← Toutes les sourates

Ad-Dhuhaa سُورَةُ الضُّحَىٰ

Sourate 93 · 11 versets · Meccan

1

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ وَٱلضُّحَىٰ

Par le Jour Montant!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُّحَى وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. رَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَزةَ الْمُقْرِئِ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عِكْرِمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ وَشِبْلِ بْنِ عبَّاد، فَلَمَّا بَلَغْتُ " وَالضُّحَى " قَالَا لِي: كَبر حَتَّى تَخْتِمَ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنَّا قَرَأْنَا عَلَى ابْنِ كَثِيرٍ فَأَمَرَنَا بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ [[ورواه الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال (١/١٤٥) ثم قال: "هذا حديث غريب، وهو مما أنكر على البزي، قال أبو حاتم: هذا منكر".]] . فَهَذِهِ سُنة تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزِّيُّ، مِنْ وَلَدِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْقِرَاءَاتِ، فَأَمَّا فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ ضَعَّفَه أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَقَالَ: لَا أُحَدِّثُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ قَالَ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. لَكِنْ حَكَى الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ فِي شَرْحِ الشَّاطِبِيَّةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُكَبِّرُ هَذَا التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: أَحْسَنْتَ وَأَصَبْتَ السُّنَّةَ. وَهَذَا يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي مَوْضِعِ هَذَا التَّكْبِيرِ وَكَيْفِيَّتِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُكَبِّرُ مِنْ آخِرِ " وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى " وَقَالَ آخَرُونَ: مِنْ آخِرِ " وَالضُّحَى " وَكَيْفِيَّةُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَقْتَصِرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ فِي مُنَاسَبَةِ التَّكْبِيرِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ "الضُّحَى": أَنَّهُ لَمَّا تَأَخَّرَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفَتَرَ تِلْكَ الْمُدَّةَ [ثُمَّ] [[زيادة من م.]] جَاءَهُ الْمَلَكُ فَأَوْحَى إِلَيْهِ: " وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى " السُّورَةَ بِتَمَامِهَا، كَبَّرَ فَرَحًا وَسُرُورًا. وَلَمْ يُرْوَ ذَلِكَ بِإِسْنَادٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِصِحَّةٍ وَلَا ضَعْفٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[والصواب أن هذا مما لم يصح فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته، رضي الله عنهم، وما روى فيها مما لا تقوم به الحجة، وشيخ الإسلام -ابن تيمية- قد تكلم على هذا التكبير كلاما شديدا في الفتاوى (١٣/٤١٧-٤١٩) ، وانظر: الآداب الشرعية لابن مفلح (٢/٣١٠) ومرويات دعاء ختم القرآن لبكر أبو زيد (ص٦) ومن كتابه استفدت هذا، فجزاه الله خيرا.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ، فَأَتَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[المسند (٤/٣١٢) .]] . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُب -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجلي ثُمَّ العَلقي [[في أ: "العلقمي".]] بِهِ [[صحيح البخاري برقم (١١٢٤، ١١٢٥، ٤٩٨٣، ٤٩٥٠،٤٩٥١) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٧) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٨١) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٥٠) .]] وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ: سَمِعَ جُنْدُبًا قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وُدِّع مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[هذه الرواية في مسلم والترمذي.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [[في أ: "وعمرو بن عبد الله بن عبد الله الأودي".]] الْأَوْدِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جُنْدُبًا يَقُولُ: رُمِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَجَرٍ فِي أُصْبُعُهُ فَقَالَ: هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ؟ ... قَالَ: فَمَكَثَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لَا يَقُومُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَتْكَ [[في م: "قد تركك".]] فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَالسِّيَاقُ لِأَبِي سَعِيدٍ. قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ هِيَ: أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ، وَذُكِرَ أَنَّ أُصْبَعَهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، دَمِيَتْ. وَقَوْلُهُ -هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي اتَّفَقَ أَنَّهُ مَوْزُونٌ-ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٢٨٠٢) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٦) .]] وَلَكِنَّ الْغَرِيبَ هَاهُنَا جَعْلُهُ سَبَبًا لِتَرْكِهِ الْقِيَامِ، وَنُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الله ابن شَدَّادٍ: أَنَّ خَدِيجَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا قَدْ قَلَاكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَجَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: إِنِّي أَرَى رَبَّكَ قَدْ قَلَاكَ مِمَّا نَرى مِنْ جَزَعِكَ. قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ إلى آخرها [[تفسير الطبري (٣٠/١٤٨) .]] . فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ مِنْ [هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ] [[زيادة من م، أ.]] وَلَعَلَّ ذِكْرَ خَدِيجَةَ لَيْسَ مَحْفُوظًا، أَوْ قَالَتْهُ عَلَى وَجْهِ التَّأَسُّفِ وَالتَّحَزُّنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ -مِنْهُمُ ابْنُ إِسْحَاقَ-أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هِيَ الَّتِي أَوْحَاهَا جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حِينَ تَبَدَّى لَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَدَنَا إِلَيْهِ وَتَدَلَّى مُنْهَبِطًا عَلَيْهِ وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النَّجْمِ: ١٠] . قَالَ: قَالَ لَهُ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا نزلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنُ، أَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ أَيَّامًا، فَتَغَيَّرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَهَذَا قَسَمٌ مِنْهُ تَعَالَى بِالضُّحَى وَمَا جَعَلَ فِيهِ مِنَ الضِّيَاءِ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ أَيْ: سَكَنَ فَأَظْلَمَ وادلَهَم. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَذَلِكَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ هَذَا وَهَذَا. كَمَا قَالَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [اللَّيْلِ: ١، ٢] ، وَقَالَ: ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ أَيْ: مَا تَرَكَكَ، ﴿وَمَا قَلَى﴾ أَيْ: وَمَا أَبْغَضَكَ، ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى﴾ أَيْ: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ. وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَأَعْظَمَهُمْ لَهَا إِطْرَاحًا، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ [بِالضَّرُورَةِ] [[زيادة من م.]] مِنْ سِيرَتِهِ. وَلَمَّا خُيِّرَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي آخِرِ عُمْرِهِ بَيْنَ الْخُلْدِ فِي الدُّنْيَا إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ الْجَنَّةِ، وَبَيْنَ الصَّيْرُورَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، اخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخعِي، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ، فَأَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ جَعَلْتُ أَمْسَحُ جَنْبَهُ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا آذَنْتَنَا حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الْحَصِيرِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ما لِي وَلِلدُّنْيَا؟! مَا أَنَا وَالدُّنْيَا؟! إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ ظَلّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ راح وتركتها [[في أ: "وتركها".]] . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ الْمَسْعُودِيِّ بِهِ [[المسند (١/٣٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٣٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤١٠٩) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ يُعْطِيهِ حَتَّى يُرْضِيَهُ فِي أُمَّتِهِ، وَفِيمَا أعدَّه لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ نَهْرُ الْكَوْثَرِ الَّذِي حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمُجَوَّفِ، وَطِينُهُ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] مِسْكٍ أَذْفَرَ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عمر الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي المهاجر المخزومي، عن عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مَا هُوَ مَفْتُوحٌ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَنْزًا كَنْزًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فَأَعْطَاهُ فِي الْجَنَّةِ أَلْفَ أَلْفَ قَصْرٍ، فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "رواه ابن جرير وابن أبي حاتم".]] مِنْ طَرِيقِهِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: ومثلُ هَذَا مَا يُقَالُ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ رِضَاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَلَّا يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ النَّارَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي بِذَلِكَ الشَّفَاعَةَ. وَهَكَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا معاويةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أنا أهلُ بَيْتٍ اخْتَارَ اللَّهُ لَنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [[ورواه البغوي في شرح السنة (١٤/٢٤٨) من طريق ابن أبي شيبة فذكره دون الآية، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٥/٢٣٦) بهذا الطريق ولم يذكر الآية، ولعل ذكرها وقع في كتاب التفسير، ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٠٨٢) عن عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ هشام به، وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٦٢) : "هذا إسناد فيه يزيد بن أبي زياد الكوفي مختلف فيه".]] . ثُمَّ قَالَ تعالى يعدد نعَمه عل عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ تُوفّي وَهُوَ حَملٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَقِيلَ: بَعْدَ أَنْ وُلِدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ سِتُّ سِنِينَ. ثُمَّ كَانَ فِي كَفَالَةِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَمَانِ سِنِينَ، فَكَفَلَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَحُوطُهُ وَيَنْصُرُهُ ويَرفع مِنْ قَدره وَيُوقّره، وَيَكُفُّ عَنْهُ أَذَى قَوْمِهِ بَعْدَ أَنِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ عُمْرِهِ، هَذَا وَأَبُو طَالِبٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَدَرِ اللَّهِ وحُسن تَدْبِيرِهِ، إِلَى أَنْ تُوفي أَبُو طَالِبٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِقَلِيلٍ، فَأَقْدَمَ عَلَيْهِ سُفَهَاءُ قُرَيْشٍ وجُهالهم، فَاخْتَارَ اللَّهُ لَهُ الْهِجْرَةَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ إِلَى بَلَدِ الْأَنْصَارِ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، كَمَا أَجْرَى اللَّهُ سُنَّته عَلَى الْوَجْهِ الْأَتَمِّ وَالْأَكْمَلِ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ آوَوه ونَصَرُوه وَحَاطُوهُ وَقَاتَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَكُلُّ هَذَا مِنْ حِفْظِ اللَّهِ لَهُ وَكِلَاءَتِهِ وَعِنَايَتِهِ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشُّورَى: ٥٢] وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ [إِنَّ] [[زيادة من م.]] الْمُرَادَ بِهَذَا أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ضَلَّ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَهُوَ صَغِيرٌ، ثُمَّ رَجَعَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ ضَلَّ وَهُوَ مَعَ عَمِّهِ فِي طَرِيقِ الشَّامِ، وَكَانَ رَاكِبًا نَاقَةً فِي اللَّيْلِ، فَجَاءَ إِبْلِيسُ يَعْدِلُ بِهَا عَنِ الطَّرِيقِ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إِبْلِيسَ نَفْخَةً ذَهَبَ مِنْهَا إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ عَدَلَ بالراحلة إلى الطريق. حكاهما البغوي. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ أَيْ: كُنْتَ فَقِيرًا ذَا عِيَالٍ، فَأَغْنَاكَ اللَّهُ عَمَّنْ سِوَاهُ، فَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ مَقَامَيِ، الْفَقِيرِ الصَّابِرِ وَالْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ مَنَازِلَ الرَّسُولِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ -مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ-عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: هَذَا مَا حَدّثنا أَبُو هُرَيرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَض، وَلَكِنَّ [[في م: "وإنما".]] الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ" [[لم أقع عليه في الصحيحين من هذا الطريق، وقد جاء فيهما من طرق أخر عن أبي هريرة، انظر: صحيح البخاري برقم (٦٤٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٠٥١) .]] . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، ورُزق كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ [[في أ: "ومتعه".]] اللَّهُ بِمَا آتَاهُ" [[صحيح مسلم برقم (١٠٥٤) .]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ أَيْ: كَمَا كُنْتَ يَتِيمًا فَآوَاكَ اللَّهُ فَلَا تَقْهَرِ الْيَتِيمَ، أَيْ: لَا تُذِلَّهُ وَتَنْهَرْهُ وَتُهِنْهُ، وَلَكِنْ أحسِنْ إِلَيْهِ، وَتَلَطَّفْ بِهِ. قَالَ قَتَادَةُ: كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ. ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ ضَالًّا فَهَدَاكَ اللَّهُ، فَلَا تَنْهَرِ السَّائِلَ فِي الْعِلْمِ الْمُسْتَرْشِدَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أَيْ: فَلَا تَكُنْ جَبَّارًا، وَلَا مُتَكَبِّرًا، وَلَا فَحَّاشا، وَلَا فَظّا عَلَى الضُّعَفَاءِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي رَد الْمِسْكِينَ بِرَحْمَةٍ وَلِينٍ. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ عَائِلًا فَقِيرًا فَأَغْنَاكَ اللَّهُ، فَحَدِّثْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ، كَمَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ النَّبَوِيِّ: "وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ [[في أ: "لنعمك".]] مُثْنِينَ بِهَا، قَابِلِيهَا، وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا". وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَية، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ الجُرَيري، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أَنَّ مِنْ شُكْرِ النِّعَمِ أَنْ يُحَدَّثَ بِهَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا الْجَرَّاحُ بْنُ مَليح، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ: "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ. وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شَكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ. والجماعة رحمة، والفرقة عذاب" [[زوائد المسند (٤/٢٧٨) .]] إسناد ضعيف. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الْأَنْصَارُ بِالْأَجْرِ كُلِّهِ. قَالَ: "لَا مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ، وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ" [[لم أقع عليه في الصحيحين، ورواه الإمام أحمد في المسند (٣/٢٠٠) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١١) وسنن الترمذي برقم (١٩٥٤) .]] وَقَالَ: صَحِيحٌ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أُبْلِي بَلَاءً فَذَكَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَإِنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١٤) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا بِشْرٌ [[في أ: "بشير".]] حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزْية، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أعطَى عَطاء فَوَجَد فَليَجزْ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَليُثن بِهِ، فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُمارة بْنِ غَزية، عَنْ شُرَحْبِيلَ عَنْ جَابِرٍ -كَرِهُوهُ فَلَمْ يُسَمُّوهُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١٣) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي النُّبُوَّةَ الَّتِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْقُرْآنُ. وَقَالَ لَيْثٌ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قَالَ: مَا عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ فَحَدث إِخْوَانَكَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: مَا جَاءَكَ اللَّهُ [[في م: "ما جاءك من الله".]] مِنْ نِعْمَةٍ وَكَرَامَةٍ مِنَ النُّبُوَّةِ فَحَدِّثْ بِهَا وَاذْكُرْهَا، وَادْعُ إِلَيْهَا. وَقَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النُّبُوَّةِ سِرًّا إِلَى مَنْ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَافْتُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى. آخِرُ تفسير سورة "الضحى" [ولله الحمد] [[زيادة من أ.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله جل جلاله وتقدست أسماؤه ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى (٨) ﴾ . أقسم ربنا جلّ ثناؤه بالضحى، وهو النهار كله، وأحسب أنه من قولهم: ضَحِيَ فلان للشمس: إذا ظهر منه؛ ومنه قوله: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ : أي لا يصيبك فيها الشمس. وقد ذكرت اختلاف أهل العلم في معناه في قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ مع ذكري اختيارنا فيه. وقيل: عُنِي به وقت الضحى. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالضُّحَى﴾ ساعة من ساعات النهار. * * وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: والليل إذا أقبل بظلامه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يقول: والليل إذا أقبل. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قول الله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا لَبِسَ الناس، إذَا جاء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا ذهب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يقول: إذا ذهب. وقال آخرون: معناه: إذا استوى وسكن. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مِهْران؛ وحدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، جميعا عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا استوى. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا استوى ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ سكن بالخلق. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يعني: استقراره وسكونه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا سكن، قال: ذلك سجوه، كما يكون سكون البحر سجوه. وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي في ذلك قول من قال معناه: والليل إذا سكن بأهله، وثبت بظلامه، كما يقال: بحر ساج: إذا كان ساكنا؛ ومنه قول أعشى بني ثعلبة: فَمَا ذَنْبُنا إنْ جاشَ بَحْرُ ابنِ عَمِّكم ... وَبحْرُكَ ساجٍ ما يُوَارِي الدَّعامِصَا [[يأتي في تفسير آية سورة آل عمران: ١٢١، وآية سورة القصص: ٨٨. وسيبويه ١: ١٧، والخزانة ١: ٤٨٦، وهو من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها. قال الشنتمري: "أراد من ذنب، فحذف الجار وأوصل الفعل فنصب" والذنب هنا اسم جنس بمعنى الجمع. فلذلك قال: "لست محصيه". والوجه: القصد والمراد، وهو بمعنى التوجه".]] وقول الراجز: يا حَبَّذَا القَمْرَاءُ وَاللَّيْلُ السَّاجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسَّاجْ [[البيت ليس في ديوانه. ومن القصيدة أبيات فيه: ٢٣، (مطبوعة محمد جمال) ، والمجتنى لابن دريد: ٢٣، يصف فرسًا. والعير: حمار الوحش. والحضر: العدو الشديد، وحمار الوحش شديد العدو. والونى: التعب والفترة في العدو أو العمل. والأشعب: الظبي تفرق قرناه فانشعبا وتباينا بينونة شديدة. ونبح الكلب والظبي والتيس ينبح نباحًا، فهو نباح، إذا كثر صياحه، من المرح والنشاط. والظبي إذا أسن ونبتت لقرونه شعب، نبح (الحيوان ١: ٣٤٩) . يصف فرسه بشدة العدو، يلحق العير المدل بحضره، والظبي المستحكم السريع، فيصيدها قبل أن يناله تعب.]] * * وقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وهذا جواب القسم، ومعناه: ما تركك يا محمد ربك وما أبغضك. وقيل: ﴿وَمَا قَلَى﴾ ومعناه. وما قلاك، اكتفاء بفهم السامع لمعناه، إذ كان قد تقدّم ذلك قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ فعرف بذلك أن المخاطب به نبيّ الله ﷺ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ يقول: ما تركك ربك، وما أبغضك. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: ما قلاك ربك وما أبغضك؛ قال: والقالي: المبغِض. وذُكر أن هذه السورة نزلت على رسول الله ﷺ تكذيبا من الله قريشا في قيلهم لرسول الله، لما أبطأ عليه الوحي: قد ودّع محمدًا ربه وقلاه. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثني عليّ بن عبد الله الدهان، قال: ثنا مفضل بن صالح، عن الأسود بن قيس العبديّ، عن ابن عبد الله، قال: لما أبطأ جبريل على رسول الله ﷺ، فقالت امرأة من أهله، أو من قومه: ودّع الشيطان محمدا، فأنزل الله عليه: ﴿وَالضُّحَى﴾ ... إلى قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . قال أبو جعفر: ابن عبد الله: هو جندب بن عبد الله البجلي. ⁕ حدثني محمد بن عيسى الدامغاني، ومحمد بن هارون القطان، قالا ثنا سفيان، عن الأسود بن قيس سمع جندبا البجليّ يقول: أبطأ جبريل على النبيّ ﷺ حتى قال المشركون: ودّع محمدا ربه، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الأسود بن قيس، أنه سمع جندبا البجلي قال: قالت امرأة لرسول الله ﷺ: ما أرى صاحبك إلا قد أبطأ عنك، فنزلت هذه الآية: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، قال سمعت جندب بن عبد الله يقول: إن امرأة أتت النبيّ ﷺ فقالت: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا سليمان الشيباني، عن عبد الله بن شدّاد أن خديجة قالت للنبيّ ﷺ ما أرى ربك إلا قد قلاك، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: إن جبريل عليه السلام أبطأ عليه بالوحي، فقال ناس من الناس، وهم يومئذ بمكة، ما نرى صاحبك إلا قد قلاك فودّعك، فأنزل الله ما تسمع: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: أبطأ عليه جبريل، فقال المشركون: قد قلاه ربه وودّعه، فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ مكث جبريل عن محمد ﷺ، فقال المشركون: قد ودّعه ربه وقلاه، فأنزل الله هذه الآية. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: لما نزل عليه القرآن، أبطأ عنه جبريل أياما، فعُيّر بذلك، فقال المشركون: ودّعه ربه وقلاه، فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال أبطأ جبريل على النبيّ ﷺ، فجزع جزعا شديدا، وقالت خديجة: أرى ربك قد قلاك، مما نرى من جزعك، قال: فنزلت ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ... إلى آخرها. * * وقوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى﴾ يقول تعالى ذكره: وللدار الآخرة، وما أعد الله لك فيها، خير لك من الدار الدنيا وما فيها. يقول: فلا تحزن على ما فاتك منها، فإن الذي لك عند الله خير لك منها. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ يقول تعالى ذكره: ولسوف يعطيك يا محمد ربك في الآخرة من فواضل نعمه، حتى ترضى. وقد اختلف أهل العلم في الذي وعده من العطاء، فقال بعضهم: هو ما ⁕ حدثني به موسى بن سهل الرملي، قال: ثنا عمرو بن هاشم، قال: سمعت الأوزاعيّ يحدّث، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي، عن عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، قال: عرض على رسول الله ﷺ ما هو مفتوح على أمته من بعده كَفْرا كَفْرا، فسرّ بذلك، فأنزل الله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فأعطاه في الجنة ألف قصر، في كلّ قصر، ما ينبغي من الأزواج والخدم. ⁕ حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثني روّاد بن الجراح، عن الأوزاعيّ، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن عليّ بن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قال: ألف قصر من لؤلؤ، ترابهنّ المسك، وفيهنّ ما يصلحهنّ. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ، وذلك يوم القيامة. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثني به عباد بن يعقوب، قال: ثنا الحكم بن ظهير، عن السديّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قال: من رضا محمد ﷺ ألا يدخل أحد من أهل بيته النار. * * وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ يقول تعالى ذكره معدّدا على نبيه محمد ﷺ نعمه عنده، ومذكِّره آلاءه قِبَله: ألم يجدك يا محمد ربك يتيمًا فآوى، يقول: فجعل لك مأوى تأوي إليه، ومنزلا تنزله ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم. وقال السديّ في ذلك ما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن السديّ ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا﴾ قال: كان على أمر قومه أربعين عاما. وقيل: عُنِيَ بذلك: ووجدك في قوم ضلال فهداك. * * وقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ يقول: ووجدك فقيرا فأغناك، يقال منه: عال فلان يَعيل عَيْلَة، وذلك إذا افتقر؛ ومنه قول الشاعر: فَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غناهُ ... وَما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ [[ديوانه: ٥٠٧، يمدح هشام بن عبد الملك. والموارد جمع موردة: وهي الطرق إلى الماء. يريد الطرق التي يسلكها الناس إلى أغراضهم وحاجاتهم، كما يسلكون الموارد إلى الماء.]] يعني: متى يفتقر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا﴾ فقيرا. وذُكر أنها في مصحف عبد الله ﴿وَوَجَدَكَ عَدِيما فآوَى﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ قال: كانت هذه منازل رسول الله ﷺ، قبل أن يبعثه الله سبحانه وتعالى.

Al-Mukhtasar (français)

