تَفْسِيرُ سُورَةِ أَلَمْ نَشْرَحْ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * يَقُولُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ يَعْنِي: أَمَا شَرَحْنَا لَكَ صَدْرَكَ، أَيْ: نَوَّرْنَاهُ وَجَعَلْنَاهُ فَسيحًا رَحِيبًا وَاسِعًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٥] ، وَكَمَا شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ كَذَلِكَ جَعَلَ شَرْعه فَسِيحًا وَاسِعًا سَمْحًا سَهْلًا لَا حَرَجَ فِيهِ وَلَا إِصْرَ وَلَا ضِيقَ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ شَرْحُ صَدْرِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير أول سورة الإسراء.]] وَقَدْ أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيُّ هَاهُنَا. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا، وَلَكِنْ لَا مُنَافَاةَ، فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ شَرْحِ صَدْرِهِ الَّذِي فُعِل بِصَدْرِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَمَا نَشَأَ عَنْهُ مِنَ الشَّرْحِ الْمَعْنَوِيِّ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ [[في أ: "محمد بن عبد الرحمن ".]] أَبُو يَحْيَى الْبَزَّازُ [[في م، أ: "البزار".]] حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ مُعَاذٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ جَرِيًّا عَلَى أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ لَا يَسْأَلُهُ عَنْهَا غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أولُ مَا رَأَيْتَ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ؟ فَاسْتَوَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا وَقَالَ: "لَقَدْ سألتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنِّي لَفِي الصَّحْرَاءِ ابنُ عَشْرِ سِنِينَ وَأَشْهُرٍ، وَإِذَا بِكَلَامٍ فَوْقَ رَأْسِي، وَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ لِرَجُلٍ: أَهُوَ هُوَ؟ [قَالَ: نَعَمْ] [[زيادة من المسند.]] فَاسْتَقْبَلَانِي بِوُجُوهٍ لَمْ أَرَهَا [لِخَلْقٍ] [[زيادة من المسند.]] قَطُّ، وَأَرْوَاحٍ لَمْ أَجِدْهَا مِنْ خَلْقٍ قَطُّ، وَثِيَابٍ لَمْ أَرَهَا عَلَى أَحَدٍ قَطُّ. فَأَقْبَلَا إِلَيَّ يَمْشِيَانِ، حَتَّى أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بعَضُدي، لَا أَجِدُ لِأَحَدِهِمَا مَسًّا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَضْجِعْهُ. فَأَضْجَعَانِي بِلَا قَصْر وَلَا هَصْر. فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: افْلِقْ صَدْرَهُ. فَهَوَى أَحَدُهُمَا إِلَى صَدْرِي فَفَلَقَهُ فِيمَا أَرَى بِلَا دَمٍ وَلَا وَجَعٍ، فَقَالَ لَهُ: أَخْرِجِ الغِلّ والحَسَد. فَأَخْرَجَ شَيْئًا كَهَيْئَةِ الْعَلَقَةِ ثُمَّ نَبَذَهَا فَطَرَحَهَا، فَقَالَ لَهُ: أَدْخِلِ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ، فَإِذَا مِثْلُ الَّذِي أَخْرَجَ شبهُ الفضة، ثم هز إِبْهَامَ رِجْلِي الْيُمْنَى فَقَالَ: اغدُ وَاسْلَمْ. فَرَجَعْتُ بِهَا أَغْدُو، رِقَّةً عَلَى الصَّغِيرِ، وَرَحْمَةً لِلْكَبِيرِ" [[زوائد المسند (٥/١٣٩) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٢٢٢) : "رجاله ثقات وثقهم ابن حبان".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ بِمَعْنَى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الْفَتْحِ: ٢] ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ الْإِنْقَاضُ: الصَّوْتُ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أَيْ: أَثْقَلَكَ حَمْلُهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا أُذْكرُ إِلَّا ذُكِرتَ مَعِي: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: رَفَعَ اللهُ ذكرَه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ وَلَا مُتشهد وَلَا صاحبُ صَلَاةٍ إِلَّا يُنَادِي بِهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَراج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبِّي وَرَبَّكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: إِذَا ذُكِرتُ ذُكِرتَ مَعِي"، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، بِهِ وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٣٠/١٥١) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا أَبُو عُمر الحَوضي، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سَأَلْتُ رَبِّي مَسْأَلَةً وَدَدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُهُ، قُلْتُ: قَدْ كَانَتْ قَبْلِي أَنْبِيَاءُ، مِنْهُمْ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ [[في أ: "البحر".]] وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْيِي الْمَوْتَى. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَشْرَحْ [[في أ: "ألم نشرح".]] لَكَ صَدْرَكَ؟ أَلَمْ أَرْفَعْ لَكَ ذِكْرَكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥٢٦) من طريق أحمد بن سلمة، عن عبد الله بن الجراح، عن حماد بن زيد به، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]] . وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي "دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ": حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الجَوْني، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ بَهْرام الْهِيَتِيُّ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا فَرَغْتُ مِمَّا أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ أَمْرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْتُ: يَا رَبِّ، إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا وَقَدْ كَرَّمْتَهُ، جَعَلْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَمُوسَى كَلِيمًا، وَسَخَّرْتَ لِدَاوُدَ الْجِبَالَ، وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ وَالشَّيَاطِينَ، وَأَحْيَيْتَ لِعِيسَى الْمَوْتَى، فَمَا جَعَلْتَ لِي؟ قال: أو ليس قَدْ أَعْطَيْتُكَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، أَنِّي لَا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي، وَجَعَلْتُ صُدُورَ أُمَّتِكَ أَنَاجِيلَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ ظَاهِرًا، وَلَمْ أُعْطِهَا أُمَّةً، وَأَعْطَيْتُكَ كَنْزًا مِنْ كُنُوزِ عَرْشِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ" [[وذكره المؤلف في البداية والنهاية (٦/٢٨٨) ثم قال: "وهذا إسناد فيه غرابة، ولكن أورد له شاهدا من طريق أبي القاسم بن منيع البغوي، عن سليمان بن داود المهراني، عن حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مرفوعا بنحوه".]] . وَحَكَى الْبَغَوِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ: الْأَذَانُ. يَعْنِي: ذِكْرَهُ فِيهِ، وَأَوْرَدَ مِنْ شِعْرِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: أغَرّ عَلَيه لِلنُّبُوَّةِ خَاتَم ... مِنَ اللَّهِ مِنْ نُور يَلوحُ وَيشْهَد ... وَضمَّ الإلهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ ... إِذَا قَالَ فِي الخَمْس المؤذنُ: أشهدُ ... وَشَقَّ لَهُ مِن اسْمِهِ ليُجِلَّه ... فَذُو العَرشِ محمودٌ وهَذا مُحَمَّدُ [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٤٦٤) .]] وَقَالَ آخَرُونَ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، وَنَوَّهَ بِهِ، حِينَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وَأَنْ يَأْمُرُوا أُمَمَهُمْ [[في أ: "أمتهم".]] بِالْإِيمَانِ بِهِ، ثُمَّ شَهَرَ ذِكْرَهُ فِي أُمَّتِهِ فَلَا يُذكر اللَّهُ إِلَّا ذُكر مَعَهُ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ الصَّرْصَرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا يَصِحُّ الأذانُ فِي الفَرْضِ إِلَّا ... باسمِه العَذْب فِي الْفَمِ المرْضي ... وَقَالَ أَيْضًا: [ألَم تَر أنَّا لَا يَصحُّ أذانُنَا ... وَلا فَرْضُنا إنْ لَمْ نُكَررْه فِيهِمَا] [[زيادة من م، أ.]] ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يوجَدُ الْيُسْرُ، ثُمَّ أَكَّدَ هَذَا الْخَبَرَ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا حُميد بْنُ حَمَّادِ بْنِ خَوَار أَبُو الْجَهْمِ، حَدَّثَنَا عَائِذُ بْنُ شُريح قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا [[في أ: "جالس" وهو خطأ.]] وَحِيَالَهُ حجر، فقال: "لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: [[كذا في م، أ، هـ: "إن" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.]] ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٢٥٥) من طريق محمود بن غيلان به، وقال الحاكم: "هذا حديث عجيب غير أن الشيخين لم يحتجا بعائذ بن شريح". وقال الذهبي:"تفرد حميد بن حماد، عن عائذ، وحميد منكر الحديث كعائذ".]] . وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْمَر، عَنْ حُميد بْنِ حَمَّادٍ، بِهِ وَلَفْظُهُ: "لَوْ جاء العسر حتى يدخل هذا الحجر لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يُخْرِجَهُ" ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ أَنَسٍ إِلَّا عَائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ [[مسند البزار برقم (٢٢٨٨) "كشف الأستار" ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤١٦) من طريق محمد بن معمر به.]] . قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ، وَلَكِنْ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود موقوفا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَاحِ، حَدَّثَنَا أَبُو قَطَن [[في أ: "مطر".]] حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: لَا يَغْلِبُ عُسْرٌ وَاحِدٌ يُسْرَيْنِ اثْنَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في أ: "حدثنا أبو".]] ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا مَسْرُورًا فَرِحًا وَهُوَ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: "لَنْ يَغْلِب عُسْر يُسْرَيْنِ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، فَإِنَّ [[كذا في م، أ، هـ: "إن" وهو خطأ. من ابن جرير (٣٠/١٥١) .]] مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا". وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا [[تفسير الطبري (٣٠/١٥١) ورواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٣٠٩) عن معمر، عن الحسن به مرسلا، وقد جاء موقوفا على ابن مسعود، رواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٣٠٩) من طريق ميمون عن إبراهيم النخعي عنه، وجاء مرفوعا عن جابر، رواه ابن مردويه في تفسيره، وقال الحافظ ابن حجر: "إسناده ضعيف".]] . وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَشَّرَ أَصْحَابَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّ الْعُسْرَ مُعَرَّفٌ فِي الْحَالَيْنِ، فَهُوَ مُفْرَدٌ، وَالْيُسْرُ مُنَكَّرٌ فَتَعَدَّدَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ فَالْعُسْرُ الْأَوَّلُ عَيْنُ [[في م: "هو".]] الثَّانِي وَالْيُسْرُ تَعَدَّدَ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَزَّلَ [[في أ: "نزلت".]] الْمَعُونَةَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى قَدْرِ الْمَؤُونَةِ، وَنَزَّلَ الصَّبْرَ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ" [[ورواه البزار في مسنده برقم (١٥٠٦) "كشف الأستار" وابن عدي في الكامل (٤/١١٥) من طريق عبد العزيز الدراوردي عن طارق وعباد بن كثير، عن أبي الزناد به. وقال البزار: "لا نعلمه عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد". وقال ابن عدي: "وطارق بن عمار يعرف بهذا الحديث". والحديث معلول. انظر: العلل لابن أبي حاتم (٢/١٢٦،١٣٣) والكامل لابن عدي (٦/٢٣٨،٤٠٢، ٢/٣٧، ٤/١١٥) .]] . وَمِمَّا يُرْوَى عَنِ الشَّافِعِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: صَبرا جَميلا مَا أقرَبَ الفَرجا ... مَن رَاقَب اللَّهَ فِي الْأُمُورِ نَجَا ... مَن صَدَق اللَّهَ لَم يَنَلْه أذَى ... وَمَن رَجَاه يَكون حَيثُ رَجَا ... وَقَالَ ابْنُ دُرَيد: أَنْشَدَنِي أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: إِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى الْيَأْسِ القلوبُ ... وَضَاقَ لِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرحيبُ ... وَأَوْطَأَتِ الْمَكَارِهُ وَاطْمَأَنَّتْ ... وَأَرْسَتْ فِي أَمَاكِنِهَا الخطوبُ ... وَلَمْ تَرَ لِانْكِشَافِ الضُّرِّ وَجْهًا ... وَلَا أَغْنَى بحيلته الأريبُ .. أَتَاكَ عَلَى قُنوط مِنْكَ غَوثٌ ... يَمُنُّ بِهِ اللَّطِيفُ المستجيبُ ... وَكُلُّ الْحَادِثَاتِ إِذَا تَنَاهَتْ ... فَمَوْصُولٌ بِهَا الْفَرَجُ الْقَرِيبُ ... وَقَالَ آخَرُ: وَلَرُب نَازِلَةٍ يَضِيقُ بِهَا الْفَتَى ... ذَرْعًا وَعِنْدَ اللَّهِ مِنْهَا الْمَخْرَجُ ... كَمُلَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلْقَاتُهَا ... فُرِجَتْ وَكَانَ يَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ أَيْ: إِذَا فَرغت مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَأَشْغَالِهَا وَقَطَعْتَ عَلَائِقَهَا، فَانْصَبْ فِي الْعِبَادَةِ، وَقُمْ إِلَيْهَا نَشِيطًا فَارِغَ الْبَالِ، وَأَخْلِصْ لِرَبِّكَ النِّيَّةَ وَالرَّغْبَةَ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: "لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٥٦٠) من حديث عائشة، رضي الله عنها.]] وَقَوْلُهُ ﷺ: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَحَضَرَ الْعَشَاءُ، فَابْدَءُوا بالعَشَاء" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٤٦٥) من حديث عائشة، رضي الله عنها.]] . قَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَقُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَانْصَبْ لِرَبِّكَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَانْصَبْ فِي حَاجَتِكَ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْفَرَائِضِ فَانْصَبْ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ. وَعَنِ ابْنِ عِيَاضٍ نَحْوُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ بَعْدَ فَرَاغِكَ مِنَ الصَّلَاةِ وَأَنْتَ جَالِسٌ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يَعْنِي: فِي الدُّعَاءِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ أَيْ: مِنَ الْجِهَادِ ﴿فَانْصَبْ﴾ أَيْ: فِي الْعِبَادَةِ. ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: اجْعَلْ نِيَّتَكَ وَرَغْبَتَكَ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. آخِرُ تَفْسِيرِ سورة "ألم نشرح" ولله الحمد.
Ash-Sharh سُورَةُ الشَّرۡحِ
Sourate 94 · 8 versets · Meccan
بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
N'avons-Nous pas ouvert pour toi ta poitrine?
Tafsir (3)
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، مذكِّره آلاءه عنده، وإحسانه إليه، حاضا له بذلك على شكره، على ما أنعم عليه، ليستوجب بذلك المزيد منه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ يا محمد، للهدى والإيمان بالله ومعرفة الحقّ ﴿صَدْرِكَ﴾ فنلِّين لك قلبك، ونجعله وعاء للحكمة: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ يقول: وغفرنا لك ما سلف من ذنوبك، وحططنا عنك ثقل أيام الجاهلية التي كنت فيها، وهي في قراءة عبد الله فيما ذُكر: ﴿وَحَلَلْنا عَنْكَ وِقْرَكَ الَّذِي أَنْقَض ظَهْرَكَ﴾ يقول: الذي أثقل ظهرك فأوهنه، وهو من قولهم للبعير إذا كان رجيع سفر قد أوهنه السفر، وأذهب لحمه: هو نِقْضُ سَفَر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: ذنبك. ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: أثقل ظهرك. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ : كانت للنبيّ ﷺ ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: كانت للنبي: ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ يعني: الشرك الذي كان فيه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: شرح له صدرَه، وغفر له ذنبَه الذي كان قبل أن يُنَبأ، فوضعه. وفي قوله: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: أثقله وجهده، كما يُنْقِضُ البعيرَ حِمْلُه الثقيل، حتى يصير نِقضا بعد أن كان سمينا ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: ذنبك الذي أنقض ظهرَك، أثقل ظهرك، ووضعناه عنك، وخفَّفنا عنك ما أثقل ظهرَك. * * وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ يقول: ورفعنا لك ذكرك، فلا أُذْكَرُ إلا ذُكِرْتَ معي، وذلك قول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وعمرو بن مالك، قالا ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال: لا أُذْكَرُ إلا ذُكْرِتَ معي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال النبيّ ﷺ: "ابْدَءُوا بالعُبُودَةِ، وَثَنُّوا بالرسالة" فقلت لمعمر، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده، فهو العبودة، ورسوله أن تقول: عبده ورسوله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة، إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله ﷺ، أنه قال: "أتانِي جِبْرِيلُ فَقالَ إنَّ رَبِّي وَرَبكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ؟ قال: الله أعْلَمُ، قال: إذَا ذُكِرْتُ ذُكرتَ مَعِي". * * وقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فإنّ مع الشدّة التي أنت فيها من جهاد هؤلاء المشركين، ومن أوّله ما أنت بسبيله رجاء وفرجا بأن يُظْفِرَكَ بهم، حتى ينقادوا للحقّ الذي جئتهم به طوعا وكَرها. ورُوي عن النبيّ ﷺ أن هذه الآية لما نزلت، بَشَّر بها أصحابه وقال: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت يونس، قال: قال الحسن: لما نزلت هذه الآية ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال رسول الله ﷺ: "أبْشِرُوا أتاكُمُ اليُسْرُ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن يونس، عن الحسن، مثله، عن النبيّ ﷺ. ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن الحسن، عن النبي ﷺ، بنحوه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، قال: خرج النبيّ ﷺ يوما مسرورا فَرِحا وهو يضحك، وهو يقول: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ". ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ذُكر لنا أن رسول الله ﷺ بشَّر أصحابه بهذه الآية، فقال: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن معاوية بن قرة أبي إياس، عن رجل، عن عبد الله بن مسعود، قال: لو دخل العسر في جُحْر، لجاء اليسر حتى يدخل عليه، لأن الله يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن رجل، عن عبد الله، بنحوه. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم: قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال: يتبع اليسرُ العُسَر. * * وقوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: فإذا فَرعت من صلاتك، فانصب إلى ربك في الدعاء، وسله حاجاتك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: في الدعاء. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: فإذا فرغت مما فُرض عليك من الصلاة فسل الله، وارغب إليه، وانصب له. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا قمت إلى الصلاة فانصب في حاجتك إلى ربك. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: من الصلاة المكتوبة قبل أن تسلِّم، فانصَب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: أمره إذا فرغ من صلاته أن يبالغ في دعائه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من صلاتك ﴿فَانْصَبْ﴾ في الدعاء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من جهاد عدوّك ﴿فَانْصَبْ﴾ في عبادة ربك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: أمره إذا فرغ من غزوه، أن يجتهد في الدعاء والعبادة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال عن أبيه: فإذا فرغت من الجهاد، جهاد العرب، وانقطع جهادهم، فانصب لعبادة الله ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ . وقال آخرون: بل معنى ذلك: فإذا فرغت من أمر دنياك، فانصب في عبادة ربك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا فرغت من أمر الدنيا فانصب، قال: فصّل. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا فرغت من أمر دنياك فانصب، فصّل. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ قال: إذا فرغت من أمر الدنيا، وقمت إلى الصلاة، فاجعل رغبتك ونيتك له. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: إن الله تعالى ذكره، أمر نبيه أن يجعل فراغه من كلّ ما كان به مشتغلا من أمر دنياه وآخرته، مما أدّى له الشغل به، وأمره بالشغل به إلى النصب في عبادته، والاشتغال فيما قرّبه إليه، ومسألته حاجاته، ولم يخصص بذلك حالا من أحوال فراغه دون حال، فسواء كلّ أحوال فراغه، من صلاة كان فراغه، أو جهاد، أو أمر دنيا كان به مشتغلا لعموم الشرط في ذلك، من غير خصوص حال فراغ، دون حال أخرى. * * وقوله: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ يقول تعالى ذكره: وإلى ربك يا محمد فاجعل رغبتك، دون من سواه من خلقه، إذ كان هؤلاء المشركون من قومك قد جعلوا رغبتهم في حاجاتهم إلى الآلهة والأنداد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: اجعل نيتك ورغبتك إلى الله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: اجعل رغبتك ونيتك إلى ربك. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: إذا قمت إلى الصلاة. آخر تفسير سورة ألم نشرح
Allah t’a ouvert la poitrine de manière à te faire aimer recevoir la Révélation.
وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ
Et ne t'avons-Nous pas déchargé du fardeau
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ أَلَمْ نَشْرَحْ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * يَقُولُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ يَعْنِي: أَمَا شَرَحْنَا لَكَ صَدْرَكَ، أَيْ: نَوَّرْنَاهُ وَجَعَلْنَاهُ فَسيحًا رَحِيبًا وَاسِعًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٥] ، وَكَمَا شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ كَذَلِكَ جَعَلَ شَرْعه فَسِيحًا وَاسِعًا سَمْحًا سَهْلًا لَا حَرَجَ فِيهِ وَلَا إِصْرَ وَلَا ضِيقَ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ شَرْحُ صَدْرِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير أول سورة الإسراء.]] وَقَدْ أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيُّ هَاهُنَا. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا، وَلَكِنْ لَا مُنَافَاةَ، فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ شَرْحِ صَدْرِهِ الَّذِي فُعِل بِصَدْرِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَمَا نَشَأَ عَنْهُ مِنَ الشَّرْحِ الْمَعْنَوِيِّ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ [[في أ: "محمد بن عبد الرحمن ".]] أَبُو يَحْيَى الْبَزَّازُ [[في م، أ: "البزار".]] حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ مُعَاذٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ جَرِيًّا عَلَى أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ لَا يَسْأَلُهُ عَنْهَا غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أولُ مَا رَأَيْتَ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ؟ فَاسْتَوَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا وَقَالَ: "لَقَدْ سألتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنِّي لَفِي الصَّحْرَاءِ ابنُ عَشْرِ سِنِينَ وَأَشْهُرٍ، وَإِذَا بِكَلَامٍ فَوْقَ رَأْسِي، وَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ لِرَجُلٍ: أَهُوَ هُوَ؟ [قَالَ: نَعَمْ] [[زيادة من المسند.]] فَاسْتَقْبَلَانِي بِوُجُوهٍ لَمْ أَرَهَا [لِخَلْقٍ] [[زيادة من المسند.]] قَطُّ، وَأَرْوَاحٍ لَمْ أَجِدْهَا مِنْ خَلْقٍ قَطُّ، وَثِيَابٍ لَمْ أَرَهَا عَلَى أَحَدٍ قَطُّ. فَأَقْبَلَا إِلَيَّ يَمْشِيَانِ، حَتَّى أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بعَضُدي، لَا أَجِدُ لِأَحَدِهِمَا مَسًّا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَضْجِعْهُ. فَأَضْجَعَانِي بِلَا قَصْر وَلَا هَصْر. فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: افْلِقْ صَدْرَهُ. فَهَوَى أَحَدُهُمَا إِلَى صَدْرِي فَفَلَقَهُ فِيمَا أَرَى بِلَا دَمٍ وَلَا وَجَعٍ، فَقَالَ لَهُ: أَخْرِجِ الغِلّ والحَسَد. فَأَخْرَجَ شَيْئًا كَهَيْئَةِ الْعَلَقَةِ ثُمَّ نَبَذَهَا فَطَرَحَهَا، فَقَالَ لَهُ: أَدْخِلِ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ، فَإِذَا مِثْلُ الَّذِي أَخْرَجَ شبهُ الفضة، ثم هز إِبْهَامَ رِجْلِي الْيُمْنَى فَقَالَ: اغدُ وَاسْلَمْ. فَرَجَعْتُ بِهَا أَغْدُو، رِقَّةً عَلَى الصَّغِيرِ، وَرَحْمَةً لِلْكَبِيرِ" [[زوائد المسند (٥/١٣٩) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٢٢٢) : "رجاله ثقات وثقهم ابن حبان".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ بِمَعْنَى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الْفَتْحِ: ٢] ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ الْإِنْقَاضُ: الصَّوْتُ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أَيْ: أَثْقَلَكَ حَمْلُهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا أُذْكرُ إِلَّا ذُكِرتَ مَعِي: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: رَفَعَ اللهُ ذكرَه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ وَلَا مُتشهد وَلَا صاحبُ صَلَاةٍ إِلَّا يُنَادِي بِهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَراج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبِّي وَرَبَّكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: إِذَا ذُكِرتُ ذُكِرتَ مَعِي"، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، بِهِ وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٣٠/١٥١) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا أَبُو عُمر الحَوضي، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سَأَلْتُ رَبِّي مَسْأَلَةً وَدَدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُهُ، قُلْتُ: قَدْ كَانَتْ قَبْلِي أَنْبِيَاءُ، مِنْهُمْ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ [[في أ: "البحر".]] وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْيِي الْمَوْتَى. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَشْرَحْ [[في أ: "ألم نشرح".]] لَكَ صَدْرَكَ؟ أَلَمْ أَرْفَعْ لَكَ ذِكْرَكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥٢٦) من طريق أحمد بن سلمة، عن عبد الله بن الجراح، عن حماد بن زيد به، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]] . وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي "دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ": حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الجَوْني، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ بَهْرام الْهِيَتِيُّ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا فَرَغْتُ مِمَّا أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ أَمْرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْتُ: يَا رَبِّ، إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا وَقَدْ كَرَّمْتَهُ، جَعَلْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَمُوسَى كَلِيمًا، وَسَخَّرْتَ لِدَاوُدَ الْجِبَالَ، وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ وَالشَّيَاطِينَ، وَأَحْيَيْتَ لِعِيسَى الْمَوْتَى، فَمَا جَعَلْتَ لِي؟ قال: أو ليس قَدْ أَعْطَيْتُكَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، أَنِّي لَا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي، وَجَعَلْتُ صُدُورَ أُمَّتِكَ أَنَاجِيلَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ ظَاهِرًا، وَلَمْ أُعْطِهَا أُمَّةً، وَأَعْطَيْتُكَ كَنْزًا مِنْ كُنُوزِ عَرْشِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ" [[وذكره المؤلف في البداية والنهاية (٦/٢٨٨) ثم قال: "وهذا إسناد فيه غرابة، ولكن أورد له شاهدا من طريق أبي القاسم بن منيع البغوي، عن سليمان بن داود المهراني، عن حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مرفوعا بنحوه".]] . وَحَكَى الْبَغَوِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ: الْأَذَانُ. يَعْنِي: ذِكْرَهُ فِيهِ، وَأَوْرَدَ مِنْ شِعْرِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: أغَرّ عَلَيه لِلنُّبُوَّةِ خَاتَم ... مِنَ اللَّهِ مِنْ نُور يَلوحُ وَيشْهَد ... وَضمَّ الإلهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ ... إِذَا قَالَ فِي الخَمْس المؤذنُ: أشهدُ ... وَشَقَّ لَهُ مِن اسْمِهِ ليُجِلَّه ... فَذُو العَرشِ محمودٌ وهَذا مُحَمَّدُ [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٤٦٤) .]] وَقَالَ آخَرُونَ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، وَنَوَّهَ بِهِ، حِينَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وَأَنْ يَأْمُرُوا أُمَمَهُمْ [[في أ: "أمتهم".]] بِالْإِيمَانِ بِهِ، ثُمَّ شَهَرَ ذِكْرَهُ فِي أُمَّتِهِ فَلَا يُذكر اللَّهُ إِلَّا ذُكر مَعَهُ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ الصَّرْصَرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا يَصِحُّ الأذانُ فِي الفَرْضِ إِلَّا ... باسمِه العَذْب فِي الْفَمِ المرْضي ... وَقَالَ أَيْضًا: [ألَم تَر أنَّا لَا يَصحُّ أذانُنَا ... وَلا فَرْضُنا إنْ لَمْ نُكَررْه فِيهِمَا] [[زيادة من م، أ.]] ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يوجَدُ الْيُسْرُ، ثُمَّ أَكَّدَ هَذَا الْخَبَرَ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا حُميد بْنُ حَمَّادِ بْنِ خَوَار أَبُو الْجَهْمِ، حَدَّثَنَا عَائِذُ بْنُ شُريح قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا [[في أ: "جالس" وهو خطأ.]] وَحِيَالَهُ حجر، فقال: "لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: [[كذا في م، أ، هـ: "إن" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.]] ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٢٥٥) من طريق محمود بن غيلان به، وقال الحاكم: "هذا حديث عجيب غير أن الشيخين لم يحتجا بعائذ بن شريح". وقال الذهبي:"تفرد حميد بن حماد، عن عائذ، وحميد منكر الحديث كعائذ".]] . وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْمَر، عَنْ حُميد بْنِ حَمَّادٍ، بِهِ وَلَفْظُهُ: "لَوْ جاء العسر حتى يدخل هذا الحجر لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يُخْرِجَهُ" ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ أَنَسٍ إِلَّا عَائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ [[مسند البزار برقم (٢٢٨٨) "كشف الأستار" ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤١٦) من طريق محمد بن معمر به.]] . قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ، وَلَكِنْ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود موقوفا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَاحِ، حَدَّثَنَا أَبُو قَطَن [[في أ: "مطر".]] حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: لَا يَغْلِبُ عُسْرٌ وَاحِدٌ يُسْرَيْنِ اثْنَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في أ: "حدثنا أبو".]] ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا مَسْرُورًا فَرِحًا وَهُوَ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: "لَنْ يَغْلِب عُسْر يُسْرَيْنِ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، فَإِنَّ [[كذا في م، أ، هـ: "إن" وهو خطأ. من ابن جرير (٣٠/١٥١) .]] مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا". وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا [[تفسير الطبري (٣٠/١٥١) ورواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٣٠٩) عن معمر، عن الحسن به مرسلا، وقد جاء موقوفا على ابن مسعود، رواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٣٠٩) من طريق ميمون عن إبراهيم النخعي عنه، وجاء مرفوعا عن جابر، رواه ابن مردويه في تفسيره، وقال الحافظ ابن حجر: "إسناده ضعيف".]] . وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَشَّرَ أَصْحَابَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّ الْعُسْرَ مُعَرَّفٌ فِي الْحَالَيْنِ، فَهُوَ مُفْرَدٌ، وَالْيُسْرُ مُنَكَّرٌ فَتَعَدَّدَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ فَالْعُسْرُ الْأَوَّلُ عَيْنُ [[في م: "هو".]] الثَّانِي وَالْيُسْرُ تَعَدَّدَ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَزَّلَ [[في أ: "نزلت".]] الْمَعُونَةَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى قَدْرِ الْمَؤُونَةِ، وَنَزَّلَ الصَّبْرَ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ" [[ورواه البزار في مسنده برقم (١٥٠٦) "كشف الأستار" وابن عدي في الكامل (٤/١١٥) من طريق عبد العزيز الدراوردي عن طارق وعباد بن كثير، عن أبي الزناد به. وقال البزار: "لا نعلمه عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد". وقال ابن عدي: "وطارق بن عمار يعرف بهذا الحديث". والحديث معلول. انظر: العلل لابن أبي حاتم (٢/١٢٦،١٣٣) والكامل لابن عدي (٦/٢٣٨،٤٠٢، ٢/٣٧، ٤/١١٥) .]] . وَمِمَّا يُرْوَى عَنِ الشَّافِعِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: صَبرا جَميلا مَا أقرَبَ الفَرجا ... مَن رَاقَب اللَّهَ فِي الْأُمُورِ نَجَا ... مَن صَدَق اللَّهَ لَم يَنَلْه أذَى ... وَمَن رَجَاه يَكون حَيثُ رَجَا ... وَقَالَ ابْنُ دُرَيد: أَنْشَدَنِي أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: إِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى الْيَأْسِ القلوبُ ... وَضَاقَ لِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرحيبُ ... وَأَوْطَأَتِ الْمَكَارِهُ وَاطْمَأَنَّتْ ... وَأَرْسَتْ فِي أَمَاكِنِهَا الخطوبُ ... وَلَمْ تَرَ لِانْكِشَافِ الضُّرِّ وَجْهًا ... وَلَا أَغْنَى بحيلته الأريبُ .. أَتَاكَ عَلَى قُنوط مِنْكَ غَوثٌ ... يَمُنُّ بِهِ اللَّطِيفُ المستجيبُ ... وَكُلُّ الْحَادِثَاتِ إِذَا تَنَاهَتْ ... فَمَوْصُولٌ بِهَا الْفَرَجُ الْقَرِيبُ ... وَقَالَ آخَرُ: وَلَرُب نَازِلَةٍ يَضِيقُ بِهَا الْفَتَى ... ذَرْعًا وَعِنْدَ اللَّهِ مِنْهَا الْمَخْرَجُ ... كَمُلَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلْقَاتُهَا ... فُرِجَتْ وَكَانَ يَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ أَيْ: إِذَا فَرغت مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَأَشْغَالِهَا وَقَطَعْتَ عَلَائِقَهَا، فَانْصَبْ فِي الْعِبَادَةِ، وَقُمْ إِلَيْهَا نَشِيطًا فَارِغَ الْبَالِ، وَأَخْلِصْ لِرَبِّكَ النِّيَّةَ وَالرَّغْبَةَ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: "لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٥٦٠) من حديث عائشة، رضي الله عنها.]] وَقَوْلُهُ ﷺ: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَحَضَرَ الْعَشَاءُ، فَابْدَءُوا بالعَشَاء" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٤٦٥) من حديث عائشة، رضي الله عنها.]] . قَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَقُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَانْصَبْ لِرَبِّكَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَانْصَبْ فِي حَاجَتِكَ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْفَرَائِضِ فَانْصَبْ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ. وَعَنِ ابْنِ عِيَاضٍ نَحْوُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ بَعْدَ فَرَاغِكَ مِنَ الصَّلَاةِ وَأَنْتَ جَالِسٌ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يَعْنِي: فِي الدُّعَاءِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ أَيْ: مِنَ الْجِهَادِ ﴿فَانْصَبْ﴾ أَيْ: فِي الْعِبَادَةِ. ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: اجْعَلْ نِيَّتَكَ وَرَغْبَتَكَ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. آخِرُ تَفْسِيرِ سورة "ألم نشرح" ولله الحمد.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، مذكِّره آلاءه عنده، وإحسانه إليه، حاضا له بذلك على شكره، على ما أنعم عليه، ليستوجب بذلك المزيد منه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ يا محمد، للهدى والإيمان بالله ومعرفة الحقّ ﴿صَدْرِكَ﴾ فنلِّين لك قلبك، ونجعله وعاء للحكمة: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ يقول: وغفرنا لك ما سلف من ذنوبك، وحططنا عنك ثقل أيام الجاهلية التي كنت فيها، وهي في قراءة عبد الله فيما ذُكر: ﴿وَحَلَلْنا عَنْكَ وِقْرَكَ الَّذِي أَنْقَض ظَهْرَكَ﴾ يقول: الذي أثقل ظهرك فأوهنه، وهو من قولهم للبعير إذا كان رجيع سفر قد أوهنه السفر، وأذهب لحمه: هو نِقْضُ سَفَر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: ذنبك. ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: أثقل ظهرك. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ : كانت للنبيّ ﷺ ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: كانت للنبي: ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ يعني: الشرك الذي كان فيه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: شرح له صدرَه، وغفر له ذنبَه الذي كان قبل أن يُنَبأ، فوضعه. وفي قوله: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: أثقله وجهده، كما يُنْقِضُ البعيرَ حِمْلُه الثقيل، حتى يصير نِقضا بعد أن كان سمينا ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: ذنبك الذي أنقض ظهرَك، أثقل ظهرك، ووضعناه عنك، وخفَّفنا عنك ما أثقل ظهرَك. * * وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ يقول: ورفعنا لك ذكرك، فلا أُذْكَرُ إلا ذُكِرْتَ معي، وذلك قول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وعمرو بن مالك، قالا ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال: لا أُذْكَرُ إلا ذُكْرِتَ معي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال النبيّ ﷺ: "ابْدَءُوا بالعُبُودَةِ، وَثَنُّوا بالرسالة" فقلت لمعمر، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده، فهو العبودة، ورسوله أن تقول: عبده ورسوله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة، إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله ﷺ، أنه قال: "أتانِي جِبْرِيلُ فَقالَ إنَّ رَبِّي وَرَبكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ؟ قال: الله أعْلَمُ، قال: إذَا ذُكِرْتُ ذُكرتَ مَعِي". * * وقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فإنّ مع الشدّة التي أنت فيها من جهاد هؤلاء المشركين، ومن أوّله ما أنت بسبيله رجاء وفرجا بأن يُظْفِرَكَ بهم، حتى ينقادوا للحقّ الذي جئتهم به طوعا وكَرها. ورُوي عن النبيّ ﷺ أن هذه الآية لما نزلت، بَشَّر بها أصحابه وقال: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت يونس، قال: قال الحسن: لما نزلت هذه الآية ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال رسول الله ﷺ: "أبْشِرُوا أتاكُمُ اليُسْرُ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن يونس، عن الحسن، مثله، عن النبيّ ﷺ. ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن الحسن، عن النبي ﷺ، بنحوه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، قال: خرج النبيّ ﷺ يوما مسرورا فَرِحا وهو يضحك، وهو يقول: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ". ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ذُكر لنا أن رسول الله ﷺ بشَّر أصحابه بهذه الآية، فقال: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن معاوية بن قرة أبي إياس، عن رجل، عن عبد الله بن مسعود، قال: لو دخل العسر في جُحْر، لجاء اليسر حتى يدخل عليه، لأن الله يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن رجل، عن عبد الله، بنحوه. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم: قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال: يتبع اليسرُ العُسَر. * * وقوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: فإذا فَرعت من صلاتك، فانصب إلى ربك في الدعاء، وسله حاجاتك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: في الدعاء. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: فإذا فرغت مما فُرض عليك من الصلاة فسل الله، وارغب إليه، وانصب له. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا قمت إلى الصلاة فانصب في حاجتك إلى ربك. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: من الصلاة المكتوبة قبل أن تسلِّم، فانصَب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: أمره إذا فرغ من صلاته أن يبالغ في دعائه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من صلاتك ﴿فَانْصَبْ﴾ في الدعاء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من جهاد عدوّك ﴿فَانْصَبْ﴾ في عبادة ربك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: أمره إذا فرغ من غزوه، أن يجتهد في الدعاء والعبادة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال عن أبيه: فإذا فرغت من الجهاد، جهاد العرب، وانقطع جهادهم، فانصب لعبادة الله ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ . وقال آخرون: بل معنى ذلك: فإذا فرغت من أمر دنياك، فانصب في عبادة ربك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا فرغت من أمر الدنيا فانصب، قال: فصّل. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا فرغت من أمر دنياك فانصب، فصّل. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ قال: إذا فرغت من أمر الدنيا، وقمت إلى الصلاة، فاجعل رغبتك ونيتك له. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: إن الله تعالى ذكره، أمر نبيه أن يجعل فراغه من كلّ ما كان به مشتغلا من أمر دنياه وآخرته، مما أدّى له الشغل به، وأمره بالشغل به إلى النصب في عبادته، والاشتغال فيما قرّبه إليه، ومسألته حاجاته، ولم يخصص بذلك حالا من أحوال فراغه دون حال، فسواء كلّ أحوال فراغه، من صلاة كان فراغه، أو جهاد، أو أمر دنيا كان به مشتغلا لعموم الشرط في ذلك، من غير خصوص حال فراغ، دون حال أخرى. * * وقوله: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ يقول تعالى ذكره: وإلى ربك يا محمد فاجعل رغبتك، دون من سواه من خلقه، إذ كان هؤلاء المشركون من قومك قد جعلوا رغبتهم في حاجاتهم إلى الآلهة والأنداد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: اجعل نيتك ورغبتك إلى الله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: اجعل رغبتك ونيتك إلى ربك. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: إذا قمت إلى الصلاة. آخر تفسير سورة ألم نشرح
Et Nous t’avons déchargé du péché
ٱلَّذِىٓ أَنقَضَ ظَهْرَكَ
qui accablait ton dos?
