْهُ عِلْمٌ" قالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر الرجال؟ قال: " حفاةً عُرَاةً "، ثم انتظرت ساعة فقالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر النساء؟ قال: " كَذلك حُفاةً عُرَاةً "، قالت: واسوأتاه من يوم القيامة، قال: " وعَنْ ذلك تَسألِيني؟ إنَّهُ قَدْ نزلَتْ عليّ آيَة لا يَضُرُّكِ كانَ عَلَيْكِ ثيابٌ أمْ لا "، قالت: أيّ آية هي يا نبيّ الله؟ قال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ قال: شأن قد شغله عن صاحبه. * * وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: وجوه يومئذ مشرقة مضيئة، وهي وجوه المؤمنين الذين قد رضى الله عنهم، يقال: أسفر وجه فلان: إذا حَسُن، ومنه أسفر الصبح: إذا أضاء، وكلّ مضيء فهو مسفر، وأما سَفَر بغير ألف، فإنما يقال للمرأة إذا ألقت نقابها عن وجهها أو برقعها، يقال: قد سَفَرت المرأة عن وجهها إذا فعلت ذلك فهي سافر؛ ومنه قول تَوْبَة بن الحُمَيِّر: وكُنْتُ إذا ما زُرْتُ لَيْلَى تَبرْقَعَتْ ... فَقَدْ رَابَنِي مِنْها الغَدَاةَ سُفُورُها [[الأثر ١٦١ - إسناده إلى مجاهد ضعيف. لأن سفيان، وهو الثوري، لم يسمع من مجاهد؛ لأن الثوري ولد سنة ٩٧، ومجاهد مات سنة ١٠٠ أو بعدها بقليل، والظاهر عندي أن هذه الرواية من أغلاط مهران بن أبي عمر، راويها عن الثوري، فإن رواياته عن الثوري فيها اضطراب كما بينا في الحديث الماضي ١١. وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١: ٤٤ دون نسبة ولا إسناد. وذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١٣، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.]] يعني بقوله: " سفورها " إلقاءها برقعها عن وجهها. ﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يقول: ضاحكة من السرور بما أعطاها الله من النعيم والكرامة ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ لما ترجو من الزيادة. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ يقول: مشرقة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ قال: هؤلاء أهل الجنة. * * وقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَوُجُوهٌ﴾ وهي وجوه الكفار يومئذ عليها غبرة. ذُكر أن البهائم التي يصيرها الله ترابا يومئذ بعد القضاء بينها، يحوّل ذلك التراب غَبَرة في وجوه أهل الكفر ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: يغشى تلك الوجوه قَتَرة، وهي الغَبَرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: تغشاها ذلة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ قال: هذه وجوه أهل النار؛ قال: والقَتَرة من الغَبَرة، قال: وهما واحد، قال: فأما في الدنيا فإن القترة: ما ارتفع، فلحق بالسماء، ورفعته الريح، تسميه العرب القترة، وما كان أسفل في الأرض فهو الغبرة. * * وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم يوم القيامة هم الكفرة بالله، كانوا في الدنيا الفجرة في دينهم، لا يبالون ما أتوا به من معاصي الله، وركبوا من محارمه، فجزاهم الله بسوء أعمالهم ما أخبر به عباده. آخر تفسير سورة عبس.
Les visages des bienheureux seront rayonnants,
ضَاحِكَةٌۭ مُّسْتَبْشِرَةٌۭ
riants et réjouis.
Tafsir (3)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (الصَّاخَّةُ) اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عَظَّمَهُ اللَّهُ، وحَذّره عِبَادَهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَعَلَّهُ اسْمٌ لِلنَّفْخَةِ فِي الصُّورِ. وَقَالَ البَغَويّ: (الصَّاخَّةُ) يَعْنِي صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَصُخّ الْأَسْمَاعَ، أَيْ: تُبَالِغُ فِي إِسْمَاعِهَا حَتَّى تَكَادَ تُصمّها [[في أ: "تصخها".]] . (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) أَيْ: يَرَاهُمْ، وَيَفِرُّ مِنْهُمْ، وَيَبْتَعِدُ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْهَوْلَ عَظِيمٌ، وَالْخَطْبَ جَلِيلٌ. قَالَ عِكْرِمَةُ: يَلْقَى الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ فَيَقُولُ لَهَا: يَا هَذِهِ، أَيُّ بَعْلٍ كنتُ لَكِ؟ فَتَقُولُ: نِعْمَ الْبَعْلُ كنتَ! وَتُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَتْ، فَيَقُولُ لَهَا: فَإِنِّي أطلبُ إِلَيْكِ اليومَ حَسَنَةً وَاحِدَةً تَهَبِينَهَا [[في أ: "تهبيها".]] لِي لَعَلِّي أَنْجُو مِمَّا تَرَيْنَ. فَتَقُولُ لَهُ: مَا أَيْسَرَ مَا طلبتَ، وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَخَافُ. قَالَ: وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَلْقَى ابْنَهُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ، أَيُّ وَالِدٍ كنتُ لَكَ؟ فَيُثْنِي بِخَيْرٍ. فيقولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ لَعَلِّي أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى. فَيَقُولُ وَلَدُهُ: يَا أَبَتِ، مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ، وَلَكِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَتَخَوَّفُ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ-فِي أَمْرِ الشَّفَاعَةِ-: أَنَّهُ إِذَا طُلِبَ إِلَى كُلٍّ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ أَنْ يَشْفَعَ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْخَلَائِقِ، يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي، لَا أَسْأَلُهُ اليومَ إِلَّا نَفْسِي، حَتَّى إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يَقُولُ: لَا أَسْأَلُهُ الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي، لَا أَسْأَلُهُ مَرْيَمَ الَّتِي وَلَدَتْنِي. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) [[أحاديث الشفاعة سبقت عند تفسير أول سورة الإسراء.]] . قَالَ قَتَادَةُ: الْأَحَبُّ فالأحبَ، وَالْأَقْرَبُ فالأقربَ، مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. * * وَقَوْلُهُ: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) أَيْ: هُوَ فِي شُغُل شَاغِلٍ عَنْ غَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ أَبُو زَيْدٍ الْعَبَّادَانِيُّ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرلا " قَالَ: فَقَالَتْ زوجته: يا رسول الله، أوَ يرى [[في م: "يا رسول الله، ننظر أو يرى".]] بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) أَوْ قَالَ: "مَا أَشْغَلَهُ عَنِ النَّظَرِ". وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مُنْفَرِدًا بِهِ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ عَارِمٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ-وَهُوَ أَبُو زَيْدٍ الْأَحْوَلُ الْبَصْرِيُّ، أَحَدُ الثِّقَاتِ-عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ [[سنن النسائي الكبري برقم (١١٦٤٧) .]] وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يزيد، عن هلال ابن خَبَّاب، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تُحشَرون حُفاة عُرَاة غُرْلا". فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَيُبْصِرُ-أَوْ: يَرَى-بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: "يَا فُلَانَةُ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[سنن الترمذي برقم (٣٣٣٢) .]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[في أ: "رضي الله تعالى عنهما".]] . وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا". فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِالْعَوْرَاتِ؟ فَقَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٤٨) .]] . انْفَرَدَ بِهِ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عائد ابن شُرَيح، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَأَلَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنِّي سَائِلَتُكَ عَنْ حَدِيثٍ فَتُخْبِرُنِي أنتَ بِهِ. فَقَالَ: "إِنْ كَانَ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ". قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحشر الرِّجَالُ؟ قَالَ: "حُفَاةً عُرَاةً". ثُمَّ انتظَرتْ سَاعَةً فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ النِّسَاءُ؟ قَالَ: "كَذَلِكَ حُفَاةً عُرَاةً". قَالَتْ: وَاسَوْأَتَاهُ مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ! قَالَ: "وَعَنْ أَيِّ ذَلِكَ تَسْأَلِينَ؟ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيَّ آيَةٌ لَا يَضُرُّكِ كَانَ عَلَيْكِ ثِيَابٌ أَوْ لَا يَكُونُ". قَالَتْ: أيةُ آيَةٍ هِيَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[ورواه الطبري في تفسيره (٣٠/٣٩) ، عن الحسين بن حريث عن الفضل بن موسى به.]] . وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُبْعَثُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ، وَبَلَغَ شُحُومَ الْآذَانِ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاسَوْأَتَاهُ يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: "قَدْ شُغل النَّاسُ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٣٤٠) ، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥١٤) من طريق إسماعيل بن إسحاق، عن إسماعيل بن أبي أويس به نحوه. وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولم يخرجاه بهذا اللفظ".]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ جِدًّا، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي عَمَّارٍ الْحُسَيْنِ بْنِ حُرَيْثٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، بِهِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٩)]] . وَلَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: عَائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ ضَعِيفٌ، فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ [[الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) أَيْ: يَكُونُ النَّاسُ هُنَالِكَ فَرِيقَيْنِ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ) أَيْ: مُسْتَنِيرَةٌ، (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) أَيْ: مَسْرُورَةٌ فَرِحَةٌ مِنْ سُرُورِ قُلُوبِهِمْ، قَدْ ظَهَرَ الْبِشْرُ عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْجَنَّةِ. (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) أَيْ: يَعْلُوهَا وَيَغْشَاهَا [[في م: "تعلوها وتغشاها".]] قَتَرَةٌ، أَيْ: سَوَادٌ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدٌ مَوْلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُلْجِمُ الكافرَ العرقُ ثُمَّ تَقَعُ الغُبْرة عَلَى وُجُوهِهِمْ". قَالَ: فَهُوَ قَوْلُهُ: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ) [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٨/٤٢٤) ، وله شاهد من حديث ابن مسعود: رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٥٨٢) "موارد" من طريق شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ ابن مسعود مرفوعا: "إن الكافر ليلجمه العرق يوم القيامة فيقول: أرحنى ولو إلى النار".]