Allah prête serment par le début du jour,

2

وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ

Et par la nuit quand elle couvre tout!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُّحَى وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. رَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَزةَ الْمُقْرِئِ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عِكْرِمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ وَشِبْلِ بْنِ عبَّاد، فَلَمَّا بَلَغْتُ " وَالضُّحَى " قَالَا لِي: كَبر حَتَّى تَخْتِمَ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنَّا قَرَأْنَا عَلَى ابْنِ كَثِيرٍ فَأَمَرَنَا بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ [[ورواه الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال (١/١٤٥) ثم قال: "هذا حديث غريب، وهو مما أنكر على البزي، قال أبو حاتم: هذا منكر".]] . فَهَذِهِ سُنة تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزِّيُّ، مِنْ وَلَدِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْقِرَاءَاتِ، فَأَمَّا فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ ضَعَّفَه أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَقَالَ: لَا أُحَدِّثُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ قَالَ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. لَكِنْ حَكَى الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ فِي شَرْحِ الشَّاطِبِيَّةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُكَبِّرُ هَذَا التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: أَحْسَنْتَ وَأَصَبْتَ السُّنَّةَ. وَهَذَا يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي مَوْضِعِ هَذَا التَّكْبِيرِ وَكَيْفِيَّتِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُكَبِّرُ مِنْ آخِرِ " وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى " وَقَالَ آخَرُونَ: مِنْ آخِرِ " وَالضُّحَى " وَكَيْفِيَّةُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَقْتَصِرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ فِي مُنَاسَبَةِ التَّكْبِيرِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ "الضُّحَى": أَنَّهُ لَمَّا تَأَخَّرَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفَتَرَ تِلْكَ الْمُدَّةَ [ثُمَّ] [[زيادة من م.]] جَاءَهُ الْمَلَكُ فَأَوْحَى إِلَيْهِ: " وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى " السُّورَةَ بِتَمَامِهَا، كَبَّرَ فَرَحًا وَسُرُورًا. وَلَمْ يُرْوَ ذَلِكَ بِإِسْنَادٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِصِحَّةٍ وَلَا ضَعْفٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[والصواب أن هذا مما لم يصح فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته، رضي الله عنهم، وما روى فيها مما لا تقوم به الحجة، وشيخ الإسلام -ابن تيمية- قد تكلم على هذا التكبير كلاما شديدا في الفتاوى (١٣/٤١٧-٤١٩) ، وانظر: الآداب الشرعية لابن مفلح (٢/٣١٠) ومرويات دعاء ختم القرآن لبكر أبو زيد (ص٦) ومن كتابه استفدت هذا، فجزاه الله خيرا.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ، فَأَتَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[المسند (٤/٣١٢) .]] . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُب -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجلي ثُمَّ العَلقي [[في أ: "العلقمي".]] بِهِ [[صحيح البخاري برقم (١١٢٤، ١١٢٥، ٤٩٨٣، ٤٩٥٠،٤٩٥١) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٧) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٨١) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٥٠) .]] وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ: سَمِعَ جُنْدُبًا قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وُدِّع مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[هذه الرواية في مسلم والترمذي.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [[في أ: "وعمرو بن عبد الله بن عبد الله الأودي".]] الْأَوْدِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جُنْدُبًا يَقُولُ: رُمِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَجَرٍ فِي أُصْبُعُهُ فَقَالَ: هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ؟ ... قَالَ: فَمَكَثَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لَا يَقُومُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَتْكَ [[في م: "قد تركك".]] فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَالسِّيَاقُ لِأَبِي سَعِيدٍ. قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ هِيَ: أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ، وَذُكِرَ أَنَّ أُصْبَعَهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، دَمِيَتْ. وَقَوْلُهُ -هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي اتَّفَقَ أَنَّهُ مَوْزُونٌ-ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٢٨٠٢) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٦) .]] وَلَكِنَّ الْغَرِيبَ هَاهُنَا جَعْلُهُ سَبَبًا لِتَرْكِهِ الْقِيَامِ، وَنُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الله ابن شَدَّادٍ: أَنَّ خَدِيجَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا قَدْ قَلَاكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَجَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: إِنِّي أَرَى رَبَّكَ قَدْ قَلَاكَ مِمَّا نَرى مِنْ جَزَعِكَ. قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ إلى آخرها [[تفسير الطبري (٣٠/١٤٨) .]] . فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ مِنْ [هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ] [[زيادة من م، أ.]] وَلَعَلَّ ذِكْرَ خَدِيجَةَ لَيْسَ مَحْفُوظًا، أَوْ قَالَتْهُ عَلَى وَجْهِ التَّأَسُّفِ وَالتَّحَزُّنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ -مِنْهُمُ ابْنُ إِسْحَاقَ-أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هِيَ الَّتِي أَوْحَاهَا جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حِينَ تَبَدَّى لَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَدَنَا إِلَيْهِ وَتَدَلَّى مُنْهَبِطًا عَلَيْهِ وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النَّجْمِ: ١٠] . قَالَ: قَالَ لَهُ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا نزلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنُ، أَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ أَيَّامًا، فَتَغَيَّرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَهَذَا قَسَمٌ مِنْهُ تَعَالَى بِالضُّحَى وَمَا جَعَلَ فِيهِ مِنَ الضِّيَاءِ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ أَيْ: سَكَنَ فَأَظْلَمَ وادلَهَم. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَذَلِكَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ هَذَا وَهَذَا. كَمَا قَالَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [اللَّيْلِ: ١، ٢] ، وَقَالَ: ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ أَيْ: مَا تَرَكَكَ، ﴿وَمَا قَلَى﴾ أَيْ: وَمَا أَبْغَضَكَ، ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى﴾ أَيْ: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ. وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَأَعْظَمَهُمْ لَهَا إِطْرَاحًا، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ [بِالضَّرُورَةِ] [[زيادة من م.]] مِنْ سِيرَتِهِ. وَلَمَّا خُيِّرَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي آخِرِ عُمْرِهِ بَيْنَ الْخُلْدِ فِي الدُّنْيَا إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ الْجَنَّةِ، وَبَيْنَ الصَّيْرُورَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، اخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخعِي، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ، فَأَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ جَعَلْتُ أَمْسَحُ جَنْبَهُ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا آذَنْتَنَا حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الْحَصِيرِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ما لِي وَلِلدُّنْيَا؟! مَا أَنَا وَالدُّنْيَا؟! إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ ظَلّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ راح وتركتها [[في أ: "وتركها".]] . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ الْمَسْعُودِيِّ بِهِ [[المسند (١/٣٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٣٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤١٠٩) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ يُعْطِيهِ حَتَّى يُرْضِيَهُ فِي أُمَّتِهِ، وَفِيمَا أعدَّه لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ نَهْرُ الْكَوْثَرِ الَّذِي حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمُجَوَّفِ، وَطِينُهُ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] مِسْكٍ أَذْفَرَ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عمر الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي المهاجر المخزومي، عن عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مَا هُوَ مَفْتُوحٌ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَنْزًا كَنْزًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فَأَعْطَاهُ فِي الْجَنَّةِ أَلْفَ أَلْفَ قَصْرٍ، فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "رواه ابن جرير وابن أبي حاتم".]] مِنْ طَرِيقِهِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: ومثلُ هَذَا مَا يُقَالُ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ رِضَاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَلَّا يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ النَّارَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي بِذَلِكَ الشَّفَاعَةَ. وَهَكَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا معاويةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أنا أهلُ بَيْتٍ اخْتَارَ اللَّهُ لَنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [[ورواه البغوي في شرح السنة (١٤/٢٤٨) من طريق ابن أبي شيبة فذكره دون الآية، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٥/٢٣٦) بهذا الطريق ولم يذكر الآية، ولعل ذكرها وقع في كتاب التفسير، ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٠٨٢) عن عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ هشام به، وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٦٢) : "هذا إسناد فيه يزيد بن أبي زياد الكوفي مختلف فيه".]] . ثُمَّ قَالَ تعالى يعدد نعَمه عل عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ تُوفّي وَهُوَ حَملٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَقِيلَ: بَعْدَ أَنْ وُلِدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ سِتُّ سِنِينَ. ثُمَّ كَانَ فِي كَفَالَةِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَمَانِ سِنِينَ، فَكَفَلَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَحُوطُهُ وَيَنْصُرُهُ ويَرفع مِنْ قَدره وَيُوقّره، وَيَكُفُّ عَنْهُ أَذَى قَوْمِهِ بَعْدَ أَنِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ عُمْرِهِ، هَذَا وَأَبُو طَالِبٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَدَرِ اللَّهِ وحُسن تَدْبِيرِهِ، إِلَى أَنْ تُوفي أَبُو طَالِبٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِقَلِيلٍ، فَأَقْدَمَ عَلَيْهِ سُفَهَاءُ قُرَيْشٍ وجُهالهم، فَاخْتَارَ اللَّهُ لَهُ الْهِجْرَةَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ إِلَى بَلَدِ الْأَنْصَارِ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، كَمَا أَجْرَى اللَّهُ سُنَّته عَلَى الْوَجْهِ الْأَتَمِّ وَالْأَكْمَلِ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ آوَوه ونَصَرُوه وَحَاطُوهُ وَقَاتَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَكُلُّ هَذَا مِنْ حِفْظِ اللَّهِ لَهُ وَكِلَاءَتِهِ وَعِنَايَتِهِ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشُّورَى: ٥٢] وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ [إِنَّ] [[زيادة من م.]] الْمُرَادَ بِهَذَا أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ضَلَّ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَهُوَ صَغِيرٌ، ثُمَّ رَجَعَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ ضَلَّ وَهُوَ مَعَ عَمِّهِ فِي طَرِيقِ الشَّامِ، وَكَانَ رَاكِبًا نَاقَةً فِي اللَّيْلِ، فَجَاءَ إِبْلِيسُ يَعْدِلُ بِهَا عَنِ الطَّرِيقِ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إِبْلِيسَ نَفْخَةً ذَهَبَ مِنْهَا إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ عَدَلَ بالراحلة إلى الطريق. حكاهما البغوي. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ أَيْ: كُنْتَ فَقِيرًا ذَا عِيَالٍ، فَأَغْنَاكَ اللَّهُ عَمَّنْ سِوَاهُ، فَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ مَقَامَيِ، الْفَقِيرِ الصَّابِرِ وَالْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ مَنَازِلَ الرَّسُولِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ -مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ-عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: هَذَا مَا حَدّثنا أَبُو هُرَيرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَض، وَلَكِنَّ [[في م: "وإنما".]] الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ" [[لم أقع عليه في الصحيحين من هذا الطريق، وقد جاء فيهما من طرق أخر عن أبي هريرة، انظر: صحيح البخاري برقم (٦٤٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٠٥١) .]] . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، ورُزق كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ [[في أ: "ومتعه".]] اللَّهُ بِمَا آتَاهُ" [[صحيح مسلم برقم (١٠٥٤) .]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ أَيْ: كَمَا كُنْتَ يَتِيمًا فَآوَاكَ اللَّهُ فَلَا تَقْهَرِ الْيَتِيمَ، أَيْ: لَا تُذِلَّهُ وَتَنْهَرْهُ وَتُهِنْهُ، وَلَكِنْ أحسِنْ إِلَيْهِ، وَتَلَطَّفْ بِهِ. قَالَ قَتَادَةُ: كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ. ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ ضَالًّا فَهَدَاكَ اللَّهُ، فَلَا تَنْهَرِ السَّائِلَ فِي الْعِلْمِ الْمُسْتَرْشِدَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أَيْ: فَلَا تَكُنْ جَبَّارًا، وَلَا مُتَكَبِّرًا، وَلَا فَحَّاشا، وَلَا فَظّا عَلَى الضُّعَفَاءِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي رَد الْمِسْكِينَ بِرَحْمَةٍ وَلِينٍ. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ عَائِلًا فَقِيرًا فَأَغْنَاكَ اللَّهُ، فَحَدِّثْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ، كَمَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ النَّبَوِيِّ: "وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ [[في أ: "لنعمك".]] مُثْنِينَ بِهَا، قَابِلِيهَا، وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا". وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَية، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ الجُرَيري، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أَنَّ مِنْ شُكْرِ النِّعَمِ أَنْ يُحَدَّثَ بِهَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا الْجَرَّاحُ بْنُ مَليح، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ: "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ. وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شَكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ. والجماعة رحمة، والفرقة عذاب" [[زوائد المسند (٤/٢٧٨) .]] إسناد ضعيف. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الْأَنْصَارُ بِالْأَجْرِ كُلِّهِ. قَالَ: "لَا مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ، وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ" [[لم أقع عليه في الصحيحين، ورواه الإمام أحمد في المسند (٣/٢٠٠) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١١) وسنن الترمذي برقم (١٩٥٤) .]] وَقَالَ: صَحِيحٌ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أُبْلِي بَلَاءً فَذَكَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَإِنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١٤) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا بِشْرٌ [[في أ: "بشير".]] حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزْية، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أعطَى عَطاء فَوَجَد فَليَجزْ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَليُثن بِهِ، فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُمارة بْنِ غَزية، عَنْ شُرَحْبِيلَ عَنْ جَابِرٍ -كَرِهُوهُ فَلَمْ يُسَمُّوهُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١٣) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي النُّبُوَّةَ الَّتِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْقُرْآنُ. وَقَالَ لَيْثٌ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قَالَ: مَا عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ فَحَدث إِخْوَانَكَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: مَا جَاءَكَ اللَّهُ [[في م: "ما جاءك من الله".]] مِنْ نِعْمَةٍ وَكَرَامَةٍ مِنَ النُّبُوَّةِ فَحَدِّثْ بِهَا وَاذْكُرْهَا، وَادْعُ إِلَيْهَا. وَقَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النُّبُوَّةِ سِرًّا إِلَى مَنْ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَافْتُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى. آخِرُ تفسير سورة "الضحى" [ولله الحمد] [[زيادة من أ.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله جل جلاله وتقدست أسماؤه ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى (٨) ﴾ . أقسم ربنا جلّ ثناؤه بالضحى، وهو النهار كله، وأحسب أنه من قولهم: ضَحِيَ فلان للشمس: إذا ظهر منه؛ ومنه قوله: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ : أي لا يصيبك فيها الشمس. وقد ذكرت اختلاف أهل العلم في معناه في قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ مع ذكري اختيارنا فيه. وقيل: عُنِي به وقت الضحى. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالضُّحَى﴾ ساعة من ساعات النهار. * * وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: والليل إذا أقبل بظلامه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يقول: والليل إذا أقبل. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قول الله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا لَبِسَ الناس، إذَا جاء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا ذهب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يقول: إذا ذهب. وقال آخرون: معناه: إذا استوى وسكن. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مِهْران؛ وحدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، جميعا عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا استوى. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا استوى ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ سكن بالخلق. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يعني: استقراره وسكونه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا سكن، قال: ذلك سجوه، كما يكون سكون البحر سجوه. وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي في ذلك قول من قال معناه: والليل إذا سكن بأهله، وثبت بظلامه، كما يقال: بحر ساج: إذا كان ساكنا؛ ومنه قول أعشى بني ثعلبة: فَمَا ذَنْبُنا إنْ جاشَ بَحْرُ ابنِ عَمِّكم ... وَبحْرُكَ ساجٍ ما يُوَارِي الدَّعامِصَا [[يأتي في تفسير آية سورة آل عمران: ١٢١، وآية سورة القصص: ٨٨. وسيبويه ١: ١٧، والخزانة ١: ٤٨٦، وهو من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها. قال الشنتمري: "أراد من ذنب، فحذف الجار وأوصل الفعل فنصب" والذنب هنا اسم جنس بمعنى الجمع. فلذلك قال: "لست محصيه". والوجه: القصد والمراد، وهو بمعنى التوجه".]] وقول الراجز: يا حَبَّذَا القَمْرَاءُ وَاللَّيْلُ السَّاجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسَّاجْ [[البيت ليس في ديوانه. ومن القصيدة أبيات فيه: ٢٣، (مطبوعة محمد جمال) ، والمجتنى لابن دريد: ٢٣، يصف فرسًا. والعير: حمار الوحش. والحضر: العدو الشديد، وحمار الوحش شديد العدو. والونى: التعب والفترة في العدو أو العمل. والأشعب: الظبي تفرق قرناه فانشعبا وتباينا بينونة شديدة. ونبح الكلب والظبي والتيس ينبح نباحًا، فهو نباح، إذا كثر صياحه، من المرح والنشاط. والظبي إذا أسن ونبتت لقرونه شعب، نبح (الحيوان ١: ٣٤٩) . يصف فرسه بشدة العدو، يلحق العير المدل بحضره، والظبي المستحكم السريع، فيصيدها قبل أن يناله تعب.]] * * وقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وهذا جواب القسم، ومعناه: ما تركك يا محمد ربك وما أبغضك. وقيل: ﴿وَمَا قَلَى﴾ ومعناه. وما قلاك، اكتفاء بفهم السامع لمعناه، إذ كان قد تقدّم ذلك قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ فعرف بذلك أن المخاطب به نبيّ الله ﷺ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ يقول: ما تركك ربك، وما أبغضك. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: ما قلاك ربك وما أبغضك؛ قال: والقالي: المبغِض. وذُكر أن هذه السورة نزلت على رسول الله ﷺ تكذيبا من الله قريشا في قيلهم لرسول الله، لما أبطأ عليه الوحي: قد ودّع محمدًا ربه وقلاه. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثني عليّ بن عبد الله الدهان، قال: ثنا مفضل بن صالح، عن الأسود بن قيس العبديّ، عن ابن عبد الله، قال: لما أبطأ جبريل على رسول الله ﷺ، فقالت امرأة من أهله، أو من قومه: ودّع الشيطان محمدا، فأنزل الله عليه: ﴿وَالضُّحَى﴾ ... إلى قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . قال أبو جعفر: ابن عبد الله: هو جندب بن عبد الله البجلي. ⁕ حدثني محمد بن عيسى الدامغاني، ومحمد بن هارون القطان، قالا ثنا سفيان، عن الأسود بن قيس سمع جندبا البجليّ يقول: أبطأ جبريل على النبيّ ﷺ حتى قال المشركون: ودّع محمدا ربه، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الأسود بن قيس، أنه سمع جندبا البجلي قال: قالت امرأة لرسول الله ﷺ: ما أرى صاحبك إلا قد أبطأ عنك، فنزلت هذه الآية: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، قال سمعت جندب بن عبد الله يقول: إن امرأة أتت النبيّ ﷺ فقالت: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا سليمان الشيباني، عن عبد الله بن شدّاد أن خديجة قالت للنبيّ ﷺ ما أرى ربك إلا قد قلاك، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: إن جبريل عليه السلام أبطأ عليه بالوحي، فقال ناس من الناس، وهم يومئذ بمكة، ما نرى صاحبك إلا قد قلاك فودّعك، فأنزل الله ما تسمع: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: أبطأ عليه جبريل، فقال المشركون: قد قلاه ربه وودّعه، فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ مكث جبريل عن محمد ﷺ، فقال المشركون: قد ودّعه ربه وقلاه، فأنزل الله هذه الآية. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: لما نزل عليه القرآن، أبطأ عنه جبريل أياما، فعُيّر بذلك، فقال المشركون: ودّعه ربه وقلاه، فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال أبطأ جبريل على النبيّ ﷺ، فجزع جزعا شديدا، وقالت خديجة: أرى ربك قد قلاك، مما نرى من جزعك، قال: فنزلت ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ... إلى آخرها. * * وقوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى﴾ يقول تعالى ذكره: وللدار الآخرة، وما أعد الله لك فيها، خير لك من الدار الدنيا وما فيها. يقول: فلا تحزن على ما فاتك منها، فإن الذي لك عند الله خير لك منها. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ يقول تعالى ذكره: ولسوف يعطيك يا محمد ربك في الآخرة من فواضل نعمه، حتى ترضى. وقد اختلف أهل العلم في الذي وعده من العطاء، فقال بعضهم: هو ما ⁕ حدثني به موسى بن سهل الرملي، قال: ثنا عمرو بن هاشم، قال: سمعت الأوزاعيّ يحدّث، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي، عن عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، قال: عرض على رسول الله ﷺ ما هو مفتوح على أمته من بعده كَفْرا كَفْرا، فسرّ بذلك، فأنزل الله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فأعطاه في الجنة ألف قصر، في كلّ قصر، ما ينبغي من الأزواج والخدم. ⁕ حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثني روّاد بن الجراح، عن الأوزاعيّ، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن عليّ بن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قال: ألف قصر من لؤلؤ، ترابهنّ المسك، وفيهنّ ما يصلحهنّ. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ، وذلك يوم القيامة. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثني به عباد بن يعقوب، قال: ثنا الحكم بن ظهير، عن السديّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قال: من رضا محمد ﷺ ألا يدخل أحد من أهل بيته النار. * * وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ يقول تعالى ذكره معدّدا على نبيه محمد ﷺ نعمه عنده، ومذكِّره آلاءه قِبَله: ألم يجدك يا محمد ربك يتيمًا فآوى، يقول: فجعل لك مأوى تأوي إليه، ومنزلا تنزله ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم. وقال السديّ في ذلك ما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن السديّ ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا﴾ قال: كان على أمر قومه أربعين عاما. وقيل: عُنِيَ بذلك: ووجدك في قوم ضلال فهداك. * * وقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ يقول: ووجدك فقيرا فأغناك، يقال منه: عال فلان يَعيل عَيْلَة، وذلك إذا افتقر؛ ومنه قول الشاعر: فَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غناهُ ... وَما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ [[ديوانه: ٥٠٧، يمدح هشام بن عبد الملك. والموارد جمع موردة: وهي الطرق إلى الماء. يريد الطرق التي يسلكها الناس إلى أغراضهم وحاجاتهم، كما يسلكون الموارد إلى الماء.]] يعني: متى يفتقر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا﴾ فقيرا. وذُكر أنها في مصحف عبد الله ﴿وَوَجَدَكَ عَدِيما فآوَى﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ قال: كانت هذه منازل رسول الله ﷺ، قبل أن يبعثه الله سبحانه وتعالى.

Al-Mukhtasar (français)

par la nuit qui s’obscurcit et durant laquelle les gens cessent leurs activités, que:

3

مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ

Ton Seigneur ne t'a ni abandonné, ni détesté.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُّحَى وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. رَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَزةَ الْمُقْرِئِ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عِكْرِمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ وَشِبْلِ بْنِ عبَّاد، فَلَمَّا بَلَغْتُ " وَالضُّحَى " قَالَا لِي: كَبر حَتَّى تَخْتِمَ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنَّا قَرَأْنَا عَلَى ابْنِ كَثِيرٍ فَأَمَرَنَا بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ [[ورواه الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال (١/١٤٥) ثم قال: "هذا حديث غريب، وهو مما أنكر على البزي، قال أبو حاتم: هذا منكر".]] . فَهَذِهِ سُنة تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزِّيُّ، مِنْ وَلَدِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْقِرَاءَاتِ، فَأَمَّا فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ ضَعَّفَه أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَقَالَ: لَا أُحَدِّثُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ قَالَ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. لَكِنْ حَكَى الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ فِي شَرْحِ الشَّاطِبِيَّةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُكَبِّرُ هَذَا التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: أَحْسَنْتَ وَأَصَبْتَ السُّنَّةَ. وَهَذَا يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي مَوْضِعِ هَذَا التَّكْبِيرِ وَكَيْفِيَّتِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُكَبِّرُ مِنْ آخِرِ " وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى " وَقَالَ آخَرُونَ: مِنْ آخِرِ " وَالضُّحَى " وَكَيْفِيَّةُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَقْتَصِرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ فِي مُنَاسَبَةِ التَّكْبِيرِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ "الضُّحَى": أَنَّهُ لَمَّا تَأَخَّرَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفَتَرَ تِلْكَ الْمُدَّةَ [ثُمَّ] [[زيادة من م.]] جَاءَهُ الْمَلَكُ فَأَوْحَى إِلَيْهِ: " وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى " السُّورَةَ بِتَمَامِهَا، كَبَّرَ فَرَحًا وَسُرُورًا. وَلَمْ يُرْوَ ذَلِكَ بِإِسْنَادٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِصِحَّةٍ وَلَا ضَعْفٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[والصواب أن هذا مما لم يصح فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته، رضي الله عنهم، وما روى فيها مما لا تقوم به الحجة، وشيخ الإسلام -ابن تيمية- قد تكلم على هذا التكبير كلاما شديدا في الفتاوى (١٣/٤١٧-٤١٩) ، وانظر: الآداب الشرعية لابن مفلح (٢/٣١٠) ومرويات دعاء ختم القرآن لبكر أبو زيد (ص٦) ومن كتابه استفدت هذا، فجزاه الله خيرا.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ، فَأَتَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[المسند (٤/٣١٢) .]] . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُب -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجلي ثُمَّ العَلقي [[في أ: "العلقمي".]] بِهِ [[صحيح البخاري برقم (١١٢٤، ١١٢٥، ٤٩٨٣، ٤٩٥٠،٤٩٥١) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٧) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٨١) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٥٠) .]] وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ: سَمِعَ جُنْدُبًا قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وُدِّع مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[هذه الرواية في مسلم والترمذي.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [[في أ: "وعمرو بن عبد الله بن عبد الله الأودي".]] الْأَوْدِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جُنْدُبًا يَقُولُ: رُمِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَجَرٍ فِي أُصْبُعُهُ فَقَالَ: هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ؟ ... قَالَ: فَمَكَثَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لَا يَقُومُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَتْكَ [[في م: "قد تركك".]] فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَالسِّيَاقُ لِأَبِي سَعِيدٍ. قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ هِيَ: أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ، وَذُكِرَ أَنَّ أُصْبَعَهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، دَمِيَتْ. وَقَوْلُهُ -هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي اتَّفَقَ أَنَّهُ مَوْزُونٌ-ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٢٨٠٢) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٦) .]] وَلَكِنَّ الْغَرِيبَ هَاهُنَا جَعْلُهُ سَبَبًا لِتَرْكِهِ الْقِيَامِ، وَنُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الله ابن شَدَّادٍ: أَنَّ خَدِيجَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا قَدْ قَلَاكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَجَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: إِنِّي أَرَى رَبَّكَ قَدْ قَلَاكَ مِمَّا نَرى مِنْ جَزَعِكَ. قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ إلى آخرها [[تفسير الطبري (٣٠/١٤٨) .]] . فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ مِنْ [هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ] [[زيادة من م، أ.]] وَلَعَلَّ ذِكْرَ خَدِيجَةَ لَيْسَ مَحْفُوظًا، أَوْ قَالَتْهُ عَلَى وَجْهِ التَّأَسُّفِ وَالتَّحَزُّنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ -مِنْهُمُ ابْنُ إِسْحَاقَ-أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هِيَ الَّتِي أَوْحَاهَا جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حِينَ تَبَدَّى لَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَدَنَا إِلَيْهِ وَتَدَلَّى مُنْهَبِطًا عَلَيْهِ وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النَّجْمِ: ١٠] . قَالَ: قَالَ لَهُ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا نزلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنُ، أَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ أَيَّامًا، فَتَغَيَّرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَهَذَا قَسَمٌ مِنْهُ تَعَالَى بِالضُّحَى وَمَا جَعَلَ فِيهِ مِنَ الضِّيَاءِ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ أَيْ: سَكَنَ فَأَظْلَمَ وادلَهَم. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَذَلِكَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ هَذَا وَهَذَا. كَمَا قَالَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [اللَّيْلِ: ١، ٢] ، وَقَالَ: ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ أَيْ: مَا تَرَكَكَ، ﴿وَمَا قَلَى﴾ أَيْ: وَمَا أَبْغَضَكَ، ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى﴾ أَيْ: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ. وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَأَعْظَمَهُمْ لَهَا إِطْرَاحًا، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ [بِالضَّرُورَةِ] [[زيادة من م.]] مِنْ سِيرَتِهِ. وَلَمَّا خُيِّرَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي آخِرِ عُمْرِهِ بَيْنَ الْخُلْدِ فِي الدُّنْيَا إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ الْجَنَّةِ، وَبَيْنَ الصَّيْرُورَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، اخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخعِي، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ، فَأَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ جَعَلْتُ أَمْسَحُ جَنْبَهُ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا آذَنْتَنَا حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الْحَصِيرِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ما لِي وَلِلدُّنْيَا؟! مَا أَنَا وَالدُّنْيَا؟! إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ ظَلّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ راح وتركتها [[في أ: "وتركها".]] . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ الْمَسْعُودِيِّ بِهِ [[المسند (١/٣٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٣٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤١٠٩) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ يُعْطِيهِ حَتَّى يُرْضِيَهُ فِي أُمَّتِهِ، وَفِيمَا أعدَّه لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ نَهْرُ الْكَوْثَرِ الَّذِي حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمُجَوَّفِ، وَطِينُهُ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] مِسْكٍ أَذْفَرَ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عمر الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي المهاجر المخزومي، عن عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مَا هُوَ مَفْتُوحٌ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَنْزًا كَنْزًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فَأَعْطَاهُ فِي الْجَنَّةِ أَلْفَ أَلْفَ قَصْرٍ، فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "رواه ابن جرير وابن أبي حاتم".]] مِنْ طَرِيقِهِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: ومثلُ هَذَا مَا يُقَالُ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ رِضَاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَلَّا يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ النَّارَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي بِذَلِكَ الشَّفَاعَةَ. وَهَكَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا معاويةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أنا أهلُ بَيْتٍ اخْتَارَ اللَّهُ لَنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [[ورواه البغوي في شرح السنة (١٤/٢٤٨) من طريق ابن أبي شيبة فذكره دون الآية، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٥/٢٣٦) بهذا الطريق ولم يذكر الآية، ولعل ذكرها وقع في كتاب التفسير، ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٠٨٢) عن عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ هشام به، وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٦٢) : "هذا إسناد فيه يزيد بن أبي زياد الكوفي مختلف فيه".]] . ثُمَّ قَالَ تعالى يعدد نعَمه عل عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ تُوفّي وَهُوَ حَملٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَقِيلَ: بَعْدَ أَنْ وُلِدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ سِتُّ سِنِينَ. ثُمَّ كَانَ فِي كَفَالَةِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَمَانِ سِنِينَ، فَكَفَلَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَحُوطُهُ وَيَنْصُرُهُ ويَرفع مِنْ قَدره وَيُوقّره، وَيَكُفُّ عَنْهُ أَذَى قَوْمِهِ بَعْدَ أَنِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ عُمْرِهِ، هَذَا وَأَبُو طَالِبٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَدَرِ اللَّهِ وحُسن تَدْبِيرِهِ، إِلَى أَنْ تُوفي أَبُو طَالِبٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِقَلِيلٍ، فَأَقْدَمَ عَلَيْهِ سُفَهَاءُ قُرَيْشٍ وجُهالهم، فَاخْتَارَ اللَّهُ لَهُ الْهِجْرَةَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ إِلَى بَلَدِ الْأَنْصَارِ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، كَمَا أَجْرَى اللَّهُ سُنَّته عَلَى الْوَجْهِ الْأَتَمِّ وَالْأَكْمَلِ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ آوَوه ونَصَرُوه وَحَاطُوهُ وَقَاتَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَكُلُّ هَذَا مِنْ حِفْظِ اللَّهِ لَهُ وَكِلَاءَتِهِ وَعِنَايَتِهِ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشُّورَى: ٥٢] وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ [إِنَّ] [[زيادة من م.]] الْمُرَادَ بِهَذَا أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ضَلَّ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَهُوَ صَغِيرٌ، ثُمَّ رَجَعَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ ضَلَّ وَهُوَ مَعَ عَمِّهِ فِي طَرِيقِ الشَّامِ، وَكَانَ رَاكِبًا نَاقَةً فِي اللَّيْلِ، فَجَاءَ إِبْلِيسُ يَعْدِلُ بِهَا عَنِ الطَّرِيقِ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إِبْلِيسَ نَفْخَةً ذَهَبَ مِنْهَا إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ عَدَلَ بالراحلة إلى الطريق. حكاهما البغوي. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ أَيْ: كُنْتَ فَقِيرًا ذَا عِيَالٍ، فَأَغْنَاكَ اللَّهُ عَمَّنْ سِوَاهُ، فَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ مَقَامَيِ، الْفَقِيرِ الصَّابِرِ وَالْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ مَنَازِلَ الرَّسُولِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ -مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ-عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: هَذَا مَا حَدّثنا أَبُو هُرَيرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَض، وَلَكِنَّ [[في م: "وإنما".]] الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ" [[لم أقع عليه في الصحيحين من هذا الطريق، وقد جاء فيهما من طرق أخر عن أبي هريرة، انظر: صحيح البخاري برقم (٦٤٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٠٥١) .]] . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، ورُزق كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ [[في أ: "ومتعه".]] اللَّهُ بِمَا آتَاهُ" [[صحيح مسلم برقم (١٠٥٤) .]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ أَيْ: كَمَا كُنْتَ يَتِيمًا فَآوَاكَ اللَّهُ فَلَا تَقْهَرِ الْيَتِيمَ، أَيْ: لَا تُذِلَّهُ وَتَنْهَرْهُ وَتُهِنْهُ، وَلَكِنْ أحسِنْ إِلَيْهِ، وَتَلَطَّفْ بِهِ. قَالَ قَتَادَةُ: كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ. ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ ضَالًّا فَهَدَاكَ اللَّهُ، فَلَا تَنْهَرِ السَّائِلَ فِي الْعِلْمِ الْمُسْتَرْشِدَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أَيْ: فَلَا تَكُنْ جَبَّارًا، وَلَا مُتَكَبِّرًا، وَلَا فَحَّاشا، وَلَا فَظّا عَلَى الضُّعَفَاءِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي رَد الْمِسْكِينَ بِرَحْمَةٍ وَلِينٍ. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ عَائِلًا فَقِيرًا فَأَغْنَاكَ اللَّهُ، فَحَدِّثْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ، كَمَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ النَّبَوِيِّ: "وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ [[في أ: "لنعمك".]] مُثْنِينَ بِهَا، قَابِلِيهَا، وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا". وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَية، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ الجُرَيري، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أَنَّ مِنْ شُكْرِ النِّعَمِ أَنْ يُحَدَّثَ بِهَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا الْجَرَّاحُ بْنُ مَليح، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ: "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ. وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شَكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ. والجماعة رحمة، والفرقة عذاب" [[زوائد المسند (٤/٢٧٨) .]] إسناد ضعيف. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الْأَنْصَارُ بِالْأَجْرِ كُلِّهِ. قَالَ: "لَا مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ، وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ" [[لم أقع عليه في الصحيحين، ورواه الإمام أحمد في المسند (٣/٢٠٠) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١١) وسنن الترمذي برقم (١٩٥٤) .]] وَقَالَ: صَحِيحٌ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أُبْلِي بَلَاءً فَذَكَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَإِنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١٤) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا بِشْرٌ [[في أ: "بشير".]] حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزْية، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أعطَى عَطاء فَوَجَد فَليَجزْ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَليُثن بِهِ، فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُمارة بْنِ غَزية، عَنْ شُرَحْبِيلَ عَنْ جَابِرٍ -كَرِهُوهُ فَلَمْ يُسَمُّوهُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١٣) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي النُّبُوَّةَ الَّتِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْقُرْآنُ. وَقَالَ لَيْثٌ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قَالَ: مَا عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ فَحَدث إِخْوَانَكَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: مَا جَاءَكَ اللَّهُ [[في م: "ما جاءك من الله".]] مِنْ نِعْمَةٍ وَكَرَامَةٍ مِنَ النُّبُوَّةِ فَحَدِّثْ بِهَا وَاذْكُرْهَا، وَادْعُ إِلَيْهَا. وَقَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النُّبُوَّةِ سِرًّا إِلَى مَنْ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَافْتُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى. آخِرُ تفسير سورة "الضحى" [ولله الحمد] [[زيادة من أ.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله جل جلاله وتقدست أسماؤه ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى (٨) ﴾ . أقسم ربنا جلّ ثناؤه بالضحى، وهو النهار كله، وأحسب أنه من قولهم: ضَحِيَ فلان للشمس: إذا ظهر منه؛ ومنه قوله: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ : أي لا يصيبك فيها الشمس. وقد ذكرت اختلاف أهل العلم في معناه في قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ مع ذكري اختيارنا فيه. وقيل: عُنِي به وقت الضحى. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالضُّحَى﴾ ساعة من ساعات النهار. * * وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: والليل إذا أقبل بظلامه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يقول: والليل إذا أقبل. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قول الله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا لَبِسَ الناس، إذَا جاء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا ذهب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يقول: إذا ذهب. وقال آخرون: معناه: إذا استوى وسكن. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مِهْران؛ وحدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، جميعا عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا استوى. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا استوى ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ سكن بالخلق. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يعني: استقراره وسكونه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا سكن، قال: ذلك سجوه، كما يكون سكون البحر سجوه. وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي في ذلك قول من قال معناه: والليل إذا سكن بأهله، وثبت بظلامه، كما يقال: بحر ساج: إذا كان ساكنا؛ ومنه قول أعشى بني ثعلبة: فَمَا ذَنْبُنا إنْ جاشَ بَحْرُ ابنِ عَمِّكم ... وَبحْرُكَ ساجٍ ما يُوَارِي الدَّعامِصَا [[يأتي في تفسير آية سورة آل عمران: ١٢١، وآية سورة القصص: ٨٨. وسيبويه ١: ١٧، والخزانة ١: ٤٨٦، وهو من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها. قال الشنتمري: "أراد من ذنب، فحذف الجار وأوصل الفعل فنصب" والذنب هنا اسم جنس بمعنى الجمع. فلذلك قال: "لست محصيه". والوجه: القصد والمراد، وهو بمعنى التوجه".]] وقول الراجز: يا حَبَّذَا القَمْرَاءُ وَاللَّيْلُ السَّاجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسَّاجْ [[البيت ليس في ديوانه. ومن القصيدة أبيات فيه: ٢٣، (مطبوعة محمد جمال) ، والمجتنى لابن دريد: ٢٣، يصف فرسًا. والعير: حمار الوحش. والحضر: العدو الشديد، وحمار الوحش شديد العدو. والونى: التعب والفترة في العدو أو العمل. والأشعب: الظبي تفرق قرناه فانشعبا وتباينا بينونة شديدة. ونبح الكلب والظبي والتيس ينبح نباحًا، فهو نباح، إذا كثر صياحه، من المرح والنشاط. والظبي إذا أسن ونبتت لقرونه شعب، نبح (الحيوان ١: ٣٤٩) . يصف فرسه بشدة العدو، يلحق العير المدل بحضره، والظبي المستحكم السريع، فيصيدها قبل أن يناله تعب.]] * * وقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وهذا جواب القسم، ومعناه: ما تركك يا محمد ربك وما أبغضك. وقيل: ﴿وَمَا قَلَى﴾ ومعناه. وما قلاك، اكتفاء بفهم السامع لمعناه، إذ كان قد تقدّم ذلك قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ فعرف بذلك أن المخاطب به نبيّ الله ﷺ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ يقول: ما تركك ربك، وما أبغضك. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: ما قلاك ربك وما أبغضك؛ قال: والقالي: المبغِض. وذُكر أن هذه السورة نزلت على رسول الله ﷺ تكذيبا من الله قريشا في قيلهم لرسول الله، لما أبطأ عليه الوحي: قد ودّع محمدًا ربه وقلاه. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثني عليّ بن عبد الله الدهان، قال: ثنا مفضل بن صالح، عن الأسود بن قيس العبديّ، عن ابن عبد الله، قال: لما أبطأ جبريل على رسول الله ﷺ، فقالت امرأة من أهله، أو من قومه: ودّع الشيطان محمدا، فأنزل الله عليه: ﴿وَالضُّحَى﴾ ... إلى قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . قال أبو جعفر: ابن عبد الله: هو جندب بن عبد الله البجلي. ⁕ حدثني محمد بن عيسى الدامغاني، ومحمد بن هارون القطان، قالا ثنا سفيان، عن الأسود بن قيس سمع جندبا البجليّ يقول: أبطأ جبريل على النبيّ ﷺ حتى قال المشركون: ودّع محمدا ربه، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الأسود بن قيس، أنه سمع جندبا البجلي قال: قالت امرأة لرسول الله ﷺ: ما أرى صاحبك إلا قد أبطأ عنك، فنزلت هذه الآية: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، قال سمعت جندب بن عبد الله يقول: إن امرأة أتت النبيّ ﷺ فقالت: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا سليمان الشيباني، عن عبد الله بن شدّاد أن خديجة قالت للنبيّ ﷺ ما أرى ربك إلا قد قلاك، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: إن جبريل عليه السلام أبطأ عليه بالوحي، فقال ناس من الناس، وهم يومئذ بمكة، ما نرى صاحبك إلا قد قلاك فودّعك، فأنزل الله ما تسمع: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: أبطأ عليه جبريل، فقال المشركون: قد قلاه ربه وودّعه، فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ مكث جبريل عن محمد ﷺ، فقال المشركون: قد ودّعه ربه وقلاه، فأنزل الله هذه الآية. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: لما نزل عليه القرآن، أبطأ عنه جبريل أياما، فعُيّر بذلك، فقال المشركون: ودّعه ربه وقلاه، فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال أبطأ جبريل على النبيّ ﷺ، فجزع جزعا شديدا، وقالت خديجة: أرى ربك قد قلاك، مما نرى من جزعك، قال: فنزلت ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ... إلى آخرها. * * وقوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى﴾ يقول تعالى ذكره: وللدار الآخرة، وما أعد الله لك فيها، خير لك من الدار الدنيا وما فيها. يقول: فلا تحزن على ما فاتك منها، فإن الذي لك عند الله خير لك منها. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ يقول تعالى ذكره: ولسوف يعطيك يا محمد ربك في الآخرة من فواضل نعمه، حتى ترضى. وقد اختلف أهل العلم في الذي وعده من العطاء، فقال بعضهم: هو ما ⁕ حدثني به موسى بن سهل الرملي، قال: ثنا عمرو بن هاشم، قال: سمعت الأوزاعيّ يحدّث، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي، عن عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، قال: عرض على رسول الله ﷺ ما هو مفتوح على أمته من بعده كَفْرا كَفْرا، فسرّ بذلك، فأنزل الله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فأعطاه في الجنة ألف قصر، في كلّ قصر، ما ينبغي من الأزواج والخدم. ⁕ حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثني روّاد بن الجراح، عن الأوزاعيّ، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن عليّ بن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قال: ألف قصر من لؤلؤ، ترابهنّ المسك، وفيهنّ ما يصلحهنّ. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ، وذلك يوم القيامة. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثني به عباد بن يعقوب، قال: ثنا الحكم بن ظهير، عن السديّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قال: من رضا محمد ﷺ ألا يدخل أحد من أهل بيته النار. * * وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ يقول تعالى ذكره معدّدا على نبيه محمد ﷺ نعمه عنده، ومذكِّره آلاءه قِبَله: ألم يجدك يا محمد ربك يتيمًا فآوى، يقول: فجعل لك مأوى تأوي إليه، ومنزلا تنزله ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم. وقال السديّ في ذلك ما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن السديّ ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا﴾ قال: كان على أمر قومه أربعين عاما. وقيل: عُنِيَ بذلك: ووجدك في قوم ضلال فهداك. * * وقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ يقول: ووجدك فقيرا فأغناك، يقال منه: عال فلان يَعيل عَيْلَة، وذلك إذا افتقر؛ ومنه قول الشاعر: فَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غناهُ ... وَما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ [[ديوانه: ٥٠٧، يمدح هشام بن عبد الملك. والموارد جمع موردة: وهي الطرق إلى الماء. يريد الطرق التي يسلكها الناس إلى أغراضهم وحاجاتهم، كما يسلكون الموارد إلى الماء.]] يعني: متى يفتقر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا﴾ فقيرا. وذُكر أنها في مصحف عبد الله ﴿وَوَجَدَكَ عَدِيما فآوَى﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ قال: كانت هذه منازل رسول الله ﷺ، قبل أن يبعثه الله سبحانه وتعالى.