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ أَلَمْ نَشْرَحْ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * يَقُولُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ يَعْنِي: أَمَا شَرَحْنَا لَكَ صَدْرَكَ، أَيْ: نَوَّرْنَاهُ وَجَعَلْنَاهُ فَسيحًا رَحِيبًا وَاسِعًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٥] ، وَكَمَا شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ كَذَلِكَ جَعَلَ شَرْعه فَسِيحًا وَاسِعًا سَمْحًا سَهْلًا لَا حَرَجَ فِيهِ وَلَا إِصْرَ وَلَا ضِيقَ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ شَرْحُ صَدْرِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير أول سورة الإسراء.]] وَقَدْ أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيُّ هَاهُنَا. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا، وَلَكِنْ لَا مُنَافَاةَ، فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ شَرْحِ صَدْرِهِ الَّذِي فُعِل بِصَدْرِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَمَا نَشَأَ عَنْهُ مِنَ الشَّرْحِ الْمَعْنَوِيِّ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ [[في أ: "محمد بن عبد الرحمن ".]] أَبُو يَحْيَى الْبَزَّازُ [[في م، أ: "البزار".]] حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ مُعَاذٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ جَرِيًّا عَلَى أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ لَا يَسْأَلُهُ عَنْهَا غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أولُ مَا رَأَيْتَ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ؟ فَاسْتَوَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا وَقَالَ: "لَقَدْ سألتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنِّي لَفِي الصَّحْرَاءِ ابنُ عَشْرِ سِنِينَ وَأَشْهُرٍ، وَإِذَا بِكَلَامٍ فَوْقَ رَأْسِي، وَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ لِرَجُلٍ: أَهُوَ هُوَ؟ [قَالَ: نَعَمْ] [[زيادة من المسند.]] فَاسْتَقْبَلَانِي بِوُجُوهٍ لَمْ أَرَهَا [لِخَلْقٍ] [[زيادة من المسند.]] قَطُّ، وَأَرْوَاحٍ لَمْ أَجِدْهَا مِنْ خَلْقٍ قَطُّ، وَثِيَابٍ لَمْ أَرَهَا عَلَى أَحَدٍ قَطُّ. فَأَقْبَلَا إِلَيَّ يَمْشِيَانِ، حَتَّى أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بعَضُدي، لَا أَجِدُ لِأَحَدِهِمَا مَسًّا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَضْجِعْهُ. فَأَضْجَعَانِي بِلَا قَصْر وَلَا هَصْر. فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: افْلِقْ صَدْرَهُ. فَهَوَى أَحَدُهُمَا إِلَى صَدْرِي فَفَلَقَهُ فِيمَا أَرَى بِلَا دَمٍ وَلَا وَجَعٍ، فَقَالَ لَهُ: أَخْرِجِ الغِلّ والحَسَد. فَأَخْرَجَ شَيْئًا كَهَيْئَةِ الْعَلَقَةِ ثُمَّ نَبَذَهَا فَطَرَحَهَا، فَقَالَ لَهُ: أَدْخِلِ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ، فَإِذَا مِثْلُ الَّذِي أَخْرَجَ شبهُ الفضة، ثم هز إِبْهَامَ رِجْلِي الْيُمْنَى فَقَالَ: اغدُ وَاسْلَمْ. فَرَجَعْتُ بِهَا أَغْدُو، رِقَّةً عَلَى الصَّغِيرِ، وَرَحْمَةً لِلْكَبِيرِ" [[زوائد المسند (٥/١٣٩) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٢٢٢) : "رجاله ثقات وثقهم ابن حبان".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ بِمَعْنَى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الْفَتْحِ: ٢] ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ الْإِنْقَاضُ: الصَّوْتُ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أَيْ: أَثْقَلَكَ حَمْلُهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا أُذْكرُ إِلَّا ذُكِرتَ مَعِي: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: رَفَعَ اللهُ ذكرَه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ وَلَا مُتشهد وَلَا صاحبُ صَلَاةٍ إِلَّا يُنَادِي بِهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَراج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبِّي وَرَبَّكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: إِذَا ذُكِرتُ ذُكِرتَ مَعِي"، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، بِهِ وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٣٠/١٥١) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا أَبُو عُمر الحَوضي، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سَأَلْتُ رَبِّي مَسْأَلَةً وَدَدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُهُ، قُلْتُ: قَدْ كَانَتْ قَبْلِي أَنْبِيَاءُ، مِنْهُمْ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ [[في أ: "البحر".]] وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْيِي الْمَوْتَى. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَشْرَحْ [[في أ: "ألم نشرح".]] لَكَ صَدْرَكَ؟ أَلَمْ أَرْفَعْ لَكَ ذِكْرَكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥٢٦) من طريق أحمد بن سلمة، عن عبد الله بن الجراح، عن حماد بن زيد به، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]] . وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي "دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ": حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الجَوْني، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ بَهْرام الْهِيَتِيُّ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا فَرَغْتُ مِمَّا أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ أَمْرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْتُ: يَا رَبِّ، إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا وَقَدْ كَرَّمْتَهُ، جَعَلْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَمُوسَى كَلِيمًا، وَسَخَّرْتَ لِدَاوُدَ الْجِبَالَ، وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ وَالشَّيَاطِينَ، وَأَحْيَيْتَ لِعِيسَى الْمَوْتَى، فَمَا جَعَلْتَ لِي؟ قال: أو ليس قَدْ أَعْطَيْتُكَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، أَنِّي لَا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي، وَجَعَلْتُ صُدُورَ أُمَّتِكَ أَنَاجِيلَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ ظَاهِرًا، وَلَمْ أُعْطِهَا أُمَّةً، وَأَعْطَيْتُكَ كَنْزًا مِنْ كُنُوزِ عَرْشِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ" [[وذكره المؤلف في البداية والنهاية (٦/٢٨٨) ثم قال: "وهذا إسناد فيه غرابة، ولكن أورد له شاهدا من طريق أبي القاسم بن منيع البغوي، عن سليمان بن داود المهراني، عن حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مرفوعا بنحوه".]] . وَحَكَى الْبَغَوِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ: الْأَذَانُ. يَعْنِي: ذِكْرَهُ فِيهِ، وَأَوْرَدَ مِنْ شِعْرِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: أغَرّ عَلَيه لِلنُّبُوَّةِ خَاتَم ... مِنَ اللَّهِ مِنْ نُور يَلوحُ وَيشْهَد ... وَضمَّ الإلهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ ... إِذَا قَالَ فِي الخَمْس المؤذنُ: أشهدُ ... وَشَقَّ لَهُ مِن اسْمِهِ ليُجِلَّه ... فَذُو العَرشِ محمودٌ وهَذا مُحَمَّدُ [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٤٦٤) .]] وَقَالَ آخَرُونَ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، وَنَوَّهَ بِهِ، حِينَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وَأَنْ يَأْمُرُوا أُمَمَهُمْ [[في أ: "أمتهم".]] بِالْإِيمَانِ بِهِ، ثُمَّ شَهَرَ ذِكْرَهُ فِي أُمَّتِهِ فَلَا يُذكر اللَّهُ إِلَّا ذُكر مَعَهُ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ الصَّرْصَرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا يَصِحُّ الأذانُ فِي الفَرْضِ إِلَّا ... باسمِه العَذْب فِي الْفَمِ المرْضي ... وَقَالَ أَيْضًا: [ألَم تَر أنَّا لَا يَصحُّ أذانُنَا ... وَلا فَرْضُنا إنْ لَمْ نُكَررْه فِيهِمَا] [[زيادة من م، أ.]] ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يوجَدُ الْيُسْرُ، ثُمَّ أَكَّدَ هَذَا الْخَبَرَ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا حُميد بْنُ حَمَّادِ بْنِ خَوَار أَبُو الْجَهْمِ، حَدَّثَنَا عَائِذُ بْنُ شُريح قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا [[في أ: "جالس" وهو خطأ.]] وَحِيَالَهُ حجر، فقال: "لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: [[كذا في م، أ، هـ: "إن" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.]] ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٢٥٥) من طريق محمود بن غيلان به، وقال الحاكم: "هذا حديث عجيب غير أن الشيخين لم يحتجا بعائذ بن شريح". وقال الذهبي:"تفرد حميد بن حماد، عن عائذ، وحميد منكر الحديث كعائذ".]] . وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْمَر، عَنْ حُميد بْنِ حَمَّادٍ، بِهِ وَلَفْظُهُ: "لَوْ جاء العسر حتى يدخل هذا الحجر لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يُخْرِجَهُ" ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ أَنَسٍ إِلَّا عَائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ [[مسند البزار برقم (٢٢٨٨) "كشف الأستار" ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤١٦) من طريق محمد بن معمر به.]] . قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ، وَلَكِنْ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود موقوفا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَاحِ، حَدَّثَنَا أَبُو قَطَن [[في أ: "مطر".]] حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: لَا يَغْلِبُ عُسْرٌ وَاحِدٌ يُسْرَيْنِ اثْنَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في أ: "حدثنا أبو".]] ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا مَسْرُورًا فَرِحًا وَهُوَ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: "لَنْ يَغْلِب عُسْر يُسْرَيْنِ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، فَإِنَّ [[كذا في م، أ، هـ: "إن" وهو خطأ. من ابن جرير (٣٠/١٥١) .]] مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا". وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا [[تفسير الطبري (٣٠/١٥١) ورواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٣٠٩) عن معمر، عن الحسن به مرسلا، وقد جاء موقوفا على ابن مسعود، رواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٣٠٩) من طريق ميمون عن إبراهيم النخعي عنه، وجاء مرفوعا عن جابر، رواه ابن مردويه في تفسيره، وقال الحافظ ابن حجر: "إسناده ضعيف".]] . وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَشَّرَ أَصْحَابَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّ الْعُسْرَ مُعَرَّفٌ فِي الْحَالَيْنِ، فَهُوَ مُفْرَدٌ، وَالْيُسْرُ مُنَكَّرٌ فَتَعَدَّدَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ فَالْعُسْرُ الْأَوَّلُ عَيْنُ [[في م: "هو".]] الثَّانِي وَالْيُسْرُ تَعَدَّدَ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَزَّلَ [[في أ: "نزلت".]] الْمَعُونَةَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى قَدْرِ الْمَؤُونَةِ، وَنَزَّلَ الصَّبْرَ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ" [[ورواه البزار في مسنده برقم (١٥٠٦) "كشف الأستار" وابن عدي في الكامل (٤/١١٥) من طريق عبد العزيز الدراوردي عن طارق وعباد بن كثير، عن أبي الزناد به. وقال البزار: "لا نعلمه عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد". وقال ابن عدي: "وطارق بن عمار يعرف بهذا الحديث". والحديث معلول. انظر: العلل لابن أبي حاتم (٢/١٢٦،١٣٣) والكامل لابن عدي (٦/٢٣٨،٤٠٢، ٢/٣٧، ٤/١١٥) .]] . وَمِمَّا يُرْوَى عَنِ الشَّافِعِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: صَبرا جَميلا مَا أقرَبَ الفَرجا ... مَن رَاقَب اللَّهَ فِي الْأُمُورِ نَجَا ... مَن صَدَق اللَّهَ لَم يَنَلْه أذَى ... وَمَن رَجَاه يَكون حَيثُ رَجَا ... وَقَالَ ابْنُ دُرَيد: أَنْشَدَنِي أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: إِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى الْيَأْسِ القلوبُ ... وَضَاقَ لِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرحيبُ ... وَأَوْطَأَتِ الْمَكَارِهُ وَاطْمَأَنَّتْ ... وَأَرْسَتْ فِي أَمَاكِنِهَا الخطوبُ ... وَلَمْ تَرَ لِانْكِشَافِ الضُّرِّ وَجْهًا ... وَلَا أَغْنَى بحيلته الأريبُ .. أَتَاكَ عَلَى قُنوط مِنْكَ غَوثٌ ... يَمُنُّ بِهِ اللَّطِيفُ المستجيبُ ... وَكُلُّ الْحَادِثَاتِ إِذَا تَنَاهَتْ ... فَمَوْصُولٌ بِهَا الْفَرَجُ الْقَرِيبُ ... وَقَالَ آخَرُ: وَلَرُب نَازِلَةٍ يَضِيقُ بِهَا الْفَتَى ... ذَرْعًا وَعِنْدَ اللَّهِ مِنْهَا الْمَخْرَجُ ... كَمُلَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلْقَاتُهَا ... فُرِجَتْ وَكَانَ يَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ أَيْ: إِذَا فَرغت مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَأَشْغَالِهَا وَقَطَعْتَ عَلَائِقَهَا، فَانْصَبْ فِي الْعِبَادَةِ، وَقُمْ إِلَيْهَا نَشِيطًا فَارِغَ الْبَالِ، وَأَخْلِصْ لِرَبِّكَ النِّيَّةَ وَالرَّغْبَةَ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: "لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٥٦٠) من حديث عائشة، رضي الله عنها.]] وَقَوْلُهُ ﷺ: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَحَضَرَ الْعَشَاءُ، فَابْدَءُوا بالعَشَاء" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٤٦٥) من حديث عائشة، رضي الله عنها.]] . قَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَقُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَانْصَبْ لِرَبِّكَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَانْصَبْ فِي حَاجَتِكَ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْفَرَائِضِ فَانْصَبْ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ. وَعَنِ ابْنِ عِيَاضٍ نَحْوُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ بَعْدَ فَرَاغِكَ مِنَ الصَّلَاةِ وَأَنْتَ جَالِسٌ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يَعْنِي: فِي الدُّعَاءِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ أَيْ: مِنَ الْجِهَادِ ﴿فَانْصَبْ﴾ أَيْ: فِي الْعِبَادَةِ. ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: اجْعَلْ نِيَّتَكَ وَرَغْبَتَكَ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. آخِرُ تَفْسِيرِ سورة "ألم نشرح" ولله الحمد.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، مذكِّره آلاءه عنده، وإحسانه إليه، حاضا له بذلك على شكره، على ما أنعم عليه، ليستوجب بذلك المزيد منه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ يا محمد، للهدى والإيمان بالله ومعرفة الحقّ ﴿صَدْرِكَ﴾ فنلِّين لك قلبك، ونجعله وعاء للحكمة: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ يقول: وغفرنا لك ما سلف من ذنوبك، وحططنا عنك ثقل أيام الجاهلية التي كنت فيها، وهي في قراءة عبد الله فيما ذُكر: ﴿وَحَلَلْنا عَنْكَ وِقْرَكَ الَّذِي أَنْقَض ظَهْرَكَ﴾ يقول: الذي أثقل ظهرك فأوهنه، وهو من قولهم للبعير إذا كان رجيع سفر قد أوهنه السفر، وأذهب لحمه: هو نِقْضُ سَفَر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: ذنبك. ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: أثقل ظهرك. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ : كانت للنبيّ ﷺ ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: كانت للنبي: ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ يعني: الشرك الذي كان فيه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: شرح له صدرَه، وغفر له ذنبَه الذي كان قبل أن يُنَبأ، فوضعه. وفي قوله: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: أثقله وجهده، كما يُنْقِضُ البعيرَ حِمْلُه الثقيل، حتى يصير نِقضا بعد أن كان سمينا ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: ذنبك الذي أنقض ظهرَك، أثقل ظهرك، ووضعناه عنك، وخفَّفنا عنك ما أثقل ظهرَك. * * وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ يقول: ورفعنا لك ذكرك، فلا أُذْكَرُ إلا ذُكِرْتَ معي، وذلك قول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وعمرو بن مالك، قالا ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال: لا أُذْكَرُ إلا ذُكْرِتَ معي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال النبيّ ﷺ: "ابْدَءُوا بالعُبُودَةِ، وَثَنُّوا بالرسالة" فقلت لمعمر، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده، فهو العبودة، ورسوله أن تقول: عبده ورسوله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة، إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله ﷺ، أنه قال: "أتانِي جِبْرِيلُ فَقالَ إنَّ رَبِّي وَرَبكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ؟ قال: الله أعْلَمُ، قال: إذَا ذُكِرْتُ ذُكرتَ مَعِي". * * وقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فإنّ مع الشدّة التي أنت فيها من جهاد هؤلاء المشركين، ومن أوّله ما أنت بسبيله رجاء وفرجا بأن يُظْفِرَكَ بهم، حتى ينقادوا للحقّ الذي جئتهم به طوعا وكَرها. ورُوي عن النبيّ ﷺ أن هذه الآية لما نزلت، بَشَّر بها أصحابه وقال: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت يونس، قال: قال الحسن: لما نزلت هذه الآية ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال رسول الله ﷺ: "أبْشِرُوا أتاكُمُ اليُسْرُ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن يونس، عن الحسن، مثله، عن النبيّ ﷺ. ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن الحسن، عن النبي ﷺ، بنحوه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، قال: خرج النبيّ ﷺ يوما مسرورا فَرِحا وهو يضحك، وهو يقول: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ". ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ذُكر لنا أن رسول الله ﷺ بشَّر أصحابه بهذه الآية، فقال: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن معاوية بن قرة أبي إياس، عن رجل، عن عبد الله بن مسعود، قال: لو دخل العسر في جُحْر، لجاء اليسر حتى يدخل عليه، لأن الله يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن رجل، عن عبد الله، بنحوه. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم: قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال: يتبع اليسرُ العُسَر. * * وقوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: فإذا فَرعت من صلاتك، فانصب إلى ربك في الدعاء، وسله حاجاتك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: في الدعاء. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: فإذا فرغت مما فُرض عليك من الصلاة فسل الله، وارغب إليه، وانصب له. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا قمت إلى الصلاة فانصب في حاجتك إلى ربك. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: من الصلاة المكتوبة قبل أن تسلِّم، فانصَب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: أمره إذا فرغ من صلاته أن يبالغ في دعائه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من صلاتك ﴿فَانْصَبْ﴾ في الدعاء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من جهاد عدوّك ﴿فَانْصَبْ﴾ في عبادة ربك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: أمره إذا فرغ من غزوه، أن يجتهد في الدعاء والعبادة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال عن أبيه: فإذا فرغت من الجهاد، جهاد العرب، وانقطع جهادهم، فانصب لعبادة الله ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ . وقال آخرون: بل معنى ذلك: فإذا فرغت من أمر دنياك، فانصب في عبادة ربك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا فرغت من أمر الدنيا فانصب، قال: فصّل. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا فرغت من أمر دنياك فانصب، فصّل. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ قال: إذا فرغت من أمر الدنيا، وقمت إلى الصلاة، فاجعل رغبتك ونيتك له. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: إن الله تعالى ذكره، أمر نبيه أن يجعل فراغه من كلّ ما كان به مشتغلا من أمر دنياه وآخرته، مما أدّى له الشغل به، وأمره بالشغل به إلى النصب في عبادته، والاشتغال فيما قرّبه إليه، ومسألته حاجاته، ولم يخصص بذلك حالا من أحوال فراغه دون حال، فسواء كلّ أحوال فراغه، من صلاة كان فراغه، أو جهاد، أو أمر دنيا كان به مشتغلا لعموم الشرط في ذلك، من غير خصوص حال فراغ، دون حال أخرى. * * وقوله: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ يقول تعالى ذكره: وإلى ربك يا محمد فاجعل رغبتك، دون من سواه من خلقه، إذ كان هؤلاء المشركون من قومك قد جعلوا رغبتهم في حاجاتهم إلى الآلهة والأنداد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: اجعل نيتك ورغبتك إلى الله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: اجعل رغبتك ونيتك إلى ربك. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: إذا قمت إلى الصلاة. آخر تفسير سورة ألم نشرح
qui t’éreintait au point de manquer de te casser le dos.
وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ
Et exalté pour toi ta renommée?
