تَفْسِيرُ سُورَةِ لَمْ يَكُنْ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ -وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ-أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ-عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَيَّة الْبَدْرِيَّ -وَهُوَ: مَالِكُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ-قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ " إِلَى آخِرِهَا، قَالَ جِبْرِيلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَهَا أُبَيًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي: "إِنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَنِي أَنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ". قَالَ أُبَيٌّ: وَقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَبَكَى أُبَيٌّ [[المسند (٣/٤٨٩) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا " قَالَ: وَسَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". فَبَكَى. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِهِ [[المسند (٣/١٣٠) وصحيح البخاري (٤٩٥٩) وصحيح مسلم برقم (٧٩٩) وسنن الترمذي برقم (٣٧٩٢) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٩١) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُؤَمِّل، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَسْلَمُ الْمُنْقِرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ ذُكرتُ هُنَاكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، فَفَرحت بِذَلِكَ. قَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي وَاللَّهُ يَقُولُ: " قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ " [يُونُسَ: ٥٨] . قَالَ مُؤَمَّلٌ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ: الْقِرَاءَةُ فِي الْحَدِيثِ؟ قَالَ: نَعَمْ. تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٥/١٢٣) .]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلة، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِي: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ". قَالَ: فَقَرَأَ: " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ " قَالَ: فَقَرَأَ فِيهَا: وَلَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ سَأَلَ وَادِيًا مِنْ مَالٍ، فَأُعْطِيَهُ [[في أ: "فأعطيته".]] لَسَأَلَ ثَانِيًا، وَلَوْ سَأَلَ ثَانِيًا فَأُعْطِيَهُ [[في أ: "فأعطيته".]] لَسَأَلَ ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ. وَإِنَّ ذَلِكَ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ، غَيْرُ الْمُشْرِكَةِ وَلَا الْيَهُودِيَّةِ وَلَا النَّصْرَانِيَّةِ، وَمَنْ يَفْعَلُ خَيْرًا فَلَنْ يكفره. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ، بِهِ [[المسند (٥/١٣١) وسنن الترمذي برقم (٣٧٩٣) .]] وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ الْحَلَبِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ". قَالَ: بِاللَّهِ آمَنْتُ، وَعَلَى يَدِكَ أَسْلَمْتُ، وَمِنْكَ تَعَلَّمْتُ. قَالَ: فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ الْقَوْلَ. [قَالَ] [[زيادة من م، أ.]] فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَذُكِرْتُ هُنَاكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، بِاسْمِكَ وَنَسَبِكَ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى". قَالَ: فَاقْرَأْ إِذًا يَا رَسُولَ اللَّهِ [[المعجم الكبير (١/٢٠٠) .]] . هَذَا غَرِيبُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَالثَّابِتُ مَا تَقَدَّمَ. وَإِنَّمَا قَرَأَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ السُّورَةَ تَثْبِيتًا لَهُ، وَزِيَادَةً لِإِيمَانِهِ، فَإِنَّهُ -كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، عَنْهُ [[المسند (٥/١٢٢) وسنن النسائي (٢/٥٤) .]] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَد عَنْهُ [[المسند (٥/١٢٤) وسنن أبي داود برقم (١٤٧٧) .]] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَفَّانَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْهُ [[المسند (٥/١١٤) .]] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْهُ [[المسند (٥/١٢٧) وصحيح مسلم برقم (٨٢٠) وسنن أبي داود برقم (١٤٧٨) وسنن النسائي (٢/١٥٣) .]] كَانَ قَدْ أَنْكَرَ عَلَى إِنْسَانٍ، وَهُوَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قِرَاءَةَ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى خِلَافِ مَا أَقْرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَقْرَأَهُمَا، وَقَالَ، لِكُلٍّ مِنْهُمَا: "أَصَبْتَ". قَالَ أُبَيُّ: فَأَخَذَنِي مِنَ الشَّكِّ وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَدْرِهِ، قَالَ أُبَيُّ: فَفضْتُ عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ فَرَقًا. وَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ. فَقُلْتُ: "أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ". فَقَالَ: عَلَى حَرْفَيْنِ. فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَ هَذَا الْحَدِيثِ بِطُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ. فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الْكَرِيمَةُ وَفِيهَا: " رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ " قَرَأَهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِرَاءَةَ إِبْلَاغٍ وَتَثْبِيتٍ وَإِنْذَارٍ، لَا قِرَاءَةَ تَعَلُّمٍ وَاسْتِذْكَارٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا كَمَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةَ عَنْ تِلْكَ الْأَسْئِلَةِ، وَكَانَ فِيمَا قَالَ: أَوْلَمَ تَكُنْ تُخْبِرُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: "بَلَى، أَفَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ عَامَكَ هَذَا؟ ". قَالَ: لَا قَالَ: "فَإِنَّكَ آتِيهِ، ومُطوَّف بِهِ". فَلَمَّا رَجَعُوا مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سُورَةَ "الْفَتْحِ"، دَعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَقَرَأَهَا عَلَيْهِ، وَفِيهَا قَوْلُهُ: " لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ " الْآيَةَ [الْفَتْحِ: ٢٧] ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيم فِي كِتَابِهِ "أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ" مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْجَعْفَرِيِّ المدني: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ بْنُ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ الْمَدَنِيِّ، حَدَّثَنِي فُضَيل، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا " فَيَقُولُ: أَبْشِرْ عَبْدِي، فَوَعِزَّتِي لَأُمَكِّنَنَّهُ [[في م: "لأملأن"، وفي أ: "لأمكنن".]] لَكَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى تَرْضَى". حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا. وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ وَابْنُ الْأَثِيرِ، مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ نَظير الْمُزَنِيِّ -أَوْ: الْمَدَنِيِّ -عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا " وَيَقُولُ: أَبْشِرْ عَبْدِي، فَوَعِزَّتِي لَا أَنْسَاكَ عَلَى حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَأُمَكِّنَنَّ لَكَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى تَرْضَى" [[أسد الغابة لابن الأثير (٤/٥٤٩) وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة (٣/٥٢٨) من طريق أبي موسى، وهي من طريق محمد بن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن سلمة، عن الزهري به، وقال: "عبد الله بن سلمة واهي الحديث".]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * أَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَهُمُ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَالْمُشْرِكُونَ: عَبَدةُ الْأَوْثَانِ وَالنِّيرَانِ، مِنَ الْعَرَبِ وَمِنَ الْعَجَمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَمْ يَكُونُوا ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ يَعْنِي: مُنْتَهِينَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ. ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أَيْ: هَذَا الْقُرْآنُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ الْبَيِّنَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ، وَمَا يَتْلُوهُ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، الَّذِي هُوَ مُكْتَتَبٌ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، فِي صُحُفٍ مُطَهَّرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عَبَسَ: ١٣ -١٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَيْ فِي الصُّحُفِ الْمُطَهَّرَةِ كُتُبٌ مِنَ اللَّهِ قِيمَةٌ: عَادِلَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ، لَيْسَ فِيهَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ قَتَادَةُ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَذْكُرُ الْقُرْآنَ بِأَحْسَنِ الذِّكْرِ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِأَحْسَنِ الثَّنَاءِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ مُسْتَقِيمَةٌ مُعْتَدِلَةٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ كقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٥] يَعْنِي بِذَلِكَ: أَهْلَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأُمَمِ قَبْلَنَا، بَعْدَ مَا أَقَامَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْحُجَجَ وَالْبَيِّنَاتِ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا فِي الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْ كُتُبِهِمْ، وَاخْتَلَفُوا اخْتِلَافًا كَثِيرًا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ مِنْ طُرِقٍ: "أَنَّ الْيَهُودَ اخْتَلَفُوا عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَأَنَّ النَّصَارَى اخْتَلَفُوا عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً". قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي" [[جاء هذا الحديث من حديث أبي هريرة، وأنس، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية، وعمرو بن عوف المزني، وعوف بن مالك، وأبي أمامة، وجابر بن عبد الله -رضي الله عنهم- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هو حديث صحيح مشهور" وانظر: تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي (١/٤٤٧-٤٥٠) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٥] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: حُنَفَاءُ، أَيْ: مُتَحنفين عَنِ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحْلِ: ٣٦] وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ الْحَنِيفِ فِي سُورَةِ "الْأَنْعَامِ" [[عند تفسير الآية: ١٦١.]] بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وَهِيَ أَشْرَفُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ، ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ وَهِيَ الْإِحْسَانُ إِلَى الْفُقَرَاءِ [[في أ: "الفقير".]] وَالْمَحَاوِيجِ. ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أَيْ: الْمِلَّةُ الْقَائِمَةُ الْعَادِلَةُ، أَوِ: الْأُمَّةُ الْمُسْتَقِيمَةُ الْمُعْتَدِلَةُ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، كَالزُّهْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ، بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ دَاخِلَةٌ فِي الْإِيمَانِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾
Al-Bayyina سُورَةُ البَيِّنَةِ
Sourate 98 · 8 versets · Medinan
بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ
Les infidèles parmi les gens du Livre, ainsi que les Associateurs, ne cesseront pas de mécroire jusqu'à ce que leur vienne la Preuve évidente:
Tafsir (3)
القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) ﴾ . اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ فقال بعضهم: معنى ذلك: لم يكن هؤلاء الكفار من أهل التوراة والإنجيل، والمشركون من عَبدة الأوثان ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ يقول: منتهين حتى يأتيهم هذا القرآن. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ قال: لم يكونوا ليَنتهوا حتى يتبين لهم الحق. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ قال: منتهين عما هم فيه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي هذا القرآن. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ قال: لم يكونوا منتهين حتى يأتيهم؛ ذلك المنفكّ. وقال آخرون: بل معنى ذلك أن أهل الكتاب وهم المشركون، لم يكونوا تاركين صفة محمد في كتابهم، حتى بُعث، فلما بُعث تفرّقوا فيه. وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: معنى ذلك: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين مفترقين في أمر محمد، حتى تأتيهم البيِّنة، وهي إرسال الله إياه رسولا إلى خلقه، رسول من الله. وقوله. ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ في هذا الموضع عندي من انفكاك الشيئين أحدهما من الآخر، ولذلك صَلُح بغير خبر، ولو كان بمعنى ما زال، احتاج إلى خبر يكون تماما له، واستؤنف قوله ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ هي نكرة على البيِّنة، وهي معرفة، كما قيل: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ﴾ فقال: حتى يأتيهم بيان أمر محمد أنه رسول الله، ببعثة الله إياه إليهم، ثم ترجم عن البيِّنة، فقال: تلك البينة ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يقول: يقرأ صحفا مطهرة من الباطل ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ يقول: في الصحف المطهرة كتب من الله قيمة عادلة مستقيمة، ليس فيها خطأ، لأنها من عند الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء. * * وقوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ يقول: وما تفرّق اليهود والنصارى في أمر محمد ﷺ، فكذّبوا به، إلا من بعد ما جاءتهم البينة، يعني: من بعد ما جاءت هؤلاء اليهود والنصارى البينة، يعني: أن بيان أمر محمد أنه رسول بإرسال الله إياه إلى خلقه، يقول: فلما بعثه الله تفرّقوا فيه، فكذّب به بعضهم، وآمن بعضهم، وقد كانوا قبل أن يُبعث غير مفترقين فيه أنه نبيّ.
Les juifs, les chrétiens et les polythéistes ne cesseront d’être unanimement mécréants, tant que ne leur parviendra pas une preuve claire et un argument manifeste.
رَسُولٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ يَتْلُوا۟ صُحُفًۭا مُّطَهَّرَةًۭ
un Messager, de la part d'Allah, qui leur récite des feuilles purifiées,
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ لَمْ يَكُنْ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ -وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ-أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ-عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَيَّة الْبَدْرِيَّ -وَهُوَ: مَالِكُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ-قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ " إِلَى آخِرِهَا، قَالَ جِبْرِيلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَهَا أُبَيًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي: "إِنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَنِي أَنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ". قَالَ أُبَيٌّ: وَقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَبَكَى أُبَيٌّ [[المسند (٣/٤٨٩) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا " قَالَ: وَسَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". فَبَكَى. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِهِ [[المسند (٣/١٣٠) وصحيح البخاري (٤٩٥٩) وصحيح مسلم برقم (٧٩٩) وسنن الترمذي برقم (٣٧٩٢) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٩١) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُؤَمِّل، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَسْلَمُ الْمُنْقِرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ ذُكرتُ هُنَاكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، فَفَرحت بِذَلِكَ. قَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي وَاللَّهُ يَقُولُ: " قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ " [يُونُسَ: ٥٨] . قَالَ مُؤَمَّلٌ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ: الْقِرَاءَةُ فِي الْحَدِيثِ؟ قَالَ: نَعَمْ. تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٥/١٢٣) .]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلة، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِي: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ". قَالَ: فَقَرَأَ: " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ " قَالَ: فَقَرَأَ فِيهَا: وَلَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ سَأَلَ وَادِيًا مِنْ مَالٍ، فَأُعْطِيَهُ [[في أ: "فأعطيته".]] لَسَأَلَ ثَانِيًا، وَلَوْ سَأَلَ ثَانِيًا فَأُعْطِيَهُ [[في أ: "فأعطيته".]] لَسَأَلَ ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ. وَإِنَّ ذَلِكَ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ، غَيْرُ الْمُشْرِكَةِ وَلَا الْيَهُودِيَّةِ وَلَا النَّصْرَانِيَّةِ، وَمَنْ يَفْعَلُ خَيْرًا فَلَنْ يكفره. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ، بِهِ [[المسند (٥/١٣١) وسنن الترمذي برقم (٣٧٩٣) .]] وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ الْحَلَبِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ". قَالَ: بِاللَّهِ آمَنْتُ، وَعَلَى يَدِكَ أَسْلَمْتُ، وَمِنْكَ تَعَلَّمْتُ. قَالَ: فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ الْقَوْلَ. [قَالَ] [[زيادة من م، أ.]] فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَذُكِرْتُ هُنَاكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، بِاسْمِكَ وَنَسَبِكَ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى". قَالَ: فَاقْرَأْ إِذًا يَا رَسُولَ اللَّهِ [[المعجم الكبير (١/٢٠٠) .]] . هَذَا غَرِيبُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَالثَّابِتُ مَا تَقَدَّمَ. وَإِنَّمَا قَرَأَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ السُّورَةَ تَثْبِيتًا لَهُ، وَزِيَادَةً لِإِيمَانِهِ، فَإِنَّهُ -كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، عَنْهُ [[المسند (٥/١٢٢) وسنن النسائي (٢/٥٤) .]] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَد عَنْهُ [[المسند (٥/١٢٤) وسنن أبي داود برقم (١٤٧٧) .]] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَفَّانَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْهُ [[المسند (٥/١١٤) .]] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْهُ [[المسند (٥/١٢٧) وصحيح مسلم برقم (٨٢٠) وسنن أبي داود برقم (١٤٧٨) وسنن النسائي (٢/١٥٣) .]] كَانَ قَدْ أَنْكَرَ عَلَى إِنْسَانٍ، وَهُوَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قِرَاءَةَ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى خِلَافِ مَا أَقْرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَقْرَأَهُمَا، وَقَالَ، لِكُلٍّ مِنْهُمَا: "أَصَبْتَ". قَالَ أُبَيُّ: فَأَخَذَنِي مِنَ الشَّكِّ وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَدْرِهِ، قَالَ أُبَيُّ: فَفضْتُ عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ فَرَقًا. وَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ. فَقُلْتُ: "أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ". فَقَالَ: عَلَى حَرْفَيْنِ. فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَ هَذَا الْحَدِيثِ بِطُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ. فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الْكَرِيمَةُ وَفِيهَا: " رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ " قَرَأَهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِرَاءَةَ إِبْلَاغٍ وَتَثْبِيتٍ وَإِنْذَارٍ، لَا قِرَاءَةَ تَعَلُّمٍ وَاسْتِذْكَارٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا كَمَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةَ عَنْ تِلْكَ الْأَسْئِلَةِ، وَكَانَ فِيمَا قَالَ: أَوْلَمَ تَكُنْ تُخْبِرُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: "بَلَى، أَفَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ عَامَكَ هَذَا؟ ". قَالَ: لَا قَالَ: "فَإِنَّكَ آتِيهِ، ومُطوَّف بِهِ". فَلَمَّا رَجَعُوا مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سُورَةَ "الْفَتْحِ"، دَعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَقَرَأَهَا عَلَيْهِ، وَفِيهَا قَوْلُهُ: " لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ " الْآيَةَ [الْفَتْحِ: ٢٧] ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيم فِي كِتَابِهِ "أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ" مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْجَعْفَرِيِّ المدني: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ بْنُ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ الْمَدَنِيِّ، حَدَّثَنِي فُضَيل، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا " فَيَقُولُ: أَبْشِرْ عَبْدِي، فَوَعِزَّتِي لَأُمَكِّنَنَّهُ [[في م: "لأملأن"، وفي أ: "لأمكنن".]] لَكَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى تَرْضَى". حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا. وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ وَابْنُ الْأَثِيرِ، مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ نَظير الْمُزَنِيِّ -أَوْ: الْمَدَنِيِّ -عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا " وَيَقُولُ: أَبْشِرْ عَبْدِي، فَوَعِزَّتِي لَا أَنْسَاكَ عَلَى حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَأُمَكِّنَنَّ لَكَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى تَرْضَى" [[أسد الغابة لابن الأثير (٤/٥٤٩) وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة (٣/٥٢٨) من طريق أبي موسى، وهي من طريق محمد بن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن سلمة، عن الزهري به، وقال: "عبد الله بن سلمة واهي الحديث".]