Al-Mukhtasar (français)

Ton Seigneur ne t’a pas abandonné, ô Messager, ni détesté comme l’ont prétendu les polythéistes lorsque la Révélation a cessé un temps.

4

وَلَلْءَاخِرَةُ خَيْرٌۭ لَّكَ مِنَ ٱلْأُولَىٰ

La vie dernière t'est, certes, meilleure que la vie présente.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُّحَى وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. رَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَزةَ الْمُقْرِئِ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عِكْرِمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ وَشِبْلِ بْنِ عبَّاد، فَلَمَّا بَلَغْتُ " وَالضُّحَى " قَالَا لِي: كَبر حَتَّى تَخْتِمَ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنَّا قَرَأْنَا عَلَى ابْنِ كَثِيرٍ فَأَمَرَنَا بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ [[ورواه الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال (١/١٤٥) ثم قال: "هذا حديث غريب، وهو مما أنكر على البزي، قال أبو حاتم: هذا منكر".]] . فَهَذِهِ سُنة تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزِّيُّ، مِنْ وَلَدِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْقِرَاءَاتِ، فَأَمَّا فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ ضَعَّفَه أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَقَالَ: لَا أُحَدِّثُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ قَالَ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. لَكِنْ حَكَى الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ فِي شَرْحِ الشَّاطِبِيَّةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُكَبِّرُ هَذَا التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: أَحْسَنْتَ وَأَصَبْتَ السُّنَّةَ. وَهَذَا يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي مَوْضِعِ هَذَا التَّكْبِيرِ وَكَيْفِيَّتِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُكَبِّرُ مِنْ آخِرِ " وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى " وَقَالَ آخَرُونَ: مِنْ آخِرِ " وَالضُّحَى " وَكَيْفِيَّةُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَقْتَصِرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ فِي مُنَاسَبَةِ التَّكْبِيرِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ "الضُّحَى": أَنَّهُ لَمَّا تَأَخَّرَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفَتَرَ تِلْكَ الْمُدَّةَ [ثُمَّ] [[زيادة من م.]] جَاءَهُ الْمَلَكُ فَأَوْحَى إِلَيْهِ: " وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى " السُّورَةَ بِتَمَامِهَا، كَبَّرَ فَرَحًا وَسُرُورًا. وَلَمْ يُرْوَ ذَلِكَ بِإِسْنَادٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِصِحَّةٍ وَلَا ضَعْفٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[والصواب أن هذا مما لم يصح فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته، رضي الله عنهم، وما روى فيها مما لا تقوم به الحجة، وشيخ الإسلام -ابن تيمية- قد تكلم على هذا التكبير كلاما شديدا في الفتاوى (١٣/٤١٧-٤١٩) ، وانظر: الآداب الشرعية لابن مفلح (٢/٣١٠) ومرويات دعاء ختم القرآن لبكر أبو زيد (ص٦) ومن كتابه استفدت هذا، فجزاه الله خيرا.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ، فَأَتَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[المسند (٤/٣١٢) .]] . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُب -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجلي ثُمَّ العَلقي [[في أ: "العلقمي".]] بِهِ [[صحيح البخاري برقم (١١٢٤، ١١٢٥، ٤٩٨٣، ٤٩٥٠،٤٩٥١) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٧) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٨١) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٥٠) .]] وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ: سَمِعَ جُنْدُبًا قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وُدِّع مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[هذه الرواية في مسلم والترمذي.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [[في أ: "وعمرو بن عبد الله بن عبد الله الأودي".]] الْأَوْدِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جُنْدُبًا يَقُولُ: رُمِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَجَرٍ فِي أُصْبُعُهُ فَقَالَ: هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ؟ ... قَالَ: فَمَكَثَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لَا يَقُومُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَتْكَ [[في م: "قد تركك".]] فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَالسِّيَاقُ لِأَبِي سَعِيدٍ. قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ هِيَ: أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ، وَذُكِرَ أَنَّ أُصْبَعَهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، دَمِيَتْ. وَقَوْلُهُ -هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي اتَّفَقَ أَنَّهُ مَوْزُونٌ-ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٢٨٠٢) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٦) .]] وَلَكِنَّ الْغَرِيبَ هَاهُنَا جَعْلُهُ سَبَبًا لِتَرْكِهِ الْقِيَامِ، وَنُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الله ابن شَدَّادٍ: أَنَّ خَدِيجَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا قَدْ قَلَاكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَجَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: إِنِّي أَرَى رَبَّكَ قَدْ قَلَاكَ مِمَّا نَرى مِنْ جَزَعِكَ. قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ إلى آخرها [[تفسير الطبري (٣٠/١٤٨) .]] . فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ مِنْ [هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ] [[زيادة من م، أ.]] وَلَعَلَّ ذِكْرَ خَدِيجَةَ لَيْسَ مَحْفُوظًا، أَوْ قَالَتْهُ عَلَى وَجْهِ التَّأَسُّفِ وَالتَّحَزُّنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ -مِنْهُمُ ابْنُ إِسْحَاقَ-أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هِيَ الَّتِي أَوْحَاهَا جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حِينَ تَبَدَّى لَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَدَنَا إِلَيْهِ وَتَدَلَّى مُنْهَبِطًا عَلَيْهِ وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النَّجْمِ: ١٠] . قَالَ: قَالَ لَهُ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا نزلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنُ، أَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ أَيَّامًا، فَتَغَيَّرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَهَذَا قَسَمٌ مِنْهُ تَعَالَى بِالضُّحَى وَمَا جَعَلَ فِيهِ مِنَ الضِّيَاءِ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ أَيْ: سَكَنَ فَأَظْلَمَ وادلَهَم. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَذَلِكَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ هَذَا وَهَذَا. كَمَا قَالَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [اللَّيْلِ: ١، ٢] ، وَقَالَ: ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ أَيْ: مَا تَرَكَكَ، ﴿وَمَا قَلَى﴾ أَيْ: وَمَا أَبْغَضَكَ، ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى﴾ أَيْ: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ. وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَأَعْظَمَهُمْ لَهَا إِطْرَاحًا، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ [بِالضَّرُورَةِ] [[زيادة من م.]] مِنْ سِيرَتِهِ. وَلَمَّا خُيِّرَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي آخِرِ عُمْرِهِ بَيْنَ الْخُلْدِ فِي الدُّنْيَا إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ الْجَنَّةِ، وَبَيْنَ الصَّيْرُورَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، اخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخعِي، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ، فَأَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ جَعَلْتُ أَمْسَحُ جَنْبَهُ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا آذَنْتَنَا حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الْحَصِيرِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ما لِي وَلِلدُّنْيَا؟! مَا أَنَا وَالدُّنْيَا؟! إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ ظَلّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ راح وتركتها [[في أ: "وتركها".]] . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ الْمَسْعُودِيِّ بِهِ [[المسند (١/٣٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٣٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤١٠٩) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ يُعْطِيهِ حَتَّى يُرْضِيَهُ فِي أُمَّتِهِ، وَفِيمَا أعدَّه لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ نَهْرُ الْكَوْثَرِ الَّذِي حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمُجَوَّفِ، وَطِينُهُ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] مِسْكٍ أَذْفَرَ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عمر الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي المهاجر المخزومي، عن عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مَا هُوَ مَفْتُوحٌ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَنْزًا كَنْزًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فَأَعْطَاهُ فِي الْجَنَّةِ أَلْفَ أَلْفَ قَصْرٍ، فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "رواه ابن جرير وابن أبي حاتم".]] مِنْ طَرِيقِهِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: ومثلُ هَذَا مَا يُقَالُ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ رِضَاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَلَّا يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ النَّارَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي بِذَلِكَ الشَّفَاعَةَ. وَهَكَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا معاويةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أنا أهلُ بَيْتٍ اخْتَارَ اللَّهُ لَنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [[ورواه البغوي في شرح السنة (١٤/٢٤٨) من طريق ابن أبي شيبة فذكره دون الآية، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٥/٢٣٦) بهذا الطريق ولم يذكر الآية، ولعل ذكرها وقع في كتاب التفسير، ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٠٨٢) عن عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ هشام به، وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٦٢) : "هذا إسناد فيه يزيد بن أبي زياد الكوفي مختلف فيه".]] . ثُمَّ قَالَ تعالى يعدد نعَمه عل عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ تُوفّي وَهُوَ حَملٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَقِيلَ: بَعْدَ أَنْ وُلِدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ سِتُّ سِنِينَ. ثُمَّ كَانَ فِي كَفَالَةِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَمَانِ سِنِينَ، فَكَفَلَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَحُوطُهُ وَيَنْصُرُهُ ويَرفع مِنْ قَدره وَيُوقّره، وَيَكُفُّ عَنْهُ أَذَى قَوْمِهِ بَعْدَ أَنِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ عُمْرِهِ، هَذَا وَأَبُو طَالِبٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَدَرِ اللَّهِ وحُسن تَدْبِيرِهِ، إِلَى أَنْ تُوفي أَبُو طَالِبٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِقَلِيلٍ، فَأَقْدَمَ عَلَيْهِ سُفَهَاءُ قُرَيْشٍ وجُهالهم، فَاخْتَارَ اللَّهُ لَهُ الْهِجْرَةَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ إِلَى بَلَدِ الْأَنْصَارِ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، كَمَا أَجْرَى اللَّهُ سُنَّته عَلَى الْوَجْهِ الْأَتَمِّ وَالْأَكْمَلِ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ آوَوه ونَصَرُوه وَحَاطُوهُ وَقَاتَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَكُلُّ هَذَا مِنْ حِفْظِ اللَّهِ لَهُ وَكِلَاءَتِهِ وَعِنَايَتِهِ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشُّورَى: ٥٢] وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ [إِنَّ] [[زيادة من م.]] الْمُرَادَ بِهَذَا أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ضَلَّ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَهُوَ صَغِيرٌ، ثُمَّ رَجَعَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ ضَلَّ وَهُوَ مَعَ عَمِّهِ فِي طَرِيقِ الشَّامِ، وَكَانَ رَاكِبًا نَاقَةً فِي اللَّيْلِ، فَجَاءَ إِبْلِيسُ يَعْدِلُ بِهَا عَنِ الطَّرِيقِ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إِبْلِيسَ نَفْخَةً ذَهَبَ مِنْهَا إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ عَدَلَ بالراحلة إلى الطريق. حكاهما البغوي. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ أَيْ: كُنْتَ فَقِيرًا ذَا عِيَالٍ، فَأَغْنَاكَ اللَّهُ عَمَّنْ سِوَاهُ، فَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ مَقَامَيِ، الْفَقِيرِ الصَّابِرِ وَالْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ مَنَازِلَ الرَّسُولِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ -مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ-عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: هَذَا مَا حَدّثنا أَبُو هُرَيرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَض، وَلَكِنَّ [[في م: "وإنما".]] الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ" [[لم أقع عليه في الصحيحين من هذا الطريق، وقد جاء فيهما من طرق أخر عن أبي هريرة، انظر: صحيح البخاري برقم (٦٤٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٠٥١) .]] . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، ورُزق كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ [[في أ: "ومتعه".]] اللَّهُ بِمَا آتَاهُ" [[صحيح مسلم برقم (١٠٥٤) .]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ أَيْ: كَمَا كُنْتَ يَتِيمًا فَآوَاكَ اللَّهُ فَلَا تَقْهَرِ الْيَتِيمَ، أَيْ: لَا تُذِلَّهُ وَتَنْهَرْهُ وَتُهِنْهُ، وَلَكِنْ أحسِنْ إِلَيْهِ، وَتَلَطَّفْ بِهِ. قَالَ قَتَادَةُ: كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ. ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ ضَالًّا فَهَدَاكَ اللَّهُ، فَلَا تَنْهَرِ السَّائِلَ فِي الْعِلْمِ الْمُسْتَرْشِدَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أَيْ: فَلَا تَكُنْ جَبَّارًا، وَلَا مُتَكَبِّرًا، وَلَا فَحَّاشا، وَلَا فَظّا عَلَى الضُّعَفَاءِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي رَد الْمِسْكِينَ بِرَحْمَةٍ وَلِينٍ. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ عَائِلًا فَقِيرًا فَأَغْنَاكَ اللَّهُ، فَحَدِّثْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ، كَمَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ النَّبَوِيِّ: "وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ [[في أ: "لنعمك".]] مُثْنِينَ بِهَا، قَابِلِيهَا، وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا". وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَية، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ الجُرَيري، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أَنَّ مِنْ شُكْرِ النِّعَمِ أَنْ يُحَدَّثَ بِهَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا الْجَرَّاحُ بْنُ مَليح، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ: "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ. وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شَكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ. والجماعة رحمة، والفرقة عذاب" [[زوائد المسند (٤/٢٧٨) .]] إسناد ضعيف. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الْأَنْصَارُ بِالْأَجْرِ كُلِّهِ. قَالَ: "لَا مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ، وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ" [[لم أقع عليه في الصحيحين، ورواه الإمام أحمد في المسند (٣/٢٠٠) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١١) وسنن الترمذي برقم (١٩٥٤) .]] وَقَالَ: صَحِيحٌ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أُبْلِي بَلَاءً فَذَكَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَإِنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١٤) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا بِشْرٌ [[في أ: "بشير".]] حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزْية، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أعطَى عَطاء فَوَجَد فَليَجزْ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَليُثن بِهِ، فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُمارة بْنِ غَزية، عَنْ شُرَحْبِيلَ عَنْ جَابِرٍ -كَرِهُوهُ فَلَمْ يُسَمُّوهُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١٣) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي النُّبُوَّةَ الَّتِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْقُرْآنُ. وَقَالَ لَيْثٌ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قَالَ: مَا عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ فَحَدث إِخْوَانَكَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: مَا جَاءَكَ اللَّهُ [[في م: "ما جاءك من الله".]] مِنْ نِعْمَةٍ وَكَرَامَةٍ مِنَ النُّبُوَّةِ فَحَدِّثْ بِهَا وَاذْكُرْهَا، وَادْعُ إِلَيْهَا. وَقَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النُّبُوَّةِ سِرًّا إِلَى مَنْ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَافْتُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى. آخِرُ تفسير سورة "الضحى" [ولله الحمد] [[زيادة من أ.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله جل جلاله وتقدست أسماؤه ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى (٨) ﴾ . أقسم ربنا جلّ ثناؤه بالضحى، وهو النهار كله، وأحسب أنه من قولهم: ضَحِيَ فلان للشمس: إذا ظهر منه؛ ومنه قوله: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ : أي لا يصيبك فيها الشمس. وقد ذكرت اختلاف أهل العلم في معناه في قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ مع ذكري اختيارنا فيه. وقيل: عُنِي به وقت الضحى. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالضُّحَى﴾ ساعة من ساعات النهار. * * وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: والليل إذا أقبل بظلامه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يقول: والليل إذا أقبل. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قول الله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا لَبِسَ الناس، إذَا جاء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا ذهب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يقول: إذا ذهب. وقال آخرون: معناه: إذا استوى وسكن. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مِهْران؛ وحدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، جميعا عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا استوى. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا استوى ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ سكن بالخلق. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يعني: استقراره وسكونه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا سكن، قال: ذلك سجوه، كما يكون سكون البحر سجوه. وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي في ذلك قول من قال معناه: والليل إذا سكن بأهله، وثبت بظلامه، كما يقال: بحر ساج: إذا كان ساكنا؛ ومنه قول أعشى بني ثعلبة: فَمَا ذَنْبُنا إنْ جاشَ بَحْرُ ابنِ عَمِّكم ... وَبحْرُكَ ساجٍ ما يُوَارِي الدَّعامِصَا [[يأتي في تفسير آية سورة آل عمران: ١٢١، وآية سورة القصص: ٨٨. وسيبويه ١: ١٧، والخزانة ١: ٤٨٦، وهو من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها. قال الشنتمري: "أراد من ذنب، فحذف الجار وأوصل الفعل فنصب" والذنب هنا اسم جنس بمعنى الجمع. فلذلك قال: "لست محصيه". والوجه: القصد والمراد، وهو بمعنى التوجه".]] وقول الراجز: يا حَبَّذَا القَمْرَاءُ وَاللَّيْلُ السَّاجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسَّاجْ [[البيت ليس في ديوانه. ومن القصيدة أبيات فيه: ٢٣، (مطبوعة محمد جمال) ، والمجتنى لابن دريد: ٢٣، يصف فرسًا. والعير: حمار الوحش. والحضر: العدو الشديد، وحمار الوحش شديد العدو. والونى: التعب والفترة في العدو أو العمل. والأشعب: الظبي تفرق قرناه فانشعبا وتباينا بينونة شديدة. ونبح الكلب والظبي والتيس ينبح نباحًا، فهو نباح، إذا كثر صياحه، من المرح والنشاط. والظبي إذا أسن ونبتت لقرونه شعب، نبح (الحيوان ١: ٣٤٩) . يصف فرسه بشدة العدو، يلحق العير المدل بحضره، والظبي المستحكم السريع، فيصيدها قبل أن يناله تعب.]] * * وقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وهذا جواب القسم، ومعناه: ما تركك يا محمد ربك وما أبغضك. وقيل: ﴿وَمَا قَلَى﴾ ومعناه. وما قلاك، اكتفاء بفهم السامع لمعناه، إذ كان قد تقدّم ذلك قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ فعرف بذلك أن المخاطب به نبيّ الله ﷺ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ يقول: ما تركك ربك، وما أبغضك. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: ما قلاك ربك وما أبغضك؛ قال: والقالي: المبغِض. وذُكر أن هذه السورة نزلت على رسول الله ﷺ تكذيبا من الله قريشا في قيلهم لرسول الله، لما أبطأ عليه الوحي: قد ودّع محمدًا ربه وقلاه. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثني عليّ بن عبد الله الدهان، قال: ثنا مفضل بن صالح، عن الأسود بن قيس العبديّ، عن ابن عبد الله، قال: لما أبطأ جبريل على رسول الله ﷺ، فقالت امرأة من أهله، أو من قومه: ودّع الشيطان محمدا، فأنزل الله عليه: ﴿وَالضُّحَى﴾ ... إلى قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . قال أبو جعفر: ابن عبد الله: هو جندب بن عبد الله البجلي. ⁕ حدثني محمد بن عيسى الدامغاني، ومحمد بن هارون القطان، قالا ثنا سفيان، عن الأسود بن قيس سمع جندبا البجليّ يقول: أبطأ جبريل على النبيّ ﷺ حتى قال المشركون: ودّع محمدا ربه، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الأسود بن قيس، أنه سمع جندبا البجلي قال: قالت امرأة لرسول الله ﷺ: ما أرى صاحبك إلا قد أبطأ عنك، فنزلت هذه الآية: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، قال سمعت جندب بن عبد الله يقول: إن امرأة أتت النبيّ ﷺ فقالت: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا سليمان الشيباني، عن عبد الله بن شدّاد أن خديجة قالت للنبيّ ﷺ ما أرى ربك إلا قد قلاك، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: إن جبريل عليه السلام أبطأ عليه بالوحي، فقال ناس من الناس، وهم يومئذ بمكة، ما نرى صاحبك إلا قد قلاك فودّعك، فأنزل الله ما تسمع: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: أبطأ عليه جبريل، فقال المشركون: قد قلاه ربه وودّعه، فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ مكث جبريل عن محمد ﷺ، فقال المشركون: قد ودّعه ربه وقلاه، فأنزل الله هذه الآية. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: لما نزل عليه القرآن، أبطأ عنه جبريل أياما، فعُيّر بذلك، فقال المشركون: ودّعه ربه وقلاه، فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال أبطأ جبريل على النبيّ ﷺ، فجزع جزعا شديدا، وقالت خديجة: أرى ربك قد قلاك، مما نرى من جزعك، قال: فنزلت ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ... إلى آخرها. * * وقوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى﴾ يقول تعالى ذكره: وللدار الآخرة، وما أعد الله لك فيها، خير لك من الدار الدنيا وما فيها. يقول: فلا تحزن على ما فاتك منها، فإن الذي لك عند الله خير لك منها. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ يقول تعالى ذكره: ولسوف يعطيك يا محمد ربك في الآخرة من فواضل نعمه، حتى ترضى. وقد اختلف أهل العلم في الذي وعده من العطاء، فقال بعضهم: هو ما ⁕ حدثني به موسى بن سهل الرملي، قال: ثنا عمرو بن هاشم، قال: سمعت الأوزاعيّ يحدّث، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي، عن عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، قال: عرض على رسول الله ﷺ ما هو مفتوح على أمته من بعده كَفْرا كَفْرا، فسرّ بذلك، فأنزل الله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فأعطاه في الجنة ألف قصر، في كلّ قصر، ما ينبغي من الأزواج والخدم. ⁕ حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثني روّاد بن الجراح، عن الأوزاعيّ، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن عليّ بن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قال: ألف قصر من لؤلؤ، ترابهنّ المسك، وفيهنّ ما يصلحهنّ. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ، وذلك يوم القيامة. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثني به عباد بن يعقوب، قال: ثنا الحكم بن ظهير، عن السديّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قال: من رضا محمد ﷺ ألا يدخل أحد من أهل بيته النار. * * وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ يقول تعالى ذكره معدّدا على نبيه محمد ﷺ نعمه عنده، ومذكِّره آلاءه قِبَله: ألم يجدك يا محمد ربك يتيمًا فآوى، يقول: فجعل لك مأوى تأوي إليه، ومنزلا تنزله ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم. وقال السديّ في ذلك ما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن السديّ ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا﴾ قال: كان على أمر قومه أربعين عاما. وقيل: عُنِيَ بذلك: ووجدك في قوم ضلال فهداك. * * وقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ يقول: ووجدك فقيرا فأغناك، يقال منه: عال فلان يَعيل عَيْلَة، وذلك إذا افتقر؛ ومنه قول الشاعر: فَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غناهُ ... وَما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ [[ديوانه: ٥٠٧، يمدح هشام بن عبد الملك. والموارد جمع موردة: وهي الطرق إلى الماء. يريد الطرق التي يسلكها الناس إلى أغراضهم وحاجاتهم، كما يسلكون الموارد إلى الماء.]] يعني: متى يفتقر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا﴾ فقيرا. وذُكر أنها في مصحف عبد الله ﴿وَوَجَدَكَ عَدِيما فآوَى﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ قال: كانت هذه منازل رسول الله ﷺ، قبل أن يبعثه الله سبحانه وتعالى.