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ أَلَمْ نَشْرَحْ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * يَقُولُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ يَعْنِي: أَمَا شَرَحْنَا لَكَ صَدْرَكَ، أَيْ: نَوَّرْنَاهُ وَجَعَلْنَاهُ فَسيحًا رَحِيبًا وَاسِعًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٥] ، وَكَمَا شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ كَذَلِكَ جَعَلَ شَرْعه فَسِيحًا وَاسِعًا سَمْحًا سَهْلًا لَا حَرَجَ فِيهِ وَلَا إِصْرَ وَلَا ضِيقَ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ شَرْحُ صَدْرِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير أول سورة الإسراء.]] وَقَدْ أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيُّ هَاهُنَا. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا، وَلَكِنْ لَا مُنَافَاةَ، فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ شَرْحِ صَدْرِهِ الَّذِي فُعِل بِصَدْرِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَمَا نَشَأَ عَنْهُ مِنَ الشَّرْحِ الْمَعْنَوِيِّ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ [[في أ: "محمد بن عبد الرحمن ".]] أَبُو يَحْيَى الْبَزَّازُ [[في م، أ: "البزار".]] حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ مُعَاذٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ جَرِيًّا عَلَى أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ لَا يَسْأَلُهُ عَنْهَا غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أولُ مَا رَأَيْتَ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ؟ فَاسْتَوَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا وَقَالَ: "لَقَدْ سألتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنِّي لَفِي الصَّحْرَاءِ ابنُ عَشْرِ سِنِينَ وَأَشْهُرٍ، وَإِذَا بِكَلَامٍ فَوْقَ رَأْسِي، وَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ لِرَجُلٍ: أَهُوَ هُوَ؟ [قَالَ: نَعَمْ] [[زيادة من المسند.]] فَاسْتَقْبَلَانِي بِوُجُوهٍ لَمْ أَرَهَا [لِخَلْقٍ] [[زيادة من المسند.]] قَطُّ، وَأَرْوَاحٍ لَمْ أَجِدْهَا مِنْ خَلْقٍ قَطُّ، وَثِيَابٍ لَمْ أَرَهَا عَلَى أَحَدٍ قَطُّ. فَأَقْبَلَا إِلَيَّ يَمْشِيَانِ، حَتَّى أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بعَضُدي، لَا أَجِدُ لِأَحَدِهِمَا مَسًّا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَضْجِعْهُ. فَأَضْجَعَانِي بِلَا قَصْر وَلَا هَصْر. فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: افْلِقْ صَدْرَهُ. فَهَوَى أَحَدُهُمَا إِلَى صَدْرِي فَفَلَقَهُ فِيمَا أَرَى بِلَا دَمٍ وَلَا وَجَعٍ، فَقَالَ لَهُ: أَخْرِجِ الغِلّ والحَسَد. فَأَخْرَجَ شَيْئًا كَهَيْئَةِ الْعَلَقَةِ ثُمَّ نَبَذَهَا فَطَرَحَهَا، فَقَالَ لَهُ: أَدْخِلِ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ، فَإِذَا مِثْلُ الَّذِي أَخْرَجَ شبهُ الفضة، ثم هز إِبْهَامَ رِجْلِي الْيُمْنَى فَقَالَ: اغدُ وَاسْلَمْ. فَرَجَعْتُ بِهَا أَغْدُو، رِقَّةً عَلَى الصَّغِيرِ، وَرَحْمَةً لِلْكَبِيرِ" [[زوائد المسند (٥/١٣٩) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٢٢٢) : "رجاله ثقات وثقهم ابن حبان".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ بِمَعْنَى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الْفَتْحِ: ٢] ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ الْإِنْقَاضُ: الصَّوْتُ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أَيْ: أَثْقَلَكَ حَمْلُهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا أُذْكرُ إِلَّا ذُكِرتَ مَعِي: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: رَفَعَ اللهُ ذكرَه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ وَلَا مُتشهد وَلَا صاحبُ صَلَاةٍ إِلَّا يُنَادِي بِهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَراج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبِّي وَرَبَّكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: إِذَا ذُكِرتُ ذُكِرتَ مَعِي"، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، بِهِ وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٣٠/١٥١) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا أَبُو عُمر الحَوضي، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سَأَلْتُ رَبِّي مَسْأَلَةً وَدَدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُهُ، قُلْتُ: قَدْ كَانَتْ قَبْلِي أَنْبِيَاءُ، مِنْهُمْ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ [[في أ: "البحر".]] وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْيِي الْمَوْتَى. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَشْرَحْ [[في أ: "ألم نشرح".]] لَكَ صَدْرَكَ؟ أَلَمْ أَرْفَعْ لَكَ ذِكْرَكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥٢٦) من طريق أحمد بن سلمة، عن عبد الله بن الجراح، عن حماد بن زيد به، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]] . وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي "دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ": حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الجَوْني، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ بَهْرام الْهِيَتِيُّ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا فَرَغْتُ مِمَّا أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ أَمْرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْتُ: يَا رَبِّ، إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا وَقَدْ كَرَّمْتَهُ، جَعَلْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَمُوسَى كَلِيمًا، وَسَخَّرْتَ لِدَاوُدَ الْجِبَالَ، وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ وَالشَّيَاطِينَ، وَأَحْيَيْتَ لِعِيسَى الْمَوْتَى، فَمَا جَعَلْتَ لِي؟ قال: أو ليس قَدْ أَعْطَيْتُكَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، أَنِّي لَا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي، وَجَعَلْتُ صُدُورَ أُمَّتِكَ أَنَاجِيلَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ ظَاهِرًا، وَلَمْ أُعْطِهَا أُمَّةً، وَأَعْطَيْتُكَ كَنْزًا مِنْ كُنُوزِ عَرْشِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ" [[وذكره المؤلف في البداية والنهاية (٦/٢٨٨) ثم قال: "وهذا إسناد فيه غرابة، ولكن أورد له شاهدا من طريق أبي القاسم بن منيع البغوي، عن سليمان بن داود المهراني، عن حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مرفوعا بنحوه".]] . وَحَكَى الْبَغَوِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ: الْأَذَانُ. يَعْنِي: ذِكْرَهُ فِيهِ، وَأَوْرَدَ مِنْ شِعْرِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: أغَرّ عَلَيه لِلنُّبُوَّةِ خَاتَم ... مِنَ اللَّهِ مِنْ نُور يَلوحُ وَيشْهَد ... وَضمَّ الإلهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ ... إِذَا قَالَ فِي الخَمْس المؤذنُ: أشهدُ ... وَشَقَّ لَهُ مِن اسْمِهِ ليُجِلَّه ... فَذُو العَرشِ محمودٌ وهَذا مُحَمَّدُ [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٤٦٤) .]] وَقَالَ آخَرُونَ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، وَنَوَّهَ بِهِ، حِينَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وَأَنْ يَأْمُرُوا أُمَمَهُمْ [[في أ: "أمتهم".]] بِالْإِيمَانِ بِهِ، ثُمَّ شَهَرَ ذِكْرَهُ فِي أُمَّتِهِ فَلَا يُذكر اللَّهُ إِلَّا ذُكر مَعَهُ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ الصَّرْصَرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا يَصِحُّ الأذانُ فِي الفَرْضِ إِلَّا ... باسمِه العَذْب فِي الْفَمِ المرْضي ... وَقَالَ أَيْضًا: [ألَم تَر أنَّا لَا يَصحُّ أذانُنَا ... وَلا فَرْضُنا إنْ لَمْ نُكَررْه فِيهِمَا] [[زيادة من م، أ.]] ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يوجَدُ الْيُسْرُ، ثُمَّ أَكَّدَ هَذَا الْخَبَرَ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا حُميد بْنُ حَمَّادِ بْنِ خَوَار أَبُو الْجَهْمِ، حَدَّثَنَا عَائِذُ بْنُ شُريح قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا [[في أ: "جالس" وهو خطأ.]] وَحِيَالَهُ حجر، فقال: "لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: [[كذا في م، أ، هـ: "إن" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.]] ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٢٥٥) من طريق محمود بن غيلان به، وقال الحاكم: "هذا حديث عجيب غير أن الشيخين لم يحتجا بعائذ بن شريح". وقال الذهبي:"تفرد حميد بن حماد، عن عائذ، وحميد منكر الحديث كعائذ".]] . وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْمَر، عَنْ حُميد بْنِ حَمَّادٍ، بِهِ وَلَفْظُهُ: "لَوْ جاء العسر حتى يدخل هذا الحجر لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يُخْرِجَهُ" ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ أَنَسٍ إِلَّا عَائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ [[مسند البزار برقم (٢٢٨٨) "كشف الأستار" ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤١٦) من طريق محمد بن معمر به.]] . قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ، وَلَكِنْ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود موقوفا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَاحِ، حَدَّثَنَا أَبُو قَطَن [[في أ: "مطر".]] حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: لَا يَغْلِبُ عُسْرٌ وَاحِدٌ يُسْرَيْنِ اثْنَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في أ: "حدثنا أبو".]] ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا مَسْرُورًا فَرِحًا وَهُوَ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: "لَنْ يَغْلِب عُسْر يُسْرَيْنِ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، فَإِنَّ [[كذا في م، أ، هـ: "إن" وهو خطأ. من ابن جرير (٣٠/١٥١) .]] مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا". وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا [[تفسير الطبري (٣٠/١٥١) ورواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٣٠٩) عن معمر، عن الحسن به مرسلا، وقد جاء موقوفا على ابن مسعود، رواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٣٠٩) من طريق ميمون عن إبراهيم النخعي عنه، وجاء مرفوعا عن جابر، رواه ابن مردويه في تفسيره، وقال الحافظ ابن حجر: "إسناده ضعيف".]] . وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَشَّرَ أَصْحَابَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّ الْعُسْرَ مُعَرَّفٌ فِي الْحَالَيْنِ، فَهُوَ مُفْرَدٌ، وَالْيُسْرُ مُنَكَّرٌ فَتَعَدَّدَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ فَالْعُسْرُ الْأَوَّلُ عَيْنُ [[في م: "هو".]] الثَّانِي وَالْيُسْرُ تَعَدَّدَ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَزَّلَ [[في أ: "نزلت".]] الْمَعُونَةَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى قَدْرِ الْمَؤُونَةِ، وَنَزَّلَ الصَّبْرَ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ" [[ورواه البزار في مسنده برقم (١٥٠٦) "كشف الأستار" وابن عدي في الكامل (٤/١١٥) من طريق عبد العزيز الدراوردي عن طارق وعباد بن كثير، عن أبي الزناد به. وقال البزار: "لا نعلمه عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد". وقال ابن عدي: "وطارق بن عمار يعرف بهذا الحديث". والحديث معلول. انظر: العلل لابن أبي حاتم (٢/١٢٦،١٣٣) والكامل لابن عدي (٦/٢٣٨،٤٠٢، ٢/٣٧، ٤/١١٥) .]] . وَمِمَّا يُرْوَى عَنِ الشَّافِعِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: صَبرا جَميلا مَا أقرَبَ الفَرجا ... مَن رَاقَب اللَّهَ فِي الْأُمُورِ نَجَا ... مَن صَدَق اللَّهَ لَم يَنَلْه أذَى ... وَمَن رَجَاه يَكون حَيثُ رَجَا ... وَقَالَ ابْنُ دُرَيد: أَنْشَدَنِي أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: إِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى الْيَأْسِ القلوبُ ... وَضَاقَ لِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرحيبُ ... وَأَوْطَأَتِ الْمَكَارِهُ وَاطْمَأَنَّتْ ... وَأَرْسَتْ فِي أَمَاكِنِهَا الخطوبُ ... وَلَمْ تَرَ لِانْكِشَافِ الضُّرِّ وَجْهًا ... وَلَا أَغْنَى بحيلته الأريبُ .. أَتَاكَ عَلَى قُنوط مِنْكَ غَوثٌ ... يَمُنُّ بِهِ اللَّطِيفُ المستجيبُ ... وَكُلُّ الْحَادِثَاتِ إِذَا تَنَاهَتْ ... فَمَوْصُولٌ بِهَا الْفَرَجُ الْقَرِيبُ ... وَقَالَ آخَرُ: وَلَرُب نَازِلَةٍ يَضِيقُ بِهَا الْفَتَى ... ذَرْعًا وَعِنْدَ اللَّهِ مِنْهَا الْمَخْرَجُ ... كَمُلَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلْقَاتُهَا ... فُرِجَتْ وَكَانَ يَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ أَيْ: إِذَا فَرغت مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَأَشْغَالِهَا وَقَطَعْتَ عَلَائِقَهَا، فَانْصَبْ فِي الْعِبَادَةِ، وَقُمْ إِلَيْهَا نَشِيطًا فَارِغَ الْبَالِ، وَأَخْلِصْ لِرَبِّكَ النِّيَّةَ وَالرَّغْبَةَ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: "لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٥٦٠) من حديث عائشة، رضي الله عنها.]] وَقَوْلُهُ ﷺ: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَحَضَرَ الْعَشَاءُ، فَابْدَءُوا بالعَشَاء" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٤٦٥) من حديث عائشة، رضي الله عنها.]] . قَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَقُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَانْصَبْ لِرَبِّكَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَانْصَبْ فِي حَاجَتِكَ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْفَرَائِضِ فَانْصَبْ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ. وَعَنِ ابْنِ عِيَاضٍ نَحْوُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ بَعْدَ فَرَاغِكَ مِنَ الصَّلَاةِ وَأَنْتَ جَالِسٌ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يَعْنِي: فِي الدُّعَاءِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ أَيْ: مِنَ الْجِهَادِ ﴿فَانْصَبْ﴾ أَيْ: فِي الْعِبَادَةِ. ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: اجْعَلْ نِيَّتَكَ وَرَغْبَتَكَ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. آخِرُ تَفْسِيرِ سورة "ألم نشرح" ولله الحمد.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، مذكِّره آلاءه عنده، وإحسانه إليه، حاضا له بذلك على شكره، على ما أنعم عليه، ليستوجب بذلك المزيد منه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ يا محمد، للهدى والإيمان بالله ومعرفة الحقّ ﴿صَدْرِكَ﴾ فنلِّين لك قلبك، ونجعله وعاء للحكمة: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ يقول: وغفرنا لك ما سلف من ذنوبك، وحططنا عنك ثقل أيام الجاهلية التي كنت فيها، وهي في قراءة عبد الله فيما ذُكر: ﴿وَحَلَلْنا عَنْكَ وِقْرَكَ الَّذِي أَنْقَض ظَهْرَكَ﴾ يقول: الذي أثقل ظهرك فأوهنه، وهو من قولهم للبعير إذا كان رجيع سفر قد أوهنه السفر، وأذهب لحمه: هو نِقْضُ سَفَر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: ذنبك. ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: أثقل ظهرك. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ : كانت للنبيّ ﷺ ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: كانت للنبي: ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ يعني: الشرك الذي كان فيه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: شرح له صدرَه، وغفر له ذنبَه الذي كان قبل أن يُنَبأ، فوضعه. وفي قوله: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: أثقله وجهده، كما يُنْقِضُ البعيرَ حِمْلُه الثقيل، حتى يصير نِقضا بعد أن كان سمينا ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: ذنبك الذي أنقض ظهرَك، أثقل ظهرك، ووضعناه عنك، وخفَّفنا عنك ما أثقل ظهرَك. * * وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ يقول: ورفعنا لك ذكرك، فلا أُذْكَرُ إلا ذُكِرْتَ معي، وذلك قول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وعمرو بن مالك، قالا ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال: لا أُذْكَرُ إلا ذُكْرِتَ معي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال النبيّ ﷺ: "ابْدَءُوا بالعُبُودَةِ، وَثَنُّوا بالرسالة" فقلت لمعمر، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده، فهو العبودة، ورسوله أن تقول: عبده ورسوله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة، إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله ﷺ، أنه قال: "أتانِي جِبْرِيلُ فَقالَ إنَّ رَبِّي وَرَبكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ؟ قال: الله أعْلَمُ، قال: إذَا ذُكِرْتُ ذُكرتَ مَعِي". * * وقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فإنّ مع الشدّة التي أنت فيها من جهاد هؤلاء المشركين، ومن أوّله ما أنت بسبيله رجاء وفرجا بأن يُظْفِرَكَ بهم، حتى ينقادوا للحقّ الذي جئتهم به طوعا وكَرها. ورُوي عن النبيّ ﷺ أن هذه الآية لما نزلت، بَشَّر بها أصحابه وقال: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت يونس، قال: قال الحسن: لما نزلت هذه الآية ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال رسول الله ﷺ: "أبْشِرُوا أتاكُمُ اليُسْرُ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن يونس، عن الحسن، مثله، عن النبيّ ﷺ. ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن الحسن، عن النبي ﷺ، بنحوه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، قال: خرج النبيّ ﷺ يوما مسرورا فَرِحا وهو يضحك، وهو يقول: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ". ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ذُكر لنا أن رسول الله ﷺ بشَّر أصحابه بهذه الآية، فقال: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن معاوية بن قرة أبي إياس، عن رجل، عن عبد الله بن مسعود، قال: لو دخل العسر في جُحْر، لجاء اليسر حتى يدخل عليه، لأن الله يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن رجل، عن عبد الله، بنحوه. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم: قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال: يتبع اليسرُ العُسَر. * * وقوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: فإذا فَرعت من صلاتك، فانصب إلى ربك في الدعاء، وسله حاجاتك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: في الدعاء. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: فإذا فرغت مما فُرض عليك من الصلاة فسل الله، وارغب إليه، وانصب له. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا قمت إلى الصلاة فانصب في حاجتك إلى ربك. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: من الصلاة المكتوبة قبل أن تسلِّم، فانصَب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: أمره إذا فرغ من صلاته أن يبالغ في دعائه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من صلاتك ﴿فَانْصَبْ﴾ في الدعاء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من جهاد عدوّك ﴿فَانْصَبْ﴾ في عبادة ربك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: أمره إذا فرغ من غزوه، أن يجتهد في الدعاء والعبادة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال عن أبيه: فإذا فرغت من الجهاد، جهاد العرب، وانقطع جهادهم، فانصب لعبادة الله ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ . وقال آخرون: بل معنى ذلك: فإذا فرغت من أمر دنياك، فانصب في عبادة ربك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا فرغت من أمر الدنيا فانصب، قال: فصّل. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا فرغت من أمر دنياك فانصب، فصّل. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ قال: إذا فرغت من أمر الدنيا، وقمت إلى الصلاة، فاجعل رغبتك ونيتك له. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: إن الله تعالى ذكره، أمر نبيه أن يجعل فراغه من كلّ ما كان به مشتغلا من أمر دنياه وآخرته، مما أدّى له الشغل به، وأمره بالشغل به إلى النصب في عبادته، والاشتغال فيما قرّبه إليه، ومسألته حاجاته، ولم يخصص بذلك حالا من أحوال فراغه دون حال، فسواء كلّ أحوال فراغه، من صلاة كان فراغه، أو جهاد، أو أمر دنيا كان به مشتغلا لعموم الشرط في ذلك، من غير خصوص حال فراغ، دون حال أخرى. * * وقوله: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ يقول تعالى ذكره: وإلى ربك يا محمد فاجعل رغبتك، دون من سواه من خلقه، إذ كان هؤلاء المشركون من قومك قد جعلوا رغبتهم في حاجاتهم إلى الآلهة والأنداد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: اجعل نيتك ورغبتك إلى الله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: اجعل رغبتك ونيتك إلى ربك. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: إذا قمت إلى الصلاة. آخر تفسير سورة ألم نشرح
Nous avons exalté ta renommée jusqu’à ce que ton nom sois mentionné dans l’appel à la prière, la `iqâmah et d’autres formules que l’on récite.
فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا
A côté de la difficulté est, certes, une facilité!