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * أَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَهُمُ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَالْمُشْرِكُونَ: عَبَدةُ الْأَوْثَانِ وَالنِّيرَانِ، مِنَ الْعَرَبِ وَمِنَ الْعَجَمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَمْ يَكُونُوا ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ يَعْنِي: مُنْتَهِينَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ. ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أَيْ: هَذَا الْقُرْآنُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ الْبَيِّنَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ، وَمَا يَتْلُوهُ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، الَّذِي هُوَ مُكْتَتَبٌ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، فِي صُحُفٍ مُطَهَّرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عَبَسَ: ١٣ -١٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَيْ فِي الصُّحُفِ الْمُطَهَّرَةِ كُتُبٌ مِنَ اللَّهِ قِيمَةٌ: عَادِلَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ، لَيْسَ فِيهَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ قَتَادَةُ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَذْكُرُ الْقُرْآنَ بِأَحْسَنِ الذِّكْرِ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِأَحْسَنِ الثَّنَاءِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ مُسْتَقِيمَةٌ مُعْتَدِلَةٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ كقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٥] يَعْنِي بِذَلِكَ: أَهْلَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأُمَمِ قَبْلَنَا، بَعْدَ مَا أَقَامَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْحُجَجَ وَالْبَيِّنَاتِ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا فِي الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْ كُتُبِهِمْ، وَاخْتَلَفُوا اخْتِلَافًا كَثِيرًا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ مِنْ طُرِقٍ: "أَنَّ الْيَهُودَ اخْتَلَفُوا عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَأَنَّ النَّصَارَى اخْتَلَفُوا عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً". قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي" [[جاء هذا الحديث من حديث أبي هريرة، وأنس، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية، وعمرو بن عوف المزني، وعوف بن مالك، وأبي أمامة، وجابر بن عبد الله -رضي الله عنهم- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هو حديث صحيح مشهور" وانظر: تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي (١/٤٤٧-٤٥٠) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٥] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: حُنَفَاءُ، أَيْ: مُتَحنفين عَنِ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحْلِ: ٣٦] وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ الْحَنِيفِ فِي سُورَةِ "الْأَنْعَامِ" [[عند تفسير الآية: ١٦١.]] بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وَهِيَ أَشْرَفُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ، ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ وَهِيَ الْإِحْسَانُ إِلَى الْفُقَرَاءِ [[في أ: "الفقير".]] وَالْمَحَاوِيجِ. ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أَيْ: الْمِلَّةُ الْقَائِمَةُ الْعَادِلَةُ، أَوِ: الْأُمَّةُ الْمُسْتَقِيمَةُ الْمُعْتَدِلَةُ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، كَالزُّهْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ، بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ دَاخِلَةٌ فِي الْإِيمَانِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾
القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) ﴾ . اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ فقال بعضهم: معنى ذلك: لم يكن هؤلاء الكفار من أهل التوراة والإنجيل، والمشركون من عَبدة الأوثان ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ يقول: منتهين حتى يأتيهم هذا القرآن. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ قال: لم يكونوا ليَنتهوا حتى يتبين لهم الحق. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ قال: منتهين عما هم فيه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي هذا القرآن. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ قال: لم يكونوا منتهين حتى يأتيهم؛ ذلك المنفكّ. وقال آخرون: بل معنى ذلك أن أهل الكتاب وهم المشركون، لم يكونوا تاركين صفة محمد في كتابهم، حتى بُعث، فلما بُعث تفرّقوا فيه. وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: معنى ذلك: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين مفترقين في أمر محمد، حتى تأتيهم البيِّنة، وهي إرسال الله إياه رسولا إلى خلقه، رسول من الله. وقوله. ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ في هذا الموضع عندي من انفكاك الشيئين أحدهما من الآخر، ولذلك صَلُح بغير خبر، ولو كان بمعنى ما زال، احتاج إلى خبر يكون تماما له، واستؤنف قوله ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ هي نكرة على البيِّنة، وهي معرفة، كما قيل: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ﴾ فقال: حتى يأتيهم بيان أمر محمد أنه رسول الله، ببعثة الله إياه إليهم، ثم ترجم عن البيِّنة، فقال: تلك البينة ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يقول: يقرأ صحفا مطهرة من الباطل ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ يقول: في الصحف المطهرة كتب من الله قيمة عادلة مستقيمة، ليس فيها خطأ، لأنها من عند الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء. * * وقوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ يقول: وما تفرّق اليهود والنصارى في أمر محمد ﷺ، فكذّبوا به، إلا من بعد ما جاءتهم البينة، يعني: من بعد ما جاءت هؤلاء اليهود والنصارى البينة، يعني: أن بيان أمر محمد أنه رسول بإرسال الله إياه إلى خلقه، يقول: فلما بعثه الله تفرّقوا فيه، فكذّب به بعضهم، وآمن بعضهم، وقد كانوا قبل أن يُبعث غير مفترقين فيه أنه نبيّ.
Cette preuve claire et cet argument manifeste sont un Messager venant d’Allah, qui récite des feuillets touchés que par des êtres purs.
فِيهَا كُتُبٌۭ قَيِّمَةٌۭ
dans lesquelles se trouvent des prescriptions d'une rectitude parfaite.
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ لَمْ يَكُنْ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ -وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ-أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ-عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَيَّة الْبَدْرِيَّ -وَهُوَ: مَالِكُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ-قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ " إِلَى آخِرِهَا، قَالَ جِبْرِيلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَهَا أُبَيًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي: "إِنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَنِي أَنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ". قَالَ أُبَيٌّ: وَقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَبَكَى أُبَيٌّ [[المسند (٣/٤٨٩) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا " قَالَ: وَسَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". فَبَكَى. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِهِ [[المسند (٣/١٣٠) وصحيح البخاري (٤٩٥٩) وصحيح مسلم برقم (٧٩٩) وسنن الترمذي برقم (٣٧٩٢) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٩١) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُؤَمِّل، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَسْلَمُ الْمُنْقِرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ ذُكرتُ هُنَاكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، فَفَرحت بِذَلِكَ. قَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي وَاللَّهُ يَقُولُ: " قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ " [يُونُسَ: ٥٨] . قَالَ مُؤَمَّلٌ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ: الْقِرَاءَةُ فِي الْحَدِيثِ؟ قَالَ: نَعَمْ. تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٥/١٢٣) .]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلة، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِي: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ". قَالَ: فَقَرَأَ: " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ " قَالَ: فَقَرَأَ فِيهَا: وَلَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ سَأَلَ وَادِيًا مِنْ مَالٍ، فَأُعْطِيَهُ [[في أ: "فأعطيته".]] لَسَأَلَ ثَانِيًا، وَلَوْ سَأَلَ ثَانِيًا فَأُعْطِيَهُ [[في أ: "فأعطيته".]] لَسَأَلَ ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ. وَإِنَّ ذَلِكَ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ، غَيْرُ الْمُشْرِكَةِ وَلَا الْيَهُودِيَّةِ وَلَا النَّصْرَانِيَّةِ، وَمَنْ يَفْعَلُ خَيْرًا فَلَنْ يكفره. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ، بِهِ [[المسند (٥/١٣١) وسنن الترمذي برقم (٣٧٩٣) .]] وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ الْحَلَبِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ". قَالَ: بِاللَّهِ آمَنْتُ، وَعَلَى يَدِكَ أَسْلَمْتُ، وَمِنْكَ تَعَلَّمْتُ. قَالَ: فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ الْقَوْلَ. [قَالَ] [[زيادة من م، أ.]] فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَذُكِرْتُ هُنَاكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، بِاسْمِكَ وَنَسَبِكَ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى". قَالَ: فَاقْرَأْ إِذًا يَا رَسُولَ اللَّهِ [[المعجم الكبير (١/٢٠٠) .]] . هَذَا غَرِيبُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَالثَّابِتُ مَا تَقَدَّمَ. وَإِنَّمَا قَرَأَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ السُّورَةَ تَثْبِيتًا لَهُ، وَزِيَادَةً لِإِيمَانِهِ، فَإِنَّهُ -كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، عَنْهُ [[المسند (٥/١٢٢) وسنن النسائي (٢/٥٤) .]] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَد عَنْهُ [[المسند (٥/١٢٤) وسنن أبي داود برقم (١٤٧٧) .]] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَفَّانَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْهُ [[المسند (٥/١١٤) .]] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْهُ [[المسند (٥/١٢٧) وصحيح مسلم برقم (٨٢٠) وسنن أبي داود برقم (١٤٧٨) وسنن النسائي (٢/١٥٣) .]] كَانَ قَدْ أَنْكَرَ عَلَى إِنْسَانٍ، وَهُوَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قِرَاءَةَ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى خِلَافِ مَا أَقْرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَقْرَأَهُمَا، وَقَالَ، لِكُلٍّ مِنْهُمَا: "أَصَبْتَ". قَالَ أُبَيُّ: فَأَخَذَنِي مِنَ الشَّكِّ وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَدْرِهِ، قَالَ أُبَيُّ: فَفضْتُ عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ فَرَقًا. وَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ. فَقُلْتُ: "أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ". فَقَالَ: عَلَى حَرْفَيْنِ. فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَ هَذَا الْحَدِيثِ بِطُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ. فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الْكَرِيمَةُ وَفِيهَا: " رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ " قَرَأَهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِرَاءَةَ إِبْلَاغٍ وَتَثْبِيتٍ وَإِنْذَارٍ، لَا قِرَاءَةَ تَعَلُّمٍ وَاسْتِذْكَارٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا كَمَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةَ عَنْ تِلْكَ الْأَسْئِلَةِ، وَكَانَ فِيمَا قَالَ: أَوْلَمَ تَكُنْ تُخْبِرُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: "بَلَى، أَفَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ عَامَكَ هَذَا؟ ". قَالَ: لَا قَالَ: "فَإِنَّكَ آتِيهِ، ومُطوَّف بِهِ". فَلَمَّا رَجَعُوا مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سُورَةَ "الْفَتْحِ"، دَعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَقَرَأَهَا عَلَيْهِ، وَفِيهَا قَوْلُهُ: " لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ " الْآيَةَ [الْفَتْحِ: ٢٧] ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيم فِي كِتَابِهِ "أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ" مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْجَعْفَرِيِّ المدني: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ بْنُ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ الْمَدَنِيِّ، حَدَّثَنِي فُضَيل، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا " فَيَقُولُ: أَبْشِرْ عَبْدِي، فَوَعِزَّتِي لَأُمَكِّنَنَّهُ [[في م: "لأملأن"، وفي أ: "لأمكنن".]] لَكَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى تَرْضَى". حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا. وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ وَابْنُ الْأَثِيرِ، مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ نَظير الْمُزَنِيِّ -أَوْ: الْمَدَنِيِّ -عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا " وَيَقُولُ: أَبْشِرْ عَبْدِي، فَوَعِزَّتِي لَا أَنْسَاكَ عَلَى حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَأُمَكِّنَنَّ لَكَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى تَرْضَى" [[أسد الغابة لابن الأثير (٤/٥٤٩) وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة (٣/٥٢٨) من طريق أبي موسى، وهي من طريق محمد بن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن سلمة، عن الزهري به، وقال: "عبد الله بن سلمة واهي الحديث".]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * أَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَهُمُ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَالْمُشْرِكُونَ: عَبَدةُ الْأَوْثَانِ وَالنِّيرَانِ، مِنَ الْعَرَبِ وَمِنَ الْعَجَمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَمْ يَكُونُوا ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ يَعْنِي: مُنْتَهِينَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ. ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أَيْ: هَذَا الْقُرْآنُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ الْبَيِّنَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ، وَمَا يَتْلُوهُ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، الَّذِي هُوَ مُكْتَتَبٌ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، فِي صُحُفٍ مُطَهَّرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عَبَسَ: ١٣ -١٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَيْ فِي الصُّحُفِ الْمُطَهَّرَةِ كُتُبٌ مِنَ اللَّهِ قِيمَةٌ: عَادِلَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ، لَيْسَ فِيهَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ قَتَادَةُ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَذْكُرُ الْقُرْآنَ بِأَحْسَنِ الذِّكْرِ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِأَحْسَنِ الثَّنَاءِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ مُسْتَقِيمَةٌ مُعْتَدِلَةٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ كقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٥] يَعْنِي بِذَلِكَ: أَهْلَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأُمَمِ قَبْلَنَا، بَعْدَ مَا أَقَامَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْحُجَجَ وَالْبَيِّنَاتِ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا فِي الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْ كُتُبِهِمْ، وَاخْتَلَفُوا اخْتِلَافًا كَثِيرًا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ مِنْ طُرِقٍ: "أَنَّ الْيَهُودَ اخْتَلَفُوا عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَأَنَّ النَّصَارَى اخْتَلَفُوا عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً". قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي" [[جاء هذا الحديث من حديث أبي هريرة، وأنس، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية، وعمرو بن عوف المزني، وعوف بن مالك، وأبي أمامة، وجابر بن عبد الله -رضي الله عنهم- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هو حديث صحيح مشهور" وانظر: تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي (١/٤٤٧-٤٥٠) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٥] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: حُنَفَاءُ، أَيْ: مُتَحنفين عَنِ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحْلِ: ٣٦] وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ الْحَنِيفِ فِي سُورَةِ "الْأَنْعَامِ" [[عند تفسير الآية: ١٦١.]] بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وَهِيَ أَشْرَفُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ، ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ وَهِيَ الْإِحْسَانُ إِلَى الْفُقَرَاءِ [[في أ: "الفقير".]] وَالْمَحَاوِيجِ. ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أَيْ: الْمِلَّةُ الْقَائِمَةُ الْعَادِلَةُ، أَوِ: الْأُمَّةُ الْمُسْتَقِيمَةُ الْمُعْتَدِلَةُ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، كَالزُّهْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ، بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ دَاخِلَةٌ فِي الْإِيمَانِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾
القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) ﴾ . اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ فقال بعضهم: معنى ذلك: لم يكن هؤلاء الكفار من أهل التوراة والإنجيل، والمشركون من عَبدة الأوثان ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ يقول: منتهين حتى يأتيهم هذا القرآن. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ قال: لم يكونوا ليَنتهوا حتى يتبين لهم الحق. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ قال: منتهين عما هم فيه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي هذا القرآن. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ قال: لم يكونوا منتهين حتى يأتيهم؛ ذلك المنفكّ. وقال آخرون: بل معنى ذلك أن أهل الكتاب وهم المشركون، لم يكونوا تاركين صفة محمد في كتابهم، حتى بُعث، فلما بُعث تفرّقوا فيه. وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: معنى ذلك: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين مفترقين في أمر محمد، حتى تأتيهم البيِّنة، وهي إرسال الله إياه رسولا إلى خلقه، رسول من الله. وقوله. ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ في هذا الموضع عندي من انفكاك الشيئين أحدهما من الآخر، ولذلك صَلُح بغير خبر، ولو كان بمعنى ما زال، احتاج إلى خبر يكون تماما له، واستؤنف قوله ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ هي نكرة على البيِّنة، وهي معرفة، كما قيل: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ﴾ فقال: حتى يأتيهم بيان أمر محمد أنه رسول الله، ببعثة الله إياه إليهم، ثم ترجم عن البيِّنة، فقال: تلك البينة ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يقول: يقرأ صحفا مطهرة من الباطل ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ يقول: في الصحف المطهرة كتب من الله قيمة عادلة مستقيمة، ليس فيها خطأ، لأنها من عند الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء. * * وقوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ يقول: وما تفرّق اليهود والنصارى في أمر محمد ﷺ، فكذّبوا به، إلا من بعد ما جاءتهم البينة، يعني: من بعد ما جاءت هؤلاء اليهود والنصارى البينة، يعني: أن بيان أمر محمد أنه رسول بإرسال الله إياه إلى خلقه، يقول: فلما بعثه الله تفرّقوا فيه، فكذّب به بعضهم، وآمن بعضهم، وقد كانوا قبل أن يُبعث غير مفترقين فيه أنه نبيّ.
Dans ces feuillets, se trouvent des récits véridiques et des jugements équitables qui orientent les gens vers ce qui les rend vertueux et droits.
وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ
Et ceux à qui le Livre a été donné ne se sont divisés qu'après que la preuve leur fut venue.