Al-Mukhtasar (français)

La dernière demeure est assurément meilleure pour toi que le bas monde, en raison de ses délices éternels et ininterrompus.

5

وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰٓ

Ton Seigneur t'accordera certes [Ses faveurs], et alors tu seras satisfait.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُّحَى وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. رَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَزةَ الْمُقْرِئِ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عِكْرِمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ وَشِبْلِ بْنِ عبَّاد، فَلَمَّا بَلَغْتُ " وَالضُّحَى " قَالَا لِي: كَبر حَتَّى تَخْتِمَ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنَّا قَرَأْنَا عَلَى ابْنِ كَثِيرٍ فَأَمَرَنَا بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ [[ورواه الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال (١/١٤٥) ثم قال: "هذا حديث غريب، وهو مما أنكر على البزي، قال أبو حاتم: هذا منكر".]] . فَهَذِهِ سُنة تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزِّيُّ، مِنْ وَلَدِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْقِرَاءَاتِ، فَأَمَّا فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ ضَعَّفَه أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَقَالَ: لَا أُحَدِّثُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ قَالَ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. لَكِنْ حَكَى الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ فِي شَرْحِ الشَّاطِبِيَّةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُكَبِّرُ هَذَا التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: أَحْسَنْتَ وَأَصَبْتَ السُّنَّةَ. وَهَذَا يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي مَوْضِعِ هَذَا التَّكْبِيرِ وَكَيْفِيَّتِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُكَبِّرُ مِنْ آخِرِ " وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى " وَقَالَ آخَرُونَ: مِنْ آخِرِ " وَالضُّحَى " وَكَيْفِيَّةُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَقْتَصِرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ فِي مُنَاسَبَةِ التَّكْبِيرِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ "الضُّحَى": أَنَّهُ لَمَّا تَأَخَّرَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفَتَرَ تِلْكَ الْمُدَّةَ [ثُمَّ] [[زيادة من م.]] جَاءَهُ الْمَلَكُ فَأَوْحَى إِلَيْهِ: " وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى " السُّورَةَ بِتَمَامِهَا، كَبَّرَ فَرَحًا وَسُرُورًا. وَلَمْ يُرْوَ ذَلِكَ بِإِسْنَادٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِصِحَّةٍ وَلَا ضَعْفٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[والصواب أن هذا مما لم يصح فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته، رضي الله عنهم، وما روى فيها مما لا تقوم به الحجة، وشيخ الإسلام -ابن تيمية- قد تكلم على هذا التكبير كلاما شديدا في الفتاوى (١٣/٤١٧-٤١٩) ، وانظر: الآداب الشرعية لابن مفلح (٢/٣١٠) ومرويات دعاء ختم القرآن لبكر أبو زيد (ص٦) ومن كتابه استفدت هذا، فجزاه الله خيرا.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ، فَأَتَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[المسند (٤/٣١٢) .]] . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُب -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجلي ثُمَّ العَلقي [[في أ: "العلقمي".]] بِهِ [[صحيح البخاري برقم (١١٢٤، ١١٢٥، ٤٩٨٣، ٤٩٥٠،٤٩٥١) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٧) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٨١) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٥٠) .]] وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ: سَمِعَ جُنْدُبًا قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وُدِّع مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[هذه الرواية في مسلم والترمذي.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [[في أ: "وعمرو بن عبد الله بن عبد الله الأودي".]] الْأَوْدِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جُنْدُبًا يَقُولُ: رُمِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَجَرٍ فِي أُصْبُعُهُ فَقَالَ: هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ؟ ... قَالَ: فَمَكَثَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لَا يَقُومُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَتْكَ [[في م: "قد تركك".]] فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَالسِّيَاقُ لِأَبِي سَعِيدٍ. قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ هِيَ: أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ، وَذُكِرَ أَنَّ أُصْبَعَهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، دَمِيَتْ. وَقَوْلُهُ -هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي اتَّفَقَ أَنَّهُ مَوْزُونٌ-ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٢٨٠٢) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٦) .]] وَلَكِنَّ الْغَرِيبَ هَاهُنَا جَعْلُهُ سَبَبًا لِتَرْكِهِ الْقِيَامِ، وَنُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الله ابن شَدَّادٍ: أَنَّ خَدِيجَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا قَدْ قَلَاكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَجَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: إِنِّي أَرَى رَبَّكَ قَدْ قَلَاكَ مِمَّا نَرى مِنْ جَزَعِكَ. قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ إلى آخرها [[تفسير الطبري (٣٠/١٤٨) .]] . فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ مِنْ [هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ] [[زيادة من م، أ.]] وَلَعَلَّ ذِكْرَ خَدِيجَةَ لَيْسَ مَحْفُوظًا، أَوْ قَالَتْهُ عَلَى وَجْهِ التَّأَسُّفِ وَالتَّحَزُّنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ -مِنْهُمُ ابْنُ إِسْحَاقَ-أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هِيَ الَّتِي أَوْحَاهَا جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حِينَ تَبَدَّى لَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَدَنَا إِلَيْهِ وَتَدَلَّى مُنْهَبِطًا عَلَيْهِ وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النَّجْمِ: ١٠] . قَالَ: قَالَ لَهُ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا نزلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنُ، أَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ أَيَّامًا، فَتَغَيَّرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَهَذَا قَسَمٌ مِنْهُ تَعَالَى بِالضُّحَى وَمَا جَعَلَ فِيهِ مِنَ الضِّيَاءِ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ أَيْ: سَكَنَ فَأَظْلَمَ وادلَهَم. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَذَلِكَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ هَذَا وَهَذَا. كَمَا قَالَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [اللَّيْلِ: ١، ٢] ، وَقَالَ: ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ أَيْ: مَا تَرَكَكَ، ﴿وَمَا قَلَى﴾ أَيْ: وَمَا أَبْغَضَكَ، ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى﴾ أَيْ: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ. وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَأَعْظَمَهُمْ لَهَا إِطْرَاحًا، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ [بِالضَّرُورَةِ] [[زيادة من م.]] مِنْ سِيرَتِهِ. وَلَمَّا خُيِّرَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي آخِرِ عُمْرِهِ بَيْنَ الْخُلْدِ فِي الدُّنْيَا إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ الْجَنَّةِ، وَبَيْنَ الصَّيْرُورَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، اخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخعِي، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ، فَأَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ جَعَلْتُ أَمْسَحُ جَنْبَهُ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا آذَنْتَنَا حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الْحَصِيرِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ما لِي وَلِلدُّنْيَا؟! مَا أَنَا وَالدُّنْيَا؟! إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ ظَلّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ راح وتركتها [[في أ: "وتركها".]] . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ الْمَسْعُودِيِّ بِهِ [[المسند (١/٣٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٣٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤١٠٩) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ يُعْطِيهِ حَتَّى يُرْضِيَهُ فِي أُمَّتِهِ، وَفِيمَا أعدَّه لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ نَهْرُ الْكَوْثَرِ الَّذِي حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمُجَوَّفِ، وَطِينُهُ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] مِسْكٍ أَذْفَرَ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عمر الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي المهاجر المخزومي، عن عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مَا هُوَ مَفْتُوحٌ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَنْزًا كَنْزًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فَأَعْطَاهُ فِي الْجَنَّةِ أَلْفَ أَلْفَ قَصْرٍ، فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "رواه ابن جرير وابن أبي حاتم".]] مِنْ طَرِيقِهِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: ومثلُ هَذَا مَا يُقَالُ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ رِضَاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَلَّا يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ النَّارَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي بِذَلِكَ الشَّفَاعَةَ. وَهَكَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا معاويةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أنا أهلُ بَيْتٍ اخْتَارَ اللَّهُ لَنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [[ورواه البغوي في شرح السنة (١٤/٢٤٨) من طريق ابن أبي شيبة فذكره دون الآية، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٥/٢٣٦) بهذا الطريق ولم يذكر الآية، ولعل ذكرها وقع في كتاب التفسير، ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٠٨٢) عن عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ هشام به، وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٦٢) : "هذا إسناد فيه يزيد بن أبي زياد الكوفي مختلف فيه".]] . ثُمَّ قَالَ تعالى يعدد نعَمه عل عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ تُوفّي وَهُوَ حَملٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَقِيلَ: بَعْدَ أَنْ وُلِدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ سِتُّ سِنِينَ. ثُمَّ كَانَ فِي كَفَالَةِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَمَانِ سِنِينَ، فَكَفَلَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَحُوطُهُ وَيَنْصُرُهُ ويَرفع مِنْ قَدره وَيُوقّره، وَيَكُفُّ عَنْهُ أَذَى قَوْمِهِ بَعْدَ أَنِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ عُمْرِهِ، هَذَا وَأَبُو طَالِبٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَدَرِ اللَّهِ وحُسن تَدْبِيرِهِ، إِلَى أَنْ تُوفي أَبُو طَالِبٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِقَلِيلٍ، فَأَقْدَمَ عَلَيْهِ سُفَهَاءُ قُرَيْشٍ وجُهالهم، فَاخْتَارَ اللَّهُ لَهُ الْهِجْرَةَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ إِلَى بَلَدِ الْأَنْصَارِ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، كَمَا أَجْرَى اللَّهُ سُنَّته عَلَى الْوَجْهِ الْأَتَمِّ وَالْأَكْمَلِ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ آوَوه ونَصَرُوه وَحَاطُوهُ وَقَاتَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَكُلُّ هَذَا مِنْ حِفْظِ اللَّهِ لَهُ وَكِلَاءَتِهِ وَعِنَايَتِهِ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشُّورَى: ٥٢] وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ [إِنَّ] [[زيادة من م.]] الْمُرَادَ بِهَذَا أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ضَلَّ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَهُوَ صَغِيرٌ، ثُمَّ رَجَعَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ ضَلَّ وَهُوَ مَعَ عَمِّهِ فِي طَرِيقِ الشَّامِ، وَكَانَ رَاكِبًا نَاقَةً فِي اللَّيْلِ، فَجَاءَ إِبْلِيسُ يَعْدِلُ بِهَا عَنِ الطَّرِيقِ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إِبْلِيسَ نَفْخَةً ذَهَبَ مِنْهَا إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ عَدَلَ بالراحلة إلى الطريق. حكاهما البغوي. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ أَيْ: كُنْتَ فَقِيرًا ذَا عِيَالٍ، فَأَغْنَاكَ اللَّهُ عَمَّنْ سِوَاهُ، فَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ مَقَامَيِ، الْفَقِيرِ الصَّابِرِ وَالْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ مَنَازِلَ الرَّسُولِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ -مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ-عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: هَذَا مَا حَدّثنا أَبُو هُرَيرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَض، وَلَكِنَّ [[في م: "وإنما".]] الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ" [[لم أقع عليه في الصحيحين من هذا الطريق، وقد جاء فيهما من طرق أخر عن أبي هريرة، انظر: صحيح البخاري برقم (٦٤٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٠٥١) .]] . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، ورُزق كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ [[في أ: "ومتعه".]] اللَّهُ بِمَا آتَاهُ" [[صحيح مسلم برقم (١٠٥٤) .]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ أَيْ: كَمَا كُنْتَ يَتِيمًا فَآوَاكَ اللَّهُ فَلَا تَقْهَرِ الْيَتِيمَ، أَيْ: لَا تُذِلَّهُ وَتَنْهَرْهُ وَتُهِنْهُ، وَلَكِنْ أحسِنْ إِلَيْهِ، وَتَلَطَّفْ بِهِ. قَالَ قَتَادَةُ: كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ. ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ ضَالًّا فَهَدَاكَ اللَّهُ، فَلَا تَنْهَرِ السَّائِلَ فِي الْعِلْمِ الْمُسْتَرْشِدَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أَيْ: فَلَا تَكُنْ جَبَّارًا، وَلَا مُتَكَبِّرًا، وَلَا فَحَّاشا، وَلَا فَظّا عَلَى الضُّعَفَاءِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي رَد الْمِسْكِينَ بِرَحْمَةٍ وَلِينٍ. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ عَائِلًا فَقِيرًا فَأَغْنَاكَ اللَّهُ، فَحَدِّثْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ، كَمَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ النَّبَوِيِّ: "وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ [[في أ: "لنعمك".]] مُثْنِينَ بِهَا، قَابِلِيهَا، وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا". وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَية، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ الجُرَيري، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أَنَّ مِنْ شُكْرِ النِّعَمِ أَنْ يُحَدَّثَ بِهَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا الْجَرَّاحُ بْنُ مَليح، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ: "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ. وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شَكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ. والجماعة رحمة، والفرقة عذاب" [[زوائد المسند (٤/٢٧٨) .]] إسناد ضعيف. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الْأَنْصَارُ بِالْأَجْرِ كُلِّهِ. قَالَ: "لَا مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ، وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ" [[لم أقع عليه في الصحيحين، ورواه الإمام أحمد في المسند (٣/٢٠٠) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١١) وسنن الترمذي برقم (١٩٥٤) .]] وَقَالَ: صَحِيحٌ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أُبْلِي بَلَاءً فَذَكَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَإِنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١٤) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا بِشْرٌ [[في أ: "بشير".]] حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزْية، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أعطَى عَطاء فَوَجَد فَليَجزْ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَليُثن بِهِ، فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُمارة بْنِ غَزية، عَنْ شُرَحْبِيلَ عَنْ جَابِرٍ -كَرِهُوهُ فَلَمْ يُسَمُّوهُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١٣) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي النُّبُوَّةَ الَّتِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْقُرْآنُ. وَقَالَ لَيْثٌ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قَالَ: مَا عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ فَحَدث إِخْوَانَكَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: مَا جَاءَكَ اللَّهُ [[في م: "ما جاءك من الله".]] مِنْ نِعْمَةٍ وَكَرَامَةٍ مِنَ النُّبُوَّةِ فَحَدِّثْ بِهَا وَاذْكُرْهَا، وَادْعُ إِلَيْهَا. وَقَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النُّبُوَّةِ سِرًّا إِلَى مَنْ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَافْتُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى. آخِرُ تفسير سورة "الضحى" [ولله الحمد] [[زيادة من أ.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله جل جلاله وتقدست أسماؤه ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى (٨) ﴾ . أقسم ربنا جلّ ثناؤه بالضحى، وهو النهار كله، وأحسب أنه من قولهم: ضَحِيَ فلان للشمس: إذا ظهر منه؛ ومنه قوله: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ : أي لا يصيبك فيها الشمس. وقد ذكرت اختلاف أهل العلم في معناه في قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ مع ذكري اختيارنا فيه. وقيل: عُنِي به وقت الضحى. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالضُّحَى﴾ ساعة من ساعات النهار. * * وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: والليل إذا أقبل بظلامه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يقول: والليل إذا أقبل. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قول الله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا لَبِسَ الناس، إذَا جاء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا ذهب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يقول: إذا ذهب. وقال آخرون: معناه: إذا استوى وسكن. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مِهْران؛ وحدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، جميعا عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا استوى. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا استوى ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ سكن بالخلق. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يعني: استقراره وسكونه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا سكن، قال: ذلك سجوه، كما يكون سكون البحر سجوه. وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي في ذلك قول من قال معناه: والليل إذا سكن بأهله، وثبت بظلامه، كما يقال: بحر ساج: إذا كان ساكنا؛ ومنه قول أعشى بني ثعلبة: فَمَا ذَنْبُنا إنْ جاشَ بَحْرُ ابنِ عَمِّكم ... وَبحْرُكَ ساجٍ ما يُوَارِي الدَّعامِصَا [[يأتي في تفسير آية سورة آل عمران: ١٢١، وآية سورة القصص: ٨٨. وسيبويه ١: ١٧، والخزانة ١: ٤٨٦، وهو من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها. قال الشنتمري: "أراد من ذنب، فحذف الجار وأوصل الفعل فنصب" والذنب هنا اسم جنس بمعنى الجمع. فلذلك قال: "لست محصيه". والوجه: القصد والمراد، وهو بمعنى التوجه".]] وقول الراجز: يا حَبَّذَا القَمْرَاءُ وَاللَّيْلُ السَّاجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسَّاجْ [[البيت ليس في ديوانه. ومن القصيدة أبيات فيه: ٢٣، (مطبوعة محمد جمال) ، والمجتنى لابن دريد: ٢٣، يصف فرسًا. والعير: حمار الوحش. والحضر: العدو الشديد، وحمار الوحش شديد العدو. والونى: التعب والفترة في العدو أو العمل. والأشعب: الظبي تفرق قرناه فانشعبا وتباينا بينونة شديدة. ونبح الكلب والظبي والتيس ينبح نباحًا، فهو نباح، إذا كثر صياحه، من المرح والنشاط. والظبي إذا أسن ونبتت لقرونه شعب، نبح (الحيوان ١: ٣٤٩) . يصف فرسه بشدة العدو، يلحق العير المدل بحضره، والظبي المستحكم السريع، فيصيدها قبل أن يناله تعب.]] * * وقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وهذا جواب القسم، ومعناه: ما تركك يا محمد ربك وما أبغضك. وقيل: ﴿وَمَا قَلَى﴾ ومعناه. وما قلاك، اكتفاء بفهم السامع لمعناه، إذ كان قد تقدّم ذلك قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ فعرف بذلك أن المخاطب به نبيّ الله ﷺ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ يقول: ما تركك ربك، وما أبغضك. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: ما قلاك ربك وما أبغضك؛ قال: والقالي: المبغِض. وذُكر أن هذه السورة نزلت على رسول الله ﷺ تكذيبا من الله قريشا في قيلهم لرسول الله، لما أبطأ عليه الوحي: قد ودّع محمدًا ربه وقلاه. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثني عليّ بن عبد الله الدهان، قال: ثنا مفضل بن صالح، عن الأسود بن قيس العبديّ، عن ابن عبد الله، قال: لما أبطأ جبريل على رسول الله ﷺ، فقالت امرأة من أهله، أو من قومه: ودّع الشيطان محمدا، فأنزل الله عليه: ﴿وَالضُّحَى﴾ ... إلى قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . قال أبو جعفر: ابن عبد الله: هو جندب بن عبد الله البجلي. ⁕ حدثني محمد بن عيسى الدامغاني، ومحمد بن هارون القطان، قالا ثنا سفيان، عن الأسود بن قيس سمع جندبا البجليّ يقول: أبطأ جبريل على النبيّ ﷺ حتى قال المشركون: ودّع محمدا ربه، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الأسود بن قيس، أنه سمع جندبا البجلي قال: قالت امرأة لرسول الله ﷺ: ما أرى صاحبك إلا قد أبطأ عنك، فنزلت هذه الآية: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، قال سمعت جندب بن عبد الله يقول: إن امرأة أتت النبيّ ﷺ فقالت: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا سليمان الشيباني، عن عبد الله بن شدّاد أن خديجة قالت للنبيّ ﷺ ما أرى ربك إلا قد قلاك، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: إن جبريل عليه السلام أبطأ عليه بالوحي، فقال ناس من الناس، وهم يومئذ بمكة، ما نرى صاحبك إلا قد قلاك فودّعك، فأنزل الله ما تسمع: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: أبطأ عليه جبريل، فقال المشركون: قد قلاه ربه وودّعه، فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ مكث جبريل عن محمد ﷺ، فقال المشركون: قد ودّعه ربه وقلاه، فأنزل الله هذه الآية. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: لما نزل عليه القرآن، أبطأ عنه جبريل أياما، فعُيّر بذلك، فقال المشركون: ودّعه ربه وقلاه، فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال أبطأ جبريل على النبيّ ﷺ، فجزع جزعا شديدا، وقالت خديجة: أرى ربك قد قلاك، مما نرى من جزعك، قال: فنزلت ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ... إلى آخرها. * * وقوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى﴾ يقول تعالى ذكره: وللدار الآخرة، وما أعد الله لك فيها، خير لك من الدار الدنيا وما فيها. يقول: فلا تحزن على ما فاتك منها، فإن الذي لك عند الله خير لك منها. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ يقول تعالى ذكره: ولسوف يعطيك يا محمد ربك في الآخرة من فواضل نعمه، حتى ترضى. وقد اختلف أهل العلم في الذي وعده من العطاء، فقال بعضهم: هو ما ⁕ حدثني به موسى بن سهل الرملي، قال: ثنا عمرو بن هاشم، قال: سمعت الأوزاعيّ يحدّث، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي، عن عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، قال: عرض على رسول الله ﷺ ما هو مفتوح على أمته من بعده كَفْرا كَفْرا، فسرّ بذلك، فأنزل الله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فأعطاه في الجنة ألف قصر، في كلّ قصر، ما ينبغي من الأزواج والخدم. ⁕ حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثني روّاد بن الجراح، عن الأوزاعيّ، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن عليّ بن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قال: ألف قصر من لؤلؤ، ترابهنّ المسك، وفيهنّ ما يصلحهنّ. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ، وذلك يوم القيامة. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثني به عباد بن يعقوب، قال: ثنا الحكم بن ظهير، عن السديّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قال: من رضا محمد ﷺ ألا يدخل أحد من أهل بيته النار. * * وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ يقول تعالى ذكره معدّدا على نبيه محمد ﷺ نعمه عنده، ومذكِّره آلاءه قِبَله: ألم يجدك يا محمد ربك يتيمًا فآوى، يقول: فجعل لك مأوى تأوي إليه، ومنزلا تنزله ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم. وقال السديّ في ذلك ما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن السديّ ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا﴾ قال: كان على أمر قومه أربعين عاما. وقيل: عُنِيَ بذلك: ووجدك في قوم ضلال فهداك. * * وقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ يقول: ووجدك فقيرا فأغناك، يقال منه: عال فلان يَعيل عَيْلَة، وذلك إذا افتقر؛ ومنه قول الشاعر: فَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غناهُ ... وَما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ [[ديوانه: ٥٠٧، يمدح هشام بن عبد الملك. والموارد جمع موردة: وهي الطرق إلى الماء. يريد الطرق التي يسلكها الناس إلى أغراضهم وحاجاتهم، كما يسلكون الموارد إلى الماء.]] يعني: متى يفتقر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا﴾ فقيرا. وذُكر أنها في مصحف عبد الله ﴿وَوَجَدَكَ عَدِيما فآوَى﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ قال: كانت هذه منازل رسول الله ﷺ، قبل أن يبعثه الله سبحانه وتعالى.

Al-Mukhtasar (français)

Allah t’accordera une rétribution généreuse, à toi et à ta communauté, jusqu’à ce que tu sois satisfait de ces dons.

6

أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًۭا فَـَٔاوَىٰ

Ne t'a-t-Il pas trouvé orphelin? Alors Il t'a accueilli!