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) أَيْ: يَغْشَاهَا سَوَادُ الْوُجُوهِ. * * وَقَوْلُهُ: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) أَيِ: الْكَفَرَةُ قُلُوبُهُمْ، الْفَجَرَةُ فِي أَعْمَالِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٧] . آخِرُ تفسير سورة "عبس" ولله الحمد والمنة.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿وَفاكِهَةً﴾ ما يأكله الناس من ثمار الأشجار، والأبّ: ما تأكله البهائم من العشب والنبات. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما يأكل ابن آدم. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما أكل الناس. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: أما الفاكهة فلكم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: الفاكهة لنا. ⁕ حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا حميد، قال أنس بن مالك: قرأ عمر ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ حتى أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد علمنا ما الفاكهة، فما الأبّ؟ ثم أحسبه " شك الطبري " قال: إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس، قال: قرأ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فلما أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد عرفنا الفاكهة. فما الأبّ؟ قال: لعمرك يا بن الخطاب إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس، قال: قرأ عمر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ ومعه عصا في يده، فقال: ما الأبّ، ثم قال: بحسبنا ما قد علمنا، وألقى العصا من يده. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أنس، عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إن هذا هو التكلف. قال: وحدثني قتادة، عن أنس، عن عمر بنحو هذا الحديث كله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب ويعقوب قالوا: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: عدّ سبعا جعل رزقه في سبعة، وجعله من سبعة، وقال في آخر ذلك: الأبّ: ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس. ⁕ حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا عاصم، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: نبت الأرض مما تأكله الدوابّ، ولا يأكله الناس. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب، قالا ثنا ابن إدريس، قال: ثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير، قال: عدّ ابن عباس، وقال: الأبّ: ما أنبتت الأرض للأنعام، وهذا لفظ حديث أبي كريب. وقال أبو السائب في حديثه: قال: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: الكلأ والمرعى كله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، قال: الأبّ النبات. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، مثله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش أو غيره، عن مجاهد، قال: الأبّ: المرعى. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: قال مجاهد: ﴿وأبًّا﴾ المرعى. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما تأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما أكلت الأنعام. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: أما الأبّ: فلأنعامكم نعم من الله متظاهرة. ⁕ حدثنا ابن بشر، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: العشب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، وقتادة، في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: هو ما تأكله الدوابّ. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وأبًّا﴾ يعني: المرعى. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ لأنعامنا، قال: والأبّ: ما ترعى. وقرأ: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ . قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس وعمرو بن الحارث، عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أنه سمع عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: قال الله: ﴿وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ كلّ هذا قد علمناه، فما الأبّ؟ ثم ضرب بيده، ثم قال: لعمرك إن هذا لهو التكلف، واتبعوا ما يتبين لكم في هذا الكتاب، قال عمر: وما يتبين فعليكم به، وما لا فدعوه. وقال آخرون: الأبّ: الثمار الرطبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وأبًّا﴾ يقول: الثمار الرطبة. * * وقوله: ﴿مَتاعا لَكُمْ﴾ يقول: أنبتنا هذه الأشياء التي يأكلها بنو آدم متاعا لكم أيها الناس، ومنفعة تتمتعون بها، وتنتفعون، والتي يأكلها الأنعام لأنعامكم، وأصل الأنعام الإبل، ثم تستعمل في كلّ راعية. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ قال: متاعا لكم الفاكهة، ولأنعامكم العشب. * * وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ ذُكر أنها اسم من أسماء القيامة، وأحسبها مأخوذة من قولهم: صاخ فلان لصوت فلان: إذا استمع له، إلا أن هذا يقال منه: هو مُصِيخ له، ولعلّ الصوت هو الصاخّ، فإن يكن ذلك كذلك، فينبغي أن يكون قبل ذلك لنفخة الصور. ذكر من قال: هو اسم من أسماء القيامة ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ قال: هذا من أسماء يوم القيامة عظَّمه الله، وحذّره عباده. * * وقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يقول: فإذا جاءت الصاخة في هذا اليوم الذي يفرّ فيه المرء من أخيه. ويعني بقوله: يفرّ من أخيه: يفرّ عن أخيه ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ﴾ يعني: زوجته التي كانت زوجته في الدنيا ﴿وَبَنِيهِ﴾ حذرا من مطالبتهم إياه بما بينه وبينهم من التَّبعات والمظالم. وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يفرّ عن أخيه لئلا يراه، وما ينزل به، ﴿لكل امرئ﴾ يعني: من الرجل وأخيه وأمه وأبيه، وسائر من ذُكر في هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة إذا جاءت الصاخَّة يوم القيامة ﴿شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ يقول: أمر يغنيه، ويُشغِله عن شأن غيره. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أفضى إلى كلّ إنسان ما يشغله عن الناس. ⁕ حدثنا أبو عمارة المَرْوَزيّ الحسين بن حُريث، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن عائذ بن شريح، عن أنس قال: سألتْ عائشة رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، إني سائلتك عن حديث أخبرني أنت به، قال:" إن كانَ عِنْدي مِنْهُ عِلْمٌ" قالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر الرجال؟ قال: " حفاةً عُرَاةً "، ثم انتظرت ساعة فقالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر النساء؟ قال: " كَذلك حُفاةً عُرَاةً "، قالت: واسوأتاه من يوم القيامة، قال: " وعَنْ ذلك تَسألِيني؟ إنَّهُ قَدْ نزلَتْ عليّ آيَة لا يَضُرُّكِ كانَ عَلَيْكِ ثيابٌ أمْ لا "، قالت: أيّ آية هي يا نبيّ الله؟ قال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ قال: شأن قد شغله عن صاحبه. * * وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: وجوه يومئذ مشرقة مضيئة، وهي وجوه المؤمنين الذين قد رضى الله عنهم، يقال: أسفر وجه فلان: إذا حَسُن، ومنه أسفر الصبح: إذا أضاء، وكلّ مضيء فهو مسفر، وأما سَفَر بغير ألف، فإنما يقال للمرأة إذا ألقت نقابها عن وجهها أو برقعها، يقال: قد سَفَرت المرأة عن وجهها إذا فعلت ذلك فهي سافر؛ ومنه قول تَوْبَة بن الحُمَيِّر: وكُنْتُ إذا ما زُرْتُ لَيْلَى تَبرْقَعَتْ ... فَقَدْ رَابَنِي مِنْها الغَدَاةَ سُفُورُها [[الأثر ١٦١ - إسناده إلى مجاهد ضعيف. لأن سفيان، وهو الثوري، لم يسمع من مجاهد؛ لأن الثوري ولد سنة ٩٧، ومجاهد مات سنة ١٠٠ أو بعدها بقليل، والظاهر عندي أن هذه الرواية من أغلاط مهران بن أبي عمر، راويها عن الثوري، فإن رواياته عن الثوري فيها اضطراب كما بينا في الحديث الماضي ١١. وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١: ٤٤ دون نسبة ولا إسناد. وذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١٣، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.]] يعني بقوله: " سفورها " إلقاءها برقعها عن وجهها. ﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يقول: ضاحكة من السرور بما أعطاها الله من النعيم والكرامة ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ لما ترجو من الزيادة. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ يقول: مشرقة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ قال: هؤلاء أهل الجنة. * * وقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَوُجُوهٌ﴾ وهي وجوه الكفار يومئذ عليها غبرة. ذُكر أن البهائم التي يصيرها الله ترابا يومئذ بعد القضاء بينها، يحوّل ذلك التراب غَبَرة في وجوه أهل الكفر ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: يغشى تلك الوجوه قَتَرة، وهي الغَبَرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: تغشاها ذلة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ قال: هذه وجوه أهل النار؛ قال: والقَتَرة من الغَبَرة، قال: وهما واحد، قال: فأما في الدنيا فإن القترة: ما ارتفع، فلحق بالسماء، ورفعته الريح، تسميه العرب القترة، وما كان أسفل في الأرض فهو الغبرة. * * وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم يوم القيامة هم الكفرة بالله، كانوا في الدنيا الفجرة في دينهم، لا يبالون ما أتوا به من معاصي الله، وركبوا من محارمه، فجزاهم الله بسوء أعمالهم ما أخبر به عباده. آخر تفسير سورة عبس.