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ لَمْ يَكُنْ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ -وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ-أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ-عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَيَّة الْبَدْرِيَّ -وَهُوَ: مَالِكُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ-قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ " إِلَى آخِرِهَا، قَالَ جِبْرِيلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَهَا أُبَيًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي: "إِنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَنِي أَنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ". قَالَ أُبَيٌّ: وَقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَبَكَى أُبَيٌّ [[المسند (٣/٤٨٩) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا " قَالَ: وَسَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". فَبَكَى. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِهِ [[المسند (٣/١٣٠) وصحيح البخاري (٤٩٥٩) وصحيح مسلم برقم (٧٩٩) وسنن الترمذي برقم (٣٧٩٢) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٩١) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُؤَمِّل، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَسْلَمُ الْمُنْقِرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ ذُكرتُ هُنَاكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، فَفَرحت بِذَلِكَ. قَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي وَاللَّهُ يَقُولُ: " قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ " [يُونُسَ: ٥٨] . قَالَ مُؤَمَّلٌ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ: الْقِرَاءَةُ فِي الْحَدِيثِ؟ قَالَ: نَعَمْ. تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٥/١٢٣) .]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلة، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِي: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ". قَالَ: فَقَرَأَ: " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ " قَالَ: فَقَرَأَ فِيهَا: وَلَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ سَأَلَ وَادِيًا مِنْ مَالٍ، فَأُعْطِيَهُ [[في أ: "فأعطيته".]] لَسَأَلَ ثَانِيًا، وَلَوْ سَأَلَ ثَانِيًا فَأُعْطِيَهُ [[في أ: "فأعطيته".]] لَسَأَلَ ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ. وَإِنَّ ذَلِكَ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ، غَيْرُ الْمُشْرِكَةِ وَلَا الْيَهُودِيَّةِ وَلَا النَّصْرَانِيَّةِ، وَمَنْ يَفْعَلُ خَيْرًا فَلَنْ يكفره. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ، بِهِ [[المسند (٥/١٣١) وسنن الترمذي برقم (٣٧٩٣) .]] وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ الْحَلَبِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ". قَالَ: بِاللَّهِ آمَنْتُ، وَعَلَى يَدِكَ أَسْلَمْتُ، وَمِنْكَ تَعَلَّمْتُ. قَالَ: فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ الْقَوْلَ. [قَالَ] [[زيادة من م، أ.]] فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَذُكِرْتُ هُنَاكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، بِاسْمِكَ وَنَسَبِكَ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى". قَالَ: فَاقْرَأْ إِذًا يَا رَسُولَ اللَّهِ [[المعجم الكبير (١/٢٠٠) .]] . هَذَا غَرِيبُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَالثَّابِتُ مَا تَقَدَّمَ. وَإِنَّمَا قَرَأَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ السُّورَةَ تَثْبِيتًا لَهُ، وَزِيَادَةً لِإِيمَانِهِ، فَإِنَّهُ -كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، عَنْهُ [[المسند (٥/١٢٢) وسنن النسائي (٢/٥٤) .]] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَد عَنْهُ [[المسند (٥/١٢٤) وسنن أبي داود برقم (١٤٧٧) .]] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَفَّانَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْهُ [[المسند (٥/١١٤) .]] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْهُ [[المسند (٥/١٢٧) وصحيح مسلم برقم (٨٢٠) وسنن أبي داود برقم (١٤٧٨) وسنن النسائي (٢/١٥٣) .]] كَانَ قَدْ أَنْكَرَ عَلَى إِنْسَانٍ، وَهُوَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قِرَاءَةَ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى خِلَافِ مَا أَقْرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَقْرَأَهُمَا، وَقَالَ، لِكُلٍّ مِنْهُمَا: "أَصَبْتَ". قَالَ أُبَيُّ: فَأَخَذَنِي مِنَ الشَّكِّ وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَدْرِهِ، قَالَ أُبَيُّ: فَفضْتُ عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ فَرَقًا. وَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ. فَقُلْتُ: "أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ". فَقَالَ: عَلَى حَرْفَيْنِ. فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَ هَذَا الْحَدِيثِ بِطُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ. فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الْكَرِيمَةُ وَفِيهَا: " رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ " قَرَأَهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِرَاءَةَ إِبْلَاغٍ وَتَثْبِيتٍ وَإِنْذَارٍ، لَا قِرَاءَةَ تَعَلُّمٍ وَاسْتِذْكَارٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا كَمَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةَ عَنْ تِلْكَ الْأَسْئِلَةِ، وَكَانَ فِيمَا قَالَ: أَوْلَمَ تَكُنْ تُخْبِرُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: "بَلَى، أَفَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ عَامَكَ هَذَا؟ ". قَالَ: لَا قَالَ: "فَإِنَّكَ آتِيهِ، ومُطوَّف بِهِ". فَلَمَّا رَجَعُوا مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سُورَةَ "الْفَتْحِ"، دَعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَقَرَأَهَا عَلَيْهِ، وَفِيهَا قَوْلُهُ: " لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ " الْآيَةَ [الْفَتْحِ: ٢٧] ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيم فِي كِتَابِهِ "أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ" مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْجَعْفَرِيِّ المدني: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ بْنُ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ الْمَدَنِيِّ، حَدَّثَنِي فُضَيل، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا " فَيَقُولُ: أَبْشِرْ عَبْدِي، فَوَعِزَّتِي لَأُمَكِّنَنَّهُ [[في م: "لأملأن"، وفي أ: "لأمكنن".]] لَكَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى تَرْضَى". حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا. وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ وَابْنُ الْأَثِيرِ، مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ نَظير الْمُزَنِيِّ -أَوْ: الْمَدَنِيِّ -عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا " وَيَقُولُ: أَبْشِرْ عَبْدِي، فَوَعِزَّتِي لَا أَنْسَاكَ عَلَى حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَأُمَكِّنَنَّ لَكَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى تَرْضَى" [[أسد الغابة لابن الأثير (٤/٥٤٩) وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة (٣/٥٢٨) من طريق أبي موسى، وهي من طريق محمد بن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن سلمة، عن الزهري به، وقال: "عبد الله بن سلمة واهي الحديث".]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * أَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَهُمُ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَالْمُشْرِكُونَ: عَبَدةُ الْأَوْثَانِ وَالنِّيرَانِ، مِنَ الْعَرَبِ وَمِنَ الْعَجَمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَمْ يَكُونُوا ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ يَعْنِي: مُنْتَهِينَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ. ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أَيْ: هَذَا الْقُرْآنُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ الْبَيِّنَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ، وَمَا يَتْلُوهُ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، الَّذِي هُوَ مُكْتَتَبٌ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، فِي صُحُفٍ مُطَهَّرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عَبَسَ: ١٣ -١٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَيْ فِي الصُّحُفِ الْمُطَهَّرَةِ كُتُبٌ مِنَ اللَّهِ قِيمَةٌ: عَادِلَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ، لَيْسَ فِيهَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ قَتَادَةُ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَذْكُرُ الْقُرْآنَ بِأَحْسَنِ الذِّكْرِ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِأَحْسَنِ الثَّنَاءِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ مُسْتَقِيمَةٌ مُعْتَدِلَةٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ كقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٥] يَعْنِي بِذَلِكَ: أَهْلَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأُمَمِ قَبْلَنَا، بَعْدَ مَا أَقَامَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْحُجَجَ وَالْبَيِّنَاتِ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا فِي الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْ كُتُبِهِمْ، وَاخْتَلَفُوا اخْتِلَافًا كَثِيرًا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ مِنْ طُرِقٍ: "أَنَّ الْيَهُودَ اخْتَلَفُوا عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَأَنَّ النَّصَارَى اخْتَلَفُوا عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً". قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي" [[جاء هذا الحديث من حديث أبي هريرة، وأنس، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية، وعمرو بن عوف المزني، وعوف بن مالك، وأبي أمامة، وجابر بن عبد الله -رضي الله عنهم- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هو حديث صحيح مشهور" وانظر: تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي (١/٤٤٧-٤٥٠) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٥] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: حُنَفَاءُ، أَيْ: مُتَحنفين عَنِ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحْلِ: ٣٦] وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ الْحَنِيفِ فِي سُورَةِ "الْأَنْعَامِ" [[عند تفسير الآية: ١٦١.]] بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وَهِيَ أَشْرَفُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ، ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ وَهِيَ الْإِحْسَانُ إِلَى الْفُقَرَاءِ [[في أ: "الفقير".]] وَالْمَحَاوِيجِ. ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أَيْ: الْمِلَّةُ الْقَائِمَةُ الْعَادِلَةُ، أَوِ: الْأُمَّةُ الْمُسْتَقِيمَةُ الْمُعْتَدِلَةُ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، كَالزُّهْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ، بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ دَاخِلَةٌ فِي الْإِيمَانِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾
القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) ﴾ . اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ فقال بعضهم: معنى ذلك: لم يكن هؤلاء الكفار من أهل التوراة والإنجيل، والمشركون من عَبدة الأوثان ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ يقول: منتهين حتى يأتيهم هذا القرآن. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ قال: لم يكونوا ليَنتهوا حتى يتبين لهم الحق. ⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ قال: منتهين عما هم فيه. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي هذا القرآن. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: ﴿وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ قال: لم يكونوا منتهين حتى يأتيهم؛ ذلك المنفكّ. وقال آخرون: بل معنى ذلك أن أهل الكتاب وهم المشركون، لم يكونوا تاركين صفة محمد في كتابهم، حتى بُعث، فلما بُعث تفرّقوا فيه. وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: معنى ذلك: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين مفترقين في أمر محمد، حتى تأتيهم البيِّنة، وهي إرسال الله إياه رسولا إلى خلقه، رسول من الله. وقوله. ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ في هذا الموضع عندي من انفكاك الشيئين أحدهما من الآخر، ولذلك صَلُح بغير خبر، ولو كان بمعنى ما زال، احتاج إلى خبر يكون تماما له، واستؤنف قوله ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ هي نكرة على البيِّنة، وهي معرفة، كما قيل: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ﴾ فقال: حتى يأتيهم بيان أمر محمد أنه رسول الله، ببعثة الله إياه إليهم، ثم ترجم عن البيِّنة، فقال: تلك البينة ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يقول: يقرأ صحفا مطهرة من الباطل ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ يقول: في الصحف المطهرة كتب من الله قيمة عادلة مستقيمة، ليس فيها خطأ، لأنها من عند الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء. * * وقوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ يقول: وما تفرّق اليهود والنصارى في أمر محمد ﷺ، فكذّبوا به، إلا من بعد ما جاءتهم البينة، يعني: من بعد ما جاءت هؤلاء اليهود والنصارى البينة، يعني: أن بيان أمر محمد أنه رسول بإرسال الله إياه إلى خلقه، يقول: فلما بعثه الله تفرّقوا فيه، فكذّب به بعضهم، وآمن بعضهم، وقد كانوا قبل أن يُبعث غير مفترقين فيه أنه نبيّ.