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُّحَى وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. رَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَزةَ الْمُقْرِئِ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عِكْرِمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ وَشِبْلِ بْنِ عبَّاد، فَلَمَّا بَلَغْتُ " وَالضُّحَى " قَالَا لِي: كَبر حَتَّى تَخْتِمَ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنَّا قَرَأْنَا عَلَى ابْنِ كَثِيرٍ فَأَمَرَنَا بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ [[ورواه الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال (١/١٤٥) ثم قال: "هذا حديث غريب، وهو مما أنكر على البزي، قال أبو حاتم: هذا منكر".]] . فَهَذِهِ سُنة تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزِّيُّ، مِنْ وَلَدِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْقِرَاءَاتِ، فَأَمَّا فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ ضَعَّفَه أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَقَالَ: لَا أُحَدِّثُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ قَالَ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. لَكِنْ حَكَى الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ فِي شَرْحِ الشَّاطِبِيَّةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُكَبِّرُ هَذَا التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: أَحْسَنْتَ وَأَصَبْتَ السُّنَّةَ. وَهَذَا يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي مَوْضِعِ هَذَا التَّكْبِيرِ وَكَيْفِيَّتِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُكَبِّرُ مِنْ آخِرِ " وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى " وَقَالَ آخَرُونَ: مِنْ آخِرِ " وَالضُّحَى " وَكَيْفِيَّةُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَقْتَصِرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ فِي مُنَاسَبَةِ التَّكْبِيرِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ "الضُّحَى": أَنَّهُ لَمَّا تَأَخَّرَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفَتَرَ تِلْكَ الْمُدَّةَ [ثُمَّ] [[زيادة من م.]] جَاءَهُ الْمَلَكُ فَأَوْحَى إِلَيْهِ: " وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى " السُّورَةَ بِتَمَامِهَا، كَبَّرَ فَرَحًا وَسُرُورًا. وَلَمْ يُرْوَ ذَلِكَ بِإِسْنَادٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِصِحَّةٍ وَلَا ضَعْفٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[والصواب أن هذا مما لم يصح فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته، رضي الله عنهم، وما روى فيها مما لا تقوم به الحجة، وشيخ الإسلام -ابن تيمية- قد تكلم على هذا التكبير كلاما شديدا في الفتاوى (١٣/٤١٧-٤١٩) ، وانظر: الآداب الشرعية لابن مفلح (٢/٣١٠) ومرويات دعاء ختم القرآن لبكر أبو زيد (ص٦) ومن كتابه استفدت هذا، فجزاه الله خيرا.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ، فَأَتَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[المسند (٤/٣١٢) .]] . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُب -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجلي ثُمَّ العَلقي [[في أ: "العلقمي".]] بِهِ [[صحيح البخاري برقم (١١٢٤، ١١٢٥، ٤٩٨٣، ٤٩٥٠،٤٩٥١) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٧) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٨١) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٥٠) .]] وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ: سَمِعَ جُنْدُبًا قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وُدِّع مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[هذه الرواية في مسلم والترمذي.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [[في أ: "وعمرو بن عبد الله بن عبد الله الأودي".]] الْأَوْدِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جُنْدُبًا يَقُولُ: رُمِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَجَرٍ فِي أُصْبُعُهُ فَقَالَ: هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ؟ ... قَالَ: فَمَكَثَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لَا يَقُومُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَتْكَ [[في م: "قد تركك".]] فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَالسِّيَاقُ لِأَبِي سَعِيدٍ. قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ هِيَ: أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ، وَذُكِرَ أَنَّ أُصْبَعَهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، دَمِيَتْ. وَقَوْلُهُ -هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي اتَّفَقَ أَنَّهُ مَوْزُونٌ-ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٢٨٠٢) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٦) .]] وَلَكِنَّ الْغَرِيبَ هَاهُنَا جَعْلُهُ سَبَبًا لِتَرْكِهِ الْقِيَامِ، وَنُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الله ابن شَدَّادٍ: أَنَّ خَدِيجَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا قَدْ قَلَاكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَجَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: إِنِّي أَرَى رَبَّكَ قَدْ قَلَاكَ مِمَّا نَرى مِنْ جَزَعِكَ. قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ إلى آخرها [[تفسير الطبري (٣٠/١٤٨) .]] . فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ مِنْ [هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ] [[زيادة من م، أ.]] وَلَعَلَّ ذِكْرَ خَدِيجَةَ لَيْسَ مَحْفُوظًا، أَوْ قَالَتْهُ عَلَى وَجْهِ التَّأَسُّفِ وَالتَّحَزُّنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ -مِنْهُمُ ابْنُ إِسْحَاقَ-أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هِيَ الَّتِي أَوْحَاهَا جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حِينَ تَبَدَّى لَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَدَنَا إِلَيْهِ وَتَدَلَّى مُنْهَبِطًا عَلَيْهِ وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النَّجْمِ: ١٠] . قَالَ: قَالَ لَهُ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا نزلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنُ، أَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ أَيَّامًا، فَتَغَيَّرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَهَذَا قَسَمٌ مِنْهُ تَعَالَى بِالضُّحَى وَمَا جَعَلَ فِيهِ مِنَ الضِّيَاءِ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ أَيْ: سَكَنَ فَأَظْلَمَ وادلَهَم. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَذَلِكَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ هَذَا وَهَذَا. كَمَا قَالَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [اللَّيْلِ: ١، ٢] ، وَقَالَ: ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ أَيْ: مَا تَرَكَكَ، ﴿وَمَا قَلَى﴾ أَيْ: وَمَا أَبْغَضَكَ، ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى﴾ أَيْ: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ. وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَأَعْظَمَهُمْ لَهَا إِطْرَاحًا، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ [بِالضَّرُورَةِ] [[زيادة من م.]] مِنْ سِيرَتِهِ. وَلَمَّا خُيِّرَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي آخِرِ عُمْرِهِ بَيْنَ الْخُلْدِ فِي الدُّنْيَا إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ الْجَنَّةِ، وَبَيْنَ الصَّيْرُورَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، اخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخعِي، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ، فَأَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ جَعَلْتُ أَمْسَحُ جَنْبَهُ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا آذَنْتَنَا حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الْحَصِيرِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ما لِي وَلِلدُّنْيَا؟! مَا أَنَا وَالدُّنْيَا؟! إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ ظَلّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ راح وتركتها [[في أ: "وتركها".]] . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ الْمَسْعُودِيِّ بِهِ [[المسند (١/٣٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٣٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤١٠٩) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ يُعْطِيهِ حَتَّى يُرْضِيَهُ فِي أُمَّتِهِ، وَفِيمَا أعدَّه لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ نَهْرُ الْكَوْثَرِ الَّذِي حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمُجَوَّفِ، وَطِينُهُ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] مِسْكٍ أَذْفَرَ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عمر الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي المهاجر المخزومي، عن عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مَا هُوَ مَفْتُوحٌ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَنْزًا كَنْزًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فَأَعْطَاهُ فِي الْجَنَّةِ أَلْفَ أَلْفَ قَصْرٍ، فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "رواه ابن جرير وابن أبي حاتم".]] مِنْ طَرِيقِهِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: ومثلُ هَذَا مَا يُقَالُ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ رِضَاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَلَّا يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ النَّارَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي بِذَلِكَ الشَّفَاعَةَ. وَهَكَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا معاويةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أنا أهلُ بَيْتٍ اخْتَارَ اللَّهُ لَنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [[ورواه البغوي في شرح السنة (١٤/٢٤٨) من طريق ابن أبي شيبة فذكره دون الآية، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٥/٢٣٦) بهذا الطريق ولم يذكر الآية، ولعل ذكرها وقع في كتاب التفسير، ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٠٨٢) عن عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ هشام به، وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٦٢) : "هذا إسناد فيه يزيد بن أبي زياد الكوفي مختلف فيه".]] . ثُمَّ قَالَ تعالى يعدد نعَمه عل عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ تُوفّي وَهُوَ حَملٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَقِيلَ: بَعْدَ أَنْ وُلِدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ سِتُّ سِنِينَ. ثُمَّ كَانَ فِي كَفَالَةِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَمَانِ سِنِينَ، فَكَفَلَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَحُوطُهُ وَيَنْصُرُهُ ويَرفع مِنْ قَدره وَيُوقّره، وَيَكُفُّ عَنْهُ أَذَى قَوْمِهِ بَعْدَ أَنِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ عُمْرِهِ، هَذَا وَأَبُو طَالِبٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَدَرِ اللَّهِ وحُسن تَدْبِيرِهِ، إِلَى أَنْ تُوفي أَبُو طَالِبٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِقَلِيلٍ، فَأَقْدَمَ عَلَيْهِ سُفَهَاءُ قُرَيْشٍ وجُهالهم، فَاخْتَارَ اللَّهُ لَهُ الْهِجْرَةَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ إِلَى بَلَدِ الْأَنْصَارِ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، كَمَا أَجْرَى اللَّهُ سُنَّته عَلَى الْوَجْهِ الْأَتَمِّ وَالْأَكْمَلِ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ آوَوه ونَصَرُوه وَحَاطُوهُ وَقَاتَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَكُلُّ هَذَا مِنْ حِفْظِ اللَّهِ لَهُ وَكِلَاءَتِهِ وَعِنَايَتِهِ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشُّورَى: ٥٢] وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ [إِنَّ] [[زيادة من م.]] الْمُرَادَ بِهَذَا أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ضَلَّ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَهُوَ صَغِيرٌ، ثُمَّ رَجَعَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ ضَلَّ وَهُوَ مَعَ عَمِّهِ فِي طَرِيقِ الشَّامِ، وَكَانَ رَاكِبًا نَاقَةً فِي اللَّيْلِ، فَجَاءَ إِبْلِيسُ يَعْدِلُ بِهَا عَنِ الطَّرِيقِ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إِبْلِيسَ نَفْخَةً ذَهَبَ مِنْهَا إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ عَدَلَ بالراحلة إلى الطريق. حكاهما البغوي. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ أَيْ: كُنْتَ فَقِيرًا ذَا عِيَالٍ، فَأَغْنَاكَ اللَّهُ عَمَّنْ سِوَاهُ، فَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ مَقَامَيِ، الْفَقِيرِ الصَّابِرِ وَالْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ مَنَازِلَ الرَّسُولِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ -مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ-عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: هَذَا مَا حَدّثنا أَبُو هُرَيرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَض، وَلَكِنَّ [[في م: "وإنما".]] الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ" [[لم أقع عليه في الصحيحين من هذا الطريق، وقد جاء فيهما من طرق أخر عن أبي هريرة، انظر: صحيح البخاري برقم (٦٤٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٠٥١) .]] . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، ورُزق كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ [[في أ: "ومتعه".]] اللَّهُ بِمَا آتَاهُ" [[صحيح مسلم برقم (١٠٥٤) .]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ أَيْ: كَمَا كُنْتَ يَتِيمًا فَآوَاكَ اللَّهُ فَلَا تَقْهَرِ الْيَتِيمَ، أَيْ: لَا تُذِلَّهُ وَتَنْهَرْهُ وَتُهِنْهُ، وَلَكِنْ أحسِنْ إِلَيْهِ، وَتَلَطَّفْ بِهِ. قَالَ قَتَادَةُ: كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ. ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ ضَالًّا فَهَدَاكَ اللَّهُ، فَلَا تَنْهَرِ السَّائِلَ فِي الْعِلْمِ الْمُسْتَرْشِدَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أَيْ: فَلَا تَكُنْ جَبَّارًا، وَلَا مُتَكَبِّرًا، وَلَا فَحَّاشا، وَلَا فَظّا عَلَى الضُّعَفَاءِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي رَد الْمِسْكِينَ بِرَحْمَةٍ وَلِينٍ. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ عَائِلًا فَقِيرًا فَأَغْنَاكَ اللَّهُ، فَحَدِّثْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ، كَمَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ النَّبَوِيِّ: "وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ [[في أ: "لنعمك".]] مُثْنِينَ بِهَا، قَابِلِيهَا، وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا". وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَية، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ الجُرَيري، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أَنَّ مِنْ شُكْرِ النِّعَمِ أَنْ يُحَدَّثَ بِهَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا الْجَرَّاحُ بْنُ مَليح، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ: "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ. وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شَكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ. والجماعة رحمة، والفرقة عذاب" [[زوائد المسند (٤/٢٧٨) .]] إسناد ضعيف. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الْأَنْصَارُ بِالْأَجْرِ كُلِّهِ. قَالَ: "لَا مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ، وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ" [[لم أقع عليه في الصحيحين، ورواه الإمام أحمد في المسند (٣/٢٠٠) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١١) وسنن الترمذي برقم (١٩٥٤) .]] وَقَالَ: صَحِيحٌ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أُبْلِي بَلَاءً فَذَكَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَإِنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١٤) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا بِشْرٌ [[في أ: "بشير".]] حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزْية، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أعطَى عَطاء فَوَجَد فَليَجزْ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَليُثن بِهِ، فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُمارة بْنِ غَزية، عَنْ شُرَحْبِيلَ عَنْ جَابِرٍ -كَرِهُوهُ فَلَمْ يُسَمُّوهُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١٣) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي النُّبُوَّةَ الَّتِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْقُرْآنُ. وَقَالَ لَيْثٌ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قَالَ: مَا عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ فَحَدث إِخْوَانَكَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: مَا جَاءَكَ اللَّهُ [[في م: "ما جاءك من الله".]] مِنْ نِعْمَةٍ وَكَرَامَةٍ مِنَ النُّبُوَّةِ فَحَدِّثْ بِهَا وَاذْكُرْهَا، وَادْعُ إِلَيْهَا. وَقَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النُّبُوَّةِ سِرًّا إِلَى مَنْ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَافْتُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى. آخِرُ تفسير سورة "الضحى" [ولله الحمد] [[زيادة من أ.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله جل جلاله وتقدست أسماؤه ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى (٨) ﴾ . أقسم ربنا جلّ ثناؤه بالضحى، وهو النهار كله، وأحسب أنه من قولهم: ضَحِيَ فلان للشمس: إذا ظهر منه؛ ومنه قوله: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ : أي لا يصيبك فيها الشمس. وقد ذكرت اختلاف أهل العلم في معناه في قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ مع ذكري اختيارنا فيه. وقيل: عُنِي به وقت الضحى. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالضُّحَى﴾ ساعة من ساعات النهار. * * وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: والليل إذا أقبل بظلامه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يقول: والليل إذا أقبل. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قول الله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا لَبِسَ الناس، إذَا جاء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا ذهب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يقول: إذا ذهب. وقال آخرون: معناه: إذا استوى وسكن. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مِهْران؛ وحدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، جميعا عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا استوى. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا استوى ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ سكن بالخلق. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يعني: استقراره وسكونه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا سكن، قال: ذلك سجوه، كما يكون سكون البحر سجوه. وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي في ذلك قول من قال معناه: والليل إذا سكن بأهله، وثبت بظلامه، كما يقال: بحر ساج: إذا كان ساكنا؛ ومنه قول أعشى بني ثعلبة: فَمَا ذَنْبُنا إنْ جاشَ بَحْرُ ابنِ عَمِّكم ... وَبحْرُكَ ساجٍ ما يُوَارِي الدَّعامِصَا [[يأتي في تفسير آية سورة آل عمران: ١٢١، وآية سورة القصص: ٨٨. وسيبويه ١: ١٧، والخزانة ١: ٤٨٦، وهو من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها. قال الشنتمري: "أراد من ذنب، فحذف الجار وأوصل الفعل فنصب" والذنب هنا اسم جنس بمعنى الجمع. فلذلك قال: "لست محصيه". والوجه: القصد والمراد، وهو بمعنى التوجه".]] وقول الراجز: يا حَبَّذَا القَمْرَاءُ وَاللَّيْلُ السَّاجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسَّاجْ [[البيت ليس في ديوانه. ومن القصيدة أبيات فيه: ٢٣، (مطبوعة محمد جمال) ، والمجتنى لابن دريد: ٢٣، يصف فرسًا. والعير: حمار الوحش. والحضر: العدو الشديد، وحمار الوحش شديد العدو. والونى: التعب والفترة في العدو أو العمل. والأشعب: الظبي تفرق قرناه فانشعبا وتباينا بينونة شديدة. ونبح الكلب والظبي والتيس ينبح نباحًا، فهو نباح، إذا كثر صياحه، من المرح والنشاط. والظبي إذا أسن ونبتت لقرونه شعب، نبح (الحيوان ١: ٣٤٩) . يصف فرسه بشدة العدو، يلحق العير المدل بحضره، والظبي المستحكم السريع، فيصيدها قبل أن يناله تعب.]] * * وقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وهذا جواب القسم، ومعناه: ما تركك يا محمد ربك وما أبغضك. وقيل: ﴿وَمَا قَلَى﴾ ومعناه. وما قلاك، اكتفاء بفهم السامع لمعناه، إذ كان قد تقدّم ذلك قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ فعرف بذلك أن المخاطب به نبيّ الله ﷺ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ يقول: ما تركك ربك، وما أبغضك. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: ما قلاك ربك وما أبغضك؛ قال: والقالي: المبغِض. وذُكر أن هذه السورة نزلت على رسول الله ﷺ تكذيبا من الله قريشا في قيلهم لرسول الله، لما أبطأ عليه الوحي: قد ودّع محمدًا ربه وقلاه. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثني عليّ بن عبد الله الدهان، قال: ثنا مفضل بن صالح، عن الأسود بن قيس العبديّ، عن ابن عبد الله، قال: لما أبطأ جبريل على رسول الله ﷺ، فقالت امرأة من أهله، أو من قومه: ودّع الشيطان محمدا، فأنزل الله عليه: ﴿وَالضُّحَى﴾ ... إلى قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . قال أبو جعفر: ابن عبد الله: هو جندب بن عبد الله البجلي. ⁕ حدثني محمد بن عيسى الدامغاني، ومحمد بن هارون القطان، قالا ثنا سفيان، عن الأسود بن قيس سمع جندبا البجليّ يقول: أبطأ جبريل على النبيّ ﷺ حتى قال المشركون: ودّع محمدا ربه، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الأسود بن قيس، أنه سمع جندبا البجلي قال: قالت امرأة لرسول الله ﷺ: ما أرى صاحبك إلا قد أبطأ عنك، فنزلت هذه الآية: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، قال سمعت جندب بن عبد الله يقول: إن امرأة أتت النبيّ ﷺ فقالت: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا سليمان الشيباني، عن عبد الله بن شدّاد أن خديجة قالت للنبيّ ﷺ ما أرى ربك إلا قد قلاك، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: إن جبريل عليه السلام أبطأ عليه بالوحي، فقال ناس من الناس، وهم يومئذ بمكة، ما نرى صاحبك إلا قد قلاك فودّعك، فأنزل الله ما تسمع: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: أبطأ عليه جبريل، فقال المشركون: قد قلاه ربه وودّعه، فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ مكث جبريل عن محمد ﷺ، فقال المشركون: قد ودّعه ربه وقلاه، فأنزل الله هذه الآية. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: لما نزل عليه القرآن، أبطأ عنه جبريل أياما، فعُيّر بذلك، فقال المشركون: ودّعه ربه وقلاه، فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال أبطأ جبريل على النبيّ ﷺ، فجزع جزعا شديدا، وقالت خديجة: أرى ربك قد قلاك، مما نرى من جزعك، قال: فنزلت ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ... إلى آخرها. * * وقوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى﴾ يقول تعالى ذكره: وللدار الآخرة، وما أعد الله لك فيها، خير لك من الدار الدنيا وما فيها. يقول: فلا تحزن على ما فاتك منها، فإن الذي لك عند الله خير لك منها. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ يقول تعالى ذكره: ولسوف يعطيك يا محمد ربك في الآخرة من فواضل نعمه، حتى ترضى. وقد اختلف أهل العلم في الذي وعده من العطاء، فقال بعضهم: هو ما ⁕ حدثني به موسى بن سهل الرملي، قال: ثنا عمرو بن هاشم، قال: سمعت الأوزاعيّ يحدّث، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي، عن عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، قال: عرض على رسول الله ﷺ ما هو مفتوح على أمته من بعده كَفْرا كَفْرا، فسرّ بذلك، فأنزل الله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فأعطاه في الجنة ألف قصر، في كلّ قصر، ما ينبغي من الأزواج والخدم. ⁕ حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثني روّاد بن الجراح، عن الأوزاعيّ، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن عليّ بن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قال: ألف قصر من لؤلؤ، ترابهنّ المسك، وفيهنّ ما يصلحهنّ. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ، وذلك يوم القيامة. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثني به عباد بن يعقوب، قال: ثنا الحكم بن ظهير، عن السديّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قال: من رضا محمد ﷺ ألا يدخل أحد من أهل بيته النار. * * وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ يقول تعالى ذكره معدّدا على نبيه محمد ﷺ نعمه عنده، ومذكِّره آلاءه قِبَله: ألم يجدك يا محمد ربك يتيمًا فآوى، يقول: فجعل لك مأوى تأوي إليه، ومنزلا تنزله ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم. وقال السديّ في ذلك ما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن السديّ ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا﴾ قال: كان على أمر قومه أربعين عاما. وقيل: عُنِيَ بذلك: ووجدك في قوم ضلال فهداك. * * وقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ يقول: ووجدك فقيرا فأغناك، يقال منه: عال فلان يَعيل عَيْلَة، وذلك إذا افتقر؛ ومنه قول الشاعر: فَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غناهُ ... وَما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ [[ديوانه: ٥٠٧، يمدح هشام بن عبد الملك. والموارد جمع موردة: وهي الطرق إلى الماء. يريد الطرق التي يسلكها الناس إلى أغراضهم وحاجاتهم، كما يسلكون الموارد إلى الماء.]] يعني: متى يفتقر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا﴾ فقيرا. وذُكر أنها في مصحف عبد الله ﴿وَوَجَدَكَ عَدِيما فآوَى﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ قال: كانت هذه منازل رسول الله ﷺ، قبل أن يبعثه الله سبحانه وتعالى.

Al-Mukhtasar (français)

Il t’a trouvé jeune enfant ayant perdu son père et t’a donné une demeure, puisque ton grand-père ‘AbdulMuṭṭalib, puis ton oncle t’ont recueillis, pris de compassion pour toi.