riants et réjouis par la miséricorde que leur Seigneur leur réserve.
وَوُجُوهٌۭ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌۭ
De même qu'il y aura, ce jour-là, des visages couverts de poussière,
Tafsir (3)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (الصَّاخَّةُ) اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عَظَّمَهُ اللَّهُ، وحَذّره عِبَادَهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَعَلَّهُ اسْمٌ لِلنَّفْخَةِ فِي الصُّورِ. وَقَالَ البَغَويّ: (الصَّاخَّةُ) يَعْنِي صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَصُخّ الْأَسْمَاعَ، أَيْ: تُبَالِغُ فِي إِسْمَاعِهَا حَتَّى تَكَادَ تُصمّها [[في أ: "تصخها".]] . (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) أَيْ: يَرَاهُمْ، وَيَفِرُّ مِنْهُمْ، وَيَبْتَعِدُ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْهَوْلَ عَظِيمٌ، وَالْخَطْبَ جَلِيلٌ. قَالَ عِكْرِمَةُ: يَلْقَى الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ فَيَقُولُ لَهَا: يَا هَذِهِ، أَيُّ بَعْلٍ كنتُ لَكِ؟ فَتَقُولُ: نِعْمَ الْبَعْلُ كنتَ! وَتُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَتْ، فَيَقُولُ لَهَا: فَإِنِّي أطلبُ إِلَيْكِ اليومَ حَسَنَةً وَاحِدَةً تَهَبِينَهَا [[في أ: "تهبيها".]] لِي لَعَلِّي أَنْجُو مِمَّا تَرَيْنَ. فَتَقُولُ لَهُ: مَا أَيْسَرَ مَا طلبتَ، وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَخَافُ. قَالَ: وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَلْقَى ابْنَهُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ، أَيُّ وَالِدٍ كنتُ لَكَ؟ فَيُثْنِي بِخَيْرٍ. فيقولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ لَعَلِّي أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى. فَيَقُولُ وَلَدُهُ: يَا أَبَتِ، مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ، وَلَكِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَتَخَوَّفُ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ-فِي أَمْرِ الشَّفَاعَةِ-: أَنَّهُ إِذَا طُلِبَ إِلَى كُلٍّ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ أَنْ يَشْفَعَ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْخَلَائِقِ، يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي، لَا أَسْأَلُهُ اليومَ إِلَّا نَفْسِي، حَتَّى إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يَقُولُ: لَا أَسْأَلُهُ الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي، لَا أَسْأَلُهُ مَرْيَمَ الَّتِي وَلَدَتْنِي. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) [[أحاديث الشفاعة سبقت عند تفسير أول سورة الإسراء.]] . قَالَ قَتَادَةُ: الْأَحَبُّ فالأحبَ، وَالْأَقْرَبُ فالأقربَ، مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. * * وَقَوْلُهُ: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) أَيْ: هُوَ فِي شُغُل شَاغِلٍ عَنْ غَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ أَبُو زَيْدٍ الْعَبَّادَانِيُّ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرلا " قَالَ: فَقَالَتْ زوجته: يا رسول الله، أوَ يرى [[في م: "يا رسول الله، ننظر أو يرى".]] بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) أَوْ قَالَ: "مَا أَشْغَلَهُ عَنِ النَّظَرِ". وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مُنْفَرِدًا بِهِ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ عَارِمٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ-وَهُوَ أَبُو زَيْدٍ الْأَحْوَلُ الْبَصْرِيُّ، أَحَدُ الثِّقَاتِ-عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ [[سنن النسائي الكبري برقم (١١٦٤٧) .]] وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يزيد، عن هلال ابن خَبَّاب، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تُحشَرون حُفاة عُرَاة غُرْلا". فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَيُبْصِرُ-أَوْ: يَرَى-بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: "يَا فُلَانَةُ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[سنن الترمذي برقم (٣٣٣٢) .]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[في أ: "رضي الله تعالى عنهما".]] . وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا". فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِالْعَوْرَاتِ؟ فَقَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٤٨) .]] . انْفَرَدَ بِهِ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عائد ابن شُرَيح، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَأَلَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنِّي سَائِلَتُكَ عَنْ حَدِيثٍ فَتُخْبِرُنِي أنتَ بِهِ. فَقَالَ: "إِنْ كَانَ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ". قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحشر الرِّجَالُ؟ قَالَ: "حُفَاةً عُرَاةً". ثُمَّ انتظَرتْ سَاعَةً فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ النِّسَاءُ؟ قَالَ: "كَذَلِكَ حُفَاةً عُرَاةً". قَالَتْ: وَاسَوْأَتَاهُ مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ! قَالَ: "وَعَنْ أَيِّ ذَلِكَ تَسْأَلِينَ؟ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيَّ آيَةٌ لَا يَضُرُّكِ كَانَ عَلَيْكِ ثِيَابٌ أَوْ لَا يَكُونُ". قَالَتْ: أيةُ آيَةٍ هِيَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[ورواه الطبري في تفسيره (٣٠/٣٩) ، عن الحسين بن حريث عن الفضل بن موسى به.]] . وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُبْعَثُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ، وَبَلَغَ شُحُومَ الْآذَانِ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاسَوْأَتَاهُ يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: "قَدْ شُغل النَّاسُ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٣٤٠) ، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥١٤) من طريق إسماعيل بن إسحاق، عن إسماعيل بن أبي أويس به نحوه. وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولم يخرجاه بهذا اللفظ".]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ جِدًّا، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي عَمَّارٍ الْحُسَيْنِ بْنِ حُرَيْثٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، بِهِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٩)]] . وَلَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: عَائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ ضَعِيفٌ، فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ [[الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) أَيْ: يَكُونُ النَّاسُ هُنَالِكَ فَرِيقَيْنِ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ) أَيْ: مُسْتَنِيرَةٌ، (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) أَيْ: مَسْرُورَةٌ فَرِحَةٌ مِنْ سُرُورِ قُلُوبِهِمْ، قَدْ ظَهَرَ الْبِشْرُ عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْجَنَّةِ. (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) أَيْ: يَعْلُوهَا وَيَغْشَاهَا [[في م: "تعلوها وتغشاها".]] قَتَرَةٌ، أَيْ: سَوَادٌ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدٌ مَوْلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُلْجِمُ الكافرَ العرقُ ثُمَّ تَقَعُ الغُبْرة عَلَى وُجُوهِهِمْ". قَالَ: فَهُوَ قَوْلُهُ: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ) [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٨/٤٢٤) ، وله شاهد من حديث ابن مسعود: رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٥٨٢) "موارد" من طريق شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ ابن مسعود مرفوعا: "إن الكافر ليلجمه العرق يوم القيامة فيقول: أرحنى ولو إلى النار".]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) أَيْ: يَغْشَاهَا سَوَادُ الْوُجُوهِ. * * وَقَوْلُهُ: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) أَيِ: الْكَفَرَةُ قُلُوبُهُمْ، الْفَجَرَةُ فِي أَعْمَالِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٧] . آخِرُ تفسير سورة "عبس" ولله الحمد والمنة.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿وَفاكِهَةً﴾ ما يأكله الناس من ثمار الأشجار، والأبّ: ما تأكله البهائم من العشب والنبات. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما يأكل ابن آدم. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما أكل الناس. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: أما الفاكهة فلكم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: الفاكهة لنا. ⁕ حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا حميد، قال أنس بن مالك: قرأ عمر ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ حتى أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد علمنا ما الفاكهة، فما الأبّ؟ ثم أحسبه " شك الطبري " قال: إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس، قال: قرأ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فلما أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد عرفنا الفاكهة. فما الأبّ؟ قال: لعمرك يا بن الخطاب إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس، قال: قرأ عمر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ ومعه عصا في يده، فقال: ما الأبّ، ثم قال: بحسبنا ما قد علمنا، وألقى العصا من يده. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أنس، عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إن هذا هو التكلف. قال: وحدثني قتادة، عن أنس، عن عمر بنحو هذا الحديث كله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب ويعقوب قالوا: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: عدّ سبعا جعل رزقه في سبعة، وجعله من سبعة، وقال في آخر ذلك: الأبّ: ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس. ⁕ حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا عاصم، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: نبت الأرض مما تأكله الدوابّ، ولا يأكله الناس. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب، قالا ثنا ابن إدريس، قال: ثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير، قال: عدّ ابن عباس، وقال: الأبّ: ما أنبتت الأرض للأنعام، وهذا لفظ حديث أبي كريب. وقال أبو السائب في حديثه: قال: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: الكلأ والمرعى كله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، قال: الأبّ النبات. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، مثله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش أو غيره، عن مجاهد، قال: الأبّ: المرعى. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: قال مجاهد: ﴿وأبًّا﴾ المرعى. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما تأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما أكلت الأنعام. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: أما الأبّ: فلأنعامكم نعم من الله متظاهرة. ⁕ حدثنا ابن بشر، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: العشب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، وقتادة، في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: هو ما تأكله الدوابّ. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وأبًّا﴾ يعني: المرعى. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ لأنعامنا، قال: والأبّ: ما ترعى. وقرأ: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ . قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس وعمرو بن الحارث، عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أنه سمع عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: قال الله: ﴿وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ كلّ هذا قد علمناه، فما الأبّ؟ ثم ضرب بيده، ثم قال: لعمرك إن هذا لهو التكلف، واتبعوا ما يتبين لكم في هذا الكتاب، قال عمر: وما يتبين فعليكم به، وما لا فدعوه. وقال آخرون: الأبّ: الثمار الرطبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وأبًّا﴾ يقول: الثمار الرطبة. * * وقوله: ﴿مَتاعا لَكُمْ﴾ يقول: أنبتنا هذه الأشياء التي يأكلها بنو آدم متاعا لكم أيها الناس، ومنفعة تتمتعون بها، وتنتفعون، والتي يأكلها الأنعام لأنعامكم، وأصل الأنعام الإبل، ثم تستعمل في كلّ راعية. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ قال: متاعا لكم الفاكهة، ولأنعامكم العشب. * * وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ ذُكر أنها اسم من أسماء القيامة، وأحسبها مأخوذة من قولهم: صاخ فلان لصوت فلان: إذا استمع له، إلا أن هذا يقال منه: هو مُصِيخ له، ولعلّ الصوت هو الصاخّ، فإن يكن ذلك كذلك، فينبغي أن يكون قبل ذلك لنفخة الصور. ذكر من قال: هو اسم من أسماء القيامة ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ قال: هذا من أسماء يوم القيامة عظَّمه الله، وحذّره عباده. * * وقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يقول: فإذا جاءت الصاخة في هذا اليوم الذي يفرّ فيه المرء من أخيه. ويعني بقوله: يفرّ من أخيه: يفرّ عن أخيه ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ﴾ يعني: زوجته التي كانت زوجته في الدنيا ﴿وَبَنِيهِ﴾ حذرا من مطالبتهم إياه بما بينه وبينهم من التَّبعات والمظالم. وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يفرّ عن أخيه لئلا يراه، وما ينزل به، ﴿لكل امرئ﴾ يعني: من الرجل وأخيه وأمه وأبيه، وسائر من ذُكر في هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة إذا جاءت الصاخَّة يوم القيامة ﴿شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ يقول: أمر يغنيه، ويُشغِله عن شأن غيره. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أفضى إلى كلّ إنسان ما يشغله عن الناس. ⁕ حدثنا أبو عمارة المَرْوَزيّ الحسين بن حُريث، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن عائذ بن شريح، عن أنس قال: سألتْ عائشة رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، إني سائلتك عن حديث أخبرني أنت به، قال:" إن كانَ عِنْدي مِنْهُ عِلْمٌ" قالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر الرجال؟ قال: " حفاةً عُرَاةً "، ثم انتظرت ساعة فقالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر النساء؟ قال: " كَذلك حُفاةً عُرَاةً "، قالت: واسوأتاه من يوم القيامة، قال: " وعَنْ ذلك تَسألِيني؟ إنَّهُ قَدْ نزلَتْ عليّ آيَة لا يَضُرُّكِ كانَ عَلَيْكِ ثيابٌ أمْ لا "، قالت: أيّ آية هي يا نبيّ الله؟ قال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ قال: شأن قد شغله عن صاحبه. * * وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: وجوه يومئذ مشرقة مضيئة، وهي وجوه المؤمنين الذين قد رضى الله عنهم، يقال: أسفر وجه فلان: إذا حَسُن، ومنه أسفر الصبح: إذا أضاء، وكلّ مضيء فهو مسفر، وأما سَفَر بغير ألف، فإنما يقال للمرأة إذا ألقت نقابها عن وجهها أو برقعها، يقال: قد سَفَرت المرأة عن وجهها إذا فعلت ذلك فهي سافر؛ ومنه قول تَوْبَة بن الحُمَيِّر: وكُنْتُ إذا ما زُرْتُ لَيْلَى تَبرْقَعَتْ ... فَقَدْ رَابَنِي مِنْها الغَدَاةَ سُفُورُها [[الأثر ١٦١ - إسناده إلى مجاهد ضعيف. لأن سفيان، وهو الثوري، لم يسمع من مجاهد؛ لأن الثوري ولد سنة ٩٧، ومجاهد مات سنة ١٠٠ أو بعدها بقليل، والظاهر عندي أن هذه الرواية من أغلاط مهران بن أبي عمر، راويها عن الثوري، فإن رواياته عن الثوري فيها اضطراب كما بينا في الحديث الماضي ١١. وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١: ٤٤ دون نسبة ولا إسناد. وذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١٣، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.]] يعني بقوله: " سفورها " إلقاءها برقعها عن وجهها. ﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يقول: ضاحكة من السرور بما أعطاها الله من النعيم والكرامة ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ لما ترجو من الزيادة. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ يقول: مشرقة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ قال: هؤلاء أهل الجنة. * * وقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَوُجُوهٌ﴾ وهي وجوه الكفار يومئذ عليها غبرة. ذُكر أن البهائم التي يصيرها الله ترابا يومئذ بعد القضاء بينها، يحوّل ذلك التراب غَبَرة في وجوه أهل الكفر ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: يغشى تلك الوجوه قَتَرة، وهي الغَبَرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: تغشاها ذلة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ قال: هذه وجوه أهل النار؛ قال: والقَتَرة من الغَبَرة، قال: وهما واحد، قال: فأما في الدنيا فإن القترة: ما ارتفع، فلحق بالسماء، ورفعته الريح، تسميه العرب القترة، وما كان أسفل في الأرض فهو الغبرة. * * وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم يوم القيامة هم الكفرة بالله، كانوا في الدنيا الفجرة في دينهم، لا يبالون ما أتوا به من معاصي الله، وركبوا من محارمه، فجزاهم الله بسوء أعمالهم ما أخبر به عباده. آخر تفسير سورة عبس.