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ أَلَمْ نَشْرَحْ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * يَقُولُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ يَعْنِي: أَمَا شَرَحْنَا لَكَ صَدْرَكَ، أَيْ: نَوَّرْنَاهُ وَجَعَلْنَاهُ فَسيحًا رَحِيبًا وَاسِعًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٥] ، وَكَمَا شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ كَذَلِكَ جَعَلَ شَرْعه فَسِيحًا وَاسِعًا سَمْحًا سَهْلًا لَا حَرَجَ فِيهِ وَلَا إِصْرَ وَلَا ضِيقَ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ شَرْحُ صَدْرِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير أول سورة الإسراء.]] وَقَدْ أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيُّ هَاهُنَا. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا، وَلَكِنْ لَا مُنَافَاةَ، فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ شَرْحِ صَدْرِهِ الَّذِي فُعِل بِصَدْرِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَمَا نَشَأَ عَنْهُ مِنَ الشَّرْحِ الْمَعْنَوِيِّ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ [[في أ: "محمد بن عبد الرحمن ".]] أَبُو يَحْيَى الْبَزَّازُ [[في م، أ: "البزار".]] حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ مُعَاذٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ جَرِيًّا عَلَى أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ لَا يَسْأَلُهُ عَنْهَا غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أولُ مَا رَأَيْتَ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ؟ فَاسْتَوَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا وَقَالَ: "لَقَدْ سألتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنِّي لَفِي الصَّحْرَاءِ ابنُ عَشْرِ سِنِينَ وَأَشْهُرٍ، وَإِذَا بِكَلَامٍ فَوْقَ رَأْسِي، وَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ لِرَجُلٍ: أَهُوَ هُوَ؟ [قَالَ: نَعَمْ] [[زيادة من المسند.]] فَاسْتَقْبَلَانِي بِوُجُوهٍ لَمْ أَرَهَا [لِخَلْقٍ] [[زيادة من المسند.]] قَطُّ، وَأَرْوَاحٍ لَمْ أَجِدْهَا مِنْ خَلْقٍ قَطُّ، وَثِيَابٍ لَمْ أَرَهَا عَلَى أَحَدٍ قَطُّ. فَأَقْبَلَا إِلَيَّ يَمْشِيَانِ، حَتَّى أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بعَضُدي، لَا أَجِدُ لِأَحَدِهِمَا مَسًّا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَضْجِعْهُ. فَأَضْجَعَانِي بِلَا قَصْر وَلَا هَصْر. فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: افْلِقْ صَدْرَهُ. فَهَوَى أَحَدُهُمَا إِلَى صَدْرِي فَفَلَقَهُ فِيمَا أَرَى بِلَا دَمٍ وَلَا وَجَعٍ، فَقَالَ لَهُ: أَخْرِجِ الغِلّ والحَسَد. فَأَخْرَجَ شَيْئًا كَهَيْئَةِ الْعَلَقَةِ ثُمَّ نَبَذَهَا فَطَرَحَهَا، فَقَالَ لَهُ: أَدْخِلِ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ، فَإِذَا مِثْلُ الَّذِي أَخْرَجَ شبهُ الفضة، ثم هز إِبْهَامَ رِجْلِي الْيُمْنَى فَقَالَ: اغدُ وَاسْلَمْ. فَرَجَعْتُ بِهَا أَغْدُو، رِقَّةً عَلَى الصَّغِيرِ، وَرَحْمَةً لِلْكَبِيرِ" [[زوائد المسند (٥/١٣٩) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٢٢٢) : "رجاله ثقات وثقهم ابن حبان".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ بِمَعْنَى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الْفَتْحِ: ٢] ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ الْإِنْقَاضُ: الصَّوْتُ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أَيْ: أَثْقَلَكَ حَمْلُهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا أُذْكرُ إِلَّا ذُكِرتَ مَعِي: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: رَفَعَ اللهُ ذكرَه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ وَلَا مُتشهد وَلَا صاحبُ صَلَاةٍ إِلَّا يُنَادِي بِهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَراج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبِّي وَرَبَّكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: إِذَا ذُكِرتُ ذُكِرتَ مَعِي"، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، بِهِ وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٣٠/١٥١) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا أَبُو عُمر الحَوضي، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سَأَلْتُ رَبِّي مَسْأَلَةً وَدَدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُهُ، قُلْتُ: قَدْ كَانَتْ قَبْلِي أَنْبِيَاءُ، مِنْهُمْ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ [[في أ: "البحر".]] وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْيِي الْمَوْتَى. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَشْرَحْ [[في أ: "ألم نشرح".]] لَكَ صَدْرَكَ؟ أَلَمْ أَرْفَعْ لَكَ ذِكْرَكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥٢٦) من طريق أحمد بن سلمة، عن عبد الله بن الجراح، عن حماد بن زيد به، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]] . وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي "دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ": حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الجَوْني، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ بَهْرام الْهِيَتِيُّ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا فَرَغْتُ مِمَّا أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ أَمْرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْتُ: يَا رَبِّ، إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا وَقَدْ كَرَّمْتَهُ، جَعَلْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَمُوسَى كَلِيمًا، وَسَخَّرْتَ لِدَاوُدَ الْجِبَالَ، وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ وَالشَّيَاطِينَ، وَأَحْيَيْتَ لِعِيسَى الْمَوْتَى، فَمَا جَعَلْتَ لِي؟ قال: أو ليس قَدْ أَعْطَيْتُكَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، أَنِّي لَا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي، وَجَعَلْتُ صُدُورَ أُمَّتِكَ أَنَاجِيلَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ ظَاهِرًا، وَلَمْ أُعْطِهَا أُمَّةً، وَأَعْطَيْتُكَ كَنْزًا مِنْ كُنُوزِ عَرْشِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ" [[وذكره المؤلف في البداية والنهاية (٦/٢٨٨) ثم قال: "وهذا إسناد فيه غرابة، ولكن أورد له شاهدا من طريق أبي القاسم بن منيع البغوي، عن سليمان بن داود المهراني، عن حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مرفوعا بنحوه".]] . وَحَكَى الْبَغَوِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ: الْأَذَانُ. يَعْنِي: ذِكْرَهُ فِيهِ، وَأَوْرَدَ مِنْ شِعْرِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: أغَرّ عَلَيه لِلنُّبُوَّةِ خَاتَم ... مِنَ اللَّهِ مِنْ نُور يَلوحُ وَيشْهَد ... وَضمَّ الإلهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ ... إِذَا قَالَ فِي الخَمْس المؤذنُ: أشهدُ ... وَشَقَّ لَهُ مِن اسْمِهِ ليُجِلَّه ... فَذُو العَرشِ محمودٌ وهَذا مُحَمَّدُ [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٤٦٤) .]] وَقَالَ آخَرُونَ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، وَنَوَّهَ بِهِ، حِينَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وَأَنْ يَأْمُرُوا أُمَمَهُمْ [[في أ: "أمتهم".]] بِالْإِيمَانِ بِهِ، ثُمَّ شَهَرَ ذِكْرَهُ فِي أُمَّتِهِ فَلَا يُذكر اللَّهُ إِلَّا ذُكر مَعَهُ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ الصَّرْصَرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا يَصِحُّ الأذانُ فِي الفَرْضِ إِلَّا ... باسمِه العَذْب فِي الْفَمِ المرْضي ... وَقَالَ أَيْضًا: [ألَم تَر أنَّا لَا يَصحُّ أذانُنَا ... وَلا فَرْضُنا إنْ لَمْ نُكَررْه فِيهِمَا] [[زيادة من م، أ.]] ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يوجَدُ الْيُسْرُ، ثُمَّ أَكَّدَ هَذَا الْخَبَرَ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا حُميد بْنُ حَمَّادِ بْنِ خَوَار أَبُو الْجَهْمِ، حَدَّثَنَا عَائِذُ بْنُ شُريح قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا [[في أ: "جالس" وهو خطأ.]] وَحِيَالَهُ حجر، فقال: "لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: [[كذا في م، أ، هـ: "إن" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.]] ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٢٥٥) من طريق محمود بن غيلان به، وقال الحاكم: "هذا حديث عجيب غير أن الشيخين لم يحتجا بعائذ بن شريح". وقال الذهبي:"تفرد حميد بن حماد، عن عائذ، وحميد منكر الحديث كعائذ".]] . وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْمَر، عَنْ حُميد بْنِ حَمَّادٍ، بِهِ وَلَفْظُهُ: "لَوْ جاء العسر حتى يدخل هذا الحجر لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يُخْرِجَهُ" ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ أَنَسٍ إِلَّا عَائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ [[مسند البزار برقم (٢٢٨٨) "كشف الأستار" ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤١٦) من طريق محمد بن معمر به.]] . قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ، وَلَكِنْ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود موقوفا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَاحِ، حَدَّثَنَا أَبُو قَطَن [[في أ: "مطر".]] حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: لَا يَغْلِبُ عُسْرٌ وَاحِدٌ يُسْرَيْنِ اثْنَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في أ: "حدثنا أبو".]] ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا مَسْرُورًا فَرِحًا وَهُوَ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: "لَنْ يَغْلِب عُسْر يُسْرَيْنِ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، فَإِنَّ [[كذا في م، أ، هـ: "إن" وهو خطأ. من ابن جرير (٣٠/١٥١) .]] مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا". وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا [[تفسير الطبري (٣٠/١٥١) ورواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٣٠٩) عن معمر، عن الحسن به مرسلا، وقد جاء موقوفا على ابن مسعود، رواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٣٠٩) من طريق ميمون عن إبراهيم النخعي عنه، وجاء مرفوعا عن جابر، رواه ابن مردويه في تفسيره، وقال الحافظ ابن حجر: "إسناده ضعيف".]] . وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَشَّرَ أَصْحَابَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّ الْعُسْرَ مُعَرَّفٌ فِي الْحَالَيْنِ، فَهُوَ مُفْرَدٌ، وَالْيُسْرُ مُنَكَّرٌ فَتَعَدَّدَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ فَالْعُسْرُ الْأَوَّلُ عَيْنُ [[في م: "هو".]] الثَّانِي وَالْيُسْرُ تَعَدَّدَ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَزَّلَ [[في أ: "نزلت".]] الْمَعُونَةَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى قَدْرِ الْمَؤُونَةِ، وَنَزَّلَ الصَّبْرَ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ" [[ورواه البزار في مسنده برقم (١٥٠٦) "كشف الأستار" وابن عدي في الكامل (٤/١١٥) من طريق عبد العزيز الدراوردي عن طارق وعباد بن كثير، عن أبي الزناد به. وقال البزار: "لا نعلمه عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد". وقال ابن عدي: "وطارق بن عمار يعرف بهذا الحديث". والحديث معلول. انظر: العلل لابن أبي حاتم (٢/١٢٦،١٣٣) والكامل لابن عدي (٦/٢٣٨،٤٠٢، ٢/٣٧، ٤/١١٥) .]] . وَمِمَّا يُرْوَى عَنِ الشَّافِعِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: صَبرا جَميلا مَا أقرَبَ الفَرجا ... مَن رَاقَب اللَّهَ فِي الْأُمُورِ نَجَا ... مَن صَدَق اللَّهَ لَم يَنَلْه أذَى ... وَمَن رَجَاه يَكون حَيثُ رَجَا ... وَقَالَ ابْنُ دُرَيد: أَنْشَدَنِي أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: إِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى الْيَأْسِ القلوبُ ... وَضَاقَ لِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرحيبُ ... وَأَوْطَأَتِ الْمَكَارِهُ وَاطْمَأَنَّتْ ... وَأَرْسَتْ فِي أَمَاكِنِهَا الخطوبُ ... وَلَمْ تَرَ لِانْكِشَافِ الضُّرِّ وَجْهًا ... وَلَا أَغْنَى بحيلته الأريبُ .. أَتَاكَ عَلَى قُنوط مِنْكَ غَوثٌ ... يَمُنُّ بِهِ اللَّطِيفُ المستجيبُ ... وَكُلُّ الْحَادِثَاتِ إِذَا تَنَاهَتْ ... فَمَوْصُولٌ بِهَا الْفَرَجُ الْقَرِيبُ ... وَقَالَ آخَرُ: وَلَرُب نَازِلَةٍ يَضِيقُ بِهَا الْفَتَى ... ذَرْعًا وَعِنْدَ اللَّهِ مِنْهَا الْمَخْرَجُ ... كَمُلَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلْقَاتُهَا ... فُرِجَتْ وَكَانَ يَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ أَيْ: إِذَا فَرغت مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَأَشْغَالِهَا وَقَطَعْتَ عَلَائِقَهَا، فَانْصَبْ فِي الْعِبَادَةِ، وَقُمْ إِلَيْهَا نَشِيطًا فَارِغَ الْبَالِ، وَأَخْلِصْ لِرَبِّكَ النِّيَّةَ وَالرَّغْبَةَ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: "لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٥٦٠) من حديث عائشة، رضي الله عنها.]] وَقَوْلُهُ ﷺ: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَحَضَرَ الْعَشَاءُ، فَابْدَءُوا بالعَشَاء" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٤٦٥) من حديث عائشة، رضي الله عنها.]] . قَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَقُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَانْصَبْ لِرَبِّكَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَانْصَبْ فِي حَاجَتِكَ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْفَرَائِضِ فَانْصَبْ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ. وَعَنِ ابْنِ عِيَاضٍ نَحْوُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ بَعْدَ فَرَاغِكَ مِنَ الصَّلَاةِ وَأَنْتَ جَالِسٌ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يَعْنِي: فِي الدُّعَاءِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ أَيْ: مِنَ الْجِهَادِ ﴿فَانْصَبْ﴾ أَيْ: فِي الْعِبَادَةِ. ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: اجْعَلْ نِيَّتَكَ وَرَغْبَتَكَ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. آخِرُ تَفْسِيرِ سورة "ألم نشرح" ولله الحمد.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، مذكِّره آلاءه عنده، وإحسانه إليه، حاضا له بذلك على شكره، على ما أنعم عليه، ليستوجب بذلك المزيد منه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ يا محمد، للهدى والإيمان بالله ومعرفة الحقّ ﴿صَدْرِكَ﴾ فنلِّين لك قلبك، ونجعله وعاء للحكمة: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ يقول: وغفرنا لك ما سلف من ذنوبك، وحططنا عنك ثقل أيام الجاهلية التي كنت فيها، وهي في قراءة عبد الله فيما ذُكر: ﴿وَحَلَلْنا عَنْكَ وِقْرَكَ الَّذِي أَنْقَض ظَهْرَكَ﴾ يقول: الذي أثقل ظهرك فأوهنه، وهو من قولهم للبعير إذا كان رجيع سفر قد أوهنه السفر، وأذهب لحمه: هو نِقْضُ سَفَر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: ذنبك. ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: أثقل ظهرك. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ : كانت للنبيّ ﷺ ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: كانت للنبي: ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ يعني: الشرك الذي كان فيه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: شرح له صدرَه، وغفر له ذنبَه الذي كان قبل أن يُنَبأ، فوضعه. وفي قوله: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: أثقله وجهده، كما يُنْقِضُ البعيرَ حِمْلُه الثقيل، حتى يصير نِقضا بعد أن كان سمينا ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: ذنبك الذي أنقض ظهرَك، أثقل ظهرك، ووضعناه عنك، وخفَّفنا عنك ما أثقل ظهرَك. * * وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ يقول: ورفعنا لك ذكرك، فلا أُذْكَرُ إلا ذُكِرْتَ معي، وذلك قول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وعمرو بن مالك، قالا ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال: لا أُذْكَرُ إلا ذُكْرِتَ معي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال النبيّ ﷺ: "ابْدَءُوا بالعُبُودَةِ، وَثَنُّوا بالرسالة" فقلت لمعمر، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده، فهو العبودة، ورسوله أن تقول: عبده ورسوله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة، إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله ﷺ، أنه قال: "أتانِي جِبْرِيلُ فَقالَ إنَّ رَبِّي وَرَبكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ؟ قال: الله أعْلَمُ، قال: إذَا ذُكِرْتُ ذُكرتَ مَعِي". * * وقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فإنّ مع الشدّة التي أنت فيها من جهاد هؤلاء المشركين، ومن أوّله ما أنت بسبيله رجاء وفرجا بأن يُظْفِرَكَ بهم، حتى ينقادوا للحقّ الذي جئتهم به طوعا وكَرها. ورُوي عن النبيّ ﷺ أن هذه الآية لما نزلت، بَشَّر بها أصحابه وقال: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت يونس، قال: قال الحسن: لما نزلت هذه الآية ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال رسول الله ﷺ: "أبْشِرُوا أتاكُمُ اليُسْرُ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن يونس، عن الحسن، مثله، عن النبيّ ﷺ. ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن الحسن، عن النبي ﷺ، بنحوه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، قال: خرج النبيّ ﷺ يوما مسرورا فَرِحا وهو يضحك، وهو يقول: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ". ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ذُكر لنا أن رسول الله ﷺ بشَّر أصحابه بهذه الآية، فقال: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن معاوية بن قرة أبي إياس، عن رجل، عن عبد الله بن مسعود، قال: لو دخل العسر في جُحْر، لجاء اليسر حتى يدخل عليه، لأن الله يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن رجل، عن عبد الله، بنحوه. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم: قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال: يتبع اليسرُ العُسَر. * * وقوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: فإذا فَرعت من صلاتك، فانصب إلى ربك في الدعاء، وسله حاجاتك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: في الدعاء. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: فإذا فرغت مما فُرض عليك من الصلاة فسل الله، وارغب إليه، وانصب له. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا قمت إلى الصلاة فانصب في حاجتك إلى ربك. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: من الصلاة المكتوبة قبل أن تسلِّم، فانصَب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: أمره إذا فرغ من صلاته أن يبالغ في دعائه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من صلاتك ﴿فَانْصَبْ﴾ في الدعاء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من جهاد عدوّك ﴿فَانْصَبْ﴾ في عبادة ربك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: أمره إذا فرغ من غزوه، أن يجتهد في الدعاء والعبادة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال عن أبيه: فإذا فرغت من الجهاد، جهاد العرب، وانقطع جهادهم، فانصب لعبادة الله ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ . وقال آخرون: بل معنى ذلك: فإذا فرغت من أمر دنياك، فانصب في عبادة ربك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا فرغت من أمر الدنيا فانصب، قال: فصّل. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا فرغت من أمر دنياك فانصب، فصّل. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ قال: إذا فرغت من أمر الدنيا، وقمت إلى الصلاة، فاجعل رغبتك ونيتك له. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: إن الله تعالى ذكره، أمر نبيه أن يجعل فراغه من كلّ ما كان به مشتغلا من أمر دنياه وآخرته، مما أدّى له الشغل به، وأمره بالشغل به إلى النصب في عبادته، والاشتغال فيما قرّبه إليه، ومسألته حاجاته، ولم يخصص بذلك حالا من أحوال فراغه دون حال، فسواء كلّ أحوال فراغه، من صلاة كان فراغه، أو جهاد، أو أمر دنيا كان به مشتغلا لعموم الشرط في ذلك، من غير خصوص حال فراغ، دون حال أخرى. * * وقوله: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ يقول تعالى ذكره: وإلى ربك يا محمد فاجعل رغبتك، دون من سواه من خلقه، إذ كان هؤلاء المشركون من قومك قد جعلوا رغبتهم في حاجاتهم إلى الآلهة والأنداد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: اجعل نيتك ورغبتك إلى الله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: اجعل رغبتك ونيتك إلى ربك. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: إذا قمت إلى الصلاة. آخر تفسير سورة ألم نشرح
A côté de la peine et la difficulté, il y a de la facilité et l’aisance.
إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًۭا
A côté de la difficulté est, certes, une facilité!