7

وَوَجَدَكَ ضَآلًّۭا فَهَدَىٰ

Ne t'a-t-Il pas trouvé égaré? Alors Il t'a guidé.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُّحَى وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. رَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَزةَ الْمُقْرِئِ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عِكْرِمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ وَشِبْلِ بْنِ عبَّاد، فَلَمَّا بَلَغْتُ " وَالضُّحَى " قَالَا لِي: كَبر حَتَّى تَخْتِمَ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنَّا قَرَأْنَا عَلَى ابْنِ كَثِيرٍ فَأَمَرَنَا بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ [[ورواه الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال (١/١٤٥) ثم قال: "هذا حديث غريب، وهو مما أنكر على البزي، قال أبو حاتم: هذا منكر".]] . فَهَذِهِ سُنة تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزِّيُّ، مِنْ وَلَدِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْقِرَاءَاتِ، فَأَمَّا فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ ضَعَّفَه أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَقَالَ: لَا أُحَدِّثُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ قَالَ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. لَكِنْ حَكَى الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ فِي شَرْحِ الشَّاطِبِيَّةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُكَبِّرُ هَذَا التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: أَحْسَنْتَ وَأَصَبْتَ السُّنَّةَ. وَهَذَا يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي مَوْضِعِ هَذَا التَّكْبِيرِ وَكَيْفِيَّتِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُكَبِّرُ مِنْ آخِرِ " وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى " وَقَالَ آخَرُونَ: مِنْ آخِرِ " وَالضُّحَى " وَكَيْفِيَّةُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَقْتَصِرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ فِي مُنَاسَبَةِ التَّكْبِيرِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ "الضُّحَى": أَنَّهُ لَمَّا تَأَخَّرَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفَتَرَ تِلْكَ الْمُدَّةَ [ثُمَّ] [[زيادة من م.]] جَاءَهُ الْمَلَكُ فَأَوْحَى إِلَيْهِ: " وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى " السُّورَةَ بِتَمَامِهَا، كَبَّرَ فَرَحًا وَسُرُورًا. وَلَمْ يُرْوَ ذَلِكَ بِإِسْنَادٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِصِحَّةٍ وَلَا ضَعْفٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[والصواب أن هذا مما لم يصح فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته، رضي الله عنهم، وما روى فيها مما لا تقوم به الحجة، وشيخ الإسلام -ابن تيمية- قد تكلم على هذا التكبير كلاما شديدا في الفتاوى (١٣/٤١٧-٤١٩) ، وانظر: الآداب الشرعية لابن مفلح (٢/٣١٠) ومرويات دعاء ختم القرآن لبكر أبو زيد (ص٦) ومن كتابه استفدت هذا، فجزاه الله خيرا.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ، فَأَتَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[المسند (٤/٣١٢) .]] . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُب -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجلي ثُمَّ العَلقي [[في أ: "العلقمي".]] بِهِ [[صحيح البخاري برقم (١١٢٤، ١١٢٥، ٤٩٨٣، ٤٩٥٠،٤٩٥١) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٧) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٨١) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٥٠) .]] وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ: سَمِعَ جُنْدُبًا قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وُدِّع مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[هذه الرواية في مسلم والترمذي.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [[في أ: "وعمرو بن عبد الله بن عبد الله الأودي".]] الْأَوْدِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جُنْدُبًا يَقُولُ: رُمِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَجَرٍ فِي أُصْبُعُهُ فَقَالَ: هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ؟ ... قَالَ: فَمَكَثَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لَا يَقُومُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَتْكَ [[في م: "قد تركك".]] فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَالسِّيَاقُ لِأَبِي سَعِيدٍ. قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ هِيَ: أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ، وَذُكِرَ أَنَّ أُصْبَعَهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، دَمِيَتْ. وَقَوْلُهُ -هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي اتَّفَقَ أَنَّهُ مَوْزُونٌ-ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٢٨٠٢) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٦) .]] وَلَكِنَّ الْغَرِيبَ هَاهُنَا جَعْلُهُ سَبَبًا لِتَرْكِهِ الْقِيَامِ، وَنُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الله ابن شَدَّادٍ: أَنَّ خَدِيجَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا قَدْ قَلَاكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَجَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: إِنِّي أَرَى رَبَّكَ قَدْ قَلَاكَ مِمَّا نَرى مِنْ جَزَعِكَ. قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ إلى آخرها [[تفسير الطبري (٣٠/١٤٨) .]] . فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ مِنْ [هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ] [[زيادة من م، أ.]] وَلَعَلَّ ذِكْرَ خَدِيجَةَ لَيْسَ مَحْفُوظًا، أَوْ قَالَتْهُ عَلَى وَجْهِ التَّأَسُّفِ وَالتَّحَزُّنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ -مِنْهُمُ ابْنُ إِسْحَاقَ-أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هِيَ الَّتِي أَوْحَاهَا جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حِينَ تَبَدَّى لَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَدَنَا إِلَيْهِ وَتَدَلَّى مُنْهَبِطًا عَلَيْهِ وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النَّجْمِ: ١٠] . قَالَ: قَالَ لَهُ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا نزلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنُ، أَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ أَيَّامًا، فَتَغَيَّرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَهَذَا قَسَمٌ مِنْهُ تَعَالَى بِالضُّحَى وَمَا جَعَلَ فِيهِ مِنَ الضِّيَاءِ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ أَيْ: سَكَنَ فَأَظْلَمَ وادلَهَم. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَذَلِكَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ هَذَا وَهَذَا. كَمَا قَالَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [اللَّيْلِ: ١، ٢] ، وَقَالَ: ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ أَيْ: مَا تَرَكَكَ، ﴿وَمَا قَلَى﴾ أَيْ: وَمَا أَبْغَضَكَ، ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى﴾ أَيْ: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ. وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَأَعْظَمَهُمْ لَهَا إِطْرَاحًا، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ [بِالضَّرُورَةِ] [[زيادة من م.]] مِنْ سِيرَتِهِ. وَلَمَّا خُيِّرَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي آخِرِ عُمْرِهِ بَيْنَ الْخُلْدِ فِي الدُّنْيَا إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ الْجَنَّةِ، وَبَيْنَ الصَّيْرُورَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، اخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخعِي، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ، فَأَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ جَعَلْتُ أَمْسَحُ جَنْبَهُ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا آذَنْتَنَا حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الْحَصِيرِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ما لِي وَلِلدُّنْيَا؟! مَا أَنَا وَالدُّنْيَا؟! إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ ظَلّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ راح وتركتها [[في أ: "وتركها".]] . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ الْمَسْعُودِيِّ بِهِ [[المسند (١/٣٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٣٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤١٠٩) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ يُعْطِيهِ حَتَّى يُرْضِيَهُ فِي أُمَّتِهِ، وَفِيمَا أعدَّه لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ نَهْرُ الْكَوْثَرِ الَّذِي حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمُجَوَّفِ، وَطِينُهُ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] مِسْكٍ أَذْفَرَ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عمر الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي المهاجر المخزومي، عن عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مَا هُوَ مَفْتُوحٌ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَنْزًا كَنْزًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فَأَعْطَاهُ فِي الْجَنَّةِ أَلْفَ أَلْفَ قَصْرٍ، فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "رواه ابن جرير وابن أبي حاتم".]] مِنْ طَرِيقِهِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: ومثلُ هَذَا مَا يُقَالُ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ رِضَاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَلَّا يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ النَّارَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي بِذَلِكَ الشَّفَاعَةَ. وَهَكَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا معاويةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أنا أهلُ بَيْتٍ اخْتَارَ اللَّهُ لَنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [[ورواه البغوي في شرح السنة (١٤/٢٤٨) من طريق ابن أبي شيبة فذكره دون الآية، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٥/٢٣٦) بهذا الطريق ولم يذكر الآية، ولعل ذكرها وقع في كتاب التفسير، ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٠٨٢) عن عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ هشام به، وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٦٢) : "هذا إسناد فيه يزيد بن أبي زياد الكوفي مختلف فيه".]] . ثُمَّ قَالَ تعالى يعدد نعَمه عل عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ تُوفّي وَهُوَ حَملٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَقِيلَ: بَعْدَ أَنْ وُلِدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ سِتُّ سِنِينَ. ثُمَّ كَانَ فِي كَفَالَةِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَمَانِ سِنِينَ، فَكَفَلَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَحُوطُهُ وَيَنْصُرُهُ ويَرفع مِنْ قَدره وَيُوقّره، وَيَكُفُّ عَنْهُ أَذَى قَوْمِهِ بَعْدَ أَنِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ عُمْرِهِ، هَذَا وَأَبُو طَالِبٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَدَرِ اللَّهِ وحُسن تَدْبِيرِهِ، إِلَى أَنْ تُوفي أَبُو طَالِبٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِقَلِيلٍ، فَأَقْدَمَ عَلَيْهِ سُفَهَاءُ قُرَيْشٍ وجُهالهم، فَاخْتَارَ اللَّهُ لَهُ الْهِجْرَةَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ إِلَى بَلَدِ الْأَنْصَارِ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، كَمَا أَجْرَى اللَّهُ سُنَّته عَلَى الْوَجْهِ الْأَتَمِّ وَالْأَكْمَلِ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ آوَوه ونَصَرُوه وَحَاطُوهُ وَقَاتَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَكُلُّ هَذَا مِنْ حِفْظِ اللَّهِ لَهُ وَكِلَاءَتِهِ وَعِنَايَتِهِ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشُّورَى: ٥٢] وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ [إِنَّ] [[زيادة من م.]] الْمُرَادَ بِهَذَا أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ضَلَّ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَهُوَ صَغِيرٌ، ثُمَّ رَجَعَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ ضَلَّ وَهُوَ مَعَ عَمِّهِ فِي طَرِيقِ الشَّامِ، وَكَانَ رَاكِبًا نَاقَةً فِي اللَّيْلِ، فَجَاءَ إِبْلِيسُ يَعْدِلُ بِهَا عَنِ الطَّرِيقِ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إِبْلِيسَ نَفْخَةً ذَهَبَ مِنْهَا إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ عَدَلَ بالراحلة إلى الطريق. حكاهما البغوي. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ أَيْ: كُنْتَ فَقِيرًا ذَا عِيَالٍ، فَأَغْنَاكَ اللَّهُ عَمَّنْ سِوَاهُ، فَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ مَقَامَيِ، الْفَقِيرِ الصَّابِرِ وَالْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ مَنَازِلَ الرَّسُولِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ -مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ-عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: هَذَا مَا حَدّثنا أَبُو هُرَيرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَض، وَلَكِنَّ [[في م: "وإنما".]] الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ" [[لم أقع عليه في الصحيحين من هذا الطريق، وقد جاء فيهما من طرق أخر عن أبي هريرة، انظر: صحيح البخاري برقم (٦٤٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٠٥١) .]] . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، ورُزق كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ [[في أ: "ومتعه".]] اللَّهُ بِمَا آتَاهُ" [[صحيح مسلم برقم (١٠٥٤) .]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ أَيْ: كَمَا كُنْتَ يَتِيمًا فَآوَاكَ اللَّهُ فَلَا تَقْهَرِ الْيَتِيمَ، أَيْ: لَا تُذِلَّهُ وَتَنْهَرْهُ وَتُهِنْهُ، وَلَكِنْ أحسِنْ إِلَيْهِ، وَتَلَطَّفْ بِهِ. قَالَ قَتَادَةُ: كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ. ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ ضَالًّا فَهَدَاكَ اللَّهُ، فَلَا تَنْهَرِ السَّائِلَ فِي الْعِلْمِ الْمُسْتَرْشِدَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أَيْ: فَلَا تَكُنْ جَبَّارًا، وَلَا مُتَكَبِّرًا، وَلَا فَحَّاشا، وَلَا فَظّا عَلَى الضُّعَفَاءِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي رَد الْمِسْكِينَ بِرَحْمَةٍ وَلِينٍ. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ عَائِلًا فَقِيرًا فَأَغْنَاكَ اللَّهُ، فَحَدِّثْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ، كَمَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ النَّبَوِيِّ: "وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ [[في أ: "لنعمك".]] مُثْنِينَ بِهَا، قَابِلِيهَا، وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا". وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَية، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ الجُرَيري، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أَنَّ مِنْ شُكْرِ النِّعَمِ أَنْ يُحَدَّثَ بِهَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا الْجَرَّاحُ بْنُ مَليح، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ: "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ. وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شَكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ. والجماعة رحمة، والفرقة عذاب" [[زوائد المسند (٤/٢٧٨) .]] إسناد ضعيف. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الْأَنْصَارُ بِالْأَجْرِ كُلِّهِ. قَالَ: "لَا مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ، وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ" [[لم أقع عليه في الصحيحين، ورواه الإمام أحمد في المسند (٣/٢٠٠) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١١) وسنن الترمذي برقم (١٩٥٤) .]] وَقَالَ: صَحِيحٌ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أُبْلِي بَلَاءً فَذَكَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَإِنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١٤) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا بِشْرٌ [[في أ: "بشير".]] حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزْية، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أعطَى عَطاء فَوَجَد فَليَجزْ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَليُثن بِهِ، فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُمارة بْنِ غَزية، عَنْ شُرَحْبِيلَ عَنْ جَابِرٍ -كَرِهُوهُ فَلَمْ يُسَمُّوهُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١٣) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي النُّبُوَّةَ الَّتِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْقُرْآنُ. وَقَالَ لَيْثٌ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قَالَ: مَا عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ فَحَدث إِخْوَانَكَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: مَا جَاءَكَ اللَّهُ [[في م: "ما جاءك من الله".]] مِنْ نِعْمَةٍ وَكَرَامَةٍ مِنَ النُّبُوَّةِ فَحَدِّثْ بِهَا وَاذْكُرْهَا، وَادْعُ إِلَيْهَا. وَقَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النُّبُوَّةِ سِرًّا إِلَى مَنْ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَافْتُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى. آخِرُ تفسير سورة "الضحى" [ولله الحمد] [[زيادة من أ.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله جل جلاله وتقدست أسماؤه ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى (٨) ﴾ . أقسم ربنا جلّ ثناؤه بالضحى، وهو النهار كله، وأحسب أنه من قولهم: ضَحِيَ فلان للشمس: إذا ظهر منه؛ ومنه قوله: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ : أي لا يصيبك فيها الشمس. وقد ذكرت اختلاف أهل العلم في معناه في قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ مع ذكري اختيارنا فيه. وقيل: عُنِي به وقت الضحى. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالضُّحَى﴾ ساعة من ساعات النهار. * * وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: والليل إذا أقبل بظلامه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يقول: والليل إذا أقبل. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قول الله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا لَبِسَ الناس، إذَا جاء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا ذهب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يقول: إذا ذهب. وقال آخرون: معناه: إذا استوى وسكن. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مِهْران؛ وحدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، جميعا عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا استوى. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا استوى ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ سكن بالخلق. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يعني: استقراره وسكونه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا سكن، قال: ذلك سجوه، كما يكون سكون البحر سجوه. وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي في ذلك قول من قال معناه: والليل إذا سكن بأهله، وثبت بظلامه، كما يقال: بحر ساج: إذا كان ساكنا؛ ومنه قول أعشى بني ثعلبة: فَمَا ذَنْبُنا إنْ جاشَ بَحْرُ ابنِ عَمِّكم ... وَبحْرُكَ ساجٍ ما يُوَارِي الدَّعامِصَا [[يأتي في تفسير آية سورة آل عمران: ١٢١، وآية سورة القصص: ٨٨. وسيبويه ١: ١٧، والخزانة ١: ٤٨٦، وهو من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها. قال الشنتمري: "أراد من ذنب، فحذف الجار وأوصل الفعل فنصب" والذنب هنا اسم جنس بمعنى الجمع. فلذلك قال: "لست محصيه". والوجه: القصد والمراد، وهو بمعنى التوجه".]] وقول الراجز: يا حَبَّذَا القَمْرَاءُ وَاللَّيْلُ السَّاجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسَّاجْ [[البيت ليس في ديوانه. ومن القصيدة أبيات فيه: ٢٣، (مطبوعة محمد جمال) ، والمجتنى لابن دريد: ٢٣، يصف فرسًا. والعير: حمار الوحش. والحضر: العدو الشديد، وحمار الوحش شديد العدو. والونى: التعب والفترة في العدو أو العمل. والأشعب: الظبي تفرق قرناه فانشعبا وتباينا بينونة شديدة. ونبح الكلب والظبي والتيس ينبح نباحًا، فهو نباح، إذا كثر صياحه، من المرح والنشاط. والظبي إذا أسن ونبتت لقرونه شعب، نبح (الحيوان ١: ٣٤٩) . يصف فرسه بشدة العدو، يلحق العير المدل بحضره، والظبي المستحكم السريع، فيصيدها قبل أن يناله تعب.]] * * وقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وهذا جواب القسم، ومعناه: ما تركك يا محمد ربك وما أبغضك. وقيل: ﴿وَمَا قَلَى﴾ ومعناه. وما قلاك، اكتفاء بفهم السامع لمعناه، إذ كان قد تقدّم ذلك قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ فعرف بذلك أن المخاطب به نبيّ الله ﷺ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ يقول: ما تركك ربك، وما أبغضك. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: ما قلاك ربك وما أبغضك؛ قال: والقالي: المبغِض. وذُكر أن هذه السورة نزلت على رسول الله ﷺ تكذيبا من الله قريشا في قيلهم لرسول الله، لما أبطأ عليه الوحي: قد ودّع محمدًا ربه وقلاه. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثني عليّ بن عبد الله الدهان، قال: ثنا مفضل بن صالح، عن الأسود بن قيس العبديّ، عن ابن عبد الله، قال: لما أبطأ جبريل على رسول الله ﷺ، فقالت امرأة من أهله، أو من قومه: ودّع الشيطان محمدا، فأنزل الله عليه: ﴿وَالضُّحَى﴾ ... إلى قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . قال أبو جعفر: ابن عبد الله: هو جندب بن عبد الله البجلي. ⁕ حدثني محمد بن عيسى الدامغاني، ومحمد بن هارون القطان، قالا ثنا سفيان، عن الأسود بن قيس سمع جندبا البجليّ يقول: أبطأ جبريل على النبيّ ﷺ حتى قال المشركون: ودّع محمدا ربه، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الأسود بن قيس، أنه سمع جندبا البجلي قال: قالت امرأة لرسول الله ﷺ: ما أرى صاحبك إلا قد أبطأ عنك، فنزلت هذه الآية: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، قال سمعت جندب بن عبد الله يقول: إن امرأة أتت النبيّ ﷺ فقالت: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا سليمان الشيباني، عن عبد الله بن شدّاد أن خديجة قالت للنبيّ ﷺ ما أرى ربك إلا قد قلاك، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: إن جبريل عليه السلام أبطأ عليه بالوحي، فقال ناس من الناس، وهم يومئذ بمكة، ما نرى صاحبك إلا قد قلاك فودّعك، فأنزل الله ما تسمع: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: أبطأ عليه جبريل، فقال المشركون: قد قلاه ربه وودّعه، فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ مكث جبريل عن محمد ﷺ، فقال المشركون: قد ودّعه ربه وقلاه، فأنزل الله هذه الآية. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: لما نزل عليه القرآن، أبطأ عنه جبريل أياما، فعُيّر بذلك، فقال المشركون: ودّعه ربه وقلاه، فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال أبطأ جبريل على النبيّ ﷺ، فجزع جزعا شديدا، وقالت خديجة: أرى ربك قد قلاك، مما نرى من جزعك، قال: فنزلت ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ... إلى آخرها. * * وقوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى﴾ يقول تعالى ذكره: وللدار الآخرة، وما أعد الله لك فيها، خير لك من الدار الدنيا وما فيها. يقول: فلا تحزن على ما فاتك منها، فإن الذي لك عند الله خير لك منها. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ يقول تعالى ذكره: ولسوف يعطيك يا محمد ربك في الآخرة من فواضل نعمه، حتى ترضى. وقد اختلف أهل العلم في الذي وعده من العطاء، فقال بعضهم: هو ما ⁕ حدثني به موسى بن سهل الرملي، قال: ثنا عمرو بن هاشم، قال: سمعت الأوزاعيّ يحدّث، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي، عن عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، قال: عرض على رسول الله ﷺ ما هو مفتوح على أمته من بعده كَفْرا كَفْرا، فسرّ بذلك، فأنزل الله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فأعطاه في الجنة ألف قصر، في كلّ قصر، ما ينبغي من الأزواج والخدم. ⁕ حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثني روّاد بن الجراح، عن الأوزاعيّ، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن عليّ بن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قال: ألف قصر من لؤلؤ، ترابهنّ المسك، وفيهنّ ما يصلحهنّ. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ، وذلك يوم القيامة. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثني به عباد بن يعقوب، قال: ثنا الحكم بن ظهير، عن السديّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قال: من رضا محمد ﷺ ألا يدخل أحد من أهل بيته النار. * * وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ يقول تعالى ذكره معدّدا على نبيه محمد ﷺ نعمه عنده، ومذكِّره آلاءه قِبَله: ألم يجدك يا محمد ربك يتيمًا فآوى، يقول: فجعل لك مأوى تأوي إليه، ومنزلا تنزله ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم. وقال السديّ في ذلك ما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن السديّ ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا﴾ قال: كان على أمر قومه أربعين عاما. وقيل: عُنِيَ بذلك: ووجدك في قوم ضلال فهداك. * * وقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ يقول: ووجدك فقيرا فأغناك، يقال منه: عال فلان يَعيل عَيْلَة، وذلك إذا افتقر؛ ومنه قول الشاعر: فَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غناهُ ... وَما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ [[ديوانه: ٥٠٧، يمدح هشام بن عبد الملك. والموارد جمع موردة: وهي الطرق إلى الماء. يريد الطرق التي يسلكها الناس إلى أغراضهم وحاجاتهم، كما يسلكون الموارد إلى الماء.]] يعني: متى يفتقر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا﴾ فقيرا. وذُكر أنها في مصحف عبد الله ﴿وَوَجَدَكَ عَدِيما فآوَى﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ قال: كانت هذه منازل رسول الله ﷺ، قبل أن يبعثه الله سبحانه وتعالى.

Al-Mukhtasar (français)

Il t’a trouvé ne connaissant pas ce qu’est le Livre ni ce qu’est la foi et t’a appris à leur sujet ce que tu ne connaissais point.

8

وَوَجَدَكَ عَآئِلًۭا فَأَغْنَىٰ

Ne t'a-t-Il pas trouvé pauvre? Alors Il t'a enrichi.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُّحَى وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. رَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَزةَ الْمُقْرِئِ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عِكْرِمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ وَشِبْلِ بْنِ عبَّاد، فَلَمَّا بَلَغْتُ " وَالضُّحَى " قَالَا لِي: كَبر حَتَّى تَخْتِمَ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنَّا قَرَأْنَا عَلَى ابْنِ كَثِيرٍ فَأَمَرَنَا بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ [[ورواه الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال (١/١٤٥) ثم قال: "هذا حديث غريب، وهو مما أنكر على البزي، قال أبو حاتم: هذا منكر".]] . فَهَذِهِ سُنة تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزِّيُّ، مِنْ وَلَدِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْقِرَاءَاتِ، فَأَمَّا فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ ضَعَّفَه أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَقَالَ: لَا أُحَدِّثُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ قَالَ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. لَكِنْ حَكَى الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ فِي شَرْحِ الشَّاطِبِيَّةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُكَبِّرُ هَذَا التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: أَحْسَنْتَ وَأَصَبْتَ السُّنَّةَ. وَهَذَا يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي مَوْضِعِ هَذَا التَّكْبِيرِ وَكَيْفِيَّتِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُكَبِّرُ مِنْ آخِرِ " وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى " وَقَالَ آخَرُونَ: مِنْ آخِرِ " وَالضُّحَى " وَكَيْفِيَّةُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَقْتَصِرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ فِي مُنَاسَبَةِ التَّكْبِيرِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ "الضُّحَى": أَنَّهُ لَمَّا تَأَخَّرَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفَتَرَ تِلْكَ الْمُدَّةَ [ثُمَّ] [[زيادة من م.]] جَاءَهُ الْمَلَكُ فَأَوْحَى إِلَيْهِ: " وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى " السُّورَةَ بِتَمَامِهَا، كَبَّرَ فَرَحًا وَسُرُورًا. وَلَمْ يُرْوَ ذَلِكَ بِإِسْنَادٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِصِحَّةٍ وَلَا ضَعْفٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[والصواب أن هذا مما لم يصح فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته، رضي الله عنهم، وما روى فيها مما لا تقوم به الحجة، وشيخ الإسلام -ابن تيمية- قد تكلم على هذا التكبير كلاما شديدا في الفتاوى (١٣/٤١٧-٤١٩) ، وانظر: الآداب الشرعية لابن مفلح (٢/٣١٠) ومرويات دعاء ختم القرآن لبكر أبو زيد (ص٦) ومن كتابه استفدت هذا، فجزاه الله خيرا.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ، فَأَتَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[المسند (٤/٣١٢) .]] . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُب -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجلي ثُمَّ العَلقي [[في أ: "العلقمي".]] بِهِ [[صحيح البخاري برقم (١١٢٤، ١١٢٥، ٤٩٨٣، ٤٩٥٠،٤٩٥١) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٧) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٨١) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٥٠) .]] وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ: سَمِعَ جُنْدُبًا قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وُدِّع مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[هذه الرواية في مسلم والترمذي.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [[في أ: "وعمرو بن عبد الله بن عبد الله الأودي".]] الْأَوْدِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جُنْدُبًا يَقُولُ: رُمِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَجَرٍ فِي أُصْبُعُهُ فَقَالَ: هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ؟ ... قَالَ: فَمَكَثَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لَا يَقُومُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَتْكَ [[في م: "قد تركك".]] فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَالسِّيَاقُ لِأَبِي سَعِيدٍ. قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ هِيَ: أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ، وَذُكِرَ أَنَّ أُصْبَعَهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، دَمِيَتْ. وَقَوْلُهُ -هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي اتَّفَقَ أَنَّهُ مَوْزُونٌ-ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٢٨٠٢) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٦) .]] وَلَكِنَّ الْغَرِيبَ هَاهُنَا جَعْلُهُ سَبَبًا لِتَرْكِهِ الْقِيَامِ، وَنُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الله ابن شَدَّادٍ: أَنَّ خَدِيجَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا قَدْ قَلَاكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَجَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: إِنِّي أَرَى رَبَّكَ قَدْ قَلَاكَ مِمَّا نَرى مِنْ جَزَعِكَ. قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ إلى آخرها [[تفسير الطبري (٣٠/١٤٨) .]] . فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ مِنْ [هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ] [[زيادة من م، أ.]] وَلَعَلَّ ذِكْرَ خَدِيجَةَ لَيْسَ مَحْفُوظًا، أَوْ قَالَتْهُ عَلَى وَجْهِ التَّأَسُّفِ وَالتَّحَزُّنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ -مِنْهُمُ ابْنُ إِسْحَاقَ-أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هِيَ الَّتِي أَوْحَاهَا جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حِينَ تَبَدَّى لَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَدَنَا إِلَيْهِ وَتَدَلَّى مُنْهَبِطًا عَلَيْهِ وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النَّجْمِ: ١٠] . قَالَ: قَالَ لَهُ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا نزلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنُ، أَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ أَيَّامًا، فَتَغَيَّرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَهَذَا قَسَمٌ مِنْهُ تَعَالَى بِالضُّحَى وَمَا جَعَلَ فِيهِ مِنَ الضِّيَاءِ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ أَيْ: سَكَنَ فَأَظْلَمَ وادلَهَم. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَذَلِكَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ هَذَا وَهَذَا. كَمَا قَالَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [اللَّيْلِ: ١، ٢] ، وَقَالَ: ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ أَيْ: مَا تَرَكَكَ، ﴿وَمَا قَلَى﴾ أَيْ: وَمَا أَبْغَضَكَ، ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى﴾ أَيْ: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ. وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَأَعْظَمَهُمْ لَهَا إِطْرَاحًا، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ [بِالضَّرُورَةِ] [[زيادة من م.]] مِنْ سِيرَتِهِ. وَلَمَّا خُيِّرَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي آخِرِ عُمْرِهِ بَيْنَ الْخُلْدِ فِي الدُّنْيَا إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ الْجَنَّةِ، وَبَيْنَ الصَّيْرُورَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، اخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخعِي، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ، فَأَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ جَعَلْتُ أَمْسَحُ جَنْبَهُ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا آذَنْتَنَا حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الْحَصِيرِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ما لِي وَلِلدُّنْيَا؟! مَا أَنَا وَالدُّنْيَا؟! إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ ظَلّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ راح وتركتها [[في أ: "وتركها".]] . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ الْمَسْعُودِيِّ بِهِ [[المسند (١/٣٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٣٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤١٠٩) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ يُعْطِيهِ حَتَّى يُرْضِيَهُ فِي أُمَّتِهِ، وَفِيمَا أعدَّه لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ نَهْرُ الْكَوْثَرِ الَّذِي حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمُجَوَّفِ، وَطِينُهُ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] مِسْكٍ أَذْفَرَ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عمر الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي المهاجر المخزومي، عن عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مَا هُوَ مَفْتُوحٌ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَنْزًا كَنْزًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فَأَعْطَاهُ فِي الْجَنَّةِ أَلْفَ أَلْفَ قَصْرٍ، فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "رواه ابن جرير وابن أبي حاتم".]] مِنْ طَرِيقِهِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: ومثلُ هَذَا مَا يُقَالُ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ رِضَاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَلَّا يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ النَّارَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي بِذَلِكَ الشَّفَاعَةَ. وَهَكَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا معاويةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أنا أهلُ بَيْتٍ اخْتَارَ اللَّهُ لَنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [[ورواه البغوي في شرح السنة (١٤/٢٤٨) من طريق ابن أبي شيبة فذكره دون الآية، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٥/٢٣٦) بهذا الطريق ولم يذكر الآية، ولعل ذكرها وقع في كتاب التفسير، ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٠٨٢) عن عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ هشام به، وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٦٢) : "هذا إسناد فيه يزيد بن أبي زياد الكوفي مختلف فيه".]] . ثُمَّ قَالَ تعالى يعدد نعَمه عل عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ تُوفّي وَهُوَ حَملٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَقِيلَ: بَعْدَ أَنْ وُلِدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ سِتُّ سِنِينَ. ثُمَّ كَانَ فِي كَفَالَةِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَمَانِ سِنِينَ، فَكَفَلَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَحُوطُهُ وَيَنْصُرُهُ ويَرفع مِنْ قَدره وَيُوقّره، وَيَكُفُّ عَنْهُ أَذَى قَوْمِهِ بَعْدَ أَنِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ عُمْرِهِ، هَذَا وَأَبُو طَالِبٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَدَرِ اللَّهِ وحُسن تَدْبِيرِهِ، إِلَى أَنْ تُوفي أَبُو طَالِبٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِقَلِيلٍ، فَأَقْدَمَ عَلَيْهِ سُفَهَاءُ قُرَيْشٍ وجُهالهم، فَاخْتَارَ اللَّهُ لَهُ الْهِجْرَةَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ إِلَى بَلَدِ الْأَنْصَارِ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، كَمَا أَجْرَى اللَّهُ سُنَّته عَلَى الْوَجْهِ الْأَتَمِّ وَالْأَكْمَلِ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ آوَوه ونَصَرُوه وَحَاطُوهُ وَقَاتَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَكُلُّ هَذَا مِنْ حِفْظِ اللَّهِ لَهُ وَكِلَاءَتِهِ وَعِنَايَتِهِ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشُّورَى: ٥٢] وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ [إِنَّ] [[زيادة من م.]] الْمُرَادَ بِهَذَا أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ضَلَّ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَهُوَ صَغِيرٌ، ثُمَّ رَجَعَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ ضَلَّ وَهُوَ مَعَ عَمِّهِ فِي طَرِيقِ الشَّامِ، وَكَانَ رَاكِبًا نَاقَةً فِي اللَّيْلِ، فَجَاءَ إِبْلِيسُ يَعْدِلُ بِهَا عَنِ الطَّرِيقِ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إِبْلِيسَ نَفْخَةً ذَهَبَ مِنْهَا إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ عَدَلَ بالراحلة إلى الطريق. حكاهما البغوي. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ أَيْ: كُنْتَ فَقِيرًا ذَا عِيَالٍ، فَأَغْنَاكَ اللَّهُ عَمَّنْ سِوَاهُ، فَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ مَقَامَيِ، الْفَقِيرِ الصَّابِرِ وَالْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ مَنَازِلَ الرَّسُولِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ -مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ-عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: هَذَا مَا حَدّثنا أَبُو هُرَيرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَض، وَلَكِنَّ [[في م: "وإنما".]] الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ" [[لم أقع عليه في الصحيحين من هذا الطريق، وقد جاء فيهما من طرق أخر عن أبي هريرة، انظر: صحيح البخاري برقم (٦٤٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٠٥١) .]] . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، ورُزق كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ [[في أ: "ومتعه".]] اللَّهُ بِمَا آتَاهُ" [[صحيح مسلم برقم (١٠٥٤) .]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ أَيْ: كَمَا كُنْتَ يَتِيمًا فَآوَاكَ اللَّهُ فَلَا تَقْهَرِ الْيَتِيمَ، أَيْ: لَا تُذِلَّهُ وَتَنْهَرْهُ وَتُهِنْهُ، وَلَكِنْ أحسِنْ إِلَيْهِ، وَتَلَطَّفْ بِهِ. قَالَ قَتَادَةُ: كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ. ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ ضَالًّا فَهَدَاكَ اللَّهُ، فَلَا تَنْهَرِ السَّائِلَ فِي الْعِلْمِ الْمُسْتَرْشِدَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أَيْ: فَلَا تَكُنْ جَبَّارًا، وَلَا مُتَكَبِّرًا، وَلَا فَحَّاشا، وَلَا فَظّا عَلَى الضُّعَفَاءِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي رَد الْمِسْكِينَ بِرَحْمَةٍ وَلِينٍ. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ عَائِلًا فَقِيرًا فَأَغْنَاكَ اللَّهُ، فَحَدِّثْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ، كَمَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ النَّبَوِيِّ: "وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ [[في أ: "لنعمك".]] مُثْنِينَ بِهَا، قَابِلِيهَا، وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا". وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَية، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ الجُرَيري، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أَنَّ مِنْ شُكْرِ النِّعَمِ أَنْ يُحَدَّثَ بِهَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا الْجَرَّاحُ بْنُ مَليح، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ: "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ. وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شَكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ. والجماعة رحمة، والفرقة عذاب" [[زوائد المسند (٤/٢٧٨) .]] إسناد ضعيف. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الْأَنْصَارُ بِالْأَجْرِ كُلِّهِ. قَالَ: "لَا مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ، وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ" [[لم أقع عليه في الصحيحين، ورواه الإمام أحمد في المسند (٣/٢٠٠) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١١) وسنن الترمذي برقم (١٩٥٤) .]] وَقَالَ: صَحِيحٌ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أُبْلِي بَلَاءً فَذَكَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَإِنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١٤) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا بِشْرٌ [[في أ: "بشير".]] حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزْية، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أعطَى عَطاء فَوَجَد فَليَجزْ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَليُثن بِهِ، فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُمارة بْنِ غَزية، عَنْ شُرَحْبِيلَ عَنْ جَابِرٍ -كَرِهُوهُ فَلَمْ يُسَمُّوهُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١٣) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي النُّبُوَّةَ الَّتِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْقُرْآنُ. وَقَالَ لَيْثٌ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قَالَ: مَا عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ فَحَدث إِخْوَانَكَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: مَا جَاءَكَ اللَّهُ [[في م: "ما جاءك من الله".]] مِنْ نِعْمَةٍ وَكَرَامَةٍ مِنَ النُّبُوَّةِ فَحَدِّثْ بِهَا وَاذْكُرْهَا، وَادْعُ إِلَيْهَا. وَقَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النُّبُوَّةِ سِرًّا إِلَى مَنْ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَافْتُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى. آخِرُ تفسير سورة "الضحى" [ولله الحمد] [[زيادة من أ.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله جل جلاله وتقدست أسماؤه ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى (٨) ﴾ . أقسم ربنا جلّ ثناؤه بالضحى، وهو النهار كله، وأحسب أنه من قولهم: ضَحِيَ فلان للشمس: إذا ظهر منه؛ ومنه قوله: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ : أي لا يصيبك فيها الشمس. وقد ذكرت اختلاف أهل العلم في معناه في قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ مع ذكري اختيارنا فيه. وقيل: عُنِي به وقت الضحى. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالضُّحَى﴾ ساعة من ساعات النهار. * * وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: والليل إذا أقبل بظلامه. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يقول: والليل إذا أقبل. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قول الله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا لَبِسَ الناس، إذَا جاء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا ذهب. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يقول: إذا ذهب. وقال آخرون: معناه: إذا استوى وسكن. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مِهْران؛ وحدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، جميعا عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا استوى. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا استوى ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ سكن بالخلق. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يعني: استقراره وسكونه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا سكن، قال: ذلك سجوه، كما يكون سكون البحر سجوه. وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي في ذلك قول من قال معناه: والليل إذا سكن بأهله، وثبت بظلامه، كما يقال: بحر ساج: إذا كان ساكنا؛ ومنه قول أعشى بني ثعلبة: فَمَا ذَنْبُنا إنْ جاشَ بَحْرُ ابنِ عَمِّكم ... وَبحْرُكَ ساجٍ ما يُوَارِي الدَّعامِصَا [[يأتي في تفسير آية سورة آل عمران: ١٢١، وآية سورة القصص: ٨٨. وسيبويه ١: ١٧، والخزانة ١: ٤٨٦، وهو من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها. قال الشنتمري: "أراد من ذنب، فحذف الجار وأوصل الفعل فنصب" والذنب هنا اسم جنس بمعنى الجمع. فلذلك قال: "لست محصيه". والوجه: القصد والمراد، وهو بمعنى التوجه".]] وقول الراجز: يا حَبَّذَا القَمْرَاءُ وَاللَّيْلُ السَّاجْ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسَّاجْ [[البيت ليس في ديوانه. ومن القصيدة أبيات فيه: ٢٣، (مطبوعة محمد جمال) ، والمجتنى لابن دريد: ٢٣، يصف فرسًا. والعير: حمار الوحش. والحضر: العدو الشديد، وحمار الوحش شديد العدو. والونى: التعب والفترة في العدو أو العمل. والأشعب: الظبي تفرق قرناه فانشعبا وتباينا بينونة شديدة. ونبح الكلب والظبي والتيس ينبح نباحًا، فهو نباح، إذا كثر صياحه، من المرح والنشاط. والظبي إذا أسن ونبتت لقرونه شعب، نبح (الحيوان ١: ٣٤٩) . يصف فرسه بشدة العدو، يلحق العير المدل بحضره، والظبي المستحكم السريع، فيصيدها قبل أن يناله تعب.]] * * وقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وهذا جواب القسم، ومعناه: ما تركك يا محمد ربك وما أبغضك. وقيل: ﴿وَمَا قَلَى﴾ ومعناه. وما قلاك، اكتفاء بفهم السامع لمعناه، إذ كان قد تقدّم ذلك قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ فعرف بذلك أن المخاطب به نبيّ الله ﷺ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ يقول: ما تركك ربك، وما أبغضك. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: ما قلاك ربك وما أبغضك؛ قال: والقالي: المبغِض. وذُكر أن هذه السورة نزلت على رسول الله ﷺ تكذيبا من الله قريشا في قيلهم لرسول الله، لما أبطأ عليه الوحي: قد ودّع محمدًا ربه وقلاه. ذكر الرواية بذلك: ⁕ حدثني عليّ بن عبد الله الدهان، قال: ثنا مفضل بن صالح، عن الأسود بن قيس العبديّ، عن ابن عبد الله، قال: لما أبطأ جبريل على رسول الله ﷺ، فقالت امرأة من أهله، أو من قومه: ودّع الشيطان محمدا، فأنزل الله عليه: ﴿وَالضُّحَى﴾ ... إلى قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . قال أبو جعفر: ابن عبد الله: هو جندب بن عبد الله البجلي. ⁕ حدثني محمد بن عيسى الدامغاني، ومحمد بن هارون القطان، قالا ثنا سفيان، عن الأسود بن قيس سمع جندبا البجليّ يقول: أبطأ جبريل على النبيّ ﷺ حتى قال المشركون: ودّع محمدا ربه، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الأسود بن قيس، أنه سمع جندبا البجلي قال: قالت امرأة لرسول الله ﷺ: ما أرى صاحبك إلا قد أبطأ عنك، فنزلت هذه الآية: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، قال سمعت جندب بن عبد الله يقول: إن امرأة أتت النبيّ ﷺ فقالت: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا سليمان الشيباني، عن عبد الله بن شدّاد أن خديجة قالت للنبيّ ﷺ ما أرى ربك إلا قد قلاك، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: إن جبريل عليه السلام أبطأ عليه بالوحي، فقال ناس من الناس، وهم يومئذ بمكة، ما نرى صاحبك إلا قد قلاك فودّعك، فأنزل الله ما تسمع: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: أبطأ عليه جبريل، فقال المشركون: قد قلاه ربه وودّعه، فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ مكث جبريل عن محمد ﷺ، فقال المشركون: قد ودّعه ربه وقلاه، فأنزل الله هذه الآية. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قال: لما نزل عليه القرآن، أبطأ عنه جبريل أياما، فعُيّر بذلك، فقال المشركون: ودّعه ربه وقلاه، فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال أبطأ جبريل على النبيّ ﷺ، فجزع جزعا شديدا، وقالت خديجة: أرى ربك قد قلاك، مما نرى من جزعك، قال: فنزلت ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ... إلى آخرها. * * وقوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى﴾ يقول تعالى ذكره: وللدار الآخرة، وما أعد الله لك فيها، خير لك من الدار الدنيا وما فيها. يقول: فلا تحزن على ما فاتك منها، فإن الذي لك عند الله خير لك منها. * * وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ يقول تعالى ذكره: ولسوف يعطيك يا محمد ربك في الآخرة من فواضل نعمه، حتى ترضى. وقد اختلف أهل العلم في الذي وعده من العطاء، فقال بعضهم: هو ما ⁕ حدثني به موسى بن سهل الرملي، قال: ثنا عمرو بن هاشم، قال: سمعت الأوزاعيّ يحدّث، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي، عن عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، قال: عرض على رسول الله ﷺ ما هو مفتوح على أمته من بعده كَفْرا كَفْرا، فسرّ بذلك، فأنزل الله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فأعطاه في الجنة ألف قصر، في كلّ قصر، ما ينبغي من الأزواج والخدم. ⁕ حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثني روّاد بن الجراح، عن الأوزاعيّ، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن عليّ بن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قال: ألف قصر من لؤلؤ، ترابهنّ المسك، وفيهنّ ما يصلحهنّ. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ، وذلك يوم القيامة. وقال آخرون في ذلك ما:- ⁕ حدثني به عباد بن يعقوب، قال: ثنا الحكم بن ظهير، عن السديّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قال: من رضا محمد ﷺ ألا يدخل أحد من أهل بيته النار. * * وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ يقول تعالى ذكره معدّدا على نبيه محمد ﷺ نعمه عنده، ومذكِّره آلاءه قِبَله: ألم يجدك يا محمد ربك يتيمًا فآوى، يقول: فجعل لك مأوى تأوي إليه، ومنزلا تنزله ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم. وقال السديّ في ذلك ما:- ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن السديّ ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا﴾ قال: كان على أمر قومه أربعين عاما. وقيل: عُنِيَ بذلك: ووجدك في قوم ضلال فهداك. * * وقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ يقول: ووجدك فقيرا فأغناك، يقال منه: عال فلان يَعيل عَيْلَة، وذلك إذا افتقر؛ ومنه قول الشاعر: فَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غناهُ ... وَما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ [[ديوانه: ٥٠٧، يمدح هشام بن عبد الملك. والموارد جمع موردة: وهي الطرق إلى الماء. يريد الطرق التي يسلكها الناس إلى أغراضهم وحاجاتهم، كما يسلكون الموارد إلى الماء.]] يعني: متى يفتقر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا﴾ فقيرا. وذُكر أنها في مصحف عبد الله ﴿وَوَجَدَكَ عَدِيما فآوَى﴾ . ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ قال: كانت هذه منازل رسول الله ﷺ، قبل أن يبعثه الله سبحانه وتعالى.