Tandis que les visages des damnés seront recouverts de poussière
تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ
recouverts de ténèbres.
Tafsir (3)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (الصَّاخَّةُ) اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عَظَّمَهُ اللَّهُ، وحَذّره عِبَادَهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَعَلَّهُ اسْمٌ لِلنَّفْخَةِ فِي الصُّورِ. وَقَالَ البَغَويّ: (الصَّاخَّةُ) يَعْنِي صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَصُخّ الْأَسْمَاعَ، أَيْ: تُبَالِغُ فِي إِسْمَاعِهَا حَتَّى تَكَادَ تُصمّها [[في أ: "تصخها".]] . (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) أَيْ: يَرَاهُمْ، وَيَفِرُّ مِنْهُمْ، وَيَبْتَعِدُ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْهَوْلَ عَظِيمٌ، وَالْخَطْبَ جَلِيلٌ. قَالَ عِكْرِمَةُ: يَلْقَى الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ فَيَقُولُ لَهَا: يَا هَذِهِ، أَيُّ بَعْلٍ كنتُ لَكِ؟ فَتَقُولُ: نِعْمَ الْبَعْلُ كنتَ! وَتُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَتْ، فَيَقُولُ لَهَا: فَإِنِّي أطلبُ إِلَيْكِ اليومَ حَسَنَةً وَاحِدَةً تَهَبِينَهَا [[في أ: "تهبيها".]] لِي لَعَلِّي أَنْجُو مِمَّا تَرَيْنَ. فَتَقُولُ لَهُ: مَا أَيْسَرَ مَا طلبتَ، وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَخَافُ. قَالَ: وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَلْقَى ابْنَهُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ، أَيُّ وَالِدٍ كنتُ لَكَ؟ فَيُثْنِي بِخَيْرٍ. فيقولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ لَعَلِّي أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى. فَيَقُولُ وَلَدُهُ: يَا أَبَتِ، مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ، وَلَكِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَتَخَوَّفُ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ-فِي أَمْرِ الشَّفَاعَةِ-: أَنَّهُ إِذَا طُلِبَ إِلَى كُلٍّ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ أَنْ يَشْفَعَ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْخَلَائِقِ، يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي، لَا أَسْأَلُهُ اليومَ إِلَّا نَفْسِي، حَتَّى إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يَقُولُ: لَا أَسْأَلُهُ الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي، لَا أَسْأَلُهُ مَرْيَمَ الَّتِي وَلَدَتْنِي. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) [[أحاديث الشفاعة سبقت عند تفسير أول سورة الإسراء.]] . قَالَ قَتَادَةُ: الْأَحَبُّ فالأحبَ، وَالْأَقْرَبُ فالأقربَ، مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. * * وَقَوْلُهُ: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) أَيْ: هُوَ فِي شُغُل شَاغِلٍ عَنْ غَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ أَبُو زَيْدٍ الْعَبَّادَانِيُّ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرلا " قَالَ: فَقَالَتْ زوجته: يا رسول الله، أوَ يرى [[في م: "يا رسول الله، ننظر أو يرى".]] بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) أَوْ قَالَ: "مَا أَشْغَلَهُ عَنِ النَّظَرِ". وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مُنْفَرِدًا بِهِ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ عَارِمٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ-وَهُوَ أَبُو زَيْدٍ الْأَحْوَلُ الْبَصْرِيُّ، أَحَدُ الثِّقَاتِ-عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ [[سنن النسائي الكبري برقم (١١٦٤٧) .]] وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يزيد، عن هلال ابن خَبَّاب، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تُحشَرون حُفاة عُرَاة غُرْلا". فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَيُبْصِرُ-أَوْ: يَرَى-بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: "يَا فُلَانَةُ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[سنن الترمذي برقم (٣٣٣٢) .]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[في أ: "رضي الله تعالى عنهما".]] . وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا". فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِالْعَوْرَاتِ؟ فَقَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٤٨) .]] . انْفَرَدَ بِهِ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عائد ابن شُرَيح، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَأَلَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنِّي سَائِلَتُكَ عَنْ حَدِيثٍ فَتُخْبِرُنِي أنتَ بِهِ. فَقَالَ: "إِنْ كَانَ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ". قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحشر الرِّجَالُ؟ قَالَ: "حُفَاةً عُرَاةً". ثُمَّ انتظَرتْ سَاعَةً فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ النِّسَاءُ؟ قَالَ: "كَذَلِكَ حُفَاةً عُرَاةً". قَالَتْ: وَاسَوْأَتَاهُ مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ! قَالَ: "وَعَنْ أَيِّ ذَلِكَ تَسْأَلِينَ؟ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيَّ آيَةٌ لَا يَضُرُّكِ كَانَ عَلَيْكِ ثِيَابٌ أَوْ لَا يَكُونُ". قَالَتْ: أيةُ آيَةٍ هِيَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[ورواه الطبري في تفسيره (٣٠/٣٩) ، عن الحسين بن حريث عن الفضل بن موسى به.]] . وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُبْعَثُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ، وَبَلَغَ شُحُومَ الْآذَانِ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاسَوْأَتَاهُ يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: "قَدْ شُغل النَّاسُ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٣٤٠) ، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥١٤) من طريق إسماعيل بن إسحاق، عن إسماعيل بن أبي أويس به نحوه. وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولم يخرجاه بهذا اللفظ".]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ جِدًّا، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي عَمَّارٍ الْحُسَيْنِ بْنِ حُرَيْثٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، بِهِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٩)]] . وَلَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: عَائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ ضَعِيفٌ، فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ [[الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) أَيْ: يَكُونُ النَّاسُ هُنَالِكَ فَرِيقَيْنِ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ) أَيْ: مُسْتَنِيرَةٌ، (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) أَيْ: مَسْرُورَةٌ فَرِحَةٌ مِنْ سُرُورِ قُلُوبِهِمْ، قَدْ ظَهَرَ الْبِشْرُ عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْجَنَّةِ. (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) أَيْ: يَعْلُوهَا وَيَغْشَاهَا [[في م: "تعلوها وتغشاها".]] قَتَرَةٌ، أَيْ: سَوَادٌ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدٌ مَوْلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُلْجِمُ الكافرَ العرقُ ثُمَّ تَقَعُ الغُبْرة عَلَى وُجُوهِهِمْ". قَالَ: فَهُوَ قَوْلُهُ: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ) [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٨/٤٢٤) ، وله شاهد من حديث ابن مسعود: رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٥٨٢) "موارد" من طريق شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ ابن مسعود مرفوعا: "إن الكافر ليلجمه العرق يوم القيامة فيقول: أرحنى ولو إلى النار".]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) أَيْ: يَغْشَاهَا سَوَادُ الْوُجُوهِ. * * وَقَوْلُهُ: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) أَيِ: الْكَفَرَةُ قُلُوبُهُمْ، الْفَجَرَةُ فِي أَعْمَالِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٧] . آخِرُ تفسير سورة "عبس" ولله الحمد والمنة.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿وَفاكِهَةً﴾ ما يأكله الناس من ثمار الأشجار، والأبّ: ما تأكله البهائم من العشب والنبات. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما يأكل ابن آدم. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما أكل الناس. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: أما الفاكهة فلكم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: الفاكهة لنا. ⁕ حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا حميد، قال أنس بن مالك: قرأ عمر ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ حتى أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد علمنا ما الفاكهة، فما الأبّ؟ ثم أحسبه " شك الطبري " قال: إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس، قال: قرأ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فلما أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد عرفنا الفاكهة. فما الأبّ؟ قال: لعمرك يا بن الخطاب إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس، قال: قرأ عمر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ ومعه عصا في يده، فقال: ما الأبّ، ثم قال: بحسبنا ما قد علمنا، وألقى العصا من يده. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أنس، عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إن هذا هو التكلف. قال: وحدثني قتادة، عن أنس، عن عمر بنحو هذا الحديث كله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب ويعقوب قالوا: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: عدّ سبعا جعل رزقه في سبعة، وجعله من سبعة، وقال في آخر ذلك: الأبّ: ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس. ⁕ حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا عاصم، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: نبت الأرض مما تأكله الدوابّ، ولا يأكله الناس. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب، قالا ثنا ابن إدريس، قال: ثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير، قال: عدّ ابن عباس، وقال: الأبّ: ما أنبتت الأرض للأنعام، وهذا لفظ حديث أبي كريب. وقال أبو السائب في حديثه: قال: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: الكلأ والمرعى كله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، قال: الأبّ النبات. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، مثله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش أو غيره، عن مجاهد، قال: الأبّ: المرعى. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: قال مجاهد: ﴿وأبًّا﴾ المرعى. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما تأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما أكلت الأنعام. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: أما الأبّ: فلأنعامكم نعم من الله متظاهرة. ⁕ حدثنا ابن بشر، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: العشب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، وقتادة، في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: هو ما تأكله الدوابّ. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وأبًّا﴾ يعني: المرعى. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ لأنعامنا، قال: والأبّ: ما ترعى. وقرأ: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ . قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس وعمرو بن الحارث، عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أنه سمع عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: قال الله: ﴿وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ كلّ هذا قد علمناه، فما الأبّ؟ ثم ضرب بيده، ثم قال: لعمرك إن هذا لهو التكلف، واتبعوا ما يتبين لكم في هذا الكتاب، قال عمر: وما يتبين فعليكم به، وما لا فدعوه. وقال آخرون: الأبّ: الثمار الرطبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وأبًّا﴾ يقول: الثمار الرطبة. * * وقوله: ﴿مَتاعا لَكُمْ﴾ يقول: أنبتنا هذه الأشياء التي يأكلها بنو آدم متاعا لكم أيها الناس، ومنفعة تتمتعون بها، وتنتفعون، والتي يأكلها الأنعام لأنعامكم، وأصل الأنعام الإبل، ثم تستعمل في كلّ راعية. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ قال: متاعا لكم الفاكهة، ولأنعامكم العشب. * * وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ ذُكر أنها اسم من أسماء القيامة، وأحسبها مأخوذة من قولهم: صاخ فلان لصوت فلان: إذا استمع له، إلا أن هذا يقال منه: هو مُصِيخ له، ولعلّ الصوت هو الصاخّ، فإن يكن ذلك كذلك، فينبغي أن يكون قبل ذلك لنفخة الصور. ذكر من قال: هو اسم من أسماء القيامة ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ قال: هذا من أسماء يوم القيامة عظَّمه الله، وحذّره عباده. * * وقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يقول: فإذا جاءت الصاخة في هذا اليوم الذي يفرّ فيه المرء من أخيه. ويعني بقوله: يفرّ من أخيه: يفرّ عن أخيه ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ﴾ يعني: زوجته التي كانت زوجته في الدنيا ﴿وَبَنِيهِ﴾ حذرا من مطالبتهم إياه بما بينه وبينهم من التَّبعات والمظالم. وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يفرّ عن أخيه لئلا يراه، وما ينزل به، ﴿لكل امرئ﴾ يعني: من الرجل وأخيه وأمه وأبيه، وسائر من ذُكر في هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة إذا جاءت الصاخَّة يوم القيامة ﴿شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ يقول: أمر يغنيه، ويُشغِله عن شأن غيره. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أفضى إلى كلّ إنسان ما يشغله عن الناس. ⁕ حدثنا أبو عمارة المَرْوَزيّ الحسين بن حُريث، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن عائذ بن شريح، عن أنس قال: سألتْ عائشة رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، إني سائلتك عن حديث أخبرني أنت به، قال:" إن كانَ عِنْدي مِنْهُ عِلْمٌ" قالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر الرجال؟ قال: " حفاةً عُرَاةً "، ثم انتظرت ساعة فقالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر النساء؟ قال: " كَذلك حُفاةً عُرَاةً "، قالت: واسوأتاه من يوم القيامة، قال: " وعَنْ ذلك تَسألِيني؟ إنَّهُ قَدْ نزلَتْ عليّ آيَة لا يَضُرُّكِ كانَ عَلَيْكِ ثيابٌ أمْ لا "، قالت: أيّ آية هي يا نبيّ الله؟ قال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ قال: شأن قد شغله عن صاحبه. * * وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: وجوه يومئذ مشرقة مضيئة، وهي وجوه المؤمنين الذين قد رضى الله عنهم، يقال: أسفر وجه فلان: إذا حَسُن، ومنه أسفر الصبح: إذا أضاء، وكلّ مضيء فهو مسفر، وأما سَفَر بغير ألف، فإنما يقال للمرأة إذا ألقت نقابها عن وجهها أو برقعها، يقال: قد سَفَرت المرأة عن وجهها إذا فعلت ذلك فهي سافر؛ ومنه قول تَوْبَة بن الحُمَيِّر: وكُنْتُ إذا ما زُرْتُ لَيْلَى تَبرْقَعَتْ ... فَقَدْ رَابَنِي مِنْها الغَدَاةَ سُفُورُها [[الأثر ١٦١ - إسناده إلى مجاهد ضعيف. لأن سفيان، وهو الثوري، لم يسمع من مجاهد؛ لأن الثوري ولد سنة ٩٧، ومجاهد مات سنة ١٠٠ أو بعدها بقليل، والظاهر عندي أن هذه الرواية من أغلاط مهران بن أبي عمر، راويها عن الثوري، فإن رواياته عن الثوري فيها اضطراب كما بينا في الحديث الماضي ١١. وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١: ٤٤ دون نسبة ولا إسناد. وذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١٣، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.]] يعني بقوله: " سفورها " إلقاءها برقعها عن وجهها. ﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يقول: ضاحكة من السرور بما أعطاها الله من النعيم والكرامة ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ لما ترجو من الزيادة. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ يقول: مشرقة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ قال: هؤلاء أهل الجنة. * * وقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَوُجُوهٌ﴾ وهي وجوه الكفار يومئذ عليها غبرة. ذُكر أن البهائم التي يصيرها الله ترابا يومئذ بعد القضاء بينها، يحوّل ذلك التراب غَبَرة في وجوه أهل الكفر ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: يغشى تلك الوجوه قَتَرة، وهي الغَبَرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: تغشاها ذلة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ قال: هذه وجوه أهل النار؛ قال: والقَتَرة من الغَبَرة، قال: وهما واحد، قال: فأما في الدنيا فإن القترة: ما ارتفع، فلحق بالسماء، ورفعته الريح، تسميه العرب القترة، وما كان أسفل في الأرض فهو الغبرة. * * وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم يوم القيامة هم الكفرة بالله، كانوا في الدنيا الفجرة في دينهم، لا يبالون ما أتوا به من معاصي الله، وركبوا من محارمه، فجزاهم الله بسوء أعمالهم ما أخبر به عباده. آخر تفسير سورة عبس.
et ténébreux.
أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ
Voilà les infidèles, les libertins.
Tafsir (3)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (الصَّاخَّةُ) اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عَظَّمَهُ اللَّهُ، وحَذّره عِبَادَهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَعَلَّهُ اسْمٌ لِلنَّفْخَةِ فِي الصُّورِ. وَقَالَ البَغَويّ: (الصَّاخَّةُ) يَعْنِي صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَصُخّ الْأَسْمَاعَ، أَيْ: تُبَالِغُ فِي إِسْمَاعِهَا حَتَّى تَكَادَ تُصمّها [[في أ: "تصخها".]] . (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) أَيْ: يَرَاهُمْ، وَيَفِرُّ مِنْهُمْ، وَيَبْتَعِدُ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْهَوْلَ عَظِيمٌ، وَالْخَطْبَ جَلِيلٌ. قَالَ عِكْرِمَةُ: يَلْقَى الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ فَيَقُولُ لَهَا: يَا هَذِهِ، أَيُّ بَعْلٍ كنتُ لَكِ؟ فَتَقُولُ: نِعْمَ الْبَعْلُ كنتَ! وَتُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَتْ، فَيَقُولُ لَهَا: فَإِنِّي أطلبُ إِلَيْكِ اليومَ حَسَنَةً وَاحِدَةً تَهَبِينَهَا [[في أ: "تهبيها".]] لِي لَعَلِّي أَنْجُو مِمَّا تَرَيْنَ. فَتَقُولُ لَهُ: مَا أَيْسَرَ مَا طلبتَ، وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَخَافُ. قَالَ: وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَلْقَى ابْنَهُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ، أَيُّ وَالِدٍ كنتُ لَكَ؟ فَيُثْنِي بِخَيْرٍ. فيقولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ لَعَلِّي أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى. فَيَقُولُ وَلَدُهُ: يَا أَبَتِ، مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ، وَلَكِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَتَخَوَّفُ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ-فِي أَمْرِ الشَّفَاعَةِ-: أَنَّهُ إِذَا طُلِبَ إِلَى كُلٍّ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ أَنْ يَشْفَعَ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْخَلَائِقِ، يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي، لَا أَسْأَلُهُ اليومَ إِلَّا نَفْسِي، حَتَّى إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يَقُولُ: لَا أَسْأَلُهُ الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي، لَا أَسْأَلُهُ مَرْيَمَ الَّتِي وَلَدَتْنِي. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) [[أحاديث الشفاعة سبقت عند تفسير أول سورة الإسراء.]] . قَالَ قَتَادَةُ: الْأَحَبُّ فالأحبَ، وَالْأَقْرَبُ فالأقربَ، مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. * * وَقَوْلُهُ: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) أَيْ: هُوَ فِي شُغُل شَاغِلٍ عَنْ غَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ أَبُو زَيْدٍ الْعَبَّادَانِيُّ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرلا " قَالَ: فَقَالَتْ زوجته: يا رسول الله، أوَ يرى [[في م: "يا رسول الله، ننظر أو يرى".]] بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) أَوْ قَالَ: "مَا أَشْغَلَهُ عَنِ النَّظَرِ". وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مُنْفَرِدًا بِهِ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ عَارِمٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ-وَهُوَ أَبُو زَيْدٍ الْأَحْوَلُ الْبَصْرِيُّ، أَحَدُ الثِّقَاتِ-عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِهِ [[سنن النسائي الكبري برقم (١١٦٤٧) .]] وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يزيد، عن هلال ابن خَبَّاب، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تُحشَرون حُفاة عُرَاة غُرْلا". فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَيُبْصِرُ-أَوْ: يَرَى-بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: "يَا فُلَانَةُ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[سنن الترمذي برقم (٣٣٣٢) .]] . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[في أ: "رضي الله تعالى عنهما".]] . وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا". فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِالْعَوْرَاتِ؟ فَقَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٤٨) .]] . انْفَرَدَ بِهِ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عائد ابن شُرَيح، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَأَلَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنِّي سَائِلَتُكَ عَنْ حَدِيثٍ فَتُخْبِرُنِي أنتَ بِهِ. فَقَالَ: "إِنْ كَانَ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ". قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحشر الرِّجَالُ؟ قَالَ: "حُفَاةً عُرَاةً". ثُمَّ انتظَرتْ سَاعَةً فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ النِّسَاءُ؟ قَالَ: "كَذَلِكَ حُفَاةً عُرَاةً". قَالَتْ: وَاسَوْأَتَاهُ مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ! قَالَ: "وَعَنْ أَيِّ ذَلِكَ تَسْأَلِينَ؟ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيَّ آيَةٌ لَا يَضُرُّكِ كَانَ عَلَيْكِ ثِيَابٌ أَوْ لَا يَكُونُ". قَالَتْ: أيةُ آيَةٍ هِيَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[ورواه الطبري في تفسيره (٣٠/٣٩) ، عن الحسين بن حريث عن الفضل بن موسى به.]] . وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُبْعَثُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ، وَبَلَغَ شُحُومَ الْآذَانِ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاسَوْأَتَاهُ يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: "قَدْ شُغل النَّاسُ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٣٤٠) ، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥١٤) من طريق إسماعيل بن إسحاق، عن إسماعيل بن أبي أويس به نحوه. وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولم يخرجاه بهذا اللفظ".]] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ جِدًّا، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي عَمَّارٍ الْحُسَيْنِ بْنِ حُرَيْثٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، بِهِ [[تفسير الطبري (٣٠/٣٩)]] . وَلَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: عَائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ ضَعِيفٌ، فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ [[الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٧/١٦) .]] . * * وَقَوْلُهُ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) أَيْ: يَكُونُ النَّاسُ هُنَالِكَ فَرِيقَيْنِ: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ) أَيْ: مُسْتَنِيرَةٌ، (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) أَيْ: مَسْرُورَةٌ فَرِحَةٌ مِنْ سُرُورِ قُلُوبِهِمْ، قَدْ ظَهَرَ الْبِشْرُ عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْجَنَّةِ. (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) أَيْ: يَعْلُوهَا وَيَغْشَاهَا [[في م: "تعلوها وتغشاها".]] قَتَرَةٌ، أَيْ: سَوَادٌ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدٌ مَوْلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُلْجِمُ الكافرَ العرقُ ثُمَّ تَقَعُ الغُبْرة عَلَى وُجُوهِهِمْ". قَالَ: فَهُوَ قَوْلُهُ: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ) [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٨/٤٢٤) ، وله شاهد من حديث ابن مسعود: رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٥٨٢) "موارد" من طريق شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ ابن مسعود مرفوعا: "إن الكافر ليلجمه العرق يوم القيامة فيقول: أرحنى ولو إلى النار".]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) أَيْ: يَغْشَاهَا سَوَادُ الْوُجُوهِ. * * وَقَوْلُهُ: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) أَيِ: الْكَفَرَةُ قُلُوبُهُمْ، الْفَجَرَةُ فِي أَعْمَالِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٧] . آخِرُ تفسير سورة "عبس" ولله الحمد والمنة.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿وَفاكِهَةً﴾ ما يأكله الناس من ثمار الأشجار، والأبّ: ما تأكله البهائم من العشب والنبات. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما يأكل ابن آدم. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: ما أكل الناس. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: أما الفاكهة فلكم. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَفاكِهَةً﴾ قال: الفاكهة لنا. ⁕ حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا حميد، قال أنس بن مالك: قرأ عمر ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ حتى أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد علمنا ما الفاكهة، فما الأبّ؟ ثم أحسبه " شك الطبري " قال: إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس، قال: قرأ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فلما أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد عرفنا الفاكهة. فما الأبّ؟ قال: لعمرك يا بن الخطاب إن هذا لهو التكلف. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس، قال: قرأ عمر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ ومعه عصا في يده، فقال: ما الأبّ، ثم قال: بحسبنا ما قد علمنا، وألقى العصا من يده. ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أنس، عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إن هذا هو التكلف. قال: وحدثني قتادة، عن أنس، عن عمر بنحو هذا الحديث كله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب ويعقوب قالوا: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: عدّ سبعا جعل رزقه في سبعة، وجعله من سبعة، وقال في آخر ذلك: الأبّ: ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس. ⁕ حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا عاصم، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: نبت الأرض مما تأكله الدوابّ، ولا يأكله الناس. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب، قالا ثنا ابن إدريس، قال: ثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير، قال: عدّ ابن عباس، وقال: الأبّ: ما أنبتت الأرض للأنعام، وهذا لفظ حديث أبي كريب. وقال أبو السائب في حديثه: قال: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الأبّ: الكلأ والمرعى كله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، قال: الأبّ النبات. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رَزين، مثله. ⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش أو غيره، عن مجاهد، قال: الأبّ: المرعى. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: قال مجاهد: ﴿وأبًّا﴾ المرعى. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما تأكل الأنعام. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: ما أكلت الأنعام. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: أما الأبّ: فلأنعامكم نعم من الله متظاهرة. ⁕ حدثنا ابن بشر، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ: العشب. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، وقتادة، في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: هو ما تأكله الدوابّ. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وأبًّا﴾ يعني: المرعى. ⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وأبًّا﴾ قال: الأبّ لأنعامنا، قال: والأبّ: ما ترعى. وقرأ: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ . قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس وعمرو بن الحارث، عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أنه سمع عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: قال الله: ﴿وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ كلّ هذا قد علمناه، فما الأبّ؟ ثم ضرب بيده، ثم قال: لعمرك إن هذا لهو التكلف، واتبعوا ما يتبين لكم في هذا الكتاب، قال عمر: وما يتبين فعليكم به، وما لا فدعوه. وقال آخرون: الأبّ: الثمار الرطبة. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وأبًّا﴾ يقول: الثمار الرطبة. * * وقوله: ﴿مَتاعا لَكُمْ﴾ يقول: أنبتنا هذه الأشياء التي يأكلها بنو آدم متاعا لكم أيها الناس، ومنفعة تتمتعون بها، وتنتفعون، والتي يأكلها الأنعام لأنعامكم، وأصل الأنعام الإبل، ثم تستعمل في كلّ راعية. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ قال: متاعا لكم الفاكهة، ولأنعامكم العشب. * * وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ ذُكر أنها اسم من أسماء القيامة، وأحسبها مأخوذة من قولهم: صاخ فلان لصوت فلان: إذا استمع له، إلا أن هذا يقال منه: هو مُصِيخ له، ولعلّ الصوت هو الصاخّ، فإن يكن ذلك كذلك، فينبغي أن يكون قبل ذلك لنفخة الصور. ذكر من قال: هو اسم من أسماء القيامة ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ قال: هذا من أسماء يوم القيامة عظَّمه الله، وحذّره عباده. * * وقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يقول: فإذا جاءت الصاخة في هذا اليوم الذي يفرّ فيه المرء من أخيه. ويعني بقوله: يفرّ من أخيه: يفرّ عن أخيه ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ﴾ يعني: زوجته التي كانت زوجته في الدنيا ﴿وَبَنِيهِ﴾ حذرا من مطالبتهم إياه بما بينه وبينهم من التَّبعات والمظالم. وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ يفرّ عن أخيه لئلا يراه، وما ينزل به، ﴿لكل امرئ﴾ يعني: من الرجل وأخيه وأمه وأبيه، وسائر من ذُكر في هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة إذا جاءت الصاخَّة يوم القيامة ﴿شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ يقول: أمر يغنيه، ويُشغِله عن شأن غيره. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أفضى إلى كلّ إنسان ما يشغله عن الناس. ⁕ حدثنا أبو عمارة المَرْوَزيّ الحسين بن حُريث، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن عائذ بن شريح، عن أنس قال: سألتْ عائشة رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، إني سائلتك عن حديث أخبرني أنت به، قال:" إن كانَ عِنْدي مِنْهُ عِلْمٌ" قالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر الرجال؟ قال: " حفاةً عُرَاةً "، ثم انتظرت ساعة فقالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر النساء؟ قال: " كَذلك حُفاةً عُرَاةً "، قالت: واسوأتاه من يوم القيامة، قال: " وعَنْ ذلك تَسألِيني؟ إنَّهُ قَدْ نزلَتْ عليّ آيَة لا يَضُرُّكِ كانَ عَلَيْكِ ثيابٌ أمْ لا "، قالت: أيّ آية هي يا نبيّ الله؟ قال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ . ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ قال: شأن قد شغله عن صاحبه. * * وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: وجوه يومئذ مشرقة مضيئة، وهي وجوه المؤمنين الذين قد رضى الله عنهم، يقال: أسفر وجه فلان: إذا حَسُن، ومنه أسفر الصبح: إذا أضاء، وكلّ مضيء فهو مسفر، وأما سَفَر بغير ألف، فإنما يقال للمرأة إذا ألقت نقابها عن وجهها أو برقعها، يقال: قد سَفَرت المرأة عن وجهها إذا فعلت ذلك فهي سافر؛ ومنه قول تَوْبَة بن الحُمَيِّر: وكُنْتُ إذا ما زُرْتُ لَيْلَى تَبرْقَعَتْ ... فَقَدْ رَابَنِي مِنْها الغَدَاةَ سُفُورُها [[الأثر ١٦١ - إسناده إلى مجاهد ضعيف. لأن سفيان، وهو الثوري، لم يسمع من مجاهد؛ لأن الثوري ولد سنة ٩٧، ومجاهد مات سنة ١٠٠ أو بعدها بقليل، والظاهر عندي أن هذه الرواية من أغلاط مهران بن أبي عمر، راويها عن الثوري، فإن رواياته عن الثوري فيها اضطراب كما بينا في الحديث الماضي ١١. وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١: ٤٤ دون نسبة ولا إسناد. وذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١٣، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.]] يعني بقوله: " سفورها " إلقاءها برقعها عن وجهها. ﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يقول: ضاحكة من السرور بما أعطاها الله من النعيم والكرامة ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ لما ترجو من الزيادة. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ يقول: مشرقة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ قال: هؤلاء أهل الجنة. * * وقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿وَوُجُوهٌ﴾ وهي وجوه الكفار يومئذ عليها غبرة. ذُكر أن البهائم التي يصيرها الله ترابا يومئذ بعد القضاء بينها، يحوّل ذلك التراب غَبَرة في وجوه أهل الكفر ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: يغشى تلك الوجوه قَتَرة، وهي الغَبَرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: تغشاها ذلة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ قال: هذه وجوه أهل النار؛ قال: والقَتَرة من الغَبَرة، قال: وهما واحد، قال: فأما في الدنيا فإن القترة: ما ارتفع، فلحق بالسماء، ورفعته الريح، تسميه العرب القترة، وما كان أسفل في الأرض فهو الغبرة. * * وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم يوم القيامة هم الكفرة بالله، كانوا في الدنيا الفجرة في دينهم، لا يبالون ما أتوا به من معاصي الله، وركبوا من محارمه، فجزاهم الله بسوء أعمالهم ما أخبر به عباده. آخر تفسير سورة عبس.
Ceux qui ont ces caractéristiques auront réuni la mécréance et le libertinage.