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ أَلَمْ نَشْرَحْ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * يَقُولُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ يَعْنِي: أَمَا شَرَحْنَا لَكَ صَدْرَكَ، أَيْ: نَوَّرْنَاهُ وَجَعَلْنَاهُ فَسيحًا رَحِيبًا وَاسِعًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٥] ، وَكَمَا شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ كَذَلِكَ جَعَلَ شَرْعه فَسِيحًا وَاسِعًا سَمْحًا سَهْلًا لَا حَرَجَ فِيهِ وَلَا إِصْرَ وَلَا ضِيقَ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ شَرْحُ صَدْرِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير أول سورة الإسراء.]] وَقَدْ أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيُّ هَاهُنَا. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا، وَلَكِنْ لَا مُنَافَاةَ، فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ شَرْحِ صَدْرِهِ الَّذِي فُعِل بِصَدْرِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَمَا نَشَأَ عَنْهُ مِنَ الشَّرْحِ الْمَعْنَوِيِّ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ [[في أ: "محمد بن عبد الرحمن ".]] أَبُو يَحْيَى الْبَزَّازُ [[في م، أ: "البزار".]] حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ مُعَاذٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ جَرِيًّا عَلَى أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ لَا يَسْأَلُهُ عَنْهَا غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أولُ مَا رَأَيْتَ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ؟ فَاسْتَوَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا وَقَالَ: "لَقَدْ سألتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنِّي لَفِي الصَّحْرَاءِ ابنُ عَشْرِ سِنِينَ وَأَشْهُرٍ، وَإِذَا بِكَلَامٍ فَوْقَ رَأْسِي، وَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ لِرَجُلٍ: أَهُوَ هُوَ؟ [قَالَ: نَعَمْ] [[زيادة من المسند.]] فَاسْتَقْبَلَانِي بِوُجُوهٍ لَمْ أَرَهَا [لِخَلْقٍ] [[زيادة من المسند.]] قَطُّ، وَأَرْوَاحٍ لَمْ أَجِدْهَا مِنْ خَلْقٍ قَطُّ، وَثِيَابٍ لَمْ أَرَهَا عَلَى أَحَدٍ قَطُّ. فَأَقْبَلَا إِلَيَّ يَمْشِيَانِ، حَتَّى أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بعَضُدي، لَا أَجِدُ لِأَحَدِهِمَا مَسًّا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَضْجِعْهُ. فَأَضْجَعَانِي بِلَا قَصْر وَلَا هَصْر. فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: افْلِقْ صَدْرَهُ. فَهَوَى أَحَدُهُمَا إِلَى صَدْرِي فَفَلَقَهُ فِيمَا أَرَى بِلَا دَمٍ وَلَا وَجَعٍ، فَقَالَ لَهُ: أَخْرِجِ الغِلّ والحَسَد. فَأَخْرَجَ شَيْئًا كَهَيْئَةِ الْعَلَقَةِ ثُمَّ نَبَذَهَا فَطَرَحَهَا، فَقَالَ لَهُ: أَدْخِلِ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ، فَإِذَا مِثْلُ الَّذِي أَخْرَجَ شبهُ الفضة، ثم هز إِبْهَامَ رِجْلِي الْيُمْنَى فَقَالَ: اغدُ وَاسْلَمْ. فَرَجَعْتُ بِهَا أَغْدُو، رِقَّةً عَلَى الصَّغِيرِ، وَرَحْمَةً لِلْكَبِيرِ" [[زوائد المسند (٥/١٣٩) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٢٢٢) : "رجاله ثقات وثقهم ابن حبان".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ بِمَعْنَى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الْفَتْحِ: ٢] ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ الْإِنْقَاضُ: الصَّوْتُ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أَيْ: أَثْقَلَكَ حَمْلُهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا أُذْكرُ إِلَّا ذُكِرتَ مَعِي: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: رَفَعَ اللهُ ذكرَه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ وَلَا مُتشهد وَلَا صاحبُ صَلَاةٍ إِلَّا يُنَادِي بِهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَراج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبِّي وَرَبَّكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: إِذَا ذُكِرتُ ذُكِرتَ مَعِي"، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، بِهِ وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٣٠/١٥١) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا أَبُو عُمر الحَوضي، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سَأَلْتُ رَبِّي مَسْأَلَةً وَدَدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُهُ، قُلْتُ: قَدْ كَانَتْ قَبْلِي أَنْبِيَاءُ، مِنْهُمْ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ [[في أ: "البحر".]] وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْيِي الْمَوْتَى. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَشْرَحْ [[في أ: "ألم نشرح".]] لَكَ صَدْرَكَ؟ أَلَمْ أَرْفَعْ لَكَ ذِكْرَكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥٢٦) من طريق أحمد بن سلمة، عن عبد الله بن الجراح، عن حماد بن زيد به، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]] . وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي "دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ": حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الجَوْني، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ بَهْرام الْهِيَتِيُّ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا فَرَغْتُ مِمَّا أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ أَمْرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْتُ: يَا رَبِّ، إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا وَقَدْ كَرَّمْتَهُ، جَعَلْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَمُوسَى كَلِيمًا، وَسَخَّرْتَ لِدَاوُدَ الْجِبَالَ، وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ وَالشَّيَاطِينَ، وَأَحْيَيْتَ لِعِيسَى الْمَوْتَى، فَمَا جَعَلْتَ لِي؟ قال: أو ليس قَدْ أَعْطَيْتُكَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، أَنِّي لَا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي، وَجَعَلْتُ صُدُورَ أُمَّتِكَ أَنَاجِيلَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ ظَاهِرًا، وَلَمْ أُعْطِهَا أُمَّةً، وَأَعْطَيْتُكَ كَنْزًا مِنْ كُنُوزِ عَرْشِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ" [[وذكره المؤلف في البداية والنهاية (٦/٢٨٨) ثم قال: "وهذا إسناد فيه غرابة، ولكن أورد له شاهدا من طريق أبي القاسم بن منيع البغوي، عن سليمان بن داود المهراني، عن حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مرفوعا بنحوه".]] . وَحَكَى الْبَغَوِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ: الْأَذَانُ. يَعْنِي: ذِكْرَهُ فِيهِ، وَأَوْرَدَ مِنْ شِعْرِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: أغَرّ عَلَيه لِلنُّبُوَّةِ خَاتَم ... مِنَ اللَّهِ مِنْ نُور يَلوحُ وَيشْهَد ... وَضمَّ الإلهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ ... إِذَا قَالَ فِي الخَمْس المؤذنُ: أشهدُ ... وَشَقَّ لَهُ مِن اسْمِهِ ليُجِلَّه ... فَذُو العَرشِ محمودٌ وهَذا مُحَمَّدُ [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٤٦٤) .]] وَقَالَ آخَرُونَ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، وَنَوَّهَ بِهِ، حِينَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وَأَنْ يَأْمُرُوا أُمَمَهُمْ [[في أ: "أمتهم".]] بِالْإِيمَانِ بِهِ، ثُمَّ شَهَرَ ذِكْرَهُ فِي أُمَّتِهِ فَلَا يُذكر اللَّهُ إِلَّا ذُكر مَعَهُ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ الصَّرْصَرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا يَصِحُّ الأذانُ فِي الفَرْضِ إِلَّا ... باسمِه العَذْب فِي الْفَمِ المرْضي ... وَقَالَ أَيْضًا: [ألَم تَر أنَّا لَا يَصحُّ أذانُنَا ... وَلا فَرْضُنا إنْ لَمْ نُكَررْه فِيهِمَا] [[زيادة من م، أ.]] ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يوجَدُ الْيُسْرُ، ثُمَّ أَكَّدَ هَذَا الْخَبَرَ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا حُميد بْنُ حَمَّادِ بْنِ خَوَار أَبُو الْجَهْمِ، حَدَّثَنَا عَائِذُ بْنُ شُريح قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا [[في أ: "جالس" وهو خطأ.]] وَحِيَالَهُ حجر، فقال: "لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: [[كذا في م، أ، هـ: "إن" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.]] ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٢٥٥) من طريق محمود بن غيلان به، وقال الحاكم: "هذا حديث عجيب غير أن الشيخين لم يحتجا بعائذ بن شريح". وقال الذهبي:"تفرد حميد بن حماد، عن عائذ، وحميد منكر الحديث كعائذ".]] . وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْمَر، عَنْ حُميد بْنِ حَمَّادٍ، بِهِ وَلَفْظُهُ: "لَوْ جاء العسر حتى يدخل هذا الحجر لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يُخْرِجَهُ" ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ أَنَسٍ إِلَّا عَائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ [[مسند البزار برقم (٢٢٨٨) "كشف الأستار" ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤١٦) من طريق محمد بن معمر به.]] . قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ، وَلَكِنْ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود موقوفا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَاحِ، حَدَّثَنَا أَبُو قَطَن [[في أ: "مطر".]] حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: لَا يَغْلِبُ عُسْرٌ وَاحِدٌ يُسْرَيْنِ اثْنَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في أ: "حدثنا أبو".]] ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا مَسْرُورًا فَرِحًا وَهُوَ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: "لَنْ يَغْلِب عُسْر يُسْرَيْنِ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، فَإِنَّ [[كذا في م، أ، هـ: "إن" وهو خطأ. من ابن جرير (٣٠/١٥١) .]] مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا". وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا [[تفسير الطبري (٣٠/١٥١) ورواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٣٠٩) عن معمر، عن الحسن به مرسلا، وقد جاء موقوفا على ابن مسعود، رواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٣٠٩) من طريق ميمون عن إبراهيم النخعي عنه، وجاء مرفوعا عن جابر، رواه ابن مردويه في تفسيره، وقال الحافظ ابن حجر: "إسناده ضعيف".]] . وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَشَّرَ أَصْحَابَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّ الْعُسْرَ مُعَرَّفٌ فِي الْحَالَيْنِ، فَهُوَ مُفْرَدٌ، وَالْيُسْرُ مُنَكَّرٌ فَتَعَدَّدَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ فَالْعُسْرُ الْأَوَّلُ عَيْنُ [[في م: "هو".]] الثَّانِي وَالْيُسْرُ تَعَدَّدَ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَزَّلَ [[في أ: "نزلت".]] الْمَعُونَةَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى قَدْرِ الْمَؤُونَةِ، وَنَزَّلَ الصَّبْرَ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ" [[ورواه البزار في مسنده برقم (١٥٠٦) "كشف الأستار" وابن عدي في الكامل (٤/١١٥) من طريق عبد العزيز الدراوردي عن طارق وعباد بن كثير، عن أبي الزناد به. وقال البزار: "لا نعلمه عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد". وقال ابن عدي: "وطارق بن عمار يعرف بهذا الحديث". والحديث معلول. انظر: العلل لابن أبي حاتم (٢/١٢٦،١٣٣) والكامل لابن عدي (٦/٢٣٨،٤٠٢، ٢/٣٧، ٤/١١٥) .]] . وَمِمَّا يُرْوَى عَنِ الشَّافِعِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: صَبرا جَميلا مَا أقرَبَ الفَرجا ... مَن رَاقَب اللَّهَ فِي الْأُمُورِ نَجَا ... مَن صَدَق اللَّهَ لَم يَنَلْه أذَى ... وَمَن رَجَاه يَكون حَيثُ رَجَا ... وَقَالَ ابْنُ دُرَيد: أَنْشَدَنِي أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: إِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى الْيَأْسِ القلوبُ ... وَضَاقَ لِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرحيبُ ... وَأَوْطَأَتِ الْمَكَارِهُ وَاطْمَأَنَّتْ ... وَأَرْسَتْ فِي أَمَاكِنِهَا الخطوبُ ... وَلَمْ تَرَ لِانْكِشَافِ الضُّرِّ وَجْهًا ... وَلَا أَغْنَى بحيلته الأريبُ .. أَتَاكَ عَلَى قُنوط مِنْكَ غَوثٌ ... يَمُنُّ بِهِ اللَّطِيفُ المستجيبُ ... وَكُلُّ الْحَادِثَاتِ إِذَا تَنَاهَتْ ... فَمَوْصُولٌ بِهَا الْفَرَجُ الْقَرِيبُ ... وَقَالَ آخَرُ: وَلَرُب نَازِلَةٍ يَضِيقُ بِهَا الْفَتَى ... ذَرْعًا وَعِنْدَ اللَّهِ مِنْهَا الْمَخْرَجُ ... كَمُلَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلْقَاتُهَا ... فُرِجَتْ وَكَانَ يَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ أَيْ: إِذَا فَرغت مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَأَشْغَالِهَا وَقَطَعْتَ عَلَائِقَهَا، فَانْصَبْ فِي الْعِبَادَةِ، وَقُمْ إِلَيْهَا نَشِيطًا فَارِغَ الْبَالِ، وَأَخْلِصْ لِرَبِّكَ النِّيَّةَ وَالرَّغْبَةَ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: "لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٥٦٠) من حديث عائشة، رضي الله عنها.]] وَقَوْلُهُ ﷺ: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَحَضَرَ الْعَشَاءُ، فَابْدَءُوا بالعَشَاء" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٤٦٥) من حديث عائشة، رضي الله عنها.]] . قَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَقُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَانْصَبْ لِرَبِّكَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَانْصَبْ فِي حَاجَتِكَ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْفَرَائِضِ فَانْصَبْ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ. وَعَنِ ابْنِ عِيَاضٍ نَحْوُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ بَعْدَ فَرَاغِكَ مِنَ الصَّلَاةِ وَأَنْتَ جَالِسٌ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يَعْنِي: فِي الدُّعَاءِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ أَيْ: مِنَ الْجِهَادِ ﴿فَانْصَبْ﴾ أَيْ: فِي الْعِبَادَةِ. ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: اجْعَلْ نِيَّتَكَ وَرَغْبَتَكَ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. آخِرُ تَفْسِيرِ سورة "ألم نشرح" ولله الحمد.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، مذكِّره آلاءه عنده، وإحسانه إليه، حاضا له بذلك على شكره، على ما أنعم عليه، ليستوجب بذلك المزيد منه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ يا محمد، للهدى والإيمان بالله ومعرفة الحقّ ﴿صَدْرِكَ﴾ فنلِّين لك قلبك، ونجعله وعاء للحكمة: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ يقول: وغفرنا لك ما سلف من ذنوبك، وحططنا عنك ثقل أيام الجاهلية التي كنت فيها، وهي في قراءة عبد الله فيما ذُكر: ﴿وَحَلَلْنا عَنْكَ وِقْرَكَ الَّذِي أَنْقَض ظَهْرَكَ﴾ يقول: الذي أثقل ظهرك فأوهنه، وهو من قولهم للبعير إذا كان رجيع سفر قد أوهنه السفر، وأذهب لحمه: هو نِقْضُ سَفَر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: ذنبك. ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: أثقل ظهرك. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ : كانت للنبيّ ﷺ ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: كانت للنبي: ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ يعني: الشرك الذي كان فيه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: شرح له صدرَه، وغفر له ذنبَه الذي كان قبل أن يُنَبأ، فوضعه. وفي قوله: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: أثقله وجهده، كما يُنْقِضُ البعيرَ حِمْلُه الثقيل، حتى يصير نِقضا بعد أن كان سمينا ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: ذنبك الذي أنقض ظهرَك، أثقل ظهرك، ووضعناه عنك، وخفَّفنا عنك ما أثقل ظهرَك. * * وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ يقول: ورفعنا لك ذكرك، فلا أُذْكَرُ إلا ذُكِرْتَ معي، وذلك قول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وعمرو بن مالك، قالا ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال: لا أُذْكَرُ إلا ذُكْرِتَ معي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال النبيّ ﷺ: "ابْدَءُوا بالعُبُودَةِ، وَثَنُّوا بالرسالة" فقلت لمعمر، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده، فهو العبودة، ورسوله أن تقول: عبده ورسوله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة، إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله ﷺ، أنه قال: "أتانِي جِبْرِيلُ فَقالَ إنَّ رَبِّي وَرَبكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ؟ قال: الله أعْلَمُ، قال: إذَا ذُكِرْتُ ذُكرتَ مَعِي". * * وقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فإنّ مع الشدّة التي أنت فيها من جهاد هؤلاء المشركين، ومن أوّله ما أنت بسبيله رجاء وفرجا بأن يُظْفِرَكَ بهم، حتى ينقادوا للحقّ الذي جئتهم به طوعا وكَرها. ورُوي عن النبيّ ﷺ أن هذه الآية لما نزلت، بَشَّر بها أصحابه وقال: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت يونس، قال: قال الحسن: لما نزلت هذه الآية ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال رسول الله ﷺ: "أبْشِرُوا أتاكُمُ اليُسْرُ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن يونس، عن الحسن، مثله، عن النبيّ ﷺ. ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن الحسن، عن النبي ﷺ، بنحوه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، قال: خرج النبيّ ﷺ يوما مسرورا فَرِحا وهو يضحك، وهو يقول: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ". ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ذُكر لنا أن رسول الله ﷺ بشَّر أصحابه بهذه الآية، فقال: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن معاوية بن قرة أبي إياس، عن رجل، عن عبد الله بن مسعود، قال: لو دخل العسر في جُحْر، لجاء اليسر حتى يدخل عليه، لأن الله يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن رجل، عن عبد الله، بنحوه. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم: قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال: يتبع اليسرُ العُسَر. * * وقوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: فإذا فَرعت من صلاتك، فانصب إلى ربك في الدعاء، وسله حاجاتك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: في الدعاء. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: فإذا فرغت مما فُرض عليك من الصلاة فسل الله، وارغب إليه، وانصب له. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا قمت إلى الصلاة فانصب في حاجتك إلى ربك. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: من الصلاة المكتوبة قبل أن تسلِّم، فانصَب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: أمره إذا فرغ من صلاته أن يبالغ في دعائه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من صلاتك ﴿فَانْصَبْ﴾ في الدعاء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من جهاد عدوّك ﴿فَانْصَبْ﴾ في عبادة ربك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: أمره إذا فرغ من غزوه، أن يجتهد في الدعاء والعبادة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال عن أبيه: فإذا فرغت من الجهاد، جهاد العرب، وانقطع جهادهم، فانصب لعبادة الله ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ . وقال آخرون: بل معنى ذلك: فإذا فرغت من أمر دنياك، فانصب في عبادة ربك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا فرغت من أمر الدنيا فانصب، قال: فصّل. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا فرغت من أمر دنياك فانصب، فصّل. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ قال: إذا فرغت من أمر الدنيا، وقمت إلى الصلاة، فاجعل رغبتك ونيتك له. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: إن الله تعالى ذكره، أمر نبيه أن يجعل فراغه من كلّ ما كان به مشتغلا من أمر دنياه وآخرته، مما أدّى له الشغل به، وأمره بالشغل به إلى النصب في عبادته، والاشتغال فيما قرّبه إليه، ومسألته حاجاته، ولم يخصص بذلك حالا من أحوال فراغه دون حال، فسواء كلّ أحوال فراغه، من صلاة كان فراغه، أو جهاد، أو أمر دنيا كان به مشتغلا لعموم الشرط في ذلك، من غير خصوص حال فراغ، دون حال أخرى. * * وقوله: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ يقول تعالى ذكره: وإلى ربك يا محمد فاجعل رغبتك، دون من سواه من خلقه، إذ كان هؤلاء المشركون من قومك قد جعلوا رغبتهم في حاجاتهم إلى الآلهة والأنداد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: اجعل نيتك ورغبتك إلى الله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: اجعل رغبتك ونيتك إلى ربك. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: إذا قمت إلى الصلاة. آخر تفسير سورة ألم نشرح
Encore une fois: A côté de la peine et la difficulté, il y a la facilité et l’aisance. Sachant cela, tu ne dois pas être perturbé ni être détourné de la prédication par les persécutions des tiens.
فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ
Quand tu te libères, donc, lève-toi,
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ أَلَمْ نَشْرَحْ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * يَقُولُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ يَعْنِي: أَمَا شَرَحْنَا لَكَ صَدْرَكَ، أَيْ: نَوَّرْنَاهُ وَجَعَلْنَاهُ فَسيحًا رَحِيبًا وَاسِعًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٥] ، وَكَمَا شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ كَذَلِكَ جَعَلَ شَرْعه فَسِيحًا وَاسِعًا سَمْحًا سَهْلًا لَا حَرَجَ فِيهِ وَلَا إِصْرَ وَلَا ضِيقَ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ شَرْحُ صَدْرِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير أول سورة الإسراء.]] وَقَدْ أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيُّ هَاهُنَا. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا، وَلَكِنْ لَا مُنَافَاةَ، فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ شَرْحِ صَدْرِهِ الَّذِي فُعِل بِصَدْرِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَمَا نَشَأَ عَنْهُ مِنَ الشَّرْحِ الْمَعْنَوِيِّ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ [[في أ: "محمد بن عبد الرحمن ".]] أَبُو يَحْيَى الْبَزَّازُ [[في م، أ: "البزار".]] حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ مُعَاذٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ جَرِيًّا عَلَى أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ لَا يَسْأَلُهُ عَنْهَا غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أولُ مَا رَأَيْتَ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ؟ فَاسْتَوَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا وَقَالَ: "لَقَدْ سألتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنِّي لَفِي الصَّحْرَاءِ ابنُ عَشْرِ سِنِينَ وَأَشْهُرٍ، وَإِذَا بِكَلَامٍ فَوْقَ رَأْسِي، وَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ لِرَجُلٍ: أَهُوَ هُوَ؟ [قَالَ: نَعَمْ] [[زيادة من المسند.]] فَاسْتَقْبَلَانِي بِوُجُوهٍ لَمْ أَرَهَا [لِخَلْقٍ] [[زيادة من المسند.]] قَطُّ، وَأَرْوَاحٍ لَمْ أَجِدْهَا مِنْ خَلْقٍ قَطُّ، وَثِيَابٍ لَمْ أَرَهَا عَلَى أَحَدٍ قَطُّ. فَأَقْبَلَا إِلَيَّ يَمْشِيَانِ، حَتَّى أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بعَضُدي، لَا أَجِدُ لِأَحَدِهِمَا مَسًّا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَضْجِعْهُ. فَأَضْجَعَانِي بِلَا قَصْر وَلَا هَصْر. فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: افْلِقْ صَدْرَهُ. فَهَوَى أَحَدُهُمَا إِلَى صَدْرِي فَفَلَقَهُ فِيمَا أَرَى بِلَا دَمٍ وَلَا وَجَعٍ، فَقَالَ لَهُ: أَخْرِجِ الغِلّ والحَسَد. فَأَخْرَجَ شَيْئًا كَهَيْئَةِ الْعَلَقَةِ ثُمَّ نَبَذَهَا فَطَرَحَهَا، فَقَالَ لَهُ: أَدْخِلِ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ، فَإِذَا مِثْلُ الَّذِي أَخْرَجَ شبهُ الفضة، ثم هز إِبْهَامَ رِجْلِي الْيُمْنَى فَقَالَ: اغدُ وَاسْلَمْ. فَرَجَعْتُ بِهَا أَغْدُو، رِقَّةً عَلَى الصَّغِيرِ، وَرَحْمَةً لِلْكَبِيرِ" [[زوائد المسند (٥/١٣٩) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٢٢٢) : "رجاله ثقات وثقهم ابن حبان".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ بِمَعْنَى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الْفَتْحِ: ٢] ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ الْإِنْقَاضُ: الصَّوْتُ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أَيْ: أَثْقَلَكَ حَمْلُهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا أُذْكرُ إِلَّا ذُكِرتَ مَعِي: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: رَفَعَ اللهُ ذكرَه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ وَلَا مُتشهد وَلَا صاحبُ صَلَاةٍ إِلَّا يُنَادِي بِهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَراج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبِّي وَرَبَّكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: إِذَا ذُكِرتُ ذُكِرتَ مَعِي"، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، بِهِ وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٣٠/١٥١) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا أَبُو عُمر الحَوضي، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سَأَلْتُ رَبِّي مَسْأَلَةً وَدَدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُهُ، قُلْتُ: قَدْ كَانَتْ قَبْلِي أَنْبِيَاءُ، مِنْهُمْ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ [[في أ: "البحر".]] وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْيِي الْمَوْتَى. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَشْرَحْ [[في أ: "ألم نشرح".]] لَكَ صَدْرَكَ؟ أَلَمْ أَرْفَعْ لَكَ ذِكْرَكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥٢٦) من طريق أحمد بن سلمة، عن عبد الله بن الجراح، عن حماد بن زيد به، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]] . وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي "دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ": حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الجَوْني، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ بَهْرام الْهِيَتِيُّ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا فَرَغْتُ مِمَّا أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ أَمْرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْتُ: يَا رَبِّ، إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا وَقَدْ كَرَّمْتَهُ، جَعَلْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَمُوسَى كَلِيمًا، وَسَخَّرْتَ لِدَاوُدَ الْجِبَالَ، وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ وَالشَّيَاطِينَ، وَأَحْيَيْتَ لِعِيسَى الْمَوْتَى، فَمَا جَعَلْتَ لِي؟ قال: أو ليس قَدْ أَعْطَيْتُكَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، أَنِّي لَا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي، وَجَعَلْتُ صُدُورَ أُمَّتِكَ أَنَاجِيلَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ ظَاهِرًا، وَلَمْ أُعْطِهَا أُمَّةً، وَأَعْطَيْتُكَ كَنْزًا مِنْ كُنُوزِ عَرْشِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ" [[وذكره المؤلف في البداية والنهاية (٦/٢٨٨) ثم قال: "وهذا إسناد فيه غرابة، ولكن أورد له شاهدا من طريق أبي القاسم بن منيع البغوي، عن سليمان بن داود المهراني، عن حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مرفوعا بنحوه".]] . وَحَكَى الْبَغَوِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ: الْأَذَانُ. يَعْنِي: ذِكْرَهُ فِيهِ، وَأَوْرَدَ مِنْ شِعْرِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: أغَرّ عَلَيه لِلنُّبُوَّةِ خَاتَم ... مِنَ اللَّهِ مِنْ نُور يَلوحُ وَيشْهَد ... وَضمَّ الإلهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ ... إِذَا قَالَ فِي الخَمْس المؤذنُ: أشهدُ ... وَشَقَّ لَهُ مِن اسْمِهِ ليُجِلَّه ... فَذُو العَرشِ محمودٌ وهَذا مُحَمَّدُ [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٤٦٤) .]] وَقَالَ آخَرُونَ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، وَنَوَّهَ بِهِ، حِينَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وَأَنْ يَأْمُرُوا أُمَمَهُمْ [[في أ: "أمتهم".]] بِالْإِيمَانِ بِهِ، ثُمَّ شَهَرَ ذِكْرَهُ فِي أُمَّتِهِ فَلَا يُذكر اللَّهُ إِلَّا ذُكر مَعَهُ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ الصَّرْصَرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا يَصِحُّ الأذانُ فِي الفَرْضِ إِلَّا ... باسمِه العَذْب فِي الْفَمِ المرْضي ... وَقَالَ أَيْضًا: [ألَم تَر أنَّا لَا يَصحُّ أذانُنَا ... وَلا فَرْضُنا إنْ لَمْ نُكَررْه فِيهِمَا] [[زيادة من م، أ.]] ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يوجَدُ الْيُسْرُ، ثُمَّ أَكَّدَ هَذَا الْخَبَرَ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا حُميد بْنُ حَمَّادِ بْنِ خَوَار أَبُو الْجَهْمِ، حَدَّثَنَا عَائِذُ بْنُ شُريح قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا [[في أ: "جالس" وهو خطأ.]] وَحِيَالَهُ حجر، فقال: "لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: [[كذا في م، أ، هـ: "إن" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.]] ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٢٥٥) من طريق محمود بن غيلان به، وقال الحاكم: "هذا حديث عجيب غير أن الشيخين لم يحتجا بعائذ بن شريح". وقال الذهبي:"تفرد حميد بن حماد، عن عائذ، وحميد منكر الحديث كعائذ".]] . وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْمَر، عَنْ حُميد بْنِ حَمَّادٍ، بِهِ وَلَفْظُهُ: "لَوْ جاء العسر حتى يدخل هذا الحجر لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يُخْرِجَهُ" ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ أَنَسٍ إِلَّا عَائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ [[مسند البزار برقم (٢٢٨٨) "كشف الأستار" ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤١٦) من طريق محمد بن معمر به.]] . قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ، وَلَكِنْ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود موقوفا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَاحِ، حَدَّثَنَا أَبُو قَطَن [[في أ: "مطر".]] حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: لَا يَغْلِبُ عُسْرٌ وَاحِدٌ يُسْرَيْنِ اثْنَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في أ: "حدثنا أبو".]] ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا مَسْرُورًا فَرِحًا وَهُوَ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: "لَنْ يَغْلِب عُسْر يُسْرَيْنِ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، فَإِنَّ [[كذا في م، أ، هـ: "إن" وهو خطأ. من ابن جرير (٣٠/١٥١) .]] مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا". وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا [[تفسير الطبري (٣٠/١٥١) ورواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٣٠٩) عن معمر، عن الحسن به مرسلا، وقد جاء موقوفا على ابن مسعود، رواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٣٠٩) من طريق ميمون عن إبراهيم النخعي عنه، وجاء مرفوعا عن جابر، رواه ابن مردويه في تفسيره، وقال الحافظ ابن حجر: "إسناده ضعيف".]] . وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَشَّرَ أَصْحَابَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّ الْعُسْرَ مُعَرَّفٌ فِي الْحَالَيْنِ، فَهُوَ مُفْرَدٌ، وَالْيُسْرُ مُنَكَّرٌ فَتَعَدَّدَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ فَالْعُسْرُ الْأَوَّلُ عَيْنُ [[في م: "هو".]] الثَّانِي وَالْيُسْرُ تَعَدَّدَ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَزَّلَ [[في أ: "نزلت".]] الْمَعُونَةَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى قَدْرِ الْمَؤُونَةِ، وَنَزَّلَ الصَّبْرَ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ" [[ورواه البزار في مسنده برقم (١٥٠٦) "كشف الأستار" وابن عدي في الكامل (٤/١١٥) من طريق عبد العزيز الدراوردي عن طارق وعباد بن كثير، عن أبي الزناد به. وقال البزار: "لا نعلمه عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد". وقال ابن عدي: "وطارق بن عمار يعرف بهذا الحديث". والحديث معلول. انظر: العلل لابن أبي حاتم (٢/١٢٦،١٣٣) والكامل لابن عدي (٦/٢٣٨،٤٠٢، ٢/٣٧، ٤/١١٥) .]] . وَمِمَّا يُرْوَى عَنِ الشَّافِعِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: صَبرا جَميلا مَا أقرَبَ الفَرجا ... مَن رَاقَب اللَّهَ فِي الْأُمُورِ نَجَا ... مَن صَدَق اللَّهَ لَم يَنَلْه أذَى ... وَمَن رَجَاه يَكون حَيثُ رَجَا ... وَقَالَ ابْنُ دُرَيد: أَنْشَدَنِي أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: إِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى الْيَأْسِ القلوبُ ... وَضَاقَ لِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرحيبُ ... وَأَوْطَأَتِ الْمَكَارِهُ وَاطْمَأَنَّتْ ... وَأَرْسَتْ فِي أَمَاكِنِهَا الخطوبُ ... وَلَمْ تَرَ لِانْكِشَافِ الضُّرِّ وَجْهًا ... وَلَا أَغْنَى بحيلته الأريبُ .. أَتَاكَ عَلَى قُنوط مِنْكَ غَوثٌ ... يَمُنُّ بِهِ اللَّطِيفُ المستجيبُ ... وَكُلُّ الْحَادِثَاتِ إِذَا تَنَاهَتْ ... فَمَوْصُولٌ بِهَا الْفَرَجُ الْقَرِيبُ ... وَقَالَ آخَرُ: وَلَرُب نَازِلَةٍ يَضِيقُ بِهَا الْفَتَى ... ذَرْعًا وَعِنْدَ اللَّهِ مِنْهَا الْمَخْرَجُ ... كَمُلَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلْقَاتُهَا ... فُرِجَتْ وَكَانَ يَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ أَيْ: إِذَا فَرغت مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَأَشْغَالِهَا وَقَطَعْتَ عَلَائِقَهَا، فَانْصَبْ فِي الْعِبَادَةِ، وَقُمْ إِلَيْهَا نَشِيطًا فَارِغَ الْبَالِ، وَأَخْلِصْ لِرَبِّكَ النِّيَّةَ وَالرَّغْبَةَ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: "لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٥٦٠) من حديث عائشة، رضي الله عنها.]] وَقَوْلُهُ ﷺ: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَحَضَرَ الْعَشَاءُ، فَابْدَءُوا بالعَشَاء" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٤٦٥) من حديث عائشة، رضي الله عنها.]] . قَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَقُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَانْصَبْ لِرَبِّكَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَانْصَبْ فِي حَاجَتِكَ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْفَرَائِضِ فَانْصَبْ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ. وَعَنِ ابْنِ عِيَاضٍ نَحْوُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ بَعْدَ فَرَاغِكَ مِنَ الصَّلَاةِ وَأَنْتَ جَالِسٌ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يَعْنِي: فِي الدُّعَاءِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ أَيْ: مِنَ الْجِهَادِ ﴿فَانْصَبْ﴾ أَيْ: فِي الْعِبَادَةِ. ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: اجْعَلْ نِيَّتَكَ وَرَغْبَتَكَ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. آخِرُ تَفْسِيرِ سورة "ألم نشرح" ولله الحمد.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، مذكِّره آلاءه عنده، وإحسانه إليه، حاضا له بذلك على شكره، على ما أنعم عليه، ليستوجب بذلك المزيد منه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ يا محمد، للهدى والإيمان بالله ومعرفة الحقّ ﴿صَدْرِكَ﴾ فنلِّين لك قلبك، ونجعله وعاء للحكمة: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ يقول: وغفرنا لك ما سلف من ذنوبك، وحططنا عنك ثقل أيام الجاهلية التي كنت فيها، وهي في قراءة عبد الله فيما ذُكر: ﴿وَحَلَلْنا عَنْكَ وِقْرَكَ الَّذِي أَنْقَض ظَهْرَكَ﴾ يقول: الذي أثقل ظهرك فأوهنه، وهو من قولهم للبعير إذا كان رجيع سفر قد أوهنه السفر، وأذهب لحمه: هو نِقْضُ سَفَر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: ذنبك. ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: أثقل ظهرك. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ : كانت للنبيّ ﷺ ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: كانت للنبي: ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ يعني: الشرك الذي كان فيه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: شرح له صدرَه، وغفر له ذنبَه الذي كان قبل أن يُنَبأ، فوضعه. وفي قوله: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: أثقله وجهده، كما يُنْقِضُ البعيرَ حِمْلُه الثقيل، حتى يصير نِقضا بعد أن كان سمينا ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: ذنبك الذي أنقض ظهرَك، أثقل ظهرك، ووضعناه عنك، وخفَّفنا عنك ما أثقل ظهرَك. * * وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ يقول: ورفعنا لك ذكرك، فلا أُذْكَرُ إلا ذُكِرْتَ معي، وذلك قول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وعمرو بن مالك، قالا ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال: لا أُذْكَرُ إلا ذُكْرِتَ معي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال النبيّ ﷺ: "ابْدَءُوا بالعُبُودَةِ، وَثَنُّوا بالرسالة" فقلت لمعمر، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده، فهو العبودة، ورسوله أن تقول: عبده ورسوله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة، إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله ﷺ، أنه قال: "أتانِي جِبْرِيلُ فَقالَ إنَّ رَبِّي وَرَبكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ؟ قال: الله أعْلَمُ، قال: إذَا ذُكِرْتُ ذُكرتَ مَعِي". * * وقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فإنّ مع الشدّة التي أنت فيها من جهاد هؤلاء المشركين، ومن أوّله ما أنت بسبيله رجاء وفرجا بأن يُظْفِرَكَ بهم، حتى ينقادوا للحقّ الذي جئتهم به طوعا وكَرها. ورُوي عن النبيّ ﷺ أن هذه الآية لما نزلت، بَشَّر بها أصحابه وقال: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت يونس، قال: قال الحسن: لما نزلت هذه الآية ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال رسول الله ﷺ: "أبْشِرُوا أتاكُمُ اليُسْرُ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن يونس، عن الحسن، مثله، عن النبيّ ﷺ. ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن الحسن، عن النبي ﷺ، بنحوه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، قال: خرج النبيّ ﷺ يوما مسرورا فَرِحا وهو يضحك، وهو يقول: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ". ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ذُكر لنا أن رسول الله ﷺ بشَّر أصحابه بهذه الآية، فقال: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن معاوية بن قرة أبي إياس، عن رجل، عن عبد الله بن مسعود، قال: لو دخل العسر في جُحْر، لجاء اليسر حتى يدخل عليه، لأن الله يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن رجل، عن عبد الله، بنحوه. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم: قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال: يتبع اليسرُ العُسَر. * * وقوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: فإذا فَرعت من صلاتك، فانصب إلى ربك في الدعاء، وسله حاجاتك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: في الدعاء. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: فإذا فرغت مما فُرض عليك من الصلاة فسل الله، وارغب إليه، وانصب له. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا قمت إلى الصلاة فانصب في حاجتك إلى ربك. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: من الصلاة المكتوبة قبل أن تسلِّم، فانصَب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: أمره إذا فرغ من صلاته أن يبالغ في دعائه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من صلاتك ﴿فَانْصَبْ﴾ في الدعاء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من جهاد عدوّك ﴿فَانْصَبْ﴾ في عبادة ربك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: أمره إذا فرغ من غزوه، أن يجتهد في الدعاء والعبادة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال عن أبيه: فإذا فرغت من الجهاد، جهاد العرب، وانقطع جهادهم، فانصب لعبادة الله ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ . وقال آخرون: بل معنى ذلك: فإذا فرغت من أمر دنياك، فانصب في عبادة ربك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا فرغت من أمر الدنيا فانصب، قال: فصّل. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا فرغت من أمر دنياك فانصب، فصّل. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ قال: إذا فرغت من أمر الدنيا، وقمت إلى الصلاة، فاجعل رغبتك ونيتك له. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: إن الله تعالى ذكره، أمر نبيه أن يجعل فراغه من كلّ ما كان به مشتغلا من أمر دنياه وآخرته، مما أدّى له الشغل به، وأمره بالشغل به إلى النصب في عبادته، والاشتغال فيما قرّبه إليه، ومسألته حاجاته، ولم يخصص بذلك حالا من أحوال فراغه دون حال، فسواء كلّ أحوال فراغه، من صلاة كان فراغه، أو جهاد، أو أمر دنيا كان به مشتغلا لعموم الشرط في ذلك، من غير خصوص حال فراغ، دون حال أخرى. * * وقوله: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ يقول تعالى ذكره: وإلى ربك يا محمد فاجعل رغبتك، دون من سواه من خلقه، إذ كان هؤلاء المشركون من قومك قد جعلوا رغبتهم في حاجاتهم إلى الآلهة والأنداد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: اجعل نيتك ورغبتك إلى الله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: اجعل رغبتك ونيتك إلى ربك. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: إذا قمت إلى الصلاة. آخر تفسير سورة ألم نشرح
Lorsque tu termines tes activités, efforce-toi d’adorer ton Seigneur
وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَب
et à ton Seigneur aspire.