Al-Mukhtasar (français)

Il t’a trouvé pauvre et t’a enrichi.

9

فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ

Quant à l'orphelin, donc, ne le maltraite pas.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُّحَى وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. رَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَزةَ الْمُقْرِئِ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عِكْرِمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ وَشِبْلِ بْنِ عبَّاد، فَلَمَّا بَلَغْتُ " وَالضُّحَى " قَالَا لِي: كَبر حَتَّى تَخْتِمَ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنَّا قَرَأْنَا عَلَى ابْنِ كَثِيرٍ فَأَمَرَنَا بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ [[ورواه الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال (١/١٤٥) ثم قال: "هذا حديث غريب، وهو مما أنكر على البزي، قال أبو حاتم: هذا منكر".]] . فَهَذِهِ سُنة تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزِّيُّ، مِنْ وَلَدِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْقِرَاءَاتِ، فَأَمَّا فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ ضَعَّفَه أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَقَالَ: لَا أُحَدِّثُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ قَالَ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. لَكِنْ حَكَى الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ فِي شَرْحِ الشَّاطِبِيَّةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُكَبِّرُ هَذَا التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: أَحْسَنْتَ وَأَصَبْتَ السُّنَّةَ. وَهَذَا يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي مَوْضِعِ هَذَا التَّكْبِيرِ وَكَيْفِيَّتِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُكَبِّرُ مِنْ آخِرِ " وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى " وَقَالَ آخَرُونَ: مِنْ آخِرِ " وَالضُّحَى " وَكَيْفِيَّةُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَقْتَصِرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ فِي مُنَاسَبَةِ التَّكْبِيرِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ "الضُّحَى": أَنَّهُ لَمَّا تَأَخَّرَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفَتَرَ تِلْكَ الْمُدَّةَ [ثُمَّ] [[زيادة من م.]] جَاءَهُ الْمَلَكُ فَأَوْحَى إِلَيْهِ: " وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى " السُّورَةَ بِتَمَامِهَا، كَبَّرَ فَرَحًا وَسُرُورًا. وَلَمْ يُرْوَ ذَلِكَ بِإِسْنَادٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِصِحَّةٍ وَلَا ضَعْفٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[والصواب أن هذا مما لم يصح فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته، رضي الله عنهم، وما روى فيها مما لا تقوم به الحجة، وشيخ الإسلام -ابن تيمية- قد تكلم على هذا التكبير كلاما شديدا في الفتاوى (١٣/٤١٧-٤١٩) ، وانظر: الآداب الشرعية لابن مفلح (٢/٣١٠) ومرويات دعاء ختم القرآن لبكر أبو زيد (ص٦) ومن كتابه استفدت هذا، فجزاه الله خيرا.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ، فَأَتَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[المسند (٤/٣١٢) .]] . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُب -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجلي ثُمَّ العَلقي [[في أ: "العلقمي".]] بِهِ [[صحيح البخاري برقم (١١٢٤، ١١٢٥، ٤٩٨٣، ٤٩٥٠،٤٩٥١) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٧) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٨١) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٥٠) .]] وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ: سَمِعَ جُنْدُبًا قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وُدِّع مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[هذه الرواية في مسلم والترمذي.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [[في أ: "وعمرو بن عبد الله بن عبد الله الأودي".]] الْأَوْدِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جُنْدُبًا يَقُولُ: رُمِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَجَرٍ فِي أُصْبُعُهُ فَقَالَ: هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ؟ ... قَالَ: فَمَكَثَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لَا يَقُومُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَتْكَ [[في م: "قد تركك".]] فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَالسِّيَاقُ لِأَبِي سَعِيدٍ. قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ هِيَ: أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ، وَذُكِرَ أَنَّ أُصْبَعَهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، دَمِيَتْ. وَقَوْلُهُ -هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي اتَّفَقَ أَنَّهُ مَوْزُونٌ-ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٢٨٠٢) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٦) .]] وَلَكِنَّ الْغَرِيبَ هَاهُنَا جَعْلُهُ سَبَبًا لِتَرْكِهِ الْقِيَامِ، وَنُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الله ابن شَدَّادٍ: أَنَّ خَدِيجَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا قَدْ قَلَاكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَجَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: إِنِّي أَرَى رَبَّكَ قَدْ قَلَاكَ مِمَّا نَرى مِنْ جَزَعِكَ. قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ إلى آخرها [[تفسير الطبري (٣٠/١٤٨) .]] . فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ مِنْ [هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ] [[زيادة من م، أ.]] وَلَعَلَّ ذِكْرَ خَدِيجَةَ لَيْسَ مَحْفُوظًا، أَوْ قَالَتْهُ عَلَى وَجْهِ التَّأَسُّفِ وَالتَّحَزُّنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ -مِنْهُمُ ابْنُ إِسْحَاقَ-أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هِيَ الَّتِي أَوْحَاهَا جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حِينَ تَبَدَّى لَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَدَنَا إِلَيْهِ وَتَدَلَّى مُنْهَبِطًا عَلَيْهِ وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النَّجْمِ: ١٠] . قَالَ: قَالَ لَهُ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا نزلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنُ، أَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ أَيَّامًا، فَتَغَيَّرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَهَذَا قَسَمٌ مِنْهُ تَعَالَى بِالضُّحَى وَمَا جَعَلَ فِيهِ مِنَ الضِّيَاءِ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ أَيْ: سَكَنَ فَأَظْلَمَ وادلَهَم. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَذَلِكَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ هَذَا وَهَذَا. كَمَا قَالَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [اللَّيْلِ: ١، ٢] ، وَقَالَ: ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ أَيْ: مَا تَرَكَكَ، ﴿وَمَا قَلَى﴾ أَيْ: وَمَا أَبْغَضَكَ، ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى﴾ أَيْ: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ. وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَأَعْظَمَهُمْ لَهَا إِطْرَاحًا، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ [بِالضَّرُورَةِ] [[زيادة من م.]] مِنْ سِيرَتِهِ. وَلَمَّا خُيِّرَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي آخِرِ عُمْرِهِ بَيْنَ الْخُلْدِ فِي الدُّنْيَا إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ الْجَنَّةِ، وَبَيْنَ الصَّيْرُورَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، اخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخعِي، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ، فَأَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ جَعَلْتُ أَمْسَحُ جَنْبَهُ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا آذَنْتَنَا حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الْحَصِيرِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ما لِي وَلِلدُّنْيَا؟! مَا أَنَا وَالدُّنْيَا؟! إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ ظَلّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ راح وتركتها [[في أ: "وتركها".]] . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ الْمَسْعُودِيِّ بِهِ [[المسند (١/٣٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٣٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤١٠٩) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ يُعْطِيهِ حَتَّى يُرْضِيَهُ فِي أُمَّتِهِ، وَفِيمَا أعدَّه لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ نَهْرُ الْكَوْثَرِ الَّذِي حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمُجَوَّفِ، وَطِينُهُ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] مِسْكٍ أَذْفَرَ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عمر الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي المهاجر المخزومي، عن عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مَا هُوَ مَفْتُوحٌ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَنْزًا كَنْزًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فَأَعْطَاهُ فِي الْجَنَّةِ أَلْفَ أَلْفَ قَصْرٍ، فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "رواه ابن جرير وابن أبي حاتم".]] مِنْ طَرِيقِهِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: ومثلُ هَذَا مَا يُقَالُ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ رِضَاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَلَّا يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ النَّارَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي بِذَلِكَ الشَّفَاعَةَ. وَهَكَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا معاويةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أنا أهلُ بَيْتٍ اخْتَارَ اللَّهُ لَنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [[ورواه البغوي في شرح السنة (١٤/٢٤٨) من طريق ابن أبي شيبة فذكره دون الآية، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٥/٢٣٦) بهذا الطريق ولم يذكر الآية، ولعل ذكرها وقع في كتاب التفسير، ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٠٨٢) عن عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ هشام به، وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٦٢) : "هذا إسناد فيه يزيد بن أبي زياد الكوفي مختلف فيه".]] . ثُمَّ قَالَ تعالى يعدد نعَمه عل عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ تُوفّي وَهُوَ حَملٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَقِيلَ: بَعْدَ أَنْ وُلِدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ سِتُّ سِنِينَ. ثُمَّ كَانَ فِي كَفَالَةِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَمَانِ سِنِينَ، فَكَفَلَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَحُوطُهُ وَيَنْصُرُهُ ويَرفع مِنْ قَدره وَيُوقّره، وَيَكُفُّ عَنْهُ أَذَى قَوْمِهِ بَعْدَ أَنِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ عُمْرِهِ، هَذَا وَأَبُو طَالِبٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَدَرِ اللَّهِ وحُسن تَدْبِيرِهِ، إِلَى أَنْ تُوفي أَبُو طَالِبٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِقَلِيلٍ، فَأَقْدَمَ عَلَيْهِ سُفَهَاءُ قُرَيْشٍ وجُهالهم، فَاخْتَارَ اللَّهُ لَهُ الْهِجْرَةَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ إِلَى بَلَدِ الْأَنْصَارِ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، كَمَا أَجْرَى اللَّهُ سُنَّته عَلَى الْوَجْهِ الْأَتَمِّ وَالْأَكْمَلِ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ آوَوه ونَصَرُوه وَحَاطُوهُ وَقَاتَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَكُلُّ هَذَا مِنْ حِفْظِ اللَّهِ لَهُ وَكِلَاءَتِهِ وَعِنَايَتِهِ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشُّورَى: ٥٢] وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ [إِنَّ] [[زيادة من م.]] الْمُرَادَ بِهَذَا أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ضَلَّ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَهُوَ صَغِيرٌ، ثُمَّ رَجَعَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ ضَلَّ وَهُوَ مَعَ عَمِّهِ فِي طَرِيقِ الشَّامِ، وَكَانَ رَاكِبًا نَاقَةً فِي اللَّيْلِ، فَجَاءَ إِبْلِيسُ يَعْدِلُ بِهَا عَنِ الطَّرِيقِ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إِبْلِيسَ نَفْخَةً ذَهَبَ مِنْهَا إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ عَدَلَ بالراحلة إلى الطريق. حكاهما البغوي. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ أَيْ: كُنْتَ فَقِيرًا ذَا عِيَالٍ، فَأَغْنَاكَ اللَّهُ عَمَّنْ سِوَاهُ، فَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ مَقَامَيِ، الْفَقِيرِ الصَّابِرِ وَالْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ مَنَازِلَ الرَّسُولِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ -مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ-عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: هَذَا مَا حَدّثنا أَبُو هُرَيرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَض، وَلَكِنَّ [[في م: "وإنما".]] الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ" [[لم أقع عليه في الصحيحين من هذا الطريق، وقد جاء فيهما من طرق أخر عن أبي هريرة، انظر: صحيح البخاري برقم (٦٤٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٠٥١) .]] . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، ورُزق كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ [[في أ: "ومتعه".]] اللَّهُ بِمَا آتَاهُ" [[صحيح مسلم برقم (١٠٥٤) .]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ أَيْ: كَمَا كُنْتَ يَتِيمًا فَآوَاكَ اللَّهُ فَلَا تَقْهَرِ الْيَتِيمَ، أَيْ: لَا تُذِلَّهُ وَتَنْهَرْهُ وَتُهِنْهُ، وَلَكِنْ أحسِنْ إِلَيْهِ، وَتَلَطَّفْ بِهِ. قَالَ قَتَادَةُ: كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ. ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ ضَالًّا فَهَدَاكَ اللَّهُ، فَلَا تَنْهَرِ السَّائِلَ فِي الْعِلْمِ الْمُسْتَرْشِدَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أَيْ: فَلَا تَكُنْ جَبَّارًا، وَلَا مُتَكَبِّرًا، وَلَا فَحَّاشا، وَلَا فَظّا عَلَى الضُّعَفَاءِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي رَد الْمِسْكِينَ بِرَحْمَةٍ وَلِينٍ. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ عَائِلًا فَقِيرًا فَأَغْنَاكَ اللَّهُ، فَحَدِّثْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ، كَمَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ النَّبَوِيِّ: "وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ [[في أ: "لنعمك".]] مُثْنِينَ بِهَا، قَابِلِيهَا، وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا". وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَية، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ الجُرَيري، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أَنَّ مِنْ شُكْرِ النِّعَمِ أَنْ يُحَدَّثَ بِهَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا الْجَرَّاحُ بْنُ مَليح، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ: "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ. وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شَكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ. والجماعة رحمة، والفرقة عذاب" [[زوائد المسند (٤/٢٧٨) .]] إسناد ضعيف. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الْأَنْصَارُ بِالْأَجْرِ كُلِّهِ. قَالَ: "لَا مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ، وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ" [[لم أقع عليه في الصحيحين، ورواه الإمام أحمد في المسند (٣/٢٠٠) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١١) وسنن الترمذي برقم (١٩٥٤) .]] وَقَالَ: صَحِيحٌ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أُبْلِي بَلَاءً فَذَكَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَإِنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١٤) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا بِشْرٌ [[في أ: "بشير".]] حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزْية، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أعطَى عَطاء فَوَجَد فَليَجزْ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَليُثن بِهِ، فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُمارة بْنِ غَزية، عَنْ شُرَحْبِيلَ عَنْ جَابِرٍ -كَرِهُوهُ فَلَمْ يُسَمُّوهُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١٣) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي النُّبُوَّةَ الَّتِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْقُرْآنُ. وَقَالَ لَيْثٌ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قَالَ: مَا عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ فَحَدث إِخْوَانَكَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: مَا جَاءَكَ اللَّهُ [[في م: "ما جاءك من الله".]] مِنْ نِعْمَةٍ وَكَرَامَةٍ مِنَ النُّبُوَّةِ فَحَدِّثْ بِهَا وَاذْكُرْهَا، وَادْعُ إِلَيْهَا. وَقَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النُّبُوَّةِ سِرًّا إِلَى مَنْ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَافْتُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى. آخِرُ تفسير سورة "الضحى" [ولله الحمد] [[زيادة من أ.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ﴾ يا محمد ﴿فَلا تَقْهَرْ﴾ يقول: فلا تظلمه، فتذهب بحقه، استضعافًا منك له. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) : أي لا تظلم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ قال: تُغْمِصْه وَتحْقِره. وذُكر أن ذلك في مصحف عبد الله ﴿فَلا تَكْهَرْ﴾ . * * وقوله: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ يقول: وأما من سألك من ذي حاجة فلا تنهره، ولكن أطعمه واقض له حاجته ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ : يقول: فاذكره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قال: بالنبوّة. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: ثنا سعيد بن إياس الجريريّ، عن أبى نضرة، قال: كان المسلمون يرون أن من شُكْرِ النعم أن يحدّثَ بها. آخر تفسير سورة الضحى، ولله الحمد والشكر

Al-Mukhtasar (français)