Les juifs, à qui la Torah a été donnée, et les chrétiens, à qui l’Evangile a été donnée, n’ont divergé qu’après qu’Allah leur ait envoyé Son Prophète. Certains se sont convertis à l’Islam et d’autres sont restés mécréants malgré leur connaissance de la véracité du Prophète.
وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلْقَيِّمَةِ
Il ne leur a été commandé, cependant, que d'adorer Allah, Lui vouant un culte exclusif, d'accomplir la Salât et d'acquitter la Zakât. Et voilà la religion de droiture.
Tafsir (3)
تَفْسِيرُ سُورَةِ لَمْ يَكُنْ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ -وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ-أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ-عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَيَّة الْبَدْرِيَّ -وَهُوَ: مَالِكُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ-قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ " إِلَى آخِرِهَا، قَالَ جِبْرِيلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَهَا أُبَيًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي: "إِنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَنِي أَنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ". قَالَ أُبَيٌّ: وَقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَبَكَى أُبَيٌّ [[المسند (٣/٤٨٩) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا " قَالَ: وَسَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". فَبَكَى. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِهِ [[المسند (٣/١٣٠) وصحيح البخاري (٤٩٥٩) وصحيح مسلم برقم (٧٩٩) وسنن الترمذي برقم (٣٧٩٢) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٩١) .]] . حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُؤَمِّل، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَسْلَمُ الْمُنْقِرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ ذُكرتُ هُنَاكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، فَفَرحت بِذَلِكَ. قَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي وَاللَّهُ يَقُولُ: " قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ " [يُونُسَ: ٥٨] . قَالَ مُؤَمَّلٌ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ: الْقِرَاءَةُ فِي الْحَدِيثِ؟ قَالَ: نَعَمْ. تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٥/١٢٣) .]] . طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلة، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِي: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ". قَالَ: فَقَرَأَ: " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ " قَالَ: فَقَرَأَ فِيهَا: وَلَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ سَأَلَ وَادِيًا مِنْ مَالٍ، فَأُعْطِيَهُ [[في أ: "فأعطيته".]] لَسَأَلَ ثَانِيًا، وَلَوْ سَأَلَ ثَانِيًا فَأُعْطِيَهُ [[في أ: "فأعطيته".]] لَسَأَلَ ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ. وَإِنَّ ذَلِكَ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ، غَيْرُ الْمُشْرِكَةِ وَلَا الْيَهُودِيَّةِ وَلَا النَّصْرَانِيَّةِ، وَمَنْ يَفْعَلُ خَيْرًا فَلَنْ يكفره. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ، بِهِ [[المسند (٥/١٣١) وسنن الترمذي برقم (٣٧٩٣) .]] وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ الْحَلَبِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ". قَالَ: بِاللَّهِ آمَنْتُ، وَعَلَى يَدِكَ أَسْلَمْتُ، وَمِنْكَ تَعَلَّمْتُ. قَالَ: فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ الْقَوْلَ. [قَالَ] [[زيادة من م، أ.]] فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَذُكِرْتُ هُنَاكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، بِاسْمِكَ وَنَسَبِكَ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى". قَالَ: فَاقْرَأْ إِذًا يَا رَسُولَ اللَّهِ [[المعجم الكبير (١/٢٠٠) .]] . هَذَا غَرِيبُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَالثَّابِتُ مَا تَقَدَّمَ. وَإِنَّمَا قَرَأَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ السُّورَةَ تَثْبِيتًا لَهُ، وَزِيَادَةً لِإِيمَانِهِ، فَإِنَّهُ -كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، عَنْهُ [[المسند (٥/١٢٢) وسنن النسائي (٢/٥٤) .]] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَد عَنْهُ [[المسند (٥/١٢٤) وسنن أبي داود برقم (١٤٧٧) .]] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَفَّانَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْهُ [[المسند (٥/١١٤) .]] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْهُ [[المسند (٥/١٢٧) وصحيح مسلم برقم (٨٢٠) وسنن أبي داود برقم (١٤٧٨) وسنن النسائي (٢/١٥٣) .]] كَانَ قَدْ أَنْكَرَ عَلَى إِنْسَانٍ، وَهُوَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قِرَاءَةَ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى خِلَافِ مَا أَقْرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَقْرَأَهُمَا، وَقَالَ، لِكُلٍّ مِنْهُمَا: "أَصَبْتَ". قَالَ أُبَيُّ: فَأَخَذَنِي مِنَ الشَّكِّ وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَدْرِهِ، قَالَ أُبَيُّ: فَفضْتُ عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ فَرَقًا. وَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ. فَقُلْتُ: "أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ". فَقَالَ: عَلَى حَرْفَيْنِ. فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَ هَذَا الْحَدِيثِ بِطُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ. فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الْكَرِيمَةُ وَفِيهَا: " رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ " قَرَأَهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِرَاءَةَ إِبْلَاغٍ وَتَثْبِيتٍ وَإِنْذَارٍ، لَا قِرَاءَةَ تَعَلُّمٍ وَاسْتِذْكَارٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا كَمَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةَ عَنْ تِلْكَ الْأَسْئِلَةِ، وَكَانَ فِيمَا قَالَ: أَوْلَمَ تَكُنْ تُخْبِرُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: "بَلَى، أَفَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ عَامَكَ هَذَا؟ ". قَالَ: لَا قَالَ: "فَإِنَّكَ آتِيهِ، ومُطوَّف بِهِ". فَلَمَّا رَجَعُوا مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سُورَةَ "الْفَتْحِ"، دَعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَقَرَأَهَا عَلَيْهِ، وَفِيهَا قَوْلُهُ: " لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ " الْآيَةَ [الْفَتْحِ: ٢٧] ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيم فِي كِتَابِهِ "أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ" مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْجَعْفَرِيِّ المدني: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ بْنُ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ الْمَدَنِيِّ، حَدَّثَنِي فُضَيل، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا " فَيَقُولُ: أَبْشِرْ عَبْدِي، فَوَعِزَّتِي لَأُمَكِّنَنَّهُ [[في م: "لأملأن"، وفي أ: "لأمكنن".]] لَكَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى تَرْضَى". حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا. وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ وَابْنُ الْأَثِيرِ، مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ نَظير الْمُزَنِيِّ -أَوْ: الْمَدَنِيِّ -عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا " وَيَقُولُ: أَبْشِرْ عَبْدِي، فَوَعِزَّتِي لَا أَنْسَاكَ عَلَى حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَأُمَكِّنَنَّ لَكَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى تَرْضَى" [[أسد الغابة لابن الأثير (٤/٥٤٩) وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة (٣/٥٢٨) من طريق أبي موسى، وهي من طريق محمد بن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن سلمة، عن الزهري به، وقال: "عبد الله بن سلمة واهي الحديث".]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * * أَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَهُمُ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَالْمُشْرِكُونَ: عَبَدةُ الْأَوْثَانِ وَالنِّيرَانِ، مِنَ الْعَرَبِ وَمِنَ الْعَجَمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَمْ يَكُونُوا ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ يَعْنِي: مُنْتَهِينَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ. ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أَيْ: هَذَا الْقُرْآنُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ الْبَيِّنَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ، وَمَا يَتْلُوهُ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، الَّذِي هُوَ مُكْتَتَبٌ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، فِي صُحُفٍ مُطَهَّرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عَبَسَ: ١٣ -١٦] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَيْ فِي الصُّحُفِ الْمُطَهَّرَةِ كُتُبٌ مِنَ اللَّهِ قِيمَةٌ: عَادِلَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ، لَيْسَ فِيهَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ قَتَادَةُ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يَذْكُرُ الْقُرْآنَ بِأَحْسَنِ الذِّكْرِ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِأَحْسَنِ الثَّنَاءِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ مُسْتَقِيمَةٌ مُعْتَدِلَةٌ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ كقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٥] يَعْنِي بِذَلِكَ: أَهْلَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأُمَمِ قَبْلَنَا، بَعْدَ مَا أَقَامَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْحُجَجَ وَالْبَيِّنَاتِ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا فِي الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْ كُتُبِهِمْ، وَاخْتَلَفُوا اخْتِلَافًا كَثِيرًا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ مِنْ طُرِقٍ: "أَنَّ الْيَهُودَ اخْتَلَفُوا عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَأَنَّ النَّصَارَى اخْتَلَفُوا عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً". قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي" [[جاء هذا الحديث من حديث أبي هريرة، وأنس، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية، وعمرو بن عوف المزني، وعوف بن مالك، وأبي أمامة، وجابر بن عبد الله -رضي الله عنهم- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هو حديث صحيح مشهور" وانظر: تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي (١/٤٤٧-٤٥٠) .]] . * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٥] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: حُنَفَاءُ، أَيْ: مُتَحنفين عَنِ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحْلِ: ٣٦] وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ الْحَنِيفِ فِي سُورَةِ "الْأَنْعَامِ" [[عند تفسير الآية: ١٦١.]] بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وَهِيَ أَشْرَفُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ، ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ وَهِيَ الْإِحْسَانُ إِلَى الْفُقَرَاءِ [[في أ: "الفقير".]] وَالْمَحَاوِيجِ. ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أَيْ: الْمِلَّةُ الْقَائِمَةُ الْعَادِلَةُ، أَوِ: الْأُمَّةُ الْمُسْتَقِيمَةُ الْمُعْتَدِلَةُ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، كَالزُّهْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ، بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ دَاخِلَةٌ فِي الْإِيمَانِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) ﴾ . يقول تعالى ذكره: وما أمر الله هؤلاء اليهود والنصارى الذين هم أهل الكتاب إلا أن يعبدوا الله مخلصين له الدين؛ يقول: مفردين له الطاعة، لا يخلطون طاعتهم ربهم بشرك، فأشركت اليهود بربها بقولهم إن عُزَيرا ابن الله، والنصارى بقولهم في المسيح مثل ذلك، وجحودهم نبوة محمد ﷺ. * * وقوله: ﴿حُنَفَاءَ﴾ قد مضى بياننا في معنى الحنيفية قبل بشواهده المُغنية عن إعادتها، غير أنا نذكر بعض ما لم نذكر قبل من الأخبار في ذلك. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ يقول: حجاجا مسلمين غير مشركين، يقول: ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ويحجوا وذلك دين القيمة. ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ والحنيفية: الختان، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات والمناسك. * * وقوله: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ يقول: وليقيموا الصلاة، وليؤتوا الزكاة. * * وقوله: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ يعني أن هذا الذي ذكر أنه أمر به هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، هو الدين القيمة، ويعني بالقيِّمة: المستقيمة العادلة، وأضيف الدين إلى القيِّمة، والدين هو القَيِّم، وهو من نعته لاختلاف لفظيهما. وهي في قراءة عبد الله فيما أرى فيما ذُكر لنا: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ وأُنِّثت القيمة، لأنها جعلت صفة للملة، كأنه قيل: وذلك الملة القيِّمة، دون اليهودية والنصرانية. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ هو الدين الذي بعث الله به رسوله، وشرع لنفسه، ورضي به. ⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ قال: هو واحد؛ قيِّمة: مستقيمة معتدلة.
La transgression et l’obstination des juifs et des chrétiens n’en est que moins justifiée, lorsqu’on sait que le Coran ne leur ordonne rien d’autre que ce que leurs deux livres leur ordonnent, à savoir: adorer Allah Seul, s’abstenir de polythéisme, accomplir la prière et s’acquitter de l’aumône légale. Ce qui leur a été ordonné est la religion droite qui ne comporte aucune tortuosité.
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ
Les infidèles parmi les gens du Livre, ainsi que les Associateurs iront au feu de l'Enfer, pour y demeurer éternellement. De toute la création, ce sont eux les pires.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ مَآلِ الْفُجَّارِ، مِنْ كَفَرَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالْمُشْرِكِينَ الْمُخَالِفِينَ لَكُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ وَأَنْبِيَاءِ اللَّهِ الْمُرْسَلَةِ: أَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: مَاكِثِينَ، لَا يُحَوَّلُونَ عَنْهَا وَلَا يَزُولُونَ ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ أَيْ: شَرُّ الْخَلِيقَةِ الَّتِي بَرَأَهَا اللَّهُ وَذَرَأَهَا. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ حَالِ الْأَبْرَارِ -الَّذِينَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِأَبْدَانِهِمْ-بِأَنَّهُمْ خير الْبَرِيَّةِ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، عَلَى تَفْضِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْبَرِيَّةِ [[في أ: "من البشر".]] عَلَى الْمَلَائِكَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أَيْ: بِلَا انْفِصَالٍ وَلَا انْقِضَاءٍ وَلَا فَرَاغٍ. ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وَمَقَامُ رِضَاهُ عَنْهُمْ أَعْلَى مِمَّا أُوتُوهُ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فِيمَا مَنَحَهُمْ مِنَ الْفَضْلِ الْعَمِيمِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أَيْ: هَذَا الْجَزَاءُ حَاصِلٌ لِمَنْ خَشِيَ اللَّهَ وَاتَّقَاهُ حَقَّ تَقْوَاهُ، وَعَبَدَهُ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَرَهُ فَإِنَّهُ يَرَاهُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ أَبِي وَهْبٍ -مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الْبَرِيَّةِ؟ " قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "رَجُلٌ أَخَذَ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كُلَّمَا كَانَتْ هَيْعَة اسْتَوَى عَلَيْهِ. أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الْبَرِيَّةِ؟ " قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "رَجُلٌ فِي ثُلَّة مِنْ غَنَمِهِ، يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ. أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ [[في أ: "بخير".]] الْبَرِيَّةِ؟ ". قَالُوا: بَلَى. قَالَ: "الَّذِي يَسأل بِاللَّهِ، وَلَا يُعطي بِهِ" [[المسند (٢/٣٩٦) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٢٧٩) : "أبو معشر -نجيح- ضعيف، وأبو معشر (كذا فيه، والصواب: أبو وهب) مولى أبي هريرة لم أعرفه".]] . آخِرُ تفسير سورة "لم يكن" [[في م: "آخر تفسيرها".]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) ﴾ . يقول تعالى ذكره: إن الذين كفروا بالله ورسوله محمد ﷺ، فجحدوا نبوّته، من اليهود والنصارى والمشركين جميعهم ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يقول: ماكثين لابثين فيها ﴿أَبَدًا﴾ لا يخرجون منها، ولا يموتون فيها ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ يقول جل ثناؤه: هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، هم شرّ من برأه الله وخلقه، والعرب لا تهمز البرية، وبترك الهمز فيها قرأتها قراء الأمصار، غير شيء يُذكر عن نافع بن أبي نعيم، فإنه حكى بعضهم عنه أنه كان يهمزها، وذهب بها إلى قول الله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] وأنها فعيلة من ذلك. وأما الذين لم يهمزوها، فإن لتركهم الهمز في ذلك وجهين: أحدهما أن يكونوا تركوا الهمز فيها، كما تركوه من الملك، وهو مفعل من ألك أو لأك، ومِن يرى، وترى، ونرى، وهو يفعل من رأيت. والآخر: أن يكونوا وجَّهوها إلى أنها فعيلة من البري وهو التراب. حكي عن العرب سماعا: بفيك البري، يعني به: التراب. * * وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الذين آمنوا بالله ورسوله محمد، وعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأطاعوا الله فيما أمر ونهى ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ يقول: من فعل ذلك من الناس فهم خير البرية. وقد: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا عيسى بن فرقد، عن أبي الجارود، عن محمد بن عليّ ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ فقال النبي ﷺ: "أنْتَ يا عَلي وَشِيعَتُكَ".