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ أَلَمْ نَشْرَحْ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * يَقُولُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ يَعْنِي: أَمَا شَرَحْنَا لَكَ صَدْرَكَ، أَيْ: نَوَّرْنَاهُ وَجَعَلْنَاهُ فَسيحًا رَحِيبًا وَاسِعًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٥] ، وَكَمَا شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ كَذَلِكَ جَعَلَ شَرْعه فَسِيحًا وَاسِعًا سَمْحًا سَهْلًا لَا حَرَجَ فِيهِ وَلَا إِصْرَ وَلَا ضِيقَ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ شَرْحُ صَدْرِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير أول سورة الإسراء.]] وَقَدْ أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيُّ هَاهُنَا. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا، وَلَكِنْ لَا مُنَافَاةَ، فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ شَرْحِ صَدْرِهِ الَّذِي فُعِل بِصَدْرِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَمَا نَشَأَ عَنْهُ مِنَ الشَّرْحِ الْمَعْنَوِيِّ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ [[في أ: "محمد بن عبد الرحمن ".]] أَبُو يَحْيَى الْبَزَّازُ [[في م، أ: "البزار".]] حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ مُعَاذٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ جَرِيًّا عَلَى أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ لَا يَسْأَلُهُ عَنْهَا غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أولُ مَا رَأَيْتَ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ؟ فَاسْتَوَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا وَقَالَ: "لَقَدْ سألتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنِّي لَفِي الصَّحْرَاءِ ابنُ عَشْرِ سِنِينَ وَأَشْهُرٍ، وَإِذَا بِكَلَامٍ فَوْقَ رَأْسِي، وَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ لِرَجُلٍ: أَهُوَ هُوَ؟ [قَالَ: نَعَمْ] [[زيادة من المسند.]] فَاسْتَقْبَلَانِي بِوُجُوهٍ لَمْ أَرَهَا [لِخَلْقٍ] [[زيادة من المسند.]] قَطُّ، وَأَرْوَاحٍ لَمْ أَجِدْهَا مِنْ خَلْقٍ قَطُّ، وَثِيَابٍ لَمْ أَرَهَا عَلَى أَحَدٍ قَطُّ. فَأَقْبَلَا إِلَيَّ يَمْشِيَانِ، حَتَّى أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بعَضُدي، لَا أَجِدُ لِأَحَدِهِمَا مَسًّا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَضْجِعْهُ. فَأَضْجَعَانِي بِلَا قَصْر وَلَا هَصْر. فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: افْلِقْ صَدْرَهُ. فَهَوَى أَحَدُهُمَا إِلَى صَدْرِي فَفَلَقَهُ فِيمَا أَرَى بِلَا دَمٍ وَلَا وَجَعٍ، فَقَالَ لَهُ: أَخْرِجِ الغِلّ والحَسَد. فَأَخْرَجَ شَيْئًا كَهَيْئَةِ الْعَلَقَةِ ثُمَّ نَبَذَهَا فَطَرَحَهَا، فَقَالَ لَهُ: أَدْخِلِ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ، فَإِذَا مِثْلُ الَّذِي أَخْرَجَ شبهُ الفضة، ثم هز إِبْهَامَ رِجْلِي الْيُمْنَى فَقَالَ: اغدُ وَاسْلَمْ. فَرَجَعْتُ بِهَا أَغْدُو، رِقَّةً عَلَى الصَّغِيرِ، وَرَحْمَةً لِلْكَبِيرِ" [[زوائد المسند (٥/١٣٩) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٢٢٢) : "رجاله ثقات وثقهم ابن حبان".]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ بِمَعْنَى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الْفَتْحِ: ٢] ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ الْإِنْقَاضُ: الصَّوْتُ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أَيْ: أَثْقَلَكَ حَمْلُهُ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا أُذْكرُ إِلَّا ذُكِرتَ مَعِي: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: رَفَعَ اللهُ ذكرَه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ وَلَا مُتشهد وَلَا صاحبُ صَلَاةٍ إِلَّا يُنَادِي بِهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَراج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبِّي وَرَبَّكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: إِذَا ذُكِرتُ ذُكِرتَ مَعِي"، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، بِهِ وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعة، عَنْ دَرَّاج [[تفسير الطبري (٣٠/١٥١) .]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا أَبُو عُمر الحَوضي، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سَأَلْتُ رَبِّي مَسْأَلَةً وَدَدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُهُ، قُلْتُ: قَدْ كَانَتْ قَبْلِي أَنْبِيَاءُ، مِنْهُمْ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ [[في أ: "البحر".]] وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْيِي الْمَوْتَى. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَشْرَحْ [[في أ: "ألم نشرح".]] لَكَ صَدْرَكَ؟ أَلَمْ أَرْفَعْ لَكَ ذِكْرَكَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَبِّ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥٢٦) من طريق أحمد بن سلمة، عن عبد الله بن الجراح، عن حماد بن زيد به، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]] . وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي "دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ": حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الجَوْني، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ بَهْرام الْهِيَتِيُّ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا فَرَغْتُ مِمَّا أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ أَمْرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْتُ: يَا رَبِّ، إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا وَقَدْ كَرَّمْتَهُ، جَعَلْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَمُوسَى كَلِيمًا، وَسَخَّرْتَ لِدَاوُدَ الْجِبَالَ، وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ وَالشَّيَاطِينَ، وَأَحْيَيْتَ لِعِيسَى الْمَوْتَى، فَمَا جَعَلْتَ لِي؟ قال: أو ليس قَدْ أَعْطَيْتُكَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، أَنِّي لَا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي، وَجَعَلْتُ صُدُورَ أُمَّتِكَ أَنَاجِيلَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ ظَاهِرًا، وَلَمْ أُعْطِهَا أُمَّةً، وَأَعْطَيْتُكَ كَنْزًا مِنْ كُنُوزِ عَرْشِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ" [[وذكره المؤلف في البداية والنهاية (٦/٢٨٨) ثم قال: "وهذا إسناد فيه غرابة، ولكن أورد له شاهدا من طريق أبي القاسم بن منيع البغوي، عن سليمان بن داود المهراني، عن حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مرفوعا بنحوه".]] . وَحَكَى الْبَغَوِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ: الْأَذَانُ. يَعْنِي: ذِكْرَهُ فِيهِ، وَأَوْرَدَ مِنْ شِعْرِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: أغَرّ عَلَيه لِلنُّبُوَّةِ خَاتَم ... مِنَ اللَّهِ مِنْ نُور يَلوحُ وَيشْهَد ... وَضمَّ الإلهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ ... إِذَا قَالَ فِي الخَمْس المؤذنُ: أشهدُ ... وَشَقَّ لَهُ مِن اسْمِهِ ليُجِلَّه ... فَذُو العَرشِ محمودٌ وهَذا مُحَمَّدُ [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٤٦٤) .]] وَقَالَ آخَرُونَ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، وَنَوَّهَ بِهِ، حِينَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وَأَنْ يَأْمُرُوا أُمَمَهُمْ [[في أ: "أمتهم".]] بِالْإِيمَانِ بِهِ، ثُمَّ شَهَرَ ذِكْرَهُ فِي أُمَّتِهِ فَلَا يُذكر اللَّهُ إِلَّا ذُكر مَعَهُ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ الصَّرْصَرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا يَصِحُّ الأذانُ فِي الفَرْضِ إِلَّا ... باسمِه العَذْب فِي الْفَمِ المرْضي ... وَقَالَ أَيْضًا: [ألَم تَر أنَّا لَا يَصحُّ أذانُنَا ... وَلا فَرْضُنا إنْ لَمْ نُكَررْه فِيهِمَا] [[زيادة من م، أ.]] ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يوجَدُ الْيُسْرُ، ثُمَّ أَكَّدَ هَذَا الْخَبَرَ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا حُميد بْنُ حَمَّادِ بْنِ خَوَار أَبُو الْجَهْمِ، حَدَّثَنَا عَائِذُ بْنُ شُريح قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا [[في أ: "جالس" وهو خطأ.]] وَحِيَالَهُ حجر، فقال: "لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: [[كذا في م، أ، هـ: "إن" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.]] ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٢٥٥) من طريق محمود بن غيلان به، وقال الحاكم: "هذا حديث عجيب غير أن الشيخين لم يحتجا بعائذ بن شريح". وقال الذهبي:"تفرد حميد بن حماد، عن عائذ، وحميد منكر الحديث كعائذ".]] . وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْمَر، عَنْ حُميد بْنِ حَمَّادٍ، بِهِ وَلَفْظُهُ: "لَوْ جاء العسر حتى يدخل هذا الحجر لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يُخْرِجَهُ" ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ أَنَسٍ إِلَّا عَائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ [[مسند البزار برقم (٢٢٨٨) "كشف الأستار" ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤١٦) من طريق محمد بن معمر به.]] . قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ، وَلَكِنْ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود موقوفا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَاحِ، حَدَّثَنَا أَبُو قَطَن [[في أ: "مطر".]] حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: لَا يَغْلِبُ عُسْرٌ وَاحِدٌ يُسْرَيْنِ اثْنَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ [[في أ: "حدثنا أبو".]] ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا مَسْرُورًا فَرِحًا وَهُوَ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: "لَنْ يَغْلِب عُسْر يُسْرَيْنِ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، فَإِنَّ [[كذا في م، أ، هـ: "إن" وهو خطأ. من ابن جرير (٣٠/١٥١) .]] مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا". وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا [[تفسير الطبري (٣٠/١٥١) ورواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٣٠٩) عن معمر، عن الحسن به مرسلا، وقد جاء موقوفا على ابن مسعود، رواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/٣٠٩) من طريق ميمون عن إبراهيم النخعي عنه، وجاء مرفوعا عن جابر، رواه ابن مردويه في تفسيره، وقال الحافظ ابن حجر: "إسناده ضعيف".]] . وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَشَّرَ أَصْحَابَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّ الْعُسْرَ مُعَرَّفٌ فِي الْحَالَيْنِ، فَهُوَ مُفْرَدٌ، وَالْيُسْرُ مُنَكَّرٌ فَتَعَدَّدَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ فَالْعُسْرُ الْأَوَّلُ عَيْنُ [[في م: "هو".]] الثَّانِي وَالْيُسْرُ تَعَدَّدَ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَزَّلَ [[في أ: "نزلت".]] الْمَعُونَةَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى قَدْرِ الْمَؤُونَةِ، وَنَزَّلَ الصَّبْرَ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ" [[ورواه البزار في مسنده برقم (١٥٠٦) "كشف الأستار" وابن عدي في الكامل (٤/١١٥) من طريق عبد العزيز الدراوردي عن طارق وعباد بن كثير، عن أبي الزناد به. وقال البزار: "لا نعلمه عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد". وقال ابن عدي: "وطارق بن عمار يعرف بهذا الحديث". والحديث معلول. انظر: العلل لابن أبي حاتم (٢/١٢٦،١٣٣) والكامل لابن عدي (٦/٢٣٨،٤٠٢، ٢/٣٧، ٤/١١٥) .]] . وَمِمَّا يُرْوَى عَنِ الشَّافِعِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: صَبرا جَميلا مَا أقرَبَ الفَرجا ... مَن رَاقَب اللَّهَ فِي الْأُمُورِ نَجَا ... مَن صَدَق اللَّهَ لَم يَنَلْه أذَى ... وَمَن رَجَاه يَكون حَيثُ رَجَا ... وَقَالَ ابْنُ دُرَيد: أَنْشَدَنِي أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: إِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى الْيَأْسِ القلوبُ ... وَضَاقَ لِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرحيبُ ... وَأَوْطَأَتِ الْمَكَارِهُ وَاطْمَأَنَّتْ ... وَأَرْسَتْ فِي أَمَاكِنِهَا الخطوبُ ... وَلَمْ تَرَ لِانْكِشَافِ الضُّرِّ وَجْهًا ... وَلَا أَغْنَى بحيلته الأريبُ .. أَتَاكَ عَلَى قُنوط مِنْكَ غَوثٌ ... يَمُنُّ بِهِ اللَّطِيفُ المستجيبُ ... وَكُلُّ الْحَادِثَاتِ إِذَا تَنَاهَتْ ... فَمَوْصُولٌ بِهَا الْفَرَجُ الْقَرِيبُ ... وَقَالَ آخَرُ: وَلَرُب نَازِلَةٍ يَضِيقُ بِهَا الْفَتَى ... ذَرْعًا وَعِنْدَ اللَّهِ مِنْهَا الْمَخْرَجُ ... كَمُلَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلْقَاتُهَا ... فُرِجَتْ وَكَانَ يَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ ... * * وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ أَيْ: إِذَا فَرغت مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَأَشْغَالِهَا وَقَطَعْتَ عَلَائِقَهَا، فَانْصَبْ فِي الْعِبَادَةِ، وَقُمْ إِلَيْهَا نَشِيطًا فَارِغَ الْبَالِ، وَأَخْلِصْ لِرَبِّكَ النِّيَّةَ وَالرَّغْبَةَ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: "لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٥٦٠) من حديث عائشة، رضي الله عنها.]] وَقَوْلُهُ ﷺ: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَحَضَرَ الْعَشَاءُ، فَابْدَءُوا بالعَشَاء" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٤٦٥) من حديث عائشة، رضي الله عنها.]] . قَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَقُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَانْصَبْ لِرَبِّكَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَانْصَبْ فِي حَاجَتِكَ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْفَرَائِضِ فَانْصَبْ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ. وَعَنِ ابْنِ عِيَاضٍ نَحْوُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ بَعْدَ فَرَاغِكَ مِنَ الصَّلَاةِ وَأَنْتَ جَالِسٌ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يَعْنِي: فِي الدُّعَاءِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ أَيْ: مِنَ الْجِهَادِ ﴿فَانْصَبْ﴾ أَيْ: فِي الْعِبَادَةِ. ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قَالَ الثَّوْرِيُّ: اجْعَلْ نِيَّتَكَ وَرَغْبَتَكَ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. آخِرُ تَفْسِيرِ سورة "ألم نشرح" ولله الحمد.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) ﴾ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، مذكِّره آلاءه عنده، وإحسانه إليه، حاضا له بذلك على شكره، على ما أنعم عليه، ليستوجب بذلك المزيد منه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ يا محمد، للهدى والإيمان بالله ومعرفة الحقّ ﴿صَدْرِكَ﴾ فنلِّين لك قلبك، ونجعله وعاء للحكمة: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ يقول: وغفرنا لك ما سلف من ذنوبك، وحططنا عنك ثقل أيام الجاهلية التي كنت فيها، وهي في قراءة عبد الله فيما ذُكر: ﴿وَحَلَلْنا عَنْكَ وِقْرَكَ الَّذِي أَنْقَض ظَهْرَكَ﴾ يقول: الذي أثقل ظهرك فأوهنه، وهو من قولهم للبعير إذا كان رجيع سفر قد أوهنه السفر، وأذهب لحمه: هو نِقْضُ سَفَر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: ذنبك. ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: أثقل ظهرك. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ : كانت للنبيّ ﷺ ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: كانت للنبي: ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ يعني: الشرك الذي كان فيه. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: شرح له صدرَه، وغفر له ذنبَه الذي كان قبل أن يُنَبأ، فوضعه. وفي قوله: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال: أثقله وجهده، كما يُنْقِضُ البعيرَ حِمْلُه الثقيل، حتى يصير نِقضا بعد أن كان سمينا ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال: ذنبك الذي أنقض ظهرَك، أثقل ظهرك، ووضعناه عنك، وخفَّفنا عنك ما أثقل ظهرَك. * * وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ يقول: ورفعنا لك ذكرك، فلا أُذْكَرُ إلا ذُكِرْتَ معي، وذلك قول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا أبو كُرَيب وعمرو بن مالك، قالا ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال: لا أُذْكَرُ إلا ذُكْرِتَ معي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال النبيّ ﷺ: "ابْدَءُوا بالعُبُودَةِ، وَثَنُّوا بالرسالة" فقلت لمعمر، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده، فهو العبودة، ورسوله أن تقول: عبده ورسوله. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة، إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله ﷺ، أنه قال: "أتانِي جِبْرِيلُ فَقالَ إنَّ رَبِّي وَرَبكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ؟ قال: الله أعْلَمُ، قال: إذَا ذُكِرْتُ ذُكرتَ مَعِي". * * وقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فإنّ مع الشدّة التي أنت فيها من جهاد هؤلاء المشركين، ومن أوّله ما أنت بسبيله رجاء وفرجا بأن يُظْفِرَكَ بهم، حتى ينقادوا للحقّ الذي جئتهم به طوعا وكَرها. ورُوي عن النبيّ ﷺ أن هذه الآية لما نزلت، بَشَّر بها أصحابه وقال: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت يونس، قال: قال الحسن: لما نزلت هذه الآية ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال رسول الله ﷺ: "أبْشِرُوا أتاكُمُ اليُسْرُ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن يونس، عن الحسن، مثله، عن النبيّ ﷺ. ⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن الحسن، عن النبي ﷺ، بنحوه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، قال: خرج النبيّ ﷺ يوما مسرورا فَرِحا وهو يضحك، وهو يقول: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ". ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ذُكر لنا أن رسول الله ﷺ بشَّر أصحابه بهذه الآية، فقال: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ". ⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن معاوية بن قرة أبي إياس، عن رجل، عن عبد الله بن مسعود، قال: لو دخل العسر في جُحْر، لجاء اليسر حتى يدخل عليه، لأن الله يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ . ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن رجل، عن عبد الله، بنحوه. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم: قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال: يتبع اليسرُ العُسَر. * * وقوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: فإذا فَرعت من صلاتك، فانصب إلى ربك في الدعاء، وسله حاجاتك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: في الدعاء. ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: فإذا فرغت مما فُرض عليك من الصلاة فسل الله، وارغب إليه، وانصب له. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا قمت إلى الصلاة فانصب في حاجتك إلى ربك. ⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: من الصلاة المكتوبة قبل أن تسلِّم، فانصَب. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: أمره إذا فرغ من صلاته أن يبالغ في دعائه. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من صلاتك ﴿فَانْصَبْ﴾ في الدعاء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من جهاد عدوّك ﴿فَانْصَبْ﴾ في عبادة ربك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: أمره إذا فرغ من غزوه، أن يجتهد في الدعاء والعبادة. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال عن أبيه: فإذا فرغت من الجهاد، جهاد العرب، وانقطع جهادهم، فانصب لعبادة الله ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ . وقال آخرون: بل معنى ذلك: فإذا فرغت من أمر دنياك، فانصب في عبادة ربك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا فرغت من أمر الدنيا فانصب، قال: فصّل. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال: إذا فرغت من أمر دنياك فانصب، فصّل. ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ قال: إذا فرغت من أمر الدنيا، وقمت إلى الصلاة، فاجعل رغبتك ونيتك له. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: إن الله تعالى ذكره، أمر نبيه أن يجعل فراغه من كلّ ما كان به مشتغلا من أمر دنياه وآخرته، مما أدّى له الشغل به، وأمره بالشغل به إلى النصب في عبادته، والاشتغال فيما قرّبه إليه، ومسألته حاجاته، ولم يخصص بذلك حالا من أحوال فراغه دون حال، فسواء كلّ أحوال فراغه، من صلاة كان فراغه، أو جهاد، أو أمر دنيا كان به مشتغلا لعموم الشرط في ذلك، من غير خصوص حال فراغ، دون حال أخرى. * * وقوله: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ يقول تعالى ذكره: وإلى ربك يا محمد فاجعل رغبتك، دون من سواه من خلقه، إذ كان هؤلاء المشركون من قومك قد جعلوا رغبتهم في حاجاتهم إلى الآلهة والأنداد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: اجعل نيتك ورغبتك إلى الله. ⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: اجعل رغبتك ونيتك إلى ربك. ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: إذا قمت إلى الصلاة. آخر تفسير سورة ألم نشرح
et adresse-Lui tes aspirations.