Ne maltraite donc pas l’enfant qui a perdu son père et ne l’humilie pas,

10

وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْ

Quant au demandeur, ne le repousse pas.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُّحَى وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. رَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَزةَ الْمُقْرِئِ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عِكْرِمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ وَشِبْلِ بْنِ عبَّاد، فَلَمَّا بَلَغْتُ " وَالضُّحَى " قَالَا لِي: كَبر حَتَّى تَخْتِمَ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنَّا قَرَأْنَا عَلَى ابْنِ كَثِيرٍ فَأَمَرَنَا بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ [[ورواه الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال (١/١٤٥) ثم قال: "هذا حديث غريب، وهو مما أنكر على البزي، قال أبو حاتم: هذا منكر".]] . فَهَذِهِ سُنة تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزِّيُّ، مِنْ وَلَدِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْقِرَاءَاتِ، فَأَمَّا فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ ضَعَّفَه أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَقَالَ: لَا أُحَدِّثُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ قَالَ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. لَكِنْ حَكَى الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ فِي شَرْحِ الشَّاطِبِيَّةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُكَبِّرُ هَذَا التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: أَحْسَنْتَ وَأَصَبْتَ السُّنَّةَ. وَهَذَا يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي مَوْضِعِ هَذَا التَّكْبِيرِ وَكَيْفِيَّتِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُكَبِّرُ مِنْ آخِرِ " وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى " وَقَالَ آخَرُونَ: مِنْ آخِرِ " وَالضُّحَى " وَكَيْفِيَّةُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَقْتَصِرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ فِي مُنَاسَبَةِ التَّكْبِيرِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ "الضُّحَى": أَنَّهُ لَمَّا تَأَخَّرَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفَتَرَ تِلْكَ الْمُدَّةَ [ثُمَّ] [[زيادة من م.]] جَاءَهُ الْمَلَكُ فَأَوْحَى إِلَيْهِ: " وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى " السُّورَةَ بِتَمَامِهَا، كَبَّرَ فَرَحًا وَسُرُورًا. وَلَمْ يُرْوَ ذَلِكَ بِإِسْنَادٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِصِحَّةٍ وَلَا ضَعْفٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[والصواب أن هذا مما لم يصح فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته، رضي الله عنهم، وما روى فيها مما لا تقوم به الحجة، وشيخ الإسلام -ابن تيمية- قد تكلم على هذا التكبير كلاما شديدا في الفتاوى (١٣/٤١٧-٤١٩) ، وانظر: الآداب الشرعية لابن مفلح (٢/٣١٠) ومرويات دعاء ختم القرآن لبكر أبو زيد (ص٦) ومن كتابه استفدت هذا، فجزاه الله خيرا.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ، فَأَتَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[المسند (٤/٣١٢) .]] . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُب -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجلي ثُمَّ العَلقي [[في أ: "العلقمي".]] بِهِ [[صحيح البخاري برقم (١١٢٤، ١١٢٥، ٤٩٨٣، ٤٩٥٠،٤٩٥١) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٧) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٨١) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٥٠) .]] وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ: سَمِعَ جُنْدُبًا قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وُدِّع مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[هذه الرواية في مسلم والترمذي.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [[في أ: "وعمرو بن عبد الله بن عبد الله الأودي".]] الْأَوْدِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جُنْدُبًا يَقُولُ: رُمِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَجَرٍ فِي أُصْبُعُهُ فَقَالَ: هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ؟ ... قَالَ: فَمَكَثَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لَا يَقُومُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَتْكَ [[في م: "قد تركك".]] فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَالسِّيَاقُ لِأَبِي سَعِيدٍ. قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ هِيَ: أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ، وَذُكِرَ أَنَّ أُصْبَعَهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، دَمِيَتْ. وَقَوْلُهُ -هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي اتَّفَقَ أَنَّهُ مَوْزُونٌ-ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٢٨٠٢) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٦) .]] وَلَكِنَّ الْغَرِيبَ هَاهُنَا جَعْلُهُ سَبَبًا لِتَرْكِهِ الْقِيَامِ، وَنُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الله ابن شَدَّادٍ: أَنَّ خَدِيجَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا قَدْ قَلَاكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَجَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: إِنِّي أَرَى رَبَّكَ قَدْ قَلَاكَ مِمَّا نَرى مِنْ جَزَعِكَ. قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ إلى آخرها [[تفسير الطبري (٣٠/١٤٨) .]] . فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ مِنْ [هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ] [[زيادة من م، أ.]] وَلَعَلَّ ذِكْرَ خَدِيجَةَ لَيْسَ مَحْفُوظًا، أَوْ قَالَتْهُ عَلَى وَجْهِ التَّأَسُّفِ وَالتَّحَزُّنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ -مِنْهُمُ ابْنُ إِسْحَاقَ-أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هِيَ الَّتِي أَوْحَاهَا جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حِينَ تَبَدَّى لَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَدَنَا إِلَيْهِ وَتَدَلَّى مُنْهَبِطًا عَلَيْهِ وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النَّجْمِ: ١٠] . قَالَ: قَالَ لَهُ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا نزلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنُ، أَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ أَيَّامًا، فَتَغَيَّرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَهَذَا قَسَمٌ مِنْهُ تَعَالَى بِالضُّحَى وَمَا جَعَلَ فِيهِ مِنَ الضِّيَاءِ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ أَيْ: سَكَنَ فَأَظْلَمَ وادلَهَم. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَذَلِكَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ هَذَا وَهَذَا. كَمَا قَالَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [اللَّيْلِ: ١، ٢] ، وَقَالَ: ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ أَيْ: مَا تَرَكَكَ، ﴿وَمَا قَلَى﴾ أَيْ: وَمَا أَبْغَضَكَ، ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى﴾ أَيْ: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ. وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَأَعْظَمَهُمْ لَهَا إِطْرَاحًا، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ [بِالضَّرُورَةِ] [[زيادة من م.]] مِنْ سِيرَتِهِ. وَلَمَّا خُيِّرَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي آخِرِ عُمْرِهِ بَيْنَ الْخُلْدِ فِي الدُّنْيَا إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ الْجَنَّةِ، وَبَيْنَ الصَّيْرُورَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، اخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخعِي، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ، فَأَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ جَعَلْتُ أَمْسَحُ جَنْبَهُ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا آذَنْتَنَا حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الْحَصِيرِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ما لِي وَلِلدُّنْيَا؟! مَا أَنَا وَالدُّنْيَا؟! إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ ظَلّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ راح وتركتها [[في أ: "وتركها".]] . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ الْمَسْعُودِيِّ بِهِ [[المسند (١/٣٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٣٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤١٠٩) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ يُعْطِيهِ حَتَّى يُرْضِيَهُ فِي أُمَّتِهِ، وَفِيمَا أعدَّه لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ نَهْرُ الْكَوْثَرِ الَّذِي حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمُجَوَّفِ، وَطِينُهُ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] مِسْكٍ أَذْفَرَ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عمر الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي المهاجر المخزومي، عن عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مَا هُوَ مَفْتُوحٌ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَنْزًا كَنْزًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فَأَعْطَاهُ فِي الْجَنَّةِ أَلْفَ أَلْفَ قَصْرٍ، فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "رواه ابن جرير وابن أبي حاتم".]] مِنْ طَرِيقِهِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: ومثلُ هَذَا مَا يُقَالُ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ رِضَاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَلَّا يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ النَّارَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي بِذَلِكَ الشَّفَاعَةَ. وَهَكَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا معاويةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أنا أهلُ بَيْتٍ اخْتَارَ اللَّهُ لَنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [[ورواه البغوي في شرح السنة (١٤/٢٤٨) من طريق ابن أبي شيبة فذكره دون الآية، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٥/٢٣٦) بهذا الطريق ولم يذكر الآية، ولعل ذكرها وقع في كتاب التفسير، ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٠٨٢) عن عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ هشام به، وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٦٢) : "هذا إسناد فيه يزيد بن أبي زياد الكوفي مختلف فيه".]] . ثُمَّ قَالَ تعالى يعدد نعَمه عل عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ تُوفّي وَهُوَ حَملٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَقِيلَ: بَعْدَ أَنْ وُلِدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ سِتُّ سِنِينَ. ثُمَّ كَانَ فِي كَفَالَةِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَمَانِ سِنِينَ، فَكَفَلَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَحُوطُهُ وَيَنْصُرُهُ ويَرفع مِنْ قَدره وَيُوقّره، وَيَكُفُّ عَنْهُ أَذَى قَوْمِهِ بَعْدَ أَنِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ عُمْرِهِ، هَذَا وَأَبُو طَالِبٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَدَرِ اللَّهِ وحُسن تَدْبِيرِهِ، إِلَى أَنْ تُوفي أَبُو طَالِبٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِقَلِيلٍ، فَأَقْدَمَ عَلَيْهِ سُفَهَاءُ قُرَيْشٍ وجُهالهم، فَاخْتَارَ اللَّهُ لَهُ الْهِجْرَةَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ إِلَى بَلَدِ الْأَنْصَارِ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، كَمَا أَجْرَى اللَّهُ سُنَّته عَلَى الْوَجْهِ الْأَتَمِّ وَالْأَكْمَلِ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ آوَوه ونَصَرُوه وَحَاطُوهُ وَقَاتَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَكُلُّ هَذَا مِنْ حِفْظِ اللَّهِ لَهُ وَكِلَاءَتِهِ وَعِنَايَتِهِ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشُّورَى: ٥٢] وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ [إِنَّ] [[زيادة من م.]] الْمُرَادَ بِهَذَا أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ضَلَّ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَهُوَ صَغِيرٌ، ثُمَّ رَجَعَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ ضَلَّ وَهُوَ مَعَ عَمِّهِ فِي طَرِيقِ الشَّامِ، وَكَانَ رَاكِبًا نَاقَةً فِي اللَّيْلِ، فَجَاءَ إِبْلِيسُ يَعْدِلُ بِهَا عَنِ الطَّرِيقِ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إِبْلِيسَ نَفْخَةً ذَهَبَ مِنْهَا إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ عَدَلَ بالراحلة إلى الطريق. حكاهما البغوي. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ أَيْ: كُنْتَ فَقِيرًا ذَا عِيَالٍ، فَأَغْنَاكَ اللَّهُ عَمَّنْ سِوَاهُ، فَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ مَقَامَيِ، الْفَقِيرِ الصَّابِرِ وَالْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ مَنَازِلَ الرَّسُولِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ -مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ-عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: هَذَا مَا حَدّثنا أَبُو هُرَيرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَض، وَلَكِنَّ [[في م: "وإنما".]] الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ" [[لم أقع عليه في الصحيحين من هذا الطريق، وقد جاء فيهما من طرق أخر عن أبي هريرة، انظر: صحيح البخاري برقم (٦٤٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٠٥١) .]] . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، ورُزق كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ [[في أ: "ومتعه".]] اللَّهُ بِمَا آتَاهُ" [[صحيح مسلم برقم (١٠٥٤) .]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ أَيْ: كَمَا كُنْتَ يَتِيمًا فَآوَاكَ اللَّهُ فَلَا تَقْهَرِ الْيَتِيمَ، أَيْ: لَا تُذِلَّهُ وَتَنْهَرْهُ وَتُهِنْهُ، وَلَكِنْ أحسِنْ إِلَيْهِ، وَتَلَطَّفْ بِهِ. قَالَ قَتَادَةُ: كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ. ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ ضَالًّا فَهَدَاكَ اللَّهُ، فَلَا تَنْهَرِ السَّائِلَ فِي الْعِلْمِ الْمُسْتَرْشِدَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أَيْ: فَلَا تَكُنْ جَبَّارًا، وَلَا مُتَكَبِّرًا، وَلَا فَحَّاشا، وَلَا فَظّا عَلَى الضُّعَفَاءِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي رَد الْمِسْكِينَ بِرَحْمَةٍ وَلِينٍ. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ عَائِلًا فَقِيرًا فَأَغْنَاكَ اللَّهُ، فَحَدِّثْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ، كَمَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ النَّبَوِيِّ: "وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ [[في أ: "لنعمك".]] مُثْنِينَ بِهَا، قَابِلِيهَا، وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا". وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَية، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ الجُرَيري، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أَنَّ مِنْ شُكْرِ النِّعَمِ أَنْ يُحَدَّثَ بِهَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا الْجَرَّاحُ بْنُ مَليح، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ: "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ. وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شَكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ. والجماعة رحمة، والفرقة عذاب" [[زوائد المسند (٤/٢٧٨) .]] إسناد ضعيف. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الْأَنْصَارُ بِالْأَجْرِ كُلِّهِ. قَالَ: "لَا مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ، وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ" [[لم أقع عليه في الصحيحين، ورواه الإمام أحمد في المسند (٣/٢٠٠) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١١) وسنن الترمذي برقم (١٩٥٤) .]] وَقَالَ: صَحِيحٌ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أُبْلِي بَلَاءً فَذَكَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَإِنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١٤) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا بِشْرٌ [[في أ: "بشير".]] حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزْية، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أعطَى عَطاء فَوَجَد فَليَجزْ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَليُثن بِهِ، فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُمارة بْنِ غَزية، عَنْ شُرَحْبِيلَ عَنْ جَابِرٍ -كَرِهُوهُ فَلَمْ يُسَمُّوهُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١٣) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي النُّبُوَّةَ الَّتِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْقُرْآنُ. وَقَالَ لَيْثٌ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قَالَ: مَا عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ فَحَدث إِخْوَانَكَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: مَا جَاءَكَ اللَّهُ [[في م: "ما جاءك من الله".]] مِنْ نِعْمَةٍ وَكَرَامَةٍ مِنَ النُّبُوَّةِ فَحَدِّثْ بِهَا وَاذْكُرْهَا، وَادْعُ إِلَيْهَا. وَقَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النُّبُوَّةِ سِرًّا إِلَى مَنْ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَافْتُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى. آخِرُ تفسير سورة "الضحى" [ولله الحمد] [[زيادة من أ.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ﴾ يا محمد ﴿فَلا تَقْهَرْ﴾ يقول: فلا تظلمه، فتذهب بحقه، استضعافًا منك له. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) : أي لا تظلم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ قال: تُغْمِصْه وَتحْقِره. وذُكر أن ذلك في مصحف عبد الله ﴿فَلا تَكْهَرْ﴾ . * * وقوله: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ يقول: وأما من سألك من ذي حاجة فلا تنهره، ولكن أطعمه واقض له حاجته ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ : يقول: فاذكره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قال: بالنبوّة. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: ثنا سعيد بن إياس الجريريّ، عن أبى نضرة، قال: كان المسلمون يرون أن من شُكْرِ النعم أن يحدّثَ بها. آخر تفسير سورة الضحى، ولله الحمد والشكر

Al-Mukhtasar (français)

ni ne rabroue le mendiant nécessiteux.

11

وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ

Et quant au bienfait de ton Seigneur, proclame-le.

Tafsir (3)
Tafsir Ibn Kathir

تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُّحَى وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. رَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَزةَ الْمُقْرِئِ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عِكْرِمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ وَشِبْلِ بْنِ عبَّاد، فَلَمَّا بَلَغْتُ " وَالضُّحَى " قَالَا لِي: كَبر حَتَّى تَخْتِمَ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنَّا قَرَأْنَا عَلَى ابْنِ كَثِيرٍ فَأَمَرَنَا بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ [[ورواه الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال (١/١٤٥) ثم قال: "هذا حديث غريب، وهو مما أنكر على البزي، قال أبو حاتم: هذا منكر".]] . فَهَذِهِ سُنة تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزِّيُّ، مِنْ وَلَدِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْقِرَاءَاتِ، فَأَمَّا فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ ضَعَّفَه أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَقَالَ: لَا أُحَدِّثُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ قَالَ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. لَكِنْ حَكَى الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ فِي شَرْحِ الشَّاطِبِيَّةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُكَبِّرُ هَذَا التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: أَحْسَنْتَ وَأَصَبْتَ السُّنَّةَ. وَهَذَا يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي مَوْضِعِ هَذَا التَّكْبِيرِ وَكَيْفِيَّتِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُكَبِّرُ مِنْ آخِرِ " وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى " وَقَالَ آخَرُونَ: مِنْ آخِرِ " وَالضُّحَى " وَكَيْفِيَّةُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَقْتَصِرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ فِي مُنَاسَبَةِ التَّكْبِيرِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ "الضُّحَى": أَنَّهُ لَمَّا تَأَخَّرَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفَتَرَ تِلْكَ الْمُدَّةَ [ثُمَّ] [[زيادة من م.]] جَاءَهُ الْمَلَكُ فَأَوْحَى إِلَيْهِ: " وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى " السُّورَةَ بِتَمَامِهَا، كَبَّرَ فَرَحًا وَسُرُورًا. وَلَمْ يُرْوَ ذَلِكَ بِإِسْنَادٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِصِحَّةٍ وَلَا ضَعْفٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[والصواب أن هذا مما لم يصح فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته، رضي الله عنهم، وما روى فيها مما لا تقوم به الحجة، وشيخ الإسلام -ابن تيمية- قد تكلم على هذا التكبير كلاما شديدا في الفتاوى (١٣/٤١٧-٤١٩) ، وانظر: الآداب الشرعية لابن مفلح (٢/٣١٠) ومرويات دعاء ختم القرآن لبكر أبو زيد (ص٦) ومن كتابه استفدت هذا، فجزاه الله خيرا.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ، فَأَتَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[المسند (٤/٣١٢) .]] . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُب -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجلي ثُمَّ العَلقي [[في أ: "العلقمي".]] بِهِ [[صحيح البخاري برقم (١١٢٤، ١١٢٥، ٤٩٨٣، ٤٩٥٠،٤٩٥١) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٧) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٨١) وسنن ابن ماجة برقم (٣٢٥٠) .]] وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ: سَمِعَ جُنْدُبًا قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وُدِّع مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [[هذه الرواية في مسلم والترمذي.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [[في أ: "وعمرو بن عبد الله بن عبد الله الأودي".]] الْأَوْدِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جُنْدُبًا يَقُولُ: رُمِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَجَرٍ فِي أُصْبُعُهُ فَقَالَ: هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ؟ ... قَالَ: فَمَكَثَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لَا يَقُومُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَتْكَ [[في م: "قد تركك".]] فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَالسِّيَاقُ لِأَبِي سَعِيدٍ. قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ هِيَ: أُمُّ جَمِيلٍ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ، وَذُكِرَ أَنَّ أُصْبَعَهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، دَمِيَتْ. وَقَوْلُهُ -هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي اتَّفَقَ أَنَّهُ مَوْزُونٌ-ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٢٨٠٢) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٦) .]] وَلَكِنَّ الْغَرِيبَ هَاهُنَا جَعْلُهُ سَبَبًا لِتَرْكِهِ الْقِيَامِ، وَنُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ. فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الله ابن شَدَّادٍ: أَنَّ خَدِيجَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا قَدْ قَلَاكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَجَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: إِنِّي أَرَى رَبَّكَ قَدْ قَلَاكَ مِمَّا نَرى مِنْ جَزَعِكَ. قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ إلى آخرها [[تفسير الطبري (٣٠/١٤٨) .]] . فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ مِنْ [هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ] [[زيادة من م، أ.]] وَلَعَلَّ ذِكْرَ خَدِيجَةَ لَيْسَ مَحْفُوظًا، أَوْ قَالَتْهُ عَلَى وَجْهِ التَّأَسُّفِ وَالتَّحَزُّنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ -مِنْهُمُ ابْنُ إِسْحَاقَ-أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هِيَ الَّتِي أَوْحَاهَا جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حِينَ تَبَدَّى لَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَدَنَا إِلَيْهِ وَتَدَلَّى مُنْهَبِطًا عَلَيْهِ وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النَّجْمِ: ١٠] . قَالَ: قَالَ لَهُ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا نزلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنُ، أَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ أَيَّامًا، فَتَغَيَّرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وَهَذَا قَسَمٌ مِنْهُ تَعَالَى بِالضُّحَى وَمَا جَعَلَ فِيهِ مِنَ الضِّيَاءِ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ أَيْ: سَكَنَ فَأَظْلَمَ وادلَهَم. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَذَلِكَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ هَذَا وَهَذَا. كَمَا قَالَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [اللَّيْلِ: ١، ٢] ، وَقَالَ: ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ أَيْ: مَا تَرَكَكَ، ﴿وَمَا قَلَى﴾ أَيْ: وَمَا أَبْغَضَكَ، ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى﴾ أَيْ: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ. وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَأَعْظَمَهُمْ لَهَا إِطْرَاحًا، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ [بِالضَّرُورَةِ] [[زيادة من م.]] مِنْ سِيرَتِهِ. وَلَمَّا خُيِّرَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي آخِرِ عُمْرِهِ بَيْنَ الْخُلْدِ فِي الدُّنْيَا إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ الْجَنَّةِ، وَبَيْنَ الصَّيْرُورَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، اخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخعِي، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ، فَأَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ جَعَلْتُ أَمْسَحُ جَنْبَهُ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا آذَنْتَنَا حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الْحَصِيرِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ما لِي وَلِلدُّنْيَا؟! مَا أَنَا وَالدُّنْيَا؟! إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ ظَلّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ راح وتركتها [[في أ: "وتركها".]] . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ الْمَسْعُودِيِّ بِهِ [[المسند (١/٣٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٣٧٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤١٠٩) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ يُعْطِيهِ حَتَّى يُرْضِيَهُ فِي أُمَّتِهِ، وَفِيمَا أعدَّه لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ نَهْرُ الْكَوْثَرِ الَّذِي حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمُجَوَّفِ، وَطِينُهُ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] مِسْكٍ أَذْفَرَ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عمر الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي المهاجر المخزومي، عن عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مَا هُوَ مَفْتُوحٌ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَنْزًا كَنْزًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فَأَعْطَاهُ فِي الْجَنَّةِ أَلْفَ أَلْفَ قَصْرٍ، فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[في أ: "رواه ابن جرير وابن أبي حاتم".]] مِنْ طَرِيقِهِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: ومثلُ هَذَا مَا يُقَالُ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ رِضَاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَلَّا يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ النَّارَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي بِذَلِكَ الشَّفَاعَةَ. وَهَكَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا معاويةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أنا أهلُ بَيْتٍ اخْتَارَ اللَّهُ لَنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [[ورواه البغوي في شرح السنة (١٤/٢٤٨) من طريق ابن أبي شيبة فذكره دون الآية، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٥/٢٣٦) بهذا الطريق ولم يذكر الآية، ولعل ذكرها وقع في كتاب التفسير، ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٤٠٨٢) عن عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ هشام به، وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٦٢) : "هذا إسناد فيه يزيد بن أبي زياد الكوفي مختلف فيه".]] . ثُمَّ قَالَ تعالى يعدد نعَمه عل عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ تُوفّي وَهُوَ حَملٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَقِيلَ: بَعْدَ أَنْ وُلِدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ سِتُّ سِنِينَ. ثُمَّ كَانَ فِي كَفَالَةِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَمَانِ سِنِينَ، فَكَفَلَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَحُوطُهُ وَيَنْصُرُهُ ويَرفع مِنْ قَدره وَيُوقّره، وَيَكُفُّ عَنْهُ أَذَى قَوْمِهِ بَعْدَ أَنِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ عُمْرِهِ، هَذَا وَأَبُو طَالِبٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَدَرِ اللَّهِ وحُسن تَدْبِيرِهِ، إِلَى أَنْ تُوفي أَبُو طَالِبٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِقَلِيلٍ، فَأَقْدَمَ عَلَيْهِ سُفَهَاءُ قُرَيْشٍ وجُهالهم، فَاخْتَارَ اللَّهُ لَهُ الْهِجْرَةَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ إِلَى بَلَدِ الْأَنْصَارِ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، كَمَا أَجْرَى اللَّهُ سُنَّته عَلَى الْوَجْهِ الْأَتَمِّ وَالْأَكْمَلِ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ آوَوه ونَصَرُوه وَحَاطُوهُ وَقَاتَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَكُلُّ هَذَا مِنْ حِفْظِ اللَّهِ لَهُ وَكِلَاءَتِهِ وَعِنَايَتِهِ بِهِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشُّورَى: ٥٢] وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ [إِنَّ] [[زيادة من م.]] الْمُرَادَ بِهَذَا أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ضَلَّ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَهُوَ صَغِيرٌ، ثُمَّ رَجَعَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ ضَلَّ وَهُوَ مَعَ عَمِّهِ فِي طَرِيقِ الشَّامِ، وَكَانَ رَاكِبًا نَاقَةً فِي اللَّيْلِ، فَجَاءَ إِبْلِيسُ يَعْدِلُ بِهَا عَنِ الطَّرِيقِ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَنَفَخَ إِبْلِيسَ نَفْخَةً ذَهَبَ مِنْهَا إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ عَدَلَ بالراحلة إلى الطريق. حكاهما البغوي. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ أَيْ: كُنْتَ فَقِيرًا ذَا عِيَالٍ، فَأَغْنَاكَ اللَّهُ عَمَّنْ سِوَاهُ، فَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ مَقَامَيِ، الْفَقِيرِ الصَّابِرِ وَالْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ مَنَازِلَ الرَّسُولِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ -مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ-عَنْ مَعْمَر، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبّه قَالَ: هَذَا مَا حَدّثنا أَبُو هُرَيرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَض، وَلَكِنَّ [[في م: "وإنما".]] الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ" [[لم أقع عليه في الصحيحين من هذا الطريق، وقد جاء فيهما من طرق أخر عن أبي هريرة، انظر: صحيح البخاري برقم (٦٤٤٦) وصحيح مسلم برقم (١٠٥١) .]] . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، ورُزق كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ [[في أ: "ومتعه".]] اللَّهُ بِمَا آتَاهُ" [[صحيح مسلم برقم (١٠٥٤) .]] . ثُمَّ قَالَ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ أَيْ: كَمَا كُنْتَ يَتِيمًا فَآوَاكَ اللَّهُ فَلَا تَقْهَرِ الْيَتِيمَ، أَيْ: لَا تُذِلَّهُ وَتَنْهَرْهُ وَتُهِنْهُ، وَلَكِنْ أحسِنْ إِلَيْهِ، وَتَلَطَّفْ بِهِ. قَالَ قَتَادَةُ: كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ. ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ ضَالًّا فَهَدَاكَ اللَّهُ، فَلَا تَنْهَرِ السَّائِلَ فِي الْعِلْمِ الْمُسْتَرْشِدَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أَيْ: فَلَا تَكُنْ جَبَّارًا، وَلَا مُتَكَبِّرًا، وَلَا فَحَّاشا، وَلَا فَظّا عَلَى الضُّعَفَاءِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي رَد الْمِسْكِينَ بِرَحْمَةٍ وَلِينٍ. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أَيْ: وَكَمَا كُنْتَ عَائِلًا فَقِيرًا فَأَغْنَاكَ اللَّهُ، فَحَدِّثْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ، كَمَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ النَّبَوِيِّ: "وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ [[في أ: "لنعمك".]] مُثْنِينَ بِهَا، قَابِلِيهَا، وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا". وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَية، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ الجُرَيري، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أَنَّ مِنْ شُكْرِ النِّعَمِ أَنْ يُحَدَّثَ بِهَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا الْجَرَّاحُ بْنُ مَليح، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ: "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ. وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شَكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ. والجماعة رحمة، والفرقة عذاب" [[زوائد المسند (٤/٢٧٨) .]] إسناد ضعيف. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الْأَنْصَارُ بِالْأَجْرِ كُلِّهِ. قَالَ: "لَا مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ، وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ" [[لم أقع عليه في الصحيحين، ورواه الإمام أحمد في المسند (٣/٢٠٠) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١١) وسنن الترمذي برقم (١٩٥٤) .]] وَقَالَ: صَحِيحٌ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أُبْلِي بَلَاءً فَذَكَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَإِنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١٤) .]] . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا بِشْرٌ [[في أ: "بشير".]] حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزْية، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أعطَى عَطاء فَوَجَد فَليَجزْ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَليُثن بِهِ، فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُمارة بْنِ غَزية، عَنْ شُرَحْبِيلَ عَنْ جَابِرٍ -كَرِهُوهُ فَلَمْ يُسَمُّوهُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٤٨١٣) .]] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي النُّبُوَّةَ الَّتِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْقُرْآنُ. وَقَالَ لَيْثٌ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قَالَ: مَا عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ فَحَدث إِخْوَانَكَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: مَا جَاءَكَ اللَّهُ [[في م: "ما جاءك من الله".]] مِنْ نِعْمَةٍ وَكَرَامَةٍ مِنَ النُّبُوَّةِ فَحَدِّثْ بِهَا وَاذْكُرْهَا، وَادْعُ إِلَيْهَا. وَقَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النُّبُوَّةِ سِرًّا إِلَى مَنْ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَافْتُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى. آخِرُ تفسير سورة "الضحى" [ولله الحمد] [[زيادة من أ.]] .

Tafsir al-Tabari

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ﴾ يا محمد ﴿فَلا تَقْهَرْ﴾ يقول: فلا تظلمه، فتذهب بحقه، استضعافًا منك له. كما:- ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) : أي لا تظلم. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ قال: تُغْمِصْه وَتحْقِره. وذُكر أن ذلك في مصحف عبد الله ﴿فَلا تَكْهَرْ﴾ . * * وقوله: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ يقول: وأما من سألك من ذي حاجة فلا تنهره، ولكن أطعمه واقض له حاجته ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ : يقول: فاذكره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قال: بالنبوّة. ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: ثنا سعيد بن إياس الجريريّ، عن أبى نضرة، قال: كان المسلمون يرون أن من شُكْرِ النعم أن يحدّثَ بها. آخر تفسير سورة الضحى، ولله الحمد والشكر

Al-Mukhtasar (français)

Quant aux bienfaits d’Allah, sois-en reconnaissant et proclame-les.

← Toutes les sourates