Les juifs, les chrétiens et les polythéistes qui mécroient entreront le Jour de la Résurrection en Enfer où ils demeureront éternellement. Ce sont eux les pires des créatures pour avoir mécru en Allah et traité Son Messager de menteur.
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ
Quant à ceux qui croient et accomplissent les bonnes œuvres, ce sont les meilleurs de toute la création.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ مَآلِ الْفُجَّارِ، مِنْ كَفَرَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالْمُشْرِكِينَ الْمُخَالِفِينَ لَكُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ وَأَنْبِيَاءِ اللَّهِ الْمُرْسَلَةِ: أَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: مَاكِثِينَ، لَا يُحَوَّلُونَ عَنْهَا وَلَا يَزُولُونَ ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ أَيْ: شَرُّ الْخَلِيقَةِ الَّتِي بَرَأَهَا اللَّهُ وَذَرَأَهَا. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ حَالِ الْأَبْرَارِ -الَّذِينَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِأَبْدَانِهِمْ-بِأَنَّهُمْ خير الْبَرِيَّةِ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، عَلَى تَفْضِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْبَرِيَّةِ [[في أ: "من البشر".]] عَلَى الْمَلَائِكَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أَيْ: بِلَا انْفِصَالٍ وَلَا انْقِضَاءٍ وَلَا فَرَاغٍ. ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وَمَقَامُ رِضَاهُ عَنْهُمْ أَعْلَى مِمَّا أُوتُوهُ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فِيمَا مَنَحَهُمْ مِنَ الْفَضْلِ الْعَمِيمِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أَيْ: هَذَا الْجَزَاءُ حَاصِلٌ لِمَنْ خَشِيَ اللَّهَ وَاتَّقَاهُ حَقَّ تَقْوَاهُ، وَعَبَدَهُ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَرَهُ فَإِنَّهُ يَرَاهُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ أَبِي وَهْبٍ -مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الْبَرِيَّةِ؟ " قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "رَجُلٌ أَخَذَ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كُلَّمَا كَانَتْ هَيْعَة اسْتَوَى عَلَيْهِ. أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الْبَرِيَّةِ؟ " قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "رَجُلٌ فِي ثُلَّة مِنْ غَنَمِهِ، يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ. أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ [[في أ: "بخير".]] الْبَرِيَّةِ؟ ". قَالُوا: بَلَى. قَالَ: "الَّذِي يَسأل بِاللَّهِ، وَلَا يُعطي بِهِ" [[المسند (٢/٣٩٦) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٢٧٩) : "أبو معشر -نجيح- ضعيف، وأبو معشر (كذا فيه، والصواب: أبو وهب) مولى أبي هريرة لم أعرفه".]] . آخِرُ تفسير سورة "لم يكن" [[في م: "آخر تفسيرها".]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) ﴾ . يقول تعالى ذكره: إن الذين كفروا بالله ورسوله محمد ﷺ، فجحدوا نبوّته، من اليهود والنصارى والمشركين جميعهم ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يقول: ماكثين لابثين فيها ﴿أَبَدًا﴾ لا يخرجون منها، ولا يموتون فيها ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ يقول جل ثناؤه: هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، هم شرّ من برأه الله وخلقه، والعرب لا تهمز البرية، وبترك الهمز فيها قرأتها قراء الأمصار، غير شيء يُذكر عن نافع بن أبي نعيم، فإنه حكى بعضهم عنه أنه كان يهمزها، وذهب بها إلى قول الله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] وأنها فعيلة من ذلك. وأما الذين لم يهمزوها، فإن لتركهم الهمز في ذلك وجهين: أحدهما أن يكونوا تركوا الهمز فيها، كما تركوه من الملك، وهو مفعل من ألك أو لأك، ومِن يرى، وترى، ونرى، وهو يفعل من رأيت. والآخر: أن يكونوا وجَّهوها إلى أنها فعيلة من البري وهو التراب. حكي عن العرب سماعا: بفيك البري، يعني به: التراب. * * وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الذين آمنوا بالله ورسوله محمد، وعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأطاعوا الله فيما أمر ونهى ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ يقول: من فعل ذلك من الناس فهم خير البرية. وقد: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا عيسى بن فرقد، عن أبي الجارود، عن محمد بن عليّ ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ فقال النبي ﷺ: "أنْتَ يا عَلي وَشِيعَتُكَ".
Ceux qui croient en Allah et accomplissent de bonnes œuvres sont les meilleures des créatures.
جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّٰتُ عَدْنٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُۥ
Leur récompense auprès d'Allah sera les Jardins de séjour, sous lesquels coulent les ruisseaux, pour y demeurer éternellement. Allah les agrée et ils L'agréent. Telle sera [la récompense] de celui qui craint son Seigneur.
Tafsir (3)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ مَآلِ الْفُجَّارِ، مِنْ كَفَرَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالْمُشْرِكِينَ الْمُخَالِفِينَ لَكُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ وَأَنْبِيَاءِ اللَّهِ الْمُرْسَلَةِ: أَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: مَاكِثِينَ، لَا يُحَوَّلُونَ عَنْهَا وَلَا يَزُولُونَ ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ أَيْ: شَرُّ الْخَلِيقَةِ الَّتِي بَرَأَهَا اللَّهُ وَذَرَأَهَا. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ حَالِ الْأَبْرَارِ -الَّذِينَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِأَبْدَانِهِمْ-بِأَنَّهُمْ خير الْبَرِيَّةِ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، عَلَى تَفْضِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْبَرِيَّةِ [[في أ: "من البشر".]] عَلَى الْمَلَائِكَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أَيْ: بِلَا انْفِصَالٍ وَلَا انْقِضَاءٍ وَلَا فَرَاغٍ. ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وَمَقَامُ رِضَاهُ عَنْهُمْ أَعْلَى مِمَّا أُوتُوهُ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فِيمَا مَنَحَهُمْ مِنَ الْفَضْلِ الْعَمِيمِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أَيْ: هَذَا الْجَزَاءُ حَاصِلٌ لِمَنْ خَشِيَ اللَّهَ وَاتَّقَاهُ حَقَّ تَقْوَاهُ، وَعَبَدَهُ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَرَهُ فَإِنَّهُ يَرَاهُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ أَبِي وَهْبٍ -مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الْبَرِيَّةِ؟ " قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "رَجُلٌ أَخَذَ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كُلَّمَا كَانَتْ هَيْعَة اسْتَوَى عَلَيْهِ. أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الْبَرِيَّةِ؟ " قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "رَجُلٌ فِي ثُلَّة مِنْ غَنَمِهِ، يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ. أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ [[في أ: "بخير".]] الْبَرِيَّةِ؟ ". قَالُوا: بَلَى. قَالَ: "الَّذِي يَسأل بِاللَّهِ، وَلَا يُعطي بِهِ" [[المسند (٢/٣٩٦) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٢٧٩) : "أبو معشر -نجيح- ضعيف، وأبو معشر (كذا فيه، والصواب: أبو وهب) مولى أبي هريرة لم أعرفه".]] . آخِرُ تفسير سورة "لم يكن" [[في م: "آخر تفسيرها".]] .
القول في تأويل قوله تعالى جل جلاله وتقدست أسماؤه: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨) ﴾ . يقول تعالى ذكره: ثواب هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات عند ربهم يوم القيامة ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ يعني بساتين إقامَة لا ظعن فيها، تجري من تحت أشجارها الأنهار ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ يقول: ماكثين فيها أبدًا، لا يخرجون عنها، ولا يموتون فيها ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ بما أطاعوه في الدنيا، وعملوا لخلاصهم من عقابه في ذلك ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بما أعطاهم من الثواب يومئذ، على طاعتهم ربهم في الدنيا، وجزاهم عليها من الكرامة. * * وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ يقول تعالى ذكره: هذا الخير الذي وصفته، ووعدته الذين آمنوا وعملوا الصالحات يوم القيامة، لمن خشي ربه؛ يقول: لمن خاف الله في الدنيا في سرّه وعلانيته، فاتقاه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، وبالله التوفيق. آخر تفسير سورة لم يكن
Leur récompense auprès de leur Seigneur sera des vergers où les rivières coulent sous les palais et les arbres et où ils demeureront éternellement. Allah les agrée pour avoir cru en Lui et lui avoir obéi, et eux-mêmes l’agréeront pour Sa miséricorde dont ils bénéficieront. Cette miséricorde est du lot de celui qui redoute son Seigneur, se conformant ainsi à Ses commandements et renonçant à Ses interdits.